العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12-05-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

سوريا: النظام الشمولي ديناصور بعقل دجاجة

فراس سعد

القدس العربي

الخميس 9/5/2019

النظام الديكتاتوري الشمولي الحاكم ديناصور بعقل دجاجة وربما بعقل دودة مهما كان ذكاء ودهاء بعض قادته.

نظام يمكن التحكم به من خارجه أكثر بكثير مما يمكن التحكم به من داخله لذلك لا يمكن أن يتطور هكذا نظام حاكم من داخله فعقله لا يملك النضج ولا الإمكانية والمسارات العصبية التي تمنح أي إمكانية لأي تطور أو تغيير حقيقي.

لذلك دائما ما تموت هذه الأنظمة دون أن تتقدم خطوة واحدة أو تنجز أي تغيير، وأي تغيير أو تقدم تقوم به سيكون بفعل إجبار خارجي بالضرورة. أفضل مثال لهذا النوع من الأنظمة الحاكمة هو النظام السوري في تجليه البعثي الأسدي…

لأجل ما تقدم كان على المعارضة السورية ما بين 2000 و2008 على الأقل، أن تفعل فعلتها فقد كان بإمكان تلك المعارضة – وفيها بعض ألمع العقول السياسية والفكرية على المستوى العربي – أن تؤثر في ذلك النظام الحاكم وتغويه وتحفر له طريقا نحو التغيير. لو أن تلك المعارضة امتلكت قيادة واضحة ببرنامج إغواء ومناورة، لكن المعارضة السورية للأسف كانت على الدوام مبدئية خشبية دون قيادة متضامنة. كانت معارضة أفراد أيا كان عددهم وليست «معارضة مؤسسة «، وهي مشكلة سورية عامة مستفحلة في كل المستويات سياسية أو ثقافية الخ – في تلك الفترة وصل عدد المعارضين من الصف الأول إلى الثالث، ألف معارض على الأقل وربما بلغ الإجمالي عشرة آلاف أو أكثر يشكلون البنية القوية للمعارضة السورية أو النخبة. دون حساب بقية المعارضين السوريين من عامة الشعب وهم بمئات الألوف…

ما دفعني لكتابة ما سبق حديث للأستاذ ميشيل كيلو السياسي قال فيه إن المعارضة السورية مع بداية عهد بشار الأسد في الحكم كانت تدفع باتجاه توريط النظام في الإصلاح وتقترح عليه الخطوات التي تودي به إلى حتفه… وربما كان الأمر صحيحا من حيث مآلات الأخيرة للإصلاح لو تقدم فمن الطبيعي أن أي إصلاح حقيقي يحقق للشعب حريته وتقدمه ويضمن كرامته سيؤدي بالضرورة إلى تلاشي عقيدة الهيمنة والاستصغار والاحتقار التي يؤمن بها هذا النظام وكل نظام شمولي مغلق، وبالتالي ربما أدى ذلك بالفعل إلى تفكك بنية النظام لكن ليس بالضرورة نهايته، فلربما أمكن لهكذا نظام فيما لو استبدل عقيدته الأمنية المبنية على الخوف والهيمنة أن يتحول من ديناصور إلى فيل أو حصان يضع نفسه في خدمة شعبه.

وعودة إلى حديث الاستاذ ميشيل عن إصلاح النظام ودور المعارضة في ذلك، ولا بد هنا من القول إن جهة ما في النظام كانت جادة بالفعل في مسعاها لإجراء إصلاح داخله ربما لم يكن هذا الإصلاح واضحا لديها من حيث الكيفية أو الحجم والأدوات، لكنه على أي حال كان أمرا حقيقيا وربما يكون مناسبا هنا ذكر شهادة شخصية تتعلق بمسألة شعبية الإصلاح في تلك السنوات فقد طلب مني قريب لي على علاقة بالنظام كتابة بضع صفحات عن الإصلاح والتغيير وبالفعل فقد عمدت إلى كتابة ما يشبه دراسة صغيرة في إحدى عشرة صفحة لا أعتقد أنها نالت إعجابه.

ومتابعة في فكرة ميشيل عن رغبة ضمنية لدى بعض المعارضين في خداع النظام لابد من الانتباه إلى مسألتين في غاية الأهمية:

أولاهما أن المعارضين السوريين في أغلبهم كما بدا لي من كتاباتهم وأقوالهم في اللقاءات السياسية أو الشخصية كانت عندهم رغبة حقيقية في إصلاح النظام اعتقادا منهم أنه سينعكس بالضرورة على المجتمع خيرا وتقدما وحرية.

وثانيهما أن النظام يومها ربما كان هو من خدع المعارضة بطلبه المشاركة في إعداد أوراق واقتراحات عن إصلاح الحزب والنظام… وإنه إنما فعل ذلك فقط لأجل إقناع المعارضة بقبول الرئيس الجديد تهدئة لخواطره وخواطر بعض المقربين منه الذين كانت لديهم شكوك حقيقية في قدرته على ملء الفراغ الذي تركه والده وخوف من عدم قدرته التحكم في هذه الآلة المعقدة التي اسمها النظام الحاكم.

===========================

إدلب.. هل تصبح مصيدة روسية؟!

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 8/5/2019

التصعيد الروسي والنظام السوري الأخير في الشمال السوري المحرر، مستهدفاً مناطقه بالبراميل المتفجرة، بعد أن توقف ذلك لفترة تتعدى العام، لكن استهدافه الوحشي لأكثر من 35 بلدة في ريفي إدلب وحماة، جدد الأخطار بتفجّر الوضع العسكري من جديد في سوريا، لا سيما بعد حالة الانسداد السياسي والعسكري التي تميزت بها الساحة السورية على مدى السنتين الماضيتين، فبينما اعتبرت الأمم المتحدة التصعيد الأخطر من نوعه خلال الـ 15 شهراً الماضية، بعد أن أرغم مئات الآلاف من السكان على الهجرة من جديد من مناطق القصف الجوي، فضلاً عن إيقاعه مئات القتلى والجرحى، وأتى هذا بعد فشل الجولة الأخيرة من الأستانة، إذ رأت واشنطن أن خطة سلام الأستانة قد فشلت ولم تقدم أي حل لما تصفه بالمعضلة الثورية، ولذا دعت إلى العودة لمسار جنيف، وهو يعكس إحراجاً روسياً على المستوى العملياتي الداخلي، فضلاً عن الفشل السياسي في طرح الأستانة كبديل عن مسار جنيف.

‏ جاءت التصريحات التركية- الأميركية الأخيرة المشيرة إلى قرب التوصل لاتفاق بشأن المناطق الآمنة في الشمال السوري لتزيد من القلق والضغط على روسيا، وهو ما قد يكون السبب في دفعها إلى التصعيد العسكري، كونها ترى أن الأتراك قد يتجهون صوب الأميركيين، ويتخلون عن التحالف مع روسيا، وتحديداً فيما يتعلق بالقضية السورية، وزاد من الأمر عقد الائتلاف الوطني السوري المعارض أول جلسة له في بلدة الراعي شمال سوريا لانتخاب رئيس جديد له، كل هذا زاد من القلق الروسي في أن تكون البوصلة التركية قد تحركت باتجاه مكان آخر قد يضر بالمصلحة الروسية في سوريا.

‏ هذا كله تزامن مع فشل قمة الأستانة الأخيرة، والتي لم يتم التوصل فيها إلى اتفاق بشأن الدوريات الروسية- التركية المشتركة، إذ إن روسيا تصر على تسيير دوريات لها في الشمال المحرر، وهو أمر تم رفضه من كل الفعاليات المدنية والسياسية فيه، بعد كل الذي قامت به روسيا من دعم النظام، والمشاركة في قتل الشعب السوري، وتدمير بناه التحتية على مدى سنوات الثورة، لا سيما بعد الاحتلال المباشر عام 2015، فقد رأى الأتراك خلال سنوات تعاملهم مع الروس بما يتعلق بالشأن السوري تكرار الانقلاب الروسي على تعهداتهم والتزاماتهم، فبعد أن كانت مناطق الثورة مشمولة بخفض التوتر انقلبوا عليها واحدة تلو الأخرى، كما حصل في الغوطة وحمص ودرعا، واليوم في إدلب .

‏ اللهجة الأميركية الأخيرة السياسية والعسكرية توحي بأن الروس أمام خيار التصعيد العسكري المستمر، وبالتالي المواجهة التي قد تودي إلى نصب مصيدة وشراك للدب الروسي لاستنزافه في سوريا، حاول تجنبها وتحاشيها على مدى سنوات من خلال التحالف مع تركيا، وتأخير أو تأجيل قضم ما تبقى من الشمال المحرر، ولكن مع وصول لحظة الحقيقة فإن أمام الروسي الذهاب بالخيار العسكري إلى منتهاه، وهو الذي يواجه أزمة وشقاقاً وتصدعاً مع حليفه الإيراني .

روسيا يتم جرها إلى مصيدة وشراك حقيقي، وقوى الثورة التي تجرأت لأول مرة منذ فترة طويلة على دك القرداحة، وكذلك قاعدة حميميم وإعلان فصائل مقربة من تركيا قتلها أربعة جنود روس يوحي بأن التوتر الروسي- التركي انعكس بشكل مباشر بتصعيد على الأرض، وبالتالي فإن أمام الثورة وفصائلها فرصة لتعزيز المواقف وتعظيم الجوامع الثورية، خصوصاً مع تناغم القوى العسكرية مع بعضها في الرد على الهجمات الروسية والسورية، فضلاً عن تناغم الفصائل العسكرية مع الحاضنة الثورية في الشمال المحرر.

===========================

عن الإصلاح والثورة

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 8/5/2019

تدل أكثر الدراسات التي تناولت الثورات الكبرى في التاريخ الإنساني المعاصر على أن معظمها، إن لم يكن كلها، بدأت بمحاولات إصلاح أو تحديث من الأعلى، أي من قمة هرم النظام السياسي. وينطبق هذا الكلام على الثورة الفرنسية، حيث يذهب أكثر المؤرخين إلى أن الإصلاحات التي أدخلها الملك لويس الخامس عشر (1715 ـ 1774) لعبت دورا رئيسا في اندلاع ثورة 1789، كما ينطبق على الثورة الصينية (1911) والروسية (1917) والإيرانية (1979)، وعلى الإصلاحات التي أدخلها آخر رئيس سوفييتي، ميخائيل غورباتشوف (1985 ـ 1991)، وأدت، في نهاية المطاف، إلى انهيار النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وبقية دول أوروبا الشرقية، وصولا إلى الثورة السورية (2011). ويمكن توقع مسارٍ مشابه في السعودية، حيث أطلق ولي العهد، محمد بن سلمان، حزمةً من التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي يرجّح، بناء على التجارب السابقة، أن تنتهي بثورة، إلا إذا واكبتها إصلاحاتٌ سياسيةٌ كبيرةٌ، تحول دون ذلك.

وتأتي الإصلاحات التي تبدأها النظم السلطوية عادة نتيجة أزمةٍ بنيوية، يغدو معها الاستمرار في تبنّي السياسيات القديمة غير ممكن، ما يدفع إلى تبنّي سياساتٍ بديلةٍ تعتقد النخب الحاكمة أنها تؤمن لها الاستمرار، في حين أنها تفتح ثغرةً في جدار نظام الاستبداد، تستمر في التوسع حتى تخرج الأمور عن نطاق السيطرة. ومن بين التجارب المشار إليها أعلاه، تبقى التجربة الإيرانية الأكثر وضوحا وحدّة، ربما، في بيان علاقة التحديث والإصلاح بالثورة، فبعد أن ثبّت، بمساعدة الأميركيين، دعائم سلطته، عقب إطاحة حكومة رئيس الوزراء المعارض، محمد مصدق، عام 1953، أطلق الشاه في مطلع الستينيات ما أسماها "الثورة البيضاء"، وهي حزمة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية، كان الهدف منها نقل المجتمع الإيراني من مجتمع تقليدي محافظ إلى مجتمع حديث أكثر انفتاحا وتعليما. مرّر الشاه، بناء عليه، قوانين ولوائح تتعارض مع عادات المجتمع وتقاليده وثقافته، كما ضيّق على الحوزات والمرجعيات الدينية. في المقابل، قام بتعزيز دعائم سلطته، وإضعاف مؤسسات المجتمع الأهلي، وفي مقدمها البازار. أثارت هذه السياسات نقمةً بين قوى المجتمع المحافظ، وتولت الحوزة الدينية عملية المقاومة، والحشد والتعبئة الشعبية، وأخذت تهاجم الشاه، بسبب استسلامه للضغوط الغربية، وتبني طرق حياة وإدارة غريبة على المجتمع.

ترافقت المقاومة مع أزمة اقتصادية خانقة استشرى خلالها الغلاء، وتصاعد التضخم، وساءت أحوال الناس المعيشية في وقتٍ استمر فيه الشاه وحاشيته في ممارسة أسلوب حياتهم الباذخ من دون اكتراثٍ بهموم الناس، خصوصا عندما أقام عام 1971 احتفالاتٍ عظيمة بمناسبة مرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الأخمينية، فازدادت النقمة وتصاعد الغليان. وبخلاف وجود علاقةٍ وثيقةٍ بين الثورة ومؤشر الفقر والحرمان، لوحظ أن الفجوة بين الأكثر غنى والأكثر فقرا تتسع في فترات الإصلاح والتحديث، لأن قلةً من الناس يكون لديها الكفاية والاستعداد لمواكبة السياسات الجديدة والاستفادة منها. وإذا فشلت النخب الحاكمة في تحقيق الأهداف المرجوّة من عملية التحديث والإصلاح وإعادة الهيكلة، يتولد رد فعل شعبي يكون، على الأرجح، عنيفا، ويأتي على شكل احتجاجات كبرى. وإذا اقترنت الصعوبات الاقتصادية وعملية التحديث بقيادة سياسية غير كفؤة يزداد احتمال الثورة والعنف.

أما النظام السياسي الذي ينتج عن الثورة فيرتبط أيضا بمنطلقها، فإذا انطلقت الثورة من الأدنى إلى الأعلى، فالأرجح أن ينتج عنها حكومة ذات ميول يسارية (روسيا والصين) أو دينية (إيران ومصر بعد ثورة يناير). أما إذا جاءت الثورة من الأعلى إلى الأدنى فتكون ذات ميول فاشية (تركيا في عهد أتاتورك)، وإذا جاءت بالتوافق بين النخب ومختلف القوى الاجتماعية تكون على الأرجح ديموقراطية (كما حصل في تونس).

يبقى أن هناك تجارب تتحدى بعض هذه المقولات، فالنموذج الصيني ما زال يثير نقاشا كثيرا، ذلك أن الإصلاحات التي بدأها دينغ سياو بينغ عام 1978، وعمد من خلالها إلى القطع مع إرث ماو تسي تونغ لم تؤد حتى الآن إلى ثورة، لكن هذا لا يعني أن هذا لن يحصل في المستقبل، إذا لم تواكبها إصلاحاتٌ سياسيةٌ تحول دون ذلك.

