العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12-07-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سوريا ومنظمات المجتمع المدني (1)

إيمان محمد

سوريا تي في

الخميس 9/7/2020

يحمل المجتمع المدني في سوريا تاريخاً طويلاً من العطاء والفتور، من الإنجاز أو التراجع، الحرية أو القيد، فالفكرة العامة أنه وُجد من آلام الشعب وهمومه، ليخفف منها، ويساهم في الحلول الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والنفسية والتنموية، هذا المجتمع تشكل عبر التاريخ، فصنع جزءاً لا يتجزأ منه على طريق وحدة سوريا واستقلالها، وهو الذي عاصر حكاماً مختلفين، وعايش عهوداَ مختلفة، تنوعت فيها وسائل الحكام في التعامل مع الشعب، فأثّر وتأثّر، ولكنه بات في حدود عطائه الأدنى تحت حكم الأسد الأب والابن،  وهو الذي أرغم على أساليبه السلطوية في الحكم، واستنزاف الشعب، وتحويل المساعدات إلى إنجازات تمجد الحاكم وتدعو باسمه وتروج له، فيما كان الشعب مغيباً كل التغييب عن دوره في التعامل معه، كما كان مفتقراً إلى تمييز دوره ووظيفته وكيف بالإمكان أن يسهم من خلاله في تقديم خدمة للمجتمع، وكيف بإمكانه أيضاً أن يدفعه ليقدم ما يحتاجه فعلاً لا ما يُملى عليه.

عاش المجتمع المدني جمعيات ومؤسسات قبل حكم الأسد عصور فاعلية وازدهار، تمكن الناس من خلاله من خدمة مجتمعهم، وتلبية جزء كبير من احتياجاته، بجهود شعبية حرة، فكان جزءاً لا يتجزأ من جهودها منصباً على مقاومة الاحتلال الفرنسي، وترسيخ الهوية، وتعميق الأصر والروابط المجتمعية ونشر الثقافة وتوعية الناس سياسياً واجتماعياً، وقد قامت فرنسا بإغلاق كثير من الجمعيات حينها لهذا السبب، الأمر ذاته الذي فعله عبد الناصر، فكان الإغلاق وسحب التراخيص لجمعيات وصحف ومجلات أحد كوارث المجتمع المدني، بهدف إخضاعه لسياسات الدولة، وأما الانتكاسة الأكبر التي عانى منها المجتمع المدني فهو بعد الانقلاب الذي قام به حافظ الأسد، والذي تولى بعده حكم سوريا ليطبعها بطابع الحزب الواحد، والفكر الواحد، وليحولها لأداة فقط تعمل بفكره، وتروّج له، وقلما كان بإمكانها الانفكاك عن سطوته والاستقلال في الفكرة والتطبيق لأن ذلك سيُعتبر انتهاكاً لسيادة الدولة، يوجب العقوبة والإغلاق.

لقد كانت التشديدات الأمنية في حكم الأسد على جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني كبيرة، فالحصار هنا على دور الإنسان في المشاركة الحرة الكريمة لبناء مجتمعه، والقيد مفروض على الإنسانية العميقة التي تحفز الناس على التحسين من أوضاع مجتمعاتهم وتطويرها للأفضل، وهو انتهاك حقيقي للحرية والكرامة ورغبة الإنسان الفطرية بعمل الخير ومساعدة الآخرين، أضف إلى ذلك نشوء جمعيات ومنظمات تحت تصنيف "المجتمع المدني" أو "المنظمات الأهلية" مهمتها الأولى تلميع صورة النظام وتصدير الصورة البراقة للإعلام الخارجي، وهي التي برزت بشكل أكبر في عهد بشار الأسد، وزوجته أسماء الأخرس التي انضمت للأمانة السورية للتنمية، وعملت على السيطرة على مشاريع التنمية والمرأة والإغاثة ظناً منها أنها ستكسب التأييد الشعبي والعالمي، غير أن بريق العمل الخيري الذي كانت تعتمد عليه قبل الثورة بدا بوجهه الحقيقي بعد الثورة، فقد كشفت ما كان خافياً من فساد واحتيال، وصراعات للمسؤولين على أعلى مستوى لاحتكار كل موارد البلاد، واستنزاف ما تبقى من المال والشباب والأفكار لمصالحهم الشخصية.

لقد استطاع النظام بحزبه الواحد الحاكم، وفساده المتفشي والمتذرع بأدوات البطش والتخويف والملاحقات الأمنية أن يسلب منظمات المجتمع المدني روحها الفاعلة، فبات معظم العمل الخيري محدوداً لجهات وأشخاص تابعين له، ولم تسلم من ذلك المنظمات الأهلية والوقفية، والتي بدلاً من أن تُحفظ لها استقلاليتها الشعبية والمادية، فتكون مساهمة بشكل حقيقي في سد جزء من احتياجات المجتمع، وبدلاً من الاستفادة من استقلاليتها لتشكيل مجتمع حر واعٍ، تحولت إلى وزارة تابعة للحكومة تضع يدها على كل شيء لتستنزفه، وتنسبه إلى عائلة الأسد، حتى المساجد ومعاهد القرآن الكريم والمشافي الخيرية نُسبت لآل الأسد ليُفقد الأمل بقدرة العمل المجتمعي على التحرك خطوة واحدة إلى الأمام، أضف إلى ذلك كل ما تشكل من نقابات وجمعيات واتحادات كان من المفترض أن تكون تابعة للمجتمع المدني، تحولت بشكل سافر لتحمل شعار حزب البعث وسياساته وأفكاره، الأمر الذي جعل المواطن السوري العادي غير قادر على التمييز بين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، فكلها تابعة للبعث ونظامه، وكلها أدوات لتحقيق مطامعه ورغباته.

لقد نجح النظام في صناعة القيد، وتطويق كل سبل التفاعل والمشاركة المجتمعية جاعلاً إياها تحت قبضته، كما نجح في التقاط الصور للناس وهم يهتفون له ولحياة الرئيس مؤيدين، ليصدرها للخارج صورة مشرقة، غير أن أوان الإقناع قد فات، وبات العالم كله يدرك أنها مجرد محاولات للتستر على جرائمه بحق الشعب، وهو في ذلك كله خسر ما يدعيه من حب الشعب، فحتى المحسوبون عليه باتوا يصبون اللعنات والنقمة والغضب، وينتظرون يوم سقوطه وزواله، وهذا أهم وأكبر خسارة يمكن أن تلحق بحاكم ونظامه.

===========================

موقفنا : الفيتو الروسي السادس عشر .. لقطع نسغ الحياة عن السوريين الأحرار ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

12/ 7/ 2020

واستمرارا في الانغماس في جريمة التمويت بالتجويع ، التي ينفذها بشار الأسد داخل الزنانين ، ما زال الروس يعملون باسمه على تنفيذ مخططهم " التركيع بالتجويع " ، حيث استعملت روسية بالأمس - 11 / 7 / 2020 / للمرة السادسة عشر حق النقض في حاضر الثورة السورية ، وأيدتها فيه الصين ، مصدرة الكورونا للعالم . روسية تستخدم الفيتو السادس عشر ، والثاني خلال أيام ، لرفض مشروع قرار إنساني يقضي بتجديد السماحب فتح المعابر ، وإدخال المساعدات الإنسانية للشعب السوري المنكوب ، الذي جرب الروس - حسب تصريح وزير دفاعهم شويغو - في لحمه الحي أكثر من مائتي سلاح استراتيجي ..!!

اتخذ الفيتو الروسي السادس عشر ضد إرادة ثلاث عشرة دولة حول العالم . كلها رأت في مشروع القرار المطروح استجابة عملية لواقع إنساني نازف يتهدده التشرد والمرض والجوع ..

بالفيتو الروسي السادس عشر، يلاحق المحتل الروسي الأرثوذكسي الصليبي ، ملايين السوريين الذين شردهم طيران بوتين وبوارجه ببركة البطرك " كيرل " بالكيماوي وبالفراغي وبالارتجاجي وببعيد المدى ، وبالعابر للقارات وبقادة حميميم وبإرهابيي الفاغنر ... بمزيد من الجوع والحرمان ، وشعاره عند كل منحنى : تخضعون أو تقتلون.

لا توصف الجريمة التي يرتكبها الروسي في سورية . إلا أنها جريمة حرب . جريمة ضد الإنسانية . حرب إبادة منظمة على الهوية . ونعتبر كل من يحاول أن يتهرب من هذه الاستحقاقات في توصيف الجريمة الروسية شريكا فيها..

وما شرعت اتفاقيات جنيف الأربعة ، ومواثيق حقوق الإنسان ، وقانون الحرب الإنساني إلا للحد من تغول التوحش العسكري والسياسي على الإنساني .. وهذا الذي يحصل في سورية منذ عشر سنين ..

ونعتبر اشتراكا في الجريمة إخضاع الاحتياجات الإنسانية الأساسية لمناورات الساسة ومناكفاتهم ومراهناتهم ..فلا يمكن أن يسمح لبوتين أن يراهن على الملايين من الأنفس البشرية المعصومة لأطفال ونساء وشيوخ ولا للمتلاعبين معه عليها ..

وإنه من العبث أن نستمر نحن السوريين في الحديث بلغة : نشجب ونستنكر وندين ..

ومسئولية الذين تناوبوا على المواقع على كراسي المعارضة بالأمس، عن هؤلاء الناس مباشرة ، مسئولية شرعية وإنسانية ووطنية مباشرة ..

إن استمرارهم على مقاعد الانتظار لعملية سياسية يكون بوتين شريكا فيها ، هو اشتراك في الجريمة .. ودعما لها ليس غير .

إن حديثنا عن هؤلاء الذين زيفوا إرادة السوريين ، ولم يمثلوها على مدى عشر سنوات، ليس اعترافا بهم .. بل هي الصدمة التي نقول لعلها توقظ من كان فيه بقية من آحادهم .. الثورة طريق ، وقد بدأه الثوار ورواه الشهداء ، ولكل طريق بداية وغاية .

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

موسكو تعود إلى أفغانستان من البوابة السورية (1-3)

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 8/7/2020

كشفت الوثائق الأميركية الأخيرة عن عودة روسية قوية إلى أفغانستان للانتقام من القصف الأميركي الذي قضى على المئات من قوات الفاغنر الروسية في دير الزور بسوريا بشهر فبراير من عام 2018، ابتلعت موسكو يومها الإهانة ولم تتحدث عنها في حينه، إلا بعد أن كشفتها وسائل التواصل الاجتماعي الروسية، مما سبب حرجاً كبيراً لها، بعد أن تقاسم الاحتلال الأميركي والروسي الفرات بين شرقيه وغربيه، وتقول الوثائق الأميركية الأخيرة -التي كشفت عنها صحيفة النيويورك تايمز- إن وحدة المخابرات العسكرية في جهاز المخابرات الروسية بدأ بدفع مبالغ مالية لمسلحين طالبانيين أو موالين ومقربين للحركة من أجل قتل جنود أميركيين، تماماً كما فعلت المخابرات الأميركية قبل ثلاثة عقود يوم كانت تدفع للمجاهدين الأفغان لقتال السوفييت.

وتجزم الوثائق بتورط الوحدة العسكرية الاستخباراتية الروسية بقتل حوالي عشرين من القوات الأميركية في هذه الاستهدافات، وهو ما تسبب بحالة من القلق والاضطراب الأميركية باستثناء ربما الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي شكك بالأمر، بل ولم يكلف نفسه قراءة التقارير أو درسها وتوجيه الاتهام لروسيا في قتل جنوده، وهو ما يتسق مع سجل صمت ترمب على تصرفات وأفعال بوتن العدائية تجاه الانتخابات الأميركية وتدخلها فيها، لصالحه، أو الانتخابات الأوروبية بشكل عام لزعزعة الثقة بالديمقراطية الغربية.

الكشف الأخير، والمواجهة الروسية الأميركية على المسرح الأفغاني، كسرت روتيناً إعلامياً وصحافياً قاتلاً للحرب الأفغانية الذي امتد تسعة عشر عاماً...

