العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11-04-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

هيئة الانتخابات السورية بين النظام والائتلاف والإدارة الذاتية

حسان الأسود

العربي الجديد

الخميس 8/4/2021

أعلنت الإدارة الذاتية لمنطقة شمال شرق سورية، المتمثلة بمجلس سورية الديمقراطي (مسد)، على لسان نائب رئيس الهيئة التنفيذية فيها، حكمت حبيب، قبل أيام، في مقابلة أجراها معه موقع "الحل نت"، عن إنشائها مفوضية عليا للانتخابات، تمهيداً لإجراء انتخابات شاملة خلال المرحلة المقبلة في مناطق سيطرتها. وأضاف أنّ "تشكيل مفوضية عليا للانتخابات جاء نتيجة لعمل لجنة المتابعة المنبثقة عن مؤتمر أبناء الجزيرة والفرات التي لا تزال تعقد اجتماعاتها دورياً وبشكل شهري"، مؤكّداً أنّ "الانتخابات ستجرى خلال المرحلة المقبلة، بهدف إتاحة الفرصة والدور لمن كان في المنطقة الرمادية للمشاركة في الإدارة الذاتية".

وتأتي الخطوة المتّخذة من الإدارة الذاتية دليلاً واضحاً على أهميّة هذا الملف، مع الأخذ بالاعتبار الظروف المحيطة به، والمسارات الموازية في مناطق سيطرة النظام من جهة، وقوات المعارضة المدعومة من تركيا من جهة ثانية، وقوات هيئة تحرير الشام من جهة ثالثة، وبغضّ النظر عن طريقة إخراجه وآليات تنفيذه ومدى شموله. ولا بدّ من قراءتها ضمن هذا السياق، خصوصاً أنّ تحضيرات نظام الأسد لإجراء انتخابات رئاسة الجمهورية تجرى على قدم وساق في مناطق سيطرته، ولا تقدح في جدّيتها التصريحات المتضاربة لحلفائه الروس، والتي يقصد منها المماطلة كسباً للوقت لا أكثر، خصوصاً وأنّ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية كان قد أصدر، قبل عدّة أشهر، قراراً مماثلاً بإنشاء مفوضية وطنية للانتخابات، لكنّه ما لبث أن تراجع عن قراره هذا تحت ضغط الشارع الثوري.

استدركت الإدارة الذاتية الخطأ الذي وقعت به قوى الثورة والمعارضة، عندما تجاهلت أهمية الانتخابات بوصفها أحد أسباب اكتساب الشرعية للسيطرة الفعلية على الأرض

وقد يخطر ببال حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، في مقبل الأيام، أن تعلن عن إنشاء هيئة مشابهة، خصوصاً أنّها تتبّع سياسة تصفير المشكلات مع الأميركيين بالدرجة الأولى، وهذا ما بات واضحاً في المقابلات الصحافية المتكرّرة لقائد الحركة، أبو محمد الجولاني، الذي يعتقد أن من الممكن للمجتمع الدولي قبول وجود إمارة إسلامية معتدلة شمال غرب سورية، إذا ما قبلت أميركا ذلك، وما يشجّعه كثيراً هو التحوّل الكبير في السياسة الأميركية تجاه حركة طالبان. أمّا عقدة كون الديمقراطية كفراً في معتقد الحركة، فهي عقبة صغيرة يمكن تجاوزها، عندما تكون المصلحة السياسية واضحةً لدى قادة هذا التنظيم، فقليل من الديماغوجيا الإعلامية قادر على مسح الشعارات الرنانة ولحس عقول الأتباع.

الانتخابات من أهم الأدوات الدستورية السياسية للتعبير عن الإرادة الشعبية. وفيما يخصّ الملف السوري، ورد ذكرها ضمن قرار مجلس الأمن رقم 2254 إحدى الخطوات النهائية لحلّ الصراع الدائر منذ عشرة أعوام. وتأتي أهميتها بتطبيقها بالترتيب، بعد إنجاز خطوات حسن النية المتعلقة بإطلاق سراح المعتقلين، وبعد تأمين البيئة الآمنة والمحايدة، وبعد تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات، وبعد كتابة الدستور التوافقي. وأكثر من ذلك، ربطت جميع القوى الفاعلة بالملف السوري مسألة إعادة الإعمار ورفع العقوبات بموضوع الانتقال السياسي الحقيقي وفق مقرّرات بيان جنيف 1 والقرارات الدولية ذات الصلة، وقد أوضحت الإدارة الأميركية، وكذلك الاتحاد الأوروبي، بصراحة موقفهما الرافض أية انتخابات يجريها نظام الأسد خارج إطار التوافقات الدولية.

لن يكون الحل بيد طرف واحد في سورية، لا النظام ولا قوى الثورة ولا قوى وسلطات الأمر الواقع، بل سيكون مشتركاً بينهم جميعاً

استدركت الإدارة الذاتية الخطأ الذي وقعت به قوى الثورة والمعارضة من قبل، عندما تجاهلت أهمية الانتخابات بوصفها أحد أسباب اكتساب الشرعية للسيطرة الفعلية على الأرض. من هنا جاءت خطوتها هذه للبدء بعمليات تحضير واسعة للبنى التحتية الخاصّة بالانتخابات، وهذه ستشمل من بين مفرداتها تدريب الكوادر الفنية المختصّة على خوض غمار المراقبة والمتابعة لمجمل مفاصل العملية الانتخابية. وهذه النقطة من أهم النقاط التي لم تستوعبها قوى الثورة والمعارضة السورية، فهي أسيرة شعارات جامدة وخطابات خشبية، وكأنّ سورية لم تنقلب رأساً على عقب خلال الأعوام العشرة المنصرمة.

للعمل على إنجاح الانتخابات، لا بدّ من القيام بتحضيرات كثيرة تبدأ الآن. ولعلّ أهمّ خطوات مشروع انتخابات ناجحة إنجاز بنية تحتية ملائمة، فلا بدّ من أن تتضمّن هذه البنية القواعد الدستورية والقانونية، أي البنية التشريعية اللازمة، من حيث قوانين الانتخابات والأحزاب والإعلام، وغيرها مما يتصل بشكل مباشر بالعملية الانتخابية، وكذلك ترتيب العلاقة بين السلطات التنفيذية والقضائية، وتوزيع الأدوار وإدارة العملية من جهة واحدة مستقلة، وهذا ما تعمل عليه الإدارة الذاتية بشكل ممنهج، فحتى لو خلصت العملية السياسية إلى غير ما ترغب هذه القوى من إعلان دولة مستقلة، أو إقليم منفصل، أو حتى حكم شبه ذاتي، فإنها تكون قد أسّست لبنية تحتية قابلة للتطوير ضمن إطار فيدرالية ضيقة، أو حتى لا مركزية إدارية موسّعة.

على الجميع أن يدرك أنّ الزمن الضائع ثمين، ومن يتحضّر باكراً للمشاركة في العملية السياسية سيقطف الثمار الناضجة

لن يكون الحل بيد طرف واحد في سورية، لا النظام ولا قوى الثورة ولا قوى وسلطات الأمر الواقع، بل سيكون مشتركاً بينهم جميعاً، وسيكون بالأدوات الشرعية التي يعرفها المجتمع الدولي ويعترف بها، وأهمها الانتخابات. لم تستوعب أغلب قوى الثورة والمعارضة بعد أنّ الأمور لا تأتي بدون مقدمات، وأنّ الانتصارات لا تتحقّق برفع الشعارات فقط من دون امتلاك أسبابها. لم يقتنع فرسان "السوشيال ميديا"، الذين كان لهم، بالمناسبة، الدور الأكبر في تراجع "الائتلاف" عن قراره، بأنّ إنشاء مفوضية وطنية للانتخابات ضرورة ملحّة، وليس ترفاً أو تزيّداً لا طائل منه.

وجود جهة مستقلة حيادية احترافية قادرة على إدارة الانتخابات، بمستوياتها الرئاسية والبرلمانية والمحلية في سورية المستقبل، أمرٌ لا غنى عنه، وعلى القوى المقابلة للنظام السوري أن تبدأ ببناء مؤسساتها التي ستصبح في المستقبل جزءاً من بنية الدولة السورية الجديدة، بعد زوال نظام الاستبداد. بدون كوادر مؤهلة ومدرّبة قادرة على إدارة العملية التنافسية بشكل محترف، ستتمكّن قوى النظام القديم من الفوز بأية انتخابات مقبلة، فالمسألة تقنية إلى جانب أنها جزء من العملية السياسية، ومن يمتلك الأدوات يمكنه الوصول إلى الأهداف.

على الجميع أن يدرك أنّ الزمن الضائع ثمين، ومن يتحضّر باكراً للمشاركة في العملية السياسية سيقطف الثمار الناضجة، ومن يتخلّف عن العمل أو يمتنع تحت شعارات وحجج واهية سيبقى خارج اللعبة. وعلى السوريين أنّ يتعظوا من تجربة القوى السياسية في العراق. أدركت الأحزاب المشاركة في مجلس سوريت الديمقراطي ذلك، وتعمل عليه بكلّ جد وإخلاص، والنظام يملك مؤسسات الدولة بطبيعة الحال، فهل تدرك قوى الثورة والمعارضة الأمر، أم تبقى نائمةً في العسل، تحلم بزرقة السماء وروائح الياسمين وأصوات العصافير؟

=========================

كلفة التخلص من الأسد

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 8/4/2021

تقاطعت خطوط عدة، في الآونة الأخيرة، ساهمت في إشاعة أوهام لدى سوريين معارضين لنظام الأسد الكيمياوي بشأن اقتراب لحظة التخلص منه. من ذلك أن «المجتمع الدولي» بدوله ومنظماته المختلفة، أصدر، بالتزامن مع انقضاء عشر سنوات على بداية الثورة السورية، بيانات وتصريحات يمكن اعتبارها متشددة تجاه النظام، رفض فيها الاعتراف بشرعيته أو شرعية الانتخابات الرئاسية التي يستعد لإجرائها «بمن حضر» من السوريين، بعد استبعاد نصف السكان بين لاجئين ونازحين ومعتقلين، وبعد تجويع وتركيع النصف المتبقي «في حوزته». ورفضت تلك الدول والمنظمات أي مساهمة في إعادة الإعمار قبل الشروع في الحل السياسي وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

… ومنها الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الخانقة التي تعاني منها مناطق سيطرة النظام، إضافة إلى مفاعيل انتشار وباء كورونا في ظل غياب أي موارد لمواجهته. ومنها تحركات دبلوماسية بدا وكأنها تشي بجديد بعد انسداد أفق الحل السياسي على الطريقة الروسية، كجولة لافروف الخليجية وإطلاق «آلية ثلاثية» جديدة للتعامل مع المسار السياسي، حلت بموجبها قطر محل إيران في آلية آستانة. وبموازاة ذلك تطايرت في الفضاء الافتراضي سيناريوهات ومشاريع سياسية أبرزها «المجلس العسكري».

