العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-12-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية .. اللجنة الدستورية المعاقة

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 3/12/2020

بين إقرار اللجنة الدستورية في مؤتمر سوتشي في 30 يناير/ كانون الثاني 2018، وانعقاد الجولة الرابعة للجنة في 30 من الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، فاصل زمني يقارب الثلاث سنوات. وقد تمثلت حصيلة هذه المدة باتفاق الوفدين في الجولة الأولى على "مدوّنة سلوك" وتشكيلة اللجنة المصغرة التي تضم 45 عضوا لصوغ مسوّدات الإصلاحات الدستورية، واتفاقهما في الجولة الثانية على مناقشة "الأسس والمبادئ الوطنية" ومحدّداتها قبيل الدخول في مناقشة الدستور. أما الجولة الثالثة فلم تخرج بغير قرار وفد النظام تسمية نفسه "الوفد الوطني"، بعد أن كان يطلق على نفسه اسم "وفد مدعوم من الحكومة السورية"، في حين ستكون مهمة الجولة الرابعة الحالية مناقشة "الثوابت الوطنية" و"المبادئ الدستورية".

وقد اعتبر بعضهم أن هذه الخطوات التي تحققت تشكل إنجازا مهما، لأنها: وضعت المعارضة ندّا تفاوضيا للنظام، مع ما يعنيه ذلك من اعتراف النظام بالمعارضة، وقبوله بأن حل الأزمة السورية سياسي. اتفاق الطرفين على "الأسس والمبادئ الوطنية" خطوة مهمة لجهة اتفاقهما على الإطار الدستوري أو على المبادئ ما فوق الدستورية. تسمية وفد النظام بأنه "الوفد الوطني" تعني أنه أصبح يمثل "الدولة السورية"، وفي هذا دلالة على قبول النظام باللجنة الدستورية واعترافه بها هيئة قانونية مناطا بها إيجاد حل سياسي.

لا يشكل جلوس وفد النظام مع وفد المعارضة دليلا على اعتراف النظام بالمعارضة، لأن اللجنة الدستورية فُرضت فرضا من المجتمع الدولي

بداية، لا يشكل جلوس وفد النظام مع وفد المعارضة دليلا على اعتراف النظام بالمعارضة، لأن اللجنة الدستورية فُرضت فرضا من المجتمع الدولي، ناهيك عن أن جلوس الطرفين يجعلهما متساويين في النقاش السياسي، وهذه شرعنة للنظام كأمر واقع أمام المجتمع الدولي وأمام المعارضة، وعند هذه النقطة تصبح اللجنة الدستورية خطوة إلى الوراء، إذا ما نُظر إليها من منظار الحقوق. أما اتفاق الطرفين على "الأسس والمبادئ الوطنية" فهو إجرائي، لأن هذه المبادئ موجودة بالأساس في كل القرارات الدولية ذات الصلة بالشأن السوري، وفي جميع البيانات، بما فيها البيان الختامي لمؤتمر سوتشي، فالجميع متفق على سيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، وكفالة استمرارية المؤسسات الحكومية، وحماية حقوق جميع السوريين. ولا تشير تسمية وفد النظام نفسه "الوفد الوطني" إلى أنه أصبح يمثل "الدولة السورية"، بقدر ما تحمل اتهاما للطرف الآخر بأنه غير وطني. وقد جرى تغيير الاسم ضمن لعبة سياسية يقوم بها النظام، للإيحاء بأن الوفد يمثله، والأمر غير صحيح، فلو كان الأمر كذلك، لأطلق النظام على الوفد اسم "وفد الحكومة السورية"، وهي الصيغة التي يعتمدها النظام في تعريف وفوده في مؤسسات الأمم المتحدة. وهذه المسألة في غاية الأهمية، لأنها توضح آلية تفكير النظام من ناحيتين: أن النظام لا يريد أن يكون الوفد ممثلا رسميا له، كي لا يضطر مستقبلا إلى القبول بالنتائج التي قد تتمخض عن المفاوضات. وأنه يرفض الاعتراف باللجنة الدستورية هيئة قانونية، خوفا من أن تتحوّل، وفق معطيات معينة، إلى هيئة تأسيسية حاكمة، كما حدث في بعض الدول، وكما حدث في سورية نفسها عامي 1920 و1950.

تبين للمجتمع الدولي استحالة البدء من سلة الحكم التي تفترض، بالضرورة، نشوء هيئة حكم مناصفة بين النظام والمعارضة على الأرض السورية

صحيح أن أعضاء اللجنة غير منتخبين، لكنهم مختارون من المعارضة والنظام، أي أنهم حاصلون على الشرعية منهما. ومن منظور المجتمع الدولي، يشكل أعضاء اللجنة تمثيلا للمجموع السوري، بكل تنوعاته السياسية والجغرافية والطائفية. ليس الأمر مطروحا الآن، ولكن إذا وصل المجتمع الدولي إلى قناعة راسخة بعدم إمكانية فرض حلٍّ سياسي، قد يلجأ إلى هذا الخيار، وتحويل اللجنة إلى هيئة تأسيسية، حتى لو كان الأمر بأغلبية الأعضاء، لا بكاملهم.

وفقا لهذه المعطيات، لا يتوقع من اللجنة الدستورية أن تنتهي إلى حلّ في المديين المنظور والمتوسط، فهي لم تتشكل بالأساس من أجل إعطاء النظام والمعارضة السوريين فرصة للوصول إلى حل، وإنما شُكلت من أجل أن تكون المسألة الدستورية منطلق الحل، بعدما تبين للمجتمع الدولي استحالة البدء من سلة الحكم التي تفترض، بالضرورة، نشوء هيئة حكم مناصفة بين النظام والمعارضة على الأرض السورية. أما طبيعة الحل، فهذا أمر مناط بالمجتمع الدولي، لا بثنائية النظام/ المعارضة.

=========================

موقفنا : الجولة الرابعة لعملية تجحيف الدستور السوري بلا أرض ، ولا سقف ، ولا جدول أعمال ، ولا أفق ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

1/ 12 / 2020

ويقول العامة في بلادنا : إللي عند أهلو على مهلو !!

ويكتب إليّ سوريون مثّربين عليّ : ما أجمل وأسهل المعارضة من لندن .. فيصدقون . ما أسهل المعارضة الأنيقة المترفة من بيت مدفّأ في الشتاء ، مبرّد في الصيف ، تكتب وأنت متكئ على أريكة .. وأيم الله ما قرأت تعليقاتهم المعاكسة تلك ، إلا قلت لهم : تصدقون ..يصدقون وأنا واحد ممن عايش وذاق بعض ما عنه يتحدثون ..

وحين يحس شخص مثلي ومثلنا ومثلكم ، نحن المتكئين على الأرائك بوطـأة الزمن ، وقسوته ، وتطاوله تحت وقع السياط ، وفي أعماق الزنازين وفي برد الخيام وحرها ، وبؤس العيش وشظفه ، فلن نستطيع مهما حاولنا ، ومهما ادعينا ، ومهما تأنسنا ؛ أن نستعير ولو للحظة إحساس إنسان سوري معلق بالكلاليب من قدميه ، ولا إحساس حرّة سورية ، تعيش منذ عشر سنوات ، في قعر مظلمة ، ولا إحساس الذين يقنعون أنفسهم بأن الدروة خير من الفروة ..

أزعم أنني في كل ما أفكر فيه ، أستحضر هذا ... ، وأحاول أن أعيشه ، وأدعي إذا قلت لكم إنني أعيشه ، كما يعيشه مهاجر ، بيته في وطنه مسلوب ، وهو عاجز عن تأمين أجرة سقف يأوي إليه في غربته التي طالت واستطالت ، حتى افترشها المفترشون .. واشتغلوا على ديمومتها

الإحساس بالزمن وبكل ما فيه من معاناة أصحاب المعاناة بطبقاتها ودرجاتها من موت وعذاب ونكال وفقد وجوع وعطش وعري وبرد وحر هو الجواب المباشر لتصريح غير بيدرسون : جولة رابعة تتبعها خامس بلا أفق زمني ولا ، ولا جدول أعمال محدود ،!! بلا إلزام ولا التزام ..

مجلس سواليف على طريقة ؛ قالوا وقلنا وقلنا وقالوا ، وكلما حاول مذكر أن يذكر قيل له : ترانا قاعدين ..

لن نعيد ونزيد بأن اللجنة الدستورية لم تقم على أساس ، ولم يكن لها في سياقات هذه الثورة سياق . وأنها في أول أمرها وأوسطه وآخره ، محاولة لملأ الفراغ ، فراغ استدامة الزمن واستطالته ، لتمرير المخططات .... يقنعهم الروسي لافروف بالأمس أن يكون لهم في انتخابات 2021 منافس لبشار ، وربما يتعهد لافروف بحماية هذا المنافس ، والتكفل بمصاريف الحماية والدعاية والتسويق .. ويتعهدون له بموقع الناجح الثاني في انتخابات رئاسة الجمهورية ، وما أجمله عند بعضهم من موقع !!

وأجمل ما في لقاء الجولة الرابعة أنه انعقد ، والتمثيل فيه تحت ثلاثة عناوين : فريق المنصات الذي يصفونه أحيانا بالسعودي وتارة بالتركي ، وفريق المجتمع المدني ، و" الفريق الوطني" لك الله يا وطني ، وهكذا تمضي التسمية " الفريق الوطني " بكل الجرأة والبجاحة وصلابة العين ..

و" الفريق الوطني " كما يرغم بشار الأسد لا يمثل الدولة ، ولا حتى الحكومة، بل هو فريق وطني مستقل متطوع ، فقط تدعمه الحكومة ، ربما تشتري لأعضائه بطاقات الطائرة ، وتقدم لهم فحص الكورونا المسبق كشرط لدخول الأراضي الأوربية ..

امتدح ربنا في كتابه العزيز أقواما لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا... وللناس في حب العلو في الأرض مذاهب . وحسب رأي العامة في وطننا بعض الناس يحبون العلو ولو على ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

بين دستور بريمر ودستور ديمستورا ـ بيدرسون: هواجس ومآلات محتملة

سمير العبد الله

سوريا تي في

الخميس 3/12/2020

بعد احتلال العراق عام 2003 سارعت أميركا إلى جمع بعض الأشخاص كممثلين للشعب العراقي من كل مكوناته وأطيافه، ليوافقوا على دستور تم إعداده سابقاً من طرف بول بريمر الحاكم المدني للعراق بعد احتلاله، وتمت الموافقة على ذلك الدستور، ولم يدرك وقتها العراقيون خطورة ما يتضمنه هذا الدستور من مواد مزقت وحدة العراق، وخاصة مسألة تقاسم السلطة طائفياً وعرقياً، وإنشاء إقليم كردي في شمال العراق، وصار العراقيون في الدستور الجديد ليسوا أبناء شعب واحد، بل تم تقسيمهم طائفياً وعرقياً، أصبحوا جماعات طائفية وعرقية، وهذه الجماعات هي الطريق الوحيد للتعامل مع الدولة، بدلاً من أن تكون المواطنة هي الرابط بين المواطن والدولة.

دستور بريمر تمت الموافقة عليه بعد اتفاق المكون الشيعي والمكون الكردي، وأعطى الدستور ممثلي المكونات فيتو على أي تعديل دستوري لا يوافقون عليه، حيث نص الدستور على أن أي تعديل يجب أن يحظى بموافقة ممثلي الطوائف والإثنيات، وهذا ليس من السهل تحقيقه، مما جعل تعديل أي مادة دستورية بعد ذلك عملية شبه مستحيلة.

وكما يقول المثل العربي "العاقل من اعتبر بغيره"، وخاصة أن الحالة العراقية مشابهة في كثير من النواحي للحالة السورية، فالتركيبة العرقية والطائفية متشابهة إلى حد ما، والمشكلات التي عانى منها العراق وتعاني منها سوريا حالياً أيضاً متشابهة في بعض جوانبها.

ومن أهم أوجه التشابه بين ما جرى في العراق ويجري حالياً في اللجنة الدستورية السورية:

طريقة تشكيل اللجان الدستورية، ففي العراق تم تشكيل لجنة من خلال التمثيل الطائفي والعرقي وليس من خلال تمثيل حقيقي وانتخاب للأعضاء، أو اختيار أهل الاختصاص، وهذا ماجرى أيضاً في اللجنة الدستورية السورية من تقسيم اللجنة لثلاثة أقسام، قسم للمعارضة، وقسم للنظام، وثالث لممثلي المجتمع المدني اختارتهم الأمم المتحدة، فممثلو المعارضة لا تُعرف الطريقة التي تم بها الاختيار، ونتج عنها ممثلين نسبة الكفاءات الدستورية بها قليلة مقارنة باللجنة الممثلة للنظام، وكثيرٌ من المكونات والتجمعات السياسية أعلنت عدم وجود ممثلين لها في اللجنة، أما ممثلو النظام فتم اختيارهم حسب الولاء، وعلى الرغم من ذلك كان مستوى الكفاءات الدستورية بها أكبر من ممثلي المعارضة، والقسم الثالث كان من اختيار المبعوث الدولي السابق ديمستورا، وعدد لابأس به منهم من المقيمين خارج سوريا منذ سنوات طويلة، وهم بعيدون عن مشكلات المجتمع السوري.

مسألة الفصل بين السلطات وصلاحيات كل سلطة، هذه من أهم القضايا، ومن المستبعد أن يتم التوافق حولها

مسألة المركزية أو اللامركزية أو الفيدرالية، فالدستور العراقي في المادة 115 ذكر صلاحيات حكومة المركز، وحكومات الأقاليم، ففي حالة الاتفاق على تبني الفيدرالية في سوريا من الممكن أن تؤسس لتقسيم سوريا في ظل الظروف الحالية، أو على الأقل ستعيش سوريا مشكلات مشابهة لما يشهده العراق، وخاصة الاستفتاء الذي جرى في إقليم كردستان العراق على الانفصال.

