العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-10-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كيف يراقب الأسد السوريين؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 8/10/2020

لا مفاجأة في كشف وثائق "المركز السوري للعدالة والمساءلة" أن سفارات نظام الأسد كانت تتجسّس على السوريين في الخارج، فكل سوري سافر إلى الخارج لأي سبب كان يعلم أن سفارات النظام وقنصلياته ليست سوى فروع أمنية، وأن مهمة جمع المعلومات كانت المهمة الأساسية لهذه البعثات. والمهام الأخرى، التجارية والاقتصادية والخدمات القنصلية ليست سوى مكمّلات للمهمة الأمنية. ويعرف الدبلوماسيون السوريون أن الرجل الأول في السفارات السورية كان "الملحق الأمني"، وليس السفير كما هو مفترض.

ولكن اللافت في هذه الوثائق استمرار سفارات النظام العمل بهذه المهمة في ذروة أزمة النظام، فالمنطقي أن تتراجع أهمية المعارضين الخارجيين لدى النظام في ظل ثورةٍ عارمة شارك فيها مئات آلاف الرجال، فالأجهزة الأمنية السورية لم يسبق لها أن واجهت مثل هذا الحدث، وليس لديها الكادر المدرّب الكافي للتعامل معه، ولا تملك الأدوات المناسبة للسيطرة على الأحداث، فكيف، في ظل هذه المعطيات، لديها القدرة على تولي أعمال إضافية، ليست على قدرٍ عال من الأهمية، بالمقارنة مع المخاطر المتأتية من معارضة داخلية باتت طلائعها على مسافة قصيرة من قصر الرئاسة ومقار الأجهزة الأمنية نفسها.

أجهزة المخابرات السورية لا تعتمد الوسائل الحديثة في العمل الأمني

ومعلومٌ أن أجهزة الأمن السورية اعتقلت، في السنتين الأوليين للثورة، مئات آلاف الأشخاص، ووضعت أسماء أكثر من مليون شخص على قوائم المطلوبين، بل في يونيو/ حزيران 2011 ، ولم يكن قد مضى على انطلاق الثورة أكثر من ثلاثة أشهر، أصدرت أجهزة الأمن قوائم بمئات آلاف المطلوبين الذين شاركوا، بطريقةٍ أو أخرى، في الثورة، وقد كشف ذلك عن حجم تغلغل الأجهزة الأمنية في المجتمع السوري، وتبين أنها تملك شبكات كبيرة في المدن والأرياف، استطاعت من خلالها جمع هذا الكم الهائل من المعلومات عن المعارضين والثوار.

وفي المعلومات التي تسرّبت لاحقاً، تبين أن إيران زوّدت أجهزة الأسد الأمنية بكاميرات حديثة لتصوير المظاهرات، وقد ذكر متظاهرون كثيرون تم اعتقالهم في الأشهر الأولى كيف أن المحققين أروهم صورهم في المظاهرات، لكن تلك لم تكن الآلية الوحيدة للاعتقال، فالجزء الأكبر من الاعتقالات كان عشوائياً، وأحيانا بدون شبهة، حينما كانت قوات الأسد تمشّط القرى في الأرياف والشوارع والمناطق في المدن، بل إن بعض مخبري النظام وشبيحته قد تم اعتقالهم، وبعضهم قتل تحت التعذيب خطأ.

في الوقت الذي تتعطّل فيه كل مظاهر الحياة في سورية، تزدهر الوظيفة الأمنية، ويصبح لها جيوش إلكترونية وأذرع خارجية

وليس سرّاً أن أجهزة المخابرات السورية لا تعتمد الوسائل الحديثة في العمل الأمني، والقائم على تحليل المعلومات والوصول إلى المعلومات الحقيقية، والجزء الأكبر من عملها يقوم على كتابة تقارير يقوم بها عناصر من الأجهزة، في الغالب من ذوي التعليم المتدني والتدريب غير المناسب، أو من أشخاص متنوعين، يعملون في مؤسسات النظام، وفي الأسواق، ودائماً يتم انتزاع الاعترافات بواسطة التعذيب الذي لا يوجد له مثيل لدى أي جهاز أمني معاصر، كما يجري تزوير هذه الاعترافات وإجبار المعتقلين على التوقيع عليها، أو حتى لا تضطر الأجهزة الأمنية للحصول على توقيع المعتقل الذي سيقتل في الغالب.

هذه الطاقة الكبيرة على العمل كانت مفهومة في السنتين الأوليين للثورة. أما بعد ذلك، ومنذ بداية 2013 إلى 2017، فستنحسر سيطرة نظام الأسد لتصل إلى أقل من 20% من مساحة سورية، وسيتم تدمير شبكاته الأمنية في الجزء الأكبر من سورية، وستصبح حماية رأس النظام وبقية أفراد العصابة الموجودين في دمشق، أهم أولويات أجهزة الأمن السورية. على الرغم من ذلك، ظلت الآلة الأمنية تعمل بكثافة وكفاءة غير مفهومتين، فقد استطاعت أجهزة الأمن متابعة السوريين في دول اللجوء، وزرعت جواسيس ومخبرين، كما حرّكت علنا أدواتها في ألمانيا وفرنسا وهولندا والسويد، وحتى تركيا، للتظاهر تأييداً للنظام، بل تجرّأ بعضهم على إرسال تهديدات للاجئين بمعاقبة ذويهم وعائلاتهم في سورية، كما أسّس في هذه الدول منظمات ونوادي ومنابر باسم اللاجئين لمتابعة تحرّكاتهم ونشاطاتهم.

"جمهورية" الأسد ليست سوى جهاز أمني كبير، وأن جميع المؤسسات الأخرى ليست سوى توابع لهذه الأجهزة

واللافت في فرنسا، مثلاً، وهي إحدى دول اللجوء السوري، وجود أعداد كبيرة من الأطباء وأساتذة الجامعات وتجار ومشتغلين في تحويل العملات، أغلبهم درس في فرنسا قبل الثورة، إذ كانت الجامعات الفرنسية تقدم مقاعد دراسية "منحا" بالإتفاق مع النظام السوري الذي كان يخصّصها للموثوقين والمقرّبين منه، ومن غير المعلوم ما اذا كان هؤلاء قد عادوا إلى فرنسا بأمر من النظام لتأدية مهمة معينة، ام انهم هربوا من أجواء الحرب السورية، لكن المؤكد أنهم يؤيدون النظام إلى أبعد الحدود.

لم يعد مستغرباً، أن نظام الأسد، وفي ذروة عجزه عن تقديم أي حلّ لأزمة السوريين الاقتصادية، والتي وصلت إلى حد المجاعة الفعلية، منشغل جداً، عبر ما يسمّى "الجيش الإلكتروني" بنشر تطبيقات للهواتف المحمولة لمراقبة اتصالات السوريين العاديين، والتجسّس على مكالماتهم وأسرارهم الشخصية في هذه الظروف العصيبة. وهذا يثبت أن "جمهورية" الأسد ليست سوى جهاز أمني كبير، وأن جميع المؤسسات الأخرى ليست سوى توابع لهذه الأجهزة، وأن المهمة الأولى لهذه الجمهورية أمنية بامتياز، لذا في الوقت الذي تتعطّل فيه كل مظاهر الحياة في سورية، تزدهر الوظيفة الأمنية، ويصبح لها جيوش إلكترونية وأذرع خارجية.

=========================

موقفنا : هذه سوريتنا وفيها عندنا أمور عامة وخاصة لا تقبل التسييس

زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/ 10 / 2020

ونحن في سورية نرفض أولا تسييس الدين ..

فالدين الحق لا يسيس ..

ونحن لا نسيس الدين ، ولكننا نديّن السياسة ، نجعلها أكثر إنسانية ورحمة وأخلاقا والتزاما وصلاحا وأبعد عن كل ما يغضب الله ، ويفسد المروءة .

 دين رب العالمين لا يسيس ، ولا يكون لفريق دون فريق ، ولا يرفع قوما فوق قوم ، ولا يكون الدينُ دينَ رب العالمين ، حتى يعطي العدل والرحمة والسواء للعالمين .. فالدين في شرعنا لا يقبل التسييس .. بل يكتب الإحسان على كل شيء حتى حين يقتل الإنسان بالحق أو يذبح ..

ثم العدل والظلم في ديننا لا يقبلا التسييس ..

فلا يقبل الظلم من إنسان ، ولا يقبل الظلم لإنسان . ولا يبسط العدل لإنسان ، ولا يزوى العدل عن إنسان . " القوي في شرعنا ضعيف حتى يؤدي ما عليه ، والضعيف في شرعنا قوي حتى يأخذ الذي له " حقيقة أخرى لا تقبل التسييس.

ثم الجوع

 في شرعنا لا يقبل التسييس ..

اللهم ونعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع . وإطعام الجائع ، والشراكة في اللقمة مع المسكين واليتيم والأسير ، ولعلنا يستوقفنا السؤال عن هوية الأسير ، في عصر كان الناس لا يجدون طعاما لأنفسهم ، بلهَ لأسراهم .

الجوع بئس الضجيع

وحبس امرأة لقطة حتى ماتت جوعا ، أدخلها النار . وسقيا مومس لكلب عطشان ، كان سببا ليغفر الله لها .. تلك حقائق وقيم ثابتة في فصول هذا الدين . تنادي بصوت عمرَ على عمروٍ : متى استعبدتم الناس ؟! وويل للناس حين يستعبد بعضهم بعضا باسم الدين . تلك حقائق لا يعقلها إلا العالمون ..

ثم علاج المريض ومواجهة الوباء في شرعنا لا يقبل التسييس ...

 والدواء حق لكل مريض . والمواساة دين ومروءة وكرم أخلاق . وعيادة المريض في شرعنا صلة قسط وبر . وكان رسولنا يعود المرضى من جيرانه بدون تمييز . ويقف للجنازة لا يسأل عن هوية صاحبها . فاحترام النفس الإنسانية لا يقبل التسييس . وعندما قيل له : إنها جنازة يهودي !!! أجاب أليست نفساً ..حقيقة إنسانية متقدمة وسابقة !!

والحريق يمتد فيأكل الأخضر واليابس ،لا يقبل التسييس ..

يقول أحد الصالحين ، حمدت الله تحميدة ، ما زلت أستغفر الله منها ، قيل له وكيف ؟!! قال : قيل لي : احترق السوق إلا دكانَك ، فقلت الحمد لله ...

وما زلت منها استغفر الله ..!! لا نفرح لحريق ينتشر ، ولا لنار تأكل ما نظنه ونحسبه .. ونسأل الله اللطف في أمرنا كله ..

اللهم ارفع عن سورية وشعبها ظلم الظالمين ، وتجبر الطغاة المتجبرين ، ارفع عنا وعن أهلينا وديارنا الظلم والغلاء والجوع والخوف والوباء والحريق اللهم إننا مقبلون على شتاء وبرد وهؤلاء إخوان لنا يقيمون في العراء فكن لهم كالئا وحافظا ومعينا ..اشملنا بلطفك ، واحفظنا بحفظك . واعزم لنا على الرشد . واجعل أمرنا بيد خيارنا ، ولا تكلنا إلى شرارنا فنضل ونخزى ...

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

للخبز السوري حكاية

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 8/10/2020

جاء قرار نظام بشار بتحديد حصة الفرد اليومية من الخبز ليشكل الضربة القاصمة لظهر السوريين العالقين في مناطق سيطرة ميليشياته. ففي الأصل يعيش ملايين السوريين تحت عتبة الجوع، وربما كان الخبز هو مادة الأمان بالنسبة لكثيرين ممن لا يملكون موارد كافية للحصول على الغذاء المتنوع. يعمل إعلام النظام، والإعلام الروسي الحليف، على تعليق فشل النظام في تأمين الحد الأدنى من السلع والخدمات للسكان على شماعة قانون قيصر الذي فرض حصاراً اقتصادياً قاسياً على النظام بهدف إرغامه على الانخراط في عملية سياسية يرفضها بالمطلق حتى لو كان الأمر يتعلق بإطار فارغ من أي مضمون كاللجنة الدستورية.

الواقع أن للخبز السوري حكايته مع النظام الأسدي ككل الأشياء الأخرى، ولم تبدأ أزمة الخبز الحالية بسبب قانون قيصر، بل تعود بجذورها إلى السنوات المبكرة من حكم حافظ الأسد الذي يقال إنه كان يعمل على مبدأ «جوّع كلبك يتبعك»! فكان حريصاً، مثلاً، على إبقاء أجور العمال والموظفين في مؤسسات القطاع العام تحت حد أدنى يكفي بالكاد لتأمين المستلزمات الأساسية، ثم تأتي زيادات تلك الأجور في فترات غير منتظمة وكـ «مكرمة» من الرئيس وكأنه سلطان من تاريخ غابر يمن على رعاياه بلمحة عطف «أبوية». الصفة الأبوية هذه لم تكن عارضة في نظام الأسد، بل كانت نمط سيطرة على السكان يستلهم صورة الأب الشرقي الذي يحمل صفات متناقضة كالقسوة والحنان، والعطف والشدة، والرعاية والمعاقبة. الأب يحب أبناءه لكنه يعاقبهم بقسوة إذا خرجوا عن طوعه.

أما الخبز بالذات فقد كان وسيلة إخضاع وإذلال ربما لم يسبق إلى استخدامها دكتاتور قبل الأسد. لقد نشأت أجيال من السوريين وهم يرون الطوابير الطويلة أمام أفران الخبز أو وقفوا فيها لعدة ساعات بانتظار دورهم للحصول على ما يحتاجونه من الخبز. وكانت معارك حقيقية بالأيدي تجري أمام المخابز بين الواقفين في الدور أو بين بعضهم وبائع الخبز «الوزّان» الذي أصبحت له مكانة اجتماعية لأن من له معرفة به قد يحصل على حصته من الخبز بدون انتظار الدور.