… ومنها بداية اهتمام الإدارة الأمريكية الجديدة بالمشكلة السورية، سواء في مجلس الأمن أو من خلال بعض تصريحات المسؤولين الأمريكيين.

بالنسبة للنقطة الأخيرة اتضح أن إدارة جو بايدن لا جديد لديها بشأن سوريا غير مواصلة فرض العقوبات على النظام وتشديدها باطراد، كآلية وحيدة للضغط عليه «بهدف دفعه إلى السير قدماً في العملية السياسية» أو لفتح المعابر للمساعدات الدولية المخصصة للنازحين، ومن جهة أخرى مواصلة دعم «قوات سوريا الديمقراطية» في منطقة نفوذها شرقي نهر الفرات. بالمقابل، كان الناطق باسم الخارجية الأمريكية واضحاً في قوله: «ليس لدى الولايات المتحدة أي نوايا لهندسة تغيير نظام الأسد» في استئناف للسياسة الأمريكية تجاه سوريا في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، بل بسقف أكثر انخفاضاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كلاً من وزارة الدفاع والمخابرات المركزية في عهد أوباما الأول كانت لهما أنشطة تدخلية في الصراع العسكري، لفترة محدودة، سرعان ما توقفت حتى قبل تلزيم الصراع السوري لروسيا بدءًا من خريف العام 2015.

أما النشاط الظاهر لشخصيات معارضة، في الآونة الأخيرة، وإطلاقها مشاريع وأوهام بقرب نهاية النظام، فتلتقي فيه طموحات شخصية لدى معارضين يريدون لعب دور سياسي، ودول إقليمية تتنافس على مناطق وميادين نفوذ جديدة لتثبت أهميتها وقوتها في المعادلات الإقليمية والدولية. ينطبق الأمر ذاته على الفصائل العسكرية المعارضة أيضاً، ويمكن قراءة الفيلم الوثائقي الذي صوره صحافي أمريكي مع أبي محمد الجولاني، وتسربت بعض عناوينه إلى وسائل الإعلام، في الإطار نفسه، حيث يسعى الجولاني إلى تسويق منظمته لدى الرأي العام الغربي.

سأقترح هنا قراءة أخرى، متشائمة، للتطورات المذكورة، وأتمنى أن أكون مخطئاً فيها.

يكثر السوريون المعارضون من تذكير المجتمع الدولي بالكلفة الهائلة لبقاء الأسد، لكن المجتمع الدولي يفكر بالكلفة الهائلة للتخلص منه

حين تظهر الولايات المتحدة والدول الأوروبية «تشدداً» بلاغياً في وجه النظام الكيماوي، وتربط بين رفع العقوبات والمساهمة في إعادة الإعمار، بإحراز تقدم في تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، فهي تعرف أن النظام لن يرضخ لذلك. ولمَ يرضخ ما دامت سلطته غير مهددة بصورة جدية، حتى لو كانت هذه على جزء من الأراضي السورية فقط، وملايين السوريين الواقعين تحت قبضته، المهددين بالجوع، لن يشكلوا خطراً عليه. فهو مستعد للتعايش مع الاحتلالات الأجنبية، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وتفكك المجتمع، سنوات وسنوات.

بهذا التمسك بالسلطة، مهما كان الثمن، يخدم النظام الكيماوي أيضاً دول الغرب، فيقدم لها الذريعة المناسبة للتنصل من واجباتها. كيف ذلك؟

لنفترض جدلاً أن النظام رضخ للضغوط فوافق على تنفيذ متطلبات الحل السياسي وفقاً لقرارات مجلس الأمن، أو اختصر رأس النظام الأمر على نفسه وتنحى بقرار ذاتي وخرج من سوريا. فما الذي سيحدث في اليوم التالي؟

سيكون على مجلس الأمن أن يتولى أمر إعادة الاستقرار إلى سوريا ما بعد الأسد، وهو ما يتطلب إطلاق ورشة عمل هائلة ومتعددة الوظائف، بموارد فلكية، لإرساء أسس نظام جديد قابل للحياة، وإنهاء الاحتلالات الأجنبية، ونزع سلاح التشكيلات المسلحة لدى جميع الأطراف، وإعادة بناء جيش وقوى أمنية من الصفر، وفرض النظام العام، والبدء بإعادة الإعمار تمهيداً لعودة ملايين المهجرين واللاجئين والنازحين، والمساعدة على إعادة تدوير الاقتصاد بما في ذلك إيجاد ملايين الوظائف.

ما لم يحدث ذلك فالصراعات المسلحة يحتمل جداً أن تستمر بين مختلف المناطق بعد رحيل رأس النظام وحاشيته المقربة، ولن يكون باستطاعة «هيئة الحكم الانتقالية» المذكورة في قرار مجلس الأمن أن تضبط النظام العام بدون أدوات أمنية وعسكرية يتطلب إعادة بنائها الكثير من الموارد البشرية والمادية، ناهيكم عن إعادة عجلة الاقتصاد والتجارة والخدمات العامة للدوران.

لقد رأينا في مؤتمر المانحين الأخير غياب الحماسة لدى الدول المشاركة لتقديم مساعدات إنسانية، فكان المؤتمر نوعاً من بروفا مصغرة لما يمكن أن يقدمه المجتمع الدولي لسوريا، على فرض انتهاء الحقبة الأسدية وبداية سوريا جديدة. قد يكون السيناريو الأكثر واقعية هو أن يتم تعزيز القوات الروسية في سوريا بحيث يصبح بإمكانها ضبط الأمن بوصف روسيا الدولة الوصية أو «المنتدبة» على تركة النظام الأسدي. ولكن ليس لدى المحتل الروسي ما يقدمه في المجالات الأخرى. وهذا ما يعيدنا إلى المربع الأول، أي حاجة المحتل الروسي إلى أموال أوروبية وأمريكية وخليجية، سواء لتمويل إعادة الإعمار أو لدفع كلفة الاحتلال نفسه. ولا مصلحة للدول المذكورة في إغداق الأموال على روسيا بلا مقابل، وتسليمها الدولة السورية فوق ذلك، في الوقت الذي تقول مؤشرات عدة أن حرباً باردة جديدة على وشك أن تبدأ بين روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.

يكثر السوريون المعارضون من تذكير المجتمع الدولي بالكلفة الهائلة لبقاء الأسد، لكن المجتمع الدولي يفكر بالكلفة الهائلة للتخلص منه.

=========================

دور السوريين في إعادة إعمار سوريا

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 8/4/2021

قدر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار في سوريا بما يفوق 254 مليار دولار، رقم يبدو أشبه بالخيال لكن هذه هي الكلفة الحقيقية للتدمير الذي صنعه الأسد وآلته الحربية على مدى عشر سنوات، يجب أن يكون واضحا أن مساهمة المجتمع الدولي ستكون ضئيلة للغاية، وأن العبء الأكبر سيقع على السوريين أنفسهم، كما أن إعادة الإعمار لن تبدأ حقيقة إلا بعد تحقيق الانتقال السياسي فلا يمكن تخيل بدء هذه العملية وطائرات الأسد ما زالت تقصف المدن والقرى السورية.

أحد أهم التحديات في إعادة الإعمار النفسي والبشري هو العدد الضخم للمهجرين واللاجئين السوريين المبعدين عن مدنهم الأصلية المهدمة بفعل الحرب والراغبين بالعودة لمدنهم بعد انتهاء الحرب، هذا العدد الكبير يشكل تحديا بالتخطيط، وأيضا الخراب الكبير في المدن والبنية التحتية يشكل تحديا لسبل الوصول لاستقرار هؤلاء العائدين في مدنهم وبلداتهم الأصلية.

الفرصة هي بنفس هذا العامل فالمهاجرون واللاجئون هم قوة بشرية هائلة يمكن توظيفها في فترة إعمار المدن؛ لتقليل كلفة الإعمار، وإشراك هذه الشريحة في عمليات البناء سيساهم في بناء السلم الأهلي بالوصول بالجميع خلال الحرب نحو أهداف مشتركة في مرحلة البناء.

فالتحدي الرئيسي فيما يتعلق بإعادة الإعمار بعد الحرب هو في إعادة الاستقرار والأمل.

التحدي الثاني هو بتأمين الأموال اللازمة لمشاريع إعادة الإعمار خصوصا مع الدمار الكبير الذي جرى بسوريا، والذي كانت أهم أسبابه الاستخدام المكثف لسلاح الجو من قبل نظام الأسد، فنحن نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات. هذه الميزانيات الضخمة مطلوبة لدولة صغيرة نسبيا ومحدودة الموارد كسوريا، وبالتالي فإنّ ذلك سيجعلها تعتمد على المساعدات من الدول المانحة آخذين بالاعتبار أنّ الوضع الاقتصادي الدولي حاليا ليس بأفضل حالاته بسبب انخفاض أسعار النفط وبطء نمو الاقتصاد العالمي، هذا الأمر يعطينا مؤشراً أولياً أنّ الأموال التي ستمنح لإعادة إعمار سوريا ستكون هزيلة للغاية، وقد لا تغطي التكاليف الأساسية.

التحدي الآخر والمتعلق بالاستقرار هو انتشار الميليشيات المسلحة من الطرفين سواء من قبل نظام الأسد الذي أعطى الضوء الأخضر للميليشيات العراقية والإيرانية واللبنانية للعمل على الأراضي السورية. وأيضا من طرف المعارضة المسلحة من جهة تعدد الفصائل وتفرقها. وبالتالي فإن جلب الاستقرار وإعادة الأمان تبدو مسألة معقّدة وتحتاج لكثير من الجهود الدولية والمحلية.

أمر مهم آخر، وقد ذكرته مرات عديدة، أنه بالنسبة لإعادة الإعمار ليس المهم هو الدمار البنياني لسوريا بل الأهم هو دمار النسيج الاجتماعي السوري، والذي باستمراره وعدم معالجته سيمنع عودة الاستقرار والأمل، وأيضا سيمنع عودة الوحدة السياسية بين الأطراف المجتمعية، من أجل الاتفاق على سوريا المستقبل.

تحدٍ آخر هو العدد الكبير من المهجرين الذين تركوا بيوتهم وأحياءهم حيث نتحدث اليوم عن أكثر من 8 ملايين لاجئ و 10 ملايين نازح داخليا، وبالتالي فإن ثلثي سكان سوريا تقريبا هم من المهجرين عن بيوتهم الأصلية، وعودة هؤلاء جميعا لبيوتهم وأحيائهم ومدنهم الأصلية، سيكون أمرا يمكن وصفه بالمعجزة.

وبالتأكيد هنالك تحديات أخرى، إنما هي أقل أهمية مثل إدارة التوقعات العالية للمواطنين السوريين، من عملية الإعمار ونتائجها خلال المراحل المقبلة.

