العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-07-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الهوية السورية وتفريغ تركيبتها الاجتماعية

 نزار السهلي

القدس العربي

الخميس 8/7/2021

الحديث عن الهوية السورية أو الكيانية المجتمعية للسوريين، لا تشكل اكتشافا جديدا، وإنما التركيز عليها بغرض استيعاب العبرة منها، بما يخص بنية المجتمع السوري الذي تعرض لخسارة كبيرة، بعد تجربة السوريين النضالية ضد نظام القمع والاستبداد والقتل طيلة خمسة عقود، وفي أجواء انحسار الثورة السورية بعد أن اصابها ما أصابها من النظام والأشقاء والأعداء على حد سواء، تردد في السنوات الماضية الحديث المستفيض عن العملية السياسية التي تفضي لحل معضلة السوريين مع هكذا نظام، ومن جملة ما تردد طرحه في الأشهر والأسابيع الأخيرة أسئلة متعلقة بالظروف الإنسانية والمعيشية لحياة ملايين المهجرين من مدنهم وقراهم داخل وخارج سوريا، مع سؤال عن مدى إمكانية تمديد العمل في المعابر الإنسانية التي تهدد موسكو بوقف العمل بها ؟

أجواء الحاضر السياسي

ليس من المستغرب أن يطرح مثل هذا السؤال مجدداً، و في أجواء الحاضر السياسي، مقترحات وحلول مقطوعة الصلة عن السؤال عن الماضي القريب لتطلعات المجتمع السوري، وعن ما أقر في جنيف الأول والثاني، والقرارات التي أحبط العمل بها بدعم قوتي الاحتلال الروسي والإيراني، بما يخص العملية السياسية وفق القرار 2254، كقاعدة بناء ومنطلق لحل سوري- سوري، لكن التحركات السياسية والعسكرية لكل من نظام الأسد وموسكو وطهران، وغير ذلك من إيماءات وتلميحات تعويم الأسد عربياً واقليمياً، مع بالونات اختبار تطوف في سماء سوريا والمنطقة، منذ أستانا 1 إلى مؤتمر روما الأخير، والحديث عن اللاجئين وإعادة الإعمار والمواضيع الإنسانية، تدل أنه لا قناعة لدى الأطراف الدولية والإقليمية، لدعم السوريين للتخلص من النظام والتطلع لحقوق وحرية المجتمع السوري القائمة على المواطنة والكرامة الإنسانية.

ومن محصلة تجربة السوريين الميدانية غير المتواضعة، والسياسية المبنية على ايمان راسخ أن نظام الأسد، المدعوم من قوى احتلال مباشر على الأرض، لن يقبل تحت أي ظرف من ظروف الضغط السياسي الذي جُرب ظاهرياً في المحافل الدولية، أن يتنازل عن ما حققه على صعيد تدمير بنية السوريين الاجتماعية، والتي أظهرت نقيضاً فاضحاً لكل إدعاءات النظام الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية والأخلاقية، والتي أصبح الشعب السوري بفضلها الشاهد على هذا التناقض، وعلى الجرائم التي خلفها نظام الأسد بحق البشر والحجر والحواضر السورية.

ركائز وغرائز النظام

لم تكتف غريزة الانتقام من المجتمع السوري لدى نظام الأسد وحلفائه، بقتل مئات الآلاف وتشريد نصف السكان، إذ باتت ركيزة تراثية لاستئناف الحكم الأسدي في سوريا، على اعتبار أن كل جريمة أحدثها الأسد الأب باتت شرعية لاستمرار السلالة الحاكمة، وليس في قاموس النظام نهاية للمبررات التي لا تحصى عن وحشيته، وجرائم الأسد بحق المجتمع السوري تطبيق ” جيد” لتراث النظام الرديء، وهذه النقطة تشكل صخرة صماء وعقدة مستعصية الحل أمام الذين يدافعون عن جرائمه.

ضرب الهوية المجتمعية

أدى التجريف الواسع للبنية المجتمعية للسوريين، في المدينة والقرية في جهات سوريا الأربع، لإحداث تأثير على بقية الجسد السوري الممسك به مخلب النظام الأمني، فاقتلاع السوريين وبعثرتهم في أرجاء المعمورة، بعثرة لروايتهم وتشتيت للهوية، التي شكلت في وحدتها الديمغرافية تحديد الإشارة نحو النظام المستبد قبل الثورة والقاتل أثناءها، في البعثرة الناشئة لتقسيم المجتمع السوري بين أخيار الداخل وأشرار الشمال والجنوب والخارج، وفرز “تجانس مفيد” يخدم سيطرة النظام، كضرورة لنفخ ثقافة، نجم عنها إضعاف الهوية المحلية للسوريين، وساهم بضربها الاحتلال الروسي -الإيراني المتغلغل بالجغرافية السورية، وبعمليات التغيير الديمغرافي على الأرض، كانت المؤشر الحاسم لسياسات ما بعد النيل من السوريين إعادة تشكيل هوية جغرافية وديمغرافية جديدتين.

الأسدية نقيض الهوية

لربما من المثير الحديث عن وضع التشكيل المجتمعي للسوريين، بالطريقة التي رتبت على دموية غير مسبوقة، وتهجير وقتل وتحطيم معظم الحواضر التي حضنت هذا المكون الاجتماعي- الاقتصادي على مدار قرون طويلة، بخصائص مختلفة نسبية عن تلك التي حاول النظام على مدار خمسة عقود النيل منها أيضاً بتصنيفات عنصرية وحاطة من قيمة وقدر تلك الهوية والتركيبة المجتمعية، التي اُلصق كل منطقة بنعت “مناسب” لها عن الأدالبة والرقاوية، الشوايا والدرعاوية، والحماصنة والحموية، وبات لكل منطقة وحي تتبع لهذه المناطق، تصنيفات ليست عنصرية وحسب وتشير للسخرية والاستهزاء، بل وتخوينيه، امتدت عقود حكم الأسد وسلالته، وشملت مناطق الشمال والجنوب والوسط من المحافظات السورية، لتكون صفوة المجتمع هي الساحلية، وبتحديد أدق منطقة السلطة الحاكمة، بالمعنى النفسي، تحقق الفرز حتى حانت الفرصة للنظام بالانتقام من هذه التشكيلة دفعة واحدة بضرب التركيبة المجتمعية لتفريغ هويتها، فليس عبثاً اختيار الشمال السوري أو الجنوب مكاناً لتجميع الخارجين عن طاعة النظام، بل لتأكيد أن هوية تلك المناطق ستبقى في مرتبة “الانحطاط” في عقل وسلوك النظام القائم، وإذا اختصرنا إعادة التشكيل التي ينبغي إحداثها حسب سياسة النظام، فإنها تعود للمربع الأول بالنسبة للقضية محل اهتمام السوريين الذي تمخض عنها ثورة، فإعادة تشكيل الهوية السورية على أسس مناطقية وعنصرية وطائفية قادهم بالأساس للثورة، وأينما تنقل أهل حمص وحماة، أو درعا مع الشوايا والأدالبة و الحموية والديارنة والدوامنة وكل سوري، فإن هويته لن تعود مجدداً بتلك التسميات مع استمرار حكم الأسد، الذي توهم بمقدرته على طمس كل سوريا وانتصر عليها للأبد بالمذابح.

أخيراً، بناء هوية سورية جديدة وكيانية سورية خالصة، منزوعة من الأسدية، هي التي تؤسس مستقبل وكيان سوري بعقد اجتماعي جديد، ودون ذلك من رتقٍ ورقعٍ في “قربة الأسد” المخرومة من كافة جوانبها تبقى الهوية السورية مهددة بتاريخها وإرثها بوجود الأسدية.

=========================

وجهة نظر : أما بعد.. من الثورة..إلى المقاومة.. ومطلبنا: عدل..وحرية ..وكرامة إنسانية - ومحاسبة أدوات الجريمة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/ 7/ 2021

وعلى ضوء كل ما علم السوريون، وعلى ضوء كل ما استجد لديهم من معلومات؛ أصبح عبثيا الاسترسال في الطريق الذي وُضعنا عليه منذ 2011. وأصبح من الواجب الأولي للجادين غير العابثين، ولا المقامرين بأرواح وعذابات السوريين، أن ينتقلوا من استراتيجية " ثورة " بلا ملامح ، ولا برامج، ولا أهداف حقيقية، ولا ممثلين صادقين، إلى استراتيجية المقاومة المبصرة الملتزمة بكل المعايير الإنسانية والأخلاقية لحركة مقاومة...

سيسأل الله المتكئين على أرائك القرار الوطني، عن أنة كل مظلومة ومظلوم . .

فرحوا بالأمس بمعبر للصدقات، ولم ينتبهوا إلى تطمين وكيل وزير الخارجية الأمريكي الصريح ولا أقول الجديد : الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد في سورية تغيير النظام . هي الكلمة الأولى التي قالها أوباما ، يوم دعا إلى حل سياسي بين الضحايا والجلاد ...وهضموها وذهبوا إلى الجنيفات والأستانات والسوتشيات، وما زالوا يذهبون. وجلسوا يتفاوضون مع القاتل المبير، وينمقون مواد غير منمقة، يظنونها في الدستور.

المغرورون بالحلم الأمريكي ما زالوا يغررون. كل الدماء التي أريقت في سورية ، وكل عذابات المعتقلين والمهجرين، كل النتائج الكارثية التي ستنزل على البلد سيكون لهم ، ما استرسلوا وأصروا على ما هم فيه، من وزرها نصيب.

حقائق يكررها المستبصرون منذ عشر سنين. وتؤكدها الوقائع والحقائق كل صباح ومساء ، ألا ليت قومي يعلمون ...

وما زالوا يحدثونك ، قال فخامة الرئيس، قال معالي الوزير، قال سعادة السفير ..الثورات لا يصنعها الذين يعرفون الرئيس والوزير والسفير ...!! وعندما أمسك القومندان الفرنسي " أبو نايف الحلبي" ورفعه في ساحة المحكمة بيد واحدة لضآلة حجمه، كان أبو نايف يشتغل في جورة المبيض سحابة الأسبوع ، يقول القومندان : هذا أبو نايف الذي شغل الدوريات الفرنسية طوال سنين. وأدركت أبو نايف في جورة المبيض، وكنا كلما سألناه عن تلك الأيام أجاب فقط بالابتسام. يحكون عنه في الحي أنه كان " جتا " مع عشرة من أصحابه ضج من فعلهم الفرنسيون، فمن يعرف مبناها ومعناه ..يربح معركة الغد القريب ..

جثمان سيدنا "سليمان" المتكئ على العصا خفي عن أعين مردة الجن وأكلت دابة الأرض الصغيرة منسأته حتى خرّ ، خرّ الذي قال : يا أيها الناس علمنا منطق الطير ...وسخرت له الريح في غدوها ورواحها. دابة الأرض ليست فصائل ولا ألوية ولا نياشين !!

وأحرى بمن لا يعرف الفرق بين الثورة والمقاومة، أن يعود إلى عهد الكتاتيب، لا أن يجلس على صدر شعب مجهد مع الجالسين ..

( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

أبرز ملفات القضية السورية على طاولة أستانة... تفاهمات بالحد الأدنى؟

أمين العاصي

العربي الجديد

الخميس 8/7/2021

وُضعت أبرز ملفات القضية السورية على طاولة المحادثات في الجولة السادسة عشرة من مسار أستانة في العاصمة الكازاخية نور سلطان، والتي بدأت أمس الأربعاء وتنتهي اليوم الخميس، بحضور ممثلين عن الدول الثلاث الضامنة لتفاهمات هذا المسار وهي: روسيا، تركيا، وإيران، إضافة إلى وفدي النظام والمعارضة السورية والمبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسن، وممثلي دول الجوار السوري (لبنان والعراق والأردن)، بصفة مراقبين. ولكن الملف الأكثر حضوراً في هذه الجولة مسألة التمديد لآلية متبعة منذ عام 2014 لتسهيل دخول المساعدات الدولية إلى الشمال السوري، حيث من المتوقع أن تلقي بظلالها على هذه المحادثات، إضافة إلى التمديد لوقف إطلاق النار في محافظة إدلب ومحيطها بشمال غرب البلاد.

وجدد الممثل الخاص للرئيس الروسي في الشأن السوري، ألكسندر لافرينتيف، مطالبة بلاده بوقف عمل آلية إيصال المساعدات الدولية إلى الشمال السوري عبر معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، والتي تنتهي في العاشر من شهر يوليو/تموز الحالي. وزعم في كلمة له خلال المحادثات "أن المساعدات التي تصل إلى إدلب مسيّسة والمسلحون يمنعون وصولها إلى المدنيين". ومن المفترض أن يبدأ مجلس الأمن الدولي مداولاته لتمرير مشروع القرار الجديد الذي تقدمت به إيرلندا والنرويج ويدعو لتوسيع التفويض وإعادة فتح معبر اليعربية الحدودي مع العراق لإيصال المساعدات.

مصادر في وفد المعارضة: موضوع استمرار العمل في معبر باب الهوى أولوية لنا

وأوضح مصدر مطلع من المعارضة لـ"العربي الجديد" أن الجانب التركي يرفض إعادة فتح معبر اليعربية، بسبب موقفه من الإدارة الذاتية ذات الطابع الكردي التي تسيطر على الشمال الشرقي من سورية حيث المعبر. وأشار المصدر إلى أن موضوع المعابر وتجديد آلية إدخال المساعدات "يستحوذ على حيّز كبير من محادثات الجولة الحالية من مسار أستانة"، مضيفاً: "يريد الروس والنظام تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية مقابل الموافقة على تمرير القرار الدولي بتمديد آلية وصول المساعدات". وتبحث روسيا عن مكاسب اقتصادية لها وللنظام، من قبيل فتح المعابر الداخلية بين مناطق النظام والمعارضة، والسماح لشركات روسية في العمل في منطقة شرقي نهر الفرات الغنية بالموارد والثروات والتي تعد منطقة نفوذ كبير للولايات المتحدة الأميركية المصرّة على التمديد لآلية إدخال المساعدات، وإعادة فتح معابر أخرى لتدفق القوافل التي تحمل الغذاء إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتي تضم نحو 9 ملايين نسمة في شمال سورية وفي منطقة شرقي الفرات الذي تسيطر عليها "قوات سورية الديمقراطية" (قسد).

من جهتها، قالت مصادر في وفد قوى الثورة العسكري المشارك في اجتماعات أستانة إنّ موضوع استمرار العمل في معبر باب الهوى من قبل الأمم المتحدة "أولوية لنا". ولطالما حمل وفد قوى الثورة العسكري ملف المعتقلين إلى جولات أستانة، ولكن رفض النظام مقاربة هذا الملف على الإطلاق يحول دون تحقيق تقدم فيه لجهة إطلاق سراح مئات آلاف المعتقلين منذ أكثر من عشر سنوات.

في السياق، اعتبر الباحث السياسي في مركز "الحوار السوري"، محمد سالم، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "تلوح أجواء توافق على التمديد لإدخال المساعدات عبر معبر باب الهوى"، مضيفاً: "ربما ينعكس ذلك إيجاباً، ويساعد على إيجاد حلول توافقية". وأشار إلى أن "هذه الحلول ربما تتعطل في حال رفعت روسيا سقف مطالبها من الجانب التركي، مثل انسحاب القوات التركية من جنوب الطريق الدولي (حلب - اللاذقية) أم 4، أو فرض منطقة عازلة في مناطق المعارضة من جهة الساحل، مما يعني تمهيداً لقضمها، وهو ما يتم التخوف منه حالياً". وتابع سالم: "من غير المعروف إلى الآن مدى حدود التصعيد الروسي لفرض مثل هذه السيناريوهات، في حين أن مطلب فتح الطريق أم 4 وتشكيل ممر أمني فيه، وفق اتفاق موسكو المبرم في مارس/ آذار من العام الفائت بين تركيا وروسيا، أكثر قابلية للتنفيذ والأخذ بعين الاعتبار من قبل المعارضة والأتراك". ويعد فتح هذا الطريق الدولي الذي يصل الساحل السوري في غربي البلاد بمدينة حلب في الشمال، من أهم المطالب الروسية منذ سنوات، ولكن تحول دون تحقيقه العديد من العقبات، في ظلّ رفض شعبي في محافظة إدلب لأي دور روسي على الأرض بسبب المجازر التي ترتكبها موسكو بحق المدنيين.

يغيب عن الجولة الحالية ملف النازحين والمهجرين إلى الشمال السوري

وكانت راجت أنباء عن مطلب روسي بانسحاب تركي من بعض المناطق في شمال غربي سورية لصالح قوات النظام، غير أن المتحدث الرسمي باسم وفد قوى الثورة العسكري، أيمن العاسمي، نفى في تصريحات صحافية أن يكون على جدول أعمال الجولة الحالية من محادثات أستانة، بند يناقش انسحاب الجيش التركي أو فصائل معارضة المرتبطة به، من مناطق في ريف إدلب الغربي أو ريف اللاذقية الشمالي.

ويغيب عن الجولة الحالية من محادثات أستانة ملف النازحين والمهجرين إلى الشمال السوري من المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام أواخر عام 2019 والربع الأول من عام 2020، وخاصة من مدن معرة النعمان، وسراقب، وخان شيخون في ريف إدلب، ما يعني بقاء هذا الملف بلا حلول مع رفض قوات النظام الانسحاب من هذه المدن ليعود إليها سكانها.

ويشكل حضور المبعوث الأممي إلى سورية، غير بيدرسن، محادثات الجولة 16 من مسار أستانة، فرصة حقيقية أمام الأمم المتحدة لتحريك ملف العملية السياسية وخاصة لجهة الدعوة إلى جلسة سادسة من جلسات اللجنة الدستورية. وكانت الجولة الخامسة من اجتماعات اللجنة الدستورية، المشكلة من النظام والمعارضة والمجتمع المدني السوري، قد عقدت في يناير/ كانون الثاني الماضي، إلا أنّ نتائج تلك الجولة، وما سبقها من جولات، كانت صفراً.

أشار بيدرسن إلى عزمه مواصلة الجهود للتحضير لعقد الجولة السادسة من اجتماعات لجنة مناقشة الدستور

وتطرق بيدرسن إلى العملية السياسية خلال اجتماع عقده أمس الأربعاء في العاصمة الكازاخية مع رئيس وفد النظام إلى محادثات أستانة، أيمن سوسان، والذي يشغل منصب معاون وزير الخارجية والمغتربين في حكومة النظام. ونقلت وكالة "سانا" التابعة للنظام، عن سوسان زعمه استمرار النظام بـ"التعاطي الإيجابي مع هذه العملية"، فيما أشار بيدرسن إلى عزمه مواصلة الجهود للتحضير لعقد الجولة السادسة من اجتماعات لجنة مناقشة الدستور في جنيف، وفق الوكالة.

إلى ذلك، أشار المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف، في تصريحات صحافية أمس، إلى أنّ روسيا ستناقش خلال محادثات أستانة مع بيدرسن استمرار عمل لجنة مناقشة الدستور، زاعماً أنه "تم خلق كل الظروف لمتابعة عملها". من جانبه، رجّح عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني السوري المعارض، عبد المجيد بركات، في حديث مع "العربي الجديد"، خروج الجولة السادسة عشرة من محادثات أستانة بـ"تفاهمات بالحد الأدنى في الملفين الإنساني والعسكري، وتأجيل الحديث بالملف السياسي".