مسألة الدين والعلمانية، والمؤسسات والتمثيل الطائفي وتقاسم السلطة، وعلى الرغم مما يبدو من تصريحات أغلب الأطراف السورية بأن هناك اتفاق على علمانية الدولة، لكن ستكون العلمانية وفق أي منظور، فنماذج العلمانية عديدة في العالم، ولكل مجتمع خصوصياته، وهذه القضية ستواجه معارضة كبيرة في ظل الاحتقان الطائفي الحالي في سوريا.

مسألة الفصل بين السلطات وصلاحيات كل سلطة، وهذه من أهم القضايا، ومن المستبعد أن يتم التوافق حولها، كذلك شكل نظام الحكم، فالنظام الرئاسي مطبق في سوريا منذ عقود، والانتقال لشكل آخر كالنظام البرلماني أو شبه الرئاسي سيولد في بدايته معضلات كبيرة ليس من السهل تجاوزها، وهذا ما يعيشه العراق حتى الآن بعد 17 سنة من الدستور، فكل هذه المسائل تحتاج لحالة من الاستقرار وحوار مجتمعي للوصول لتوافق حولها،

لم يتم تنفيذ أي شيء من القرار 2254 حتى الآن، وروسيا أرادت استغلال الوقت وحرف القرار عن مساره، ورغم تكرار اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة والتي تضم 45 عضوا، 15 لكل طرف، وتأجيل كثير منها بسبب فيروس كوفيد 19، مازال العمل ببدايته، ويبدو أنه يحتاج لسنوات إذا استمر بهذا الشكل، في ظل غياب جدول زمني محدد، فهناك كثير من المقترحات التي قدمتها المعارضة أو النظام، لكن يبدو أنه من الصعب أو حتى من المستحيل أن تنال موافقة الطرف الآخر، وهذا يعني أن هذه اللجنة سوف تبقى تسير في حلقة مفرغة، ولن تصل لنتيجة.

وفي ظل غياب التمثيل الحقيقي لكل المكونات السورية، أعتقد أنه ينبغي عدم الخوض في قضايا جوهرية، فالوضع السوري في ظل الانقسامات الطائفية والصراع العسكري، ليس وضع مثالي لإعادة النظر بها، كذلك لا توجد في سوريا إحصاءات دقيقة لنسبة كل مكون، وكل ما يتم تداوله من نسب هو عبارة عن أرقام تقديرية، مع فوارق كبيرة مع ما يدعيه المكون نفسه من نسبته السكانية، ومع ما تدعيه المكونات الأخرى.

قد يكون الحل الأسلم والأسرع هو الاعتماد على الدساتير السابقة، وخاصة دستور 1950 الذي يُعد أكثر الدساتير توافقياً، وتعديل بعض المواد الإشكالية به، وإضافة أو تعديل مواد تتوافق مع العصر الحالي، وأن يكون دستورا مؤقتا، يتم إعادة النظر به بعد 5 سنوات من استقرار الأوضاع، ليتم التوافق على دستور دائم، وتطرح وقتها كل هذه القضايا الجدلية للحوار المجتمعي للوصول لتوافق حولها، فالدستور يجب أن يكون توافقياً لأنه العقد الاجتماعي الذي يحدد العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ولا يكفي أن توافق عليه الأغلبية فقط.

فالمجتمع السوري بحاجة أكبر حالياً لإيجاد حل سياسي وحل لمشكلاته الاقتصادية، أكثر من الخلاف على قضايا دستورية ليس هناك ضامن حتى الآن أنه سيتم التوافق أو تطبيق هذا الدستور في حال كتابته، أو أن يلقى موافقة شعبية، فالمشكلة في سوريا لم تكن دستورية بالمقام الأول، بالقدر الذي كانت مسألة احترام الدساتير والالتزام بها.

فالتعجل بوضع دستور كما حصل بالتجربة العراقية قد يكلف السوريين سنوات طويلة بعدها من التمزق، فالعراقيون وبعد 17 سنة من الدستور لم يتمكنوا من إجراء أي تعديل جوهري على تلك المبادئ الدستورية التي وضعها دستور بريمر، على الرغم من الفشل الذي اكتنف كل مؤسسات الدولة العراقية، وتفشت الطائفية والعرقية بشكل أكبر، مما جعل البلد ممزقاً أكثر مما كان عليه في السابق.

هناك كثير من الدول عاشت كذلك تجارب مشابهة للحالة السورية ويمكن الاستفادة من تجارب الدول، وكلها لجأت لخيار الدستور المؤقت للبلاد، ريثما يتم التوافق على الدستور الدائم الذي يتطلب أجواء من الاستقرار والتوافق، وهو الخيار الأنسب لسوريا، لأن المرحلة الانتقالية تحتاج هيئات وسلطات وصلاحيات انتقالية كون البلد خارج من حالة حرب.

وتشكيل اللجنة الدستورية لابد أن يكون عبر مؤسسات منتخبة بشكلٍ ديمقراطي، وأن يكون له آليات محددة للاختيار من تمثيل جغرافي، وتمثيل لجميع مكونات الشعب من دون تهميش أو إقصاء، وخاصة أن أحد أسباب ما جرى بسوريا هو شعور بعض فئات الشعب بالتهميش، وأن كل ما يصدر من دساتير وقوانين لا تعبر عنهم وتمثل تطلعاتهم، حيث يتبين من الأسماء ضعف الخبرة لدى القسم الأكبر، وقائمة المجتمع المدني تم تغييرها عدة مرات، وتم تفريغها من جميع الخبراء الدستوريين.

=========================

لا عودة للاجئين قبل رحيل الأسد

 رياض معسعس

القدس العربي

الخميس 3/12/2020

انتهت أعمال اليوم الأول من الجولة الرابعة لاجتماعات اللجنة الدستورية السورية المنعقدة يوم الاثنين الماضي في جنيف، وقد احتل ملف اللاجئين حيزا كبيرا من الاجتماع بعد جدلٍ بين وفدي النظام والمعارضة حول عودة اللاجئين، ففي الوقت الذي طالب فيه وفد النظام باعتماد عودة اللاجئين «كمبدأ وطني» أعلن وفد المعارضة رفضه لهذا المبدأ واعتبر أن هذا الملف هو إنساني قانوني غير تفاوضي، والعودة يجب أن تكون طوعية وآمنة.

ويبدو أن النظام يشدد على ضرورة عودة اللاجئين لأكثر من سبب وكان قد عقد نظام الأسد برعاية روسيا مؤتمر اللاجئين في الحادي عشر من الشهر الماضي، لكن اللاجئين السوريين وتحت شعار «لا عودة قبل رحيل الأسد» رفضوا مقترحات مؤتمر اللاجئين السوريين، وانتهى بفشل ذريع.

إعادة الإعمار

إذ ظهرت صالة الاجتماع خاوية على عروشها، بعد رفض الكثير من الدول بما فيها الولايات المتحدة، والدول الأوروبية المشاركة في هذا المؤتمر.

وسعت موسكو جاهدة من وراء هذا المؤتمر تحقيق هدفين اثنين: تعويم نظام بشار الأسد بإظهار أن السوريين يعودون إلى حضن النظام، وهذا يعني أن الحرب قد انتهت وعادت المياه إلى مجاريها في سوريا، والأمن مستتب.

هذا من ناحية، وبعودة اللاجئين يفتح الباب أمام إعادة الإعمار التي تضع روسيا عينها على حصة الأسد فيها والتي تقدر بأكثر من 250 مليار دولار. وهكذا يتم الالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام، وخاصة العقوبات المتعلقة بقانون قيصر الأمريكية. لكن حساباتها اصطدمت بواقع الرفض التام من قبل اللاجئين، ومن قبل الدول التي بإمكانها تقديم مبالغ كافية لإعادة الإعمار.

التأقلم في بلد اللجوء

وفي واقع الأمر أن نظام بوتين هو المسؤول الأول عن فشل المؤتمر كونه يستمر في عمليات قصف المدنيين، وقتل الأطفال في المناطق التي زعم أنها آمنة، وخاصة في منطقة إدلب، وهجر مئات الآلاف من مناطق مختلفة من سوريا إليها، ويدفع بآلاف النازحين لسلوك طريق اللجوء في الدول المجاورة وخاصة تركيا. ويتجاهل أيضا أن بشار الأسد اعتبر أن مسألة لجوء الملايين من السوريين خطوة إيجابية «لمجتمع أكثر تجانسا « وأنه لا يزال يعتقل مئات الشباب العائدين لتجنيدهم إجباريا ووضعهم في الخطوط الأمامية على جبهات القتال، وهذا من شأنه أن يدفع من هم في سن التجنيد رفض العودة إلى سوريا التي هربوا منها أساسا برفضهم القتال في صفوف جيش النظام. إضافة إلى أن السوريين داخل سوريا يعيشون في حالة مزرية جدا بعد انخفاض سعر الليرة السورية، وتفاقم التضخم بحيث لم يعد بمقدور السوري العيش براتب يتراوح وسطيا بين 20 و25 دولارا شهريا، أي أن عائلة كاملة يفرض عليها اليوم العيش بأقل من دولار واحد في اليوم.

وباتت سوريا دولة طوابير يصطف فيها الناس لساعات طوال للحصول على المواد الغذائية، وخاصة الخبز، أو المحروقات. أي بمفهوم آخر اللاجئ السوري يعيش في بلد اللجوء أفضل بكثير من العيش في بلده الأم، رغم قساوة العيش وخاصة في الشتاء في بعض مخيمات اللاجئين وخاصة في لبنان.وإذا نظرنا إلى وضع اللاجئين بشكل عام يمكن أن نعتبر أنهم موزعون على عدة فئات حسب موقعهم الجغرافي.

فاللاجئون الذين استطاعوا الوصول إلى أوروبا، وخاصة ألمانيا، فإن هؤلاء في غالبيتهم العظمى لا ينوون العودة إلى سوريا، بل يحاولون التأقلم في بلد اللجوء، والحصول على جنسيته ليتم لهم الإقامة الدائمة فيه كمواطنين وليس كلاجئين، ويضمنون لأولادهم حياة كريمة، ومستوى عال من التعليم، وهم يشكلون أكثر من مليون لاجئ. اللاجئون في تركيا وهم الأكثر عددا، (3،6 مليون لاجئ) نجح بعضهم في الحصول على الجنسية، وقسم كبير منهم يعملون في مجالات مختلفة، بل هناك من أسس شركات ومصانع ومطاعم وتجارات منوعة، ومنهم من التحق بالجامعات، والمدارس التركية، وهم بشكل عام أفضل حالا من اللاجئين في الدول العربية.

المنظمات الإنسانية

كما أن الأردن ( حوالي 700 الف لاجئ) قد سهلت بعض الإجراءات لدخول سوق العمل، وفتحت أبواب المدارس للطلبة السوريين. وكذا الأمر في مصر ( 200 ألف لاجيء) وفي العراق، أما في لبنان ( حوالي 1،5 مليون لاجئ) فإن الوضع مختلف، إذ يعاني هؤلاء من شظف العيش، وخاصة في المناطق الباردة شتاء، ومن الاستغلال السياسي من قبل بعض الأحزاب السياسية التي تخشى المساس بالتوازن الديمغرافي الهش في البلاد. أو من حزب الله الذي يرغب بعودة السوريين لتصب في مصلحة النظام مع أنه كان اول من حرض على اللجوء بسبب مجازره في المناطق التي احتلها من سوريا، وخاصة في وادي بردى، ومنطقة حمص.

ولا ننسى أن المنظمات الإنسانية تقوم بجهد كبير لتحسين وضع اللاجئين وتعوض دول اللجوء بمبالغ كبيرة كمساعدة مالية من المفترض أن ترصد للاجئين لكنها تتبخر في أروقة الحكومة، ولا يصل منها إلا جزء ضئيل لمحتاجيها.

وهناك أيضا أعداد كبيرة ( تعادل حوالي ثلث سكان سوريا في الداخل) باتوا لاجئين في بلادهم أو ما يطلق عليهم (النازحون) وهؤلاء يعيشون أوضاعا مزرية في مخيمات لا تقي قرا، ولا حرا، كانوا قد هربوا من القصف وقد هدمت منازلهم وفقدوا مأواهم، ولا يتلقون أي مساعدة من منظمات دولية، كون النظام يطالب المنظمات بإعطائه هذه المعونات كي يوزعها بنفسه لكنه يوزعها على أتباعه، أو تباع في السوق السوداء. وزاد كوفيد 19 الطين بلة حيث انتشر وباء كورونا بشكل كبير في المخيمات وبعض الاحصائيات تشير إلى عشرة آلاف مصاب لا يعلن عنها النظام.

هذه العوامل مجتمعة تحتم على اللاجئين رفض العودة إلا في حالة رحيل النظام وتفكيك منظومته الأمنية، وهذا ما لم يفهمه النظام الروسي الذي يريد أن ينقذ نظاما مهترئا، أجرم بحق شعبه، ولا يمكنه أن يجني من الشوك العنب.

 كاتب سوري

=========================

خيارات بايدن في سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 2/12/2020

أولا: وجود القوات الأميركية في سوريا:

لدى الولايات المتحدة وجود عسكري ليس كبيراً في سوريا ما يعادل 200 إلى 300 جندي يتمركزون في شرقي سوريا لكنه استراتيجي إذ تسيطر القوات الأميركية على المناطق التي كانت يوماً ما تحت سيطرة داعش، وهي مناطق غنية بالنفط وتسمح الولايات المتحدة حاليا لما يسمى بقوات قسد بالاستفادة من عائداتها النفطية بشكل غير مشروع من أجل تمويل عملياتها في المنطقة.

