العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12-11-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عاصفة الحريري .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 9/11/2017

تخرج الأمور، في منطقتنا، إلى العلن، فقط بعد طبخها مطولاً في الخفاء. فنفاجأ بها في كل مرة، وتأخذنا التحليلات في مختلف الاتجاهات، إلى أن تتوالى «تداعيات الحدث» كما يقال، فتكشف ما كان خافياً بقدر ما تريد الجهات الفاعلة الكشف عنه. في حين أن الحروب تطحننا غير عابئة بآلام البشر ودمائهم، لتغيير «موازين القوى» وإعادة توزيع عوائدها السياسية بما يلائم مصالح مشعليها.

هكذا فوجئنا باستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وبالصاروخ الحوثي على الرياض، في الوقت الذي كان اعتقال أمراء العائلة الحاكمة ووزرائها يجري على قدم وساق في إطار «مكافحة الفساد».

تمت قراءة استقالة الحريري، غالباً، في سياق الانقلاب «السلس» داخل العائلة السعودية الحاكمة، أو في إطار المواجهة الأمريكية ـ السعودية ضد إيران، نازعين الرجل وما يمثل من سياقه اللبناني الداخلي، وثمة من اعتبروها خطوة متأخرة لرفع الغطاء السني عن هيمنة حزب الله المطلقة على لبنان.

والحال أن كلا القراءتين تؤديان إلى المؤدى نفسه، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن لبنان مفرغ الداخل أصلاً ما دام حزب الله المهيمن على الحكومة والرئاسة والبرلمان منخرطاً في صراع إقليمي خارج حدوده، بوصفه أداة لأجندة دولة أجنبية هي إيران، ويساهم في تدفق اللاجئين السوريين الفارين من جحيم معاركه في سوريا، كما في تسلل الإرهاب القاعدي والداعشي إلى لبنان.

بطريقة ما، ومن مكان ما، يبدو أن قراراً صدر بإنهاء هذا الوضع الشاذ الذي يعيشه لبنان، أو تحجيمه: حزب إرهابي يخوض حرباً خارج حدود لبنان لمصلحة دولة أجنبية، ومشارك في الحكومة، بل يهيمن عليها، في وقت واحد. هذا فضلاً عن أنه حزب مذهبي لا يمكنه، بوصفه هذا، أن يحتكر الحكم في لبنان على طريقة الدكتاتوريات العسكرية أو الأنظمة الشمولية. وإن كان يسلك مسالك الأخيرة، في أحط مظاهرها، داخل البيئة الشيعية، كما رأينا، قبل أيام، في الطريقة المهينة التي فرض بها الاعتذار على أصحاب البسطات الذين شتموا «سماحة السيد» علناً بأقذع الشتائم. بل قد يصح الذهاب بعيداً في الربط بين حادثة حي السلم واستقالة الحريري، بمعنى تكامل التطويق المعنوي للحزب الإيراني في لبنان، من داخل ومن خارج، ليس من منطلق نظرية المؤامرة، بل بناء على وصول المشروع الامبراطوري الإيراني إلى أقصى ما يمكنه الوصول إليه، بما يحتم بدء مرحلة انحساره وتدهوره.

وإذا كان إعلام الممانعة قد ركز على الدور السعودي في استقالة الحريري، فهاجمه معبراً عن صدمة من سحب البساط من تحت قدميه على حين غرة، فقد أظهر الأمين العام لحزب الله «ضبطاً للنفس» لم نعهده فيه، داعياً للتهدئة وممارساً لها، بهدف امتصاص الصدمة قبل التفكير في الخطوة التالية.

فقد جاءت استقالة الحريري في وقت يشتد فيه الضغط الدولي على الحزب، من خلال عودة الأمريكيين إلى إبراز صفته الإرهابية، وتشديد العقوبات عليه، وملاحقة مصادر تمويله. وكل ذلك في إطار الاسترتيجية الجديدة لدونالد ترامب في مواجهة إيران، الأمر الذي ظهرت مفاعيله في العراق أيضاً ضد قادة الحشد الشعبي الثمل بانتصاراته في كركوك وسنجار.

قد لا تشكل الاستقالة، بحد ذاتها، ضربة موجعة لحزب الله وحلفائه، ومن ورائهما إيران، ما لم تكن في إطار سلسلة من الخطوات المنسقة محلياً واقليمياً ودولياً. وهذا ما لا نعرف عنه شيئاً في الوقت الحالي. أي هل هناك خطة متكاملة لإسقاط حزب الله من حكم لبنان؟ وكم يمكن لخطة مماثلة، إذا وجدت، أن تكلف لبنان أمنياً واقتصادياً؟ فمن المرجح أن الحزب لن يستسلم أمام الضغوط، ما لم تقرر طهران «التهدئة» الاضطرارية مع خصومها في واشنطن أساساً، وعبر الإقليم تالياً. أي تجرع كأس السم الشهير على ما وصف الإمام الخميني موافقته على إيقاف الحرب مع العراق في 1988. وبالنظر إلى عدم اكتمال نضوج «الحل الروسي» في سوريا، على رغم كل استعجال بوتين، فلا يمكن توقع قبول خامنئي بتجرع تلك الكأس في وقت قريب.

هناك انتخابات نيابية مقررة، في الربيع القادم، في كل من لبنان والعراق. وإذا كان حيدر العبادي قد وضع تحت ابطه «انتصار» جيشه وحشده الشعبي على قيادة إقليم كردستان، ضمانة لفوز يشتهيه في الانتخابات العراقية، فالتوتر المتوقع في لبنان ما بعد الحريري لن يسمح لحزب الله وحلفائه بتمرير الانتخابات أصلاً، ناهيكم عن الخروج منها بنتائج لمصلحتهما.

أما في سوريا، فما يحول دون توافق أمريكي ـ روسي، لا مفر منه، على تسوية روسية، ليس الخلاف على من يحكم الرقة أو دير الزور بعد داعش، أو على بقاء بطل الكيماوي والبراميل البدائية القاتلة في المرحلة الانتقالية أو بعدها، بقدر ما هو الوجود الإيراني في سوريا من خلال حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية الأخرى متعددة الجنسيات. هذا الوجود الذي لا تقبل به واشنطن، ولا تستطيع موسكو الاستغناء أو التخلي عنه.

في هذه الأجواء من تصعيد الصراع الموصوف بـ»الشيعي – السني»، الله يحمي اللبنانيين.

٭ كاتب سوري

========================

موقفنا : أيها السوريون : استراتيجتهم تنحية قضيتكم ..فلا تعينوهم .. لا تركنوا ، ولا تصمتوا .. ولا تتشاغلوا.. ولا تنشغلوا .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 11 / 11 / 2017

قد لا يجد المرء أسبابا مقنعة ومباشرة يفسر بها انفجار المنطقة العربية بهذه التشققات المرافقة لسيل من الصخب والضوضاء ، التي خرجت في عنفها وتسفلها على كل معقول ومعروف ومألوف مما يلحقه العقلاء والفضلاء بسفاسف الأمور التي يكره الله ورسوله ..

ليس من وارد في سياق هذا النداء الذي يدعو إلى التسامي فوق الشقشقة والجعجعة والارتداد على الذات ، أن نخوض مع الخائضين ، وأن نحلب في آنية المدعين ، بل إن الأهم بالنسبة إلينا في سياق ما نحن فيه من حرب مصيرية يستهدف في أمتنا وجودها وعقيدتها وهويتها أن نعرض عن الجاهلين ، وننشغل بالذي هو خير من أمر الحفاظ على الوجود والعقيدة والهوية والعرض والأرض ..

أيها السوريون :

إن قضيتنا اليوم هي قضية وجودنا وهويتنا وحاضرنا ومستقبلنا. ونحن أيها السوريون جميعا ، لسان ميزان أهل الشام ، وأهل الإسلام من الأرض المباركة ، الذين أسند إليهم صاحب الرسالة الأول، دون غيرنا ، تمثيل الفئة الظاهرة في القيام على دعوة الحق ، وفي الشهادة على الناس .

إن الرجل العظيم لا يستشعر عظمته من ظرف ( زماني – مكاني ) يحيط به . إن الشخصيات العظيمة ، والجماعات العظيمة ، والشعوب العظيمة ؛ إنما تستمد عظمتها من شعور مكين تستمده من حقائق العقيدة ، ومقومات الإيمان ، وتراث المجد تتوارثه كابرا عن كابر.

 على رمضاء مكة كانت سمية وياسر وعمار وبلال وخباب وزنيرة وصهيب أعظم العظماء . في ثياب الأعرابي المهلهلة خرّق ربعي بن عامر نمارق كسرى ورستم فخرق مظاهر العظمة الكاذبة ليقر القيم الحقيقة لما هو أكبر وأعظم . إن الذين يتخلون عن دورهم التاريخي المناط بهم ، تحت دعوى ( الواقعية ) المقيتة ، هم الخائبون الحاملون لألوية الانكسار والتخاذل والاستسلام ،. وإنها لذلة ما بعدها ذلة أن يستمد الفرد عظمته وقوته مما في بطنه ، أو مما على جسده ، أو مما في جيبه ..!!

أيها السوريون ..

لقد بشرنا ربنا سبحانه " وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " ، وإن إيمانا لا يورث صاحبه شعورا بالاستعلاء على سفاسف الحياة ، ونوائب الدهر ، وأقزام أهل الباطل ، إيمان مدخول ، أو منقوص ، على أصحابه أن يراجعوا أنفسهم ، وأن يتأكدوا مما وقر في قلوبهم ..

أيها السوريون ..

سبع سنوات مرت على انطلاقة ثورتكم العظيمة ، ثورة الحق على الباطل ، والنور على الظلمة ، والعدل على الظلم ، والمساواة الإنسانية على ادعاءات العنصريات الفئوية ، والسلام والحب على الوحشية والقسوة والقتل والتدمير، وقد ظل أشرار العالم خلال السنوات السبع جاهدين ، في طمس معالم هذه الثورة ، وتشويهها ، وحرفها عن مساراتها ، واستئجار المرتزقة والأغبياء لفرض أجنداتهم عليها ، ثم انتهى الأمر بأعداء شعبنا في هذه الجولة ، أن ينحّوا أمر هذه الثورة عن الأجندة الإنسانية والأجندة السياسية والأجندة الخبرية ، فاخترعوا كل هذا الذي نرى ونسمع ونتابع ، من صور وألوان وأصوات بلا معنى ، ولا دلالة ، غير تغييب صوت الحق تحت ركام ادعاءات أهل الباطل.

أيها السوريون ..

لو أن صاحب كل قضية عادلة ، دافع عن قضيته كما دافعتم عن قضيتكم ، وضحى من أجلها كما ضحيتم ، لما بقي على وجه الأرض وطن محتل ، ولا شعب مقهور ، وستنكسر بإذن الله دوائر الشر والمكر والبغي التي أعاقت انتصاركم ، والتفت على عدالة قضيتكم ، وسوف يبلغ الكتاب أجله ، ويصير الحق إلى مستقره ، فاطمئنوا إلى وعد القادر القائل (( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )) والويل لأعداء الله وأعداء الإنسان وأعداء الشعوب مما يصفون .

أيها السوريون ..

إن مما يريبنا في مشهد الصراعات العبثية ، ورطانات أهل الباطل وحزبه وجنده ، انجرار بعض أهل الحق إلى معركة ( قيل وقال ) . ومن قبل كره لنا رسولنا صلى الله وسلم عليه قيل وقال .

أيها السوريون :

إن الحي ناطق والميت صامت . ولسان الفتى نصف ونصف فؤاده . ولا يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج . (( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )).

يريبنا في هذه الأيام الصعاب تواري بعض أصحاب الحق عن ساحتهم ، وركنوهم تارة إلى ظالم ، وصمتهم أخرى عن حق ، ومداراتهم ووماراتهم وتشاغلهم بالذي هو أدنى ، وانشغالهم عن الجلّى ..

وينسى هؤلاء أنه لا بد لكل الحق من حامل ، وكلمة الحق في مقامها تورث مقام سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب . وأن الناطق بالحق بكلمة حق يعلم جاهلا ، أو يذكر غافلا ، أو يشجع مترددا ، أو يقمع طاغية جبارا متكبرا . في زمن الفتنة أفلح من سبق إلى كلمة مضيئة تبدد الظلمة ، وتسن السنة الحسنة ، فيكون للسابق إليها أجر ها وأجرمن قال بها إلى يوم القيامة ..

أيها السوريون ..

لا تمكنوا الطغاة والمجرمين وأعوانهم وشركاءهم من تنحية قضيتكم عن واجهة الحدث الإنساني والدولي والإسلامي والعربي والوطني . ليس لأحد في هذا العالم أن يدعي عليكم ، أو أن ينخر بين يديكم . لا تمكنوا أحدا من تنحية قضيتكم ولا من إزوائها ، فلا قضية اليوم تحت قبة الفلك أعدل من قضيتكم ، ولا مظلومية أفدح من مظلوميتكم ، ولا كلمة حق تقال فتبلغ عرش الرحمن مثل دعوة تخرج من مظلومكم ؛ فكفوا عن التراخي والتهاون والاسترسال على خطا الطغاة أو الخاذلين والمتخاذلين..

أيها السوريون ..

ألظّوا بالحديث عن قضيتكم ، واجعلوا هجيراكم ترداد ثوابت ثورتكم ، والتنديد بعدوكم ، والانتصار لمن استرعاكم الله أمره (( مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً.. )). وتحابوا وتوادوا وتعاونوا ، وغضوا عن خطايا الأفراد ، ووسعوا قاعدة (( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )).

أيها السوريون ..

وكما أعلمكم ربكم (( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا )) اعلموا أن بشار الأسد لكم عدو فاتخذوه عدوا ، وأن بوتين لكم عدو فاتخذوه عدوا ، وأن ملالي طهران لكم أعداء فاتخذوهم أعداء، وأن حسن نصر الله وحزبه ومن يؤيده لكم عدو فاتخذوه عدوا ، عدواة لا يجادل فيها إلا جاهل ، ولا يداور حقائقها إلا مناور صاغر ..

أيها السوريون ..

كما كانت ثورتكم حقا فإن نصركم حق ، وغدكم حق . وما ضاع حق وراءه مدافع أو مطالب .

