العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12-02-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إيران أمام مأزقها .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 9/2/2017

ليس المأزق الإيراني الراهن وليد سياسات أميركية أو روسية. إنه الابن الشرعي لسياسات الملالي التي مرت في مراحل ثلاث، بدأت الأولى بإقامة نظام مذهبي، تبنى مشروعا استراتيجيا حكم علاقاته مع العرب، قام على تجديد صراعات عصرٍ كنا نعتقد أننا تجاوزناه منذ وقت طويل جدا، وأن مشكلاته لا تنتمي، ولا يمكن أن تنتمي إلى حاضرنا، وأن من ثاروا في إيران أرادوا نصرة الإسلام، ومن غير المعقول أن يخططوا لاستئناف معركتي الجمل وصفين بأسلحة طائفية معادية للعرب ودينهم. ومع أنهم ركزوا على إحياء العالم الإسلامي، فإنه تبين أن هدفهم الحقيقي كان استغلال هذا الشعار لاستغفال المسلمين، وتصدير ثورتهم عبر أفعال توسعية تخترق مجتمعات العرب وبلدانهم، بوضع يدهم على القضايا العربية الرئيسة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وفصل الفئات التي تشاركهم العقيدة عن مجتمعها وطنيا وروحيا، لإعادة تنظيمها طائفيا، وشحنها بوعي هوياتي، يقرّر مواقفها وولاءاتها، بالتزامن مع تطييفها، وتمويلها، وعسكرتها وتحويلها إلى جماعات مسلحة تحتل بلدانها من الداخل، كفصائل من حرس طهران الثوري وجيشها، تعمل بإمرة قادته وملاليه، وتنفذ خططهم، وصولا إلى المرحلة الثالثة، أي الراهنة التي تجسد استيلاءها المزدوج، الداخلي والخارجي، على المشرق العربي، وصولا قبل قرابة عامين إلى اليمن، وتحول بلدانه إلى مستعمراتٍ يبدل وجودها العسكري فيها واقعها التاريخي وهويتها القومية، ويدخلها في حقبة تغيير بنيوي، يطاول كيانها المجتمعي، وطابع دولها وهوية شعوبها، فلا عجب إن اعتقد قادة طهران أنهم أقاموا فيها أوضاعا نهائية، لا يمكن إعادتها إلى ما كانت عليه من قبل.

هذا المسار "الانتصاري" هو الذي أوقع إيران في أزمة معقدة تتحدّى قدرتها على الإمساك بمستعمراتها، ليس فقط لأن شعوبها لن ترضخ لها، وإنما كذلك لأن قوة جيشها واقتصادها لا تتيح لها الاحتفاظ بها، في ظل احتدام الصراع على المنطقة بين الكبار، وعجزها عن الانخراط الجدّي فيه، لردعهم أو إبعادهم عن موقعها الاستراتيجي وسط القارات الذي يعتبر مهما

"المسار "الانتصاري" أوقع إيران في أزمة معقدة تتحدّى قدرتها على الإمساك بمستعمراتها" لانتشارها العالمي، ويستحيل أن تتركه روسيا وأميركا لاستعمارٍ من الدرجة الثانية كالاستعمار الإيراني، لا سيما وأنهما لن تسمحا له بالتمدّد إلى، أو بالبقاء في، مناطق حيوية بالنسبة لهما، أو بالعمل خارج الهوامش التي تتيحها له صراعاتهما وخلافاتهما، وإنه أضعف من أن يخوض مواجهات مباشرة، وغير كلامية، مع أي منهما، لأن خوضها قد يُخرجه من مستعمراته، وخصوصاً منها سورية، حيث لا تمتلك الفئة الموالية له وزنا مجتمعيا فاعلا، وتتعرّض سلطتها الطائفية التي استقدمته إلى بلادها، لتحدٍّ شعبي/ ثوري واسع، لن تنجح في التغلب عليه، بينما يستحيل أن يبقى لإيران حضورها ونفوذها الحالي الشامل، في حال جرى حل سياسي للصراع الدائر فيها، كما يستحيل أيضا أن يستمر نظام الأسد الراهن الذي صار انتقاليا مذ يوم الثورة الأول، ناهيك عمّا يواجهه الاستعمار الإيراني من مزاحمة روسية تحجمه يوميا، ولا قبل لها بها.

 

روسيا وإيران

على الرغم من مظاهر التنسيق بين البلدين، لن تستطيع روسيا الإبقاء على الحجم الراهن من حضور إيران في سورية، بينما تعمل للتوطن فيها ولتحويلها إلى قاعدةٍ ستقفز منها إلى البلدان المجاورة، تنفيذا لبرنامج طموح يستهدف استعادة مكانتها في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، قال قادتها إن تطبيقه هو جوهر سياساتهم الدولية، وإنه لا يجوز أن تنافسهم أية قوة أخرى على بؤرتها المركزية: سورية، بما أن محدودية سيطرتهم عليها تعني محدودية نجاح عودتهم الاستراتيجية إلى العالم، وبقاءهم محاصرين في حين تتهاوى أوضاعهم من دون أن يتمكّنوا من فعل أي شيء لانهيارها.

لا تستطيع روسيا قبول الغلبة الإيرانية الراهنة في سورية. ولا تستطيع تقاسم سورية مع طهران، لأنها تمكنها بذلك من منافستها عليها، ولأن السوريين لن يقبلوا وجود إيران في بلادهم، بينما لا يستبعد أن يقبلوا علاقات خاصة مع روسيا، إذا كانت ستسهم في حمايتهم من القوى الأخرى، بما في ذلك إيران. أخيرا، لا تستطيع روسيا التخلي عن وضع يمكّن إيران من الانفراد بسورية، مثلما هو حالها اليوم، فالسياسة ليست ميدانا للبر والإحسان، ودخول موسكو إلى سورية كان بين أهدافه إزاحة طهران عن مواقعها فيها، وليس تثبت وجودها داخلها وسيطرتها عليها. ولا مجال لانفراد موسكو بسورية، إذا ما بقي حضور إيران فيها على قوته الراهنة، ولا يعقل أن تواصل موسكو معركتها ضد الشعب السوري من أجل أن تحافظ على استعماره إيرانيا، أو أن تهزم الثورة لتجد أن الرابح كان إيران والأسد.

إذا كان وجود النمط الراهن للاستعمار الإيراني في سورية مستحيلا، وكانت هذه حسابات

"لن تستطيع روسيا الإبقاء على الحجم الراهن من حضور إيران في سورية"  روسيا، هل يمكن لموسكو التعاون مع طهران لمواجهة سياسات واشنطن الجديدة التي تشهد تصعيدا يوميا، وقد تنفجر في أية لحظة؟ يتوقف السلوك الروسي على رغبة الكرملين في التصدي للبيت الأبيض، وتحمل أعباء ستثقل كاهله أكثر مما أثقلته العقوبات الاقتصادية بعد مشكلة أوكرانيا؟ هل لموسكو مصلحة حقيقية في دعم طهران إلى حد يورّطها في معركة كسر عظم مع واشنطن، مع ما سيترتب عليها من نتائج داخلية سلبية؟ أم أن موسكو ستنخرط في معركةٍ تريدها محدودةً ومؤقتة، تزيد من ضغوطها على البيت الأبيض، وتجبره على تسوية المشكلة الأوكرانية؟ الأرجح أنها لن تفعل ذلك، لأنها لا تضمن ردود أفعال أميركا التي أبقت أبواب الحوار حول قضايا الخلاف مع الكرملين مفتوحة، وليس من المعقول أن يزج بوتين بنفسه في صراعٍ مكلف، لا مصلحة له فيه ولا لزوم له.

أخيراً، ليس من المعقول أن تنحاز موسكو إلى الطرف الخاسر في صراعٍ تقتضي مصلحتها العمل للإفادة من نتائجه. وبالتالي من خسارة إيران التي يمكن أن تفتح أبواب تعاونها مع واشنطن على إدارة مشتركة لمنطقة لعب الملالي دورا خطيرا في تأجيج صراعاتها، وزرعوها بعناصر تفجيرية متنوعة، تصعد انعكاساتها على العالم إرهاب كان لها يد طولى في نشوئه وتحوله إلى خطر دولي شامل، لا يقبل أي طرف في العالم والمنطقة استمرارها في إنتاج الأجواء المنجبة له والداعمة لتناميه، سواء في أشكاله الفئوية/ الاحتلالية داخل لبنان وسورية والعراق واليمن، أو تنظيماته المذهبية الأخرى التي يرجح أن ينخرط حلفاء روسيا الحاليون، وفي مقدمتهم إسرائيل، في الحرب ضدهما، إذا لم يوجد حل دولي يقطع علاقات إيران معهما. في هذه الحالة، لماذا تغامر روسيا بحماية "الإرهاب الشيعي"، وبتهديد تحالفها الحالي مع تل أبيب الذي ضمن انفرادها الجوي بسورية، وما بعدها، إلى مسافاتٍ بعيدة، وأتاح لها إقامة ميزان قوى متفوق حدّد مسبقا نتائج معركتها من أجل توطيد موقعها داخل سورية، ضد جميع الآخرين، وخصوصاً منهم إيران؟

 

أميركا وإيران

لم تتأخر إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن فتح أبواب الصراع الذي وعدت به ضد طهران، وتم، في الأيام القليلة الماضية، تصعيد أميركي ميداني عبر إرسال سفينة حربية إلى

"لا يستبعد أن يقبل السوريون علاقات خاصة مع روسيا، إذا كانت ستسهم في حمايتهم من القوى الأخرى، بما في ذلك إيران" باب المندب، وإجراء مناورات بحرية وجوية مكثفة في الخليج العربي وبحر العرب، رافقه تصعيد كلامي متسارع، حتى أنه لم يعد لدى متابعيه غير سؤال واحد: متى يقع الصدام الأميركي/ الإيراني المسلح الأول الذي تعاظم توقعه في الآونة الأخيرة، وسط أحاديث أميركية عن ضرورة إخراج إيران من البلدان العربية، وإلغاء الاتفاق النووي معها، وتشديد العقوبات عليها، واستنزافها ماليا عبر إجبارها على مزيدٍ من العسكرة والتسلح، وإهمال التنمية البشرية وكل ما يتصل بها من تقدم المجتمعات؟

ثمّة مؤشرات تدل على الاتجاه المحتمل لصراعٍ يبدو حتميا، أهمها إعلان واشنطن تنظيم الحوثي منظمة إرهابية تابعة لايران، وإيران البلد الأكثر دعما للإرهاب في العالم، والذي تجب معاملته باعتباره محكوما بنظام غير شرعي، الإرهاب أحد منتجاته. لذلك، من الخطأ الإبقاء عليه نظاماً غير شرعي، منجباً للإرهاب، ولا بد من القضاء عليه قبل التفرّغ لمنتجه. إذا ما أضفنا إلى ذلك أن لإيران وضعا خاصا يختلف عن أوضاع الدول الأخرى جميعها، يجسّده وجودها طرفاً سيادياً في البلدان العربية التي تسيطر مليشياته عليها، حيث يصعب، ويستحيل، اعتبارها جهة خارجية، بل هي كيان غدا داخليا من خلال اندماجه بالمليشيات التابعة لها، بدلالة ما يقوله الملالي وعسكرهم حول امتداد حدوده دولتهم إلى البحر الأبيض المتوسط في لبنان والأحمر في اليمن، وعن سورية باعتبارها محافظتها الخامسة والثلاثين، انتهى وجودها دولة مستقلة وكياناً وطنياً خاصاً بشعبه. يعني هذا بالنسبة لأية معركة محتملة بين واشنطن وطهران أن الأولى لن تحتاج إلى مهاجمة المركز الإيراني، لأنها تستطيع قضمه بدءاً من أطرافه واسعة الانتشار وضعيفة الحماية التي يحول الهجوم عليها بين إيران واستخدام ترسانتها العسكرية المباشرة لدعم وجودها المليشياوي في اليمن قبل كل شيء، حيث يمكن تقديم دعم فوري وقوي للكتلة اليمنية الوطنية الكبيرة التي تقاتل ضد إيران، وتأييد للتحالف العربي الذي يقلب موازين القوى لصالح الدولة اليمنية الحرة والمستقلة، واستنزاف جزء كبير من قدرات الحوثيين وصالح، ولا تستطيع إيران مجاراة أميركا في الانخراط المباشر في اليمن، في حال دعمته واشنطن، ولو بجزء من قدراتها العسكرية المتفوقة والحاسمة.

بسبب التماهي بين إيران ومليشياتها، وحقيقة أن الأخيرة جزء من مؤسستها العسكرية ينشط

"لا تستطيع إيران مجاراة أميركا في الانخراط المباشر في اليمن، في حال دعمته واشنطن" خارجها لصالحها، مهمته توطينها في بلدانه التي يتعامل معها وكأنها صارت جزءا تكوينيا من دولة الملالي، لا تحتاج واشنطن إلى مهاجمة إيران بصورة مباشرة، كما سبق القول، وإنما تستطيع جرّها إلى معركة غير متكافئة في أطراف كيانها العربية، المعادية لها باعتبارها قوة أجنبية تستعمرها، وتستطيع قضم وجودها ونفوذها بأقل تكلفة عسكرية، وصولا إلى إخراجها منها، وكأنها تخرج سلطتها من دولتها الخاصة الإيرانية. ستكون هذه المعركة غير متكافئة بالمطلق، وستنزل فيها هزيمة مؤكدة وقاتلة بمتبجحي طهران ومليشياتهم التي لن تتمكّن من القيام برد عسكري، يعتد به دفاعا عن دولة الملالي، خارج ربما العراق الذي سيأتي دوره في مراحل تالية، على الرغم من أن تأخر معركته لن يحدّ من قدرة واشنطن والتحالف العربي على استنزاف إيران إلى حدٍّ يبدو معه كأن الحرب تخاض ضدها مباشرة وعلى أراضيها. بإعلان الحوثيين تنظيما إرهابيا، وإيران داعما أكبر للإرهاب في العالم، يمكننا القول إن هذه الحرب ضدهما، بدءا من اليمن، قد تبدأ في أية لحظة، لأنها لا تتطلب موارد وقوى أميركية كبيرة.