حين الحديث عن العلاقة الطالبانية - الروسية لا بد من الأخذ بعين الاعتبار حدثين مهمين لفهم مساق العلاقة المبهمة والغامضة والمهمة في الوقت نفسه بين الطرفين، الحدث الأول كان الاهتمام الروسي المبكر بالعناصر القادمة من القوقاز إلى أفغانستان من أجل القتال في صفوف بعض الجماعات الجهادية العالمية بأفغانستان، وهو أمر مقلق لموسكو، وعكسته الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، وتحدثت الأوساط الإعلامية الروسية يومها عن تنسيق روسي ـ طالباني من أجل كبح جماح مثل هذه العناصر، أما الحدث الثاني فهو الإعلان عن وفاة زعيم حركة طالبان الأفغانية ومؤسسها الملا محمد عمر عام 2015، فخلفه يومها الملا أختر منصور والذي تؤكد المصادر الطالبانية أنه فتح الحركة على مسرح السياسة العالمية، إذ تواصل مع موسكو وعلى أعلى المستويات، وربما هذا ما يفسر التصفية الأميركية المبكرة له، عبر قتله بطائرة بلا طيار وهو عائد من إيران على الحدود مع باكستان، وربما كانت الضربة الأميركية الأولى بهذا المستوى لمسؤول طالباني، وتزامن هذا مع كشف أميركي من أنه خلال تلك الفترة تأكد وجود تنسيق إيراني ـ روسي لإقامة معسكرات تدريب طالبانية على الحدود مع إيران، وتسليم مسلحين طالبانيين في تلك المنطقة أجهزة رؤية ليلية تسببت في إيقاع إصابات في صفوف القوات الأميركية في الغرب الأفغاني، وهو ما شكّل نقلة نوعية في عمليات طالبان، ونقلة نوعية أيضاً في عودة روسية إلى الساحة الأفغانية، بحسب مسؤولين وخبراء أميركيين.

وبحسب مجلة «فورين بوليسي» الرصينة، فإن موسكو متورطة بدعم مباشر لطالبان شهرياً بمبلغ وقدره مليونان ونصف المليون دولار عبر إرسال صهاريج نفط من أوزبكستان إلى معبر حيرتان في الشمال الأفغاني...

لكن لم تعد العلاقة الروسية ـ الطالبانية سراً بعد أن دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتن مسؤولين أفغان رسميين ومسؤولين طالبانيين في فبراير من عام 2019 إلى موسكو لحضور احتفالات الذكرى السنوية المائة على الصداقة بين البلدين.

===========================

الخروج حيا من "صيدنايا"

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الاربعاء 8/7/2020

إذا كانت جائحة كوفيد – 19 لم توفّر من شرها بشرا على الكرة الأرضية، بمن فيهم سكان القصور، وبيوت الحكم، وأهل القمة ممن يستطيعون أن يطبّقوا بيسر شروط الوقاية الأساسية، وفي مقدمتها التباعد الاجتماعي، والاهتمام بنظافة وتعقيم اليدين باستمرار، ويتمتعون بترف البقاء في المنزل دون الحاجة إلى التواجد الفيزيائي في مواقع عملهم، فكيف سيكون الحال في المعتقلات السورية حيث نزلاء الأقبية المكتظة منذ سنوات، من رجال ونساء، مكبّلون إلى الظلام وعته إرادة السجّان وجحيمه، حيث التباعد الاجتماعي، ولو في أدنى درجاته، ليس خيارا في المعتقلات ومراكز الاحتجاز، بظروفها الخارجة عن أبسط الأعراف الإنسانية؟

ومن يثق بالنشرة الرسمية التي يصدرها النظام عن عدد الإصابات بفايروس كورونا في سوريا، إذا لم يكن السوري يصدّق يوما أحوال الطقس الذي يعلن عنها التلفزيون الرسمي في نشرته الجوية، فكيف سيصدّق إحصاءات الإصابات بالجائحة في حالة من فلتان السيطرة المركزية، ووقوع مساحات كبيرة من سوريا خارج سيطرة النظام وأجهزة استخباراته؟

الأرقام الرسمية التي قدّمها النظام لإصابات فايروس كورونا هي أقل بكثير من الأرقام المعلنة في الدول المجاورة، بل تقترب في التعتيم وكتم المعلومات من السياسة التي تنتهجها الدولة الحليفة إيران، والتي تعتبر أكبر بؤرة في الشرق الأوسط لانتشار الجائحة، بينما لم يتوقف طيرانها المدني الذي يحمل إلى مطار دمشق يوميا السلاح وحجّاج المقامات المقدسة والمقاتلين وأرامل قتلى الميليشيات، وذلك في إهمال تام وتجاهل لأساليب الوقاية التي اعتمدها العالم بأسره، وفي مقدمتها إقفال الحدود مع الدول التي تنعدم فيها السيطرة على الجائحة.

قد لا يكون من أصيب بكوفيد – 19 أقل حظا ممن قضى شهيدا تحت التعذيب في أقبية جهنم، وقد شهد العالم صور ذاك الموت المرعب في 55 ألف صورة شكّلت القاعدة القانونية لبناء قانون قيصر الأميركي للعقوبات على نظام الحكم في دمشق.

يرسم أحد المعتقلين، وهو شهيد حي خرج من السجن بعد سنوات قضاها هناك دون توجيه اتهام له سوى المشاركة في مظاهرات العام 2011، مشهدا لحال رفاقه البائس في القبو المعدّ لتجميع المعتقلين تحت الأرض، وحشدهم في سجن صيدنايا سيء الذكر، وذلك في شهادة قدّمها أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي مؤخرا، يقول “حين دفعه السجّان إلى تلك الغرفة المظلمة كان السجن مكتظا بالرجال الذين يقبعون خلف جدران عفنة كتفا إلى كتف، وكان يتناوب عليهم الجلاد بالصدمات الكهربائية والضرب المبرح ويجبرهم على التحديق برفاقهم المعتقلين أثناء وقوعهم فريسة للاغتصاب والابتزاز الجنسي”.

ويضيف إلى هذا المشهد المرعب رعبا أعظم “كنا في جوع مستمر نظرا لنوع وحجم الوجبات التي كانت تعطى لنا، وانتشر بيننا المرض حيث كنا معبئين كما الأسماك الميتة في علبة سردين، ولم أخرج من المعتقل إلا بعد أن دفعت أمي رشى طائلة، وصلت إلى الآلاف من الدولارات للإفراج عني في العام 2015”.

هذا هو المشهد كما وصفه شاب حالفه الحظ بالخروج حيا من المعتقلات ناجيا بأعجوبة من عمليات الإعدام الجماعي التي كان ينفذها النظام من وقت لآخر خارج القانون.

هل سيتمكّن فايروس كورونا من حياة الآلاف الذين مازالوا رهن الاعتقال التعسفي، ويقضي بجريمة لا دماء فيها على هؤلاء الرجال والنساء دون تدخّل الجلاد هذه المرة؟ وأين تقف الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان من هذه المسألة في واحد من أسوأ وأشرس المعتقلات في العالم، حيث يقدّر عدد المعتقلين بما يقارب 130 ألفا معظمهم يعاني من الهزال والضعف وانهيار جهاز المناعة في أجسادهم النحيلة بسبب ظروف الاعتقال والترهيب وغياب الرعاية الصحية، ما يجعلهم فريسة سهلة للجائحة؟

لم تفلح حتى تاريخ كتابة هذه السطور الضغوط الأممية، السياسية والعسكرية، التي مارسها العالم الحر على دمشق من أجل الإفراج عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي كافة، نساء ورجالا، وإنهاء ملف الاعتقال التعسفي في سوريا، وتبييض السجون وتحويلها إلى متاحف للهولوكوست السوري هي الشاهد على عصر جهنمي بائد.

وعدتْ أجهزة النظام السوري الأمنية أكثر من مرة بالإفراج عن المعتقلين، لكنها كانت تفرج عن بضع من السجناء الجنائيين من أصحاب الجريمة والجنح، أو من المتشددين الذين هم مشروع إرهابيين كما فعلت في العام 2002 حين أفرجت عن سجناء محكومين بالإرهاب لتحارب بهم القوات الأميركية في العراق، وتمنع قيام دولة مستقرة ديمقراطية في البلد الجار الذي أنهى استبداد حكم البعث العراقي – التوأم اللدود لنظيره في سوريا.

من نافلة القول إن الأمور ما بعد قيصر تتّجه في منحى آخر، لم يكن في حسابات الأسد وأركان حكمه على الإطلاق. فلم يعد ممكنا المساومة على الإفراج عن المعتقلين واعتبارهم ورقة سياسية قابلة للتفاوض. وجاءت جائحة كوفيد – 19 (على بشاعتها) لتعزّز الموقف الدولي من ضرورة الإطلاق الفوري لسراح سجناء الرأي وتبييض المعتقلات كافة. وليس خافيا أن ما يتعرض له النظام من ضغوط اقتصادية، طالت الجار اللبناني عشية البدء بتطبيق قانون قيصر، إنما هو أول الغيث من إعصار قادم سيطيح بجدران الأسد العالية، وقد أمست بشائر التغيير المستحق خلف الأبواب.

المعتقلون السوريون هم قضية فوق تفاوضية، وهم الشهداء الأحياء الذين علينا جميعا واجب التدخّل العاجل لإعادتهم إلى الحياة، التي منعها عنهم نظام خَرِب آيل إلى السقوط وقبل فوات الأوان. فإذا كانت الإعدامات خارج القانون التي يمارسها الجلادون في دمشق قادرة على إراقة دمائهم ولا حصانة لهم ولا معين، فإن الأسد لن يتوانى عن ترك هؤلاء الأبرياء لمصيرهم في مواجهة عدوى المرض القاتل دون أن يرفّ له جفن، أو يحسب عليه تصفيتهم مكبّلين.

فصل المقال يقع في مسؤولية الدول الراعية لعملية الانتقال السياسي في سوريا، الإقليمية الشقيقة والأخرى الحليفة والصديقة، وهي على المحكّ الأصعب اليوم. وكما العالم بأسره يواجه خطر جائحة غير مسبوقة، ويبتكر الوسائل ليحمي البشرية التي تعيش في النور والشمس، عليه التزام عاجل وإسعافي لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح القابعة تحت الأرض، في معتقلات جحيمية تختصر كافة أسباب الموت قهرا، أو ألما، أو عدوى قاضية.

===========================

جديد المبادرات السورية... مؤشرات دولية إلى التغيير

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 8/7/2020

لم يهنأ النظام في سورية بإعلان انتصاره على الشعب، وهو الذي كرّر أنها أزمة، وانتهت "خلصت" منذ العام 2011. أرسل الروس أخيرا مندوباً سامياً، ليحدّدوا له المسموح والممنوع في السياسات العامة الدولة السورية. لم يُسلِّم هو الراية كاملة للروس بعد، فيرسل ممانعته البائسة عبر لقاءاته مع الإيرانيين. يردّ الروس، وبمختلف الطرق، ويفهمونه أنهم هم فقط من أنقذوه من سقوط وشيك 2015، وهم من يحميه ومنذ 2011، وأن الخيار الوحيد المسموح له حالياً هو فك كل علاقة مع الإيرانيين. إفهامه ذلك يتم عبر تشكيل فصائل جديدة تابعة للروس، وإطلاق يد إسرائيل بقصف أية مواقعٍ إيرانيّة ترغب بشطبها، وحتى قانون قيصر، لم ترفضه روسيا بشكلٍ حقيقيٍّ، بل وأطلقت مواقف "محبّذة له"، حينما طُبِّقَ، وأن هناك مفاوضات جديدة وجديّة مع الأميركان. رافق ذلك، لقاءات تمّت من الرئيس الأسبق لائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، معاذ الخطيب، ومجموعة مثقفين، يُعرِّفون أنفسهم بالوطنية وبالهوية العلوية، وهناك لقاءات كثيرة سريّة، تجريها روسيا. إذاً لم يعد لدى النظام سبب حقيقيّ لإعلان الانتصار، فالمنتصر يكون مستقلاً، وطنيّاً بامتياز، بينما النظام، كلما يستعيد منطقة، يصبح أكثر ضعفاً إزاء الروس، بل والإيرانيين أيضا، وكذلك إزاء قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والفصائل التابعة للأتراك، بل وحتى أحمد العودة أصبح قائداً عسكرياً في درعا، وتابعاً للروس.

في الساحة السورية، ظهر أخيرا فاعلٌ جديد، وهو "انشقاق" رامي مخلوف، وهو الموصوف بأنه رجل أعمال، وملاحقته قانونياً عبر أجهزة السلطة، وحماية الروس له، كما يرشح من أخبارٍ، وهذا يشير إلى تفككٍ عميق في بنية السلطة. ونضيف، أن البدء بتطبيق قانون قيصر، ووجود تململ روسي واسع إزاء تصلّب السلطة وعدم ملاحقتها شبكات الفساد، رافقته مواقف معارضة متعدّدة، ومتباينة جديدة، والمشكلة في تباينها الكبير، ولكن ومع ذلك، توضح أن لديها تلمّساً كبيراً إلى تغييرٍ قادم في الموضوع السوري، وسيشرك النظام والمعارضة، وسيشطب أقساما منها.