غير أن عناصر المخابرات وأولئك الذين يتنمرون على الناس بالجملة الشهيرة: «اعرف مع من تحكي ولاك!» لم يكونوا مضطرين لانتظار أي دور، وكانوا ينظرون إلى «ناس الطابور» باحتقار. وحدث ذات مرة أن توجه أحد هؤلاء من عناصر أجهزة المخابرات إلى الواقفين في الطابور أمام أحد المخابز وقال لهم: «هل أنتم رجال؟ كيف ترضون بهذا الذل؟» حكى لي هذه الحادثة شخص أعرفه كان قد شهدها بنفسه. وقد «تمأسس» موضوع الدور هذا فكان أمام كل مخبز ثلاثة أماكن مخصصة للطوابير، واحد لعامة الناس من الرجال، وآخر للنساء، والثالث لعناصر الجيش والمخابرات الذين لهم أولوية في الدور على طابوري الرجال والنساء من عامة الشعب.

ثم سمح النظام باستحداث مخابز خاصة لما أسماه بـ«الخبز السياحي» فكان القادرون على دفع كلفة أكبر يتوجهون لشراء هذا النوع «السياحي» بدلاً من الوقوف ساعات طويلة في الطابور أو الاستيقاظ قبل الفجر والذهاب لشراء الخبز من غير ضمانة ألا يكون هناك ازدحام ودور.

 

كانت هناك ظاهرة غريبة يصعب تفسيرها، وهي استهداف طيران النظام لأفران الخبز بصورة منهجية في المناطق الخارجة عن سيطرته، وبالذات في وقت وقوف الطوابير الصباحية أمامها

 

كان هذا يحدث في بلد مصدر للقمح يملك مساحات كبيرة من الأراضي المخصصة لزراعته. تفرض المقارنة نفسها مع تركيا التي أعيش فيها منذ سنوات، كي لا نبالغ فنقارن مع بلدان أبعد جغرافياً وفي مستوى أعلى من الكفاية الاقتصادية. على رغم أن تركيا بلد مستورد لكثير من احتياجاته الغذائية، بما في ذلك القمح لا يعرف السكان شيئاً اسمه الطابور أمام المخابز، بل يمكن لك أن تحصل على حاجتك منه من أقرب بقالية أو من المخابز المنتشرة في جميع أحياء المدن. في العام 2019 استوردت تركيا نحو 7 ملايين طن من القمح بثمن تجاوز المليار والنصف من الدولارات، وهذه الكمية تعادل ثلث احتياجات البلد من القمح، فتركيا تستهلك سنوياً نحو 20 مليون طن من القمح.

هل كان نظام الأسد عاجزاً عن تأمين الكميات الكافية من القمح لصناعة الخبز، أم أن الأمر يتعلق بوظيفة الخبز كوسيلة للإذلال؟ الافتراض الثاني هو ما كان كثير من السوريين يميلون إليه، ذلك لأن الأمر لا يتعلق بالخبز وحده، بل بكل أنواع احتكاك السكان بالدولة وغير الدولة مما تشكل معاً بنية النظام الأسدي. ومن جهة أخرى، كانت «أزمة الخبز» تنفرج فجأة، من حين لآخر، فلا تجد أي طابور أمام المخابز، من غير أن يعرف السوريون سبب انتهاء الأزمة كما لم يعرفوا سبب وجودها.

وكان أحد المخارج التي ابتكرها الناس لجحيم الخبز الأسدي هو شراء البقاليات لكميات من الخبز وإعادة بيعها للعموم مع زيادة طفيفة على السعر، فكان هذا يشكل حلاً معقولاً، لكن «الدولة» الأسدية كانت تتدخل في ذلك، فجأةً، فيصدر قرار بمعاقبة البقاليات التي تبيع الخبز بغرامات مالية رادعة! لماذا؟ الجواب موجود على كل سؤال: لأن رعاة الماشية يشترون الخبز بكميات كبيرة ويستخدمونه كعلف بسبب رخص سعره الذي تحدده «الدولة»! وأصل الحكاية أن النظام الأسدي كان «يدعم» الخبز بتمويل الفارق بين سعره الحقيقي وسعره الشعبي المنخفض. وهكذا يصبح من العقلانية الاقتصادية أن يشتري الرعاة الخبز علقاً لقطيعهم بدلاً من الحبوب بسعرها الحقيقي غير المدعوم!

إن فكرة دعم الدولة للخبز في النظام الأسدي تستبطن أصلاً النظر إلى عامة الشعب بوصفه قطيعاً يؤمر فيطاع، وهذا ينسجم مع الوقوف في الطابور كتجسيد ملموس للحالة القطيعية، كما ينسجم مع تعامل النظام الأسدي مع السكان في جميع الميادين. بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011، كانت هناك ظاهرة غريبة يصعب تفسيرها، وهي استهداف طيران النظام لأفران الخبز بصورة منهجية في المناطق الخارجة عن سيطرته، وبالذات في وقت وقوف الطوابير الصباحية أمامها. ليس فقط لأن حصد عدد كبير من أرواح المدنيين هو هدف منهجي للنظام بعد اندلاع الثورة، بل يحمل الأمر رسالة أيضاً: لقد أطعمتكم الخبز المدعوم طوال عقود، فجحدتموني، والجاحد عقابه الموت!

=========================

الائتلاف.. مقاومة الإصلاح بمقولات وأمثلة خادعة!

عقيل حسين

سوريا تي في

الخميس 8/10/2020

لطالما سادت في الأوساط الثورية والمعارضة مقولات أضحت لاحقاً من المسلمات التي جرى الركون إليها، واستغلت في أحيان كثيرة من قبل البعض لترسيخ ما يناسب مواقعهم أو توجهاتهم الفكرية والسياسية، بينما لا تعدو هذه المقاولات أن تكون مجرد أوهام.

من أبرز هذه المقولات عبارة أن "الدول لو أرادت إنجاح المعارضة لفعلت على الفور" وهي العبارة التي تلقفها كثير من قادة المعارضة والقائمين على مؤسساتها السياسية والعسكرية من أجل تبرير تقصيرهم وفشلهم أولاً، ولمقاومة أي محاولات لإصلاح هذه المؤسسات ثانياً.

بعبارة أخرى يريد معظم هؤلاء القول إنه بوجودهم أو بوجود غيرهم، ومع هذا الهيكل التنظيمي والنظام الداخلي لمؤسسات الثورة أو بهياكل وأنظمة أخرى، لم تكن المعارضة لتحقق أي نتيجة مختلفة طالما أن القوى العظمى والدول المؤثرة في الصراع السوري لا تريد تغيير مسار الأحداث في سوريا.

يطرح هؤلاء أمثلة عدة للتدليل على صحة وجهة نظرهم، ويرددون باستمرار أن الولايات المتحدة عندما أرادت غزو العراق عام 2003 جمعت المعارضة من مختلف الأطياف بين ليلة وضحاها، وأرسلتهم إلى بغداد لتسلم الحكم فور إسقاط نظام صدام حسين، دون أن تنتظر حل مشاكل وخلافات هذه المعارضة، وأن الأمر ينطبق على التجربة الليبية عام 2011 عندما توافقت الدول على تشكيل المجلس الوطني الليبي خلال ساعات فقط تمهيداً لإصدار قرار التدخل العسكري لإسقاط نظام معمر القذافي.

لكن طرح المثالين السابقين يقدم نصف الحقيقة فقط، أو ربما أقل من ذلك، فصحيح أن مجلسي الحكم الانتقالي في العراق وليبيا تم تشكيلهما بسرعة قياسية وعلى نحو يظهر تجاوز قوى المعارضة في البلدين خلافاتهما، لكن ذلك لم يؤد إلى نجاح هاتين التجربتين.

فمنذ ١٧ سنة والعراق ينتقل من سيئ إلى أسوأ، سواء أكان على الصعيد الأمني حيث نادراً ما تشهد البلاد فترات استقرار طويلة، أو على الصعيد الاقتصادي مع إفلاس خزينة الدولة الغنية بالنفط والثروات إلى حد العجز في كثير من الأحيان عن دفع رواتب الموظفين بسبب الفساد المستشري والمرتبط أو الناتج بطبيعة الحال عن فساد القوى السياسية المسيطرة على البلاد، والتي لم تستطع الاستمرار في توافقاتها الأولية التي جرى إكراهها عليها في اللحظات التي سبقت الهجوم الأميركي على العراق.

وفي ليبيا لا يبدو الأمر مشجعاً على الإطلاق، إذ تظهر في كل يوم مشكلات جديدة بين القوى السياسية والاجتماعية في شرق البلاد وغربها، حول تقاسم السلطة والثروات والتبعية للمحاور إلخ. ما فجر حرباً مفتوحة بين حكومة طرابلس وجيش مصراتة، وهي حرب لا تبدو أنها قابلة للحل في المدى المنظور، ما جعل هذا البلد الثري أيضاً يعاني أزمات ضخمة، وأصبح مواطنوه يبحثون عن فرصة للجوء في أوروبا وغيرها من البلاد المستقرة.

بمعنى واضح، إن استشهاد كثيرين من مسؤولي المعارضة والقائمين على مؤسساتها الرسمية بالتجربتين الليبية والعراقية فيما يتعلق بتنظيم المعارضة ونقل الحكم إليها هو استشهاد خاطئ من قبل هؤلاء، بل هي أمثلة عليهم وليست لهم، إذ لا يمكن لأي عاقل أن يعتبر ما حصل في العراق وليبيا نجاحاً لمعارضة الأمس-سلطة اليوم يمكن اعتباره نموذجاً يبنى عليه.

إن استشهاد كثيرين من مسؤولي المعارضة والقائمين على مؤسساتها الرسمية بالتجربتين الليبية والعراقية فيما يتعلق بتنظيم المعارضة ونقل الحكم إليها هو استشهاد خاطئ

بل لدينا العديد من الأمثلة الأخرى التي تؤكد على حتمية فشل الحلول الخارجية، خاصة عندما تطبخ بشكل متسرع ويتم تجهيزها دون دراسة واعية، وإقامتها على أسس واهية، فتكون نتائجها كارثية في النهاية، ولنتذكر هنا لبنان، البلد الذي أنهى حربه الأهلية قبل أكثر من ثلاثين عاماً، ومع ذلك تتكشف الأيام والسنوات طوراً بعد طور عن الفشل الذريع لاتفاق الطائف الذي قدم حلولاً بالإكراه، من فوق أو من الخارج، بينما المطلوب حلولاً ناجزة تنبع من الداخل، تعالج جذور المشاكل وتنزع الألغام لا أن تكتفي بردمها وإخفائها، وهو أمر لا يتحقق غالباً إلا بحلول عادلة وموضوعية تكون مقبولة من جميع القوى والمكونات.

وعليه، كان على المسؤولين في مؤسسات المعارضة أن يتلقفوا كل دعوات إصلاح هذه المؤسسات بتعطش، حتى وإن اقتضى الأمر إعادة بنائها وفق أسس وقواعد جديدة، بدل إهمال هذه الدعوات أو التقليل من أهميتها أو جدواها، بل أحياناً، وربما غالباً ما جرى التشكيك بدوافع أصحاب هذه الدعوات وتوجيه اتهامات مختلفة لهم، ما جعل الأجواء والعلاقات والاتصالات بين قوى المعارضة وشخصياتها المؤثرة سلبية جداً، تحكمها الحساسيات والثقة المفقودة والخصومة والعداء في بعض الأحيان !

لذا فقد كان طبيعياً أن يتم التعامل بحذر مع توجهات رئيس الإئتلاف الحالي د. نصر الحريري التي أعلن عنها لإصلاح المؤسسة التي تعتبر واجهة مؤسسات الثورة وآخر ما تبقى من رموزها الجامعة، إذ لا يتصور كثيرون من خارج الائتلاف أنه يمكن أن تكون هذه التوجهات صادقة ويعتقد بعضهم أنها مجرد مناورة من الحريري، بينما يعتبرها منافسوه من داخل الائتلاف نفسه بأنها توجهات تستهدف تثبيت سلطته وتفرده في قيادة المؤسسة.

 والواقع أن كل ما تقدم لا يغني عن ضرورة استغلال هذه المرحلة التي توقفت فيها كل مسارات التفاوض مع النظام، من أجل إعادة ترتيب البيت الداخلي للمعارضة، والقيام بالإصلاح الضروري واللازم لجميع مؤسساتها، بما فيها فصائل الجيش الوطني ولكن على رأسها الائتلاف بطبيعة الحال، لعل ذلك ينقذ ما تبقى من أوراق في أيدينا. 

=========================

تركيا وثّقت نفوذها غرباً وتتمدد شرقاً

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 8/10/2020

وثّقت الأمم المتحدة الأسبوع الفائت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا. إنه أحد أبرز المكاسب التركية في البحر الأبيض المتوسط، بالنظر إلى خريطة الترسيم، يتضح الخط التركي الليبي كيف تتكامل المنطقة الاقتصادية المائية الخالصة التركية الليبية، بشكل لن يتمكن أي تحالف نفطي آخر من تجاوز حضور أنقرة التي تفتح جبهات متعددة من القوقاز إلى الشرق الأوسط. ستكون تركيا حاضرة بقوة في رسم خرائط ومعابر أنابيب الغاز والنفط. حتى الصراع بين أذربيجان وأرمينيا له خلفيات نفطية وغازية حول أحد الأنابيب، إلى جانب الصراع ضمن إطار السيطرة على مساحة جغرافية مطلّة على بحر قزوين.

 لم تكن الأمم المتحدة لتقدم على توثيق هذا الاتفاق، بدون موافقة أميركية، تشير إلى حجم التقارب الأميركي التركي في هذه المرحلة، من سوريا إلى ليبيا، وفي أذربيجان والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. خطوة الأمم المتحدة من شأنها أن تحرج أيضاً حلفاء واشنطن وخصوم تركيا، ذلك الدور التركي الآخذ في التوسع من القوقاز إلى الشرق الأوسط، أو من بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط، سيكون عنصراً جديداً من عناصر تنامي الطموح التركي في المنطقة، ولن يقتصر على سوريا وليبيا إنما سيطول لبنان في مرحلة لاحقة. ولبنان قد أعلن إطلاق صفارة مفاوضات ترسيم الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، أيضاً بهدف الالتحاق بأحد كونسورتيومات النفط والغاز. كل هذه الملفات مترابطة ببعضها بعضا، إنكفاء إيران عن دعم أرمينيا له خلفيات سياسية استراتيجية بأنها لا تريد خسارة التعاون مع تركيا.