سيصاب كل من يتابع التصعيد الأميركي الإيراني بالدهشة من ردود أفعال ملالي إيران وعسكرها الذين يرون الحرب ضد الدولة الأقوى عالميا بمنظار داخلي، و"يبعبعون" لطمأنة أنفسهم وردع الإيرانيين وتخويفهم، مع أن هؤلاء يعرفون أن جيشهم قوي عليهم وضعيف في مواجهة الأعداء، وأن اختراقاته المليشياوية لن تسدّ نواقصه الخطيرة، أو تصمد في حرب يرجح أن تكون شاملة بمعنى من المعاني، لكونها لن تقتصر على أميركا ودول عربية كثيرة، بل ستشارك فيها أيضا شعوب بلدانها التي تتعرّض لحرب إبادة يشنها مرتزقتها عليها، فضلا عن إسرائيل التي تنتظر فرصة كهذه لتصفية حساباتها معها.

هل تبادر إيران إلى التعهد بتفكيك وجودها في لبنان وسورية والعراق واليمن، أم تواصل احتلال هذه البلدان، وترتكب خطأ قاتلا بالتعامل معها وكأنها بالفعل جزء منها، فتحل بها هزيمة، لا بقاء لنظامها بعدها؟

========================

حول تقرير منظمة العفو الدولية .. ليست صيدنايا وحدها بل سورية كلها مسلخ بشري وعلى مدى أربعة عقود .. زهير سالم

7 / 2 / 2017

مركز الشرق العربي

لم تأت بجديد الرواية المروعة لتقرير منظمة العفو الدولية ، عن المسلخ البشري في سجن صيدنايا ، خلال خمس سنوات من عمر الثورة السورية . فكل ما روته ووثقته المنظمة الموقرة مكرور ومعروف وموثق ومشهور على مدى نصف قرن من عمر السوريين . بل معروف وموثق ومشهور ما هو أبشع منه وأكثر وحشية .

وسجن تدمر ، وسجن صيدنايا ، وفرع فلسطين ، وكفرسوسة ، والشيخ حسن ، وكل غولاغ المسالخ البشرية على الأرض السورية ، حالة واحدة قائمة مستمرة يعرفها السوريون واللبنانيون والفلسطينيون على السواء. وكل الذي روته المنظمة الدولية مشكورة ، يوثق السوريون ما هو أفظع منه في الطول والعرض والعمق والارتفاع والكتلة والحجم والأثر .

المهم الأول :

الذي نريد أن نؤكده في التعليق على هذا التقرير ، أو على هذه الجرائم التي تصنف بالمعايير الحقوقية الدولية تحت عنوان ( جرائم ضد الإنسانية) ؛ هو أنها تتم بعلم كل القوى والمرجعيات الدولية النافذة ، وبتواطؤ بعضها ومشاركتها ، على مدى عقود طوال . تشهد واقعة المواطن الكندي من أصل سوري ( ماهر عرار ) ، الموثقة حقوقيا في المحاكم الكندية : أن إحدى الدول التي تدعي السبق والرعاية لمواثيق حقوق الإنسان في العالم ، كانت تستخدم هذه "المسالخ البشرية " ، حسب تعبير المنظمة ، لتحقيق مصالحها وأغراضها ، في تعذيب البشر ، وكسر إرادتهم . وانتزاع اعترافات كاذبة مسيسة منهم .

أربعة عقود وحافظ وبشار الأسد يديران هذه المسالخ ، ليبقى ما روته المنظمة الموقرة ، غيضا من فيض ، وقليل من كثير. أربعة عقود و بعض دول العالم تغضي وتصمت وتمكن وتشارك وتدعم فما هو جواب أدعياء شرعة حقوق الإنسان بعد ؟!

المهم الثاني هو أن تداعيات هذه السياسات بكل قسوتها وعنفها وتوحشها ولا إنسانيتها لن تكون كما يقدر المعوّلون عليها. ولن تنتصر الكراهية والعنف على الحب والسلام . والذين يبذرون الشوك لن يجنوا غيره . وأن يكون لهم دور في التصدي للجريمة أولى بهم من الانغماس فيها . إن الأخذ على أيدي الإرهابيين الحقيقيين هو البداية الصحيحة للخروج من دوامات الإرهاب ولجاجات القتل والعنف .

المهم الثالث هو رجاؤنا أن تكون الرسالة التي يرسلها التقرير الحقوقي لمنظمة العفو الدولية بكل ما ينضح به من همجية وتوحش وقسوة وعنف شاهدا مقنعا لكل هؤلاء الذين يصرون على السوريين أن يدخلوا في شراكة سياسية مع مرتكبي الجريمة هؤلاء أن الشراكة مع المجرمين هؤلاء هو جريمة بحد ذاته .ففي سجن صيدنايا ، وكذا في كل سجون النظام ، لا يوجد غير إرهابي واحد فقط ، هو بشار الأسد وأدواته . في التقرير الشاهد ، لا يمكن التهرب من هذه الحقيقة ، ولا يمكن الادعاء أن الذين يرتكبون الجريمة ( إرهابيون ) جاؤوا من أقطار الأرض . في سجن صيدنايا وفي كل السجون السورية على مدى أربعة عقود كان الحاكم الأوحد هو الأسد وفصيله ، فقط الأسد وفصيله ، ولا أحد غير الأسد وفصيله ؛ فعن أي شراكة مع هؤلاء الوحوش البشرية يتحدثون ..

المهم الرابع :

الذي نريد أن ننهيه لكل أبناء شعبنا ولكل أبناء أمتنا ولكل بني الإنسان : إن رسالة تقرير المنظمة الموقرة يجب أن يزيدنا عزيمة وتصميما ومضاء لإسقاط نظام الجريمة هذا ، والتصدي له ، ولا يجوز أن تتحول رسالته ، على هول وفظاعة ما فيها ، إلى مبعث خوف ووهن ويأس . إن رسالة التقرير الرهيب هي الدعوة الصادقة لكل البشر ليتوحدوا في مسعى صادق للقضاء على الجريمة والمجرمين . هي التأكيد على مشروعية الثورة والثوار ، وضرورة استمرارها حتى تحقق أهدافها ، والتحذير من التواني والتخاذل والاسترسال مع المسترسلين.

المهم الخامس ..

أربعة عقود مضت علينا ، وقد كتب الله لنا النجاة من براثن المجرمين ، ظللنا نعيش المحنة بكل أبعادها مع الأخوات والإخوة مع البنات والأبناء المعذبات والمعذبين . أربعة عقود نتلقى معهم وقع السياط ، ولسعات الكهرباء ، نرتقي معهم منصات الإعدام . خمسة عقود والزفرة حرى ، والعين دامعة ، والقلب كليم ، والضمير مثخن . ليبقى عهدنا مع ربنا ثم مع كل أخواتنا وإخواننا عهد بر ووفاء ، ولن نغير ولن نبدل ، ولن يشغلنا شاغل عن نصرتهم ، ولن يصرفنا صارف عن مشروع حرية الإنسان وكرامته في وطننا ، وفي كل مكان وفي كل آن.

المهم السادس

رسالتنا إلى كل السوريات المعذبات والسوريين : (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )) . والله اكبر . والله معكم ، ولن يتركم أعمالكم ..

المهم السابع :

طوبى لمن اتخذه الله شهيدا ، طوبى لمن اختاره فامتحنه واجتباه . وبؤسى للذين غيروا وبدلوا وضيعوا واستأثروا ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...

----------------

* مدير مركز الشرق العربي

=========================
هتلرية الأسد .. سهيل كيوان

القدس العربي

الخميس 9/2/2017

كنت سأصدق الرئيس الأمريكي ترامب بأنه عازم على محاربة الإرهاب، بعدما صرح بأن إيران هي أكبر دولة داعمة للإرهاب، لو أنه أوضح مقصده بأنها تدعم أكبر نظام إرهابي عرفه البشر منذ النظام الهتلري في ألمانيا النازية والخمير الحمر في كمبوديا.

ولكن لتصريح ترامب غايات ودوافع أخرى لا علاقة لها بمحاربة الإرهاب، فهو لا يفوّت خطابا أو تغريدة بدون الحديث عن محاربة الإرهاب الإسلامي، وهذا جزء من مسيرته التحريضية الشعبوية على كراهية المسلمين وشيطنتهم، كخريطة طريق في عقيدته السياسية الاقتصادية. إنها شهادة رجل أعمال يخطط لصفقة مربحة كما يحسن هو أن يفعل في عالم المال وليس أكثر. تحدث ترامب عن الأموال التي جنتها إيران بعد الاتفاق النووي، هذا هو ما يشغله من كل الموضوع وليس محاسبتها على دعم الإرهاب، يريد صياغة الصفقة من جديد لتحسين استثمارها، نعم قد يسخّن المواجهة مع إيران لأقصى ما يمكن، ولكن ليس لدرجة الانفجار الشامل، لأنه لا حاجة للانفجار إذا ما حققت الصفقة هدفها المالي بدون صدام.

إضافة إلى أن سياسة إيران الاستفزازية والعدوانية ضد دول الجوار في اليمن والخليج تخدمه بشكل مباشر، وتجعل حلفاء أمريكا أكثر التصاقا وحاجة لها وأكثر عرضة للابتزاز.

إيران تدعم نظام السفاح بشار الأسد وأسهمت بجرائمه ضد شعبه بإرسال جيشها وليس أسلحتها فقط، وحضرته لم يتفوه ضد نظام الأسد حتى الآن بكلمة سوء واحدة، بل أعلن أنه سيتعاون مع الأسد في مجال ما سماه محاربة الإرهاب، وهذا يتناقض مع مواجهته المفترضة مع الإرهاب الأوسع والأشمل، وإذا كانت محاربة الإرهاب ستجري بالتعاون مع الأسد فما هو الإرهاب؟

لن نتحدث الآن عن صمت إدارة ترامب إزاء قوننة سرقة ونهب الأرض الفلسطينية، فهذه قضية أخرى عمرها عقود، الأهم الآن حياة عشرات آلاف السوريين التي سلبت منهم بأبشع الوسائل في سجون النظام النازي الأسدي، وما زال عشرات الآلاف منهم في سجون النظام مجهولي المصائر.

العالم كله يعرف أن نظام السفاح يمارس الإرهاب ضد شعبه، لدرجة الإبادة، وتأتي شهادة منظمة العفو الدولية (أمنستي) التي تتحدث عن شنق حوالي 13 ألف سوري وسورية خلال خمس سنوات في سجن صيدنايا لوحده، شهادة متأخرة جدا، فالجرائم بحق الإنسان السوري كانت واضحة حتى للبعيدين ولغير المحترفين، فماذا سيكون موقف ترامب الصامت عن مذابح الأسد؟ بينما العالم كله يطالب بتقصي الحقائق حول جرائم ضد الإنسانية تمارس على الأرض السورية، علما بأن جرائم صيدنايا هي فقط طرف جبل من الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها النظام.

المحرقة السورية عار على أمريكا وروسيا والدول الكبرى التي نافقت وما زالت تنافق بشار الأسد، عار على البشرية كلها، عار على الدول وعلى الأفراد، عار على الفنانين والكتاب والشعراء والصحافيين، خصوصا العرب الذين بلعوا ألسنتهم وصمتوا أو تحدثوا فنافقوا النظام المجرم، عار على كل من ما زالوا يبحثون عن مبررات لوجود هذا النظام واستمراره، عار على من يتساءلون بوقاحة أو بجهل أين هي المعارضة؟ ومن الذي سيحكم سوريا بعد الأسد؟ إن أي خريج من سجون الأسد ممكن أن يقود البلد أفضل مما فعل هذا المجرم وطغمته.

هذا النظام عار على حلفائه الروس والفرس وعلى حزب الله الذين ولغوا بالدم السوري، عار على حزب البعث وعلى القومية العربية وعلى السنة والشيعة والعلويين والدروز والمسيحيين والآراميين، عار على كل من روّج مع هذا النظام كذبه بأنه يحارب الإرهاب، عار على كل من وقف إلى جانبه أو حاول تجميل صورته البشعة، عار على كل من كان بإمكانه أن يساعد الثورة السورية ولم يفعل ووقف متفرجا، سواء من العرب أو من الأجانب، عار على كل من تقبّل تبريرات النظام لجرائمه، عار على الهواء الذي يتنفسه الناس وعلى الموسيقى التي يسمعونها وعلى الكتب التي يقرأونها وعلى الطعام الذي يتناولونه، بينما الناس يموتون تحت التعذيب في أقبية الأسد، عار على النساء والرجال، على المتدين والمحافظ والملحد والعلماني وعلى البساري واليميني والوسط وغير المسيّس، عار على الجمهوري والديمقراطي والملكي وعلى العسكري والمدني، على المتنور والجاهل، على القومي والليبرالي والاشتراكي وعلى العامل والفلاح والموظف والجندي، لا حاجة لتحليل سياسي أو نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني أو مرضي لما فعله هذا النظام، فهو ليس سوى العار، إنه لطخة شائنة في وجه البشرية لن تمحوها القرون.

