العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-11-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هل ستكون سوتشي، يالطا سوريا؟

أحمد عيشة

سوريا تي في

الخميس 8/11/2018

في يالطا على البحر الأسود، عقد قادة الدول الثلاث الكبار: الاتحاد السوفياتي بزعامة ستالين، والولايات المتحدة بزعامة روزفلت، والمملكة المتحدة بزعامة تشرشل، في شباط 1945 اجتماعات دامت حوالي عشرة أيام، انتهت بتوقيع اتفاقية تقاسم أوروبا بين هذه الدول، وبالتحديد أكثر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

سوريا، التي أصبحت ساحة صراع بين عديد من الدول الإقليمية والدولية التي تحاول أن تعيد شيئاً من أمجادها الإمبراطورية السابقة، من خلال انتزاع مناطق نفوذ جديدة، في المناطق التي تشهد صراعات وتعقيدات دولية كبرى مثل منطقتنا، خاصة بعد شلل وعدم فاعلية النظام الدولي الذي تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية ممثلاً بالأمم المتحدة، على الرغم من عدم انتهاء الصراع متمثلاً بالثورة، رغم تعثراتها. 

التقطت روسيا، وهي الطرف الذي يسعى من خلال العنف لدور على الساحة الدولية بعد إزاحتها عقب حرب الخليج وتفكك معسكرها إلى دول عديدة ووصول قواعد حلف الناتو والولايات المتحدة إلى جوارها، اللحظة المناسبة ومن خلال دورها الوحشي في سوريا، وفي ظل مقاربة أميركية تبتعد عن التدخلات المباشرة، نتيجة فشلها في كل من أفغانستان والعراق (فترة أوباما) والغموض الذي يحيط بسياسة البلاد في عهد ترامب واقتصارها على محاربة الإرهاب متمثلاً بداعش، ونتيجة للوضع الداخلي المتعثر الذي تعيشه الفصائل العسكرية، فطرحت عقب تدمير حلب واستسلامها للروس والنظام في نهاية عام 2016، الدعوة لاجتماعات في آستانا في بداية 2016، مع الدول التي تراها روسيا صاحبة نفوذ في سوريا.

أما الاتحاد الأوروبي، على الرغم من معارضته الأولية لهذه الاجتماعات، فإنه يسعى نتيجة للمواقف الأميركية تجاه دوله لأن يكون له موطئ قدم في سوريا، وألا يكون غائباً

الغائب والحاضر عن هذه الاجتماعات والاتفاقيات هو الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من احتفاظ الولايات المتحدة بربع الأراضي السورية، وبأكثر من ثلاثة أرباع ثروتها النفطية (غاز وبترول)، فإنها بعيدة عن هذه المناقشات نتيجة لخلافات عديدة بين هذه الدول الثلاثة مع الولايات المتحدة من جهة، ونتيجة لتردد الإدارة الأميركية وغياب استراتيجية خاصة بها تجاه سوريا. أما إسرائيل فهي اللاعب المهم والخفي الغائب عن تلك الاتفاقات، لكن تنسيقها مستمر مع روسيا، ولا يمكن لأي اتفاق يستبعد مصالحها وأمنها أن يستمر ويُكتب له النجاح.

أما الاتحاد الأوروبي، على الرغم من معارضته الأولية لهذه الاجتماعات، فإنه يسعى نتيجة للمواقف الأميركية تجاه دوله لأن يكون له موطئ قدم في سوريا، وألا يكون غائباً عن تلك الاجتماعات، خاصة أن دوله تضم عدداً كبيراً من اللاجئين، ولقدرته على المساهمة في إعادة الإعمار، وما الحضور إلى الاجتماع الأخير في إسطنبول لكل من فرنسا وألمانيا، وهما قاطرة أوروبا، إلا تعبير عن تلك السياسة الأوروبية، التي تسعى لحل سياسي في سوريا يعيد بالحد الأدنى عدداً ما من اللاجئين لديها، ويحقق شيئاً من مصالحها. ولربما تشهد الاجتماعات المقبلة حضوراً رسمياً للاتحاد الأوروبي، بعد إصدار فرنسا مذكرات بحق كبار ضباط المخابرات في سوريا والمسؤولين عن جرائم كثيرة بحق السوريين.

لربما لم يُتفق بعد على المكان النهائي الذي يتم فيه الاجتماع للإعلان الرسمي عن تقاسم النفوذ، وإعلان الوصاية على مناطق سوريا، ولكنه سيكون -حكماً- في إحدى عواصم أو منتجعات واحدة من تلك الدول، وأغلب الظن أنه سوتشي، كون روسيا بوتين هي الطرف الأقوى، وهي من يحدد مساحات النفوذ للدول البقية، حيث يتوضح في معظم الجغرافيا السورية توزع المناطق وخضوعها، بشكل مباشر أو غير مباشر، لوصاية تلك الدول، كما هو واضح اضمحلال دور النظام الذي استجلب كل هذا الدمار لسوريا، ودفع بها إلى هذا الوضع المتردي.

لربما تستطيع تلك الدول تثبيت وقف المعارك، وتحقيق بعض الإصلاحات الدستورية وغيرها، لكن ما لم تعمل على تحقيق تسوية سياسية تضمن الحدود الدنيا من مطالب السوريين، فقد تؤجل العنف إلى حين.

ثمة اصطفافات وإعادة وتموضعات لخريطة التحالفات والتوازنات الدولية في يومنا هذا. فتركيا تقترب أكثر فأكثر من روسيا من خلال الصراع على سوريا ونتيجة للمواقف الأميركية الداعمة لقوات الحماية الشعبية الكردية التي تعدّها تركيا ذراعاً لحزب العمال الكردستاني، وإيران نتيجة العقوبات الأميركية عليها، تجد مكانها الطبيعي بالتقارب من روسيا، والاتحاد الأوروبي، وبعد سياسات ترامب العدائية تجاهها، وتجاه حلف الناتو، والموقف تجاه الالتزام بالعقوبات المفروضة على إيران، تدفعه نحو البحث عن سياسة مستقلة نسبياً تجاه أميركا، والاقتراب من روسيا.

تعتمد تلك الدول سياسة تجزئة المشكلات، بعد تفكيك نقاط الاتفاق والخلاف، والبناء على نقاط الاتفاق، وترحيل نقاط الاختلاف لمرحلة لاحقة، وبالتالي تبقى هذه الاتفاقات راهنة، وقد تطول راهنيتها لسنوات، لكنها مفتوحة على احتمالات عدة، أهمها الخلافات المؤجلة بين الدول الثلاثة، التي تظهر بعض من ملامحها الآن (روسيا وإيران).

وفق الخريطة السابقة من التعارضات والاتفاقات، لن تحقق هذه الاتفاقات الاستقرار للبلاد، رغم كل ما تدعيه الدول الثلاثة، لأنها تحاول أن تفرض اتفاقاً أو سلاماً قائماً على القوة العسكرية (كلٌ في الأراضي التي يسيطر عليها) من دون قوة اقتصادية ومالية يمكنهم من توظيفها لإعادة إعمار ما دُمّر، ويتجلى هذا أكثر في المناطق التي يسيطر عليها الروس والإيرانيون، كونها المساحة الأكبر، أي لا خطة "مارشال" لديها مجتمعة، كما بعد الحرب العالمية الثانية لبناء أوروبا.

لربما تستطيع تلك الدول تثبيت وقف المعارك، وتحقيق بعض الإصلاحات الدستورية وغيرها، لكن ما لم تعمل على تحقيق تسوية سياسية تضمن الحدود الدنيا من مطالب السوريين، فقد تؤجل العنف إلى حين، كما قد تفجّر هذه الاتفاقات خطر الدخول بشكل جدي في حرب دينية وعرقية كبرى بقصد إعادة تشكيل المنطقة برمتها، حرب تشبه بشكل من الأشكال حرب الثلاثين عاماً في أوروبا في القرن السابع عشر في الشكل، من حيث عنفها والتداخلات السياسية والدينية فيها، وليس من حيث نتيجتها، فهناك تمكّنت تلك الدول من الوصول إلى معاهدة سلام أسست لنشوء الدول السيادية، بينما هنا قد تحمل بوادر تفكيك البلد لدويلات تقوم على أسس دينية، وتؤسس لعدم استقرار قد ينتقل للدول الضامنة ذاتها.

==========================

موقفنا : نداءات مشبوهة: أبيدوهم كما أبادوكم .. نحن طلاب حق وعدل ولسنا قتلة .. لسنا مثل الأسد وشيعته

زهير سالم

10 / 11/ 2018

مركز الشرق العربي

منذ أن صنّعت المخابرات الأسدية أول شعار كذب " المسيحي على بيروت والعلوي على التابوت " مانزال نسمع مع كل صبح وعشية نداءات إثم وإفك وعدوان : أبيدوهم ..احرقوا ديارهم ..دمّروا عليهم ، بالسارين ..ابدؤوا بالطفل قبل أمه ؛ في متوالية للحرب الإعلامية القذرة الموازية للحرب الميدانية القذرة التي يديرها ضد شعبنا تحالف الشر العالمي : الروسي الإيراني الأسدي وباقي الشركاء..

هذه الدعوات الفاجرة المريبة على ما فيها من جرم وشناعة وعقوق لا تصدر إلا عن أحمق جاهل بيّن الجهالة ، لا يأوي إلى فقه في دين ولا إلى خلق قويم ، وقصارى ما يقال فيه أنه يائس مقهور موتور لا يقدر أن يميز أرضا من سماء ولا يمينا من شمال..

ولا تصدر ، وهذا الأعم الأغلب في أصحاب هذه الدعوات، إلا عن مدع مدسوس يخدم مشغليه، ليحسب على هذه الثورة المباركة أفعالهم ، وليدمغها في ميادين الإدانة والفتنة والتوحش والقسوة ..

إن الكلام الفصل الذي يجب أن يدركه كل سوري حر نبيل أن هذه الثورة المباركة هي ثورة للحق بالحق ، وللعدل بالعدل ، وأن ثوارها لم يخرجوا كبرا ولا بطرا ولا رياء ولا شهرة ولا طلبا لعلو في الأرض ولا لفساد ..

وأن السائرين في ركب هذه الثورة المصرين على تحقيق أهدافها حتى النهاية ليسوا مثل بشار الأسد قتلة ومجرمين وسفاكي دماء ومنتهكي أعراض وقاطعي طريق ..

وأن فعل بشار الأسد بنا ليس مصدر تشريع لنا كما يلعلع به الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ؛ فكفوا ..

وحرمة الدم الإنساني أصل أصيل في شرعنا وفي حضارتنا . وأسلحة الإبادة التي تحصد الشجر وتدمر الحجر هي أسلحة الجبناء . القساة المفسدين في الأرض من الذين لا يرجون لله وقارا ..

لم يخرج شعبنا للقتل . وما زال دعاؤنا : واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، بجنايته الشخصية ومسئوليته الفردية ، وعلى قاعدتنا الربانية المحكمة : " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.."

لا يُسعى إلى الحق بالعدوان ، ولا يُطلب العدل بالظلم ، ولم تقم هذه الثورة طلبا للعلو في الأرض ولا إرادة للفساد ..

ثورة تصلح ولا تفسد . تصون ولا تبدد ، تجمع ولا تفرق ، تحيي القلوب ، وتحمي العقول ، وترد على الباغي بغيه ، وعلى الباغي تدور الدوائر.

_______________

 *مدير مركز الشرق العربي

======================

الولاية القضائية العالمية في ملاحقة مجرمي النظام

د.رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 7/11/2018

أصدر قضاة فرنسيون البارحة مذكرات توقيف دولية – وكانت قد صدرت في 8 تشرين الأول/أكتوبر وتم الإعلان عنها البارحة - ضد ثلاثة من كبار ضباط النظام السوري؛ وهم علي مملوك، وجميل حسن، وعبد السلام محمود، بتهم التورط في جرائم ضد الإنسانية.

كما وجهت لعبد السلام محمود تهم التورط في جرائم حرب، على خلفية اختفاء وتعذيب وقتل كل من مازن وباتريك عبد القادر الدباغ، من حاملي الجنسيتين الفرنسية والسورية كما ذكر بيان الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH)، حيث كان الأب وابنه قد تعرضا للاعتقال من قبل ضباط المخابرات الجوية السورية في تشرين الثاني/نوفمبر 2013، وجرى احتجازهما في مطار المزة العسكري سيء السمعة. وتم رفع القضية في فرنسا في تشرين الأول/أكتوبر 2016 من قبل عبيدة الدباغ، بمساعدة من الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان(LDH)، وبدعم من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير.

يسمح مبدأ "الولاية العالمية" لهيئات الادعاء الوطنية بملاحقة من يُعتقد أنهم مسؤولون عن جرائم دولية خطيرة بعينها، مثل التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى إذا كانوا ارتكبوها في أماكن أخرى، وحتى إن لم يكن المتهم أو الضحايا من مواطني الدولة.

