العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد  12-09-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

في الذكرى السنوية لليوم الدولي لحماية التعليم.. أرقام صادمة عن التعليم في سوريا 

وسام الدين العكلة 

سوريا تي في 

الخميس 9/9/2021 

يعتبر الأطفال من أكثر فئات المجتمع هشاشة خلال النزاعات، وغالباً ما يدفعون أثماناً باهظة تتعلق بحرمانهم من التعليم والانخراط في العمليات العسكرية، والزواج المبكر بالنسبة للفتيات، واللجوء إلى العمل لمساعدة عائلاتهم بسبب الأحوال الاقتصادية الناجمة عن الحرب وما يتمخض عنها من لجوء ونزوح وفقدان الأشخاص والأموال والممتلكات. كما يعتبر قطاع التعليم أيضاً من أكثر القطاعات الحيوية تأثراً بظروف النزاع حيث تتطلب العملية التعليمية وجود بيئة آمنة خالية من الاعتداءات والهجمات العسكرية على الكوادر والمرافق التعليمية. 

خلال السنوات الماضية انتهك النظام السوري جميع القواعد والأعراف الدولية الناظمة للحرب بما فيها قواعد القانون الإنساني الدولي الخاصة بحماية المدارس والأعيان المدنية ولم تسلم حتى رياض الأطفال من الهجمات العسكرية، في حين تم تحويل أغلب المدارس التي لم تدمرها الآلة الحربية إلى حواجز وثكنات عسكرية لقوات النظام والميليشيات الحليفة لها لاستخدامها لأغراض عسكرية ومراكز للاعتقال، وتسببت هذه الهجمات الممنهجة بحرمان مئات الآلاف من الأطفال من حق الحصول على بيئة آمنة للتعلم. 

وقد أشار تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" لعام 2019 إلى تعرّض نحو 40 في المئة من البنية التحتية للمدارس في سوريا للضرر أو للدمار أثناء الحرب، وأن أكثر من ثلث الأطفال السوريين باتوا خارج المدرسة، وأن طفلاً واحداً من بين ثمانية في كل صف دراسي يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي مختصّ لتحقيق التعلّم الفعال. في حين أكد بيان لمنظمة "أنقذوا الأطفال" صدر في 6 أيار 2021 "أن واحدة من كل ثلاث مدارس خرجت عن الخدمة داخل سوريا لأنها دمرت أو تضررت أو تستخدم لأغراض عسكرية". وحذرت المنظمة من أن التعليم لا يزال تحت التهديد بسبب العنف المستمر على الرغم من انخفاض عدد الهجمات مقارنة بالسنوات السابقة. من جانبها ذكرت منظمة الدفاع المدني السوري "الخوذ البيضاء" أن "سوريا كانت الأسوأ على مستوى العالم بعمليات القتل والاعتداء على المدارس خلال عام 2019". 

فمنذ بداية الاحتجاجات السلمية التي أطلق شرارتها أطفال إحدى المدارس في محافظة درعا عمدت قوات النظام إلى ممارسات وأعمال وحشية ضد الأطفال ما تزال صورها راسخة في مخيلة السوريين كالاعتقال والتعذيب والقتل والتغييب القسري ما شكل صدمة وانتهاكا صارخا لقواعد القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 التي تكفل للأطفال الحق في الحياة والتعليم والحفاظ على هويتهم وحرية التعبير والرعاية الصحية وعدم التعرض للتعذيب أو العقوبات القاسية أو المهينة لكرامتهم الإنسانية. وبالرغم من الصعوبات الهائلة التي تواجه المنظمات الحقوقية أو المعنية بالتعليم أو حماية الأطفال خلال عملها داخل سوريا إلا أنها استطاعت توثيق آلاف الحالات حول تعرض أطفال سوريين لعمليات اعتقال وتعذيب، وبحسب إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2021 فقد قتل نحو 30 ألف طفل منذ عام 2011 يتحمل النظام السوري المسؤولية عن 78 في المئة من مجمل الحالات. 

وفقاً لأرقام الأمم المتحدة فقد تجاوز عدد الأطفال السوريين المتسربين من المدارس في تركيا 300 ألف طفل 

أما بالنسبة لتعليم الأطفال السوريين في دول الجوار، فالوضع ليس أفضل بكثير، ووفقاً لأرقام الأمم المتحدة فقد تجاوز عدد الأطفال السوريين المتسربين من المدارس في تركيا 300 ألف طفل، كما وصلت نسبة الأطفال السوريين الموجودين في الأردن والذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة وغير ملتحقين بالمدارس إلى 38 في المئة، والوضع في لبنان ربما أسوأ من ذلك بكثير، وتضيف الأمم المتحدة أن نصف الأطفال في سن المدرسة في سوريا محرومون من الدراسة ويقدر عددهم بنحو 2.1 مليون طفل داخل سوريا و700 ألف طفل سوري لاجئ في الدول المجاورة. 

على المستوى الدولي أخذ التسليم بأهمية توفير تعليم مستمر في أوضاع النزاع المسلح يكتسب تأييداً مطرداً خلال السنوات الأخيرة خاصة بعد إقرار اتفاقية حقوق الطفل عام 1989 بسبب ارتفاع عدد النزاعات المسلحة في العالم، وهناك مجموعة واسعة من القواعد القانونية يشار إليها عادة في معرض ضرورة توفير مزيد من الحماية لحقّ الأطفال والشباب في التعليم وحماية البنى الأساسية المدنية بما فيها المدارس والجامعات أثناء النزاعات المسلحة، وأصبح التعليم بما في ذلك التعليم أثناء النزاعات واحداً من أهم الأهداف العالمية أو ما يُعرف بأهداف التنمية المستدامة لعام 2030. كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 275/74 في 28 أيار/مايو 2020 الذي أعلنت بموجبه يوم 9 أيلول/سبتمبر من كل عام يوماً دولياً لحماية التعليم من الهجمات لتذكير الدول الأطراف بالتزاماتها واجبة التطبيق بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك احترام المدنيين، بمن فيهم الطلاب والعاملون في مجال التعليم، واحترام الأعيان المدنية مثل المؤسسات التعليمية. 

ويشكل مبدأ التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية الأساس الجوهري للحماية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني خاصة اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها، فأطراف النزاع مطلوب منهم التمييز بين الأفراد المدنيين والعسكريين والأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ولا يجوز لهم الهجوم بشكل مباشر إلا على الأهداف العسكرية فقط، والمرافق التعليمية محمية بمبدأ التمييز طالما كانت أعياناً مدنية. ووفقاً لقواعد القانون الدولي إذا فشلت الحكومة بشكل واضح في حماية المدنيين من شعبها،  أو كانت هي من تستهدفهم، فإن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية حمايتهم من خلال اللجوء إلى تدابير تتراوح من استخدام الوسائل السلمية إلى العسكرية كملاذ أخير، وبناء على هذا الأساس يتوجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال السوريون في سن التعليم من خلال التدخل الإنساني تحت مبدأ "مسؤولية الحماية". 

وأمام هذا الواقع المأساوي للتعليم في سوريا، لا بد أن يقتنع السوريون بأن الحرب سوف تنتهي يوماً ما، لذلك لا بد من تسخير جهودهم لمرحلة ما بعد الحرب وإعادة البناء المادي والفكري والأخلاقي من خلال إعداد جيل مؤهل بالاعتماد على إمكانياتهم الذاتية دون الاعتماد على الداعم الدولي، وتشجيع أطفالهم على الالتحاق بالمدارس كي يكتسبوا المعارف والمهارات التي يحتاجونها في المستقبل لإعادة بناء ما دمرته الآلة العسكرية والنهوض ببلدهم من جديد. 

========================= 

وجهة نظر : الشعوب والمجتمعات العربية مأزومة حتى الاختناق، ولكن هل الحكام العرب يتحركون في فراغ؟؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 9 / 2021

هل الحكام العرب يفكرون في فراغ، ويقررون في فراغ، ويتحركون في فراغ..؟؟

وهذه محاولة للفهم وليست مرافعة للدفاع عن أحد، حتى لا يسبقني المستعجلون ..

وأكبر هوّة تفصل بين الحاكم العربي وشعبه، وأطرح الكلام بأفق عام ، هي اختلاف الأولويات ..

وأولوية الشعوب العربية إن جاز لي أن اختصرها ، هي أولا في العيش في ظل نسق مثالي قيمي ما يزال يتمسك به عموم في فضائهم الفردي والجماعي، ثم في مستوى مقبول من العيش الكريم ، وفي الأول والثاني تتفاوت مطالب الأفراد والجماعات، ولكن هاتين الأولويتين، ما تزالان تستغرقان في أوطاننا حياة الأكثرين.

وكل الهجمة المادية وعلى كل الصعد لم تستطع أن تقنع الإنسان العربي بشكل عام بحياة خارج إطار القيم والمثل. وعنوان " يصطفلو " لم يصبح في مجتمعاتنا العربية جميعا " منهج حياة "

تلك أولويات المجتمعات بينما الأولوية الأولى للحاكم العربي هي الحفاظ على " وجوده - بقائه - استدامة سلطته " مسميات كلها لمسمى واحد ، ونعبر عنها بأساليبنا المختلفة.

وتتقدم أهمية هذه الأولوية عند الحاكم العربي ، كلما كانت شرعية وجوده في الحكم أكثر هشاشة، وأكثر إثارة للقلق ؛ كما يحدث في دول قامت أنظمتها على الانقلابات العسكرية، كما في سورية البعث والأسد وغيرها ..

ويتعلم " الحاكم العربي " منذ اليوم الأول لوصوله للسلطة أن أولويته الأولى " البقاء في السلطة " مرهونة برضا آخرين، غير الناس الذين يحكمهم، وبالتالي يبدأ في الحصول على " دورات خاصة " في طرق إرضاء هؤلاء الآخرين ، مجاراتهم، تجنب غضبهم، الحلب في إنائهم، وكذا تملقهم ومداهنتهم ووتوسطهم والتوسط لديهم إلى آخر ما نعرفه في حياتنا الفردية من طرق الوصوليين والانتهازيين والمصلحجيين ...

وكل ذلك يتم على حساب أمرين :

الأول مصلحة الشعب الذي يحكمه هذا الحاكم، وهذا يؤدي لإحداث فجوة بين الحاكم والشعب أو المجتمع ، وكلما ازدادت هذه الفجوة اتساعا، ازداد إحكام القبضة الأخرى على عنق الحاكم ، حتى لتقول إنه يتنفس من منخر واحد ..

والثاني على حساب قناعات الحاكم نفسه ..

فالحاكم العربي مهما قلنا عنه يبقى " إنسانا" له فكر وقلب ومشاعر ورؤية وتقدير للأمور ، ولكن عقد الطاعة الذي يفرض عليه " في المنشط والمكره " يشكل على الحقيقة أزمته الحقيقية، التي عنها نتحدث في هذا المقام!!

نحن كثيرا ما نردد :

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ..عدوا له ما من صداقته بد

وأظن أن الحاكم العربي يردد هذا صبحا وعشيا وبين الصلاتين ..

دخل الأمريكان العراق فدمروه، والحكام العرب صامتون، هل تساءلنا كم حاكم عربي رأى نفسه مكان صدام حسين معلق على الحبل في صبيحة يوم العيد ؟؟؟ وكم منهم طافت فوق وسادته الأحلام !! وقال لنفسه: انج سعد فقد هلك سُعيد ..!!

دخل الروس سورية محتلين، لم نسمع من أي حاكم عربي إنكارا أو احتجاجا أو إعراضا ، هل نظن أن هؤلاء الحكام العرب خلقوا من غير لحم ودم ، وهم ينظرون إلى دور روسي ولا يستطيعون حتى أن ينكروه ..؟!!

هي أزمة حقيقية يعيشها الحاكم العربي أزمة ذات ثلاث شعب، شعبة بقائه في سلطته، وشعبة انتمائه إلى ذاته وقومه ، وشعبة المتحكمين في قراره ، ولا يستطيع أن يقول لهم "لا .."

ولعل من أهم معالم الأزمة التي يعيشها الحاكم العربي بعد ذلك، أزمة الواقع المثخن الذي تعيشه شعوب هذه الأمة في أكثر أقطارها ...ربما تتبدى لدى البعض في ثوبها الاقتصادي والتنموي ، ولدى الآخرين في ثوبها الاجتماعي والفكري ...

لسنا هنا لنشير على الحاكم العربي ، فهو مكتف عن المستشارين،  ولكننا هنا لنفهم خلفية المشهد بأبعادها، لعل ذلك يعيننا على الدفع في طريق صحيح ...

وشر الرؤساء من كان عليه في رئاسته رئيس...

فكيف من كان عليه رئيس ورئيس وسابع حتى السبعين ...؟؟؟

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

درعا جبل عال يواجه رياح التغيير الجيوسياسي لأربع دول 

عبدالله الموسى 

سوريا تي في 

الخميس 9/9/2021 

انتهى تصعيد النظام والميليشيات الإيرانية المضبوط روسياً على درعا البلد بعد 76 يوماً من الحصار والقصف ومحاولات الاقتحام، فوافقت اللجنة المركزية على شروط كانت ترفضها قبل ذلك بعد انعدام خيار البقاء الذي دفعوا لأجله منذ تموز 2018 ثمناً باهضاً من الاعتقالات والاغتيالات والتفكك الفصائلي بين لواء ثامن ولجان مركزية وفروع النظام. 

كانت قواعد الاشتباك في معركة درعا البلد الأخيرة واضحة، فالنظام ضغط تدريجياً حتى حاصر وأطلق الحصار واستقدم التعزيزات واستعرض بها قوته الكافية لحسم المعركة، واللجنة المركزية تنسق مع مثيلاتها في أرياف الجنوب السوري لتنفيذ تصعيد واسع ومنضبط، وتقود معركة الصمود والدفاع بمن تبقى في درعا البلد من الشبان المقاتلين الذين كانوا في فصائل الجيش الحر، ولكنها لا تعلن ذلك وتقدم نفسها بأنها شخصيات مجتمعية تتحدث باسم أهالي المنطقة. 