فإنه وبسبب حجم الأزمة فإن الفرص تبدو شبه منعدمة. ولكن من هذه الفرص، فرصة إعادة تنظيم البناء العمراني في سوريا بشكل أفضل وأحدث مثل التخلص من الأحياء العشوائية.

أيضاً فإنّ مشاريع إعادة الإعمار ستشكل فرص عمل كبيرة للسوريين في الداخل والخارج.

كل هذه تبدو فرصا جيدة وبالتأكيد هنالك مزيد، ولكنني غير متأكد بأننا كسوريين وبالتشارك مع المجتمع الدولي قادرين على تجاوز التحديات الخطيرة التي ذكرت سابقاً والتي تمنع التقدم باتجاه الحل والبدء بالإعمار.

إنّ التحدي الأكبر أمام إعادة الإعمار المادي هو إعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي السوري. فنظام الأسد خلال السنوات الست الماضية عمل بشكل رئيسي على تفريق وتفتيت السوريين والتحريض طائفيا بين الطوائف المختلفة ليستفيد من ذلك تحت مبدأ فرّق تسد، وأنّ بقاءه في الحكم هو الضمان الوحيد لوحدة سوريا الأمر الذي لم يعد صالحاً للتصدير أبداً بعد اليوم بل بعدما تدمر النسيج الاجتماعي السوري بفعل ممارسات ومنهجية تعامل هذا النظام مع الشعب.

لذلك وجب على النظام السياسي الجديد خلق سياسات موازية ترافق إعادة الإعمار من أجل التخلص من السياسات الطائفية السابقة بهدف إعادة اللحمة الوطنية للمجتمع السوري. 

إنّ حجم الجرائم التي حصلت في سوريا تحتم القول إنّه لا يمكن تحقيق السلام من دون العدالة لذلك فإنّ منظومة العدالة الانتقالية هي أداة رئيسية ولا غنى عنها لشق الطريق نحو المصالحة. ونقول ببساطة إنّ سد باب العدالة الانتقالية في المجتمع سيفتح الباب المقابل له وهو سياسة الانتقام الفردي بل والانتقامات الجماعية والتي أضحت أحد سمات الحرب في سوريا اليوم بسبب غياب آليات وتطبيق العدالة بين السوريين. 

وبالتالي فإنّ العمل بمبدأ العدالة الانتقالية خلال الفترة الانتقالية من خلال عملية محاسبة رؤوس النظام الملطخة أيديهم بالدماء، وأيضا عملية بناء وتقوية مؤسسات الدولة المختلفة وكذلك القيام بالتعويضات الضرورية كل ذلك ضروري من أجل تحقيق السلام المستدام.

إنّ من أهم هذه القيم الجمعية هي إيمان السوريين بوحدتهم وإنّ ما حدث بينهم في هذه الحرب كان بسبب سياسات مدبرة من نظام الأسد. فإنْ استطاع جميع السوريين من وضع هذه السياسات المفرقة خلفهم والانطلاق لما سيجمعهم لبناء سوريا معا من جديد فسيكون أمرا ممتازا. عكس ذلك إذا استمرت الخلافات والصراعات حول من يتحمل المسؤولية وأيضا تصاعد للتوترات الطائفية.

أنا اعتقد أنّ القيم الجمعية المشتركة بين السوريين جميعها كثيرة بل وكثيرة جداً. ولعل من أهم هذه القيم المتعلقة بإعادة الإعمار هو امتلاك السوريين لقيمة حب العمل مما سيجعلنا نعتقد أنّ مشاريع إعادة الإعمار ستتم بسواعد السوريين وخلال فترة قصيرة نسبياً.

أما عن الوسائل لبناء القيم الجمعية فيأتي بمقدمتها النخب والتي تقع عليها مسؤوليات سياسية واجتماعية كبيرة جداً خلال الفترة القادمة حيث مطلوب منها تنحية الخلافات الإيدولوجية والسياسية و الطبقية ومن ثم اعتماد المصلحة الوطنية العليا كمشترك وبوصلة لهذه النخب مجتمعة والتي بدورها ستحدد الاتجاه الذي ستسلكه سوريا المستقبل.

عندما نتحدث عن النخب فهم ليسوا القادة السياسيين بل هم أيضا القادة الدينيين والإعلاميين البارزين والقاعدة هنا أنّ كل من له تأثير بالرأي العام بشكل أو بآخر مهما قل هذا التأثير ومهما اتسع، كلهم مؤثرون  بالوعي الجمعي والذي بدوره سيحدد شكل وتوجه سوريا المستقبل.

إنّ عملية بناء الوعي الجمعي للمجتمعات هي عملية تراكمية ومستمرة ولا تحصل بين ليلة وضحاها ولكن بالحالة السورية سيكون من الصعب جداً بل نوع من الترف التركيز على عملية بناء الوعي الجمعي في ظل الصراع العسكري وعدم الاستقرار السياسي. لذلك الأمر الأهم الآن لبدء عملية الوعي الجمعي هو وقف الحرب والبدء بعملية التسوية السياسية مما سيتيح لجميع السوريين صنع التاريخ الجديد لسوريا.

وعندما نتحدث عن السوريين فإننا نتحدث عن جميع المواطنين السوريين دون استثناء وذلك يتضمن حتى من ارتكبوا جرائم من أي طرف وذلك بمثولهم أمام العدالة لطي صفحة الإفلات من العقاب وثقافة اللامسائلة لعصر جديد قائم على سيادة القانون على الجميع والمحاسبة والمسائلة لأي مواطن سوري.

=========================

نيسان مجلس الأمن.. هل يزهر في سوريا؟

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الاربعاء 7/4/2021

نعم أيتها السيدات وأيها السادة، ما سمعناه من إحصاءات وأرقام عن حجم المأساة الإنسانية السورية في جلسة مجلس الأمن التي تترأسها الولايات المتحدة الأميركية على امتداد شهر نيسان (أبريل) الجاري رئاسة دورية، ليس سوى غيض من فيض.

في المقابل، نرى موسكو على لسان ممثلها في الأمم المتحدة ماضية في عنجهيتها، لا تتوقف عن التهديد باستعمال حق النقض (الفيتو) إذا ما أقر مجلس الأمن فتح معابر إنسانية – كانت قد أغلقت بقرار بقرار أممي أيضاً – لإيصال المساعدات إلى مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية في الشمال السوري على جانبي الفرات: شرق النهر حيث المعارضة الكردية حليفة الولايات المتحدة، وغرب النهر حيث المعارضة التي يقودها الائتلاف الوطني السوري وحكومته المؤقتة.

هنرييتا فور رئيسة منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” قالت في الجلسة التي ترأسها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن “إن أسوأ أزمة اقتصادية في سوريا جعلت ما يقارب 90 في المئة من أطفالها بحاجة إلى مساعدات إنسانية”، بينما حثّ بلينكن على فك الربط السياسي بالبعد الإنساني للقضايا العاجلة في سوريا، ملمّحاً إلى دور موسكو في تعطيل وصول المساعدات إلى مناطق المعارضة بحجة حرصها على أمن المعابر. وأشار بلينكن إلى الجهة الحقيقية التي تهدد الأمن داعياً المجلس إلى “أن يتوقف عن تجاهل واقع الحال وإيجاده الأعذار لهجمات موسكو على المشافي بالقرب من المعبر الوحيد المصرّح به، ما أدى إلى إغلاقه”.

ولم يخف نظير بلينكن في الجلسة نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين امتعاضه مما صرّح به بلينكن، متهماً مجموعات إغاثية “بممارسة التمييز ضد المناطق التي تسيطر عليها حكومة الأسد في دمشق بهدف عرقلة تعافي سوريا والحيلولة دون إتاحة الظروف الملائمة لعودة اللاجئين والعمل على تقويض سيادة وأمن البلد بدوافع سياسية تنحصر بكرههم للأسد وحسب”.

كما ألقى باللائمة على العقوبات أحادية الجانب التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مشيراً إلى تأثيرها “السلبي والدراماتيكي” على حالة الاختناق الاقتصادي التي وصلت إليها البلاد.

بدأت المواجهة الدبلوماسية عالية النبرة بين موسكو وواشنطن ترسم ملامحها الأولى منذ مطلع فترة رئاسة الولايات المتحدة لمجلس الأمن، وقد تكون هذه فرصة واشنطن السانحة للضغط في اتجاه تنفيذ قرارات المجلس المعلقة والتي تنتظر أن تتحرك من الأدراج وحبر الوثائق إلى نبض الواقع ولاسيما في ما يتعلق بالقضية الأكثر تعقيداً والأفدح خسارات على المستويات الإنسانية والسياسية والأمنية كافة وهي القضية السورية، تلك التي لم تشقّ طريقها بعد للانفراج ولم يستطع مهندسو القرار 2254 في المجلس إلى الدفع به لدائرة الضوء من أجل السير في درب تحقيق العدالة الأممية المنشودة للشعب السوري الكليم.

فالولايات المتحدة لطالما تحمّلت المسؤولية الإنسانية في منح المساعدات الأعلى للشعب السوري والتي تجاوزت منذ العام 2011 مبلغ 9.5 مليار دولار ووفّرت الغذاء والمأوى والمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والرعاية الطبية والتعليم إلى جانب متطلبات يومية تشتد الحاجة إليها لما يقارب 12 مليون سوري يعانون في الداخل إلى جانب 5.7 مليون لاجئ يعيشون في الشتات متفرقين بين دول الجوار السوري.

أما الدعم السياسي الأميركي للثورة السورية فكان مرتبكاً إلى حد الالتباس في بعض المواقع، ولاسيما في المقاربة الهشة التي اتخذتها إدارة أوباما الحاضرة على مدى ست سنوات من سنيّ الثورة، وقد ساهمت بقراراتها المتناقضة في تمديد معاناة السوريين، وشتّتت مساعي التغيير السياسي السلمي الذي كان على الأبواب في العام 2011، والذي لو حدث في حينها لوفّر على السوريين والعالم دماً واستقراراً وأمناً فُقدوا في حمأة تلك الحرب الجائرة التي فُرضت على السوريين وسوريا بأيدي النظام وحلفائه.

وضمن مناسبة احتفالية بمتحف الهولوكوست في واشنطن في شهر فبراير من العام 2011 خطب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن – وكان في حينها نائباً للرئيس أوباما – خطاباً لافتاً تعهّد فيه بدعم الشعوب التي تعرضت للذبح على يد حكوماتها لمجرد مطالبتها بالحريات العامة، وقال “عندما تشارك حكومة بمجزرة فإنها تتخلى عن سيادتها”. وفي مارس من العام عينه، خرج السوريون إلى الشارع مطالبين حكومتهم بالحقوق الإنسانية الأساسية في الحرية والعدالة والكرامة، بينما ردّ نظام بشار الأسد بإطلاقه العنان لأفدح المجازر المنظمة بحق المدنيين العزل في التاريخ المعاصر.