 بحال كان لبنان يريد الالتحاق بأحد خطوط تحالف النفط والغاز في المنطقة، فعليه الاختيار بين ثلاثة خطوط، إما الخط الخليجي الإسرائيلي، أو الخط المصري العراقي الأردني والذي سيكون بأحد جوانبه خاضعاً لمعيار إسرائيلي وتفاهم مع إسرائيل. أو الخط الثالث الذي تتصدره تركيا ويرتبط بليبيا نفطياً وبحرياً، ويمتد سياسياً من باكستان وأفغانستان إلى قطر وليبيا وجزء من سوريا وغزة.

 في العام 2008 في إحدى محاضرات هيلاري كلينتون في جامعة tufts  في بوسطن، قالت يومها إن أميركا في الشرق الأوسط لديها حلفاء كثر في الشرق الأوسط، ولكن اعتبرت حينها أن تركيا أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، فتركيا هي الناتو، وعلى مشارف أوروبا، وما بين الشرق والغرب، وتمثل موقعاً استراتيجياً.

نظرة كلينتون ليست بعيدة عن نظرة هنري كيسنجر، الذي يعتمد في كل رؤاه على التحالف الاستراتيجي مع أنقرة في الشرق الأوسط، وكيسنجر هو أحد أكبر المتأثرين والمحبذين لبرنارد لويس، صاحب وجهة النظر التي لا تعترف بالإبادة التركية للأرمن، لأن الأرمن الذين كانوا في أنقرة وإسطنبول لم يتم التعرض لهم، ولو كان الاضطهاد عرقياً أو إثنياً لكان تم ذبح الأرمن في كل الأماكن. حتى داخل الولايات المتحدة هناك نصائح كثيرة بعدم اتخاذ مواقف معادية لتركيا، جانب من هذه النصائح وجهت إلى المرشح الرئاسي جو بايدن الذي كان قد أطلق تصريحات عنيفة جداً.

تشكل تركيا حليفاً استراتيجياً لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، أولاً في مقابلة إيران وطموحها ومشروعها، ثانياً في حضورها كقوة تجعل كل حلفاء روسيا القدامى يلجؤون إلى واشنطن طلباً للتحالف والحماية، كاليونان وقبرص وصربيا، وحتى أرمينيا التي وجدت نفسها قد خذلت من موسكو وطهران. كما أن تركيا قادرة على لعب دور أساسي بالتعاون مع الأميركيين بما يبقي الاتحاد الأوروبي على قلق، وبما يمنع روسيا وإيران من تحقيق كل ما تريدانه في سوريا.

في تموز الفائت أرسلت تركيا طائرات مروحية لإجراء تدريبات روتينية في أذربيجان، يعني ذلك أن ما يحصل هو أمر مخطط له. من جهة أخرى أيضاً تحولت أذربيجان إلى حقل تجارب للصواريخ الإسرائيلية، هذه الصواريخ يرجح أن إسرائيل ستعمل على استخدامها في أي مواجهة مع إيران أو حزب الله في لبنان، لأن هذه الصواريخ الذكية قادرة على استهداف أي موقع تخرج منه صواريخ الحزب. ويمكن التحكم بها عبر تقنية gps. ولن يكون هناك حاجة لتسيير الطائرات واستهداف المواقع الأمر الذي يستغرق وقتاً.

 موقف إيران مما يجري في أذربيجان وأرمينيا من أسوأ المواقف على الإطلاق، وعينها تتجه إلى أفغانستان وهي تعلم أن السيطرة هناك ستكون لحركة طالبان، ولن تكون طهران قادرة على حماية الهزارة والشيعة هناك بدون تفاهم مع تركيا.

يأتي ذلك بعدما حصل صدام تركي إيراني في سوريا، وفي أذربيجان، وهذا سيؤسس لصدامات متعددة في وقت لاحق، طالما أن تركيا لن تمضي بالمزيد من التوسع غرباً بعد رسم حدود النفوذ في البحر المتوسط والعمل على عقد جلسات تفاوض بين تركيا واليونان وقبرص.

وبالتالي التوجه التركي سيكون شرقاً المرحلة المقبلة. وهنا لا بد من الإشارة إلى موقف تركيا من الإيغور في الصين، وهي الدولة الوحيدة التي انتقدت ممارسات الصين ضد هذه الأقلية المسلمة، وقد حظي الموقف التركي بدعم أميركي، سيكون له أبعاد استراتيجية على الصعيد الدولي يعزز متانة التحالف التركي الأميركي وسيؤسس لمزيد من توسع تركيا ودورها في منطقة الشرق الأوسط.

=========================

دور جامعة الدول العربية في الأزمة السورية

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 7/10/2020

عند الحديث عن دور جامعة الدول العربية في سوريا، لا نجد دورها مختلفا عن دورها في كثير من الأزمات الإقليمية التي تعصف بالمنطقة، فمع بداية الثورة السورية وتصاعد حجم العنف من قبل نظام الأسد ضد المتظاهرين السلميين تحركت الجامعة في سبتمبر 2011 وقررت إرسال بعثة تقصي حقائق إلى سوريا بقيادة الجنرال السوداني الدابي، تعرضت البعثة لكثير من الانتقادات بسبب غياب مهنيتها وضعف التقرير النهائي الذي قدمته مما زاد انقسام الجامعة حول الدور الذي يجب أن تلعبه حينها في الأزمة السورية، ويمكن القول حينها إن الجامعة لعبت دورا نشطا سيخمد نهائيا بعد فترة مع استمرار الأزمة وتصاعد حدتها.

حيث استمر نظام الأسد باستخدام العنف ضد المتظاهرين العزل فقررت الجامعة تجميد نشاط نظام الأسد ضمن مؤسسات الجامعة وذلك تحت ضغط تأثير دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت حينها تعمل تحت تأثير صوت موحد من أجل الدفع بدور أكبر للجامعة في الأزمة السورية وبفعالية كبيرة حينها من رئيس الوزراء القطري وزير الخارجية حمد بن جاسم.

ثم قررت الجامعة تسمية المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي كمبعوث مشترك للجامعة العربية والأمم المتحدة ومع استقالته في عام 2012 انتهى دور الجامعة تقريبا، حيث تصاعد الدور الدولي مع استخدام روسيا لحق النقض الفيتو وعدم فعالية الولايات المتحدة في إدارة الأزمة مما حيد وهمش دور جامعة الدول العربية نهائيا قبل أن تنكفئ كليا وتقرر الانسحاب تماما من الملف السوري حيث لا بيانات تصدر ولا دبلوماسية سياسية أو مواقف معلنة رغم تصاعد الأزمة الإنسانية والسياسية في سوريا إلى مستويات غير مسبوقة في عام 2015.

ثم ومع قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إن دول المنطقة يجب أن تتحمل تكاليف أكبر في مواجهة “داعش” في عام 2018، ثم تصريحاته عن ضرورة أن تدفع السعودية أربعة مليارات دولار في مقابل بقاء القوات الأميركية في شرق سوريا، أثارت تكهنات كثيرة بشأن مشاركة قوات عربية مكان القوات الأميركية التي أعلن الرئيس ترامب أنها يجب أن تنسحب قبل أن تتعدل تصريحاته؛ إنها ستبقى هناك إلى فترة لا تطول عن ستة أشهر.

كان رد الرياض حينها أنها مستعدة لإرسال قوات عربية تحت غطاء التحالف الدولي إلى سوريا، بل كرّر وزير الخارجية السعودية، عادل الجبير وقتها، مرات إن بلاده عرضت إرسال قوات سعودية إلى سوريا مرتين خلال فترة الرئيس أوباما والآن تكرر العرض نفسه. وقال “ما زلنا نبحث آلية إرسال هذه القوات إلى سوريا بغطاء من التحالف الدولي”.

ويعود موضوع تشكيل القوات العربية المشتركة إلى عقود طويلة، حيث بحث الموضوع ضمن إطار جامعة الدول العربية، وبسبب الخلافات السياسية الدائمة فشل تحقيق الموضوع، وكان عصب الفشل هذا ما سميت القوات العربية التي دخلت لبنان في عام 1976 به، لكنها في معظمها كانت قوات سورية، هدفت إلى إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، غير أنها بقيت هناك حتى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في عام 2005، ولذلك لم تفكر أي من السعودية أو مصر بالذهاب إلى جامعة الدول العربية للحصول على تفويض بإرسال قوات عربية إلى سوريا، لأنها تعرف الانقسام السياسي داخل الجامعة. وفي الوقت نفسه، ثمة الرصيد السياسي لإرسال قوات كهذه بناءً على التجربة اللبنانية السابقة.

باختصار، بالرغم من الحركة الدبلوماسية النشطة التي لعبتها الجامعة في بداية الأزمة السورية إلا أنها صمتت وماتت نهائيا ولم يعد لها أي تأثير، ومع انقسام الجامعة بشكل كبير مع انقسام مجلس التعاون الخليجي بعد فرض الحصار على قطر في عام 2017 يمكن القول أن الجامعة أصيبت بالشلل المطلق، ولم تصحُ من سباتها إلا في عام 2019 بعد تعيين أمين عام جديد هو وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبو الغيط الذي ربط مسار الجامعة كليا بموقف وزارة الخارجية المصرية ولذلك بدأت الجامعة بإصدار بيانات تدين التدخل التركي في سوريا وتتناسى التدخلات الإيرانية والروسية ووجود قواتهما على الأراضي السورية فضلا عن وجود القوات الأميركية في شمال شرقي سوريا.

وهو ما دفع المعارضة السورية لانتقاد بياناتها باستمرار وبنفس الوقت وصلت الجامعة إلى خلاصة أن دورها في الأزمة السورية سيبقى محدودا إن لم نقل إنه معدوم بالمطلق فقررت الصمت وهو ما كتب فصلا جديدا من فصول موت المؤسسة الإقليمية العربية الأقدم في العالم.

=========================

درعا والسويداء.. روليت روسية

بشير البكر

سوريا تي في

الاربعاء 7/10/2020

يستدعي القتال الذي دار الأسبوع الماضي بين محافظتي السويداء ودرعا مزيدا من التأمل في تداعيات الوضع السوري التي لا تتوقف عند حد. وهناك أكثر من مسألة تستحق التوقف أمامها، ولكن يمكن الاكتفاء باثنتين. الأولى هي التعبئة العالية من أجل القتال بين المحافظتين في نزاع على مساحة من الأرض تعود لبلدة القريا التابعة لمحافظة السويداء. وهذه الجولة من القتال ليست الأولى، ولكنها اتسمت بالضراوة، وسقط من جرائها عدد كبير من القتلى والجرحى بين الطرفين، كان العدد الأكبر من طرف رجال الكرامة الذين برزوا خلال الحراك الشعبي في حماية المحافظة من مخططات النظام، وحيدوها عن المشاركة في حروبه ضد الشعب السوري في المحافظات الأخرى، وذلك من خلال رعاية حملة رافضي التجنيد في قوات الأسد، وعاقبهم النظام باغتيال قائدهم الشيخ وحيد البلعوس. والمسألة الثانية هي أن طرفي القتال لهما مرجعية سياسية وراعي واحد هو روسيا. فمن جانب السويداء، إن من قام بتحريك الموقف وإعلان الحرب هي ميليشيات الدفاع الوطني التابعة للأجهزة السورية، ومن جهة درعا كان الطرف الذي شارك في القتال هو الفيلق الخامس التابع للروس ويقوده أحمد العودة. وهذا يعني أن القتال كان يمكن تلافيه لو أراد الروس، ولكن يبدو أن هناك مصلحة في ترسيم الحدود بالدم بين السويداء ودرعا.

وما حصل بين درعا والسويداء ينسحب على كامل سوريا التي باتت مقسمة إلى مناطق نفوذ تتوزعها أطراف دولية، تحل روسيا في مقدمتها، حيث تسيطر على قرابة 60 في المئة من الجغرافيا السورية، وتأتي بعدها الولايات المتحدة الموجودة في شرق الفرات، وتركيا في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام وإدلب، وإيران الموجودة بقوة على مساحات واسعة ويتداخل وجودها مع السيطرة الروسية في درعا ودمشق وحلب ودير الزور، وتؤكد شهادات من السويداء ودرعا أنها متورطة في كل تفاصيل الموقف، ويلعب حزب الله دورا أساسيا، ومن بين أهدافه إفشال مخطط إبعاد إيران من المنطقة وفق تفاهمات روسية إسرائيلية.

ولم تعد سوريا موزعة بين مناطق نفوذ ومشاريع دولية، وإنما هناك توجه لدى عدة أطراف إلى تفتيت المقسم، وتعميق الخلافات الثانوية بين المكونات بما يخدم مصالح الأطراف الدولية المتنافسة، وتحويلها إلى خلافات أساسية وحروب، وهذا نلحظه في المحافظات كافة. في منطقة شرق الفرات نجد أن هناك مصلحة أميركية روسية في تعميق الخلافات العربية الكردية حتى تتطور إلى حروب دائمة. ومن الواضح أنه ليس هناك مصلحة في حصول استقرار في هذه المنطقة لروسيا والولايات المتحدة، لأنه يعني تفاهما بين مكونات المنطقة، وهذا يعني انتفاء الحاجة للجيوش الأميركية والروسية، والتي تتزايد وتتوسع رقعة انتشارها رغم أن الهدف التي جاءت من أجله تم تحقيقه، وهو القضاء على داعش.