إنه نظام ليس أقل وحشية من الهتلرية، يجب محاكمته أمام مئات ملايين البشر وعرض الأدلة على جرائمه، وتحويل صيدنايا وغيرها الى متاحف للمحرقة السورية، ومحاكمة المتورطين في قيادته ومنفذي جرائمه وداعميه، ما حدث ويحدث هو محرقة مستمرة مثل محرقة النازية، وأي حديث عن محاربة الإرهاب الإسلامي أو غير الإسلامي بدون أن يقصد منه تخليص شعب سوريا من هذا النظام المجرم فهو عهر وكذب وتجارة وصفقات مالية قذرة.

========================

مسلخ الأسد البشري .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 9/2/2017

من علائم انحطاط عالمنا وخراب القيم الذي نشهده في أيامنا، أن يتزامن صدور تقرير منظمة العفو الدولية المعنون ب»المسلخ البشري» مع «عملية سياسية» تقودها روسيا بهدف إنهاء الحرب الدائرة في سوريا منذ سنوات. عملية سياسية سقفها «حكومة وحدة يقودها نظام الأسد» المسؤول عن المسلخ المذكور، على ما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254. في حين تعمل روسيا على خفض السقف المذكور، قدر المستطاع، بحيث يكون أقرب إلى التطابق مع «سقف الوطن» الشهير بلغة إعلام نظام المسالخ والبراميل والسلاح الكيماوي، أي: نعل حذاء النظام إذا جاز التعبير.

سيمر تقرير منظمة العفو الدولية عن المسلخ البشري، حالياً على الأقل، مثلما مر قبله تقرير «القيصر» الفظيع المزود ب55000 صورة لجثث من قتلوا تحت التعذيب، ربما بتعبير الأمم المتحدة عن قلقها الشهير، وببعض تصريحات الاستنكار من «المجتمع الدولي». فهذا هو «سقف» قيم هذا المجتمع الغارق في هواجسه بشأن «الإرهاب» واللاجئين والانتخابات التي تأتي باليمين المتطرف إلى بعض دوله، من غير أن يتساءل عن أسباب هذه الظواهر ومسببيها.

وستمضي روسيا في إنكارها لمسؤولية النظام الذي تحميه عن الفظائع الواردة في تقرير الأمنستي وغيرها من التقارير التي تصدر بكثرة، ليس فقط تبريراً لحربها على سوريا دفاعاً عن النظام المجرم، بل دفاعاً عن نفسها لأن حكم بوتين لا يختلف عن حكم نظام الأسد إلا بفارق عدم مواجهته لثورة شعبية كما في سوريا. وقبل ثورة آذار 2011، كان النظام السوري مطابقاً على العموم، في ممارسته وفلسفة حكمه، أشباهه من الأنظمة الفاشية في روسيا وكوريا وكوبا وغيرها من الفاشيات الدموية. الجديد النوعي، بالنسبة لسوريا، هو في مواجهة النظام لتمرد شعبي واسع النطاق تطلب منه توسيع دائرة القمع وتعميق وسائله من حيث الشناعة.

وفي ماضي هذا النظام «نموذج أصلي» سار على هديه في تدمير البشر والحجر، هو نموذج تمرد 1980-1982 الذي قمعه نظام حافظ الأسد بوحشية بالغة بلغت كلفتها عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف المتضررين بمختلف الدرجات. ويشكل سجن صيدنايا الذي يتناوله تقرير منظمة العفو امتداداً لتقليد سجن تدمر الصحراوي، سواء من حيث معاملة المحتجزين أو مصائرهم. فقد كتب وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، في مذكراته، عن المحاكم الميدانية التي كان يصادق على قرارات الإعدام الصادرة عنها «بالعشرات كل أسبوع» في تلك الحقبة السوداء من تاريخ سوريا. ما كان محصوراً، في زمن الأسد الأب، في بضع مدن أهمها حماة المكلومة، وفي غضون سنتين، عممه الابن على كامل مساحة سوريا ولست سنوات قابلة للاستمرار. وما كان يجريه حافظ في الخفاء من فظاعات، يقوم به بشار علناً تحت أنظار الإعلام و»المجتمع الدولي» إياه.

التفاصيل الواردة في التقرير الجديد، فظيعة حتى بالنسبة لأشخاص عاشوا تجربة الاعتقال السياسي لسنوات طويلة أيام الأسد الأب، ربما باستثناء ما تعرض له قسم كبير من السجناء الإسلاميين بعد تمرد الثمانينيات. فهناك ممارسات تعبر عن حقد شديد على من يقعون بأيدي الأجهزة، يجردهم من إنسانيتهم ليصبح كل ما يفعل بهم مبرراً، بدءاً من الإذلال والتعذيب الجسدي والنفسي وصولاً إلى القتل بأشد الوسائل فظاعة. من أمثلة ذلك قيام الجلادين بتعذيب سجناء سينفذ الحكم بإعدامهم بعد ساعات قليلة. الجلادون يعرفون مصير من يعذبونهم، وبرغم ذلك يتلذذون بالتنكيل بهم قبل أن يخطفهم الموت من بين مخالبهم!

في أيامنا، كنا نشكو من عدم معاملة النظام لنا كمعتقلين سياسيين من المفترض أن تكون معاملتهم متميزة عن السجناء الجنائيين. بل إننا، في فترات التشدد، كنا نطالب بمعاملتنا مثل معاملة السجناء المجرمين، على غرابة ما بين المطلبين من تناقض. فهؤلاء المذكورون كان لهم، على الأقل، الحق في المحاكمة التي كنا محرومين منها لسنوات طويلة، وفي ظننا أن القضاء مهما كان جائراً قد ينصفنا بعض الشيء. وفي مطلع التسعينات، بعد مضي نحو عقد من السنوات على اعتقال معظمنا، تم تقديمنا فعلاً إلى القضاء ممثلاً بمحكمة أمن الدولة (تغيرت تسميتها في العام 2012 إلى محكمة الإرهاب) التي حكمت على كثيرين منا بخمسة عشر عاماً، أمضى قسم منهم بقية الحكم في سجن تدمر الرهيب، حيث التعذيب اليومي جزء من تقاليده، ويتعامل الحراس مع السجناء فيه كما لو كانوا أعداء شخصيين لهم يستحقون الانتقام بشتى الوسائل الفظيعة.

ليس هذا المقام المناسب للحديث عن تجربة شخصية، لكن الغاية هي إجراء مقارنة، في جوانب معينة، بين الأمس واليوم، في مجال الاعتقال والسجن السياسي. بهذا المعنى يمكنني القول إن أصحاب التجارب في الاعتقال السياسي السابق على الثورة، يشعرون بهول ما يجري اليوم، أكثر من غيرهم، بسبب معرفتهم المباشرة بالروبوتات «البشرية» المتوحشة التي أنتجها النظام وأسند إليها مهمة تحطيم المعارضين السياسيين بجميع الوسائل. ومن جهة أخرى يحمد المعارضون السابقون الله على نعمة خروجهم من جحيم المعتقلات والسجون الأسدية على قيد الحياة، مقابل هلاك عشرات الألوف من معتقلي الثورة اليوم، إعداماً أو تحت التعذيب أو بسبب تفشي الأمراض والحرمان من الماء والغذاء والدواء، وفقاً لتقرير «المسلخ البشري» لمنظمة العفو الدولية. وأخيراً لأن المقارنة بين ظروف الاعتقال السياسي في بعض السجون، كسجن حلب وسجن دمشق المركزيين سابقاً، وظروف الاعتقال السياسي بعد ثورة آذار 2011، ستفيد بأن قسماً من معتقلي الجيل القديم كان فعلاً يعامل معاملة سجناء سياسيين محترمين  بمقاييس نظام الأسد المتوحش  بالمقارنة مع المسلخ البشري الذي يلقى فيه بمعتقلي الثورة، على رغم كل قسوة الاعتقال السياسي في جميع الحالات.

بيد أن المسلخ الذي تحدث عنه التقرير في وصف سجن صيدنايا، ليس إلا جزءاً صغيراً من مسلخ كبير يمتد على مساحة المناطق التي يسيطر عليها النظام: ليس فقط في آلاف مراكز الاحتجاز والتعذيب التي فاضت عن السجون والمعتقلات المعروفة سابقاً، بل كذلك في مبان بنيت أصلاً لأغراض أخرى كالمدارس والمستشفيات والمباني الحكومية ومواقع القوات المسلحة. وبصورة أعم حيثما وجدت قوات النظام وميليشيات شبيحته فهناك مسالخ بشرية. كلنا يذكر، على سبيل المثال، مقاطع الفيديو التي وثقت تنكيل الشبيحة بأهالي قرية البيضا قرب بانياس في الأشهر الأولى للثورة.

عالم فيه «نظام» بهذه المواصفات، يواصل قتل البشر في البلد الذي يحكمه منذ ست سنوات بأفظع الأساليب، يستحق رئيساً كترامب لأعظم دولة فيه. كما يستحق شبكة إرهابية كداعش.

========================

روسيا تصوغ دستوراً للسوريين! .. رضوان زيادة

الحياة

الاربعاء 8/2/2017

وزعت روسيا على أعضاء المعارضة السورية المسلحة الذين شاركوا في محادثات آستانة مسودة دستور جديد لسورية وضعته موسكو «لتسريع المفاوضات السياسية لإنهاء الصراع» وفقاً لمبعوث الكرملين.

والسؤال هنا: لماذا قررت روسيا أن تبدأ من نقطة بالغة الحساسية بالنسبة الى أية أمة، فأي دستور لأية دولة إنما يعكس قيمها الأساسية، وخصوصاً أن روسيا تكرر في كل مرة منذ بدء الانتفاضة السورية في عام 2011 أن الأمر متروك للشعب السوري وتصرّ في كل فرصة على أن الحل يجب أن يكون سورياً من خلال تسوية سياسية وحصرية من جانب السوريين.

 ثم كيف تأتي روسيا وتقدم على صياغة «دستور سوري» وتسأل السوريين مناقشته والموافقة عليه؟

أعتقد أن كل السوريين الذين سمعوا بهذا الخبر شعروا بالإهانة، فروسيا اليوم لا تتدخل لحساب نظام الأسد وإنما تتصرف بوصفها قوة احتلال، وتستخدم القوة لفرض رغبتها العسكرية والقوة ذاتها لرغبات أحلامها السياسية.

لقد أعد هذا الدستور من جانب «خبراء روس» بعد يومين من المحادثات غير المباشرة بين المعارضة المسلحة السورية وممثلي النظام، من دون إشارة لوجود اختراق للتوصل إلى تسوية سياسية أوسع لإنهاء الحرب، ومن كان يتوقع غير ذلك؟

ثم فجأة قررت روسيا عدم التركيز على تنفيذ وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سورية حيث انتهكته حكومة الأسد كل يوم تقريباً بخاصة في منطقة وادي بردى وضواحي دمشق، ولم تعد تركز على بنود الاتفاق بين روسيا وتركيا الذي قبلته المعارضة على أمل بأن يحدث فرقاً على الأرض من خلال التطبيق الكامل لوقف إطلاق النار. بدل التركيز على ذلك فضلاً عن قضايا أخرى تشكل أولوية للسوريين اليوم مثل اللجوء والوضع الإنساني، فإن روسيا قفزت وعملت على صياغة دستور ووضعته تحت تصرف الشعب السوري.

 أقرت سورية ما لا يقل عن 12 دستوراً منذ الاستقلال عام 1946، عندما انسحب آخر جندي فرنسي من الأراضي السورية، وكان الرئيس شكري القوتلي، أول رئيس لسورية بعد الاستقلال عمل على تعديل الدستور وتغيير النظام الانتخابي في عام 1949 للسماح بانتخاب الرئيس مباشرة من الشعب بعد انتهاء فترة ولايته الأولى. ثم أتى حسني الزعيم بأول انقلاب عسكري يوم 30 آذار (مارس) 1949، وعلق الدستور.

في آب (أغسطس) 1949، قاد سامي الحناوي انقلاباً عسكرياً آخر، ثم دعا إلى انتخاب جمعية تأسيسية لصياغة دستور جديد. وصدر قانون جديد لانتخاب هذه الجمعية، وشاركت المرأة السورية في التصويت للمرة الأولى. دستور عام 1950، المعروف أيضاً باسم دستور الاستقلال، يمثل تطوراً ديموقراطياً حقيقياً في تاريخ الحياة السياسية السورية. فقد منح هذا الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الوزراء، وفي الوقت نفسه حدّ من صلاحيات رئيس الجمهورية. وعزز الدستور أيضاً سلطة القضاة. وكذلك ديموقراطية الدولة والمؤسسات، من خلال إنشاء المحكمة الدستورية العليا. كان دستور 1950 متقدماً جداً في ما يتعلق بالحقوق والحريات العامة المبنية على أساس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام 1948 وهو بذلك يعد أول دستور ديموقراطي في المنطقة العربية في تلك الفترة.