فصل المقال يقع في لبّ ميثاق الأمم المتحدة وحزمة الحقوق والصلاحيات المعطاة للدولة التي تترأس مجلس الأمن كما يقرّها، وفي مقدمتها حق الدولة الرئيسة في اختيار الملف الذي تريد التركيز عليه وإدارته خلال فترتها الرئاسية التي تمتد لثلاثين يوماً.

وفي نيسان مجلس الأمن لهذا العام يمكن أن يتغيّر الكثير إذا ما اختارت واشنطن إشهار القضية السورية كحالة مستعجلة على المجلس حسم أمره في معالجتها، والضغط على الأعضاء المعطّلين (بكسر الطاء) ومنعهم من عرقلة المخارج المتفق عليها أممياً لتحقيق الانتقال السياسي في سوريا الواقفة على قدم واحدة على أبواب استحقاقات سياسية مصيرية.

فهل سيشهد نيسان مجلس الأمن سعياً دبلوماسياً حازماً تقف فيه الولايات المتحدة في مواجهة أصحاب الفيتو الذين اعتادوا إشهار خنجرهم المسموم كلما اقترب المجلس من إيجاد صيغة لإنهاء فصول الهولوكوست السوري المتّصل الذي لم يتجرّأ على ارتكابه الهتلريون؟

=========================

الهولوكوست السوري في ذاكرة المستقبل

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 7/4/2021

يحتفل اليهود بشكل رسمي هذا العام بمرور ألف وسبعمئة عام على وجودهم في ألمانيا، ولا يخفى على أحدٍ إشكال الوجود اليهودي في المجتمعات التي عاشوا فيها عامّة وفي المجتمعات الغربية خاصّة، وكذلك حجم التفاوت في التعامل معهم والنظرة إليهم، وبعض المجازر التي وقعت بهم وآخرها الهولوكوست النازي، واستثمار كلّ ذلك على مرّ العقود الماضية والذي كان من أكبر نتائجه الدعم اللامحدود لإنشاء دولة إسرائيل على حساب الشعب العربي في فلسطين.

لم تكن محنة الهولوكوست سهلة أبداً، ورغم جدال البعض بوقوعها مثل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، ورغم تضخيم آثارها لدرجة بات من الممنوع قانوناً في معظم دول أوروبا طرح مسألة أسبابها أو عدد ضحاياها على بساط البحث للوصول إلى حقائق بعيدة عن الفوبيا أو التهويل أو حتى الإنكار المجحف، ورغم الآثار الهائلة المترتبة على هذا التعامل الأوروبي مع القضية اليهودية على حقوق الشعب الفلسطيني، إلّا أنّ ذلك كلّه لا يشرعن ما ارتكبته النازية بحق بشرٍ مقيمين منذ مئات السنين في هذه البقعة الجغرافية من العالم.

ورث بشار الأسد الجمهورية العربية السورية من أبيه عام 2000 من دون أي استحقاق أو شرعية، وحوّلها مع مرور الأيام إلى مزرعة للنهب والفساد المستشري

ما يدفع إلى استحضار مثال المحرقة النازية التي حصلت بشكل متدرّج على مدى اثنيّ عشر عاماً من تاريخ تعيين هتلر مستشاراً لألمانيا عام 1932 وحتى هزيمتها أمام الحلفاء عام 1945، هو المقارنة مع المحرقة السورية المستمرة منذ عشرة أعوام، والمرشّحة للمُضيّ قُدماً في ضوء التعقيدات الكبيرة في الملف السوري بين مختلف الأطراف المتصارعة. نجح أدولف هتلر في تسلّم منصب المستشار الألماني بعد فوز حزبه في انتخابات برلمانية حرّة، لكنّه حوّل هذه الدولة العظيمة إلى مصنع جبّار لبناء آلة الحرب، واستغلّ الشروط المذلّة المفروضة على ألمانيا إثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، ليقوّي الرابطة القومية عند الألمان ولينتقم لكرامتهم الجريحة. لكنّه جلب الدمار على بلده وعلى أوروبا نتيجة تعصّبه ونازيته العمياء.

بالنقيض منه، ورث بشار الأسد الجمهورية العربية السورية من أبيه عام 2000 من دون أي استحقاق أو شرعية، وحوّلها مع مرور الأيام إلى مزرعة للنهب والفساد المستشري، بعد أن كان والده قد ضبط هذا الأمر ضمن حدود معيّنة تمنع الانفجار الهائل الذي حصل عام 2011. وللمفارقة العجيبة، كان أول من خاطبهم هتلر سوريا هم حكّام إسرائيل على لسان ابن خاله رامي مخلوف، عندما قال بالحرف الواحد في الأيام الأولى للثورة، إنّ أمن إسرائيل من أمن سوريا. بينما اعتبر هتلر أنّ اليهود – وهم بالمناسبة مواطنون ألمان – مسؤولون عن الحال المتردية التي وصلت إليها ألمانيا آنذاك من خلال مضارباتهم المالية واحتكاراتهم وغيرها من التهم التي ألصقها بهم – بحق وبغير حق – ليبرر إبادتهم.

عاش العالم، وما زال يعيش على وقع تلك المحرقة، واستغلّت الحركة الصهيونية العالمية ذلك أفضل استغلال من خلال الدعم اللامحدود لبناء دولةٍ يهودية على أرض فلسطين. وما زال العالم يعيش منذ عشرة أعوام على وقع المأساة السورية التي صنفتها الأمم المتحدة كأعظم كارثة إنسانية بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه بعض الأرقام الصادرة عن مجموعة "منسقو استجابة سوريا" في إحاطتها بالأرقام عن العقد الأخير في سوريا.

(عدد النازحين السوريين داخلياً 6.9 ملايين نازح، عدد اللاجئين السوريين في بلدان اللجوء 6.5 ملايين لاجئ، عدد الأطفال المتسربين من التعليم 2.5 مليون طفل، عدد النازحين السوريين القاطنين في المخيمات ومراكز الإيواء 1.9 مليون نازح، خسائر الاقتصاد السوري تجاوزت عتبة 500 مليار دولار أميركي، أسعار المواد الأساسية تضاعفت أكثر من 120 مرة حتى نهاية عام 2020، تضاعف سعر العملة المحلية أكثر من 91 مرة منذ بداية 2011، أكثر من 41% من المدارس مدمرة، أكثر من 75% من المشافي والمستوصفات مدمرة أو خارجة عن الخدمة، نسبة السوريين تحت خط الفقر :84.3% ، عدد السوريين الذين وصلوا مرحلة المجاعة 3.1 ملايين نسمة، نسبة البنى التحتية والمشاريع الحيوية المدمرة 67% ، المصابون من العمليات العسكرية أكثر من 1.8 مليون مدني، أصبح منهم أكثر من 230 ألف من أصحاب الاحتياجات الخاصة، عشرات الآلاف من المدنيين المفقودين والمغيبين قسراً، عشرات الآلاف من المدنيين فقدوا حياتهم نتيجة الهجمات من قبل النظام السوري وحليفيه إيران وروسيا).

كان من بين نتائج الهولوكوست النازي بحق اليهود، المساهمة الفعالة في بناء دولة إسرائيل الحالية، والتي باتت تنافس عالمياً ببعض الصناعات، بل وتتصدر قائمة الدول المصنّعة لبعض المنتجات خاصّة في مجال التكنولوجيا. وبات جيشها من أقوى جيوش المنطقة، على الرغم من الحجم المتواضع للأرض التي تحتلها والعنصر البشري الذي تتشكل منه والموارد المحدودة التي تتمتع بها. بينما بالمقابل نرى بعض نتائج الهولوكوست السوري أمامنا ماثلة دون أن نتمكّن حتى من إحصائها، فالأرقام لا تكفي للدلالة على هول المأساة وحجمها. فهل نتحدّث عن الانقسام المجتمعي القومي الديني الطائفي المناطقي، أم نتحدّث عن تدمير البنى التحتية وانهيار الاقتصاد بشكل شبه نهائي، أم نتحدّث عن التغيير الديمغرافي والتهجير القسري وتدمير التاريخ والحضارة السوريين، أم نتحدّث عن الجيوش التي تحتل أجزاء كبيرة من سوريا، أم عن التنظيمات الإرهابية والانفصالية التي أنشأت مناطق حكمها ونفوذها؟

الحقيقة أنّ ما يخبّئه المستقبل لسوريا وأهلها، أكثر قتامة ومأساوية مما هو ظاهر الآن بعشرات بل بمئات المرّات، وما نراه الآن ليس سوى جزء يسير من جبل الجليد. تعيش سوريا أحلك أيامها الآن، ولن يتوقف هذا التراجع والانهيار ما لم يأخذ أهلها بأيديهم زمام الأمور. الجميع مسؤول عمّا وصلنا إليه من خراب، كلّنا ضحايا الاستبداد، ومن وقف ضدّ ثورة الكرامة والحرية ليحافظ على مكتسباته التي ظنّها دائمة، يدفع الآن الثمن باهظاً. كلّ من اصطفّ مع الجلاد يجد نفسه الآن تحت لسع سياطه، وكلّ من استغلّ الثورة ليتكسّب منها يجد الآن نفسه مهاناً من الناس ذميماً ومحتقراً، وكل من وقف على الحياد، أو هكذا ظنّ، يجد الآن نفسه بين مطرقة الجوع وسندان الذل.

إنّه زمن وقف الهولوكوست، وإن لم نبدأ الآن، سيستمر معنا وسيبقى في ذاكرتنا إلى الأبد

آن الأوان لأن يصحا السوريون من سكرتهم، آن الأوان لأن ننفض عنّا غبار التواكل والعجز والخنوع، ولا يكون ذلك إلا بتضافر جهود بنات وأبناء الوطن المخلصين، من المقيمين في شتى أصقاع الأرض بالتعاون مع القابضين على جمر الوطنية في داخله. يجب أن يفرض هؤلاء إرادتهم على جميع الدول، وعليهم أن ينطلقوا من المصلحة الوطنية السورية. يبدأ هذا كلّه بالتحضير لبناء المؤتمر الوطني السوري الجامع، ويتحمّل السوريون الأميركيون العبء الأكبر من هذه المسؤولية، لأنهم ببساطة أقدر جالية خارج سوريا على التأثير في مركز صنع القرار الأول في العالم، إنهم قاطرة التغيير السورية. من واشنطن يجب أن ينطلق قطار تجميع جهود السوريات والسوريين لصناعة التغيير، وإلى دمشق يجب أن يصل، إنّه زمن وقف الهولوكوست، وإن لم نبدأ الآن، سيستمر معنا وسيبقى في ذاكرتنا إلى الأبد.