ويتحمل نظام الأسد المسؤولية عن تدمير السيادة، والذي أدى لوصول سوريا إلى ما هي عليه من تقسيم واحتلالات أجنبية، ولكن في الوقت ذاته هناك أطراف محلية تلعب لعبة الاحتلال وتشارك فيها بقوة حتى إنها تتحول إلى ذراع للاحتلال، وهذا ينطبق على قسد والفيلق الخامس. وتعمل قسد منذ تأسيسها على تقديم خدمات للولايات المتحدة على حساب المكون العربي الذي يشكل أغلبية مطلقة في منطقة شرق الفرات، وتحولت مع الوقت إلى أداة للوجود الأميركي، ولكنها تتشغل أيضا لحسابها ومصلحتها ومشروعها الخاص بتحويل المنطقة إلى إدارة ذاتية تسيطر عليها. والأمر ذاته يعمل عليه قائد الفيلق الخامس أحمد العودة الذي كان من أوائل قادة الجيش الحر الذين انخرطوا في المصالحات مع الروس في تموز 2018.

الاقتتال بين أهل درعا والسويداء درس بليغ، والتقط أهل السويداء الرسالة سريعا، ولذلك منعوا النظام من المشاركة في عملية الدفن، وتم طلاء صور الأسد بالأحمر كناية عن دوره في الفتنة. ويبقى على أهل درعا التحرك من أجل منع الفيلق الخامس من التورط في مشروع ضرب الوحدة الوطنية السورية.

=========================

مقارنات غير عادلة

حسان الأسود

سوريا تي في

الثلاثاء 6/10/2020

عادت إلى الواجهة مؤخراً صور التظاهرات في عدد من المدن الأميركية، بعد إطلاق الشرطة في مدينة كينوشا من ولاية ويسكانسن، النار على المواطن الأميركي من أصول أفريقية جاكوب بليك، لتصيبه عدّة رصاصات في عموده الفقري، مما ألحق به شللاً تامّاً بالطرف السفلي من جسده. وبذلك تتجدّد مرّة أخرى أعمال العنف التي راح ضحيتها عددٌ من الأشخاص وتمّ تدمير الكثير من الممتلكات الخاصّة والعامّة.

وبالنظر إلى ردود الأفعال في وسائل التواصل والتغطيات الإعلاميّة في عالمنا العربي على هذه الأحداث، يمكن الوقوف على بعض المفارقات، خاصّة تلك التي صاحبت قضّية مقتل المواطن الأميركي جورج فلويد على يد عناصر من الشرطة قبل أسابيع أيضاً. أثارت انتباهي صورة متداولة تقارن بين شرطي سعودي يحمل حاجّاً كهلاً بين يديه يغمره بنظرة عطف واحترام، وبين الشرطي الأميركي، وهو يضغط بركبته على رقبة الضحية فلويد، ويضع يده في جيب بنطاله، وينظر إلى الكاميرا كمن يأخذ لقطة تذكارية لنفسه.

المقارنة واردة بلا شك، ليس بين هاتين الحالتين فقط، بل مع كثير من حالات أخرى يمكن استحضارها أيضاً من الهند والصين أو من إنكلترا وألمانيا والسويد أو من سوريا ومصر أو من تركيا وإيران. الموضوع أعقد من مقارنة صورة بأخرى، هو بشكل أو بآخر مقاربة للعقليّة التمييزية التي تختصر الأمر بجانب واحد من جوانب القضيّة أبو بمظهر خارجيّ دون النظر إلى جوهرها.

أصحاب هذا العقل التمييزي موجودون في كلّ الدنيا وليس فقط في عالمنا العربي، ولو نظرنا إلى الإسلام فوبيا المنتشرة في أوروبا لوجدنا أنّها تخدم هذه الفكرة، وهؤلاء ينسبون للمسلمين وللمهاجرين من الأفارقة أو الآسيويين... صفات تعميميّة لا صحّة لها إلّا في عقولهم وأفكارهم العنصريّة. كما تخدم الفكرة ذاتها أيضاً مجموعة المعتقدات السائدة عند شرائح واسعة في عالمنا الإسلامي عامّة والعربي خاصّة، تنسب إلى الآخرين من أتباع الديانات المختلفة صفات تعميميّة كثيرة بعيدة عن الحقيقة.

يغمز بعضٌ من أصحاب هذه العقليات الموجودين في مجتمعاتنا من قناة أنّ قتلة جورج فلويد لم يكونوا مسلمين، ولو كانوا كذلك لما كان هذا مصيره، ولهذا استحضروا تلك المقارنة بين رجلي الشرطة السعوديّ

العنصرية لم تكن في يومٍ من الأيام حكراً على أتباع دين دون غيره، على افتراض أنّ الأديان السماويّة لم تميّز بين عباد الله باعتباره جلّ جلاله مصدرها جميعاً

والأميركي للتّأكيد على مذهبهم هذا. حسناً، لكنّ هؤلاء لا يذكرون أنّه كان هناك عدد كبير من رجال الشرطة الأميركيين من أصول أفريقية، بين عناصر الشرطة الأميركية الذين كانوا يتصدّون للمتظاهرين المطالبين بالعدالة والاقتصاص من قتلة جورج فلويد!

القضيّة لا تتوقّف على تفسيرات البشر للدين واستخداماتهم له فقط، بل أيضاً بالسلطة والسياسة والمصالح الاقتصادية. والعنصرية لم تكن في يومٍ من الأيام حكراً على أتباع دين دون غيره، على افتراض أنّ الأديان السماويّة لم تميّز بين عباد الله باعتباره جلّ جلاله مصدرها جميعاً، ومع ذلك ثمّة من يحاجّ بأنّ الغالبيّة العظمى من رجال الدين تميّز بين البشر على أساس مؤمنين وغير مؤمنين، وعلى أساس تبعيّتهم لهذا الدين أو ذلك، وهم بناءً عليه يمارسون نوعاً من العنصرية.

يرى البعض أنّ الأخلاق هي المعيار الأهمّ في ضبط سلوك البشر، بينما يرى آخرون أنّ دورَ الدين حاسمٌ في تنظيم علاقاتهم، وهذا ما أوضحته نقاشات الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمتنورون عبر الثقافات والعصور. فعندما "طالب الفيلسوف دالامبير من الملك فريدريك الثاني ملك بروسيا المتنوّر، بإقامة معبد في برلين أو بوتسدام لخدمة الله، حيث لا يكون الوعظ والتبشير إلّا بالإنسانيّة والعدل"، كان يدافع عن رأيه بأنّ الأخلاق تكفي البشر، بينما كان موقف الملك يذهب إلى أنّ الناس تطلب من الدين أكثر من ذلك وأنّ الأخلاق وحدها لا تكفيهم. وموقف دالامبير ذاته "ومجرّد اعتقاده بضرورة إقامة معبد لدين الإنسانية هذا، هو تأكيدٌ بأنّ الدين ليس أخلاقاً فحسب، كما أراده، وأنّه لا بدّ من الاحتفاظ بقدر من الشعائر والطقوس الجماعيّة."[1]

من المنطقي إذن نسبة سلوك رجال الشرطة الذين قتلوا جورج فلويد إلى خلفياتهم الثقافيّة السائدة في مجتمعاتهم والمتأثّرة بالضرورة بالتاريخ والدين وسيرورتهما المعقّدة. فجذور العنصريّة تمتدّ إلى النقاشات التي دارت في أوساط المفكرين ورجال الكنيسة والفلاسفة والمستكشفين، في الفترات اللاحقة لاكتشاف القارّة الأميركية، حيث "انقسمت المواقف الثقافيّة من السكان الأصليين موقفين، أحدهما يرى أنّ "توحّشهم" يبرر التعامل معهم كبهائم، والثاني يرى "التوحّش" نوعاً من الطهارة والنقاء من خطايا الحضارة، وهكذا نشأت أسطورة "المتوحّش النبيل" فطهارته تشكّل نقطة انطلاق أفضل لتنشئته المسيحية."[2]

لكنّ الموقف الذي انتصر في التعامل وساد في التطبيق، هو الموقف العنصري الذي رأى في السكان الأصليين مجرّد كائنات أدنى من البشر. وقد استمرّ النظر إلى من هم من غير العرق الأبيض، من سكان أميركا وأستراليا ونيوزيلاندا الأصليين، أو من الآسيويين المهاجرين إليها لاحقاً أو من الأفارقة المستعبدين عبر تجارة الرقيق، على أنّهم أقل مرتبة من الأوروبيّين البيض، انطلاقاً من اعتبارات بيولوجية تعود إلى طبيعة تكوينهم ذاتها، وقد كان من الطبيعي بالنسبة إلى هؤلاء "أن يمارس الإنسان – الأوروبي – سياسة عنيفة ضدّ هؤلاء البشر ويبقى إنساناً فاضلاً، مثلما يكون الإنسان الذي يسخّر البهائم في مزرعته شخصاً فاضلاً."[3] وفي بعض الحالات أدخل التفسير الديني إلى التراتبيّة العنصرية نفسها وكأنّه شرح شبه علمي، مثل "لعنة حام" بخصوص الأفارقة، فهم سودٌ بموجب هذا التفسير لأنّ الله سودّ بشرتهم، أو عن المسلمين لأنّ الله (أو إبراهيم) رفض إسماعيل ونبذه مع أمّه، أو في حالة اليهود لأنّ الله لعنهم لأنهم لم يقبلوا المسيح مخلّصاً. واللعنة في هذه الحالة ليست هي التكفير الديني، بل تفسير لتدنّي مرتبة هؤلاء عنصرياً."[4]

هكذا يمكن النظر إلى الفكر العنصري في القرن الواحد والعشرين، أي بعد أكثر من خمسة قرون على ظهور تلك التفسيرات والتعليلات البدائية، على أنّه غير منبتٍّ من جذوره بل هو امتداد لما سبق من تمييز بين البشر على أسس غير صحيحة وغير قابلة للإثبات، بل هي تسقط عند أوّل اختبار علمي أو فحص منطقي.

مع ذلك، تبقى المقارنات غير عادلة، إلّا إذا أخذت بأمثلة مشابهة من التمييز الذي نعيشه في عالمينا العربي والإسلامي، والأمثلة أكثر من أنّ تُعدّ وتُحصى، حول التمييز والعنصريّة التي نربى عليها ونعيشها ونمارسها، حتى دون أن ندري أو أن نشعر في أغلب الأحيان. من التمييز بين الابن والابنة، بين الذكر والأنثى، بين المواطن والأجنبي، بين القريب والبعيد، بين الغني والفقير، بين أتباع الأديان والطوائف والقوميات.. ناهيكم عن التمييز على أساس الولاء للسلطة أو معارضتها.

على الأقل لن نجد في أوروبا أو أميركا نظاماً تمييزيّاً ضدّ العمّال والوافدين، ولن نجد مهنة خدمة البيوت، وإن وجدت فهي إنسانيّة إلى أبعد الحدود وتخضع لقوانين صارمة، بعكس الحال في كثير من الدول العربية والإسلامية، حيث تصل غالباً إلى ما يشبه حالة الاسترقاق، أو أقلّ قليلاً!

تعلق تلك الصورة في الأذهان للحظة فقط، وتزول لمجرّد أن يهبط المرء من فضاء العالم الافتراضي إلى ساحة الحياة الواقعيّة، عند أوّل لافتة يقرؤها، أو عند أوّل موقف يركن فيه سيارته، أو عند أوّل وقوف في طابور الانتظار للحصول على الخبز أو الدواء أو لإنجاز معاملة تجديد الإقامة أو رخصة العمل. هناك حيثُ يعيش الإنسان التمييز والعنصريّة الحقيقية بكلّ وضوح وصراحة.

[1] - العلمانية في سياقات تاريخية – الجزء الثاني – المجلد الأول – ص 512 د. عزمي بشارة

[2] - المرجع السابق – صفحة 481

[3] - المرجع السابق – صفحة 484

[4] - المرجع السابق – صفحة 486

=========================

سورية ورقةً روسية

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 6/10/2020

أعلن وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، أخيراً، انتهاء مرحلة المواجهات العسكرية في سورية، وذلك بعد خمسة أعوام من التدخل العسكري الروسي العلني المكشوف الذي بدأ في 30 سبتمبر/ أيلول 2015، وكان نتيجة التفاهمات والتوافقات مع الجانبين، الأميركي والإسرائيلي، من جهة، ومع الجانب الإيراني من جهة أخرى، وذلك بناءً على حسابات كل طرف، وهي حسابات تقاطعت جميعها حول الإبقاء على النظام، وإنْ من مواقع مختلفة. فالروس استخدموا ورقة النظام لإضفاء المشروعية على تدخلهم السافر في سورية، هذا التدخل الذي وفّر لهم فرصة الظهور على المسرح الدولي مرة أخرى، كقوة عظمى، بعد الإخفاق الذي تعرّضوا له في أوكرانيا التي خرجت، إلى إشعار آخر، من نطاق دائرة نفوذهم وتأثيرهم؛ إذ لم يتمكّنوا عبر إجراءاتهم الانتقامية من تحسين موقعهم، واستعادة هيبتهم، بل على العكس تعرّضوا للعقوبات الاقتصادية الصارمة من الأوروبيين والأميركان. لذلك، حاولوا تعويض خسارتهم عبر استخدام ورقة سورية لابتزاز الأوروبيين، وتطوير العلاقات مع دول الخليج، واتخاذ سورية ساحةً لتجريب الأسلحة التي تعدّ من أهم المصادر التي تضمن لروسيا العملة الصعبة، وتستوعب قطاعاً واسعاً من الأيدي العاملة في بلدٍ يعاني من التخلف في معظم الميادين الإنتاجية، وذلك وفق المعايير الدولية التي تعتمد أساساً لدى مقارنة مستوى التقدّم الاقتصادي الروسي بالمستويات الموجودة في كل من أوروبا وأميركا واليابان والصين.