 لذلك وحتى اليوم، فإن سوريين كثيرين - وخصوصاً المعارضة السورية- لا يزالون يعتقدون بأن دستور 1950 سيكون أفضل نموذج اليوم لعودة سورية إلى الجمهورية والديموقراطية. وهذا ما حدث في الحقيقة مرتين. بعد الانقلاب العسكري الذي قاده اللواء الشيشكلي في عام 1949 علق الشيشكلي ذلك الدستور حتى صدر دستور جديد في عام 1953. واتسم هذا الدستور بوصفه الدستور الرئاسي الأول. حيث قيد صلاحيات رئيس الوزراء في الحكومة وأعطى صلاحيات تنفيذية واسعة لرئيس الجمهورية مبنية على أساس نظام رئاسي يشبه نظيره في الولايات المتحدة الأميركية. ومع إطاحة الانقلاب عام 1954 أعيد العمل بدستور 1950.

ومرة أخرى في عام 1958، تم تعليق الدستور عندما صوت السوريون بالغالبية للوحدة مع جمهورية مصر تحت رئاسة جمال عبد الناصر لتشكيل الجمهورية العربية المتحدة. تم استبدال دستور 1950 بدستور موقت صاغه عبد الناصر في تلك الفترة. ولكن تم إلغاء هذا الدستور بعد الانفصال في عام 1961. وقررت الحكومة الجديدة عام 1962 العودة إلى دستور عام 1950 حتى تتم صياغة دستور جديد.

 وبطبيعة الحال، عندما وصل حزب البعث إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري في آذار 1963 تم وقف العمل بالدستور على الفور، وفرضت حالة الطوارئ (التي لم ترفع حتى بعد اندلاع الثورة السورية في آذار 2011). وأصدر المجلس الوطني لقيادة الثورة دستوراً موقتاً للبلاد عام 1964، ثم دستوراً آخر عام 1969 ودستوراً جديداً بعد أن تولى حافظ الأسد السلطة عام 1971.

وفي عام 1973، شكل حافظ الأسد لجنة لصياغة دستور دائم للبلاد. هذا الدستور الذي اعتمد عبر استفتاء شعبي، فرض أفكار ومبادئ حزب البعث على المجتمع السوري، حيث أعلن أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، وأعلن أنه الحزب الوحيد الذي يحق له ترشيح الرئيس من خلال القيادة القطرية وكان هذا بداية نظام استبدادي طويل يديره حزب البعث كغطاء لسلالة الأسد.

 يتعين على روسيا أن تعرف أن لسورية تاريخاً طويلاً من المبادئ والقيم الديموقراطية وأن دستور 1950 أعطى المرأة السورية حق التصويت قبل سويسرا بعشرين عاماً، حينها كانت روسيا تحت سيطرة ستالين الذي جعل «روسيا عظيمة» والروس صغاراً جداً.

========================

لن تشرق الشمس من موسكو .. يمان دابقي

العربي الجديد

الاربعاء 8/2/2017

بعدما ما فرغت موسكو مع حلفائها من استغلال فراغ المرحلة الانتقالية الأميركية، سارعت إلى المضي دبلوماسياً لاستثمار انتصاراتها العسكرية في حلب، بتسوية سياسية أرادت فرضها على كلّ الفاعلين في الساحة السورية.

استندت موسكو على قطف ثمارها مع تركيا، ورسمت خطاً ثنائياً بدأ بترتيب الأوراق من جديد، باجتماعات مكثفة في أنقرة، تُوّجت بإعلان موسكو الصادر في أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نتج عنه رسم خارطة طريق لسورية بتعهدات تركية روسية إيرانية على استئناف مفاوضات السلام، مع التزام الأطراف بإيقاف الأعمال العسكرية وتعزيز هدنة شاملة للبلاد تمّهد لمباحثات تحقّق رؤية مشتركة بين المعارضة والنظام.

كان إعلان موسكو البداية لهدف يضمن لها أمام الرأي أنّها الطرف الأساسي لإحلال السلام في سورية، فواصلت موسكو اتصالاتها المكوكية مع جميع الأطراف، مراعيةً العامل الزمني، تحسّباً لأيّ طارئ من الإدارة الأميركية الجديدة، فكرّست إعلان موسكو بعقد مؤتمرأستانة في 23 24 يناير/ كانون الثاني الماضي، استطاعت من خلاله ترويج دستور أرادت فرضه على الجميع عبر بوابة الأستانة.

استطاعت روسيا أن تتقدّم إلى الأمام، فقلّصت من خيارات الشعب السوري، وأحدثت شرخاً كبيراً في المعارضة السياسية باستبعاد الهيئة العليا للمفاوضات، بالإضافة إلى تفجير بركان بين الفصائل العسكرية في شمال سورية، ونجحت بإشعال فتيل الفتنة بين الفصائل عن طريق الحليف التركي، وتشرذمت وازدادت الفرقة فيما بينها، فأصبح الشمال السوري مركز اقتتال داخلي بين كبرى الفصائل (أحرار الشام وجبهة فتح الشام – جبهة النصرة سابقاً)، وهو ما بدا أنّه نتاج ما صدر عن أستانة، فالشرخ الذي أحدثته موسكو وتركيا بين الفصائل أدى إلى إحساس التكتلات العسكرية بالخطر القادم من الغرب بإطلاق مرحلةٍ جديدة من الصراع، رجّحها مراقبون أنّها مرحلة أكثر حدة على صعيد الدبلوماسية.

دخل الشمال السوري مرحلةً جديدة لم يشهدها منذ بداية الثورة السورية، فحالة التخبّط والقلق التي أصابت الفصائل دفعت نفوذ القوة إلى إعادة النظر في سلوكها، وفجرت جبهة فتح الشام مفاجأةً من العيار الثقيل، وحاولت الهروب إلى الأمام عبر استمالة صغرى الفصائل إلى صفها، باعتبارها حركة نوعية تتضمن لها أن تبقى مركز الثقل العسكري وسط حصانة شعبية وقوة عسكرية تحميها من أيّ اعتداء يستفرد بها، ويكمل مسيرة استنزافها، فهي تعرّضت، في الآونة الأخيرة، لسلسلة من الغارات من التحالف الدولي أسفرت عن تصفية عدد من قاداتها، فأعلنت، أخيراً، عن اندماجها مع مجموعة من الفصائل التي تميل لفكرها المتشدّد تحت مسمّى هيئة تحرير الشام، ولا شك أنّ محاولتها الأخيرة هي استعداد لمرحلةٍ أدركت أنها ستخوضها، ولا مفر منها أمام طيران التحالف من جهة، ونفور الفصائل من جهة أخرى. ومن المرجح أن يزداد التوتر الحاصل في الشمال السوري بين فصائل معتدلة، أثقلتها الفصائل الإسلامية الرافضة أيّ حل سياسي، وأخرى إسلامية تعتبر أنّ الفصائل المعتدلة خائنة لثوابت الثورة.

انعكس ما جرى في الشمال سلباً على آمال السوريين المواظبين على تجديد أملٍ لا يزال معلّقاً بين السماء والأرض، منتظرين من يخلّصهم من جحيم نار حرمتهم أدنى حقوق الإنسانية في حق البقاء.

يراقب الجميع اليوم أي جديد من الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، هذا الرجل حتى إن لم يكن يضمر خيراً لصالح الإنسانية، فعلى أقلّ تقدير قد تنفعنا الضارة النافعة إذا ما أراد تطبيق وعوده بردع إيران في المنطقة. ويصبّ هذا المطلب في صالح ثورة تدخل اليوم مرحلة حرجة جداً، ولا أحد يستطيع التنبؤ بنتائجها، لكن ما هو مؤكد أنّ الشمس لن تشرق من موسكو، فهي القاتل والمجرم والشريك والكفيل والحامي للمجرم الأول في دمشق.

========================

حكايات ظريفة عن الدستور السوري .. خطيب بدلة

العربي الجديد

الاحد 5/2/2017

لم نكد ننتهي من الجدل بشأن ضرورة تغيير دستور 2012 السوري، الذي فَصَّلَه ابنُ حافظ الأسد على مقاسه، تيمناً بوالده الذي فصّل دستور 1973 على مقاسه؛... حتى باغتنا الرفيقُ المناضل، فلاديمير بوتين، بمسوّدة دستور رفض مندوبُ الدول التي تحتل سورية، بشار الجعفري، استلامَه (باليد)، ورفض الشيخ محمد علوش ممثل جيش الإسلام الذي جعل ممثلاً للثورة السورية، استلامَه (باليد)، ورفض المستشارون المشاركون استلامَه (باليد)، فيما تمكّن الجميع من الحصول على نسخة منه، فور انتهاء المؤتمر، وبدأت مناقشته تجري على قدم وساق.

كان صديقي، وشريكي في التغطيات الصحافية الخاصة بمجلة "كش ملك"، المهندس ماهر حميد، قد قرأ تصريحاً قديماً لمسؤولٍ في المعارضة السورية، يطالب فيه بوقف العمل، فوراً، بدستور 2012‏، وتصريحاً جديداً للمعارض نفسه، يطالب فيه بوقف مناقشة الدستور الروسي، فاستنتج أن الجينات الوراثية لبعض المعارضين هي من صنف العلم المستقر، فتذكّر قول الفيلسوف النِّفَّري: العلمُ المستقر جهلٌ مستقر.

في الحقيقة أن عقل ماهر حميد كان متوافقاً مع دستور 2012 إلى حد أنه استغرب الدعوات لتغييره، وقال متسائلاً: أَبَعْدَ كل ما خسرناه من أرواح بشرية حتى صوّتنا لهذا الدستور، يأتي حضرةُ المعارض المستقر ليوقفه بجرّة قلم؟ كان الناس يمرقون من بين القذائف، الله وكيلكم، حتى يصَوِّتوا للدستور، وبعضهم يصل إلى باب مركز الاستفتاء، وبعضٌ آخر يُقتل قنصاً، وبعض بقذيفة، ولا يصل إلى الصندوق غير طويل العمر.

أبو شوقي، الله يرحمه، ذهب هو وامرأته أم شوقي، لكي يصوّتا للدستور، فجاءته قذيفة أنزلته على الأرض، لا من فمه ولا من كمّه، ومن خلال الغرغرة كان يقول:

- وصيتي عندك يا أم الشوق، أن تصوّتي ب "نعم" للدستور، الدائرة الخضراء، ها، انتبهي بشكل جيد، حيّدي عن الدائرة الحمراء... أشهد أن لا الله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

يعني بالعربي الفصيح، الرجل قبلما يوصي بأولاده أوصى بالدستور. وفي مركز الاستفتاء: مدّت الست أم شوقي يدها، لكي تُخرج هوية المرحوم من حقيبتها، حتى تصوّت بموجبها، فعثرت على علبة دخان "لَفّ تُتُنْ" معدنية، وفي داخلها دفتر "ورق الشام" الأصلي الذي كان أبو شوقي يستخدمه لدفع القضاء وردّ البلاء، ووالله لو كان حياً وذهب للتصويت لأخذه معه.

قالت أم الشوق: يا أخي دخيلك، زوجي أبو شوقي، الله يخلي لك حبايبك، استشهد برصاص قناص الجيش العربي السوري، يعني (ما في حدا غريب)، فهل تسمحون لي أن أصوّت بالنيابة عنه في قلب الدائرة الخضراء، يعني ب نعم؟

قال: أي أختي، أعطيني هويته، أو دفتر العيلة.

قالت: ما معي هوية، يا أخي، ولا معي دفتر عيلة. وبلا مستحى منك ما معي غير هذا الدفتر من "ورق الشام".

قال: يا سلام. أي هذا أحسن شي. الله محيي الشام ودفاتر الشام. هاتي لأرى، تمام، اشخطي هنا، ويعطيكي العافية... أي أختي، الآن أنت صَوَّتِّ للدستور بالموافقة. المهم، بماذا يلزم لك دفتر الشام وعلبة الدخان، طالما أن أبا شوقي مات؟ اتركيها لنا للذكرى، وأعدك، وعد الشرف، أن ألف السكاير، وأدخنها، وأترحم عليه.

والآن، يأتي هذا المعارض الفهيم، ويقول لك نريد تعطيل الدستور، ويذهب الآخر الذي يشبهه إلى حد السباب على بوتين الذي تجرأ ووضع لنا دستوراً، متذرّعاً بأننا طوال ست سنوات لم نكتب مسودة دستور لبلادنا. والله لو كان عمي أبو شوقي على قيد الحياة لضربه بالمسباح على وجهه، وقال له:

- يا عين عمك، الظاهر أنك لا تفهم؟ تريدنا أن نبقى بلا دستور، بماذا تريدنا أن نحكم البلاد والعباد؟ بكتاب السيوطي "شقائق الأترج في رقائق الغنج" مثلاً؟

========================

سورية.. تحديات الهيئة العليا للمفاوضات .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاحد 5/2/2017

تضع الأحداث الدولية المتسارعة الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية التي يترأسها رياض حجاب، والتي تضم ممثلين من معظم كيانات المعارضة، السياسية والعسكرية، في الداخل والخارج، أمام منعطفٍ كبير، وتحدياتٍ كثيرة، إذ من شأن ذلك أن يعيد هيكلة تمثيل الكيانات السياسية المعارضة، بل وحتى إنتاج مرجعية تفاوضية جديدة، لا تأخذ في الحسبان شكل (ونسب) التمثيل التي جرى اعتمادها في أثناء تشكيل تلك الهيئة في الرياض (ديسمبر/ كانون الأول 2015).

