العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-12-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الوضع السوري في انتظار ترامب .. عبد الباسط سيدا

الحياة

الخميس 8/12/2016 

إذا نظرنا إلى ظاهرة ترامب في سياق جملة التحوّلات الكبرى التي شهدها العالم، ربما وصلنا إلى أحكام أقل حدة من الأحكام التي صدرت حتى الآن بسبب مقاومتها للشعبوية وتمسكها بالديموقراطية في شكلها الأمثل.

فهذه الظاهرة تنامت في أجواء انهيارات الأنظمة الاشتراكية، وتغوّل النزعة الاستهلاكية، واتساع الهوة بين التطور في ميادين العلوم الطبيعية وما يجرى في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وشمولية العولمة بأبعادها المختلفة، واستفحال أخطار التطرّف الإسلاموي في نسخه الجهادية.

وتُضاف عوامل أخرى منها: ترهّل الأنظمة الديموقراطية الغربية، وغياب الزعامات الكاريزمية التي كانت تنطلق من كونها صاحبة رسالة، إلى جانب تشكّل نخب بيروقراطية مهيمنة لم تكن يوماً بعيدة عن الفساد، وأخرى باتت ممارسة السياسة عندها جزءاً من الإرث الأسري، أو صيغة من العمل الشللي المصلحي.

وبتفاعل كل ذلك، تأتي الترامبية لتجسّد مرحلة التحوّل الكبير لعصرنا على صعيد القيم والمبادئ، وأساليب العمل والتعامل والتداخل، وطنياً وكونياً. ولهذا، نرى أن اعتبار الترامبية كارثة ستعقبها كوارث في بلدان أخرى لا يستقيم وطبيعة الواقع المعاش. ففي النهاية نحن أمام وضعيات مشخّصة تتحكّم فيها آليات جديدة ربما لم نألفها بعد، أو أنها تتناقض مع تلك التي اعتقدنا أنها النموذج والمثال. وضعيات سيتمكّن من يمتلك القدرة على التكيّف الفاعل معها من الاستمرار، والتحوّل إلى جزء من منظومتها. أما من يعجز فسيلتحف بالحنين المضمّخ بالمشاعر إلى الزمن الجميل الذي لم يكن، ولن يكون.

فهو واقع نعيشه بآماله وآلامه، بإخفاقاته ونجاحاته، يلزمنا بالمتابعة والقدرة على التفاعل، إذا كنا نريد دوراً مؤثراً يوقف المزيد من التراجع والانهيارات.

لكن الترامبية بكل ما أُحيط بها من توجّس أو ترحيب، وما قيل حولها، لن تكون الظاهرة السحرية التي تعيد تكوين العالم، وتلوّنه وفق الأمزجة الخاصة بهذه الفئة أو تلك. فهي ظاهرة اجتماعية- اقتصادية وسياسية ملزمة بأخذ الحسابات والمصالح في اعتبارها، أي أنها ملزمة بإعادة النظر في تقويم أسس الصراعات والتوازنات في مختلف مناطق العالم، اعتماداً على تقارير المؤسسات والمراكز والخبراء المعنيين. وإلا فإنها ستظل ظاهرة فوقية إعلامية تعيد إنتاج المأزوم الذي لم يتمكّن أوباما بوعوده التبشيرية من تجاوزه، بل أسهم بسياساته الانسحابية في تعميقه وتعميمه، بخاصة في منطقتنا.

وعلى رغم كل التحليلات السوداوية المتصلة بترامب، لا نعتقد بأن الأمور ستكون أسوأ مما كانت بالنسبة إلى سورية بخاصة، ومنطقتنا عموماً. وهذا ما بدأت ملامحه تتبلور شيئاً فشيئاً مع إعلان أسماء من سيتسلّمون المواقع الحساسة في الإدارة الجديدة. فهم أصحاب خبرة وكفاءة، ولديهم معرفة بأوضاع المنطقة، وطبيعة صراعاتها وتشعباتها. وهم ليسوا من مناصري توجه أوباما الحالم بإمكان احتواء النظام الإيراني، الذي تؤكد كل الدلائل أنه المخطط والمنفذ والمموّل الأكبر لمجمل كوارث المنطقة، وتالياً لتصاعد التطرف والإرهاب بدرجات غير مسبوقة.

فقد أثبتت الوقائع عقم تصنيف أوباما للإرهاب، كإرهاب "منظّم" يمكن التعامل معه وآخر "منفلت" لا بد من محاربته. وأدت هذه المقاربة السطحية إلى انفلات الأمور في المنطقة بأسرها، وباتت الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات الكارثية.

وإذا أخذنا ما حصل ويحصل في سورية بعامة، وحلب تحديداً، بالاعتبار، وجدنا أن القادم لن يكون أسوأ مما كان. فالرئيس الأميركي الجديد، على رغم كل الغموض الذي يحيط بسياساته، تبعاً لتصريحاته المتعارضة في المرحلتين الانتخابية والانتقالية، سيضيّق على الأرجح الدائرة على النظام الإيراني ومشاريعه الإمبراطورية، ما سيستفيد منه السوريون مباشرة وقبل غيرهم، لأسباب واضحة للقاصي والداني. وما اتخذه الكونغرس حتى الآن من قرارات توحي بالأفضل قياساً بمرحلة أوباما.

بهذا نرى أن نتائج المعركة الميدانية في حلب ستكون مؤثرة من دون شك، لكنها لن تكون الحاسمة، لأنها في نهاية المطاف جزء من صراعات وتنافسات إقليمية ودولية لن تحسم، ولن تجد طريقها إلى التهدئة والتوازن قبل انطلاقة الإدارة الأميركية الجديدة.

وفي انتظار ذلك، يمكن للنخب الوطنية السورية التي لم تتلوّث عقولها بعد بآفات الاستبداد والإرهاب؛ وما زالت مؤمنة بإمكان التعايش المشترك بين المكوّنات السورية على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات، أن تتحرّك وتتواصل، لتتوافق على قواسم مشتركة، وهي كثيرة تتجاوز ما يتوقعه المرء.

ويمكن لهذه القواسم أن تكون أرضية لعقد وطني يكون أساساً لدستور يطمئن الجميع، وأن تكون مرجعية لوفد وطني وازن يمثّل السوريين والسوريات ويتواصل مع الإدارة الجديدة ومفاصل القرار والتأثير فيها، بالتنسيق مع الجالية السورية الكبيرة في الولايات المتحدة.

فعمل كهذا قد يسهم في إنقاذ ما قد تبقى من الشعب والوطن. أما انتظار الانتصار العسكري من معارضة مغلوبة على أمرها، محكومة بتفاعل الحسابات الإقليمية والدولية، أو الحسم العسكري من نظام بات مجرد دمية بين أيادي الغزاة، فهذا مؤداه إدامة الصراع والتدمير والقتل في سورية إلى ما شاء الله.

========================

المراوغة الروسية .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 8/12/2016 

تزيد روسيا من وحشيتها ضد حلب وإدلب والريف الشمالي، وهي تمارس عملية إبادة شاملة، على الرغم من أنها تراوغ من خلال التواصل تحت حجة البحث عن حل، لكنها تعتبر أن فشل الوصول إلى حل ناتج عن تمسّك بعض الأطراف بإزاحة بشار الأسد. ولهذا، تزيد من ضغطها ومناوراتها، من أجل "إقناع" هذا البعض بالتخلي عن مطلبه هذا.

فشل الوصول إلى حل ناتج عن "معضلة" بشار الأسد، فالمواقف تفترق حين التطرق إلى وضع الأسد، وتفشل المفاوضات، لأنها لا يجب أن تتناول وضعه. وإذا كان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يعتبر أن سبب الفشل هو نتيجة التمسك بإزاحته، فيمكن أن نقول العكس، أي أن سبب الفشل هو نتيجة تمسك الروس ببقاء بشار الأسد، فقد تمحور الصراع، منذ بدء الثورة، حول رحيله. لهذا رفع الشعب شعار إسقاط النظام، وضحّى، وعانى، وواجه وحشية النظام وإيران وروسيا من أجل إزاحة بشار الأسد، فكيف يمكن أن نعتبر أن سبب فشل المفاوضات هو التمسّك بإزاحة بشار الأسد؟

قبول الذين خرجوا لتغيير النظام بالحل، بالتالي، ينطلق من إزاحة بشار الأسد. وإذا كان الرئيسان في تونس ومصر أزيحا بهدوء، ومن دون تضحيات كبيرة، فكيف يمكن أن يقبل الشعب بقاء رئيسٍ دمّر نصف البلد وهجّر نصف سكانه، وقتل مئات الآلاف، واعتقل مئات الآلاف كذلك؟

لا ترى روسيا ذلك، بل إنها تساهم فيه، وتساهم فيه بجدارة، معلنةً أنها تجرّب أحدث أسلحتها، ومؤكدها أنها تهدّد العالم بتفوق قوتها. وقد رأت في كل الثورات "مؤامرةً" أصلاً، لأنها تتخوّف منها، وتعرف أن الثورات الآن لن تصبّ في مصلحتها، لأن الشعوب تريد التحرّر من السيطرة والاحتلال والاستغلال والنهب، ولا تريد قبول بديلٍ آتٍ من أجل السيطرة والاحتلال والاستغلال والنهب. وتعرف أن الوضع العالمي ينحو نحو انفجار الثورات، وبالتالي، يمكن أن تصل إلى موسكو من دون أن تستطيع مقاومتها. وتعرف كذلك أنه لا أحد في الدول الإقليمية والإمبريالية يسعى إلى دعم ثورةٍ أو السماح بانتصارها، لأنه يرى نتائجها عليه، حيث أن وضعها جميعاً متأزم، وتخضع لأزمةٍ اقتصاديةٍ عميقةٍ، لا حلّ لها.

لهذا، تقدّمت إلى سورية، لكي تستولي عليها، وليس لكي تتوصل إلى حل سياسي، فهي تريد التوسّع بعد أن باتت إمبريالية، حيث تحتاج إلى الأسواق والسيطرة على الجغرافيا السياسية، وإيجاد أسواق لأسلحتها وسلعها. لهذا، فرضت على بشار الأسد أن يوقّع معها اتفاقية احتلال "غير محدّد" الزمن، ولقد سرّبوه هم. وبالتالي، بات بشار الأسد المشرِّع لوجودهم، وواجهة هذا الوجود. ومن ثم أصبح من البديهي ألا يجري طرح مسألة إزاحته، واستغراب أن هناك من يطرح ذلك.

مسألة فشل الحل هي بالضبط نتيجة التمسّك ببشار الأسد، لأنه ليس من حلّ في ظل استمرار سلطته، بعد أن رفع الشعب شعار إسقاط النظام، وبعد كل ما فعل. وعلى الرغم من كل التوافق الدولي الذي حصل، ويمكن أن يحصل بشأن وضع بشار الأسد، فإنه لا حلّ من دون أن يبدأ بإزاحة الأسد. طبعاً على الرغم من كل الوحشية الروسية، ووحشية إيران وعملائها، ووحشية النظام الذي بات الأضعف في معادلة السلطة في سورية. فقد كان رئيساً يحكم قبل الثورة ومع انطلاقها، وحاول أن يقاوم الثورة بالقوى التي يملكها، ثم بات خاضعاً لسلطةٍ أعلى، إيران في المرحلة الأولى، حيث باتت تتحكّم بالقرار العسكري السياسي، ومن ثم روسيا التي تتحكّم بكل القرارات وبالسلطة، وبالتالي تحكم بشار الأسد. لهذا بالضبط لا تريد أن يتحدّث أحد عن مصيره، وهي مصممة على ألا يدخل في بورصة التفاوض.

ذلك كله حتى وإنْ فرض الوضع تدمير ليس حلب فقط بل ما تبقى من سورية. فإذا كان الأسد قد عمّم ما فعله حافظ الأسد في حماة سنة 1982 على كل سورية، فيبدو أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين آتٍ لكي يعمم ما فعل هو في غروزني على كل سورية، ليعود الى الشعار الأثير: الأسد أو نحرق البلد، الأسد أو لا أحد. هذا هو بالضبط موقف روسيا.

من أفشل الحل السياسي هو من تمسّك ببقاء الأسد، لأنه لا حلّ ممكن في وجوده، ليس لأن هناك من يتمسّك بذلك من الدول أو المعارضة، بل بالضبط لأن الثورة لم تعد تسمح ببقائه، فكل حلٍّ يبقيه يعني بقاء الصراع.