فاصبروا وصابروا ، واحضروا ولا تغيبوا ، وانطقوا ولا تصمتوا ، ففي معركة الحق والباطل من دفع الباطل بيده فهو مؤمن ، ومن دفعه بلسانه فهو مؤمن ، ومن دفعه بقلبه وهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ,,

وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

لمن صك «الاستسلام»؟  .. زهير قصيباتي

الحياة

الخميس 9/11/2017

أكثر من قلق وأقل من ذعر، قد يكون الوصف الأكثر قرباً إلى حال المنطقة التي دشّن صاروخ الحوثيين باتجاه الرياض، مرحلة جديدة فيها تحت عنوانين: إصرارهم على الانتحار، وإصرار إيران على لعب دور المرشد والراعي لكل الجماعات التي تتحدى الشرعيات الدستورية في العالم العربي.

ولكن، لماذا الآن مع طي مآسي حقبة إرهاب «داعش»، والاستعداد لنعي هذا التنظيم الذي تلطت به بقايا نظام وحلفاؤه لنحر ثورة السوريين وتكميم المعارضة بلسان «الإرهاب» ومعركته؟

من لبنان إلى الخليج تردّد سؤال عمّا تريده طهران، إن لم يكن تمديد حقبة حروب وكوارث لا يدفع ثمنها الإيرانيون، بل شعوب عربية، اكتوت بنار «الربيع» وجحيم «داعش» و «خلافته»؟... وأي حوار يأبى إلا أن يتبدد بالأفعال والاستفزازات؟

ولكن، بافتراض تصديق بعضهم ما يعلنه النظام الإيراني حول امتناعه عن التحريض والتدخل في شؤون دول مثل لبنان واليمن، لمن يدين الحوثيون بصواريخهم التي يحاولون بها إنكار تقهقرهم، وإعادة ترتيب صفوفهم بعد غدر متبادل بينهم وبين حليفهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح؟

هل مجرد مصادفة إطلاق الحوثيين الصاروخ باتجاه مطار الرياض، فيما مرشد إيران علي خامنئي يوفد مستشاره علي أكبر ولايتي إلى بيروت ليبلغ رئيس الوزراء سعد الحريري قبل استقالته، أن «محور المقاومة انتصر» في المنطقة ولبنان، كأنه يطلب من مضيفه صك استسلام؟

في الخليج، لم يعد مصدر القلق الغوص في نيات النظام الإيراني، بل تداعيات أفعاله. فالاتكاء على رغبة العرب في تفادي فصول جديدة من الصراع الشيعي - السنّي الذي تنكره طهران وتتلطى به، لم يمنح ذاك النظام سوى مزيد من الوقت ليوغل في «تدمير الشرعيات»، طمعاً في تعميم نموذج الميليشيات، ليسهل ضبط المنطقة على توقيت «الحرس الثوري».

تلك هي ملامح المرحلة - المنعطف كما يراها كثيرون في الخليج. الأدلة كثيرة، وما لا تعلنه طهران تفادياً للإدانة، يُسرَّب عبر وسائل إعلامها في دولة «ديموقراطية» الرأي. هكذا يصبح التهديد لهجة «شعبية» في عاصمة نظام لم يتورط بدماء السوريين لإنقاذ شريك تمرّس في إبادات... ولم يتدخل في شؤون لبنان إلا ليعلن «انتصار محور المقاومة»! مَن يصدق؟... ولم يدرب وينظم «الحشد الشعبي» و «عصائب أهل الحق»، ولم يطلق يد «حزب الله» في سورية بذريعة حماية مقامات دينية ثم دحر التكفيريين ومعهم كل من يعارض النظام الباقي بإرادة الروس والإيرانيين؟

كأن محمود أحمدي نجاد عاد إلى بغداد، حين أعلن ولايتي أمام الحريري ساعة «الانتصار»... التقط الحوثيون لحظة الاستفزاز، أليسوا هم أيضاً من «محور المقاومة» الذي أنجب قاسم سليماني خبير معارك «الحشد»، لا يظهر ولا يتدخل إلا في ما يضمن بقاء «المحور» أداة في يد إيران، تحركها وفق أنواء مصالحها ونفوذها.

أليس مفارقة أن يتكرر المشهد ذاته في كل فصول العلاقة العسيرة بين طهران والعرب، والخليج خصوصاً؟... كلما توعّد المرشد الأميركيين حرّكت إيران أصابعها لتعلن أن «لا حلول» لنا من دونها، وإن كانت «لا تتدخل» في شؤون الجيران وسورية ولبنان!

حتى الأزمة مع قطر، أغرت الإيراني سريعاً ليحاول توسيع الانقسام في الخليج، واستغلال بذور الخلافات مع الدوحة لزرع حقول من الشكوك والريبة، وادعاء الانحياز إلى «ضعيف».

صاروخ الحوثيين باتجاه الرياض مشروع انتحار لجماعتهم التي تتوهم بجدوى «الرسائل» العابرة للحدود، لتحسين موقع في مفاوضات دفنتها هي بإصرارها على «كل شيء أو لا شيء». من يحرض الحوثيين على تهديد السعودية والامارات؟

... إنه إعلان حرب.

========================

عندما تحكم الرصاصة الكلمة !؟ .. يحيى حاج يحيى

مما يثير العجب أحياناً والغضب أيضاً أن كثيرين ممن يُحسبون على الثورة السورية ، يحملون في نفوسهم سموماً زرعتها السلطة الباغية ،  لم يحاولوا أن يتخلصوا منها ، وسلوكيات كانت أثراً من آثار تربيتها خلال أربعة عقود وأكثر ، يظهر ذلك على سبيل المثال ، في مواقفهم من انتفاضة الثمانين ، ومن جماهيرها ونخبها ! وحتى من شهدائها !؟ والحكم على تجربتها بعيداً عن الظروف والملابسات التي كانت تحيط بها !؟

هل هو نوع من التشبيح لإسدال الستار على تجربة ، فيها خبرات متراكمة دُفع فيها دماء وأرواح عزيزة ، كيلا يُنْتفَع منها ، ولايُعتد بها ؟ ولدفنها بإيجابياتها وسلبياتها ، وقد كلفت بلدنا وأهلنا الكثير ؟

عندما تحكم الرصاصة على الكلمة ، وتصبح البندقية هي الميزان الذي توزن به الأمور ، ولايكون  للعقل والعقلاء دور ، ولايؤخذ برأي الحكماء ، فليس عجيباً أن تصل الأمور إلى ماوصلت إليه لدرجة أن يصبح الحليم حيراناً ! فكل عقلاء البشر ،  يستعرضون تجاربهم من خلال مراجعات بين الحين والحين !؟

وحتى في الظلام الدامس لا يغمض العاقل عينيه ، بل ويتأكد من مواضع قدميه  !!

============================

لماذا فشلت المفاوضات في جنيف ونجحت في آستانة؟ .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 9/11/2017

اجتماعات آستانة الأخيرة تمّت على عجل، وكان واضحاً في شكل كبير من الاجتماعين السابقين اللذين عقدا في آستانة أن كلاً من النظام والمعارضة يلعب دور الديكور تقريباً، فالنتائج تبدو معدة مسبقاً والبيان الختامي غالباً ما يتم الاتفاق عليه مسبقاً من جانب ما يسمى الدول الضامنة وهي روسيا في شكل أساسي وتركيا وإيران، ولذلك وفوراً وعقب انتهاء الاجتماع تم الإعلان عن إضافة منطقة رابعة لمناطق خفض التصعيد وهي إدلب، ولم تستطع المعارضة المسلحة أن تتمنع أو تشترط كما حصل في المرات الماضية؛ فالموقف التركي كان حاسماً جداً بدلالة تصريحات الرئيس أردوغان ولم يسمح للمعارضة المسلحة التي يضمنها بأن تمتنع عن الحضور أو تقديم لائحة من الاشتراطات كما اعتادت وعلى رأسها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفك الحصار عن بعض المناطق مثل غوطة دمشق، فقد اصطدمت المعارضة المسلحة بموقف تركي حاسم يقوم على أساس إنجاح هذه الجولة من مفاوضات آستانة في أي شكل لأن من شأنها أن تعطي تركيا تفويضاً لإخراج «جبهة النصرة» أو كما هو مسماها الجديد «هيئة تحرير الشام» من إدلب، وهو ما تم بالفعل.

فبمجرد انتهاء اجتماعات آستانة تحركت الوحدات العسكرية التركية إلى الحدود السورية- التركية في عملية تهدف إلى إخراج «جبهة النصرة» من إدلب وسدّ الذريعة أمام الولايات المتحدة وحليفتها في سورية «وحدات الحماية الكردية» للتوجه نحو إدلب والسيطرة عليها، وفي الوقت ذاته الحد من طموحات القوات السورية النظامية في التوجه إلى إدلب بعد دير الزور بمساعدة القوات الروسية لإخراج «المنظمات المتطرفة» من إدلب وبالتالي فرض واقع جديد يقوم على إعادة سيطرة نظام الأسد على المعابر الحدودية مع تركيا وهو السيناريو الذي لا يمكن تركيا أن تتخيله اليوم.

لقد وجدت تركيا نفسها في موقف صعب للغاية، فترددها على مدى السنوات السبع الماضية قلب المعادلات والحقائق على الأرض لغير مصلحتها تماماً، فقوات «وحدات الحماية الكردية» التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية أصبحت شريكاً رئيسياً وحصرياً للولايات المتحدة في حربها ضد «داعش»، ورفضت أميركا كل الدعوات التركية لوقف تسليح هذه المنظمة كما رفضت الولايات المتحدة دعوات أكثر سخاء بكثير بتدخل الجيش التركي من أجل محاربة «داعش» في سورية، فقد أصرت الولايات المتحدة سواء تحت إدارة الرئيس السابق أوباما أو الرئيس الحالي ترامب – الذي تفاءلت تركيا به خيراً – على الاعتماد على القوات الكردية بدل اللجوء إلى حليفها في «الناتو» مما خلق توتراً كبيراً في العلاقات التركية- الأميركية على مدى السنوات الخمس الماضية.

ولذلك أدركت تركيا أن أي تردد هذه المرة سوف يقلب الأمور رأساً على عقب في حدودها الجنوبية مع سورية، ولذلك قررت وحشدت قواتها بسرعة من أجل البدء بعملية عسكرية حدودية وداخل الأراضي السورية كما فعلت سابقاً في مدينة الباب تتيح المجال للمعارضة السورية المسلحة المتمثلة في «الجيش السوري الحر» المتحالف معها الدخول إلى مدينة إدلب والسيطرة عليها وسد كل الحجج والذرائع التي يمكن أن تستغلها الولايات المتحدة أو روسيا لاستبدال «جبهة النصرة» بـ «وحدات الحماية الكردية» أو قوات النظام السوري.

لكن تركيا تدرك في الوقت ذاته أن معركتها ضد «جبهة النصرة» سابقاً (هيئة تحرير الشام حالياً) لن تكون سهلة وربما تتطلب الكثير من الموارد العسكرية واللوجيستية لا سيما أنها من غير المتوقع أن تحصل على تغطية جوية سواء من أميركا أو روسيا إلا في حال غيرت الولايات المتحدة موقفها وقررت دعم العملية العسكرية التركية.

المفهوم الأميركي لسورية يبدو مختلفاً تماماً عن المفهوم الروسي لـ «سورية المفيدة»، التي أشار اليها الرئيس الروسي بوتين في تحيته للقوات السورية في تقدمها إلى دير الزور، فالمفهوم الأميركي تحت إدارة ترامب يعتمد في شكل رئيسي على مبدأ عدم الاكتراث، وأن تحقيق النصر ضد «داعش» كافٍ بالنسبة الى الإدارة الأميركية التي تنهكها الخلافات الداخلية وتعصف بها الفضائح المحلية مثل تحقيقات «اف بي آي» (FBI) في علاقة حملة ترامب الرئاسية بروسيا والاستقالات المتكررة من جانب المسؤولين داخل الإدارة الأميركية، وبالتالي فلا تجد الإدارة الأميركية الوقت ولا تستشعر الجدوى لتوفير الموارد السياسية أو المالية من أجل الدفع بعملية الانتقال السياسي في سورية قدماً.

أما المفهوم الروسي لسورية فأصبح أكثر نفعية، إذ إنه أصبح يفكر اليوم في حجم العائدات التي يمكن جنيها من تدخله العسكري في سورية، فالرئيس بوتين يدرك أن سورية بلد محدود الموارد الطبيعية لكنه ربما غني بالموارد البشرية التي لن تجد في شكل نظام الحكم الحالي أي حافز من أجل الدفع بطاقاتها للاستثمار في بلد تحكمه الديكتاتورية ويقتله الفساد، وعليه، فليس لسورية ما يمكن أن تعتمد عليه سوى فتح الباب للشركات الروسية للاستثمارات في سورية، لكن تبقى العقبة الرئيسية هي انهيار كامل للعملة المحلية وبالتالي لن تتمكن الدولة السورية من القيام بأية مشاريع استثمارية ضخمة على مستوى البنى التحتية والتصنيع وغيرها، وستبقى تنتظر الأموال الغربية من أجل إعادة الإعمار التي اشترطت بدء مرحلة انتقالية من دون الأسد.

لذلك، ربما بدأت روسيا تفكر بمخرج «مشرف» لها من سورية، مع ازدياد الأخبار عن الصعوبات المالية التي يعانيها الاقتصاد الروسي وانحسار شعبية الرئيس بوتين داخل الرأي العام الشعبي ولو أن كل هذه لا تبدو عوامل حاسمة لتغيير قرار الموقف الروسي من الأزمة السورية اليوم.

وعليه، تبدو معركة دير الزور اليوم في غاية الأهمية لمواردها الاقتصادية والنفطية، ولذلك ربما تفضل روسيا اليوم أن تخضع هذه المحافظة لنفوذها بدل سيطرة «وحدات الحماية الكردية» عليها وبالتالي خضوعها للنفوذ الأميركي، فـ «سورية المفيدة» اليوم هي البوصلة التي تحرك النظام السوري وروسيا في معركتهما لطرد «داعش» من هذه المدينة.

كاتب سوري وباحث في المركز العربي في واشنطن

========================

صراع على "البوكمال" السورية .. أنس مصطفى بجبوج

العربي الجديد

الاربعاء 8/11/2017

أعلن التحالف الدولي عن نيته الهجوم تجاه مدينة البوكمال شرق محافظة دير الزور، في الوقت الذي وافق فيه التحالف على دخول وحدات من الجيش الحر في المعارك في ريف دير الزور الشرقي إلى جانب قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وذلك بعد فترة من التردد في دخول هذه القوات في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تأتي هذه التطورات بعد الهجوم الخاطف الذي شنته قوات قسد بدعم من التحالف للاستيلاء على حقل العمر النفطي، وذلك بعد يوم من هجوم حاول فيه النظام الاستيلاء على الحقل نفسه، في مشهد يظهر وجود تسابق على المدينة، بين قوات "قسد" المدعومة من التحالف وقوات النظام والمليشيات الإيرانية المتحالفة معه والمدعومة من الروس.