===========================

الإرث الصعب للسوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 8/5/2019

بعد 8 سنوات من ثورة السوريين عام 2011 على النظام، التي كان بين أبرز أهدافها إطاحة نظام بشار، ما زال مصير الأسد محاطاً بالغموض... يرحل أم يبقى؟ وإذا بقي؛ فهل سيبقى لزمن محدد مثل نهاية فترته الرئاسية الحالية، أو لمرحلة معينة، كأن يذهب مع بدء المرحلة الانتقالية، أم يكون موجوداً فيها؟

تلك بعض الأسئلة التي تحيط بمصير بشار الأسد ووقت رحيله عن السلطة، سواء جاء في القريب العاجل أم تأخر بعض الوقت المرهون بانتظار التوافقات الإقليمية - الدولية، والتي باتت العنصر الحاسم في مصير الأسد.

وبغض النظر عن متى وكيف ينزل الأسد عن كرسي الرئاسة السورية، فإن ما سيتركه من إرث للسوريين بات واضحاً، وإن حصل فيه تغيير ما، فإنه سيكون تغييراً كمياً، يتعلق بمقدار ما يمكن أن يزيد الإرث الصعب للسوريين نتيجة بقاء إضافي لمدة عام أو عامين للأسد في سدة الرئاسة السورية.

أبرز ما سيتركه الأسد هو آثار المقتلة التي ارتكبها بحق السوريين وكبدّهم فيها نحو 500 ألف قتيل، وملايين الجرحى والمصابين، ونحو نصف مليون بين معتقل ومخفي قسراً، وستكون لهذا الملف تبعات سياسية وقانونية وأخلاقية، تتطلب جهوداً استثنائية فيها سعي من أجل العدالة بمعاقبة المجرمين والمرتكبين، وفيها تعويض للمتضررين وورثتهم، وإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين، وسيكون فيها قدر من التسامح بالاستناد إلى روح الثورة وضرورات العيش المشترك، وإعادة ترتيب الاندماج الوطني، ومشاركة السوريين كلهم في إعادة بناء سوريا.

والبند الثاني في الإرث الذي سيخلفه الأسد، يمثله الوجود الأجنبي في سوريا. ورغم أن تموضع هذا الوجود، تم في ظل غياب السوريين عبر خطوات أو مطالب فرضها الأجنبي على نظام الأسد، خصوصاً من جانب الإيرانيين والروس، فإن رسم مستقبل الوجود الأجنبي، سيتم في حلقة التسوية الإقليمية - الدولية، مما يعني أن إرث السوريين في هذا لن يتعدى إدارة علاقاتهم مع الوجود الأجنبي انطلاقاً من 3 محددات: أولاً: المصالح الوطنية للشعب السوري. ثانياً: الوجود الأجنبي وما ترتب عليه من نتائج على سوريا إنما كان بفعل سياسة نظام فاقد لشرعيته السياسية والأخلاقية؛ الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بكل ما ترتب على سلوكياته واتفاقاته مع القوى الأجنبية من نتائج. ثالثاً: ينبغي تأكيد مبدأ العلاقات السلمية في تعامل السوريين مع الدول كافة، ما دامت لا تتعارض سياساتها ومصالح الدولة السورية.

وتمثل إعادة إعمار سوريا البند الثالث من إرث الأسد؛ فبعد التدمير الواسع للقدرات البشرية والمادية، فإن إعادة الإعمار وتشغيل القطاعات الاقتصادية، سيكونان في إطار المهام الرئيسية؛ الأمر الذي يتطلب في الشق المتصل بإعادة الإعمار بناء القدرات البشرية وعودة اللاجئين والنازحين والمهجرين والمعتقلين إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم واستعادة ممتلكاتهم. وهذا يفرض إلغاء أي قوانين أو قرارات أو إجراءات إدارية أو عملية، تسببت في خرق وانتهاك حقوقهم، أو تمكين آخرين منها بما في ذلك عمليات التوطين، التي جرت في إطار عملية تغيير ديمغرافي مقصودة ومرتبة سلفاً. كما تتطلب عملية إعادة الإعمار إطلاق نماذج إسكان حديثة في المناطق المدمرة، وتأمين البنى التحتية من أجل عودة الأهالي إلى بيوتهم، ويقع في إطار هذا الشق، عملية استنهاض وتنمية قدرات القوى العاملة وتجديدها، التي سوف تتطلب معالجتها إعادة بناء قواعد معلومات حول القدرات البشرية للسوريين، والدفع بالقوى العاملة والخبرات للعودة إلى حياتها الطبيعية، التي شكلت الصراعات في سوريا وحولها أبواباً لاختلالاتها، وسوف يتطلب ذلك تعميم أعمال التدريب حيث تطلب الأمر؛ استناداً للحاجة في القطاعات كافة، كما ستكون مطلوبة استعادة التعليم وضعه الطبيعي، خصوصاً لجهة التعويض عما خسرته البلاد من خبرات تقنية وفنية؛ ومنهم أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسون.

ويتصل الشق الثاني من إعادة الإعمار بالقطاعات الاقتصادية وتشغيلها، وذلك من خلال تأمين الاحتياجات الأساسية للتشغيل، والتي لا شك في أن التمويل أولها، وثمة توافق غربي - عربي على توفير تمويل إعادة الإعمار فور بدء الحل السياسي، وهو ما ينبغي أن يتم مع 3 خطوات بصورة متوازية، تشمل استنهاض قوة العمل والبدء في إعادة تأهيلها وتدريبها، ورفع كل القيود القانونية والإدارية عن الأراضي والمنشآت والمصانع التي تدخلت فيها سلطات النظام وحلفائها وميليشياتهم، والتسريع بتوفير الخدمات الأساسية وإصلاح البنى التحتية اللازمة لإقلاع وتطوير المشاريع في القطاعات الاقتصادية كافة.

وإذا كانت البنود الثلاثة، هي الأهم في الإرث المباشر الذي سيتركه بشار الأسد للسوريين، فإن ثمة بنداً لا يقل أهمية فيما سيتركه، وهو البيئة التي أسسها ونمّاها نظام الأسد طوال نحو 5 عقود من حكم الأسدين الأب والابن، وقد جرى التركيز على أهم ملامحها في السنوات الماضية من خلال حرب دعائية ضد قطاعات واسعة من السوريين باتهامهم بـ«الإرهاب» و«التكفير» والخضوع للأجنبي والانخراط في مؤامرة دولية، إضافة إلى عمل أجهزة النظام ومؤسساته على تنمية النزعات الطائفية والدينية والقومية في الوقت الذي يقدم فيه نفسه بوصفه نظاماً علمانياً، يحمي الأقليات. ولا يحتاج إلى تأكيد أن قسماً كبيراً من السوريين سينخرط مباشرة في سياق تغيير تلك البيئة، لكن لا يجوز الاقتصار على المبادرات، بل ينبغي وضعها في إطار استراتيجية وطنية تخلق بيئة جديدة بين مكونات الجماعة الوطنية السورية أساسها تعزيز حقوق الإنسان، وتجريم النزعات الانقسامية، خصوصاً الطائفية والدينية والقومية.

إن ما سيتركه بشار الأسد من إرث ثقيل للسوريين، يكاد يكون واضحاً في محتوياته الأساسية، كما أن فرضياته العامة واضحة أيضاً، مما يعني أنه على السوريين عموماً؛ ونخبتهم ومنظماتهم وجماعاتهم السياسية والمدنية والأهلية خصوصاً، البدء في مواجهة ذلك الإرث عبر توفير قواعد البيانات، وإعداد الخطط المختلفة، والبدء في تنفيذ ما يمكن تنفيذه حتى قبل غياب الأسد.

===========================

هل المنطقة على أعتاب حربٍ كبرى؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 7/5/2019

 يبدو الهرم الذي بنته إيران على مدار عقود طويلة على رقعة شطرنج الشرق الأوسط، اليوم، مهدّداً بالانهيار، بسبب جفاف العروق التي تمدّه بالتغذية، بعد الحكم الأميركي على النفط الإيراني بالحبس إلى أجل غير مسمى. وهكذا، سيكون محكوماً على عشرات الميليشيات، وعشرات آلاف العناصر، بالتبدّد في نواحي الشرق الأوسط، وتوضيب حقائبهم للبحث عن وسائل أخرى للرزق، ما دامت إيران نفسها لن تكون قادرةً على تأمين احتياجات شعبها الواقف على ناصيات الشوارع، يبحث عن مظاهرة سيارة تهتف "اتركوا سورية وحزب الله واهتموا بنا".

ويضع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران في موقفٍ لم تجد نفسها بمثله، حتى في اللحظة التي كان يتجرّع روح الله الخميني فيها السم وهو يوقف إطلاق النار في الحرب مع العراق، حينها كان الخميني يخسر على جبهةٍ واحدة، كما أن الجمهورية الإسلامية لم تكن قد أصبحت إمبراطوريةً تتحكّم بعواصم عربية أربع، ولا تصول وتجول في ثلاثة بحار، الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر المتوسط. ولم تكن قد تذوّقت بعد طعم العز النووي، والعالم كله يفاوضها على تأجيل مشروعها إلى عقد آخر، في مقابل أن يتحول الشرق الأوسط إلى ميدان لمليشياتها، إلى درجة صار الملالي يجلسون على هضبة إيران ويمدون سيقانهم في ربوع العراق وسورية ولبنان واليمن.

ثمّة فارق هائل إذاً بين الأمس واليوم، فإيران باتت ملزمةً تجاه جيوش جرّارة في الشرق الأوسط، تحتاج إلى ضخ يومي من الأموال لتبقيها واقفة على أقدامها تحرس العتبات المقدسة والمفاصل الاستراتيجية وحوافّ الحدود، في مساحة جغرافية واسعة مهّدت تربتها بالتطهير العرقي، تحت ادعاء أنها إنما تفعل ذلك وبوصلتها موجهة إلى القدس. وهكذا صارت بعقوبة والموصل وحلب وحمص والغوطة ودرعا مجرّد محطات على الطريق المقدس.

وليست الجيوش وحدها هي التي تنتظر التغذية المالية الإيرانية، بل إن عشرات ومئات الآلاف الذين شيعتهم إيران على طول هذه الطريق ينتظرون مرتبات آخر الشهر، ليعزّزوا إيمانهم بنهج آل البيت.

هو مشروع، هكذا أطلق عليه الاستراتيجيون، وإيران نفسها، وإن اختلفت التسميات ما بين الهلال الشيعي أو مناطق النفوذ الإيراني، وحتى الشرق الأوسط الإيراني. وهذا المشروع هو الذي سيتعرّض لضربة في المقتل في حال نفذت أميركا قرار عقوباتها بإحكام، وهو ما يبدو أنه سيحصل، حتى لو خالفت الصين وتركيا القرار الأميركي، فلن تستطيعا تعويض سوى قدر بسيط لبلدٍ يعتمد على أموال النفط بدرجة كبيرة لتسيير شؤونه وتدبير شؤون نفوذه الإقليمي الواسع.

هذا المشروع الذي كلف إيران أكثر من مئة مليار دولار لإنقاذ نظام الأسد من السقوط، واستغرق بناؤه زماً طويلاً، منذ بداية الثمانينيات، حين كان حزب الله لا يتجاوز عناصره المئات، يترصد الدوريات الإسرائيلية على طريقة اضرب واهرب، وصار اليوم جيشاً تغطي صواريخه كامل أرض فلسطين، وأين الجيش العراقي بالمقارنة مع الحشد الشعبي، بالإضافة إلى الجيش الموازي للجيش السوري، فهل ستسكت إيران ويجلس حرسها الثوري على قمم جبال زاغروس يراقب عملية تفكك إمبراطوريته في الشرق الأوسط؟

تعرف إيران أن المال وحده هو ما يبقي تأثيرها في المنطقة، ومجرّد توقف حنفية المال، فإن كل ما يبدو في ناظرها سهولاً خضراء وغناء من النفوذ والأتباع والموالين، سيتصحر وتجف الحياة في عروقه، ويتحوّل إلى هشيم تذروه الريح. حزب الله نفسه سيكون مهدّداً بالزوال، فقد اعتاد على البذخ في الصرف على عناصره، وبيئته، وأسر شهدائه، ويعاني اليوم تقلصاً رهيبا في مصادر تمويله.

من الناحية العملية، لا تملك إيران خيارات مهمة للمناورة في وجه القرار الأميركي، ويبدو هامش اللعب أمامها محصورا بخيارين، الانكفاء إلى الداخل، ومعالجة ما يمكن معالجته إلى حين تغير الظروف، أو الاندفاع صوب حربٍ ليست مستعدة لها، ولا تضمن نتائجها، في ظل ميزان القوى المائل لصالح أعدائها، وحالة الإنهاك التي تعانيها مليشياتها نتيجة سنوات طويلة من الحروب استنزفتها كليا.

على الرغم من ذلك، لا يبدو خيار الانكفاء مناسباً للنخبة الإيرانية، لما له من مخاطر وجودية عليها، فهذه النخبة ليس لها مشروع تنموي، ولا ديمقراطي، والداخل بالنسبة لها ليس مرئياً إلا بصفته رافداً لمشروع إيران الإقليمي، وليست لديها بدائل ذات قيمة في هذا المجال، فالتنمية مهمة، بقدر ما هي قادرة على إنتاج الأدوات التشغيلية لمشروع التمدّد الإقليمي (أسلحة وصناعات حربية بما فيها المشروع النووي)، والعملية السياسية برمتها ليس لها معنى سوى ترتيب شؤون التمدّد الإقليمي، وتدبير مقتضياته.

لن يقبل نظام إيران المفاضلة بين الانكفاء للداخل ومشروعه الإقليمي، ولن يستطيع التعايش مع هذا الواقع. وعلى الرغم من حذره الشديد، وميله إلى الابتعاد عن اللعب العنيف مع الأقوياء، إلا أن نظام الملالي سيكون مضطراً لخياراتٍ كان يعتقد، على الدوام أنه قادر على تجنبها، عبر استراتيجية الصبر الاستراتيجي لحائك السجاد، ومن خلال التلطّي خلف الوكلاء، أو عبر قضم الخصوم الصغار قطعةً قطعة، ليصبح في حسابات اللاعبين الكبار طرفاً مهماً بحكم الأمر الواقع.

ستحاول إيران بكل الطرق الثورة على قرار تعطيل فعاليتها ودحرها إلى داخل حدودها، وستضطر للاحتكاك مع أميركا وإسرائيل، وربما التحرّش بدول الخليج العربي، وعند هذه النقطة سوف تندلع حرب إقليمية كبرى.

===========================

النظام الطائفي والموت ذلًا وحصارًا

د. أحمد موفق زيدان

صحيفة العرب القطرية

الثلاثاء 7/5/2019

كشفت الأيام الأخيرة عن حجم المآزق التي يعيشها النظام الطائفي في دمشق، وكشفت معها عن حجم الضغوط والابتزازات التي تمارسها قوى الاحتلال في دمشق، والذي لا يقوى على مقاومة تلك الضغوط، فضلًا عن معالجته أسبابها ومسبباتها.