على ذلك، أضحت هذه الهيئة التي كانت تشكلت في الرياض، قبل أكثر من عام، في مواجهة أوضاع أو تحديات جديدة، لا بد من التعامل أو التكيّف معها، أو مقاومتها، لعل أهمها يتمثل في الآتي:

أولاً، الإبقاء على الروابط القوية التي تجمعها مع فصائل المعارضة المسلحة، والتي تعتبر موسكو أنها حقّقت خرقاً كبيراً في مواقفها، من خلال العلاقة الوطيدة التي أضحت تربطها مع تركيا من جهة، ومن خلال التزام هذه الفصائل ببيان أستانة، الموقع من الحليفة والضامنة لهم تركيا من جهة أخرى.

ثانياً، التساؤل بخصوص موقع المعارضة المسلحة في إطار تحوّلها إلى قوة للمعارضة السياسية لتحقيق الانتقال السياسي، وليس الانقلاب العسكري، أو الاندماج العسكري، الذي تطمح له روسيا، بالطريقة التي تضمن لها بقاء سيطرتها على سورية، بوصفها دولة تحت الوصاية.

ثالثا، تحقيق ما صرح به المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، في 31 يناير/ كانون الثاني الماضي، حول تشكيل وفد واحد للمعارضة، والمقصود وفد يضم ممثلي المنصات التي اجتمعت في موسكو، مع وفد "الهيئة العليا"، وهو الأمر المتطابق مع بيان اجتماع موسكو (27 يناير). وهنا، يبرز التحدّي في آلية العمل التي ستتبعها للوصول إلى تفاهماتٍ لتشكيل الوفد المطلوب دولياً.

رابعاً، وقبل الوصول إلى تشكيل الوفد، لا بد من الوصول إلى ما هو أهم من الوفد الواحد، وهو الرؤية للعملية التفاوضية بكاملها، وما هو الهدف المبتغى منها؟ أي بصراحةٍ مطلقة: على ماذا سيتم التفاوض، وما هو السقف الأعلى، قبل الوصول إلى أخفض درجات السقف الأدنى الجامع الذي يتوافق عليه المتفاوضون على تباين مواقفهم، ومواقعهم؟

خامساً، كيف وما نسبة التمثيل المفترضة وآليات تنفيذها لكل التكوينات السياسية؟ وهل ستستطيع الهيئة العليا للمفاوضات أن ترمم خلافاتها مع مكوّناتها التي صارت أطرافاً في هذه المنصّات، بعد أن كانت جزءاً من الهيئة نفسها، كتيار بناء الدولة ورئيس تيار الغد ورئيس مجموعة سورية الوطن؟ وماذا عن كيانات سياسية كحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومنصة حميميم وغيرهما؟

كل هذه التساؤلات، أو المعطيات، تضع الهيئة العليا للمفاوضات أمام مسؤولياتٍ كبيرة وكثيرة لكي ترتب صفوفها، وتوضح مواقفها، ولكي تعزّز من دور السوريين ككل في تقرير مستقبلهم، بدل أن تقرّره عنهم الدول الكبرى، أو الدول الفاعلة في الصراع السوري، بحسب أجندتها وأولوياتها.

ولعل هذه الهيئة مطالبة بإدراك الوضع الحرج الذي باتت فيه، لا سيما على ضوء متغيرات عديدة، أهمها: أولاً، تحوّل الموقف التركي نحو التنسيق مع روسيا في الملف السوري، وهو موقفٌ نجمت عنه مضاعفاتٌ أو تداعيات عديدة سياسية وميدانية، خفضت سقف المعارضة. ثانياً، انحسار مكانة فصائل المعارضة العسكرية، بعد خسارة مواقع نفوذها في مناطق عديدة، ولا سيما في حلب، وهو ما اضطرها إلى المشاركة في مؤتمر أستانة. ثالثاً، دخول فصائل المعارضة العسكرية على خط المفاوضات، بعد أن كان الأمر في يد الهيئة وحدها، من جهة المعارضة. رابعاً، افتقاد الهيئة العليا للمفاوضات، والمعارضة السورية إجمالا، أية أوراق ضغط لفرض نفسها ممثلاً وحيداً، أو ممثلاً أساسياً في المفاوضات.

على ضوء هذا الوضع، يفترض بالهيئة أن تشتغل بعقلية وطنية، مسؤولة ومرنة، بحيث تستطيع لملمة كل الكيانات والإرادات المبعثرة للمعارضة السورية، بشقيها العسكري والسياسي، الداخلي والخارجي، للمضي إلى المفاوضات نواة صلبة لمواجهة استحقاقات جنيف التفاوضية، وتحصيل ما يمكن لتجاوز أزمة المعارضة والثورة. كما مطلوب منها العمل بعقليةٍ منفتحة، تتمكّن بها من العمل مع أطراف المعارضة الأخرى التي تتفق معها بالهدف الأساسي، وهو الانتهاء من نظام الاستبداد، وإقامة دولة مواطنين أحرار ومتساوين، دولة مدنية وديمقراطية، بحيث تتجاوز، في ذلك، الخلافات الحالية والمصالح الحزبية أو الكيانية، من أجل المستقبل المشترك، ومن أجل مصلحة شعبنا السوري كله.

========================

تحديات العلمانيين في المشهد السوريّ الراهن .. أكرم البني

الحياة

الاحد 5/2/2017

عندما تغدو روسيا، على رغم ما وظفته من عنف دعماً للنظام، الطرف الأبرز الذي يطالب بعلمانية الدولة السورية، بدلالة بيان فيينا، ومشروعها عن دستور سوري جديد، وعندما يسعّر دونالد ترامب نزعات التفرقة الدينية ويمنع المواطنين السوريين من دخول بلاد العلمانية وحقوق الإنسان، وعندما تفاخر فصائل المعارضة المسلحة بنجاحها في حذف تعبير العلمانية من البيان الختامي لمفاوضات آستانة، والاستعاضة عنه بصفات عامة عن سورية المدنية والمتعددة الإثنيات والأديان، وعندما يطغى البعد الطائفي والمذهبي على الصراع السوري الدامي، مدعماً باصطفافات عربية وإقليمية موازية، عندها يمكن تقدير حجم التحديات أمام العلمانيين، ممن ساندوا ثورة شعبهم ضد الاستبداد والعنف والفساد، وماهية الأسباب التي تربكهم وتحاصر فرص دفاعهم عن خيارهم.

إبان انطلاق الثورة، لم يقتصر تحدي العلمانيين، على دحض مواقف، ذهبت مبكراً للطعن، تحت راية العلمانية، بمشروعية حراك الناس وصدقية مطالبهم، مسوغة كل أشكال القهر والعنف ضدهم، والذريعة أن كتلتهم الرئيسة تنتمي إلى طائفة محددة، وأنهم يعتمدون المساجد مراكز انطلاق لتظاهراتهم، بل امتد التحدي ليؤجج سجالاً قديماً حول الترابط الحيوي بين العلمانية والديموقراطية، ولتثبيت حقيقة، أن لا أفق لدولة يرجى لها أن تكون علمانية، حين يفرضها الاستبداد من فوق بالقوة والقهر ولا تؤسس على التراضي والاحتكام لقواعد الديموقراطية وآلياتها. وقد امتد التحدي أيضاً نحو فضح وتعرية التشويه المقصود الذي يقرن مفهوم العلمانية بالإلحاد، ولتأكيد حقيقة أن فصل الدين عن الدولة وضمان استقلال السلطة في التشريع وإدارة الحكم عن المؤسسات الدينية، لا يعني أبداً، إلغاء الدين أو عزله عن الحياة الاجتماعية، بل على العكس رعايته في إطاره الحيوي كحق وخيار شخصيين، بما في ذلك تعرية خطاب مغرض نجحت السلطة في تعميمه عن «دولة علمانية» تهددها جماعات إسلامية تسعى لتدمير تعددية المجتمع وفرض نمط حياتها وثقافتها، والغرض إخافة الأقليات الدينية وادعاء حمايتها لتحصيل بعض الشرعية في الساحتين المحلية والدولية.

والحال، هو تحدٍ مُلح بإقناع الرأي العام بأنه ليست ثمة دولة علمانية في سورية، وأن ما نراه، هو في أحسن الأحوال، دولة تكتسي صفات علمانية كمكتسبات تطورت منذ فجر الاستقلال، إن لجهة الحقوق المدنية، بخاصة للمرأة، في الحياة والتعليم والعمل، وإن لجهة الهوامش المتاحة لممارسة الشعائر الدينية، فرضها موضوعياً تعدد الأديان والطوائف المكونة للمجتمع وتاريخ طويل من التفهم والتسامح بينها.

والقصد، أنه لم تغب، وطوال عقود، ظواهر التمييز بين السوريين تبعاً لانتماءاتهم الدينية أو الطائفية، بل تكرست في شكل خفي في توزيع المناصب السياسية والإدارية والأمنية، وفي شكل صريح في تشتيت قانون الأحوال الشخصية بين مختلف الملل، مثلما لم تغب أو تهدأ آليات التعبئة الطائفية والمذهبية لتعضيد النظام خالقة مظالم لدى الأكثرية وردود أفعال موازية. ولا يغير هذه الحقيقة مراحل موقتة لعب فيها الفكر القومي السلطوي دوراً في إعاقة تقدم الأصولية الدينية وتمكين العلمانية، لكن من دون تكريسها في حقول الحياة والقانون والتربية، بل تسخيرها لتعزيز استبداده وتثبيت خياراته ضد القوى الدينية، ثم عند الحاجة، تشجيع النزعات الاسلاموية المحافظة لمحاصرة موجات المد الشيوعي والفكر العلماني المعارض ودعاته.

وفي المقابل، لم يكن بسيطاً أو عابراً التحدي أمام العلمانيين الديموقراطيين للتخفيف، تحت وطأة الحاجة، إلى التكاتف في مواجهة الاستبداد، من تنامي الشكوك حول صدقية التيارات السياسية التي تستمد من الدين أصولها ومرجعيتها، بما في ذلك الاضطرار لإبراز ما يمكن رصده من تباينات بين التجارب التي يستند إليها للطعن بصدقية التيارات الاسلامية عموماً، وبين الإسلام السياسي في سورية، لتشجيع الرهان على ثبات التزامه بشعارات الحرية والمواطنة والدولة المدنية التي تبناها.

وزاد التحدي صعوبة وتعقيداً، نكوص «الإخوان المسلمين» في مصر عن وعودهم وانفتاح شهيتهم، بمجرد وصولهم إلى السلطة، للاستئثار الفظ بالحكم، ولأسلمة الدولة والمجتمع، ثم اندفاعات أردوغان المتواترة لنزع المزيد من الصفات العلمانية عن الدولة التركية، والأهم انجرار أهم التنظيمات الاسلامية في المعارضة السورية لدعم الهيئات الشرعية ونمط الحياة الإسلامي، على حساب الشعارات المدنية والروابط الوطنية، في المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، ليعزز ما سبق السمة المؤسفة للعلمانيين السوريين، بأنهم في غالبيتهم ينتمون إلى أقليات دينية وقومية، لجأوا لتحصين أنفسهم خلف راية العلمانية تحسباً من هيمنة ثقافة تهدد بأجندتها الشمولية خصوصية هذه الأقليات وحقوقها.

لم يعد ينفع بعد اليوم تكرار القصص والحكايات من التاريخ السوري عن عمق التعايش بين الأديان، وعن رحابة صدر الأكثرية الدينية في مراعاة مصالح أبناء الطوائف الأخرى، وعن دورها في حماية مراكز عباداتهم وحرية إقامة صلواتهم وشعائرهم، وعن تباهيها بالسماح لبعض كفاءاتهم بتبوؤ مناصب سياسية رفيعة (فارس الخوري نموذجاً)، لأن مثل هذه القصص والحكايات هو ما يكرس ضمناً التفرقة والتمييز، ويؤبد النظر إلى المجتمع كأكثرية وأقليات دينية وليس كمجتمع مواطنة، ما يفرض تحدياً مزدوجاً على العلمانيين السوريين، مرة، بتشذيب ما تدعيه الأكثرية عن مراعاتها شؤون الأقليات، ومباهاتها بمنحهم العطايا مغفلة الضمانات الحقوقية والقانونية لجميع مكونات المجتمع ونصرة المواطن المتساوي من دون النظر إلى جنسه ومذهبه ودينه وقوميته، ومرة ثانية، ببذل جهود خاصة لتمكين العلمانية من الانتشار والرسوخ في صفوف الأكثرية، ليس فقط من أجل أن لا تغدو راية العلمانية، كما يراد لها سلطوياً أن تكون، أداة ظلم واضطهاد ضد الأكثرية، وإنما أساساً لأن الأكثرية المجتمعية، وبصفتها كذلك، هي موضوعياً المسؤولة عن قيادة المجتمع ديموقراطياً وحضارياً، ومعالجة شروخه القومية والدينية والمذهبية، والتي إن لم تتقدم على الأقليات في ملاقاة مستلزمات الحضارة الإنسانية، وبناء رؤية جديدة تنأى بالدين عن دنس السياسة، فإنها تفقد دورها التاريخي الريادي، وتترك مجتمعها أسير صراعات مدمرة، لا نهاية لها.

========================

في ملابسات تغيير استراتيجية تركيا سورياً .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 5/2/2017

ثمة تغيير جذري في رؤية الأتراك للأزمة السورية وطريقة التعامل معها. بات هذا معروفاً، لكن تحليل ملابساته يبقى مجالاً للدراسة.