تعتبر البوكمال ذات أهمية قصوى للطرفين. فبالنسبة لإيران، تشكل المدينة حجر أساس في مشروعها بإنشاء ممر بري يبدأ من طهران وينتهي في بيروت، ويرى النظام أن هذا الطريق سيكون شريانا يضخ الدم في ما تبقى من قوته، حيث أنّ الإمداد عبر الطرق البرية أكثر غزارة وأقل تكلفة من الجسور الجوية التي يجري خلالها نقل السلاح والمليشيات من إيران إلى سورية، أما بالنسبة للتحالف، فإن الوصول إلى البوكمال يعني عرقلة المشروع الإيراني إياه. وبالنسبة لقوات (قسد)، والتي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) ذراعها الأساسي، فإن وصولها إلى البوكمال خطوة للاتصال لاحقا بقاعدة التنف التي تسيطر عليها القوات الأميركية جنوب شرق سورية، ما يعني إنشاء ممر على طول الحدود العراقية السورية باتجاه الحدود الأردنية، حيث سيصبح بالإمكان هنا نقل الإمدادات والسلاح مباشرة من الأردن، وربما فتح طريق تجاري لاحقا بين الأردن وإقليم "روجافا" الذي أعلنه الحزب الكردي منطقة فيدرالية، ما يجنب الإقليم أي حصار اقتصادي على غرار الذي تعرض له إقليم كردستان العراق من تركيا وإيران، بعد إعلانه النية في الانفصال، وتزداد أهمية مشروع الممر البري هذا بعد إجهاض مشروع إقامة منفذ على البحر لـ"روجافا"، بعد دخول القوات التركية إلى إدلب، بتوافق مع الروس استغلالا لحالة الخلاف الأخيرة بينهم وبين الأميركان.

إيران والنظام قبلا التحدي، ولا يظهران حتى الآن أي نية للتراجع. ولذلك يحثان الخطى بسرعة منذ استيلائهما على الميادين والقورية لكي يصلوا إلى البوكمال أولا، وقد تجلى ذلك في الهجمات العنيفة التي شنها أخيرا النظام والمليشيات الموالية لإيران في ريف دير الزور الجنوبي، مستولين على مواقع عسكرية جديدة قرب قاعدة T2 ليصبحوا على بعد أقل من 60 كيلومترا من مدينة البوكمال، وتحظى تلك الهجمات بدعم عسكري روسي قوي، وصل إلى درجة مشاركة بعض الوحدات البرية الروسية في المعارك، حيث بات خبر مقتل عسكريين روس في المعارك الجارية في دير الزور متكرّرا، ما يدل على الأهمية الكبرى التي توليها روسيا لمعارك دير الزور، وربما دعمها مشروع الطريق البري الإيراني.

على الرغم من أنّ حظوظ "قسد" في الاستيلاء على المدينة أكثر، خصوصا أن المتتبع لخريطة القتال يرى تحركاتها وكأنها تسد الطريق أمام قوات النظام والمليشيات الإيرانية المتحالفة معه، ولكن لا يبدو أن إيران مستعدة للتسليم بأي نتيجة لا تتفق مع مشروعها، وهي التي استثمرت كثيرا في الحرب السورية عموما، وفي معارك دير الزور والبادية السورية خصوصا، بشكل يظهر أن المعارك في تلك المناطق أضحت مسألة أمن قومي إيراني.

لإيران سوابق في محاولة تحدي الإرادة الأميركية، خاصة بعد سنوات التساهل معها أيام الرئيس السابق، باراك أوباما، بالإضافة إلى عدم وجود فعل قوي من إدارة الرئيس الحالي، دونالد ترامب، حتى الآن ضدها لانشغاله بالحرب مع "داعش"، ولعل تهديدات قادة مليشيات الحشد الشعبي أخيرا للقوات الأميركية، ومطالبتها بالرحيل من العراق، مواقف تعكس المدى الذي من الممكن أن تصل إليه إيران في تحدي الإرادة الأميركية، كما أظهرت الأحداث السابقة في سورية مدى قدرة إيران على جر الروس إلى جانبها في أغلب القضايا، على الرغم من خلافات طفيفة بينهما، وذلك نتيجة حاجة روسيا الملحة إلى إيران، فهي توفر عليها عناء الانتشار البري الواسع في سورية. ولذلك، فشلت روسيا أو حتى لم يكن لها الرغبة في فرض أي ضغوط رئيسية على إيران في الملف السوري في مناسبات سابقة.

لا يمكن لأحد التنبؤ بما ستأتي به الأحداث، لكن المشهد يذكر ببرلين ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي أصبحت شرارة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والقوى الغربية، حيث أظهرت أزمة برلين عام 1949 على السطح الخلافات العميقة بين الطرفين، والتي كانت مؤجلة أثناء حربهما ضد عدوهم المشترك المتمثل بألمانيا النازية.

========================

المرحلة الثالثة من الصراع السوري .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 8/11/2017

مع دخول المواجهات ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق مراحلها النهائية، يبرز سؤال يتردد هذه الأيام: ماذا بعد؟ أي ماذا بعد دحر التنظيم الذي شغلت حربه العالم خلال السنوات الثلاث الماضية، وخلفت المشرق العربي دمارا. في العراق، تحضر الإجابة بصورة أسهل منها في سورية، إذ يرجح أن تمثل الانتخابات العامة المقبلة محطة لإنعاش العملية السياسية، وخلط التحالفات الحزبية، وإعادة تشكيل المشهد السياسي العراقي، مع احتمال، ولو ما زال ضعيفاً، لبروز قيادة عراقية بأجندة وطنية، تعيد بناء البلد، وتستفيد من أخطاء الماضي. لن تكون الأمور سهلة طبعاً مع وجود مليشيات الحشد الشعبي، وقوى سياسية عراقية أخرى تتبارى في إعلان ولائها لإيران وارتباطها بها. كما أن عودة التنافس الأميركي - الإيراني في العراق لن تكون عاملاً مساعداً، وخصوصاً أن الأميركيين جاؤوا هذه المرة ليبقوا، على ما يبدو. مع ذلك، هناك حد أدنى من الاتفاق بين الإيرانيين والأميركيين، أقله حول دعم الحكم العراقي القائم، وضمان استمراره، وقد تبدى هذا واضحاً خلال أزمة استفتاء كردستان، والمواجهات بين الحكومة المركزية وإقليم شمال العراق حول كركوك والمناطق المتنازع عليها، حيث وجدت الولايات المتحدة نفسها في وضع العاجز عن الاختيار بين أحد حلفائها في بغداد أو أربيل، على الرغم من أن يد إيران كانت واضحة في الضربة التي تلقاها مسعود البارزاني، حليف واشنطن الكردي الأبرز.

على العكس من ذلك، يبدو المشهد السياسي والميداني والعلاقات الدولية للصراع السوري أكثر تعقيداً بمراحل، فعدد القوى الإقليمية والدولية التي تتنافس على الأرض السورية أكبر بكثير مما هو في العراق، حيث يكاد يكون التنافس محصوراً بين إيران والولايات المتحدة. وبعكس العراق أيضاً، هناك حرب وكالة تدور في سورية، ينتظم أطرافها في معسكرين دوليين - إقليميين كبيرين. تقود الأول واشنطن، ويضم في عضويته دولاً خليجية عربية، وتحاول إسرائيل أن تجد فيه مكاناً. والثاني تقوده روسيا ويضم إيران، وقد اقتربت منه تركيا أخيراً، لتقاطع جزء من مصالحها معه، في حين تضع مصر قدماً هنا وقدماً هناك.

ميدانياً، طرأت خلال العام الماضي تحولات كبيرة على موازين القوى في سورية، إذ جرى إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية الذي بسط، في إحدى المراحل، سيطرته على نصف مساحة البلاد، إلى حد القضاء عليه تقريباً كقوة عسكرية، كما جرى إضعاف المعارضة، وتثبيتها في جيوب معزولة بموجب اتفاقات خفض التصعيد، تمهيداً لتطويعها في إطار عملية سياسية، تقودها روسيا في أستانة، في حين صعدت قوتان رئيستان، هما النظام والأكراد، يقتسمان اليوم السيطرة على أكثر الجغرافيا السورية، ويشكل نهر الفرات الحاجز الطبيعي بينهما، مع خروق بسيطة على الطرفين، إذ يحتفظ النظام بوجود صغير في مركز محافظة الحسكة، في حين يحتفظ الكرد بجيبين معزولين خارج الجزيرة السورية (منبج وعفرين).

ويسيطر الأكراد اليوم بدعم أميركي على ثلث مساحة سورية (الحسكة والرقة ودير الزور) التي تضم أكثر ثروات البلاد من النفط والغاز والمياه والأراضي الزراعية الخصبة، كما يسيطرون على أهم السدود المائية فيها (سورية المفيدة فعلياً)، والتي لا يمكن لجزئها الآخر الذي يضم أكثرية السكان أن يقوم من دونها. وإذا لاحظنا أن روسيا باتت تعتبر أكراد سورية بمثابة أدوات نفوذ أميركي في المنطقة، وأن إيران باتت ترى فيهم عقبةً على طريق وصل مناطق نفوذها في العراق وسورية، إضافة إلى تركيا التي لا يحتاج موقفها إلى تفصيل، نجد أن كل الأسباب تدفع نحو صراع كبير على مناطق شرق الفرات. وتبدو تقسيمات المعركة هنا أكثر وضوحاً من مراحل الصراع السابقة، حيث سيحاول النظام شد العصب العربي إليه، باعتبار أنه يواجه الطموحات الكردية الانفصالية المدعومة أميركياً وإسرائيلياً، والتي تستهدف وحدة البلد وثرواتها، لتبدأ بذلك المرحلة الثالثة من الصراع السوري، على خلفية قومية - إثنية، هذه المرة، بعد أن بدأت ثورة شعبية ضد نظام فاسد، ومستبد (على الرغم من أن الإعلام الغربي قدمها على صورة صراع طائفي)، ثم تحولت إلى حرب ضد الإرهاب والتطرف الذي مثله تنظيم الدولة الإسلامية، وها نحن ندخل مرحلة الحرب على أسس قومية، نرجو أن تكون الأخيرة!

========================

ثلاثي الحريري ـ عون ـ نصر الله… زواج بالإكراه .. ميسرة بكور

القدس العربي

الثلاثاء 7/11/2017

لم تُفاجئني قطّ استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري من الرياض بقدر ما فجأني الحريري حينما قرر الانحناء لتيار عون نصر الله المنضوين تحت عباءة خامنئي إيران وبشار دمشق، وتخليه عن حليفه سمير جعجع وخسارته للتعاطف الشعبي السوري واللبناني.

ولست استغرب من اعلان انفصال الحريري من هذا التحالف الثلاثي الذي لم يؤسس ويبن على أسس صحيحة إنما كان زواجا بالإكراه، وتعلق الغريق بالقشة والغريق كان الحريري الذي وجد نفسه خارج نطاق التغطية السياسية وخارج حسابات الرياض بعد إفلاس شركاته في السعودية وعجز مجموعته الاقتصادية عن تغطية نفقات ومرتبات موظفي تلفزيون المستقبل خاصته. فلم يجد بدا من التعلق بالقشة «عون، نصرالله» ومصافحة من قتل ابيه وهو يعلم.

الأسباب والمسوغات التي تجعل الحريري يبتعد عن المحور الإيراني كثيرة جداً ليس أولها علمه اليقين أن هذا المحور هو من قام بقتل والده رئيس الحكومة الأسبق «رفيق الحريري» وليس آخرها اعلان سعد أنه تعرض لمحاولة اغتيال منذ أيام وهو يشير باصبع الاتهام لحزب نصرالله إيران. بل يمكننا أن نشير إلى أمور كثيرة في معرض بحثنا عن أسباب استقالة الحريري، ومما يمكن ذكره أن الحريري كان بادئ الأمر مكرها على التنازل والقبول بميشيل عون مرشح حزب الله لقصر بعبدة والمدعوم من طهران ودمشق لما يكنه من عداء للثورة السورية ولوجود اللاجئين في لبنان ومن قبلهم الفلسطينيون.

الأمر الآخر الذي يمكن التطرق له عدم التزام شركاء الضرورة القصوى بالحياد الذي اتفقت عليه كل الأطراف اللبنانية ولا يخفى على متابع كيف وقف الرئيس ميشيل عون وصهره وزير خارجيته «جبران باسيل» بكل شراسة إلى جانب نظام بشار الاسد وحزب الله ضاربين عرض الحائط بما تم التوافق عليه من قبل، ولم يتسن لنا ولغيرنا أن ننسى آخر تصريحات جبران باسيل وميشيل عون منذ أسابيع بحق اللاجئين السوريين وإعادتهم لسوريا رغم ما يترتب على ذلك التصرف من نتائج.

أمر ثالث اضطرار الحريري تسويغ عمليات حزب الله في عرسال، واجترار مرارة انتقادات أقرب المقربين له والشرخ الذي أصاب علاقته بالوزير أشرف ريفي. وآخرها إجبار الحريري على الموافقة على تعيين سفير للبنان في دمشق في خطوة تشير دون لبس للإذعان العلني لطروحات ميشيل عون وحسن نصر الله وجبران باسيل حول ضرورة تطبيع العلاقات مع نظام دمشق، الذي حاول الحريري على استحياء تجنبه.

والأمر الرابع ربما تحدثت عنه في مقابلة مع قناة «سكاي نيوز» حين تم تسريب أن امريكا تعد مشروعاً لفرض عقوبات سياسية واقتصادية على داعمي حزب الله وتساءلت حينها إلى أين يسير الساسة اللبنانيون في لبنان ألا يوجد رجل رشيد، وقد فرضت ادارة ترامب أخيرا عقوبات على أشخاص ومؤسسات داعمة لحزب الله، الأمر الذي يجعل سعد الحريري نفسه معرضاً للعقوبات الأمريكية كونه يرأس حكومة فيها وزراء من حزب الله الإرهابي حسب التوصيف الأمريكي رغم أن ترامب في لقائه مع الرئيس سعد الحريري أبلغه أنه سيدعم لبنان في مواجهة التحديات.