أما روسيا فأظهرت دور الوسيط بين طرفي نزاع هما النظام بقيادة الفرقة الرابعة وأهالي درعا بقيادة اللجنة المركزية، لكنها أخفت أنها قائدة المعركة بالمطلق، فلم تطلق طيرانها ولم تسمح للنظام باستخدام طيرانه، وضبطت وتيرة القصف وأعداد الضحايا، وزجت باللواء الثامن بقيادة أحمد العودة في وقت يناسبها وسحبته من رقعة الشطرنج في وقت آخر. 

الثابت أيضاً أن هذه القواعد يعرفها كل طرف، ويعرف ظواهرها وبواطنها ومآلاتها وأسبابها، وضمن هذه المعادلة سعى ثوار درعا للخروج بأقل الخسارات. 

حصلت الفصائل العسكرية عام 2018 على امتياز البقاء في الجنوب السوري نظراً لخصوصية المكان والجوار وبسبب الالتزامات الروسية المسبقة لإسرائيل والولايات المتحدة، وبسبب الاختلافات في سياسات روسيا تجاه سوريا وسياسات إيران المضادة، فوجدت موسكو فيمن تبقى فرصة لمنع إيران من الوصول للجنوب السوري، واستعراض كاذب لإنسانيتها بالسماح للأهالي والمقاتلين بالبقاء، وهي فترة كان ملف "عودة اللاجئين" على رأس قائمة الاهتمامات الروسية. 

نجحت موسكو في مشروع اللواء الثامن (لواء شباب السنّة سابقاً أبرز مكونات الفيلق الخامس الروسي)، وبقيت للعودة شوكته ومساحته في رفض النظام، حيث ظهر ذلك جلياً في تموز من العام الفائت عندما أقام العودة حفل تخريج دفعة لألف عنصر من لوائه يرقصون تحت أعلام النظام ويهتفون ضد بشار الأسد وإيران. أما اللجان المركزية فحاولت أخذ مساحة أكبر ودفعت مقابل ذلك ثمناً باهضاً وصل درجة اغتيال أدهم الكراد أحد أبرز شخصياتها. 

كان تدخل اللواء الثامن في الأيام الأولى من التصعيد ايجابياً نسبياً وقدم نفسه كخيار للحل بين المركزية والفرقة الرابعة، ومع التوصل للاتفاقات الأولى التي جدد النظام انتهاكها واستقدامه مزيداً من التعزيزات ورفع وتيرة التصعيد غاب فصيل العودة عن المشهد، فيما يبدو أنه تحرك روسي ممنهج ومدروس. عندما قررت موسكو المضي بالمعركة للنهاية سحبت اللواء الثامن من المشهد. 

ما الذي تغير؟ 

طرأت على الساحة المحلية والإقليمية جملة من التطورات غيرت من الواقع القديم، فالمظاهرات التي شهدتها درعا رفضاً للانتخابات الرئاسية سببت حرجاً لبشار الأسد لم يكن متوقعاً، وهو في أصل المسألة لم يكن راغباً بهذا النموذج الفريد الذي ظهر في درعا بعد تموز 2018. ومع ذلك لم يبادر النظام للتصعيد بعد الانتخابات مباشرة لحين ظهرت تطورات إقليمية ودولية دفعت روسيا لإعادة النظر في سياستها تجاه الجنوب السوري. 

أبرز هذه التطورات تمثلت بانتهاء 21 عاماً من حكم نتنياهو ووصول حكومة ائتلافية لم تبد الصرامة السابقة تجاه إيران في سوريا ولم تبد اهتماماً كافياً ببوتين الذي اتصل مع بينيت هاتفياً في الخامس من تموز الفائت وناقشا ملفات أمنية وسياسية، في حين جمع بوتين ونتنياهو 13 اتصالاً هاتفياً و 3 لقاءات خلال العامين الماضيين. 

وهنا بدأ بوتين يجس النبض ويختبر ردود الفعل الإسرائيلية عبر التلميح بتعزيز الدفاعات الجوية لقوات النظام. 

أما التغير الإقليمي الثاني فكان من جهة الأردن التي تدرجت خلال عام بالتطبيع مع النظام والاعتراف المطلق بالدور الروسي في سوريا، وتنامى هذا الاعتراف بالنظام وروسيا منذ افتتاح معبر نصيب الذي سيضخ في خزينة الأردن أموالاً غابت 8 سنوات، وبلغ هذا الاعتراف ذروته مع الحديث عن خط الغاز المصري للبنان عبر الأردن وسوريا وإبلاغ سفيرة الولايات المتحدة في لبنان، دوروثي شيا الرئيس اللبناني ميشال عون، بأن الإدارة الأميركية ستسهل هذه الخطة لإنقاذ لبنان، ما فسره الروس والأردنيون على أن قانون قيصر لن يقف في وجه هذا المخطط. 

وفق هذه التطورات يرى النظام أنه قادر على إنهاء الحالة الثورية في درعا التي تسبب له قلقاً كبيراً، وتقديم نفسه لإسرائيل كخيار يضمن أمن حدودها الشمالية ويكفل لها برعاية روسية عدم وصول الإيرانيين إلى الجنوب السوري. 

وإيران التي تراجع سياستها أيضاً ستتجاوب مع طموحات النظام ومخططه الجديد ولن تحرجه أمام تل أبيب وستساعده في الحصول على ورقة تأمين الجنوب السوري. 

هذه التسهيلات الإيرانية المتوقعة تشمل حتى التلويح بورقة ناقلات النفط الإيرانية، وبالتالي سترى واشنطن أن خيار الغاز عبر سوريا أقل ضرراً وإحراجاً من أن تظهر إيران المنقذ للبنان مما سيزيد من رصيد حزب الله اقتصادياً وسياسياً. 

الحفاظ على مربط الخيل 

كان قرار ثوار درعا وأهلها البقاء في موطنهم ورفضوا التهجير وتعايشوا مع الظروف الميدانية ومتغيراتها، ونجحوا في تجاوز كثير من حملات التصعيد في كافة مناطق الجنوب السوري، وعندما فرضت عليهم المعركة الأخيرة قدموا نموذجاً فريداً في المواجهة، فالوجهاء والسياسيون قادوا المعركة، وقدمت بيانات المركزية خطاباً وطنياً مميزاً، وواجهت البنادق دبابات الفرقة الرابعة، هذه البنادق هي نفسها التي رفض الروس استلامها بحجة أنها صدئة فأبلغتهم اللجنة المركزية أنها فعالة بدليل أنها أحبطت هجمات النظام وميليشياته أكثر من عشر مرات رغم القصف المكثف جداً بصواريخ الفيل. 

ربما يرى البعض بعد الاتفاق الأخير أن أهل درعا خسروا المعركة الأخيرة وقبلوا الشروط، لكنهم حافظوا على مربط خيلهم وبقوا في منازلهم، وحافظوا على رأس المال.. هم رأس المال ودرعا جبل عال يواجه الخذلان وسياسات الدول. 

أما المربح فقد حصلت عليه سوريا مسبقاً عندما انتفضت المدينة في وجه النظام وقادت خلفها سوريا كاملة لثورة الحرية والكرامة. 

========================= 

حول اللقاء الذي (لن يحدث) بين علي مملوك وهاكان فيدان! 

 بكر صدقي 

القدس العربي 

الخميس 9/9/2021 

لا نعرف بالضبط من يقف وراء إطلاق هذا الخبر ـ القنبلة الإعلامية قبل أيام، ولكن يمكننا إطلاق بعض التكهنات حول الغاية منه أو نتائجه المحتملة. 

في الرابع من شهر أيلول الجاري نشرت صحيفة «تركيا» الموالية للحكم خبراً بخصوص اللقاء المفترض، أسندته إلى مصادر مقربة من «شخصيات أمنية عراقية» من غير ذكر أسماء تلك المصادر ولا أسماء تلك الشخصيات الأمنية. هذا الإغفال بحد ذاته يدعو للتشكيك بالخبر جملة وتفصيلاً. لكن المضمون «المثير» للخبر تكفل بانتشاره في وسائل إعلام مختلفة، تركية وعراقية وسورية وغيرها. من المحتمل أن الغاية من إطلاق هذه الإشاعة هي اختبار ردود الفعل المحتملة و/أو تمهيد المناخ السياسي لاجتماع من هذا النوع. 

الواقع أن حدوث لقاء بين القائدين الاستخباريين في تركيا والنظام السوري يمكن أن يحدث في أي وقت إذا رأيا أنه آن الأوان لفتح قنوات اتصال مباشرة لحل المشكلات العالقة بينهما. وقد التقى الرجلان فعلاً، في مطلع العام 2020 في موسكو بإشراف روسي. فلا شيء يمنع من تكرار اللقاء، وبخاصة في زمن يشهد لقاءات «مستحيلة» مماثلة بين تركيا وكل من مصر والإمارات العربية المتحدة، بعد قطيعة امتدت سنوات. ففي هذا الإطار شهد اليومان الماضيان 8-9 أيلول جولة ثانية من الاجتماعات بين المصريين والأتراك في أنقرة، بعد ثلاثة أشهر من جولة أولى جرت في القاهرة. 

بخلاف الامتداد الزمني الطويل نسبياً لاجتماعات التطبيع مع المصريين، تسارعت خطوات التطبيع التركية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، فشهد شهر آب الماضي لقاء عالي المستوى بين الرئيس التركي أردوغان وضيفه مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد آل نهيان، تلته اتصالات هاتفية بعد أسبوعين بين أردوغان ومحمد بن زايد، وبين وزيري خارجية البلدين. 

يأتي تطبيع العلاقات هذا بين تركيا ودولتين عربيتين كانتا على خصومة شديدة معها طوال السنوات الثماني الماضية، أي منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر في 2013، في إطار محاولات تركية للخروج من عزلتها العربية. وفي الإطار نفسه هناك تكهنات بشأن مساهمة تركية إيجابية في تسوية الصراع في ليبيا خلال الفترة القريبة المقبلة. 

 

الواقع أن جميع الدول الإقليمية تبحث وتتباحث حول تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وما هي الفرص والمخاطر التي يقدمها هذا الواقع الجديد. وأول الجهات المعنية بهذا الانسحاب هي سوريا 

 

ظاهرياً يختلف الأمر حين يتعلق بالعلاقة العدائية بين دمشق وأنقرة، ففي نظر نظام بشار تركيا هي في صدارة الدول المعادية، متقدمة في ذلك على الولايات المتحدة نفسها. وعلى رغم العدد المحدود من الاحتكاكات العسكرية المباشرة بين قوات الطرفين، تتقدم تركيا على إسرائيل التي تشن حرب صواريخ متواترة على الأراضي السورية منذ سنوات، في لائحة «أعداء النظام السوري» فهي دولة احتلال ومصدرة وداعمة للإرهاب والإرهابيين التكفيريين. لا تتوقف وسائل إعلام النظام عن تكرار هذه الاتهامات بشكل يومي بحيث أصبحت تركيا في الرأي العام الموالي هي الشر المطلق. 

أما واقع الحال، فنظام الأسد براغماتي إلى أبعد الحدود مع الدول القادرة والفاعلة حين يتطلب الوضع التواصل معها، تفاوضاً أو تعاوناً أو ترتيبات أمنية، وعلى رغم بعض مشاغباته على داعمه الروسي فهو يمتثل عموماً لتعليمات الكرملين، وغير معترض على مسار آستانة الذي تشترك فيه تركيا إلى جانب إيران وروسيا. صحيح أن النظام كذّب خبر اللقاء المرتقب بين مملوك وفيدان بنبرته الصارخة المعهودة، لكن ذلك لن يغطي على حقيقة أن الرجلين قد التقيا فعلاً في موسكو قبل أقل من عامين، ولا شيء يمنع لقاءهما مرة أخرى إذا اقتضى الأمر. 

الواقع أن جميع الدول الإقليمية تبحث وتتباحث حول تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وما هي الفرص والمخاطر التي يقدمها هذا الواقع الجديد. وأول الجهات المعنية بهذا الانسحاب هي سوريا التي بات السؤال يطرح فيها عن احتمال انسحاب أمريكي مماثل منها. كل من النظام وتركيا لديهما دوافع قوية لملء الفراغ الذي سينجم عن انسحاب أمريكي محتمل، وشهية مفتوحة للانقضاض على لقمة سائغة هي «قوات سوريا الديمقراطية» وإدارتها الذاتية في شمال شرق البلاد. وتاريخياً كان هناك تنسيق أمني دائم بين تركيا والنظام بشأن المناطق الكردية في الشمال، انقطع بعد انطلاق الثورة السورية في 2011، ولم يخف الجانب التركي ترحيبه بسيطرة النظام على مناطق معينة بدلاً من سيطرة الوحدات الكردية المدعومة أمريكياً. هذا موضوع توافق بين تركيا والنظام يحتاج قنوات اتصال من نوع اجتماع بين قادة أجهزة الاستخبارات بينهما. لذلك كانت حبكة الخبر مقنعة ومثيرة. 

يسمح لنا نشر الخبر أولاً في صحيفة تركية موالية للحكومة بالتكهن بأنه قد يكون نوعاً من جس النبض واختبار ردود الفعل المحتملة، لأن القيادة التركية تريد أن تكون جاهزة لما بعد أمريكا في سوريا، ولا بد من التنسيق، في هذا الوضع، مع نظام الأسد. بل إنه لا يمكن استبعاد تشجيع إماراتي لتركيا لبدء التطبيع مع نظام الأسد. 

أما المصدر العراقي للخبر فهو يتسق مع الدور الدبلوماسي النشط الذي يسعى العراقيون إلى تصدير صورته. فالعراق هو الذي توسط بين السعودية وإيران، وهو الذي جمع 9 دول في مؤتمر التعاون في بغداد قبل أقل من أسبوعين. 

وحده النظام السوري كذب الخبر، في حين لزمت تركيا الصمت، وكذلك العراق. ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي قد يمنح الخبر شيئاً من المصداقية. 