رافق ذلك تململٌ شعبي ضده نتيجة افتقاد المواد الأساسية وتدهور قيمة العملة الوطنية السورية، وهو ما أدى إلى هزّات اقتصادية واجتماعية خطيرة على مستقبل العصابة.

ولم تنس روسيا في هذه الظروف العصيبة أن تسرّب صورة جديدة تزيد من إذلال بشار حين نشرت صورة للرئيس الروسي بوتين وهو محاط بقادته وجنرالاته وفي أقصى اليمين صورة لبشار الأسد وكأنه ضابط أو جندي يرافق الرئيس الروسي بوتين.

يتذكر السوريون بشكل عام، والسوريون الذين حوصروا بالأمس في ريف دمشق، حالتهم الرهيبة التي ستكون نقطًا سوداء في جبين البشرية والإنسانية، يتذكرون حالهم، ويستذكرون معها اليوم حجم الآلام التي عانوها، بينما كان الطائفيون يرقصون فرحًا على أنغام بكاء الأطفال وعويل الأرامل والمعذبين في ريف دمشق.

اليوم نرى طوابير من المقيمين بمناطق العصابة الطائفية المحتلة وهي تقف لساعات طويلة أملًا في الحصول على بضع ليترات من البنزين قد لا تكفيهم للوصول إلى البيت الذي غادروه من أجل الوقوف في هذه الطوابير الطويلة.

بينما كان البعض منهم يتظاهر سلبيًّا في هذه الطوابير ضد النظام الطائفي وسدنته، حين كانوا يلعبون الورق أو يحتسون الشاي منتظرين دورهم، في حين آثر البعض امتطاء الأحصنة والتوجه إلى الشوارع الرئيسية والساحات العامة.

ما يحصل أعاد إلى الذاكرة بالمقابل للحاضنة الاجتماعية فارق الحياة الذي تعيشه المناطق المحررة من توافر لكل المواد الأساسية وغير الأساسية وبأسعار منافسة.

وبالتالي بدأت شرائح كبيرة من تلك الحاضنة تعي وتدرك هوية سوريا الحرة التي أراد شهداء الثورة ومعتقلوها وأحرارها أن يشدوا الجميع إليها؛ من حرية أولًا وأخيرًا إلى وضع اقتصادي واجتماعي يليقان بالشام وأهلها.

ونحن هنا لم نتحدث حتى الآن عن الانهيار الأخلاقي والتعليمي والاجتماعي الذي تعيشه مناطق العصابة الطائفية، ومعه تسرّب أسئلة الامتحانات وغيرها من الرشى للأساتذة والجامعيين، وهو ما سيؤثّر ليس فقط على قطاع التعليم في المناطق المحتلة، وإنما قد يلقي بتأثيراته وتداعياته على هوية المجتمع السوري على المدى المتوسط والبعيد، وصورته أمام العالم كله.

هذا النظام الذي قرر تدمير المجتمع السوري بعد أن فتك بالدولة السورية قتلًا وتشريدًا واعتقالًا، وتدميرًا لمؤسساتها، ومعها تدمير للحجر بعد أن فتك بالبشر، تدمير سيكلف ماديًّا فقط مئات المليارات من الدولارات، فضلًا عن رهن الدولة السورية ربما لعقود مقبلة!

لكن السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن: لماذا يقف الاحتلال المزدوج صامتًا تمامًا تجاه هذه الكوارث وهو يرى مناطق احتلاله تعاني وتعاني، لا يقدم لها مساعدات، ولا يحل لها مشاكلها الاقتصادية التي ترزح تحتها؟!

اللهم إلا إذا كان الاحتلال يودّ المزيد من الإذلال للنظام ويطالبه بمزيد من التخلي عن أصول الدولة السورية، ويتنافس فيما بينه على سوريا بعد أن حوّلها الجميع إلى صندوق بريد يرسل من خلالها رسائله إلى خصومه وأعدائه...

هكذا أراد النظام سوريا، صندوق بريد، وأرض صراع لضباع وذئاب تنهش منها ما تريده وما ترغبه، أرضاً للآخرين ليست أرضًا لشعبها ثوارًا كانوا أم أعداءً للثورة...

===========================

إدلب.. تصعيد سياسي أيضاً

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 7/5/2019

ما الذي دفع الروس إلى رفع وتيرة التصعيد العسكري في منطقة إدلب في شمال سورية بطريقةٍ لم تشهدها الأشهر السابقة منذ توقيع اتفاق سوتشي بين موسكو وأنقرة؟ لا يتعلق الأمر بالساحة الداخلية لإدلب بالتأكيد، حيث لم تحدُث أية تطورات عسكرية أو إدارية ـ تنظيمية، تبرّر هذا التصعيد، في وقت ظل الخطاب السياسي الروسي على حاله، في ما يتعلق بتطبيق تركيا بنود الاتفاق.

يجب ربط فهم ما يجري في إدلب بالضرورة بالتطورات السياسية التي حصلت خلال الأسبوعين الماضيين:

ـ فشل اجتماع أستانة فشلاً ذريعاً، خصوصاً في ما يتعلق باللجنة الدستورية. وقد جعل هذا الفشل الروس مستائين من الأتراك، لعدم ممارستهم الضغوط الكافية على المعارضة السورية، في ما تبدو موسكو حريصةً على إحداث اختراق في جدار هذا الملف، مع قرب ترتيب المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسون، أوراقه التفاوضية لبدء جولة جديدة في جنيف، بعدما تبين له عجز الروس في الإمساك بهذا الملف.

ـ التصريحات التركية ـ الأميركية المشتركة التي أكدت على اقتراب الطرفين من الاتفاق على شكل المنطقة الأمنية في شمال شرقي سورية، بعد محادثاتٍ أجراها المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، مع الأتراك والأكراد.

ومن شأن أي تفاهم تركي ـ أميركي في شرق سورية أن ينعكس سلباً على الدور الروسي الذي يعمل جاهدا من أجل أن يكون له دور في هذه المنطقة، فضلا عن أن حصول تركيا على بقعة جغرافية جديدة في سورية من خارج البوابة الروسية يسمح لأنقرة بدور أكبر في عموم المنطقة الشمالية، الأمر الذي يمنحها قدرةً أكبر على الموازنة بين القوتين الروسية والأميركية.

ـ إعلان قيادي في قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أنها تجري مفاوضات غير مباشرة مع تركيا، مع إبداء الاستعداد لحل كل المشكلات العالقة بين الطرفين. وتشكل هذه المفاوضات التي تجري بوساطة أميركية تطوراً مهماً جداً، يشكل قطيعة سياسية مع المرحلة السابقة.

ومع أن الشروط التركية والشروط الكردية المضادة تجعل من الصعب توصل الطرفين إلى

"يندرج التصعيد العسكري الروسي ضمن عملية ابتزاز وضغط سياسي على أنقرة" تفاهم بشكل سريع، إلا أن لهذه المفاوضات أبعاداً استراتيجية على الصعيدين، المحلي والإقليمي، فبالنسبة لـ "قسد"، سيعني ذلك أنها تمتلك خيارات عدة لترتيب أوراقها، وليس خياراً واحداً هو النظام السوري. وبالنسبة لتركيا، ستعني هذه المفاوضات، إذا ما نجحت، تغيير الترتيبات والتحالفات في الشمال السوري، سيكون بالضرورة على حساب موسكو ودمشق.

تلعب تركيا في هذه التطورات الثلاثة السابقة دوراً رئيسياً، ما يعني أن كلاً من موسكو وواشنطن بحاجة إليها بشدة لتمتين حضورهما وأوراقهما في هذه المنطقة الواسعة. ومن هنا، يمكن فهم التصعيد العسكري الروسي على إدلب، والحديث عن احتمالين لا ثالث لهما:

أولاً، يندرج التصعيد العسكري الروسي ضمن عملية ابتزاز وضغط سياسي على أنقرة، لمنعها من إجراء أية تفاهمات سياسية أو عسكرية مع واشنطن، لا تأخذ المصالح الروسية بالاعتبار. وما يدعم هذا الخيار أن تصريحات الكرملين والخارجية الروسية، وحتى وزارة الدفاع، لم تشر إلى وجود عملية عسكرية في إدلب، باستثناء تصريحاتٍ عامة قديمة بشأن محاربة الإرهاب، ولعل تصريح الرئيس بوتين يحمل دلالة، حين أكد أخيرا أن الوقت غير ملائم لعملية عسكرية واسعة في إدلب.

ثانياً، شن النظام السوري، مدعوماً من روسيا، عمليات عسكرية محدودة في ريفي حماة اللاذقية الشماليين، وربما في ريف إدلب الجنوبي، من أجل إبعاد الفصائل العسكرية عن مناطق التماس الحالية، أو لإجبارها على القبول بتسيير دوريات روسية ـ تركية مشتركة، اتفق عليها في اجتماع أستانا أخيراً.

من غير المعروف المدى الذي يمكن أن تذهب إليه روسيا عسكريا في هذه المرحلة، خصوصا مع وجود تفاهمات أميركية ـ تركية، ذلك أن أي ضغط عسكري لتغيير الخريطة الجغرافية العسكرية في منطقة إدلب، قد يدفع تركيا أكثر نحو الولايات المتحدة، وهذا ما لا ترغب به روسيا. كما أن هذه العملية العسكرية البرية، إن جرت، ستضعف من قدرة أنقرة على ضبط الفصائل العسكرية وتوجيهها. والنتيجة، وضع اتفاق سوتشي أمام حافة الهاوية، وهذا ما لا يقبل به راعيا هذا الاتفاق.

ستبقى الاحتمالات في منطقة إدلب مفتوحة، طالما بقيت المباحثات التركية ـ الأميركية ـ الكردية، هي الأخرى، مفتوحة على الاحتمالات كافة.

===========================

كُبّة خيطان

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 6/5/2019

في القضية السورية تزدحم الأحداث، وتتشعب العناصر الداخلة والمتداخلة فيها، وتتنوّع الوجهات التي تأخذها، وتتمايز الاجتهادات في مقاربة كل ذلك إلى درجة تجعل التركيز على مسألة واحدة ضرباً من العبث.

واحدٌ يرى في الذي يحدث بإدلب استكمالاً لصفقة تمت بين ضامني "أستانا"؛ وها هي فصولها ومشاهدها تتداعى دماً ودماراً وتغريبة جديدة قوامها ما يقارب الأربعة ملايين مُهَجَر وساكن أصلي؛ فتسمع وترى اختلاط الدم بالدموع بالبراميل بالاتهامات باليأس بالنخوات بالتقريع. فذاك يرى "النصرة" مسبباً وذريعة، ويصبٌ جام غضبه عليها، ويشن هجوماً كلامياً مقرعاً لتركيا لعدم تنفيذها لما يفترض قد اتُفِق عليه، وآخر يتحدث عن ارتباط "النصرة" بإيران عبر "القاعدة"، وثالث يقول: "وهل تريدون إمارة متخلفة في القرن الواحد والعشرين؟!"

هناك من يركز على الاختناقات التي تعاني منها الأطراف الغازية؛ فالنظام الذي يتبجح بالسيطرة على كافة الأراضي السورية (في وقت يحتاج رأسه لإذن روسي أو إيراني ليقضي حاجته الخاصة) تتفلّت منه أي إمكانية لإدارة- ليس البلاد- بل الأماكن التي يسيطر عليها افتراضياً؛ والأزمة الاقتصادية والأمنية تكاد تلغي حتى العيش. وفي هذا الوقت بالذات يجد المبعوث الدولي في وجهه يطالبه بتطبيق القرار الدولي الذي يعرف بأنه

في الفريق الغازي أيضاً، هناك إيران التي يدفعها حصارها إلى تعطيل "أستانا"، ويستنفرها تناقض مصالحها مع مصالح الروس؛ فيكون الاتجاه نحو تأزيم وضع الآخرين كمتنفس وحيد

سيفضي إلى اقتلاعه. هذا إضافة إلى تراكم وصمات العار عليه في الجولان وفي قضية رفات الجندي وفي الكذب حول الموضوع؛ وكل ذلك مرفقاً بإحساسه بخيبة تسبب بها من راهن عليهم حقيقة لحمايته. وهنا لا يجد أمامه إلا النار والحديد والبراميل- والوجهة إدلب.

في الفريق الغازي أيضاً، هناك إيران التي يدفعها حصارها إلى تعطيل "أستانا"، ويستنفرها تناقض مصالحها مع مصالح الروس؛ فيكون الاتجاه نحو تأزيم وضع الآخرين كمتنفس وحيد. روسيا من جانبها- والتي فبركت "أستانا" أساساً لخنق مسار "جنيف"- تجد أن الأمور لن تستقيم معها إلا بالعودة الفاعلة إلى ساحة الميدان؛ وبذا تحرج تركيا بمسعى لتقويض علاقتها مع أميركا، ووضعها أمام الخيارات الأصعب؛ وبذا تحسن روسيا من الشروط السياسية بخصوص اللجنة الدستورية ملبية بذلك ابتزاز النظام، وتدفعه باتجاه مزيدٍ من التوقيعات والارتهان لاحتلالها. وهنا يفكر البعض: لماذا لم يقبل الغرب بعد أوراق اعتماد السيد بوتين رغم أنه قدم للربيبة إسرائيل ما لم يقدمه رئيس أميركي.... وهل رئيس أميركا بالمناسبة يتنافس مع بوتين عندما وقّع ذلك الكتاب المشؤوم بخصوص الجولان؟! وفي الحديث عن أميركا يرى البعض أن لا فرق بين إدارة "أوباما"، التي بدأ الصراع في سوريا في عهدها، وإدارة "ترمب" التي تبعتها. البعض يرى أن مؤدى سياسة "أوباما" في عدم الانخراط

وهناك من يفكر بالعرب الذين يسيرون كالسائمة بلا مشروع؛ والعالم من حولهم يتقاسم حتى عذاباتهم وأرزاقهم وأديانهم للفكاهة ولزيادة ثروته وتحكمه بمصيرهم

والسياقة من الخلف وضبط إيقاع المنخرطين في القضية، كانت للحفاظ على النظام؛ وآخر يرى أن مؤدى التذبذب وعدم الوضوح وبهلوانيات إدارة ترمب أيضا الحفاظ على منظومة الاستبداد الأسدية.

هناك من يوجه أنظاره إلى عمل من خارج مجلس الأمن لوقف التدهور الإنساني في سوريا. وهناك من يسلط الأضواء على الدور الأوروبي وثانويته. وثالث يبدأ بتقريع الأمم المتحدة وشللها، مركزاً على الدعم الإنساني الذي يُسرق والدعم الأمني الواهي.

وهناك أيضاً من يفكر بالعرب الذين يسيرون كالسائمة بلا مشروع؛ والعالم من حولهم يتقاسم حتى عذاباتهم وأرزاقهم وأديانهم للفكاهة ولزيادة ثروته وتحكمه بمصيرهم؛ وهم يستمرون بممارسة أفضل ما تميزوا به من كرههم لبعضهم البعض وإيمانهم بالمؤامرة في كل شيء.