=========================

هل بدأ العد العكسي بين موسكو وطهران في سورية؟

سعد كيوان

العربي الجديد

الاربعاء 7/4/2021

قد لا تبدو عشرة أعوام من عمر ثورة الشعب السوري التواق إلى الحرية شيئاً، أو غير كافية، مقارنة بما عاناه نحو خمسين سنة من قهر واستبداد وظلم نظام أثبت، يوماً بعد يوم، أنه السباق في ممارسة أبشع أنواع القمع والإجرام ووسائل القتل ضد شعبه، من استعمال السلاح الكيميائي إلى القصف بالبراميل المتفجرة وبمدافع الدبابات. فضلاً عن تشريد مئات ألوف لا بل ملايين السوريين، بالإضافة إلى الأسرى في سجون تدمر وصيدنايا وغيرهما، أين منها معسكر غوانتانمو، وصولاً إلى المجازر والمقابر الجماعية... إنها جرائم ضد الإنسانية حوّلت شعباً إلى حقل تجارب واختبار للتفنن في أساليب التعذيب والفظاعة في القمع والسحق التي يجيدها نظام الملالي في إيران، ولقّنها جيداً لربيبه بشار الأسد، ولنا في "أرشيف صور قيصر" (أكثر من خمسين ألفاً) خير دليل على ذلك! نظام أب وابن وحزب هو آلة استبداد جهنمية تمكّنت من تدجين (وتطويع) فئات وشرائح من المجتمع السوري التي لم يتح لها نظام الحزب الواحد والحاكم المستبد الأوحد مجرد التعرف على معنى الحرية، لأنها نشأت وتربت على "النظام المرصوص وتمجيد القائد والحزب" كل صباح في المدارس والجامعات والحضانات والفرق الرياضية والكشفية، وفي المؤسسات والدوائر الرسمية والحكومية، ما يتشارك في هذا كله مع كل أنظمة الحكم القومية العربية الاستبدادية. لذلك، بات يعضها يفكّر بطريقة النظام ويتصرّف مثله. وهي اليوم، ومن موقعها المعارض، تقاتله، وتريد أن تسقطه مستعملة النهج نفسه والأساليب نفسها. ولا عجب إن تحولت بعض شرائحها إلى أرض خصبة للحركات الاستئصالية، أمثال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأخواته، وفي خدمة النظام نفسه. وربما شعار "ليسقط النظام ولتسقط المعارضة" الذي رفع في لحظة ما في بلدة كفرنبل، الواقعة على طريق حلب - اللاذقية، وعرفت بـ"أيقونة الثورة"، يعبر أصدق تعبير عن مأساة الشعب السوري.

للمعارضة السورية ما لها وما عليها، من إخفاقات وتشتت وشرذمة وارتهان للخارج، بعد أن فرض عليها بشار الأسد العسكرة، فقد رفعت الحركات والتنظيمات السياسية والمسلحة شعار إسقاط النظام بدون أفق ولا استراتيجية واضحة، ولا خطة عمل مشتركة، ولا إطار سياسي تمثيلي موحد وجامع، فيما انتهى بعضها إلى برامج وتوجهات إسلامية أصولية تسعى إلى استبدال قمع النظام واستبداده باستبداد أشد وطأة وأكثر همجية وظلامية، تمارسه اليوم في المناطق التي تسيطر عليها، والتي يغذّيها ممولوها ورعاتها الإقليميون.

بات النظام، وبفضل ثورة السوريين الأحرار، اليوم مجرد دمية في يد رعاته الخارجيين، وتحديداً روسيا

غير أن النظام، وبفضل ثورة السوريين الأحرار، بات اليوم مجرد دمية في يد رعاته الخارجيين، وتحديداً روسيا التي خاضت غمار أول وأعقد تدخل عسكري في الخارج منذ تدخل الاتحاد السوفييتي السابق في أفغانستان سنة 1979، لإنقاذ النظام الأفغاني الصديق وبسط نفوذه في آسيا. تماماً كما يحاول أن يفعل اليوم الرئيس فلاديمير بوتين من أجل استعادة موطئ قدم روسيا في الشرق الأوسط، بعد أن تم إخراجها من ليبيا عام 2011 على إثر ثورة الليبيين على نظام معمر القذافي. ولكن موسكو تدخّلت لإنقاذ نظام الأسد المنهار في سبتمبر/ أيلول عام 2015، بعد أن كان قد سبقها الى ذلك نظام إيران الذي دفع مليشياته متعدّدة الأجناس والأعراق، تتقدّمها مليشيا حزب الله اللبناني، ثم تركيا وإسرائيل الحاضرة دائماً، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، التي تحافظ على وجود عسكري لها في شمال شرق سورية لمراقبة المعبر الاستراتيجي الذي تحاول إيران أن تشقه وترسّخه من طهران إلى بيروت عبر الحدود العراقية - السورية. ومع ذلك، سلمت واشنطن لموسكو بدورها ونفوذها وتموضعها الاستراتيجي في سورية، غير أن بوتين لا يريد أن يغرق في أوحال سورية كما غرق ليونيد بريجنيف في أوحال أفغانستان. ولكن سورية اليوم هي مجموعة دويلات سورية تتقاسمها خمسة جيوش، إيران وتركيا وإسرائيل (لها السيادة في الجو) وأميركا وروسيا، موزعة التمركز والنفوذ، على الرغم من أن القرار الفصل يبقى لروسيا، إلا أن هذا لا يمكن أن يُرضي بوتين الذي يتحمل العبء الأكبر، والذي أدرك جيداً بعد أكثر من خمس سنوات على تدخله العسكري باهظ الثمن بشرياً وعسكرياً ومالياً وأمنياً أن الإمساك بسورية، بوصفها مفتاحاً جيوستراتيجياً في المنطقة، لا يمكن أن يتم إذا لم تقم سلطة ذات مصداقية في دمشق، تطلق ورشة الإعمار الباهظة، وتمهد لعودة ملايين النازحين السوريين إلى ديارهم كما ينص عليه قرار مجلس الأمن 2254. ولا يمكن أن يضطلع بهذه الورشة سوى أميركا والدول الأوروبية ودول الخليج، وشرط هذه الدول هو أقله خروج إيران ومليشياتها من سورية. وهذا هو عنوان المرحلة المقبلة من الصراع وحسابات النفوذ في سورية وعليها، وعلى الصعيد الإقليمي. وقد توصلت موسكو إلى هذا الاستنتاج بعد محاولات دؤوبة خلال السنوات الماضية، للالتفاف على هذا الواقع، عبر إيجاد إطارات بديلة من نوع مؤتمرات أستانة ثم سوتشي، وبدائل أخرى على الأرض لم يكتب لها النجاح، فهي تسيطر ولا تسيطر، لا في الشمال ولا في الجنوب. وحتى في دمشق، اضطرت إلى الضغط على الأسد وحصر نفوذه عملياً في محيط دمشق، واختراق الجيش والأجهزة، ثم إنشاء فرقة خاصة، هي الفرقة الخامسة التي تخضع كلياً لأوامر الضباط الروس من أجل وضع حد للنفوذ الإيراني، المتغلغل ليس فقط عسكرياً، وإنما يعمل على اختراق النسيج الاجتماعي، بالإضافة إلى سعيه الحثيث إلى نشر التشيع بين شرائح معينة بغرض تقويض الأرض من تحت أقدام روسيا.

وأمام موسكو اليوم خريطة تقاسم مناطق نفوذ جغرافي وسياسي على امتداد العمق السوري، تريد أن تُحكم إمساكها بها. وهي تعتبر أن حصة النظام هي عملياً من حصتها، لأن الأسد لولاها لكان اليوم في خبر كان، وتريد بالتالي أن ترسمل ما تدفعه منذ أكثر من خمس سنوات. أما إيران ومليشياتها فهي موجودة في معظم مناطق النظام، في الجنوب والشرق والوسط، إلا أنها لم تفلح في وقف اندفاعة فصائل المعارضة إلى داخل دمشق، فأرسلت جنرالها قاسم سليماني، الذي اغتاله دونالد ترامب، في بداية عام 2020، إلى موسكو طالباً تدخل بوتين لإنقاذ الأسد. ثم تركيا التي تسيطر على الشمال الغربي، وتسعى إلى التمدد في إدلب، إما عسكرياً أو بالتحايل على روسيا ومحاولة ابتزازها عبر استمالة بعض فصائل الشمال وتسليحها. فيما اختارت أميركا التمركز في أهم منطقة في الشمال الشرق الغني بالنفط، وتقوم بدعم وتسليح قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وربما تعترف بالشمال كياناً خاصاً للأكراد. ومن موقعها، تراقب إيران ومليشياتها عبر الحدود العراقية – السورية، ومن قاعدة التنف العسكرية في الجنوب الشرقي.

تعتبر روسيا أن حصة النظام من حصتها، لأن الأسد لولاها لكان اليوم في خبر كان، وتريد بالتالي أن ترسمل ما تدفعه منذ خمس سنوات

من هذا المنطلق، كانت الجولة التي قام بها أخيراً وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إلى دول الخليج، والتي سمع منها بشكل واضح أن لا إمكانية لتعويم النظام، ولا مشاركة في تمويل إعادة الإعمار والاستقرار إذا لم تخرج إيران ومليشياتها من سورية، كما أن إسرائيل لن تسمح بوجود عسكري لإيران في سورية، وإقامة قواعد أو الاقتراب من هضبة الجولان، تماماً كما هو موقف الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي. وكان أول الغيث، فور عودة لافروف، أن وجّه دعوة إلى وفد من حزب الله لزيارة موسكو، جاءت بمثابة استدعاء، إذ كان الاستقبال بارداً جداً، ولم يدم اللقاء معه أكثر من عشرين دقيقة، أبلغهم خلاله أن على حزب الله أن ينسحب من سورية في أقرب وقت. وقد انعكست هذه الخطوة بشكل فوري على الداخل اللبناني، إذ قلب حزب الله الذي كان داعماً لخيار سعد الحريري على رأس حكومة اختصاصيين من غير الحزبيين الطاولة، وضغط باتجاه العودة إلى حكومة سياسيين، مهدّداً باللجوء إلى "خطوات غير قانونية وغير دستورية" كما جاء على لسان أمينه العام حسن نصر الله. توجّس حزب الله من التوجه الروسي يدفعه إلى التحصن في الداخل، وإحكام قبضته على أي حكومة جديدة ستشكل في لبنان.

هل ستشهد المرحلة المقبلة في سورية ضغطاً إضافياً على إيران وأذرعها؟ أكثر من مؤشّر يدل على أن طهران غير مرتاحة للتحرّك الروسي، وقد اختارت، على ما يبدو، التصعيد في اليمن والعراق ولبنان، بانتظار أن تتبلور نيات إدارة جو بايدن، الذي يبدو هو الآخر حائراً بين التصعيد والعودة إلى الاتفاق النووي. ولكن المؤكد أن سورية أصبحت عبئاً حتى على محتليها!