سوريا ليست دولة عضواً أو مُصدِّقة على اتفاق روما

أهمية مثل هذه الملاحقات القضائية آخذة في الازدياد ضمن الجهود الدولية لمحاسبة الجناة المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في سورية، لاسيما مع إغلاق كل المنافذ الأخرى وعلى رأسها رفض مجلس الأمن الدولي إحالة الجرائم في سوريا إلى محكمة الجنايات الدولية بحكم أنّ سوريا ليست دولة عضواً أو مُصدِّقة على اتفاق روما المنشأ لمحكمة الجنايات الدولية.

في الحقيقة بدأ تفعيل هذا المبدأ في ألمانيا والسويد والآن في فرنسا، وفي تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش تذكر أنه إلى أن في كل من ألمانيا والسويد عناصر عديدة متوفرة تسمح بإجراء التحقيقات والملاحقات القضائية على الجرائم الفظيعة في سوريا؛ والأهم بينها توفر أطر قانونية متكاملة، ووحدات متخصصة جيدة الأداء معنية بجرائم الحرب، وتجارب سابقة في الملاحقات القضائية في هذا الصنف من الجرائم.

وبسبب أعداد طالبي اللجوء واللاجئين السوريين الكبيرة في أوروبا، فإن الضحايا والشهود الذين لم يكونوا متوفرين للمحاكم من قبل، فضلا عن بعض الأدلة المادية بل وحتى بعض المشتبه بهم، قد أصبحوا في متناول يد السلطات. بصفتهما أكبر مستَقَرَّين لطالبي اللجوء السوريين في أوروبا، كانت ألمانيا والسويد أول دولتين يُحاكَم فيهما أفراد على جرائم دولية خطيرة في سوريا ويُدانون.

لكن هناك تحديات من نوع آخر ،إذ لا يمكن اعتبار هذه المذكرات كبديل عن إنشاء محكمة دولية خاصة تحاكم مجرمي الحرب في سورية وعلى رأسهم بشار الأسد المسؤول السياسي الأول عن ارتكاب كل هذه الفظائع في سوريا، ولذلك يجب اعتبار هذه المذكرات القضائية كخطوة على الطريق الصحيح.

هذه المذكرات تحقق الحد الأدنى من العدالة للضحايا السوريين

إن هذه المذكرات تحقق الحد الأدنى من العدالة للضحايا السوريين ويكفي أن نذكر ما ذكره عبيدة الذي رفع الدعوى في حوار له مع تلفزيون سوريا، حيث سرد عبيدة تفاصيل عملية الاعتقال، حيث قال إنه في يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2013، جاءت دورية تابعة للنظام إلى منزل العائلة في حي المزة الدمشقي واعتقلت عبد القادر، ابن شقيقه، وأبلغت العائلة أنّها سوف تأخذه من أجل "دردشة بسيطة" وأنّه سوف يخرج بعد يومين فقط. في اليوم التالي لم يخرج عبدالقادر، بل جاءت الدورية نفسها واعتقلت والده مازن دباغ، بحجّة أنّه "لم يعرف أن يربّي ابنه"، وفي طريقها اعتقلت مدنيين آخرين من حي المزة.

وقال إن "النظام لم يعلن عن مصيرهما بشكل رسمي، ولم يسلّمنا أي شهادات وفاة، بل نحن عرفنا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أن هناك قوائم بنحو 8 آلاف معتقل قُتلوا في أفرع الأمن السورية، وبعد أن سألنا من خلال معارفنا بدمشق علمنا أن مازن وابنه كانا من ضمن المتوفين".

ومع إصدار سجلات النفوس السورية إخطارات وفاة لعدد كبير من الأشخاص المختفين قسرياً، تلقت عائلة الدباغ في يوليو/ تموز 2018 إخطاراً رسمياً بوفاة باتريك عبدالقادر (دبّاغ) ووالده مازن دباغ. ووفقاً للوثائق التي تلقتها عائلة دباغ، فقد توفي باتريك عبدالقادر في 21 يناير/كانون الثاني 2014، بعد فترة وجيزة من اعتقاله، فيما توفي والده مازن بعد نحو أربع سنوات، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

الرحمة لروح الصديق العزيز مازن دباغ الذي عرفته من أيامي في دمشق وخلال نشاطه في معارض الكتب، وآمل أن تكون هذه الخطوة بداية على طريق العدالة الطويل في سوريا.

==========================

في ضرورة بقاء التوحّش

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 7/11/2018

لقد كان العنف دوماً وعلى مرّ التاريخ أحد أنماط الحياة البشرية، مارسه الإنسان كفعلٍ وكردّ فعلٍ على الطبيعة، ثمّ مارسه ضدّ ابن جلدته الإنسان. بعض الأشياء لا يمكن الحصول عليها إلّا بالعنف، فلا يمكن إقناع الخراف بضرورة الحصول على لحمها ولبنها بالحُسنى، كما لا يمكن إقناع الجبال بتقديم حجارتها طوعاً لاستخدامها في متطلبات الإنسان. تلازُمُ وجودِ الدماء لاستمرار البقاء، وتلازُمُ هدرِ الحيوات لاستمرار الحياة، كانا عاملين أساسيّين في تشكيل وعي الإنسان ولا وعيه على السواء. تكوّنت هذه العقليّة البشريّة عبر آلاف السنين وتطوّرت بحيث تصنّف عناصر الطبيعة وتوزّعها على خانات وفق قيمتها والحاجة إليها، وفي لحظات الصراع من أجل البقاء كان من الطبيعي تصنيف البشر لذواتهم ما بين قريب وبعيد، صديق وعدوّ، مشابه ومختلف، وهذا ما أدّى لاحقاً إلى "تشييء الإنسان أو حيونته" من أجل سهولة تصنيفه وبالتالي التعامل معه وفق المصلحة.

لقد كانت المصلحة باعتبارها شكلاً من أشكال الغريزة، سابقة على القيم والأخلاق والوعي في المجتمع البشري. لا يمكن تصوّر وجود قواعد تحكم علاقات الكائنات الحيّة خارج إطار غريزة البقاء، ولا ينتقص من قيمة هذه الحجّة أن هناك بعض السلوكيات أو الضوابط التي تحكم مجتمعات الكائنات الحيّة التي تعيش بشكل جماعي وبعض أشكال التنظيم والقيادة والعمل المشترك، فهذه نابعة من ضرورة بقاء النوع واستمراره وليست نابعة من رفاهية الاحتكام إلى قيمٍ عُليا وضوابط أخلاقيّة لضبط إيقاع الحياة.

رفاهية القيم والأخلاق وقواعد السلوك التي تطوّرت لتصبح قواعد قانونية ملزمة

رغم محاولات الإنسان تأطير هذا العنف وتأصيله ووضعه في قوالب أخلاقية وقانونية تضبطه، إلّا أنه يبقى جوهراً أصيلاً من جواهر الإنسان يعبّر عن نفسه بقوّة كلّما كانت الفرصة متاحة وكلّما كانت القوّة والسلطة وأوهام الحق والشرعية متوفرة لديه

عبر مسيرة البشرية، كانت ضرورة لاستمرار النوع أيضاً، ولكن لاستمراره بشكل جمعي لا فردي، أي لاستمراره بشكل واعٍ لضرورات وجوده بعكس الحيوانات التي بقيت ضرورة بقائها واستمرارها في حيّز الغريزة غير المُدركة.

من هذه الغريزة القابعة في جوهر الإنسان، ومن هذا الإدراك المتنامي لضرورة استمرار النوع عبر تصنيف الأشياء والكائنات، وُلدت وتنامت واستقرّت في ضمير البشرية الحاجة إلى العنف. ورغم محاولات الإنسان تأطير هذا العنف وتأصيله ووضعه في قوالب أخلاقية وقانونية تضبطه، إلّا أنه يبقى جوهراً أصيلاً من جواهر الإنسان يعبّر عن نفسه بقوّة كلّما كانت الفرصة متاحة وكلّما كانت القوّة والسلطة وأوهام الحق والشرعية متوفرة لديه.

تشذيب العنف من خلال قوننته على مستوى علاقة الأفراد ببعضهم ثمّ علاقة المجتمع - ممثّلاً بالدولة - بالأفراد وعلى مستوى علاقات الدول ببعضها، كان يهدف إلى أنسنة هذا العنف ليصبح أكثر مقبوليّة ضمن سياق التطوّر البشري. لكنّ مسارات تطوّر المجتمعات البشرية لم تكن متوازية ولا متساوقة عبر التاريخ، فكان هناك دوماً تفاوت في معدّلات النموّ السكاني بسبب التفاوت في الموارد الطبيعية من جهة وبسبب الظروف المحيطة بكل مجتمع من جهة ثانية. لقد كانت عوامل الإنتاج أساسيّة، لكنها لم تكن الوحيدة التي رسمت أشكال تطوّر المجتمعات المختلفة. لعبَ الموقعُ الجغرافي دوراً هاماً من حيث احتكاك الأقوام المتجاورة ببعضها وتأثّر حضارات المجتمعات البشرية المتجاورة وتلاقحها في دورة الطبيعة والحضارة. وكان للأديان دور هام في صياغة علاقات البشر ببعضهم سواءٌ أكان على مستوى جمعي أم فردي.

بسبب حاجة الإنسان لتفسير ومن ثم لتبرير وقبول هذا التفاوت والاختلاف بين البشر، وبالتالي تبرير وقبول العنف في العلاقات البينيّة على مستوى الجماعات والأفراد، كان لا بدّ من ترحيل مسألة العدالة المطلقة إلى الزمن المؤجّل، إلى المطلق الغائب. هنا كان دور الفلسفة والدين كحاملين أساسيّين لفكرة التأجيل هذه، فلا بدّ من تكييف العقل البشري على قبول والتعايش مع انعدام العدل في الحياة الدنيا، ومن هنا جاء القبول الفطري بفكرة الحياة الآخرة كعامل توازن لاستمرار النوع الاجتماعي البشري.

كان الاحتكام إلى العنف متناسباً عكساً مع مستويات التطور، ومع مستويات قبول الآخر، ومع مستويات فهم الحاجة للآخر والقناعة بضرورة وجوده والتشارك معه، حتّى بات التفاوت في الاحتكام إلى العنف بين المجتمعات أحد مقاييس التحضّر والانتقال إلى درجات أرقى في سلّم التطوّر البشري.

من هنا نجد أنّ البشرية حاولت أن تقونن هذا العنف على أعلى مستوى يمكن الوصول إليه، وحصل هذا من خلال ميثاق الأمم المتحدة الذي نشأ من إرادة الدول المتعاقدة في سان فرانسيسكو عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة والذي نصّ في ديباجته على:

((نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا:

أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت خلال جيل واحد على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف،

وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية،

وأن نبيّن الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي،

وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدماً، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح.

وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا:

أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار،

وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولي،

وأن نكفل بقبولنا مبادئ معيّنة ورسم الخطط اللازمة لها ألاّ تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة

وأن نستخدم الأداة الدولية في ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب جميعها،

قد قررّنا أن نوحّد جهودنا لتحقيق هذه الأغراض:

ولهذا فإن حكوماتنا المختلفة على يد مندوبيها المجتمعين في مدينة سان فرانسيسكو الذين قدّموا وثائق التفويض المستوفية للشرائط، قد ارتضت ميثاق الأمم المتحدة هذا، وأنشأت بمقتضاه هيئة دولية تُسمّى "الأمم المتحدة".))

لكن يبقى مدى التزام الحكومات والأفراد بهذا الميثاق رهناً بمدى تمثّلهم لقيمه ومبادئه السامية من جهة، ولمدى وجود ضوابط عليا تحكم سلوكياتهم وتصرفاتهم من جهة ثانية، مع الإدراك المتنامي أنّ كلّ هذا لم يعُد ذا قيمة تُذكر منذ مدّة طويلة، فشعارات حقوق الإنسان ليست أكثر من بطاقات متدرّجة الألوان ترفعها حكومات الدول الديمقراطية في وجه حكومات الأنظمة الديكتاتورية لتبرير بعض المواقف ولخدمة بعض المصالح وقت الحاجة.