========================

ما الذي بقي من الدور التركي في سوريا؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 8/12/2016 

كان الرئيس رجب طيب أردوغان يخاطب مؤتمراً حول القدس، عقد الأسبوع الماضي في إسطنبول، حين دفعته الحماسة ليقول: "لقد دخلنا سوريا لإنهاء حكم الدكتاتور بشار الأسد، ولا شيء غير ذلك!". "استغرب" الروس هذا التصريح وطالبوا أنقرة بتوضيحات. فما كان من هذه الأخيرة إلا أن تراجعت عن أقوال رئيسها وقالت إن الهدف هو محاربة الإرهاب.

إنه موقف محزن حقاً أن تصل تركيا أردوغان إلى هذا الحد من الإذعان أمام جارها الروسي المتجبر الذي يعمل بكامل قوته التدميرية على إحراق حلب، حتى لو تعلق الأمر بمناوشات كلامية لا تترتب عليها أفعال. ولكن ما الذي جعل أردوغان يتورط في ذلك التصريح الغريب حقاً، كما قال الروس، في الوقت الذي باتت فيه السياسة السورية لتركيا مقتصرة على عملية درع الفرات المحدودة جغرافياً والمحددة أهدافها؟

من المحتمل أن الاجتماع الذي كان يخطب فيه، وموضوعه القدس، جعل العاطفة تتغلب لديه على برودة السياسة ومتطلباتها الواقعية. يجدر بالذكر أن التيار الإسلامي الأم الذي سينبثق منه لاحقاً حزب العدالة والتنمية، قد حافظ، منذ تأسيسه بقيادة نجم الدين أربكان في أواخر الستينات، على مكانة خاصة للقضية الفلسطينية في خطابه، وفي القلب منها مدينة القدس برمزيتها الإسلامية العالية. من غير المستبعد أن أردوغان قد عبر عن مكنونات قلبه بشأن سوريا في البيئة الحماسية التي فرضها هذا الاجتماع، مدغدغاً في الوقت نفسه عواطف ناخبيه الإسلاميين الذين تعاطفوا مع الثورة السورية منذ بداياتها من منطلق مظلومية الشعب السوري "المسلم" الذي يتعرض لاضطهاد من نظام أقلوي.

غير أن للسياسة الواقعية قولا آخر. فثمة تفاهمات بين أنقرة وموسكو، بعضها أعلن وبعضها ظل طي الكتمان، بشأن المسألة السورية، هي ما سمح لتركيا بزج قواتها في عمق الأراضي السورية، للمرة الأولى منذ بداية الثورة، تحت عنوان "درع الفرات". وكان الهدف التركي المعلن من هذه العملية العسكرية هي محاربة داعش وقوات وحدات حماية الشعب الكردية في الجيب الحدودي الممتد من جرابلس إلى إعزاز، لإنشاء "منطقة خالية من خطر إرهاب داعش" ولقطع الطريق أمام إنشاء كيان كردي متصل على طول الحدود السورية ـ التركية. ويتفق معظم المراقبين، من تركيا وخارجها، أن الهدف الثاني هو الدافع الحقيقي للانخراط العسكري التركي المباشر. وفي الواقع وجهت تركيا أكثر ضرباتها، في إطار درع الفرات، إلى القوات الكردية، وليس قوات داعش، بدليل قصفها المتكرر لمنطقة عفرين التي من المفترض أنها تقع خارج منطقة عمليات "درع الفرات".

أغرى التقدم السريع لقوات الجيش الحر المدعومة من تركيا، في المرحلة الأولى من درع الفرات، القيادة التركية بتوسيع منطقة نفوذها عمقاً حتى مدينة الباب المحتلة من داعش. وقد تحدث الرئيس التركي أكثر من مرة عن نيته بالوصول إلى تلك المدينة الاستراتيجية بموقعها، وخاصةً لجهة أهميتها الحيوية لقطع "الكوريدور الكردي" الذي يعمل الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني لإقامته في إطار مشروعه المسمى "فيدرالية روج آفا". لكن الأمريكيين الذين لم يعترضوا على العملية العسكرية التركية في بداياتها، لم يعودوا متحمسين لتوسع تلك العملية جنوباً باتجاه منبج والباب. فهم يدعمون "قوات سوريا الديمقراطية" التي تنافس الأتراك في السيطرة على تلك المنطقة. أما الروس الذين سمحوا لتركيا بدخول جرابلس والمناطق القريبة منها، فمن المحتمل أنهم يراوغون بشأن تقدم العملية التركية جنوباً باتجاه الباب. أي أنهم امتنعوا عن إعلان موقفهم للأتراك وتركوهم يتورطون أكثر من غير أي ضمانات. هذا ما يؤكده قصف طيران النظام موقعا للقوات الخاصة التركية قرب مدينة الباب، وتنصل موسكو من مسؤوليتها عن ذلك القصف، على رغم توقيته المريب الذي حدث في الذكرى السنوية لإسقاط المقاتلات التركية لطائرة السوخوي الروسية.

وقد يكون الفخ الثاني الذي وقع فيه الأتراك، دائماً قرب مدينة الباب، من تدبير غير مباشر للروس أو الأمريكيين، وأعني به أسر داعش لجنديين تركيين ما زال مصيرهما مجهولاً. فقد تحدثت تقارير إعلامية تركية عن انكشاف ظهر القوات الخاصة التركية في تلك المنطقة، بعدما هرب كل مقاتلي الجيش الحر وتركوا الأتراك لمصيرهم. في كل من الحادثتين، قصف طيران النظام وأسر الجنديين التركيين، رسائل موجهة إلى تركيا لوقف تقدمها باتجاه الباب الذي تستميت القوات الكردية للفوز بها قبل الأتراك، كما يسن نظام دمشق الكيماوي أسنانه للسيطرة عليها بعد الانتهاء من حلب الشرقية.

كانت العلاقات بين أنقرة ونظام دمشق في أفضل ما يمكن أن تكون عليه بين بلدين متجاورين، حين اندلعت الثورة السورية. وحاولت الحكومة التركية، في الأشهر الأولى للاحتجاجات الشعبية السلمية، إقناع النظام بإجراء إصلاحات محدودة في النظام السياسي تجنباً لتعمق أزمة النظام أمام الثورة الشعبية. وهناك من يقولون إن أنقرة أرادت من النظام إشراك الإخوان المسلمين في الحكم، الأمر الذي رفضه النظام رفضاً قاطعاً. وهو ما سيكرره الإيرانيون أيضاً، في وقت لاحق، بشأن تطعيم حكومة الأسد بوزارات هامشية تعطى للإخوان، وسيتكرر رفض النظام للاقتراح الإيراني. وهكذا انتهى شهر العسل المديد بين دمشق وأنقرة، لينتقل الأتراك إلى دعم المعارضة السياسية والمسلحة بكل إمكاناتها. وفتحت تركيا حدودها أمام موجات اللاجئين الفارين من جحيم قصف النظام للمدن والبلدات السورية. كانت قراءة القيادة التركية لثورات الربيع العربي، والثورة السورية بصورة خاصة، أنها ستنتهي بسقوط الأنظمة وصعود التيار الإسلامي (الإخواني) إلى الحكم. وهو ما سيعطي زخماً إضافياً لطموحات تركيا الجديدة في توسيع نفوذها جنوباً بعد عقود من الانتظار غير المجدي أمام أبواب أوروبا. في سوريا بالذات التي وضعت فيها تركيا كل ثقلها لمساعدة الثورة على الإطاحة بالنظام، تعقدت الأمور وامتد الصراع طويلاً بسبب خذلان الأمريكيين لحليفهم التركي الذي طالب، مبكراً، بإنشاء منطقة حظر طيران واصطدم بالرفض العنيد لإدارة أوباما. وكذا فيما يتعلق بدعم الثوار بسلاح نوعي. وهكذا وجدت تركيا نفسها وحيدة في مواجهة المشكلة السورية، غير قادرة على التقدم ولا على التراجع. وباتت مسؤولة عن عبء كبير يشكله اللاجئون السوريون على أراضيها، بعددهم الذي بلغ ثلاثة ملايين. ثم كان إسقاط طائرة السوخوي وتداعياتها التي شلت يد تركيا في سوريا.

ما الذي بقي من الطموحات التركية في سوريا، بعد أكثر من خمس سنوات من الانخراط في الصراع؟ بقي فقط موضوعان: منع إقامة كيان كردي على الأراضي السورية، وابتزاز أوروبا باللاجئين السوريين.

٭ كاتب سوري

========================

الثورة السورية بين رؤيتين .. د.محمد أحمد الزعبي

كلنا شركاء

الاربعاء 7/12/2016

ثلاث مسائل استوقفتني هذا الأسبوع ورغبت أن أشرك القراءالكرام بها . هذا مع العلم أن هذه المسائل الثلاثة ، تجسّد رؤيتين متباينتين ، واحدة هي الموالية للثورة ( المسألتان الأولى والثانية ) والأخرى هي الموالية للنظام  ( المسألة  الثالثة )  :

أمّا المسألة الأولى ، فهي ماقرأته قبل يومين ، وتحديدا بتاريخ 28.11.2016  لأحدالإخوة في مقال يتساءل فيه  الكاتب عن مصير الثورة السورية، ويشيرإلى بعض المظاهرالسلبية التي قد تمثل بداية النهاية للثورة ( حسب تعبيره ) ، وبالتالي سقوطها لصالح نظام بشار الأسد . ولكنه يقترح ، بنفس الوقت ، بعض المقترحات التي يمكن أن تحول دون هذا السقوط ، بل ويمكن أن تقلب ميزان القوى لصالح الثورة ، إذا ماتحققت ، أبرزهذه المقترحات :

1. اتحاد كافة الفصائل المقاتلة  ، إن لم يكن توحدا كاملا ، فليكن غرفة عمليات واحدةعلى الأقل .

٢. تحديد هدف واحد محدد وواضح ، وأن تعمل كافة الفصائل على تحقيقه فقط .

٣. وضع خطة عسكرية دقيقة بالاستعانة بضباط التخطيط الاستراتيجي في العالم كله .

وأما المسألة الثانية  التي  استوقفتني  ، فهي ماسمعته عبر شاشة التلفاز ، من أحد الإخوة المعنيين بالشأن السوري ، من أن ماجرى ويجري في حلب الآن ، سواء أكان نصرا أم هزيمة ، فإنه لا علاقة لبشار الأسد به  ، وإنما العلاقة كل العلاقة هي  بالدرجة الأولى للأسلحة الروسية الفتاكة والمدمرة التي تنهال على حلب ليل نهار ودونما توقف من البر والبحر والجو ، ولا سيما في الأسبوعين الأخيرين ، وبالدرجة الثانية للقوات البرية الطائفية التي يقودها قاسم سليماني والتي نقلت السلطة الفعلية في سوريا ، من يد بشار الأسد  في دمشق ، إلى يد ولي الفقيه في طهران .

أما المسألة الثالثة التي استوقفتني هذا الأسبوع ، فهي أجوبة جميل حسن مدير مخابرات القوى الجوية ، على أسئلة  الصحفي البريطاني روبرت فسك  ، والتي نشرتها جريدة الإندبندنت Endependentالبريطانية  بتاريخ 28.11.2016 حيث اعترف جميل حسن بعظمة لسانه بالدور الوحشي وغير الإنساني الذي  مارسه ويمارسه النظام  ضد الثورة السورية .  وسأورد هنا  بعض ما استوقفني من أجوبته :

 منذ انطلاق أحداث2011 في درعا ، طلبت من الرئيس بشار أن يسمح لي بقتل مليون شخص لوضع حد  لهذه الأحدداث .

 لو أن الصينيين لم يسحقوا ١٩٨٩بالدبابات أحداث ساحة تيانانمن أين ستكون الصين الآن ؟.

ـ لو تم استخدام التكتيكات التي استخدمت في حماة عام 1982 لكانت هذه الحرب قد انتهت .

ـ لم تكن تركيا في الثمانينات تساند الإرهاب ،ولكن صدام حسين والملك حسين هما كانا رعاة الإرهاب في المنطقة  في تلك الفترة .

 الدول الغربية هي التي تمول  المتطرفين الإسلاميين بالسلاح .

ـ مثل الأوروبيين والأمريكان بذلك كمثل من يدخل الذئب إلى بيته ليأكل في النهاية كل الخراف .

 استهدف معارضو الحكومة ( يقصد معارضو النظام ) المسلحون، المجتمع السوري الموحد .

 الأجهزة الأمنية هي من يحفظ هذه الوحدة  للمجتمع السوري .

 إن تصريح أوباما بوجود معارضة معتدلة أمر مثير للسخرية والاشمئزاز .

ـ اللعبة القذرة الوحيدة في حلب هي تلك التي يلعبها الأمريكيون ، وعندما تتوقف إمدادات الأمريكيين المعارضة بالأسلحة فإن كل شيء سينتهي .