وهناك رابع يصبّ جام غضبه على المعارضة ذاتها (ومعه كل الحق)، ولكن ينسى أو يتناسى كل الخناجر الأخرى؛ وخامس منشغل بتجميع الناس في ندوات أو منتديات أو مبادرات أو مؤتمرات؛ وسادس لا يفكر إلا بالخيام أو الهجرة أو العودة أو إعادة الإعمار او الجيل الضائع أو المعتقلين والمفقودين؛ وسابع بالكهرباء والغاز والمحروقات، وثامن يركّز على بيع الموانئ، وتاسع يرى بتركيا تصافق، وتتآمر على حقوقه؛ ورفيقه يرى فيها المثل الأعلى. وهناك من لا ينسى قطر وتآمرها، ورفيقه الذي يعتقد أن السعودية شريكة هامة في صفقة القرن، وذهاب سوريا فرق عملة في تلك الصفقة.

ولا يفوت من يتفحص الخريطة أن يطل على ضفة "الإخوة" الكورد ومظلوميتهم وعشرات أحزابهم والـ "بي كي كي" والـ"بي واي دي"، ومن مع الثورة، ومن مع النظام. ولا يفوته حتماً الحديث عن السويداء و"حياديتها" ورجال الكرامة وتهديدات "داعش" التي يهديها لها النظام بين وقت وآخر. وبالطبع لا يفوت البعض الحديث عن الثورة المضادة؛ والبعض الآخر الحديث عن عودة الحراك الثوري؛ وعن تأثيرنا على السودان والجزائر وتأثيرهما علينا. وبالطبع هناك حيّز هام للحراك الثوري وللثورة المضادة. وبالتأكيد لا ينسى المرور على القرارات الدولية، واللجنة الدستورية، وعدم إمكانية اختصار القضية السورية بهكذا مسألة هزيلة.

يقال إذا رمى مجنون حجراً في بركة، فإنك تحتاج كذا عاقلاً أو خبيرا ليخرجه؛ وإن فعل فِعلة شائنة، فإنك تحتاج كل عقلاء الكرة الأرضية لحلها. حقيقة الأمر القضية السورية /كبة خيطان/ لا تعرف أولها ولا تاليها؛ ولا هي تتفكك، ولا هي تتبخر، أو تزول. يُشْهَد لنظام الاستبداد بالبراعة أنه أوصلها إلى هكذا حال. على أي حال، هناك من يقول: لها حلّال واحد؛ إنه هو ذاته الذي قال: يا الله ما لنا غيرك......

=========================

وطن السوريين البديل

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 6/5/2019

شهدت سنوات الثورة والحرب في سوريا عمليات نزوح وتهجير كبيرة، شملت أكثر من نصف السكان. وفي حين تشتت النازحون داخلياً بعيداً عن مواطنهم الأصلية، تبعثر أكثر من ستة ملايين سوري بين مختلف بلدان العالم، ليرزح من تبقى تحت ظروف قاسية من الاستعباد والعوز وانعكاسات الحرب المختلفة.

ما نسميه بالتغيير الديموغرافي له وجوه عدة، أولها انتقال كتل بشرية كبيرة من منطقة إلى أخرى داخل الأراضي السورية، إما هرباً "طوعياً" من الحرب أو بفعل قرارات تهجير قسري ممنهجة بعد حصار طويل مصحوب بالقصف. وثانيها عمليات نزوح خارج الحدود السورية، إلى البلدان المجاورة، لينتقل قسم منهم إلى بلدان أبعد لاحقاً. وثالثها استقدام مجموعات أجنبية للقتال في الصراع السوري، ثم استقرار الأمر بهم وبعائلاتهم في بعض المناطق التي سبق وأفرغت من سكانها الأصليين.

حدثت مختلف أنواع التغيير الديموغرافي هذه في مناطق عدة، وبالمحصلة على مستوى سوريا ككل. وعلى رغم مرور أكثر من ثماني سنوات على حالة عدم الاستقرار هذه، لا يبدو أي بصيص ضوء في نهاية نفق هذه المأساة البشرية الكبيرة التي حفلت، إضافة إلى التغيير الديموغرافي، بمختلف أنواع القتل والتنكيل والمجازر الجماعية والاعتقالات والتعذيب حتى الموت وتدمير العمران والحياة الاقتصادية والروابط الاجتماعية واحتلال الجيوش الأجنبية.

في ثماني سنوات كبر من ولدوا في العام 2011 وأصبحوا في عمر الدراسة. وانخرط من كانوا أطفالاً، في التاريخ المذكور، في العمل أو القتال أو البطالة، ما لم يموتوا على دروب النزوح واللجوء. وترمل رجال ونسوة أو تطلقوا، في حين تزوج آخرون وأنجبوا أطفالاً. وتعلم سوريون، في بلدان اللجوء، لغات أجنبية واندمجوا، بدرجات متفاوتة، في المجتمعات المضيفة أو رفضوا الاندماج. تفرقت السبل بأسر وأقارب وأصدقاء وأبناء بلد وشركاء أو زملاء عمل، أو شركاء نشاط اجتماعي أو ثقافي أو سياسي. بقول مختصر: انفجر الاجتماع السوري وتشتت في أربع جهات الأرض، ما لم يدفن في التراب أو يصعد إلى السماء.

على رغم ذلك، وربما بسببه، ثمة اليوم "جماعة متخيلة" اسمها السوريون، وإن كانوا جماعات فرعية متنابذة وأفراداً ذوي بصمات شخصية مختلفة وأصوات مختلفة. يجمعهم عنصر ثقافي يتجلى في المأكل والملبس والسلوك واللغة واللهجة والذكريات الجمعية والطقوس الاجتماعية، وإن كان كل ذلك متنوعاً. فثمة ما هو مشترك بين وجوه التنوع ذات الطابع المحلي والجهوي والعرقي واللغوي والديني.

ينقسم هؤلاء السوريون، جغرافياً، بين الداخل والخارج، وإن كان هذا التقسيم قد فقد الكثير من أهميته ومعناه. ترى هل سكان الرقة اليوم، على سبيل المثال، من أهل الداخل أم من أهل الخارج؟ وماذا عن سكان طرطوس أو دير الزور أو إعزاز أو عفرين؟ بل ماذا عن العائلات الأفغانية أو العراقية أو الروسية التي استقرت في بعض المناطق وربما حصل بعضها على الجنسية السورية؟ وماذا – بالمقابل – عن سكان مخيمات اللاجئين السوريين داخل الحدود أو خارجها؟ وماذا عن مقاهي السوريين في إسطنبول أو أحيائهم في المدن الألمانية؟

ثمة تنافر أساسي، بالطبع، بين "سوريي النظام" وسائر السوريين، وهما جماعتان سياسيتان، إلى الآن، بحدود مرنة مرونة متفاوتة، ومتنوعة داخلياً بتنوع غير متساوٍ. فمن وصفناهم بـ"سائر السوريين" ليسوا جماعة موحدة سياسياً، وقبل ذلك ثقافياً وأهلياً، بل توجد بين جماعاتهم تنافرات وصراعات. أما "سوريو النظام" فهم، ظاهرياً، أكثر تماسكاً وتجانساً، من غير أن يغطي ذلك على شقوق عميقة تخترق بنيتهم وقد تظهر إلى السطح في شروط ملائمة.

لا يبدو في الأفق، إذن، احتمال اجتماع شمل كل السوريين من جديد في مكان واحد، سواء انتهت الحرب أم استمرت بوتائر منخفضة وموضعية، وسواء انتهى الصراع بتغيير النظام أم بقائه، وسواء خرجت الجيوش والمجموعات الأجنبية من الأراضي السورية أو بقيت كلها أو بعضها. حتى إذا افترضنا "عودة الحياة الطبيعية" إلى كل أرجاء سوريا، فمن المشكوك فيه أن يؤدي ذلك إلى اجتماع شمل السوريين من جديد، هذا على فرض أننا نعرف معنى هذه العبارة الخرقاء (عودة الحياة الطبيعية) أو متفقين على معنى واحد لها.

ثمة وطن بديل للسوريين تشكل خلال السنوات السابقة، هو وسائل التواصل الاجتماعي التي "يلتقي" من خلالها سوريون من مختلف المناطق والمنافي والمنابت والهويات. وأبرزها شبكة فيسبوك التي سبق وتم تشبيهها بـ"الدولة" وإن كانت افتراضية، بسبب عدد منتسبيها الذي يفوق ملياري شخص، أي أكثر من عدد سكان الصين. ليس فيسبوك بعامة هو وطن السوريين الذي أتحدث عنه، بل تلك "المنطقة" من الشبكة التي "يقطنها" سوريون متشابكون في علاقاتهم البينية وتفاعلاتهم بصورة متواترة. إن مبدأ "الصداقة" الذي يقوم عليه موقع الشبكة هو الذي يحد، من جهة، علاقات السوريين بغيرهم، ويكثف، من جهة ثانية، اشتباكهم الداخلي. شبكة الأصدقاء التي قد تبدأ بالعلاقات الأصلية من العالم الواقعي، تتوسع تدريجياً لتضم أشخاصاً لا نعرفهم مسبقاً يتحول قسم منهم، بمرور الزمن وتطور التعارف، إلى أصدقاء واقعيين قد يسعون إلى لقاءات وجهاً لوجه.

بدأ استخدام السوريين لشبكة فيسبوك، في وقت متأخر نسبياً، قبل الثورة السورية بسنوات قليلة، وشاع استخدامها على نطاق واسع مع بداية ثورات الربيع العربي، على رغم أنها كانت محظورة في سوريا. ثم فك النظام الحظر عنها بعد بداية الثورة بأيام قليلة، فشهدت الشبكة قفزة كبيرة في عدد السوريين المستخدمين. أما اليوم فربما لم يبق سوري واحد، فوق حد معين من العمر، ليس لديه صفحة واحدة على الأقل على شبكة فيسبوك.

وإذا كانت السياسة هي الوجه الأبرز لاهتمام الصفحات السورية، موالاةً ومعارضة، وهذا مفهوم بالنظر إلى الوضع القائم، فكل وجوه الحياة الأخرى حاضرة فيها أيضاً. يحتفل السوريون بتخرج أولادهم من الجامعات على صفحات فيسبوك، ويتلقون العزاء على موتاهم، ويعلنون خطوباتهم وزواجهم وولادة أطفالهم، وسفرهم من مكان إلى آخر، ويباركون بعضهم بعضاً بالأعياد والمناسبات السعيدة، ويلتاعون معاً بالمصائب، ويتبادلون الأخبار العامة والخاصة، ويطرحون أفكاراً وينشرون نكاتاً وفيديوهات وروابط كتب ومقالات، ويعلنون صدور أعمالهم الإبداعية، ويتبادلون الرأي والشتائم، يحبون ويكرهون ويلعنون ويباركون، يدافعون ويهاجمون، يسخرون ويشمتون ويستحسنون، يمارسون النميمة ويراقبون ما يكتبه الآخرون فيتصيدون سقطات بعضهم بعضاً أو يسجلون مواقف على بعضهم بعضاً، كل ذلك وأكثر على صفحات "فيسبوك السوري".

إن لم يكن هذا هو الوطن البديل للسوريين المشردين عن وطنهم الأصلي، في الداخل والشتات، فماذا يكون؟

=========================

الكرة ثانية في ملعب السوريين

برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 6/5/2019

على الرغم من السعي المستمر، منذ ثماني سنوات، إلى التوصل لحلٍّ ينهي الصراع السوري، وتوقيع مئات الهدن والمصالحات، والتأكيد الدائم على التمسّك بقرارات الأمم المتحدة، وتنويع مسارات التفاوض، في جنيف وأستانا وسوتشي ومدن أخرى، وتناوب أربعة مبعوثين أمميين على مهمة تذليل العقبات لتطبيق قرارات إجماعية اتخذت في مجلس الأمن، أهمها 2254، على الرغم من ذلك كله، يستمر العنف، بأشكاله المختلفة، ليس في منطقة إدلب وحدها، وإنما في كل بقاع الأرض السورية، في الشمال والجنوب والشرق والغرب. وما كان مجرد نزاع سياسي بين شعب أمل، تحت تأثير ثورات الربيع العربي، باستعادة كرامته وحقوقه المسلوبة والتحرر من نظام عصبة أو عصابة عائلية استمرأت إذلاله وإهانة كل فرد فيه، منذ انتزاعها السلطة عام 1970، تحوّل إلى حروب متقاطعة، مباشرة وبالوكالة، بين دول كثيرة إقليمية ودولية، كل منها يسعى إلى تعظيم مصالحه، أو حرمان خصمه من تحقيق مصالح إضافية، لكن جميعها على أيدي السوريين، وعلى حساب خراب أحوالهم.

(1)

يخطئ من يعتقد أن هناك، بين الباحثين السياسيين أو المحللين الاستراتيجيين، من يستطيع أن يتنبأ بما سوف يجري غدا، وما سوف تؤول إليه الأوضاع في هذا البلد المنذور منذ سنوات للدمار والقتل والاحتلال. والسبب ضخامة الرهانات التي وضعتها وتضعها الأطراف المتنازعة عليه، وتكاد تتحول إلى رهانات مصيرية بالنسبة لعديد منها، وتناقض مصالحها، والحجم الهائل من الاستثمارات المادية والسياسية والاستراتيجية التي وظفتها لكسبها. وكما تحرم هذه الاستثمارات على أطرافٍ عديدة التراجع الذي يعني، في هذه الحالة، الاعتراف بالفشل أو إعلان الهزيمة، تجد أكثرها نفسها أمام طريق مسدودة، فمعظمها لم يعد قادرا لا على التقدّم، 

"ليس بين الباحثين السياسيين، أو المحللين الاستراتيجيين، من يستطيع أن يتنبأ بما سوف يجري غداً" ولا على التراجع، أو حتى الحفاظ على مواقعه المكتسبة.

لذلك لن تتقدّم "مفاوضات" الحل السياسي السورية التي لم تبدأ بعد، والتي لا يمكن أن تعني شيئاً آخر سوى مفاوضات الانتقال السياسي، أي استبدال حكم مدني ديمقراطي، يضمن السلام والأمن والمساواة للجميع بنظام العصابة العائلية القروسطي، ما لم تسبقها المفاوضات الدولية والإقليمية المتنافسة على اقتسام أشلاء البقرة السورية الخائرة. ولكن، يعوق التقدم في هذه المفاوضات أن النقاش لا يتعلق بتقرير مصير سورية فحسب، ومصالح الأطراف الدولية المتنازعة فيها وعليها، وإنما بتقرير مصير الشرق الأوسط بأكمله، وإعادة رسم خريطة المنطقة السياسية والجيوسياسية، ومن وراء ذلك تقرير مستقبل العلاقات الدولية.