========================= 

درعا، قليل مما يمكن قوله 

راتب شعبو 

العربي الجديد 

الخميس 9/9/2021 

ينطوي ما يجري في درعا اليوم على مرارة خاصة، ليس فقط لأن درعا هي مهد الثورة السورية ومنطلقها، بل لأنه مؤشّر مؤلم إلى مقدار التفكّك الذي وصل إليه المجتمع السوري، ومدى هامشية تعبيراته السياسية، وهو مؤشّر إلى مقدار التراجع المحلي والعالمي أمام منطق القوة على حساب الحق والعدالة والأخلاق. منذ شهور قليلة، اشتعلت فلسطين والعالم حين حاولت إسرائيل ترحيل بضع عائلات من منازلها في القدس الشرقية، أما في درعا، فإن التهجير يُفرض على آلاف العائلات، أي يصل إلى مستوى تغيير ديموغرافي، من دون أن يجد المجرم من يقف في وجهه، لا في الداخل ولا في الخارج. أكثر من ذلك، لا يزال هذا المجرم، بعد كل شيء، يحوز شرعية دولية، ويتكلم باسم الدولة السورية. 

جريمة عائلات حوران أنها عبّرت عن رفضها نظام الأسد، وأن أبناءها حملوا السلاح حين لم يبق أمام السوريين المحتجّين على النظام من خيار آخر سوى الاستسلام الذي يليه الانتقام وفق منطق طغمة الأسد، المنطق العصاباتي، البعيد كلياً عن منطق الدولة. يمكن النقاش كثيراً في صوابية حمل السلاح والتحوّل العسكري في الثورة السورية ولا صوابيته، وصاحب هذه السطور على قناعة بأن التحوّل العسكري كان منزلقاً كارثياً، ولكن لا يمكن مناقشة هذا الموضوع بعيداً عن الصورة التي رسّختها السلطة السورية في أذهان محكوميها، بوصفها سلطة طغمة حولت الدولة إلى مستعمرةٍ لا تعترف بالحقوق العامة للمحكومين، وذات طابع انتقامي لا حدود له، يطاول ليس فقط الشخص المعارض، بل ومحيطه العائلي. 

لا يمكن مناقشة موضوع العسكرة بعيداً عن الصورة التي رسّختها السلطة السورية في أذهان محكوميها، بوصفها سلطة طغمة حولت الدولة إلى مستعمرة 

قبول أهالي درعا بالرحيل عن بلدهم وديارهم وأرض نشأتهم، ومطالبتهم الخروج إلى الأردن أو تركيا، أي الخروج من البلد، لا يمكن فهمه موقفا سياسيا يقول فيه الأهالي إنهم لا يعترفون بالأسد الوريث رئيساً، ويفضّلون ترك البلد على أن يسكتوا عن رفضهم له. ليست هذه هي الصورة الواقعية لما يجري، فأهل حوران يقبلون بالرحيل لأنهم يخشون الموت والمذلة وشتى صنوف الانتقام على يد طغمة حكمٍ انتقامية، لا صلة لها بمفهوم الدولة بوصفها مؤسّسة عامة تقوم على ترتيب اجتماعي مكتوب أو غير مكتوب. انتقام النظام يطاول العائلات، نساء وأطفالاً وشيوخاً، ولا يقتصر على من حمل السلاح، كما قد يعتقد من لم يجرّب العقلية الأسدية التي ابتكرت تهمة "البيئة الحاضنة". 

لا يوجد في قاموس طغمة الحكم الأسدي أو الأبدي أو أشباهها محل لمعارضين سياسيين، بل لأعداء سياسيين. وبطبيعة الحال، لا يمكن التفكير بشراكةٍ مع أعداء، وعند التمكّن من العدو، فإن مكانه السجن أو القبر. والحق أن هذه العقلية اللاسياسية أو العدوانية وجدت مستقرّاً لها لدى نسبة غير قليلة من أنصار طغمة الحكم، بمن فيهم من يعيشون تحت خط الفقر بسبب استمرار طغمة الحكم نفسها وسياستها. 

ينطلق النظام السوري من إنكار تام لأي أحقية سياسية للمعارضين بكل تنوّعاتهم، بمن فيهم "المعارضة الوطنية" بحسب تسميات إعلام النظام. 

بناء على فكرة العداء السياسي الراسخة في الذهنية الأسدية، كان مفهوماً، منذ البداية، أن اتفاق تموز 2018 في درعا مؤقت، لا يمكن أن يدوم، وأن نظام الأسد سوف ينقلب عليه ما أن تُتاح له الظروف، أو سوف يعمل على صناعة ظروف الانقلاب عليه. كان الاتفاق جزءاً من عملية تفكيك الجبهة المواجهة للنظام إلى جبهات متعدّدة، ثم، إذا احتاج الأمر، تفكيك كل جبهة منها إلى جبهات أصغر، (مثلاً، فكّ درعا عن باقي المناطق السورية، ثم فكّ درعا البلد عن باقي درعا، ثم محاولة فكّ حي المخيم وطريق السد عن درعا البلد) لكي يسهُل "تسويتها". 

لم يكن نظام الأسد بطل عملية التفكيك المذكورة. في الواقع، كانت الجبهة المواجهة للنظام هي بطلة تفكيكها الذاتي، حين غلب المنطق العسكري على المنطق السياسي وغلبت الميول التسلطية على الميول التحرّرية. بدأ يترسّم التفكيك ويتأطر في أستانا 2017، على يد ثلاثي أستانا (روسيا، إيران، تركيا). لم تكن تحتاج هذه العملية من النظام سوى حفاظه على وحدته السياسية والعسكرية، وقد استطاع، في مقابل تجزؤ "أعدائه" الداخليين وتفكّكهم في السياسة كما في العسكرة. 

في السياسة، لم يغير النظام من نظرته إلى الأحداث، ومن موقفه حيالها طوال الفترة التي تلت اندلاع الثورة. إنكار تام لأي أحقية سياسية للمعارضين بكل تنوّعاتهم، بمن فيهم "المعارضة الوطنية" بحسب تسميات إعلام النظام. من نافل القول إن ثبات النظام على هذا النهج ينبع من فقدانه أي مرونة سياسية وعجزه عن استيعاب تغييرات سياسية في تكوينه. 

لا يوجد في قاموس طغمة الحكم الأسدي أو الأبدي أو أشباهها محل لمعارضين سياسيين، بل لأعداء سياسيين 

في العسكرية، نجا الجيش من الانقسام، بسبب التماسك العصبوي للصف القيادي الأول فيه (ظلت الانشقاقات هامشيةً في الحجم وفي الرتب العسكرية)، ثم تكفل الانزياح الإسلامي الجهادي في المشهد العسكري المواجه للنظام، وما عرضه هذا المشهد من ممارساتٍ انتقاميةٍ وضيعةٍ ولغةٍ مقطوعةٍ عن العصر، في منع مزيد من الانشقاقات، وفي رصّ الصف العسكري للنظام. ذلك لأنه لا يوجد قبول وازن للجهادية الإسلامية في معظم الأوساط المدنية المتعلمة والمتنورة في سورية. أهم ما نتج عن التحوّل الإسلامي أنه ولّد لدى عسكريي النظام، كلما تعمّق هذا التحول وتجذّر، قضية قتالية. إنهم لا يقاتلون من أجل الأسد أو لحماية كرسي الأسد، بل يقاتلون ضد جهاديين وضد مطامع دولٍ تستخدمهم. 

عندما نقول التماسك العسكري للنظام، لا نعني قوته العسكرية، فقد خسر النظام مناطق واسعة من سورية لصالح القوى التي واجهته، ووصل عسكرياً، بعد أربع سنوات ونصف السنة، من اندلاع الثورة، إلى لحظة ضعفٍ استدعت التدخل الروسي المباشر، لكننا نعني أن الجسد العسكري للنظام حافظ، مع ذلك، على وحدته وتراتبيته ولم يتفكّك، الأمر الذي جعل للتدخل الروسي فاعلية، ذلك لأنه جاء لمساندة جيشٍ منهكٍ ولكنه محافظ، مع ذلك، على خيوط تماسكه التنظيمي. 

في المقابل، حوّلت مناطق خفض التصعيد التي نتجت عن لقاءات أستانا "أعداء" النظام إلى جزر مستقلة بعضها عن بعض، لا يجمعها خيط سياسي أو عسكري. كل جزيرة فاوضت عن نفسها وصولاً إلى ما شهدناه في مفاوضات درعا، حيث الأهالي يفاوضون من دون وجود أي طرف سوري "عام" يمثل إرادة السوريين الرافضين لنظام الأسد يتحدّث باسمهم وباسم قضيتهم بوصفها شأنا سورياً، وليس شأناً محلياً معزولاً. 

لا بد أن نتعلم حل صراعاتنا بالسياسة، والمحطّة الأهم على هذا السبيل استيعاب فكرة المعارضة السياسية محل فكرة العداء السياسي التي تمارسها الطغم المستبدّة وتزرعها في وعي محكوميها، فتنظر إلى المعارضين باعتبارهم أعداء، وتحيل الصراعات السياسية بالتالي إلى حروب. 

========================= 

درعا ونهاية الرهان على الحلّ الدولي في سورية 

برهان غليون 

العربي الجديد 

الاربعاء 8/9/2021 

في تعليقه على أحد مقالاتي الأخيرة، كتب أسامة سلو: "صار لنا عشر سنوات نسمع نفس الكلام. اهترأت وانشطرت قلوبنا. نريد الحلول. أنتم بالخارج، لماذا لحد الآن لا تتواصلون مع الشياطين الزرق لحلّ هذه القضية؟". والمقصود طبعا إيجاد حل للصراع القائم في سورية وعلى أراضيها، والذي تشارك فيه خمس دول على الأقل، وأصبح ذا أبعاد إقليمية ودولية طاغية. 

وقد أجبته باختصار بأنّ "الشياطين الزرق" لا يريدون التوصل إلى حلّ. وبعضهم لا يستطيعون أو لا يتفقون على الحلّ: أي على تقاسم الفريسة. لذلك الحلّ عندنا - نحن السوريين - وإلا لا يوجد حل. ولأنّه عندنا، فإنّ من واجبنا أن نبحث نحن أنفسنا عنه. وإذا رفضنا ذلك، أو أخفقنا فيه، ينبغي ألّا نلوم سوى أنفسنا. فلا يمكن أن نتوقع أن يكون "الشياطين الزرق" أرحم بنا من أنفسنا. 

وتأتي مأساة درعا الراهنة، وخطر تدمير المدينة وتهجير أهلها، كما حصل من قبل مع مدن سورية عديدة، لإحلال مليشيات إيرانية أو تابعة لطهران مكانهم، لتضع نقطة الختام على هذا الحلّ الدولي الذي ما زلنا نركض خلف سرابه منذ أكثر من عشر سنوات من دون طائل. وإذا استمرّت الأمور على ما هي عليه، لن يتأخر الوقت، حتى نكتشف أنّ الحل الدولي لن يختلف كثيرا عن الحلّ الروسي، ولا عن الحلّ الإيراني الذي يقوم على إعادة تأهيل نظام الأسد بوصفه الغطاء الشرعي للاحتلالات المختلفة، ولتقاسم المصالح والنفوذ في بلدٍ لم يعد له مالك ولا صاحب. 

ويبدو لي اليوم أن السبب الأكبر في استمرار المحنة السورية من دون حل هو الاقتناع الذي تملّك أكثر السوريين، من النخبة المثقفة والسياسية والجمهور أيضا، بأنه لا يوجد حلّ في جعبتنا نحن، بل لن يمكننا، مهما كان الحال، أن نصل إلى حل بيننا، بعد الرد الهمجي والصاعق للنظام على جمهور الثورة الذي يمثل غالبية الشعب، وبعد انقسام الرأي العام، وتفتت قوى المعارضة وتهافتها، ونجاح حلفاء النظام وعديد من الدول الحليفة وشبه الحليفة في تغيير النظر إلى ما يحصل في البلاد من مسألة صراع سياسي من أجل الحرية واسترجاع الناس حقوقهم وحرياتهم الأساسية إلى مسألةٍ بدت، في البداية، ثانويةً، لكن سرعان ما تحوّلت إلى المسألة المركزية بالنسبة لجميع الأطراف العربية والدولية، وهي الحرب ضد الإرهاب، وفي ما وراءها لجم الصعود الشعبي الواسع في المنطقة كلها الذي يحمل في طياته، كما لا يزال، الاعتقاد سائدا، انتصار الإسلاموية التي صارت تختصر في نظر كثيرين روح الديانة الإسلامية ذاتها. 

استسهل عديدون إجهاض مؤسسات المعارضة القائمة: مجلس وطني وائتلاف وهيئة مفاوضات ثم لجنة دستورية، بأمل انتزاع مواقع أفضل لهم في المؤسسات البديلة 

بدأت هذه الديناميكية السلبية التي انتهت بتخلّي قطاعات واسعة من الرأي العام، العربي والعالمي، عما سمي الربيع العربي، منذ اللحظة التي واجهت فيها الأنظمة القائمة النشطاء الشباب بوابل من الرصاص، قبل أن يتحول القمع إلى تنظيم للمجازر الدموية، وفي سورية إلى قصف المدنيين وتدمير المدن بالبراميل المتفجرة وعدم التردّد في استخدام الأسلحة الكيميائية. وهذا ما دفع عديدين منا إلى تعليق آمالهم على التدخل الدولي على منوال ما حصل سابقا في ليبيا. وعزّزت هذا الميل حاجة فصائل المعارضة إلى السلاح والذخيرة لمواجهة طوفان المليشيات الإيرانية، وفي مقدمتها حزب الله اللبناني، ووقف عدوانها. لكن تهميش المعارضة وإخراجها من ساحة الصراع، ومعها قضية الثورة التحرّرية ذاتها، لم يتحقق إلا بعد الإعلان المدوي عن قيام دولة الخلافة الداعشية في مدينة الرقة، ورفض فصائل المعارضة التخلّي عن أولوياتها لصالح المشاركة في هذه الحرب، والتفرغ لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وحده، وهو ما جعل من مكافحة الجائحة الجهادية المعركة الوحيدة المعترف بها في نظر المجتمع الدولي، على الرغم من استمراره في إدانة الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان على يد مليشيات إيران والقوات النظامية الرديفة لها. 