في بداية الثورة السورية، وعكسَ مايعتقد كثيرون، أصر الأتراك على تجنب التدخل في شؤون المعارضة السورية إلى درجةٍ (مثالية).. وهناك أحداث ووقائع ووثائق تؤكد هذه الحقيقة، عاشها كاتب هذه الكلمات، مع قيادات المجلس الوطني تحديداً، بحكم العمل السياسي في المجلس تلك الفترة.

مع بدء عسكرة الثورة، ثم نشوء الائتلاف، وتصاعد التدخل الإقليمي والدولي، دخل الأتراك في المعادلة. لكن دخولهم ذاك لم يكن مُهيمِناً ولامدروساً، وإنما كان جزئياً، ويندرج دائماً في سياق التعامل مع المداخلات المذكورة. وهي ملابسات امتزجت فيها محاولات تجريب سيناريوهات متعددة من ناحية، مع التأثر بتوافقات الداعمين حيناً، وخلافاتهم أحياناً. وبشكلٍ عام، كان يغلب على سياسة تركيا ردود الأفعال تجاه التغيرات السورية والإقليمية والدولية، ومحاولة الحركة بناءً عليها.

لكن عام 2016 حمل أحداثاً قلبت الرؤية التركية رأساً على عقب. فمن تصاعد الهموم الداخلية الاقتصادية والسياسية والأمنية (متضمناً مشروع الدويلة الكردية)، مروراً بشعور متصاعد تجاه أوروبا وأمريكا والناتو بحقيقة التخلي عنهم، وممارسة المناورات تجاههم، وصولاً إلى القناعة، إن لم يكن بتآمر تلك الجهات عليهم، فعلى الأقل عدم ممانعة سقوطهم في المتاعب، وربما سقوطهم النهائي. هذا فضلاً عن افتقار المصداقية العملية للتنسيق مع الحلفاء العرب في نظرهم. وأهمُّ من هذا كله، خيبة الأمل الكاملة والعميقة (والنهائية) تجاه جميع أطياف المعارضة السورية السياسية والعسكرية، فيما يتعلق بقدرتها على تحقيق أي إنجاز على المدى المنظور.

بناءً على المعطيات السابقة، تشكلت لدى الأتراك رؤية استراتيجية مغايرة لسياستهم السابقة فيما يتعلق بسوريا وثورتها، هنا بعض عناصرها.

إن القضية السورية طويلة الأمد، واستمرار الوضع على ماكان عليه، بالمعطيات السابقة، لن ينفع السوريين حتماً، وسيُضرُّ بتركيا قطعاً. أي أن نتائجه ستكون خسارة للجميع، بشكلٍ معبر بالإنجليزيةloselose situation .

بالمقابل، قد لاتحقق الاستدارة الكاملة الحالية، خاصة تجاه روسيا، نتائجها الكاملة المرجوة، لكن أي نتائج سلبية لها لن تكون حتى قريبة من درجة سوء الوضع بدونها.

هذا فضلاً عن أن الاستدارة نفسها يمكن أن تكون ورقة ضغط استراتيجية لتصحيح العلاقة مع أوروبا والناتو وأميركا على المدى المتوسط والبعيد، وقد تأتي زيارتا رئيستي وزراء بريطانيا وألمانيا لتركيا مؤخراً في هذا السياق.

ثمة قاعدة في علم التفاوض تؤكد على أنه فن التنازلات المتبادلة. وإذ يعلم الأتراك أنهم لن يحصلوا على كل مايريدون، لكنهم يحاولون الاستفادة من تطبيق تلك القاعدة من خلال ربط القضايا ببعضها، والقيام بمقايضات حالية ومستقبلية، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بشكلٍ كبير ومعقد. ومن هذه المنطلقات يبدو تعامل الأتراك مع فصائل المعارضة السورية السياسية والعسكرية، فيما يخص الروس والأستانة والمفاوضات، محكوماً بجملة عناصر.

يطرح الأتراك للفصائل أنهم حققوا لهم أهدافاً أساسية كانت شبه مستحيلة قبل ذلك، منها: اعتراف روسيا والنظام بهم، والإقرار العملي بأنهم الفاعلون على الأرض، وبالتالي فسيكون دورهم في العملية السياسية أساسياً وليس تجميلياً، وستبقى مواقع سيطرتهم الجغرافية في حوزتهم في حين كان احتمال فقدانها ممكناً جداً في ظل استمرار الوضع السابق.

إلى هذا، سيستخدم الأتراك موضوع المشاركة في الأستانة كعملية فرز نهائي أمام روسيا (وأوروبا وأميركا) بين المعارضة المعتدلة وغير المعتدلة.

هذا علماً أن الأتراك عملوا، بتكتيكات معينة، ومع حلفاء عرب، على إشراك المعارضة السياسية السورية المعترف بها، حتى في الأستانة، بشكلٍ واضح.

في حال نجاح هذا السيناريو التركي الشامل يأمل أصحابه تحقيق مايلي تدريجياً واستراتيجياً: أولاً، تخفيف الضغط على تركيا بجميع أنواعه. ثانياً، إلغاء مشروع الدولة الكردية على حدودهم، ربما نهائياً، ولأمدٍ بعيد على الأقل. ثالثاً، هزيمة داعش، ومايعود من ذلك بفوائد أمنية عملية عليهم، فضلاً عن العمل الكثيف لاستثماره سياسياً وإعلامياً في أوروبا والعالم بأسره. رابعاً، إمكانية خلق وتدريب مجاميع من فصائل سورية وطنية معتدلة تمهيداً للمراحل القادمة، سواء انتهت بحلٍ سياسي يتطلب تشكيل جيش وطني، أو بحلٍ عسكري لايمكن، واقعياً، إلغاؤه نهائياً، بغض النظر عن الشعارات.

السياسة فن الممكن. وإذ يمكن ربط ماسبق بمحاولة الأتراك في هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحاً عما يفعله السوريون من أهل الثورة في هذا المجال.

========================

المعارضة أمام بوابة جنيف .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت   4/2/2017

أثار تهديد ستيفان دي ميستورا بأنه سيشكل وفد المعارضة إلى «جنيف» المقبل في 20 فبراير (شباط)، إذا فشلت المعارضة في تشكيله، حفيظة البعض فاستنكره، وأيد البعض فكرة أن يقوم دي ميستورا بهذا الدور، وشرع المختلفون في الردود المتبادلة، وكل يطرح مستنداته وحيثياته التي تدعم وجهة نظره، فيما قام البعض وكعادة النقاش السوري بأخذ النقاش خارج الدائرة إلى موضوعات أخرى، وهو سلوك يهمش القضية في وقت تحتاج فيه إلى الحسم، فليس لدى المعارضة وقت طويل من أجل تشكيل وفدها، وهو حق من حقوقها، لا نقاش فيه، لكن كيف، وأعتقد أن هذا جوهر المشكلة.

تنقسم المعارضة السورية إلى جماعات وتكتلات، وقد ذهب قسم رئيسي فيها إلى الرياض وسط دعم دولي وإقليمي ظاهر. وهناك انتخبت الهيئة العليا للمفاوضات قبل أكثر من عام مضى، لتكون جسمًا يفاوض النظام عندما تحين فرصة المفاوضات من أجل حل سياسي استنادًا إلى محددات أعلنها المشاركون في مؤتمر الرياض، وكان الأمل أن تخطو الهيئة العليا للمفاوضات خطوات عملية نحو تحسين بنيتها بضم ممثلين آخرين من جماعات المعارضة، وأن تقوم بخلق تفاهمات وتناغم بين أعضائها، وتوسع آفاق رؤيتهم، تطور قدراتهم ومهاراتهم، إضافة إلى تفاعلها مع التطورات الجارية والمتلاحقة للقضية السورية وبيئتها الإقليمية والدولية، الأمر الذي يعني بالإجمال، جعل الهيئة العليا للمفاوضات جسمًا ديناميكيًا نشطًا وفعالاً، فاهمًا ومتفهمًا ومتفاعلاً من أجل هدف الوصول إلى حل للقضية السورية بأسرع ما يمكن، يستجيب لمصالح سوريا والشعب السوري.

والحق فإن الاتجاه العام لمسيرة الهيئة العليا للمفاوضات، ذهب في اتجاهات أخرى؛ فبنية الهيئة بدل أن تتعزز وتتقوى، ذهبت إلى التفتت، وبعض الذين كانوا في عدادها لم يحضروا ولو اجتماعًا واحدًا من اجتماعاتها، والبعض غادر بعد اجتماعات قليلة، فيما مشاركة البعض تبدو صورية، ولم يتم ترميم الهيئة أو استبدال المغادرين، وعجزت عن إدخال ممثلين عن جماعات معارضة لم تشارك في مؤتمر الرياض، كما عجزت عن تطوير قدراتها والاستفادة من طاقات سورية، يمكن أن تحدث تبدلاً نوعيًا في قدرات الهيئة السياسية والإعلامية والتقنية من أجل تحقيق أهدافها. كما عجزت الهيئة عن تطوير أفكار ومبادرات وتكتيكات وأدوات، تساعدها في عملها وفي تجاوز العقبات، التي اعترضتها في المستويات السورية والإقليمية والدولية، وقد كانت كثيرة ومتزايدة.

وحتى لا نظلم الهيئة العليا للمفاوضات فيما قصرت به أو عجزت عنه لأسباب تخصها، فإن البيئة المحيطة بها وبعملها، لم تكن إيجابية في المستويات السورية (وخاصة المعارضة) والإقليمية والدولية، ولم تساعدها، بل إن عقبات جدية خلقت أمام الهيئة ودورها، والأهم فيها سعي بعض الأطراف نحو خلق موازيات للهيئة، بدل دفع هذه الموازيات إلى الاندماج في الهيئة والتفاعل معها، وهو ما ترافق مع التخلي الدولي عن دعم الهيئة، وسعي مجموعة توافقات إعلان موسكو، التي تضم روسيا وإيران وتركيا إلى تهميشها بفتح خط التفاوض مع تشكيلات المعارضة المسلحة، بما يعنيه ذلك من إعدام للهيئة ودورها، أو تعطيل حركتها على الأقل.

وإذا كانت الهيئة العليا للمفاوضات لم تستطع تشكيل وفد للمفاوضات منفردة، فإن العجز يشمل الموازيات الأخرى من جماعات المعارضة، لكنه لا يعني أحقية مبعوث الأمم المتحدة القيام بذلك حسبما أعلن دي ميستورا، ليس بسبب أن ذلك ليس من صلاحياته وهذا أمر مفروغ منه، بل لأنه أثبت طوال المرحلة الماضية عدم قدرته على جمع أطراف المعارضة، وسعيه لتركيب مجموعات وتكتلات ترتبط به، شوشت على فكرة وحدة وفد المعارضة في مفاوضات مقبلة مع نظام الأسد نحو حل سياسي.

وإزاء واقع الانسداد القائم في تشكيل وفد للمعارضة إلى مفاوضات جنيف المقبلة يمكن القول إن على المعارضة أن تتجاوز ما درجت عليه في العلاقات وفي النظرة إلى وفد المفاوضات، وأن تدرك خطورة ما صار إليه الحال، واعتبار كلام دي ميستورا بمثابة جرس إنذار، والذهاب نحو تشكيل وفد موحد أو على الأقل أكثر تمثيلاً، بحيث يجمع ما أمكن من قوى المعارضة الأساسية من الهيئة العليا للمفاوضات (التي تضم الائتلاف وهيئة التنسيق والتشكيلات المسلحة) إضافة إلى منصة القاهرة (ذات التمثيل الواسع) وكل من منصتي موسكو وآستانة، وضم بعض الشخصيات المهمة من خارجها، مما يعزز قوة وفد المعارضة في المفاوضات.

ولا يحتاج إلى تأكيد أن فشل المعارضة في الوصول إلى تشكيل وفد قوي للمفاوضات سوف يعزز فرص قيام الآخرين سواء من الأمم المتحدة أو من المجموعة الدولية أو الدول الرئيسية الفاعلة مثل الولايات المتحدة وروسيا وبعض الدول الإقليمية والعربية بمهمة تشكيل وفد سوري يفاوض النظام، إذا كانت التوجهات الدولية والإقليمية جادة في المضي نحو حل سياسي للقضية السورية، ولا شك أن الفرصة اليوم قد تكون أفضل الفرص فيما مر من سنوات على الوضع السوري، وخاصة لجهة التغييرات الرئاسية في الولايات المتحدة، أو في تصعيد الدور الروسي بالتعاون مع تركيا بعد معركة حلب، وفي الرغبة الأوروبية المؤكدة في وقف تداعيات الصراع السوري على أوروبا.

كما أن تشكيل وفد المعارضة للمفاوضات من جانب غير السوريين، قد يجعله قابلاً للتفاوض مع النظام وفق رؤية وشروط، أقل من رؤية المعارضة وشروطها، مما ينتج حلاً يكون الأقرب لتصورات نظام الأسد وحلفائه من الإيرانيين والروس، والأسوأ مما سبق كله أن يتم تشكيل وفد من صنائع النظام وحلفائه، يدخل في مفاوضات تأخذ السوريين إلى متاهات، تجعل أزمتهم تمتد لسنوات طويلة، تزيد معاناة السوريين، وتعيد تسويق النظام في المحيطين الإقليمي والدولي

========================

على ماذا ستتفاوض المعارضة مع النظام السوري؟ .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت   4/2/2017

تتزايد حاجة المعارضة السورية للإسراع في عقد اجتماع عاجل في مدينة ما، يضم من لم تستطع موسكو جمعهم على طاولة واحدة، من منصّات المعارضة المختلفة، في الداخل والخارج، للوصول إلى تفاهمات بينهم، قبل الوصول إلى طاولة التفاوض في جنيف مع النظام.