وبالرغم من الجدل الكبير الذي أعقب تصريح الرئيس ترامب في عام 2019 عن انسحاب القوات الأميركية من سوريا ثم وضع جدول زمني لذلك لا يتجاوز ستة أشهر، وأعلن الرئيس الأميركي إبقاء القوات الأميركية هناك لكنه أعلن أن الدول الإقليمية ودول الخليج يجب أن تتحمل كلفة بقاء هذه القوات إذا كانت ترغب في مقارعة الوجود الإيراني ومنع تمدد نفوذه. ولذلك ساهمت المملكة العربية السعودية بمبلغ يفوق عن 100 مليون دولار في تمويل عمليات قسد في شمال شرقي سوريا.

هذا الموقف أغضب تركيا التي تتقاسم أكثر من 600 ميل حدودي مع سوريا وبالتالي ترى أي تدخل لدعم قوات قسد المشكلة من حزب العمال الكردستاني تهديداً لها، ولذلك دخلت الولايات المتحدة في صراع سياسي مع تركيا وصل حد التهديد بعقوبات اقتصادية على حليف رئيسي في الناتو. فضلا عن شراء تركيا منظومة الصواريخ الروسية 400 والتي تعترض الولايات المتحدة بشدة على تشغيلها بالرغم من وجودها في دول أعضاء في الناتو أيضا مثل اليونان.

ربما يكون الموقف الأول الذي سيعلنه بايدن في سوريا هو الحفاظ على عديد القوات الأميركية هناك وربما زيادتها إلى بضعة مئات أخرى مع ازدياد عمليات تنظيم الدولة داعش في البادية السورية وبالتالي لا يمكن أن يكرر بايدن خطأ أوباما بسحب القوات من العراق قبل ضمان الانتهاء كليا من تنظيم داعش في سوريا الذي بدأ بتجميع قواه في ظل عدم اكتراث النظام السوري لتمدده والتركيز على التحضير لعملية عسكرية في إدلب.

لكن وجود القوات الأميركية في سوريا يجب أن يكون ضمن خطة استراتيجية وأهداف واضحة وليس مجرد الحفاظ على النفط كما كان ترامب يردد، يجب أن تتضمن الخطة أيضا دعما من حلفاء الولايات المتحدة في الناتو، ولذلك يمكن أن يخلق وجود هذه القوات ميزة استراتيجية للولايات المتحدة في التفاوض مع روسيا حول الانتقال السياسي في سوريا وإجبار نظام الأسد على قبول القرار 2254 الذي يتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالي وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحت إشراف الأمم المتحدة، لذلك على الرئيس المنتخب بايدن أن يعزز القوات الأميركية في سوريا وربطها ضمن خطة استراتيجية أوسع تتضمن حلا سياسيا في سوريا.

ثانياً الانتقال السياسي في سوريا:

لا يتوقع أن تغير روسيا من سياستها في سوريا وهي التظاهر بالرغبة في الحل السياسي لكن دعم الأسد عسكريا على الأرض من أجل القضاء على كل جيوب المعارضة وحمايته سياسيا في مجلس الأمن الدولي حيث استخدمت روسيا حق النقض الفيتو أكثر من 15 مرة من أجل منع إدانة نظام الأسد على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها بحق السوريين المدنيين، وقد حاولت مؤخرا إجبار نظام الأسد على تنظيم مؤتمر شكلي من أجل اللاجئين السوريين مني بفشل ذريع بعد تسريب مقطع صوتي لمنظميه يسخرون من المؤتمر وحضوره وأهدافه وعليه يجب أن تدرك إدارة بايدن القادمة أن الموقف الروسي لن يتغير طالما بوتين بقي في الحكم في روسيا طالما أنه استثمر كثيرا في الحرب السورية ولا يتوقع أن يغير استراتيجيته هناك فالنظام السياسي الروسي اليوم شبيه تماما بالنظام السوري فيما يتعلق بآليات السيطرة والتحكم داخل المجتمع الروسي، فكل الإعلام الروسي تحول إلى بروبوغاندا دعائية للكرملين في حربه في سوريا ضد "الإرهاب فهناك موقف موحد بأن ما يفعله بوتين في سوريا هو الصحيح وأن الغرب لا يريد لروسيا النجاح في سوريا وكل سوري يعارض الموقف الروسي يصبح ببساطة "إرهابياً".

أعتقد أن بايدن هناك سيكون مختلفا عن الرئيس أوباما وبالطبع ترامب الذين تجاهلا الانتقال السياسي في سوريا وقاما بالتركيز في القضاء على تنظيم داعش وإهمال الوضع الإنساني والاقتصادي المزري للسوريين في الشمال السوري وفي مناطق النظام، على الولايات المتحدة هنا أن تنشط دبلوماسيتها السياسية بحدها الأقصى لبناء أو إعادة بناء تحالف أصدقاء سوريا بهدف زيادة الضغوط على روسيا ونظام الأسد من أجل القبول بحل سياسي يضمن تطبيق القرار 2254 وربما مدخل إدارة بايدن هنا بعد فشل المفاوضات السياسية في جنيف وأستانا هو الدفع باتجاه انتخابات رئاسية وبرلمانية في سوريا تحت إشراف كامل من الأمم المتحدة كما ينص القرار 2254 ، على أساس أن الانتخابات هي وحدها من يسمح بولادة حكومة تمثيلية تسمح ببسط سيادتها على كل الأراضي السوري وتدفع باتجاه خروج كل الميليشيات الأجنبية وعلى رأسها الميليشيات الإيرانية.

وفي الوقت نفسه يجب على الولايات المتحدة أن تفعّل قانون قيصر بفرض عقوبات على الشركات والمصالح الروسية التي تقوم بانتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا وعدم اقتصار العقوبات على الشركات والأفراد السوريين والإيرانيين فمن المهم أن تدفع روسيا ثمن جرائمها في سوريا وأن تفكر جديا في جدوى استمرار دعمها لنظام الأسد مع تحول سوريا إلى دولة فاشلة بالكامل مع انعدام كل مقومات الحياة الأساسية من انعدام للغاز والوقود ومياه الشرب والكهرباء فضلا عن تقنين رغيف الخبز عبر ما يسمى البطاقة الذكية بسبب انخفاض محصول القمح وعدم قدرة النظام على شراء القمح لانعدام العملة الصعبة لديه.

كما من المهم على إدارة بايدن اشتراط إعادة الإعمار بالانتقال السياسي، فلا يمكن لنظام الأسد أن يحصل على عائدات جرائم الحرب التي ارتكبها بحق السوريين عبر ما يسمى إعادة الإعمار، والضغط على الدول العربية التي تفكر في تطبيع العلاقات معه بفرض المزيد من العقوبات عليها وعلى الشركات التي تحاول مساعدة نظام الأسد في حربه ضد الشعب السوري.

=========================

التغيير والفوضى وتقلبات السياسة في سورية

لؤي صافي

العربي الجديد

الاثنين 30/11/2020

واجهت الثورة السورية صعوباتٍ عديدة خلال السنوات الماضية، تعود في معظمها إلى ثقافة سياسية متوارثة منذ استقلال البلاد عن المستعمر الفرنسي على أقل تقدير. لن أدخل، في هذه العجالة، في كل المشكلات والتحدّيات التي تواجه سورية، وتواجه قوى الثورة والمعارضة، ولكن أكتفي بنقاط أساسية ثلاث، يقتضي أخذها بعين الاعتبار، ليس من أجل تقديم حلول جذرية للمشكلات، لأن حلها يحتاج إلى زمن وتجربة عملية، بل لتطوير خطوات واضحة ومباشرة للتخفيف من أثرها السلبي على عمل قوى الثورة والمعارضة... لا بأس من التنويه، في البداية، إلى أن معظم أخطاء الثورة ناجمة عن الفوضى التي تحيط بكل الثورات، وعن تعقيدات المشهد الناجم عن إصرار النظام على استخدام العنف المفرط لمنع التغيير، أو التفاعل مع مطالب الثوار، والمصالح الجيوسياسية المتعدّدة في المشرق. الثورة حدث عفوي تتحرّك من خلاله الشعوب لمواجهة أنظمةٍ تمتلك أجهزة أمنية واستخبارية متطورة. وعلى الرغم من صعوبة المشهد الحالي، والتحدّيات العديدة التي ما زالت تحيق بسورية وشعبها الأبي المعطاء، يجب القول إن الثورة السورية حققت إنجازاً تجاوز كل التوقعات، إذ استطاعت قهر دولةٍ أمنيةٍ من الواضح أنها أعدّت جيشاً لا لمصارعة أعداء الوطن، بل للتحكّم في الأغلبية السورية وإخضاعها لنظام طائفي مستبد وفاسد. ويعود بقاء النظام اليوم إلى التدخل الإيراني، ثم الروسي المباشر، وفق تفاهمات دولية تشمل دولا عربية وأخرى غربية، وهو أمر ما كان لأحد منا أن يتوقع حصوله في القرن الحادي والعشرين، وهو لذلك واقعٌ لم تأخذه الثورة بعين الاعتبار.

استطاعت الثورة قهر دولةٍ أمنيةٍ أعدّت جيشاً لا لمصارعة أعداء الوطن، بل للتحكّم في الأغلبية السورية وإخضاعها لنظام طائفي مستبد وفاسد

النظر إلى التحدّي القائم والخطوات المستقبلية للتعامل معه بعد تجربة عقدٍ ليس كما قبله. ثمّة حاجة إلى بناء الخطوات المقبلة وفق تعقيدات المشهد الحالي، وهذا يحتاج إلى جهد نظري وعملي كبير، يتجاوز ما يمكن تضمينه في مقالة الرأي هذه، لعل السوريين الأحرار يحملون هذه المهمة في الأيام والأشهر والسنوات المقبلة. سأقتصر لذلك، في هذه العجالة، على تحديد أخطاء استراتيجية ثلاثة وقعت فيها الثورة، وخصوصا جناحها السياسي. لأني أميز بين مسارين متوازيين ضمن الثورة، العسكري والسياسي. تولّد المسار العسكري من جهود الشباب السوري غير المسيس الذي تحرّك للدفاع عن الشرف والكرامة، بعدما هاجمت مليشيات الأسد القرى والمدن السورية بمساعدة المليشيات الطائفية التي جنّدتها إيران لدعم النظام، ومارست أبشع أنواع القتل والتنكيل والاغتصاب. أما الجناح السياسي فمثلته قوى المعارضة، وناشطون سياسيون وحقوقيون كثيرون. ويمكن تمييز أخطاء استراتيجية أدّت بمجموعها إلى ما نحن فيه اليوم.

على السوريين الأحرار أن يكونوا مستعدّين ومتماسكين، عندما تتحوّل رياح السياسة باتجاههم

أولاً: اختراق القوى الدولية والإقليمية الجناح العسكري منذ الأشهر الأولى، فقد خضعت الكتائب المقاتلة إلى خطةٍ كانت تهدف، منذ البداية، إلى امتصاص الزخم العسكري للثورة. خضعت الكتائب المقاتلة لغرفتي الموك والموم التي قامت بتوجيه الكتائب، وربط تحرّكاتها بتوجيهات عسكرية من قيادة الغرفتين. ومع ذلك، تمكنت الكتائب من قلب المعادلة العسكرية، ما دعا القوى الدولية إلى التدخل المباشر لمنع سقوط النظام. العمل العسكري أمر معقد، خصوصا في سياق الصراع الجيوسياسي الذي يحيق بسورية، والرهان العسكري في هذه اللحظة يجب ألا يكون الرهان الأول. القوى المعارضة لنظام الاستبداد في سورية لم تختر الصراع العسكري برضاها، بل فُرض عليها من خلال استراتيجية العسكرة التي اعتمدها النظام بتحويل الجيش السوري إلى قتال أبناء الوطن، ما أدّى إلى انقسام الجيش، وحمل عديد من مقاتليه السلاح ضد قيادته التي ارتكبت جرائم إنسانية، باستخدام السلاح الوطني ضد المواطنين. لم يكتف نظام الأسد بذلك، ولكنه دعا المليشيات الطائفية الشيعية لدخول البلاد ومحاربة أبنائه، وسهّل جهود المليشيات السنية الطائفية في دخول المناطق المحرّرة من شمالي العراق. وانتهت الثورة السلمية إلى ثورة مسلحة، لينجح النظام بتحويل الصراع من أجل الحرية إلى حربٍ طائفية أولا، ثم إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية، أخفت بدخانها حقيقة الإرادة السورية الحرية في بناء دولة القانون والحرية والمساءلة والتداول السلمي للسلطة. وبدلا من إضعاف الثورة، أدّى خلط الأوراق السياسية والقومية والطائفية إلى إضعاف النظام الذي انهار عسكريا لحظة التدخل الروسي الذي باركته دول عربية وإقليمية، بل سعت إلى تحقيقه، ولعبت فيه كل من إسرائيل والإمارات وسيطا بين القيادتين، الروسية والأميركية.