وما من شك أيضا في أن تفاقم الانقسامات داخل صفوف الثورة والمعارضة قد عزّز الاعتقاد بقصور السوريين، وعجزهم عن التفاهم في ما بينهم، للتوصل إلى حلول متفاوض عليها وقابلة للحياة. هكذا انتهى الأمر بتسليم أوراق القضية بنسبة 99%، حسب عبارة قديمة لأنور السادات، للمجتمع الدولي، في انتظار أن يحصل التوافق الدولي المنتظر والروسي الأميركي بشكل خاص في يوم ما. وشيئا فشيئا، تقلّص دور المعارضات، بجميع تياراتها، إلى مطالبة المجتمع الدولي بتدخلٍ جدّي، والتذكير بالقرارات الدولية والتمسّك بها كما لو كانت وثائق ملكية، أو آيات "قرآنية" يعزّز تردادها فرص تطبيقها، ويضمن التزام الدول المعنية بتعهداتها. وفي هذا السياق، بدأت مجموعات المعارضة المختلفة سباقها على إنشاء المنصّات السياسية المختلفة، والحصول على دعم العواصم المعتبرة، أملا بأن تحجز لنفسها المكان اللائق بها في أي مفاوضات أو هيئات انتقالية تسفر عنها مفاوضات التسوية السياسية. واستسهل عديدون منها إجهاض مؤسسات المعارضة القائمة: من مجلس وطني وائتلاف وهيئة مفاوضات ثم لجنة دستورية، بأمل انتزاع مواقع أفضل لهم في المؤسسات البديلة التي سوف تحل محلها. والنتيجة فقدان جميع المؤسسات صدقيتها، وانحسار اعتراف الدول واهتمامها بها، بعد انحسار اهتمامها بالقضية السورية ذاتها. 

لن نتقدّم أبدا في قضيتنا، طالما بقينا نعتقد أن الحل للمحنة السورية لن يأتي إلا من الخارج، أو هو في يد واشنطن وموسكو وطهران وأنقرة وغيرها 

وبعدما خسرنا، كما كان متوقعا، كل ما كنا قد أنجزناه من مكاسب، ومن رصيد سياسي، لقاء سنوات من التضحيات الشعبية الاستثنائية، لم يعد لنا خيار، ولا صار يضيرنا العمل، كقوى رديفة، إلى جانب الدول الأجنبية ولخدمة أجنداتها الخاصة والإقليمية. وبمقدار ما أصبحنا ندين بمواقعنا إن لم يكن ببقائنا لدعم هذه الدول ونفوذها، لم نعد نعرف، على ما ذكّرنا به حازم صاغية، في تعليقه على عاقبة الانسحاب الأميركي من أفغانستان، في ما إذا كان من مصلحتنا أن نطالب برحيل القوات الأجنبية من بلادنا، أم أن نتمسّك ببقائها وتوسيع تدخلها. 

لكن، على الرغم من وضعنا ثقتنا كاملة في المداولات الدولية، وتوظيف كل جهودنا في بناء الصداقات مع جميع العواصم المعنية، ها نحن لا نزال نراوح في المكان، ولم نتقدم خطوة إلى الأمام. بالعكس، غاب أفق الحل تماما أمامنا، فلا الأمم المتحدة قادرة على تنفيذ قراراتها، ولا تدخلات الدول تجاوزت مستوى الضغط بعقوباتٍ لا تكلفها شيئا، ولكنها تضعف مقاومة الشعب بمقدار ما تقوّض الدولة وتفكّك النظام وتحوّله إلى عصابات نهب وسلب. ولا يبدو أن هناك دولة، بين تلك التي راهنا على دعمها، ترى أن لها في سورية من المصالح ما يدعوها إلى أن تبذل مزيدا من الجهد، وما بالك بالتفكير بمواجهة طهران، المهندسة الحقيقية للحرب، والمستفيدة الرئيسية منها. بل يعتقد معظمها أن غرق طهران في مستنقع الخراب المشرقي ربما كان الوسيلة الأفضل لاحتواء قوتها العسكرية المتنامية، وتشديد العزلة المفروضة عليها. ولن يضير الدول الأطلسية، إذا ما احتاج الأمر، أن تنسحب من المشرق، وتتخلّى عن مصالحها فيه، إذا كان هذا هو الثمن لتحقيق هذا الاحتواء، ولتجنب أي مواجهة، في انتظار أن يفعل الزمن فعله. 

لذلك، لم تعد القضية السورية تحظى، كما هو واضح للجميع، باهتمام كبير، وربما بأي اهتمام، من المجتمع الدولي، وفي طليعته الدول الغربية، والعربية أيضا. ولا يبدو أن الدول الخمس التي تشارك في الحرب السورية مستعجلةً للتوصل إلى حل. بل إن لبعضها، مثل إيران، مصلحة في تعطيل أي حل، لأن مزيدا من الخراب والفوضى والانهيار لدول المشرق ومجتمعاته يعني أيضا مزيدا من الفرص والإمكانات لتمزيق فريستها أشلاء، وتسهيل ابتلاعها وفرض سلطتها ونفوذها في كل المجالات والمؤسسات المنهارة. هكذا تغيب سورية شعبا ودولة عن المشهد باضطراد، ويتزايد غرقها، يوما بعد آخر، بل ساعةً بعد ساعة، في وحل سياسات التطهير الطائفي والتغيير الديمغرافي والتقويض السياسي والثقافي والديني لهوية البلاد ووجودها. 

غاب أفق الحل تماماً أمامنا، فلا الأمم المتحدة قادرة على تنفيذ قراراتها، ولا تدخلات الدول تجاوزت مستوى الضغط بعقوباتٍ لا تكلفها شيئاً 

عن الانتقال السياسي الموعود والكاذب... لن نتقدّم أبدا في قضيتنا، طالما بقينا نعتقد أن الحل للمحنة السورية لن يأتي إلا من الخارج، أو هو في يد واشنطن وموسكو وطهران وأنقرة وغيرها، وأننا غير قادرين، أو ليست لدينا القدرة المادية والمعنوية التي تؤهلنا للخروج منها بوسائلنا الذاتية. لقد فقدنا بالتأكيد السيطرة على مصيرنا وثقة المجتمع الدولي بإمكاناتنا السياسية، وأصبحنا ضحية تفاهم دولي على تقاسم مصالحنا، لا على حمايتها أو المحافظة عليها. لكن ينبغي أن يكون هذا الوضع هو الحافز لنا للخروج من سلبيتنا، والسعي إلى استعادة المبادرة في علاج قصورنا وتقرير مصيرنا. وما أفسده الدهر وما لا يمكن للعطار إصلاحه لا يمكن إصلاحه إلا بإرادة قوية وروح مبادرة استثنائية، ومعجزة ذاتية. ولنا في ذلك أسوة في نجاح الشعوب في القرن الماضي في تجاوز الصدمة الاستعمارية التي لم تكن تتوقعها، ولم يكن لها خيار في حصولها، فلم يأت الاستقلال هدية من هذه الدول لأي شعب، ولكنه حصل نتيجة تصميم الشعوب واستعادتها ثقتها بنفسها، وتصلب إرادتها، وعزمها على مواجهة قصورها ونقاط ضعفها وانقساماتها ونزاعاتها الداخلية، أي على تنمية قواها الذاتية واستثمارها الواقع النقيض الذي ولدته الحركة الاستعمارية ذاتها، أعني روح القومية والدفاع عن الهوية والحق في مواكبة المدنية. وهذا ما ألهم الشعوب إبداع استراتيجيات عديدة لإبطال التفوق الاستراتيجي للمحتل، والتعلّم من الانتفاضات المدنية، وحروب العصابات، والحروب الطويلة المدى، التي مكّنتها من بناء قواها الذاتية وتغيير موازين القوة الذي فرض على المحتلين التخلي عن أطماعهم أو التفاوض على مناقشتها. 

لا يعني ذلك تجاهل دور المجتمع الدولي، أو التخلّي عن العمل معه وعليه، مهما كان موقف أعضائه، لأننا من دون ذلك لن نستطيع أن نثمر عملنا على المسار الداخلي أيضا. إنما من دون النجاح في إعادة بناء الذات، الذي لا يحصل إلا بالاشتباك مع الواقعين، الداخلي والخارجي، معا، والاستمرار في العمل ومراكمة المكاسب والنجاحات وتثميرها لصالح المشروع الداخلي الوطني، لن تكون للدعم الخارجي أي قيمة تذكر. وقد أظهر الانسحاب الأميركي من أفغانستان، أخيرا، بعد إنفاق أكثر من تريليوني دولار لدعم نظام من صنعها وموال لها، أن التغيير المفروض من الخارج لا أمل له بالبقاء والصمود. وهذا هو أيضا درس العراق الذي لا يزال غارقا في أزمته يحاول عبثا، بعد عقدين، الخروج من الفوضى التي أدخلته فيها التجاذبات الإقليمية والدولية. وهو يؤكد أن الشعوب التي تخفق في معالجة الأسباب الذاتية لأزماتها ونزاعاتها، سواء كانت ناجمة عن الخيارات السياسية الخاطئة لحكوماتها، أو عن الاختلالات والتناقضات البنيوية التي ورثتها من تاريخها وجغرافيتها السياسية وظروف تكوينها، تبقى عرضة لامتحان دائم لوجودها، وتنتقل من أزمة إلى أخرى، ومن انتفاضة إلى انتفاضة، بمقدار ما تعجز عن بناء أسس ثابتة للتفاهم بين جماعاتها ومواطنيها وتُخفق في بلورة إطار وطني شرعي ومقبول من جميع أطيافها. 

وفي سورية، كما هو الحال في المشرق وفي جميع أنحاء العالم، ليس هناك حل أو مخرج من دون العودة إلى التفكير في الاختلالات والتناقضات العميقة التي أدّت إلى اختطاف الدولة وانهيار المجتمع، وإيجاد الحلول المناسبة للانقسامات والتصدّعات التي تسببت بها الحرب الدموية التي أعقبتها، والتي تخصّ السوريين وحدهم، حتى لو كان التدخل الخارجي صديقا، وهو ليس كذلك على الإطلاق. بل إن النجاح في حلحلة العقد الداخلية ومعالجة الاستقطابات وأسباب التناحر التي شتتت جهود الناس وحرمتهم من إمكانية العمل بشكل مشترك للخروج من شرك الحرب الطائفية والقومية والإيديولوجية الذي أوقعهم فيه النظام، هو شرط الاستفادة من تناقضات المصالح الدولية والإقليمية، وكذلك من دعم الدول الصديقة وضغوطها الرديفة. 

لن يكون البحث عن تفاهم داخلي سهلاً، وليس الطريق معبّداً له، ولا الوسائل والتسويات التي علينا صياغتها والقبول بها جاهزة 

هل أصبح بإمكاننا بعد سنوات طويلة من المعاناة وخيبة الأمل وتغول العدو وتخلي الصديق أن نتغلّب على إحباطنا ويأسنا ونستعيد الثقة بأنفسنا ونأخذ مصيرنا بأيدينا ونستعيد المبادرة لإنجاز ما لم يشأ المجتمع الدولي، أو ما لم يستطع، تحقيقه، ونبدأ نحن أنفسنا في الانفتاح والحوار والتشاور على مستوى الشعب ونخبه الحية، من أجل وضع مشروع الانتقال السياسي في حيز التطبيق بقيادة السوريين هذه المرة بالفعل وملكيتهم وبجهودهم، بدل أن نستمر في رهن مصيرنا لتفاهم الدول وتوافقاتها التي نشهد اليوم مدى هشاشتها وانحيازها في محنة درعا الحالية؟ هذا هو أو ينبغي أن يكون الرد البسيط على فشل الرهان على الآخرين الذين أظهروا أنه ليست لهم أي مصلحة في العمل لبسط السلام والأمن في سورية، ولا من باب أولى إعادة توحيدها. 

لن يكون البحث عن تفاهم داخلي سهلا، وليس الطريق معبدا له، ولا الوسائل والتسويات الصغيرة والكبيرة التي علينا صياغتها والقبول بها جاهزة وفي متناول اليد. ولن يكون أيضا ثمرة لمعة عبقرية لفرد أو جماعة. إنه لن ينبع إلا من انبثاق إرادة قوية ومشتركة للخروج من المحنة واستعداد الجميع للمشاركة في التفكير في المشكلات والسياسات التي أدّت، عقودا قبل الثورة، إلى تقويض الدولة وأن تختطفها طغمة لا تشعر بأي انتماء، ولا يهمها مصير الدولة ولا مصير شعبها، بل هي، بالعكس، تشعر بالنصر والفخار لنجاحها في تقويضها وإذلال الشعب وتجويعه وإخضاعه لكل أصناف الاحتلال. ومن دون ظهور هذه الإرادة الموحدة والتحلي بشجاعة الاعتراف بالعيوب والنقائص وتصفية الحسابات المعلقة لبدء حياة جديدة على أسس المساواة والعدل والإنصاف والتعاون والتضامن، كما هو حال الشعوب المتمدنة، لن يكون هناك أي انتقال سياسي، وسيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تحقيق الخلاص لأحد. 

وفي المقابل، لا يعني فشلنا في ذلك سوى الاعتراف بأننا غير قادرين على التفاهم، وأننا لسنا شعبا أو أهلا لتكوين شعب، ولا يمكن أن نستمر في العيش معا إلا في ظل نظام الاستبداد وقانون القهر والطغيان. وإذا ساد هذا الاعتقاد، وهو في طريقه إلى ذلك، سوف نمهد نحن أنفسنا الطريق، عاجلا أم آجلا، لإعادة تأهيل المجتمع الدولي نظام الأسد، تصديقا لما نسب من قول لعمرو بن العاص: "سلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم". فهل هناك خيارٌ ثالث يجنبنا المحنتين: الفتنة الدائمة أو السلطة الغاشمة؟ هذا هو السؤال وهو التحدّي في الوقت نفسه. 

========================= 

سوريا إذ غابت عن قمة العراق 

مرح البقاعي 

سوريا تي في 

الثلاثاء 7/9/2021 

أبرق الرئيس الأميركي، جو بايدن، مهنئاً الحكومة العراقية بانعقاد "قمة بغداد للتعاون والشراكة" التي استضافت العديد من دول الجوار العربية وغير العربية، إضافة إلى حضور أوروبي ممثلاً بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. 