أما الأميركان، فقد أعلنوا أكثر من مرة أنهم قد أعادوا النظر في مواقفهم بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولم يعد موضوع إخراج بشار الأسد من المشهد من أولوياتهم. والحجة التي اعتمدوها أنه لم يمثل خطراً على المصالح الأميركية. في حين أن إسرائيل وجدت أن من الأفضل، بالنسبة إليها، الإبقاء على نظامٍ التزم معها عقوداً كلَّ العهود التي قطعها على نفسه. لذلك، وجدت أن مصلحتها الأساسية تكمن في الإبقاء على وجوده، لكن شرط الحد من النفوذ الإيراني. وهذا ما تكفّلت به روسيا التي أدّت دور المعادل العام في تعاملها مع مختلف الأطراف المتصارعة على سورية، وضمن المساحة السورية نفسها.

أعلن الأميركان أكثر من مرة أنهم قد أعادوا النظر في مواقفهم بعد ظهور تنظيم داعش، ولم يعد موضوع إخراج الأسد من المشهد من أولوياتهم

أما النظام الإيراني، فقد أيقن، بعد سنواتٍ من تدخله العسكري المباشر، سواء بقواته أو بأذرعه العضوية، مثل حزب الله والمليشيات المذهبية العراقية والأفغانية والباكستانية، أن النظام الذي استثمر فيه عقوداً في طريقه إلى السقوط، ولن ينقذه سوى تدخل روسي قوي، يمكّنه من استعادة السيطرة على الأرض التي كان قد فقد السيطرة على نحو ثلاثة أرباعها، وفقد أيضاً السيطرة على كل المعابر الحدودية، بل باتت دمشق نفسها في مرمى الفصائل العسكرية المناهضة، وهي الفصائل التي كانت تنتظر قراراً من القوى الداعمة. هذا في حين أن المعارضة السورية كانت في طريقها إلى التحول إلى مجرد واجهة تستخدمها الأطراف الدولية والإقليمية. 

بالإضافة إلى ما تقدّم، وجدت تركيا نفسها أمام وضعيةٍ لا تمنحها مساحةً مريحةً للمناورة، فقد تأكّدت من حصول توافق روسي - أميركي حول سورية. كذلك فإنها التقطت معنى الصمت الإسرائيلي والعربي أمام التدخل الروسي. لذلك قرّرت، بموجب مصالحها وتطلعاتها الإقليمية، وتفاعلات أوضاعها الداخلية، إعادة فتح الخطوط بينها وبين الإسرائيليين والروس صيف عام 2016، بل أصبحت طرفاً في المشروع الروسي البديل لمقاربة القضية السورية، وما نعنيه بذلك تجاوز بيان جنيف 1 عام 2012، ومشروع هيئة الحكم الانتقالي، عبر مسار أستانة الذي بدأ في بداية عام 2017، وكان يهدف، في الأساس، إلى تجاوز استحقاقات مسار جنيف الذي كان يستند إلى بيان جنيف 1 عام 2012.

استطاعت روسيا شدّ الفصائل العسكرية المعارضة لنظام بشار إلى دائرة تأثيرها، حيث مارست عليها سياسة الترهيب والترغيب

وقد تمكّن الروس، بعد تفاهماتهم مع الجانب الأميركي والأطراف الإقليمية المعنية بالشأن السوري، من إدخال قوةٍ ضاربةٍ تمثلت بعشرات الطائرات، ومئات، وربما آلاف، الآليات المدرّعة، وعشرات الآلاف من القوات العسكرية (الروس اعترفوا بـ 63 ألفاً، ولكن يعتقد أن العدد أكبر، ولا سيما إذا أضفنا المحسوبين على الشركات الأمنية الخاصة)، وقد استطاعوا، بفعل هذه القوة، تغيير الموازين على الأرض بعد تراجع، إن لم نقل، توقف الدعم للقوى المعارضة للنظام. كذلك استطاعوا، في الوقت نفسه، شدّ الفصائل العسكرية المعارضة لنظام بشار إلى دائرة تأثيرها، حيث مارست عليها سياسة الترهيب والترغيب. كذلك حرصت روسيا، في الوقت ذاته، على تغطية جهودها بمشهد سوري بائس، سواء من النظام أو المعارضة، وذلك للادّعاء أن ما يجري مفاوضات بين السوريين، ترمي إلى البحث عن الحل، والوصول إلى مخرج مقبول بالتعاون بين أطراف أستانا. هذا في حين أن اللوحة كانت واضحة منذ البداية، والأهداف كانت مكشوفة.

وعلى الرغم من جهود التمويه والتضليل الكثيرة التي بُذلت لتمرير التدخل الروسي في سورية، ومنها أنه محدودٌ من جهة نطاق الاتساع، والمدة الزمنية، وأن الهدف مساعدة السوريين للتوافق على مشروع حلٍّ يكون في مصلحة الجميع، كان من الواضح أن الروس قد تعاملوا مع مشروعهم في سورية بعقلية المتعهّد الذي أوكلت إليه مهمة تصفية الفصائل العسكرية، ما عدا جبهة النصرة، بطبيعة الحال، لأسباب كثيرة ما زالت فاعلة.

تسريباتٌ عن عدم ارتياح الروس لمدى وطبيعة تجاوب نظام بشار مع المقترحات والأفكار الروسية الخاصة بإمكانية الوصول إلى حل

وقد تمكّن الروس بالفعل من إعادة النظام، ولو بصورة رمزية شكلية، إلى كل المناطق السورية، ما عدا الشمالية الغربية التي تسيطر عليها القوات التركية بالتعاون مع الفصائل العسكرية السورية التي تعمل بأمرها. بينما تهيمن قوات أميركية على المنطقة الشمالية الشرقية، وهي المنطقة التي باتت تعرف بمنطقة شرق الفرات، وبمساعدة حيوية من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تستفيد من التغطية الجوية التي توفرها لها قوات التحالف الدولي بقيادة أميركية، كما تعتمد، بصورة أساسية، على التسليح والتمويل من الولايات المتحدة وحلفائها الدوليين والإقليميين.

وعلى الرغم مما حقتته روسيا من فوائد مباشرة، تتجسّد في الحصول على قاعدة حميميم، وعلى ميناء طرطوس، هذا بالإضافة إلى عشرات العقود التي تضمن التغلغل الروسي في مفاصل الاقتصاد السوري، هذا إلى القدرة على التحكّم في عديد من وحدات الجيش والأجهزة الأمنية لضمان استمرارية النفوذ في الدولة السورية العميقة مستقبلاً. وعلى الرغم من استعجال الروس في السعي من أجل فرض حل سياسي للوضع السوري وفق حساباتهم، عبر محاولة فرض دستور روسي شبه ناجز للبلد في بدايات مسار أستانا، وهي الخطوة التي تمكّنوا لاحقاً من تسويقها في جنيف، حتى باتت اللجنة الدستورية البديل من كل الخطوات الأخرى التي كانت مقترحة للحل، وفي مقدمتها خطوة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بكامل الصلاحيات.

وفي الوقت ذاته، سعى الروس إعلامياً إلى تسويق موضوع إمكانية عودة اللاجئين، حتى إنهم حدّدوا البوابات والإجراءات، وذلك تمهيداً لمشروع إعادة الإعمار الذي كانوا يعوّلون عليه اقتصادياً، ويعملون على اعتماده نموذجاً لمقدرتهم على التدخل، وإصلاح الأوضاع، وتأمين الاستقرار المتوازن، وذلك على النقيض من التجارب الأميركية التي كانت في دول عديدة في المنطقة، خصوصاً في كل من أفغانستان والعراق، إذ لم تتمكّن الولايات المتحدة من تقديم نموذجٍ جذّاب بعد مرحلة إسقاط النظامين، الأفغاني والعراقي. 

لكن الجهود الروسية لم تعط نتيجة ملموسة. وهناك تسريباتٌ عن عدم ارتياح الروس لمدى وطبيعة تجاوب نظام بشار مع المقترحات والأفكار الروسية الخاصة بإمكانية الوصول إلى حل. ويبدو أن زيارة الوفد الروسي الموسع، برئاسة نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف، وعضوية وزير الخارجية، أخيراً لدمشق، لم تؤدّ إلى إحداث اختراقاتٍ كبرى في موقف النظام الذي يعطي الاعتبار لالتزاماته الإيرانية، أو بكلام آخر ربما أدقّ، لا يستطيع التحرّر من تلك الالتزامات، ولذلك يحاول كسب الوقت، عبر محاولة التوفيق بين توجهات الطرفين، وذلك انتظاراً لما قد تسفر عنه نتائج الانتخابات الأميركية المقبلة، فضلاً عن نتائج جهود ما بعد التطبيع مع إسرائيل في المنطقة، فأي سياسة ستتبعها أميركا في المنطقة، خصوصاً مع إيران، وانعكاسات ذلك على الأوضاع في كل من سورية والعراق، خصوصاً في العراق، حيث يلاحظ وجود إصرار إيراني على تحدي التوجهات الأميركية، وهو أمر يتجسّد في الهجمات الصاروخية المتكرّرة على المواقع الأميركية، بما فيها السفارة في بغداد، وحتى على المصالح الأميركية في أربيل. وهذا ما يطرح سورياً التساؤل بشأن موضوع مصير منطقة شرق الفرات؛ هل سينحسب الأميركيون من هناك بناءً على تفاهمات مع الروس، أوحى بها المبعوث الأميركي الخاص بسورية، جيمس جيفري، حين صرّح بأن الجميع سينسحب من سورية، في نهاية المطاف، ما عدا الروس؟ أم ستظل المنطقة المعنية، لتكون ورقة ضغط أميركية على الخصوم المنافسين، والحلفاء "المزعجين"؛ ريثما يجري التوصل إلى تفاهم بشأن مختلف القضايا.

ما تعانية سورية، والمنطقة بصورة عامة، سببه اختلال التوازن في النظام العالمي القائم، الذي يحتضر عملياً، فالأمم المتحدة مشلولة في الواقع، والاتحادات والمنظمات الإقليمية مشغولة بمشكلاتها وخلافاتها. وحتى حلف شمال الأطلسي (الناتو) العسكري الذي كان يعرف بانضباطه وقدرته على حسم المواقف، واتخاذ أصعب القرارات، بات هو الآخر يعاني من تبايناتٍ، بل من مخاطر المواجهة بين أعضائه، تركيا واليونان مثلاً. وذلك كله يضع سورية والمنطقة في عين العاصفة، ودوامة تعارض المصالح الإقليمية والدولية. وما يزيد من تعقيد الوضع هو هشاشة، إن لم نقل غياب، العامل الذاتي السوري، وتحوّل السوريين، نظاماً ومعارضة رسمية، مجرّد أدوات وواجهات لتمرير توافقات الآخرين وتغطيتها على حساب شعبهم ومصير وطنهم، ومستقبل أجيالهم المقبلة.

=========================

أين أصبح طريق القدس؟

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 5/10/2020

تحدثت إيران كثيراً عن "طريق القدس"؛ ولكن  الأوضح والأوقح في الحديث عن "طريق القدس"، كان أداتها في لبنان، حسن نصر الله؛ عندما قال إنها "تمر من القصير والزبداني ودرعا والسويداء وحمص وحلب.." الآن يريد "حسن" ترسيم الحدود والتطبيع مع إسرائيل، التي أخذت من القدس عاصمة لها؛ فأين أصبح طريق القدس؟!

 لقد ذبحتنا إيران بالمزاودة على كل العرب. أرادت تحويل نفسها إلى مرجعية بشأن القدس العربية. أوجدت ما سمّته "يوم القدس". باختصار، اختطفت من العرب قضيتهم؛ ليس من الشعب العربي، ولكن من سلطات عربية مأزومة مع شعوبها بالدرجة الأولى. استغلت هذا الجانب، واحتكرت لنفسها القضية العربية الأولى، التي استُعْبِدَت هذه الشعوب من حكامها بسببها؛ حيث كان كل شيٍ مؤجلاً في الساحة العربية من أجل فلسطين. استطاعت إيران الملالي بكل خبث أن تسلب فلسطين ثانية، لتعطي مبرراً لوجود "دولتها الإسلامية".

باسم شعارها في "المقاومة والممانعة"، احتلّت - بالمعنى الكامل للكلمة- أربع عواصم عربية: بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء. باسم مقاومتها وممانعتها، أوجدت ميليشيات حزب الله، الذي ورث حراسة حدود الكيان المغتصب لفلسطين من أنطوان لحد وسعد حداد كحُماة لحدود الكيان الشمالية مع لبنان. وباسم "سلاح المقاومة" كانت السيطرة على لبنان وتفخيخه وإركاعه، والإنهاء الفعلي للمقاومة الوطنية في لبنان، بالتنسيق مع الاستبدادية الأسدية.

لم يهن على جمهورية الملالي تجرع إمامهم الخميني لكأس السم، لإنهاء حربه على العراق؛ فكان التآمر مع إسرائيل وأمريكا لسحق العراق. بصحبة إيران، خرّبت أمريكا العراق كرمى لإسرائيل، وأوكلت إدارته لعملائها وعملاء إيران.( لا ينسى السوريون توريد المالكي للدواعش إلى سوريا، ليكونوا الأداة القاتلة للحراك السوري الحر، ولإنقاذ منظومة الاستبداد الأسدية).

باسم المقاومة والممانعة وفلسطين أخذت  إيران دور "البعبع" الذي يرعب دول الخليج العربي، لتمكّن أمريكا من استعبادهم أكثر أمنياً واقتصادياً؛ فكان أن حرّكت الحوثيين ودعمت تخريب اليمن، مُنَصِّبَةً من نفسها مقررا في شؤون عاصمة عربية ثالثة.