خضعت الكتائب المقاتلة إلى خطةٍ كانت تهدف، منذ البداية، إلى امتصاص الزخم العسكري للثورة

ثانياً: الانقسامات الفئوية داخل المعارضة السياسية نتيجة عدم قدرتها على تشكيل تيار وطني متماسك، يحمل رؤى وأهدافا متقاربة، بل بروز عدد كبير من الكتل والمجموعات السياسية صغيرة الحجم كبيرة الادّعاء. تمحورت الانقسامات حول مصالح سياسية قريبة، وتحالفات مع قوى إقليمية، ما ولّد داخل المؤسسات، وخصوصا الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، استقطاباتٍ صبت في مصالح الصراعات الإقليمية، لا المصلحة الوطنية. وتولد الاستقطاب الأكبر عن تنازع بين أصحاب المال السياسي التابعين لقوى إقليمية متصارعة للتحكّم في المشهد السوري داخل أروقة المعارضة. وكانت لهذه الخلافات نتائج عميقة على مسار الثورة، فالخلاف الذي جرى داخل "الائتلاف" بشأن اختيار رئيس وزراء الحكومة المؤقتة، على سبيل المثال، حال دون تشكيل الحكومة المؤقتة لتنظيم شـؤون المناطق المحرّرة في بداية عام 2013، وأدّى إلى تأخير التصويت حتى النصف الأخير من ذاك العام، بعد أن تمكن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بتشجيع من نظام الأسد لدخول الشمال السوري والتحكّم فيه، ما جعل دخول الحكومة المؤقتة غير ممكن.

تحويل الجيش السوري إلى قتال أبناء الوطن أدّى إلى انقسامه، فحمل عديد من مقاتليه السلاح ضد قيادته التي ارتكبت جرائم إنسانية

ثالثاً: ضعف التنظيم والتخطيط، والذي تجلى برفض تطوير خطة استراتيجية للتعامل مع الأزمة السورية، والتعويل الكامل على التحرّكات والقرارات الدولية. وفي غياب الجهود الحقيقية للعمل التنظيمي والإداري، والتواصل مع القوى الشعبية في الداخل السوري، اقتصرت جهود المعارضة السورية على التواصل الإعلامي والدبلوماسي. أضف إلى ذلك عدم تقيد مكاتب مؤسسات المعارضة بقواعد النظام الداخلي ولوائح تنظيم العمل المؤسّسي، وبالتالي العمل على تجاوزها أو ليّها، لتحقيق خيارات القوى المتحكّمة بمراكز القرار داخل المعارضة. وهكذا وقعت المعارضة السورية فيما وقع فيه النظام من إدخال عناصر مؤيدة ضمن "الائتلاف"، لم يكن لها دور سوى ترجيح كفّة طرف ضد طرف آخر. تجلّى الضعف التنظيمي أيضا في جهل قيادات عديدة في المعارضة أن جوهر العمل السياسي هو خدمة المجتمع وبناء المؤسسات الخدمية لصيانة المجتمع في المناطق المحرّرة، وتقوية العلاقة بين القيادة السياسية والمجتمع، وليس الاعتقاد أن السياسة تقتصر على الاهتمام بمسائل السلطة بدلا من قضايا المجتمع. يمكن إيضاح ذلك بحوار جرى بين أحد قادة إحدى مؤسسات المعارضة ومسؤول في دولةٍ كانت داعمة في البدايات للثورة. عندما عرض المسؤول على القيادة تقديم دعم للخدمات الاجتماعية في المناطق المحرّرة، قاطعه المعارض الصنديد قائلا: إننا نريد أن نتحدث في المسائل السياسية. فأجابه ألا ترى أن توفير هذا الدعم للمناطق المحرّرة مسألة سياسية. فأجابه المعارض بعفوية بدت أقرب إلى الوقاحة: لا نريد الحديث في مسائل دعم المشاريع العامة، ولكن في قضايا السياسة.

في غياب الجهود الحقيقية للعمل التنظيمي والإداري، والتواصل مع القوى الشعبية في الداخل السوري، اقتصرت جهود المعارضة السورية على التواصل الإعلامي والدبلوماسي

الأخطاء الثلاثة المذكورة كبيرة وقاتلة في صراع معقّد، وهي تعود، بطبيعة الحال، إلى أسباب ثقافية وبنيوية، تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين لتجاوزها، لكن هذا لا يعني أننا غير قادرين اليوم على التخفيف من حدّتها، وتجاوز بعض آثارها السلبية. وثمة خطوات ضرورية ثلاث يمكن اتخاذها اليوم لتحسين العمل السياسي لمواجهة الحالة السورية.

الأولى: تطوير استراتيجية تعيد الصراع في سورية إلى صراع بين السوريين الأحرار الداعين إلى تغيير ديمقراطي من جهة والنظام الاستبدادي الطائفي القابع على صدور السوريين من جهة أخرى، فمع توسعة المشاركين في مؤسسات المعارضة، بحيث دخل فيها عدد كبير ممن هم أقرب، في تفكيرهم السياسي الوصولي، إلى ممثلي النظام، ضاعت الأولويات، وأصبح الهم اقتسام ما يمكن اقتسامه من مناصب سياسية بوجود النظام. وهذا خطأ جسيم، سيكرّس حالة الاستبداد والفساد، ويضرب بعرض الحائط تضحيات السوريين. والسوريون بحاجة اليوم إلى جبهة أو تنظيم يحمل هموم الثورة ومطالبها، ويتميز في خطابه ومطالبه عن المؤسسات المحسوبة على الثورة والقوى المطالبة بالتغيير بعد خروج مؤسسيها ورموز المعارضة السورية.

المطلوب تشكيل جبهة وطنية تمثل قوى التغيير الديمقراطي في سورية من قيادات المعارضة التي لم تمارس المقاولة السياسية

الثانية: رفع زخم التعاون والتواصل بين الناشطين السياسيين وقادة منظمات المجتمع المدني السوري في داخل البلاد وخارجها، والتركيز على التواصل مع المنظمات الحقوقية الدولية ومنظمات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية، لفضح التواطؤ الدولي مع النظام، وإحراج القيادات التي توهم شعوبها بأنها تعمل على وقف مستوى الإجرام في سورية، في حين أنها تعمل مع قادة الثورات المضادّة في العالم العربي لخنق مطالب الشعوب في حياة حرة كريمة ضمن دولة القانون والمشاركة السياسية.

الثالثة: تشكيل جبهة وطنية تمثل قوى التغيير الديمقراطي في سورية من قيادات المعارضة التي لم تمارس المقاولة السياسية، وبقيت صادقةً في التزامها بقيم الحرية والمشاركة السياسية والعملية الانتقالية العادلة، ورفض نظام الاستبداد والإصرار على استبداله. يمكن لجبهة وطنية صغيرة أن تختزل العدد الكبير من المنصّات السياسية التي يمثل كل منها عددا قليلا من الناشطين، وتسعى إلى تمثيل المطالب الرئيسية لقوى التغيير الديمقراطي في سورية، وتحافظ على التماسك الداخلي بين المعارضين السوريين من خلال نظام للتواصل واتخاذ القرار، وتبقى في تواصلٍ مستمرٍّ مع الحراك المدني وقادة الرأي والمجتمع السوري. لا شك في أن الظرف السياسي الحالي غير مناسب لتحركات سياسية واسعة، فالرياح السياسية تسير اليوم عكس حركة التحرّر السوري من الاستبداد. لكننا نعلم جميعا أن الرياح السياسية غير ثابتة، بل متغيرة باستمرار، وعلى السوريين الأحرار أن يكونوا مستعدّين ومتماسكين، عندما تتحوّل رياح السياسة باتجاههم. ويمكنهم خلال الفترة الوسيطة بناء شبكات علاقات مع القوى التي تتحرّك فعلا لدعم الشعب السوري والقضية السورية، واكتساب دعم المنظمات الحقوقية والمدنية العالمية، لتصبح قوة ذات حضور وطني ودولي، وذات جاهزية لتكوين بديل مقنع عن النظام لحظة انهيار دعائمه الخارجية.

=========================

ما العمل؟ عن السؤال الصعب الذي يؤرّق السوريين

برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 29/11/2020

أولا، القضية السورية في الطريق المسدود:

بعد ما يقرب من عشر سنوات من الصراعات الدموية داخل سورية وعليها، وما رافقها من حرب الإبادة والتغيير الديمغرافي، وما نجم عنها من انهيارات في الدولة والمجتمع والثقافة والخدمات الاجتماعية، ومن دمار العمران وتهجير ملايين البشر وإلحاقهم بمخيمات النزوح واللجوء، وأكثر من عقد للخروج بتسويةٍ، ولو على حساب تنازلات شعبية كبيرة، لا تزال القضية السورية في طريق مسدود، ولم ننجح في التقدّم خطوة واحدة على طريق حلها، بل إنها تزداد تعقيدا، مثلما يزداد الوضع تعفنا على جميع المستويات. والسبب هو، ببساطة، أننا خسرنا الحرب، لكن النظام لم يربح شيئا، ولكنه غرق في الدماء التي سفكها، وسوف يزداد غرقا كلما تقدّم الزمن، ولا يملك أي مخرج بديل للمخرج الذي يسعى، هو وجميع حلفائه، لتجنبه، أي السقوط الحر في هاوية الفوضى والخراب والعذاب التي لا قعر لها.

والقضية التي نتحدث عنها ليست معجزة. إنها، ببساطة، التغيير السياسي، والانتقال من حكم الأسرة والعشيرة والمافيا، الذي فقد مرتكزاته الداخلية تماما بعد ثورة السوريين، إلى حكمٍ يخضع لإرادة الشعب، بالمعنى المتعارف عليه، والمعبّر عنه بصندوق الاقتراع، كما أصبح عليه معيار الحكم الصالح في هذا العصر في كل بقاع العالم. وهي القضية التي لا تزال معلقةً وممنوعة من الصرف، والتي من المستحيل، في الوقت نفسه، تجاوزها أو المرور من فوقها، ليس لأن ثمنها دفع مسبقا من دماء ملايين الناس وذلهم وقهرهم وتهجيرهم وتعذيبهم، ولكن أكثر من ذلك، لأنها أصبحت طافيةً على سطح الأحداث والأفكار والحياة السورية بأكملها، وصارت مصدر خرابٍ تشكل الدولة ذاتها أكبر ضحاياه. ولم يعد بالإمكان إيجاد أي حلٍّ لأي مشكلة، صغيرة أو كبيرة، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو تربوية أو صحية، من دون إصلاحها. وكلما تأخرت المواجهة والحل زاد التعفّن والخراب، وتفاقمت مشكلات السوريين جميعا، من القاعدة إلى القمة.

خسرنا الحرب، والنظام لم يربح شيئا، فقد غرق في الدماء التي سفكها، وسوف يزداد غرقا كلما تقدّم الزمن

هناك بالتأكيد أنظمة استبدادية أو ديكتاتورية دموية ربحت الحرب ضد ثورات شعبية، واستطاعت أن تستعيد توازنها، وتعيد ترميم بعض الشرعية، لأنه كان لديها مشروع سياسي للمجتمع والدولة، ولو عملت عليه بوسائل قمعية. وهذا كان مصير نظم شيوعية قديمة عديدة. أما الأسد فلا يحمل في جعبته ومعسكره أي مشروع سياسي يعني المجتمع بأكمله، ولا حتى طبقة منه، وإنما الإصرار على إعادة تثبيت السلطة العائلية المافيوية، وهذا ما يتطلب بعد ثورة عارمة تجديد وزيادة الاستثمار في إعادة بناء آله القهر والقمع والتلاحم أكثر مع قوى الاحتلال الأجنبية التي أصبحت صاحبة الكلمة الطولى في كل القرارات السياسية، المصيرية وغير المصيرية، واستكمال حرب الإبادة الجماعية والتفرقة الطائفية، تنويع سبل البلطجة والسلب والنهب لموارد البلاد والسكان، لتعويض ما حرمته منه الحرب من عوائد وكلّفته من نفقات. ما يعني أيضا تعزيز سياسة التغيير الديمغرافي، وتجزئة البلاد وتفكيكها، وتحييد كل منطقة بالمنطقة المجاورة، وتسعير الخلافات والنزاعات الطائفية والمذهبية والأقوامية. هذا هو المشروع الوحيد الذي يحمله تجديد حكم الأسرة، أي وضع الدولة، كما لم تكن في أي وقت سابق، في خدمة النشاطات المافيوية، وتعميم طرق عملها ووسائلها في القتل والعنف والاحتيال، وتحويل الشعب إلى أدوات وخدم يتسولون لقمة عيشهم على أبواب مليشياته، وفي حاويات فضلات جيوش احتلاله، ولا خيار لهم سوى الركوع أمامه والتضرّع له. وهذا لا يعني في الواقع سوى شيء واحد، هو استمرار الحرب لكن بوسائل أخرى، فلن تستطيع المافيا التوقف عن العنف، ولن يتوقف الشعب عن المقاومة، مهما كلفته من خسائر وتضحيات.

في المقابل، لا يبدو أن هناك عند أحد مما يسمى المجتمع الدولي، أو ينتمي إليه، أي اعتبار لمصير الملايين من الناس المشرّدين والأطفال المحرومين من التعليم، بل من الكساء والدواء والطعام. وحتى شهرزاد الدول التي سمّت نفسها "تجمع أصدقاء الشعب السوري" سكتت عن الكلام المباح. لا يوجد، منذ عشر سنوات، إلا الألاعيب السياسية الصغيرة والغش والاحتيال الدبلوماسي واللفظي والاستهزاء بعقول الناس ومشاعرهم، وتركهم لمصيرهم. يتهرّب الجميع من مسؤولياته، ويخفي هربه وراء دعم بعض المنظمات الإنسانية، في انتظار معجزةٍ لم تأت ولن تأتي.