وأشار بايدن في البيان الذي صدر عن البيت الأبيض في اليوم التالي لأعمال القمة إلى أهمية التحرّك الدبلوماسي النوعي الذي تعتمده بغداد في سياساتها مع دول الجوار والذي من شأنه تخفيف حدّة التوتر بين بعض دول المنطقة، وتوسيع دائرة التعاون والشراكة بين دول الشرق الأوسط بريادة دولة العراق. 

وأفاد بايدن في متن بيانه بالقول: "عندما اجتمعت مؤخراً ورئيس الوزراء الكاظمي بالمكتب البيضاوي، ناقشنا معاً دور العراق المهم في المنطقة والجهود الكبيرة التي تقودها حكومة العراق، بما في ذلك حكومة إقليم كردستان، لتحسين وتعزيز العلاقات بين العراق وجيرانه". 

جاء هذا اللقاء ليعزّز الشراكة بين واشنطن وبغداد بموجب الاتفاقية الإطارية الاستراتيجية بين البلدين، وضمن صيغة دعم حكومة الولايات المتحدة المتواصل للعراق في سياساته الخارجية التي تعتمد بشكل متزايد على الدبلوماسية كأداة رئيسة لتحقيق الاستقرار في عموم الشرق الأوسط. 

غياب أي تمثيل للنظام السوري في أعمال القمة جاء تصرّفاً رشيداً للحكومة العراقية لإنجاح أعمالها 

سوريا - بصفتها دولة جارة للعراق - كانت الحاضر الغائب في هذه القمة. فهي لم تدعَ رسمياً إلى حضورها رغم أن قائد هيئة الحشد الشعبي، فالح فياض، تصرّف منفرداً قبيل القمة بأيام وتوجّه إلى دمشق ليطلع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، عن برنامج القمة، وليدعوه بشكل شخصي لحضورها، ما استدعى من وزير الخارجية العراقي إصدار بيان رسمي أشار فيه إلى بطلان صحة هذه الدعوة، ونفى ما تناقلته وسائل الإعلام عن هذا الأمر. وجاء في نص البيان أن "الحكومة العراقية تؤكد أنها غير معنية بهذه الدعوة، وأن الدعوات الرسمية ترسل برسالة رسمية وباسم دولة رئيس مجلس الوزراء العراقي، ولا يحق لأي طرف آخر أن يقدم الدعوة باسم الحكومة العراقية لذا اقتضى التوضيح". 

غياب أي تمثيل للنظام السوري في أعمال القمة جاء تصرّفاً رشيداً للحكومة العراقية لإنجاح أعمالها؛ فمعظم المدعويين كانوا سيرفضون حضور النظام السوري الذي يمتنع عن الامتثال لما أقرّوه من مخارج عادلة للقضية السورية كأشقاء عرب معنيين بأمن واستقرار سوريا، وذلك ضمن مساعيهم الأممية ومؤتمراتهم التي ناهزت العشرات لوضع نهاية للأزمة التي طالت على الشعب السوري المكلوم، وهدفوا من خلالها إلى تحريض الأسد على الامتثال للقرارت الدولية والدخول في عملية انتقال سياسي متكاملة أقرتها الأمم المتحدة بإجماع أعضاء مجلس الأمن، بما فيها حليفه الروسي، وللأسف لم يمتثل حتى اللحظة. 

أما إيران، فكان بإمكانها - نظراً لطبيعة وصايتها على النظام في دمشق ونفوذها في بغداد - أن تضغط في الاتجاهين من أجل حضور تمثيل ولو رمزياً للنظام السوري في أعمال القمة، إلا أنها لم تفعل. فالنظام السوري بدأ يتحوّل إلى عبء ثقيل حتى على أقرب حلفائه بعد أن استنفدوا إمكاناته، وحققوا من خلاله جلّ مآربهم التي أرادوها على الأرض السورية، سواء بالسيطرة الميدانية الطاغية بجيوش نظامية كما حال الوجود الروسي، وإما عن طريق الميليشيات الطائفية العابرة للحدود التي تنفث في الجسد السوري سماً زعافاً من التفرقة وإشاعة روح النزاعات والاقتتال الأهلي كما يفعل الاحتلال الإيراني. 

أرادت إيران أنت تكون ورقة "الجوكر" في القمة! فبمعزل عن وقوف وزير خارجيتها في الصور التذكارية الرسمية للزعماء المشاركين في أمكنة غير مخصصة بروتوكولياً لوقوفه – وهذا الأمر يبقى شكلياً -، إلا أنه توجّه فور انتهاء أعمال القمة إلى دمشق ليلتقي الأسد أمام كاميرات الإعلام، ولينصّب نفسه (واسطة خير) بين دمشق والعواصم العربية! 

استثمرت طهران حضورها القمة لتُظهر للرأي العام العربي والعالمي أنها في طور العودة إلى جادة الصواب في سياساتها الإقليمية من خلال نهج جديد يقتضي التعاون التشاركي والدبلوماسي مع جاراتها بعيداً عن أسلوب البطش والتنكيل والتطييف السياسي الذي هو نهج استراتيجي معتمد لحكوماتها المتعاقبة مهما تغايرت شخصية وميول من يرأسها. 

تحضر إيران في بغداد وعيونها على فيينا حيث المفاوضات النووية هناك شبه معطلّة ولم تشهد أي تقدّم يذكر منذ الانتخابات الأخيرة في إيران ووصول إبراهيم رئيسي إلى رأس الحكم. فإيران التي ينوء كاهلها بالعقوبات الأميركية المتصاعدة، تريد تحقيق انفراجة سلسلة في المفاوضات تحفظ لها ماء الوجه أمام شعبها من طرف، وترضي المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية من طرف آخر من أجل رفع العقوبات عن كاهلها وتيسير عودتها إلى منظومة المجتمع الدولي الذي قبعت خارجه لعقود. 

قد يكون غياب النظام السوري جزءاً أساساً من مناورة طهران لتبرز كأنها القاسم المشترك الأعظم في منطقة مضطرمة بالأحداث المتسارعة 

فإيران تدرك تماماً أن الولايات المتحدة لن تبحث فقط مشروعها النووي التسلحي على طاولة مفاوضات فيينا، بل تريد واشنطن أن ترى تراجعاً في سلوك طهران العدواني تجاه دول الجوار، وتريد منها سحب ميليشياتها العابرة للحدود والتعامل مع محيطها والعالم كدولة تحترم سيادة واستقلال جيرانها، وأن تنبذ العنف والسياسات التحريضية التي تتنافى مع لغة العصر. 

قد يكون غياب النظام السوري جزءاً أساساً من مناورة طهران لتبرز كأنها القاسم المشترك الأعظم في منطقة مضطرمة بالأحداث المتسارعة، وقد غدت دولها في أمس الحاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها وتحالفاتها بصيغ جديدة تساير مشروع "الشام الجديد"؛ وليست قمة بغداد إلا منصة انطلاق اقتصادية لهذا المشروع، وقد نأت ببرنامجها عن القضايا السياسية الشائكة والمعلّقة بين من حضره من جهة، وبين النظام السوري من جهة أخرى. 

========================= 

موسكو- أنقرة: شراكة وخصام في البيت السوري 

بشير البكر 

العربي الجديد 

الثلاثاء 7/9/2021 

تبدو العلاقات بين أنقرة وموسكو غير مستقرة على حال. هبّة حارة وأخرى باردة. وفي أحيان تنشغل وسائل الإعلام بأخبار الاتصالات بين البلدين على أعلى المستويات، ومن ثمّ تسود مرحلة من الصمت، ليعقبها فجأة الإعلان عن لقاء رفيع المستوى، أو اجتماع للجان المشتركة، التي يستأثر الملف السوري بالقدر الأكبر من عملها. وشكلت القمم الثنائية بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، أقصر الطرق لحل الخلافات في الأعوام الماضية، وآخرها كانت في مدينة سوتشي في مارس/آذار 2020، وانتهت بتوقيع اتفاق بين الطرفين على وقف إطلاق النار في إدلب، ووضع ترتيبات لتهدئة طويلة تقود إلى تطبيع الوضع، على رأسها تسيير دوريات مشتركة على الطريق الدولي حلب اللاذقية "أم 4"، تمهيداً لإعادته للعمل. البند الثاني الذي توافق عليه الطرفان هو عودة اللاجئين الذين نزحوا بفعل المعارك التي دارت في ريفي حماة وإدلب من مايو/أيار 2019 وحتى مارس 2020، إلى مناطقهم. وباستثناء تثبيت وقف إطلاق النار، لم يتم تنفيذ البنود الأساسية من الاتفاق، وبقيت المناوشات مستمرة على الجبهات، ولم تتوصل الدوريات المشتركة إلى إعادة فتح طريق "أم 4"، على الرغم من أنه جرت محاولات عدة في هذا الإطار في الربع الأخير من 2020، ولكنها اصطدمت بالتعقيدات على طرفي الطريق؛ القسم الأول ما بين مدينة رأس العين والقامشلي الذي تسيطر عليه "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، والثاني الواقع بين إدلب واللاذقية الذي تسيطر عليه قوات النظام. هذا فضلاً عن تعرض الدوريات الروسية التركية لعمليات استهداف. 

شكلت القمم الثنائية بين أردوغان وبوتين، أقصر الطرق لحل الخلافات في الأعوام الماضية 

والثابت هنا هو تعارض المصالح بين الطرفين التركي والروسي في سورية. روسيا تعمل على تثبيت وتعزيز نفوذها على الأرض لزمن طويل، وترى أن أفضل وسيلة إلى ذلك هي تعويم النظام السوري، وبالنسبة لها تبقى المناطق الواقعة في مجال النفوذ التركي؛ محافظة إدلب ومناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، عقبة أساسية في طريق مشروعها، وذلك لأسباب عدة. السبب الأول هو الحضور التركي العسكري الذي يفوق 25 ألف جندي. فيما السبب الثاني وجود الفصائل السورية، وهي تتشكل من قوتين واحدة حليفة مباشرة لتركيا، وهي تتكون من فصائل الجيش الوطني، والأخرى هي "هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقاً) التي تبقى علاقاتها بتركيا في مستوى الشد والجذب. أما السبب الثالث، فيتمثل بالحسابات الأمنية التركية المتعلقة بالمشروع الكردي في سورية الواقع تحت المظلة الأميركية، وليس في وسع روسيا أن تؤدي دور الوسيط أو الضامن ما بين تركيا و"قسد" إلا في حالة واحدة، حينما تصبح المحافظات الثلاث (الرقة، دير الزور، الحسكة) تحت سيطرة النظام، وهذا أمر مستبعد في المدى القريب. 

يبقى أن إيران لم تبد ارتياحاً لكل التفاهمات التي حصلت بين روسيا وتركيا في محافظة إدلب، وهي تدعم الحل العسكري لاستعادة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام. ولذلك، لم تلتزم المليشيات الإيرانية وقوات النظام بوقف النار في إدلب، وتواصل الهجمات والقصف على مناطق في ريف إدلب. ولو أن روسيا أعطتها الضوء الأخضر للهجوم لكانت واصلت الحرب، التي تكلف كثيراً لأنها لن تقف عند قتال الفصائل المعارضة كما حصل في المعارك السابقة، بل ستصطدم بالوجود العسكري التركي، الذي أقام استحكامات هدفها صد أي هجوم عسكري على محافظة إدلب. ويرى خبراء عسكريون أن الوضع الراهن غير نهائي، ويمكن لإيران أن تفجر الموقف بعد أن كسبت معركة درعا، وبدأت ترسخ وضعها في الجنوب السوري. 

وتلتقي طهران وموسكو عند مسألة أساسية، وهي خلافية مع تركيا، وتتمثل بالتطبيع مع نظام بشار الأسد. فبالنسبة لإيران وروسيا، فإن تحقيق هذا الهدف غير قابل للمساومة، وهما تريان أن الرياح الإقليمية والدولية لن تلبث أن تسير في هذا الاتجاه، بعد أن بدأت بعض الدول العربية تعيد علاقاتها مع النظام، فيما غضت الولايات المتحدة الطرف عن بعض العقوبات المفروضة عليه ضمن "قانون قيصر"، خصوصاً بعد الموافقة على تمرير الغاز والكهرباء من مصر إلى الأردن، ومن ثم إلى لبنان عبر سورية. 

روسيا تعمل على تثبيت وتعزيز نفوذها على الأرض في سورية لزمن طويل 

الملفات التي أبقت العلاقات في شد وجذب بين موسكو وأنقرة، في وقت ساد هدوء نسبي على مستوى سورية، تتلخص في ليبيا، أرمينيا-أذربيجان، وأوكرانيا. وسجلت تركيا تقدماً في النقاط على روسيا في الملف الأول، وتفاهماً مهماً في الملف الثاني، وبات لها حضور ملحوظ في الملف الثالث. وشهدت الساحة الليبية مواجهات غير مباشرة خلال حرب المعسكرات التي حسمها التدخل التركي بإلحاق خسائر فادحة بقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في الساحل الغربي، التي كانت تتلقى الدعم من قوات "فاغنر" المشكلة من المرتزقة الروس، وتمكنت قوات الحكومة الشرعية من فك الحصار عن العاصمة طرابلس والسيطرة على القواعد العسكرية، ومنها ترهونة في يونيو/حزيران 2020. 