=========================

ما الذي فعلته واشنطن في سوريا.. خذلان أم غدر؟

العقيد عبد الجبار العكيدي

المدن

الاربعاء 7/7/2021

في النقاش بشأن الثورة السورية دون أن يذكر الموقف الأميركي، ويكاد هذا الموقف لا يُذكر إلا في سياق سلبي، لا لأن واشنطن ظلّت تتفرج طيلة عقد على ذبح سوريا وشعبها وثورتها بسكين أحد أكثر النظم العسكرية همجية، بل لأنها كانت تدّعي غير ذلك، أو هكذا توحي، أي أنها قدّمت الكثير للشعب السوري، ولم يحدث أن ورد اعتراف رسمي بالفشل.. هذا الوهم والادّعاء يجعل من مقولة "خذلان الولايات المتحدة للقضية السورية" كثيرة الاستخدام والتداول، فهل هي صحيحة؟

الاستراتيجية الكبرى 

منذ اليوم الأول للثورة السورية، تبّنت إدارة أوباما آنذاك عقيدة أو قاعدة "امنح الحرب فرصة" لصاحبها إدوارد لوتواك، المؤرخ والاستراتيجي البارز، صاحب نظرية إبطال عقيدة الاعتماد على القوة العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أنه أراد أيضاً من نظريته تلك خلاصة تقول إن الحرب تجلب السلام فقط إن بلغت ذروتها، أي ترك الحرب تستكمل مسارها الطبيعي.

إحدى تجليات ما سبق كان فيما أبلغه السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد المعارضة السورية في وقت مبكر، حين أكد لهم بشكل قاطع أن الولايات المتحدة لن تقدم الدعم العسكري لإسقاط نظام الأسد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين حمل رسائل مشابهة خلال زيارته برفقة السفير الفرنسي في دمشق آنذاك، إريك شوفالييه، إلى حماة للمشاركة في مليونيتها الشهيرة، وتعزيزاً لهذا النهج، اختار فورد أحد أبرز شهداء الثورة للمشاركة في عزائه، وهو الشهيد الحي غياث مطر، وفي هذا الاختيار دلالات واضحة.

كان فورد يقول بشكل غير مباشر لن ندعم ثورة عسكرية، رغم أن الجميع كان يجزم أن مآل الثورة السلمية هو اللجوء إلى السلاح، لأن المعلوم بالضرورة حينها أن النظام قد حسم أمره، وخصوصاً مع أول خطاب لبشار الأسد، بمواجهة الانتفاضة بعنف لا حدود له، والعنف المفرط يولد ردة فعل في المقابل، أي أن حمل السلاح لم يكن خياراً، ولم يكن مفاجئاً لأحد، وعليه بدأ الجميع بالتفكير، لا بتسليح المعارضة، بل بكيفية التسليح بما يضمن رسم أهداف محددة، وفي هذا السياق، فحتى النظام السوري كان له بشكل أو بآخر مصلحة في تسليح الثورة، من أجل جرها إلى الملعب الوحيد الذي يجيده، وهو القوة والإجرام والقتل.

التأجيج وتوازن القوة 

لا يخفى على أحد أن المعارضة السورية حين سيطرت على ثلاثة أرباع سوريا، وكانت قاب قوسين أو أدنى من اقتحام دمشق، والسيطرة على حلب، أهم حاضرتيْن في سوريا، إنما تحقق بسلاح بسيط، وإمكانيات أبسط، لكن بفعالية أدهشت الخصوم والأصدقاء على السواء، وأربكت الجميع، ومن هنا بدأت التدخلات فعلياً.

ما سبق يُفسر ما يشبه الصمت أو التسهيل الأميركي وفي بعض المحطات بطلب من واشنطن، لتغوّل إيران في سوريا ومعها جحافل الميليشيات التابعة لها بما فيها حزب الله اللبناني، وكذلك فتح ممرات لوصول آلاف الجهاديين إلى البلد، أو فتح زنازين النظام، والنظام العراقي، للإفراج عن بعضهم، وصولاً إلى التدخل الروسي المباشر عام 2015.

تغذية قوة الأطراف بالتوازي وبشكل مدروس من جهة، وحرمان الثورة وأهلها الأصلاء وسلاحها الوطني من الدعم الفعال والحقيقي من جهة أخرى، كل هذا شكّل عناصر الوصفة الأميركية التي يأكل منها الجميع اليوم، باستثناء الشعب السوري بطبيعة الحال، والذي كان مجرد ميدان للتجارب العسكرية والسياسية، والثمن فادح، الملايين بين قتيل ومعتقل ومهجر.

وعلى هذا الأساس، ضبطت إدارة أوباما إيقاع تدخلها في سوريا، أو قل الاستثمار في سوريا، لصالح ملفات أخرى تراها أكثر أهمية، وفي مقدمتها ملف إيران النووي.

لم تكن خطوط أوباما الحمراء، والتلويح بضربة عسكرية إلا مناورة حذرة لكن مجدية، انتُزعت بموجبها التسوية المطلوبة أميركياً من إيران في ذلك الوقت، ومن ينسى حين خرج وزير الخارجية الأميركي حينذاك بالتزامن مع التلويح بالضربة ليقول: "إن الصفقة تمت"، وبعد ذلك التصريح تبخرت التهديدات، ولم يبق من لون أوباما الأحمر سوى دماء السوريين.

أي وبالمحصلة، أوباما لم يخذل الشعب السوري، بل غشّه وتاجر به وبقضيته بأسلوب لا تستخدمه إلا دول مثل روسيا والصين، وترى الولايات المتحدة بأنها تتفوق عليها أخلاقياً، لكن في سوريا جميعهم اختاروا المستنقع ذاته.

ودليل أن واشنطن أرادت ما حصل، أنها تدخلت عندما أرادت التدخل، وفي المكان الذي تريد، وبالقدر الذي تقدره، وتحت اللافتة التي تكتبها، وتختار هي الشركاء. تدخلت تحت لافتة محاربة تنظيم "داعش"، وهو نتيجة من نتائج الفوضى التي تسبب بها الأسد، وسخرت كل دعمها بشكل سخي لطرف واحد، لتوظفه لاحقاً في صراع آخر مديد، أو تُمدد به الصراع والحرب الجارية، لأن حليفها المتمثل بالوحدات الكردية، لديه الاستعداد أن يقاتل الجميع لأجل أهدافه المعلومة، وهي ليست كرمى عيون الكرد، بل تلبية لطموحات سلطوية لحزب العمال الذي، مثله مثل أي حزب شمولي، سيُبتلى به الكرد كما ابتلينا نحن العرب بحزب البعث يوماً ما.

اللحظة التاريخية الخاطئة

ورغم ما ورد آنفاً، لا يمكن إنكار أن الثورة السورية بوصفها لحظة تاريخية فارقة، جاءت في توقيت راكم معه المجتمع الدولي مخاوف تجارب سابقة من أفغانستان إلى العراق إلى ليبيا، وكان طبيعياً أن تهيمن تلك التجارب كهاجس حين تُطرح سوريا على الطاولة.

بالعموم، إدارة أوباما لم تترك شيئاً للصدفة وللعجز، بل فعلت ما خططت له وأرادت فعله بدقة، وخصوصاً اعتبار سوريا ومأساتها كتفصيل ثانوي يرتبط بقضية رئيسية هي إيران وسلاحها النووي وتدخلاتها الإقليمية الآخذة بالتوسع، ولعل كلمة أوباما لا تزال عالقة في الأذهان حين قال بعد توقيع اتفاقه النووي مع طهران: "المهمة قد أنجزت، لا أريد سماع شيء بشأن سوريا"!!، وبهذا ذهب أوباما ولعنة السوريين التواقين إلى الحرية تلاحقه، وهم الذين فرحوا ربما لتوليه الرئاسة بوصفه رمزا للانتصار التحرري الإنساني، لكن هيهات.

شواهد الغدر 

تلخيصاً لما سبق ولإثباته، سأضع هنا شواهد أنقلها بحكم معايشتي للواقع الميداني:

أولا: إن كانت واشنطن تريد لروسيا التورط في سوريا والغرق في رمالها على غرار تجربة سلفها الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، فلما لم تزود الجيش الحر بمضاد الطيران، والذي كان كفيلاً، لا بإسقاط النظام فقط، وحماية الملايين بكلفة أقل مما تنفقه واشنطن اليوم على المساعدات، بل كان سيؤلم روسيا حقاً، وحليفتها إيران.

ثانيا: غرفتا "الموك والموم" لمن خبرهما جيداً، كانتا بالدرجة الرئيسية تعملان على مراقبة الثوار عن كثب، ومع الدعم المقنن والشروط القاسية وطلب الخطط مسبقاً، فإن النتائج في كل مرة، كانت خسارة الثوار منطقة تلو أخرى، والواقع فإن المعارضة لم تخسر إلا بعد تشكيل الغرفتين المذكورتين أعلاه.

ثالثا: كبحت غرفتا الموم والموك بكفاءة استراتيجية فتح معارك متزامنة للتخفيف عن المدن التي تتعرض لحملات عسكرية شرسة من جانب النظام. 

رابعا: إن كان دخول التحالف لقتال داعش، وليس لتورية الدعم المقدم للوحدات الكردية، لما لم يقدم التحالف الدعم المطلوب لمعارك المعارضة ضد داعش، علماً أن قتال المعارضة لداعش بدأ قبل 10 أشهر من بدء قتال الوحدات الكردية لها، والتي لم تفعل ذلك إلا بعد حصار مدينة عين العرب- كوباني. بل المفارقة أن توجهنا في ذلك الوقت كجيش حر وطني إلى المدينة لمشاركة الكرد قتالهم ضد تنظيم داعش لم يلقَ لا الرضى ولا الدعم الأميركي، بل جوبه بالسخط، فلماذا؟

"الحيوان" وترامب

لم يكن يتخيل المرء أن يسمع رئيس أكبر دولة في العالم يصف أي رئيس آخر ب"الحيوان"، لكن ترامب فعلها، ورغم أنه صاحب شخصية مزاجية من الصعب توقع أفعالها، إلا أن التفاؤل عاد إلى إمكانية لعب واشنطن دوراً أكثر جدية معه في سوريا، خصوصاً أنه كان رافضاً لإرث أوباما بالمطلق، بما في ذلك إيران.

لكن ترامب وأوباما، في القضية السورية، تشابها في كل شيء رغم اختلاف المبررات، سوى أن ترامب لم يزبد ويرعد ويعد كما فعل أوباما، وضوحه على الأقل كان ربما الميّزة الوحيدة.

وعليه، فقد استكملت روسيا في عهده هيمنتها على المشهد السوري، ومعها إيران وبقية العصابات، وتكاثرت الاحتلالات، ووصلت إيران إلى تخوم الجولان السوري المحتل، وانحسر السوريون الأحرار وثورتهم وسلاحهم فيما بقي اليوم من أراضٍ، ربما كان ترامب جاداً فعلا في منع اقتحام إدلب لتعقيدات سيفرضها مثل هذا السيناريو، إقليمياً ودولياً.

وأما فيما يتعلق بقانون قيصر، فهذا لا يُحسب لا لأوباما ولا لترامب، ولا يهم في عهد مَن كُتب، ولا في عهد من أُقر، فهذا القانون تحديداً، والحديث يطول بشأن تفاصيله، الفضل فيه لقيصر أولاً، الذي وضع الأميركيين في ورطة أخلاقية صعبة، وثانياً لللوبي السوري في واشنطن، وثالثاً لأعضاء الكونغرس، ولو لم يُلحق القانون بميزانية وزارة الدفاع لما أُقر، أكان ذلك في عهد أوباما أو ترامب.. لا يهم.

وها نحن اليوم، مع ثالث رئيس أميركي منذ انفجار ثورة السوريين العظيمة، وربما أول ما يخطر في بال السائل، ما الذي سيفعله بايدن رئيساً ولم يفعله حين كان نائب رئيس؟ وأي جديد وهو يحيط نفسه بإدارة تحمل ذات نَفس إدارة أوباما.

من المبكر الحكم على ما قد يفعله هذا "الأوباماوي" العجوز، السياسي المحنك، إما لأنه سيسعى إلى وضع بصمته الخاصة كرئيس، أو لأن القضية السورية قد اختمرت فعلاً بناء على وصفة "أعطِ للحرب فرصة"، وأن الحالة اليوم قد أينعت وحان فصل القطاف.

اليوم، ومجدداً، روسيا تُصعد، وأميركا تتحدث عن مساعدات وفتح معبر أو اثنين، لكن كل ذلك يجري بالتزامن مع مفاوضات فيينا، حيث نقاش الملف النووي الإيراني، ولعل ما يحدث في سوريا لا يتجاوز كونه حلقة إضافية، ستتكشف نتائجها في الطريق بين طهران وواشنطن لا بين إدلب ودمشق، وليس حرياً بنا، نحن السوريون، أن نلدغ من جحر، ثلاث مرات.

=========================

جولة أستانة بين أنقرة وموسكو: سياسة المعابر السورية المتوازية

بشير البكر

العربي الجديد

الاربعاء 7/7/2021

تبدو جولة أستانة السادسة عشرة التي تمتد من اليوم الأربعاء إلى غد الخميس مختلفة. وهي تكتسب أهمية خاصة، كونها تأتي قبل أيام قليلة من اجتماع مجلس الأمن الدولي، في العاشر من الشهر الحالي، من أجل مناقشة مشروع قرار غربي طرحته النرويج وأيرلندا، يقضي بفتح معبرين إضافيين لإدخال المساعدات الإنسانية إلى سورية، إلى جانب الإبقاء على معبر باب الهوى بريف إدلب، الذي يُعدّ المعبر الوحيد حالياً لإيصال المساعدات.

وحسب مصادر في المعارضة السورية لـ"العربي الجديد"، فإن النقطة الأساسية المطروحة على جدول الأعمال هي مسألة إدخال المساعدات، وهو ما ورد بالنص في جدول أعمال الجولة الذي أعلنته وزارة الخارجية الكازاخستانية. وقالت الوزارة في بيان، إن البنود الرئيسية في جدول أعمال المحادثات تتضمن الوضع الراهن في سورية، وإيصال المساعدات الإنسانية، واستئناف عمل اللجنة الدستورية السورية، وإجراءات بناء الثقة مثل تبادل الأسرى والإفراج عن المعتقلين والبحث عن المفقودين.

واللافت أن مناقشة إدخال المساعدات إلى سورية تتم للمرة الأولى ضمن آلية أستانة التي خرجت بها روسيا في مطلع عام 2017 لإدارة الملف السوري، بعيداً عن الأمم المتحدة، ونجحت من خلالها في تصفية القسم الأكبر من المناطق التي تم تصنيفها ضمن "خفض التصعيد"، واستعادتها لصالح النظام، باستثناء محافظة إدلب وبعض المناطق من ريف حلب. وترى أوساط في المعارضة السورية أن نقل ملف المساعدات الإنسانية إلى أستانة يتم ضمن خطة روسية جديدة لتحريك الملف السوري، وهو أمر يعيد إلى الأذهان ما قامت به موسكو من خلال هذا المسار خلال السنوات الماضية، وينتظر أن تطرح تصوّراً في أستانة يقوم بمقتضاه "ثلاثي أستانة" (الدول الضامنة: روسيا، إيران، تركيا) بالإشراف على إدخال المساعدات الإنسانية، وتوزيعها بالتنسيق مع حكومة دمشق. وهي تطمح من وراء ذلك إلى تحقيق اختراق سياسي، من خلال لعب ورقة المساعدات الإنسانية، في وقت تراجع الاهتمام السياسي الدولي بالوضع السوري إلى درجة متدنية، ولا تلوح في الأفق أية مؤشرات من أجل تحريكه في المدى المنظور.

مسار أستانة... نحو 5 سنوات من الإفشال المتعمد

واستبقت موسكو الاجتماع بجولتين إلى تركيا وحكومة النظام. وقام وزير الخارجية سيرغي لافروف بزيارة أنطاليا يوم الخميس الماضي للاجتماع مع نظيره التركي مولود جاووش أوغلو، بينما زار دمشق في نفس اليوم ألكسندر لافرنتييف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية، والذي التقى رئيس النظام بشار الأسد. وفي حين لم يرد أي ذكر للمساعدات الإنسانية في الأخبار التي صدرت من دمشق عن الاجتماع، فإن لافروف صرّح في المؤتمر الصحافي مع نظيره التركي عن "حاجة المدنيين شمال سورية لاستمرار دخول المساعدات عبر تركيا، وضرورة إيجاد مخرج لمشكلة توصيلها قبل انتهاء مدة التفويض الدولي في العاشر من الشهر الحالي". إلا أن وقائع المؤتمر الصحافي والتسريبات التي انتشرت بعده، توحي بأن أنقرة ليست على نفس الموجة التي عليها موسكو، رغم أن روسيا أوصلت إلى الجانب التركي رسائل هامة تتعلق بالموقف من قوات سورية الديمقراطية (قسد)، تتجاوز ما ورد في البيان الختامي لدورة أستانة الخامسة عشرة التي انعقدت في فبراير/شباط الماضي، وجاء فيه "عبّرنا عن إصرارنا على التصدي للخطط الانفصالية في منطقة الفرات، والتي تهدف إلى تقويض وحدة سورية، وتهدد الأمن القومي لدول الجوار".

وأفادت أوساط إعلامية تركية بأن مهمة لافروف في أنطاليا لم تصل إلى نتائج ملموسة في ما يخص إدخال المساعدات الإنسانية، وأن الوزير الروسي أثار قضايا أخرى في صلب الاتفاق الروسي التركي الخاص باتفاق وقف إطلاق النار في إدلب الذي جرى التوصل إليه في الخامس من مارس/آذار 2020، ومنها فتح طريق حلب اللاذقية، وهو مشروع عمل عليه الطرفان في العام الماضي، ولكنه لم يتقدم بسبب عدم وفاء روسيا ببند عودة المهجرين من أرياف حماة وإدلب وحلب.

وهناك سببان رئيسيان يصعبان التوصل إلى اتفاق تركي روسي في أستانة بخصوص المساعدات. الأول، إدراك أنقرة أن الهدف البعيد منه هو تعويم النظام، وهذا أمر غير وارد بالنسبة لتركيا في الوقت الراهن. وعلى هذا الصعيد، تحدثت موسكو في صورة غير مباشرة عن استعدادها لمقايضة مسألة المعابر بتخفيف العقوبات الدولية عن نظام الأسد، وخصوصاً قانون قيصر. وقال لافروف إن "تحقيق هذا الهدف (المعابر الإنسانية) يقتضي بذل جهود ملموسة فوراً لحل التحديات الإنسانية الخطيرة في هذا البلد". وعلّل رفض موسكو فتح المعابر، بأن "أسباب تفاقم الوضع الإنساني في سورية تعود خاصة إلى العقوبات غير القانونية". ومن ناحية ثانية، فإن تركيا تعرف روسيا جيداً، وجرّبت مدى التزامها بالاتفاقات وعدم احترامها لها، ولذلك فليست هناك مصلحة مباشرة أو مبررات مقنعة كي تساهم تركيا في الخطة الروسية لتوفير أسباب حياة جديدة للنظام السوري.

جولة جديدة من مسار أستانة السوري: المعابر و"الدستورية" أبرز ملفاتها

ويتعلق السبب الثاني بموقف الولايات المتحدة وأوروبا من إدخال المساعدات الإنسانية إلى سورية، وكان الرئيس الأميركي جو بايدن صريحاً، حين اعتبرها بعد قمته مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جنيف الشهر الماضي بأنها "مثال للتعاون الأميركي الروسي". وترى أوساط إعلامية تركية أن الجانب التركي لمس خلال لقاء أنطاليا أن موسكو ليست في وارد خوض معركة قوية مع واشنطن بصدد المساعدات، وهي تناور للحصول على بعض المكاسب ليس أكثر، بعد أن تم تهميشها في المؤتمر الدولي الخاص بسورية، الذي انعقد في روما على هامش اجتماع التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، وضم وزراء خارجية مجموعة الدول السبع الكبرى، والمجموعة المصغّرة حول سورية، وتركيا وقطر وممثلين عن الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، إضافة إلى مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية، غير بيدرسون، وكان هدفه الضغط على موسكو.

وفي الختام، ترى أوساط المعارضة السورية، أن جولة أستانة ستكون اختباراً للموقف الروسي قبل يومين من اجتماع مجلس الأمن، وتريد موسكو منها الحصول على أكبر قدر من المكاسب لتعزيز موقف نظام الأسد وتخفيف العقوبات الدولية ضده، ومنها بالخصوص الأميركية.