على المقلــــب الآخر فقـــــد قام الكيان الصهيوني بأكبر مناورات وتدريبات على حدود فلســطين الشمالية جنوب سوريا ولبنان لم يرتبها منذ عشرين عاما فيما يشير إلى نوع من الاستعداد الجاد لمواجهة محتومة.

ما إن فتحت الرياض أبوابها مجددا للرئيس الحريري وعـــــاودت احتضـــــانه لنشله مــــن زواج الإكراه مع تحالف عون نصر الله، حـــتى انطلق لسان سعد الحريري لينفس احتقان نفسه بلهـــجة رفع سقفها إلى أبعد مدى وصلت إلى حدد «قطع أيادي إيران» الذي سبق ومنذ سنوات أن استخدم مثل هذه العبارة بقول حسن نصر الله اليد التي ستمتد لسلاح المقأومة سنقطعها. السؤال اليوم من سيقطع يد الآخر في لبنان.

ما إن أعلن سعد الحريري عن استقالته حتى انبرت أقلام إيران لتوجيه اسهمها إلى الرياض واتهامها بأنها من ضغط على الحريري لتقديم استقالته، وانا كـسوري أولا وعربي ثانيا لا يمكنني إلا أن أدعم الحريري في هذا الموقف، وقد عايشتم معنا ما فعله حزب إيران بنا وبسوريا دعما لمشروع إيران ولم ننس مواقف جبران باسيل وميشيل عون بحق الثورة السورية سيما اللاجئين السوريين.

بعد استقالة الحريري علينا أن نتوقف ونطرح تساؤلات تحتاج لإجابة، كيف ستكون عليه الحسابات الروسية التركية، بعد استقالة الحريري.

هل ستستغل تركيا استقالة الحريري لمزيد من المكاسب من الطرف الإيراني أو الضغط عليها في الملف السوري مع حاجة إيران الملحة في هذا المأزق الحرج للدعم التركي خاصة في حال حصول مواجهة حقيقية سعودية إيرانية أو اتخاذ تدابير أمريكية تجاه عصابات إيران في لبنان، أو في حال قيام الكيان الصهيوني بعمل عسكري في لبنان.

ماذا عن الموقف الروسي هل ضمنت السعودية حياد موسكو في المتغير اللبناني الجدي وهل «صفقة اس 400» ستجعل موسكو تسكت عن هذا التحول خاصة أنه مدعوم من واشنطن وموجه لحلفاء موسكو إيران وحزب الله وينعكس على مجريات الأحداث في سوريا، أم أن موسكو حصلت على مباركة الرياض لاستراتيجيتها في سوريا مقابل الصمت في بيروت. رغم أن المؤشرات لا تشير إلى ذلك بنظرة سريعة نجد أن معظم فصائل المعارضة السورية المحسوبة على الرياض رفضت الخضوع لموسكو وحضور حوار سوتشي.

كيف لنا أن نتصور الموقف الروسي هل ستلعب موسكو بهذه الورقة لصالح إيران أم لصالح السعودية، وما انعكاسات الموقف الروسي على الملف السوري نعتقد أنه من البديهي أن موسكو ستستغل هذه الورقة للحصول على تنازلات إيرانية في سوريا، ليس لإيران فرصة للمناورة في هذا المأزق.

مازالت إيران منـــذ سنوات تبحـــث عن تأمـــين طريق لها مـــن طهران إلى بــــيروت. استقالة الحـــريري بهذا الخطاب « قطع الأيادي الإيرانية»، أحرقت كثيرا من أوراق طهران في بيروت، وبات على طهران تأمين بيروت أولاً قبل البحث عن طرق آمنة لها، بحركة كش ملك السعودية تقلب الطاولة على طهران في بيروت.

برغم كل الأخطاء التي ارتكبها سعد الحريري حبا أو كرها، بحق لبنان والثورة السورية وآخرها ارسال سفير إلى نظام الأسد، لكننا نرحب اليوم بالخطوة الحريرية، تجاه تصحيح المسار والابتعاد عن محور الشر الإيراني، نعتقد أن ما قام به الحريري عبر تقديم استقالته خطوة في الاتجاه الصحيح للخروج من تحت عباءة عون نصر الله المنضوين تحت عباءة خامنئي برغم خلافاتهما الايديولوجية العميقة يجمعهما بغضهما لأنتصار الثورة السورية، عون مدفوع بثقافته الفطرية الكارهة للجوار السوري وخوفه من انتصار»الاسلاميين» الذين سيبتلعون لبنان كما يتوهم، حزب الله المتخوف من انهيار المشروع الفارسي الإيراني.

في النهاية نعتقد أن اسباب الغضب السعودي على سعد الحريري كان لسببين أولهما فشله في كبح جماح حزب الله وتغوله في سوريا ولبنان. والأمر الثاني يعود للقاء الذي جمع الحريري مع مستشار المرشد الأعلى الإيراني، حيث أعلن ولايتي أن لبنان حقّق الانتصار على الإرهاب، وهو انتصار للمقاومة، يعني حزب الله، وأن بلاده ستواصل دعم لبنان.

وهذا من المحرمات التي لا تقبل بها السعودية وتشن حرباً على النفوذ الإيراني في المنطقة .

ونعتقد أن ما يفرق بين الحريري وتحالف عون نصر الله، أكثر بكثير مما يجمعهما.

كاتب وباحث سوري

========================

مشكلة السياسة الروسية في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 7/11/2017

أظهرت ردة فعلِ سوريا سلبيةً إزاء المساعي الروسية لعقد «مؤتمر الشعوب السورية» في سوتشي، وظهر الرفض علناً في أوساط المعارضة السياسية، كما في أوساط المعارضة المسلحة، ومنها أطراف كانت شاركت في مؤتمر «آستانة» الذي هو صنيعة روسية، وامتدت روح معارضة المؤتمر الروسي إلى أوساط سياسية واجتماعية وثقافية وشعبية أعلنَتْ رفضها المشاركة في المؤتمر، رغم أن بعض المعارضة، خصوصاً القريبين من موسكو ومن نظام الأسد، أبدوا موافقتهم على المشاركة، لكن موافقة هؤلاء لا تعني أن المؤتمر سوف يُعقَد، وأنه إذا انعقد سوف يحقق أهدافه.

السوريون، في غالبيتهم، يعرفون أن روسيا، اليوم، صارت فاعلاً رئيسياً في القضية السورية، ليس بسبب حجمها الدولي، وهي واحدة من الدول الكبرى، ولا بسبب إمكانياتها الكبيرة فقط، وإنما (إضافةً إلى ما سبق) بسبب وجودها السياسي والعسكري في سوريا، من جهة، ونتيجة استقالة الدول الكبرى والقوى الإقليمية من دورها، وعزوفها عن التعامل مع القضية السورية بما تستحق من أهمية.

ولهذه العوامل، يرغب كثير من السوريين في أن يكون لروسيا دور في معالجة قضيتهم وإخراجها من نفق القتل والتهجير والتدمير الذي تُوغِل فيه مما يهدد بنهايتها كياناً وشعباً لا أحد يسعى إلى الإبقاء عليهما، ووضع حد لكارثة سبع سنوات مضت، كلفت كثيراً من البشر والقدرات المادية، وخلقت معطيات جديدة لتدمير ما تبقى.

غير أن رغبة السوريين في دور روسي في القضية تصطدم بمواقف موسكو وخياراتها في سوريا؛ حيث عملت بصورة نشطة للحفاظ على النظام، وتصر على بقاء رأس النظام في السلطة بعد كل ما ارتكبه من جرائم، وتسعى بكل جهد لتبرئته من تلك الجرائم، وتبرر سياساته، وهي في سبيل أهدافها تتحالف مع إيران والميليشيات الشيعية المقاتلة إلى جانب النظام، وقد عارضت أيّة سياسات اتبعتها الدول الأخرى والمنظمات الدولية لإدانة النظام والدفع نحو معاقبته على جرائمه، بل مارست شتى الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية ضد دول من أجل تغيير مواقفها، كما فعلت مع تركيا التي أجبرتها على الانخراط في مسار «آستانة»، وفرض تعاونها في جلب قوى من المعارضة المسلحة إلى هناك.

أما في الداخل السوري فقد قامت بفعل الكثير؛ فإضافة إلى عملياتها العسكرية، خصوصاً استخدامها سلاح الجو في هجمات، تجاوزت ما تعتبرُهُ معاقلَ لقوى المعارضة المسلحة «الإرهابية والمتطرفة» إلى ضرب حواضن اجتماعية مدنية خارجة عن سيطرة النظام، بما فيها مناطق سكنية وأسواق ومدارس ومراكز طبية، لتسهيل عودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام، وسَعَتْ إلى عقد مصالحات في مناطق استحال أو صعب إخضاعها بالقوة العسكرية، وأسهمت في عمليات التهجير بما يعني إعادة صياغة الديموغرافية السورية بما يتوافق ومصلحة حلفائها من نظام الأسد وإيران.

وأضافت، في سياق سياساتها، بناء حواضن سياسية مرتبطة بها على نحو ما هي عليه منصة موسكو، والجماعات المرتبطة بقاعدة حميميم الروسية، وأنشأت صلات مع أوساط اجتماعية في مناطق سيطرة النظام تؤيد السياسة الروسية في سوريا، كما نسجت علاقات عميقة مع شخصيات وفعاليات في الداخل، وبينهم عسكريون في جيش النظام وأجهزته الأمنية.

ورغم سوء الدور الروسي في سوريا وحولها، فإن كثيراً من السوريين يمكن أن يندمجوا في خط التفاهم مع موسكو وطروحاتها لمعالجة القضية السورية وحلِّها، إذا توفرت في الموقف الروسي تحولات أساسية؛ أولها إيقاف العمليات العسكرية ضد الأهداف المدنية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والسماح بالمرور الحر للسلع والبضائع والمساعدات الإنسانية إلى تلك المناطق، سواء كانت ضمن مناطق خفض التصعيد أو خارجها. والثاني تأكيد موسكو دورها المستقل في إنجاز تسوية للقضية السورية تشارك فيها كل الأطراف، تكون عتبتها إعلان جنيف لعام 2012 وما تلاه من قرارات دولية في هذا السياق، مما يعني الموافقة على قضية الانتقال السياسي بصورة مبدئية. والثالث انفتاح روسي أوسع على القوى والأطراف الدولية والإقليمية والداخلية المنخرطة والمهتمة بالصراع في سوريا وحولها، لضمان مساندتها للحل الروسي وتفاعلها الإيجابي معه.

إن قيام موسكو بهذه الخطوات، سوف يبدِّل من نظرة الأطراف المختلفة للدور الروسي في القضية السورية، وسوف يجعل السوريين بمختلف اتجاهاتهم وتوجهاتهم أقدر على التفاعل مع دور روسي بنّاء في حل القضية السورية وفي علاقات روسية - سورية أفضل في المستقبل.

لقد جرَّبَت موسكو طوال السنوات الماضية في القضية السورية سياسات مختلفة، بدأت من الدعم المستور لنظام الأسد إلى الدعم والمساندة المكشوفين، وصولاً إلى التدخلات العسكرية المباشرة، وممارسة سياسات التفرد، والضغوط المختلفة على كل الأطراف الداخلية والخارجية، ولم تصل إلى النتائج المطلوبة في تحقيق أهدافها ومصالحها، ولا في تحقيق أهداف ومصالح النظام وحلفائه، وفي ظل مساعيها الراهنة لتعزيز الدور الروسي وتقويته، لا بد لها من إجراء تغييرات في سياساتها، لأنها إن لم تفعل، فإن أطرافاً أخرى سوف تتدخل، وتشغل حيزاً أوسع في القضية السورية، والمثال الأكثر وضوحاً في ذلك ما حصل في الحرب على «داعش»، الذي أعطى الوجود الأميركي زخماً وأهمية في سوريا وقضيتها لم يكن حاضراً في السابق، وما لم تذهب موسكو في هذا الاتجاه، فلن ينفعها عقد «مؤتمر الشعوب السورية» في شيء، خصوصاً بعدما أثبت مؤتمر «آستانة» في اجتماعه الأخير أنه وصل إلى طريق مسدود.

========================

استقالة الحريري.. انتظروا إعلان الحرب .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 6/11/2017

بقراءة حركات الجسد، في استعادة شريط لقاء رئيس الحكومة اللبنانية المستقيل، سعد الحريري، مع مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، يمكن اكتشاف كم كان الأخير مغرورا وقاسيا، وهو يبشّر السياسي الشاب بفوز التحالف الذي تقوده بلاده في السيطرة على المنطقة وإنجاز المهمة، ثم انتظار ردة الفعل على وجه الحريري وحركات يديه المرتبكتين.

يعرف ولايتي أن الحريري، وسنة لبنان والفريق الذي يقف خلفه، قوى "14 آذار"، هم قوى ضعيفة، ولا تستطيع التأثير على مسارات التحولات الجارية في المنطقة. ويعرف الحريري أن المطلوب هو إرسال رسالة إلى القوى الإقليمية والدولية التي تقف خلف الحريري، السعودية وأميركا، أن القطار فاتهم. لكن لا بد أن الحريري أدرك خطأ إتاحة هذه الفرصة للمبعوث الإيراني، واستغلال منبر رئاسة الوزراء اللبناني (بيت السنة؟) ليعلن انتصار تحالف إيران وتثبيت بشار الأسد في السلطة، بل واستعادة الرقة التي باتت تمثل رمز النفوذ الإيراني، في مشهد يذكّرنا بموقف القائد الفرنسي الجنرال غورو، عندما ذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبي، ليخبره أن الحروب الصليبية انتهت بسيطرتهم على المنطقة.

ها قد انتصرنا، يا سعد الدين.. قالها ولايتي علنا، ولكن بعيداً عن الكاميرات، ربما نصحه بلغة دبلوماسية عنيفة أن يراعي هذه التطورات، ويعمل تحت سقفها، ومن الأفضل له عدم مسايرة التحركات السعودية في لبنان، من باب الواقعية، لأنها لم تعد ذات فائدة، وتأخرت كثيراً إلى درجة أن ضررها بات أكثر من فائدتها على حلفائها في السعودية. وبالتالي، تقتضي مصلحة هؤلاء، بدرجة أولى، الدخول في مفاوضات مع إيران ووكلائها، وتحصيل بعض الضمانات والامتيازات التي قد تعود بالفائدة عليهم.