 لقد بدأت بوادر انهيار هذا النظام العالمي تتوضّح منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وما زالت في تصاعد مستمر، لم يعد العالم قائماً على توازن الرعب النووي، بل صار يعيش الرعب بشكل فعلي، منذ أن بدأ يتبلور مفهوم الإرهاب كرافعة للعنف المبرّر ضدّ أي حركة تحرر وطنيّة خاصّة بعد أحداث 11 أيلول سبتمبر عام 2001، وضدّ أي حراك مدني سلمي داخلي في أي بلد محكوم بالدكتاتورية، بدءا من احتجاجات ساحة "تيان آن من" في بكين وانتهاءً بوقفات التضامن مع المحامي ياسر السلم المغيّب في سجون هيئة تحرير الشام "هتش" في إدلب. ها هو العنف ينفلت لجامُه عاماً بعد عام وتزداد حدّته أكثر فأكثر بشكل غير مسبوق في العلاقات الدولية وبين الحكومات وشعوبها، والأمثلة على ذلك كثيرة بدءًا من احتلال أفغانستان والعراق وانتهاءً بالحرب في اليمن، وبدءا من ربيع براغ وانتهاءً بالربيع العربي.

من هنا تأتي ضرورة بقاء الأسد كرمز لهذا التوحّش الغريزي المجنون، بحيث يصبح مقياساً

لا يمكن فهم تقاعس النظام العالمي عن إيقاف سفّاح العصر إلّا بحاجة هذا النظام إلى مثال جديد بعد الهولوكوست النازي، فحتّى نبرّر يهوديّة دولة إسرائيل التي يتمّ العمل عليها بجديّة ومثابرة وصبر منذ أمد طويل، لا بدّ من السماح بالتهجير القسري لفئات محدّدة من أهل سوريا

للعنف العاري وميزاناً لما يمكن أن يحصل بعده على مستوى البشرية جمعاء وليس على مستوى المنطقة فحسب. يجب أن يبقى الأسدُ بشخصه وبما يمثّله من قيمة حقيقية ومثال واقعي، كرابط حقيقي لحبّات عِقد العنف الهمجي التي يجب أن تبقى متواصلة بخيط واحد لا ينفرط.

لا يمكن فهم تقاعس النظام العالمي عن إيقاف سفّاح العصر إلّا بحاجة هذا النظام إلى مثال جديد بعد الهولوكوست النازي، فحتّى نبرّر يهوديّة دولة إسرائيل التي يتمّ العمل عليها بجديّة ومثابرة وصبر منذ أمد طويل، لا بدّ من السماح بالتهجير القسري لفئات محدّدة من أهل سوريا. كي نقبل بمجزرة رابعة العدوية ومجازر سيناء وبأحكام الإعدام بالجملة في مصر السيسي، يجب أن تبقى مجازر حلب ودير الزور والغوطة وأحكام محكمة الإرهاب في دمشق. كي نقبل باختفاء الصحفي جمال الخاشقجي يجب أن يبقى مصير مئات آلاف السوريين في أقبية مخابرات الأسد مجهولاً. كي يتحمّل ضمير العالم مأساة أقليّة الروهينغيا في ميانمار يجب أن يكون هناك مأساة أكبر وجرح غائر أعمق يؤرقه ويدميه كجرح سوريا.

 بقاء نظام الأسد ضرورة دولية وإقليميّة لتبرير العنف المستشري في العالم وفي المنطقة على السواء، إنّه المرحلة الانتقالية بين نظامين عالميين، أحدهما شارف على الموت وثانيهما يخرج من رحم الأول بكلّ آلام مخاض الولادة العسيرة. سيكون على البشريّة أن تتحمّل أوزاراً جديدة ومرعبة في قادم الأعوام، فالفصول الواقعيّة للحياة ترسمها القوّة لا الحق، ترسمها المصالح لا القيم، يرسمها العنفُ لا العقل، يرسمها صوت الرصاص لا صوت الموسيقى.

==========================

ماذا بقي للديمقراطية من أمل في البلاد العربية؟

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 7/11/2018

سألني صديق فرنسي: هل بقي للديمقراطية أمل في البلاد العربية، بعد المصير المأساوي الذي آلت إليه ثورات الربيع العربي؟ وإلى أي حد لا يزال ممكنا إقناع الشعوب العربية بأن الديمقراطية تشكل حلا لمشكلاتها بعد الكارثة التي حلت بها؟ وهل لا تزال هناك إمكانية بالفعل للحديث عن الديمقراطية مع التفكّك العميق الذي أصاب الهوية الوطنية، وانبعاث الانقسامات الطائفية والإثنية وتفاقم التناقضات الاجتماعية والهجرة القسرية والبطالة والفقر؟ أي باختصار، ماذا بقي للحلم الديمقراطي الذي حرّك جمهورا واسعا في المدن والأرياف العربية، بعد الرّدة القاسية التي قامت بها الأنظمة القائمة، والدعم الكبير الذي تلقته من حلفائها الغربيين والشرقيين على حد سواء؟

أجبت: بالعكس، لم تكن الديمقراطية أولويةً على أجندة سياسات الشعوب العربية في أي وقت، كما أصبحت بعد الكارثة التي قادت إليها، ولا تزال، سياسات السلطة الاستبدادية، والنظم القائمة على القهر والقتل والقضاء على أي حياة سياسية أو قانونية. ما حصل يشكل إدانةً لأساليب الحكم والإدارة المافيوية، وليس لأساليب الحكم الديمقراطي أو للحلم بالحرية. أما الديمقراطية فهي ليست مطلوبة لحل المشكلات العديدة والمعقدة التي تواجه المجتمعات، بما فيها المشكلات الجديدة التي أنتجتها حروب الردّة الراهنة، وإنما لأنها تقدّم الإطار التنظيمي السياسي الذي يتيح أكثر من غيره التوصل إلى حلولٍ لهذه المشكلات والتناقضات، من دون الاضطرار إلى تفجير ثورات وإشعال حروبٍ أهلية.

يقوم هذا الإطار أولا على مبدأ إلغاء احتكار السلطة والقرار من فردٍ أو عصبةٍ من الأفراد، وإحلال التداول والحوار وتبادل الرأي، بين الشعب عبر ممثليه والنخبة الحاكمة من جهة، وداخل مؤسسات النخبة الحاكمة نفسها، من خلال فصل السلطات وموازنتها واحدتها بالأخرى من جهة ثانية، محل اللجوء إلى العنف لحسمها، سواء أكان بالاعتقال والاغتيال أو بالاحتجاجات الدموية. فهو بذلك يحكم العقل في مقاربة المشكلات المطروحة، أو يتيح للعقل أن يلعب الدور الأول في حسم الخلافات بين وجهات النظر، بدل فرض الرأي أو القرار الواحد 

"لم تعد هناك لا مواطنة ولا حقوقٌ ولا حريات ولا أفراد مواطنون وإنما جماعات تتنازع على السيطرة" بالقوة والاحتيال. ولأنه يقوم ثانيا على مبدأ المساءلة والمحاسبة الذي يجعل كل صاحب منصبٍ عموميٍّ أو وظيفة أو سلطةٍ يعي مسؤوليته أمام الشعب كله، وكل فرد فيه، ويدرك أنه سيحاسَب على نتائج سياسته. ويرسّخ من خلال هذه المساءلة مبدأ أن المواطنين جميعا أندادٌ وأسياد، حاكمين كانوا أم محكومين، لهم الحقوق ذاتها، وعليهم الواجبات نفسها، لا يوجد بينهم طبقة أسيادٍ ولا طائفة عبيد. ولأن الديمقراطية تعني ثالثا أن الجميع متساوون أمام القانون، لا أحد مستثنىً من الخضوع له، ولا أحد محسوبٌ على أحد أو وصي على الآخر، وفي حاجةٍ لحمايته. والامتثال للقانون يعني القبول بالحق والصّدع به، لا خوفا من عقابٍ أو ولاءٍ لشخص أو مراعاة لقرابة روحية أو عائلية. الرئيس رئيس بالوظيفة، وطالما كان يمارس مهنته، لكنه مواطن، كغيره، أمام القانون. والوظيفة التي يقوم بها ليست تاجا أو دليل تشريفٍ وتكريمٍ وتقديس، وإنما هي مهمةٌ محدّدةٌ والتزام تجاه المجموع.

للذين يقولون أيضا: ماذا جنينا من الدعوة إلى الحرية غير الدمار والموت، نقول: الديمقراطية لا تقتصر على الحريات، ولا تتطابق معها. الحريات الفردية شرط لوجود مواطنة متساوية. من دون الحرية، لا سيادة لفرد على نفسه، ولا حق له في المشاركة في تداول الرأي في ما يتعلق بشؤون وطنه، ولا مساواة، ولا بالتالي حكم القانون، ولكن حكم القيصر والفرعون، فلا سيادة للفرد على نفسه، ولا تحكّم بمصيره ومصير مجتمعه من دون الحرية. ولا تعني هذه السيادة تحول الفرد إلى مواطن مساوٍ في الموقع والمكانة لأي فردٍ آخر، وإنما، أكثر من ذلك، إلى موطن ضمير ومعرفة بالحق والواجب، وبمعنى المسؤولية.

ليست الديمقراطية عقيدة ولا فكرة ولا قيمة كالحرية أو السيادة الشخصية، لكنها نظام، أي نمط تنظيم للمجتمعات وقواعد لبناء علاقات متكافئة ومنتجة ومثرية بين الأفراد، قائمة على المساواة والتفاهم والتعاون والتضامن والتكافل. وكلها قيمٌ ضروريةٌ للتقدّم في حل المشكلات التي تواجه المجتمعات: التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي من دونها لا تعيش جماعة، ولا يستمر الانسجام والتضامن لدى أي شعب، وبناء دولة قانونية تضمن العدالة والأمن والاستقرار والمساواة بين الناس، وتعزيز الهوية الوطنية في مواجهة الهويّات الفرعية، وتنمية الثقافة وتطوير البحث والتقنية والعلوم. وليس من قبيل المصادفة أن المجتمعات الأكثر تقدّما حضاريا هي المجتمعات الديمقراطية، الأكثر تقدّما في المدنية.

لا تحل الديمقراطية، بمجرّد تحقيق مبادئها، هذه المشكلات، لكنها تخلق البيئة السياسية

"الحريات الفردية شرط لوجود مواطنة متساوية" والقانونية والفكرية التي تساعد أكثر على حلها، لأنها تشجع على تواصل النخب الحاكمة والمسؤولة مع الشعب، وهذا أهم عنصر فيها. وتعزّز حكم القانون ودور المؤسّسات، حيث تسود قواعد وأصول ثابتة بعيدة عن الشخصنة. وهي تكبح، بالتالي، جنوح الفرد غير الكفيّ، عندما يصل بالخطأ إلى السلطة، وتحد من قدرته على الإساءة إلى المجتمع والدولة. وبتوفيرها إطارا سياسيا وقانونيا لحل النزاعات وتناقض المصالح، والذي هو أمرٌ طبيعي في كل المجتمعات، بالوسائل السلمية، أي بالحوار والاحتكام للعقل، تجنّب النظم الديمقراطية المجتمعات النزاعات الداخلية والحروب الأهلية الكامنة أو المعلنة، التي تشكل البيئة الطاردة أي تراكم حضاري، اقتصادي أو علمي أو تقني أو ثقافي، والتي تعيد الشعوب إلى حالتها البدائية، أي إلى الاحتكام للعصبية والعنف الأهلي والدمار المتبادل.

وأعتقد أن وجود أو بالأحرى إعادة إحياء العصبيات الطائفية والأقوامية والمناطقية ناجم عن تغلب منطق النزاعات الداخلية على حياة المجتمعات، بسبب غياب التواصل والحوار والوسائل والآليات السلمية لحلها، أي بسبب غياب الديمقراطية، روحا وهيكلا، وأن الدخول في منطق الديمقراطية وثقافتها، أي بناء حياةٍ سياسيةٍ سليمةٍ وناجعة، يغير كليا من مضمون الانتماءات الأهلية المذهبية والأقوامية، ويحوّلها من انتماءاتٍ حاملةٍ مشاريع سلطوية متنازعة مع المشاريع المماثلة والمنافسة لها، إلى انتماءاتٍ ثقافيةٍ تعكس الحميمية الخاصة بالجماعات الأهلية وتضامناتها الداخلية.

بمعنى آخر، عندما يتوفر لدى الأفراد والجماعات الآليات السياسية الطبيعية التي تمكّنهم من حسم نزاعاتهم، من دون الحاجة إلى توظيف عقائدهم وأديانهم وثقافتهم، أي كل ما هو مقدّس لديهم، ويعبر عن هويتهم، في النزاع، يحتفظون بانتماءاتهم الخاصة لأنفسهم، وينزعون، بشكل أكبر، إلى احترام انتماءات غيرهم المشابهة. وبالعكس، عندما لا يجدون في الدولة القائمة الوسيلة لإنتاج مثل هذه الحلول على أسس مقبولة، أي قانونية، يلجأون إلى الاستثمار في عصبياتهم الأهلية لتقوية موقفهم وتحشيد رجالهم في مواجهة منافسيهم، لتحقيق منافع، يعتقدون أنها من حقهم أو انتزعت منهم عن غير حق.