=========================

سورية .. ثورة المستحيل

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 7/7/2021

انفجرت ثورة الحرية والكرامة في سورية باجتماع عاملين مؤثرين: احتقان اجتماعي عميق وبيئة إقليمية متفجّرة، فقد تفاقم الاحتقان الاجتماعي على خلفية الأوضاع التي عرفتها البلاد في بداية الألفية الثالثة، الظروف المعيشية والخدمية البائسة وارتفاع نسبة البطالة والأسعار وإفقار الطبقة الوسطى وسيادة المحسوبية والزبائنية وشيوع التمييز بين المواطنين لاعتبارات جهوية وقومية واستشراء الفساد، لاقاه مناخ إقليمي متفجّر بانطلاق ثورات الربيع العربي، ونجاحها في تونس ومصر في دفع رئيسين مزمنين وفاسدين على الفرار والاستقالة، على التوالي، وانخراط حلف شمال الأطلسي (الناتو) في التصدّي للنظام الليبي بقرار من مجلس الأمن، ودفع من جامعة الدول العربية. لكن الثورة تعثرت وعلقت وسط صراع إقليمي ودولي مركّب على سورية.

قاد انفجار الثورة إلى الكشف عن توازن قوى داخلي قلق، في ضوء المواقف النظرية والعملية من الثورة ومطالبها والتباين السياسي بين القوى الاجتماعية، على خلفية المصالح ومدى تحققها في الواقع القائم، فقد فجرت الثورة قوى شبابية متعلّمة وطامحة لتحقيق أمانيها في حياةٍ كريمةٍ في مجتمع مستقر ومزدهر تسوده الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ونظام ديمقراطي يحقّق سيادة القانون؛ يفصل بين السلطات؛ يحترم المواطن وحقه في التعبير والمشاركة في القرار الوطني، عبر اختيار نوابه وحكامه في انتخابات حرّة ونزيهة. وجاء تأييدها والالتحاق بصفوفها والانخراط في فعالياتها من القاع الاجتماعي: بقايا الطبقة الوسطى التي سحقتها السياسة الاقتصادية الجديدة، ودفعتها إلى الأسفل في الهرم الاجتماعي والفقراء والعاطلين عن العمل والنازحين من الأرياف المحطّمة نحو المدن الكبيرة، بحثا عن عملٍ يسدّ الرمق، والمهمشين، في حين انقسمت البرجوازية الوطنية بين قطاع صغير مؤيد للنظام القائم على خلفية العلاقة القائمة والحظوة التي ينعم بها عبر علاقاتٍ زبائنيةٍ ومحسوبياتٍ واستثمار في الفساد المتفشي، وقطاع واسع متريّث، مع ميل مضمر إلى التغيير، ينتظر اكتشاف اتجاه الريح، بما في ذلك التوجّهات الإقليمية والدولية من الثورة، والمآل، كي يلتحق بالطرف المنتصر، فيحفظ مصالحه وينميها من موقعه الجديد. فهذا القطاع يبحث عن خلاصٍ من سياسة قائمة على الزبائنية والمحسوبية لم يكن، لاعتبارات كثيرة، جزءا منها أو مقبولا فيها؛ وعن احتلال موقعٍ مناسبٍ في الواقع الجديد المنتظر.

الثورة تعثرت وعلقت وسط صراع إقليمي ودولي مركّب على سورية

كان النظام السوري قد اعتمد، منذ عام 1973 وما بعده، سياسة قائمة على بناء مؤسسات الدولة وفق تصورات الرئيس وتلبية لخياراته، فأصبحت الدولة دولة الرئيس، ما وضعها في مواجهة أية تصوراتٍ أو تحرّكات مناهضة له أو متحفظة على خياراته، والتحالف مع البرجوازية السنّية حيث فتح لها أبواب العمل والتوسع في الاستثمار والتطفّل على القطاع العام وتجيير موارده وإنتاجه لخدمة مصالحها واستثماراتها، وضبط تصرّفاتها عبر دخول ضباط مخابراته شركاء أو حماةً ومشرفين، فضمن النظام تأييدها ومباركتها سياساته، وإغلاق الحقل السياسي وتأمين النظام بإطلاق يد أدوات القمع في مطاردة المخالفين وقمعهم.

تبنّى النظام، بعد العام 2005، سياسة جديدة، تحت عنوان "اقتصاد السوق الاجتماعي"، أطلق فيها أيدي عدد محدود من الصناعيين والتجّار تحت قيادة رامي مخلوف وتوجيهه، في السيطرة على الدورة الاقتصادية والتحكّم بكل مخرجاتها، والاستثمار في قطاعات خدمية واستهلاكية وعقارية عالية الربحية، وإنتاج صناعي سطحي يعتمد على الاستيراد المصنّع ونصف المصنّع، في انفصال تام عن ضرورات الدورة الاقتصادية الوطنية واحتياجات المجتمع الأساسية في الصناعة والزراعة؛ ما رتّب اختلال الهرم الاجتماعي بجلوس عدد محدود من الأثرياء على قمته، وتوسّع قاعدته، وضمور وسطه بتآكل الطبقة الوسطى، بخسارتها مقدّراتها وإمكاناتها ونزول قطاعات واسعة منها إلى صفوف الطبقة الدنيا؛ فغدت البنية الاجتماعية والاقتصادية السورية مشوّهة والطبقة الوسطى غير قادرة على ممارسة دورها التقليدي في مجال التأثير في التنمية الوطنية، وتحديد مسارها والدفع بتطوير بناها وتحسين خططها؛ وعائداتها الاقتصادية والاجتماعية بالتالي.

الحراك، بأشكاله السياسية والمدنية، فاته الالتفات إلى بنية النظام السياسي، وتحرير القوى الاجتماعية من قيود النظام الدستورية والسياسية والأمنية

كان الحراك السياسي والمدني السوري قد نشط بعد عام 2000، بتشكيل لجان إحياء المجتمع المدني وجمعية حقوق الإنسان في سورية والرابطة السورية لحقوق الإنسان والمركز السوري للدفاع عن الحريات ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني الديمقراطي والمنتدى الحضاري ومنتدى جلادت بدرخان وإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي... إلخ؛ وبدأ بتحرّك ميداني بالاعتصامات ضد استمرار فرض حالة الطوارئ، وتضامنا مع حق الكرد في المواطنة الكاملة، والتظاهر تأييدا لفلسطين والعراق. وبدأت البيانات السياسية الداعية إلى الإصلاح وجمع التوقيعات في كل المحافظات تتواتر وتتصاعد؛ ما شكّل رافعة وطنية واجتماعية كسرت الركود المسيطر وفتحت فسحة للأمل.

ولكن الحراك، بأشكاله السياسية والمدنية، فاته الالتفات إلى بنية النظام السياسي، وتحرير القوى الاجتماعية من قيود النظام الدستورية والسياسية والأمنية، وذلك بنشر ثقافة التغيير بشكل واسع في المجتمع، وتحديد تخومه وساحاته، عبر الدراسات والمقالات والمحاضرات وتشكيل تنظيمات اجتماعية موازية وبديلة لتنظيمات النظام، نقابات لكل قطاعات العمل تمثل مصالح جماهيرها بوضوح وقوة؛ ومنظمات مجتمع مدني تغطي مجمل ساحات العمل المدني، بحيث تشكّل جسورا للتواصل بين القوى الاجتماعية، بعيدا عن الانحياز القومي أو الديني أو المذهبي أو المناطقي والعشائري والأسري، وتقويم القوى الاجتماعية ودورها في عملية التغيير، بالاستناد إلى قدراتها وإمكاناتها والعمل على كسبها إلى جانب العملية، والسعي إلى كسر الحواجز بين البيئات والمناطق والقوميات والأديان والمذاهب، وإعطاء هذه الجهود والنشاطات أولويةً من أجل توفير شروط التغيير بإيجاد توافقاتٍ عريضة لاستقبال أي حدثٍ نضالي بشروط مؤاتية واستعدادات مناسبة.

اعتمد النظام، منذ عام 1973 وما بعده، سياسة قائمة على بناء مؤسسات الدولة وفق تصورات الرئيس وتلبية لخياراته

وحصل هذا التفويت في إطار توجّهٍ يعطي الأولوية للتغيير في السلطة على حساب التغيير في المجتمع. كما فاتها (قوى المعارضة)، في ضوء النزعات اليسارية والاشتراكية التي تحكم تفكير أغلبها، التعاطي مع البرجوازية الوطنية، حيث اعتبرت الاقتراب منها أو التفاعل معها محرّما، هي في التقويم السائد بينها قوة رجعية، علما أن التغيير، في سياق وطني ديمقراطي، يستدعي تشكيل ما اتفق على تسميتها "كتلة تاريخية" باستقطاب ما أمكن من القوى الاجتماعية، وخصوصا البرجوازية الوطنية، لما تمتلكه من خبرات وعلاقات وإمكانات مالية تؤهلها لإدارة النضال الديمقراطي وتمويله، وتحرير قوى التغيير من التوجه نحو التمويل الخارجي وتبعاته، من فقدان الاستقلالية والارتهان لخطط الجهات المموّلة وأهدافها، حتى لو جاءت على حساب المشروع الوطني وأهدافه، كما حصل عمليا، وزجّها في النضال، فتحقيق التغيير يستدعي إشراك المجتمع بكل قواه وتشكيلاته الاجتماعية. كما تجاهلت البيروقراطية ودورها في تيسير عمل المؤسسات وقدرتها على شلّ النظام عبر تعطيل عمل هذه المؤسسات، وتركتها قوةً في يد النظام، أمّنت له استمرار عمل مؤسسات الدولة خلال سنوات الصراع.

لقد عكس انفجار الثورة العفوي، وبعيدا عن المعارضة المنظمة وتوقعاتها، ومن دون مشاركة من قوى اجتماعية وازنة كالبرجوازية الوطنية، قصور هذه المعارضة في رؤاها وتصوّراتها وميادين نضالها، فالعفوية التي وسمت انطلاقة الثورة جسّدت عدم نجاح المعارضة السياسية في الارتباط بالشارع، وتحضير المناخ العام لاستقبال التطورات المحلية والإقليمية والدولية، والانخراط الإيجابي فيها لتحقيق التغيير وأهدافه النبيلة؛ وفشل مثقفي المعارضة في تعميم ثقافة التغيير، وعجزهما معا عن إدراك حقيقة الموقف الإقليمي والدولي من الثورة؛ والتي رأت فيها قوى كثيرة تغييرا للبيئة المحلية، تضرّ بمصالحها. ورأت فيها فرصة لتحقيق أهدافها وتكريس نفوذها وحضورها الدائم في المشهد السوري، فشكل انخراطها في الصراع على سورية مشهدا بديلا لصراع شعبٍ مع نظام مستبد وفاسد؛ وربط نهاية الصراع بتوافق هذه القوى الذي لن يكون في صالح الشعب السوري.

=========================

مسار أستانة... نحو 5 سنوات من الإفشال المتعمد

أمين العاصي

العربي الجديد

الثلاثاء 6/7/2021

تنعقد اليوم الثلاثاء جولة جديدة من محادثات مسار أستانة بين ما يُعرف بـ"الثلاثي الضامن" لتفاهمات هذا المسار في سورية (روسيا، تركيا، إيران)، في ظل انخفاض غير مسبوق لسقف آمال السوريين في أن تسهم هذه الجولة في مساعدة بلادهم على تجاوز أزمة مستعصية على الحل بسبب رفض النظام وداعميه الروس والإيرانيين تقديم تنازلات تسهّل مهمة الأمم المتحدة في تنفيذ قرارات ذات صلة. وهذه الجولة هي الـ16 منذ بدء هذا المسار في مطلع عام 2017 والذي اتخذته روسيا وسيلة لتصفية قضية السوريين وتقليص قوة فصائل المعارضة السورية للحد الأدنى، إذ فقدت هذه الفصائل كل مناطق نفوذها باستثناء جزء من محافظة إدلب وبعض ريف حلب الشمالي وجيب ضيق في منطقة شرقي نهر الفرات. وكل المناطق التي تسيطر عليها هذه الفصائل هي خاضعة عملياً للجانب التركي الذي يشعر بحرج موقفه في ظل الاعتداءات المتكررة على الشمال الغربي من سورية والتي تُوّجت السبت الماضي بمجزرة كبيرة في ريف إدلب الجنوبي من قِبل قوات النظام بمساندة وتوجيه روسي. وكان فريق "منسقو استجابة سورية"، قد وثّق مقتل 31 مدنياً بينهم 13 طفلاً، و4 نساء، واثنين من العاملين ضمن كوادر العمل الإنسانية في المنطقة، جراء قصف النظام السوري على شمال غربي سورية خلال الشهر الماضي.

الوضع غير المستقر في شمال غربي سورية والمساعدات الإنسانية أبرز الملفات على طاولة المحادثات

ومن المفترض أن تحضر العديد من الملفات الساخنة على طاولة المحادثات في العاصمة الكازاخية نور سلطان، لعل أبرزها الوضع غير المستقر في شمال غربي سورية والمساعدات الإنسانية، وآفاق استئناف عمل اللجنة الدستورية السورية في جنيف، وإجراءات بناء الثقة، بما في ذلك تبادل الأسرى، والإفراج عن الرهائن. ومن المقرر أن يشارك في هذه الجولة المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسن، والذي يحمل في جعبته العديد من الملفات السياسية لتحريك العملية التفاوضية المتوقفة بين النظام والمعارضة.

ودلّت المعطيات الميدانية على مدى أكثر من شهر على أن التفاهمات الروسية التركية حول التهدئة في محافظة إدلب ربما في طريقها للتآكل الا إذا أجرى الطرفان مقاربة جديدة تجنّب الشمال الغربي من سورية مواجهة عسكرية جديدة ستكون لها نتائج كارثية على نحو 4 ملايين مدني يقطنون المنطقة جلّهم نازحون، يسكن عدد كبير منهم في المخيمات.

ومن الواضح أن الضغط العسكري الذي يمارسه الروس عادة قبيل كل جولة من جولات أستانة هدفه الحصول على تنازلات من الجانب التركي، إما سياسية أو ميدانية. ويريد الروس استعادة الحركة التجارية على الطريق الدولي "أم 4" الذي يصل غربي البلاد بشمالها ويقطع مناطق سيطرة المعارضة السورية. كما أن العين الروسية على مناطق حاكمة في شمال غربي سورية، منها منطقة جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي أو التلال في ريف اللاذقية الشمالي. ولكن تقدّم قوات النظام في قرى وبلدات جبل الزاوية والبالغة أكثر من ثلاثين يعني حركة نزوح كبرى لا يتحمّلها الشمال الغربي من سورية الذي يعاني من أزمات معيشية كبرى.

لهذا يريد الروس من الأتراك مرونة في موضوع المعابر الداخلية بين مناطق النظام وبين مناطق المعارضة في محاولة لإنعاش اقتصاد النظام الهش والذي وصل إلى مستوى غير مسبوق في التآكل. والملف الأهم الذي سيحضر في هذه الجولة من أستانة هو تمديد القرار الدولي الخاص بإدخال المساعدات الدولية إلى سورية عبر معابر خارج سيطرة النظام، خصوصاً معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا. ويسعى المجتمع الدولي إلى تمرير القرار في العاشر من الشهر الحالي في مجلس الأمن الدولي مع إعادة فتح معبر اليعربية مع الجانب العراقي الذي تسيطر عليه "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) ذات الطابع الكردي. وترفض روسيا حتى اللحظة تمرير القرار، وتشترط أن تدخل هذه المساعدات عبر معابر تابعة للنظام مع الأردن ولبنان، في حين يرفض المجتمع الدولي الشرط الروسي لإدراكه أن الهدف منه التحكّم بالمساعدات وصرفها إلى النظام، أو للضغط الإنساني على فصائل المعارضة للحصول على تنازلات سياسية. كما يأتي الشرط الروسي في سياق محاولات حثيثة لم تفلح لإعادة تأهيل النظام إقليمياً ودولياً.

عودة المجازر إلى إدلب: ضغوط روسية لتحقيق مكاسب سياسية

وتؤكد مصادر مطلعة أن موسكو تشترط رفع علم النظام السوري على معبري باب الهوى واليعربية أو أحدهما للموافقة على تمرير القرار، مع فتح المعابر الداخلية بين مناطق النظام والمعارضة. وناشدت "الإدارة الذاتية" في شمال شرقي سورية، المجتمع الدولي إعادة اعتماد معبر اليعربية لدخول المساعدات إلى منطقة شرقي نهر الفرات التي تضم نحو 5 ملايين سوري، وفق هذه الإدارة، التي حذرت في بيان لها الأحد من "عواقب وخيمة من الناحية الإنسانية" في حال عدم فتح المعبر المذكور الذي أُغلق عام 2020 بفيتو روسي صيني مشترك.

وليس من المتوقع أن تحقق هذه الجولة أي اختراق حقيقي في ملف المعتقلين السوريين لدى النظام منذ عام 2011، إذ يرفض النظام بالمطلق الاقتراب من هذا الملف خشية الملاحقة القانونية لدى محاكم دولية، بل على العكس يفرج النظام بين وقت وآخر عن أسماء معتقلين قضوا تحت التعذيب. وشهد العام الحالي أكثر من عملية تبادل أسرى بين فصائل المعارضة والنظام في إطار صيغة أستانة برعاية تركية-روسية، آخرها كان منذ بضعة أيام، في معبر أبو الزندين في ريف حلب، وبحضور ممثلين عن الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي، إذ أطلق النظام خمسة معتقلين لديه مقابل خمسة عناصر من قواته كانوا محتجزين لدى فصائل المعارضة. وكانت قد جرت عملية تبادل في مايو/أيار الماضي في المعبر نفسه، تمثّلت بإطلاق "الجيش الوطني" التابع للمعارضة السورية سراح خمسة عناصر من قوات النظام، وإطلاق الأخير سراح أربعة أشخاص بينهم امرأة.

وعُقدت حتى اللحظة 15 جولة في اطار هذا المسار كانت بمثابة "الكارثة" على فصائل المعارضة التي لا تبدي كثير اهتمام بالجولة الـ16، لإدراكها أن النظام وضامنيه ليسوا في صدد اتخاذ خطوات جدية في اتجاه حلول سياسية للقضية السورية، بل إن هذا النظام لا يزال يضع خيار الحل العسكري في حساباته.

سيجري: يمكن النظر لأستانة على أنها محطة للتهدئة ومنع التصعيد خشية حدوث انفجار

وفي هذا الصدد، لا يعتقد القيادي في فصائل المعارضة السورية مصطفى سيجري، أن الجولة الجديدة من مسار أستانة يمكن أن تحقق أي إنجاز سياسي أو عسكري أو على صعيد ملف المعتقلين والمختطفين. ويضيف في حديث مع "العربي الجديد": "يمكن النظر لأستانة على أنها محطة للتهدئة ومنع التصعيد خشية حدوث انفجار وعملية ترحيل للخلافات القائمة حول المسائل الخلافية بين تركيا وروسيا في ظل غياب إرادة الحل الدولية". وحول إمكانية خروج هذه الجولة بتحديد موعد جولة جديدة من اجتماعات اللجنة الدستورية المنوط بها كتابة دستور جديد للبلاد، يقول سيجري: "أعتقد أن هذه المسألة تحتاج جهوداً أوروبية وأميركية".

ومتفقاً معه، لا يتوقع المحلل السياسي رضوان زيادة، في حديث مع "العربي الجديد"، نتائج إيجابية من هذه الجولة لجهة الملفات الرئيسية المطروحة على الطاولة في العاصمة الكازاخية، لأنه "ليس هناك أي تغيير في الموقف الروسي، والموقف التركي ما زال ينتظر التطورات من الإدارة الأميركية". ويعتقد زيادة أن الجانب التركي "لن يقدّم أي تنازلات للجانب الروسي، لا سيما أن العلاقة بين أنقرة وواشنطن تحسنت بشكل كبير منذ وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض"، مضيفاً: "لن يقدّم الأتراك أوراقاً مجانية للروس في جولة أستانة".