سورية سوقٌ مفتوح للبازار عليه؛ أي على الرغم من كارثية وضعها وتهجير أهلها، فهي تتعرّض للبيع

ظهرت عدة مبادرات وبيانات وإعلانات. أهمها إعلان الوطنية السورية، وهناك عدة بيانات، من شخصياتٍ مثقفة ومعارضة، تتبنّى رفض كل أشكال الاستئثار في شرق سورية، وأن تلك المنطقة يجب أن تمثلها هيئات سياسية من كل قومياتها، وبعيداً عن روح الاحتراب الذي له ألف سببٍ وسبب. إضافة إلى ذلك، وربما الأصل به، بروز تفاهمات، لم تنته بعد، بين الاتحاد الديمقراطي (الكردي) والتيار الكردي السوري الأقرب إلى مسعود البرزاني، والتنسيق مع قوى كردية أخرى، وبعيداً عن القوى العربية، وهذا ما أثار تخوفاً وحذراً، فكانت البيانات المتعدّدة، وكلّها تؤكد ضرورة إيقاف اشكال الصراع هناك، وتمثيل المنطقة الشرقية. تتوخّى البيانات والمبادرات تمثيل شرق سورية، ورفض أي استئثار بها من النظام أو "قسد" أو تحالف القوى الكردية، أو القوى العربية. هذا يعني أن هناك محاولات لصياغة رؤى سورية جديدة، كردية أو عربية أو سريانية، وسواها، وتستهدف رفع كل غبن تاريخي على إحدى القوميات أو حتى القبائل أو مدن شرق سورية.

المبادرات الجديدة ونقاش في الوطنية

المبادرات السورية هذه، لن تنتقدها هذه المطالعة بشكل مفصل هنا، وستركز على أفكار عامة نحوها. تفتقد المبادرة الكردية إلى البعد الوطني، حيث تقتصر على أكثرية القوى الكردية، وهذا يُضعف من قيمتها ويثير تخوفاتٍ كبيرة منها، سيما أنها تتم تحت الرعاية الأميركية أولاً، والفرنسية ثانياً. الرعاية تلك، وسرّية المفاوضات، تؤكدان ما ذكرت، وبالتالي تعمّق الانقسام العربي الكردي، أو بين قوميات شرق سورية، وهذا لا يقدّم أية رسائل اطمئنان للآخر، والأسوأ أن جهة كردية من المتحاورين الكرد ممثلة في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وبالتالي كان عليها رفض كل سريّةٍ للمفاوضات، وثانياً اشتراط التفاوض بحضور مراقبين من الائتلاف الوطني، وليسوا كرداً.

ردّت أطراف عربية ببيانات، تؤكّد على التخوف من الحوارات الكردية، وتعلن صفتها العربية، فقد سمّت نفسها "التحالف العربي الديموقراطي"، وبهدف تمثيل أبناء المنطقة الشرقية. وإذا نرفض كردية المفاوضات، فبالتأكيد نرفض هنا محلية أو إقليمية روح التحالف، حيث يمثل المنطقة الشرقية! وكذلك يتقصد مخاطبة "المجتمع الدولي" وكأنّه جهة سياسية مستقلة بذاتها، ويمثل منطقة مستقلة عن سورية، أو في سورية. هناك بيانات أخرى، تتحرّك في الإطار ذاته. لا يفيد هنا شيئاً القول إن المفاوضات الكردية من أجل موقف كردي موحد، أو أن يقول التحالف إنه يبتغي تمثيل مصالح الجزيرة العربية المغبونة تاريخياً، والتي تتعرّض لمخاطر شديدة من الأميركان والأتراك وروسيا والإيرانيين. المشكلة هنا أن "المهاترات" الكردية العربية تصمت عن تبعيتها للخارج، وتكفر السوري المغاير، الكردي أو العربي. وبالتالي، لا تلمس المبادرات أعلاه المؤشرات الدولية نحو التغيير، وتتحرّك كأدواتٍ سياسية وكأورق قوة لصالح هذه الدولة أو تلك، بينما كان يجب أن تتلمس إشكاليات الهوية الوطنية، والتي تتفاقم منذ أن تسلمت المعارضة والقوى السياسية، العربية والكردية، صدارة تمثيل الصراع في سورية في 2011، وكذلك أشكل النظام الوضع بأكمله، والذي يطيل أمده عبر ذلك.

لم يعد لدى النظام سبب حقيقيّ لإعلان الانتصار، فالمنتصر يكون مستقلاً، وطنيّاً بامتياز، بينما النظام، كلما استعاد منطقة، أصبح أكثر ضعفاً

شكل "إعلان الوطنية السورية" محاولة جادّة لتلمس مشكلات الهوية السورية المنقسمة، وإذ أغمض العين عن تحليل تلك المشكلات أو إشكالية التاريخ المُشكّل استعمارياً لسورية وكل البلاد العربية، فقد ركز انتباهه نحو المستقبل. الإعلان بذلك، يقدّم نفسه إعلانا سياسيّا بامتياز، ويبتغي الترفع عن تلك المشكلات، وتجميع السوريين، المنقسمين بشدّة، وتشكيل قوة سياسية وطنية. هدفه ذاك دفع أصحابه إلى صياغة إعلانهم بلغة تقريرية، كما يشير علي العبدالله في مقاله في "العربي الجديد" والمعنون "إعلان الوطنية السورية .. قراءة نقدية"، وفيه انتقادات مهمة. وكذلك حاول راتب شعبو التطرق إلى الموضوع عينه في مقال في "العربي الجديد" أيضا، بعنوان "إعلان الوطنية السورية بين الوطنية والقومية"، وهناك نقاشات عديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، تتناول الإعلان الذي لم يقدم جديداً يذكر، والأسوأ أنه أهمل قضايا إشكالية في سورية، حيث لم يتصدّ لقضية العلاقة بين العرب وسورية؟ وانتماء الأكثرية السورية للعرب، وكذلك، لم يولِ انتباهاً هاماً لمسألة إسرائيل، ولم يسمّها بالاسم، كيانا عنصريا يحتل الجولان ومناطق عربية عديدة، ويرفض إنصاف الفلسطينيين، وهناك احتلال تركيا أراضي سورية. وضمن ذلك، لم يتصدّ الإعلان، وهو المنشغل بكيفية تشكيل الدولة السورية مستقبلاً، لقضية الاحتلالات، حيث تُجمع أغلبية التحليلات على أن روسيا ستُعطى سورية في أيّة تسويةٍ مع أميركا والدول المتدخلة في سورية.

يحاول الإعلان جاهداً ربط الوطنية بالمواطنة، وكأنّ الأولى هي الثانية والثانية هي الأولى. ولهذا يساوي الوطنية بـ"المساواة الحقوقية، والحرية الفردية، والمشاركة في الشأن العام وحياة الدولة." وروح الإعلان تتحرّك ضمن هذا الحيز. يمكن أن نتفهم ذلك، نظراً إلى التتفيه المبالغ فيه من النظام للمسألة الوطنية، واعتبارها ضد الخارج، ورفض الحقوق السياسية للسوريين. وقع الإعلان في الإشكال ذاته، فتجاهل الخارج، وركّز جلَّ أهدافه ومنطق رؤاه على الداخل. المشكلة هنا أن الخارج لا يمكن تجاهله، والداخل لا يقوم بذاته، وإذا كانت الإعلان يركّز على البعد الوطني للسوريين، وهو محق بذلك، وأن كل مشروع للتغير الوطني الديمقراطي يجب أن يكون بيد السوريين، فإن عدم مناقشة انتماء أغلبية السوريين للعرب، وأن إسرائيل هي من يحتل أراضينا وفلسطين، يعتبر خطأ، وهذا يفترض تصويبه، سيما وأن الإعلان يقدم ذاته، "صيغة متجدِّدة، ومنفتحة على التطور".

شكل "إعلان الوطنية السورية" محاولة جادّة لتلمس مشكلات الهوية السورية المنقسمة

إذاً، هناك ضرورة للنقاش الجاد والدقيق فيما يخص الهوية الوطنية، حاول الكاتب موفق نيربية تلمسه في مقاله "حول ضرورة الوطنية السورية وصعوباتها"، في صحيفة القدس العربي، فركز على قضيتين صراعيتين: العرب والكرد، والإشكال السني والعلوي. إذاً، ورغم أهمية اللحظة الراهنة، وضرورة ملاقاتها، فإن الضرورة ذاتها تستدعي عدم الاكتفاء بإعلان المبادئ، وبالتالي مناقشة مشكلات الواقع، وكيفية النهوض بسورية، المنقسمة وطنياً، والمحتلة خارجياً، والمثقلة بصراعاتٍ تكاد تتجاوز العقد، وفيها مشكلات في غاية التأزم، وتتجاوز المشكلتين أعلاه، لتشمل المجتمع بكل مستوياته. الإعلان بصيغته التقريرية وفقاً للعبدالله، والبيانات أعلاه، تبيّن أنها لم تستجب جيّداً للحالة الراهنة، وتحرّكت ضمن إطار مفاقمة المشكلات، بدلاً من العمل من أجل تجازوها.

القراءات الثلاث للإعلان، أو للمسألة الوطنية، تلمست بعض أوجه مشكلات سورية الوطنية، ولكن هناك قضايا إضافية: أولاً، يجب الربط المحكم بين وجهي الوطنية، فهي تتحدّد بالمواطنة داخلياً، وبكل حقوق الأفراد والمساواة والمشاركة السياسية وللجميع، وللقوميات المختلفة. وخارجياً، هناك الوجه الوطني، وهذا يستدعي رفضاً كليّاً للاحتلالات القديمة والجديدة، وكذلك رفض استمرار الدولة الصهيونية. وينطلق هذا الرفض من أنها قضية عادلة أولاً، وثانياً قضيّةً عربيّة بامتياز، ولا يمكن تفادي الإشارة إليها، ومهما تبحّر النقاش، بالعلاقة بين الوطني والقومي، ولو أقرَّ بضرورة الفصل بينهما، لجهة تطور دولة قُطرية محدّدة، كسورية أو لبنان أو مصر أو فلسطين، وأن المسألة القومية قضية مستقبلية، وتتعلق بخيارات الأفراد الذين يشكلون الدولة، وينظمون ذلك حصراً، عبر الاستفتاءات الشعبية، والديمقراطية. وضمن ذلك، نقول إن الأغلبية السوريّة عرب، وهناك قوميات أخرى، والأخيرة جزء من قوميات أكبر، كالأكراد مثلاً، أو التركمان أو الشركس. القوميات هذه، وبغض النظر عن كبرها أو صغرها معنية بتشكيل دولة سورية حديثة، ورفض أية تنازعات بينها، انطلاقاً من القضية القومية، كأن يؤكد عرب سورية المسألة القومية قبل التحرر الوطني ومبدأ المواطنة، أو أن يؤكد الأكراد تبعيتهم لأكراد تركيا أو العراق، قبل انضوائهم في المشروع الوطني السوري، وهكذا.

قضايا أساسيّة

سورية الآن على الأرض، وهي سوقٌ مفتوح للبازار عليه؛ أي على الرغم من كارثية وضعها وتهجير أهلها، فهي تتعرّض للبيع، نعم للبيع. روسيا التي حاولت، ومنذ سنوات، إغراء أوروبا وأميركا لإعادة إعمار سورية، لا تفكر أبداً بذلك الإعمار وبالتأكيد أوروبا أو أميركا. هنا، كيف يمكن النهوض بسورية؟ سياسياً، هناك شكل واحد للحكم، وهو الديمقراطية، ولا يجوز اللعب فيه بأية حالٍ، وتشكل مسألة الدستور مدخلاً دقيقاً لها. ولهذا هناك نقاشات متعددة، حول بنود الدستور، وكيفية تجاوز البعد الطائفي فيه، وتأمين مصلحة كل السوريين وحقوقهم، بغض النظر عن تمايزاتهم، القومية، والجنسية، والدينية، وسواه. ليست المسألة بسيطة، ولا يجوز التفاضل بأية قضية من هذه التمايزات. وبالتالي، الأساس فيها هو المواطنة، وشرعة حقوق الانسان، وأن يستقي الدستور والقوانين منهما كل البنود والفقه القانوني بأكمله. لا يكفي هنا القول بإعلان دستوري فوق الدستور، أو بمرحلة انتقالية لها دستورها وقوانينها، ولو كان الأمر مقبولاً في بدايته، فإن الأساس يظلُّ ما جاء أعلاه.