ـ يلتقي المتشددون الإسلاميون والمتطرفون الصهاينة على هدف واحد هو تقسيم سوريا.

ـ ستكون الشعوب الأوروبية هي الأكثر تضرراً إذا انهارت سوريا .

إن ما ينبغي قوله للجنرال جميل حسن بعد هذه الجردة من الترهات (وسأوجه كلامي له مباشرة) هو :

1.إن استشهادك بأحداث حماه عام 1982 ، هو إدانة لحافظ الأسد ولإبنه بشار ولك أيضاً .

2. إن وضعك المتطرفين الصهاينة مع المتشددين الإسلاميين في سلة واحدة ، إنما يشير إلى أن مدير مخابرات القوى الجوية ، ومعه نظام عائلة الأسد لايدين إسرائيل ككل ، وإنما يدين فقط ” المتطرفين الصهاينة “، وهو مايضع أكثر من إشارة استفهام على مضمون كلامه هذا(!!).

3. إنك تعرف بالتأكيد أن أمريكا لاتزود المعارضة بالأسلحة ، إنما العكس هو الصحيح ، إنها تمنع تزويد المعارضة بالأسلحة عامة ، وبمضادات الطائرات خاصة ، وتدخل تصريحات مدير مخابرات القوى الجوية حول هذا الموضوع (على مايبدو) في إطار اللعبة الأمريكية نفسها الموالية للنظام فعلاً والمعادية له قولاً .

4. إن تصورك في أن قتل مليون سوري يمكن أن يحل الصراع بين الحق والباطل في سوريا ، بين غالبية الشعب السوري ونظام عائلة الأسد الديكتاتوري العسكري ، والذي أنت جزء منه هو تصورأقل مايقال فيه  ياجميل أنه تصورقاصر وبعيد عن الواقع ، وينطوي على درجة عالية من مرض الثقة الكاذبة بالنفس ومن اللاإنسانية و قلة الأخلاق . .

5. إن قولك أن الشعوب الأوروبية هي الأكثر تضرراً إذا انهارت سوريا ، يذكرني  بكلام رامي مخلوف الذي وجهه إلى إسرائيل في بدايات الثورة ، عام 2011 ، والذي ربط فيه بين  أمن  نظام عائلة الأسد الطائفي والديكتاتوري ، وأمن  دولة الصهاينة . إن كلام رامي مخلوف عام 2011  وكلام جميل حسن عام 2016 يضعاننا أمام حقائق جديدة تتعلق بموقف نظام عائلة الأسد القديم ( موقف الأب في حرب 1967 من احتلال الجولان ، وإصداره البلاغ رقم 66 الشهير ، وسكوته على هذا الاحتلال حتى مات عام 2000) و (متابعة بشار لسكوت أبيه المشار إليه حتى اليوم) ، وأخيراً وليس أخراً تصريحات رامي مخلوف حول الربط بين أمن إسرلئيل وأمن نظام الأسد(!!).

ويحضرني في هذا المقام معلومة أضعها برسم الجنرال جميل حسن ، مفادها أن المرحوم هواري قد زار دمشق في أعقاب هزيمة 1967 مباشرة ، وكان مما قاله للقيادة السياسية والحزبية السورية ” إنكم إذا لم تحرروا الجولان بأسرع وقت ، فسوف تسقط أنظمتنا كلها ” ، وكان يقصد بطبيعة حلف دول  المقاومة والممانعة ” التقدمية “  التي كانت تتشكل في حينها من  مصر وسوريا واليمن الجنوبي ونظام القذافي والنظام الجزائري .

ودعني أسرد لك بعض الوقائع التي تؤكد مجافاة تصوراتك لحقائق الوضع في سوريا :

1.إن كبيركم حافظ الأسد لم يصل إلى كرسي الحكم  عن طريق صندوق الاقتراع ، وإنما وصل إليه عام 1970 ( كما تعرف أنت جيدا ) على ظهر دباباتك ودبابات” الرفاق” الآخرين (!!).

2. إن معلمك الحالي  بشار لم يصل بدوره إلى كرسي الرئاسة عام 2000عن طريق صندوق الاقتراع ، وإنما ( وايضا كما  تعرف أنت جيدا) عن طريق التوريث وذلك بعد التعديل المضحك والمبكي  للدستور (!!).

3. إن رقم المليون إنسان الذين كنت ترغب بقتلهم للقضاء على ثورة 2011  ، قد تم تجاوزه الآن بكثير  ، بل وقد زاد طينكم بعد 2011  بلة  كل من قاسم سليماني وحسن نصر الله  ونوري المالكي وأخيراً وليس آخراً  قوات سورية الديموقراطية (!!)   وسوخوي فلادمير بوتين ، وغيرهم  ومع ذلك لم تنته هذه الحرب ، إنما ازداد أمرها تعقيداً ، ودخلت مرحلة ” الإستعصاء “ الذي لايعلم إلاّ الله  إلى متى سيبقى ، وكيف ستحل عقدته .

4.. إذا كنت ترى أن الأجهزة الأمنية  ( التلصّصية ) هي من يحافظ على وحدة الشعب السوري ألا ترى معي يا ” جميل  ” ، أن الحفاظ على هذه الوحدة الوطنية لايحتاج إلى 17 جهازاً أمنياً ؟!.

5. فيما ورد على لسان السيد روبرت فيسك الذي قابلك ، أن هذه المقابلة قد تمت بغرفة لايوجد فيها سوى علم سوري واحد مقابل ثلاثة أعلام روسية (؟!!)، أليس هذا الفارق في عدد الأعلام  على طاولة أي كان منكم أو منهم كبيراً ومؤسفاً ياسيادة الجنرال ؟ (!!) ،

6. بل أكثر وأكبر من هذا : ألا ترى معي ” ياجميل ” أن  استدعاء بشار الأسد أو إذا شئت استدعاءكم  للقوات الأجنبية ( الروسية والفارسية وغيرها ) لقتل بني قومكم وعشيرتكم هو ” خيانة وطنية  عظمى” لن يغفرها لكم التاريخ (!!) ،

7. وبدون أن أنتظر منك جوابا أعرفه وتعرف أني أعرفه على سؤالي السابق،  دعني أنبئك  بخبر قد لا يسرك كثيراً  ، مفاده أن ثلاثة و عشرين مليونا من أبناء الشعب السوري العظيم ، ما يزالون على قيد الحياة  ، رغم مليوناتك ،  ورغم تشردهم هنا وهناك ، ورغم  تداعي ذئابكم وكلابكم عليهم من كل حدب وصوب ، وأن حناجرهم جميعاً تصدح اليوم ، من مأذن حلب الشهباء ، بشعار وطني  واحد ،لايراه ولايسمعه إلاّ الشرفاء في هذا العالم ألا وهو : ” الشعب يريد إسقاط النظام ” ،  ف  ” يا شرفاء العالم اتحدوا  ” ، ورحم الله فيديل كاسترو كأبرز هؤلاء الشرفاء .

========================

لماذا ادلب ؟؟؟ .. د. وليد البني

 كلنا شركاء

الاربعاء 7/12/2016

منذ مأساة الزبداني ومضايا وبعدها  داريا والمعضمية تعتمد روسيا وايران نفس الاسلوب في إخضاع مدن ريف دمشق الواحدة تلو الاخرى .

تبدأ العملية بتطويق المدينة وفرض حصار شديد عليها  يؤدي الى ندرة المواد الغذائية والادوية وحرمان الاهالي واطفالهم من ضروريات الحياة, ثم قصف المرافق الصحية والاسواق في المدينة , والاستمرار بعملية التضييق والحصار حتى  يبدأ تململ السكان نتيجة الخسائر البشرية الكبيرة ونتيجة الجوع وانعدام الأمن.

 وفي اللحظة المناسبة تتحرك ما يسمى بلجان المصالحة التي تكونت داخل هذه المدن بطلب من أجهزة الاسد لتنظيم العلاقة بين سكانها المحاصرين والميليشيات التي تحاصرهم ( كما كان يجري في جميع الدول الواقعة تحت الاحتلال ) وتبدأ المفاوضات بين هذه اللجان والاجهزة الامنية من أجل تخفيف الحصار وتسهيل حياة الناس وإدخال بعض  المواد اللازمة لانقاذ الاطفال  والجرحى , وعندها تنطلق عملية ابتزاز بشعة , تبدأ من ابتزاز اللجنة نفسها ومحاولة تجنيد أعضاءها إن أمكن , ثم تنتقل الى بناء شبكة مصالح مافيوية بين الضباط المسؤولين عن الحصار وبعض اعضاء هذه اللجان وبعض عناصر الجماعات المسلحة داخل المدينة لتقاسم عوائد تهريب المواد الضرورية لسكان المدينة  التي تصل الى المحاصرين بأربعة أضعاف ثمنها. وتستمر العملية بهذا الشكل الى اليوم الذي تصدر الاوامر من الايرانيين او الروس بضرورة استعادة المدينة من سيطرة الفصائل المسلحة التي كان قد تم اختراق بعضها وافساد بعضها الاخر.

 تقوم لجان المصالحة باجراء اتفاق مع اجهزة امن النظام يقضي بخروج المسلحين الى ادلب بامان  مقابل  تسليم  اسلحتهم لأجهزة النظام والميليشيات اللبنانية التي تؤازره , وفي حال رفضت بعض الفصائل الاتفاق تقوم مروحيات النظام بالقاء براميلها على المدينة لتستغل لجنة المصالحة ذلك وتحرض السكان المذعورين للتظاهر ضد الفصائل  الرافضة وهكذا و تحت الضعط الشعبي والبراميل المتفجرة يقتنع الغير مقتنع, فتصل الباصات الخضر لحمل المرحَّلين الى ادلب و يجري تسليم المدينة.

رغم تتالي نفس السيناريو في مدن ريف دمشق الواحد تلو الاخرى, فإنه كان من الملاحظ عدم مبادرة فصائل المدن الاخرى  للتضامن مع المدينة التي تتعرض للقصف بالبراميل ومناصرتها,( للتذكير فقط لم يرى أحد اي دور لجيش الاسلام واسلحته التي طالما استعرضها ضد خصومه داخل الغوطة , في كل هذه الفترة ), بل غالبا ما تتصرف  تلك الفصائل وكأنها تعيش في كوكب آخر, مع أن المسافة بين هذه المدن والتجمعات لا تتعدى بضع كيلومترات , مما يؤشر على الترهل والاختراق الامني الذي اصاب تلك الفصائل ومسلحيها.  

لكن ,  لماذا تصر ايران وروسيا على ذهاب المقاتلين الى ادلب وادلب حصراً ؟؟؟, رغم أن مناطق كالغوطة وحوران والقلمون تخضع ليسطرة المعارضة المسلحة ايضا وهي اقرب بكثير من ادلب ويمكن نقل هؤلاء المقاتلين وعائلاتهم اليها بسهولة وكلفة أقل.

أعتقد أن الخطة الروسية الايرانية هي كالتالي :

 العمل على استعادة السيطرة على جميع المدن والتجمعات السكانية السورية الخارجة عن سيطرتهم( ومنها تلك التي تنتظر دورها و لم تستسلم بعد) وغير الخاضعة لسيطرة داعش والنصرة, وتصفية جميع فصائل المعارضة الغير مصنفة ارهابية بحسب تصنيفات الامم المتحدة,قبل وصول الرئيس الامريكي المنتخب الى البيت الابيض وبدء ادارته ممارسة السلطة الفعلية , اي قبل انتهاء عهد ادارة اوباما التي أعطت الايرانيين والروس الضوء الاخضر كي يتموا هيمنتهم على سوريا (على قاعدة  بطيخ يكسر بعضه) طالما تم ضمان امن اسرائيل بتخليص الاسد اسلحته الكيماوية وملالي ايران من قدراتهم النووية , وعدم رغبة اوباما وادارته بالتورط أكثرفي مواجهة مباشرة مع داعش والقاعدة وترك هذه المهمة لايران وميليشياتها المتطرفة لاستنزاف الجميع دون تكلفة تذكر, تماما كما تم استخدام بن لادن والقاعدة لاستنزاف الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة.

 ما يريده الروس والايرانيون هو ان تجد ادراة ترامب وصقورها القادمين أنفسهم امام الامر الواقع التالي :

 في سوريا لم يعد هناك مناطق تسيطر عليها معارضة مسلحة معتدلة ( حسب التصنيف الاممي)  ما على الارض اليوم هو مناطق سورية تشكل معظم مساحة سوريا  تسيطر عليها روسيا وايران , و مناطق معزولة تسيطر عليها داعش والنصرة ( ادلب , الرقة). مما سيجعل خيار الادارة الجديدة الوحيد هو مشاركنهما في حربهما على الارهاب ومباركة احتلالهما لسورية  وليس عرقلة خططهما كما يعتقد أو يتمنى  كل من خامنئي وبوتين.