=========================

في أصل المشكلة السورية

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 6/4/2021

طرحت، في إحدى مقالاتي السابقة، سؤال: "هل نستطيع أن نخرج من خندق المعارضة والموالاة، ونفكر معا كشعب؟". وفي سياق المراجعات المستمرة للتجربة الماضية والمأساة التي لا يزال السوريون يعيشونها، ركّز كثيرون، من محللينا، عن حقّ على غياب هذه الرابطة السياسية، أي الشعب، لكنهم أرجعوا أسباب هذا الغياب إلى تعدّد الهويات الثقافية: الطائفية والأقوامية والمناطقية وتنوعها. والحال أن هذا التنوع ليس محدثا، ولا وليد العقود الأخيرة. كما أن التنوع والتعدد الثقافي والأقوامي ليس سببا في غياب البنية السياسية، أو حائلا بالضرورة دون بروز كتلة شعبية رئيسة، حاملة مشروع دولة بمؤسسات دستورية وسيادة شعبية وسلطة القانون. بل قد تكون هذه التعددية من بين الأسباب المشجعة على تقدّم الدولة السياسية، لأنها الوسيلة الوحيدة لضمان التعايش فيما بينها، والتعويض عن غياب اللحمة أو العصبية الواحدة الدينية أو الأقوامية. وهذا هو أساس ومبرّر نشوء الدولة الأمة التي لا علاقة لها بدولة القوم والطائفة، وإنما وجدت كي تعطي للشعوب فرصة تجاوز مشكلة التعدّدية القومية والمذهبية، التي لا يمكن أن يخلو منها مجتمع تاريخي، والالتقاء في فضاء إضافي مختلف، هو فضاء السياسة وعالم القانون والحقوق المتساوية والمشاركة في السيادة، أي في الحرية المدنية.

ليست مشكلة سورية في تنوع أطيافها، بالعكس، هذه التعدّدية مكمن قوتها ومصدر ثرائها الروحي والثقافي والاجتماعي. وصنعت شخصيتها وصاغت عبقريتها في الماضي والحاضر

وهذا ما حصل في سورية نفسها بالرغم من الظروف الكارثية التي رافقت ولادتها في فوضى الحرب العالمية الأولى وصراعات القوى الدولية، فلم تكن سورية الخارجة من حطام الدولة العثمانية، والتي كانت بعض هذا الحطام، أقلّ تنوعا ثقافيا ومذهبيا ودينيا وجغرافيا واجتماعيا، عندما نجحت نخبها الاجتماعية والسياسية في تنظيم نفسها في جمعياتٍ سياسية، وفي عقد تحالفات مع النخب الحجازية، المختلفة عنها في ثقافتها وتقاليدها، وطمحت إلى إقامة مملكة عربية تضم جميع أراضي آسيا الناطقة بالعربية، والتحرّر من نير الإمبراطورية العثمانية. ولم تكن أكثر انصهارا ثقافيا واندماجا اجتماعيا، عندما ولدت بعد هزيمة ميسلون دولة طرحا: مقطعة الأوصال، مشوّهة ومهيضة الجناح، منتزعة من سياقها القومي والتاريخي والجغرافي، وعرضة لحروب تقاسم المصالح ومناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية. وما كان جمهورها أشد وعيا حديثا أو انفتاحا على ثقافة العصر التحرّرية عندما خاضت نخبها الصراع ضد مشاريع التقسيم الاستعمارية، وفرضت إعادة توحيد الدولة السورية الصغيرة المقسمة، وأطلقت، منذ 1925، ثورتها الاستقلالية ضد سلطات الاحتلال الفرنسية. ولا أقل تعدّدية اجتماعية وطائفية ومناطقية، عندما نجحت هذه النخب ذاتها في تشكيل الكتلة الوطنية التي حققت الاستقلال، وأرست قواعد دولة حديثة وسلطة دستورية ونظام حكم ديمقراطي. وكانت في ذلك أسبق من أكثر دول عصرها الناشئة، قبل أن ينقضّ عليها سيف الانقلابات العسكرية، والذي لم يكن في معزل عن الصراعات الدولية على الهيمنة الإقليمية أيضا، فكيف نجح السوريون منذ الحرب العالمية الأولى في التوصل إلى تفاهمات أنتجت حركة وطنية قوية بينما يظهرون عجزا لافتا اليوم، بعد قرن من الخبرة السياسية والاندماج الاجتماعي والاقتصادي والازدهار الثقافي وتجربة الحياة الوطنية المشتركة، عن تحقيق مثل هذه التفاهمات، حتى ليكاد الشك يراود أغلب مفكريهم فيما إذا كانوا يشكلون شعبا أو يمكن أن يشكلوا شعبا في المستقبل؟

جمهورية الأسد والمركب العسكري الأمني الحاكم 

لا أعتقد أن مشكلة سورية الرئيسية تكمن في تنوع أطيافها، ولا في وجود الكرد والعرب والشركس والأرمن والتركمان والشيشان والعلويين والدروز والإسماعيليين والإيزيديين والسريان والآشوريين والمسيحيين والمسلمين وغيرهم الذين شكلوا نسيجها، ولا يزالون يعيشون فيها معا منذ قرون طويلة. بالعكس، هذه التعدّدية هي مكمن قوتها ومصدر ثرائها الروحي والثقافي والاجتماعي. وهي التي صنعت شخصيتها وصاغت عبقريتها في الماضي والحاضر، والتي جعلت منها ملتقى للحضارات، ومثالا للتعايش، ونموذجا لروح التمدّن والتعامل السمح والمرن وكرم الضيافة الذي ميز العلاقات بين جماعاتها في كل العصور. وجعل شعبها يستقبل مليون لاجئ عراقي في بداية هذا القرن، وأكثر من مليون لبناني من الذين هربوا بأنفسهم من الحرب الأهلية في القرن الماضي، من دون أن يتشرد أحد منهم أو يضطر إلى العيش في مخيمات. وهي التي تفسّر نباهة أبنائها وموهبتهم اللافتة في التعايش والتكيف مع الثقافات والمجتمعات الأخرى.

في كل انقلاب، كانت النخبة العسكرية/ الأمنية تتعلّم من تجربتها السابقة، وتعيد ترتيب أوضاعها لتطوير وسائل السيطرة على الدولة والمجتمع

كما لا أعتقد أن مشكلة سورية الراهنة والاستعصاء الذي تعيشه على جميع الأصعدة تكمن في وجود أكثريةٍ وأقليات، ولا إلى تحكّم جماعة أو طبقة أو طائفة أو ثقافة أو ديانة بالجماعات والطوائف والطبقات والديانات والثقافات الموجودة فيها جميعا. إنها تكمن في تمكّن نخبة عسكرية من السيطرة على مقاليد السلطة، بل على جميع السلطات السياسية والاقتصادية والثقافية والعقائدية والرمزية، وتجييرها لصالح بناء مركب عسكري أمني، استقلّ بنفسه عن المجتمع، وأصبح جسما طفيليا غريبا عنه يتحكّم به من فوق، ويتماهى مع الدولة التي استعمرها وحوّلها إلى قوقعةٍ يحتمي بها، ولبس لبوسها، وجيّر البلاد والعباد لخدمة مصالحه، بمن فيهم القواعد الاجتماعية الأهلية، الريفية والعشائرية والطائفية التي حوّلها إلى خزّان بشري، يستمد منه أطره العسكرية والمدنية.  

بدأ الصعود التاريخي لهذه النخبة الاجتماعية الهجينة بعد أقل من ثلاث سنوات على إعلان الاستقلال بانقلاب عام 1949. وتطوّرت شخصيتها وهويتها الخاصة نخبة حاكمة ومسيطرة عبر مراحل متعاقبة، قضي في بداياتها على الثقة بالأحزاب السياسية المتناحرة، قبل إقصائها واعتقال قياداتها وتشريدها، ثم سحق ما تبقى من الطبقة السياسية التقليدية والنخب الليبرالية وتشويه صيتها وسمعتها. وقد برّرت النخب العسكرية المتعاقبة سيطرتها على مقاليد السلطة وانفرادها المديد بموقع السيادة بذرائع شتى، أولها الدفاع عن مصالح الجيش ضد السياسيين الفاسدين، كما زعم حسني الزعيم، ثم باسم الوطنية ومقاومة الاحتلال والاستيطان اليهودي في فلسطين، وفيما بعد باسم القومية، ودفاعا عن مشروع الوحدة العربية ومحاربة الرجعية والعمالة للأحلاف الأجنبية، ومنذ انقلاب البعث في 8 مارس/ آذار 1963، باسم الاشتراكية الحقيقية والدفاع عن حقوق العمال والفلاحين ضد الإقطاعيين والبرجوازيين، ثم في عهد الأسد الأب باسم الاستقرار وبسط الأمن والسلام الأهلي والحفاظ على اللحمة الوطنية ضد حركات الاحتجاج والتمرّد الإسلاموية، وأخيرا باسم الحداثة والمدنية وحماية الأقليات المهددة من "أكثرية" "محافظة ورجعية وحالمة بإرجاع التاريخ إلى الوراء والانسحاب من العصر". 

وفي كل انقلاب، كانت النخبة العسكرية/ الأمنية تتعلّم من تجربتها السابقة، وتعيد ترتيب أوضاعها لتطوير وسائل السيطرة على الدولة والمجتمع. ونجحت، خلال السبعين سنة الماضية، في تنقية صفوفها وتفريغ الجيش من تعدّديته الاجتماعية والمناطقية بالتصفيات المتتالية والقضاء على مجموعات الضباط من أصحاب التوجهات السياسية المنافسة: اليسارية والليبرالية والقومية والناصرية. وساهمت الصراعات الداخلية لحقبة "البعث" ذاتها حتى عام 1966 في إزاحة مجموعات أخرى من الضباط الذين لا يدينون بالولاء "للجنة العسكرية"، أو الذين لم يظهروا ولاءهم الكامل لقادتها. وزادت واحدية الجيش بعد التصفيات التي أعقبت القطيعة بين القيادة القومية والقيادة القطرية للبعث الحاكم، حتى استكملت على إثر تفجّر الصراع بين أعضاء "اللجنة العسكرية" أنفسهم، فكان النصر في هذا الصراع لحافظ الأسد الذي ورث السيطرة على مؤسسة عسكرية وأمنية وحزبية مطهرة من العناصر غير "المتجانسة"، وجاهزة لبسط سلطتها وسيادتها على البلاد، لتدشين حقبة جديدة من إلغاء الحياة السياسية في الدولة والجيش والمجتمع، والانفراد بالحكم من دون منافس، ومن دون الحاجة إلى أي مراجعةٍ لتجارب الحكم الماضية وإخفاقات "البعث" والحكم العسكري السابق والانفصال والهزيمة العسكرية في حرب يونيو/ حزيران 1967. والواقع أن عقدين من التخبط السياسي والعسكري كانا كافيين لتفريغ المجتمع السوري من أي قدرة على التفكير والتخطيط والمقاومة، وتسليمه طائعا باستيلاء المنظومة الجديدة العسكرية والأمنية والحزبية على القرار الوطني.