المبادرات التي تنطلق من المحلي: الجزيرة، الأكراد، الطوائف، العشائر... لا تفيد سورية والسوريين بشيء

لا يحتمل وضع سورية الراهن مشاريع اقتصادية فاشلة، أو تتبع أهواءٍ عقائدية، تنطلق من اللبرلة، كما طُرحت في سورية. والسوق يطوّر نفسه بنفسه، وكفّ يد الدولة نهائياً، ووظيفة الأخيرة رعاية نمو السوق! هذه "كوارث"، حيث الدولة لم تهمش إطلاقا في أوروبا وأميركا، ولعبت الدور الرئيسي في إنقاذ البنوك والشركات الكبرى من الإفلاس، سيما في 2008، وحالياً في مواجهة فيروس كورونا. وبالتالي، وفي حالة سورية، يصبح من العبث بمكان القول بالحرية الاقتصادية. إن دولة كسورية أو العراق أو لبنان، وغيرها، تحتاج إلى رؤيةٍ اقتصاديّةٍ وطنية، تتحدّد فيها القطاعات الاقتصادية الأساسية ونقصد التصنيع العام، وبكل أشكاله والزراعة أولاً، وأن تجبر رؤوس الأموال على تمويل هذه المشاريع بالتحديد، وليس العمل بالبنوك أو الفنادق أو السياحة مباشرة، وأن يكون العمل بهذه القطاعات بما يخدم القطاعات الاقتصادية، ثانياً. هذا ليس شطباً للبرلة، بل تحديداً للمجالات الاقتصادية التي يجب أن تعمل فيها، وسعياً إلى النهوض بالوضع العام. البدء بتلك القطاعات يسمح بتطوير الثروات الباطنية، وتقليل الاعتماد على الخارج في المواد الأوليّة، وتشغيل أكبر القطاعات الشعبية، وإيجاد تشابكات اجتماعية جديدة، كالنقابات والقوى المجتمعية العابرة للمجتمعات المحلية. الخسائر في الاقتصاد أصبحت تتجاوز أربعمائة مليار دولار، وتجربة البنوك الدولية، وسياساتها في الدول المديونة، تقود إلى التبعية وتفكيك الاقتصاد المحلي، وتوجيه قطاعات منه نحو التصدير، وإلغاء المكتسبات الاجتماعية لأغلبية المواطنين، وتفكيك المجتمع وفقاً للهويات ما قبل الوطنية، ولهذا فالرؤية الليبرالية يجب أن تستند إلى المصلحة الوطنية للأغلبية ولكيفية النهوض بالاقتصاد.

.. لسنا ضد أيّة مشاريع اقتصادية ليبرالية أو من دولتية أو من الخارج، شريطة أن تتحدّد لها القطاعات الاقتصادية، ورفض أية مشاريع لا تتناسب مع مصالح الأكثرية الشعبية وحقوقها.

وهناك قضية سياسيّة، وتتعلق بشكل الدولة، والبيانات أعلاه، والصراعات الكردية العربية، تقود إليها، وهناك من المحللين السوريين أو المنشغلين بالوضع السوري من يستسيغ الفيدرالية، وأنها وحدها الشكل المناسب للدولة، وعلى أرضية تهميش المركز، وتوسيع حقوق المحافظات، وأن ذلك سيتيح تمثلاً أدقّ للمحافظات، وتوزيع الثروة. بوضوح أقول: هل يمكن مقارنة وضع مدينة كدير الزور باللاذقية مثلاً، أو حمص بالحسكة أو طرطوس، وهل يمكن مقارنة ثروات دير الزور بثروات درعا. القضية غير ممكنة، ولو أضفنا الدمار الكبير لهذه الدولة أو تلك، فإن طرح الفدرلة يصبح كارثةً حقيقيّة. وعدا ذلك، ليست سورية في حالة تطوّرٍ كبير، ليتم البحث عن أفضل أشكال العلاقة بين العاصمة والمحافظات، بل هي في أسوأ حالاتها وعلى مختلف الأصعدة. وبالتالي، يكون مفهوم اللامركزية الإدارية، والذي يتضمن المركزية وتوسيعا أكبر لحقوق المحافظات. الأفضل، ويتيح مركزية كبيرة للعاصمة في تحديد كيفية النهوض، وتوزيع الأموال والثروات على كل المدن.

لا يحتمل وضع سورية الراهن مشاريع اقتصادية فاشلة، أو تتبع أهواءٍ عقائدية، تنطلق من اللبرلة، كما طُرحت في سورية. والسوق يطوّر نفسه بنفسه، وكفّ يد الدولة نهائياً

هناك مشكلة هنا، وتتعلق بسؤال الهوية، وكيف سيتم ضمان حقوق الأكراد أو العرب في شرق سورية، وقد ظلموا تاريخياً، ولم يستفيدوا من ثروات النفط والماء والقمح والقطن..، الموجودة في مدنهم بشكل رئيسي. الحقيقة المرّة أن تلك الثروات استفادت منها السلطة فقط، بينما نالت كل المدن السورية نصيبها الكامل من التهميش، وبقدرٍ متفاوت، ولهذا أسباب كثيرة، وليس قائماً على تطوير هذه المدن أو تلك. الفدرلة في حالة سورية تقود إلى صراعات قومية ومناطقية. الإشكالية هنا أن هناك اختلافات حقيقية، وكبيرة، وقديمة وتجدّدت بعد 2011، وبالتالي فإذا كان المطلوب من عرب سورية ضمان حقوق الأكراد وعبر حقوق المواطنة، أي الاعتراف الكامل بحقوقهم، وهذا ما تفعله أيّة قومية كبيرة في بلد ما، وتسعى نحو النهوض، فيصبح عل الكرد أن يعودوا إلى المطالبة بالمواطنة المتساوية، وليس "النط" إلى الفدرلة أو حق تقرير المصير. يتطلب بناء وطنٍ أو بلدٍ موحد نقاشاً دقيقاً في هذه القضايا. الدستور هنا يجب أن يكون واضحاً بما يتعلق بالفدرلة والمواطنة وشرعات حقوق الإنسان، وبحقوق القوميات.

الآن، وإضافة للمبادرات الجديدة، هناك الاتصالات الروسية مع معاذ الخطيب. والرجل رجل دينٍ ودمشقيٍّ وسنيٍّ، وهي رسالة قوية إلى المجتمع السوري، حيث رفض الروس من قبل أيّ شكلٍ للحكم خارج الشكل الحالي. أيضاً، هناك مشروع روسي لوحدة سورية الوطنية، ويجمع فيه الطوائف والأعراق والعشائر السورية. مشكلتنا مع المعارضة السورية، أنها لا ترفض هكذا خيار، وقد شكلت مؤسساتها وفقاً له، وهذا أولاً، وثانياً، غياب الجذرية لديها، وعدم قدرتها على رفض التوافقات الدولية، وضعف رؤاها الوطنية لكل مشكلات سورية. مقدّماتٌ كهذه، وفي حال شعرت المعارضة بجديّة الروس، فستوافق على معاذ والوحدة السورية "الطائفية والعرقية" وهذا سيؤسس لدولة سورية أكثر فشلاً بالضرورة، ومثالنا هنا لبنان أو العراق.

شخصيات سياسية كمعاذ الخطيب أو سواه، يمكن أن يكونوا واجهة انتقالية في شكل الحكم، وبما يقود إلى تبوّؤ شخصياتٍ أكثر درايةٍ بمشكلات الوطن وكيفية النهوض به، ومن كافة النواحي، ولكنّ المبادرات التي تنطلق من المحلي: الجزيرة، الأكراد، الطوائف، العشائر، لا تفيد سورية والسوريين بشيء، وتعمق مشكلاتها، وبالتالي هناك ضرورة لإعلانات جديدة، وتنطلق من الوطنية، وتوسع من مرتكزاتها وأوجهها، وتعمل من أجل مصالح الأغلبية السورية، وكائنة من كانت، وتتجاوز حكاية معارضة وموالاة.

لم يعد ممكنا إعادة إنتاج النظام الحالي أو إصلاحه، وما يجري حالياً من مفاوضاتٍ دوليّة وإقليميّة، هي بقصد البحث عن تسوية لتفكيكه، وضمان مصالح الخارج، وخلق أدواتٍ سورية تابعة لها، فهل يعي السوريون خطورة اللحظة الراهنة، ويتجهون نحو مشروعٍ وطني ديمقراطي، لا يسمح بوجود نظامٍ تابعٍ وهشٍّ ومسخٍ عن أنظمة العراق وسورية.

===========================

السياسة الأميركية وقانون قيصر

عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 7/7/2020

اشترطت السياسة الأميركية في سورية، أخيرا، ولتسهيل الحل السياسي، ربطه بقرار مجلس الأمن 2254، وبخروج إيران من سورية، ودعم إشراف روسيا على سورية، ومحاربة بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ودعم قوات سورية الديمقراطية (قسد) وحزب الاتحاد الديمقراطي (البايادي). وبخصوص تركيا، مكّنت أميركا تركيا في شرق سورية، ودعمتها في إدلب، وكذلك في ليبيا. وأميركا بذلك تدعم تركيا من ناحية وروسيا من ناحية أخرى؛ فالأخيرة أيضاً أصبحت شرق سورية، ومكّنتها من قبل، استعادة درعا.

ليس جديداً هذا، ولو شاءت غيره أميركا لفعلت. ولنتذكّر حينما لوّحت بتدخلٍ عسكريٍّ ضد الجيش السوري في لبنان، فخرج مولياً الأدبار، وكذلك حينما صعَّدت ضد الأسلحة الكيميائية، فسلّمها النظام السوري فوراً. أميركا التي استقر وجودها في شرق سورية، ولم تعد تتأرجح بين مغادرة سورية والبقاء فيها، اقتنعت بأن البقاء في سورية لا يكلفها شيئاً يُذكر، ويسمح لها بمراقبة كل من تركيا وإيران وروسيا ذاتها، وفي الوقت نفسه، تعطي لكل هذه الدول ولسواها الوقت الطويل لتتصارع، وتتهالك! وتستقرّ في مشكلاتٍ لها أوّل وليس لها آخر. لنلاحظ حال إيران المفلسة، وهي تغوص في مستنقعات العراق وسورية واليمن ولبنان وحتى غزة، وكذلك لنلاحظ تركيا التي رفع ترامب عنها العقوبات، كيف تتقدّم في سورية وليبيا والعراق، على الرغم من أن عملتها تعاني بشدّة، والخلافات السياسية الداخلية تتعقد أكثر فأكثر، والأمر ذاته يسري على السعودية والإمارات، وبالتحديد في اليمن وليبيا، وهما تحاولان دعم النظام السوري و"قسد" و"البايادي".

مصلحة أميركا في تدمير سورية كما فعلت في العراق، وهذا سبب مركزي لصمتها عما حدث في سورية، منذ 2011 خصوصاً

تراقب الولايات المتحدة المشهد بأكمله، وتدعم هذه الدولة أو تلك، وتورّطها هنا وهناك، وتستنزف اقتصاديات هذه الدول، وفي النهاية: ماذا سيحصل؟ لن تتمكّن أيٌّ منها من الاستيلاء على اليمن أو ليبيا أو سورية. علينا التمهل في فهم أبجديات سياسة أميركا هذه جيداً، والآن يأتي قانون قيصر ليضيف أداة ضغطٍ جديدة على دول المنطقة، وليس على النظام السوري فقط، ذلك أن آثار القانون تتعدّى الشعب السوري، لتشمل المنطقة بأسرها. سيتأثر النظام بالضرورة، فهو سيختنق بدرجةٍ كبيرة، سيما أنه لا يساعد نفسه من أصله، حيث يتشدّد ضد كل أفراد الشعب السوري الذين خارج سيطرته ومن تحت سيطرته، فهو لا يسمح بإعادة الإنتاج الزراعي في الغوطتين مثلاً، وفي درعا أيضاً، كما كانت من قبل.