هل ستنجح الاستراتيجسة الروسية الايرانية في سوريا؟؟؟. لننتظر ونراقب كيف ستتصرف ادارة ترامب فربما يكون هناك مغاجئات لا تسر قيصر الروس  ولا كبير ملالي ايران.

========================

ترامب: إدارة حرب؟! .. بكر عويضة

الشرق الاوسط

الاربعاء 7/12/2016

لو أن معاشر المتشائمين إزاء ما يرون أنها نذر حرب نووية لا تُبقي ولا تذر، تمنوا دليلاً جديدًا يُضاف إلى قائمة ما يسوقونه من علامات اقتراب تلك الحرب، لما توفر لهم أفضل من تواصل دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المُنتخب، هاتفيًا مع السيدة تساي إينغ وين، رئيسة تايوان، نهار الجمعة الماضي. تحرش السيد ترامب بالصين ليس مفاجئًا. يعرف ذلك كل من تابع استفزازات حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. تجييش العواطف الوطنية ضد ما يوصف بالغزو الصيني للسوق الأميركية، أمر سابق لدخول ترامب نفسه على خط المعترك السياسي ببلده. بالطبع، التجييش العاطفي بغرض تشجيع الإنتاج الوطني ليس شأنًا أميركيًا فقط، بل هو منهج متّبع بكل الدول الصناعية، المتقدمة منها التي تحاول اللحاق بركب من سبقها. في هذا السياق، معروف أيضًا أن التخوّف من نمو نفوذ العملاق الصيني بأسواق عديدة في مشارق الأرض ومغاربها، استوطن رؤوس معظم صانعي القرار في عواصم دول الاقتصادات القوية. وإذ أصبح التصدي لزحف التنين الاقتصادي هاجس ساسة تلك الدول، فقد راوح التعامل مع بكين ما بين اعتماد دبلوماسية ناعمة تستند إلى تعاون وانفتاح، وتجريب التناطح معها باستخدام مفردات خشنة وتصريحات استفزازية.

رغم أن قبول ترامب الحديث مع رئيسة تايوان، وهو أمر لم يحصل من قِبل رئيس أميركي منذ أربعين عامًا، يمكن إدراجه ضمن المواقف الاستفزازية، فإنه يندرج أيضًا في نطاق ما يُعرف بجس النبض، أو قياس رد الفعل. ورغم أن مايك بينس، الجمهوري المجرِّب والسياسي المحنك، سارع بصفته نائب الرئيس المنتخب، للتقليل من شأن الأمر، فعدّه "زوبعة في فنجان"، فإن ترامب نفسه لم يتراجع، بل عاجل الصين، نهار أول من أمس، بصاروخ توبيخي أطلقه من قاعدته بموقع "تويتر"، إذ زعق قائلاً: "هل سألتنا الصين إن كان يجب خفض قيمة عملتها وبناء مجمع عسكري هائل أم لا؟ لا أظن". بالمناسبة، يبدو أن سيد البيت الأبيض الجديد سوف يوفّر على الإعلام في العالم كله مشقة الركض وراء أخباره، إذ يبدو حريصًا على إعلان مواقفه عبر تغريداته.

التيار المتخوف مما يراه احتمال "تهور" الرئيس ترامب بالاستمرار في استفزاز بكين، ومحاولة استدراجها إلى مواجهة في بحر الصين الجنوبي، تكون شرارة الحرب النووية، يشير إلى تعيين الجنرال جيمس ماتيس وزيرًا للدفاع، باعتبار أنه مؤشر على أن ترامب مقبل على تشكيل "إدارة حرب"، ويذكّر هؤلاء بتصلب الجنرال ماتيس إزاء إيران، وبما عُرف عنه من تشدد في الجيش الأميركي، أما إذا فاز عسكري آخر، هو الجنرال ديفيد بترايوس، بحقيبة الخارجية، فسوف يبدو من الصعب إقناع ذلك التيار أن عام 2017 المقبل سيمر بسلام.

يلفت النظر أن تيار التخوف من "تهوّر" الرئيس ترامب يقر بحقيقة أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، وأن القرارات الكبرى ليست خاضعة لسياسات الجالس بالمكتب البيضاوي، أو رهينة مزاجه. مع ذلك، يكاد البعض يجزم بتحديد ساعة الصفر، بمعنى التخمين بمواعيد فصلية، كالقول، مثلاً، إن خريف العام المقبل سيكون مناسبًا، لأن ترامب يكون أمضى أكثر من ستة أشهر رئيسًا، وهي مدة كافية للتحضير للحرب. حسنًا، ماذا عن روسيا؟ الجواب حاضر أيضًا، ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين جاهز كي يلعب مع الرئيس ترامب مباراة ودية يجري خلالها تبادل أهداف الغرض منها تقاسم النفوذ بالتفاهم، وتقسيم أرض الملعب، أي أراضي الشعوب المغلوبة على أمرها، بالتراضي بين واشنطن ترامب وموسكو بكين، وثمة احتمال أن يحصل بعض المتأملين، مثل تركيا إردوغان، على نصيب من الغنائم، كموطئ قدم، مثلاً، في سوريا أو العراق، أو كليهما.

هل قلت سوريا والعراق؟ نعم، يا للحسرة عليهما إزاء ما حل بشعبيهما. ويا ويل ما ينتظر كل من أسهم بما أريق من دماء أطفال أبرياء بأرض دجلة والفرات، وكل من شارك في تشريد الآمنين، وتشتيت شمل آباء وأمهات. نعم ويل للمتورطين عن سابق قصد وتصميم، في مآسي المدنيين، حيثما هم، وأيًا كانت أعراقهم، من حساب يوم فصلٍ، علمُه عند خالق البشر أجمعين، بصرف النظر، شكّل الرئيس ترامب "إدارة حرب" أو لم يشكّل، ففي نهاية المطاف، ولو طال الانتظار، سوف يظهر الحق على الباطل.

========================

ما بعد حلب.. نعمة ام نقمة؟! .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الثلاثاء 6/12/216

حرب الأسد “الخامينائية البوتينية” على حلب تُشغل العالم؛ والعالم كالرقيع لا يفعل شيئاً يُذكَر… تهليل حلف “المقاومة والممانعة” واحتفالهم بنصر قادم في حلب يسلب الألباب؛ واستخلاصهم بعد “تطهير” حلب من أهلها والإرهاب: /ما بعد حلب/ سيكون مختلفاً عما /قبل حلب/. “النصر” في حلب دليل قاطع على نجاح ونجاعة الحل الأمني، والخيار العسكري هو الحل للأزمة السورية… إن لم يقولوا ذلك علناً، إلاّ أنه مُضمرٌ في مسلكهم.

هناك على أي حال مَن يقول لهم: إنكم على ظلال؛ فلو كان الخيار العسكري أو الحسم العسكري هو الحل، لما امتد الدم والدمار في سورية كل هذه السنوات، ولما استقدم النظام كل هذا الزخم العسكري الايراني والروسي وارتهن لهما كي يبقى على كرسي الدم. نهج النظام العسكري جعل النظام كالقط الذي يلعق المبرد؛ يستعذب طعم الدم، فيزيد باللعق حتى الموت نزفاً؛ ومن هنا ارتهانه لقوى الخارج الإيراني والروسي.

آخرون من ضفة احتلال سورية يسوقون بنظرية أخرى مفادها أن النهج والحسم والنصر العسكري الذي ولّد “ما بعد حلب” هو الضغط على الضفة الأخرى من أجل حل سلمي. ولكن السؤال لهؤلاء: هل أُعطي السلام فرصة في سورية خلال السنوات الماضية،”قبل حلب” و “ما بعد حلب”؟! . لقد كان هناك الكثير من /قبل كذا ليس كما بعدها: /ما قبل حمص ليس كما بعدها/ و/ ما قبل تدمر أو الرقة أو الحسكة أو دير الزور  أو … أو… ليس كما بعدعا/.  القتل مستمر، والدم مستمر، إذن النظام مستمر/. يعرف الجميع أن المقاربة السلمية للصراع في سورية ما كانت أساساً في قاموس أو “إجندة” النظام. لقد كانت المواجهة العسكرية والحل الأمني منهج النظام من اللحظة الأولى لانطلاق صرخة الحرية في سورية؛ فهذه هي بنيته أساساً وهذا هو ديدنه.

إذا كان نظام الأسد قد تعب من المواجهة العسكرية على أي حال، ويعتقد الآن أن “نصر حلب” سيهيئ له فرصة للعودة إلى الحكم بشكل مريح في سياق مساعي إعادة التأهيل الكثيفة من قبل كثيرين، فلا بد أنه يعلم أن قدرته على الحكم تلاشت إلى ما يشبه التفصيل؛ فالحكم يحتاج إلى إقتصاد، والبلد مدمَّر/ والحكم يحتاج إلى بشر، وأهل سورية تشردوا/ ويحتاج إلى شيء من النسيج الإجتماعي الطبيعي، ونسيج سورية الإجتماعي ممزق/ والحكم يحتاج إلى سيادة، وسيادة سورية أضحت في خبر كان؟ والأهم، الحكم يحتاج إلى “حسن سلوك”، أو “لا حكم عليه”؛ فكيف الحصول على هذا، والحكم الشعبي السوري صادر بارتكاب الحاكم بجريمة قتل نصف مليون إنسان وتشريد أكثر من نصف سكان بلد وتدمير ثلثيه؟!

لا بد ان النظام يتذكّر أنه قبل /ما بعد حلب/ قد سعى الكثيرون سراً ومواربة وعلانية للإبقاء عليه عبر “إعادة تأهيله” وعبر الدعم وغض النظر عما ارتكب من جرائم؛ كما حاولوا إيصال العالم والسوريين إلى أنه مناسب لمحاربة الإرهاب، وأن الخيار بينه وبين داعش؛ إلا ان حقائق الأرض  كانت تكَّذب ذلك، وها هي تأخذ جرعة دموية جديدة مما حدث في حلب. /ما بعد حلب/ وبعكس ما يعتقد او يسوّق النظام وأعوانه، زاد في منسوب الدم والدمار، وسيزيد من التوتر والنقمة، وزاد من التبعثر والتمزق، وسيزيد كل ذلك من استنزافه والضغط على داعميه.

طعم “نصر” حلب يبدو لذيذا، ولكنه سرعان ما سيتحوّل إلى علقم يساهم في استطالت المأساة؛ ليس بالنسبة لأهل سورية؛ فليس هناك المزيد ليخسرونه؛ ولكن الخسارة الفادحة ستكون لمن منّى نفسه بالـ”نصر” على جزء من أهل سورية.

سيكون هؤلاء الذين يواجهون “نظام الأسد” وداعميه أكثر توحداً وتنظيماً وشراسة في انتقامهم لأنفسهم ولأرواح مَن قضوا من محبيهم؛ وحاله وخاصة حال داعميه سيكون أكثر افتضاحاً وبحثاً عن مخارج؛ ولكن بدون ذلك العبء الذي يستنزفهم في وجه استحقاقات سياسية عالمية قادمة. ربما يكون /ما بعد حلب/ غير ما قبلها؛ ولكن كـ “نقمة” على النظام لا كـ “نعمة” كما يشيع أو يتصوّر. السلام لا يستقيم مع هذا النظام؛ ولن ياخذ فرصة بوجوده. إذا قرر الداعمون أنه لا بد للسلام ان يُعطى فرصة- لأسبابهم الخاصة وللضغوطات القادمة حتما- على رأس ما عليهم القيام به قفْص القط و تيسير إرساله إلى “لاهاي”.  السوريون يريدون العيش بسلام؛ وما /بعد سورية/ مستحيل حتى على مجرمين كالخامينائي وبوتين.

========================

حلب على حافة الهاوية .. يمان دابقي

العربي الجديد

الثلاثاء 6/12/216

حلب الشهباء، المصنّفة عالمياً أقدم مدن التاريخ، مهدّدة اليوم بالزوال من الجغرافية السورية، بعد صمود أهلها خمس سنواتٍ متتالية من عمر الثورة السورية.

من يصدّق أنّ مدينة حلب، المشهورة بمأكولاتها الشهية، لم يعد فيها رغيفُ خبزٍ واحد يسد رمقً الطفل الصغير، من يصدّق أنّ حلب الحضارة لم يعد فيها حجر على حجر، حتى باتت مدينةُ ظلامٍ يغيبُ عنها المستقبل، والموت وحدهُ الحاضر ويكاد يأبى أن يغيب.