والواقع أن الدولة أخفقت في بلداننا، لأنها بدل أن ترفد الجماعات الأهلية والعصبيات الخاصة بإطار قانوني وسياسي فعال، لحل تناقضات المصالح فيما بينها، حلت محلها أو لعبت دورها، فصارت الجماعة الأهلية الأقوى والأكثر تسلحا وقدرة على استخدام العنف وتدمير الخصم. وصارت الجماعات الأخرى في نظرها خصما لها، فلم تعد هناك لا مواطنة ولا حقوق ولا حريات ولا أفراد مواطنين، وإنما جماعات تتنازع على السيطرة وامتلاك كل شيء: السلطة 

"تجنّب النظم الديمقراطية المجتمعات النزاعات الداخلية والحروب الأهلية الكامنة أو المعلنة" والثروة والجاه. تحوّلت الدولة السياسية إلى عصبيةٍ أهلية، عصبية نخبةٍ حاكمةٍ أو طائفة أو إثنية، أو إلى أداةٍ لخدمة عصبياتٍ أهليةٍ أخرى، في مواجهة المجتمع ككل. وأصبحت تتلاعب بتناقضاته ومصالحه المتباينة وعصبياته المختلفة لكسب مزيدٍ من القوة والنفوذ والمكاسب وضمان التمديد الدائم لسيطرتها وملكها والاستمرار في قهر العصبيات الأخرى. هكذا خلدت الحرب، وحل منطق العصبية الأهلية والعشيرة في الدولة، بما يعنيه من سيطرة العلاقات الشخصية والولاءات الأهلية والتضامنات المصلحية الخاصة، محل منطق القانون، الواحد والمساوي بين الجميع، وحل منهج القهر والاستتباع للأفراد والجماعات، محلّ الخضوع الطوعي للقانون الذي كان من المفترض أن يكون مرجعهم في سلوكهم، ومعيار أفعالهم، بمقدار ما وضعوه بتوافقهم وإرادتهم الحرة.

بعكس ما تشيعه أدبيات الثورة المضادة والردة الطائفية والإثنية، لم تحُلّ حرب الإبادة الجسدية والمعنوية والحضارية أيا من المشكلات التي ألهمت الثورة، وفجّرت تمرّد المجتمعات، لكنها فاقمتها وسوف تفاقمها أكثر، فقد دمرت هيكل الدولة التي كانت تتمترس خلفها وتحتمي بها، ولم يعد من الممكن إعادة بناء الدولة اليوم، من دون تفكيك السلطة العصبوية التي حكمتها، واستعادة الحد الأدنى من إرثها وتقاليدها ومؤسّساتها، ومنطق القانون والمواطنة والحريات الشخصية. ما سقط خلال المواجهة الدموية الماضية ليس نظام الديمقراطية ومثالها ومبدأها، وإنما حكم العصابة ونظام العصبية الأهلية التي استعمرت الدولة، وقوّضت مفهومها وقانونها وأجهزت عليها.

==========================

اعترافات ناس طيبين ( مجموعة قصصية ) للكاتب فاضل السباعي

عرض : يحيى حاج يحيى

ثماني قصص تعرض عدداً من المشكلات كالعنوسة وقتل المواهب، وعجز القوانين، وتشويه صورة العربي في الغرب، والعلاقة بين المستأجر والمؤجر، وتكاليف رد المظالم، واختيار الزوجة؟

ففي قصة (الأول) ينجح في اجتياز المسابقة ولكنه يُرفض لنقص في ولائه فهو لم يُرَ يوماً يمشي في مسيرة مثلاً، وكان حصوله في الشهادة على نسبة 99,99 مشكلة أخرى، لأنها محصورة في شخص واحد، لا يجوز لأحد أن يشاركه فيها؟! وفي (فتى دنكرك) تصوير للتشويه المتعمد لصورة العرب في الغرب حتى على مستوى حفلات التنكر؟! وقد اجتمع على الغرب جهله بالإسلام، والتخويف من أهله لكونهم يملكون النفظ الذي هو عصب الحركة في الصناعة؟!

وأما (قصاصة من ورق) فتعالج إشكالية حشر المرأة في دوائر توظيف الرجال حتى لو لم يكن لها مكان، وما يجر ذلك على الموظف الملاصق لها من مشكلات وظيفية ومنزلية بسبب تصرفات هذه الموظفة الغريبة والمحيرة، وفي (العقدة) تراجع عن الشروط والمواصفات التي وضعها في زوجة المستقبل، فغلبت المواصفات النفسية والفكرية والمواصفات الجسدية من خلال إعجابه بشجاعة فتاة وإقدامها على متابعة الامتحان، وقد توفي والدها في بدايته بعد مرض! وفي (سر ساكن الجبل) فرضت عليها أمها الاكتساب بشرفها، فدخلت السجن، وحاول القاضي الذي عرف مشكلتها أن يبحث في نصوص القانون الجامدة عن ثغرة لإعادتها إلى زوجها الذي يخشى مقابلته، لأنه تزوجها من غير أوراق ثبوتية!!

وفي (دعيني أحب يا أمي) أراد أن يتزوج الفتاة التي يختارها بنفسه وأرادت أمه أن تزوجه بحسب رأيها من أجمل فتيات البلدة، ثم لم تجد بداً من الموافقة على اختياره! وهي أضعف قصص المجموعة، فالعقدة بسيطة ولحظة التنوير لا تتناسب معها، فوقوف الأم أمام صورة الأب الراحل وبكاؤها منفردة في الغرفة لا يمكن الاقتناع به كسبب لتبدل موقف الأم؟!

وفي (نزعة إنسانية) نجح في المرة الأولى في رد مظلمة، وأخفق في الأخرى حين اتهمه السائق والجابي بالتهجم عليها والتهرب من الدفع وساقاه إلى مخفر الشرطة، لأنه ناصر أحد الركاب وتعاطف معه بعد ما صدماه بالباب ووبخاه؟! وأما (نجمة الصباح المنشودة) فقد عالجت قضية حياتية مؤرقة، وهي العلاقة بين المؤجر والمستأجر، والعجز الذي يبدو في القوانين لحل المشكلة، انقلبت اعترافات شخصيات هذه المجموعة إلى بث للهموم، وطرح لمشكلاتهم ومعاناتهم، وقد فُرضت عليهم ظروف لا يَدَ لهم في إيجادها، ولا قوة لديهم على احتمال تبعاتها.. وقد غلب الحوار في بعض قصصها كما في قصة (الأول، فتى دنكرك) وأخذ السرد بلسان المتكلم نصيبه منها كما في (العقدة، قصاصة من ورق) وتحدثت بضمير الغائب كما في (سر ساكن الجبل) فالقاضي فيها ينقلب إلى محام متعاطف مع أناس هو أفصح منهم لساناً، وأقوى حجة!! كا استعملت أسلوب الرسالة في (دعيني أحب يا أمي) واستعانت بالخيال في (نجمة الصباح المنشودة) فعاد الأموات لحل مشكلة السكن التي عجز عن حلها الأحياء.. وفي الإجمال فإن المجموعة تجد صداها في نفوس القارئين، لأنها قريبة من مشكلاتهم، وقد اعتمدت أسلوباً رفيعاً يشير إلى تمكن الكاتب من لغته واستخداماتها.

===========================

السوريون الأميركيون والانتخابات الأميركية

وائل السواح

العربي الجديد

الثلاثاء 6/11/2018

يتوجّه الأميركيون اليوم إلى صناديق الاقتراع، لاختيار كلّ أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ الأميركيين، إضافة إلى عدد من حكّام الولايات والمجالس المحلية. والسوريون الذين أعرفهم في الولايات المتحدة منقسمون، ليس بين سوري وسوري فحسب، بل في داخل كلّ سوري. فمن جانب، معظمهم من الطبقة الوسطى أو الوسطى - العليا، ومعظمهم ذوو تعليم جيد، ومتوسط دخلهم أعلى من متوسط رواتب العمال المهاجرين والعمال الأميركيين الآخرين. ولدى معظمهم من هذه الناحية جانب ليبرالي، يميل إلى الديمقراطيين. على أن غالبية السوريين محافظون دينيا (مسلمين ومسيحيين)، وبالتالي فإن جانبا من كلّ واحد منهم محافظ يميل إلى الجمهوريين، غير أن عداء الرئيس ترامب البيّن والواضح للمسلمين وكل الأقليات يجعل التصويت للجمهوريين تصويتا ضدّهم. إلى ذلك، جاء قرار ترامب نقل السفارة الأميركية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس صفعة لكلّ العرب المقيمين في أميركا، وبينهم السوريون، وسيعني التصويت للجمهوريين تأييدا ضمنيا لهذا القرار، وهو القرار الذي وقف في وجهه رئيسان ديمقراطيان (بيل كلنتون وباراك أوباما) ورئيس جمهوري (جورج بوش الابن)، بعد أن صوّت الكونغرس الأميركي بغالبيةٍ كاسحةٍ على قرار النقل في 1995.

معظم السوريين الأميركيين مستفيدون من سياسة التأمين الصحي الذي استنّه الرئيس باراك أوباما، وبالتالي هم ضدّ محاولات الجمهوريين المتكرّرة إلغاء هذا القانون المعروف باسم "أوباما كير"، وهي محاولاتٌ إن نجحت ستكلّف سوريين أميركيين كثيرين تأمينا صحّيا أغلى، وربما كلّفت بعض السوريين حياتهم. في المقابل، يجعل نزوع الديمقراطيين الليبرالي المؤيد للإجهاض وحقوق المثليين السوريين الأكثر محافظةً يترددون في تأييدهم الديمقراطيين، ويجدون في أنفسهم هوىً أقرب إلى محافظة الجمهوريين نزوعهم إلى التديّن أو على الأقل إظهار تديّنهم. على أن المشكلة الأساسية بالنسبة لمعظم السوريين الأميركيين تبقى سورية نفسها.

"على السوريين الأميركيين أن يثبتوا أنفسهم رقما مهما في المشهد السياسي الأميركي"

يوجد في الولايات المتحدة اليوم من السوريين - الأميركيين ما بين مائة ألف ومائة وخمسين ألفا، ولا يشمل هذا العدد اللاجئين الجدد. وقد وقعت الهجرة السورية إلى الولايات المتحدة في موجتين متمايزتين، في أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين. واستقر هؤلاء المهاجرون بشكل رئيسي في المدن الحضرية الكبيرة، مثل نيويورك وبوسطن وديترويت. وتشير السجلات، خلال الفترتين، إلى أن نحو ألف سوري من دمشق وحلب كانوا يدخلون رسميا الولايات المتحدة سنويا. ووفقا لمعهد سياسات الهجرة، يصبح المهاجرون السوريون مواطنين متجنسين بمعدل أعلى بكثير من السكان المهاجرين الآخرين، لأن سوريين عديدين يدخلون الولايات المتحدة بشكل قانوني.

وبعد انطلاقة الثورة السورية، بدأ السوريون - الأميركيون تنظيم أنفسهم على أساس آرائهم السياسية، في أول محاولة جدّية لهم للالتقاء خارج إطار العائلة أو الجماعة الدينية (كنيسة أو مسجد). وتركزت نقاط التقائهم (وافتراقهم) على موقفهم من الثورة ومن نظام الأسد في سورية. وأسّس السوريون المعارضون لبشار الأسد منظمات غير حكومية، مثل المجلس السوري الأميركي والجمعية الطبية السورية - الأميركية. وكان أكثر أشكال التعبير عن التضامن انتشارا بين السوريين الأميركيين التبرّعات المالية لجهود الإغاثة الإنسانية. وتتعالى هذه البادرة التضامنية فوق الفوارق الدينية والسياسية.

بيد أنهم، ونتيجة خيبة أملهم إزاء تقاعس الإدارات الأميركية، بدأوا يتحوّلون نحو مزيد من المشاركة السياسية. وكانت الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 نقطة تحوّل إلى الدعوة السياسية، حيث واصل السوريون - الأميركيون تقديم التبرعات لمرشّحين أميركيين كانوا في الغالب جمهوريين، لكنهم، في الوقت نفسه، بدأوا بإيجاد منظمات سياسية حسنة البناء في محاولة للتأثير على السياسة الأميركية. وأنشئت لجنة العمل السياسي من أجل سورية الحرة، للسماح للأميركيين السوريين قانونيا بدعم أعضاء الكونغرس الذين دافعوا عن أجندة أعمالهم. وبالمثل، دعا المنتدى السوري - الأميركي إلى الحفاظ على الدولة السورية، ورفض التدخل الأميركي. وأنشئت منظماتٌ أخرى، مثل شبكة الجالية السورية، لتنسيق المساعدة المقدمة للاجئين، وإدماجهم في مجتمعاتهم الجديدة. وفي المقابل، حشد السوريون المؤيدون للأسد قواهم في إضفاء الشرعية على النظام السوري، والاحتجاج على التدخل الأميركي في سورية، كما حدث في عام 2013، حيث انقسم السوريون في مظاهرات مؤيدة للضربة التي كان يعتزم القيام بها الرئيس باراك أوباما أو معارضة لها.