وما يصعّب أكثر إطلاق مفاوضات دولية جدية حول تقاسم الفريسة السورية هو دخول المجتمع الدولي نفسه في حالةٍ من الفوضى الناجمة عن انهيار نظام القطبية الأحادية الذي اعتمد على السيطرة والقوة العالميتين الاستثنائيتين للولايات المتحدة الأميركية منذ سقوط جدار برلين عام 1989، والكوارث التي أنجبها، بما في ذلك على موقع الولايات المتحدة ذاتها من جهة، والصعوبات التي تواجهها ولادة نظام متعدّد الاقطاب، والصراعات المتعدّدة الأشكال والمستويات التي يثيرها تنافس الدول، الكبيرة والمتوسطة، على موضعة نفسها في خارطة النظام الجديد الذي سيحكم علاقاتها لعقود قادمة من جهة ثانية. ولا يفسر تنامي الشعبوية التي تنزع إلى أن تكون أيديولوجية المرحلة المضطربة الراهنة سوى انهيار النظام القديم، والاستهتار المتزايد عند أغلب الدول والنخب الحاكمة بالقواعد التي قام عليها، والمعايير التي كان قد فرضها على سلوك الدول والحكومات. منذ الآن، أصبح الأكثر "بلطجة" وأنانية قومية وانحطاطاً أخلاقياً، والأقل تمثلاً للقيم الإنسانية الداعية إلى التضامن والسلام والعدالة وتعزيز حكم القانون، من بين الشخصيات والقوى المتنافسة، هو الأكثر حظاً في الفوز في السباق، داخل حدود الدول وعلى الصعيد العالمي. والمثال الأبرز على ذلك تسلم مقامر سوقي دفّة السلطة في إحدى الدول الأكثر تأثيرا في المصائر العالمية، لا تعني له الثقافة ولا القيم الإنسانية ولا المنظمات الدولية شيئا، ومن باب أولى مصائر الشعوب والدول الأخرى، ولا تتجاوز

"الأكثر "بلطجة" وأنانية قومية وانحطاطاً أخلاقياً، هو الأكثر حظاً في الفوز في السباق، داخل حدود الدول وعلى الصعيد العالمي"  حساباته الدولية تقدير عدد الأصوات التي يمكنه حصدها في انتخابات تجديد الرئاسة الأميركية القادمة.

من حق السوريين جميعاً، المعارضين والموالين، أن يشعروا بالإحباط، وأن يصيبهم اليأس، أمام هذا المشهد البائس لعالمٍ لم يفقد صوابه فقط، بعد أن أضاع المكتسبات الكبيرة التي حققها بعد الحرب العالمية الثانية، للحفاظ على الحد الأدنى من توازناته، وتعزيز أطر التشاور والاعتماد المتبادل في مؤسساته، وإنما فقد أيضا ضميره، ومجموعة القيم الضرورية لبث الحد الأدنى من الانسجام فيه، وتحويله إلى عالم قادر على توفير شروط الحياة والسلام للبشر. وكما دفع هذا الوضع ثلاثة مبعوثين دوليين سابقين، من بينهم الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، كوفي عنان، إلى الاستقالة واليأس، لا يبدو أن حظوظ المبعوث الجديد، غير بيدرسون، ستكون أوفر، مع استمرار هذه الشروط، مما كانت لدى سابقيه.

لا الروس ولا الأميركيون ولا الترك ولا الإيرانيون ولا العرب ولا الإسرائيليون قادرون على التوصل إلى تسوية فيما بينهم، وليست لديهم أيضا القدرة على حسم الأمور لصالح أي طرف أو تكتل منهم. أكثر من ذلك، وعلى جميع الأحوال، ومهما سعوا إلى تذليل الخلافات التي تمزّقهم، لن يكون بإمكان الدول والقوى الأجنبية أن تتقدّم على طريق التوصل إلى مثل هذه التسوية في سورية من دون حضور السوريين ومشاركتهم.

(2)

هكذا عادت الكرة ثانية، في تحدّي الخروج من الدائرة الجهنمية، إلى ملعب السوريين. وهم يدركون ذلك أكثر فأكثر، كما يشير إليه تجدّد حماسهم لإطلاق النداءات، وتشكيل التجمعات وتجديد المبادرات، والدعوة إلى المؤتمرات الرامية إلى حشد القوى وتوحيد الصفوف من أجل ملء الفراغ الذي لا يمكن لأحد أن يملأه غيرُهم، أي تكوين القوة السورية الحرة والمستقلة التي يتوقف على وجودها توحيد السوريين، وانتزاع حقوقهم المستباحة من طغاتهم وشبّيحتهم وحلفائهم. ولكن يقف أمام تحقيق هذا الحلم المشروع أمران: الأول استفحال الوجود الأجنبي وحرص القوى الخارجية، دفاعا عن مصالحها ورهاناتها، على تهميش السوريين، واستخدامهم وسائل وأدوات. ومن ضمن ذلك، الحرص على الإبقاء على كابوس النظام وإرثه وتقاليده 

"لا الروس ولا الأميركيون ولا الترك ولا الإيرانيون ولا العرب ولا الإسرائيليون قادرون على التوصل إلى تسوية فيما بينهم" الهمجية، وتقويض أي فرصةٍ لفتح الحوار المحرّم عليهم، في انتظار إعادة تشكيل سورية جديدة، من دون هوية ولا وطنية ولا ثقافة غير ثقافة الكراهية المتبادلة والحقد الأعمى والانتقام، سورية المستنقع الذي يسمح لجميع الحشرات والأفاعي بالنمو والازدهار.

والأمر الثاني، ولا يقل أهمية، عجز السوريين المستمر عن تجاوز انقساماتهم وتشتت قواهم وتنظيماتهم، ومزايدة بعضهم على البعض الآخر، وتنافسهم على احتلال المقاعد الأمامية، وتعطيل بعضهم مساعي بعض، ووضع جهودهم وتضحياتهم، واحدتها في مواجهة الأخرى. والنتيجة تضارب المبادرات، وتعدد المساعي، وتفرق الصفوف بدل توحيدها، وتعميق الشعور بالفراغ على الرغم من الضجيح الدائم والحركة المستمرة. يفاقم من هذا العجز الشعور بالإحباط نتيجة الفشل المتجدّد في بناء إطار وطني فعال، ونجاح الإعلام العالمي في إظهار الكارثة الإنسانية التي حلت بسورية، بما فيها الاحتلال متعدّد الاطراف، انتصارا للنظام وتمهيدا لإعادة تأهيله. ومع تنامي الشعور بالهزيمة لدى بعضهم وخسارة الرهانات الكبرى لدى آخرين، وعمق الفاجعة التي حلت بالسوريين، وغياب المراجعات الموضوعية والعقلانية للتجربة، والتجرؤ على تقديم رؤيةٍ واقعيةٍ لتجاوز الأخطاء وإصلاح الحال، من الفاعلين الرئيسيين، انقلب العداء للآخر، داخل صفوف المعارضة والموالاة، إلى عداء للذات، وتهشيم للصديق قبل العدو، وتشكيك في وجود سورية ذاتها وطنا صالحا وشعبا واحدا.

هكذا، لم يعد تشبيح النظام، وما رافقه من العنف المادي، البدائي والوحشي، وحده ما يشلّ

"انقلب العداء للآخر، داخل صفوف المعارضة والموالاة، إلى عداء للذات، وتهشيم للصديق قبل العدو، وتشكيك في وجود سورية ذاتها وطناً صالحاً وشعباً واحداً" السوريين اليوم، ويعمل على تشتيتهم وتدمير عمرانهم ومعنوياتهم، فقد غربت شمس الحرب الشاملة التي أعلنها نظام العصابة عليهم، إنما هو العنف المعنوي أو اللامادي المرتد على الذات، العنف اللفظي والعنف السياسي والعنف الأخلاقي والعنف النفسي الذي يتغذّى من الشعور القاتل بالفشل، ومن مناخ الإحباط وانعدام الأمل وضياع الفرص، ويدفع الأفراد إلى الانتقام من أنفسهم، واتهام بعضهم بعضا، وتنمية المشاعر والمواقف السلبية والسالبة لدى كثيرين منهم، بدل تفعيل قيم التضامن وإحياء روح الأخوة النضالية والألفة الإنسانية التي كانت المصدر الرئيس لقوة الشعوب في مواجهة المحن والكوارث. والنتيجة ابتعاد السوريين أكثر من قبل، بعضهم عن بعض، وتفاقم شعورهم بتخلي العالم عنهم، وانفراط عقد اجتماعهم، وفقدان الثقة بمقدراتهم.

لن نتقدّم خطوة واحدة بالتسليم للدول الأجنبية والمراهنة على حسن نيات الدول التي تتنازع علينا، ولم تعد ترى مصيرنا إلا بدلالة مصالحها ورهاناتها المتعارضة. لكننا لن نتقدّم خطوة واحدة أيضاً ما لم ننجح في السيطرة على مخاوفنا وإحباطاتنا، ونغير من أسلوب تفكيرنا وخطابنا الغوغائي، وطريقة تعاملنا بعضنا مع بعضنا الآخر، أي ما لم نتخلص من ثقافة التشبيح والعنف الموجه نحو الذات، والإقرار بالواقع كما هو، واقعنا الذاتي بشرا نخطئ ونصيب، والواقع الموضوعي الذي يسحقنا، ونتحمّل مسؤولياتنا من خلال الاعتراف بأخطائنا والعمل الجاد الجماعي لإصلاحها. من دون ذلك، لن تقود مساعينا المتفرّقة والمتعارضة والمتنافسة إلا إلى مزيد من الإحباط وانفراط العقد، وتعاقب الفشل وتضارب المبادرات.

=========================

هل ثمة مَنْ يتعظ في طهران؟

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 5/5/2019

يتوجب، سياسياً أوّلاً، ثمّ بحكم القانون الدولي، وكذلك الأخلاق العامة؛ التمييز بين إدانة المرء للتدخلات الإيرانية في شؤون المنطقة، من العراق إلى سوريا ومن لبنان إلى اليمن؛ وبين إقرار، أو تأييد، أو حتى التعاطف، مع العقوبات الاقتصادية الأخيرة التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضدّ الاقتصاد الإيراني، في ميدان النفط خاصة. صحيح أنّ الافتقار إلى الشرعية، وقلّة الأخلاق استطراداً، هما في طليعة القواسم المشتركة بين عربدة ترامب وعربدة أمثال قاسم سليماني؛ إلا أنّ حصّة التمييز النسبي تفرض اعتباراتها هنا، خاصة إذْ يضع المرء في كفَتَيْ ميزان ممارسات “فيلق القدس” هنا وهناك، وقرارات هذا البيت الأبيض في القدس وهضبة الجولان المحتلتين.

إلى هذا، ثمة إشكالية ذات طابع جدلي تدور في قلب إيران ذاتها، حول حكاية العقوبات الأمريكية، وحول “اقتصاد الثورة الإسلامية” بصفة عامة؛ تتردد أصداؤها في أوساط النخب العليا السياسية والفقهية، وتبدو أشبه بمنعكسات مباشرة آتية من مرايا الشارع الشعبي العريض، بمختلف تياراته ربما. وأمّا العبارة/ المفتاح في تلك الإشكالية فإنها، ببساطة: تصدير الثورة. فهل إنّ ستراتيجيات تصدير الثورة، أسوة بإقامة التحالفات والتكتيكات، وتشكيل الفيالق، وتسخير بعثات التشييع، واستفزاز الطوائف والمذاهب، أو السعي إلى ذلك كلّه في الأقلّ… يساوي حقاً ما تسدده إيران من أثمان باهظة، في العميق من اقتصادها وطرائق توظيف خيرات البلد لصالح الشعب وتنمية المستقبل؟

ليس الجواب بالنفي حديث العهد في الواقع، وقبل عقد ونيف كان الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي قد حذّر من تصدير الثورة، واضعاً المسألة في إطار خاصّ جذري، اتضح أنه شديد الحساسية أيضاً: “تشويه أفكار الإمام الخميني”، ليس أقلّ! “هل نحمل السلاح ونتسبب بانفجارات في بلدان أخرى؟ هل نشكّل مجموعات للقيام بعمليات تخريب في بلدان أخرى؟ الإمام كان يعارض بشدّة أعمال الإرهاب ويدعو في المقابل إلى نموذج يقوم على وضع اقتصادي جيد، واحترام البشر، ومجتمع يتجه الى الرخاء وتحسين ظروف الجميع”؛ قال خاتمي.

يومذاك كانت ردود الفعل الرسمية، أو شبه الرسمية قد تراوحت بين الدعوة إلى “محاسبة خاتمي على تصريحاته غير الوطنية”، التي “لا ينجم عنها سوى تلطيخ سمعة الجمهورية الاسلامية وتأكيد اتهامات لا أساس لها يطلقها الاستكبار العالمي”، كما فعلت صحيفة “كيهان” الناطقة باسم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله علي خامنئي؛ أو اتهام خاتمي (وكانت تلك النبرة تطوّراً نوعياً خطيراً في لغة انتقاد رئيس سابق) بالعجز عن “التمييز بين الأعمال الإجرامية للطالبان والعمليات الاستشهادية لقوّات حزب الله في لبنان أو للمقاتلين المسلمين في فلسطين”، كما فعل النائب المحافظ مهدي كوشك زاده؛ وصولاً إلى اعتزام 77 عضواً من التيار المحافظ في البرلمان الإيراني التقدّم بشكوى إلى وزارة الاستخبارات، للتحقيق مع خاتمي حول تصريحات اعتبروها مسيئة للخميني.

ومع ذلك، ولكي تكتسب الذاكرة أبعادها الجدلية هنا أيضاً، كانت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن قد ركبت موجة التظاهرات الطلابية خلال رئاسة خاتمي نفسه؛ قبل أن يدرك دهاقنة المحافظين الجدد، أمثال بول ولفوفيتز وريشارد بيرل، أنّ التحريض يحتاج إلى فقه آخر غير تسيير القاذفات العملاقة وامتطاء الدبابات وإطلاق الصواريخ العابرة للقارات. فارق في الأسلوب فقط، قد يساجل البعض عند مقارنة سلوك ترامب مع أسلافه بيل كلنتون وبوش الابن وباراك أوباما، وثمة وجهة نظر في هذا بالطبع؛ لولا أنّ سلّة ترامب ليست غاصة بمزاعم أمنيات الخير والرخاء والديمقراطية للشعب الإيراني، بل بقرارات وعقوبات وإجراءات مسخّرة أوّلاً وأخيراً لخدمة مصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي.

فهل ثمة من يتعظ في طهران، مستدعياً دروس الماضي، واضعاً نصب الأعين مصالح الشعب الإيراني أوَلاً، فاتحاً الأبصار على أوهام وأضاليل تلك الخرافة، “تصدير الثورة”؟ لقد أسمع الوعظ لو نادى حيّاً!

===========================

سورية.. مصير اتفاق سوتشي ومسؤولية الفصائل

عمار ديوب

العربي الجديد

الاحد 5/5/2019

صعّدت روسيا والنظام السوري قصفهما على ريفي حماة الشمالي والغربي وجنوب إدلب، وكأنهما يريدان استباحة إدلب بأكملها، وقصفا منشآت طبية وتعليمية وقرى وبلدات، وطاول التهجير مئات ألوف الناس. جاء هذا الجديد على أثر تسريباتٍ وصفقاتٍ بين روسيا وتركيا، فالأخيرة تأخذ تل رفعت وقرىً تسيطر عليها الوحدات الكردية، وروسيا تتوسع في المناطق منزوعة السلاح وفق اتفاق سوتشي، فتصبح منزوعة السكان، ومناطق عسكرية خالصة لصالح الروس، وتسيّر فيها الدوريات.