لم يواجه مشروع الأسد مقاومة تذكر. بل ربما راهن عليه قطاع واسع من الرأي العام لتحقيق الاستقرار الذي حلم به مجتمع الأعمال المدمّر والمعطل منذ سنوات طويلة

كانت سورية في نظر الأسد الغنيمة التي ربحها في صراعه من أجل السيطرة على هذه المنظومة السلطوية ضد خصومه من الناصريين والبعثيين القوميين والقطريين والليبراليين. ولم يكن أمامه خيار للحفاظ عليها سوى الاستثمار في تطويرها وتوسيع قاعدتها، والسهر على انسجام عناصرها وتطهيرها الدائم من أي اختلافات أو تناقضات داخلية محتملة. ولضمان السيطرة الكلية عليها ومنع أي طامح من اختراقها أو تحدّي سيطرته عليها حوّلها الأسد إلى حرس بريتوري، وأخضعها لسلطته الشخصية المباشرة، وقسّمها سرايا وكتائب وأجهزة خاصة، سلم قيادتها لأفراد العائلة وأبناء العشيرة وحلفائها من العشائر الأقرب، ووضع نفسه في موقع الأب الذي يدير جميع أفرادها. ليتفرغ بعد ذلك لبناء تحالفاته الإقليمية والدولية التي تضمن له سلامة الحدود الخارجية. وفي هذا السياق، تشكل مجتمع الدولة الجديد الذي لن يمر وقت طويل، قبل أن يطلق عليه اسم دولة الأسد، والذي احتل فيه المركب العسكري الأمني مركز القلب في المنظومة الجديدة، وما لبث حتى تماهى مع الدولة، واخترق منظمات المجتمع المدني، وهيمن على قراره، في النقابات والأحزاب والنوادي والجوامع والكنائس، قبل أن يفرض عليها القيادات التي تتماشى مع مشروع سيطرته الدائمة والشخصية. ولم يترك أمر هذا المشروع للإرادة وحدها، ولكنه عمل على حفره في البنيتين، القانونية والسياسية، للدولة. فجعل من قانون الطوارئ، أو الاستثناء، القانون القاعدة، وحوّل الحكم المدني إلى حكم عرفي دائم، وعزّزه بالمادة الثامنة من الدستور التي قوننت سياسة الإقصاء الشامل للمجتمع، وقصرت حق الترشح لمناصب المسؤولية في أي ميدانٍ على عناصر المنظومة الحاكمة. 

لم يواجه مشروع الأسد مقاومة تذكر. بل ربما راهن عليه قطاع واسع من الرأي العام لتحقيق الاستقرار الذي حلم به مجتمع الأعمال المدمّر والمعطل منذ سنوات طويلة. وأعلن الجمهور عن ولائه للوضع الجديد بشعار: طلبنا من الله المدد فأرسل لنا حافظ الأسد. وما كان أمام هذا الأخير إلا أن يحشد ما يشاء في حجر ما أصبح رميما شعبيا، بعد سحق المقاومات الناصرية، وموت جمال عبد الناصر، وتبخّر النخبة الليبرالية التقليدية، واختيارها النفي الذاتي، بدل الموت في السجون الأسدية وإلحاق ما تبقى من التنظيمات القومية واليسارية به باسم الجبهة التقدّمية. وقد أدرك المجتمع الذي أفرغ من نخبه ورموزه السياسية والفكرية والنقابية أنه أصبح مكشوفا، ومن دون حماية، أمام سلطة كاسرة تحولت خلال سنوات، بموارد النفط والمساعدات الخليجية، إلى آلةٍ جهنميةٍ للسيطرة تجمع بين سلطتي العنف والمحسوبية معا، لا يمكن لأحد أو لجماعة، مهما كانت منظمة، أن تقف في وجهها. وعلى رأس هذه السلطة الاستثنائية يتربّع حافظ الأسد "ملكا إلها"، ومن حوله أعضاء أسرته وأبناء العائلة الأقرب من الإخوة والأبناء والأخوال والأعمام وأبنائهم وبناتهم وأبناء العشائر القريبة والحليفة، ما أضفى على "دولة الأسد"، كما تم تعميدها منذ بداية السبعينيات، طابع الإمارة العائلية التي يحيط بها حلفاء العائلة من الرتب العسكرية العليا وكبار الضباط ممثلو العشائر والقبائل والوجاهات المحلية.

تشكلت كتلة عسكرية متراصّة بحيث لا يستطيع أي مجتمع مدني أن يواجهها، بل أن يتحرّك خارجها أو يؤثر في قراراتها مهما فعل

هكذا تشكّل جسم عسكري أمني سياسي معا، يملك قوة سيطرة استثنائية وشاملة، يعمل كتلة متراصّة لا تقبل تعدّدا ولا انقساما ولا يشوبها تردّد، ولا تتأثر بأي ضغط لا من داخل صفوفها ولا من خارجها. ولا تعتمد في وجودها على أي فئة أو طائفة، ولكنها هي التي تخلق الفئات والطوائف وتستخدمها. وهي من القوة والاستقلال الذاتي، بحيث لا يستطيع أي مجتمع مدني أن يواجهها، بل أن يتحرّك خارجها أو يؤثر في قراراتها مهما فعل. وزاد من تفرّدها واعتدادها بقوتها واستقلالها تجاه كل ما عداها جمعها موارد السلطة بكل أشكالها في يد شخصٍ واحد، يفوض فيها من يراه مناسبا من أهل الثقة من أبنائه وإخوته وأقربائه وأتباعه ومواليه، لا يشاركه فيها أحد، ولا يختلف معه في تقدير أمورها خبير أو مستشار سياسي أو دبلوماسي، فهو الذي يقرّر وحده، وحسب إلهامه في كل الشؤون: العسكرية والسياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والعقائدية. وهو الذي يعطي توجيهاته للنخب المدنية، ويحدّد لهم مهامهم وحدود صلاحياتهم، بمن فيهم رجال الدين والمفكرون والصحافيون والتجار والمستثمرون وغيرهم. 

قانون العنف والإقصاء والعنصرية الاجتماعية 

كانت نظرية فصل السلطات التي عمل على نشرها الليبراليون، وكرس لها مونتسكيو الكتاب الشهير "روح القوانين" (نشر عام 1748) أحد أهم المصادر الفكرية التي ساهمت في تقويض السلطة الملكية المطلقة في القارة الأوروبية، فقد ألغت قاعدة تقسيم السلطة وتوزيعها بين مؤسسات متعدّدة، تنفيذية وتشريعية وقضائية، مستقلة بذاتها، وإقامة التوازن فيما بينها بحيث تحدّ واحدتها جموح الثانية، إمكانية استفراد فرد أو جماعة بها واستخدامها ضد الأفراد والجماعات الأخرى. ولذلك اعتبر مبدأ توزيع السلطات وتمييزها بعضها عن بعض، من ليبراليي الغرب منذ عصر النهضة، الأساس القانوني والسياسي لتفكيك نظام الاستبداد والضامن الرئيس للحريات السياسية.

انتزع الأسد، بإرادته، وتسليم جميع من حوله والرأي العام أيضا، سلطة القرار في جميع الشؤون العامة، حتى أصبحت نخب المجتمع بكاملها من محاسيبه ومدينة ببقائها لحمايته

ما قام به المركب العسكري الأمني هو بالضبط قلب هذا المسار التاريخي للتحرّر السياسي رأسا على عقب، والعمل بجميع الوسائل، وعلى جميع المستويات، البنيوية والظرفية، على دمج السلطات الاجتماعية كافة، وليس سلطات الدولة فحسب، وعلى إعادة جمعها وحلها في سلطة واحدة (بالضرورة أسطورية)، ووضعها في عهدة شخص فرد، وليس في أيدي مكتب سياسي أو منظمة حزبية فحسب، كما درجت على ذلك النظم الشيوعية. وقد أصبح هذا الفرد، بالفعل والواقع والمبدأ، فوق البشر، وصاحب الفضل في الإبقاء على حياتهم أو القضاء بموتهم. فإلى جانب آلة العنف العسكرية التي يملك وحده مفتاحها، والتي وجه مدافعها وصواريخها نحو المدن ونقاط تجمع السكان الرئيسية، وأجهزة الأمن التي تمدّ حدود سلطته إلى أبعد نقطة من أراضي الجمهورية، انتزع الأسد، بإرادته وتسليم جميع من حوله والرأي العام أيضا له، سلطة القرار في جميع الشؤون العامة: الاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية والإعلامية، حتى أصبحت نخب المجتمع بكاملها، بمثقفيها ورجال أعمالها وقضاتها وسياسييها وعساكرها ورجال دينها من محاسيبه ومدينة ببقائها لحمايته. فصار الضامن والكافل الوحيد لوجود النظام الاجتماعي واتساق علاقات الأفراد والجماعات فيما بينها. وصار الخوف عليه مساويا للخوف منه، حتى أصبح الناس يخشون فقدانه، ويعتقدون بالفعل أن رحيله يفتح الطريق حتما على المجهول، ويؤدّي لا محالة إلى انفراط العقد الاجتماعي وانهيار المجتمع ذاته. 

والواقع أنه، في شروط التقدّم التقني والعلمي الراهنة، ما كان يمكن لمثل هذا الدمج بين جميع السلطات، وصبها في سلطة نوعية واحدة تخضع لإرادة رجلٍ فرد، منزّه ومرفوع فوق النظام والدولة والقانون نفسه، إلا أن تنتج قوة سيطرة لا محدودة، ليس على جسد الأفراد وعلاقاتهم وإنما، أكثر من ذلك، على عقولهم ونفسياتهم التي أصبحت متعلقة به، ومشلولة الإرادة بانتظار إشارته وكلمة منه. وقد تماهت سلطة الأطر التنفيذية من رجال أمن وإدارة ودين وإعلام مع هذه السلطة شبه الإلهية، حتى بدت حياة الأفراد من عامّة الشعب، ومصالحهم وأرزاقهم ووجودهم نفسه، لا قيمة لها ولا تستحق النظر أو الذكر، وبدوا هم أنفسهم زوائد وعالة لا ذات لهم ولا قيمة. وأي نزوع لديهم لإبراز أي درجة من الإرادة أو المطالب أو المطامح أو الآمال أو الأحلام، يشكل مساسا بسيادة الأوحد وتشكيكا بقدسية سلطته وحقه الطبيعي في الحكم والإدارة. ومن وراء هذه السلطة الكلية التي مثلها الأسد، وبالعمل الدؤوب على تعظيم قدراته التي وصفها الشيخ محمد رمضان البوطي في كلمته التأبينية بأنها لا يمكن أن تكون طبيعية، ولقاء عديد من المجازر الاستثنائية في وحشيتها، تمكّنت الطبقة العسكرية الأمنية من اجتياح المجتمع وإلحاقه بها، بطوائفه وقبائله ومجتمعاته المدنية والريفية، وتحويل الدولة إلى أداة سيطرة بالقوة، وجعل الانتماء لها ولاء للملك الإله، ونزعا للهوية الفردية والجماعية، وسلبا للإرادة والذاتية.