لا يبدو أن لدى المجتمع الدولي أي اعتبار لمصير الملايين من الناس المشرّدين والأطفال المحرومين من التعليم، بل من الكساء والدواء والطعام

ولا يختلف عن ذلك موقف مؤسسات المعارضة التي تحاول التغطية على عجزها ومراوحتها في المكان ببعض الاستعراضات المضحكة. بالمقابل، لا تكفّ معنويات الناس عن التدهور والانهيار بوتيرة تدهور شروط حياتهم اللاإنسانية وانهيارها، حتى بلغ اليأس مداه، بينما لا تزال مافيا النظام وحماتها من الروس والإيرانيين يراهنون على خداع المجتمع الدولي، ويسعون إلى كسب الوقت لإعادة تأهيل النظام.

ثانيا، وهم الرهانات الخارجية

ما الذي أودى بنا إلى هذه الهاوية، وأفقدنا أي مقدرة على التأثير على مصيرنا، وحرمنا من أي اختيار؟ لا يوجد عامل واحد وراء الأحداث الكبيرة، وإنما تضافر عوامل متعدّدة. وفي حالتنا المأساوية، لا يمكن الشك في أن الصراعات الإقليمية والدولية المستمرة، والموقع الجيوسياسي والاستراتيجي الذي تمثله سورية، كانا حاسميْن في تحويل الصراع من صراع سياسي داخلي إلى صراع إقليمي ودولي، لم يعد للسوريين مكان مؤثر فيه. لكن افتقارنا، في الثورة والمعارضة، إلى استراتيجية واقعية وناجعة، للرد على هذا العداون المتعدّد الأطراف، الداخلي والخارجي، لعب دورا لا يمكن إنكاره في ما وصلنا إليه. وأعتقد أن ما حدّ من قدرتنا على بلورة مثل هذه الاستراتيجية الناجعة تعلقنا بأوهام ثلاث، لا نزال لم نتحرّر منها.

الوهم الأول وجود التضامن الدولي مبدأ فاعلا في السياسة. اعتقدنا، مثل شعوب ضعيفة كثيرة في حالتنا، أن العلاقات الدولية مبنية على مواثيق وقوانين وأعراف دولية، لا يستطيع أي طاغية أن يتجاوزها، أو أن لا يحسب حسابها، أو على الأقل أن يمرّ بمشروع حربه الإبادية من دون أن يستثير رد فعل من الموقعين على تلك المواثيق والقوانين، وأن يدفع ثمن خرقها. لكن أثبتت الوقائع، للأسف، أنه لا يزال من المبكر رهان الشعوب الضعيفة على مثل هذا المبدأ الأخلاقي في الحياة الدولية، فقد مرّ الأسد بمشروعه، واستمر في حربه الإبادية من دون أن يستفز أحدا أو ينال عقابا من أحد.

الموقع الجيوسياسي والاستراتيجي الذي تمثله سورية كانا حاسميْن في تحويل الصراع من صراع سياسي داخلي إلى صراع إقليمي ودولي

الوهم الثاني انحياز الغرب الديمقراطي، بل دعمه الحتمي أي مشروع ثورة أو تغيير ديمقراطيين في العالم. وهو الوهم الناجم عن الاعتقاد بوجود تناقض استراتيجي وحتمي بين معسكري الديمقراطية والديكتاتورية، وأن الغرب الديمقراطي لا يمكن، من منطلق حماية مصالحه ذاتها، أن يتخلى عن دعم حركاتٍ ديمقراطيةٍ تقرّب منه بلدانا وشعوبا ترزح تحت سلطة الاستبداد. وقد شهدنا في سورية تعاونا استثنائيا بين الدول الديمقراطية الغربية والنظم شبه الشمولية في موسكو وطهران، لم نعهده أو لم ندرك إمكانية تحققه من قبل. وكم كان صعبا إقناع النشطاء في السنة الأولى للثورة بأن الغرب الديمقراطي لم يكن جاهزا لنجدة الثوار السوريين، حتى لو طالبوا بذلك، وأعلنوا يوما للتظاهر باسم "جمعة التدخل الدولي".

لكننا ندرك اليوم أن دمقرطة العالم ليست على أجندة أيٍّ من الدول الديمقراطية، وأن ما يهم هذه الدول، وما يهيمن على جدول أعمالها، بالدرجة الأولى والثانية والعاشرة، هو "الأمن" والأمن وحده، قبل أي مبدأ أو غاية أخرى. وهي تعتقد، لسوء حظها وحظنا، أن أمنها الذي يتخذ طابعا هوسيا اليوم يتحقق بشكل أفضل أو أوثق من خلال دعم النظم الديكتاتورية، خصوصا في تلك البلدان التي تعرف مسبقا أن أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة عميقة ومعقدة، لا يستقيم حلها من دون تعديلاتٍ في السياسات العالمية، وتقديم تنازلاتٍ مكلفة من الدول المتقدّمة للدول النامية والفقيرة في المسائل الاقتصادية والاستراتيجية. الوهم أن الدول التي تبني قوتها على استغلال البلدان الفقيرة واستخدامها لتحقيق مآربها الاستراتيجية يمكن أن تكون عونا في دعم التحولات الديمقراطية خارج نطاق ناديها هو من مخلفات أوهام الحرب الباردة.

والوهم الثالث حتمية انتصار الحق، والاعتقاد بأن الحق سلطان، وأن عدالة ثورتنا السلمية لا يمكن أن تخفى على أحد، وأن الظلم الفادح الذي يتعرّض له شعبنا، الواضح كوضوح الشمس، لا يمكن ألا يستفز ضمير العالم ويحثّه على الانتصار لقضيتنا والتفاعل معنا. وقد تبيّن لنا أن الحق لا ينفصل في السياسة والعلاقات الدولية عن المصلحة، وأنه من الممكن لتوافق مصالح أخرى أن يغيبه تماما، أو حتى يحول دون الاعتراف به وإنكاره إذا اقتضى الأمر، حتى من دون أن تكون هذه المصالح المتوافقة شرّيرة بالضرورة أو قائمة على نية الشر. وهذا يعني أن الحق في عالمٍ قائمٍ على التنازع والصراع لا يضمن بالوراثة، ولا يثبت بالقانون وحده، وإنما ينتزع ويفرض بالقوة. وأن القانون من دون قوة تطبيقه لا قيمة له ولا أثر. وفي حالتنا السورية، لم نكن ضحية تحالف مصالح مناقضة لتثبيت حقنا في التغيير والسيادة والتنمية والحرية فحسب، وإنما أكثر من ذلك ضحية تقاطع مصالح دولية يصعب التوفيق بينها. فكما أن لدى دول كثيرة، إقليمية وغير إقليمية، مصالح مشتركة في أن تبقى سورية مسرح حرب تخوض عليه معاركها وتحل عقدها، ليس لديها أي مصلحة مشتركة في أن تعود سورية مستقلةً وحرّة وموحدة.

دمقرطة العالم ليست على أجندة أيٍّ من الدول الديمقراطية، فما يهمها بالدرجة الأولى والثانية والعاشرة، هو "الأمن" والأمن وحده

ليس من مصلحة طهران وقف النزيف السوري، وإنما بالعكس، الدفع نحو مزيد من التفكّك والتمزّق والتعفّن، لتحقيق حلمها في تغيير مذهبي وديمغرافي واستراتيجي إقليمي، تعتقد أنه من مصالحها الاستراتيجية وحقها، وقد تقدّمت خطوات واسعة على طريق إنجازه. وفي المقابل، من مصلحة روسيا تأهيل النظام، وعدم المغامرة بما حققته من مكتسبات استراتيجية كبرى في ظله ومعه، وأي حل للقضية السورية يهدّد هذه المكتسبات أو يعيد النقاش فيها. ولا يمكن لإسرائيل أن تحلم بوضع أفضل على حدودها الشمالية من الوضع الذي أخرج سورية من أي حساباتٍ استراتيجية عقودا طويلة مقبلة، وربما أدى إلى زوالها كدولة موحّدة. ومن الأفضل لأنقرة، بل لا خيار لها، خوض الحرب الكردية التركية المستمرة منذ أكثر من خمسة عقود على الأرض السورية من خوضها على الأراضي التركية. أما دول الخليج، فيشكل الانهيار السوري فرصة لا تفوّت للتحلل من التزاماتها العربية القومية السابقة، وتجاوز حاجز القضية الفلسطينية للتفاهم مع إسرائيل، والتعويض عن انسحاب الإدارة الأميركية الاستراتيجي من المنطقة، بتحالف استراتيجي إقليمي قوي ليس في مواجهة طهران فحسب، ولكن في مواجهة ثورات الشعوب الجديدة القادمة. أما أميركا فقد وجدت في الجزيرة السورية أرضا داشرة، تبني عليها قواعد عسكرية ومشاريع خاصة، من دون أي التزامات قانونية تجاه أي دولةٍ أو سلطة سيادية. ولا يبدو أن إدارة الرئيس جو بايدن الجديدة ستغير موقفها جذريا، وتحمل على عاتقها عبء العمل على إزالة الانتداب/الاحتلال المتعدّد الأطراف على سورية.

ثالثا، في سبيل وقف التفكّك والانهيار

كنت دائما أعتقد، ولا أزال، أن القضية السورية لا حل لها إلا بأحد أمرين: تفاهم دولي أو تفاهم وطني داخلي. التفاهم الدولي، كما شهدنا، كان أحد رهاناتنا الوهمية الخادعة، وهو غير متوفر وغير محتمل حتى الآن. ولو استسلمنا له سوف ننتظر على الأغلب طويلا. وحتى لو تبدّلت الأوضاع وصدف وحصل التفاهم بين بعض الدول المعنية، فلن تكون التسوية فيما بينها إلا على ما يوافق مصالحها، ولن يهتمّ أحدٌ منها بتلبية مطالب الشعب، ولن يكون من مصلحة أحد مساعدتنا على استرجاع سيادتنا ورد حقوقنا المسلوبة. أما القرارات الدولية فبإمكانها الانتظار سنوات طويلة، كما حصل لأشقائنا الفلسطينيين من قبل.

ليس من مصلحة طهران وقف النزيف السوري، بل الدفع نحو مزيد من التفكّك والتمزّق والتعفّن، لتحقيق حلمها في تغيير مذهبي وديمغرافي واستراتيجي إقليمي

أما العودة إلى الحرب والحلول العسكرية، فقد استنفدت أغراضها وتجاوزها الزمن. ولم يبق لنا من وسائل التغيير، اليوم، سوى العمل السياسي والاستثمار في إعادة بناء الوطنية، ولا أعني بها هنا إلهاب الحماس العاطفي أو التعصب القومي، إنما السياسة التي تهدف إلى إعادة توحيد الشعب الذي قسّمته الحرب وحكم العصابة المافيوية والاحتلالان، الداخلي والخارجي. وهذا لا يأتي من تلقاء نفسه مهما أطلنا الانتظار، ولا يمكن المراهنة في تحقيقه على المبادرات الخارجية، حتى الإيجابية منها. إنه يحتاج إلى عمل بطيء ومثابر وطويل وشاقّ لرأب الصدع. ويستدعي الابتكار في كسر جدران الكراهية والحقد والانتقام التي ولدتها الحرب، كما يتطلب الإبداع في فتح النوافذ والمعابر الصغيرة لإعادة التواصل واستعادة روح الحوار والاهتمام والاحترام المتبادل المفقود.

لا ينفي هذا المسار ولا يستدعي التخلي عن القرارات الدولية التي أقرت للسوريين الحق في الانتقال السياسي الديمقراطي، ولكنه يردّ على فشل المجتمع الدولي في تطبيقها، بعد ما يقارب السنوات العشر من إقرارها. وهو ينطلق من اعتبار ما أظهره النظام من فشل في تحمّل أي ذرةٍ من المسؤولية تجاه محنة الشعب التي تسبب فيها، واستمرائه في معاقبته وتعظيم معاناته وعذاباته، ومن التطلع إلى توحيد إرادة السوريين في التحرّر من براثن حكمه المافيوي، ومن الأمل في عودة الوعي إلى عديدٍ من فئات الشعب التي خدعها الأسد، بعد انكشاف ما آلت إليه حياة جميع السوريين، بسبب سياساته اللاوطنية، بل الانتحارية. هذا هو الطريق لتجاوز العطالة والعجز والدوران في الحلقة المفرغة المستمر منذ سنوات. ولا ينبغي، وليس من مصلحة السوريين الاستسلام لأمل تفاهم دولي سريع محتمل لتحقيق مصالحةٍ لا يمكن لأحد إنجازها غير السوريين، ولا يمكن إنجازها إلا بإنصاف الضحايا وإنزال العقاب العادل بمرتكبي جرائم الحرب من كل المناطق والانتماءات.

هل نستطيع، نحن السوريين، أن نخرج من خندقي المعارضة والموالاة، ونفكّر معا كشعب في شروط الخروج من الحرب وإقامة السلام

لا أظن أن أحدا يملك رؤية واضحة للطريقة التي يمكن أن نتغلب فيها على حاجز الشك والخوف والكراهية، ونتجاوز خنادق العداء وانعدام الثقة، والتجرّؤ على المكاشفة ومصارحة الذات. ولا توجد أي إجابة جاهزة أو سهلة على مثل هذه الأسئلة الصعبة. ولكن بسبب ذلك أيضا أردت أن يكون هذا المقال مبادرة لدفعنا جميعا، على مختلف مشاربنا وطوائفنا واتجاهاتنا السياسية والفكرية، إلى التفكير والتأمل في مصيرنا الجماعي والوطني، والبحث معا عن خياراتٍ أخرى غير خيار التوكل والانتظار.