إفلاس خزينة الدولة السورية، وضعف الإنتاج، والضغطان، الروسي والإيراني، عوامل ستجعل من قانون قيصر الذي يعطي لأميركا الحق بمراقبة كل صلاته الخارجية، وبين مناطقه والمناطق الواقعة تحت سيطرة "قسد" أو تركيا، عاملاً رئيسياً لمفاقمة الوضع الاجتماعي وبنية السلطة كذلك، وستشكل عاملاً ضاغطاً على روسيا، للتفكير مليّاً بخياراتها التحالفية مع إيران، أو مع الشخصيات الرئيسية في النظام السوري. لا قدرة للروس على مواجهة قانون قيصر، وكل السياسة الأميركية في سورية، وهذه السياسة أصبحت مستقرة، وبالتالي أصبح من اللغو بمكان أن يكرّر الروس أنهم شرعيون في سورية وسواهم محتل! يدعم هذه الفكرة أن روسيا ذاتها أقرّت لتركيا بمناطق واسعة في سورية، وتنسق مع الأميركان بشكل حذر في شرق سورية، وهي ذاتها من تسمح لإسرائيل بقصف المواقع الإيرانية في سورية. وبذلك، بعد أن حددت الولايات المتحدة سياساتها في سورية، يقع على روسيا الضعيفة أن تتقدّم بمبادرةٍ تتجاوز ثرثرات اللجنة الدستورية، أو إبقاء الوضع في الثلاجة إلى الانتخابات الرئاسية في سورية 2021، أو "مكابشة" أميركا في سورية، وتجاهل آثار قانون قيصر، وقطعه العلاقات الخارجية مع النظام السوري، وهذا يشمل لبنان والعراق والإمارات والأردن وسواها.

تدير أميركا الصراع، ولم تعد تفكر بالانسحاب، وهي تترك للدول المحيطة بسورية الفرص لتوسيع سياساتها هنا وهناك

لنفترض أن الروس، وعلى عادتهم، رفضوا الذهاب إلى تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، كما يرغب ويكرّر الساسة الأميركيون، وأن ذلك هو حبل الخلاص لهم، وبدونه فإن قانون قيصر لن يُعلق، وعقوباته ستفاقم الوضع، والروس سيتورّطون في أرض سورية وقد أصبحت مستنقعاً، وهو ما قاله المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري. وقد قرّب الرفض الروسي الشروط الأميركية للتغيير في سورية، ومنذ سنوات، بين تركيا وأميركا، وأجبر روسيا على الاعتراف لتركيا بدورٍ مركزيٍّ في سورية، والآن في ليبيا، وإذا استمرت روسيا في الرفض، فقد تخسر حتى ما حصلته من النظام السوري ذاته، وبالطبع سيطرد السوريون الروس في المستقبل. المشكلة هنا أن نتائج الرفض الروسي ستزيد معاناة السوريين، داخل سورية وخارجها. في الداخل ستتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بشكلٍ مهول، سيما بعد عشر سنوات من الفشل، وبعد إبعاد رامي مخلوف عن الاقتصاد والنظام، وتهديده بأن الاقتصاد سينهار وهو ما يحدث الآن، وبالتدريج.

تدير أميركا الصراع، ولم تعد تفكر بالانسحاب، وهي تترك للدول المحيطة بسورية الفرص لتوسيع سياساتها هنا وهناك، وكي تتورّط وتغرق في المشكلات، وهي جميعها فاشلة وطنيّاً. ولهذا أسبابه المحلية والعالمية، والقضية لا تُفسّر بآثار كورونا أو انخفاض سعر النفط فقط، حيث تأثرت اقتصاديات الدول بهما، إنما تكمن في سياسات أميركا الشعبوية، والصراع مع الصين، والتأزم الكبير في الاقتصاديات العالمية والسياسات العالمية. دلالة ذلك، يمكن رصده في مراقبة الخلافات بين أميركا وأوروبا، وبين أميركا وروسيا، وبين أميركا والصين، وهكذا.

هل يغير بوتين من سياساه، وقد أحكمت أميركا الخناق عليه في سورية، وأعطته إمكانية رفع الحبل عن عنقه، وضمها إلى إمبراطوريته؟

الوضع الاقتصادي والاجتماعي السوري متدهور بشدة، ومنذ سنوات، وهناك تدخل روسي إيراني كبير في البلاد، وفي تفاصيل السلطة السورية، ويشمل ذلك الجيش والأمن، وحتى مؤسسة الرئاسة. وإذا كانت روسيا تحاصر إيران وبالتدريج، فإن المطلوب أميركيا إخراج إيران من سورية. يخوض الروس معركتهم مع إيران بالتدريج في سورية، وفعلاً يستولون على مناطق واستثمارات كثيرة، وأصبحوا اللاعبين الأكبر في التفاصيل أعلاه. وبالتالي، في مقدور روسيا أن تستجيب للشروط الأميركية، والتي من ضمنها تسليم سورية لها! وبالتالي هل تعي روسيا الشروط المعقدة التي حاكتها لنفسها في سورية؟

القيصر الأميركي في مواجهة القيصر الروسي، وهذا يفاقم معاناة الشعب السوري التي تعلمها جيداً أميركا، بل مصلحتها في تدمير سورية كما فعلت في العراق، وهذا سبب مركزي لصمتها عما حدث في سورية، منذ 2011 خصوصا. ولم تتدخل إيران أو حزب الله أو روسيا أو تركيا في سورية إلّا بغطاءٍ أميركي. وعلى الرغم من التراجع النسبي لسيطرتها على العالم، ما تزال أميركا تدير الصراعات فيه، إن لم نقل تقودها. في سورية، ومع قانون قيصر وقبله، كل سياسات أميركا، وبدءاً بمنع إسقاط النظام، أو عدم تسليم المعارضة سلاحاً مضاداً للطائرات، وما ذكر أعلاه، نقول تلك السياسات، كان غرضها تدمير سورية، وعلى المستويات كافة. قانون قيصر يفاقم مأساة سورية، ويعطي للأميركان ورقة جديدة، للضغط على دول المنطقة وابتزازها أكثر فأكثر، حيث ستضطر كل دولة تتعامل مع النظام السوري أو مجاورة له، وتقيم علاقات تجارية معه بموضوع الأدوية أو الأغذية وسواه، أن تأخذ الأذن من الأميركان تحديدا.

الكرة عند بوتين، فهل يغير من سياسات دولته، وقد أحكمت أميركا الخناق عليه في سورية، وأعطته إمكانية رفع الحبل عن عنقه، وضمها إلى إمبراطوريته؟. لنرَ.

===========================

طفح الكيل؛ وأزِفَ الحساب!!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 6/7/2020

لعل إحدى تجليات الكوميديا السوداء في المأساة السورية هو تعامل ما يُسمّى بالعالم "المتحضر" مع الضحايا السوريين الأبرياء من منطلق "أبناء الست، وأبناء الجارية" مقارنة مع نظرائهم اليهود الذين قُتلوا في معسكر "أوشفيتس"؛ حيث أصبحت محارق اليهود "الهولوكوست" لازمة الشعراء يستحضرها العالم الغربي؛ بينما مآسي السوريين غير المسبوقة في التاريخ هي من المنسيات في أذهان وضمائر من يدعي حرصه على الإنسانية.

لقد لاحق اليهود رجالات النازية وعملاءها وأدواتها وكل مَن تحالف معها في أربع أصقاع الأرض. هناك مَن بلغ التسعين من عمره؛ وكان مع النازية؛ واستطاعت الأيدي الصهيونية من الوصول إليه، والاقتصاص منه. وحتى هذه اللحظة، يستمر ابتزاز ألمانيا بمئات ملايين الدولارات إثر تلك الفعلة.

حَدَثَ ذلك رغم أن ما حصل لليهود على يد النازية، و"الهولوكوست"-المحرقة- التي حلّت بهم؛ يكاد يكون تفصيلاً مقارنةً بما حلّ بالسوريين. أكثر ما يلفت الانتباه بالقصة السورية، والموقف العالمي تجاهها على صعيد إعلامي وسياسي؛ هو أنه حتى أعمق وأقسى التوصيفات لما تعرّض له السوريون، لم تستخدم عبارة "هولوكوست"؛ وكأن هذا التوصيف محتكرٌ حصراً لليهود، ولا يحق حتى لمن عاشوه أن يستخدموا العبارة؛ علماً أن "المحرقة" التي ولّدت العبارة قد عاشها السوريون مرات في أفران صيدنايا على يد نظامهم الذي يحمل هويتهم. ولا ندري إذا أوحت الخمس وخمسون ألف صورة لسوريين قضوا تحت التعذيب خلال أقل من عامين فقط، بشيء يشبه الهولوكوست! ماذا عن الآلاف في السنوات السبع الماضية؟ هل دامت أفران حرق اليهود تسعة أعوام؟ هل تشرد من اليهود اثنا عشر مليون إنسان؟ هل دمرت النازية النسيج الاجتماعي اليهودي؟ هل استدعى هتلر ميليشيات من كذا دولة لقتلهم؟ هل استدعى احتلالين بطائراتهم وفرق قتل متخصصة لسحقهم؟ والسؤال الأغرب؛ ماذا إذا ثَبُتَ أن أحفاد من قضوا في الهولوكوست من اليهود كانوا جزءاً من حماية من ارتكب الهولوكوست السوري بشكل مباشر أو غير مباشر؟ هل يقلل ذلك من قيمة الهولوكوست على يد هتلر، ويدعو للشك به؟ حقيقة لا نريد أن نصل إلى ذلك؛ وما نتطلع إليه ليس إلا الإنصاف والعدالة.

باختصار الهولوكوست السوري لا يقل اطلاقاً عن ذاك الذي أصاب اليهود؛ بل يفوقه بالتأكيد؛ ولكنه لم ينل الانتشار والزخم الذي ناله. يبدو أن الفرق الأساس بينهما يكمن بردة فعل من لحقهم الهولوكوست؛ فكما ذكرت أعلاه اليهود يلاحقون النازيين حتى الآن. ومن هنا على السوريين أن يبدؤوا من الآن بالتفكير بمقاصصة مرتكبي الهولوكوست بحقهم، أكان ذلك المجرمون المباشرون أم أولئك الذين مدوا يد العون لهم. فكما تم إحصاء وتحديد 283 شخصية مجرمة من منظومة الأسد، لا بد من تحديد تلك الجهات الإيرانية والحزبلاتية والروسية التي ساهمت بارتكاب الهولوكوست السوري. لقد استكبرت حقائق التاريخ الكبرى على حكام الكرملين وقُم، الذين يؤمنون بشريعة الغاب لدرجة أنها أعمت بصرهم وبصيرتهم، حيث يعتقدون أن قوتهم التي راكموها بتعسفٍ على حساب رفاهية شعوبهم تخولهم أن يعاقروا القتل العشوائي ضد المدنيين السوريين العزل؛ وأن يتفاخر قادة جيوشهم علناً وتقيّة بأن أجساد السوريين كانت دريئة لاختبار ترسانة أسلحتهم.

لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن التوثيق في عصر العولمة لن يترك جرائمهم تُسجل ضد مجهول، بل إن كل أفعالهم الشائنة بحق أطفال سوريا قد دخلت في سفر الإجرام، ولن تسقط عقوبته بالتقادم. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما ارتُكِبَت مجزرة حماة عام 1982 لم يسمع العالم الخارجي بتفاصيلها الاَّ بعد مرور زمن طويل على ارتكابها؛ بينما يتم الآن النقل المباشر للمجازر الجماعية التي يقترفها المحتلون الروس والإيرانيون بحق الشعب السوري. فهل يعتقد هؤلاء أنهم ناجون من القصاص للدم السوري الذي سفكوه بأعصاب باردة.

على هؤلاء أن يتذكروا أن ذاكرة الشعوب لا تنسى، وأن القصاص قادم؛ وأن أبناء السوريين الذين قضوا على يد هؤلاء السفاحين سوف تلاحقهم وأجيالهم، ولن يجدوا جحوراً في الأرض تتسع لستر ما اقترفت أيديهم بحق الشعب السوري؛ ولتتذكر منظومة الاستبداد وهؤلاء "المؤازرين" أن لهم عبرة برموز النازيين الذين قتلوا اليهود، حيث لم تستطع مجاهل أميركا الجنوبية أن تنجيهم من انتقام ضحاياهم.

أخيراً، بعد الخيبات التي أصابت السوريين، وبعد أن خذلهم الجميع، وبعد أن أشاح هذا الجميع بطرفه عن منظومة إجرامية فعلت بسوريا وأهلها ما فعلت؛ مبرر للسوريين أن يشعروا باليأس والإحباط؛ مبرر لهم أن يتجرعوا الغصّة وراء الغصة؛ مبرر لهم أن يلعنوا كل شيء بعد رؤية فلذات أكبادهم أكوام عظام بعد أمل الانتظار الذي تبخر. إنه الامتحان الأغرب والأكثر بؤساً وهولاً. عزاؤهم الصبر والإيمان والعمل الدؤوب؛ فما من حق يموت، ووراءه مطالب، وأن ما ارتُكب بحقهم لا يسقطه التقادم أو النسيان أو الاتفاقات؛ فالعدالة قادمة، ولو طال الزمن. كل فعل مُسَجَّل؛ وما عند الله إلا العدل؛ وما على صاحب الحق إلا أن يسعى. نيرون مات، وروما باقية؛ كسرى انتهى، وإيران بقيت؛ وهتلر رحل، وألمانيا منارة؛ ودكتاتورية السوفيت تبخرت، وروسيا بقيت؛ وشاوشيسكو دعسه أهل الثوار، و رومانيا عاشت؛ وكل من استباح سوريا من الداخل ومن الخارج، لن يكون مصيره مختلفاً.