ينقسم السوريون أمام صناديق الانتخابات بين معارض سياسة الرئيس السابق أوباما التي يراها سوريون تخاذلية أمام نظام بشار الأسد، وتغلغل الروس في بلدهم الأم، ومعارضٍ لتدخل ترامب العسكري في سورية، وضربه نظام الأسد في عامي 2017 و2018. وهكذا يجد الناخب السوري - الأميركي المؤيد تدخلا أميركيا أقوى في سورية لإنهاء الحرب، وإجبار النظام على القبول بالانتقال السياسي، أقرب، من هذه الناحية، إلى الرئيس دونالد ترامب ومجموعة الجمهوريين في الكونغرس، المؤيدين تدخلا أوسع. ولكن هذا السوري نفسه يشعر بالخوف وعدم الأمان من سياسات ترامب الصحية والاجتماعية، ومن مواقفه العنصرية وتصريحاته

"في الولايات المتحدة اليوم من السوريين - الأميركيين بين مائة ألف ومائة وخمسين ألفا، ولا يشمل العدد اللاجئين الجدد" المخيفة ضدّ المهاجرين، وقد يشعر هذا السوري بالسخط من ترامب، لأنه لا يستطيع إحضار ذويه من سورية بالسهولة التي كانت قائمة قبل ذلك. وفي المقابل، يشعر المتحمّسون لسياسات الديمقراطيين الليبرالية بالخيبة إزاء موقف هؤلاء من القضية السورية، وسياساتهم التي أدّت إلى تعزيز نظام الأسد، وإضعاف المعارضة وتفتيت سورية.

سوريون أميركيون كثيرون تحدثت إليهم أخيرا متردّدون. معظمهم في المحصّلة الأخيرة أقرب إلى الديمقراطيين، بسبب عنجهية ترامب، وتدنّي خطابه وعنصريته وتعصّبه، لكنهم يفتقرون إلى الدافع الذي يجعلهم يتوجهون صباحا إلى مراكز الاقتراع، وقد يختار السوريون، في النهاية، الجلوس إلى شاشات التلفزة ومتابعة النتائج.

وعلى أية حال، يبقى الاقتراع حقّا وواجبا. وعلى السوريين الأميركيين أن يثبتوا أنفسهم رقما مهما في المشهد السياسي الأميركي. وبينما ينطبق ذلك على كلّ السوريين، فإنه ينطبق أكبر على شباب الألفية الجديدة الذين عليهم، على عكس آبائهم، أن يتقنوا اللعبة السياسية الأميركية.

==========================

خطورة إيران على مستقبل سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 6/11/2018

تؤشر الوقائع السياسية والميدانية إلى حقيقة السيطرة الإقليمية والدولية على سوريا، حيث تقتسم التحالفات والدول أنحاء البلاد عبر القوة المباشرة، أو بواسطة أدوات ووكلاء محليين وبالتعاون معهم، وينطبق الأمر على القوى المتنافسة من الروس والأميركيين إلى الإيرانيين والأتراك وغيرهم إلى درجة يمكن القول معها إن السوريين بمن فيهم نظام الأسد والتشكيلات المسلحة المعارضة له، لا حول ولا قوة لهم، وإنهم مجرد وكلاء وأدوات محلية للقوى الخارجية المتصارعة في البلاد، وإنهم خارج القرار المتصل بالتسوية وبمستقبل سوريا.

وحقيقة السيطرة الخارجية القائمة، تفرض حقيقة أخرى ترافقها، ترسم صوراً أخرى لمستقبل البلاد البعيد، وهي سياسة تمارسها كل القوى الخارجية. لكن ثمة تمايزاً روسياً - إيرانياً في هذا المجال، حيث يؤسس الطرفان بخطوات عميقة، وبخاصة النظام الإيراني، لتكون لهم سيطرة تتجاوز المرحلة الحالية، ويستند مسعى الطرفان إلى جملة من المعطيات الأبرز فيها ثلاث؛ أولاها علاقاتهما القديمة والمتشعبة مع نظام الأسد، وهي علاقات تمتد عشرات السنين، تمت في خلالها إقامة روابط سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية مع النظام ومع أوساط في المجتمع السوري وداخله.

والثانية خضوع نظام الأسد لحضور القوتين الروسية والإيرانية، واعتماده عليهما في البقاء وفي إعادة سيطرته على البلاد، ودورهما في إعادة تأهيله للاندماج في المجتمع الدولي رغم كل ما ارتكبه من جرائم في السنوات الماضية، التي طالت آثارها معظم بلدان العالم، خصوصاً لجهة ثلاثة تداعيات؛ نمو الإرهاب العالمي وقضية اللاجئين، والمساعدات الإنسانية، التي تجاوز حجمها ما يحتمل العالم تقديمه، أو ما اعتاد المجتمع الدولي تقديمه في سابق الأزمات الإنسانية المماثلة، وهذه كلها فرضت على النظام استجابات سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية لطموحات ومطالب الروس والإيرانيين.

والثالثة تكمن في وجود استراتيجية روسية وأخرى إيرانية، ترى كل منهما ضرورة وجود مستقبلي مديد لهما في سوريا. إذ ترى روسيا في سوريا مكاناً لها في المياه الدافئة، وبوابة للتمدد في العالم العربي، وساحة للمساومة والتسويات في قضايا تتصارع فيها مع قوى دولية وإقليمية مثل قضية شبه جزيرة القرم. فيما ترى إيران سوريا جزءاً من استراتيجية تمددها الإقليمي، كما تعبر عنها فكرة الهلال الشيعي الممتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق، وما لها من أثر في الصراعات البينية في شرق المتوسط، وأن سوريا واحدة من ساحات تساعدها في المساومة على مشروعها الأهم في امتلاك قدرة نووية.

وإذا كانت جملة السياسات الروسية والإيرانية، عززت مكانة الطرفين في سوريا، فإن التوقف عند نوعين من تلك السياسات أمر مهم لرؤية بعد مستقبلي، قلما جرى الانتباه إليه، وهو التركيز على فئتي الشباب والأطفال السوريين من جانب الطرفين.

ففي التركيز على الشباب، يسعى الطرفان، إلى تنظيم الشباب في صفوف قوات وميليشيات تخضع كلياً لقيادتهم، ومعزولة بصورة كاملة عن نفوذ وتأثيرات حليفهم نظام الأسد، وقد نظم الروس آلاف الشباب السوريين في تشكيلات عسكرية، يتم تدريبها وتسليحها وتمويلها وتحديد مهماتها من جانبهم، وأرسلوهم للانتظام في المدارس العسكرية الروسية لتخريجهم ضباطاً وقادة، ليكون لهم دور في المؤسسة العسكرية السورية ومستقبل البلاد، وهو ما أكده تقرير بثته محطة «RT» الروسية الناطقة بالعربية.

والجانب الآخر في سياسة روسيا، يتعلق بالتوجه نحو تعليم اللغة الروسية للسوريين، وقد تولى نظام الأسد تلك المهمة بمؤازرة روسية في إعداد بنيتها التحتية، من أجل إعادة إحياء تعليم الروسية بعد توقفه قبل عقود. فعقدت اتفاقات لتأهيل أساتذة سوريين في الجامعات الروسية، بالتزامن مع قرار وزارة التربية السورية جعل الروسية لغة ثانية اختيارية في الصف الأول الإعدادي وما فوق، اعتباراً من عام 2014، وتم تنشيط المعاهد الخاصة لتدريس الروسية في مناطق سيطرة النظام، وجرى إصدار مرسوم جمهوري لإحداث قسم تعليم الروسية في جامعة دمشق، واتخذت كل من وزارتي التربية والتعليم العالي خطوات إجرائية هدفها تقوية تعليم الروسية في جميع المستويات التعليمية، ما سيعزز وجود روسيا في سوريا.

أما إيران فاتجهت إلى تجنيد الشباب والأطفال. فقد فتحت الميليشيات الإيرانية أبوابها لضم آلاف الشباب في صفوفها تحت ضغوطات الترهيب والترغيب مستغلة الظروف الصعبة التي يواجهونها، وانفرد حزب الله اللبناني التابع علناً لدولة الولي الفقيه، ليس بضم شباب سوريين إلى ميليشياته المقاتلة فقط، بل أقام معسكرات تدريب لأطفال سوريين ممن فقدوا عائلاتهم، والتجربة الأبرز في هذا الجانب معسكرات مدينة القصير في ريف حمص، التي دمرها حزب الله، وطرد من لم يقتلهم من أهلها في مايو (أيار) من عام 2013.

وبخلاف التوجه الرسمي الذي تتابعه حكومة الأسد في تعليم الروسية، فإن تعليم اللغة الفارسية للسوريين، جهد تتشارك فيه حكومة الأسد مع المؤسسات الإيرانية الرسمية والخاصة. وتعود بداية تعليم الفارسية رسمياً إلى عام 1990، حيث تم في جامعة دمشق إنشاء مركز تعليم اللغة الفارسية بمرسوم جمهوري، وهو نشاط امتد في السنوات الماضية إلى جامعتي البعث في حمص وتشرين في اللاذقية، مترافقاً بانتشار تعليم الفارسية من جانب الإيرانيين عبر مؤسسات رسمية، تشرف عليها المستشارية الثقافية الإيرانية بدمشق، ومؤسسات دينية إيرانية تتبع الحوزات الشيعية، وباستثناء تأكيد حضور إيران في الحياة السورية، فإن الهدف الأساسي لإشاعة الفارسية، يكمن في نشر ثقافة التشييع وسط السوريين، خصوصاً الأطفال الذين تقدم مراكز تعليم اللغة لأكثرهم إعانة مالية، تعزز صلتهم بتعلم اللغة، وتعزز السيطرة الطائفية على عقولهم، حيث صار تعليم الفارسية من إحدى بوابات التشييع في سوريا.

خلاصة الأمر في جهود إيران للتأثير العميق في مستقبل سوريا، أنه أن خصوصيتها، فيما تجده من دعم نظام الأسد، ودعم رسمي وديني إيراني، تجعل من تلك الجهود خطراً مستقبلياً على الدولة السورية ومستقبل السوريين في نظامهم السياسي المقبل وفي تركيبتهم السياسية والثقافية.

==========================

قراءة مغايرة لإرث دي ميستورا

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 5/11/2018

ليس هدف هذا المقال الدفاع عن المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، وإنما قراءة تجربته بناء على معطيات السياسة وموازين القوى الدولية. وهذا يقود أولا إلى مسألةٍ في غاية الأهمية، هي أن إنجازات دي ميستورا أو مواقع فشله، ليست مرتبطة في قدراته وإمكاناته بالدرجة الأولى، بقدر ما هي مرتبطةٌ بما هو متاح له من القوى الدولية الفاعلة للقيام به. ويقودنا ثانيا إلى ضرورة نزع أية اعتباراتٍ أخلاقية عن رؤية المبعوث الأممي للحل في سورية، كما ذهب بعضهم إلى ذلك، حين اعتبروا أن خطأ دي ميستورا الكبير أنه لم يتعامل مع جذر الأزمة المتمثل في البعد الأخلاقي، أي النظر إلى الأزمة من حيث أنها بالأساس ثورة، وليست نزاعا مسلحا.

بعبارة أخرى، يمنعنا إضفاء أي بعد أخلاقي على عمل دي ميستورا من رؤية اتجاه رياح السياسة الدولية وفهمها، فإذا كانت مهمة كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي قد فشلتا، فذلك لأن طبيعة المرحلة آنذاك لم تسمح بحدوث اختراقاتٍ، بغض النظر عن الشخوص الوسيطة في النزاع. وإذا كان دي ميستورا قد حقق بعض التقدم، فذلك لأن طبيعة المرحلة اختلفت، وفرضت معطياتٍ سمحت للرجل بتقديم شيء ما، بدا مرفوضا من المعارضة والنظام على السواء، لأن النظام لا يريد أي تقدّم في العملية التفاوضية السياسية، في حين تريد المعارضة كل شيء، وما فشلت في تحقيقه على الأرض تريد الحصول عليه من بوابة السياسة.

"من شأن التوصل إلى دستور جديد، أو إعلان دستوري، أن يبلور تصوّرا واضحا لشكل الحكم المقبل"

هاتان رؤيتان متناقضتان ومخالفتان حقيقة الواقع. ولذلك رفضتا مسار دي ميستورا مع ما يمثله من انعكاسٍ لماهية الواقع الدولي.

وبالنسبة للمجتمع الدولي، كان لا بد من كسر الستاتيكو السياسي الحاصل، وإعادة البحث عن حلول خلاقة، فتوصلت موسكو وواشنطن إلى أن الحل السياسي غير ممكن، من دون تهيئة الظروف المناسبة له، ثم توصلتا لاحقا إلى أن صيغة قرار مجلس الأمن الدولي 2254 يصعب تطبيقها، وكانت مهمة دي ميستورا تجسيد هذه التفاهمات عمليا.