أما في سوريا، فكانت لعبتها الأخطر. فبعد التدخل تحت يافطة "حماية المراقد الشيعية" في سوريا، وزرْعها بذور الشر الطائفية؛ انتقلت إلى ما سمّته إدخال مستشارين. حالت دون تجاوب سلطة دمشق مع مطالب بسيطة لشعب أراد الحرية. لغّمت خلية الأزمة، التي كانت تسعى لحل. أرسلت ميليشيات مرتزقة على شكل سوّاح، اتفق المالكي ووليد المعلم على تدفقهم إلى سوريا، وحوّلتهم، من نازحين أفغان لديها، إلى قتلة للشعب السوري. نشرت التشيّع والمخدرات بالتعاون مع حزب حسن نصرالله في مختلف أصقاع سوريا. وضعت يدها على ممتلكات السوريين- وما لم تستطع تعفيشه، حرقته- والأخطر في خطواتها إغراء الروس بالدخول العسكري الثقيل إلى سوريا، و إبعاد منظومة الأسد عن أي عملية سياسية. حشرت نفسها في أستانا، وساهمت مع الروس في بدعة "مناطق خفض التصعيد"، التي عاد الثلاثي الروسي-الإيراني-الأسدي، وابتلعها. زاودت على سوريا والسوريين باقترابها من الجولان السوري المحتل، لتقدّم ذريعة لإسرائيل كي تستبيح سوريا أكثر، وتساهم بتدميرها أكثر؛ فقط ليقال إنها "مقاومة وممانعة"، و"معادية لإسرائيل".

والآن، وبعد أزمة أدواتها في لبنان، إثر تفجير المرفأ، وإفشال لبنان في تشكيل حكومة إنقاذ، ومناكفة الوساطة الفرنسية -طمعاً ببيع لبنان للأمريكي- يخرج ملالي طهران بفكرة ترسيم الحدود إغراءً لإسرائيل، التي سيتم من خلالها ترطيب أمور الملالي مع أمريكا؛ فيكون الدفع  بنبيه بري من قبلهم، ليقود هذا الدور القذر، معلناً استعداد لبنان لترسيم الحدود مع الكيان الصهيوني.

 تذكّرُنا هذه الفعلة كسوريين بما قامت به موسكو مشتركة مع إيران الملالي بالتنسيق مع إسرائيل وأمريكا بتسليم ترسانة الكيماوي السوري، إثر استخدام نظام الاستبداد الأسدي لهذا السلاح على السوريين. ولكن بعد تسليم الكيماوي، استمر نظام الأسد باستخدامه، وارتكاب المجازر بحق السوريين مخالفاً القرار الدولي 2118؛ فهل سيتمكن "محور المقاومة" من الاستمرار باستخدام "كذبة المقاومة الفتاكة" بعد ترسيم الحدود، لإخضاع السوريين واللبنانيين والعراقيين واليمنيين!

لا يمكن أكل الفطيرة والاحتفاظ بها، كما يقول المثل الإنكليزي. ولا يمكن لنظام الأسد أو الملالي وحزب الله الاستمرار بكذبة المقاومة، والتطبيع مع إسرائيل في آن معاً. أحد شروط التطبيع الأساسية وقف المقاومة؛ فكيف ستقاوم من تطبع معه؟! هل حرر هذا المحور القدس أو الجولان، ليطبع؛ أم كان كل ما يقولونه دجلاً وكذباً ورياءً باسمه دمّروا المنطقة، كرمى لعيون من كانوا "يقاومونه"؛ وهم بالفعل أدوات وعملاء له؟! وجهة سلاح "المقاومة" كانت واضحة، وكان يتم إخفاؤها بالكذب والدجل،  وها هو يُفتَضح الآن. إنها الكذبة الكبرى، والخيانة العظمى، والجريمة الأكبر.

بعد كل ما فعله هؤلاء المستبدون المجرمون، ليرسموا الحدود ويطبّعوا كما يشاؤون؛ ولكن لن يتمكنوا من إجبار شعب المنطقة على السير وراء عمالتهم. على هذه الشعوب العربية أن تستيقظ وتعرف أعداءها وتُخْرِجَ هذه السرطانات من بين ظهرانيها. عليها بانتفاضة شعبية أن تستأصل هؤلاء، وتقرر مصيرها الوجودي. وإن كان لا بد من التطبيع، فليكن القرار لشعوب المنطقة بعد استرداد حقوقها حسب القرارات الدولية، لا عن طريق مَن فرّط بهذه الحقوق، كي يبقى في السلطة.

=========================

ما الذي جنته روسيا من تدخلها العسكري في سوريا؟

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 5/10/2020

انقضت خمس سنوات على التدخل العسكري الروسي المباشر إلى جانب نظام الأسد، الذي بدأ مع نهاية أيلول/ سبتمبر 2015، وقدم الساسة الروس في ذلك الوقت حججاً مختلفة وذرائع واهية لتبرير تدخلهم، لكنه جاء في حقيقة الأمر على خلفية طلب من نظام الملالي الإيراني، بعد أن فشلت قواته وميليشياته المتعددة الجنسيات في الدفاع عن رصيفه نظام الأسد، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط، لكن هجمات الآلة العسكرية الروسية العمياء على مناطق سيطرة فصائل المعارضة وحاضنتها الاجتماعية احدثت الفرق على الأرض، وتمكنت من تغيير موازين القوى لصالح النظام.

يحاول الساسة الروس، في أيامنا هذه، البحث عن ممكنات وكيفيات استثمار ما حققته آلتهم العسكرية على المستويين الاقتصادي والسياسي، لكنهم وصلوا إلى طريق مسدود.

  وبعد انقصاء سنوات خمس على التدخل العسكري الروسي، فإن أي جردة حساب تظهر أن ما جناه الروس يتلخص في تحولهم إلى قوة احتلال في سوريا، بعد أن تحول نصف شعبها ما بين نازح ولاجئ، وقُتل منهم مئات الآلاف، وأصبح 12 مليون سوري على الأقل بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، فضلاً عن تخريب وتدمير مدن وبلدات وقرى سورية عديدة، حيث تقدر الأمم المتحدة خسائر سوريا بـ 442 مليار دولار.

  ربما تكون روسيا قد حققت ما كان حلماً قديماً لدى ساستها، والمتمثل في الوصول إلى المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط، حيث باتت تملك قاعدتين عسكريتين بحريتين في سوريا، واختبرت أكثر من 316 طرازاً من الأسلحة فيها على حساب دماء السوريين، إلى جانب تعلم جيشها القتال بطريقة مختلفة، حسب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. كما تمكنت من بسط سيطرتها على مجمل الأراضي السورية على حساب تعميق مأساة الشعب السوري، وليس على حساب تنظيم "داعش" أو "جبهة النصرة" وسواهما، ولم تتوانَ عن ارتكاب الجرائم ضد المدنيين وضد الفصائل السورية المقاتلة، ووفرت غطاء سياسياً وعسكرياً لجرائم النظام وللحربه الشاملة، التي يخوضها إلى جانب الميليشيات الإيرانية ضد غالبية السوريين منذ انطلاقة ثورتهم.

    ولا شك في أن روسيا بات لها دور حاسم قرارات الحرب والسلم، وفي مختلف تفاصيل القضية السورية، وأبرمت صفقات اقتصادية مهمة مع نظام الأسد، إلا أنها مع ذلك ليست اللاعب الوحيد على الأرض السورية، إذ تقاسمها النفود كل من الولايات المتحدة الأميركية التي توجد عسكرياً قرب حقول النفط والغاز في الجزيرة السورية وفي قاعدة "التنف"، وإيران التي تمتلك عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات، ونفوذها المتغلغل في نسيج وثنايا المجتمع السوري، فضلاً عن إقامتها قواعد عسكرية عديدة، وتركيا التي توجد قواتها في مناطق إدلب وما حولها والمنطقة الممتدة من تل أبيض إلى رأس العين إلى جانب فصائل سورية مدعومة من طرفها، وإسرائيل التي لها اليد الطولى في ضرب ما تشاء من مواقع وجود الميليشيات الإيرانية.

   ويحاول الساسة الروس، في أيامنا هذه، البحث عن ممكنات وكيفيات استثمار ما حققته آلتهم العسكرية على المستويين الاقتصادي والسياسي، لكنهم وصلوا إلى طريق مسدود، وباتوا مهددين بأن يتحول ما جنوه من مكاسب إلى خسائر إن لم ينجحوا في التوصل إلى تسوية سياسية، خاصة أنهم أسهموا في إخراج القضية السورية من أيدي السوريين أنفسهم، وصارت تتحكم فيها القوى الدولية والإقليمية الخائضة في الصراع على بلدهم. والأهم هو عدم قدرتهم على ابتكار ممكنات سياسية، تنهض على التفاوض والتوافق من خلال ابتكار مخارج وحلول تتوافق عليها جميع الأطراف، لذلك فإن نهاية الخيار العسكري بالنسبة إليهم، لا تعني البحث الجاد عن نهاية سياسية حقيقية للكارثة السورية، في ظل مواصلتهم تقديم كل سبل الدعم لنظام الأسد، الذي يرى بأن الحل السياسي وفق القرار الأممي 2254 يعني العودة إلى الوضع في سوريا إلى ما كان عليه قبل انطلاق الثورة السورية في منتصف آذار/ مارس 2011، وهذا ما لا يمكن تحقيقه.

  وبالرغم من حديث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن نهاية المواجهة العسكرية بين النظام والمعارضة، وأنه بقيت فقط بؤرتان للتوتر في سوريا، هما منطقة إدلب التي توجد فيها قوات تركية وفصائل معارضة، ومنطقة شرقي نهر الفرات التي توجد فيها قوات أميركية وقوات سوريا الديمقراطية، وأن لا حل عسكري فيهما، إلا أن الساسة الروس ليسوا في وراد حثّ نظام الأسد على الدخول الجاد في العملية السياسية، إذ حتى اللجنة الدستورية التي اجترحها الروس أنفسهم حولوا اجتماعاتها إلى متاهة في سياقات مراوغات النظام وتسويفاته، بالرغم من اعترافهم بأنها ليست بديلاً عن المسار السياسي التفاوضي في جنيف في إطار تطبيق القرار 2254، الذي حوّروه حسبما يريدون، وأفرغوه من محتواه.    

وتظهر التحركات السياسية الروسية الأخيرة باتجاه عقد لقاءات واجتماعات مع شخصيات وقوى محلية سورية، أن الروس يحاولون سحب الأوراق من يد الولايات المتحدة في سياق التنافس معها في منطقة الجزيرة السورية.

   وتظهر التحركات السياسية الروسية الأخيرة باتجاه عقد لقاءات واجتماعات مع شخصيات وقوى محلية سورية، أن الروس يحاولون سحب الأوراق من يد الولايات المتحدة في سياق التنافس معها في منطقة الجزيرة السورية، وخاصة الورقة الكردية، ولا يخرج ذلك عن نهجهم القديم في إيجاد توافقات بين قوى ومكونات سياسية تتسق مع الرؤية الروسية في سوريا، وعن إطار محاولاتهم استقطابها، وخلق منصات وأطراف "معارضة" جديدة، وفرض رؤيتهم من خلالها، كي تتناثر منصات المعارضة السورية، وتُميّع مواقفها.

 ولا شك في أن موسكو تريد الحفاظ على ما جنته عسكرياً في سوريا، لذلك يسعى ساسة الكرملين إلى هندسة تسوية للوضع السوري على مقاسهم، يستثمرون فيها ما صرفوه عبر بوابات متعددة، ويضمنون فيها نفوذ بلادهم ومصالحهم قبل كل شيء، شريطة أن لا تفضي إلى تغيير نظام الأسد. وبالرغم من إقرارهم أحياناً بعدم قدرتهم على إيجاد هكذا تسوية، إلا أنهم لا يبذلون مساعيَ كافية من أجل التوصل إلى تفاهمات دولية على تسوية سياسية للوضع السوري، وبالتالي لا يمكن لروسيا أن تقبض ثمن تدخلها العسكري حتى وإن طال الزمن.

=========================

الدعاية الروسية التي تناقض نفسها بشدة

غازي دحمان

عربي 21

السبت 3/10/2020

في الذكرى الخامسة للتدخل في سوريا، شنت الآلة الإعلامية الروسية حملة منسّقة لتجميل الفعل الروسي ورفعه إلى مصاف الأعمال التاريخية الكبرى، والتي شكلت مفصلاً مهماً في تاريخ الإنسانية، بل إنها قطعت مع مرحلة تاريخية، لو استمرت لكان شكل العالم اليوم غير العالم الذي نعيشه، عالم يسيطر عليه "داعش" وأخواته، ويفرض قيمه وتقاليده.

لقد أنقذت روسيا العالم من خطر عجزت القوى العالمية عن مواجهته، بل إن هذه القوى، والمقصود هنا الغرب، تواطأ، بغباء، وتحت ظلال تقديرات خاطئة، في صناعة داعش، من أجل هدفين انتهازيين: الأول، الإطاحة بنظام الأسد، والثاني، فرض رؤاها على الشعوب والتحكم في مسار توجهاتها السياسية والاجتماعية!

ولمنح الدعاية الروسية صدقية أكبر، تخترع الآلة الإعلامية الروسية معطيات وأرقاما، ليست فقط غير موجودة، بل أكبر من قدرة الساحة السورية على احتوائها. فمثلاً تكرر وسائل الإعلام الروسية أقوال وزير الدفاع الروسي بأن القوات الروسية قتلت 130 ألف إرهابي! ودمرت آلاف المعسكرات، وآلاف مستودعات ومخازن الأسلحة، وأكثر من ذلك، كسرت دورة الثورات "الملونة" في المنطقة.

ليس خافياً، أن هذا الشكل الدعائي مصمّم للوصول إلى الرأي العام العالمي، وخاصة الغربي، حيث يركز على البعد الأخلاقي للسياسات الروسية المهتم بإنقاذ العالم من الظلام، مقابل السياسات الغربية التي في سبيل تحقيق غاياتها الدنيئة المتمثلة في السيطرة على مصائر الشعوب، لا يضيرها التحالف مع الشيطان، وهو هنا "داعش" والقوى المتطرفة، وفي هذا الجانب تبدو السياسات الروسية من صناعة الملائكة، لا همّ لها سوى القيام بأعمال الخير، والحفاظ على القانون الدولي، واحترام سيادة الدول والنظام الدولي.