"ما قبل استقالة الحريري ليس كما بعدها، ويمكن المغامرة بالقول إن الأمور أصبحت ناضجة بدرجة كبيرة لحصول تغييرات مهمة في المنطقة"

وبالطبع، وبما أن ولايتي يدرك الكلام وحده، وحتى لو كان مباشراً وقاسياً، لا يكفي وحده لتفكيك العلاقة بين الحريري وحليفته السعودية، فكان لا بد من استعراض قوّة لإبهار الحريري أو إرعابه، من نوع التشويش على موكب الحريري، وقطع الاتصال عنه، على ما أفادت مصادر أمنية لبنانية. وربما كانت هذه النقطة التي جعلت كيل الحريري يفيض، وهو الذي لديه هاجس من تكرار ما جرى مع والده.

غير أن محرّكات استقالة الحريري، ومضامينها السياسية، أبعد بكثير من حصرها في الجانب الشخصي، فهي مؤشر على أن التطورات الإقليمية باتت تجري بسرعة كبيرة جدا، في ظل اختلال التوازن الحاصل لصالح تحالف روسيا – إيران، واستعجال هذا التحالف تثبيت الوقائع، وجعلها نهائية. وهذا ما يتعارض مع مصالح القوى الإقليمية والدولية التي ترفض الاعتراف بهذا الواقع، لكنها باتت تدرك أن تغييره يحتاج عملا عسكريا من الصنف نفسه، بيد أن هذه القوى تقدّر حجم المخاطر التي قد تستجلبها أي خطوة خاطئة، وخصوصا من روسيا، القوّة ذات التأثير الأكبر في المنطقة، والتي تتلطى إيران خلفها. وبالتالي، فإن إختيار الزمان والمكان لتعديل الأوضاع تصبح عوامل مهمّة في هذه المرحلة.

في هذه الحالة، سيبدو لبنان ساحة مثالية لانطلاق شرارة الصراع الجديد في المنطقة، ليس لأنه عنوان حزب الله ومكان إقامته الأصلي، بل لأن الذريعة موجودة بشكل أكبر هناك، ففي سورية يتلطى الحزب تحت جناح روسيا التي تظلله، بذريعة أن وجوده هناك شرعي بطلب من الحكومة، كما أن اصطياد رأس إيران في لبنان أكثر نجاعة من الركض خلفها في صحارى العراق وبوادي سورية، حيث أن حزب الله هو العتلة الأكبر في ماكينة إيران الإقليمية، وتعطيل هذه العتلة كفيل بتعطيل القطار الإيراني برمته في المنطقة.

إلى ذلك أيضاً، تصبح استقالة الحريري دفعة في بورصة الحرب، وتسريع اشتغالها، لأنها تبرر أن وجود إيران سبب لعدم الاستقرار في لبنان والمنطقة، كما أنها محاولة لاستدراج حزب الله إلى ارتكاب خطأ قاتل يبرّر استهدافه، كأن يذهب حزب الله بعيدا لمواجهة الضغوط التي يتعرّض لها، سواء العقوبات الاقتصادية، أو الاستهدافات الإسرائيلية لقوافل أسلحته، إلى ارتكاب مغامرة في الداخل اللبناني، مثل التي حصلت في 7 مايو/ أيار 2008. وثمّة من يذهب بعيداً في هذا الاتجاه، بالتأكيد أن استقالة الحريري تفتح الباب أمام التكهن بوجود معطياتٍ يمتلكها عن اقتراب حصول استهداف إسرائيلي لحزب الله. وبالتالي، فإن استقالته هي تحميل الحزب تبعات ما سيجري في مقبل الأيام، وعدم منحه الفرصة للاستفادة من علاقات الحكومة اللبنانية، من أجل الضغط على الطرف الآخر لوقف الحرب، كما حصل في حرب 2006.

"اصطياد رأس إيران في لبنان أكثر نجاعة من الركض خلفها في صحارى العراق وبوادي سورية"

ولعل ما يؤكد صواب هذه التقديرات أن الصراع الدائر في المنطقة هو صراع منظومات كبرى، والجميع منخرط ضمنه، وفي أطر ومستويات مختلفة، وأن حزب الله وسعد الحريري، وغالبية القوى المحلية، في لبنان وسورية والعراق، أطراف غير مؤثرة في قرار الحرب والسلم، بقدر ما هم أحجار على رقعة الشطرنج الإقليمية، غير أن لنقلات هذه الأحجار تداعيات في مشهد الصراع الأكبر، حيث يقرّر اللاعبون الكبار فيه زمان المعارك المفصلية ومكانها، وهو ما يفسر عودة لبنان نقطة ساخنة في الصراع، بعد أن جرى تحييده فترة طويلة.

ما قبل استقالة الحريري ليس كما بعدها، ويمكن المغامرة بالقول إن الأمور أصبحت ناضجة بدرجة كبيرة لحصول تغييرات مهمة في المنطقة، هل تستشعر إيران وروسيا مخاطر هذه التطورات، وتعملان على استدراك مخاطرها؟ الكرة في ملعب براغماتية طهران وموسكو واختبار لها.

========================

بشار نال اللقب باستحقاق !؟ .. يحيى حاج يحيى

أصبح  في عصرنا أناس متخصصون بالطفل وحاجاته !

فنقول فلان : طبيب أطفال

وآخر: شاعر أطفال

وثالث : مسرحي أطفال

ورابع : مخترع ألعاب أطفال

وخامس ، وسادس ، سابع ! و ... و....

وصار لبشار ذيل الكلب  تخصص انفرد فيه : كقاتل أطفال !؟ فلا يستطيع أحد أن يجاريه في ذلك !؟

فموتهم واحد ، ولكن الخبيث تفنن في طرق قتلهم !؟ أطفال الغازات - أطفال تحت الأنقاض - أطفال محترقون - أطفال بسبب المرض - أطفال نتيجة الجوع - أطفال برد وزمهرير المخيمات - أطفال التهجير والغرق في البحار ...!؟

 فهل نرى قريباً اسمه في موسوعة جينس العالمية كأكبر مجرم ( وهو كذلك) في عدد الأطفال الذين قتلهم !

أسأل الله أن يكون هؤلاء الشهداء الأبرياء خصومه يوم القيامة ، وخصم كل من أيده ، وسار في ركابه ، بدءاً من عمائم النفاق والسوء ، إلى أصغر ساقطة و شبيح 

=============================

سورية.. الدولة المحتلة .. نذير حنافي العلي

العربي الجديد

الاثنين 6/11/2017

لم يوضح الشاعر أبو القاسم الشابي في قصيدته إرادة الحياة كيفية استجابة القدر لإرادة الشعب، لكنه صوّر القدر إنسانا يستجيب لطموحات الشعب بحياة حرة، فقدم لنا صورة أدبية، وعزّز مقولة إنّ هزيمة الإرادة الشعبية ضرب من المستحيل.

أما في السؤال عن كيفية تحقيق تلك الإرادة، فهذه وظيفة السياسة في البحث عن توظيف الإمكانات المتاحة، وتطويعها لصالح قضية التحرر، والتي تمثل رغبة الشعوب العربية، ومنها الشعب السوري، حتى ينجلي الليل وتنكسر قيود الطغاة بلا رجعة.

وعن الواقع السياسي، منيت الثورة السورية، ومنذ انطلاقها، بمحنة التمثيل السياسي. إن لملمة جماح ثورة شعبية سياسياً يبدو غاية حالمة ومهمة صعبة التحقيق في الوقت نفسه، خصوصا بعد أزمان من الجهالة السياسية وحالة الركود والقهر التي فرضت على المجتمع السوري، بتطبيق العنف الجسدي والحسي على الفرد السوري من أجهزة الدولة، وبعد أن قضى الأسد في الثمانينيات على كل خصومه السياسيين من محافظين ويسار ويمين، إذ دمر عنف الدولة وإرهاب الأسد الحياة الحزبية والسياسية، وأحل محلها سياسية الحزب الواحد الذي تديره شعب المخابرات السورية المختلفة، بواجهة حزب البعث العربي الاشتراكي وشعاراته، فاغتالوا بذلك كل الأنماط السياسية.

لم تنجح الثورة في إنشاء جسم سياسي متين، يمثل إرادتها، واقتصر الأمر في مرحلة الحراك السلمي على كيانات ثورية شبابية، سبقت تأسيس المجلس الوطني السوري الذي أعلن عن قيامه في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، وضم شخصيات من المعارضة السورية التقليدية من مختلف التيارات الفكرية والسياسية، ونسبة أقل من ممثلي الحراك المدني ونتيجة الأزمات الداخلية والمراهقة السياسية مع محاولات دولية لتعطيله ونشوء الفصائلية، بعد أن تسلحت الثورة، وأصبحت القوى العسكرية مخولة للعب أدوار سياسية.

أعقب هذه التطورات على الساحة السورية تشكيل الائتلاف السوري لقوى الثورة، ليقع أخيرا ضمن تجاذبات داخلية وخارجية، عطلت من نشاطه، ليتم تأسيس الهيئة العليا للمفاوضات ذات المهام التفاوضية بعد اجتماع الرياض.

وضمن هذه الظروف الدولية المعقدة، لم يستطع السوريون حلّ أحجية التمثيل السياسي للثورة السورية، وبقيت هذه الإشكالية مقتلا يضعف من شرعيتها ويجعلها مقيدة الحركة في الوقت الراهن، مع خسارة جغرافيا محرّرة لصالح قوى الاحتلال.

لا معنى لحصر مطالب السوريين فقط في توفير الحاجات الإنسانية للشعب المقهور، فالثورة انبعثت من أجل حقوق سياسية ونيل الحريات وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، لا من أجل تخفيف نتائج الحرب التي فرضت على المناطق الثائرة، وبالتالي إنّ أي مكون سياسي سوري أو حل لا ينطلق من إزالة الاحتلال الأجنبي ومحاكمة عملائه، كعائلة الأسد وفروع مخابراته ومجرمي الحرب، فهو حلٌ لن يحقق الاستقرار، ولن يجلب للسوريين سوى دولة أسدية مشابهة للتي عاشوا تحت قمعها خلال الخمسين السنة الماضية.

ولعرقلة هذه السيناريوهات التي ترسمها القوى المحتلة، وتضعها خيارا وحيدا للشعب السوري على حساب مستقبله ووحدة أراضيه، كما في المؤتمرات والدعوات التفاوضية التي تدعو إليها روسيا، وتهدف منها إلى شرعنة وجودها كقوى احتلال وقبولها فرضية أمر واقع، فلا نملك، نحن السوريون، إلا: رفض تلك المؤتمرات وعدم المشاركة فيها، بل والتأكيد على تسمية كل القوى العسكرية الأجنبية في سورية كقوى احتلال. تحويل خطاب الثورة السورية من ثورة شعبية هدفها إسقاط النظام إلى حركة تحرر وطنية هدفها مقاومة المحتلين وإعادة الأرض إلى أصحابها ومن ثم بناء الدولة الوطنية المستقلة. وهذا التحول يحتاج بطبيعة الحال إلى العودة لمخاطبة القواعد الجماهيرية وتغيير رسالة المرحلة وإعادة صياغة كتل سياسية ذات هوية وطنية جامعة تتلافى أخطاء الماضي وصراعاتها الفكرية والشخصية وتتحمل هموم السوريين بإخلاص بدلا من تشكيل أجسام سياسية تقع رهينة الدول الأخرى أو تقبل بحضور مؤتمرات وعمليات تفاوض تشرعن الاحتلال الذي يسعى لإعادة تأهيل الأسد برعاية دولية أو إنتاج دولة أسدية بمقاسات جديدة.

ويبقى السؤال الأهم والمفتوح أمام القوى الوطنية السورية الحالية، وبمختلف التكتلات العسكرية والسياسية في كيفية إيجاد هذا التمثيل الذي من أهم مهامه الارتباط بالقواعد الشعبية ورفض الاستعمار الجديد وأذنابه، وتبعا لهذه الرغبة، يتم تشكيل كتلة سياسية صلبة تمثل من جديد قيم الثورة النبيلة وتعمل حركة تحرّر وطنية تجابه المستعمر بكل الأدوات المتاحة، حتى يتحقق الجلاء الثاني في تاريخ سورية الحديث.

========================

موقفنا : بعد أن أرهقوا ثورتنا بقاعدة : لكل ممول فصيل .. هل سيكون لدينا : " لكل ممول حكومة ؟!" .. زهير سالم

مركز الشرق العربي 6 / 11/ 2017

منذ الأيام الأولى لعسكرة الثورة السورية لاحظ المراقبون تعدد الفصائل والألوية والرايات ، كانت الرايات في جملتها تتدارى تحت عناوين إسلامية ذات طبيعة تاريخية ، تتعلق بأيام الفتح الأول أو بقادته ، فإن تجاوزت ذلك ، قفزت إلى مسمى ( الشام ) ، الحبيب إلى العقول والقلوب ، والمثير لجدل المجادلين وتشكيك المشككين على أكثر من صعيد ..

لم يمض عام على مسمى ( الجيش الحر ) الذي أنس منه الجميع عنوانا وطنيا جامعا ، ومواجها لحقيقة جيش ( العبيد ) أو ( المجرمين ) ؛ حتى أدرك الكثير من السوريين أن هذا العنوان ( الجيش الحر ) مجرد عنوان خلبي ، لا تنضوي تحته قوى حقيقية ، يعتد بها أو يعول عليها .

 وتساءل الناصحون كثيرا ، تساؤل تعجب ثم استنكار ، عن موانع الوحدة والاجتماع والتنسيق ؛ وكان الجواب يأتي متعللا أن هذه الوحدة ممنوعة بقرار أعلى دولي ( أمريكي )، أو سلطوي إقليمي ؛ وكأن الفرقة والشتات والفوضى جزء من المقدمات التي كان يتمسك بها المتمسكون ، للإجهاز على هذه الثورة في الوقت المقرر المحسوب .

وتمادى أمر الشرذمة أو التشرذم في المانحين ، حتى رحنا نوجه حالات من الفصائل بأسماء وعناوين كبيرة ذات رنين وطنين ، تسأل عن عديدها فيتحدث ممولها أو القائم عليها ، عن رقم بالعشرات ، ينفق عليه ، ويعتد به ، ويظن على سبيل التوهم أنه سيحدث أثرا على صعيد معركة ، خرجت من كونها ثورة شعبية ضد ظالم مستبد ، لتصبح حربا كونية ينغمس فيها الروسي والأمريكي والإيراني مباشرة مع جحافل من الميليشيات المنظمة والمدربة والممولة والمنقادة لقيادات مركزية ، لا تحرك بيدقا على رقعة الشطرنج إلا بعد طول تأمل وتدبير .