===========================

كم بقي من "أستانة"؟

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاثنين 6/7/2020

أُعلن بداية شهر يوليو/ تموز الجاري عن مؤتمر قمة ثلاثي يجمع رؤساء دول مثلث تفاهمات أستانة (يناير/ كانون الثاني 2017)، فعقد قادة كل من روسيا وتركيا وإيران لقاءً (عن بعد) يحافظ على توصيات منظمة الصحة العالمية بالتباعد، للتباحث مجدّدا في القضية السورية.. توقفت العملية السورية الروسية العسكرية عند حدود منطقة سراقب، وفشل تسيير الدوريات على طريق جسر الشغور اللاذقية، وهدأت الجبهة إلا من انتهاكاتٍ متقطعةٍ لم تُحدِث فرقا عسكريا محسوسا، بما يعني أن الوضع حول إدلب قد وصل إلى مرحلةٍ تشبه الركود، وحدث تثبيتٌ مؤقتٌ للحدود، استرخت فيه القوات على الجبهات، ونشطت داخليا، ففتحت الفصائل الإسلامية الموجودة في إدلب جبهات مواجهةٍ ضد بعضها، مستفيدة من الظرف الحالي، وبعض هذه المجموعات ترغب في توسيع نفوذها ضمن المنطقة.. الالتفات إلى الداخل لم يكن حكرا على إدلب، فقد بدأ النظام أيضا يسوّي بعض الأمور في مناطقه، وبين أقرب رجالاته، وغيَّر حكومته، بعد أن فطن إلى أن وضعه الاقتصادي يتدهور باضطراد، وتوحي هذه التحرّكات بشعور النظام والمعارضة المسلحة في إدلب بتثبيت الحدود، في الوقت الحاضر على الأقل.

يعطي البيان النهائي الصادر عن القمة الثلاثية لأطراف "أستانة" شعوراً بأن هؤلاء غير متعجلين لإحداث فارق جوهري في الوضع السائد حاليا، ولكل طرفٍ أسبابه الخاصة، فلدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استحقاق تغيير دستور بلاده، وتكريس نفسه قيصرَ لروسيا، وهو بحاجة إلى وقت ليجعل الشعب الروسي يبتلع مادته الدستورية الجديدة. وتركيا تركز اهتمامها باتجاه ليبيا. أما إيران فيلزمها وقت طويل لتلعق جراحها بعد التفاقم الكبير لمرض كورونا وتفشّيه الفادح في مدنها، الأمر الذي أسهم في تدهور اقتصادها مجدّداً، ولكن بيان الدول الثلاث عكس رغباتٍ كامنة لكل دولة عبّرت عنه بطريقة واضحة أو مستترة، فأرادت أن ترسل رسالة ما، أو تكرس موقفا.. دان البيان هجمات إسرائيل على سورية، كما رفض استيلاء أميركا على النفط السوري، فروسيا تعتبر ذلك تعدّياً أميركيا على موردٍ تعتقد أنه من حقها، وتلمح تركيا إلى رفضها للتحالف الأميركي مع الكرد، وهم الجانب المسيطر على النفط والمكلف بحمايته. وكرّر البيان كل كلاسيكيات البيانات السابقة، مع التأكيد على الحفاظ على الوضع هادئا، وهو البند المهم الذي يجعل المنطقة أقل سخونة.

أخذ مسار أستانة على عاتقه حل الصراع، خصوصا أنه يضم الأطراف الفاعلة الثلاثة على الأرض، واكتفت أميركا بالمراقبة من بعيد، ولم تبدِ رأيا قاطعا فيه، لكنها تؤكّد مرارا على تمسّكها بالحل الدولي.. التجمع الثلاثي لم يبدُ جادّا تجاه المسألة السورية برمتها، بل كان اهتمامه منصبّا بقدر أكبر على وضع الشمال السوري، وكل إنجازاته الفعلية كانت اتفاقات وتفاهمات حول مدينة إدلب. أما مؤتمرات السلام التي عقدها النظام والمعارضة تحت رعاية أستانة فلم تحرز شيئا، على الرغم من أنها تكرّرت عدة مرات، من دون وجود لأميركا ولممثلي الأمم المتحدة.

قد تعاود أطراف أستانة اللقاء، ولكن المسار نفسه أضحى من الماضي، ولم يعد أمام الأطراف الثلاثة إلا إنجاز الوضع النهائي لمدينة إدلب، وهو استحقاقٌ يمكن تسويته من دون الحاجة إلى ذكر مسار أستانة نفسه، وقد يكون تعيين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مبعوثه إلى سورية، جيمس جيفري، في أغسطس/ آب الماضي، إشارة إلى أن هذا المسار الذي جرّبت فيه روسيا كسب الوقت لم يعد فعالا، ولكنها محاولة أميركية، كانت متردّدة، وما زالت، للقول نحن هنا، مع الحرص على إبقاء أوراقٍ في يدها يمكن أن تُحدِث تغييرا.

===========================

روسيا وسلاح المعابر في سورية

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 6/7/2020

لم تكن مطالبة روسيا الأمم المتحدة بإغلاق معبر السلام الحدودي مع تركيا إلا خطوة أخرى ضمن سياق الحرب الإنسانية المضادة في الشمال السوري. استغلت موسكو تقريراً صادراً عن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، كشف أن المعبر شهد دخول 593 مركبة محملة بمساعدات إنسانية خلال شهري إبريل/ نيسان ومايو/ أيار الماضيين، في حين دخلت 2553 مركبة عبر باب الهوى خلال الفترة ذاتها. ولا يتعلق الأمر بطبيعة الحال بمدى نجاعة معبر باب السلام أو عدمها، بقدر ما يتعلق بلعبة ضغط سياسية تمارسها روسيا من البوابة الإنسانية. ويمكن وضع الطلب الروسي بإغلاق المعبر ضمن سياقين:

الأول، خاص بتركيا، في خطوة لممارسة ضغوط على أنقرة، وتوجيه رسالة روسية بأن قادة الكرملين قادرون على تهديد المصالح التركية، ليس على المستوى العسكري فحسب، بل أيضاً على المستويين الاقتصادي والإنساني، وجعل تكلفة الوجود التركي في الشمال السوري مرتفعة، خصوصاً في هذه المرحلة والمراحل المقبلة، مع دخول "قانون سيزر" حيّز التنفيذ، واستبدال العملة السورية بالعملة التركية في شمال غربي البلاد، الأمر الذي أدّى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار السلع الغذائية الأساسية.

سيؤثر إغلاق معبر السلام بشكل سلبي على مناطق عمليتي "درع الفرات" التي تضم أعزاز والباب وجرابلس وأريافها و"نبع السلام" التي تضم البلدات بين تل أبيض شمال غرب الرقة ورأس العين شمال غرب الحسكة، وستحدث فجوة كبيرة بين الإغاثة والاحتياجات الإنسانية الضرورية. وسيؤدّي هذا الأمر إلى رفع تكاليف عمليات النقل من باب الهوى إلى ريف حلب الشمالي، ومن ثم إلى شمالي الرقة وبعض مناطق في الحسكة.

تعي روسيا أن إغلاق معبر اليعربية ـ ربيعة الأقل تكلفة وسهولة في نقل المساعدات، وإغلاق معبر باب السلام مع رفضها سابقاً فتح معبر تل أبيض، سيضع الأتراك أمام مأزقٍ وتكلفةٍ كبيرين.

السياق الثاني، وهو أعمّ، مرتبط بمحاولات روسية خنق إدخال المساعدات الأممية إلى عموم الشمال السوري، من أجل وضع الأمم المتحدة أمام خيارين: قطع عمليات الإمداد الإنسانية الجارية والتسبب بكارثة إنسانية، أو القبول بالمطلب الروسي المتمثل بأن يكون النظام السوري بوابة العبور الرسمية للمساعدات الأممية إلى كل الأراضي السورية، سواء الخاضعة لسيطرة النظام أو لسيطرة المعارضة أو لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. ولذلك، أصرّت موسكو خلال جلسات مجلس الأمن السابق والقرارات الدولية ذات الصلة على نقطتين: رفض استخدام عبارة إدخال المساعدات، واستبدالها بعبارة تسليم المساعدات، وعبارة تسليم تعني أن ثمّة طرفاً داخلياً تناط به مسؤولية تسلم المساعدات. وفي الحالة الروسية، لا يوجد سوى النظام السوري، أي أن المساعدات الإنسانية يجب أن تسلم للجهات التابعة للنظام. موافقة النظام السوري المسبقة على دخول المساعدات الإنسانية، وموافقته المسبقة أيضاً على تحديد المعابر التي ستسلم من خلالها المساعدات.

لا يتعلق الضغط الروسي من أجل شرعنة النظام فحسب، ولا يتعلق أيضاً بمنح هذا النظام ورقة ضغط على مناطق سيطرة المعارضة فحسب، بل للمسألة أبعاد اقتصادية مهمة، فالمساعدات الأممية تشكل عامل استقرار اقتصادي بالغ الأهمية في الداخل السوري، لجهة توفر السلع الأساسية، ولجهة استقرار أسعار السلع الغذائية التي تنتج داخل سورية.

وتساعد المواد الإغاثية بمناطق النظام السوري، في تخفيض الأسعار وتقليل الواردات، ما يؤدي إلى انخفاض الحاجة إلى العملة الصعبة، وبالتالي تحسين الاقتصاد، ولو بشكل بسيط. وفضلاً عن ذلك، تساهم المساعدات الإغاثية في توفير جزء من القطع الأجنبي، وقد اعترف بشار الأسد بذلك العام الماضي.

من أجل ذلك، ترفض الولايات المتحدة الاستجابة للمطالب الروسية، خصوصاً بعد دخول قانون قيصر حيز التنفيذ، فلا يعقل أن تتحول الأمم المتحدة إلى منصةٍ لدعم النظام اقتصادياً، وتمكينه من التحكم بمصير المساعدات للشمال السوري الخارج عن سيطرته.

أمام هذا الوضع، ثمة عدة خيارات: قبول الأمم المتحدة والولايات المتحدة بالمطالب الروسية، خصوصاً أنه لا توجد مؤشرات على إقدام الولايات المتحدة على تجاوز مجلس الأمن حيال هذه المسألة، ويبدو أن هذا الخيار هو الأكثر ترجيحاً في هذه المرحلة.

ذهاب الأمم المتحدة إلى إيقاف إدخال المساعدات بشكل عام سيؤدّي إلى كارثة إنسانية كبرى، وقد حذّرت الأمم المتحدة من أن الفشل في تمديد التفويض لإدخال المساعدات الإنسانية إلى السوريين عبر الحدود سيقطع عمليات الأمم المتحدة الجارية حالياً. ولكن هذا الخيار لا يبدو متاحاً الآن مع ارتفاع أسعار السلع الغذائية بشكل جنوني في سورية من جهة وفي ظل الانتشار التدريجي لفيروس كورونا من جهة ثانية. وهناك خيار ذهاب الأمم المتحدة، بدعم أميركي، إلى إدخال المساعدات من معبر اليعربية/ ربيعة والمعابر التركية، في تجاوز للفيتو الروسي، لكن هذه الخطوة قد تعرّض القوافل الإنسانية لخطر عدوان من روسيا أو النظام السوري، ولا يبدو هذا الخيار متاحاً الآن، لكنه قد يكون ممكناً في مرحلة لاحقة.

===========================

أطفال سوريا: ضحايا وقتلة!

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 6/7/2020

من المؤكد أن ظاهرة تجنيد الأطفال في التشكيلات والجماعات المسلحة، ليست ظاهرة سورية جديدة. وإذا كان لي أن أشير إلى أحد أزمنة بروزها، فمن الممكن العودة إلى أواخر السبعينات، التي شهدت صراعاً دموياً بين نظام الأسد والجماعات الإسلامية المسلحة، والتي انتهت بكارثة، ما زالت بعض آثارها حاضرة حتى اليوم في واقع السوريين.