قُلبت، في مرحلة دي ميستورا، استراتيجية التفاوض من الأعلى إلى الأسفل. وليس معلوما تماما ما إذا كانت عملية القلب هذه كانت من أفكار المبعوث الأممي، أم هي من أفكار مؤسسة راند التي قدّمت في تقاريرها الأربعة "خطة طريق من أجل سورية"، رؤية للحل في سورية، تبدأ من الميدان، وتنتهي في السياسة.

وفي كل الأحوال، طبقت الخطة، وأنشئت مناطق خفض التوتر لتحقيق هدفين، الأول التفرغ لمقاتلة "داعش"، والثاني لإقصاء المعارضة تدريجيا عن المشهد العسكري. وفي مرحلته أيضا، تم استبعاد سلة الحكم من عملية التفاوض، والانتقال إلى سلة الدستور، في مخالفةٍ واضحةٍ للفقرة الرابعة من قرار مجلس الأمن 2254 الذي ما زال المرجعية السياسية والقانونية الوحيدة للحل في سورية. وقد نجم هذا التغيير عن قراءةٍ تعتبر أن التراتب الذي حدده هذا القرار (الحكم، الدستور، الانتخابات) لن يفضي إلى أية نتائج، فالبند الأول (الحكم) يتضمن تقاسما للسلطة، وهو مسألةٌ في غاية التعقيد، بسبب تشابك النظام مع الدولة أولا، وبسبب تعقّد بنية المؤسستين، الأمنية والعسكرية ثانيا، وبسبب أن النظام ليس في وارد التنازل عن جزءٍ من سلطاته، من دون معرفة إلى أين سينتهي المسار السياسي ثالثا.

لذلك لجأت الأمم المتحدة إلى سلتي الدستور والانتخابات، فمن شأن التوصل إلى دستور جديد، أو إعلان دستوري، أن يبلور تصوّرا واضحا لشكل الحكم المقبل.

بعبارة أخرى، الاتفاق على سلتي الدستور والانتخابات يعني بالضرورة الاتفاق على جزءٍ من المبادئ السياسية العامة، فلا يمكن بأي شكلٍ إعادة صياغة الدستور والانتخابات بمعزلٍ عن المبادئ العليا للانتقال السياسي، وهذه خطوةٌ تكتيكيةٌ مهمةٌ، تساعد وتسرّع في الوصول إلى تفاهمات.

على سبيل المثال، سيتضمن الدستور الجديد المبادئ العامة لشكل نظام الحكم وآلية الإصلاحين، السياسي والإداري، شرط أن تنشأ، بعد مرحلة كتابته، بيئةٌ محايدةٌ تقود إلى انتخاباتٍ حرّة ونزيهة.

لم يضع دي ميستورا معالم محددة لتغيير/ تعديل الدستور، وإن اكتفى بالقول إن تغيير النظام السوري سيكون من بوابة الدستور والانتخابات. ولكن من وثيقته المعدلة ذات الـ 12 بندا، يبدو أن الأمم المتحدة تميل إلى تعديل الدستور الحالي، المشكل منذ عام 2012، بحيث ترقى التعديلات إلى تغييرات مهمةٍ في منطوقه، وتؤسس لعملية حوكمةٍ لا تؤدي إلى إسقاط النظام الحالي، ولا تسمح له، في الوقت نفسه، بإعادة إنتاج نفسه.

لقد ترك دي ميستورا وراءه إرثا يستطيع المبعوث الجديد البناء عليه، بغض النظر عن النتيجة النهائية للحل التي تخالف رؤيتنا في ضرورة القضاء نهائيا على نظام الاستبداد.

==========================

في الدينامية الثورية وضرورة إسقاط الأنظمة

عمار ديوب

العربي الجديد

الاحد 4/11/2018 

انطلقت الثورات العربية بسبب السياسات الاقتصادية الليبرالية؛ فهذا الجديد الذي أوجد أزماتٍ اجتماعية كبيرة، وأجبر الناس على الثورات، وحتى في غياب أحزابٍ فاعلة، أو أية أشكال تنظيمية توحّدُ البشر. القمع قديم، لكنه أخضع البشر وأذلّهم ولم يُثوِّرهم. أمّا الأزمة الاقتصادية فهي المسبب الفعلي. القمع، في أتون الثورات وقبله، يعد سبباً أيضاً للثورات، ولكن بالدرجة الثانية.

الآن، هل انتهت الأزمة حتى تنتهي الثورات؟ ما حدث للربيع العربي من إخفاقات (وثورةٍ مضادّة)، ولأسباب متعدّدة، ومنها الأنظمة والتدخلات الخارجية والحروب والإسلام السياسي والمعارضات الفاقدة البرامج الاجتماعية الشعبية، أقول كلها أسباب منعت تطوّر الثورات وإسقاط الأنظمة بشكل كامل. ولكن ما لا ينبغي تأكيده، من دون اشتراطات، أن الأنظمة نجحت والثورات فشلت؛ فأولاً هناك أنظمة سقطت، كالتونسي والمصري والليبي واليمني، وهناك أنظمةٌ دخلت في حروبٍ كبيرة، كسورية وليبيا واليمن، وهناك أنظمةٌ استعادت الديكتاتورية كمصر. وفي تونس، هناك نظام سياسي لم يستقر شكله بعد، على الرغم من اعتماده الديمقراطية بشكل شبه نهائي.

هذه التغيرات مهمة، وحدثت بسبب الثورات، لكن الاستقرار الجديد (ديكتاتورية، حروب،

"مهمة الثقافة العقلانية الثورية دراسة الواقع وما تموضعت عليه أحوال العالم العربي" احتلالات، ديموقراطية متدنية) لا تعني، بأي حالٍ، أن الربيع العربي انتهى إلى غير رجعة؛ فبعد موجة التراجع للثورات، انتفض كل من العراق والمغرب والأردن. إذاً، الثورات والانتفاضات المتكرّرة قابلة للتجدّد. الهزائم التي مُنيت بها الثورات لم تترك الأنظمة قوية أبداً؛ فالنظام السوري أصبح أداة للاحتلالات، والمصري والتونسي مرهونان للبنوك الدولية، وبالكاد اليمن وليبيا يمنعان التقسيم. السؤال الآن: هل يصحّ القول، بعد هذا التوضيح، "إن الدينامية الثورية قُتِلت إلى أجل غير مسمّى"، أو إن الثورات لم تترك "تراثاً"، وكذلك لا يصح القول "أين هو الربيع العربي". وما قلته أعلاه يوضح خطأ القول "سحابة الخطر المسماة الربيع العربي زالت، والشعوب العربية، دخلت في طور السكون من الشرق إلى الغرب". كما كتب غازي دحمان في مقالته "افتتاح معبر نصيب وإغلاق باب الربيع العربي" في "العربي الجديد" (19/10/2018). ويتكرر هذا الرأي في بعض مقالات الرأي العربية.

المشكلة بمنطق الصديق غازي دحمان هي نفسها لدى المعارضة السياسية؛ فالثورات لديهم حدثت لأسباب سياسية، وليس لأسبابٍ اقتصادية اجتماعية وسياسية، فهي بسبب "عقود سبعة تحت حكم الأسد المافيوي". ويضيف "لا نتيجة الغلاء في ذلك العام 2010"، بل "نتيجة تراكم للغضب والإحباط والألم والأمل". هذا منطق المهزومين الذين فوجئوا بالثورات 2010؛ أمّا الشعب فكان واقعاً تحت أنظمةٍ مانعةٍ أي شكل من الحريات، وبالتالي انساق مع رؤى المعارضة التي كانت تريد الحرية السياسية والديموقراطية، وقد حلمت بالسلطة، ووصلت إليها (مصر وتونس)، لكن مشكلتها أنها لم تقرأ الواقع، بل استفادت من حدّة تفجّره وسرعة توسع الثورات. وبالتالي، وبدلاً من رؤية أسباب الثورات، والنظر إلى حياة الناس من فقر وبطالة وتعليم سيئ وتدهور للزراعة والصناعة وتعميم سياسات ليبرالية لصالح "مافيات" مالية محدّدة، سعت خلف برامجها القديمة، وهي ترفعها قبل الثورات، باستثناء إسقاط الأنظمة. ظهرت الأخيرة وتعاظمت، بسبب الثورات الشعبية تحديداً.

انطفاء الثورة في تونس ومصر وسورية وليبيا واليمن لم يمنع تجدّدها في المغرب والأردن

"صحيحٌ أن هناك محاولة لتأهيل النظام السوري، ولكن عن أي نظام سوريّ نتكلم؟" والعراق. إذاً لا يمكن القول إن ديناميتها الثورية انتهت. إطالة أمد الحرب في سورية واليمن وليبيا كانت بغرض تعليم الشعوب الدروس الدموية بألّا يقوموا بالثورات، وربما يتأخر تفجّرها مجدّداً، وربما تخاف الشعوب بدرجةٍ ما. ولكن ماذا ستفعل الشعوب بأزمتها؟ هنا المسألة الدائمة بديمومة الأنظمة، وهي القضية التي يجب مناقشتها، وكذلك كيف ستتجدّد الثورات؟

مهمة الثقافة العقلانية الثورية دراسة الواقع، وما تموضعت عليه أحوال العالم العربي. ويقع على الدراسة هذه قراءة الوضع الاقتصادي ومعدلات الفقر. ويؤكد تراجع ألاعيب أنظمة كالتونسي والمصري، وتكشُّفُها كأنظمة تعيد إنتاج القمع والنهب والفساد بحجة الإرهاب والأسلمة، أن الثورات ستتجدّد.

التوحش الليبرالي العالمي، والذي بدأ بمصطلحات النظام العالمي الجديد في تسعينيات القرن المنصرم والعولمة والخصخصة واللبرلة، باعتبارها بدائل عن الأنظمة الاشتراكية، ودول "الشراكة بين العمال ورأس المال في أوروبا" وصل إلى نهايته، مع تفجر الأزمات الاقتصادية في عام 2008، والتي لم تتوقف أبداً، وأخذت أشكالاً عدة، حتى تفجّرت عربياً 2010؛ أقول إن هذا الشكل من التوحش يفرض الثورات بشكل حتمي. وبالتالي ضمن تحليلٍ كهذا، ليس هناك من حلول ممكنة للأزمات، في ظل أنظمة التبعية والديكتاتورية والحروب الأهلية والاحتلالات.

التعقيدات التي شكلتها الأنظمة السابقة والاحتلالات أمام الشعوب وتوريطها بالطائفية والإقليمية و(القومية والإثنية) والقبلية، لا تقدم حلولاً للمشكلات، وربما تُسهل دفعها في حروب طويلة الأمد؛ ولكن ذلك لا يعني بأي حالٍ أن الواقع يمكن أن يستقر، والتناقضات يمكن أن تتجمّد، فمع غياب العمل والجوع واستمرار الحروب وتدهور كل المرافق، كالصحة والصرف الصحي والتعليم والبنية التحتية، ليس هناك إلا التفجرات الاجتماعية، والثورات والمشاريع الوطنية.

برز الإسلام السياسي إشكالية كبرى مع تفجّر الثورات، فهو يبيع الأوهام للناس بمشروع ديني، ولا أحد يعرف ماهيته خارج الكلام عن (الإسلام هو الحل)، أو هو دنيا ودين، بينما هناك

"إطالة أمد الحرب في سورية واليمن وليبيا كانت بغرض تعليم الشعوب الدروس الدموية بألّا يقوموا بالثورات" أطروحات من نقاد له، وتتكلم عن ما بعد الإسلام السياسي، أي دمقرطته، واعتماده المواطنة، وتخليه عن الدين في السياسة واقتصاره على الأخلاق والدعوة الدينية. تجربة حركة النهضة في تونس مهمة، وكذلك تجربة تركيا، لكنها استثناءات. الفكرة الأخيرة يتداولها نقاش عربي وإسلامي واسع، ويؤكّد ضرورة أن ينحصر الدين بمجالي الدعوة والأخلاق. وبالتالي، ومع تفجر الثورات مجدّداً، يجب العمل من أجل مشاريع وطنية، رافضة الطائفية والقبلية والمناطقية، وتراعي التنوع القومي والإثني. أقول هذه قضايا الثورات، فما هو المشروع الاقتصادي القادر على تأمين العمل، وما هو شكل النظام السياسي المانع عودة الديكتاتورية وإجبار الإسلام السياسي على الدمقرطة، وكيف ستتم مواجهة التبعية والاحتلالات (العراق، سورية) مثلاً.