=========================

المعبر الأخير.. أم الاختبار الأخير

عبد الباسط عبد اللطيف

سوريا تي في

الاثنين 5/7/2021

عشر سنوات من المذبحة السورية المستمرة والتخاذل الدولي والاكتفاء بالفرجة على مأساة العصر، أو بالمواقف الكلامية التي لم تكف السوريين ما تفتقت عنه ذهنية الإجرام الأسدي من شرور تجاه الشعب الذي طالب بالحرية.

وبعد مسلسل طويل من التنازلات والتخلي عن مبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بل والتراجع عن ما ظن البشر أنهم حققوه معاً في سبيل الارتقاء الإنساني ومنع الإبادة والحد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، يُقزّم المجتمع الدولي اليوم دوره في المأساة السورية ببذل الجهود لإبقاء آخر معبر للمساعدات الإنسانية عبر الحدود، بل يستعد لتقديم تنازلات سياسية للروس مقابل هذا الإنجاز الهزيل والتراجع الشنيع أمام التضخم الروسي على حساب قيم الحرية والعدالة وقواعد القانون الدولي الإنساني، فهل بقي أي معنى أو دور للأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد؟ وهل المجتمع الدولي بهذا العجز أم أن مظهر العجز هو الخيار الذي تمرر من خلاله المصالح وتدفن بحجته المبادئ؟

يخيل لمن يتابع الموقف الروسي وكأن الحرص على سيادة سوريا (النظام) هو أهم مبدأ يجب أن يلتزم به المجتمع الدولي وهو المبدأ الذي في سبيله يمكن الإطاحة أو التغاضي عن كل شيء بما فيها الجرائم الفظيعة التي يرتكبها النظام تحت مظلة روسية وأحياناً كثيرة عبرها مباشرة، وطبعاً هذه السيادة ليست سوى ذريعة وغطاء لتدخلها واستيلائها على سوريا ثم للمساومة عليها في بازار النخاسة الدولية حيث تباع وتشترى حقوق الشعوب التي يطيح بها الحكام الفاشلون.

وأمام ادعاء مبدأ السيادة هذا تكون التضحية بالحاجات الإنسانية لملايين البشر أمراً مقبولاً للبعض ومطلوباً من قبل الروس الذين وإن كانوا يتحدثون بشكل موارب عن الاحتياجات الإنسانية إلا أنهم عملوا ويعملون على أن تكون الخطوة القادمة بعد إغلاق آخر المعابر هو استخدام الاحتياجات الإنسانية التي يريدون لها أن تدخل عن طريق النظام فقط لتركيع المناطق المحررة، وهم الذين فعلوا ذلك مع المناطق المحاصرة في السابق، حيث استخدم إدخال ومنع المساعدات الأممية إليها كسلاح في المعركة تماماً كما استخدمت براميل النظام المتفجرة وصواريخ الروس الفراغية والعنقودية.

لم تبادر الدول العظمى وباقي المجتمع الدولي إلى حرمان الروس من هذه الورقة باعتبارها باتت طرفاً أساسياً في الصراع وشريكاً في جرائم النظام حسب ميثاق الأمم المتحدة

وقبل الإجهاز على مسألة الاحتياجات الإنسانية، كان الروس قد أمّنوا الحماية للنظام من الإجراءات الجماعية في مجلس الأمن وأعاقوا كل محاولة لإدانته على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالفيتو الذي أصبح أداة دول مجلس الأمن في حماية مصالحهم وعملائهم بدل أن يكون المجلس أداة الأمم المتحدة في الارتقاء بالإنسانية وبالقانون الدولي ونجح الروس في سد الطريق على تحويل جرائم النظام للمحكمة الجنائية الدولية وفشلت الإنسانية في فتحه، واستكانت لعبة المصالح لهذا الفشل.

لم تبادر الدول العظمى وباقي المجتمع الدولي إلى حرمان الروس من هذه الورقة باعتبارها باتت طرفاً أساسياً في الصراع وشريكاً في جرائم النظام حسب ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على أنه لا يحق للدول المعتبرة طرفاً في النزاع التصويت على مشاريع القرارات بل وجدت في الموقف الروسي شماعة وفرصة لتبرير الصمت أمام المذبحة الرهيبة.

كما أن الأصوات المطالبة بتفعيل الإجراءات الجماعية من قبيل الاتحاد من أجل السلام لمواجهة فشل مجلس الأمن في معالجة مذابح سوريا بقيت دون صدى. 

والمجتمع الدولي قبل ذلك أيضاً لم يفعل حتى قراره 2118 القاضي بمعاقبة مستخدمي السلاح الكيماوي في سوريا رغم أن تقارير كل من آلية التحقيق المشتركة التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة وكذلك فريق التحقيق وتقصي الهوية، قد أثبتت بشكل واضح تورط النظام في استخدام السلاح الكيميائي لمرات عديدة ضد المدنيين.

حتى احتمالات التدخل الدولي الأحادي أو المتحالف بعد تجاوز الخطوط الحمراء واستخدام السلاح الكيميائي المتكرر تم التراجع عنها في اللحظات الأخيرة كما قيل، لأسباب واهية.

وقبل ذلك أيضاً لم يستخدم المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة مبدأ الحماية الإنسانية الذي طوره بعد عار مذابح رواندا في مواجهة النظام الذي لم يفشل فقط في واجبه في حماية المدنيين بل إن قواته النظامية والميليشيات التابعة له هي المنخرطة في ارتكاب الجرائم الفظيعة ضد المدنيين.

بعد ذلك كله يشعر النظام ومعه الروس والإيرانيون بأنهم في مأمن تام من أي عقاب أو مسائلة، الأمر الذي جعلهم يطمعون بالمزيد وهو القضاء على تجمع ملايين النازحين الفارين من مذبحة الأسد والروس التي تلاحقهم اليوم إلى إدلب، ولا فرق أن يكون هذا القضاء عبر البراميل والصواريخ أو عبر قطع المساعدات الإنسانية وتحويلها للنظام أولاً ليستفيد منها حتى يقف على ساقيه من جديد أو ليستخدمها في الحصار والمساومة كما سبق وأسلفنا.

نعم إن من سار منذ البداية في طريق التغاضي عن جرائم النظام والتسويف وخلق التبريرات للسكوت عن الجريمة المستمرة والاكتفاء بالتصريحات وتحميل الروس المسؤولية نظرياً وإعطائهم الضوء الأخضر عملياً لدعم النظام، يبدو مستعداً لتقزيم دور المجتمع الدولي في استجداء الروس لإبقاء المعبر الأخير مفتوحاً بل وهناك من يمهد لتقديم تنازلات أخرى للروس لقاء ذلك من قبيل تخفيف العقوبات عن النظام وفتح باب التطبيع معه.

من سخرية القدر أن هذا النظام يستفيد بحدود 90% من المساعدات الأممية كما تشير بعض التقديرات، لكن عينه على الـ 10 % المتبقية بغية السيطرة والتحكم بقوت ملايين النازحين من المساعدات الآتية عبر المعبر الأخير المتبقي معبر باب الهوى، وفي ظروف العقوبات والعزلة التي يعيشها النظام تعني هذه النسبة أن الأمم المتحدة هي التي تؤمن قدرته على البقاء والاستمرار وهنا لا نكون أمام مشهد العجز عن إيقاف جريمة العصر بل ودعم المجرم أيضاً عبر هذه الآليات العرجاء القاصرة.

يأتي هذا الموقف الروسي المتعنت بعد أن عطل النظام مسار العمل في اللجنة الدستورية، وبعد أن أجرى مسرحية الانتخابات الرئاسية ضارباً بعرض الحائط قرارات مجلس الأمن وعلى رأسها القرار 2254، وهو استمرار لنهج المبادرة الروسية وتحقيق النقاط والاستفراد بالشعب السوري أمام التخلي الدولي وسياسة الانكفاء لصالح الروس.

رغم كل سوداوية هذا المشهد يبقى هناك من يبحث عن أي إيجابية ويفكر بشكل رغبوي ويمني النفس بأن ثمة فرصة في حال استخدام الروس الفيتو وإغلاق هذا المعبر الأخير وأن الفرصة تتمثل في إقدام الدول (الصديقة) بالدعم الإنساني المباشر لمناطق المعارضة عبر تركيا وبذلك يفقد الروس ورقة المساعدات الدولية والمساومة السياسية عليها، لكن لعبة السياسة الدولية القائمة على التذاكي أحياناً والتغابي في كثير من الأحيان وطرح الشعارات الجوفاء دائماً لم تخدم قضيتنا يوماً، بل إنها شر لا بد منه لكن يجب أن لا نعول عليه، والثورة التي حولت أكثر الأنظمة دموية وأكثرها تمتعاً بالحماية نتيجة للأدوار الخدمية الحيوية التي يؤديها لصالح اللاعبين الدوليين ولـ "إسرائيل" على وجه التحديد، إلى مجرد غطاء مهترئ مقطع الأطراف يبذل الجميع الجهود لتثبيته في وجه رياح الثورة التي ربما يتواتر هبوبها فتشتد أو تهدأ لكنها لن تقف حتى تطيح به.

أي تطبيع مع النظام أو كسر لعزلته وتخفيف العقوبات عليه عار جديد يختم مسيرة التخلي عن المبادئ الإنسانية وما أنجزته البشرية

إن شعبنا الذي لم يبق لديه ما يخسره ودفع هذا الثمن الباهظ والذي دمرت مدنه وهُجّر وبيعت سيادته، لا يقبل بهذه المساومة على قوته ولا يقبل بتقديم أية تنازلات للروس للإبقاء على هذا الشريان، وإن أي تطبيع مع النظام أو كسر لعزلته وتخفيف العقوبات عليه عار جديد يختم مسيرة التخلي عن المبادئ الإنسانية وما أنجزته البشرية، وإجهاز على المؤسسات الدولية التي تردّى دورها وضعف إلى هذه الحدود بمحصلة الفشل في سوريا والاختبار اليوم هو أن يبقى شريان الحياة هذا ولا يكافأ النظام على جرائمه.

والمجتمع الدولي يعرف ما عليه أن يفعل عندما تقتضي المصالح التحرك، والغرب بالتحديد لا مصلحة له على المدى الطويل في ترك سوريا للروس والإيرانيين خاصة وأن مهمة تدمير سوريا على يد النظام وحفظ أمن "إسرائيل" ومصالحها قد تمت.

والشعب الذي قدم كل هذه التضحيات مستمر حتى الخلاص من النظام والاحتلال الذي جلبه لحمايته وإلى ذلك الحين ليس للسوريين إلا الله وعزيمتهم وصمودهم حتى نيل حريتهم.

=========================

لا خلاص فردياً في سوريا

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 5/7/2021

في سوريا، الحل "السوري - السوري" هو طريق الخلاص؛ ولكنه للأسف أضحى متعذرا لأسباب تخصّ السوريين، وأخرى خارجة عن إرادتهم، وثالثة نتيجة تفاعل بين الأمرين. فكيف الخروج من هذه المحنة في ظل هكذا عطالة سياسية وضياع وطني؟!

يعتقد والأصح يتوهّم بعضهم (بحكم مبدأ الإيمان بالرأس "المدبر الحكيم الراشد القائد المقرر المخلِّص") أن المسألة تكمن بغياب أو حضور ذلك الفرد أو الأفراد. ومن هنا ساد الإصرار أو الاستفسار والبحث عن "بديل" حاكاه واستثمر به كل مَن يريد أن يكرّس الفردية والدكتاتورية في سوريا؛ والتي كان حافظ الأسد قد عمل عليها، وكرّسها لعقود. ومن هنا اعتبرها وأرادها بوتين وأشباهه السلاح الأمضى في تعطيل أي حلٍ وفي تكريس الكارثة.

سوريون كُثُر في ضفة "النظام" عضوياً منشغلون ببقاء الجلاّد فقط. فالحاكم بالنسبة لهم تحوّل إلى شبه "إله" بفعل الظلم والاستبداد؛ فليس غريباً أن تسمع بهيميّ يجبر معتقلا على القول: "لا إله إلا بشار". ففي ظل سلطة تستشرس وتتغوّل باستباحة الإنسان "المواطن"- إن هو انتفض أو ثار أو حتى قال "لا"- المصير هو الاعتقال أو القتل تحت التعذيب أو تدمير البيت أو التشريد؛ ليعرف أنه في "سوريا الأسد"؛ وعليه قبول الفقر المدقع، وأمراء الحرب والعصابات والمخدرات والاحتلالات. وإن لم يرقه ذلك ليخرج من "سوريا الأسد"، أو يختار رذيلة "الإدارة الذاتية الانفصالية"، التي تشجعها "سوريا الأسد" كي تدينها كدعوة انفصالية تقسيمية عميلة لا وطنية، وتستمر بتكريس "سوريا الأسد" كدولة "المقاومة الممانعة الوطنية". هناك على تلك الضفة أيضاً مَن هاجسه مجرد البقاء؛ فيضطر للمداراة، والهروب أو التهرب، وتحمّل الإذلال من أجل السلامة أو لقمة العيش؛ حيث النجاة الفردية سيدة الموقف، والضياع هو المصير.

ضمن هذا الضياع يجدون منظومات "معارضاتية" تكلّست، مصابة بداء الإقصاء وانفصام الرؤية، وضياع جوهر القضية

وفي الضفة المقابلة يبحث السوريون عن أنفسهم وعن فرد أو "رمز" أو مجموعة أو "لوبي"؛ لحمل قضيتهم والمرافعة عنها باقتدار داخلياً وخارجياً. يبحثون عن بلد وحياة تتسرّب من بين أصابعهم وأرواحهم. يبحثون عمّن يوقف محاولات منظومة الاستبداد طمس جريمتها وإعادة تكرير ذاتها. وضمن هذا الضياع يجدون منظومات "معارضاتية" تكلّست، مصابة بداء الإقصاء وانفصام الرؤية، وضياع جوهر القضية. ويجدون إرهاصات بعضها طيب وفاعل يحاول لم الشمل المبعثر، والتأثير لإبقاء القضية حيّة وتغيير قواعد اللعبة السياسية.

لا يمكن لمشروع خلاص أن يرى النور، والبعض يرى في رئيسه "إلهاً"؛ وخاصة إذا كان بالدليل القاطع قد ذهب إلى ما هو دون إنساني أو أخلاقي تجاه أمانة في عنقه، أقسم عليها. وليس مَن خرج للحرية جزءاً من مؤامرة على "نظام الممانعة والمقاومة"- كما برمجته آلة الكذب- ولا يستقيم مشروع، والبعض يرى في مَن خرج على الطاغية والظلم والاستبداد "خائناً أو عميلا". وعندما تكون سوريا لكل السوريين في مواطنة حرة متساوية تحكمها قوة القانون لا قانون القوة، لا "سوريا الأسد" ينتهي القهر والإذلال والإفقار والقتل والتدمير والتشريد والاعتقال والحصار والتقسيم والاحتلال. وبالمقابل ليست عقدة الثورة إيجاد الفرد القائد الرمز؛ ولا يليق بها استنساخ ما ثارت عليه، ولا التكلّس والإقصاء وفتح دكاكين معارضة مبعثرة ينجز مشروع خلاص.

ضمن هذا الضياع، يجد السوريون أنفسهم في دوّامة وحيرة يوشحها الإحباط؛ فتختلط الأسباب بالأعراض بالتجليات بالنتائج بالفاعلين بالمفعول بهم؛ ليغدو حمْلُ البوصلة ورسمُ الخطة وتحديدُ الهدف وآليات العمل ضروباً من شبه المستحيل.

إذا كان وراء ما حدث في سوريا في ذهن مَن هو على ضفة النظام عضوياً أو شبه عضوي، "مؤامرة" على نظام الممانعة والمقاومة، و"خيانة" مَن ثار أو عارض؛ و"الخلاص" يكون باستمرار "القائد الذي صمد لعشرة أعوام"، و"تدبُّر" الحال كيفما كان في ظل الحصار؛ وإذا كان في ذهن الثورة و"المعارضة" رزمة من الأهداف تتراوح بين "إسقاط الأسد" ورفع الظلم و"تصويب" الأيديولوجيات"، والخلاص من "الاحتلالات"، و"تفعيل المجتمع الدولي للمساعدة في عودة الوطن"؛ فكيف توفّق بين كل هذه الأطياف من الشروخ والمتناقضات؟ وما السبيل للخروج من هذه الدوامة والانتقال إلى الجوهر الحقيقي للقضية وسبل الوصول إلى إعادة سوريا وأهلها إلى سكة الحياة؟

لا بد من العودة إلى القضية الجامعة والانطلاق منها لتجاوز الشروخات والنزعات والتباينات والتناقضات على كل المستويات

لا بد لأي فرد أو قامة وطنية أو تجمع أو مجموعة أو منصة ثورة أو معارضة من ظهر أو قيادة أو مرجعية وطنية مقنعة واضحة ذات مصداقية؛ تعمل بهدي جوهر القضية السورية؛ ترى المواطنة القيمة الأعلى في عيش مشترك؛ وتكون البديل الوطني لكل نزعة انفرادية أو انفصالية؛ تتجاوز سلطات الأمر الواقع المريضة؛ تحتمي بإرادة الشعب لا بإملاءات الاحتلالات؛ لا تستجدي حلاً من أميركا وأوروبا، أو مساومة مع روسيا وإيران أو حتى تركيا- رغم حملها ثلث سكان سوريا.

لا بد من العودة إلى القضية الجامعة والانطلاق منها لتجاوز الشروخات والنزعات والتباينات والتناقضات على كل المستويات؛ عبر تحديد الأولويات واستراتيجيات مقاربتها، في مشروع وطني جامع جوهره المصلحة العامة، التي تقوم على الحرية المسؤولة وسلطة القانون الرشيدة والمساواة الكريمة في ظلها؛ وذلك هو أساس السلام والاستقرار والازدهار. هذا الذي يوقف الاستبداد وغطرسة سلطات الأمر الواقع ويمنع التقسيم ويعيد اللاجئين، ويُطلق عملية إعادة الإعمار ويُخرج الاحتلال؛ إنه الارتكاز على المصلحة الكبرى الجامعة المانعة. فلا نجاة فردية في سوريا، ولا نجاة لمجموعة على حساب أُخرى أو وطن.

=========================

ثورة حوران الثانية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 5/7/2021

تقدّم حوران في سورية، مرة أخرى، نموذجاً عن نضالها السلمي، في إعلان منها ربما لبدء مفاعيل ثورة ثانية، تعيد فيها أجمل ذكريات ومشاهد ثورة 2011. وهي في هذا تصحّح خيار السلاح والفصائل وتشتيت قوى العمل الشعبي المتماسك، وفي الوقت نفسه، تقدّم خياراً جديداً لمناطق المعارضة غير التسليم بالانفصال والتبعية لأجندات الدول المتصارعة على سورية. وهي، منذ إعلان رفض إجراء الانتخابات الرئاسية في مناطقها ومحاصرتها النظام إعلاميا في 26 مايو/ أيار الماضي، بدّدت صورة سيطرة النظام السوري على مناطق التسوية، للمرة الثانية بعد أحداث عام 2020 التي أجبرت موسكو على تعزيز الاتفاق مرة أخرى مع الأهالي، ومنع توسّع الفرقة الرابعة آنذاك من بسط نفوذها على بلدات الريف الشرقي. وهدفت موسكو من التسوية التي عقدتها بعد جولاتٍ ماراثونية مع الجانبين، الأميركي والأردني، في يوليو/ تموز من عام 2018، مع الفصائل المسلحة، ولجنة مدنية من الأهالي، في إطار إخراج تدريجي لمناطق خفض التصعيد من معادلة هيمنة مسار أستانة الثلاثي على المناطق (روسيا- تركيا- إيران)، وبسط سيطرتها منفردةً عليها، واحدة تلو الأخرى.

ويمكن القول إنّ محافظة درعا (جنوب دمشق) بدأت تشكل معالم عمل سياسي جديد، منذ عام 2018، فهي، من جهةٍ، تأتمن على مناطقها من القصف الروسي، ومن جهة أخرى تفسّر مفهوم التسوية الأهلية بأنها لا تعني خطوةً إلى ما قبل ثورة الكرامة 2011، وإنما هي تعديلٌ لمسار المقاومة المسلحة التي فرضت عليها، سواء ذات الطابع المحلي غير المنظم، أو من بعض الفصائل ذات الأجندات الخارجية.