لتركيا التي هي أحد الضامنين لاتفاق سوتشي 2018، حساباتها في عدم تصفية الفصائل الرافضة هذا الاتفاق، مثل هيئة تحرير الشام وجيش العزة، ولكن لروسيا مصلحة في ضبط كل العمل العسكري في إدلب؛ أي على حدود المناطق التي تسيطر عليها روسيا، وللأخيرة مطارات وثكنات وجنود ومرافئ، وبالتالي تريد تنفيذ اتفاق سوتشي كاملاً، ولو أدى الأمر إلى إنهائه وليس تطبيقه، واحتلال إدلب أيضاً. ما تمنع روسيا عن إنهائه، كما حال اتفاقيات خفض التصعيد في درعا وغوطة دمشق وحمص الشمالية، والاكتفاء بتطبيقه، ويؤكد أن العملية لن تكون واسعة، شروطٌ دوليةٌ تخص إدلب، إذ هناك رفض دولي لاجتياح كامل. وقد أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً رافضاً لها؛ فسوف يفضي إلى موجةٍ جديدة من التهجير، وستطاول ملايين السوريين، وهذه لا تحتملها لا تركيا ولا أوروبا، وهناك أيضاً عدم جاهزية روسيا لحرب استنزافٍ طويلة، سيما أن الخلافات بينها وبين إيران تتصاعد، وهي تسعى إلى فرض سيطرة كاملة على شمال حماة وجنوب إدلب، وإخراج إيران نهائياً من تلك المنطقة. وبالتالي، ليس هناك قوات برية تابعة للروس، وتكون قادرةً على حرب طويلة وصعبة، حيث 

"الفصائل المعارضة لروسيا وللنظام معنية بنزع كل حجة تنهي اتفاق سوتشي" هناك عشرات الألوف من المقاتلين في إدلب. والآن يثير التصعيد التحشيد العسكري، وستتشكل بالضرورة غرف عمليات قوية. وهذا ما سيوحد الفصائل المختلفة في إدلب (هيئة تحرير الشام، الجبهة الوطنية، الجيش الوطني، جيش العزة، وربما حراس الدين والجهاديين الأجانب). لهذا لن تصعد روسيا من معركتها الحالية. تريد تطبيق اتفاق سوتشي، وإجبار جيش العزة، وهيئة تحرير الشام، على الموافقة عليه، والسماح بتسيير دوريات روسية تركية مشتركة. يرفض "العزة" بشكل قطعي ذلك، وتطلب "تحرير الشام" أن تسير الدوريات برعايتها! طبعاً يستهدف اتفاق سوتشي إنهاء "تحرير الشام"، وتصفية جيش العزة، وهناك بديل تركي عنهما، الجيش الوطني، والجبهة الوطنية.

ويعود تأخر تركيا في الحسم إلى أسباب متعددة، منها كما جاء أعلاه الخلافات عن الحصص في تل رفعت، وأيضاً صعوبة الحسم ضد هيئة تحرير الشام خصوصا، وهناك عدم الاتفاق الكامل بخصوص شرقي الفرات، والتي تتكثف النقاشات التركية الأميركية حولها، وبما ينشئ منطقة آمنة بإشراف تركي، وهذا أيضاً عنصر خلاف بين روسيا وتركيا، فروسيا تريد السيطرة على شرق سورية، حيث ثروات سورية النفطية والزراعية والمائية. وبالتالي هناك أسباب متعددة للتصعيد الروسي، وبما يُجبر تركيا على مزيد من التوافق مع روسيا، بخصوص تطبيق اتفاق سوتشي والمنطقة الآمنة في شرق سورية، وبخصوص اتفاقيات تركيا مع أميركا، والتي تشهد تقارباً، وعلى أكثر من صعيد. رفض تركيا التصعيد الأميركي ضد إيران لا يعتد به كثيراً.

تذهب كل مقاربةٍ للتصعيد الأخير نحو المقارنة مع مناطق خفض التصعيد الأخرى، والتي استُخدمت الاتفاقيات تلك فيها لإنهاء "تحرّرها" من النظام، وبالتالي عادت إلى سيطرته. الوضع في إدلب خطير للغاية، وهنا على الفصائل الموجودة هناك الارتقاء إلى مستوى المشكلة، فإدلب حاضرة على طاولة البحث بين كل من تركيا وروسيا وإيران وأميركا، وهي لن تُترك "مستقلة"، بل ستفرض عليها اتفاقيات أخرى، وليس فقط اتفاق سوتشي. الآن وكما الحال مع فصائل درعا والغوطة وحلب وحمص، تتحمل فصائل إدلب المسؤولية. يقع على جيش

"هناك أسباب متعددة للتصعيد الروسي، وبما يُجبر تركيا على مزيد من التوافق مع روسيا"  العزة بالتحديد احترام اتفاق سوتشي، وهنا تكمن مشكلة، فهذا الجيش مدعوم أميركياً، وتشدده يجد تفسيره انطلاقاً من "إزعاج" أميركي للروس، ولكن موقفه أوجد حجةً للروس لذلك التصعيد، وتهجير كل السكان من مناطق القتال. وبتصعيدها، لا تكتفي روسيا بأن تُهجر سكان قرى كثيرة، وهي تهجر سكان بلداتٍ خاضعة للنظام في المنطقة ذاتها، بقصد بناء منطقة عسكرية جديدة لها في شمال حماة، وبالتالي لن تصمت أبداً عن أي فصائل عسكرية خارجة عن السيطرة التركية. جيش العزة وهيئة تحرير الشام، خارجان عن ذلك، ويرفضان الدوريات المشتركة، ويرفضان إخلاء بعض القرى المشمولة باتفاق سوتشي. تعني هذه الأفعال حرباً قوية من الروس وحلفائهم في تلك المنطقة، وبالتالي تتحمّل الفصائل مسؤولية كبيرة في مواقفها تلك، وهذا ما يدفع إلى القول إن روسيا لا تحتاج إلى حجة للتصعيد، وهي تسمح لقوات النظام بتكرار ذلك.

وباعتبار أن الفصائل تدعي أن مواقفها تنطلق من الدفاع عن حقوق الناس، فإن الموافقة الكاملة على اتفاق سوتشي، بين الرئيسين التركي أردوغان والروسي بوتين، أكثر من ضرورية في هذه المرحلة، وطبعاً كان يجب تنفيذ بنوده منذ لحظة توقيعه، في 2018. هيئة تحرير الشام وجيش العزة يتحملان مسؤولية إذاً، وهناك قضايا أخرى، يقع على الهيئة بالتحديد إنجازها، وتتصل بتسليم كل الجوانب الخدمية لحكومة ومجالس محلية منتخبة وممثلة للسكان، ومحاربة كل أشكال الجهادية المتبقية في المدينة، وتنظيف نفسها من العناصر والكتل الجهادية. ستجدد هذه النقطة التصعيد، في حال توقف التصعيد الحالي، ولم يصل إلى طرح مصير الجهاديين في إدلب من حراس الدين وسواهم وهيئة التحرير نفسها.

قصدت من التحليل أعلاه أن الفصائل المعارضة لروسيا وللنظام معنية بنزع كل حجة تنهي اتفاق سوتشي، وتؤدي إلى كوارث طالما فعلتها روسيا وحلفاؤها في كل سورية، وهذا ما يطرح مصير هيئة تحرير الشام نفسها. إذاً للتصعيد الحالي أسبابه، وسيكون هناك تصعيدٌ آخر، وسيشمل مصير الهيئة، فهل تعي الأخيرة مسؤولياتها الراهنة والمستقبلية وتحلُّ نفسها؟

===========================

قانون الطوارئ.. أداة مزمنة للقمع في سوريا

ربى حمود

سوريا تي في

السبت 4/5/2019

قانون الطوارئ عالمياً هو سلطة تمنح للحكومات في أوقات غير طبيعية قد تكون لأسباب خاصة بالكوارث الطبيعية كالزلازل مثلاً.. أو أن تكون سياسية.. كخطر محدق يهدد البلاد.. أو هجوم عسكري داخلي أو خارجي يهدد أراضيه.

هذه السلطة تُمنح لفترة محددة وذلك تسهيلاً على الحكومة لاتخاذ تدابير سريعة دون المرور بالكثير من الإجراءات التي تبطئ من عملها.. ولسرعة اتخاذ القرار.

مع العلم أن قانون الطوارئ برغم أنه يطيل يد السلطة في التصرف بحريات الأفراد والمؤسسات ويسمح بوضع اليد على الممتلكات الخاصة بشكل مؤقت وقد يؤدي إلى التعسف في بعض التصرفات.. إلا أنه أيضاً محاط بالمسائلة القانونية والمحاسبة في حال امتد العمل فيه دون وجود ضرورة.. أو تعسف إلى الحد الذي ينال من الأشخاص.. مما يعرض الحكومة للمحاسبة وتعويض الأفراد عن الضرر الذي لحق بهم نتيجة الممارسات غير المقبولة..

كما عليه أن يصدر حتى ضمن السرعة المطلوبة عن طريق خطوات دستورية متفق عليها دولياً.. يتم العمل به حال وجود الحالة التي استدعت اللجوء إليه وينتهي بمجرد انتهاء الأسباب التي أدت إلى استخدامه.

العهد الدولي لحقوق الإنسان حدد الحالات التي يمكن اللجوء فيها إلى قانون الطوارئ مع إعلام الأمين العام للأمم المتحدة عن التجاوزات التي حصلت أثناء استخدامه.

قانون الطوارئ في سوريا..

أول قانون رسمي للطوارئ في سوريا صدر بالمرسوم رقم 51 في \22\ كانون الأول لعام 1962

وللصدفة أن يعلن هذا المرسوم إبان الانقلاب العسكري الذي قام به حزب البعث في يوم 8 آذار 1963.

وكأن هذا القانون ظهر بذات الوقت الذي بدأت به سيطرة النظام وحزبه دون أن نعي ذلك.. ليغدو بعد نصبه كحالة طوارئ من وضع مؤقت إلى حالة عامة موجودة حكماً وقسراً على الجميع.

وللصدفة أن يعلن هذا المرسوم إبان الانقلاب العسكري الذي قام به حزب البعث في يوم 8 آذار 1963

منذ عام 1963 باتت الرقابة على كل ما يشكل خطراً على الوجود البعثي ونظامه. لا حرية للأفراد ولا حرية للصحافة وحتى تقييد المراسلات البريدية وعدم وجود أدنى خصوصية في الرسائل حينها. مراقبة لكل مقالة تكتب. قمع الأقلام التي تفكر. ومراقبة الهواتف الأرضية حينها.

منع الكتب التي لا تتماشى مع سياستهم. ومنع المجلات والصحف الخاصة، آخرها كانت جريدة الدومري.. وحصر الجرائد فقط بجرائد ومجلات رسمية تابعة لهم. حتى الإذاعات والتلفاز تم حصره بهم كجهة ممولة ومرخصة لذلك.

إبان أول حركة للربيع، والتي سميت (ربيع دمشق) تم اعتقال كل من دعم الحركة وكانت حركة غالبيتها من الصحفيين والطلاب وجيل الشباب. وما زال بعضهم حتى اللحظة يقبع في أقبية المعتقلات.

إلى حين بداية الثورة السورية عام 2011 حيث عاد القانون بقوة إلى الواجهة. وتم التعسف في الاعتقالات واتباع الأساليب القمعية والقتل الممنهج بحجة قانون الطوارئ. فتمت المطالبة بإلغائه كقانون مستمر منذ أكثر من ثلاثين عاماً..

وفعلاً امتثل النظام للمطلب وقام بإلغائه. والذي يفترض معه أن تنتهي كل أساليب القمع والاعتقال والقتل. لكن للأسف كان الإلغاء شكلياً لا يتعدى الورق الذي طبع المرسوم عليه. فلم يتغير أي شيء بالنسبة للحالة السورية، وبقيت المحاكم العسكرية قائمة وتنال من العسكريين والمدنيين على حد سواء.

كان الإلغاء شكلياً لا يتعدى الورق الذي طبع المرسوم عليه. فلم يتغير أي شيء بالنسبة للحالة السورية، وبقيت المحاكم العسكرية قائمة وتنال من العسكريين والمدنيين على حد سواء

إعلان القانون مخالف للدستور

إبان الانقلاب العسكري لحزب البعث في 8 من آذار كان يتوجب أن تعلن حالة الطوارئ آنذاك بمرسوم من قبل مجلس الوزراء ويصدق من النواب بثلثي أعضائه. ونشره في جريديتين رسميتين على الأقل.

وحينها لم يكن في سوريا مجلس نواب.. وحتى بعد تشكل مجلس النواب لم تعرض حالة الطوارئ عليه ولا على أي مجلس بعده. وهذا يعتبر خرقاً للقوانين الدولية وحقوق الإنسان، لأن قانون الطوارئ المعمول به في سوريا لم يتم الإعلان عنه بشكل رسمي وقانوني. وإنما مورس بشكل فعلي فقط.

وهي لفتة إلى أن المجلس مجرد واجهة سياسية فقط، لا يحق له حتى عندما يعلم بضرورة أن يعرض موضوع عليه أن يطلب بعرضه. فهو أضعف من يطالب أحد أفراده أو جزء منهم بذلك، فلا أسهل ضمن النظام البعثي من تخوين وإقصاء أي نائب تحت بند وهن الأمة وإضعاف الشعور القومي بها وما زالت تحتفظ الذاكرة بالنائب (موصللي) الذي تشجع يوماً على الهواء مباشرةً في جلسة لمجلس الشعب عام 2000.. وطرح بكل لهجة قانونية أن ترشيح الأسد الابن للرئاسة وتعديل الدستور بهذه الطريقة ليست خطوة صحيحة وتخالف الدستور. فلم تنته الجلسة إلا تم التخلص منه وفصله من المجلس وتوقيعه قصراً على استقالته.

الاعتقالات..

المخول بالاعتقال إبان حالة الطوارئ هو الحاكم العرفي فقط، والذي هو رئيس الوزراء أو نائبه والتوقيف يكون توقيفاً احتياطيا.

بينما في حالة الطوارئ السورية لا نعرف من يقوم بالاعتقال، وأي جهة أمنية وتحت أي بند دستوري أو قانوني تقوم بالاعتقال. كما أن الشخص الموقوف يغيب قسرياً ويمنع من التواصل مع الحياة بشكل عام وليس فقط مع ذويه أو محاميه.

وحتى لدى موت المعتقل يدفن بسرية تامة أو يتم التخلص من جثمانه بطرق ما تزال غامضة. ويبقى مصيره غامضاً بالنسبة لذويه. فعليهم انتظار سنوات طويلة قبل أن يستطيعوا توفيته أو حتى الطلاق بحجة الغياب.

ورداً على من يقول بصدور مرسوم بإيقاف حالة الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة لعام 2011

يرد على ذلك بأن العبرة ليس في وجود القانون أو إلغائه وإنما في وجوده فعلياً على الأرض وممارساته غير الإنسانية تجاه الشعب.