لكن، ثمّة جانب من الدعاية موجه للرأي العام الروسي، الذي تساءل على الدوام عن دواعي وضرورات التدخل العسكري الروسي في سوريا، في حين أن روسيا غارقة في الأزمات الاقتصادية والمشاكل السياسية وينخرها الفساد وتتحكم مراكز القوى فيها بلقمة الناس.. ما الفائدة وروسيا تتراجع على كل المستويات والأمة الروسية تموت بسبب تراجع المنظومة الصحية، وتخلف المنظومة التعليمية وانتشار الإدمان على المخدرات والكحول لدرجة باتت روسيا تتصدر قوائم الدول الأكثر إدماناً وانتحاراً؟

هنا، تتخلى الآلة الإعلامية الروسية عن دور الملائكة لمواجهة منتقدي سياسة الكرملين في روسيا، وتظهر وجه تدخل روسيا الحقيقي، وتصبح سوريا "ساحة رخيصة لتجريب الأسلحة الروسية"، و"بفضل الميدان السوري باعت روسيا أسلحة بـ15 مليار دولار".. والكلام منقول عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما أكد شويغو أن الميدان السوري منح الجيش الروسي فرصة هائلة على التدرب على القتال وتطوير قدراته في هذا المجال، بل إن إحدى الصحف الروسية تباهت بأنه لا أحد غير بوتين يستطيع الحصول على قاعدة بحرية لمدة 49 عاما وبالمجان، أو يمتلك قاعدة بحجم حميميم دون أن يدفع أي مقابل.

لكن بعيداً عما تحاول ماكينة الإعلام الروسية ترويجه للرأيين الخارجي والداخلي، يبدو أن هذه الماكينة لا تفعل سوى سماع صدى صوتها والاستمتاع بهذا الأمر، ذلك أن العالم أجمع، بنخبه وعامته، يعرف أن روسيا لم تحارب "داعش" و"النصرة" وسواهما من أصحاب الرايات السود، إلا في أضيق الحدود، وهؤلاء كانت عناوينهم معلومة وليست سراً، فلم تقاتل روسيا في الرقة ولا دير الزور، وهي المعاقل الأساسية لداعش، إذ ليس خافياً أن القوات الأمريكية هي من تتكفل بالمهمة هناك.

وليس خافياً أن من حاربتهم ونكلت بهم روسيا، هم في الغالب أولئك الثوار الذين كانوا يحرسون أحياءهم في حلب وغوطة دمشق، ودرعا، ولم يكن لداعش أو النصرة وجود في هذه المناطق سوى بأعداد محدودة جداً. واللافت مثلاً أن وجود "داعش" في دمشق كان محصوراً في مخيم اليرموك، وكان مجرد عصابة صغيرة محاصرة من كل الجهات ولا تملك طرق إمداد، وكانت عناصره تعالج في دمشق (مشفى المهايني في الميدان)، وتتم إعادتهم إلى اليرموك. ثم إنهم آخر من خرج من محيط دمشق، بعد ضمان تدمير اليرموك نهائياً وجعله غير قابل للسكن، وترحيلهم إلى بادية السويداء، ليرتكبوا مجزرة بحق أناسها الذين كان يرغب نظام الأسد بتأديبهم لرفضهم الزج بأبنائهم في حربه ضد السوريين.

وبالطبع لن يذكر الإعلام الروسي، المنتشي بالذكرى الخامسة للتدخل الروسي، أن الحملة الروسية حوّلت المدن السورية إلى ركام، وأسهمت في تشريد الملايين من السوريين، وقتلت الآلاف من النساء والأطفال. وبالتأكيد لن تأتي على ذكر سرقة الاقتصاد الروسي وابتزاز بشار الأسد بين بقائه في السلطة وحمايته، وبين تسليمه ثروات البلاد لشركات طباخ بوتين، كما لن يقول الروس إنهم تحولوا إلى بلطجية ولصوص ومافيات يقتلون ويسرقون السوريين في وضح النهار.. فهل سيجدون من سيصدق أكاذيبهم؟

=========================

سنة خامسة احتلال روسي

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 3/10/2020

يغلط من يعتقد أن أهداف روسيا والأسد بقيت هي نفسها التي كانت تجمعهما عام 2015، عندما طلب الأسد من موسكو غزو سورية. اليوم، لم تعد أهداف الطرفين متطابقة، بعد دور روسيا في إنقاذه، وتعيين دوره، منذئذ، بإرادة من أنقذوه بأوامر كان قد أصدرها الرئيس بوتين إلى جنرالاته، بحيث يمكن القول إن احتلال سورية بقوات روسية لم يعد مرتبطا بإرادة الأسد ووجوده في السلطة، بما أن علاقة المحتلين به لم تعد علاقة مركزٍ بمحيط، فهو كمحيط تلاشي أو مرشّح للتلاشي، إذا ما تطلبت مصالح الروس التخلي عنه، أو تحويله إلى هيكل فارغ لا وظيفة له.

ما الذي حققه الروس بعد خمسة أعوام غير هذا "الإنجاز"؟. وضعت روسيا لنفسها هدفا استراتيجيا، الانفراد بالسيطرة على سورية، وانتفاء أي طرفٍ منافسٍ لها، لاستخدامها نقطةً ينطلق الكرملين منها إلى الوطن العربي، واستعادة ما كان للاتحاد السوفياتي من نفوذ وحضور فيها. 

لم يتحقّق هذا الهدف، فالروس يحتلون بمفردهم أقلّ من نصف مساحة سورية، فلم ينجحوا إذن في الانفراد بها، لأن الولايات المتحدة وإيران وتركيا تحتل مناطق سورية لا تستطيع موسكو تخطّي الخطوط الحمراء التي تحميها. إلى هذا، وضعت موسكو أيضا خطةً سياسيةً لحل روسي من بندين: تشكيل حكومة وحدة وطنية مرجعيتها الأسد. وفي حال رفضت المعارضة، يكون البديل حربا شاملة تشنّ على السوريين، لإرغامهم على الانصياع للأسد. بفشل البند الأول، سقطت رغبة الغزاة في إحلال بشار الأسد مرجعية بديلة لمرجعية الهيئة الحاكمة الانتقالية بقوة بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2118، فقرّرت الالتفاف عليهما ومنع تطبيقهما، لأنهما يزيحان الأسد عن السلطة. بينما حققت البند الثاني بأن دمّرت أكثر من نصف سورية، وهجرت وقتلت وجرحت مئات آلاف من مواطنيها. 

هذان الإنجازان: السيطرة على النظام الأسدي، وتدمير الشعب السوري، يطرحان السؤال: هل تستطيع موسكو استثمار "إنجازيها" لفرض حل يتكافأ مع استراتيجيتها في الانفراد بسورية والانتشار منها إلى العالم العربي؟. وهل حسّن احتلال سورية وضعها الدولي الذي كان تحسينه من أهم أهداف مغامرة موسكو السورية التي أريد بها أيضا الضغط على واشنطن، وإجبارها على بناء علاقة تتسم بالندّية مع أميركا. لم يتحقق هذا الهدف، ولذلك يبدو أن موسكو قرّرت استبدال الورقة السورية الضعيفة بورقة إيران القوية، المهمة بالنسبة لأميركا، وصولا إلى ما رسمه لعلاقاتها مع الغرب عامة، وواشنطن خاصة، من أهداف.

بعد خمسة أعوام من احتلال سورية، تبدو موسكو عاجزةً عن تحويل إنجازيها إلى حل سياسي يحقق أهدافها السورية والعربية والدولية. في هذا الظرف، أقلقتها اتفاقية عسكرية عقدها الأسد مع إيران يوم 8 يوليو/ تموز الماضي، ورأت فيها محاولةً من الطرفين للإفلات من سيطرتها علي السلطة وعليه شخصيا، ردّت عليها بتعيين ممثل شخصي للرئيس بوتين، بصفة مندوب سام، مهمته الإشراف المباشر على الرئاسة، وتعيين رئيس أركان روسي للجيش السوري، ومحافظين روس في مختلف مناطق سورية، بينما عقد نائب رئيس وزراء روسيا اتفاقاتٍ اقتصادية بالعشرات، لإحكام قبضة روسيا على ثروات البلاد ومواردها الوطنية، في نقلةٍ نوعيةٍ لفصل وجود موسكو في سورية عن الأسد، واستكمال سيطرتهم على سلطته، ما دام فشلهم في الإنفراد بالسيطرة عليها يمكن أن يزجّهم في مآزق تضعفهم، بما سيترتب على ذلك من نتائج خطيرة في موسكو. 

بعد خمسة أعوام من احتلال سورية، تجد روسيا نفسها أمام نجاحٍ عسكريٍّ نسبيٍّ، وفشل سياسي متحد، قيّد قدرتها على الانفراد بسورية، وفرض حلها عليها. لذلك، سيكون خيارها تجميد السعي إلى حل، وتشديد قبضتها على مستعمرتها.

=========================

موقفنا : درس في الواقعية السياسية لنبذ العقل المثالي

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٣٠ / ٩ / ٢٠٢٠

كتابان تعلمت منهما الكثير من الواقعية السياسية . وربما كانت السيرة النبوية الشريفة أولى بالذكر ، ولكن احتكارها من قبل المثاليين ، يجعلنا نوفر على أنفسنا أمر اللجاجة معهم . فبعض الناس يعتبرون الإسلام حديقة بيت جدهم الخلفية ، ويرجمون بحجر التفسيق والتكفير كل من يقترب منها .

وأعتبر أن أجيال الأمة بحاجة إلى دراسة هذين الكتابين التراثيين لتخرج من رهق العقل المثالي ، الذي طبع هذه الأجيالَ عليه الكثيرُ من الأدعياء القاصرين .

الكتاب الأول في الحرب والسياسة والتحرير والمناورة في سيرة الناصر صلاح الدين كما رواها القاضي ابن شداد ..

ذاك كتاب أقترح دراسته وتدريسه لكل أجيال الأمة ، والشباب المسلم منهم بشكل خاص .

لأن فقه أن المسلم بمجرد كونه مسلما يصبح قادرا مقتدرا على كل شيء قدير أرهقنا ، وأرهق العقول والقلوب. فقه أننا يمكنان ننتصر بمجرد أن نطبق سنة السواك من أغصان الشجر أوردنا الموارد .

وتذكرون الحكاية : تأخر النصر عن المسلمين ، فلم يراجعوا خططهم ، وإنما راجعوا التزامهم ، فتذكروا أنهم في غزوتهم هذه قد نسوا سنة السواك ، فتوجهوا إلى أغصان الشجر ليستاكوا فهرب العدو خوفا منهم ، وكم انفعلت بهذه الحكاية وأنا فتى صغير .

ثم كبرت فقرأت حكايات حروب الردة ، وكم استشهد من الصحابة وقراء القرآن حول حديقة مسيلمة ، التي لقبت بحق حديقة الموت . وكان في الصحابة يومها البراء بن مالك شقيق انس بن مالك ؛ الذي يقول عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر الأشعث الأغبر ذَا الطمرين الذي لو أقسم على الله لأبره ؛ أي لوفى الله له بقسمه وأجاب دعاءه ، وذهب إليه الصحابة يوم الحديقة يستنجدون بدعائه ، فقال لهم : احملوني فوق سور الحديقة وألقوا بي على العدو يا إخوتي وفعلوا وقاتل دون الباب وحيدا حتى فتح الله على يديه - اقرأ حكايته كاملة من كتاب خالد محمد خالد رجال حول الرسول فإنها تهز العقول والقلوب -

قرأت سيرة الناصر صلاح الدين ، ورأيته يكر ويفر ، هل نعلم معنى يفر ، ويتقدم ويتأخر ، ووووو

ثم عززت ذلك بدراسة كتاب الحروب الصليبية برؤية المؤرخ الفرنسي " ستيفن رنسيمان " من مجلدين كل مجلد من ٨٠٠ صفحة . وتعلمت من الكتابين كيف يصنع القادةُ التاريخ بالعقل والفكر والعزيمة والجد والتضحية والشجاعة ..!!

وليس كما يقولون لكم بالاتكاء على الأرائك وبقية الكلام الذي تحفظون . وصفّ رسول الله صلى الله عليه يوم بدر الصفوف ، وأحكم الخطة ، ووزع الأدوار ، ثم وقف تحت العريش يدعو حتى سقط رداؤه عن منكبيه .

في كل موضع من القرآن الكريم تقريبا - خلا موضعا أو موضعين ، ذكر الله فيه الذين آمنوا عطف عليهم وعملوا الصالحات . وفِي هذا دليل قوي لمذهب الأحناف رضي الله عنهم . في التمييز بين الإيمان والعمل ، لأن المغايرة من مقتضيات العطف . وأنا كلما سمعت قائلا يقول : إن السوريين في ثورتهم هذه لم يكونوا على مستوى الإيمان المطلوب ؛ أرد على القائل : ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، بل القيادات السورية التي تولت أمر هذه الثورة لم تكن على مستوى العمل المطلوب . عمل الصالحات في الإحكام والإبرام ..فلا تتهموا الشهداء ولا المصابين ولا المكلومين !!

وما أعظم ما جاد به مليون شهيد ومن خلفهم ملايين الأمهات والآباء والأبناء والزوجات من السوريين . ولن يضيع الله إيمانهم لجوده وفضله

والكتاب الثاني الذي تعلمت منه الواقعية السياسية كتاب " الاعتبار " للأمير أسامة بن منقذ في تقريب بعض المداخلات الحضارية . بين الأعداء . في الصبر والتضحية والإيثار والغداء وأشياء أخرى من العلاقات يضيق عن ذكرها المقال .

وربما أشياء كثيرة قرأتها في كتاب ابن شداد ثم في كتاب ابن منقذ فسبق إلى عقلي وقلبي إنكارها .. وغالبا ما أرجع إلى نفسي إن المعلم حين يعلمك لا يسترسل معك بهواك ..فيعلمك فقط ما تحب . تعليم المعلم ليس ترنيمة أم تنام على وقعها لتحلم بالجميل ، وفِي بعض العلم صاب وعلقم وتعلم الكثير مما هو كره لك . وقد أخبرنا ربنا أنه كتب علينا أشياء وهي كره لنا . وقال : (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) .