عاد النظام إلى ممارسة الأساليب نفسها التي فجّرت الثورة في كلّ أنحاء سورية، واستخدم حصار درعا بهدف تجويعها وتركيعها

وإذا كانت درعا اتخذت من المظاهرات والالتفاف الشعبي حولها، وتأكيد سلميّتها، وسيلة للتعبير عن استمرار ثورتها ضد حكم النظام السوري ووسائله الأمنية، فإن النظام، من جهته، عاد إلى ممارسة الأساليب نفسها التي فجّرت الثورة في كلّ أنحاء سورية، واستخدم حصار المدينة بهدف تجويعها وتركيعها في قراءة خاطئة، مرة أخرى، لإمكانات الشعب السوري ومدى إيمانه بمبادئ ثورته، وتقديره تضحيات السوريين خلال الأعوام العشرة التي مرّت عليه.

صحيحٌ أنّ التسوية التي تعيش عامها الثالث هذه الأيام، لم تحظ بقبول سوري واسع، لأنها، حسب المعترضين عليها، منحت النظام فرصة الاستفراد بمناطق أخرى، وهي لم تُنجز كامل بنودها في أي وقت، أي لم يخرج كامل المعتقلين، ولم يتم التعامل مع موضوع الخدمة الإلزامية حسب الاتفاق. وكذلك بالنسبة لعودة الموظفين المفصولين إلى أعمالهم، واستعادة المحافظة الخدمات، ولم تخلُ حياة الناس في تلك المناطق من عمليات القنص والاغتيالات والاعتقالات، لكنّها منحت السكان على الأقل فرصة العيش تحت سقفٍ غير مشتعل، وأوقفت موت الناس تحت دمار بيوتهم، كما كان يحدُث، ويحدث الآن في إدلب التي تخضع، هي الأخرى، لاتفاق مناطق خفض التصعيد "المتهالك".

متابعة النظام في طرق إرهاب الناس، وتحفيزهم للانقلاب على الهدنة، سيجعل منه طرفاً في نزع شرعية اتفاقات موسكو بشأن سورية

لم ينفع النظام استخدامه سلاح الحصار ضد مدينة درعا سابقاً في عام 2011، على الرغم من أنّ جيشه بكامل قوته عدداً وعتاداَ كان يحاصرها جغرافياً، ويرهبها معنوياً، وحينها، لم تكن روسيا في سورية. أما وقد أصبحت اليوم صاحبة اليد العليا في سورية، وهي الضامن لعملية التسوية، وتبذل كلّ ما في وسعها لتقديم نفسها للعالم عامل استقرار في سورية، فإنّ متابعة النظام في طرق إرهاب الناس، وتحفيزهم للانقلاب على الهدنة، سيجعل منه طرفاً في نزع شرعية اتفاقات موسكو بشأن سورية، ما يهدّد فعلياً مصداقيتها في الحديث عن حلول قادمة من موسكو إلى طاولة الحوار مع واشنطن التي تعقد في جنيف في الأيام المقبلة.

الحديث عن حوار يجمع الجانبين، الأميركي والروسي، ويؤسّس لمرحلة جديدة من التعاون المشترك لحل الصراع في سورية، وتعزيز وقف إطلاق النار الهشّ، والمفترض أن ينعقد قبل اجتماع مجلس الأمن للتصويت على تمديد القرار الأممي الخاص بالمساعدات الذي تنتهي مدته في العاشر من يوليو/تموز الجاري، وقبل اجتماع ثلاثي مسار أستانة، وإعادة إحيائه لاستخدامه في قيادة عملية اللجنة الدستورية من جديد، لا يمكن أن يتجاهل ما يحدث على مستوى حقوق الإنسان من انتهاكات، ومنها حصار المدن وتجويع الأهالي عبر إغلاق المعابر، ناهيك عن الاعتقالات والاغتيالات، ما يعني أن على موسكو التحرّك لحفظ ماء وجهها وحبر اتفاقاتها في درعا.

رهان النظام على ترهيب أهالي حوران، ومقايضة الخبز بالحرية، خاسر وجبان

استمرار تصاعد عمليات التضييق على درعا، وسط صمت موسكو المريب، إما لأنّ موسكو تريد أن تواجه النظام بمحدودية إمكاناته وقدراته على إنجاز فرصة دوره في الحلّ السلمي أو الاحتفاظ بها، وتريده أن يتعثّر، مرة أخرى، مع داعمه الإيراني أمامها، لتنهي دورهما مستقبلاً في مناطق سيطرتها، أو أنّها تريد، من خلال ترك الأمور تتفاقم، أن تجعل من درعا مرة أخرى مجالاً للتفاوض مع الجانب الأميركي الذي سلّمها في مفاوضات عمّان 2018 ملف حوران. وفي الحالتين، تكشف روسيا بهذا الصمت عورات النظام أكثر وأكثر، مع فقدانه القدرة أمام أهم فرصة محلية لتثبيت موقعه طرفاً في حلّ سياسي مستدام في سورية.

صمدت درعا في الحصار الأول، وصامت حتى عن حليب الأطفال، وهي عندما اتخذت قرارها الحرّ بممارسة حريتها في رفض المشاركة في إعادة تعويم بشار الأسد من خلال انتخابات واهية للمرة الرابعة على التوالي، فإنها وضعت نصب أعينها كلّ سيناريوهات العقاب المحتمل، ما يعني أن رهان النظام على ترهيب أهالي حوران، ومقايضة الخبز بالحرية، خاسر وجبان. ويؤكد ذلك رفض لجنة المصالحة، حسب تأكيد للمحامي عدنان المسالمة، إجراء أيّ حوار مع النظام، ما استدعى موسكو إلى أن تفتح باب تبادل الرسائل وقنوات التواصل من جديد.

=========================

درعا تعيدنا إلى البدايات

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 4/7/2021

درعا لا تهدأ. يتوقف الغليان حينا ولكنه يعود أقوى، هذا هو الحال منذ بدايات الثورة.. جمر تحت الرماد لا ينطفئ ولا ينفد. يظنونها نكّست الراية واستكانت، ولكنها تنفجر فجأة لتعيد كل شيء إلى نقطة الصفر. ومنذ المعركة الكبرى قبل ثلاث سنوات، وما تلاها من اتفاق على تسوية شاملة في تموز 2018 برعاية روسية، تشهد المحافظة حالة خاصة. الحراك مستمر موجة وراء أخرى، وكل موجة أعلى وأقوى من التي سبقتها. ومع أن المحافظة تعرضت لنكبة كبيرة مثل بقية المحافظات التي ثارت ضد النظام، إلا أنها لم تسلم مفاتيحها لأي من الأطراف التي تعمل للإمساك بورقة الجنوب السوري، روسيا، إيران، النظام، وإسرائيل.

تبدو درعا اليوم خارج كل المعادلات، بل إن الاتفاقات التي تم توقيعها خلال ثلاث سنوات لم تنفذ بسبب مراوغة النظام من جهة، ونظرا لعدم قدرة روسيا السيطرة على الوضع من جهة أخرى، رغم أن موسكو بذلت جهودا كبيرة من أجل هندسة الموقف بما يتناسب مع مخططاتها ومصالحها، وشكلت من أجل ذلك الفيلق الخامس بقيادة أحمد العودة الذي اشتغل على تكوين قوة عسكرية من عدة آلاف، إلا أن هذا التشكيل ليس على مقياس ومزاج النظام وإيران، ولا يناسب ما تطمحان إليه من سيطرة على الجنوب، تنطلق من ضمان ولاءات المكونات الفاعلة بصورة لا تقبل القسمة أو الشراكة مع أي طرف آخر، بما في ذلك روسيا.

استمرت ممارسات أجهزة النظام التي لا حدود لها ولا ناظم ولا قانون يحكمها، فالتصفيات والاغتيالات لم تتوقف والاعتقالات متواصلة لكل من يشتبه به رافضا لعودة النظام إلى المحافظة

تسوية تموز 2018 شملت بنودها خروج المعتقلين من سجون النظام منذ بداية الثورة، وتأجيل خدمة العلم للذين رفضوا الالتحاق بجيش النظام، وعودة الخدمات المدنية إلى المدينة، وعودة الموظفين المفصولين من الدوائر الحكومية إلى عملهم. وهذه التسوية وكل التسويات التي تلتها استندت إلى مبادئ محددة، منها بالخصوص التسليم للنظام والقتال في صفوفه أو الخروج من المحافظة، وتسليم السلاح. وفي هذا الوقت استمرت ممارسات أجهزة النظام التي لا حدود لها ولا ناظم ولا قانون يحكمها، فالتصفيات والاغتيالات لم تتوقف والاعتقالات متواصلة لكل من يشتبه به رافضا لعودة النظام إلى المحافظة. وهناك سبب آخر لفشل هذه التسوية هو الدور الإيراني. فإيران وحزب الله يرفضان تسليم قرار الجنوب للروس، لأن هذا يعني إبعاد إيران من المنطقة، وفق التفاهمات الروسية الإسرائيلية التي حددت إبعاد السلاح الإيراني بمسافة 80 كم عن الجولان. والمسألة بالنسبة لطهران ليست محاربة إسرائيل، وإنما الاحتفاظ بورقة مساومة دائمة، كما هو عليه الأمر في جنوب لبنان الذي يعتبر ساحة هادئة جدا وفق اتفاق 1701 لعام 2006، إلا أنه رغم هذا الهدوء تظل التهديدات واردة ولو على نحو ضعيف جدا، ما يبقي على حالة الاستنفار العسكري الإسرائيلي قائمة، كما لو أن الحرب الشاملة ستقع في أي لحظة.

كان يمكن لدرعا أن تشكل نموذجا للتسوية وفق مخططات موسكو التي قامت عام 2018 على تفاهمات مع قيادات الفصائل العسكرية، تقوم على تسليم السلاح الثقيل للروس وتكوين الفيلق الخامس، الذي يتبع لإدارة روسية، من أجل احتواء المقاتلين من الفصائل. وجرى التعامل مع هذه الطريقة بمنزلة حل وسط، لا يدخل فيها النظام إلى المناطق الحساسة من المحافظة مقابل وقف الأعمال العسكرية ضده، وذلك برعاية روسيا التي تصبح صاحبة القرار في المحافظة. وشارك أكثر من طرف في رعاية الاتفاق وضمانته، ومنها الأردن، ولكن موسكو لم تحترم الاتفاق كعادتها حيال كل اتفاقاتها في سوريا، ومثال ذلك في شمال غربي سوريا، الأمر الذي يعيد درعا تدريجيا إلى البدايات رغم الكلفة الباهظة، لا سيما ما يترتب على الحصار المفروض على المدينة من الناحية الإنسانية.

=========================

في خصوصية درعا

بكر صدقي

المدن

الاحد 4/7/2021

من ينظر إلى مجمل الجغرافيا السورية لا بد أن يرى أن شؤون وإشكاليات وصراعات مختلفة تسود مناطقها المختلفة، لا يربط بينها أي رابط غير كونها تقع ضمن "المشكلة السورية" بصفة عامة. فما يجري من أحداث سياسية وأمنية واقتصادية وحتى دبلوماسية، يختلف اختلافاً كبيراً بين منطقة الجزيرة الواقعة تحت حكم "الإدارة الذاتية"، ومناطق النفوذ التركي في الشمال، ومنطقة "خفض التصعيد" الرابعة في محافظة إدلب وجوارها، ومحافظة درعا في الجنوب، ومحافظة السويداء المجاورة لها، والمدن الرئيسية الواقعة تحت سيطرة النظام في "سوريا المفيدة".

ففي الوقت الذي تتركز فيه الجهود الدبلوماسية الدولية على معبر باب الهوى الحدودي بين تركيا ومحافظة إدلب بشأن التجديد لآلية الأمم المتحدة لإدخال المساعدات، تتعرض مناطق من هذه المحافظة لتصعيد عسكري من النظام، في حين يشتعل غضب عارم في الرأي العام الكردي بعد مقتل الشاب أمين عيسى تحت التعذيب في معتقلات "الإدارة الذاتية"، وتسود محافظة درعا مخاوف كبيرة بعد الانقلاب الروسي على دور "الضامن" ومطالبته الأهالي بتسليم السلاح الخفيف، ويعود رامي مخلوف إلى واجهة المشهد السياسي في المناطق الموالية...

ليس "تعقيد" الوضع في محافظة درعا هو ما يمنحها الخصوصية، فالوضع في جميع المناطق السورية معقد بدوره، وإن تفاوتت درجاته بين مكان وآخر. بل لأن درعا منطقة معارضة بصورة معلنة على رغم وقوعها في إطار "مناطق النظام". فعدا عن كونها "مهد الثورة" في 2011 كما شاع القول، فهي من المحافظات القليلة التي أجمع سكانها على التمرد على النظام وكادت تخلو من أي مؤيدين له. كذلك لم تقع درعا تحت سيطرة قوى إسلامية بارزة كداعش أو النصرة أو أحرار الشام أو جيش الإسلام، وإن تواجدت فيها فصائل صغيرة بأسماء إسلامية، ولم تعرف مطلقاً ظاهرة الجهاديين الأجانب، بل اقتصرت الفصائل المسلحة فيها على مقاتلين من أهل البلد. الأيديولوجيا الإسلامية ليست متجذرة بين السكان، بل تتقدم لديهم القيم العشائرية والعائلية، جنباً إلى جنب انفتاح فرضته الظروف الاقتصادية والعمالة المهاجرة وتحديث شروط العمل الزراعي وارتفاع مستوى التعليم النسبي.

مضى الآن ثلاث سنوات على رفع الغطاء الأميركي عن المحافظة، وتسليمها بلا مقابل إلى روسيا والنظام في عهد دونالد ترامب، لكن النظام لم يتمكن إلى اليوم من "هضم" المحافظة المتمردة، على غرار ما حدث في حمص أو حلب أو الغوطة الشرقية. فالمعارضة العلنية فيها للنظام لم تتوقف، سواء في شكل مظاهرات شعبية، أو تغطية إعلامية، أو هجمات مسلحة من خلايا سرية ضد أهداف متفرقة للنظام. وكانت آخر مناسبات هذه المعارضة العلنية الانتخابات الرئاسية التي أجراها النظام وقالت فيها درعا كلمتها رافضة تلك المهزلة.

الواقع ليست الأمور في كامل المحافظة على هذه الصورة. فبعد تسليم المحافظة إلى النظام، بضمانة روسية، اختار بعض الفصائل المسلحة التهجير إلى الشمال برفقة عائلاتهم، في حين فضلت أخرى البقاء وتسليم السلاح. ومن بين هؤلاء من تم إدماجهم في قوات تابعة للنظام أو لروسيا، مقابل عدم تجنيدهم في الجيش وبقائهم في محافظتهم. ولكن حتى أولئك الذين انقلبوا على ماضيهم وانخرطوا في قوات تابعة للنظام، لم يسلموا من عملياته الانتقامية، فتم اغتيال كثيرين منهم تحت جنح الظلام. ففي نظر النظام كانت "الهوية الحورانية" كافية ليصنف الشخص معارضاً، أو معادياً، له. 

اليوم يبدو كأن النظام قد حسم أمره تجاه المحافظة المتمردة وقرر السيطرة عليها سيطرة كاملة، بعدما حصل على الموافقة الروسية بهذا الخصوص. فالروسي هو الذي يطالب الأهالي بتسليم أسلحتهم الفردية، ويقوم النظام بتعزيز الحصار على درعا البلد بصورة خاصة بهدف تركيعها. حصار خانق يذكر بأول حصار نفذه النظام هناك، ربيع العام 2011، دفع عدداً من الفنانين والمثقفين السوريين، آنذاك، إلى إصدار بيان معتدل طالب بفكه، وسمي "بيان الحليب"، تعرض الموقعون عليه إلى حملة تخوين شنيعة من زملائهم الفنانين الموالين للنظام.

يقال إن الروس هددوا الأهالي بالسماح بانتشار قوات موالية لإيران في المحافظة، وهو ما يحتمل أن يستجلب ضربات جوية إسرائيلية كما هي الحال في مناطق أخرى تعرضت لهجمات إسرائيلية متكررة طوال السنوات الماضية، بسبب وجود أهداف إيرانية. لا يبدو هذا منطقياً بالنظر إلى التنافس الذي يغلب على التعاون في العلاقات بين الروس والإيرانيين في سوريا، ميدانياً على الأقل. ولكن بصرف النظر عن صحة ذلك من عدمه، يبقى أن الروسي قد رفع غطاءه "الضامن" أخيراً، وقد تكون الأيام والأسابيع القليلة القادمة حاسمة في تقرير مصير درعا.

إذا استطاع النظام فرض سيطرته على المحافظة، فسيصبح وضعها شبيهاً بوضع مدينة حماة التي استسلمت مبكراً في صيف العام 2011 حين اقتحمتها دبابات النظام، بعد أسابيع حافلة شهدت أكبر المظاهرات في ساحة العاصي. لقد استسلمت حماة أمام القوة القاهرة، وفي ذاكرة أهاليها شباط العام 1982، حين دمرها النظام على رؤوس أهاليها، وقتل منهم عشرات الألوف. 

هذا النوع من الاستسلام أمام القوة القاهرة لا يحول الناس من معارضين إلى موالين، بل إلى جمر تحت الرماد قابل للاشتعال مجدداً من أن تتغير الظروف. وهذا ما ينطبق على درعا أيضاً إذا حدث وتمكن النظام من استعادة السيطرة عليها. وبصورة عامة لن يعود النظام إلى السيطرة على المناطق التي تمردت عليه في 2011 إلا كقوة احتلال غريبة بلا سند اجتماعي. 

بالمقابل لا يبدو النظام متحمساً أصلاً لبسط سيطرته على كامل مساحة البلاد. من المرجح أن هذه الهمة الطارئة عليه، بخصوص درعا، لها علاقة بتأمين الخطوط التجارية الحيوية إلى المعبر الحدودي مع الأردن، في ما يشبه حملاته العسكرية المستمرة على محافظة إدلب وجوارها، بهدف السيطرة على معبر باب الهوى والطرق البرية الدولية. أما الهيمنة الإيجابية على السكان فهي خارج اهتماماته، لأنها تتطلب تقديم خدمات ومكاسب للناس لكسب قلوبهم. في حين هو مكتف بسورييه "المفيدين".       

=========================

كم يملك بشار الأسد؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

الاحد 3/7/2021

حقيقة، لا يوجد إحصائيات وأرقام دقيقة موثقة من هيئات مالية، أو كشوفات بنكية، أو تقارير استخباراتية، عن ثروة، وعما تملكه عائلة «البهرزي» (آل الأسد سابقاً قبل أن يكشف جميل البهرزي حقيقتهم ويتباهى بأصله الكاكائي الكردي للمؤرخ العراقي عز الدين رسول) القادمة من خانقين والمحتلة لسوريا منذ نصف قرن بالتمام والكمال.

ومن يومها، أصبحت سوريا، وبحماية وغطاء ورضى أمريكي وإسرائيلي، «عزبة» خاصة وملكية حصرية للبهارزة الدخلاء المحتلين يتصرفون بها وبشعبها على هواهم ومزاجهم دون رادع ودون خوف من ردع ومساءلة دولية، وبدأت عملية استباحة رسمية مطلقة وممنهجة وكاملة لسوريا وثرواتها ومقدراتها، على يد سلالة البهرزي والعصابات والعائلات التي تحالفت معها في مشروع تدمير سوريا الذي أوكل تنفيذه لمؤسس نظام البهارزة، حافظ البهرزي الأول ليكمل المهمة من بعده ابنه وريث العرش البهرزي القاصر المدعو بشار البهرزي بالتعاون مع زوجته التي (كوّشت) على كل الثروات السورية.