لم تنته الأحلام "بالحرية والعدالة"، ويجب أن تنتهي مشاريع المعارضات في الديموقراطية، فهناك حاجات متعدّدة للشعوب، ويجب أن تُطرح على بساط البحث. ومن دون تلك الحاجات "المطالب" المتعدّدة، لن تتمكّن الثورات من الانتصار، وربما على الثورات أن تثور ضد الأنظمة والمعارضات معاً.

المعابر التي فتحها النظام السوري، لن تفيده بشيءٍ يذكر، والنظام الإقليمي، وبدءاً بالأردن ولبنان، لم يتجاوز أزماته، وبالتالي صحيحٌ أن هناك محاولة لتأهيل النظام السوري، ولكن عن أي نظام سوريّ نتكلم، وروسيا وأميركا وتركيا وإيران وإسرائيل يتحاصصون سورية، وهو ما سينعكس في نظامها السياسي مستقبلاً؟

==========================

رسائل الجولان المتقاطعة

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 4/11/2018 

السيدة سميرة رضا عمران، من قرية عين قنية الجولانية المحتلة، دخلت بوابات الصحافة الإسرائيلية والأمريكية (“هآرتز” ثمّ “واشنطن بوست”، على سبيل المثالين)، لأنها ببساطة شاءت الخروج عن الإجماع الوطني العام في الجولان، وقررت ترشيح نفسها لـ”انتخابات” المجالس المحلية. وهذه البدعة مهزلة جديدة أدخلتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمرة الأولى منذ احتلال الهضبة سنة 1967، ثمّ ضمّها إلى الكيان الصهيوني سنة 1982؛ بعد أن كان وزير الداخلية الإسرائيلي يسمّي مجالس القرى الأربع (مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنية) عن طريق التعيين.

دخلت السيدة عمران، إذن، لكي تخرج مجدداً من البوابات ذاتها، محمّلة هذه المرّة بأثقال مآل لم يكن هزيمة نكراء، فحسب؛ بل اتخذ صفة المأساة التي تُضحك، حين تُبكي: من أصل 1618 ناخباً سجلتهم سلطات الاحتلال على لوائح الاقتراع، شارك 21 شخصاً؛ وأمّا المرشحة العتيدة فقد نالت… صوتاً واحداً وحيداً، كان صوتها أغلب الظنّ! المأساة، لمَنْ يعنيه هذا الجانب من المعادلة، تمثّل في أنّ عمران لم تكن غافلة عن وجود الاحتلال (“هذه حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها”، قالت في حوار مع “واشنطن بوست”)؛ ولكنها، في المقابل، توهمت أنّ انتخابها يمكن أن يخدم “الشباب الذين يحتاجون إلى العيش وإلى توفير بيئة صحية ونافعة تتيح لهم التقدّم”!

ليس هذا رأي الأغلبية الساحقة من أهل الجولان المحتل، غنيّ عن القول؛ بدليل أوّل هو نسبة المقترعين التي كانت أقرب إلى المقاطعة المطلقة والجماعية، وأدلة أخرى تكاثرت قبيل “الانتخابات” وخلالها وبعدها، بما في ذلك اضطرار الاحتلال إلى إلغاء المهزلة في مسعدة بسبب انسحاب جميع المترشحين. ذلك لأنّ التذرّع بإدارة الشؤون المحلية والبلدية ذاتياً، وعن طريق الجولانيين أنفسهم، لم ينتهِ على مدى نصف قرن ونيف إلى ما هو أوضح من شرعنة الاحتلال وتجميل المحتلّ وتطوير أدوات استدراج السوريين أبناء الجولان نحو حيازة الهوية الإسرائيلية.

صفة أخرى بالغة الأهمية لانتصار الجولانيين على هذه المهزلة الاحتلالية الجديدة، تجسدت في غلبة روح التعدد ضمن الاختلاف، والقبول بالرأي الآخر؛ في مقابل روح التعصب والانغلاق، فضلاً عن التخوين والشماتة. وتلك كانت ستراتيجية صائبة، وطنياً وأخلاقياً، اعتمدها الحراك الشبابي في قرى الجولان، ويُرجى أن تتأصل أكثر فأكثر بعد انكشاف حدود اللعبة. استطراداً، بدا واضحاً للاحتلال أنّ تقسيم الجولانيين إلى فِرَق (مع “الانتخابات” أم ضدها، الانحياز إلى سوريا الدولة أم إلى سوريا الانتفاضة، إطاعة المشايخ أم إعلان العصيان في وجوههم…) آل إلى فشل ذريع، والمنتصر الأكبر في نهاية المطاف كان خيار رفض الاحتلال والتشبث بالهوية الوطنية السورية.

ولأنّ هذا الانتصار ليس جديراً باسمه إلا إذا اقترن حقاً ببُعده الأوسع، أيّ التكامل مع المقاومة الفلسطينية في وجه الاحتلال ذاته والسلطة الاستيطانية العنصرية إياها؛ فقد تناغمت مواقف الرفض الجولانية مع تلك التي أعرب عنها فلسطينيو القدس الشرقية، الذين أبلغوا المحتلّ رسالة مماثلة حول الصيغة المقدسية من المهزلة. الأصداء تقاطعت بالطبع، ليس على صعيد تثبيت المقاومة وتأكيد الهوية فقط، بل كذلك في مستوى الاتصال مع العمق الوطني الداخلي، الفلسطيني في حال القدس، والسوري في حال الجولان.

ويبقى أنّ موقف النظام السوري من هذه الانتفاضة الجولانية الجديدة، التي تعيد التذكير بانتفاضة شباط (فبراير) 1982 حين فرض الاحتلال الإسرائيلي قوانينه على قرى الجولان المحتلة؛ لم يكن له أن يتجاوز، بدوره، حدود المهزلة في الاكتفاء بالضجيج والعجيج وإرسال مفتي النظام لإضافة الإهانة إلى الجرح، في مناسبة تسليم القنيطرة، وعشرات البلدات والقرى والتلال الحصينة، لقمة سائغة أمام الجيش الإسرائيلي.

كأنّ أبصار الجولانيين حسيرة عن مرأى دبابات النظام التي أدارت ظهرها للاحتلال، وانخرطت في ذبح السوريين وتدمير سوريا.

==========================

موقفنا : التنديد بأنفسنا

زهير سالم

٧/١١/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

التنديد بأنفسنا أصبح ديدنا لطبقات من النخب ولسان حال الكثير من السواد.

النخب على خلفياتها المختلفة إسلامية وعلمانية تقليدية وحداثية تندد بمجتمعاتنا . تندد بعقائدنا بشرائعنا بعاداتنا بسلوكياتنا بأفرادنا بجماعاتنا بهيئاتنا بصورتنا بفصائلنا بمواقفنا بحركتنا بسكوننا وبكل اختياراتنا .

ودائما عندما يحضر " نحن وهم " تحضر المقارنات والمقايسات الفاسدة أو الظالمة والقاسية .

وهذا التنديد يفتقد الموضوعية أولا فهو يقوم على أسس فاسدة وقواعد مختلة ، ومعطيات غير صحيحة أو غير دقيقة . وهي فيما تنهجه تقفز على كثير من الحقائق التاريخية والظرفية التي تتحكم فيما نحن فيه ؛ أو فيما نعمل على الخلاص منه.

وهذا التنديد يفتقد الحكمة من جهة أخرى ولاسيما حين يصدر عن " معلم " وجب حسب حضارتنا ان يكون مبشرا ميسرا قريبا . يفتقد هذا التنديد الحكمة التي تضع " الهِناء موضع النقب" كما تقول العرب فتحاصر الداء وتداويه ولا تنشره ليقول أحدهم للناس انظروا هذا صحيح وانا سليم وعلى هذا قام علم نفس الغيبة والمغتابين .

لا أحد ينكر أن في مجتمعاتنا ؛ في تديننا وفِي علمنتنا وفِي سلوكياتنا وعوائدنا الكثير من الأخطاء والخطايا ولكنها مع ما نحن فيه من ضعف وفقر وذلة في دائرة الشر المغلقة والمحكمة علينا من قبل الآخرين الذين نتمدح ونتمسح بهم تبقى المرض الذي يصيب الجسم الصحيح . لقد تم حقننا بكثير من هذه الأمراض وبعضها ورثناها كلالة أي أنها لم تكن ثمرة طبيعية لشجرتنا الطيبة المباركة.

ليس دعوة لان نكون تاريخانيين ولا ماضويين ولكن لنحدث المغلوب عن عناصر قوته وأيام مجده كما نحدث المريض عن الصحة والقوة والشفاء .

لقد كتب الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله " حضارتنا وحضارتهم " واختار لآخر مجلة أرادها للتعبير عن فقه وفكر الإخوان المسلمين عنوان " حضارة الإسلام" في الوقت نفسه كان سيد قطب رحمه الله يكتب " الإسلام هو الحضارة "

ليركز خطابنا على استثارة مكامن القوة في مجتمعاتنا وفِي أمتنا وفِي شعوبها. وإنها لأستذة حمقاء ان يظل الاستاذ يقرع تلاميذه بضعفهم أو بفقرهم أو بلون بشرتهم.

أوقفوا طوفان الجهر بالسوء ؛ فإن الله تبارك الله لا يحبه . وقولوا للناس حسنا قولا كريما لينا رقيقا يدعو إلى المعالي ويحث عليها. فإن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها وسفاسفها.

______________

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

إعادة الإعمار للأصنام والتماثيل في سوريا المنكوبة

فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاحد 4/11/2018 

نصف الشعب السوري وربما أكثر بين لاجئ ونازح ومشرد، وملايين المعتقلين والقتلى والجوعى. ووضع معيشي رهيب، وأسعار نارية تكاد تقتل المواطن السوري الذي لم يعد يستطيع براتبه الذليل أن يشتري الخبز ويدفع بعض الفواتير. وضع اقتصادي خطير، بحيث تحتاج سوريا مئات المليارات من الدولارات لإعادة البناء، ولا يتوافر معها سوى الملاليم، اللهم إذا استثنينا مئات المليارات التي يودعها رأس النظام وعصابته القريبة في البنوك الروسية والغربية في حساباتهم الخاصة. لكن بالرغم من كل ذلك، فبدل أن يبدأ النظام بالتخفيف على الأقل عن المؤيدين الذين ساندوه على مدى ثماني سنوات، وتحملوا كل أنواع الضيم والمعاناة، بدل أن يزيد في رواتبهم أو يساعدهم في حياتهم المعيشية القاسية، راح ينفق مئات الملايين على إعادة التماثيل التي داسها الشعب السوري إلى ساحات وميادين المدن السورية. ليس هناك اي إعادة إعمار سوى ترميم التماثيل المداسة، أو إعادة بنائها، وكأنه يريد أن يقول للسوريين: سأنتقم منكم جميعاً، وسأعيد إليكم الرموز القذرة التي أهانتكم وقتلتكم على مدى حوالي نصف قرن من تاريخ سوريا الحديث.

والسؤال المطروح: لماذا لا يتعلم هذا النظام الغبي من تجارب التاريخ؟ لماذا يريد أن يعرّض التماثيل للبصاق والرفس مرة أخرى. لماذا يدفع الملايين لقاء حمايتها من الشعب الذي يتحين الفرصة لإعاد الدوس عليها وتحطيمها كما حطمها قبل ثمانى سنوات؟ هل يعلم النظام السوري لماذا ما زالت تماثيل العديد من الحكام الغربيين منتصبة في ساحات وميادين المدن والقرى الغربية منذ عشرات، لا بل مئات السنين أحياناً، بينما تقوم الجماهير بتحطيم تماثيل الحكام العرب بعد رحيلهم، وأحياناً أخرى خلال حياتهم، كما حدث ويحدث الآن للعديد من الزعماء العرب؟ السبب بسيط جداً، لأنه لا يمكن أبداً فرض التماثيل بالحديد والنار، ناهيك عن أن الشعوب هي التي تبني عادة التماثيل والنصب لقادتها تكريماً لهم، وتحميها بعد مماتهم.

أما عندنا نحن العرب، فالذي يأمر ببناء التماثيل لهذا الزعيم أو ذاك هو الزعيم نفسه أو نظامه أو المنافقون من حوله ليرهبوا الشعوب بها وبصورة على الطريقة الأورويلية دون أن يدروا أن تلك التماثيل مصيرها التحطيم والزوال والدوس تحت الأرجل في يوم من الأيام، لأن الجماهير لم تكن راضية عن أصحاب تلك النصب أثناء حياتهم، فما بالك أن تقبل بها بعد زوالهم.

بعبارة أخرى، فإن الشعوب تـُمهل ولا تـُهمل، فأحيانا ينتظر التاريخ طويلاً قبل أن يُنزل عقابه بالطغاة والمستبدين، وأحيانا أخرى يقتص منهم قبل هلاكهم، كما حدث للطغاة العرب.