لقد أثمرت حالة الشتات الفصائلية في سورية الثمرة التي كان يرجوها الروسي والأمريكي والإيراني بل زادت ..

نتذكر يوم كانت الفصائل المعنية إياها ، تتوقف عن قتال مثل ( تنظيم داعش ) مع انحرافه وانجرافه وبغيه وعدوانه ، تورعا عن سفك دم حرام ، ثم نقارن بما صار عليه الأمر بعد ذلك حيث كان الفصيل ينزو على الفصيل طمعا ببعض السلاح ، أو بموقع يظن صاحبه أنه به أليق ، أو أنه يدر عليه بعض التمويل ..!!

ويبدو أن لعبة تشكيل الفصائل حسب رغبة الممول ، وتعدد الفصائل اليوم بتعدد الممولين ، وتبخرها بتبخرهم ؛ قد جعلت البعض يستمرئ اللعبة ، ليأتي على ما تبقى من مصداقية في مشهد الثورة السورية .

في حدود علمنا في سورية حكومة مؤقتة وطنية نالت ثقة أرقى ما توصل إليه السوريون من توافق . وهذا ليس تطويبا من كاتب هذه الأسطر لا للائتلاف ولا للحكومة المنبثقة عنه .

كمواطن سوري كنت أود أن يكون للسوريين مرجعية سياسية أرقى وأتقى ، وأن ينبثق عن هذا الائتلاف حكومة أقدر وأحزم .. ولكن هذا شيء ، وأن نظل كسوريين نغزل على مغزل تلك التي ( نقضت غزلها أنكاثا ) ، شيء آخر ..

ممول جديد عرض علينا منذ شهر تشكيل حكومة ثانية ، وسيطل علينا بعد شهر آخر ممول ثالث يقدم لنا حكومة ثالثة ، ورابع ورابعة ، غير عدوية ، وندخل في أرخبيل من الحكومات ، نشهد فيه على أنفسنا أننا أهل للفوضى ، وأهل للتنابذ ، وأهل للادعاء والاختلاف ..

وسيجد كل ممول حين يريد طابورا من الطامحين والمستوزرين ينتظرون إشارته ، كما سيجد قاموسا من العناوين ، ومرصوفات الادعاء الإصلاحية والبنائية ما يزيد على الذي يريد ..

لا يحتاج المشهد السوري فيما نقدر حكومة ثانية ولا ثالثة . نحتاج إلى الالتفاف حول الحكومة المعتمدة ، وترشيدها وعونها وتسديدها ، وتقويمها ، لتقدم لشعبنا المنكوب بكثير من الأدعياء أقصى ما تستطيع .

وحين تجد المرجعيات المعتمدة أن دور هذه الحكومة قد انتهى لسبب أو لآخر ، فهي المؤهلة فقط لإنهاء حكومة وتشكيل حكومة بديلة ..

يكفي ساحتنا ما فيها من بلبلة وفوضى وادعاء وضياع ..

ويكفي الصامتين صمتا على عبث العابثين ، وفوضى الآثمين

لندن : 17 / صفر / 1439

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

مشكلة السوريين مع روسيا .. برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 5/11/2017

اعتدت أن أقول لمحاوريّ الدوليين، منذ تأسيس المجلس الوطني السوري في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، إن القضية ليست مشاركة المعارضة في الحكم، مع الأسد أو من دونه، وإنما الرد على تطلعات الشعب، والانتقال به نحو حياة ديمقراطية حرة وعادلة. وإذا أمكن هذا الانتقال من دون مشاركة المعارضة، فالمعارضة في غنى عنها. المهم أن تتغير قواعد الحكم الاستبدادي المدمر السائد التي صممت لوضع الدولة والمجتمع معا، ومواردهما في خدمة سلطة الحزب الواحد، ثم سلطة أسرة الأسد، والقائمة بكل بساطة، رسميا وقانونيا، على الإقصاء العلني الكامل للشعب والتعقيم السياسي الكلي، للمجتمع والفرد وحكم الإرهاب والإهانة والإذلال المتعمد لتحقير الفرد في نظر نفسه، وانتزاع روح السيادة منه، وتدجينه وتطويعه على قبول العبودية والتسليم للقوة الغاشمة. دور المعارضة التي لا تريد شيئا لنفسها، ولا ينبغي أن تفعل، لا بوجود الأسد ولا بغيابه، هي اليوم أن تضمن للشعب توفير شروط ممارسته حقه في تقرير مصيره بنفسه. وهذا يعني إيصاله إلى انتخابات حرة ونزيهة، تسمح له باختيار ممثليه، وإرساء قاعدة قوية للحكم التمثيلي والديمقراطي في البلاد.

(1)

وهذا يعني أن المعارضة ليست الموضوع، وليست الطرف المهم في المباحثات والمفاوضات القائمة التي قبلت المعارضة الدخول فيها، منذ تأييدها مبادرة جامعة الدول العربية وبيان جنيف 1 في يونيو/ حزيران 2012، وبعثة كوفي أنان العربية الدولية. الموضوع والطرف هو الشعب السوري وتطلعاته وحقوقه ومكانته، ودوره في النظام السياسي المطلوب إنشاؤه على أنقاض حكم الديكتاتورية الدموية. ومسؤولية المعارضة هي أن تواكب ثورة شعبها، وتثمر تضحياته الغزيرة، والتي لم تتوقف منذ سبع سنوات، من أجل الخلاص والتحرّر من نير سلطةٍ تحولت إلى نظام احتلال داخلي، وواجبها أن تسعى إلى تأمين الدعم العربي والدولي، في سبيل تسريع عملية الانتقال والتحول نحو نظام جديد، يضع حدا للحرب وسفك الدماء، ويرد على تطلعات السوريين نحو الحرية، ويليق بتضحياتهم وكفاحهم.

ولذلك، لم يكن هدف المفاوضات مع النظام، واليوم بالأحرى مع أسياده الروس، المساومة على حق الشعب السوري في الانتقال إلى نظام ديمقراطي، يساوي بين جميع أبنائه، ويعترف بالمواطنة وحقوقها الواحدة للجميع، وإنما التفاهم على آليات وصيغ مرحلة الانتقال التي تنتهي مع تنظيم أول انتخابات تشريعية. وعندئذٍ، يكون الشعب حرا في تقرير مصيره، وانتخاب من يمثله، ومن خلالهم، تحديد مضمون النظام الجديد النهائي، والتعديلات الدستورية، والتسويات السياسية، والتفاهمات الاجتماعية المطلوبة بالتأكيد لمعالجة آثار الحرب، وتطمين الأطراف والجماعات، أقليات قومية ومذهبية ونوعية ومهنية وغيرها، على مصيرها وضمان حقوقها وأمنها.

ولكن هدف الروس كان ولا يزال أن يضحّوا بقضية الشعب، في الخروج من حكم الطغيان، 

"مسؤولية المعارضة السورية أن تواكب ثورة شعبها، وتثمر تضحياته الغزيرة التي لم تتوقف منذ سبع سنوات" لصالح فكرة حكومة وحدة وطنية، تحافظ على النظام مع بعض الإصلاحات الدستورية، في الوقت الذي لا يعني الدستور شيئا في مثل هذا النظام القائم على الهوى والعصبية والعلاقات الشخصية والسلطة الفردية المطلقة والمقدسة. ولذلك، لا توجد هناك أي إمكانية للتسوية أو للحل الوسط بين منطقي الحفاظ على النظام بمشاركة المعارضة وتلبية مطالب الشعب وتطلعاته نحو السيادة والحرية.

منذ أول لقاء مطول في نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، برز الخلاف العميق في التحليل والخيارات. وبدل أن يحاول التقرّب من موقفنا، أو يتفهمه، جاء رده تهكما بالثورة نفسها التي قال إنه هو الأكثر خبرةً بما تعنيه. وعلى الأغلب كان صادقا في مشاعره ورؤيته السلبية لأي حركة احتجاجية، وبالأحرى ثورية، تهدف إلى التغيير الجذري لنظام قائم على العنف والإكراه والقهر. لم يفهم الروس معنى تطلعات الشعب وحقوقه، أو لم يريدوا أن يفهموا. وأرادوا إقناعنا بأن الغرب هو المسؤول عن كل شرور العالم. وربما اعتقدوا بالفعل أن ما يحصل في سورية يشبه ما حصل في العراق في العام 2003، أو في أحسن الأحوال في ليبيا في 2011، وراهنوا على أن تدخلا قويا منهم في مجلس الأمن والأمم المتحدة سوف يردع القوى الغربية الراغبة في التدخل في سورية على حساب النفوذ الروسي.

وفي خطوةٍ لاحقة، اعتقدت الدبلوماسية الروسية أن في وسعها، من خلال الرهان على التدخل العسكري الإيراني من جهة، ومغازلة المعارضة أو بعض أطرافها لتقريبها من موسكو من جهة ثانية، التوصل إلى تسوية سياسية سريعة للأزمة السورية، وتذليل تعنت الأسد الذي أصبح مدينا لها في الدفاع عن وجوده. وهكذا تستطيع موسكو أن تحقق النجاح الدبلوماسي الذي تحتاجه، لتعيد تأهيل نفسها، وتسترجع صدقيتها ومكانتها الدولية، ما كانت بأمس الحاجة إليه لمواجهة الضغوط الأوروبية والأميركية المستمرة عليها، سواء ما تعلق منها بالعقوبات الاقتصادية القاسية أو بالضغوط العسكرية والاستراتيجية في مجال نفوذها. وعندما شعرت بداية عام 2015 أن النظام يكاد ينهار، تدخلت هي ذاتها، وحاولت أن تضع كل ثقلها العسكري لحسم الصراع بأي ثمن وبأسرع وقت ممكن. وأتذكّر أنه بعد أيام من دخول القوات الروسية سورية، التقيت ميخائيل بوغدانوف، الممثل الشخصي للرئيس الروسي بوتين ونائب وزير الخارجية، بدعوة منه، في مقر سفارة روسيا الاتحادية في باريس، لينقل لي رسالة مفادها بأن بلاده لا تريد التدخل العسكري في سورية، لكنها دخلت فقط للقضاء على الإرهابيين الروس المشاركين في الحرب مع المتطرفين، ولن تقبل بعودتهم أحياء إلى بلادهم، ولن تزيد فترة تدخلها عن شهرين. ضحكت طبعا من فترة الشهرين، لكن بوغدانوف لم يتردد في التأكيد عليها، بينما كانت الصحافة الرسمية تتحدث عن ثلاثة أشهر. وها هم الروس يخططون للبقاء في سورية نصف قرن، بعد انقضاء سنتين على تدخلهم القاتل في الحرب الدولية على السوريين.

 

(2)

أخطأ الروس أخطاء كبيرة، ولا يزالون يخطئون، بحق السوريين أولا، لكن تجاه مصالح روسيا أيضا والعلاقات الروسية السورية في المستقبل، ولأسباب عديدة. أولها إنكارهم، مثل الأسد 

"هدف الروس كان ولا يزال أن يضحّوا بقضية الشعب، في الخروج من حكم الطغيان، لصالح فكرة حكومة وحدة وطنية" وطهران، حقيقة الثورة السورية وعمق تجذّرها في وسط قطاعات واسعة من الشعب السوري، وهذا خطأ بنيوي نابع من رفضهم فكرة الثورة والتغيير نفسها، وامتناع منهج تفكيرهم عن استيعاب هذا الأمر، حتى على مستوى الاحتمال. وهكذا تصرّفوا بالفعل على أساس أنهم يواجهون تدخلا غربيا واسعا ضدهم في سورية، لا حركة شعبية عميقة الجذور.

وأخطأوا ثانيا عندما عطّلوا، بشلهم مجلس الأمن، أي تسوية سياسية سورية، وغطوا على تدخل المليشيات الإيرانية الطائفية، وهم يتحملون اليوم مسؤولية أخلاقية وسياسية وقانونية أساسية في المجازر وعمليات التهجير القسري والتجويع واستهداف المدنيين والإبادة الجماعية التي نجمت عن هذا التدخل تحت حمايتهم وبرعايتهم. وقد حرمهم غضهم النظر عن هذه الأعمال الإجرامية التي دانتها تقارير المنظمات الدولية جميعا من أي أملٍ في كسب ثقة الشعب السوري، أو بعض قطاعاته، حتى القريبة منهم، والتي راهنت، في فترة ما، على روسيا، لتحجيم التدخل الإيراني، وعقلنة سياسة الأسد الانتحارية.

وأخطأ الروس ثالثا، عندما احتقروا المعارضة، واستضعفوها واستهزأوا بها، واعتقدوا أن في وسعهم تدجينها والالتفاف عليها واستغباءها لتحقيق مخططاتٍ مكشوفة، الغاية الواضحة منها تصفية مطالب الثورة السورية، وإخفاء وجهها ومعالمها، حتى تتحقق أطروحتهم الأولية المطابقة أطروحة الأسد، أي إنكار أي حركة شعبية داخلية والتمسك بأطروحة المؤامرة الخارجية.

وأخطأ الروس رابعا، عندما كذبوا على السوريين، وربما على أنفسهم، وأعلنوا أن هدفهم المشاركة في القضاء على المنظمات الإرهابية، والإرهابيين الروس خصوصا، ولم يلبثوا حتى نصبوا أنفسهم سلطة انتداب شبة رسمي على سورية وشعبها، يستفردون بقرارها، ويجمعون رجالها ومعارضاتها، ويفرقونهم منصات ومجالس، حسب الطلب والحاجة، ما جعلهم يتماهون في سياساتهم مع سياسات الأسد، ويصادقون على تكتيكاته الإجرامية في الإبادة الجماعية والتجويع والترويع والتهجير القسري لتعديل البنية الديمغرافية، ويغطّون على خروقاته، ونكثه بعهوده بعد التوقيع على اتفاقات خفض التصعيد والمصالحات الزائفة الأخرى. وهذا ما حوّلهم، في نظر السوريين، بسرعة، من قوةٍ يمكن المراهنة عليها وسيطا دوليا للمساعدة على ضبط المليشيات الإيرانية وعقلنة السياسة الأسدية، والوصول إلى تسوية جزئية، إلى قوة احتلال.