فكما أسلفنا، تغيب تلك البيانات الدقيقة، ولاعتبارات معروفة، عن ثروة البهارزة «آل الأسد» الحقيقية، لكن، خمسين عاماً من النزف والنهب الممنهج للاقتصاد، وخاصة للموارد الطبيعية كالغاز والبترول، سيطلق العنان لتخمينات فلكية حول أصول وثروات البهارزة الخرافية خارج سوريا والتي قد تقدّر بترليونات الدولارات، فسوريا كما هو معلوم، بلد مصدر للبترول، رفض الانضمام للأوبك، كي يبقي أرقامه، وإنتاجه، وأرباحه، بعيدة عن الرقابة والشفافية والإعلام لنصف قرن بالتمام والكمال، هذه الأصول والثروة هي اليوم، بتصرف، وتحت متناول الوريث القاصر المدعو بشار البهرزي، ولعل الحادثة التي يوردها فراس ابن رفعت الأسد، ( وهو أحد أبناء رفعت الأسد من زوجته أميرة عزيز الأسد، التي هجرها وطلقها رفعت البهرزي وتنكر لها وغدر بها، وكان فراس قد انشق عن والده وعن البهارزة وتبرأ منهم وبات يهاجمهم ويفضحهم في منشوراته الفيسبوكية) وذلك في منشور له يوم الخامس من حزيران / يونيو، على صفحته الشخصية على الفيس بوك، يقول فيه حرفياً: «خلال عزاء المرحوم باسل الأسد أرسلني رفعت الأسد لألتقي ببشار الأسد لأقول له جملة واحدة فقط لا غير: «والدي يبلغكم بأن حصتكم معه قد أصبحت 180 مليون دولار»….. ويكمل فراس بالقول: «لم يهتم بشار بالرسالة أبداً، وكأنه لم يسمعها، وحتى أنه لم يجب عليها بأي شيء ولم يكن له أي رد فعل على فحواها، وأعتقد أنه استسخف الموضوع برمته أو أنه ربما استسخف المبلغ.. لا أدري!! ويبقى الاحتمال الأكبر أنه استسخف الاثنين معا لأنهم كانوا في ذلك الوقت قد تجاوزوا الملايين إلى المليارات ولم يكونوا بطبيعة الحال في حاجة إلى رفعت الأسد في السلطة ليفتحوا له هكذا باب».

من الواضح، هناك، ولا شك، تغطية وتكتم، وتواطؤ، شديد ومن ضباع العالم، كبوتين والدوائر المالية والاستخباراتية الغربية، حول ثروة البهارزة، ومخابئها

وبغض النظر عن الحادثة، وخلفياتها، وأبعادها، وتلكم قصة أخرى، فالأمر المهم هنا، هو مبلغ الـ 180 مليون دولار، هذا الرقم الخرافي، بمقاييس وأرقام اليوم السورية، وحتى وقتذاك، الذي استخفه المدعو بشار البهرزي ولم يسل له لعابه ولم يناقش فراساً به، بالمطلق أو يفاتحه بأمره. وللعلم فالحادثة وقعت منذ أكثر من عقدين من الزمن، حيث يوازي المبلغ ميزانيات دول قائمة بحد ذاتها.

ألا يحق لنا التساؤل، والحال، كم كانت تبلغ ثروة بشار البهرزي، يومذاك، وكم بلغت اليوم، بعد كل تلكم الأعوام والسنين، فإذا كان مبلغ 180 مليون دولار لم يهز شعرة بمفرقه، ولم يغره، ولم يأبه به، ولا بصاحبه ولم يلتفت له وكأن الأمر لا يعنيه؟ ألا تعتقدون أن مبلغ مليون دولار فقط، كاف لإسالة لعاب أكبر شارب؟ وأكبر سياسي؟ وأكبر رجل إعلام ووزير حين يعرض ويقدم كرشوة أو «عربون» في صفقة ما؟ فما بالكم بمبلغ 180 مليون دولار يقدم كهدية دونما مقابل، وكـ»حصة» خاصة، مع شريك واحد، به لوحده (ناهيكم عن بقية الحصص والحسابات والشركاء) فكم ستكون حصة، وثروة بشار البهرزي بعد حوالي ثلاثة عقود من هذا الكلام؟ وكم له من الحصص، والنسب والأرباح والشركاء هنا وهناك؟

هكذا إذن لم تعن الـ180 مليون دولار في حينه، أي شيء لبشار الأسد «البهرزي» المغرم بالثروة والمهووس بتكديس الثروات وسرقتها ونهبها من جيوب الفقراء، (لليوم ما زال يفرض الضرائب القراقوشية وبدل الخدمة العسكرية وكأنه لم ولن يشبع من مص دماء الناس فلا أشبعه الله) وقد يعتبر هذا المبلغ الزهيد مجرد فكة وفراطة ومن طرف الجيب ومصروف جيب لحافظ البهرزي الصغير وشام يتسليان و«يتبهنكان» و«يبعزقان» بها في شوارع لندن والمدن الإمبريالية والصهيونية التي يقاومها ويحاول القضاء عليها والدهما المقاوم «بشار البهرزي» ومن هنا قد لا نبالغ القول، وبأبسط التقديرات مع نفط يسرق لخمسين عاما بمعدل أقله 500 ألف برميل يوميا وطبعاً حسب إعلام البهارزة الرسمي) إن ثروة البهارزة تدخل بالخانات التريليونية ولا شك وهي قادرة لجعل سوريا وشعب من أغنى شعوب الأرض. وعلينا أن نتساءل أيضاً عن ثروات المافيات والعصابات والعائلات الحليفة في كعكة السلطة السورية وأقارب البهرزي من المخلوف والشاليش والدوبا والأخرس والفوز وكبار المسؤولين ولصوص النظام التاريخيين الذين استباحوا لقمة عيش المواطن والشعب الفقير الغلبان وسواهم الكثير من ضباع المال السوري الحرامية الأوغاد؟

من الواضح، هناك، ولا شك، تغطية وتكتم، وتواطؤ، شديد ومن ضباع العالم، كبوتين والدوائر المالية والاستخباراتية الغربية، حول ثروة البهارزة، ومخابئها، ربما تمهيداً لـ«لهطها» والسطو عليها كما حصل مع ثروات الكثير من الطغاة كمبارك، والقذافي، وبن علي والشاه، وماركوس، وتشاوشيسكو، ونورييغا ووو، لكن الأيام، كفيلة، وستكشف عن حجم وبيانات هذه الثروات التي نهبت وهرّبت للخارج على مدى خمسين عاماً من الآن…. و«يا خبر بفلوس بكرا ببلاش»؟

=========================

أيقونة الثورة لا تعرف الاستسلام

عقاب يحيى

سوريا تي في

الاحد 3/7/2021

طبيعي أن تبقى راية الثورة مرفوعة في أيقونتها: حوران بكل مناطقها.. لأنها حاضنة الثورة التي احتوتها وتركت بصماتها فيها لتتسع وتتمدد: ثورة سورية سلمية لكل الشعب السوري بمختلف فئاته وبعيداً عن أي تصنيف إثني أو مذهبي سوى الوطنية السورية جامعاً.. كما كان "الجامع العمري" مكان وانطلاق معظم التظاهرات وأشكال الحراك السلمي أشهراً طوالاً لم يعرف فيها النظام من ردود سوى القتل والاغتيال، وأولهم الأطفال.. لتبقى ذكرى اغتيال الطفل حمزة الخطيب والتمثيل بجثته الشاهد الذي لا يموت على طبيعة النظام الدموية وحقده الأسود.

تميّزت فصائل الجيش الحر في حوران بتمسكها بالمشروع الوطني الذي يشكّل المرجعية الأساس، كما اشتهرت بفعاليتها ودورها القتالي المتميز

احتضنت حوران بترحاب محافظات السهل والجبل التوأم (درعا ـ السويداء ـ القنيطرة) مثلما احتضنت السويداء عشرات الآلاف من أبناء حوران الثائرين، وقد امتزجت الدماء وتآخت فكان استشهاد الملازم الأول المنشق من السويداء (خلدون زين الدين) عام 2013 وهو يدافع عن الثورة ضد قطعان النظام في درعا برهاناً مجسّداً على وحدة الهدف والمصير بين أبناء المحافظات الثلاث، قطع الطريق على معظم خطط وأفخاخ النظام، ومعه إيران وميليشياتها الطائفية، ثم الاحتلال الروسي ومشاريعه بما يعرف بـ"المصالحات" ونتائجها عبر محاولات لم تنقطع لزرع الفتنة والشقاق بين أبناء السهل والجبل.. وكان لقامات مهمة من المحافظتين من وجهاء وشخصيات وطنية الدور الكبير في إفشال مجموعة المشاريع تلك، والتمسك بالوحدة الوطنية، والعلاقات الأخوية التاريخية بوصلة واستناداً ومرجعية.

تميّزت فصائل الجيش الحر في حوران بتمسكها بالمشروع الوطني الذي يشكّل المرجعية الأساس، كما اشتهرت بفعاليتها ودورها القتالي المتميز، لذلك بُذلت جهود كبيرة، خاصة من المحتل الروسي، لحصارها وخنقها، وشاركت بذلك القوى الخارجية الداعمة وصولاً إلى إغلاق ما يعرف بـ "غرفة الموك" بكل ما يعنيه ذلك توقف جميع أشكال الدعم بواقع أن حوران محاصرة حدودياً ولا يوجد حليف إقليمي يقدّم الضرورات لمواصلة القتال ورفض ما يعرف بالمصالحة، وتسليم السلاح، أو الانخراط بما يعرف بـ "الفيلق الخامس" وحكاية (أحمد العودة) وغيرها في تلك المصالحات وما تلاها من نتائج ووقائع.

الحقيقة التي يجب تسجيلها هنا أن الائتلاف أو هيئة المفاوضات لم يكونا بقدرة مناقشة تلك الوقائع المفروضة، وما أحدثه الاحتلال الروسي وقصفه غير المحتمل على قدرة الفصائل في التحمّل والاستمرار، أو استخدام تكتيك واقعي يراعي ما حدث بجرأة لا تخشى التهم المعلّبة، وتحمّل المسؤولية الواجبة، فتُرك معظم المقاتلين وحدهم في حالة من التيه والبلبلة، وصولاً إلى إقدام بعض القادة على توقيع المصالحات وسط أجواء مشحونة، ومملوءة بشتى أنواع الاتهامات.

ـ الحقيقة الأكبر، والأهم أن درعا الثورة درعا الأيقونة. درعا البلد والمحطة وشتى أقضيتها، وقراها لم ترفع الراية البيضاء، ولم تخبُ جذوة الثورة في أبنائها فتواصلت أشكال الرفض والحراك الشعبي والمقاومة متعددة الأشكال، وهي صفعة في الصميم للمصالحة ومحاولات احتواء المقاومة بوسائل شيطانية مختلفة كان آخرها حصار درعا البلد بسلسلة من القوى العسكرية والأمنية الروسية بشكل خاص، ومشاركة فعالة من أجهزة النظام المجرم وإيران وميليشياتها الطائفية.

صوت الثورة ارتفع بقوة ضد الانتخابات المثيرة للسخرية حيث انطلقت المظاهرات العلنية الرافضة تفضح تلك العملية الممسرحة، وتوجّه رسائل مباشرة للنظام كانت بليغة جداً، وشديدة الحرج لما قام به من فعل لا يمكن قبوله بتجديد الولاية لقاتل مدمن، لذلك تتلاقى اليوم مجموعة قوى لخنق هذا الحراك ومنع استمراره، وامتداده في عديد مناطق درعا، ولمَ لا في مناطق مختلفة من سوريا..

المطلوب دعم الحراك السياسي وغيره مباشرة من قبل الائتلاف ومختلف قوى وفعاليات الشعب السوري في مختلف أماكن وجوده

وإذا كانت مواقف أهل درعا الثورة تستحق التحية والاحترام والإجلال، فإن المطلوب أكثر من ذلك بكثير.

المطلوب دعم الحراك السياسي وغيره مباشرة من قبل الائتلاف ومختلف قوى وفعاليات الشعب السوري في مختلف أماكن وجوده لأنه فعلاً يعبّر عن روح الثورة معلناً أنها حيّة، وأن التضحية في سبيلها طريق الثوار مهما كانت الظروف والتضحيات.

المطلوب أيضاً تحقيق التواصل مع فئات شعبنا الذي يعاني الجوع وضنك الحياة، والذي يعبّر عن مواقفه ضد النظام وما يقوم به من أفعال نهبية تزيد الأزمة عمقاً واتساعاً باعتباره المسؤول الأول عنها، والتي لن تنتهي إلا برحيله وإقامة النظام البديل النظام الوطني الديمقراطي التعددي المدني.

مطلوب أيضاً، وأيضاً القيام بحركة منظمة على الصعيد الإقليمي والدولي لوضع جميع الدول أمام مسؤولياتها، وتعريفها بالجرائم التي يرتكبها المحتل الروسي والإيراني والنظام ضد متظاهرين مدنيين يعبّرون عن مواقفهم برفض وجود هذا النظام، وتحقيق طموحاتهم في الحرية والكرامة والعدالة..

تحية إجلال لحوران الثورة.. الأيقونة لأبطالها الذين يرفعون راية الثورة معلنين بالشجاعة والتصميم أنها مستمرة ولن تتوقف إلا بتحقيق أهدافها.

=========================

من مذبحة تل الزعتر إلى مذابح سوريا

نزار السهلي

سوريا تي في

الاحد 3/7/2021

أعاد السياق السياسي الفلسطيني في زمن مضى صياغة ذاكرته عن مذبحة مخيم تل الزعتر في بيروت الشرقية 1976 بفراغ المعنى، وببداهة صارخة دخل في تفاصيل لفظية كثيرة مع أن الجريمة واضحة المعالم والأركان، وفي الحالات كلها شكل تدمير مخيم تل الزعتر البداية الفعلية لتدمير فكرة "المقاومة والممانعة" التي تغنت بها فلسفة البعث في سوريا في أثناء حقبة الأسد الأب والتي سبقها منع العمل الفلسطيني المسلح من الحدود السورية، وقادت لاعتقال جورج حبش في العام 1968، لكن في تل الزعتر رفع الأسد تقاليد عدائه للشعب الفلسطيني إلى الذروة وذلك في علاقة وتحالف غير ملتبس مع قوى يُحب البعض التطرق إليها اليوم ممن يتذكر المذبحة  "بالقوى الانعزالية اليمينية" في لبنان، ولكن من دون الإشارة لدور نظام حافظ الأسد الرئيسي في حصار وتدمير المخيم آنذاك، كما تستخدم عبارة تدمير مخيم اليرموك دون الإشارة لطائرات ميغ الأسد وجيشه.

كانت سذاجة استحضار مذبحة مخيم تل الزعتر في عموميتها الغائمة، اعتماداً على شكلانية مفرطة قوامها صراع الثورة الفلسطينية مع القوى الانعزالية بترحيل الالتزامات من ديار الحقيقة إلى بلاط الطاغية السوري، والأخير شريك ومسؤول عن مقتل ثلاثة آلاف من الرجال والنساء والأطفال فضلاً عن جريمة تدمير ونسف المخيم، وإذا كان لنا أن نستبقي من ذكرى الالتزام  بالوفاء لضحايا تل الزعتر فعلينا استحضار ما نشرته صحيفة السفير اللبنانية في عددها الصادر 16/تموز/1976، لشهود عيان من المخيم تحت عنوان "جنود سوريون وقذائف عبرية" (القوات السورية شاركت في معركة دك مخيم الصمود بشرياً وآلياً، وكنا نشاهدهم مع دباباتهم ت62 بالعين المجردة، وهناك ملالات جديدة نشاهدها لأول مرة، ظهرت في معارك التل كما أن بعض القذائف سقطت داخل المخيم ولم تنفجر عليها كتابات عبرية، الجنود السوريون شاركوا بالاقتحامات وسلموا المواقع للقوى الفاشية).

مهدت سلطة حافظ الأسد لتطويع القضية الفلسطينية في مجزرة تل الزعتر، ومهدت للسوريين بالقمع والإرهاب لاعتقال إرادتهم

من السذاجة أيضاً أن نعود بالذاكرة لأربعة عقود ونصف في تذكر تل الزعتر، وبالقفز عن نسلها المتوالد على الأرض من حماة السورية 1982، إلى كل قرية ومدينة مسجلة في قوائم المذابح التي ورث الأسد الابن من أبيه إتقانها منذ العام 2011، وكل الذين رووا سيرة المخيم وذكريات الحصار والمذبحة، وانتهى حال أشقائهم في مخيم اليرموك من تعفن الجراح في أقبية التعذيب الأسدي، بعدما نثر الأسد الابن لحمهم في  الطرقات، وما دار حول المذبحة في تل الزعتر كان واضحاً الوضوح كله، في سياق مذابح السوريين من دوما وداريا واللطامنة وكفرزيتا والقصير وجبل الزاوية وخان شيخون، إلى القائمة الطويلة للمجازر التي استخدمها نظام الأسد كوسيلة للرد على مطالب السوريين.

لا يعني إحياء يوم المذبحة في تل الزعتر كما في الأيام السورية الذبيحة، الركون إليها بل يعني العودة إلى غرف الدراسة والتفتيش والتنقيب والحفر

مهدت سلطة حافظ الأسد لتطويع القضية الفلسطينية في مجزرة تل الزعتر، ومهدت للسوريين بالقمع والإرهاب لاعتقال إرادتهم، وطاردت كل صوت أصبح نقيضا فعليا لكل سياسات نظامه القمعي، وكان "طبيعياً" في نظام أدمن القمع والقتل وولع السلطة المورثة لابنه، أن يستنفر طاقة الإرهاب المخزنة لديه لمواجهة ثورة السوريين عليه باستخدام كل الموبقات الممكنة، كي تتحول الثورة إلى استطالة باهتة وكسيحة وزعزعة وحدتها وزرع اليأس في النفوس بآلاف الجثث  كمقدمة "ضرورية" لإضعاف الثورة في البداية، وإخماد لهبها ومصادرة فعلها الجماعي الطليق لاحقاً.

لا يعني إحياء يوم المذبحة في تل الزعتر كما في الأيام السورية الذبيحة، الركون إليها بل يعني العودة إلى غرف الدراسة والتفتيش والتنقيب والحفر، وهذا لم نشاهد آثاره حتى الآن حتى على مستوى "ثقافة" فلسطينية ونخبوية عربية، لم تتجاوز بأصواتها حبال صوت الطاغية عندما أخذت الفاجعة السورية شكل الفضيحة الأخلاقية في اليرموك وأقبية التعذيب، ومع الفقدان المقصود لمواقف دولية وحقوقية وإنسانية، لذلك كانت وستبقى ملامح التشابك والتداخل في توظيف المذبحة في خصوصية نموذج الطاغية السوري ووظيفته من الأب للابن، ولم يعد نموذجه قابلاً للأخذ بالاعتبار فقط تحت ضغط المفارقة الحادة بين تل الزعتر وبقية المذابح في سوريا إلا على أرضية تأسيس روافع أسدية حارقة اجتاحت المجتمع السوري في العقد الأخير، والتي قادت وهي " فخورة أو خجولة " إلى ما نحن فيه الآن في حضرة الذكرى.

=========================

عن ضياع السوريين وتقطع أملهم في استعادة قرارهم

برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 3/7/2021

يشكو السوريون جميعا من محنة إخراجهم كليا من دائرة القرار، واستبعادهم حتى من أدنى المداولات التي تناقش مصيرهم. وفي المقابل، لم يعرف السوريون حالةً من الضياع السياسي والوطني، في الحكم وفي المعارضة، كالتي يشهدونها اليوم. والجميع يبحث عن إبرة الحل في كومةٍ من القش. يسعى بعضهم لاهثا إلى إحياء ذاكرة شخصياتٍ كان لها أثر في حياة السوريين في النظام أو المعارضة، أو الرهان على أشخاص موهوبين من المفكرين والفنانين الذين يملكون بعض الرأسمال الرمزي الذي يُحتمل أن يبعث الثقة عند الأطراف المعنية، المحلية والدولية. وبعض ثالث يسعى إلى إنشاء تنظيماتٍ وجمعياتٍ ومنصّاتٍ ومجموعاتٍ سياسيةٍ ومدنيةٍ يمكن أن تحمل همّ القضية الوطنية أو تدافع عنها. وأكثر فأكثر، تتواتر الدعوات إلى توحيد القوى وعقد مؤتمرات وطنية، لعلها تنجح في إنتاج محاور سوري مقنع وذي صدقية لدى الأوساط الدبلوماسية وأعضاء المجتمع الدولي غير المهتم بمستقبل المنطقة.