وأما عن محكمة أمن الدولة، فقد ظهرت إلى الواجهة بحلة جديدة باسم محكمة الإرهاب. مع وجود دائم للمحاكم العسكرية التي تستطيع التدخل بأي وضع لمعتقل دون أي قوانين رادعة أو حدود لها تحدد اختصاصها

أما عن محكمة أمن الدولة، فقد ظهرت إلى الواجهة بحلة جديدة باسم محكمة الإرهاب. مع وجود دائم للمحاكم العسكرية التي تستطيع التدخل بأي وضع لمعتقل دون أي قوانين رادعة أو حدود لها تحدد اختصاصها.

حتى هذه اللحظة يبقى قانون الطوارئ حالة عامة باتت موجودة على مدار الساعة وهو موجود بحجة نسب كل الممارسات والاعتقالات بحجة وجود خطر يهدد البلاد.

أي أنه الشماعة الأخرى التي يعلق عليها النظام مجازره، بعد شماعة وجود الخطر الإسرائيلي.

الآن وضمن آخر ما نسمعه عن تسليم جزء آخر من سوريتنا (مرفأ طرطوس) إلى المحتل الروسي... ولانعرف كم كان الثمن. هل سينسبون هذا إلى قوانين الطوارئ أيضاً؟

===========================
إسلام سياسي في محنة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 4/5/2019

يطرح تحرّك إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضد جماعة الإخوان المسلمين من الأسئلة ما ستتناوله الكتابات فترة طويلة مقبلة. أقدم هنا ملاحظات على البيئة التي اتخذ ترامب قراره فيها:

ـ شهدت العقود القليلة الماضية انحدارا متسارعا في مكانة الجماعة، بين محطاته المفصلية حكم الرئيس محمد مرسي في مصر الذي اختط نهجا سياسيا قوّض صدقية الجماعة في العالم العربي، بمناقضته ما جاء في نصوصها بشأن الخيار الديمقراطي، وإقدامه على تحويل انتفاضة شعبية هائلة إلى انقلاب إخواني انفردت به الجماعة، كأنها أنجزته وحدها، كما حوّل الانتفاضة ضد النظام إلى انقلابٍ ضد الدولة، لاعتقاده أنه توجد دولة إسلامية، والظرف الشعبي مناسب لإقامتها. الغريب إن الجماعة لم تتخذ موقفا مما فعله، فبدا وكأن ما ينفذه هو قرارها الذي طرح على كثيرين ما سماه محمد حسنين هيكل الاختيار بين المسجد والثكنة، فاختاروا الأخيرة، بسبب خشيتهم من الجماعة وحكمها.

ـ لم تكن تجربة عمر البشير في السودان أفضل، على الرغم من أن ثلاثين عاما في السلطة كانت كافية لمراجعة نهجه وإصلاحه، لكنه بادر إلى بناء نظام شمولي وقمعي من طراز أسدي. يتساءل من يتابع ردود أفعال شعب السودان عليه، إن كان قد نال يوما قبول مواطن سوداني واحد، ويسعد لأن قادة جيشه تخلوا عنه، بعد أن أبلغهم بأن الشرع يبيح له قتل 30% إلى 50% من المتظاهرين، حسب ما صرّحوا. من الذي يمكنه بعد البشير تصديق وعود الجماعة التي ربما لم يكن عضوا فيها، إلا أنه كان مقربا منها، ولم تتنصل منه؟

ـ لم يحمل إخوان سورية العبء الأكبر من المعركة ضد من ارتكبوا جرائم مرعبة باسم الإسلام. ولم يتصدّوا هم أو أي طرف إسلامي لمرتكبيها من مجرمي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة الذين كان يُنتظر أن تشن حربا شعواء عليهم، وعلى بقية التيار المتأسلم المتعسكر الذي رفع شعار الدولة الدينية أو دولة الخلافة، وأن يكون موقفها منهم رافعتها السياسية والأخلاقية والوطنية. لكنها لم تقم بما كان الرهان الثوري يتطلبه، على الرغم من أنها كانت قد أصدرت وثيقتين مهمتين بشأن الخيار الديمقراطي بوصفه نتاجا حتميا لأية ثورة ضد النظام الأسدي، لم يظهر لهما أي أثر في مواقفها من التطرّف باسم الدين، سيما وأن موقف المطالبين بالخلافة لعب دورا مهما في تقويض ثورة الحرية، ممن لم يردعهم ممثلو الإسلام السياسي، وأنصارهم من رجال الدين الذين أخذوا مواقف متأخرة ومتباعدة من مشروع الدولة الإسلامية، على الرغم من علمهم أن الثورة لا تنجح بخيارين متناقضين، وأن المتأسلمين المتعسكرين يساعدون الأسد، ويلحقون ضررا فادحا بالشعب، ويدمرون ثورته.

ـ يفيد قرار ترامب من هذه التجارب التي أعقبتها تراجعات عامة في مكانة الجماعة وصدقيتها، وطرحت أسئلة محرجة عليها، تتصل بإشكالية لطالما أمسكت بخناقها، على الرغم من تهرّبها منها، هي: إلى أي حد يمكن صياغة سياسة تتطابق مع منطلقاتٍ ومآلات دينية؟ وفي العلاقة بين السياسة والدين، أيهما وضع في خدمة الآخر، الدين بسموه الروحي أم السياسة بما فيها من ممارسات غير أخلاقية ومنافية لقيم الدين؟

أجابت حركة النهضة في تونس على هذا السؤال بفك السياسي عن الدعوي، أي بفصل الجماعة إلى حزبيين ودعاة، لم تحدّد بعد طبيعة أدوارهم والعلاقة بينهم، مع العلم أن الجماعة عملت دوما كحزب دعاة، أوصلها اندماجهما، وصعود تنظيمات الإسلام المسلحة، إلى مأزق انعكس على صدقيتها، خصوصا في ما يتصل بالخيار الديمقراطي الذي سيبقى مأزقيا، إذا كانت قياداتها الحالية هي التي ستتولى الإشراف على الجماعتين.

تقف الجماعة على مشارف تحدٍّ مصيري، لن ينقذها منه غير تحولها إلى حزب مواطنين، يتقيدون بقيم الدين.

===========================

موقفنا: ما هو الإرهاب ؟ ومن هو الإرهابي ؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

2/ 5 / 2019

ما هو الإرهاب ؟

من هو الإرهابي ؟

أسئلة لا بد للإنسانية العاقلة المتحضرة أن تجيب عليها . فلقد أصبح التراشق بالإرهاب في عالم تحكمه الغطرسة والاستعلاء أشبه بالتراشق بالكفر والزندقة في عوالم العصور التي سادت فيها أحكام محاكم التفتيش ، والنقب على قلوب الناس ، ومواجهة العلم والعلماء حتى يضطر عالم مثل غاليلو غاليلة أن يجثو على ركبتيه معتذرا آسفا ..

يتماهى كثير من الناس مع الشكوى من الإرهاب ومن الإرهابيين ومن أفعالهم وتصرفاتهم وسياساتهم ، ولكن يبدو للكثيرين اليوم أن هؤلاء الإرهابيين قد أصبحوا بعض أدوات النفوذ والهيمنة للسيطرة على العالم ولاستئناف الحروب " المقدسة " تحت عناوين مدعاة مغطاة بقشور رقيقة من الكذب والادعاء ..

وأن الاتهام بالإرهاب أصبح الذريعة المصنعة المسبقة للانقضاض على الحضارات والعقائد والأديان والأمم والشعوب . فتحت عنوان الحرب الكاذبة على الإرهاب كم قتل في العراق وسورية من طفل وامرأة ، وكم خربت من مساجد ومعابد ومدارس ومستشفيات . تحت عنوان الحرب الكاذبة الفاجرة على الإرهاب تم استخدام السارين والكلور والنابلم والفسفور الأبيض وجرب أكثر من مائتي سلاح من ترسانة " ملائكة الروح وحمائم السلام .

ولقد أصبحت شعوب العالم بشكل عام وشعوب أمتنا بشكل خاص بين حجري رحى الإرهابيين الكبار والصغار ، أو بين قطبي قادة الإرهاب ومخططيه وبين أدواته ومنفذيه . في دائرة مغلقة للشر لا يكاد عاقل يمسك بطرف لها !!

إن أول الصدق الذي ندعو إليه لمحاصرة الإرهاب وتجفيف منابعه ونفي بواعثه والانتصار إليه هي أن يصير العقلاء من العلماء والمفكرين والحقوقيين ورجال القضاء من كل المحافل إلى اتفاق علمي موضوعي على تعريف الإرهاب على ضوء الحق والعدل وما تتضمنه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، التي تعتبر بجملتها مكاسب حقيقة لنضالات الإنسانية في سبيل رقيها وتحضرها .

أليس عجيبا ، يتساءل العقلاء ، ألا تتفق الإنسانية حتى اليوم على تعريف حقوقي عدلي قانوني للإرهاب ، يحد من نزعات الغطرسة ومن أساليب التخويف والابتزاز . تعريف حقوقي تحكمه قوانين الحقيقة والعدالة وليس قرارات النقض " الفيتو " التي جيرت أعلى منصة لخدمة القتلة والمجرمين !!

وتعريف الإرهاب لا يمكن أن يتم بدوافع ولا على خلفيات إيديولوجية . كما لا يمكن أن يكون بدوافع ولا على خلفيات سياسية ؛ ولا يمكن أن يكون الوصف بالإرهاب جسرا للمستبدين ، ولا معبرا للمبتزين ، ولا طريقة لتصفية الحسابات الايديولوجية ببعدها التاريخي الحضاري ، ولا الوقتية بأبعادها السياسية والاقتصادية .

إن الجواب على سؤال : ما هو الإرهاب ؟! هو عمل المفكرين والحقوقيين والجواب على سؤال : من هو الإرهابي ؟ هو عمل القضاة المنصفين ..

لن ينفع الإنسانية في شيء تكرار الإدانة بالإرهاب ، ولا أن يتنابذ الناس به . وإننا وفي عصر حضارة حقوق الإنسان لنتساءل : أي إرهاب أكبر من أن يكون على مقاعد النادي الدولي أشخاص قتلوا وعذبوا وشردوا ملايين البشر ؟! لقد كانت النازية والفاشية منهجا وسلوكا وطرائق في الاستعلاء على البشر ولم تكن مجرد أشخاص عبروا عتبات التاريخ .. وأي انغماس في حمأة النازية والفاشية أكبر من أن يعتبر المطالبون بالحرية والعدل والكرامة على السواء لكل البشر إرهابيين ؟!

لن تنكسر إرادة الشعوب هكذا علمنا تاريخ الإنسانية الطويل . قد يستطيع الحمقى المسيطرون المتذرعون بما في أيديهم من مصادر القوة أن يطيلوا أمد المعركة مع المستضعفين ، وأن يربحوا عددا أكبر من جولاتها ، وأن يكثّروا عدد ضحاياها من أبرياء الرجال والنساء والأطفال ، ولكن لن يستطيعوا أبدا أن يطفئوا نور الحق والحقيقة في قلوب العالمين .

ـــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

============================

سوريا بعد ثلاث وسبعين سنة من الاستقلال

رياض معسعس

القدس العربي

السبت 4/5/2019

في السابع عشر من نيسان/إبريل 1946 خرج السوريون بكل فئاتهم وطوائفهم يهزجون للتخلص من آخر جندي فرنسي على أرض سوريا جاءنا تحت غطاء الانتداب وتبعات سايكس- بيكو.

لقد كان حلما لكل سوري أن يرى سوريا دولة مستقلة ديمقراطية بعد خمسة قرون من هيمنة عثمانية، ثم فرنسية، حتى أن شفيق جبري أنشد قائلا:

حُلم على جنبات الشـــــــام أَم عيد؟

لا الهمُّ همٌّ ولا التسهيد تســــــــهيدُ

أتكذبُ العينُ والرايــــــــاتُ خافقةٌ؟

أَمْ تكذب الأذن، والدّنيا أغاريـــــــدُ؟

هذا الحلم لم يتحقق بعد ثلاث وسبعين سنة من الاستقلال، فواقعها اليوم أسوأ بكثير مما كانت عليه تحت الهيمنة الفرنسية والعثمانية. فقبيل الاستقلال منحت فرنسا تركيا منطقة لواء اسكندرون ( أجمل مناطق سوريا وفيها أهم مرفأ بحري) كمكافأة لثنيها عن الاشتراك في الحرب العالمية الثانية إلى جانب المحور ألمانيا-إيطاليا، بعد أن اقتطعت مناطق واسعة أيضا لتضمها إلى لبنان. ولم تفلح فرنسا في تقسيم سوريا إلى خمسة كيانات سياسية ميكروسكوبية، وقبلت بالأمر الواقع بعد إصرار السوريين على وحدة بلادهم، فكانت الجمهورية العربية السورية.

الجمهورية الوليدة

هذه الجمهورية الوليدة بدأت بنظام ديمقراطي تعددي شارك فيه كل الأحزاب (بمن فيهم حزب الاخوان المسلمين، والحزب الشيوعي)، وتم انتخاب رئيس للبلاد ( شكري القوتلي)، ومجلس نواب منتخب أيضا.

ولكن سرعان ما أجهض هذا الحلم بأول انقلاب عسكري لحسني الزعيم في العام 1949 (استمر في الحكم 137 يوما ثم أعدم) وتوالت من بعده الانقلابات العسكرية (إنقلاب فوزي سلو ثم أديب الشيشكلي الذي حكم سوريا لغاية العام 1954 ثم تم اغتياله بعد هروبه إلى البرازيل في العام 1964 )، وعاد نظام الحكم المدني لغاية 1957 حيث تخلى شكري القوتلي عن رئاسة البلاد للزعيم الراحل جمال عبد الناصر لتتم الوحدة المصرية السورية التي لم تعمر طويلا وقام ضباط انفصاليون بانقلاب عسكري أنهى تجربة الوحدة في العام 1961 ليعود المدنيون للحكم لمدة سنتين فقط، أطاح بهم انقلاب 8 آذار/مارس الشهير وتسلم الجيش السلطة تحت غطاء حزب البعث الذي مهد الطريق لحكم عائلة الأسد بعد الإطاحة بالمنافس صلاح جديد وحركة 23 شباط/فبراير في العام 1970 . (في تلك الأثناء خسرت سوريا الجولان السوري في حرب الخامس من حزيران/يونيو واليوم يعترف دونالد ترامب بسيادة إسرائيل عليه).

العائلة الأسدية

نصف قرن مضى على حكم العائلة الأسدية التي وعد فيها المؤسس حافظ الأسد السوريين بالحرية، والوحدة، والديمقراطية والمساواة، فكيف حال سوريا اليوم. لقد اندلعت الثورة السورية في العام 2011 كغيرها من ثورات الربيع العربي تطالب بالحرية والمساواة وبنظام ديمقراطي تعددي يضمن حرية الرأي والتعبير، بعد ثماني سنوات من اندلاع الثورة فواقع سوريا اليوم هو سيطرة أمريكية – كردية على مساحة تصل إلى 25 بالمئة من الأراضي السورية، وسيطرة روسية على ميناء طرطوس البحري، وقاعدة حميميم العسكرية، والتدخل في كل كبيرة وصغيرة سياسيا وعسكريا، وتسيطر إيران وميليشيا حزب الله وميليشيات طائفية أخرى باكستانية وأفغانية وعراقية على مساحات واسعة في محيط حلب ودمشق وحمص ودرعا، في حين تسيطر تركيا على كل منطقة إدلب التي تصل إلى 20 بالمئة من مساحة سوريا.