الخسارة الروسية الثانية تمثلت بهزيمة أرمينيا (حليفة روسيا) في حربها مع أذربيجان التي دعمتها تركيا بقوة. وصحيح أن موسكو لم تتدخل لمساعدة يريفان وتركتها تنهزم أمام قوات باكو المدعومة بالسلاح التركي، إلا أنها صورت ذلك من باب الانتقام من رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشنيان، الذي كان قد بدأ يتوجه نحو الغرب، ويحاول التخلص من سطوة روسيا. ومن جهة ثانية أرادت روسيا أن تستميل أذربيجان إلى صفها أكثر، وتقدم هدية لتركيا ستنتظر مقابلاً لها في منطقة أخرى، في إطار تفاهمات ممتدة من سورية إلى ليبيا إلى شرق المتوسط فجنوب القوقاز. وعلى المدى القريب، حققت أنقرة مكاسب مهمة، فقد ربحت حرباً تصب في رصيدها الدولي، وعززت علاقاتها مع أذربيجان بكل ما يستتبع ذلك من مشاريع واتفاقات في مجال الطاقة. ثم إن تركيا أصبحت ترتبط بشكل مباشر بحدود مع أذربيجان عبر فتح طريق بين إقليم ناغورنو كاراباخ وإقليم ناخيتشيفان (منطقة تابعة لأذربيجان، وتمتع بحكم ذاتي وتقع بين أرمينيا وإيران وتركيا على الهضبة الواقعة جنوب منطقة القوقاز)، وهو الأمر الذي سيتم تحويله إلى بنيات أساسية تخدم الارتباط بمصادر الطاقة، وربما الوجود العسكري التركي هناك. وعلى هذا المستوى، يمكن القول إن أنقرة حققت اختراقاً، وأوجدت لنفسها موطئ قدم في منطقة جيو-استراتيجية مهمة، هي منطقة جنوب القوقاز، التي تحتفظ فيها روسيا بمكانة اللاعب الكبير، بينما تشكل تركيا الوافد الجديد، وفي هذا الوقت، تكتفي إيران بالمقعد الخلفي. وقد يكون ذلك مصدر قلق حقيقي، خاصة بالنسبة لواشنطن، التي تنظر بعين الريبة إلى هذه التفاهمات التركية الروسية في القوقاز. 

الملفات التي أبقت العلاقات في شد وجذب بين موسكو وأنقرة تتلخص في ليبيا، أرمينيا-أذربيجان، وأوكرانيا 

أما على صعيد الوضع في أوكرانيا، فقد تفجرت أزمة بعد مشاركة تركيا في الثالث والعشرين من أغسطس/آب الماضي، في قمة "منصة القرم" التأسيسية، التي عُقدت في العاصمة الأوكرانية كييف، بمشاركة 46 وفداً من دول ومنظمات، ومَثَّلَ تركيا فيها وزير الخارجية، مولود جاووش أوغلو. وقرر المشاركون تأسيس "منصة القرم" الدولية للعمل على "إنهاء الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم بطرق سلمية"، بحسب بيان المؤتمر الذي لقي ترحيباً وتأييداً دولياً، ولا سيما من قبل تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول البلطيق وأستراليا وكندا، واستنكاراً من قبل روسيا التي اعتبرت هذه المبادرة "معادية لروسيا بشكل واضح، وتم اصطناعها من أجل تغذية المشاعر القومية المتطرفة في أوكرانيا"، على حد تعبير وزير الخارجية سيرغي لافروف، والذي قال إن هذه المشاعر "تشجعها السلطات في كييف وزعماء العالم الغربي على حد سواء". وتسببت المشاركة التركية على مستوى وزير الخارجية في انزعاج روسيا، وأدت إلى إلغاء لقاء قمة كان مبرمجاً بين بوتين وأردوغان في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، فضلاً عن التصعيد العسكري النوعي الروسي في سورية، ومن ذلك الغارات الجوية الروسية على مواقع فصائل سورية حليفة لتركيا في عفرين نهاية الشهر الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ السيطرة على مدينة عفرين عام 2018. مما يعني أن العلاقات مرشحة لمرحلة جديدة من التقلبات. 

وفي هذا الوقت، نقلت صحيفة "حرييت" التركية، عن مصادر مطلعة، أن الأنباء التي تحدثت عن قرب عقد صفقة بين تركيا وروسيا لتوريد منظومة دفاع جوي "أس 400" جديدة إلى أنقرة "غير صحيحة". وجاء ذلك تعقيباً على ما أعلنه المدير العام لشركة "روس أبورون إكسبورت" الحكومية لتصدير الأسلحة، ألكسندر ميخيف، بأن "توقيع عقد مع تركيا لتوريد جديد لأنظمة الدفاع الجوي أس-400، سيتم في المستقبل القريب". 

========================= 

عندما يستوي الموت والحياة 

يحيى العريضي 

سوريا تي في 

الاثنين 6/9/2021 

سأكتب بعيداً عن أي تنظير، وبكثير من العاطفية، وربما قليل من الموضوعية. ويمكن وصف ذلك كحالة وجدانية، أو صرخة روح؛ وأنا أرى أن هذا العالم يستنفر إذا حُوصِرَت قطة في غرفة مُقفَلة، ولا يرف له جفن؛ والسوريون عامة يُحاصرون ويُقتَلون ويشَرَدون في "هولوكوست" لا ينتهي. 

من الآخر الآخر الآخر، كسوريين في الخارج قبل الداخل- وباستثناء البعض- لقد تساوت الحياة مع الموت. فالسوري يسمع كثيراً: ["أصبر، أصبر، أصبر؛ والصبر مفتاح الفرج"]. لا، وألف لا؛ لقد ملَّ الصبر منّا. يعيش السوري غريباً، حتى ولو كان مع مَن يحب؛ فما بالك بمَن فقد مَن يحب، ويعيش في غربة!! 

في أحسن أحواله، كسوري في الخارج، ربما أخَذَ جنسية البلد الذي لجأ إليه؛ والأكثرية العظمى مازالوا بإقامات مؤقتة؛ على الأقل لا تسقط عليهم براميل بشار الأسد، أو صواريخ بوتين أو تمزقهم حوافر ومخالب خامينائي. يأكلون ويشربون ويتداوون بحساب، وبحد الكفاف، وفوق رأسهم سقف، وأولادهم يذهبون إلى المدرسة. أما كرامتهم وأرواحهم وحياتهم وذكرياتهم وبيئتهم وكيانهم الإنساني، فهي في مكان آخر. 

وفي الداخل- وباستثناء البعض القليل جداً- يغبطون مَن هم في الخارج؛ يريدون الخلاص من المكان والناس والحاجيات والذكريات والزمن والبيئة. إنهم كتل خوف تتحرك مرغمة دون خيارات؛ يجنزرهم الفقر، يفقدون مسحتهم الإنسانية، لم يعد التنازل من أجل البقاء محرّماً، الجهة الأساس التي يخشون مواجهتها هي أنفسهم؛ يتعبدون، ولكن رفع عتب؛ حتى إيمانهم بحالة اهتزاز، يشعرون بخذلان في كل شيء، ومن أي شيء. باختصار منظومتهم الذهنية والإنسانية والقيمية في حالة احتضار؛ في حالة يتساوى فيها الموت مع الحياة. 

فاوضوا القتَلة: النظام والروس؛ وفُرِض عليهم إشراك الملالي في البحث عن حل؛ وتبيّن أن كل ذلك لعب روسي لكسب الوقت وإفراغ القرارات الدولية من مضمونها 

لقد تمسّكوا بالقرارات الدولية؛ فوجدوا القائمين عليها جميعاً متآمرين؛ والقرارات بلا أظافر أو آليات تنفيذ. فاوضوا القتَلة: النظام والروس؛ وفُرِض عليهم إشراك الملالي في البحث عن حل؛ وتبيّن أن كل ذلك لعب روسي لكسب الوقت وإفراغ القرارات الدولية من مضمونها. قبلوا حتى بلجنة دستورية؛ وجلسوا مع مَن لا يمكن أن يُجلَس معه في حالة عادية. وكل ذلك لم يُجدِ. سعى الكثير منهم لتشكيل مجلس حكماء من سوريين باستثناء مَن أجرم؛ وذلك لم ينفع، ولم يرَ النور لتبعثرهم، وأسباب أخرى. 

نظام يريد أن يبقى، ولو تحوّلت سوريا إلى رماد، ولو بُعثِرَت أو قُسّمَت؛ ويستمر بمرجلته على درعا؛ والناس في حال اقتصادي يُرثى له؛ وحديثه عن السيادة لا ينتهي؛ وهو كسيح. وروسيا لبست لبوس "الوسيط"، كدب بزي عريس، من جانب تخذل منظومة الاستبداد بتغييب طيرانها، ومن جانب آخر تريد إذلال أهل درعا لتثبيت سيادة الساقط، وتبزَّ إيران. وإيران من جانبها تستمر بمشروعها الخبيث؛ تقتل، تخرب، تنشر المخدرات، تشيّع، وتتحدث في المقاومة. وأميركا تنام وتصحو كحال الهَرِم بايدن، وتتسلى باستنزاف الجميع؛ وأوروبا تركز على الأبعاد الإنسانية، دون قيم إنسانية حقيقية؛ وإسرائيل تحتفل كل ليلة بالخراب، الذي لا تستطيع فعله بيدها. أما العربان فينامون بالعسل؛ وإيران بالقرب من غرف نومهم، وقاب قوسين عن أول قبلتيهم. 

نعود للسؤال الحاسم: ماذا أنت فاعل؟! عند استواء الموت والحياة، لا يبقى للمرء ما يخسره 

في ظل كل ذلك، ماذا أنت فاعل؟ تموت؟! تنتحر؟! تنفجر قهراً؟! تتآمر؟! تتحوّل إلى قاتل؟!  إنها المحنة الكبرى. ها أنت حدّدت مَن تسبب لك بكل هذا. ربما يتفلسف البعض- كما أفعل- ويقول: "لا يأتي المرء شيءٌ إلا مِن نفسه"؛ ربما يكون ذلك صحيحاً؛ لكن نسبياً. أيها السوري السوري؛ لقد جعلتَ وسمحتَ وغفلتَ عن منظومة استبدادية تتغوّل بكل شيء في حياتك دون رادع؛ ولكنها كانت على درجة من "الفجعنة" للاستبداد، وغياب لأي معايير أو قوانين أو قيم أو أخلاق أو رُشد لتفعلَ ما فعلت دون تحليل أو تحريم؛ فساهمتْ بذبحك الروحي أضعاف أضعاف ما تسببتُه لنفسك. 

وهنا نعود للسؤال الحاسم: ماذا أنت فاعل؟! عند استواء الموت والحياة، لا يبقى للمرء ما يخسره. كل شيء راح. وأي تعديل بأحد المصيرين مسألة حاسمة. "ليت منسوب الحياة يرجح"؛ هكذا يقول داخلك. وكي يرجح، لا بد من وقف أو إلغاء أو الخلاص مِن ومما استنزف حياتك. ولا يرتفع منسوب حياتك إلا بانخفاض لديه. أنت معذور إن فعلت أي شيء…. أي شيء؛ إنك تدافع عن نفسك وعن بقائك. 

وبناءً عليه فإن أياً من المتسببين بما جرى لك يصبح هدفاً مشروعاً. وهؤلاء عصابة مترابطة عضوياً؛ حتى ولو تناقضوا. هم التقوا على دمارك؛ وهذا ما يجمعهم. وأي شطب لأي منهم سيعرف به الجميع، ويبدأ بتلمس مصيره وخروجه. فعندما تُرمى التوابيت والأكفان في وجه أحدهم، سيحسُّ بها الآخر، وينتشي لفترة وجيزة جداً. وما إن يبدأ برؤية توابيته، حتى يبدأ بالتفكير بالخلاص؛ فليس هناك أجبن من الملالي؛ وسترى كلب الضاحية الجنوبية يهرول راكضاً إلى جحره؛ وسترى "ذيل الكلب"- بالتوصيف الروسي- يهرب أو ينتحر أو يُنحَر. عندها يتكشف القاتل الصغير بوتين، ويعود إلى حجمه؛ وسيرف شرف العالم، لا جفنه. ذلك هو طريق الخلاص لروحك ولعودتك، ولعودة بلدك إلى الحياة. كيف يتم ذلك؟! هذا ليس للنشر. 

========================= 

عن روسيا التي حافظت على الدولة والمسيحية في سوريا 

عمر كوش 

سوريا تي في 

الاثنين 6/9/2021 

لا يكف المسؤولون الروس عن تكرار حججهم الواهية، التي يحاولون تسويقها كي يبرروا تدخلهم العسكري المباشر إلى جانب نظام الأسد منذ نهاية أيلول/ سبتمبر عام 2015، والأدهى من ذلك أنهم بدؤوا، منذ مدّة، يروّجون لتحقيق وإنجار المهام التي حاولوا تسويقها في تلك الحجج، حيث لم يتردد وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، من التبجح بأن بلاده تمكنت ليس فقط من "الحفاظ على الدولة، ولكن أيضاً على المسيحية في سوريا"، زاعماً أن سوريا "كانت مهددة باختفاء جميع المواطنين الذين يعتنقون الديانة المسيحية" فيها. ثم تمادى في زعمه بالقول "إن روسيا أوجدت الظروف المناسبة لإجراء عملية تسوية سياسية في سوريا"، لكنه استدرك لا لكي يتمعّن فيما يتشدق به، بل كي يؤكد على تماديه فيما يزعم عبر الإشارة إلى أن بلاده ليست مسؤولة عن حالة الجمود المحيطة بتلك العملية. 

يحاول الساسة والعسكريون الروس الظهور بمظهر المنقذ للدولة السورية التي اختصروها بنظام الأسد، من أجل إخفاء الأسباب الحقيقة لتدخلهم العسكري في سوريا 

إذاً، روسيا الخيّرة والمفعمة بالروح الإنسانية، تمكنت من الحفاظ على الدولة السورية وحماية المسحية فيها، لكنها في الواقع ساهمت في خرابها الكارثي بعد ما يقارب الست سنوات من القصف والتدمير الذي قامت به آلتها العسكرية، وطال معظم مناطق سوريا، وارتكبت حسب تقارير لجنة التحقيق الأممية المستقلة بشأن سوريا جرائم حرب فيها، إلى جانب مساعدتها نظام الأسد في ارتكاب مختلف أنواع الجرائم ضد السوريين، فضلاً عن الدفاع عنه وتزويده بالسلاح والعتاد لتعزيز حربه ضدهم. 