أعلن نظام الأسد وروسيا عن نيتهما إسقاط حلب عسكرياً قبل نهاية العام الحالي، إذ وضع نظام الأسد جدولاً زمنياً لاقى موافقةً فورية من موسكو لتحقيق نصرعسكري على حساب ربع مليون نسمة من ساكنيها.

استطاع الحلفاء تدمير المدمّر وتقسيم المقسّم عبر آلاف الطلعات الجوية والصواريخ الفراغية والإرتجاجية والحرارية، وبعد التمهيد الناري اقتحمت المليشيات الإيرانية والأفغانية ومرتزقة حزب الله اللبناني الأحياء الشرقية من المحور الشمالي الشرقي للمدينة، سيطرت خلالها على كامل الأحياء الشمالية، وأهمها مساكن هنانو وحي الصاخور بعد انهيارٍ شبه كامل للفصائل العسكرية، ما دفعها للتراجع للخطوط الخلفية.

تزايد الأرقام في عدّاد الموتى دفع الأهالي للمغامرة بحياتهم والهروب من مستنقع الجحيم، فخلال يومين، خرجت عائلات كثيرة باتجاه المناطق الغربية لحلب، ومنهم من لجأوا إلى مناطق سيطرة الأكراد، والتي قاتلت جنباً إلى جنب في المعركة مع النظام، فيما الأخبار الواردة عن مصير النازحين أفادت بأنّ نظام الأسد اعتقل معظم الشباب الوافدين لمناطقه لزجهم بمعسكرات تدريبية ثم رميهم على خطوط الجبهات لمواجهة مصيرهم.

حدثت كل هذه الأحداث أمام مرأى العالم ومسمعه، وكأنّ الذي يحدث في حلب صرح من الخيال لم يهو بعد إلى عالم البشرية، بل على العكس، فوسط المحرقة الحلبية، خرج علينا المبعوث الأممي، دي ميستورا، ليخبرنا أمراً جللاً، ويقول إنّ ما يحدث تصعيد عسكري، لكنه لا يستطيع أن يتوّقع إلى متى ستصمد حلب!

يتكلم دي مستورا كأنه هو من يرأس الحملة العسكرية ويترقب سقوط المدينة ، وحفاظاً على ماء الوجه للدول الغربية فهي كعادتها تحرّكت في أورقة مجلس الأمن، علماً أنّ المعوّل على مجلس الأمن، بعد خمس سنوات من شلل كامل، أن ينشر السلام، فهو إمّا منفصل عمّا يجري في سورية أو هو مخدوع بعظمة تلك الدول وجبروتها.

نسأل أنفسنا: من المسؤول عمّا يجري في حلب؟ فالندب والبكاء غير مجديين في الربع ساعة الأخير لمصير المدينة، لماذا نرمي كلّ وسخنا على الأمم التي دبرت وخططت لدمارنا، بل كيف نعوّل على دولٍ لا يهمهما حياة أو موت سوري واحد، وهي من تعطينا السلاح لنقتل أنفسنا بأنفسنا.

تشرذم القادة من قتلنا، سلّمنا وآمنا أنّ الغرب متخاذل. ولكن، أيها القادة ما خطبكم اليوم؟ تصمتون عمّا يجري في حلب، لماذا خمدت بنادقكم في وقتٍ تنتهك الأعراض في حلب، ألستم من أغرق أهلنا في حلب بالوعود؟ فكيف تزجون بهم اليوم بفوهة الموت، وأنتم اليوم من خارج حلب تبكون وتلطمون؟

المعارضة السياسية المتمسكة بشرعية زائفة باتت عاجزة، فبعد اعترافهم أنّ الجميع خذلهم، لماذا إذاً لا تُعلنون حلًّ جميع كياناتكم، وتقرّروا النزول إلى الساحة لأخذ جولةٍ على الجبهات على أقل تقدير.

علينا أن نسأل: ما هي البدائل لإنقاذ ما تبقى في حلب قبل فوات الآوان؟ فهل هناك فرصة أخيرة لتغيّر المعادلة أمام كلّ هذا النفاق الدولي؟

نعم هناك فرصة، جميعنا نعلم أنّ سقوط حلب ليست نهاية الثورة، ولكن حلب هي ليست الحجر، بل هي من يقطنها من أرواح البشر، فإن كانت القادة لا تستطيع حماية من تبقّى في حلب فعلينا إخراجهم بطريقةٍ أو بأخرى، وبعدها يجب النظر في إعادة ثورتنا إلى سيرتها الأولى.

========================

ثمن التنازل الأميركي عن حلب لروسيا .. غازي دحمان

الحياة

الثلاثاء 6/12/216

تبدل المناخ الذي قامت على أساسه القوتان العظميان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، باقتسام النفوذ في العالم، ولا يوجد مزاج عالمي اليوم يقبل بمثل هذه المعادلة الدولية، فضلاً عن أن المناخ الذي صنع تلك الواقعة تبدل بشكل جذري، وأي عودة إلى الخلف تستلزم هدم شبكات واسعة وبنى عميقة من التفاهمات والإجراءات والصيغ التي أسست لعالم ما بعد الحرب الباردة.

التبسيط المخل الذي رافق فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، والقائم على أساس أن أميركا في عهده سوف تتراجع عن حصصها العالمية لمصلحة قوى أخرى، ومن أبرز المرشحين لذلك روسيا بوتين، ليس سوى نتاج تحليل متعجّل يحاول التخلص من حمولات الأسئلة المتشابكة التي يطرحها واقع السياسة الدولية التي باتت تصعب قراءتها والولوج إلى أعماقها بواسطة المفاتيح القديمة التي تآكلت مسنّناتها بفعل التغيرات المتسارعة جداً في عالم اليوم.

لقد أظهرت الدراسات المعمّقة لظاهرة فوز ترامب وجود خلفية اجتماعية اقتصادية وسياسية عميقة ومتشابكة كانت وراء إفراز هذا المتغير، كما أثبتت تلك الدراسات أن الذين رجحوا فوز هيلاري كلينتون كانوا ينظرون إلى الواقع بشكل مسطح حجب عنهم رؤية التيارات المتحركة تحت ذلك السطح وفي عمق المجتمع الأميركي، وهذه التيارات هي بمثابة القوى والتوجهات الطالعة في أميركا والتي ستصبغ المجالات السياسية والاقتصادية بصبغتها لفترة قادمة، بمعنى أن ترامب سيكون رأس القاطرة وليس عابر سبيل.

تلك التيارات التي تشكل الروافع السياسية للمرحلة القادمة، والتي يمكن القول إنها المنتصرة، ليس بسبب فوز ترامب مرشحها، بل لأن لديها مشروعاً أميركياً واضحاً يقوم على استعادة هيبة أميركا ومكانة الرجل الأبيض واستعادة أدوات الإنتاج الأميركية المهاجرة. هذه التيارات تريد إعادة صياغة العلاقة الأميركية مع العالم على أسس غير تلك التي سادت وكانت موازينها مائلة لمصلحة الخارج، فليس صدفة إذاً أن تختار أميركا صانع صفقات ليقودها.

تكشف السيرة الشخصية لترامب، وكذلك سلوكه أثناء الحملة الانتخابية، أن الرجل لا يملك فكراً شمولياً إستراتيجياً بعيد المدى بمقدار ما يشتغل على تكتيكات مرحلية قصيرة كان لها الدور الأكبر في بروزه ووصوله إلى سدة الرئاسة، وكل تكتيك ينطوي على صفقة، وقد تعامل بهذا الأسلوب منذ ترشحه ضمن دوائر صغيرة في الحزب الجمهوري وصولاً إلى تعامله مع الولايات في كامل الولايات المتحدة.

وفقاً لذلك، فإن المرجح أن ترامب لن يذهب بعيداً في تحالفاته مع بوتين. بالأصل هما يتعارضان في الأسلوب، يطمح بوتين إلى صفقة شاملة مع أميركا تتسع لكل الملفات دفعة واحدة، وقد سعى لأن تكون سورية مفتاح تلك الصفقة، لكن إدارة أوباما قاومت هذا الإغراء لاعتبارات إستراتيجية بعيدة المدى، من ضمنها أنها لم تكن في وضعية خطيرة تجعلها تقبل بخيارات من هذا القبيل، على عكس روسيا المأزومة اقتصادياً وجيوسياسياً والآخذة وضعية دفاعية عن جغرافيتها والمتعجلة للخروج من هذا المأزق الوجودي.

ترامب ليس خارج هذا المشهد، ويدركه تماماً، غير أن الفارق هو في نمط التعاطي، الاتفاق الممكن مع روسيا في أي مكان هو الاتفاق الذي ينتج فوائد إضافية، لا توافقات من دون نتائج، هذه نظرية ترامب. مجال السياسة الدولية قابل للاستثمار والكسب، وترامب الذي لم يتردد في مطالبة حلفاء أميركا بأن يدفعوا مقابل تمتعهم بالحماية، لن يقدم خدمات مجانية لروسيا. الأرجح أنه الآن يضع خريطة مساحية لعقارات النفوذ الأميركي في العالم، ولن يكون بكرم إدارة أوباما، الانسحاب من مساحات كبيرة، كالشرق الأوسط، من دون أثمان.

تفسير سلوك ترامب في حلب يقوم على اعتبار التنازل عنها ضمن صفقة سيطالب بمقابل لها من بوتين. في كلامه أثناء المناظرة الانتخابية الأخيرة، قال إن حلب مدينة ساقطة، ما يعكس طبيعة تقديراته، وهامش المناورة الممكن بالنسبة إلى المدينة، وهو ما أثر على قراره بعقد صفقة حول حلب، لكن المؤكد أن ذلك لا يعني أن ترامب سيسلّم سورية لبوتين بسهولة، فلكل مقام أثمان، وأن يعقد صفقة حول أحياء في مدينة فإن سورية بجغرافيتها وحدودها وموقعها أكبر من أن تستوعبها صفقة سريعة.

ترامب ممثل لأيديولوجية أميركية صاعدة، تريد عودة الهيبة والنفوذ والثروة لأميركا، وهي لا ترى في روسيا حليفاً أو عدواً ولا حتى مجرد ند، وهي نظرة لا تشمل روسيا فحسب، وإنما تندرج على مجمل الأطراف الدولية الأخرى، ومقدار الفائدة المتحصل من تلك الأطراف هو ما يحدد مجال وقوعها في دائرة الأصدقاء أو الأعداء، والمؤكد أن روسيا لا يمكنها التكيّف مع الخيارات التي ستطرحها أميركا ترامب، وليس لديها ما تسيّله في بورصة أرباحها لا قبل حلب ولا بعدها.

========================

سوريا.. وصمة عار في جبين الإنسانية! .. خالد السليمان

عكاظ

الثلاثاء 6/12/216

يدرك الغرب أن أي محاولات في مجلس الأمن لوقف مجازر حلب ستصطدم بالفيتو الروسي، وبالتالي فإن أي تحركات لإصدار قرارات دولية لوقف الأعمال القتالية في حلب وسوريا ليست أكثر من مواقف سياسية تمارسها الحكومات الغربية لذر الرماد في العيون والتنصل من مسؤولياتها تجاه حرب الإبادة التي تمارس ضد المواطنين السوريين في سوريا على يد نظام مجرم وميليشيات أجنبية إرهابية ودولة كبرى متجردة من كل أخلاقيات حقوق الإنسان!

إذا كان الغرب جادا في وقف حرب الإبادة ومساعدة الشعب السوري فإن الطريقة الوحيدة المؤثرة هي العمل لتمكين الشعب السوري من امتلاك القدرة على الدفاع

عن نفسه، وأضعف الإيمان السماح لأصدقاء الشعب السوري بمده بالسلاح النوعي القادر على تعديل موازين القوى المختلة منذ ألقت روسيا بثقلها خلف النظام السوري وتدخلت عسكريا لحمايته من السقوط ومساعدته على إبادة المعارضين لسطوته!

الغرب الذي يمارس نفاقا فاضحا في الأزمة السورية أيضا لم يتحرك لمنع إيران من إرسال المزيد من قواتها النظامية وميليشياتها الطائفية وقوات مرتزقتها، وكان من الممكن لو توفرت الجدية لجم التدخل الإيراني بذرائع وحجج مشروعة عديدة منها عدم توسيع دائرة الصراع والطابع الطائفي للتدخل الإيراني!

سوريا ستكون وصمة عار في جبين الشرق والغرب، بل في جبين الإنسانية، وسيلعن التاريخ من لم يكتفوا بالتخلي عن سوريا بل وتاجروا بأزمتها إنسانيا وسياسيا، وباعوا أرواح رجالها ونسائها وشيوخها وأطفالها للشيطان!.