تجسدت الظاهرة في تلك الفترة في تجنيد طرفي الصراع أطفالاً ويافعين في تنظيماتهم وميليشياتهم المسلحة، وكان من الطبيعي ملاحظة وجود الأطفال المسلحين خاصة في «القرى العلوية» في مناطق التماس السني - العلوي في حوض العاصي، وسط سياق مساعي النظام للتحشيد والتصعيد، وهو أمر لم يكن متاحاً له الظهور في قرى أو مدن السنة، لكنه كان حاضراً بصورة ما، وتعبيراته الأبرز كانت داخل السجون والمعتقلات، التي ضمت عشرات آلاف المعتقلين بتهم تتصل بالإسلاميين والجماعات المسلحة، وقد أتيحت لي وقتها، حيث كنت موقوفاً في أمن الدولة، أن أتعرف وأعايش أطفالاً كانوا مجندين في الجماعات الإسلامية المسلحة أو محسوبين عليها.

وإذا كانت الظاهرة تراجعت كثيراً بعد حسم النظام صراعه مع تلك الجماعات في النصف الأول من الثمانينات، فإنها عادت للظهور مع اندلاع ثورة السوريين عام 2011. وكان من الطبيعي، أن يكون نظام الأسد الساعي الأول لتجنيد الأطفال عبر تشكيل مجموعات الحماية المحلية، التي كانت أول ميليشياته في الأحياء والقرى التي يسيطر عليها، خاصة المجاورة لحواضن الثورة والمظاهرات، ومن خلالها صار للأطفال ظهور علني على حواجز الميليشيات وفي مجموعات اقتحام مناطق الثورة والتظاهر.

وبدا من الطبيعي مع اتساع حجم عنف النظام وانتشاره، ومع التوجه نحو العسكرة والتسليح، أن يبدأ تجنيد الأطفال في صفوف جماعات المعارضة المسلحة، مما مهد لفلتان الظاهرة إلى حدٍ واسع، يمكن معه القول، إنه ما من كيان أو جماعة مسلحة ظهرت أو قامت بأعمال عسكرية أو شبه عسكرية في سوريا، إلا وقامت بتجنيد أطفال في صفوفها، والأمر في هذا ينطبق أيضاً على العصابات المسلحة، التي مارست أعمال السرقة والسلب والنهب والابتزاز، وغيرها من جرائم جنائية.

وفرت بيئة العنف والإرهاب، التي أشاعها وكرسها نظام الأسد أجواء مثالية لاستعادة الظاهرة ونموها، فقام بأول عمليات تجنيد الأطفال في صفوف ميليشياته لتعويض النقص في أجهزته الأمنية والعسكرية التي انخرطت في مواجهة الشعب، وكان بين ما يشجعه جملة عوامل؛ منها سهولة السيطرة على الأطفال وتوجيههم، وبساطة دفعهم لتنفيذ أخطر المهام وأصعبها، وهم الأقل تطلباً من الناحية المالية والمعيشية، وهم الأقل من حيث الالتزامات العائلية، ولا شك أن أغلب هذه العوامل، أو كلها كانت وراء تجنيد الأطفال لدى الجماعات المسلحة الأخرى.

وبالإضافة إلى العوامل العامة السابقة، فإن عوامل خاصة، استند إليها تجنيد الأطفال من قبل بعض الأطراف. فقد جند الروس أطفالاً من الأيتام السوريين، وألحقوا بعضهم بكليات عسكرية روسية بهدف تأهيلهم ضباطاً يعودون للخدمة في الجيش السوري ليكونوا بين قادته في المستقبل، حسبما أكدت مصادر روسية رسمية، وزجت ميليشيات «حزب الله» اللبناني بأيتام سوريين في دورات معسكراتها التدريبية في قاعدتها بمدينة القصير، ليكونوا لاحقاً بين أعضاء ومقاتلي الحزب، فيما درج تنظيم «داعش» على تجنيد أطفال وإخضاعهم إلى دورات تدريب عسكري وتربية عقائدية بهدف جعلهم مقاتلين وقادة مستقبليين للتنظيم، وضمت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أطفال المناطق التي تسيطر عليها في شرق الفرات إلى قواتها في إطار سياسة التجنيد الإلزامي، التي أعلنتها في مناطق سيطرتها، وقامت الجماعات المسلحة في مناطق الشمال السوري بتجنيد الأطفال في مراحل مختلفة وإشراكهم في القتال، لكن الأخطر فيما قامت به، كان إرسال بعضهم بالاتفاق مع السلطات التركية إلى ليبيا للقتال إلى جانب أحد أطراف الصراع الليبي هناك، فحولت الأطفال إلى مرتزقة وبنادق للإيجار، وهي حالة تقارب نتائج تجنيد أطفال في العصابات الإجرامية المسلحة، التي صارت ظاهرة عامة في غالبية المناطق السورية، سواء الخاضعة لسيطرة النظام أو الخارجة عنه.

لقد غيرت عمليات تجنيد الأطفال من واقع جزء منهم في السنوات الماضية، فجعلتهم في عداد أدوات القتل والإجرام بخلاف أكثريتهم، التي كانت ولا تزال ضحية أدوات القتل والإرهاب وتنظيماتها في المعارك البينية التي خاضتها، وكان المدنيون وبينهم الأطفال أكثر ضحاياها، حيث أدت معارك السنوات الماضية إلى مقتل وجرح عشرات آلاف الأطفال، ومات آلاف منهم في المناطق المحاصرة لسنوات بفعل الجوع، ونقص الرعاية الصحية والدواء، وشردت وهجّرت ملايين داخل سوريا وخارجها، وعانى كثير منهم نتيجة مقتل واختفاء المعيلين، واضطر كثيرون إلى الانخراط في عمالة أطفال إعالة أنفسهم وآخرين من عائلاتهم، فتم استغلالهم بمختلف الأشكال، وخاصة الإناث اللواتي تحولن إلى زوجات مبكرات، وحرمت غالبية الأطفال من التعليم نتيجة تدمير مدارسهم أو تحويلها إلى مهمات أخرى، وهذه أبرز ملامح سنوات تحول الأطفال إلى ضحايا.

لقد أدت سياسات الدول المتدخلة، إضافة إلى نظام الأسد والجماعات المسلحة في تجنيد الأطفال إلى استغلالهم في القتال إلى جانبها، فجسدت بذلك انتهاكها حقوقهم، وحولتهم إلى قتلة ومجرمين، ساهموا إلى جانب غيرهم في إلحاق الأذى بعموم السوريين، وخاصة الأطفال الآخرين، ولهذا فإن من اتخذوا قرارات تجنيد الأطفال من أي طرف كانوا، ارتكبوا جريمة كبرى، تضاف إلى جرائمهم الأخرى.

===========================

موقفنا : أربعون عاما على القانون 49 / 1980 .. إعدام على الهوية .. وخطوة على طريق المجتمع المتجانس

زهير سالم

مركز الشرق العربي

11/ 7/ 2020

" المادة الأولى : يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين "

ويدفع " رئيس الجمهورية " المغتصب للسلطة ، مشروع القانون إلى ما يسمى مجلس الشعب على عجل ، ويقره مجلس الشعب على عجل ؛ ليكون هذا القانون المدخل العملى إلى المجتمع " المتجانس " يغطي من الجرائم ما كان وما سيكون ، حتى لحظة كتابة هذا المقال ..

كان " القانون 49 / 1980 " في سورية ، بمثابة الشرعنة العملية للجريمة بأبعادها الحقوقية الإنسانية ، والعدلية الحقوقية ، وكان إعلانا للحرب على الهوية الدينية والمذهبية والثقافية والسياسية ؛ والعالم كله يسمع ويرى ..

لم تنتفض المؤسسات الدولية ، ولا المنظمات الحقوقية ، ولم يتذكر أحد اتفاقيات جنيف الأربع ، ولا القانون الدولي ، ولا مواثيق حقوق الإنسان ...!!

حتى المنظمات التي تظل تدعو إلى إسقاط أحكام الإعدام بحق عتاة المجرمين ، من القتلة والمغتصبين المتسلسلين ، صمتت .

لم يوثق مخرج سينمائي واحد لحظات إعدام الآلاف من شباب سورية " الأنجم الزهر" وهم الذين يظلون يتحفوننا بمشاهد لحظات الموت الصعبة يواجهها مجرم قتل أو اغتصب العشرات؛ لينتزعوا منا شعور تعاطف مع القتلة والمغتصبين ..

على عجل تم تشريع القانون ، وكان العجل المقصود منه أن يغطي على آثار الجرائم التي وقعت قبله في تدمر وفي غير تدمر من السجون والمدن السورية . ..كان القانون الذي غطى مجزرة في تدمر وسيغطي تدمير مدينة اسمها حماة ، ومجزرة في جسر الشغور وسرمدا ومشارقة حلب وما شئت من مجازر من قبل ومن بعد ..ووثائق قيصر ليست على السوريين بالأمر الجديد

عشرات الألوف من السوريين قتلوا تحت غطاء قانون زائف شرعن قتل الإنسان ، فقتل على هويته وليس على جنايته والمتحضرون يتفرجون ..

لم يكن القانون الجريمة حكما بالإعدام على أعضاء " جماعة ومنتسبي تنظيم " فحسب؛ مع أن الحكم على أعضاء جماعة ومنتسبي تنظيم ، بحد ذاته جريمة ، بل كان حكما بالإعدام على الهوية الدينية والمذهبية والسياسية لكل سوري قال للظالم : لا ولكل سوري يفكر أن يقول ..

ودائما في أقبية التعذيب كانت الجريمة مغطاة سلفا ، والتهمة جاهزة ، وألحقت زورا وبهتانا بعشرات الألوف من السوريين ، حتى طالت منهم غير المسلمين ...ولعلكم تعجبون !!

يعترف مصطفى طلاس ، والاعتراف سيد الأدلة، أنه ظل عشر سنوات يوقع على قوائم إعدام أسبوعية ، بحق شباب سوري ، هم مهج ومقل أمهات وآباء.

وتستمر حفلات الإعدام منذ 1980 وحتى مطلع التسعينات / 1992 وكل أسبوع موكب للشهادة جديد والعدد يناهز المائة إنسان أسبوعيا أو يتجاوزها ، والأقمار الصناعية التي تصور كل شيء وتوثقه ، تمكن المجرم من الجريمة وتزيد ..

أربعون عاما مرت والقانون الجريمة ، والمشرعن للجريمة ؛ ما زال سيفا مسلطا على رقاب السوريات والسوريين ..

ما زال القانون الجريمة سلاح الجريمة الأمضى صنو الروس والإيرانيين والبراميل

ما زال القانون الجريمة مدخل المجرمين إلى المجتمع المتجانس : مجتمع الأقلية الذي يريد أن يقود ويسود ويستأثر بالسلطة والثروة والفرصة ..

وإن مما يدخل في قلوبنا الريبة والشك أن نجد بعض من يدّعي " يسر حسوا في ارتغاء " بنوع من الصمت المبهم المريب على القانون الجريمة ، الذي قُتل تحت عنوانه عشرات الألوف من السوريين .. ..

وإن مما يدخل في قلوبنا الحزن والأسى، أن ينام صاحب الحق عن حقه ، وصاحب الوتر عن وتره ، فتتجدد الجريمة سيرا إلى غايتها ..

 والمتدلي فوق البئر مشغول ، بلعق عسيلة ، يتهدده مفترس ضار ، وفوق رأسه غصن يئط ، وتحت قدميه تنين ..

أربعون عاما ونحن ضحايا هذا القانون ، ليس لشراء تذكرتين ، لمقعدين في تركيبة مثل التي ترون ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

فالج لا تعالج

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 5/7/2020

لم ينضم جيش روسيا إلى الحرب ضد الشعب السوري إلا ليساعد السوريين على إيجاد حل للصراع الدائر بينهم لا يتدخل فيه أحد. ولم يأمر بوتين جيشه بغزو سورية، وشن الحرب على الشعب السوري، لأنه كاد يطيح الأسد، وصولا إلى حسم موازين القوى لصالحه، بحيث يفرض عليه النتائج التي تترتب عادة على حلٍّ عسكري ناجز. كما لم يقصف جيش موسكو المدنيين السوريين، ولم يقتل أحدا منهم، أو يدمر مصادر عيشهم، ليس لأنه أراد احتلال بلادهم وتحويلها إلى نقطة عبور إلى بقية الدول العربية لاسترداد ما كان للسوفيات فيها من حضور ونفوذ، كما قال بوتين بـ "عضمة لسانه"، بل غزاها وقصفها ودمرها حبا بالسلام، ومن أجل تمكين السوريين من التنعم به.