والسؤال الملح المطروح اليوم على «الهيئة العليا للمفاوضات»، التي تضم أوسع أطياف المعارضة، هو: هل تملك هذه الهيئة رؤى مرنة للتعامل مع ما هو مطلوب منها، وفق تصريحات المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في 31 الشهر الماضي، حيث طلب تشكيل وفد واحد للمعارضة، مهدداً باستخدام صلاحياته في تشكيل الوفد بعد نفاد المدة التي حددها، وهي الثامن من هذا الشهر؟

ولعل ما جاء في خطاب دي ميستورا يتطابق مع البيان الذي صدر من موسكو موقعاً من المشاركين الثمانية الذين لبوا الدعوة الروسية، ومنهم من يعتبر أحد مكوناتها، أي «هيئة التنسيق»، في حين رفض كل من المنسق العام ل «الهيئة العليا للمفاوضات» رياض حجاب، ومن دعي من «الائتلاف» المعارض، الدعوة الشفهية التي وجهت لهم. حيث يقر الموقعون على بيان موسكو، الذي صدر في 27 الشهر الماضي، بأن اجتماعات آستانة التي ثبّتت اتفاق وقف إطلاق النار، ستنعكس إيجاباً على المسار السياسي المأمول وتنفيذ القرار 2254. ولعل المتفحّص جيداً لمواد هذا القرار يعرف أن المجتمع الدولي مهّد به لتمثيل منصّات عديدة إلى جانب «الهيئة العليا للمفاوضات»، وبناء على ذلك « توافق المجتمعون على توجيه نداء إلى تشكيل وفد واحد عادل التمثيل ووازن ومقبول، ومن دون إقصاء أحد أو هيمنة أحد»، للتفاوض مع وفد النظام في اجتماع جنيف المقترح هذا الشهر.

وفي عودة لمخرجات اجتماع آستانة، الذي جمع «القوى المسلحة»، يمكننا ملاحظة أن كل طرف (أي النظام والمعارضة) يعتبر أنها جاءت متوافقة مع ما يعزّز موقعه في معركة التفاوض، ويضعه أمام جمهوره منتصراً. إلا أن الحقيقة تفيد أيضاً بأن النظام السوري مني بهزيمة موجعة في المؤتمر، تمثلت بانهيار خطابه الإعلامي، المرتكز على أنه خلال السنوات الست الماضية كان يواجه فصائل وجماعات إرهابية ثابر ليضعها على قائمة الإرهاب الدولية، فإذا به يجلس معها في قاعة واحدة، ويبدو في ذلك كمن هو مضطر للموافقة على البيان الصادر، أو السكوت عنه، على رغم أنه يقضي على كل ما تبقى من سيادته على جيشه، حيث روسيا وإيران معاً هما الضامنتان لتنفيذ بنود الاتفاق، تبدوان كدولتين تتحكمان بمصير سورية ونظامها.

على الجهة المقابلة، تضمنت وثيقة آستانة خسائر بالجملة للمعارضة السورية أيضاً، بشقيها السياسي والمسلح، حيث اضطرت الفصائل للقبول في شكل أو آخر بتحديد طبيعة الدولة السورية، «دولة ديموقراطية، متعددة الإثنيات، متعددة الأديان، غير طائفية» وهو الأمر الذي كان يجب تركه لمحادثات جنيف، وليس التعامل معه بشكلياته من دون إسقاطاته السياسية، التي يجب أن تكون مبنية على التوافقات السياسية بين المكونات السورية جميعها، وليس بين المتصارعين عسكرياً.

واضح أن روسيا على ما يبدو في البيان – حاولت التشويش على المرجعيات الدولية للقضية السورية مختصرة النضالات الديبلوماسية للمعارضة السياسية بالقرار 2254 فقط، وهو الأمر الذي استدركته في بيان موسكو الأخير في محاولة لاسترضاء المجتمع الدولي من جهة، والتقرب من «الهيئة العليا» من جهة ثانية. وربما بالموافقة على الحضور بداية، والتوقيع ختاماً، فقد وضعت الفصائل العسكرية المعارضة كلا من روسيا وإيران في موضع متساو مع تركيا، الدولة الصديقة للمعارضة، مسقطة بذلك الدور القتالي والتدميري للدولتين المذكورتين في سورية، وقابلة بوجودهما من خلال عملهما كضامنتين ومراقبتين على تنفيذ الاتفاق.

ما تريده موسكو والنظام وإيران فعلياً من الفصائل هو انضمامها للحرب على الإرهاب، وقد تحقق لها ذلك، بل بدأت علاماته في الميدان بالشروع بمحاولة تصفية مباشرة لجبهة «فتح الشام» (النصرة سابقاً)، وفي حال تحقق ما يتم الحديث عنه، بخصوص انعقاد مؤتمر جديد في مدينة يمكنها أن تجمع كل أطياف المعارضة من دون تحفظ، قبل اجتماع جنيف المقترح في 20 هذا الشهر، والذي تم تأجيله بناء على توافقات أميركية روسية أممية، والذي كان قد أعلن عن تأجيل موعده المقترح في 8 الشهر، من جانب وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف الذي لا ينطق عن هوى، ما يضعنا أمام انقلاب على مستويين:

 عسكري، حيث تتجمع الفصائل كنواة صلبة مع بعضها بعضاً، لاغتنام فرصة انزياح الحل حسب رغباتها وبشروطها، التي تفرضها على الطرف الذي تجلس إلى جانبه (أي المعارضة) وليس فقط على الطرف المقابل لها (أي النظام). مما يجعلنا نتوقع مجلساً عسكرياً مشتركاً قريباً.

 سياسي، توحي به عبارة مررت عن قصد في بيان آستانة تقول: «أن الصراع يمكن حله فقط من خلال عملية سياسية»، بمعنى أنه ليست هناك عملية انتقال سياسي تستند إلى بنود إعلان جنيف1 و2، وهنا أمام المعارضة السياسية خياران أحلاهما مر، ليس لأنها ستقبل بتوسيع وفدها ليضم ممثلين عن الإدارة الذاتية (الكردية)، أو معارضة موسكو ورندة قسيس، إضافة الى منصة القاهرة وتيار «بناء الدولة»، اللذين كانا موجودين على قائمة اجتماع الرياض الذي أنتج «الهيئة العليا للمفاوضات»، بل لأن على المعارضة السياسية متابعة ما بدأه العسكر، بدل أن يكون العكس هو ما يتم تنفيذه الآن، وفق خطة الانتقال السياسي التي عملت عليها خلال سنوات، وحققت لها مرجعيات دولية، تعتبر موسكو أنها أسقطتها عنوة، ولكن بديبلوماسيتها الناعمة في مؤتمر آستانة في 23 كانون الثاني (يناير) الماضي.

وإذا كان المطلوب من «الهيئة العليا» المرونة في أقسى حالاتها، فعلى هذه المنصات أيضاً أن تعلن مبادرتها للانطلاق نحو تفاهمات مشتركة ليس فقط على أسماء من سيفاوض النظام، (وفد المعارضة الواحد)، بل على ماذا سيكون التفاوض مع النظام، ولعل هذا هو البند الأهم الذي يوجب الاجتماع المشترك، والذي لن تفصلنا عنه سوى أيام إن لم تكن ساعات.

بين مؤتمر آستانة ومن ثم موسكو وقد مضيا، وعاصمة جديدة تطرحها عناوين الأخبار، ثمة صمت في العواصم العربية طال فهل ينتهي، لتكون إحداها مكاناً يمكن من خلاله الحديث بلغة أقرب إلى واقعنا، وأكثر تفهماً لآلام شعب تشرد نصفه، ومنع من دخول بلاد الله الواسعة، وقتل منه نحو نصف مليون، وعدد معتقليه يناهز مئات الآلاف، و85 في المئة منه ضمن خط الفقر، وخمسة ملايين بحاجة للإيواء؟

========================

نحو جنيف 4 .. د. رياض نعسان آغا

الاتحاد

السبت   4/2/2017

فاجأنا ديمستورا بتصريح يطالب فيه المعارضة بتشكيل وفد موحد إلى الجولة الرابعة من المفاوضات في جنيف، وقد حدد موعدها الجديد في 20 فبراير الحالي، وحمل تصريحه وعيداً بأن يقوم هو بتشكيل وفد التفاوض إن لم تقم المعارضة بذلك.

ولا نعرف ما الذي دعا ديمستورا إلى هذا التصريح الجاف، ولكننا سمعنا رغبة لافروف قبله بتشكيل وفد موحد، يضم كل أطياف المعارضة بما فيها تلك المنصات التي تطلق على نفسها لقب معارضة مع أنها تعلن أن هدفها الإبقاء على النظام، وعلى بشار الأسد رئيساً للأبد. ولا يعرف أحد ما الفارق بين مطالب هؤلاء وبين مطالب من يسمون الموالاة، وهؤلاء صنعهم النظام وبعضهم سمتهم روسيا، ومثلهم آخرون من حلفاء النظام وممن حاربوا معه، ولديهم مطالب عرقية وإثنية وبعضها انفصالية، ومع ذلك يرون أنفسهم معارضة وطنية! وهدف ذلك التناقض هو التشويش على مطالب المعارضة الجادة، وإبراز صفة التشتت على المعارضين على رغم أنهم أعلنوا وحدة أهدافهم في مؤتمر الرياض الذي جمع قوى المعارضة الكبرى (الائتلاف، وهيئة التنسيق، والفصائل الثورية، والمستقلين) ووقعوا جميعاً على بيان الرياض الذي تمسك ببيان جنيف لعام 2012 ومتنت مطالبه قرارات الأمم المتحدة وأهمها القرار 2254. ولم يخرج أحد من أعضاء مؤتمر الرياض أو هيئته العليا عن ثوابت بيانه، وتبدو منصة القاهرة أقرب تشكيلات المعارضة إليه، لأن غالبية مؤتمر القاهرة باتوا أعضاء في مؤتمر الرياض، ومن أبرزهم أعضاء الائتلاف وهيئة التنسيق والمستقلون.

وقد حرصت الهيئة العليا على التنسيق والتفاهم مع كل أطياف المعارضة عبر حوارات متصلة، وأصر بعض المعارضين في المنصات الأخرى على رؤيتهم بضرورة بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية وترشحه للانتخابات وهؤلاء لا يمانعون بالطبع في بقائه رئيساً إلى الأبد، وذروة الحل السياسي عند بعضهم هي المشاركة في حكومة وحدة وطنية بقيادة الأسد نفسه.

واعتبر الروس الحديث عن مستقبل الأسد شرطاً مسبقاً لا يقبلون الخوض فيه، متجاهلين أن الثورة قامت ضد الديكتاتورية المطلقة، وسيكون من العبث المراهنة على تغيير سلوك النظام، ولا سيما أنه سيحتفظ بسلطته على الجيش وقوى الأمن، وسيكون بوسعه الانتقام البطيء أو السريع من كل من تمردوا على سلطته. ولن تنفع السوريين أوراق الدستور أو القوانين، ولن يطمئن المهجرون ولن يعود أحد من النازحين وستبقى القضية السورية مفتوحة الجراح، لأن بقاء النظام واستسلام المعارضة على الطريقة التي تريدها موسكو ستجعل سوريا القادمة مسرحاً لاستبداد من نوع أخطر، وسيمارس المنتصرون أبشع أنواع الانتقام وستغرق سوريا في مستنقع دم جديد.

ويبدو واضحاً أن روسيا أرادت أن تجعل منصة الآستانة بديلاً عن مرجعية جنيف 1، وكان لافتاً أن يتجاهل ديمستورا الإشارة إلى هذه المرجعية في تصريحه الأخير، وهو لم يشر إلى مضمون المفاوضات القادمة وإلى جدول عملها، وهل سيعود المتفاوضون إلى مناقشة وقف إطلاق النار، وإلى الحديث عن فك الحصار وإدخال المساعدات، وعن إطلاق سراح المعتقلين، ودون جدوى؟

أما كان حريّاً أن يناقش مؤتمر آستانة هذه القضايا التي اعتبرها القرار 2254 مرحلة بناء ثقة هي فوق التفاوض وقبله؟ ومؤتمر آستانة الذي جعل عنوانه تثبيت وقف إطلاق النار فاجأنا في بيانه بالحديث عن تخفيف العنف، ولكن العنف اشتد بعده حتى تمكن النظام من إجلاء المقاتلين من وادي بردى، ومن تهجير المئات إلى إدلب.

وليس مستبعداً أن يبدأ الهولوكست السوري الذي يتوقع المراقبون حدوثه في إدلب مع بدء الجولة القادمة، كما كان يحدث في حلب مع بدء كل جولة من جولات التفاوض في جنيف، مما يجبر وفد المعارضة على التوقف وربما الانسحاب أمام سيل الدماء، على رغم أن القرار الدولي ينص على وقف إطلاق النار وبناء مرحلة ثقة قبل التفاوض.

ولا يخفى على ديمستورا أن أي حديث في جنيف لا يباشر قضية الانتقال السياسي هو مزيد من إضاعة الفرص للوصول إلى نهاية، ولا يخفى على أعضاء مجلس الأمن أن المراوغات التي يقوم بها النظام للتهرب من مواجهة مضمون قرار مجلس الأمن تهدف إلى فرض الأمر الواقع وإجراء تغيرات ميدانية لصالحه، ولكنها ستجعل القضية السورية جمراً يتقد، وسيبقى العالم في حالة ترقب واضطراب مهدداً بغياب الاستقرار عن المنطقة كلها، لأن إيران وميليشياتها الإرهابية ستكون إذَّاك سيدة الشرق الأوسط كله.