كم يبدو التاريخ صارماً مع الطغاة والسفاحين من الحكام، فهو يميل دائما إلى محاسبتهم ومعاقبتهم عقاباً شديداً دون أن ينسى جرائمهم وبشاعتهم بحق الإنسانية. تلك هي لعنة التاريخ على كل الذين أزهقوا أرواح شعوبهم لإرضاء نزعاتهم الدموية السافلة والحقيرة والدنيئة، فأقاموا دولهم المضرجة بالدماء فوق أكوام من الجماجم والجثث. وقد يقول قائل في هذا السياق إن التاريخ خلّد العديد من القادة العظام الذين تلطخت أياديهم بالدماء، ولم يضرهم هذا أبداً، وهذا صحيح، لكن انتصاراتهم وبالتالي فظاعاتهم كانت ضد أعدائهم، وهذا أمر مباح، لا بل يُعتبر نوعاً من البطولة، حسب مقاييس التاريخ.

أما بالنسبة للطغاة والمستبدين الجديرين بالاحتقار فهم أولئك الذين لم ينتصروا إلا على شعوبهم بالقتل والدمار والتشريد وتكبيل الحريات ودوس الكرامات، فهؤلاء لا تحل عليهم إلا اللعنات، وهم للأسف الشديد كثر، فالماضي البعيد والقريب مليء بالستالينات العرب الحاليين والبائدين، لكن مكانهم محجوز مسبقاً في قعر التاريخ، فالأسفل للسافلين دائماً.

وكما أن التاريخ يعاقب الجزارين والجبارين بطريقته الخاصة، فإنه أيضا يكرّم العظماء الحقيقيين، فالشعوب أذكى من أن تخدعها الألقاب الكبيرة وعبارات الإطناب والتعظيم المفروضة بقوة الحديد والنار والكلاب البوليسية وأجهزة الأمن، فتماثيل العظماء الحقيقيين تبقى لمئات السنين، ولا تؤثر فيها سوى العوامل الجوية من برد وصقيع وحر.

أما تماثيل أولئك الذين يزعمون العظمة، ويحاولون فرضها زوراً وبهتاناً عن طريق الترويع والتخويف والدعاية والأكاذيب وحملات التطبيل والتزمير والنفخ فهي آيلة للسقوط في أقرب فرصة مواتية، لكن ليس بسبب تقلبات الطقس، بل بأيدي الشعوب الثائرة، فتماثيل بعض الطغاة العرب كانت تملأ ساحات وأبنية العديد من البلدان، لكن ما أن أتيحت أول فرصة للشعوب كي تقتص من جلاديها حتى انهالت على تلك التماثيل بالفؤوس والأحذية والركلات، فلم يبق منها شيء يُذكر، فتم تدميرها وأحياناً حرقها عن بكرة أبيها، فالتماثيل تبقى لأمد طويل إذا كانت الشعوب راضية عن أصحابها فقط، أما إذا كانت ضحية لهم ولهمجيتهم وديكتاتوريتهم القبيحة، فهي تكون على أحر من الجمر كي تزيلها، وتبنى مكانها مراحيض عامة انتقاماً من الطغاة وميراثهم الوسخ. أين تماثيل ونصب القادة الشيوعيين فيما كان يُسمى أوروبا الشرقية؟ لقد تم رميها في مزابل التاريخ وهو مكانها الأمثل. فالشعوب لا تنسى جلاديها حتى بعد مرور قرون على نفوقهم، لكنها أيضا لا تنسى قادتها العظام. انظر كيف عاقبت الشعوب العربية طواغيتها بتمريغ تماثيلهم بالتراب والأوساخ، وانظر كيف كرّمت الشعوب العربية أبطالها الحقيقيين الذين حرروها من رجس الاستعمار العثماني والبريطاني والفرنسي والإيطالي وغيرهم، فكل النصب التي أقامتها الشعوب لهؤلاء الثوار ما زالت شامخة تزّين ساحات الوطن العربي وميادينه بمباركة كاملة من تلك الشعوب، ورغماً عن أنوف الطغاة الذين حكموا البلاد العربية بعد الاستقلال، وحاولوا أن يفرضوا تماثيلهم الزائفة بالحديد والنار، لكن بينما ستبقى تماثيل المحررين الأصلاء منتصبة، فإن التماثيل المفروضة ستنهار عاجلاً أو آجلاً.

وينطبق الأمر ذاته على الشعوب الأخرى. انظر كيف كرّم البريطانيون وينستون تشيرتشل في استفتاء القرن! فقد اختاروه كأعظم زعيم بريطاني في القرن العشرين، وما زالت تماثيله البرونزية والحجرية منتصبة عالية شامخة في الساحات العامة والحدائق، فذكرى الزعماء العظام لا تحميها قوات الأمن والشرطة والحكومات المتعاقبة، بل ذاكرة الشعوب، أو بالأحرى ذاكرة التاريخ. ومن حسن الحظ فإن ذاكرة التاريخ ليست قصيرة جداً كذاكرة الفيل، بل تحتفظ بأدق التفاصيل، وبإمكانها أن تكشف حتى عن بقايا بصقة راقدة تحت حجر، فما بالك في عصر ثورة المعلومات. وهذا من شأنه أن يعاقب الطغاة ويفضحهم في حياتهم قبل مماتهم، ويسّهل مهمة المؤرخين في المستقبل. ولا شك أن التاريخ سعيد جداً بأدواته التأريخية الجديدة. فإلى الأمام يا تاريخ في مهامك الجليلة، وليبشر كل الطغاة بنفس المصير الذي لاقته تماثيل من سبقوهم، فمن جاء قسراً سيذهب كسراً!.

==========================

في الحاجة إلى مراجعة نقدية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 3/11/2018

بين أبرز أسباب تلاشي الثورة في سورية الانتفاء شبه التام لذلك النوع من النقد الذي يمليه الانتماء إليها، ويتم في الإطار الذي يخدمها، بواسطة القوى التي لعبت دورا كبيرا في إعدادها، وتلعب دورا تقريريا في قيادتها، تطبيقا لمبدأ يُلزم الثوري برؤية عمله بعين النقص، وليس بعين الكمال، مثلما يفعل الذين يتصدّون لتمثيل الثورة خلال سنواتها المجيدة بدور الشعب، العجاف بدورهم.

بازدواجية أهداف الثورة التي بدأت بسيطرة المذهبية  على القطاع العسكري، ومرّت بإزاحة "الجيش السوري الحر" الذي اعترض مؤسّسه، المقدم محمود هرموش، على تسليح المدنيين، ثم مرّت بتهميش دور ائتلاف قوى الثورة والمعارضة في الداخل السوري، وتفتيت حاضنة الثورة الشعبية التي طالبت بحرية شعب سورية، واستبدالها بثورة نسبتها إلى "أهل السنة والجماعة"، أخذت نصف السوريين إلى حضن الأسد.

أسقطت هذه التطورات السياسة ومؤسساتها، وأدت إلى رفض تطبيق القرارات الدولية، باعتباره مشروع خيانة يجب منع تحقيقه تفاوضيا، لأن إسقاط الأسد مسألة وقت، والحل السياسي يمنعه.

ذهبت هذه التطورات في اتجاه فصل البندقية عن السياسة، وحال دون تكامل قطاعي المعارضة، ورهن مصير الثورة ببندقيةٍ يرفض معظم حملتها الحرية ووحدة الشعب السوري، ويرى أن ما يجري في سورية هو حرب بين السنة كأغلبية وأقليات تلتف حول سلطة علوية، ستحسم بالسلاح.

بتهافت السياسة، ودورانها في حلقات كلامية عديمة الفاعلية في "الائتلاف"، انتفت الحاجة إلى نقدٍ يصحّح مسار ثورةٍ تفتقر الى برامج وخطط وقيادة موحدة، تحفل بنواقص وعيوب يرفض العسكر تصحيحها، ومثلهم الساسة، لاعتقادهم أن النقد سيطاولهم، وقد يزيحهم عن مواقعهم. بما أن الافتقار إلى البرامج والخطط حال دون وجود معايير يُقاس العمل بها، فإن مبدأ النقد اعتبر خيانة "للثورة"، تضعف قواها ويفيد منها الأسد وروسيا وإيران. وقد أسهم في غياب نقد الثورة الذاتي أن مؤسّساتها لم تكن ثورية، وأن ما مورس فيها من نقد أخذ صيغة خلافاتٍ ومهاترات افتقرت غالبا إلى الموضوعية، قوّضت ما كان قد تراكم من إيجابيات قليلة في علاقات أطرافها. لا عجب في أن غياب النقد الذاتي الثوري أسهم في مزيد من الفرقة داخل قطاعي العسكر والساسة وبينهما، وسمّم علاقات جهاتها التي اعتبرت كل واحدةٍ منها الخطأ لدى غيره، وليس عنده، واعتبره غير جدير بالانتماء إلى "الائتلاف" أو الثورة.

لم تمارس الثورة النقد الذاتي، ولذلك لم تصوب مسارها، فكان بديله نقدا تخريبيا، فاقم انشقاقات المعارضة وضخّم انقساماتها، وربما كان من المصلحة لو أنه لا يحدث، على الرغم مما أورده من اقتراحات، وقدمه من مشاريع، قدمت إلى جهةٍ ترى في النقد تخريبا، وفي نقادها خدما لأعداء الثورة.

افتقر تمرد المجتمع السوري الهائل إلى المؤونة الفكرية، الضرورية لترقيته إلى مصافّ ثورة مكتملة الأركان. بغياب هذه الترقية، لعبت الفصائلية بنهجها المعادي السياسة دورا إحباطيا احتوى الشعب كوارثه بتضحياته، منذ تحويلها من ثورةٍ للحرية إلى اقتتال مذهبي/ طائفي بين سوريين.

واليوم، لن يكون هناك، من الآن فصاعدا، أي مهمة تعلو على دراسة ما جرى خلال السنوات السبع الماضية نقديا، بالمعنى الأشمل والأعمق، الذي لا يكتفي بإظهار ما أدّى إلى احتجاز الثورة وتراجعها الذي لا تستطيع الفصائل وقفه، وإنما يبادر إلى تقديم الرؤى والبرامج والخطط الكفيلة بالاستمرار في مواجهة الأسدية، وبالمحافظة على روح التمرّد لدى السوريين، وتحقيق ثورة الحرية في الوعي تمهيدا لتحقيقها في الواقع، في مستقبلٍ غير بعيد، إن فاتنا بناؤه لتمرّدنا العظيم الراهن، أتحناه لثورة حرية وعدالة ومساواة وكرامة إنسانية آتية حتما، لن تنجح إن غدرت بها المذهبية مرة أخرى.

==========================

ياشام .. للقهر والإرهاب لا !؟

يحيى حاج يحيى

للقهر والإكراه لا

للقتل لا، للسحل لا

ولأسْرِ أحلامِ الحياهْ

كلا ولا، وألف لا

أنْ يؤخذَ الطفلُ الغريرُ رهينةً

من بعد ما قتلوا أباهْ

كلا ولا، وألف لا

 

وأنْ تخاف الأمُّ لو ذهب الصّغارُ

إلى المساجد للصّلاة

كلا ولا، وألف لا

 

أنْ يُجلدَ الفلاحُ آوى

منْ مروءته أخاهْ

كلا ولا، وألف لا

 

وأن يسوقَ الخوفُ أشباه الرجالِ

ليعلنوا يوم الولاية فرحة كذباً

ويبدوا حزنهم يوم الوفاةْ

كلا ولا، وألف لا

 

أن يُرْبطَ الإنسانُ من قدميهِ

تسحبهُ مصفحةٌ

وتغسلهُ دماه

كلا ولا، وألف لا

 

أن يقلعوا عينيْ طبيب للعيون

وما له ذنبٌ أتاهْ

كلا ولا، وألف لا

 

أن يقتلوا امرأةً مهاجرة

ويُسفك للرجال دمٌ

وهم في غربة عن موطن

عاشوا فداه

كلا ولا، وألفُ لا

 

أن يذبح السجناء مخبولٌ

ليُزجي وقته ذبْح الشياه

كلا ولا، وألفُ لا

وأن تُقطّع في الظلامِ أصابعُ "الصحفي"

ذاق الموت ألواناً بما كتبتْ يداه

كلا ولا، وألفُ لا

 

أن يصبح التفكيرِ محتاجاً

لإذن قبل أن تُبديه

في خوف  ، شفاه

كلا ولا، وألفُ لا

 

أن يُخْطَفَ العلماءُ كي يُلْقَى بهم

في قاع سجن

سيدٌ فيه الجهولُ وشرعُه فيه هواه

كلا ولا، وألفُ لا

 

أن يصبح الخطباءُ بوقاً للطغاةْ

كلا ولا، وألفُ لا!؟

إن المساجد للإله

وليس يُدعى في منابرها سواه

 

إني لأعلنُ أنكم أعداءُ هذا الشعبِ

أعداءُ الإله

وأنا أدين ُالظالمين

وألعنُ الإرهاب في كل اتجاهْ !؟

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com