هل نستطيع، والمقصود هنا السوريون، أن نخرج من خندقي المعارضة والموالاة، ونفكّر معا كشعب في شروط الخروج من الحرب وإقامة السلام، ووضع أسس نظامٍ جديدٍ لا يقوم على الخوف والترويع المتبادل، ولا يستند إلى قوة القهر والإقصاء والعنف، ولكنه يراهن على تنمية روح المواطنة الحرّة والمسؤولية الجماعية والقيم الإنسانية، ويحل مشاعر الألفة والأخوة والعدالة محل مشاعر التعصب والعصبية القبلية، والألفة والثقة الوطنية محل الانحيازات الطائفية والانقسامات القومية؟

هذا هو التحدّي الكبير الذي نواجهه اليوم كسوريين، وليس كمعارضة فحسب. ولا يوجد تحد آخر سابق عليه. والتوافق على هذا المبدأ ــ الحوار هو خطوة أولى لإطلاق التفكير بأي حل. فكي نعيد بناء سورية دولة واحدة، ينبغي أن يكون هناك شعب واحد، وأن تكون لدينا القدرة والاستعداد معا للعمل من أجل تحقيق هذه الغاية الضرورية والنبيلة معا. ولا أشك في أن سورية تمتلك ما يكفي من العقول الحكيمة والنيرة وأصحاب الإرادة الطيبة الذين يدركون أن السير في هذا الطريق، الذي يعني للكثيرين منا تجرّع السم، ليس خيارا، ولكنه الشرط الأول لتقصير زمن المحنة والمعاناة عن أبنائنا، وتقريب زمن التعافي وتجنيب سورية، بلدا وشعبا، مخاطر التفكّك والانحلال. وأنا على ثقةٍ من أن لدى الروح التي تسكن هذه البقاع، العريقة في حضارتها وإبداعها، القدرة الدائمة على أن تولد من رمادها، كطائر الفينيق الذي نسجته من خيالها منذ آلاف السنين، والذي يبقى الأعمق والأجمل بين رموز خرافاتها الغنية والملهمة.

=========================

زمن الهجرة السورية إلى الصومال

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 29/11/2020

تحدث نقيب أطباء سوريا الدكتور كمال عامر منذ أيام عن هجرة أطباء سوريين، من بين زملائه، إلى الصومال. وقال على قناة التلفزيون الرسمية أن سبب ذلك يعود إلى أن المرتبات في الصومال أفضل منها في دمشق.

هذه شجاعة تستحق الشكر، لأن النقيب نقل إلى العلن ما يدور في الكواليس، ولا يستطيع أحد التصريح به رسميا من ناحية، ومن ناحية ثانية لا يقتصر أمر الهجرة السورية إلى الصومال على الأطباء، بل أن هناك تحقيقات صحافية تحدثت عن هجرات عائلية إلى هذا البلد الذي بدأ، منذ وقت قريب، يتجاوز ببطء شديد آثار الحرب الأهلية المديدة.

إلى وقت قريب كان الصومال مضربا للمثل في سوء الأوضاع على المستويات كافة، ولحوالي ثلاثة عقود من الزمن أصبح مصطلح الصوملة يختصر كل ما يمكن أن يلم ببلد من حروب وتدهور وفقر وانهيارات سياسية واقتصادية وأمنية، ولكن هذا البلد بدأ يتعافى، إلا أنه لم يصل إلى وضع يغري أحدا بالهجرة سوى من كان يبحث عن مخرج من وضع ميؤوس منه، ذلك أن الصومال لا يفرض شروطا على الهجرة وأبوابه مفتوحة لمن أراد أن يجرب حظه هناك. إذن فإن السوري الذي قرر شد الرحال إلى الصومال هو الذي يذهب من سوريا الواقعة تحت سيطرة النظام، وبعد أن فقد الأمل في الرحيل إلى مكان آخر. وباختصار باتت شرائح من السوريين تفضل الحياة في الصومال عنها تحت سلطة النظام. وإذا كان الطبيب وصل إلى هذه القناعة فما أحرانا بالمواطن العادي الذي يبحث عن مخرج إلى أي مكان آخر. وهناك معلومات عن عوائل سورية وصلت إلى اليمن الذي يعيش سلسلة من الحروب، وأكثر من 90% من سكانه تحت خط الفقر.

سوريا التي يسيطر عليها النظام باتت في وضع يتفوق في السوء على كل ما عرفناه من فقر وعدم أمان حتى الآن

ما يمكن استنتاجه من هجرات السوريين الأخيرة نحو بلدان يتم تصنيفها في عداد الفقيرة أو غير الآمنة مثل الصومال واليمن والسودان، هو أن سوريا التي يسيطر عليها النظام باتت في وضع يتفوق في السوء على كل ما عرفناه من فقر وعدم أمان حتى الآن، ما يعني أولا انهيار بنية الدولة كليا، عدا عن أنها لم تعد هناك بنى اقتصادية تضمن الحد الأدنى من الحياة، والدليل ما نشهده منذ بداية السنة من طوابير تتزاحم على الأفران من أجل تأمين ربطة خبز، والأمر ذاته بالنسبة للمحروقات. ومن المؤسف أن هذا الوضع الرديء آخذ بالتفاقم، ومرشح أن يبلغ مستويات أخرى من السوء مع قدوم فصل الشتاء. وما هو ملحوظ في دمشق هو أن هناك فئتين تعيشان في هذه المدينة، فئة السلطة وما يحيط بها، وهؤلاء لم يصلوا إلى مرحلة الجوع أو الانتظام في طوابير من أجل ربطة خبز أو جرة غاز، والفئة الثانية التي تقف في الطوابير، وفي كل يوم تزداد حياتها سوءا، وقد تجاوزت خط الجوع، وباتت كل الطرق مسدودة أمامها.

ما أفرزه هذا الحال المأساوي هو أن دمشق تحولت إلى ثكنة عسكرية يحتمي فيها النظام وحاميته، وهؤلاء يتوافر لهم كل ما يريدون، وباقي السكان مجرد فئات هامشية متروكة لمصير مجهول وتعيش على الرمق الأخير. والأمر الغريب هو مساعدات الأمم المتحدة والتي تأخذ مدينة دمشق في حسابها. ومن يتأمل وضع الناس يستنتج أن الذين يقفون في طوابير هم من السوريين الذين لا يصلهم القدر الكافي من المساعدات، وهذا يعني أن النظام يتحكم بالمساعدات الإنسانية ويوزعها حسب معايير خاصة تخدم بقاءه، وليس إيصالها إلى مستحقيها.

يبدو أن هذا الموقف مرشح لانفجار كبير، وهذا ما تحذر منه منظمات الأمم المتحدة، منذ بداية هذه السنة، التي يبدو أن السوريين سوف يسجلونها في تاريخهم باسم زمن الهجرة السورية إلى الصومال.

=========================

أي عالم ستقوده أميركا بايدن؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 29/11/2020

في أول كلمة له، يمكن وصفها بالرسمية، بعد سماح الرئيس المهزوم، دونالد ترامب، ببدء العمل بنقل السلطات إلى الإدارة الجديدة، أعلن الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، أن الولايات المتحدة جاهزة لقيادة العالم، فيما بدا تقديما لوزير خارجيته، أنتوني بلينكن، الذي تحتفي به أوساط الحزب الديمقراطي بوصفه المفتاح الذي ستستطيع من خلاله إدارة بايدن فتح الأبواب التي أغلقتها إدارة ترامب في علاقات أميركا الدولية. ولكن، هل مشكلة أميركا، في علاقاتها مع العالم، تنحصر أساسا بالأدوات، أو حتى بالمناهج المتبعة في إدارة هذه العلاقات؟ وهل يستطيع بايدن، بنيّاته وإرادته فقط، إعادة أميركا إلى موقع القيادة العالمي؟

العالم الذي يقصده بايدن هو الذي كان عشية فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية عام 2008. وأن المعايير التي يتخذها (بايدن) للحكم على قدرة أميركا على قيادة العالم وقبول هذا العالم بهذه القيادة، هي قدرة تلك الإدارة على إنجاز تسوياتٍ تحوز على رضى مختلف الأطراف، مثل الاتفاق النووي مع إيران 2015، واتفاق نزع سلاح بشار الأسد الكيميائي، مع روسيا، 2013، وتفاهمات كيري – لافروف 2016، التي أعطت الضوء الأخضر لروسيا لتدمير المعارضة السورية بمختلف الوسائل والطرق.

تعتقد إدارة بايدن، وهذا واضح من تصريحات فريقه في أثناء الحملة الانتخابية، أن المشكلة تكمن في بعض سلوكيات ترامب التي افتقدت للدبلوماسية، في غالب الأحيان، غير أن ترامب أيضاً كان يعتمد على فريقٍ يمتلك خبرة سياسية رفيعة، وجميع أعضاء فريقه كانوا من أبناء المؤسسات الأميركية، من وزراء خارجيته، ريكس تيلرسون ومايك بومبيو، إلى مستشاره للأمن القومي، روبرت أوبراين. كما أن فجاجة ترامب ونزقه كان سببهما، بدرجة كبيرة، الأعطاب التي خلفتها إدارة أوباما في السياسات الداخلية والخارجية، وعبّر عنها من خلال إلغائه اتفاقياتٍ كثيرة عقدتها إدارة أوباما العسكرية والتجارية التي رأى أنها ليست في مصلحة بلاده.

وتعتقد إدارة بايدن أنها في المبالغة بالدبلوماسية، وتنصيب بلينكن المعروف بدماثته وروحه المرحة، وكذلك بأنه من أشد مؤيدّي التعدّدية، تستطيع إنهاء حرد العالم من أميركا، وفتح صفحة جديدة في العلاقات، ومن ثم العودة إلى المقعد الأول في قيادة العالم، الذي لم يزل محفوظاً، وفي انتظار بايدن وفريقه.

ما يشجع إدارة بايدن على هذا الاعتقاد أنه في فترة ابتعاد واشنطن عن قيادة العالم، واتخاذ إدارة ترامب سياساتٍ شبه انعزالية، لم تظهر قوّة دولية، ولا حتى محور دولي، يتفوّق على القوّة الأميركية، أو حتى يوازيها ويقترب منها، ولا توجد مؤشّرات على ظهور هذه القوّة في وقت قريب، على الرغم مما يقال عن الصعود الصيني والتمرّد الروسي، إلا أنه ما زالت ثمّة مسافة كبيرة تفصل الصين عن الحلول محل الولايات المتحدة الأميركية، تؤكدها المعطيات الاقتصادية، ويعزّزها عدم جاذبية النموذج الصيني، وكذلك ادعاءات روسيا المزيفة عن قدراتها العسكرية والتقنية.

في فترة ابتعاد واشنطن عن قيادة العالم، واتخاذ إدارة ترامب سياساتٍ شبه انعزالية، لم تظهر قوّة دولية، ولا حتى محور دولي، يتفوّق على القوّة الأميركية

غير أن ذلك ليس مبرّراً مكتفياً بذاته، لتعتقد إدارة بايدن أن الزمن الدولي ما زال يقف مكانه منتظراً عودة أميركا إلى قيادته، حيث تشكّلت، منذ بداية الألفية الجديدة، زمن حكم المحافظين الجدد أميركا، توجهاتٌ عالميةٌ جديدةٌ وأوضاعٌ مغايرةٌ أثبتت فشل رؤية فرانسيس فوكوياما، عن سيادة النمط الأميركي عالمياً، وإغلاق التاريخ صفحاته عند هذه الواقعة، وكانت هذه الرؤية قد أبهرت المحافظين الجدد، وجعلتهم ينامون على وسائد من حرير، مطمئنين على تسيدهم العالمي في كل الأحوال والظروف.

ما لم تنتبه إليه النخب الأميركية، من ديمقراطيين وجمهوريين، أن العالم لم يجلس، طوال السنوات السابقة، ينتظر عودة أميركا إلى رشدها

وحتى في الشرق، يمكن ملاحظة زحمة التحالفات القائمة في المنطقة، وقد قطعت شوطاً لا بأس به من التنسيق والتعاون وصناعة الأطر والهياكل التحالفية، وجميعها بمثابة بدائل عن الوجود الأميركي، وتجد فيها أطرافها الفعالية، كما تجنّبها ابتزاز الإدارات الأميركية ومزاجياتها، وهنا يمكن الحديث عن تحالفات قطر وتركيا، وإسرائيل وبعض دول الخليج.

ومؤكّد أن سياسات الإدارات الأميركية، على مدار العشرين سنة الأخيرة، تسببت بتراجع المكانة الرمزية لأميركا، ولم يعد ممكناً إصلاح هذا العطب، لا باللياقة الدبلوماسية المبالغ بها، ويسعى الديمقراطيون إلى تجريبها، ولا بالفظاظة المبالغ بها أيضاً، والتي جرّبها الجمهوريون وقائدهم ترامب. وفي الغالب، تغيّر العالم كثيراً، بحيث لم تعد هذه الآليات وحدها كافية لتعلقه بأميركا والسير خلفها، وسيكتشف الكهل بايدن أن جاهزية أميركا لن تجد الصدى المطلوب للسير خلفها.

=========================

في سورية معارضة خرجت من رحم نظام الأسد

غازي دحمان

عربي 21

السبت 28/11/2020

وكأن المعارضة السورية الممثلة بـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة" تقول لنفسها: بما أن نظام الأسد أسوأ انواع الأنظمة في العالم، فليس ثمة داع لأن نكون نحن معارضة محترمة، فهذا النظام لا يستحق معارضة محترمة، لأن ذلك قد يرفع من درجته المنحطة ويضعه في مصاف الأنظمة الطبيعية التي ليس لديها مشاكل سوى بعض الفساد وشيء من الاستبداد والاستئثار بالسلطة.