انهيار الاقتصاد

وينتظر أن تقوم الصين بهيمنة اقتصادية كبيرة بطرح نفسها كمتعهدة لإعادة إعمار سوريا التي دمرها النظام على رؤوس أهاليها، وبعد مقتل نصف مليون إنسان، ودفع ستة ملايين سوري إلى اللجوء في دول أخرى، ونزوح أربعة ملايين آخرين، وانهيار الاقتصاد والعملة الوطنية، وارتفاع الأسعار جراء التضخم، وفقدان سلع أساسية كالمحروقات، وانقطاع التيار الكهربائي، تستقبلك لافتات كبيرة على مداخل سوريا كتب عليها: « أهلا بك في سوريا المنتصرة»

كاتب سوري

===========================

هل حصل الطلاق النهائي بين أمريكا وإيران؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 4/5/2019

صحيح أن أمريكا تحاول لأول مرة في تاريخها منع إيران من تصدير النفط الذي يشكل حوالي 44٪ من دخلها القومي، إلا أن إيران تتعرض للعقوبات الأمريكية والغربية عموماً منذ وصول الخميني إلى السلطة عام 1979. وقد تعايشت إيران مع تلك العقوبات طوال تلك الفترة، لا بل إنها بنت قوتها العسكرية والنووية والاقتصادية في ظل العقوبات. وقد نجحت في التغلغل بالمنطقة والاستحواذ على أربع عواصم عربية وهي تحت العقوبات، فماذا كانت ستفعل أكثر من ذلك يا ترى لو لم تكن محاصرة أمريكياً وغربياً بالضغوط والعقوبات الاقتصادية؟ بعبارة أخرى، لم تنجح العقوبات يوماً في لي الذراع الإيراني، بل جعلته أشد عوداً وأقوى شكيمة، إما بسبب العزيمة الإيرانية أو بالأحرى لأن أمريكا لا تريد اصلاً تركيع إيران.

والسؤال الأكثر أهمية ونحن نتحدث عن الضغوط الأمريكية على إيران، هل كانت أمريكا عازمة في يوم من الأيام على إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه فعلاً؟ أم إن ما قدمته أمريكا لإيران على الأرض أكبر بكثير من تأثير العقوبات.

قد يقول البعض إن الإدارة الأمريكية الحالية عازمة على تقليم أظافر العملاق الإيراني هذه المرة وتحريض الداخل على الملالي وإجهاض أحلامهم التوسعية وترويضهم. ويرى البعض أيضاً أن كل رئيس أمريكي يأتي بمشروع يختلف عن الذي سبقه، والمشروع الترامبي هذه المرة ذبح إيران، لكن الوقائع الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية والسياسية تعارض هذا التحليل، فإيران اتفقت معها أو اختلفت ليست جمهورية موز، بل هي قوة إقليمية عظمى لها مشروعها الذي استطاعت أن تنقله عسكرياً ومذهبياً إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، ولا نرى أي مؤشرات على أن المشروع الإيراني في المنطقة سيتراجع أو سيضعف رغم كل الخزعبلات الأمريكية. والسؤال الآخر: هل تصدقون أن أمريكا وإسرائيل تريدان فعلاً طرد إيران من سوريا مثلاً؟ من الذي سمح لها أصلاً بابتلاع العراق وسوريا ولبنان والتدخل في اليمن على حدود الحليفة العربية الأولى للأمريكان في المنطقة ونقصد السعودية؟ أليس الأمريكيين أنفسهم؟ ألا يتقدم حلفاء إيران على الأرض في اليمن بينما فشلت المليارات التي دفعتها السعودية في اليمن لدحر الحوثيين؟ هل تتصورون أن إسرائيل يمكن أن تقضي على ذراع إيران الأول في لبنان وهو حزب الله؟ ألم تفشل إسرائيل في مواجهة حركة حماس التي لا تمتلك خمسة بالمائة مما يمتلكه حزب الله من صواريخ يمكن أن تطال هذه المرة كل المدن الإسرائيلية وليس حيفا وما بعد حيفا؟

إن الديمقراطيين يمكن أن يعيدوا العمل بالاتفاق النووي بين إيران والغرب الذي ألغاه ترامب، ويمكن أن تعود المياه إلى مجاريها وأكثر بين الأمريكيين والإيرانيين في قادم الشهور

من السخف القول إن أمريكا هي التي مكنت إيران من رقبة العراق مثلاً. لا شك أن الإيرانيين والأمريكيين لعبوا معاً على الأرض العراقية ونسقوا مواقفهم وتقاسموا النفوذ، لكن لماذا لم تتقاسم أمريكا النفوذ في العراق مثلاً مع العرب كالسعودية؟

الجواب بسيط، لأن إيران أقوى على الأرض في العراق مذهبياً من السعودية، وهي أكثر قدرة على تنظيم أنصارها واستخدامهم واستغلالهم في مشروعها من السعودية التي لم تدخل أي بلد عربي إلا وأصبح حلفاؤها فيه مهزلة كما في لبنان وغيره. وبالتالي، فإن أمريكا لم تجد لها شريكاً في العراق أفضل من الإيرانيين بسبب نفوذهم المذهبي وقوتهم التنظيمية والسياسية مقارنة مع الأقزام العرب.

لهذا يجب ألا يفرح خصوم إيران من العرب بالضغوط الأمريكية على إيران، ومن السخف أيضاً أن يعتقدوا أن واشنطن تحاصر إيران وتضغط عليها من أجل عيون محمد بن سلمان.

هذه قمة السخف والصبيانية السياسية. فقد علمتنا التجارب أن أمريكا تحترم الأقوياء حتى لو كانوا خصومها وتحتقر الضعفاء حتى لو كانوا حلفاءها كالسعودية مثلاً.

ولو تحدثت إلى الديمقراطيين في أمريكا لسمعت لهجة مختلفة تماماً عن العلاقات المستقبلية بين أمريكا وإيران، حيث يرى كبار الباحثين والمطلعين الأمريكيين أن الضغوط والعقوبات التي يفرضها ترمب على إيران هي عقوبات تكتيكية مرحلية وليست استراتيجية، وأن كل الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد إيران يمكن أن يقلبها الديمقراطيون رأساً على عقب عندما يعودون إلى البيت الأبيض قريباً.

وقد قال باحثون كبار إن الديمقراطيين يمكن أن يعيدوا العمل بالاتفاق النووي بين إيران والغرب الذي ألغاه ترامب، ويمكن أن تعود المياه إلى مجاريها وأكثر بين الأمريكيين والإيرانيين في قادم الشهور فيما لو فاز الحزب الديمقراطي بالانتخابات الرئاسية القادمة في أمريكا. لماذا؟ لأن إيران بالنسبة للدولة العميقة في أمريكا ذخر استراتيجي ومنافعه أكبر بكثير من أضراره.

===========================

خلافات سورية

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 4/5/2019

ربما لم يسجل التاريخ السوري منذ تكريس استقلال الدولة السورية بجلاء الفرنسيين عام 1946 مستوى من الخلافات بين السوريين أعلى مما هو عليه حالياً. وقد سجل أن الخلافات في غالب الأحيان خلافات بين النخب والقيادات السياسية، ومثلها خلافات بين الحكومة والمعارضة، وخلافات بين أرباب العمل والنقابات العمالية، وجميعها خلافات تقليدية، تحصل في كل المجتمعات بما فيها أكثر المجتمعات ديمقراطية واستقراراً.

وبخلاف السياق التقليدي والعادي، فإن الراهن السوري يعج بالخلافات، وهو إحساس لا يستمد من متابعة ما يكتبه السوريون ويناقشونه في وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل مستمد من الواقع المحيط بحياة السوريين الموجودين داخل سوريا أو في بلدان الشتات رغم الفروق الجوهرية بين البيئات، التي يعيشون فيها.

إن الأبرز في خلافات السوريين هو خلاف بين النظام والشعب، خلاف بين أقلية السلطة وأكثرية الشعب، أقلية ديكتاتورية مستبدة مصرة على البقاء في سدة الحكم، وأكثرية تسعى بأشكال مختلفة للحصول على الحرية والعدالة والمساواة والمشاركة في إدارة حياتها ومستقبل بلادها، وقد استخدم الطرفان في الأعوام الماضية كل الأدوات والأساليب الممكنة في صراعهما مع ملاحظة الفرق بين إمكانيات وقدرات وموقع كل منهما.

وتمثل الخلافات العرقية نمطاً آخر من الخلافات.

ولئن بدا الأهم فيها عبر العقدين الماضيين الخلاف بين العرب والكرد بسبب السياسات الاضطهادية، التي طبقتها الحكومات، وخاصة في عهد البعث حيال الكرد، وتطورت الخلافات بانضمام الآشوريين-السريان، ثم التركمان إلى تلك المظلوميات، مما أدى إلى خلافات بينية، شملت معظم المكونات العرقية في الجماعة السورية، وقد طور العديد من تلك الجماعات تعبيرات سياسية وتشكيلات عسكرية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتحول بعضها إلى قوى أمر واقع على نحو ما يظهر لدى كرد حزب الاتحاد الديمقراطي pyd الذين يقودون قوات سوريا الديمقراطية تحت الرعاية الأميركية في شرق الفرات، وقريباً منها بعض تشكيلات المجلس التركماني والتشكيلات التركمانية المسلحة في منطقة غرب الفرات تحت الرعاية التركية.

وتبدو الخلافات الطائفية الأهم بين خلافات السوريين، ورغم أن مضمونها يتعلق بالخلافات بين الطوائف الإسلامية وخاصة بين السنة والعلويين، فإن البعض يعممها، ويوسعها إلى حدود الخلافات الدينية بين المسلمين والمسيحيين، رغم أن هذا المستوى من خلافات السوريين لا يكاد يظهر إلا وسط تدقيق خاص. وهو خلاف يتعلق بالخلافات الدينية، لا بالخلافات الطائفية.

لقد غذت سلطة البعث منذ مجيئها عام 1963 النزعات الطائفية وخاصة وسط الجيش والأمن، وتعززت النزعات بعد انخراط جماعات إسلامية سنية ضد نظام البعث، وبعد وصول الأسد الأب إلى سدة السلطة عام 1970. زادت النزعات الطائفية، حيث أقام النظام تمثيلات طائفية في كل المستويات السياسية والإدارية في السلطة، لكنه جعل السيطرة الأساسية في الجهاز الأمني-العسكري في يد بطانته من الطائفة العلوية، فاتحاً الباب نحو تحول الصراع بين النظام والجماعات الإسلامية إلى صراع طائفي مسلح، ظهر بقوة أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات وانتهى بهزيمة منكرة للجماعات الإسلامية، وللحركة الشعبية، التي رأى النظام صراعه مع الإسلاميين فرصة مناسبة لإحكام قبضته على الأخيرة، وتدمير تمثيلاتها السياسية الضعيفة أصلاً.

ووفق السياق ذاته، صعد نظام الأسد النزعة الطائفية مع انطلاق الثورة عبر منظومة من خطوات، شملت اتهام المتظاهرين بـ«السلفية» و«الإرهاب» و«التكفير»، وبث الشائعات ومقاطع الفيديو والأخبار التي تغذي الطائفية، وتوجيه القمع الرهيب للتجمعات السكنية ذات الأغلبية السنية، وقد ذهبت لاحقاً جماعات الإسلام السياسي والتشكيلات الإسلامية المسلحة على الطريق ذاته وصولاً إلى أسلمة الثورة وتطييفها، الأمر الذي أعطى الصراع السوري في بعض محطاته طابعاً طائفياً، يتضمن خلافاً بين الطوائف ولا سيما بين السنة والعلويين.

وإذا كانت الخلافات السياسية حالة طبيعة نتيجة تباين الرؤى والمواقف والسياسات لمختلف الأطراف. فإنها تجاوزت ذلك كله في شكلها ومحتواها عند السوريين. وإذا كان ذلك يتبدى فيما أظهرته السنوات الماضية في صراعات السلطة مع أكثرية السوريين، فإن الخلافات العرقية والطائفية هي الأخرى أخذت المسار ذاته في تغيير شكل ومحتوى، ما كان يمكن أن يكون خلافا سياسيا، يجري حله بالوسائل السياسية، لا بالعنف والإكراه وفرض سياسات الأمر الواقع على نحو ما حصل ويحصل.

لقد ذهبت الخلافات السياسية في مسار غير طبيعي، بحيث صعبت معالجتها، ولم يتم حل المشكلات والاستعصاءات القائمة، أو تبريدها على الأقل، وهو النهج المفروض اتباعه بين الجماعات السياسية المتقاربة على نحو ما هو حال جماعات المعارضة، وقد فشلت الجهود في توحيدها رغم تقارب أهدافها في تغيير النظام وتأييد مطالب السوريين في الحرية والعدالة والمساواة، بل إن الفشل ذهب حد تكريس الخلاف، فصارت هيئة التنسيق، تتهم المجلس الوطني السوري، ثم الائتلاف الوطني بأنه «معارضة الخارج» تشكيكاً بتمثيله، فيما كانت نظرة الأولين للهيئة بأنها موالية للنظام وبعض قياداتها مرتبط بأجهزته، وجميعها ادعاءات لا معنى لها، وهي تأكيد لعجز متبادل في الوصول إلى توافقات، أو عدم رغبة في ذلك لأسباب متعددة.

وما حصل بين الائتلاف والمجلس الوطني قبله مع هيئة التنسيق، مثال على ما حصل في الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردي pydوالمجلس الوطني الكردي، حيث فشلت كل المساعي في معالجة الخلافات أو تبريدها أو تخفيف الاحتدامات بين الطرفين، وهو السياق ذاته الذي سارت فيه اختلافات التشكيلات المسلحة في المعارضة السورية، والتي تجاوزت السبل السلمية، والحوار في حل الخلافات إلى استعمال السلاح، مما كان سبباً في نهاية الكثير منها وتحجيم ما تبقى.

إن الحديث عن الخلافات السورية اليوم، يشبه قصة الشيطان التي لا نهاية لها في امتداداتها وفي تفاصيلها، وكلها تتواصل في أسبابها، التي يغلب عليها عدم توفر إرادة لمعالجتها، وعدم وجود تجارب وخبرات موضوعية ومتوازنة في معالجة قضايا الخلاف، ووجود الحسابات الخاصة ما تعلق منها بالتنظيمات أو بالقادة، إضافة إلى العوامل الخارجية في تأثيرها على الجماعات والأفراد، لمنعهم من الذهاب في معالجة الخلافات مع غيرهم خارج أجندات الأطراف المحلية والإقليمية والدولية الغارقة في الوضع السوري أو المعنية به.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com