هذا ما يحاول إقناعنا به بوق روسي يتحفنا، بين فينةٍ وأخرى بمثل هذه السذاجات عن سياسة روسيا، كأننا لا نلمس نتائجها في شتى مجالات حياتنا، ولسنا ضحايا يوميين لها، أو نجهل أن موسكو لا تريد لنا غير موفور الصحة والعيش الرغيد، تحت قنابلها وصواريخها، وأنها ترفض، لدواع إنسانية، مد يدها إلى رياض حجاب، بسبب جرائمه ضدنا، ولم يعلم بها الطاهر العفيف بشار الأسد، الذي أرسلت قرابة سبعين ألفا من ضباطها وجنودها، واستخدمت نيفا وثلاثمائة سلاح جديد وقديم لوقف إرهابنا ضده، ومن المؤكد أن حبه لشعبه كان سيمنعه من اختياره حجاب لرئاسة الحكومة، لو كان يعرفه على حقيقته.

كلما قرأت هذه السذاجات أتساءل: أي قدر من احتقار قارئيه يمتلك هذا السيد، الذي ذكّر قبل فترة بعض من أفنوا أعمارهم في مقارعة الاستبداد الأسدي بضرورة التفكير بمصالح الشعب السوري، الذي يلقي الروس على أطفاله قنابل محشوّة بالشوكولاته والملبس، وغزوه امتثالا لرغبته في إنقاذ بشار الأسد الذي لم يرتكب جرائم ضده، ومن الضروري مقاطعة من انشقّ عنه، ورفض الغرق في دماء إخوته السوريين، بما أن روسيا لا تتعامل مع قتلة، أو تمد أيديها إليهم؟

أية وقاحة أن يتحدّث هذا البوق الساذج عن الحرص على الشعب السوري، ويطالب السوريين بالرضوخ لقاتلهم، ويستهجن، في الوقت نفسه، التساؤل عما إذا كانت موسكو قد التقت بمن انشقّ عنه، بدل التوقف عند دلالة تخلي رياض حجاب عن ثاني أعلى موقع سياسي في السلطة السورية، على الرغم من علمه أن السلطة مدعومة ومكفولة روسيا وإيرانيا، وأن انضمامه إلى الثورة يتطلب المخاطرة بحياته وأسرته؟ لكنه أقدم على المخاطرة، كي لا يسهم في جرائم القرن الأسدية/ الروسية/ الإيرانية، ضد شعبه المسالم، الذي طالب بالحرية: الوعد الذي قطعه حزب الأسد ونظامه على نفسه قبل سبعين عاما، ثم حقق نقيضه، وما إن ذكّره السوريون به حتى انقضّ عليهم بجيشه ومخابراته، وحين فشل في ردّهم إلى بيت طاعته، سارع بوتين إلى إنجاده بغزاةٍ، أولهم في دمشق وآخرهم في موسكو، يصحب قتلته بالسلاح قتلة بالأقلام، كهذا الطبال البائس، لا يخجل من التحدث عن احترام الشرعية الدولية، متجاهلا معرفة السوريين أن موسكو عطلتها باستخدام حق النقض 13 مرة في مجلس الأمن الدولي، وأنها منعت إصدار قرار عن المجلس بالتحقيق في استخدام سلاح كيميائي ضد السوريين، على الرغم من أن مندوبها في المجلس اتهم المعارضة بالوقوف وراءه!

يبدي هذا الشخص بعض التذمر من سفاح دمشق في مقالاته، لإيهام غافلين بأن موسكو تخلت عنه، مع أنها متمسّكة بخطتها القديمة عن تشكيل حكومة وحدة وطنية مرجعيتها القاتل، الذي يجب أن يجدّد رئاسته عبر انتخابات حرة، بالقدر الذي رأيناه في الاقتراع على تعديل دستوري روسي، يبقي بوتين الأسد في منصبه حتى عام 2036.

إن الحماقة أعيت من يداويها، وروسيا لم تتعلم درس السوفيات.

===========================

اختر مُستعمرك المفضل!

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 4/7/2020

لا شك أن من أهم أهداف ثورات الربيع العربي كان تحقيق ما يسميه الرئيس التونسي السابق الدكتور المنصف المرزوقي «الاستقلال الثاني»، خاصة وأن الاستقلال الأول كان صورياً، فقد رحل المستعمر الأجنبي ليترك وراءه عملاءه ووكلاءه من أبناء جلدتنا ليستمروا في استعمار بلادنا لصالح المستعمر الأصلي. لا بل إن الشعوب راحت تتحسر على خروج الاستعمار من أوطاننا بعدما جربت أدوات المستعمر المحلية التي سمت نفسها زوراً وبهتاناً حكومات الوطنية. لقد أثبت وكلاء الاستعمار «الوطنيون» بين قوسين طبعاً أنهم أسوأ من كفيلهم الأجنبي بعشرات المرات. فقط قارنوا ما فعله المستعمر الفرنسي في سوريا، وما فعله المستعمر البعثي الطائفي الفاشي الذي سلطه الاستعمار على سوريا مثلاً.

ولا بد من الإشارة طبعاً إلى أن ما حدث في سوريا حدث في بقية الدول العربية بدرجات متفاوتة على أيدي ما يسمى بالأنظمة الوطنية بعد الاستقلال المزعوم. لهذا السبب وضع الدكتور المنصف المرزوقي كتاباً كاملاً لبحث ما أسماه الاستقلال الثاني، كي يتحقق الاستقلال الحقيقي عن المستعمر. لكن من سوء حظ الشعوب العربية التي ثارت ضد وكلاء المستعمر عادت لتواجه الاستعمار الأصلي وجهاً لوجه بطرق مختلفة بعد أن فشلت أدواته الحاكمة في بلادنا في التصدي للشعوب.

لاحظوا مثلاً ما حصل في بلاد الثورات كسوريا وليبيا واليمن، فعندما فشل العملاء المحليون في قمع ثورات الشعوب وإعادتها إلى حظيرة الطاعة، عاد الاستعمار الأصلي ليتدخل بطرق مختلفة عبر وكلائه وأدواته الجديدة، ففي سوريا مثلاً لاحظنا كيف أوعز ضباع العالم لروسيا وإيران وكل أنواع الميليشيات الإرهابية بالتدخل في سوريا لصالح النظام لمنع مشروع التحرير والاستقلال الحقيقي في سوريا. وفعلاً تمكن المستعمر الروسي وحلفاؤه من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وعادت سوريا عملياً إلى فترة الانتداب. من يقود سوريا اليوم ويقرر مصيرها ويتفاوض باسمها؟ أليست القوى التي تسيطر فعلياً على الساحة كروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل وأمريكا وفرنسا وليس النظام؟ فقط انظروا إلى ما يسمى بمسار أستانا وسوتشي الذي يجتمع دورياً لتقرير مصير سوريا والسوريين، وكأن النظام والمعارضة والشعب كلهم تحت الوصاية الدولية والإقليمية.

لقد عاد السوريون عملياً إلى الحقبة الاستعمارية، ولم يعد أمامهم سوى اختيار مستعمرهم المفضل. اختروا إيها السوريون: هل تفضلون المستعمر الروسي، أو الإيراني أو التركي أو الإسرائيلي أو الأمريكي؟

 

دفع النظام بأفعاله المغولية الوحشية الشعب السوري كي يقبل بكل حثالات الأرض، وكأن من مهام العصابة الحاكمة في دمشق دفع السوريين إلى أحضان المستعمرين ثانية بعد أن فشلت هي نفسها في إعادة السوريين إلى زريبة الطاعة

 

لاحظوا كيف تسيطر تلك القوى الاستعمارية الجديدة وتتقاسم الأراضي السورية، فهذا يسيطر على الساحل، وذاك يسيطر على الشمال وذاك يسيطر على دمشق، وذاك يسيطر على الجنوب، ولم تتردد أمريكا في الإعلان على رؤوس الأشهاد بأنها تريد الاستيلاء على النفط السوري، بينما استأثرت روسيا بثروات الساحل وموانئه ومناطقه الاستراتيجية. ولم يجد السوريون أمامهم فعلاً إلا الانضمام إلى هذا الحلف الاستعماري أو ذاك، فالعلويون في الساحل اختاروا المستعمر الروسي، بينما يفضل السوريون في الشمال الجار التركي ويريدون الانضواء تحت لوائه حتى لو اقتضى ذلك فصل الشمال السوري عن البلاد. ولو سألت السوريين في الجنوب، فهم لا يمانعون سيطرة الشياطين الزرق على مناطقهم بشرط ألا يعودوا إلى سيطرة الأسد وعصابته. لاحظوا كيف دفع النظام بأفعاله المغولية الوحشية الشعب السوري كي يقبل بكل حثالات الأرض، وكأن من مهام العصابة الحاكمة في دمشق دفع السوريين إلى أحضان المستعمرين ثانية بعد أن فشلت هي نفسها في إعادة السوريين إلى زريبة الطاعة نيابة عن كفلائها ومشغليها الأجانب.

وكما حدث في سوريا يحدث الآن في ليبيا التي عاد إليها كل أنواع المستعمرين القدامى والجدد كالضباع المسعورة، وكل طرف يريد حصته من الثروات الليبية. والرسالة الواضحة من ضباع العالم لليبيين: لن نسمح لكم بالاستقلال الحقيقي، فبعد أن سقط الوكيل المحلي، لا بد أن تقبلوا بعودة كفلائه الخارجيين. انظروا الآن كيف ينقسم الليبيون بين هذا الطرف الدولي أو ذاك، وكالسوريين لم يعد أمامهم سوى تفضيل مستعمر على آخر. هل تريدون أن تكونوا تحت سطوة المستعمر الروسي أو الفرنسي أو الإيطالي أو التركي؟ وكما هو واضح فإن البعض يفضل التحالف مع التركي، والبعض الآخر يفضل العودة إلى الحضن الإيطالي أو الفرنسي.

ولا يختلف الوضع المأساوي في اليمن، فقد أبى الساقط علي عبد الله صالح إلا أن يدفع بشعبه إلى أحضان الغزاة والمحتلين للانتقام منه على ثورته ضد نظامه. لم يمانع صالح بدفع اليمنيين إلى هيمنة خصومه القدامى الحوثيين وداعميهم الإيرانيين وبقية الضباع المتصارعة على التراب اليمني. لاحظوا أننا هنا لم نذكر العامل العربي كالسعوديين والإماراتيين والمصريين الذين يتدخلون في ليبيا واليمن وسوريا، ليس لأننا نتجنب ذكرهم، بل لأنهم في واقع الأمر مجرد أدوات في أيدي المستعمرين الحقيقيين وليس لديهم مشاريع عربية إنقاذية لا في سوريا ولا في ليبيا ولا في اليمن. بعبارة أخرى، فالغزاة العرب في اليمن وليبيا أقل مرتبة في القيمة الاستعمارية من الإيراني والتركي، لأن الإيراني على الأقل يأخذ حصته من السمسرة الاستعمارية للأمريكي والإسرائيلي، بينما العربي يقبل العمل بالسخرة، ولا يمانع حتى في تمويل الحملات الاستعمارية الأجنبية من جيبه الخاص. وكل ما يحصل في اليمن وغيره هي بطريقة أو بأخرى عودة مفضوحة للكفيل الاستعماري عبر أدواته العربية والإيرانية وغيرها بعد أن فشل الوكيل المحلي في ضبط الشعوب وإبقائها تحت هيمنة الكفيل الخارجي. وكما في سوريا وليبيا، فإن اليمنيين باتوا يختارون الآن بين الإيراني والأطراف العربية التي تعمل لصالح القوى الدولية الكبرى. من تفضلون؟ إياه مستعمركم المفضل؟

ومن شدة الوضع المأساوي في بلاد كسوريا واليمن، بات البعض يتحسر حتى على أيام المستعمر الغربي قبل خروجه من بلادنا في منتصف القرن الماضي. وقد سمعت بعض السوريين يقول: حتى نوعية الاستعمار لم تعد جيدة في بلادنا، ففي الماضي استعمرنا الفرنسي، أما اليوم فيستعمرنا الإيراني وهو استعمار درجة عاشرة، أو الروسي فهو درجة خامسة. بعبارة أخرى، فإن المستعمر القديم بات يستخدم أدوات استعمارية مرتزقة كالروسي والإيراني والسعودي والإماراتي للعودة إلى بلادنا، وكأنه يقول لنا: لم تعودوا جديرين حتى بالاستعمار المباشر، فاختاروا من بين أدواتنا الاستعمارية المرتزقة الوكيلة. وسلامتكم!

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com