منذ بداية الثورة السورية وحتى هذه اللحظة، كان نظام الأسد يتعيش على ما ينتجه معارضوه من شباب ورجال سوريا ونسائها المعارضين. كان يسرق روايتهم عن الأحداث ويحرف بعض العبارات فيها وينسبها لنفسه، حيث في الوقت الذي أسس فيه جماعات مسلحة تقتل المتظاهرين، كان يتحدث عن جماعات مسلحة تعتدي على الآمنين من المواطنين، وكان يسرق شعاراتهم نفسها حتى بإيقاعاتها وموسيقاها، لكن يضع بدل كلمات ثورية كلمات تؤيد الأسد.

كان الثوار يعرفون أن هذا النظام مفلس في كل شيء، وليس لديه ما يروج به لأفعاله، حتى بعد أن استعان بكثير من الأبواق العربية، لم يستطع الخروج من مأزقه هذا، وظل خطابه ركيكاً ومقززاً حتى من وجهة نظر مؤيديه، الذين ثبت أنهم أيدوه ليس بسبب قناعتهم بموقفه وخطابه، بل نكاية بالطرف الآخر.

المفارقة، أن المعارضة السورية اليوم، والتي من المفترض أنها تمثل تلك التوجهات العديدة والغنية التي ظهرت في الثورة، فضلاً عن الخبرات الثورية الهائلة في المنطقة والعالم، لا تجد سوى أسلوب نظام الأسد في الحكم لتقليده، ومن ألفه إلى يائه.

منذ سنوات، يحتكر أشخاص محددون تمثيل المعارضة، يتناوبون فيما بينهم على المناصب، رغم أدائهم الفاشل، والذي أنتج كوارث عديدة على السوريين، وفي أحسن الأحوال، تواضع هؤلاء على مبدأ المحاصصة في تقاسم هيئات ومؤسسات المعارضة، حتى أصبحت المعارضة عندهم صنعة وكارا، وليست قضية شعب يذبح ليل نهار في السجون وعلى الطرقات؛ ويموت من البرد والجوع في مخيمات لا تتوافر فيها شروط المخيمات.

مع هذه المعارضة، لا يمكن أن تسمع عن انجازات لصالح من تمثلهم، ولا عن أفكار ورؤى جديدة لصالح قضية السوريين، ولا برامج للتواصل مع القواعد الثورية، ولا إعادة صياغة للخطاب بما يتناسب والتطورات السياسية الدولية والداخلية، بل كل ما يمكن أن تسمعه هو صراعات أو توافقات حول المناصب والمكاسب التي حققتها هذه المعارضة.

لهذا لم يكن من الصعب امتطاء مختلف الأطراف هذه المعارضة المقسّمة بين الأقاليم والدول، فهؤلاء منصة الدولة كذا، وأولئك "زلم" رجال المسئول كذا في الدولة كذا، وهكذا. لذا لا تجد روسيا أنها مضطرة لتحسين رواياتها، حتى لا نقول أفعالها وسلوكها الإجرامي بحق السوريين، لأنها لا ترى طرفاً آخر ذا فعالية يستحق بذل أقصى مجهود في مواجهته.

الغريب في حالة المعارضة السورية، هو ذلك الانفصال الهائل بين السياسيين والعسكريين، فمن يعتبرون أنفسهم الجناح السياسي للمعارضة، ليس لديهم أدنى تواصل مع العسكريين الذين يقاتلون في الميادين، فضلاً عن أنهم يفتقدون أدنى تأثير عليهم، ومن هم في الجناح العسكري، إن جاز لنا تسميتهم بهذا الاسم، لا ينسقون مع الطرف الآخر وهم غير مستعدين حتى لمنحهم الفرصة للتكلم باسمهم، وهذه ظاهرة لم تحصل في تاريخ الثورات العالمية، ولم تشهد مثيلاً لها حركات التحرر قاطبة!

آخر إبداعات الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، تشكيل مفوضية للانتخابات بهدف المشاركة في انتخابات النظام السوري، في وقت يبدو طريق الحل السياسي مسدودا

كان من آخر إبداعات الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، تشكيل مفوضية للانتخابات بهدف المشاركة في انتخابات النظام السوري، في وقت يبدو طريق الحل السياسي مسدودا، نتيجة رفض نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين؛ التجاوب مع الجهود الدولية و تطبيق قرارات مجلس الأمن بالخصوص، ورغم تراجع الائتلاف عن القرار واعتبار أن المسألة التبست على الجمهور في حين أن المقصود هو انتخابات محلية داخل المناطق المحررة وفي مناطق اللجوء، إلا أن الواضح أن هذا الائتلاف قد فقد مصداقية أغلب السوريين.

قبل سنوات، كان الكثير من أصحاب الرأي والسياسيين المعارضين يبتعدون عن نقد من وضعوا أنفسهم في موقع تمثيل المعارضة، رغم الأخطاء التي وقعوا بها، من منطلق عدم الرغبة في التشويش على تلك الشخصيات المنوط بها حمل عبء مطالب الشعب السوري والتسريع في إنهاء معاناته، لكن تبين أن ذلك لم ينفع ولم تكن له جدوى واضحة، بل على العكس، دفع السوريون ثمن أخطاء هؤلاء، وطالت نكبتهم، التي يبدو أن أحد شروط إنهائها وجود ممثلين أكثر صدقاً وإخلاصا.

=========================

الصين تفتح نافذة للاستثمار في سوريا..برضا الروس؟

مصطفى محمد

المدن

السبت 28/11/2020

أثار حديث وسائل إعلام موالية للنظام السوري عن عرض صيني لتنفيذ وتمويل واستثمار مشرع نقل الضواحي بالقطار الكهربائي في دمشق ومحيطها، قراءات متفاوتة، وفتح الباب أمام تفسيرات عديدة.

وحسب موقع "سوريا اليوم" الإخباري، تدرس مؤسسة "الخط الحجازي" عرضاً قدمته شركة "CRCC" الصينية لتنفيذ وتمويل واستثمار مشروع النقل بقطارات الضواحي الكهربائية، لحل أزمة النقل بين دمشق وريفها.

وتزامن الكشف عن العرض الصيني، مع الإعلان عن بدء تنفيذ مشروع "مجمع نيرفانا" التجاري المؤلف من فندق خمس نجوم ومجمع تجاري على العقار 748 في منطقة الحجاز، عبر إحدى الشركات الخاصة التي لم يكشف عنها.

الصين التي شكّلت داعماً أساسياً لنظام الأسد على الصعيد الدولي واستخدمت حق النقض (فيتو) مرات عديدة إلى جانب روسيا لإحباط قرارات دولية ضد النظام السوري في مجلس الأمن، تدشن بهذا المشروع أول دخول واضح لها إلى الاقتصاد السوري.

ويرى خبير العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، المستشار بمركز جنيف للدراسات السياسية والدبلوماسية، ناصر زهير أن الكشف عن محاولة هذه الشركة الدخول إلى السوق السورية، يعطي مؤشراً على توجه صيني للاستثمار في سوريا، حتى قبل بدء مرحلة إعادة الإعمار، لحجز حصة من الكعكة الاقتصادية.

ويضيف ل"المدن"، أن المعروف عن الصين اتباع سياسة إغراق الدول التي تتعامل معها بالديون، وبالتالي تعتبر الصين أن الفرصة مواتية لدخول سوريا باقتصادها المنهك، لإغراق البلاد بالديون التي يجب سدادها، حتى بتغير النظام، ما يعطيها المجال لحجز نفوذ اقتصادي كبير.

ويوضح أن الصين تُعتبر من اللاعبين الجدد في سوريا، واعتزامها الدخول في مشروع للنقل، يؤذن بدخول شركات أكبر، إلا في حال تدخلت الولايات المتحدة، وفرضت عقوبات على هذه الشركة وغيرها، لمنعها من دخول السوق السورية.

ويرى زهير أن هناك تأييداً روسياً لدخول هذه الشركة، موضحاً ان "البوادر تشير إلى تحالف روسي-صيني، استغلالاً للتراجع الأميركي المتوقع مع تسلم إدارة جو بايدن، إذ تقول كل المؤشرات بأن الأخير لن يذهب في حرب اقتصادية بعيدة مع الصين".

ومن هنا، تحاول الصين بتأييد روسي التوقيع على اتفاقيات اقتصادية مع النظام السوري، ثمنها سندات خزينة، ستكون مستحقة الدفع على المدى الطويل.

لكن للمحلل الاقتصادي والباحث بالشأن السوري يونس الكريم قراءة مغايرة تماماً للخطوة، حيث يرى أن الكشف عن هذا المشروع، لا يعدو كونه محاولة من النظام السوري للتلويح بتطور خارج حسبان روسيا وإيران.

وفي حديث ل"المدن"، يؤكد يونس أن حديث النظام عن دخول شركة صينية في مجال النقل، يتوافق مع محاولاته التملص من تحكم روسيا وإيران الكامل باقتصاده، إذ يحاول الإيهام بأنه لديه القدرة على التغريد بعيداً عن موسكو وطهران.

ويقول الكريم: "من غير المستبعد أن يكون الأسد بصدد التخطيط لمحاصرة النفوذ الروسي، لقطع الطريق على فرض الأخيرة رؤيتها للحل السياسي التي لا توافقه، ولن يجد النظام أهم من الصين كندٍ حقيقي للحلفاء التقليديين" (روسيا، إيران).

تبدو الخطوة مثل غيرها من الخطوات الترويجية التي يقوم بها النظام للترويج بأنه المُتحكم الأول بمرحلة إعادة الإعمار، ويبقى السؤال، هل الصين مستعدة لتحمل كلفة استثمارات ضبابية في ظل عدم ثبات المشهد السياسي، وقابليته للتحول في أي لحظة؟

=========================

أين نحن اليوم؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 28/11/2020

أصبح هذا السؤال قضية وطنية طرحها السوريون، البارحة (الأربعاء 25/11/2020) على نطاق غير مسبوق، وفي اتجاه يتجاوز تلك الإشارات التي بعث الغضب الشعبي بها مرّات عديدة حيال الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي ادّعى، كل مرة، أنها لا تعبر عن موقف السوريين. وها هو قراره الغامض الدوافع والمرامي حول مفوضية الانتخابات يدفع جميع قطاعاتهم إلى إطلاق صرخة رفضٍ لا مثيل لها منذ عام 2012، عبّرت عن الرغبة في سحب ما كان يدّعيه من تمثيل للشعب السوري، كثيرا ما نبّهه الحريصون على العمل الوطني إلى تلاشيه في الداخل، بينما بدّدت سياساته ومواقفه الاعتراف الدولي به، نتيجة عجزه عن تمثيل الثورة دوليا، من جهة، وعجزه عن إنتاج عمل ثوري وطنيا، وتوجيه اهتمامه نحو منع تخلق تمثيل بديل له، بذريعة تقول إن الاعتراف الدولي به هو اعتراف بحق السوريين في إسقاط الأسدية ونظامها.

بتضييع تمثيله الداخلي ووزنه الخارجي، انتقلت رئاسته إلى السلبية، قبل أن تشرع في ممارسة بهلوانياتٍ سياسيةٍ أملاها عقل أسدي يحتقر الشعب، ويتجاهل أن إصراره على التخلص من أسد دمشق لا يعني قبوله بـ"واهم زعامي"، يتوهم أنه لن يتمكّن من نزع أنيابه، مهما غرسها في لحمه. بافتقاره إلى طابع تمثيلي ودور ثوري، عزل "الائتلاف" نفسه عن شعب سورية، وتجاهل أهمية استعادة ثقته به، لاعتقاده أن تدميره أسديا وإرهابيا أفقده القدرة على الحراك والفعل، وأن غيابه عقبة تجعل بناء بديل له أمرا يعزّز استحالته العدد الكبير من تنظيماتٍ نخبويةٍ خلبية، تتناحر بخناجر كلامية تتطابق مفرداتها ومراميها المعلنة، وتُغري بعض أتفه المنتمين إليها أن السياسة تنبع من أشداقهم، مع أن دورهم يقتصر على الإسهام في إجهاضها. بدورها، تغرق تنظيمات المجتمع المدني في احتجازاتٍ مهنيةٍ لا تحاول تخطّيها، مع أن دورها إيجابي شعبيا ويلزمها بتجاوزها، تعزيزا لتواصلها المباشر كجهة موحّدة، مدنية وسياسية في آن، مع مختلف قطاعاته، ولتفاعلها البيني، وصولا إلى توحيد تنظيماتها المختلفة، وما تلعبه من دور وازن في صمود سوريي مناطقها.

هل تعني تظاهرة الأربعاء الماضي التي جمعت قطاعاتٍ واسعةٍ من نخب متنوعة الخيارات، يغلب المطلب الديمقراطي على خطابها، أن هذه قرّرت الانتقال إلى عالم الفعل، بإقدامها على خطوةٍ تبدو وكأنها تؤكد نهوضها من تحت ركام كلامها، وقبولها التخلي عن تنظيماتها، المزعومة، والعمل لبناء جهة تمثيلية واحدة، تكون لديها، أخيرا، خطط وبرامج يساندها مواطنو سورية، لأنهم يرون فيها قيادتهم ومرجعيتهم، وقائدة مقاومتهم التي تنظّم قدراتهم وتحوّلهم من "مواطنين خام" إلى ذواتٍ فاعلةٍ يتيح لهم دورهم تخطّي حقبة الخمود والانكفاء على الذات، ومواجهة العنف الأسدي الذي نجح في إطفاء تمرّد عام 2011، بتضافر جرائم جيشه مع جرائم ملحقاتها الإرهابية في "داعش" وجبهة النصرة وزرازيبهما.