ويحاول الساسة والعسكريون الروس الظهور بمظهر المنقذ للدولة السورية التي اختصروها بنظام الأسد، من أجل إخفاء الأسباب الحقيقية لتدخلهم العسكري في سوريا، لذلك راحوا يسوقون الذرائع والحجج الزائفة لتبريره، والتي ظنوا أنها تلقى قبولاً على المستويين العالمي والإقليمي وكذلك على مستوى الداخل الروسي، وتتمثل في محاربة الإرهاب، والعمل على التوصل إلى تسوية سياسية في سوريا، ومنع انهيار الدولة، وحماية الأقليات، وخاصة حماية المسيحيين السوريين، مع أنهم لم يطلبوا حماية أحد، ومثلهم مثل سائر المكونات السورية ليسوا كتلة واحدة، بل فئات وشرائح متعددة، وقف بعضها مع الثوة السورية وبعضها الآخر مع نظام الأسد، فيما بقي القسم الأعظم منهم حائراً وساكناً لا يقوم بفعل شيء لأسباب متعددة. 

ولا شك في أن لافروف وسواه من الساسة الروس لا يخصون في كلامهم عامة المسيحيين في سوريا، إنما يركزون على المسيحيين الأرثوذوكس، وليس الروم الكاثوليك أو اللاتين والبروتستانت والكلدان والآشوريين والسريان الكاثوليك والأرمن الكاثوليك، وذلك للعزف على الوتر الطائفي، تماشياً وتناغماً مع بطاركة وقساوسة الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، الذين روضهم النظام الروسي (البوتيني)، وتخلّوا عن مهامهم الأخلاقية والدينية، كي يتدخلوا في السياسة لصالح أجندته وتوجهاته، فراحوا يباركون الصواريخ الروسية المتجهة إلى قتل السوريين، وبلغوا درجة من الخنوع للنظام البوتيني دفعت بطريرك موسكو، كيريل الأول، إلى وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأنه "معجزة الرب والإصلاحي الذي أرسلته العناية الإلهية لإنقاذ البلاد". 

ولعل إصرار الروس على إرسال إشارات عديدة لإظهار تركيزهم على أنهم جاؤوا إلى سوريا من أجل حماية المسيحيين الأرثوذوكس في سوريا، يفضي إلى تحميلهم وزر عمليات القتل التي قامت بها قواتهم، حيث سبق وأن برّر المتحدث الرسمي باسم قاعدة حميميم الروسية في سوريا، أليكسندر إيفانوف، القصف الهمجي المكثف للمقاتلات الجوية الروسية على مناطق المدنيين في إدلب وما حولها بالرد على "قصف مسيحيين أرثوذكس في مدينة محردة". وفي السياق الطائفي ذاته، قامت القوات الروسية في سوريا بتوثيق قتلاها الذين سقطوا في المعارك سوريا ضمن لائحة وضعتها على جدار كنيسة الصقيلية، بدلاً من وضعها في مبنى عسكري أو مركز إداري تابع للقوات الروسية التي باتت تمثل قوة احتلال في سوريا، وتملك فيها العديد من القواعد العسكرية، البحرية والبرية، فضلاً عن النقاط والمراكز العسكرية الأخرى. كما سبق وأن أعلن نائب مجلس الدوما الروسي، فيتالي ميلونوف، أن "المسيحيين الأرثوذكس في روسيا يمكنهم مساعدة مسيحيي سوريا في بناء نسخة طبق الأصل عن كنيسة آيا صوفيا"، وذلك رداً على تحويل الحكومة التركية متحف آيا صوفيا إلى مسجد. 

لم ينقطع مسعى الساسة الروس عن إعطاء تدخل قواتهم العسكرية إلى جانب نظام الأسد بعداً دينياً وطائفياً 

ويوظف الروس كل الإشارات الرخيصة والدنيئة التي يطلقونها في سوريا، من أجل تبرير ما يتعرض له غالبية السوريين من قتل وتهجير منذ أكثر من عشر سنوات، وذلك بناء على تصور زائف نهض على اللعب بورقة حماية الأقليات، وبُني على ما كان يُحتمل أن تتعرض له فيما لو سقط نظام الأسد بيد مجموعات متطرفة وإرهابية في سوريا. وبناء على هذا التصور المخادع جرى التعامي عن كل ما حل بالسوريين من ويلات وكوارث وجرائم ارتكبها تحالف الروس ونظام الأسد ونظام الملالي الإيراني بحقهم. 

ولم ينقطع مسعى الساسة الروس عن إعطاء تدخل قواتهم العسكرية إلى جانب نظام الأسد بعداً دينياً وطائفياً، وتوظيفه لصالح أجندات ومصالح النظام البوتيني السياسية، من خلال إضفاء بعد رسالي مسيحي على سياساتهم وتوجهاتهم، وذلك كي يسهم في تأمين دعم عامة الشعب الروسي لها وحشدهم خلفها، مستفيدين من تأثير الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية عليهم، حيث شكل التدخل العسكري الروسي في سوريا فرصة لكي تنحاز هذه الكنيسة إلى سياسات النظام البوتيني، فسارعت إلى دعم قرار التدخل العسكري بعد أسبوعين من اتخاذه، ثم وصفت ما تقوم به آلة التدمير الروسية بالمعركة المقدسة. ولم تكلف الكنيسة الروسية نفسها عناء تحديد معنى ومبنى المعركة المقدسة في سوريا، التي أسفرت عن قتل مئات الآلاف من المدنيين السوريين وتشريد ملايين الأطفال والنساء والرجال. 

واعتمد الساسة الروس في تعاملهم مع القضية السورية على ديماغوجيتهم وإتقانهم فن "البروباغندا"، حيث طبقوا بامتياز مقولة مدرسة "هنري أدامز" في الولايات المتحدة التي ترى أن "السياسة العملية تكمن في إنكار الحقائق"، فراحوا يزيفون الحقائق وينكرون الوقائع ويراوغون من أجل إفشال أي مسعى لإيجاد حل سياسي في سوريا عبر مسار جنيف الأممي، وقاموا بعقد تفاهمات مع الدول الخائضة في الدم السوري تصبّ في مصلحة نظام الأسد، ولم يوفرا جهداً من أجل الالتفاف على القرارات الأممية، والعمل على تمييع وتهميش المعارضة، وعلى إعادة تأهيل نظام الأسد، وفرض تسوية للوضع السوري على مقاسهم، كي يستثمروا فيها ما صرفوه عبر بوابات متعددة، وبما يضمن نفوذ بلادهم ومصالحهم قبل كل شيء. 

========================= 

"قسد" وحسابات ما بعد أفغانستان 

بشير البكر 

سوريا تي في 

الاحد 5/9/2021 

تبدو قيادة "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) منشغلة كثيرا بالانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان، التي بقيت على مدى عشرين عاما بؤرة الاهتمام العسكري الأميركي، وكلفت الولايات المتحدة بشريا وماديا على نحو باهظ. ووصل القلق الذي يستبد بالحليف الكردي في الحرب ضد داعش إلى أروقة الإدارة الأميركية منذ عدة أشهر، وبدأ ينمو تدريجيا بعد أن اتفقت الولايات المتحدة مع الحكومة العراقية على أجندة زمنية لسحب قواتها المقاتلة، تبدأ في نهاية هذا العام. 

الولايات المتحدة لن تغير خططها في شمال شرقي سوريا، إلا أن هذه الخطط تبقى مرتبطة بالحرب على داعش، ولا صلة لها بأي حل سياسي ممكن في سوريا 

وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" في مطلع هذا الأسبوع الحالي، عن أن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن سعت في الأشهر الأخيرة، إلى طمأنة قائد "قسد" مظلوم عبدي وقادة آخرين، فأرسلت قائد القيادة المركزية الجنرال كينيث ماكنزي، ومساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط جوي هود، إلى المنطقة للتحدث معهم. ونقل مسؤولون أميركيون وآخرون من "قسد" عن الإدارة الأميركية قولها إن الشراكة مع "قوات سوريا الديمقراطية" لا تزال قوية، وإن الجنود الأميركيين لن يغادروا. ولكن ذلك لا يقدم طمأنينة كاملة للطرف الكردي، وعليه نقلت الصحيفة عن عبدي قوله إنه يتوقع استقراراً نسبياً في شمال شرقي سوريا "إذا وفت الولايات المتحدة بتعهداتها"، مضيفاً "نشعر الآن أن لدينا دعماً سياسياً وعسكرياً أقوى، أكثر مما كان لدينا من الإدارة السابقة". 

ومن المرجح حتى الآن أن الولايات المتحدة لن تغير خططها في شمال شرقي سوريا، إلا أن هذه الخطط تبقى مرتبطة بالحرب على داعش، ولا صلة لها بأي حل سياسي ممكن في سوريا. ولأن الأمر بات مقلقا جدد جوي هود في مقابلة مع قناة الحرة يوم الخميس الماضي التطمينات الأميركية، وقال "أريد أن أقول بشكل لا لبس فيه إن أفغانستان ليست العراق ولا سوريا، بينما مهمتنا في أفغانستان اكتملت". وأضاف "مصالحنا في العراق ستستمر مع الوقت، وهذا لا يشمل الأمن فقط إنما أيضاً مساعدة قوات الأمن العراقية وقوات سوريا الديمقراطية لهزيمة داعش بشكل نهائي وهذا سيأخذ وقتاً". 

ومن الواضح هنا أنه باستثناء تفاهمات الحرب على داعش ليس هناك أي ضمانة لـ "قسد" في ما يتعلق بالمستقبل، الذي يبقى مرهونا بصيغة الحل الشامل في سوريا. والنقطة الأساسية التي لا تزال إشكالية بالنسبة للتنظيم هي موقف الإدارة الأميركية الجديدة من الوضع في سوريا، ذلك أن إدارة الرئيس بايدن لم تعلن عن سياسة رسمية نهائية حتى الآن، وهناك تصريحات تؤكد على أن واشنطن "لا تسعى لتغيير الأسد" على حد تعبير هود، وهذا ما يضع "قسد" في دوامة القلق حول مصيرها، ولهذا فإن قيادتها تحركت في أكثر من مناسبة من أجل التفاهم مع النظام السوري برعاية روسية، كما حصل في أكتوبر/تشرين الأول 2019 عندما سحبت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قسما من قواتها التي كانت ترابط في المنطقة، وكانت نتيجة ذلك قيام تركيا وحلفائها من فصائل المعارضة السورية بالتقدم والسيطرة على مدينتي تل أبيض ورأس العين، من دون أي رد فعل من جانب روسيا التي تنتشر قواتها في تلك المناطق. وفي الوقت الذي تقرر أميركا مغادرة المنطقة، فإن الطريق الوحيد أمام "قسد" هو الذي يؤدي إلى النظام، وبشروطه. 

من المعروف أن النظام كان يمكن أن يقدّم هذا التنازل إلى "قسد" قبل عملية "نبع السلام"، ولكنه غيّر قواعد اللعبة بعد أن أدرك هشاشة "قسد" من دون مظلة أميركية 

وتطمح "قسد" إلى بناء علاقة مع النظام على أمل أن تكسب سياسياً، من خلال التفاهم على حل في المنطقة التي تسيطر عليها، وعرضت أكثر من مرة، على النظام صفقة تقوم على تسليم المنطقة، مقابل تخفيف القبضة المركزية والاعتراف بالخصوصية الكردية. ومن المعروف أن النظام كان يمكن أن يقدّم هذا التنازل إلى "قسد" قبل عملية "نبع السلام"، ولكنه غيّر قواعد اللعبة بعد أن أدرك هشاشة "قسد" من دون مظلة أميركية. 

========================= 

من يختار حكام العالم؟ 

 د. فيصل القاسم 

القدس العربي 

السبت 4/9/2021 

من أهم الدروس التي تعلمناها بعد ما يسمى بـ«الربيع العربي» أن تغيير الأنظمة والحكام لم يعد شأناً داخلياً مطلقاً، فمهما حاولت الشعوب وضحّت بملايين الشهداء واللاجئين وخسرت أرزاقها وأوطانها، فلن تستطيع تغيير أي نظام أو حاكم إذا كانت رغبة ضباع العالم عكس رغبتها. بعبارة أخرى، فإن لعبة التغيير تبقى بأيدي سادة العالم المتحكمين بمصير البشرية جمعاء. ولو توافقت أحياناً رغبة الشعوب مع رغبة الضباع الكبار في تغيير هذا الحاكم أو النظام أو ذاك، فليس لأن إرادة الشعوب قد انتصرت، بل لأن للضباع أهدافاً أخرى تخص مصالحها أولاً وأخيراً وليس مصالح الشعوب التي تنشد التغيير. 

دلوني مثلاً على أي ثورة عربية غيرت أي شيء. حتى ثورة تونس التي ظن البعض أنها نجحت عادت إلى المربع الأول بعد انقلاب الوكيل المحلي قيس سعيد ومشغليه وكفلائه في الداخل والخارج على الثورة. وقد لاحظت الشعوب بعد أن ذاب الثلج وبان المرج أن الثورات التي ظنت أنها يمكن أن تحسن لها أوضاعها وتنهي عهد الظلم والطغيان لم تكن في صالحها أبداً. بل استخدمها سادة العالم كمنصات لتحقيق مصالح جديدة لم تكن متاحة إلا بعد تمرير مشروع الثورات، وخاصة إعادة رسم الخرائط والسيطرة على مزيد من الثروات كما في اليمن وليبيا وسوريا والعراق والسودان والجزائر وتونس ولبنان. 

عملياً لم تستطع الثورات إسقاط أي حاكم أو نظام في كل البلدان التي ثارت، ففي مصر صار النظام القديم أقوى بكثير. 

وفي ليبيا لولا قوات الناتو لما وقع القذافي أصلاً في أيدي الليبيين. 

وفي تونس لولا أوامر المشغلين لما هرب بن علي، ولما سقط علي عبد الله صالح في اليمن ولما اضطر مبارك لترك السلطة. ولو أن الأوضاع بعد الثورات تطورت بشكل إيجابي ولم تزدد الأوضاع سوءاً في كل تلك البلدان لقلنا إن الشعوب هي التي أسقطت الطغاة، لكن عودة الأنظمة أقوى بوجوه جديدة قديمة يثبت أن كل ما حصل كان بإرادة خارجية، ولم تكن الشعوب سوى كومبارس في هذه اللعبة الكبرى التي تذكرنا تماماً بما يسمى بالثورة العربية الكبرى عام 1916 التي ظنها البعض لتحرير العرب من الاستعمار العثماني، فاتضح فوراً أنها كانت لعبة بين المستعمرين الآخرين، مستعمر يرحل وآخر يستلم ويعيد ترتيب الدول وأنظمتها حسب مصالحه الخاصة، وليس أبداً حسب مصالح الشعوب المسكينة المغفلة، مع التأكيد طبعاً أن الشعوب أرادتها ثورات حقيقية، لكن شياطين العالم حولوها وبالاً عليها وحرفوها عن مسارها بما يخدم مخططاتهم. 