وفي الوقت الذي يسعى فيه الأسد إلى إعادة تأهيل حكمه بنفسه، كما لو أن شيئا لم يكن، يسعى شبابٌ متحمّسون من أبناء سورية الناجحين والمبدعين دائما إلى تكثيف الجهود لفضح سيل الانتهاكات الذي لا يتوقف لحقوق الإنسان، أو تشكيل مجموعات ضغط لحثّ الرأي العام الدولي والبرلمانات الديمقراطية، والكونغرس الأميركي خصوصا، على عدم القبول بتأهيل نظام الأسد، وإذا أمكن، مساعدة السوريين على تغيير قواعد اللعبة السياسية في سورية بأكملها.

وفي تركيا، يجتهد معارضون إسلاميون وعلمانيون، كي يُبقوا جذوة الاعتراف بمنظمات المعارضة التي أكل عليها الدهر وشرب حيةً وقابلةً للاستعمال ولو مرّة واحدة، ولا يوفرون جهدا في العمل على تحصين أنفسهم من أي منافسةٍ محتملة، وتجنيب صفوفهم أي اختراقاتٍ قد تهدّد مؤسساتهم أو تحرفها عن وظيفتها الرئيسية، كأهراماتٍ تحتفظ بهيئاتهم سليمةً في انتظار يوم البعث، حتى لا تضيع على نفس أحد منهم أي دقيقة من عهد النشور.

وفي الداخل، حيث يرى الناس سكارى، يسعى كل فرد إلى خلاصه على قدر ما تعينه عليه مواهبه وقدراته وأخلاقه الفطرية، فمنهم من يرقص من الخوف، ليضمن أسباب بقائه، ومنهم من يسعى إلى الهرب بنفسه والاختفاء عن العين، ومنهم من يريق ماء وجهه من أجل تسيير أموره مع السلطة الجائرة أو تدبّر شؤونه المعيشية أو تجنب سوط العنف والإذلال الذي تسوم به سلطات الأمر الواقع ومليشياتها سكان المناطق، وفي داخلها مناطق، داخلها هي ذاتها مناطق نفوذ أصغر إلى ما لا نهاية. كل فريقٍ مشغولٌ بردّ القهر عنه أو قهر الفريق الآخر وإخضاعه وافتراسه، إذا أمكن. وفي أثناء ذلك، صارت قضية كل فرد أو فصيل نفسَه وبقاءه، واختفت أو كادت من النقاش القضية الرئيسية.

كل فريقٍ مشغولٌ بردّ القهر عنه أو قهر الفريق الآخر وإخضاعه وافتراسه، إذا أمكن

من هنا، صار من الضروري للخروج من الدوران في الحلقة المفرغة إعادة تعريف هذه القضية: هل هي إسقاط الأسد، أو دفع الظلم عن السنة، أو حماية العلويين والأقليات من ظلم محتمل، أو إصلاح الإسلام وتحريره من السياسة والشعوذة القرسطية، أو نشر العلمانية وإقناع الجمهور الشعبي بها ضد الطائفية، أو إعادة اختراع الولاءات الوطنية بدل الولاءات الأهلية والعضوية المتنامية، أو معارضة مشروع انفراد حزب الاتحاد الديمقراطي بحكم المنطقة شمال الفرات وشرقه أو بالعكس طرده منها، أو طرد الاحتلال الأجنبي، أو إيجاد حلفاء خارجيين، أو الحدّ من تغوّل الإيرانيين، أم التعاون لإقناع الروس على تقديم وصفة أفضل لإصلاح النظام، أو التمرّد على كل شيء، أم تعميق اليأس والكراهية بين السوريين؟

جميع هذه القضايا أو الأهداف موجودةٌ ضمن ما نسميه اليوم أزمة المعارضة، بل معسكر الثورة السورية المتفاقمة. وهي التي تفسّر استمرار انقسام السوريين وضياع قرارهم الجماعي. وحتى لو كانت معظم هذه القضايا التي نشأت من الأزمة المديدة على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية، ولا يوجد ما يحول دون التفاهم عليها بين السوريين، إلا أن طرحها الشللي أو الجزئي بالانفصال عن القضية الأم يفاقم من الأزمة، ولا يفتح أي طريق للحل. فمن دون ربطها الصحيح بهذه القضية لن يكون من الممكن وضع أجندة سياسية تجمع من حولها أفرقاء لهم مصالح وأولويات مختلفة، لكنّ أيا منهم لا يستطيع أن يحققها، طالما بقيت في تعارض مع أولويات أفرقاء آخرين. وهذا ما يجعلنا نتخبّط منذ سنوات طويلة في مستنقع من المشاعر والشعارات والأوهام المتبادلة الذي صنعناه بأنفسنا، لكننا لا نتقدّم خطوة واحدة على طريق الحل، ولا يتقدّم أي فريق في الاقتراب من أهدافه وتحقيق أجندته الخاصة. وبدل أن تتراكم جهودنا لتحقيق الهدف المشترك الذي غيبته الأولويات الخاصة تهدر جهود الجميع. وبدل أن نقترب من تجسيد حلمنا بوطن يحضن الجميع، وينهي حكم القهر والتعسف والتمييز بين الأفراد والجماعات، نبتعد عنه كل يوم أكثر.

يراهن أكثرنا على فكرةٍ لا سند لها تقول إن استمرار الأوضاع كما هي عليه سوف يقود إلى الانهيار، وإن هذا الانهيار ليس من مصلحة أحد

ماذا تفيد، على سبيل المثال، جهودنا في صنع اللوبي السوري الأميركي إذا لم يكن هناك قيادة سورية تحظى بالصدقية، وتراكم لصالحها وصالح القضية الكبرى هذه الجهود المادية والسياسية، الفردية والجمعية؟ وماذا يقدّم الدفاع عن السنة، أو الاعتراف بمظلومية الأقليات، إذا لم تكن هناك رؤية وإرادة للعيش المشترك، ولإعادة توحيد المجتمع والشعب؟ وماذا يفيد الاعتراض على الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو الإدارة الذاتية "بالإكراه" إذا لم يكن هناك في الأفق بديل وطني يحل محلها ويتجاوزها، ويقدّم للسكان من كرد وعرب حلا آخر غير الاستسلام والقبول بسلطة الأمر الواقع؟ ولماذا الخوض في مقاومة وطنية ضد الاحتلالات العسكرية الأجنبية إذا كان البديل القائم سلطة المليشيات الخاصة، وكان الاحتماء بقوى الاحتلال هو أمل الناس جميعا، موالين ومعارضين، في تجنّب مزيد من بطش هذه المليشيات، ومنها مليشيا الأسد، وانتقامها وتنكيلها بالصغار والكبار؟ ولماذا نريد للجمهور والشعب السوري أن يتجرأ على الاعتراض أو الاحتجاج على الأسد، ويرفض التسليم بالأمر الواقع، إذا لم يكن هناك خيار وطني، واضح ومقنع، بل أي خيار وطني محتمل؟ ولماذا سيتبرع الروس والإيرانيون بتقديم تنازلاتٍ للسوريين، أو مراعاة كرامتهم وحقوقهم ومصالحهم، إذا كان بإمكانهم أن يحصُدوا حصة الأسد بمجرد إبقائهم على حكم الضبع الكاسر في سورية؟ ولماذا يدخلون في تنافسٍ فيما بينهم إذا كان بإمكانهم تقاسم الحصص والنفوذ والاستفراد بجميع الموارد والحقوق والمصالح مع الأسد وبمباركته وتعاونه؟ ولماذا نتوقع من الأمم المتحدة أو بايدن والإدارة الأميركية أن يرأفوا بحالنا إذا كنا نحن أنفسنا لا نرأف بحال شعبنا، ولسنا مستعدّين لتقديم أي تنازلاتٍ فيما بيننا للحفاظ على وطنٍ يكاد يفلت من بين أصابعنا ويخرج من جسدنا؟

يراهن أكثرنا على فكرةٍ لا سند لها تقول إن استمرار الأوضاع كما هي عليه سوف يقود إلى الانهيار، وإن هذا الانهيار ليس من مصلحة أحد. ولكن من قال إن الانهيار لم يحصل، وإنه يتعارض مع مصالح الروس والإيرانيين والمليشيات وأمراء الحرب السوريين أنفسهم الذين يتمنّى كل واحد منهم أن يهرب بحصّته ويشيّد مزرعته السورية الخاصة، على حسب ما يملكه من قوة وشره؟ ومن قال إنه ليس بإمكان الدول الغربية والعربية التي يمكن أن ينعكس عليها انهيار البلاد سلبيا ليست قادرةً على فرض حصار على سورية، ووضعها ضمن صندوق، وإغلاقه على شعبها، بالتعاون مع قوى الأمر الواقع، الأجنبية والمحلية، وإشغاله بعضه ببعض إلى أجل غير مسمّى؟ أليس هذا ما يحصل الآن؟ ألا تعيش سورية اليوم حالة انهيار اقتصادي وسياسي، مع تحول الدولة إلى عصاباتٍ تتحكّم فيها عصابة دولية أكبر عابرة للحدود، وأن هذا الانهيار هو الذي يعزّز موقع الإيرانيين والروس ويتيح لهم توسيع قواعد وجودهم في سورية، وتحصين مكتسباتهم وإيجاد مستعمراتٍ داخليةٍ حقيقيةٍ داخل البلاد، بصرف النظر عن الفوضى المحيطة بها؟

(2) الحلقة المفقودة: العودة إلى القضية الجامعة

من دون العودة إلى القضية الأم، والانطلاق منها، لن يكون من الممكن التوفيق بين المطالب والتطلعات الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، المتباينة والمتناقضة، ولا تجاوز الخلافات الراهنة، ولا بالتالي بناء أجندة سورية ووضع سلم الأولويات الذي يضبط ممارستنا السياسية الجماعية وينظمها. ومن دون ذلك، لا يمكن بناء خطة سياسية، ولا وضع استراتيجية، ولا تأمين القوى التي يحتاجها تحقيق أي مشروع سياسي وطني، أي واحد، ولا إنجاز المهام الكثيرة التي لا بد منها للوصول إلى الهدف المنشود. بغير ذلك، سوف نظل كما نحن اليوم: قوى متنافسة ومتنازعة تتخبّط وتتضارب، وتحيّد بعضها بعضا، أشداء على أنفسنا ورحماء على أعدائنا.

جوهر المسألة السورية تتلخّص في حرمان السوريين منذ بداية القرن الماضي من حقهم في تقرير مصيرهم

ما هي هذه القضية التي جمعتنا في ثورةٍ شاملةٍ مثلما فرّقنا نسيانها أو الابتعاد عنها، والتي تملك وحدها إمكانية التأليف بيننا وتوحيد أجنداتنا والتوفيق بين قضايانا العديدة الخاصة؟ إنها تلك التي تؤسّس لمعنى المصلحة العامة التي لا تنبع من جمع المصالح الخاصة المتفرّقة، وإنما من خلق الشروط التي لا يمكن من دونها تحقيق أي منها أو بعث الأمل في تحقيقها. إنها إقامة نظام الحرية الذي يعيد السلطة إلى الشعب، ويضمن المساواة بين الجميع من دون أي تمييز بين الأفراد من أي نوع. فهذه الحرية السياسية والمساواة القانونية والأخلاقية هي في عصرنا الشرط الأول للسلام والاستقرار والتعاون والتضامن والازدهار، بمقدار ما تشكّل أس العدالة الاجتماعية ومصدر الكرامة لجميع الناس. وكل القضايا الأخرى، الرئيسية والثانوية، من إسقاط النظام، والقضاء على سلطات الأمر الواقع وإمارات وأمراء الحرب من عرب وكرد وتركمان وغيرهم، ووقف عمليات التغيير الديمغرافي والديني، وطرد الاحتلال، وإطلاق عملية الإعمار والتنمية الاقتصادية، لا تأخذ معناها وقيمتها، ولا يمكن تحقيقها، من دون وضعها ضمن إطار هذه القضية الأكبر والغاية الأسمى، وإخضاعها لأولوياتها. وأي فصلٍ لهذه القضايا التي تشكّل مصلحة كبرى، بعضها أو جميعها، للشعب السوري ككل، ولبعض جماعاته وأقوامه، عن هذه القضية الأساس يفقدها شرعيتها، وينذر بحرفها عن غاياتها ومطلوبها، ويحوّلها إلى عقبةٍ أمام تحقيق قضية الانتقال إلى الديمقراطية، والسيادة الشعبية التي هي حقه الكامل في اختيار من يمثلونه وفي مراقبتهم ومحاسبتهم.

وهذا هو أيضا جوهر المسألة السورية التي تتلخّص في حرمان السوريين منذ بداية القرن الماضي من حقهم في تقرير مصيرهم، وفرض وقائع جيوسياسية جديدة، ودعمها خارجيا، ودعم نظم ديكتاتورية عقيمة، من أجل تأكيد هذا الحرمان، ومنع قيام دولةٍ تحظى بالحد الأدنى من الاستقرار والأمن والسلام، راعيةً لشعبها وقابلة للحياة. ومن بين هذه الوقائع تأسيس الدول الطائفية والقبلية والإثنية، وأبرزها دولة يهودية تحولت إلى بؤرة توتر والتهاب لا حلّ لها، فلا تعكس فكرة إنشاء هذه الدول/ الدويلات أي اهتمام فعلي بحقوق الأقليات، بمقدار ما تهدف إلى منع إقامة دولة أمة حقيقية قادرة على بناء الحرية والسلام والأمن والازدهار لسكانها في هذه المنطقة الحسّاسة.

لم تكن الثورة الشعبية سوى المركب الجديد الذي اتحدت فيه إرادة الشعب، وأصبحت الضامن المباشر والطبيعي والعفوي للانسجام والتوافق بين المصالح العامة والخاصة

ولم تكن الثورة الشعبية سوى المركب الجديد الذي اتحدت فيه إرادة الشعب، وأصبحت الضامن المباشر والطبيعي والعفوي للانسجام والتوافق بين المصالح العامة والخاصة، والمحفّز على التضامن والتعاون وتجاوز الحساسيات والاختلافات الدينية والطائفية والنعرات القبلية والقومية والأحقاد الطبقية الاجتماعية والانقسامات بين مجتمعات الأرياف والمدن والجبال والسهول والبوادي. وما كان للحرب التي شنّت على الشعب الموحد في ثورته هدف آخر سوى فرط عقده، ودفع من نجا منه إلى التقاط ما تبقّى من شظايا المركب الواحد، للهرب بأنفسهم من الكارثة. وبمقدار ما أصبح التشبث بهذه المراكب الشظايا مبعث الأمل بالخلاص الفردي أو الفئوي قضى على الأمل بالخلاص الجماعي، وبالنظام البديل المنشود الذي يجسّد هذا الخلاص.

لم تحرّك مركب الثورة أي من المطالب التي نتبارى اليوم في تفريعها، ووضعها في مواجهة بعضها بعضا، وتقسيم القوى والمجتمعات لإيجاد أولويات خاصة بكل فريق على حدة، وبلورة أجندات وجداول عمل مستقلة تعكس الدفاع عن مصالح لا يمكن ضمانها، طالما لم تنجح في الالتقاء مع مصالح الجماعات الأخرى. ما حرّكه كان بالعكس تجاوز هذه المطالب الخاصة والتركيز المشترك على المطلب الأول الذي يفتح الطريق لحلها، وهو ببساطة الاعتراف بحق الشعب وحده في تقرير مصيره ونزع الوصاية عنه من أي نوع كان، سياسية أو دينية أو عسكرية أو أجنبية.

هذه هي الأجندة التي وحّدت الشعب، وأشعلت الثورة أو مكّنتها من الاشتعال والاستمرار. وفي السياسة، ليست هناك هويات أو ولاءات ثابتة، وإنما أجندات/ مشاريع تعكس مصالح خاصة بفريق أو تعبر عن تقاطع مصالح جماعات مختلفة، لا يستمر ولاؤها وترابط مصائرها إلا بمقدار ما يبدو المشروع الجامع كفيلا بتحقيق هذه الأجندات الخاصة، أو ضامنا لتحقيقها عاجلا أو آجلا. وبالعكس، حالما تظهر استحالة تحقيقها ينفرط عقد الولاء، مهما كانت اعتقادات أفرادها ومجموعاتها وقراباتهم الروحية والأنثروبولوجية والبيولوجية. الأسرة ذاتها تفقد مبرّر وجودها إذا انحرف أعضاؤها عن غاية وجودها واستخدموها لأغراضٍ ليست أغراضها ومصالح لا ترتبط بما يبرّر وجودها.

لن ننجح في تحقيق أي أجندة خاصة، إذا استمرّ كل فريق منا يراهن على إقصاء الفريق الآخر أو تجاهل مصالحه وحقوقه

وليست الأمة بالمعنى السياسي الحديث للكلمة، وليس بمعنى أمة العقيدة الواحدة الدينية أو الثقافية، سوى إحدى هذه الأجندات أو مشاريع العمل التي يتصدّر قائمة أهدافها تحقيق الحرية والعدالة والمساواة لأعضائها جميعا. وكل الفلسفة السياسية الحديثة قائمة على التفكير والتأمل في الطرق والوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف أو السبل الأفضل لتحقيقها، فالأمة هي صفة الشعب عندما يصبح مالكا زمام أمره بيده، ومسيطرا على قراره ومصيره، ويحظى بالسيادة على الدولة التي تدير شؤونه، وبالاعتراف به مصدر السلطات ومرجعها. ومن هذه السيادة والاعتراف بملكية الشعب وحق كل فرد في المشاركة في تقرير مصير المجتمع ككل، تولد المواطنة، وعليها تتأسّس الديمقراطية نظام حكم ونظرية في السياسة ومنبع أخلاق الحرية في مقابل أخلاق العبودية والولاءات الشخصية. لذلك لا تولد أمةٌ من إضافة جماعات لبعضها بعضا، وإنما من جبر المبادئ والقيم والسيادة.

(3) لن تولد من اغتيال الثورة الشعبية أي حقوق أو حريات، فردية أو عامة

من هنا، أصبح من الصحيح جدا القول إن الديمقراطية تشكل اليوم جوهر المسألة الوطنية، وإن العمل من أجل الديمقراطية يتطابق مع تعزيز السيادة الوطنية، ويشكل غيابها تأهيل الديكتاتورية والاستبداد، وهذا واضحٌ كالشمس، مع الخيانة الوطنية والتواطؤ مع الاحتلالات الأجنبية والتفريط في سيادة الدولة والشعب، فالالتزام بمبادئ الديمقراطية هو المعيار لصلاح المشاريع السياسية الخاصة، حزبية كانت أو مناطقية أو قوموية أو دينية.

لن نستطيع بناء مشروع وطني، ولا إنتاج قوى سياسية حية، متضامنة وقادرة على التحرّك على الساحة الداخلية والخارجية بصدقية، ما لم نوحّد الأجندات المتباينة والمتنازعة الراهنة التي تسيطر على الساحة السورية السياسية، في إطار أجندة جامعة توحد القوى، وتنسق بينها، وتحدّد الأولويات، وتصوغ الخطط المطلوبة لإنجازها، أي أيضا من دون أن نعمل معا.

ولن ننجح في ذلك، ما لم نجعل من بناء سورية ديمقراطية واحدة غايتنا، ومن الكرامة والحرية والندّية والمساواة القيم التي تجمعنا. فهذا هو الفكر الذي يجعل مشاريعنا ومصالحنا الخاصة تتسق وتتناغم مع بعضها، ويصبح تحقيقها جزءا من تحقيق المصلحة العامة، أي أيضا عاملا مشاركا في صنع جماعة وطنية وأمة ناجزة.