هل تقدم "النخب" على خطوةٍ لا رجعة عنها، تُلزمها برؤية تنظيماتها بدلالة وطنها وحريته، فتقيم تنظيما وقيادة موحديْن، بدل رؤيةٍ سوريةٍ بدلالة تشكيلاتها الخلّبية والعاجزة عن إحداث أي تبدّلٍ في موازين القوى لصالح الثورة، التي ستنهض من جديد، في حال توفرت لها الوحدة السياسية والقدرة على المقاومة، وتجدّد دور حاملها الشعبي المعاد إحياؤه بجهود نخبٍ تجد نفسها اليوم أمام أحد خيارين: عمل عقلاني وصبور لبناء قيادة/ مرجعية، تعيد الشعب إلى الصراع بصفته قوة حسمٍ لا بديل لها، أو التمسّك بتبعثرها وما يمليه عليها من صراعات ديكةٍ مقصوصة المناقير، ومن تناحر، لتنقذ، عندئذ، بعجزها وتفاهتها، ما تدّعي أنها قرّرت إقامة بديل له: عنيت "الائتلاف"، الذي سيُقدم، في حال فشلها، على خطواتٍ أشدّ خطورة بكثير من خطوة المفوضية، بينما ستتلاشى نخب الحكي كما تتبدّد فقاعة من كلام!

=========================

موقفنا : في المشهد السوري : ثلاث رسائل إلينا ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 11/ 2020

الأولى - شقيق شهاب الدين يهددنا بأخيه ..

ويقول إن خسرتموني فسيكون من بعدي أخي شهاب الدين ، كما كان يقول بعضهم تمسكوا بحافظ واحذروا رفعت ، تمسكوا ببشار واحذروا ما هر ، واليوم المنطق السائد : هم أو منصات ومنصات ، ومصائب وبليات ، وتدخل فلان وفلان ..ولعل الإشارة تغني عن العبارة ، وكلنا يقرأ ويسمع ...

فقط أذكر الجاهلين والمتجاهلين : أن هذا الجسم " الوطني العتيد " في كل تقلباته وتجلياته وأبطاله وأشاوسه وعلى مدى سني عمره ، لم يستطع ـ لأنه لم يرد ( وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ) لم يستطع أن يفرج عن سجينة أو سجين ، في سياق موقف إنساني دولي لا يستطيع أن يتنكر لمثل هذا الحق ، كان باستطاعة السادة الأشاوس ، غزلان حينا ، أن يثبتوا قدما في الأرض ويشترطوا على أصحاب الحل السياسي الدوليين من أمثال الإبراهيمي وديمستورا وجيفرسون أنه لا شروع في أي حل ، ولا جلوس على أي طاولة، ولا حديث عن أي دستور ، ولا عن أي انتخابات ، قبل وقف معاناة المعتقلين ، والإفراج عنهم أطفالا ونساء ورجالا ...كان صيادنا يتسلى وعصفورنا في زنازين الأسد يتقلى ..

أكتب لكل الذين يهددون السوريين ببديلهم الأسوأ القادم أنه قد استوى عندنا الساق والخشبة. والمسخ الذي وقع على بعض بني إسرائيل جعل منهم فقط قردة أو خنازير .. وهذا غاية ما مسخ الله .

وكتب المأمون إلى أحد عماله : يا هذا قد قل شاكروك ، وكثر شاكوك ، فإما اعتدلت وإما اعتزلت . وبقول المأمون نقول ..

والرسالة الثانية : في مغزى قولهم لا يقضي القاضي وهو جائع ...

وأستمع إلى محاولات ومقاربات ومدافعات بعض الناس ... فأشم فيها رائحة القصعة ، التي يتداعى عليها وإليها الآكلون . وشعار بعض الناس اليوم : وكن عبد الله الآكل ولا تكن عبد الله المأكول . ومادامت الأمم قد تداعت على قصعتنا فلنسابقهم إليها ، ونصب بعض ما فيها ، فهم حسب فقههم المدني لا الديني ، وتحايلهم السياسي أولى بلحم ثورهم ، فلا يزالون يُهرعون كما جاء قوم لوط لما رأوا ضيفه إليه يُهرعون.

الرسالة الثالثة ...

وتبقى لنا دعوة معلنة إلى تشكيل تجمع سورية مفتوح تحت عنوان " الوفاء لدماء الشهداء ولعذابات المعذبين " في التمسك بثوابت الثورة الكبرى .

نعم لسورية موحدة أرضا وشعبا.. ..

نعم لدولة سورية تسودها الحرية والعدل والمساواة ..

نعم لدولة ديمقراطية قرارها في صندوق قرار نزيه يعبر عن إرادة شعبها . نعم للهوية السائدة ، ونعم للهويات الفرعية كل ذلك في إطار الحق والعدل والمساواة .

لا للاستبداد ولا للفساد ولا للطائفية ولا للحرب الأهلية ولا للتدخلات الخارجية ولا للأجندات الخارجية ..

لا لبشار ولكل رموز حكمه وأركانه .. ولهم القضاء النزيه يحاكم كل مجرم على جريمته .

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

مفوضيّة الانتخابات ومعارضة التغيير السوري

حسان الأسود

العربي الجديد

السبت 28/11/2020

ثارت ضجّة كبيرة بوجه رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، نصر الحريري، إثر إنشائه المفوضية الوطنية للانتخابات، بقرار أصدره في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري. وعلى الرغم من وقف العمل بالقرار المذكور، إلا أنّ الحملة ضدّ الائتلاف ورئيسه مستمرة، أقله حتى ساعة كتابة هذه الكلمات.

بعد مضيّ عدّة أيام على بدء حملة التشهير والتخوين تلك، بدأت تتبيّن خيوطٌ أولية تشيرُ إلى أنّ الحرب بدأت من داخل أروقة "الائتلاف" ذاته، عبر تسريب نصّ القرار الداخلي القاضي بإنشاء المفوضية، والذي لا تُنشر أمثاله من القرارات عادة. بدت تلك الحرب ممنهجةً ومبرمجةً لتشمل أكبر وأوسع طيف ممكن من السوريين، وكان لا بدّ من التجييش والتحشيد، عبر افتراض قضايا غير منطقية، وغير قابلة للحصول، حتى ولو أراد أصحابها ذلك، مثل القول برغبة "الائتلاف" بتبييض صفحة نظام الأسد وغسل يديه من دماء السوريين، بمشاركة بشار الأسد في انتخابات 2021، وكأنّ القيام بهذا الأمر يحتاج لإنشاء مفوضية خاصة بالانتخابات!

شارك في الحملة عشراتُ بل مئاتُ الأفراد والكيانات، ولا يمكن اعتبارهم جميعاً متآمرين على "الائتلاف" ورئيسه بكل تأكيد، فمنهم أشخاصٌ مشهود لهم بالنزاهة والثورية، ومن الكيانات ما هو واضح المبادئ والقيم والأهداف. دخل على خط المواجهة أصحاب الأجندات القذرة، مثل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، والجيش السوري الإلكتروني، عبر نشر تسجيلاتٍ صوتيةٍ وإشاعات دنيئة، باتت معروفة للقاصي والداني من السوريين. وكانت الحصيلة النهائية تحريك المياه الآسنة، وإخراج رواسب قديمة من قاع تاريخ الثورة ومسيرتها عبر سنوات عشر بين الانتصارات والهزائم، فكانت تلك الحملة بمثابة دعاية مجّانية لـ"الائتلاف"، والخط الجديد الذي يحاول رئيسه انتهاجه منذ تسنّمه مهام منصبه قبل أربعة أشهر تقريباً.

اللافت للنظر أنّ خطوة "الائتلاف"، نقل مقرّه إلى مدينة اعزاز في ريف حلب، قد قوبلت بترحيب وتأييد كثيريْن من قوى مدنية وعسكرية وثورية عديدة في الداخل، لكنها لقيت عدم تجاوبٍ وصل أحياناً إلى التعطيل والصدام من الحكومة السورية المؤقتة التي يُفترض أنّ رئيسها ووزراءها يعيّنهم "الائتلاف" ذاته. كذلك لقيت هذه الخطوة خوفاً وتوجسّاً كبيرين من عدد لا بأس به من أعضاء الهيئة العامة في "الائتلاف"، ومن بعض أعضاء الهيئة السياسية فيه أيضاً.

خطوة "الائتلاف" نقل مقرّه إلى مدينة اعزاز لقيت عدم تجاوبٍ وتعطيل وصدام من الحكومة السورية المؤقتة التي يُفترض أنّ رئيسها ووزراءها يعيّنهم "الائتلاف" ذاته

يمكن تفهّم هذه الصدامات وهذه المخاوف طبعاً، فالحكومة المؤقتة تتحصّل على أموال موازنتها من إيرادات المعابر بين سورية وتركيا، وكذلك قوات الجيش الوطني والمجالس المحلية، وهذا ما سيضعها تحت رقابةٍ مباشرةٍ من "الائتلاف" حال استقراره في الداخل، وقد يؤثر، مع الوقت، على امتيازات المتنفذين فيها. كذلك يمكن تفهّم خوف أعضاء كثيرين في "الائتلاف" من خطوة الانتقال إلى المناطق الداخلية الخارجة عن سيطرة النظام، والخاضعة لحماية تركية مباشرة، فهؤلاء يرغبون بالنضال عن بعد، فهو أسلم وأريح لهم.

الانسياق وراء حملات التخوين والتشهير وافتتاح حفلات الشتائم والسباب ليس أمراً غريباً علينا، نحن السوريين، ففي مقال سابق قارنت بين شعب الجبارين وشعب الشتّامين، وأوضحت أنّ بعضهم يحاول إثبات ذاته من خلال نفي الآخر. وقد عقدت مؤتمراتٌ لإسقاط "الائتلاف"، والحقيقة أنّ بعض المؤتمرين إمّا أنهم كانوا أعضاء فيه أو حاولوا الانتساب إليه أو سيقبلون الدخول فيه إن عُرض عليهم ذلك. وهناك من لا يعترف به، وعندما تسأله كيف تُسقط شرعية من لا تعترف به أصلاً، لا يحيرُ جواباً أو يبدأ حفل الشتائم.

جهاتٌ أخرى لا يجب أن تغيب مشاركاتها في الحرب الدائرة عن البال، فالمنصّات المعارضة التي لا وجود لها في الشارع بطبيعة الحال، وهي تأخذ في هيئة التفاوض مقاعد تزيد بمئات بل بآلاف المرّات عن حجمها الطبيعي، لن يعجبها أن يتميّز "الائتلاف" عنها بالدخول إلى المناطق التي يعيش فيها السوريون الثائرون والمعارضون، لأنّ هذا ببساطةٍ سينقله إلى مرتبة أخرى مرتفعة عنها، وسيجعله أقرب إلى الواقع ونبض الشارع منها. منصّة القاهرة، التي لا يزيد عدد أعضائها عن أصابع اليد، منصّة موسكو التي فرضتها روسيا بحدّ السيف، منصّة الرياض التي لا تزال قيد التشكيل تحت مسمّى "هيئة المستقلين"، وتصارع من أجل الدخول إلى هيئة التفاوض لاحتلال مقاعدها هناك، هيئة التنسيق التي لها بعض الحضور في الواقع، حتى في مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وأخيراً بعض القوى الكردية التي تحاول وضع أقدامها في كل الأماكن، علّها تفوز بنصيبٍ من الكعكة، حتى ولو كانت محروقة. هؤلاء جميعاً يخوضون صراع الإخوة الأعداء، تاركين أعداءهم الحقيقيّين المتمثّلين بالنظام وحلفائه من جهة، وبتنظيم القاعدة وأميرها أبو محمد الجولاني من جهة ثانية، وبحزب العمال الكردستاني وحكومة الأمر الواقع التي يفرضها شمال شرق سورية بالقوة أيضاً من جهة ثالثة.

يفتقد "الائتلاف" الثقافة المؤسّسية التي تحكم أو يجب أن تحكم أي مؤسسةٍ، فلا ولاء ولا انضباط ولا رقابة أو محاسبة بالمعنى الحقيقي والمُجدي للمصطلحات

ليس هذا المقال للدفاع عن "الائتلاف"، بل لتوصيف الواقع المرّ الذي تعيشه سورية وأهلها، فـ"الائتلاف" الذي يفترض فيه أن يترجم نضالات السوريات والسوريين الكبيرة، وتضحياتهم الهائلة، ليس بأفضل حالٍ ممن هاجموه. يفتقر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لبنية مؤسسية حقيقية، فهو مُصمّمٌ أساساً ليبقى رهينةً بيد مكوّناته التي يتألف منها، فلا يستطيع الفكاك منها، ولا يستطيع بناء مؤسسة وطنية حقيقية. مبدأ المحاصصة الذي أقيمت عليه أساسات هذا الكيان، وآليات التصويت لإنشاء نظامه الأساسي وتعديله، والتحالفات المتغيّرة بين الجماعات التي تتنازعه، وعقلية التكسّب الشخصية، والأنانية المفرطة للكثرة الكاثرة من أعضائه، تجعل إصلاحه مسألةً عسيرةً بكل معنى الكلمة. كذلك يفتقد "الائتلاف" الثقافة المؤسسية التي تحكم أو يجب أن تحكم أي مؤسسةٍ، صغرت أو كبرت، فلا ولاء ولا انضباط ولا رقابة أو محاسبة بالمعنى الحقيقي والمُجدي للمصطلحات.

علينا أن ننتظر معجزة ربّانية، لتنقذنا من هذا الحال المأساوي الذي نعيشه، ومعجزةً أخرى لتمنع عنّا المستقبل القاتم الذي بأيدينا نرسمه، والوقت الآن ليس وقت المعجزات ولا الخرافات. فإن لم ننهض من سباتنا لنصنع التغيير بأيدينا، سنبقى ثورةً بلا أفق، ومعارضةً من ورق، تناطح طواحين الهواء، مثل فرسان دون كيشوت.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com