وأخطأ الروس خامسا، عندما ورّطوا أنفسهم في تبني قضية الأسد شخصيا، والمبالغة في الدفاع عن بقائه في الحكم، وحقه في الترشح لأي انتخابات رئاسية مقبلة، وتبرئته من التهم التي كبلته بها المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية، ولجان التحقيق الأممية، بما في ذلك استخدام السلاح الكيميائي، متحدّين بذلك مشاعر ملايين السوريين الذين فقدوا أبناءهم، وقضى الأسد على مستقبلهم، وخرّب وطنهم.

وسيخطئ الروس، سادسا وأخيرا، إذا اعتقدوا أن الأمر قد استتب لهم في سورية، وأن شعبها 

"أخطأ الروس أخطاء كبيرة، ولا يزالون يخطئون، بحق السوريين أولا، لكن تجاه مصالح روسيا أيضا والعلاقات الروسية السورية في المستقبل" فقد نوابض المقاومة والقوة، أو أن العالم سحب يده منها، وسلم بسيطرة روسيا وإيران عليها، أو قبل بتقاسمها بين القوى الإقليمية. ولعل بوادر الحرب المعلنة على الوجود الإيراني المليشياتي في سورية، منذ أسابيع فقط، تظهر هشاشة الوضع الروسي في الشرق الأوسط أيضا، في غياب قوة برية مستقلة، على الرغم من المواقع الجديدة التي اكتسبتها. ولا يوجد شك في أن خشية موسكو من تقويض الغرب الموقع الاستثنائي الذي احتلته في هذه المنطقة هو الذي يدفعها إلى الاستعجال في فرض تسوية سياسية بأسرع وقت، تضمن بقاءها في المستقبل. وربما كان هذا هو الدافع إلى الاستعجال في الدعوة إلى مؤتمر الشعوب، ثم الشعب السوري، في حميميم، ثم في سوتشي، وسبب ولادته ميتا أيضا، بعد رفض أطراف المعارضة الرئيسية حضوره والمشاركة فيه.

وستفشل المبادرات الروسية القادمة جميعا أيضا إذا استمر الروس في التفكير بالقضية السورية على هذا المنوال. فلم يقدم الشعب السوري مليون ضحية، وملايين المشرّدين واللاجئين وعشرات بل مئات المدن المدمرة والمسواة بالأرض، من أجل أن يحصل بعض المعارضين، كما يتوهمون، مهما كانت مواهبهم ومقدراتهم وتاريخهم، على بعض المناصب الحكومية في وزارة الأسد أو أي وزارة أخرى. لقد قدّم السوريون شهداءهم من أجل أن يسترجع أي سوري، صغيرا أو كبيرا، مسلما أو غير مسلم، عربيا أو كرديا او غيرهما، فقيرا أو غنيا، حاكما أو محكوما، كرامته، أي أن يكون سيدا، حرا، وليا على أمره، حيا بضميره، ومشاركا في تقرير مصير وطنه. أي أيضا من أجل أن يكون للسوريين وطن، ولا تكون سورية مزرعة لأحد، لا للأسد وجلاوزته ومخابراته، ولا للروس، ولا لغيرهم مهما كانوا. وجوهر الكرامة وقوامها هو الاعتراف بالذات والآخر والاحترام المتبادل.

والحال، بسياستها التصفوية الراهنة، لا تجرّد الدبلوماسية الروسية المعارضة من احترامها نفسها واحترام شعبها لها فحسب، وإنما تهين جميع السوريين الذين تتعامل معهم، كما لو كانوا لا يزالون في المزرعة العبودية ذاتها التي يحاول الأسد، بحرب الإبادة والدمار الشامل، من دون نتيجة، منذ سبع سنوات، إعادتهم إليها.

لهذه الأسباب، فشلت روسيا في مبادرتها لجمع السوريين ومصالحتهم، ولا يمكن لها إلا أن تفشل. ولن بفيد فشلها أحدا، ولكنه، بمقدار ما يقود إلى الاستيطان في النزاع والحرب، سوف يزيد من عذاباتنا وآلامنا. وتلك هي مشكلتنا مع روسيا وخياراتها.

========================

عندما يغازل السارين غاز الخردل وروحه .. آزاد عنز

الحياة

الاحد 5/11/2017

انتشر كثيفاً في الفراغ المسترخي على يقينه. لا هواء يلجمه. لا هواء يستيقظ من نعاسه ليورث الرئات حياة. لا حائط يرد الهواء ليبقي صدى الموت بعيداً من هنا. لم يستضف أحد ذاك الموت الهائج إلّا رئات خاوية. موت زاحف. سارين زاحف يتسلل خلسة مع نعمة الهواء الجليل. غاز لا يفقه شيئاً من نعمة الوجود والحياة إلّا القبض على أرواح تحمل على خاصرتها رئات خاوية. سارين ينفث الموت على الأرض السورية من آلة الضجر والموت. أرض مستباحة فتحت الأبواب على مصراعيها لتحتضن الموت بمختلف أشكاله وأحجامه. لا مهرب من موت يقذفه السارين من رئته إلى رئات سورية خاوية تنتظر الموت بصبر. لم تلجمك إلا رئات سورية على الرقعة السورية أيها السارين، فالسارين لا يحيا إلا في الرئات متى قام بخنق الهواء وإلزامه عن الرجوع في أداء المهمات الموكلة إليه.

لا تخف أيها السارين. أيها الغاز السكران. رائحتك لن تملأ إلا رئات سورية تنتظرك على أرض الويلات، أرض الحسابات الكبرى وأرض المفاوضات الكبرى. لم يكن صادقاً معك أحد أيها السوري إلا غاز السارين. وعدك بالهلاك فقبض على رئتك بيده اليمنى وقام بخنقها بعد أن قام بتجفيف الهواء المحاصر بين جدرانها وركله بعيداً من هنا.

مواجهات متتالية تعاقبت على الرقعة السورية الجريحة المليئة بالدماء. أنهار دماء تسيل. شلالات دماء تهرول وتجرّ الأخرى بحبال دم وجثث تطفو فوق دمائها لتقذفها الدماء إلى منفاها الأخير.

جثث منتفخة يسيل لعابها من بين شفتيها، وأجساد لم يفلح الهواء في إبقائها حية وإسعافها، بل وإنقاذها من هبوب السارين الأحمق. وفي الضفة المقابلة من نهر دجلة العظيم، النهر الذي يجرّ مأساة الأكراد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، على تراب حلبجة في جنوب كردستان الكبرى أو الجزء الملحق بالأرض العراقية، جُهزت عدّة الموت على عجل، ووُضِع الهواء الفاسد في أنابيب مخصصة لخنق الرئات الكردية المليئة بالهواء. أنابيب حُمّلت على ظهر صاروخ واحد وأُسقطت من الأعلى لترتد على أرض حلبجة صاروخ واحد لا غير كان كفيلاً بنثر الخردل وغازه وروحه على هذه التراب ليصبح قاحلاً. أرض كردستان تُباد وتُخنَق. ماء كردستان يباد ويُخنَق. هواء كردستان يباد ويُخنَق. ترابه وماؤه وهواؤه ودوابه ونباته وأشجاره وأحجاره ورئاته وقصباته وشرايينه شربت الخردل حتى الثمالة. نظام لم ولن يتوانى أبداً عن نفث الموت من روح الخردل ليملأ بها رئات الأكراد. غاز فاسد حلّق في سماء الأكراد ليغطي الغلاف وما دون الغلاف بموت قادم لن يتردد مطلقاً في خنق أرواح وقذفها إلى هلاك منتظر.

خردل فاسد عُدّل أخيراً في أقبية النظام العراقي بعد أن رُش عليه قطرات من رائحة التفاح ليكون مصيدة كي لا تفر رئة من العقاب. رئات تسارعت إلى تنفس الصعداء من الهواء في زحمة الخردل المهرول على تراب حلبجة. غاز خردل جُهز على عجل ودُفن في بطن غراب أسود، فلم يتردد الغراب في إجهاضه من الجو ليرتد على تراب كردستان، بعد أن اتخذ من نكهة التفاح غطاء.

كاتب كردي سوري

========================

متى يسقط بشار الأسد؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 4/11/2017

يكتفي معارضون سوريون كثيرون بتكرار مطالب الثورة، لاعتقادهم أن ذلك كفيل بتحقيقها، ويتوهمون أن أهداف السياسة تتحقق بقدر ما نجريها على ألسنتنا، وأنها لا تحتاج إلى توسطات تنقلها من مستواها الفكري المجرّد إلى الصعيد الواقعي الملموس الذي تتجلى فيه وحده صوابية السياسة.

لا تقتصر السياسة على أهدافها، ولا تكون صحيحة إلا بقدر ما تسهم في بناء ميزان قوى يتكفل ببلوغها، وبوضع برامج مرحلية تتفوق على ما يعتمده الخصم منها. من يكتفي بأهدافٍ لا تترجمها برامج وخطط تنفيذية إلى واقع، لن يبلغها بفصلها عن موازين القوى الضرورية لتحقيقها، فإن كانت ظروف العدو إلى تحسّن، وظروف الصديق إلى تراجع، كما حالنا اليوم، لغدا الإلحاح الكلامي على الأهداف وحدها سببا لفشلها. في المقابل، إذا كانت السياسة توسطات لا هدف لها، فقدت مقاصدها وتحولت إلى ألاعيب عبثية، ولا جدوى منها. السياسة أهداف تعين سبل بلوغها برامج وخطط مرحلية بوسائل تتفق معها، وتنسجم ومقاصدها، توفر علاقات القوى الضرورية للوصول إليها، فإن كرّرنا أهدافا مقطوعة الصلة بالبرامج والخطط وعلاقات القوى، كنا كمن يسهم في هزيمته، وإن أوهم نفسه أنه ثوري، ويخدم الثورة بإخلاص!

إلى ما تقدم، لم يسبق أن نجحت ثورة استبدلت هدفها الاستراتيجي، الأعلى والعام، بهدف أدنى وجزئي، هو مفردة بين مفرداته المتنوعة. في المقابل، يرتبط نجاح أي ثورة بنمط تفاعل مفرداتها الذي يتوقف بلوغ هدفها الأعلى عليه. ومن الخطأ قياس انتصار الثورة وفشلها، الثورة المستمرة منذ قرابة سبعة أعوام، بمعيار وحيد هو رحيل الأسد أو بقاؤه، وتجاهل واقع الثورة المتشعب والمعقد، الذي يقرّر نجاح مطالبها أو فشلها، بما في ذلك مطلب رحيل الأسد الذي ليس صحيحا أو منطقيا القول إن تحققه يعني حكما انتصار الثورة، ما دام رحيله بالموت، على سبيل المثال، لا يعني، في ظرفنا الراهن، أن الثورة هزمت إيران وروسيا والمرتزقة والشبيحة، وأن مسارها الانحداري انقلب إلى تصاعدي، وأنها تجاوزت بنيتها الكارثية القائمة وأخطاءها وتبعثر قواها، وتناقضات مكوناتها السياسية والعسكرية؟ ثم، أليس محتملا تخلص الروس أو الإيرانيين من الأسد، لا لكي تنتصر الثورة، بل لمنع انتصارها؟

في هذه الحالة، هل يكون تخلصهم منه انتصارا للثورة؟ سيسقط انتصار الثورة الأسد، هذا لا شك فيه، لكن سقوطه لا يعني بالضرورة انتصار الثورة، لأن ميزان القوى الراهن والوضع الدولي لا يسمحان بذلك. ألا يحتم هذا الاعتراف إعطاء الأولوية في خططنا وممارساتنا لبناء أوضاع تجعل رحيله هدفا قابلا للتنفيذ، يخدم بصورة حصرية الثورة، وليس مطلبا كلاما يعانده الواقع، ويفرغه من أي مضمون؟

بعد سبعة أعوام من التضحيات، ليس صحيحا، أو جائزا، ربط نجاح الثورة ومصيرها بمصير الأسد. الصحيح ربط مصيره بنجاحها، الصعب اليوم إلى درجة الاستحالة ، بسبب أوضاعٍ علينا تكريس أولوياتنا لإخراج الشعب والثورة من احتجازاتها القاتلة الراهنة، التي تحول دون تحقيق أهدافنا، وفي مقدمها إسقاط الأسد ونظامه، وانتصار الثورة هدف لن نبلغه، ما لم نخضع له أنشطتنا ومطالبنا جميعها، إن كنا نريد حقا الانتصار.

ما لم ندرك الأهمية المفصلية لأولوية بناء وضع ذاتي، يغير موازين القوى لصالحنا، لن يرحل الأسد، ولن يزحزحه شيء أو أحد عن موقعه، غير من يملكون القدرة على ذلك. ونحن لسنا اليوم منهم، للأسف، لأسباب منها أننا دأبنا على اعتبار رحيله مسألة كلام، ونسينا أن أوضاعنا المزرية تلعب الدور الأكبر في بقائه! لذلك، إذا لم نقلع عن إسقاط القاتل بالكلام، ولم نتوقف عن اعتماد المطالبة الكلامية برحيله معيارا للثورية، وقعنا في فخٍّ مهلك، يقوم على فرز السوريين إلى فسطاطين: فسطاط الثوريين الأقحاح، مع أنهم يكتفون من إسقاط الأسد بالكلام، و"فسطاط الخونة" الذين يصرّون على توفير الشروط العملية لإسقاطه. هذا الفرز، في حال وقوعه، لن يكون له أي عائد، غير إضعاف الثورة بدل تقويتها، وصرف أنظارنا عن واقعٍ تمس حاجتنا إلى استبداله بآخر، يمدنا بالقدرة على بناء نظام وطني ديمقراطي، لن يكون السفاح رئيسا له، ولن ينهض إلا على جثة نظامه، وجثته!

يفصل بعض معارضي سورية إسقاط الأسد عن واقع الثورة، ويجعلون التخلص منه قضيتها المركزية، ويتجاهلون أن عدم وقف تردّيها سيسقطها هي ويبقيه، فلا يكون الكلام عندئذ عن أولوية إسقاطه غير مجرد فقاعات لفظية، لا تسمن ولا تغني، تطلقها نيات حسنة، لا تهزم عدوا أو تنصر صديقا!

========================

أربعة مؤتمرات حول سوريا .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 4/11/2017

لم يحقق المؤتمر الأخير في آستانة في جولته السابعة أي تقدم يذكر، فقد أخفقت روسيا من جديد في معالجة ملف المعتقلين مع النظام، وهو الملف الأكثر أهمية في جدول أعمال المؤتمر، وكانت روسيا قد طلبت تأجيل بحثه مرات. ويبدو أن النظام السوري لا يريد الإفراج عن المعتقلين كي لا يواجه أسئلة عن عشرات وربما مئات الآلاف ممن قضوا تحت التعذيب، وقد رأى العالم نماذج قدمتها الصور الشهيرة التي سربها قيصر وتجاوزت خمسة وخمسين ألف صورة عن ضحايا التعذيب.