لن يعوّض الأفراد والجماعات التي هضمت حقوقهم في العقود الطويلة الماضية، سوى بناء دولة الحرية لعموم السوريين

في المقابل، لن ننجح في تحقيق أي أجندة خاصة، إذا استمرّ كل فريق منا يراهن على إقصاء الفريق الآخر أو تجاهل مصالحه وحقوقه، ولن يكون هناك أي إمكانية لوضع أجندة عامة، ولا أمل في إقامة أي سلطةٍ ديمقراطية. إن إعطاء الأولوية للدفاع عن حقوق خاصة على حساب الحقوق العامة لا يحقق أي هدف، ولا يحقّق مطلب الهوية، ولا يضمن أي تنمية إنسانية، فما بالك بضمان الحريات والحقوق والمساواة للجميع؟ إنه يقود إلى تكريس الاستبداد وتفاقم الانقسام وتعدّد نقاط النزاع، ويحول المنطقة إلى جغرافية طاردة لسكانها وغير صالحة للحياة. فقط من خلال تحرير الحياة السياسية والمدنية، وإقامة سلطة ديمقراطية، نحرّر النساء والرجال، والأقليات والأكثريات، والكرد والعرب والتركمان والآشوريين والسريان وغيرهم. ونخلق شروط التنمية الإنسانية التي تلبي مطالب الأفراد الأكثر حاجةً للكرامة، وتطلعات الجماعات الدينية والقومية للهوية، من دون المغامرة بتفجير مزيد من النزاعات التي تقضي على أي إنجاز، وتضع حياة أفرادها أنفسهم، في خطر دائم.

ولن يعوّض الأفراد والجماعات التي هضمت حقوقهم في العقود الطويلة الماضية، سوى بناء دولة الحرية لعموم السوريين. وفي المقابل، لن يؤدي تفكيك سورية أو إضعافها لصالح أجندات خاصة، طائفية أو مذهبية أو قومية أو مناطقية، إلا إلى مزيد من الفوضى والاضطراب وحرمان جميع أبنائها، أقلياتٍ وأكثريات، مسلمين ومسيحيين، شيعة وسنة، علويين ودروز، مرشديين وإسماعيليين، من أي أملٍ في تحقيق تطلعاتهم المشروعة للعمل المنتج والمشاركة السياسية والعدالة والسلام والسعادة والكرامة.

هل يشكل تنوع سورية وجمهورها عقبة أمام وحدتها وتكامل مناطقها وإقامة سلطةٍ ديمقراطيةٍ تساوي بين جميع أبنائها؟ بالعكس، إن وحدة سورية ودمقرطتها مهمة وضرورية، بالضبط بسبب تنوع ثقافاتها وتعدّد تيارات الضغط والتأثيرات الخارجية: الثقافية والسياسية والاستراتيجية الواقعة عليها، فمن دون هذه الوحدة سيكون أسهل على الطامعين فيها التسلّط على أشلائها واستتباعها، ويزيد من شهوتهم لابتلاعها قطعة قطعة.

ولا توجد وسيلةٌ لتحقيق هذه الوحدة وضمان بقائها إلا بالديمقراطية الجامعة. في المقابل، لن يحلّ تقسيمها أيا من المشكلات التي تكمن في جذور أزمتها وانهيار كيانها، ولن ينتج، بأي اسم ووراء أية يافطةٍ جاء، دولا بديلة، ولكنه يعيد مجتمعاتها إلى ما قبل الدولة والسياسة، ويعمّم سلطات الأمر الواقع ونماذج إمارات الحرب والولاءات الشخصية والقبلية، ويجعل الصراعات، ومعها التدخلات الخارجية، خبزها اليومي، ومصدر مأساتها الدائمة. إنه يلغي سورية من دون أن يقدّم أي بديل أو يحل أي دولة مكانها، حتى بالمعنى البسيط للدولة، أي الاحتكار الشرعي للعنف والقدرة على إقامة سلطة القانون.

البديل الحتمي لغياب سورية ديمقراطية هو سورية مسرح الحروب الأهلية، المتقاطعة مع الحروب والنزاعات الإقليمية والدولية

وبالمثل، لن يكون هناك عدالة لأحد مع القبول بالظلم لآخر، ولا حرية لأي فرد إذا ساد الاستعباد أقرانه، ولا ازدهار وتنمية لمنطقةٍ إذا بقيت الأخرى خرابا، ولا حكم قانون في أي بقعةٍ ما دام الولاء لمليشيات سلطة الأمر الواقع عملةً رائجة، ولا سيادة أو قرار مستقل في أرضٍ انتزع من شعبها الحق في القرار والسيادة، فإما أن يعيش الجميع أحرارا متساوين، متمتعين بكامل حقوقهم، معا، أو يغرقون جميعا في الفوضى والخراب، كما هو حالهم الآن في بلدان المليشيات "الولائية" السائبة. مع العلم أن خطر انحسار حكم الدولة ونظامها هذا لا يهدّد مجتمعات المشرق وحدها، ولكنه يتمدّد على مساحاتٍ واسعةٍ من المعمورة، ويهدّد استقرار المنظومة العالمية التي تكاد ازدواجية المعايير وتجاهل مصالح الشعوب الضعيفة والاستهتار بمصيرها تدفع بها إلى دورة من العنف التاريخي التي لن يكون من السهل الخروج منها ولا إدارتها.

لم يكن القول "إما أن تكون سورية ديمقراطية أو لا تكون" صادقا في أي وقت، مثلما أصبح عليه بعد عقد من الثورة المضادّة الوحشية. ولا تكون ديمقراطية إذا تفرّقت أشلاء وشيعا وإمارات وسلطات أمر واقع، وإنما عندما تنجح في لمّ أطرافها وتجميع قواها وتوحيد مناطقها وتعميم قيم التضامن بين أبنائها وتحسين شروط معيشة جميع سكانها. والبديل الحتمي لغياب سورية ديمقراطية هو سورية مسرح الحروب الأهلية، المتقاطعة مع الحروب والنزاعات الإقليمية والدولية، والتي تغذّي بعضها بعضا، وتتحور وتزيد خصوبة باقترانها وتلاقحها وترابط مفاعيلها.

=========================

وجهة نظر : قانون العار والاستباحة القانون 49/1980

زهير سالم

مركز الشرق العربي

7/ 7/ 2021

قانون العار الأسدي ..وأقل هزالا منه قانون الحاكم بأمر الله ..تحريم أكل الملوخية ...

وقد كان الحاكم بأمر الله العبيدي أنموذجا في العبثية والهزال، في تاريخ مصر والمصريين. يغضب يوما على المسلمين فيقرب النصارى، ويغضب على النصارى فيقرب اليهود، حتى يقول الحسن بن خاقان مخاطبا أهل مصر :

يهود هذا الزمان قـد بلغـوا ...غاية آمالهم وقد ملكوا

العز فيهـم والمـال عندهـم ..ومنهم المستشار والملك

يا أهل مصر إني نصحت لكم ..تهودوا قد تهـود الفلك ..

ويغضب الحاكم بأمر الله على الكرمة فيأمر بقلع الكروم واجتثاث الدوالي ، ويكره " الملوخية " فيصدر مرسوما بمنع أكلها، وحرمة زرعها، ومعاقبة آكليها...

ولكن الحاكم بأمر الله المختل العبيدي لم يقل بمعاقبة من أكلها ، من قبل وإنما اكتفى بمعاقبة من سيأكلها من بعد ، وهذا الاحتياط يوضح معنى قولنا تطبيق قانون الجريمة 49/ 1980 / بأثر رجعي، فكيف يحكم بالإعدام بطريقة تشمل أجيالا من الأموات والأحياء ومنهم كان الوزراء والنواب والحكماء...

أريد بالقانون 49/ 1980 الذي قضى منذ ذلك اليوم بالحكم بالإعدام على جميع منسبي جماعة الإخوان المسلمين أن يغطي بطريقة قانونية مدعاة وبائسة على عشرات الألوف من جرائم القتل نفذت وما تزال بحق السوريين في ليل بهيم ، وشتاء طويل ..

وأريد من هذا القانون غير الدستوري أن يكون غطاء لكل الجرائم التي سبقته والتي تلته، والتي ستليه الزمان ..

كان الإخوان المسلمون في سورية قبل تأسيس جماعتهم 1946 وجودا بنيويا مكينا من المشهد الوطني السوري على المستوى الديني والفكري والسياسي والاجتماعي ، وجود عمره عمر الفتح وعمر الإسلام وعمر المسلمين . كان هذا الوجود وسيظل - وإن رغمت أنوف _ زبانية محاكم التفتيش . وجود الإخوان المسلمين في سورية ، مشتق من وجود الإسلام والمسلمين فيها ، وهو وجود حقيقي بنيوي، لا يتحيز تحت اسم وعنوان، كما يظن الطارئون على المشهد أو على عوالم الفكر والسياسة وجغرافيا الشام المبارك العريق. و" اسم الإخوان المسلمون " عنوان لحالة وجودية يعبر عنها في صور واقعية أكثر بهاء ورواء مما يعتقد الأدعياء والطغاة والمستبدون ...

جماعة الإخوان المسلمون في الشام ...

وما يكُ من خير أتـوه فإنمـا ...توارثه آبـاء آبائهـم قبل

وهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه ... وتغرس إلا مواطنها النخل

وإن لم تنبت أرض الشام المباركة إسلاما وإيمانا وإحسانا وصبرا ومصابرة وجهادا ومقاومة؛ فقولوا لي بربكم ماذا تنبت ...

وهل الذين اندفعوا في كل محافظات الشام يردون على السفيه " إبراهيم خلاص" يوم زعم أن " الله والأديان والإسلام والمسيحية دمى محنطة في متاحف التاريخ ، كانوا من الإخوان المسلمين ؟؟؟ أو أن الصحيح أن الإخوان المسلمين كانوا منهم وفيهم والشعار دائما " المسلم للمسلم كالبنيان" هل الذين اعتصموا في جامع السلطان في حماة أو في الأموي في دمشق يواجهون دبابات حاطوم وماطوم وساطوم كانوا من الإخوان المسلمين، أو الإخوان المسلمون كانوا منهم كما الظفر في اللحم ، نبؤني بعلم إن كنتم تعلمون ، ويوم معركة الدستور وتموج الأرض تحت أقدام حافظ الأسد ، ويوم إضراب النقابات نقابات الأطباء والمهندسين والصيادلة والمحامين، ويخرج على الناس هلعا يعلن أنه مسلم ويصلي ويعقد في صلاته اليسرى على اليمنى لعلكم تتفكرون ..

الإسلام في سورية وجود حي حيوي فعال والإخوان المسلمين أحد تعبيراته في هيئة الحصن والدرع ورأس الرمح ، ولذا بهم يبدأ أصحاب القرون ...

وأوهى قرنه الوعل ...

وقانون العار 49/ 1980 هو قانون الاستئصال، على طريق ما سماه صاحب القانون من بعد " المجتمع المتجانس " الذي يضج بالأنانية الطائفية المقيتة،التي تكره الإنسان، وتعادي الحرية ، وترفض التعدد، وتصادر حرية الحلم والفكر والاعتقاد والحركة ...

وكان قانون العار منذ شرع 1980 جسرا للظلم ، ولتعميم الاتهام ، ونحن في جماعة الإخوان المسلمين نعلم أن أعداد المواطنين السوريين الذين قتلوا بهذا القانون العدمي الظالم ، على التهمة، وليس لجهل المتهِمين، عشرات الألوف. فالذين تم إعدامهم على مدى خمس مائة أسبوع في سجن تدمر ، اعترف بالتوقيع على إعدامهم وزير دفاع ملكات الجمال وفنون الطبخ وتنسيق الزهور مصطفى طلاس، لم يكونوا بالمعنى التنظيمي من الإخوان المسلمين، وإن كان الإخوان المسلمون ممن يتطيبون بطيب أريجهم ، ويتزينون بمثل صبرهم وثباتهم ..وبكل الحب نناديهم نحن والله منكم يا إخوة الدرب أيها الأوفياء الذين سبقتم ..

كان المرسوم الذي حوله حافظ الأسد إلى "مجلس الدمى" قبل 24 ساعة من إقراره، ليقر على عجل جريمة

وكان إقرار المرسوم في "مجلس الدمى" وقبل استيفاء استحقاقاته الدستورية في مثل هذا اليوم من عام 1980 جريمة أكبر وأشنع ..

وكانت متتاليات جرائم القتل التي ارتكبت باسم هذا القانون على مدى نصف قرن، جريمة أكبر وأكبر ..

وكان صمت المجتمع الدولي عن تشريع مثل هذا القانون جريمة رابعة ..

وكان تغاضي منظمات حقوق الإنسان التي لا تزال تصدر تقاريرها لإبطال عقوبة الإعدام بحق المغتصبين والقتلة المتسلسلين، جريمة خامسة ..

ثم غمغمة ما تسمى هيئات المعارضة السورية بعد هذه الثورة المباركة والنكوص عن الإدانة الصريحة لهذا القانون، فلا نكاد نسمع مطالبة مباشرة لإلغائه جريمة سادسة ...

وصمت الصامتين عن شرعنة قتلنا وتشريدنا وحرماننا من أوطاننا ثم التحافنا إياهم، وبكاؤنا على موتاهم جريمة سابعة ...

نتذكر كيف وقف أعضاء من "مجلس الشعب " السوريين الحقيقيين في مثل هذا اليوم يرفضون هذا القانون، ويحذرون من تبعاته، ومن تبعات الدماء التي ستستباح باسمه، ولأولئك السوريين الوطنيين الأوفياء بكل خلفياتهم ...

نزجي التحية ..

الله أكبر ولله الحمد ...

عن نفسي وعن كل سوري صدق وقضى بظلم هذا القانون فمضى

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

كيف يفكّر الأسد اليوم؟

رضوان زيادة

العربي الجديد

الاحد 3/7/2021

هناك حقلٌ ممتعٌ في العلوم السياسية، يقوم على المدرسة السلوكية في حقل السياسة. تفترض هذه المدرسة أن المؤسسات السياسية في الدول التسلطية أو الدكتاتورية هي في غاية الهشاشة والضعف، ولذلك لا تعمل بشكل مؤسسي. والهدف من هياكل المؤسسات الموجودة السيطرة أكثر من أن تعمل من أجل تحقيق أهدافها السياسية المناطة بها، فالبرلمان لا يعمل بوصفه صوت المواطنين، ووسيلةً لتحويل الغضب الشعبي إلى داخل قبة البرلمان، كما في الديمقراطيات. بالعكس، للبرلمان في الدول التسلطية وظيفة وحيدة، منح المزايا للموالين، عبر منحهم مقاعد للبرستيج الاجتماعي وراتبا تعويضيا إذا كانوا في حاجة له بالنسبة لبعضهم. وهكذا ينطبق القول على المؤسسات الأخرى، كالقضائية والتنفيذية.

إذا كانت هذه المدرسة السلوكية تفيد في دراسة الأنظمة السياسية للدكتاتوريات، فإن الطريقة الوحيدة هي دراسة السلوك الشخصي والنفسي للدكتاتور بوصفه الدولة ذاتها، كما قال لويس الخامس عشر قديما "أنا الدولة والدولة هي أنا". ولذلك بدأت الكتابات والدراسات تكثر في التحليل النفسي والسلوكي للدكتاتوريين بشكل خاص، إذ ربما نستطيع، مع هذا التحليل، معرفة أو على الأقل توقع ردة فعل هذا الدكتاتور أو الدولة تجاه بعض أزمات السياسة الخارجية. ولذلك تعتمد وزارة الخارجية الأميركية على سبيل المثال على محللين من هذه المدرسة السلوكية في قراءة ردّات فعل زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، فليس من المهم قراءة البيانات الحكومية بقدر ما هو مهم التركيز على تحليل السلوك الشخصي للزعيم الذي سيحكم حتما ردّة فعل الدولة في سلوكها التصويتي أو العدائي أو حتى خلال الحرب.

هذا النوع من الطغاة يصبح أكثر خطورةً مع الوقت. وفي الوقت نفسه، تصبح قضية إزالته أو القضاء عليه أقل أولويةً لأن كلفتها أكثر ارتفاعا

في السياق نفسه، من الأهمية بمكان تتبع السلوك الشخصي لبشار الأسد، حتى يمكن توقع ردّة فعله تجاه الأزمات المستقبلية التي تعتري نظامه الذي يخضع لعقوبات أميركية وأوروبية، وفي الوقت نفسه، يواجه تجاهلا أو إهمالا عربيا ودوليا. في الحقيقة، المخزن الرئيسي لهذه المعلومات مصدران رئيسيان: الأول "الإيميلات" (الرسائل) المسرّبة من خلية الأزمة. تُظهر "الإيميلات" التي كان يرسلها إلى زوجته وحماه ومستشارته الإعلامية لونا الشبل، وغيرهم من المقرّبين، دوما شخصا متردّداً، لا قدرة له على اتخاذ قرار حاسم. وفي الوقت نفسه، تظهره شخصا يعرف تماما ما يدور حوله، لكنه يريد طرقا من أجل التحايل على الحقيقة والواقع. وربما هذا ما يفسر دوما اتهام الزعماء الذين قابلوه له بالكذب دوما. وهذا ما يظهر أيضا في الكذب، أحيانا الغبي منه، أمام الكاميرا، عندما يجري مقابلة مع صحافي أجنبي لا يتردّد في سؤاله أسئلة محرجة، فيضطر للكذب في الإجابة عنها.

يكرّر الأسد تقريبا الكلمات نفسها في هذه المقابلات، ويعيد العبارات نفسها منذ بداية الانتفاضة في مارس/ آذار 2011، وكأنه يعيش في عالمه الخاص الذي نسجه من خياله، أنه قادر على العودة بسورية إلى ما كانت عليه قبل مارس 2001. وبالمناسبة، هذا ما نصحته به زوجته في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، أن يكرّر العبارات نفسها، فهي ربما ترسخ في الإعلام الغربي بوصفها "حقائق".

شخصية مهزوزة، وعنيفة في آن، تفتقد للثقة، وسادية في التعامل مع من تعتبره خصما

المصدر الثاني للمعلومات عن الحالة النفسية والسلوكية للأسد مقابلة الأشخاص الذين التقوا معه وقابلوه في فتراتٍ مختلفة، حيث يتأكد هنا وصفه شخصية تتلاعب بالكلمات، يغيّرها خوف أن تُحسب عليه، ثم ينقلب عليها فيتهم بالكذب، وهذا طبعا فرق كبير بين شخصيته وشخصية والده حافظ الأسد الذي كان يدرك وزن الكلمة بالنسبة لرئيس الدولة، وكان أكثر ثقةً بنفسه. أما بشار الأسد، كما كشف عبد الحليم خدام الذي كان نائبه ست سنوات، أنه يغير رأيه مع لقاء آخر شخص يلتقيه. ليست لديه القدرة على تمحيص الآراء، واتخاذ الأفضل منها. وإذا ما اجتمعت كل هذه الصفات مع الرغبة في التدمير وصفات والده الأسد الأب في العناد والصلافة والقسوة، فإنها تفسّر تماما ما وصل إليه الشعب السوري اليوم من تدمير وتشريد من دون أن يرفّ للأسد جفن.

قد يكون حال الأسد وكلماته نموذجيا لأي دكتاتور. رأينا ذلك من قبل مع هتلر، صدّام حسين، وميلوسيفيتش، وغيرهم ممن يعتقدون أنهم سيكونون قادرين على كسب الحرب، حتى وهم يعيشون في مخابئهم السرية. ويكشف تاريخ معظم الطغاة عن ممارسات شبيهة لما يقوم به الأسد اليوم، فهو يعيش في فقاعته الخاصة به. وهذا النوع من الطغاة يصبح أكثر خطورةً مع الوقت. وفي الوقت نفسه، تصبح قضية إزالته أو القضاء عليه أقل أولويةً لأن كلفتها أكثر ارتفاعا.

ربما نحتاج مصادر أخرى للمعلومات، لتحليل شخصية الأسد بدقة أكبر. لكن المؤكد أننا أمام شخصية مهزوزة، وعنيفة في آن. تفتقد للثقة، لكنها سادية في التعامل مع من تعتبره خصما، ربما تحصل هذه الصفات من والده، لكن صفة الكذب التي امتاز بها تبدو حصرية خاصة به.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com