========================

ولن يرضى عنكم لافروف.. وروسيا وقعت في فخ حلب .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 5/12/2016

ولن يرضى عنكم لافروف.. وروسيا وقعت في فخ حلبولن يرضى عنكم لافروف.. وروسيا وقعت في فخ حلب

كل المؤشرات تشير إلى أن بعض الثوار بدأ منذ وقت ليس قصيراً بالتحضير لمرحلة ما بعد سقوط حلب، حين بدأ بالاستعداد لحرب عصابات طويلة الأمد، وقد بدأ ذلك تحديداً منذ الغزو الروسي للشام في سبتمبر من العام الماضي، حين أدركت هذه الفصائل أن الحرب قد تطول وأن فترة الاحتلال في الغالب تتراوح بين 8-12 سنة، ومع الجهد الأكبر الذي وضعته روسيا بالتنسيق مع الحثالات الطائفية الأجنبية بقيادة إيران في حلب فإن روسيا سعت في وسط معركة المدينة إلى البحث عن حل سياسي قبل أن تقع الفأس بالرأس، فحذرها بشكل مباشر الوسيط الدولي ستيفان ديميستورا من ورطة أفغانستان...

إن كان العقل الأميركي مسكونا بالمرض الفيتنامي، فإن العقل الروسي على الأقل الباطن منه مسكون بالمرض الأفغاني، ولذا فهي تسعى إلى التحلل منه، فتظن روسيا أنها بغزوها للشام، ستتحلل من هذا المرض، لكن الواقع والتاريخ يصرخان بضد ذلك..

فاحتلال روسيا لمدنية حلب مع طرد أهلها الأصليين وجلب كل الحثالات الطائفية المجرمة من أفغانية وباكستانية ولبنانية وعراقية وإيرانية، يساعدها في ذلك تبدل الأولويات التركية على ما يبدو، إذ بدا أن تركيا تتخلى شيئاً فشيئاً عن المظلة الأميركية والأطلسية التي احتمت بها لعقود لتلجأ إلى المظلة الروسية، والتي سمحت لها بمقاتلة غلاة الأكراد في الشمال السوري مع منطقة محددة جغرافياً ولكن حين أرادت تركيا التوسع إلى الباب وهدد رئيسها رجب طيب أردوغان بأن قواته في سوريا من أجل خلع رئيس العصابة الطائفية بشار الأسد سارعت موسكو إلى طلب توضيح منه على هذه التصريحات فصححها بقوله إن قواته من أجل مقاتلة الإرهابيين وفقط.. لكن من يقرأ التاريخ والواقع يجزم أن هذا ليس هو سيرورة الأحداث وأن الثورات التي تعرضت في مجملها لانتكاسات لا يمكن لها إلا أن تصل إلى نتيجتها المنطقية وتكنس كل من وقف بصفها، ولعل هذا ما يؤكده تقرير الأمم المتحدة الذي توقع ثورة جديدة للربيع العربي..

لافروف التقط رأس الخيط الذي سلمه إياه الوسيط الدولي ديميستورا حين دعا إلى خروج مقاتلي فتح الشام من حلب مقابل وقف التدمير الروسي للمدينة، فكرر دعوة ديميستورا، وكأن الأخير يعمل موظفاً في الخارجية الروسية، ولكن سريعاً ما انقلب لافروف على طلبه هذا برفع السقف فطالب بخروج كل المسلحين من المدينة وهو الأمر الذي رفضته الفصائل جميعاً، لكن هذا التطور الخطير سيعني بالتأكيد حرباً مدمرة وطويلة الأمد في مدينة حلب، وهو ما يعني عملياً تحول الحرب إلى حرب عصابات طويلة الأمد ضد القوات الروسية المحتلة وهو ما تخشاه روسيا كونها ستكون أكثر الدول مرشحة لتصنيفها كقوة احتلال ما دام الغزو الإيراني يتلطى وراء مليشيات طائفية ووراء المحتل الروسي الذي يتصدر الدفاع عن الطائفيين في المحافل الدولية وتحديداً في مجلس الأمن الدولي...

تحول الجماعات الجهادية إلى حرب عصابات سيعني بالضرورة تراجع قبضة الداعم التركي وغير التركي على هذه الجماعات والتي سيكون لها استقلالية أكبر في قرارها العسكري والسياسي وهو ما قد يطرح ديناميكية جديدة للصراع في سوريا لم تتوقعه القوى الدولية والمحلية..

الظاهر أن روسيا لم تعتبر حتى الآن من الدرس الأفغاني لها وللأميركيين، ولم تعتبر من الدرس العراقي للأميركيين أيضاً وظنت أن الدرس الغروزني هو الذي يمكن استنساخه في سوريا، وجهلت أو تجاهلت أن سوريا ليست غروزني والدليل على ذلك هو انتفاضة الشعب السوري من أقصى الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق والدليل على ذلك أن سوريا ليست حلب هو سيطرة شاسعة للمجاهدين والثوار في الجنوب السوري والشمال وإدلب وحمص وحماة وغيرها من المناطق الشاسعة، كما أن الدرس الأفغاني بالنسبة للقوات الأميركية كان واضحاً فحين سيطرت واشنطن على كابول عام 2001 وخالت أنها أنهت الحرب كانت النتيجة حرب عصابات كلفتها الآلاف من القتلى وعشرات المليارات من الدولارات ولا تزال، وهو ما تكرر تماماً عام 2003 يوم أسقطت صدام حسين ولا تزال تداعيات ومفاعيل الحربين متواصلة، والشام لن تكون إلا كابوساً حقيقياً للروس وغيرهم والأيام بيننا...;

========================

صعود اليمين الغربي والقضية السورية .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 5/12/2016

قد يبدو مستغربا ربط صعود اليمين الغربي إلى السلطة بالقضية السورية، ولهذا الاستغراب ما يبرره، إذا نظرنا إلى القضية السورية باعتبارها مسألة منفصلة عن السياسة الدولية، أو اعتبرناها تفصيلاً صغيرًا في سياسة، تباشرها حكومات تلك البلدان، والتي غالبًا ما انتمت إلى الوسط ويمين الوسط في العقود الأخيرة، وأثبتت في خلالها فشلاً ذريعًا في نتائجها، وكان من أبرز ملامحها تهميش دور الديمقراطيات الغربية الأميركية – الأوروبية في قيادة العالم، لصالح نجاحات حققتها دول وقوى متطرفة في مستوى الأقاليم الرئيسية في العالم مثل روسيا في أوروبا وإيران في الشرق الأوسط وكوريا الشمالية في جنوب شرقي آسيا، وسط تساهل، وأحيانًا تواطؤ غير منظور وغير مباشر من بعض حكومات الدول الغربية، مما أدى إلى تغيير في توازنات إقليمية ودولية، أبرزها ما حدث في منطقتين مهمتين هما الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا، وقد كانتا طوال عقود ماضية مسرحًا في الصراع الدولي، وخاصة في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق والغربي بقيادة الولايات المتحدة.

وللحق فإن النهج المخرب للديمقراطيات الغربية في ميدان السياسة الخارجية وما جره من خسارات عليها ولحلفائها في الأقاليم الرئيسية، هو ذاته النهج الذي سارت عليه في تعاملها مع السياسات الداخلية، ومنها قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، واندماج المهاجرين، والعنصرية المتصاعدة ومواجهة تصاعد الإرهاب والتطرف.

ووسط لوحة خراب سياسة الديمقراطية الغربية لحكومات الوسط ويمين الوسط، يمكن تجاوز استغراب ربط القضية السورية بصعود اليمين الغربي إلى سدة السلطة في بريطانيا في ضوء تولي تيريزا ماي رئاسة الوزارة البريطانية بدلاً من ديفيد كاميرون خريف العام 2016، رغم انتماء الاثنين إلى حزب المحافظين، ثم في صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية مع مطلع العام 2017، بالتزامن مع صعود نجم مرشح الرئاسة الفرنسية فرنسوا فيون الذي سيحل في قصر الإليزيه في ربيع العام 2017، وسط تقديرات بتحول الرئاسة الألمانية نحو اليمين مع احتمالات مجيء حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني لاحتلال مركز المستشارية الألمانية.

انعكاسات التحول لليمين في العالم الغربي على القضية السورية، ستكون جزءًا من عملية "تصحيح" السياسة الغربية سواء في مساراتها الداخلية أو الخارجية، ولأن القضية السورية جزء من الأخيرة، فإنها ستكون في إطار "التصحيح" الذي يعني في أول ما يعنيه، الخروج من سياسات من سبقهم من زعماء، قادت سياساتهم السورية إلى تكريس الصراع في سوريا، بل إلى إحداث تحولات عميقة فيه، كان الأبرز فيها، تحويل القضية السورية من قضية شعب، ينهض في وجه الاستبداد والديكتاتورية، والمطالبة بالحرية إلى حرب على الإرهاب، ومن العداء لنظام رسخت تلك الدول، حقيقة، أنه من بين خمسة أنظمة في العالم، دأبت على دعم الإرهاب، إلى نظام يحارب الإرهاب بالشراكة مع قرينه نظام الملالي في إيران، وكله ترافق مع دفع تحول ثورة السوريين من ثورة وطنية ديمقراطية إلى نشاط لجماعات إسلاموية.

وسط هذه التحولات، لا يمكن وجود تصور سياسة، يمكن أن تجعل القضية السورية أسوأ مما صارت إليه، وقد غدت بما نجم عنها من نتائج على الصعيد الإنساني بمثابة كارثة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، طالت أكثرية السوريين، وبين تعبيراتها قتل واعتقال واختفاء وتهجير وتشريد أكثر من عشرة ملايين سوري، وتدمير قدراتهم الفردية والاجتماعية، إضافة لما ترتب على دول الجوار والأبعد منها من تداعيات بينها موجات هجرة ولجوء ومساعدات، وخروقات للأمن وتصاعد للإرهاب نتيجة تداعيات الوضع السوري، وكلها مهمات ستكون في أولويات الموجة الجديدة من قادة الدول الغربية، التي وإن أبدى بعضهم موقفًا "منفتحًا" على نظام بشار الأسد في إطار تخوفه من جماعات التطرف والإرهاب، فإن أغلبهم، وضع مؤيدي نظام الأسد وداعميه من الإيرانيين والروس في مقدمة خصوماتهم السياسية المقبلة، وهذا سوف ينزع حماية الإيرانيين والروس لنظام بشار الأسد، ويجعل سقوطه أمرا ممكنًا.

إن التخوفات السائدة من صعود اليمين إلى السلطة في بلدان الديمقراطيات الغربية، تبدو تخوفات غير طبيعية ولا منطقية، بل هي بين الأخطاء في مدرسة التحليل والتفكير السائدة، والتي كان بينها استبعاد وصول ترامب في الولايات المتحدة وفيون في فرنسا إلى سدة السلطة، وقد ثبت بطلان تلك التقديرات، والتي توازي في نتائجها تقديراتهم في أن سياسات قادة اليمين الغربي على القضية السورية وعموم قضايا الشرق الأوسط، ستكون أسوأ من سابقيهم، وللحق، فليس هناك سياسة أسوأ من سياسات سابقيهم في عجزها وتفريطها وتهاونها ومسايرتها لأنظمة مارقة وقاتلة ومستبدة، تجاوزت القوانين الدولية والقيم الإنسانية، وخلفت كارثة إنسانية عميقة، ووضعت الشرق الأوسط والعالم على حافة حرب، لا يمكن تقدير نتائجها إذا اندلعت.

========================

في مشكلات الثورات المسلحة ومآلاتها المأساوية .. ماجد كيالي

الحياة

الاحد 4/12/2016

فيما المعركة تدور على حلب التي تقصف بوحشية بالصواريخ والبراميل المتفجرة لفرض الاستسلام على فصائل المعارضة المسلحة، أو تعريض سكانها للقتل والتشريد مع تدمير عمرانها، ثمة محادثات تدور بين ممثلين عن الفصائل العسكرية مع مسؤولين روس برعاية تركية، في أنقرة، وأخرى تجري بين موفدين أميركيين وروس في جنيف، في حين أن كل ذلك لم يمنع الفصائل من التنازع والتقاتل، على رغم الحديث عن توحيد فصائل بما سمي "جيش حلب".

اللافت أن كل الأطراف تتصرّف وكأن مصير الصراع السوري سيتقرّر في حلب، وضمنه مصير ثورة السوريين، فيما يتم التلويح من روسيا باعتماد نموذج "داريا"، أو "غروزني"، في حين أن الواقع يفيد بأن النظام لا يملك من أمره شيئاً تقريباً، لا في حلب ولا في غيرها، وأنه لولا الدعم الروسي السياسي والعسكري (لم يكفه الإيراني ولا ميلشيات حزب الله وأبو الفضل ونجباء وفاطميون) لما بقي له شيء، بغض النظر عن مآلات الثورة السورية، بما لها وما عليها.