الشركات الكبرى العابرة للحدود أصبحت تدير العالم من بابه إلى محرابه حسب المصالح، وأي حاكم أو نظام لا يتوافق مع «النظام الدولي» لا يمكن أن يصل إلى الحكم في أي بلد حتى لو اختاره الشعب 

من السخف طبعاً في عصر العولمة وسقوط الحدود واختفاء السيادة بمفهومها الوستفيلي أن تكون مهمة اختيار الأنظمة متروكة للشعوب، فالشركات الكبرى العابرة للحدود أصبحت تدير العالم من بابه إلى محرابه حسب المصالح، وأي حاكم أو نظام لا يتوافق مع «النظام الدولي» لا يمكن أن يصل إلى الحكم في أي بلد حتى لو اختاره الشعب، ومن الممكن بسهولة سحقه أو الانقلاب عليه إذا خالف المطلوب منه لاحقاً، وهو تقليد أمريكي عريق طبعاً. كم انقلاباً دبرت وكالة الاستخبارات الأمريكية ضد الحكام والأنظمة غير المرغوب فيها؟ لا شك أنكم تذكرون محمد مصدق في إيران، وغيره كثيرون. وحتى في أوروبا الديمقراطية المفترض أنها جزء من النظام الذي يتحكم بالعالم، لا يمكن السماح لأي زعيم بالوصول إلى السلطة إذا لم يكن مناسباً للضباع الكبار. هل تذكرون ما حصل للزعيم النمساوي يورغ هايدر الذي فاز بالانتخابات الديمقراطية ثم أسقطوه لأن أمريكا وإسرائيل كانتا ضده. واضطر النظام النمساوي أن يضحي بهايدر في سابقة تاريخية، ثم اختفى الرجل في حادث سيارة بعد فترة. 

فإذا كان الوضع في أوروبا هكذا، فكيف بالعالم الثالث؟ باختصار لا يمكن لزعيم أن يصل للسلطة في أي مكان دون أن يمر عبر الغربال الأمريكي. وبالتالي كل المرشحين للرئاسة حتى في الغرب يمرون عبر الغربال أولاً ثم يُطلب من الشعب انتخابهم فتبدو اللعبة ديمقراطية. 

قد يقول لك البعض: وماذا عن الأنظمة التي تتحدى الغرب ليل نهار كإيران وميليشياتها أو ما يسمى بحلف المقاومة الذي يشتم أمريكا بغزارة؟ من يصدق أن هذا الحلف يواجه أمريكا في حاجة لأن يفحص عقله في أقرب مصحة للأمراض النفسية، فهو يلبي كل المطالب والأوامر والمصالح الأمريكية، ولا ننسى أن الخميني كان ينشط في فرنسا تحت نظر وسمع الاستخبارات الأمريكية والأوروبية، وعاد إلى إيران على متن طائرة فرنسية ليفعل كل ما فعله لاحقاً خدمة للمصلحة الأمريكية والإسرائيلية. وسئُل مسؤول أمريكي ذات يوم عن موقف بلاده من النظام السوري الذي يلعن ويتحدى أمريكا عمال على بطال، فأجاب المسؤول: «نحن لا يهمنا ما يقوله النظام السوري، بل يهمنا ما يفعله لنا، فأحياناً نطلب منه أن ينفذ لنا أمراً ما بنسبة عشرين بالمائة، لكننا نتفاجأ في اليوم التالي أنه نفذه بنسبة مائة بالمائة». ولا ننسى أن العالم لم يعترف ببشار الأسد رئيساً بعد موت والده إلا بعد أن اختلت به وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها مادلين أولبرايت ببشار في لقاء سري بدمشق وأعطته التعليمات، وبعد أن بصم لها بالعشرة، باركت تعيينه، ثم توالت الاعترافات الدولية بطاغية الشام الجديد. ورغم أنه قتل وشرد الملايين ودمر سوريا، إلا أن ضباع العالم لم يسمحوا للسوريين بإسقاطه، ولولا الغطاء الأمريكي والإسرائيلي لما بقي ساعة واحدة في الحكم. قارنوا كيف أسقطت أمريكا زعيماً مسالماً منتخباً شعبياً في النمسا لأنه لا يخدم مصالحها، وكيف حمت مجرماً مسؤولاً عن قتل وتعذيب وتهجير الملايين لأنه يخدم مصالحها. ويروي البعض نقلاً عن وزير الدفاع الأمريكي الراحل رامسفيلد أنه قال لقائد إحدى الميليشيات الإيرانية المعادية لأمريكا بالشعارات النارية فقط: «نفذوا كل ما نطلبه منكم ثم زمروا (من زميرة) كما تشاؤون». 

========================= 

وجهة نظر : قضايا ملتبسة - ٣

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٧/  ٩/ ٢٠٢١

تاريخنا الطائفي - أو جمهورنا ..؟!!

وما زلنا نسمع التهمة في المجالس، ونتابعها في المدونات، والمحاضرات والمقالات والمقررات..

وبعض الناس تمادوا من اتهام الحاضر إلى اتهام التاريخ. ومن توصيف الظالم إلى اتهام الضحية...

أما الحديث عن التاريخ، فلن أتوقف عنده طويلا، ولا يهمني أبدا، أن أستجر، للدفاع عن التاريخ، ليس لأن أمر تاريخنا الحضاري والثقافي والاجتماعي والسياسي ملتبس، ولكن لأن تاريخنا عندما، يقارن في سياقاته العامة يبقى متفوقا أبدا وهذه ليست نرجسية تاريخية، كما يدعون. ينتقد التاريخ في سياق الاعتبار" أسامة ابن منقذ" في أرقى تجربة لرواية التاريخ العسكري والسياسي والاجتماعي والتاريخ المقارن لقوم يعلمون.

واعتبر " تاريخُ الأفكار" أحدَ فروع علم السياسة، عندما قررت الأمم المتحدة الاعتراف بالسياسة علما، وتكريسه مرموقا بين العلوم منذ ١٩٤٨

والمنهج البحثي العلمي الحضاري أو التاريخي، يقتضي عندما نجري الموازنات النظرية" الفكرية" أو التاريخية " العملية" أن نجريها في فترة تاريخية واحدة..

فنعتمد مثلا القرن السابع  أو السابع عشر، لندرس موقع "الإنسان - المواطن" في ظل منظومة سياسية أو ثقافية ، ندرس حقوق الانسان الفرد المؤتلف أو المختلف دينا أو عرقا أو مذهبا في سياق حضارات وأنظمةوسلطات حكم مختلفةً..

كيف كانت حقوق الفرد في ظل حكم الرشيد، وشارلمان وتقفور مثلا ، حقوق الرجل وحقوق المرأة، حقوق المسلم وحقوق غيره في ظل الرشيد،وحقوق المسيحي وحقوق غيره في عهدي نقفور وشارلمان أيضا. ولا ننسى حقوق المرأة ايضا ونصغي ونحن نقارن إلى صوت " المسلمة الزبطرية" تنادي " وامعتصماه"

من العسف أو السذاجة أو سوء النية أن نجري مقارنات بين واقع تاريخي كان منذ ألف سنة، وآخر يتمثل في آخر ما توصلت إليه حضارة الانسان في القرن الحادي والعشرين- على ما نعرف عنها وفيها- ثم نصدر الأحكام ..

سيخبرنا علم التاريخ المقارن في ظروفه وشروطه أنه بينما كانت محاكم التفتيش تقتل الناس على أفكارهم وعقائدهم وأديانهم، بمن فيه من اتهموا  بالهرطقة من المسيحيين، كان هؤلاء المستضعفون من البشر يجدون أمنهم وأمانهم  في ديار أخرى وفِي ظل حضارة أخرى. تعالوا نقارن وضع المرأة في أثينة أو في روما أو في باريس أو دمشق أو في بغداد أو في قرطبة في قرن واحد من التاريخ الاجتماعي ثم نصدر الأحكام.

تعالوا نتذكر أن التمييز العنصري سقط رسميا في عالمنا المسلم منذ القرن السابع الميلادي عندما ارتقى بلال ظهر الكعبة يؤذن عليه؛ بينما استمر في الأماكن الأخرى حتى سقطت آخر قلاعه - نظريا- في جنوب إفريقية وفِي الولايات المتحدة الأمريكية، في الشطر الثاني من القرن العشرين..

هكذا تجرى المقارنات والمناظرات التاريخية،  على المستويات الحضارية والمدنية والفكرية والاجتماعية والسياسية ، ومن كان عنده زيت يبيعه في سوقنا فنحن لزيته أول المسوقين..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=================================

ما بين أفغانستان وسورية 

رضوان زيادة 

العربي الجديد 

السبت 4/9/2021 

كثرت التكهنات بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، أن الجهة المقبلة للانسحاب سوف تكون سورية. وكثرت المقارنات بين الحالتين، ولا سيما أن الرئيس السابق، ترامب، كان قد اتخذ قرار الانسحاب من كل من أفغانستان عبر التوقيع على اتفاقية مع حركة طالبان تنص على الانسحاب الأميركي الكامل مع بداية شهر مايو/ أيار الماضي، لكن بايدن عدّل الاتفاق حتى ضمان الانسحاب الكامل حتى نهاية الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، وهو ما التزمت به الولايات المتحدة بشكل كامل، أقول التزمت لأن القناعة كانت مشتركة بين الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، بضرورة الانسحاب من أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة. ولكن الوضع في سورية مختلف كليا، حيث لا اتفاقية بين أميركا وبشار الأسد، كما أن القوة الأميركية في سورية ليست تحت تهديد يومي كما كان الوضع في أفغانستان. لذلك يُستبعد تماما أن تنسحب هذه القوة بشكل كامل من سورية تحت إدارة الرئيس بايدن قريبا، فهو شيء يريد التمايز فيه عن الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي فاجأ وزارة الدفاع حينها، وحتى وزارة الخارجية، عبر الإعلان، في مهرجان خطابي قبل ثلاث سنوات، عن نيته سحب ألفي جندي أميركي، والذين يقدمون الدعم لما تسمى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). 

الوضع في سورية مختلف كليا، حيث لا اتفاقية بين أميركا وبشار الأسد، كما أن القوة الأميركية في سورية ليست تحت تهديد يومي كما كان الوضع في أفغانستان 

حينها، تعرّضت هذه الخطوة الأميركية إلى انتقاد عنيف من الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، وتراجع حينها ترامب، وغيّر خططه من أجل الإبقاء على القوات هناك، للسيطرة على النفط، ومنع "داعش" من الحصول على عائدات النفط. ولذلك لا يزال حوالي 900 جندي أميركي متمركزين في منطقة واسعة من شمال شرق سورية تقع خارج سيطرة حكومة الأسد. وقد أكد وزير الخارجية الأميركي، بلينكن، أكثر من مرة على بقاء القوات الأميركية هناك، وربطها بالانتقال السياسي في سورية. وقد زار أكثر من مسؤول أميركي من إدارة بايدن المنطقة، منهم أخيرا الجنرال كينيث ماكنزي، الذي يرأس القيادة المركزية الأميركية، والقائم بأعمال مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى جوي هود ، وأكدوا أكثر من مرة أن القوة الأميركية لن تغادر في أي وقت قريب. 

تدرك الولايات المتحدة أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال يشكل أيضًا تهديدًا، خصوصا في منطقة ريف حمص والبادية السورية، حيث قام تنظيم داعش بهجمات على قوات النظام السوري. وفي الوقت نفسه، ما زالت قوات سورية الديمقراطية تشرف على مخيم الهول الذي يحتفظ بأسرى مقاتلي تنظيم الدولة الأجانب وعائلاتهم، فضلا عن احتفاظها بأكثر من 11 ألف مقاتل من مقاتلي التنظيم في السجن الذي تشرف عليه هذه القوات. وتعرف الولايات المتحدة جيدا أنه بانسحاب قواتها ستتبخّر "قسد" كليا، وهذه لا تحتفظ بأي دعم شعبي في سورية. 

لا تشكّل سورية أي أولوية بالنسبة لبايدن، ولا يجد حاجة لمزيد من الاستثمار السياسي أو الدبلوماسي فيها 

لذلك يمكن القول إن المقارنة بين أفغانستان وسورية تبدو مشروعة، إلا أن حجم الاختلافات تقود إلى أن الإدارة الأميركية لن تتخذ قرارا بالانسحاب قريبأ. ولعل أفضل ما يدعم هذا الرأي الفشل الكبير الذي أعقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان، حيث سيطرت "طالبان" على السلطة هناك خلال 11 يوما فقط. وبالتالي، لا يستطيع بايدن تحمّل فشل آخر لانسحاب القوات الأميركية من سورية، حيث سينتهي وجود ما يسمى قوات سورية الديمقراطية بمجرّد انسحاب القوات الأميركية. 

التحدّي الرئيسي الذي ينتظر الرئيس بايدن هو غياب سورية تماما من استراتيجيته الخارجية. لم يذكر سورية مطلقا في أي من مؤتمراته الصحافية أو خطاباته. ولعل البيان الوحيد الذي صدر من البيت الأبيض بعد صدور قرار مجلس الأمن 2585 الذي ينص على السماح باستمرار المساعدات الإنسانية من معبر باب الهوى على الحدود السورية التركية، وتمكّنت الولايات المتحدة من منع روسيا من استخدام الفيتو، وصدر القرار بإجماع أعضاء مجلس الأمن. ولذلك لا تشكل سورية أي أولوية بالنسبة لبايدن، ولا يجد حاجة لمزيد من الاستثمار السياسي أو الدبلوماسي فيها، بل بالعكس ربما ما زال يحمل قناعة أوباما في سنواته الأخيرة أن كثيرا من صداع الرأس يأتي من سورية. ولذلك من الأفضل الابتعاد عن ذلك المستنقع الآسن، كما سماه أوباما مرّة. 

========================= 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com