وكان وفد المعارضة قد شارك في لقاءات آستانة من منطلق الحرص على إيقاف شلال الدم، ورأى أن تخفيض التصعيد يمكن أن يكون مرحلة تمهيدية لوقف شامل لإطلاق النار، ولكن الخروقات اليومية في مناطق خفض التصعيد من قبل النظام جعلت الاتفاقيات بلا مصداقية ولا سيما في الغوطة حيث يشتد الحصار والقصف ويهدد المئات بالموت جوعاً ومرضاً.

ويبدو أن مؤتمر آستانة قد فقد أهميته ولن يجدي الاستمرار فيه وقد وصل إلى جدار مسدود، ولعل هذا ما دفع روسيا للتفكير في الدعوة إلى مؤتمر عام رغبت في البداية أن تعقده في سوريا باسم مؤتمر الشعوب السورية، ثم حولته إلى «سوتشي» باسم مؤتمر الحوار الوطني، وقد دعا إليه الروس العديد من التنظيمات التي تعلن أنها معارضة ولكنها في أهدافها وأدبياتها لا تختلف عن طروحات النظام. كما دعيت أيضاً تنظيمات معارضة جادة أعلن كثير منها رفضه الحضور لمؤتمر يقفز فوق قرارات الأمم المتحدة، ويجعل روسيا وحدها المتفردة بالحل النهائي للقضية السورية الدولية. ويتجاهل مبادئ جنيف 1 وعملية الانتقال السياسي التي اعتمدتها كل القرارات الأممية ليناقش الانتخابات والدستور، ومن المفترض أن تتم مناقشة هذه القضايا بعد الانتهاء من تأسيس هيئة حكم انتقالية، وبدء عهد جديد ينتهي فيه عهد الاستبداد والديكتاتورية ليبدأ بناء دولة سورية مدنية ديموقراطية غير طائفية عبر حكم ذي مصداقية، وهذه التعابير هي جوهر ما دعت إليه الشرعية الدولية في جميع قراراتها.

وترى المعارضة الوطنية السورية أن هدف روسيا من هذا المؤتمر هو إعادة تأهيل النظام، وربما هي تستعجل عقده، وتزاحم سواه من المؤتمرات لتعلن انتصاراً قبيل الانتخابات الرئاسية، ويبدو واهماً من يظن أن الشعب السوري الذي قدم تضحيات غير مسبوقة تاريخياً على مذبح الحرية سيقبل عودة ذليلة إلى حضن النظام، ولا سيما أنه يدرك أن النظام سينتقم بوحشية من كل من ثار عليه أو عارضه. وحسب النظام أنه فقد كل الشعارات الإنسانية وجعل البوط العسكري شعاراً له تأكيداً على سطوة الدولة الأمنية. واشترط قيادي في حزب «البعث» على كل من يفكر في العودة إلى وطنه سوريا أن يقبّـل بوط العسكري وليس جبهته مثلاً، وهذه غطرسة تكشف طبيعة النظام!

والسوريون يعرفون جيداً أن النظام غير قابل لتغيير سلوكه إطلاقاً، وأن المجرمين فيه غارقون في سلوك الجريمة المتوحشة، وقد فقد هؤلاء كل المشاعر الإنسانية، ويكفي النظر إلى الضحايا من الأطفال وحدهم دليلاً على حالة التوحش التي يعيشونها. وما تقترحه روسيا من مصالحات مع هؤلاء هو دعوة للرضوخ لمنطق الاستبداد وانتصار للديكتاتورية، وإذلال متعمد للملايين من الشعب السوري المضطهد، ومكان هؤلاء المجرمين هو المحاكم العادلة.

وأما المؤتمر الثالث الذي تترقبه المعارضة السورية وتدعو إليه فهو مؤتمر الرياض الثاني، وهي تطمئن فيه إلى رعاية المملكة العربية السعودية والعديد من دول أصدقاء سوريا، وتعلن المعارضة أنها تريد مزيداً من توحيد المعارضات التي تتوافق مع رؤية الشعب السوري وتعبر عن مبادئ ثورته، وتصر على أن الانتقال السياسي عبر بيان جنيف 1 والقرارات الدولية وبيان الرياض الذي أطلقه مؤتمر الرياض محدداً ثوابت الرؤية والهدف، هو الطريق إلى الحل السياسي النهائي برعاية الأمم المتحدة.

وأما المؤتمر الرابع المرتقب فهو الجولة الثامنة من مباحثات جنيف التي تحدث عنها دي مستورا ولم يحدد بعد موعداً رسمياً لها، وقد تكون في نهاية هذا الشهر نوفمبر (2017)، ونرجو أن يتمكن دي مستورا في هذه الجولة الجديدة من دخول جاد في بحث عملية الانتقال السياسي، فإن لم يفعل فستكون نتيجة الجولة مثل سابقاتها، فشلاً يتوج به دي مستورا مهمته التاريخية.

========================

أبو الفهم وليد المعلم !؟ .. يحيى حاج يحيى

ومثلُك يابليداً مارأينا ( أبو الفهم : وليد المعلم ) !؟

نقلت الأنباء أن وزارة خارجية عصابة بشار طلبت من السوريين الموجودين في لبنان المغادرة بسبب الأوضاع الأمنية المرتقبة !؟

أبو الفهم يتناسى أن أكثر السوريين غادروا إلى لبنان لاجئين بسبب ممارسات سيده الغبي وريث والده في الإجرام !؟

 وكم يصدق فيهم قول الشاعر ، وهو يتهكم بمغفل شبيه بهم ؛

ألقاهُ في اليمِّ مكتوفاً ، وقال له :  إياك إياك أن تبتلّ بالماءِ !؟

===========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 31) .. الطليعة المقاتلة والصدام مع النظام .. محمد فاروق الإمام

يرتبط تشكيل هذه الطليعة قيادة وتوجيهاً وتنظيراً بمروان حديد المهندس الزراعي والحائز على ليسانس بالفلسفة. وقد تشكل هذا التنظيم في أوائل عام 1975م، وتعارف كوادره فيما بينهم على التسمي باسم (الطليعة المقاتلة لحزب الله). وقد ولدت فكرة تشكيل هذا التنظيم الطليعي من خلال أحداث الدستور عام 1973م، والتي حركها مركز حماة بقيادة مروان حديد والشيخ سعيد حوى، ومثّل هذا التحرك أخطر اختبار لقوة مجموعة حديد المسيطرة على مركز حماة وعناصره في المحافظات الأخرى، إذ تمكنت من القيام بإضراب عام في حماة، شارك فيه الاشتراكيون (جماعة أكرم الحوراني) والناصريون (جماعة محمد الجراح)، وتحول الإضراب إلى أحداث شغب ضد مراكز حزب البعث الحاكم والمنظمات الشعبية التابعة له، وبعض المقاهي وأماكن بيع الخمور.

طوق الرئيس حافظ الأسد هذا الانفلات الأمني بإرضائه للإسلاميين بأن طلب من مجلس الشعب المؤقت أن ينص مشروع الدستور على أن يكون دين رئيس الدولة هو الإسلام، وأدى هذا إلى فتح الباب أمام إمكانية مشاركة بعض الشخصيات الإخوانية التقليدية في انتخابات مجلس الشعب التي تمت في أيار عام 1973م، والتي قابلها أنصار المدرسة الراديكالية بالنقد الشديد. في حين قامت السلطات باعتقال عدد من الإخوان المسلمين والناصريين والاشتراكيين الذين شاركوا بالإضراب العام في حماة، إلا أنه تم الإفراج عن معظمهم بعد عشرة أشهر باستثناء مجموعة محدودة على رأسها الشيخ سعيد حوى، أحد أبرز الناشطين في ذلك الإضراب، ولم يطلق سراحه إلا عام 1978م بعد حبس دام خمس سنوات في سجن المزة. أما مروان حديد نفسه فقد توارى عن الأنظار إلى حين اعتقاله في 30 حزيران عام 1975م بعد اشتباك مع رجال الأمن في دمشق.

خلال تواري مروان حديد عن الأنظار وجه رسالة مطولة إلى العلماء والشخصيات والجماعات الإسلامية يطلب فيها منهم إعلان الجهاد المسلح ضد السلطة، واعتباره فرض عين على كل مسلم ومسلمة. وأعلن تحديه للقيادة الإخوانية التقليدية التي حولت الجماعة – كما جاء في رسالته – إلى أشبه بجماعات التبليغ والدعوة.

حاولت قيادة الجماعة تطويق مجموعة حديد ففصلته كما فصلت عدداً من المرتبطين معه مثل: (عبد الستار الزعيم، وحسني عابو، وعدنان عقلة، وزهير زقلوطة) وغيرهم، وهددت بفصل كل عضو يثبت استمرار صلته بمروان حديد.

وعلى إثر وفاة مروان حديد في مستشفى سجن المزة عام 1976م انتقلت قيادة هذه المجموعة إلى عبد الستار الزعيم، وقامت هذه المجموعة بأول عملياتها ضد أجهزة الأمن في 8 شباط عام 1976م فاغتالت الرائد (محمد غرة) رئيس فرع المخابرات العسكرية في حماة.

ومن هنا تم لاحقاً اعتبار هذه العملية فاتحة أعمال العنف والعنف المضاد في سورية، وراحت مجموعة مروان حديد تنفذ عملياتها ضد أجهزة الأمن السورية دون الإعلان عن اسمها إلا بعد ثلاث سنوات ونيف، عندما نفذت عملية (مدرسة المدفعية) في 16 حزيران عام 1979م في مدينة حلب، مفصحة عن تبنيها للعملية تحت اسم (الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين).

جماعة الإخوان المسلمين

ترفض الانجرار إلى العمل المسلح

لقد كانت مرامي جماعة مروان حديد من تغيير اسمها من (الطليعة المقاتلة لحزب الله) إلى (الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين) جر الجماعة إلى الانخراط في العمل المسلح الذي ترفضه بشدة، وتنأى بنفسها عنه، ويؤثر عن مروان حديد قوله: (لئن أخرجني الإخوان من الباب فسأدخل من الشباك وسأجرهم إلى الجهاد جرا).

لم تتصور قيادة التنظيم العام أن نشاط الطليعة لن يكون أكثر من ردود أفعال يمكن أن يوصف بنزق الشباب، يمكن احتواؤه والسيطرة عليه وتوجهه بما ينسجم مع السياسة الإخوانية التي تنبذ العنف وترفض أي مواجهة مع السلطة، وهو خط سيرها العام الذي اعتمدته في كل صراع بينها وبين خصومها منذ نشأتها.

ومن هذه المنطلقات أيدت حافظ الأسد في الاستفتاء المقرر إجراؤه في 8 شباط 1978م مقابل الإفراج عن معتقليها الذين كانوا دائماً ضحية حماقة أبناء المدرسة الراديكالية المروانية.

وبالفعل أفرج عن الشيخ سعيد حوى عضو مجلس شورى الجماعة في أواخر كانون الثاني عام 1978م، وفتحت السلطة حواراً مع المعتقلين الإخوانيين، بهدف الوصول إلى مصالحة مع السلطة.

وعندما شعرت الطليعة بحدوث هذه المصالحة أقدمت على اغتيال الدكتور (إبراهيم نعامة) نقيب أطباء الأسنان في 18 آذار عام 1977م، واعتبرت السلطة أن هذا الاغتيال بمثابة فسخ لاتفاق المصالحة، وهذه نقطة تسجل على السلطة كونها استجابت لأهداف الطليعة بنزق ودون تفكير، فأوقفت السلطة كل حوار مع الجماعة، وأقدمت على اعتقالات واسعة وعشوائية في صفوف الإسلاميين.

ويبدو أن رئيس الأمن القومي السوري الذي تولى إدارة ملف التسوية بين جماعة الإخوان والسلطة، لم يكن يدرك طبيعة تنظيم الطليعة الذي كان يخطط لاستجرار الجماعة إلى العمل المسلح الذي ترفضه جملة وتفصيلا.

من جهة أخرى فتح المراقب العام عدنان سعد الدين حواراً مع عبد الستار الزعيم بهدف احتوائه، ولكن الزعيم كان ماضياً بمشروعه إلى النهاية، والذي يتلخص في احتواء الجماعة وتحييد القيادة التقليدية وزج كوادرها في العمليات المسلحة، وقد نجح في جر البعض من الشباب إلى صفوف طليعته.

لقد سبق لقيادة الطليعة أن تلقت تدريباً عسكرياً في قاعدة طليعية تحت راية حركة فتح، متحدية قرار القيادة القطرية الإخوانية بعدم المشاركة في هذه القاعدة، ونسجت علاقات وثيقة ومباشرة مع الأجهزة الأمنية لمنظمة فتح، التي استفحل العداء بينها وبين النظام السوري جراء تدخل سورية في لبنان عام 1976م، مع اعتقاد الطليعة بأن منظمة فتح ليست سوى الجناح العسكري للإخوان المسلمين الفلسطينيين، بحكم انحدار معظم قادتها من الإخوان. وقد رسخت أجهزة الأمن في فتح هذا الاعتقاد في أذهان شباب الطليعة.

وخلاصة القول فإن قيادة الجماعة والأجهزة الأمنية السورية لم تدرك طبيعة التنظيم الجديد واستراتيجيته النظرية والصدامية.

ولم تكن ظاهرة المدرسة الراديكالية مقصورة على الجماعة في سورية، فقد ظهرت في التنظيم الأم في مصر قبل ذلك، وكان كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) الذي صدر عام 1965م يعبر بشكل واضح عن نفس النهج. وقد لعب هذا الكتاب دوراً خطيراً في تشويش عقول الشباب ودفعهم للتمرد على القيادة التقليدية للجماعة، مما دفع المرشد العام الثاني (حسن الهضيبي) إلى تدوين كتابه (دعاة لا قضاة) في معتقله عام 1969م، للرد على كتاب سيد قطب وخطورة طرح فكره الجديد. الذي كانت تنظر إليه الطليعة على أنه كتاب إصلاحي يفرغ الجماعة من مضمونها الجهادي ويحولها أشبه ما تكون بجماعات التبليغ والدعوة.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com