ثمة أسئلة عدة تطرح نفسها هنا، ومثلاً، هل كانت الفصائل العسكرية التي طالما تحدثت عن اقتراب إسقاط النظام، وعن ساعة "صفر" في دمشق وفي حلب، وعن "ملحمة" هنا وهناك، تدرك ما تقوله حقاً؟ ألم تكن هذه الفصائل تعي حدود قدراتها التسليحية، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بما بات يعرف كـ "مناطق محررة" سيما بعد دخول روسيا كطرف مباشر في الحرب؟ ثم إذا كانت تدرك هذا وذاك فلماذا وقعت في هذا الفخّ؟ ألم يكن الأجدى لها انتهاج استراتيجية عسكرية تتناسب مع قواها وتجنّب أهل حلب هذه المعاناة التي لم تخدم إلا النظام؟ أيضاً، لماذا ذهبت الفصائل العسكرية إلى المفاوضات مع الطرف الروسي ولم تفعل بنفسها ما ينبغي عليها فعله قبل الوصول إلى هذه الحال الكارثية؟ وأين هو "الائتلاف الوطني"، الكيان السياسي للمعارضة من هذه المفاوضات؟ ثم هل كانت الفصائل العسكرية لتسكت عن قيام أي طرف معارض بمفاوضات مع روسيا وهي تقتل وتدمر السوريين؟

ليس الغرض من هذه التساؤلات تسجيل مواقف، أو التقليل من شأن تلك الفصائل، وتضحيات منتسبيها، لكن الغرض منه التوضيح أن هذه المآلات كانت نتيجة لعدم إدراك الواقع، والمبالغة بالقدرات، وتجاهل العالم، وتغليب العواطف، وغياب استراتيجية عسكرية ملائمة وممكنة، وعدم ربط الصراع العسكري بالصراع السياسي، والتوضيح أيضاً أن العامل الخارجي بات هو المتحكّم بالصراع السوري أكثر من النظام وأكثر من المعارضة وفصائلها المسلحة.

الخطأ القاتل الذي يمكن ارتكابه هنا هو تقديس العمل المسلح، أو وضعه خارج النقد، كما في الحالة الفلسطينية، في حين أن الثورات، بخاصة المسلحة منها، تفترض هذا النقد لترشيد أوضاعها، وتقليل الأثمان الناجمة عنها، ولتحقيق الإنجازات بأفضل ما يمكن، ناهيك بأن الثورات تتأسس أصلاً على تحرير العقل وضمنه تحرير السياسة وجعلها ملكاً عاماً للمجتمع.

أيضا، ليس الغرض من التساؤلات الإيحاء بطلب ثورة جاهزة، وفقاً لمواصفات نمطية، على المسطرة، فهذا كلام غير واقعي، إذ تأتي الثورات على شكل انفجارات مفاجئة وعفوية، لا يمكن التحكّم بها ولا هندستها، ومع تداعيات سلبية أو إيجابية لا يمكن توقّعها تماماً.

بيد أن ما ينبغي إدراكه أن الأمر مع الثورات المسلحة مختلف تماماً، إذ هكذا ثورات تطول كثيراً، من الناحية الزمنية (الجزائرية والفلسطينية مثلاً)، لذا فهي تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، مالية وتسليحية وتسهيلات لوجستية، ما لا يمكن توفيره ذاتياً في مجتمعات فقيرة ومسيطر عليها، إذ هذا الشكل من الصراع يحتاج إلى دعم خارجي، من دولة أو دول عدة. فوق ذلك فإن هكذا ثورات تحتاج إلى إعمال التفكير والتدبير لتقليل أثمانها، على فرض الوصول إلى الهدف بأقرب وقت وبأفضل شكل ممكن.

على ذلك فإن الكلام عن الحركات المسلحة بوصفها ثورات هو كلام مجازي، سواء كانت من أجل التحرر الوطني (كالفلسطينية والجزائرية مثلا)، أو معارضة تستهدف تغيير النظام كمثل الحالة السورية، ذلك أن هذه الحركات يفترض أنها تتطلب أرقى أشكال التنظيم والوعي والإدارة، كونها تحتاج إلى استعدادات وتأهيلات من نوع خاص، كما ذكرنا.

في الحالة السورية نشأت ظاهرة الفصائل المسلحة، منذ البداية، ليس كنتاج للمعارضة السياسية، ولا بفضل الحراكات الشعبية في المجتمع السوري، ولا على أساس الإمكانات الذاتية، وإنما بفضل التشجيع والدعم الخارجيين، ونحن هنا لا نقصد ظاهرة "الجيش الحر" ولا الجماعات الأهلية التي تسلحت للدفاع عن القرى او بعض أحياء المدن، وإنما عن الفصائل المسلحة، ذات الطابع الأيديولوجي، التي بلغ عددها العشرات، من دون ان يكون لها مرجعية واحدة، ومن دون أي تنسيق في ما بينها، والتي اشتغل معظمها كسلطة في "المناطق المحررة"، وبالمنازعات الجانبية مع الفصائل الأخرى، إلى درجة التقاتل تحت أنظار النظام، وعلى مقربة من جبهاته، وهذا حصل أخيراً في الغوطة الشرقية لدمشق وفي حلب تحت الحصار والقصف.

أيضاً، مع ارتهان الفصائل للدول الداعمة، وضبط حركتها على إيقاع هذه الدول السياسي والتسليحي، والارتباط بأجندتها، على حساب اجندة السوريين، فإنها لم تراع ولا مرة امكانياتها المحدودة، ولم تدرك تماماً الحدود التي يسمح لها النظام الدولي بالوصول إليها، ما أدى بها إلى استنزاف قواها، وتالياً إدخال الثورة، وشعبها، في معارك فوق طاقتها وقدرتها على التحمل، ناهيك أن ذلك سهّل على النظام، تحويل ما اعتبره بيئات حاضنة للثورة إلى حقل رماية لمدفعيته وطائراته، ودفع السوريين إلى التشرد واللجوء.

المشكلة أنه لا توجد للثورة السورية أية مرجعية من التجارب التاريخية، فقادة الفصائل العسكرية يتصرفون في الغالبية بطريقة عنجهية غير مسؤولة، وتغلب عليهم النظرة العاطفية والقدرية، وكل ذلك لا ينفع في الصراعات المسلحة، التي تحتاج إلى إمكانات، وإلى ظروف دولية وإقليمية وعربية مساندة. بل إننا شهدنا بأن هذه الفصائل فعلت كل ما بوسعها لخدمة النظام، بخطاباتها الطائفية والدينية المتعصّبة والمتطرّفة، وبتخلف إدارتها للمناطق المحررة، وبانزياحها عن الأهداف الأساسية للثورة، والمتعلقة بإنهاء الاستبداد وإقامة دولة مواطنين أحرار ومتساوين في نظام ديموقراطي.

لم يدرك قادة هذه الفصائل أنه من دون استثمار العمل العسكري في السياسة سيؤدي ذلك إلى تبديد التضحيات، وأن موازين القوى أمر مهم في الصراعات العسكرية وأن هذه لا تحصل بالعواطف والروح القدرية التي لا تستطيع شيئاً أمام البراميل المتفجرة ولا أمام الصواريخ الفراغية والارتجاجية، كما لم يدركوا أن الثورات المسلحة عبر التاريخ لم تنتصر إلا لأن العامل الدولي لعب دوراً كبيراَ في انتصارها، وهذا أكثر ما ينطبق على الثورة السورية.

ينبغي هنا طرح الأسئلة من دون حرج، فكيف تأنّى للثورة السورية تغليب العمل المسلح، من دون استعدادات ذاتية، ومن دون إمكانات، ومن دون تطور في فعاليات الثورة، التي لم تستطع حتى الآن تنظيم عصيان مدني؟ ثم كيف أمكن الاستمرار على ذات الطريق على رغم خسارة منطقة تلو الأخرى، وعلى رغم تشرّد ملايين السوريين، وتبيّن محدودية الدعم الدولي وانكشاف ما يسمى معسكر "أصدقاء سورية" مع تلاعباتهم وتبدّل مواقفهم؟ والمعنى أن الثورات ليست مجالاً للهواة والمغامرين، وليست سياحة ولا حلماً ثورياً، لاسيما أن للثورات العنيفة والمسلحة أثمانها الباهظة وتداعياتها الكارثية والسلبية على المجتمع المعني حتى لو انتصرت.

الثورة السورية النبيلة والمستحيلة واليتيمة والشجاعة هي الأكثر شرعية وصعوبة وتعقيداً بين مجمل ثورات الربيع العربي، بما لها وما عليها، مع ذلك يفترض إدراك أن الثورات قد تنتصر وقد لا تنتصر، وقد تنحرف، أو قد تحقق أهدافها جزئياً، كما قد تدخل في مساومات، لكنها مع كل ذلك تكون فتحت الطريق للتغيير، فالماضي لا يمكن أن يعود، وأثمان الثورات باهظة جداً جداً، لكن التاريخ يعمل على هذا النحو وليس على نحو ما نشتهي.

========================

ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب: تقرير التنمية الإنسانية العربية 2016 .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 4/12/2016

ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب: تقرير التنمية الإنسانية العربية 2016 الجزء الأول من العنوان أعلاه جزءٌ من حديث نبوي يتحدث عن بعض مؤشرات نهاية الزمن، ولئن كان هذا المقالُ يُحاول مقاربة الموضوع من زاويةٍ أخرى، ثمة دلالات سريعة في روايته تستحق الإشارة إليها، فابنة الرسول الكريم، زينب، تسأله بعدها: "يارسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟"، لتكون الإجابة بعدها: "نعم، إذا كثُر الخبث"، ويتابع شارحو الحديث دائمًا بالقول: إن الخبث هنا يعني الكثرة في الشرور والمعاصي، مع ذكر الحديث الآخر: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يُغيّروه أوشك أن يَعمَّهم الله بعقابه"، ويختمون الشرح بالإشارة إلى آيةٍ قرآنية تتحدث عما أصاب بني إسرائيل تاريخيًا حين (كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه).

ليس هذا مقام الحوار في المعاني التقليدية للشرور والمعاصي، ويكفينا الاتفاقُ مع رؤيةٍ إسلاميةٍ تحترم قوانين الوجود الاجتماعي، وتؤمن بعالم الأسباب، وتربط المقدمات بالنتائج احترامًا لكرامة الإنسان وعقله، وتأكيدًا لمنطق العدل في حياة البشر من جميع الأنواع والأجناس.

منذ أيام، صدر عن الأمم المتحدة (تقرير التنمية الإنسانية العربية 2016)، يتعلق الأمر في الحقيقة بتقريرين، الأول عام ومختصر، أما الثاني، الأكثر خطورةً، فَمْطوَّل (أكثر من 240 صفحة)، وبعنوان فرعي: (الشباب وآفاق التنمية في واقعٍ متغير)، قدّمت بعض الصحف والمواقع الغربية والعربية ملخصًا، لكن دراسة التقرير كاملاً، وبشكلٍ دقيق، ضرورةٌ استثنائية لكل مُهتمٍ بواقع العرب ومستقبلهم، أفرادًا وشعوبًا وحكومات.

المجال محدود، فنكتفي ببضع أرقام وفقرات مُعبِّرة، يفهم الألبابُ دلالاتها بالإشارة.

شباب العرب بين عمر 15- 29 يُمثِّلون 30٪ من السكان، أي قرابة 105 ملايين شاب عربي، وعام 2014 كان معدل البطالة بينهم 30٪، أكثر من ضعف المتوسط العالمي البالغ 14٪.، وجميع المؤشرات تؤكد عجز الاقتصادات العربية عن توليد 60 مليون وظيفة مطلوبة إلى عام 2010.

للمفارقة، يقول التقرير: "مع أن المنطقة كانت إلى ما قبل قرن سوقًا مشتركة تحت العثمانيين، من الأسهل الآن على رجال الأعمال والطلبة الحصول على فيزا إلى أوروبا منها إلى العديد من الدول العربية، مع أن إنشاء اتحادٍ جمركي وتسهيل العبور بين دول المنطقة يمكن له أن يرفع ناتجها القومي بمقدار 760 مليار دولار"، وهذا واحدٌ فقط من عشرات الإجراءات الممكنة، لو توافرت نية الإصلاح وإرادته في المنطقة.

لكن هذا لا يحصل، من هنا لا يعود مستغربًا أن يُشكِّلَ العرب فقط 5٪ من سكان العالم، وبالمقابل، يَشهد عالمهم 45٪ من أحداثه الإرهابية، و68٪ من قتلى الحروب في العالم، و47٪ من المهجرين الداخليين فيه، و58٪ من المهجرين منه.