لقد مدت المعارضة المسلحة يداً لروسيا، وقبلت دعوتها لمؤتمر آستانة، وبقي أن يكون الروس جادين في إيجاد حل يقبله الشعب السوري دون أن يفرض عليه بالقوة والعنف، فقد تمرس هذا الشعب على استقبال القوة والعنف بالصبر والإصرار على مطالبه المشروعة.

========================

استنهاضاً للتيار الوطني الديموقراطي في سورية .. ماجد كيالي

الحياة

السبت   4/2/2017

تزايدت في الآونة الأخيرة، في أوساط سياسيين ومثقفين سوريين، الدعوات والتفاعلات لاستنهاض تيار وطني ديموقراطي، انطلاقاً من فرضيات أساسية مفادها: أولاً، إن هذا التيار موجود بالقوة، والمطلوب إيجاده بالفعل، بحكم وجود وطنيين ديموقراطيين كثيرين، إلا أن هؤلاء لم يستطيعوا التحول إلى كتلة أو إلى كتل وازنة، ولم يبلوروا بينهم أي شكل أو كيان سياسي، حزباً أو تياراً أو منبراً، للتعبير عن رأيهم وعن وجودهم، أو إنهم لم يبذلوا الجهود المناسبة لذلك، أو لم يفعلوا ذلك بالطريقة الصحيحة. ثانياً، افتقاد الثورة السورية لوجود هذا التيار، الذي كان يمكن أن يشكل إضافة نوعية فيها، وتعزيز صدقية مقاصدها إزاء شعبها وإزاء العالم، حتى لو كانت الظروف الخارجية ومعطيات الصراع لا تسمح بتغير موازين القوى. ثالثاً، إن المآلات التي وصلت إليها هذه الثورة، على صعيد انسداد الطريقين العسكري والتفاوضي، تتطلب اجراء مراجعة نقدية لمسارات الثورة، واستعادة أهدافها المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، وبناء كياناتها السياسية، على أسس صحيحة، وانتهاج طرق عمل تتلاءم مع الإمكانيات والمعطيات المحيطة، وتضع مصالح شعبها على رأس أجندتها، بدل الارتهان لهذه الدولة أو تلك.

وكان مركز «حرمون» عقد ورشة نقاشية (إسطنبول 2021/1)، شاركت فيها مجموعة من السياسيين والمثقفين، خصصها لهذا الموضوع، ولمطالعة المبادرات التي قدمت، اسهاماً منه في تعزيز هذا الحوار، وتحويله من مجرد نقاش نظري إلى خطوات عملية. هكذا تضمنت مداخلتي في تلك الورشة عديد النقاط، وكان أهمها:

أولاً، إن المشاريع السياسية الكبرى، وضمنها الوطني الديموقراطي، لا تتحدّد بناء على ما تعتزم القيام ضده أو بهدمه، أي بدلالة موقفها من النظام القائم فحسب، على أهمية ذلك، بقدر ما تتحدد، أيضاً، بناء على ما تنوي إقامته، أي بدلالة رؤيتها لحقوق شعبها، والمستقبل الذي تعده به.

ثانياً، لا تنبثق المشاريع السياسية من رؤى رغبوية أو ادعاءات أيديولوجية، وإنما من الواقع الموضوعي لمجتمع ونظام سياسي متعيّنين، في مرحلة تاريخية، أي نسبة إلى مستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للبلد.

ثالثاً، في المشاريع السياسية لا يجوز لطرف إقصاء أطراف أخرى تجد نفسها معنيّة بالمشروع المطروح، مع تفهّم أن قوة معينة قد تفرض ذاتها، كطرف مهيمن، بحكم صدقيتها الفكرية والسياسية ومكانتها في المجتمع ودورها في عملية التغيير.

رابعاً، في الواقع السوري، وبالنظر إلى تجربة السنوات الماضية، يبدو أن الأمر يتطلب الاشتغال على جانبين: أولهما، بناء كيان سياسي جمعي – جبهوي، تعترف الكيانات المشكّلة له ببعضها، بمشتركاتها واختلافاتها، وتجتمع على الهدف الأساسي، بغضّ النظر عن الخلفيات الفكرية، وبعيدًا من العصبيات الأيديولوجية أو الهوياتية أو الدينية. والمعنى أن على هذه الكيانات أن تشتغل في الإطار الجمعي كجبهة، على أساس تكاملي وتعاضدي، لا على أساس تنافسي أو ضدي، على ما جرى في تجربة كيانات المعارضة، من «المجلس الوطني» إلى «الائتلاف الوطني».

وثانيهما، بلورة «تيار وطني ديموقراطي»، وفق طبيعة الثورة، بخاصة أن هذا التيار يكاد يكون غائبًا أو مفتقدًا، إذ على رغم وجوده كحالة، إلا أنه لم يستطع العمل بوصفه كتلة، أو بوصفه تياراً، بمعنى الكلمة، باستثناء وجود شخصيات ديموقراطية مؤثّرة، لها تاريخها ومكانتها، عبّرت عن مواقفها النقدية بصراحة في وسائل الإعلام، وحتى في بعض هيئات المعارضة.

خامساً، أخيراً، وفي ما يخصّ انشغال السياسيين والمثقفين السوريين باستنهاض وبلورة تيار وطني ديموقراطي، يجدر لفت الانتباه هنا إلى ملاحظات خمس: الأولى، إن مجرد وجود ديموقراطيين لا يكفي، لأن المسألة ليست هوياتية، إذ على هذا التيار، أن يؤكد طابعه من خلال أطروحاته ورؤاه ونمط علاقاته، بحيث يفرض ذاته من خلالها، التي تحوله من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، أي من حيّز النظرية إلى حيّز الممارسة. الثانية، كي يتمكّن هذا التيار من تعزيز وجوده، يفترض أن يتمثّل الديموقراطية في علاقاته الداخلية، ومع مجمل الكيانات السياسية القائمة، ومع مجتمعات السوريين في الداخل والخارج، وإيلائه حقوقهم ومصالحهم الأولوية قبل أي شيء أخر. الثالثة، إدراك أن هذا التيار لا يقوم على أساس أيديولوجي، وإنما على أساس الأفكار التي تجيب عن أسئلة الواقع، وتأخذ في اعتبارها طابع الثورة الوطنية الديموقراطية والمعطيات الدولية والإقليمية المحيطة. الرابعة، حقيقة أن هذا التيار يقوم على الاعتراف بأن المنتمين إليه لديهم مشتركاتهم وأيضاً لديهم اختلافاتهم، التي تفرضها تعقيدات القضية والثورة والمعطيات المحيطة، مع اجتماعهم على الهدف الرئيس المشترك. الخامسة، أن عملية إقامة التيار الوطني الديموقراطي لا تتأسس على الاحتكار، أو الوصاية، أو ادعاء القيادة، أو الطليعية، إذ هي تحتاج إلى كل الجهود، والإخلاص للفكرة، بعيداً من الحسابات الفصائلية والشخصية والآنية، كما تحتاج إلى التدرّج وتوليد الديناميات التي من شأنها بلورة هذا الاتجاه وتعزيز مكانته في مجتمع السوريين وثورتهم.

========================

دستور مرفوض .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت   4/2/2017

هناك ثلاث ملاحظات على الدستور الذي قالت روسيا إنها قدمته للوفد السوري في مؤتمر أستانة، ونفى أعضاء وفد المعارضة تلقيه أو أنهم رفضوه.

الأولى أن الدستور حجر الزاوية في حياة الدول، وسيلعب دوراً حاسماً في إعادة تأسيس حياة سورية العامة. لذلك، لا يجوز تحويله موضوعاً للتلاعب، أو أداة بيد أي طرف غير سوري، فكيف إذا كان، كالدستور الروسي، معادياً للديمقراطية، أعز مطالب الشعب السوري، وكان يبني نظامه البديل، وبالتالي الدولة السورية الجديدة، على مبدأ الهويات الإتنية والطائفية والمذهبية والفئوية، بحمولته الفاشية والتفكيكية، ولا يبنيه على المواطنة، المبدأ الذي لا تقوم ديمقراطيةٌ بغيره. باعتماده مبدأ الهويات أساساً لإعادة تنظيم سورية، راح الدستور الروسي في اتجاه يقوّض فرص قيام الدولة التي اختارها الشعب، والتي تعترف، من موقعها المرجعي، بحقوق مكوّناتها وتكرّسها دستورياً وفي قوانينها وممارساتها، من المرجح، إنْ لم يكن من المحتم، أن يفضي تطبيقه إلى كياناتٍ هوياتيةٍ نابذة الميول وطنياً، تتبع دولة المركز لها أو تخضع لإرادتها، لتكون، دستورياً، دولةً عاجزة عن حماية نظامها العام، ضعيفةً في علاقاتها مع مكوّناتها المناطقية التي ستمتلك صلاحيات تعطيل بواسطتها قراراتٍ وطنيةٍ لمركز ليس مستقلاً عنها، على الرغم من أنها لا تتبع له إلا في مجالاتٍ محدودة وجزئية.

بدل أن يحمي الدستور المركز، نجده يعطيه ما يفيض عن صلاحيات المكونات، وبدل أن يعزّز دوره دولةً لجميع مواطنيها، ويجعل منها مرجعيةً في كل شأن وطني أو عام، وإن نسّقت مع مكوناتها في المسائل التي تتقاطع عندها المسؤوليات وتتكامل الصلاحيات. لكن الدستور الروسي يفعل العكس، من ذلك أنه يفرض على دولةٍ تريد أن تكون ديمقراطيةً نسباً، طائفية وقومية عند توزيع المناصب الوزارية، في استبدالٍ واضحٍ لنظام طائفي قائم بنظام طائفي قادم.

لو أخذ الدستور بالمواطنة مبدأً للنظام، لكانت المساوة بين المواطنين ترجمته العملية، ولما جرى تحديده بمبدأ الهويات الذي ينكرها، بينما يعترف النظام الديمقراطي بها، وبما يترتّب عليها من حقوق، ويجعل منها فضاءاتٍ وطنيةً لأتباعها ضمانات دستورية وقانونية، مساوية لما يتمتع به غيرهم. لذلك، لا تنتج التفاوت بين المواطنين عامة، ولا تغدو حواجز تقطع الشعب إلى عوالم متجاورة، لكنها لا تنتمي إلى جسدية دولوية/ وطنية واحدة، إن أعطيت حصصاً انتفى المجتمع، وعجزت السياسة عن ردم الهوّة بين مكوّناته وتداعى ما هو عام وجامع في علاقاتها التي لن ترتكز عندئذ على عقد اجتماعي/ سياسي بين الشعب والدولة، وسيستبدل بعقودٍ جزئيةٍ، يمليها كل مكوّن، تنمي خصوصياته خارج الإطار الوطني المشترك. قلت إن الدستور الروسي لا يقيم دولة ديمقراطية في سورية، وأقول الآن: إنه لن يقيم دولة.

ثانياً، يتعارض الدستور الروسي مع وثيقة جنيف وقرارات مجلس الأمن التي وافقت روسيا عليها، وجعلت الانتقال الديمقراطي هدفاً ملزماً للعملية السياسية، عليها أن تنتهي إليه. لا يذكر الدستور هذا الانتقال في أيٍّ من بنوده. ويقرّر، نيابةً عن الشعب السوري الذي لم يفوّض واضعيه بذلك، أن نظام دولته القادم سيكون رئاسياً في كل ما يتعلق بالدولة القمعية وأجهزتها السلطوية شبه برلماني في مؤسسات الدولة الأخرى التي ستخضع لمحاصصاتٍ طائفيةٍ وقومية. لتمرير هذه الهجانة المدمرة لفرص قيام الدولة الديمقراطية، يفبرك الروس سلطاتٍ رئاسيةً، لا يحق لأحدٍ التدخل فيها، بينما تتدخل هي، في المقابل، في تعيين صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، ووظائف جمعية الشعب وجمعيات المناطق، وتمتلك هي، وكل واحدةٍ من هذه المؤسسات الرسمية، حق إلغاء السلطة التشريعية عبر الحق في قيامها ب "مبادرات تشريعية". هذا دستورٌ يكرّس فوضى الصلاحيات وتداخلها الذي لن ينتج غير فوضى قانونية ضارية.

ثالثاً، بتجاهله الانتقال السياسي ووثائقه وقراراته الدولية، وفبركته نظاماً، رئيسه قوي ودولته ضعيفة، أطرافه جبارة ومركزه متهالك، يبعث الروس رسالتين إلى السوريين، تقول أولاهما لأهل النظام: انسوا نظامكم الحالي. وثانيتهما لأهل المعارضة: انسوا النظام الديمقراطي.

إذا كان دستور الروس لا يفي بالحد الأدنى من مطالب شعبنا، ويضعه في مواجهة نظام انتقالي معقد ومشحون بعوامل تضعف الدولة، وتشتت المجتمع، وتؤسّس فوضى صلاحياتٍ لن يستقيم في ظلها الأمر لأيٍّ من مكوناتها، أو مؤسسةٍ من مؤسساتها، ولن نتخلص من الاستبداد أو ننال حريتنا، لماذا ننصاع لبنوده التي أملتها على واضعيه سيطرتهم علينا؟

========================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com