قليلا من الواقعية العملية يا عباد الله ..واتقوا الله في شعب أرداه تبشيركم الخاطئ ، وتعليمكم المتمادي والمتجاوز حدود ما أنزل الله وتذكروا قول الله

(وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ)

_________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

روسيا وإيران تتصارعان في درعا والسويداء

عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 3/10/2020

الأرض، كما الشعب السوري، كما النظام والقوى المناهضة له، أصبحت رهينة الإحتلالات الخارجية؛ هذه قاعدة أولى في نقاش أيّ شأنٍ سوريٍّ. تجدّد الصراع في الأيام الأخيرة بين الفيلق الخامس بقيادة أحمد العودة في درعا، وفصائل محلية والدفاع الوطني وحركة الكرامة ومواطنيين مدنيين من السويداء. السبب المباشر للمعارك فشل المفاوضات التي استمرت من مارس/ آذار الماضي بين وفود من درعا والسويداء، وكان القصد منها إخراج الفيلق الخامس من أراضٍ تابعة لقرى في محافظة السويداء، وهي أرض زراعية، ووضع نهاية لمشكلات متعدّدة بين المحافظتين، والمفاوضات تمّت بإشرافٍ روسيّ! الفشل ذاك، ورغبة الروس في تلقين السويداء دروسا إضافية عبر القتل ولإخضاع المدينة، والرغبة الإيرانية بتعزيز وجودها في السويداء، بعد طردها تقريباً من درعا، هو السبب الحقيقي للصراع الجديد. هذا الصراع، كما يبدو، سيستمر، ولا سيما مع ظهور حيثيات جديدة، تؤكد أن مفاوضات جديدة ستحصل بين النظام السوري وإسرائيل في إطار صفقات التطبيع التي تقودها إسرائيل. إذاً هناك مسائل تتجاوز الفيلق الخامس وفصائل السويداء، وتتطلب إخضاع السويداء بالكامل، وهو ما فشل فيه الروس حتى لحظته. أيضاً، وكي تكون الصورة جليّة، الفيلق يتحرّك بأوامرٍ روسية مباشرة، وهو محميٌّ من روسيا، ولولا ذاك لسحقه النظام السوري وإيران، والحماية تلك تجري بالتوافق النسبي مع النظام، ولكن لروسيا السيطرة الكاملة عليه. ورفض أحمد العودة إعادة الأراضي يعني أن هناك حجة دائمة لإثارة الصراع مجدّداً.

القتل الذي يحدث في المنطقة الجنوبية، وبين فرقاء مختلفين طائفياً، يؤسّس لمشكلات مستدامة بين المحافظتين

أيضاً، لم تعد هناك فائدة لتقوية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ودفعه نحو محافظة السويداء، كما تمّ من قبل، حيث تتكبّد روسيا والنظام وإيران خسائر يومية من هذا التنظيم، ويحاول الثلاثة تنظيف المناطق التي يسيطرون عليها، نسبيا، من أجل تعزيز نفوذها، وربما من أجل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التفاوض مع الدول المحتلة لسورية، أو تحقيق الإستقرار. الصراع العبثي هذا بين المناطق المتجاورة، نجد أمثلة عنه في كل سورية، وهذا يوضح التعقيد الكبير الذي أصبح عليه هذا البلد، والأسوأ أنه يوضح غياب أي أفقٍ قريبٍ للإنتقال السياسي. وتؤكد القراءات السياسية ضرورة الإنتقال إلى السياسة، سيما بعد خفوت الحروب، ولكن قراءات أخرى تؤكد أن الوضع السوري صار تحت السيطرة الخارجية، وهو يتعقد أكثر بعد فتح معارك ناغورنو كراباخ، ودعم كل من روسيا وتركيا وإيران طرفيه. وهناك الصراع في ليبيا، وبالتالي أصبحت القضية السورية كما الليبية كما ناغورنو كراباخ، قضايا للتفاوض بين هذه الدول وغيرها؛ هنا المشكلة. طبعاً ليس هناك من أطرافٍ سورية، منشغلة بالمسألة الوطنية، نظاماً ومعارضات، ولهذا نهمشها في إطار قراءة أي حدث سوري جديد، وما يحدث في الجنوب السوري، ضمن هذا السياق، ودور النظام فيه هامشي. 

القتل الذي يحدث في المنطقة الجنوبية، وبين فرقاء مختلفين طائفياً، يؤسّس لمشكلات مستدامة بين المحافظتين. هي مشكلاتٌ تتطلب مفاوضاتٍ مستقبلية دقيقة، لطيّها، وهذا ليس بسيطا، حيث هناك القتل والاختطاف والاستيلاء على الأراضي وأوجه أخرى. وإذا كان الفيلق الخامس يقاتل بمفرده، وبدون دعمٍ شعبي، حيث أصبح مكشوفاً، كفصيلٍ "روسيٍّ"، فإن فصائل السويداء تقاتل هي و"شعب" المحافظة. ولهذا وجدنا الداعمين "الفزعة" للمعارك في السويداء من كل الأطياف، موالين ومعارضين، مسلحين ومدنيين؛ على الرغم من الاختلاف هذا بين المحافظتين، فإن التأسيس لإشكاليات التطييف حدث ويحدث، وهو بكل حال ليس جديداً. 

المفاوضات المستقبلية بين النظام وإسرائيل، وبرعاية روسية وأميركية، تفترض سيطرة روسية كاملة على الجنوب السوري

تدخلت روسيا مجدّداً لضبط الصراع، وستتفق مع النظام وإيران على ذلك، ولكن المفاوضات المستقبلية بين النظام وإسرائيل، وبرعاية روسية وأميركية، تفترض سيطرة روسية كاملة على الجنوب السوري، وهذا ما ترفضه إيران والنظام معاً. الأخيرات تريد إنهاء الفيلق الخامس، والذي "يمثل السنة" ويهاجم المدينة "الدرزية". نعم سيتمُّ تصوير الأمر كذلك، وستَدعم تفكيرا كهذا القوى الطائفية من الجهتين، وكذلك كل من روسيا وإيران. مجدّداً، الإشكال الذي لا يجد له حلاً، أن روسيا ليست مستعدّة لفتح معركة كاملة مع إيران وزيادة الضغط على النظام، وإيران ليست مستعدّة للتخلّي عن أي منطقة في سورية، حيث ستتهمش بالتأكيد، وهو مطلب دولي، ولهذا نراها ترفض الخروج الكامل من درعا، وتحاول التمركز في السويداء، وهذا وجه من أوجه المعركة الأخيرة، وهي تدفع كذلك إلى حربٍ جديدة في إدلب وشرق سورية، وأيضاً نراها تنتقم من بلدات سورية "سنية" بقصد الانتقام وإثارة المشكلات الطائفية، وهي بضاعتها الأساسية للمنطقة. وذلك فيما الصراع "سنيّاً درزيّاً"، و"ليس بين درعا والسويداء"، وإنما هو، في عمقه، يتمّ بأدواتٍ من المحافظتين، وبقصديّة روسيّة وإيرانيّة، وبغرض تغيير المعطيات على الأرض، والتقدّم نحو الشرط الأميركي والتطبيع مع إسرائيل، وتنظيف الجنوب السوري بأكمله من الوجود الإيراني. 

روسيا وإيران ليستا مهتمتين أبداً بالشعب السوري وبالمحافظتين من أصله، يتركّز اهتمامهما على تعزيز مناطق نفوذهما

على الرغم من الدم، هناك الأعيان والوطنيون، وهم، كما فعلوا من قبل، يحاولون التفاوض بين المحافظتين، وبما يضمن سلامة المجتمع المحلي، وتعايش السهل والجبل، والحفاظ على مصالح الناس، وتهميش النزعات الطائفية. لهذا الاتجاه أنصار كثر في درعا والسويداء، ولكن هناك اتجاها مضادّا له، ومدعوما من روسيا وإيران، وهما من تجدّد ذلك الصراع، كل بعض الوقت. الآن، هناك قضية معقدة، أن تسليح الفيلق الخامس أفضل من السلاح في السويداء، فهل ستعمل إيران والنظام على تعزيز نوعية السلاح في هذه المدينة، وإشعال حربٍ أكثر خطورة مما كان في السنوات السابقة! 

ليس هذا ضرباً في الخيال، فهو يتمّ حالياً، سيما أن روسيا وإيران ليستا مهتمتين أبداً بالشعب السوري وبالمحافظتين من أصله، حيث يتركّز اهتمامهما على تعزيز مناطق النفوذ لهما، وبالتالي هناك خطورة حقيقية من تطوّر الصراع مستقبلاً بين المحافظتين، ولو خفت حالياً، وستكون حصيلته حينها: قتلى أكثر ودمارا للمنازل وللمحاصيل وتطييفا ممأسسا.

الوطنيون من المحافظتين، وفي كل سورية، هم من يرفض التسليح، ويرفضون التطييف، ويسعون من أجل السلم الأهلي، ولكنهم الجهة المرفوضة بامتياز، من النظام والمعارضة، وكذلك الدول المحتلة لسورية. وبالتالي ما حصل في السويداء قد يتكرّر، وهذا أسوأ من استنتاج، فهو الواقع.

=========================

روسيا ترحّل المسألة السورية

بشير البكر

العربي الجديد

السبت 3/10/2020

يبدو أن روسيا عازمة على ترحيل المسألة السورية من جديد، بسبب استحقاقين أساسيين: الانتخابات الرئاسية الأميركية والانتخابات الرئاسية السورية. وبدأت الآلة الروسية العمل على هذا الأساس، حيث ظهرت، في الآونة الأخيرة، بوادر إلى وقف عملية جنيف الخاصة باللجنة الدستورية، في وقتٍ كان من المنتظر أن تبدأ العمل على مشروع الدستور بعد قرابة سنةٍ ضاعت بالمناكفات والتعطيل المدروس الذي مارسه وفد النظام السوري بتغطيةٍ روسية، وعقدت الوفود حتى الآن ثلاث جولات، كي تتفق على نقاط أساسية على جدول الأعمال للجولة التي كانت مقرّرة في الخامس من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، ولكن موسكو تحرّكت في النصف الثاني من الشهر الماضي، وبادرت إلى إطلاق تصريحاتٍ تفيد بأن أصل العملية السياسية ليس اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف برعاية الأمم المتحدة، بل هو مسار أستانة الذي ترعاه كل من روسيا وتركيا وإيران، وحتى ما قبل أستانة، في إشارة إلى المؤتمر السوري الموسع الذي انعقد في سوتشي مطلع عام 2018. 

وتبلغت المعارضة السورية الرسالة من أوساط دولية، قبل أن يصرّح المبعوث الأممي، غير بيدرسون، والذي تحدّث عن صعوبة عقد الجولة الجديدة من اجتماعات اللجنة الدستورية، على الرغم من أن موعد الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول كان متفقا عليه، وكذلك الأمر بالنسبة لجدول الأعمال الذي جرى تحديده في اجتماع اللجنة أخيرا في جنيف.

والسؤال، ما هو سر تراجع روسيا عن مسار جنيف، في حين أنها بدت متحمسةً له منذ أول اجتماع للجنة الدستورية في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي؟ يكمن السبب الأول في انتخابات الرئاسة الأميركية. وبناء على شخصية الرئيس الأميركي المقبل، سوف يحدّد الروس موقفهم من الوضع في سورية، وهذا أمر لن يتضح قبل نوفمبر المقبل، فالانتخابات مقرّرة في الثالث منه، ولكن الرئيس لن يمارس مهامه الدستورية قبل نهاية يناير/ كانون الثاني المقبل، ويحتاج عادة إلى مائة يوم للنظر في الوضع الداخلي وترتيب فريق الإدارة الجديدة وشؤونها، وبالتالي لا تبدو روسيا في عجلةٍ من أمرها، ولن تُقدم على خطوةٍ سياسيةٍ كبيرةٍ في سورية قبل أن تعرف كيف تستطيع تسويقها أميركيا، وخصوصا لجهة إطلاق مشاريع إعادة الإعمار التي تحتاج إلى تمويل أميركي أوروبي، ومن المعروف أن الأطراف كافة تربط ذلك بإطلاق عملية سياسية جادّة تسمح بالعودة الطوعية للاجئين.

أما السبب الثاني فهو الانتخابات الرئاسية السورية المقرّرة في الصيف المقبل. وحسب أوساط على معرفة بالكواليس الروسية، ليست موسكو في وارد التخلي عن الرئيس بشار الأسد. ونقل بعضهم عن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، قوله "ليأخذوا كل شيء، وليتركوا لنا الأسد". وهنا نقطة الخلاف الرئيسية التي لا يبدو أن تجاوزها سهل، فالحل السياسي بوجود الأسد وجهازه لا يمكن أن يسير به أحد من المعارضة التي من الصعب أن تتنازل عن سقف محاكمة الأسد وأركان حكمه، وإلا فإنها لن تجد من يسير معها من السوريين، وخصوصا المتضرّرين المباشرين من المهجّرين في الخارج والداخل، والذين تجاوز عددهم عشرة ملايين نسمة. ومن غير الواضح هنا الطريقة التي سوف يصوّت بها اللاجئون في الخارج. وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه، لن يختلف الأمر عن الدورة السابقة التي كان التصويت فيها شكليا حسب طريقة الاستفتاء المعهودة في سورية منذ عهد الأسد الأب.

بقاء الموقف في سورية على ما هو عليه قد يلائم روسيا مرحليا، ولكنه قد لايأتي في صالحها مع مرور الوقت، خصوصا أن فاتورة حضورها العسكري باتت عاليةً، من دون أن تتمكّن من استرداد بعض الأموال التي صرفتها منذ تدخلها العسكري قبل خمس سنوات.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com