وفي ملاحظة قائمة على التحليل، يلاحظ التقرير أن الشباب العرب انتفضوا في أعوام 2001 و2006 و2011، وأن كل انتفاضة كانت أعنف من سابقتها، محذرًا حسب المعطيات أن الانتفاضة القادمة قد تكون قريبة، يُبرر هذا أحمد الحناوي، مبعوث الأمم المتحدة للشباب في المنطقة حين يعلق قائلاً: "نحن (في المنطقة) أسوأ حالاً بكثير مما كان عليه الوضع قبل الربيع العربي"! ومع الانسداد الكامل لأفق الإصلاح الاقتصادي والسياسي والمشاركة بكل أنواعها في صناعة مستقبله، وانعدام الأمل بكل ذلك، يصف التقرير الشباب العربي بأنه "ربما بدأ يفضل وسائل أكثر مباشرةً وعنفاً".

قد يحاول بعض العرب، من صُناع القرار، تجاهل هذا الواقع، لكنه موجود، وربما يفضل بعضهم الآخر عدم سماع هذه الأرقام، لكنها ظهرت وباتت معروفة، وستفرض تأثيرها في الواقع، فماذا ينتظر هؤلاء؟.

رغم هذا، تأتي المفارقة الكبرى حين يؤكد التقرير "أن الغالبية الساحقة من الشباب في المنطقة العربية ليس لديها الرغبة في الانخراط في جماعات أو أنشطة متطرفة أو عنيفة، كما أنهم ينبذون العنف ويعتبرون الجماعات المتطرفة جماعات إرهابية". لكنّه يلاحظ "أن الأقليةَ التي تتبنى العنف، وتُقبل على المشاركة في جماعاته التي تدّعي النضال من أجل التغيير، قد تزايدت أنشطتها"، رأينا عمليًا كيف أن هذ الأقلية يمكن أن تُحدث فوضى عارمة، لكن توصيف الأكثرية يدفعك لتقدير وعي الغالبية العظمى من شباب العرب، وصبرهم، رغم كل هذا الواقع البئيس، إلى حين.

هكذا، يُذكّرنا التقرير أنه في شهر ديسمبر من عام 2010، قبل شهر من انطلاق الثورة المصرية، ناقشت الحكومة المصرية، آنذاك، تقريراً عن شباب البلاد واستنتجت، بعد دراسةٍ مطولة، إمكان تلخيص وضعهِ في كلمةٍ واحدة: "جيلٌ لامُبالٍ"! بعد أسابيع تدفق الملايين منهم في الشوارع والميادين، وكان ما كان، مما أصبح تاريخًا، يقول تقرير الأمم المتحدة: "إن العرب لا يتعلمون من دروسهم".

========================

ما بعد حلب وتنافس الحلفاء .. وليد شقير

الحياة

السبت 3/12/2016

وحدها حلب المنكوبة لا تنتظر دونالد ترامب مثلما يفعل سائر قادة العالم الذين يترقبون أن تتضح سياسات الرئيس الأميركي وتركيبة إدارته لقراءة توجهاته.

على العكس، المطلوب حسم المعركة في العاصمة الاقتصادية لسورية، قبل تسلم ترامب مهماته في 20 كانون الثاني (يناير) لتصبح السيطرة عليها من تحالف روسيا -إيران – بشار الأسد والميليشيات المتعددة الجنسية أمراً واقعاً في أي تفاوض مفترض مع البيت الأبيض، يتجاوز اتفاقات هشة صاغها جون كيري مع سيرغي لافروف على وقف الأعمال العدائية، وتأمين المساعدات للمحاصرين. فهؤلاء نزحوا، إما إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام ليمارس عليهم أبشع أنواع الابتزاز، أو إلى المناطق التي تسيطر عليها "قوات سورية الديموقراطية" المدعومة من واشنطن والتي ساهمت مع النظام في حصار المدينة منذ أشهر، أو إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات "درع الفرات" التي ترعاها أنقرة في الشمال، حيث ضمنت منطقة "آمنة" لقطع التواصل بين المنطقتين اللتين تتواجد فيهما القوات الكردية.

كذّبت الحقائق حديث ستافان دي ميستورا عن خلاف مزعوم بين فلاديمير بوتين والأسد، بأن الأول لا يريد تدمير حلب والثاني ينوي اقتحامها. يكفي ابتهاج الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشنيكوف بأن "الجنود السوريين تمكنوا من تغيير الوضع على الأرض في شرق حلب في شكل كبير بفضل العمليات المخطط لها بتأنٍ وفي شكل جيد جداً"، من أجل الاستنتاج أن موسكو تقول شيئاً وتفعل نقيضه. فهي التي نفذت قبل شهر حملة قصف هستيري على المدينة لإخراج المستشفيات كافة ومراكز الإغاثة من الخدمة، وإنهاك سكانها والمعارضة تمهيداً لاقتحامها من القوات الأسدية والإيرانيين والميليشيات، ولتفريغها من المدنيين. تضفي موسكو في كل مرحلة من الحرب التي انخرطت فيها منذ صيف 2015 طابعاً إنسانياً على دورها فترعى التهجير تحت عنوان فتح الممرات لتوصيل المساعدات إلى النازحين الذين سبق أن قتلت منهم قذائفها الارتجاجية الآلاف.

وهي استفادت من اتفاقها مع تركيا التي طلبت من مقاتلي المعارضة الانسحاب من بعض شرق حلب.

يكفي النظر إلى المناطق التي توزع عليها عشرات آلاف النازحين من نصف شرق حلب الذي احتله النظام، للاستنتاج أن هؤلاء باتوا رهينة تقاسم نفوذ على أرضهم بين النظام وتركيا والأكراد، فيما جزء كبير من المواطنين السوريين في ضواحي دمشق نقلوا إلى إدلب ليكونوا تحت نفوذ "جبهة الفتح" و "فتح الشام" (النصرة)، وقد ينضم إليهم بعض من بقي في شرق حلب الذي ينوي النظام احتلاله، قبل 20 كانون الثاني تمهيداً لجعل إدلب غروزني أخرى.

اكتمال تقاسم النفوذ ينتظر معركة مدينة الباب التي تتنافس عليها تركيا مع القوات الكردية، المدعومة أميركياً من جهة، والتي تنسق حركتها الميدانية مع نظام الأسد، من جهة ثانية. فتحرير الرقة من "داعش" مدخله الإمساك بالباب. إلا أن إنهاء "داعش" في الرقة بات الموضوع الذي تنتظر موسكو المساومة عليه مع ترامب الذي يعطيه الأولوية على أي أمر في سورية. آخر همّ ترامب مصير الأسد والمعارضة وحلب. أما روسيا فتترك القضاء على "داعش" في الرقة، للمقايضة مع الإدارة الأميركية، لأن همها تكريس أحادية إدارتها بلاد الشام عسكرياً وسياسياً والتحكم بمصير النظام. ويتقدم لدى الكرملين إنهاء وجود المعارضة في إدلب، على إنهاء "داعش" في الرقة.

في انتظار ترامب، أخذت تظهر بوادر التنافس بين الحلفاء على جثة سورية المفككة، تحضيراً لمرحلة ما بعد حلب، فيما تقف دول الغرب صفر اليدين حيال ما ستكون عليه خططها بعد انتصار النظام.

النظام يسعى إلى توحيد ما تبقى من ميليشيات ترك لها مهمات النهب والقتل العشوائي، في "الفيلق النوعي" الجديد، مع رواتب خيالية لزيادة عديد قواته حتى يتمكن من بسط سيطرته على أراض حررها الإيرانيون وحلفاؤهم، وسط تبرم من أخذ "حزب الله" راحته في التمدد وإقامة العرض العسكري في القصير.

موسكو استبقت إمكان إعادة إعمار بعض المناطق التي عادت إلى كنف النظام باتفاقات مع الدولة السورية على امتيازات في قطاعات النفط والغاز والنقل والمياه، لتضمن أي عقود عن طريقها مستقبلاً.

إيران تواصل شراء العقارات في سياق استحداث خريطة ديموغرافية جديدة، وتثبيت انتقال عائلات حصلت على الجنسية السورية في مناطق محاذية للبنان وفي محيط دمشق.

المسرحية المبكية المقبلة، قد تكون تشكيل موسكو حكومة جديدة للإيحاء بأنها تهيّء لحل سياسي، بعيد المنال.

========================

حلب: الاستثناء مقدمة للقاعدة .. حسام عيتاني

الحياة

السبت 3/12/2016

تطلب وسائل الاعلام منا، نحن المشاهدين العاجزين، ألا نهتم كثيراً بالصور الفظيعة التي تنقلها لنا من حلب. جثث الأطفال الذين تبرز أطرافهم من تحت الانقاض او النازحين المدنيين المقتولين قرب حقائبهم الحزينة على نواصي الشوارع المدمرة، ليست آخر الدنيا. بل هي ثمن التخلص من إرهابيين اتخذوا هؤلاء الضحايا رهائن على مدى أعوام وبالتالي يجب أن يلام الإرهابيون على الموت المشهدي لأهالي حلب.

لا تفعل الطائرات الروسية وبراميل بشار الأسد وقناصو "حزب الله" إلا تقريب ساعة الخلاص الحقيقي من قبضة الإرهاب "الداعشي- القاعدي". لقد اقتنع الجميع ان نظام الأسد حقق انتصاره على الهجمة الكونية ولا بأس من بعض الألم المتداول في الاعلام الاجتماعي وصور أطفال بمعاطف حمراء تخفي لون دمهم على حصى الشارع، ليدرك العالم حجم الخدمة التي تسديها موسكو وطهران ودمشق له بتخليصه من وحوش الإرهاب هؤلاء.

تحضر الى الذاكرة هنا جملة للمفكر الفرنسي الراحل جان بودريار: "تُقدم ديزني لاند لنا على انها مكان خيالي لاقناعنا أن باقي العالم حقيقي". لعبة مشابهة يلعبها إعلام فلاديمير بوتين وعلي خامنئي وبشار الأسد: حلب هي الاستثناء، اما باقي العالم فينعم بالسلام والأمن بفضل الجهود التي نبذلها في حلب، المكان المتخيل، لابقائه كذلك، بعيداً منكم حيث يعجز إرهابيوه عن إلحاق الأذى بكم. ونأسف انكم تنزعجون من صور الدماء والدمار ولعلنا قصفنا مستشفى او اثنين وقتلنا طفلاً او عشرة، لكن انظروا الجانب المقابل: انكم تجلسون في غرفكم تشاهدون التلفزيون. لعلكم تحزنون او تغضبون. لا بأس. سنتحمل نزقكم من أجل مصلحتكم التي لا تعرفونها كما نعرفها نحن.

ديزني لاند العالم المعاصر، حلب، يجب ان تقنعنا انها تموت ثمناً لرفاهيتنا. ومثلما ديزني لاند هي المكان الذي تدور فيه احلامنا ونشاهدها ونحن مدركون انها مجرد احلام، سنخرج منها بعد جولتنا المدفوعة سلفاً الى "العالم الواقعي" حيث التفاصيل اليومية الرتيبة، كذلك حلب. ستنتهي قريباً هذه المجزرة ونعود الى امننا الذي ندين به لمن استبق تمدد الإرهاب وحاربه في أوكاره البعيدة قبل أن يصل الى بيوتنا ويهدد أطفالنا.

بيد أن هذه الفكرة التي يراد ترسيخها من قبل محترفي الكذب وهواته، تغفل عن ان للواقع مداخل عديدة غير موته الذي أعلنه بودريار، وأن الواقع ما زال قادراً على النهوض وصفع من أعلن وفاته، تماماً كما عاد التاريخ وأذلّ من أعلن نهايته. وأن الإرهاب ليس فقط هو ذاك الذي رأيناه في باريس ونيس وبروكسيل والرقة وضاحية بيروت الجنوبية، بل هو ايضاً في سحق المدنيين في الغوطة بالغازات السامة وتدمير حمص وحلب والجثث التي صورها "قيصر" وقتل المعتقلين تحت التعذيب في السجون.

ومن يظن أن دمار حلب سينجيه من مصير مشابه، عليه ان ينتظر، وبسبب ترابط العالم وتشابك الواقع، وصول أنواع جديدة من الدمار الى عتبة بيته. قد لا تتدخل طائرات "السوخوي" والبراميل المتفجرة في المعارك المقبلة، لكن رسائلها ستصل الينا حتماً في محاولات احتكار الحقيقة وخنق الأصوات المختلفة والتسلط الوقح على الحق في تقرير المصير والمستقبل، على ما نشهد في لبنان بذرائع ما انزل الله بها من سلطان.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com