لم يولد هذا الغول من عقل الأسد مباشرة، ولم يتخلّق نتيجة مواهبه الخارقة. إنه تشكّل خلال الصراعات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي لم تجد حلولا لها

هذا الغول الرهيب الذي صارت إليه السلطة في سورية هو أصل الخراب الذي ضرب الجسم الوطني السوري، والذي انتهى بما يشبه يوم القيامة، عندما اصطدمت سيطرة هذا المركّب الحاكم بإرادة شعب صحا على وقع أجراس ثورات الربيع العربي من ثباته، ومن "الكوما" التي كان غارقا فيها، وقرّر أن يستعيد جزءا من إنسانيته وحقه في الكلام،  فأسقط عليه جبل من نار شاركت فيه، كما لو كانت وحشا خرافيا هائلا، جميع الأذرع العسكرية والأمنية والإدارية والإعلامية لطبقة تماهت مع الدولة/ الوحش، ولم تعد ترى نفسها قادرةً على الحياة من دونها ولا تقبل أن تفاوض على أي ذرة منها. وهذا هو مضمون شعار الأسد أو لا أحد، أو الأسد أو نحرق البلد.

لم يولد هذا الغول من عقل الأسد مباشرة، ولم يتخلّق نتيجة مواهبه الخارقة. إنه تشكّل خلال الصراعات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي لم تجد حلولا لها، ومن المخانق والطرق المسدودة التي قادت إليها، والنظريات والأطروحات التي كرّست انسدادها، والظروف الاستثنائية الداخلية والخارجية التي رافقت تشكيله، وأتاحت لهذا المركّب أن يتكون، ويصبح إطار التنظيم الرئيس لمجتمع جرد من هويته، والطبقة/ النخبة، أي الكتلة الوحيدة المتماسكة في مجتمع هشيم، رميم مجتمعات محلية وطبقات وأشباه طبقات مخضعة ومفقرة، من دون رأس ولا هياكل ولا وجهة ولا قوة محرّكة. ولا يتوقف هذا التماسك على تأييد جماعة أو طائفة، وإنما يستند إلى الاحتكار الشامل للقوة ووسائل العنف، وما يبعثه من اعتقاد بالتفوق والقدرة الفائقة على فرض الذات وإخضاع الخصم مهما كان. وبالمثل، لا تعكس ممارسات أعضاء هذا المركّب التي تجمع بين استباحة حقوق المخضعين، والمبالغة المقصودة في القهر والإذلال، والاستهزاء بمعنى القانون، والتحدّي الاستفزازي للقيم الاجتماعية والدينية والأخلاقية للجمهور الواسع، ثقافة أي طبقة اجتماعية عرفت عبر التاريخ، ولا تستمد وحيها من أي عقيدةٍ أو مذهبٍ أو ثقافة، حتى البدائية منها. ولا تعبر عن أو تستلهم أي فكرة قومية أو اشتراكية أو دينية، بمقدار ما تعكس عدمية فكرية وأخلاقية تبيح أي محرّم وتضرب عرض الحائط بكل القيم والمبادئ والمذاهب، الحديثة والقديمة، الدينية والعلمانية. عقيدته الوحيدة هي العنصرية التي يبعثها احتقار الضعف والحاجة لإعادة إنتاج العلاقة بين الشعب والنخبة الحاكمة علاقة عبيد بأسياد. 

من دون تفكيك هذا المركّب الطفيلي، الذي دمّر المجتمع والدولة معا وحل محلهما، والذي لا ينتج إلا العنف والفساد، لا يمكن لدولة أن تولد من جديد، ولا لمجتمع أن يستعيد حياته وانسجام أعضائه. فنحن لسنا هنا أمام طبقة برجوازية أو عاملة ولا فلاحين ولا طوائف وأديان ومذاهب وأحزاب، ولا حتى أمام مانديلا ودو كلريك، إنما أمام ورم خبيث فتك بالجسم السوري، وأودى به، دولة وشعبا، إلى الموت والهلاك.

=========================

المطلوب عربياً في الوضعين العراقي والسوري

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 6/4/2021

بات الانفتاح العربي على العراق ظاهرة تستوقف الالتفات إليها. وهي إيجابيةٌ على الرغم من ملاحظات وثغرات قد يُشار إليها هنا وهناك. والمقصود هنا هو الانفتاح الخليجي في المقام الأول؛ السعودي والقطري والكويتي على وجه التحديد؛ إلى جانب الانفتاح المصري والأردني على العراق الذي كان له دوره المؤثر على مرّ العصور في تحديد ملامح المنطقة على مختلف المستويات؛ لكنّه تحوّل بعد سقوط نظام صدّام حسين إلى ساحةٍ مفتوحةٍ أمام التمدّد الإيراني الذي وصل إلى المفاصل الأساسية في الدولة والمجتمع العراقيين. والعوامل التي أوصلت الوضع العراقي إلى ما هو عليه راهناً عديدة، منها: الأخطاء التي كانت إثر التدخل الأميركي القوي الذي أدى إلى إسقاط النظام عام 2003، وما ترتب على ذلك من انهيار للدولة العراقية بكلّ مؤسساتها؛ وعزوف السنّة عن المشاركة الفاعلة في العملية السياسية الناشئة التي انطلقت بعد 2003، وارتفاع منسوب التعصّب المذهبي نتيجة الجهود والسياسات الإيرانية التي اعتمدت بصورة أساسية على مليشيات الأحزاب التي كانت تتلقى الدعم والتوجيه من النظام الإيراني.

وبلغ التحكّم الإيراني ذروته مع تشكيل "الحشد الشعبي" خارج إطار الجيش وأنظمة الدولة في عهد رئاسة نوري المالكي للحكومة، بذريعة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، لتتحوّل تلك القوات لاحقاً إلى ذراع عسكرية إيرانية التوجيه، وبأموال وعناصر عراقية؛ الأمر الذي أحدث خلخلة كبرى في البنية المجتمعية العراقية التي كانت تعاني أصلاً من التفكّك والهواجس المتبادلة نتيجة السياسات القمعية التي مارسها نظام صدام حسين، بحق جميع المكونات العراقية، تحت شعارات قوموية كبرى، كانت وسيلةً للانقضاض على الداخل الوطني العراقي، للتحكّم فيه من موقع المستبد المتعطّش للسلطة المطلقة.

مع تراكم مفاعيل الفساد، تكشّفت العورات، وخرج العراقيون، خصوصاً في المحافظات الجنوبية حيث الهيمنة الإيرانية، في انتفاضة عارمة، مطالبين بالعدل ومحاسبة الفاسدين

لقد استخدم النظام الإيراني العراق ساحةً لمشروعه التوسعي، عبر استغلال الورقة المذهبية لغايات سياسية، وتمكّن، مع الوقت، من إزاحة المرجعيات الشيعية الوطنية الأساسية وتهميشها، ليغدو هو مرجعية المليشيات المرتبطة به عضوياً. وقد استفاد قادة هذه المليشيات على الصعيد الشخصي من استقوائهم بالنظام الإيراني، وتجسّد ذلك في عمليات الفساد الكبرى التي حرمت العراقيين من ثروات بلدهم، وجعلتهم ضحايا البطالة والحاجة، وحرمتهم من أبسط الخدمات، مثل الماء النظيف، والكهرباء، والحدّ الأدنى المطلوب من الرعاية الصحية والتعليم المقبول.

ومع تراكم مفاعيل الفساد، تكشّفت العورات، وخرج العراقيون، خصوصاً في المحافظات الجنوبية حيث الهيمنة الإيرانية، في انتفاضة عارمة، مطالبين بالعدل ومحاسبة الفاسدين، الأمر الذي لن يتحقق من دون امتلاك العراقيين زمام أمور مجتمعهم ودولتهم.

هناك رغبة عراقية على أعلى المستويات في تطوير العلاقات مع الدول العربية، سيما الخليجية منها. والوجود العربي المؤثر في العراق يحقق نوعاً من التوازن المطلوب، ويمنح القوى العراقية الوطنية التي تعمل من أجل المشروع الوطني العراقي مزيداً من الدعم، والقدرة على التعامل مع الضغوط الإيرانية في الجنوب والوسط، والضغوط التركية في الشمال. وهناك توجّه جاد لدى المسؤولين العراقيين في القيادة السياسية الراهنة لإبعاد العراق عن الصراعات الإقليمية، وجعله جسراً للتواصل بين الجميع. وربما يؤثر هذا التوجه في موقف النظام الإيراني نفسه على المدى الطويل، بعد أن يقتنع بأنّ عقوداً من عقلية "تصدير الثورة"، والتدخل في شؤون دول الإقليم ومجتمعاته، لم تجلب إلى منطقتنا سوى الحروب والتدمير والتهجير، فإيران كانت، وستظل، قوة إقليمية مهمة في المنطقة، لكنّ عليها أن تقتنع بأنّها ليست القوة الوحيدة، ولا يمكنها أن تصبح كذلك؛ ومصلحة الشعب الإيراني توجب تحوّل إيران إلى قوة متعاونة، متفاعلة إيجابياً مع محيطها الإقليمي، لتتحوّل من ثم إلى جزء طبيعي فاعل من المجتمع الدولي.

النظام في سورية أعلن الحرب على السوريين، ومارس، ويمارس، القتل والتدمير والتهجير ضدهم. وهناك مئات آلاف من المعتقلين والمغيبين

وفي المقابل، نسمع دعوات تطلقها دول عربية للانتفاح على النظام السوري، وهي ترمي إلى تدويره، لا إلى مساعدة الشعب السوري الذي يعاني بأسره من استبداد هذا النظام، وما فعله بسورية والسوريين طوال عقود، خصوصاً منذ انطلاقة الثورة السورية في العام 2011. وما نراه في هذا السياق أنّ الوضع العراقي يختلف عن الوضع السوري، ومن الطبيعي أن تُعتمد لكلّ وضع الوصفة التي تناسبه، فالنظام في سورية أعلن الحرب على السوريين، ومارس، ويمارس، القتل والتدمير والتهجير ضدهم. وهناك مئات آلاف من المعتقلين والمغيبين ممن لا يُعرف عن مصيرهم شيء. ويعتمد هذا النظام على الدعم الإيراني ومليشيات حزب الله، والمليشيات المذهبية العراقية والباكستانية والأفغانية التابعة للنظام الإيراني، ليستمر؛ وكلّ هذا لا يقابله ما يماثله في الوضع العراقي.

يساهم الانفتاح العربي على العراق في تعزيز مواقع القوى التي تريد الخير للشعب العراقي؛ بينما الانفتاح نفسه على النظام السوري يساهم في ديمومة محنة السوريين ومعاناتهم جرّاء ممارسات هذا النظام الذي ما زال يصرّ على أنّ ما واجهه كان مؤامرة كونية لإسقاطه، وهو "النظام العلماني الحامي للأقليات". هذا في حين أنّه على أرض الواقع متحالفٌ مع نظام ولي الفقيه في إيران، ومع مليشيات حزب الله المذهبية في لبنان.

وهو النظام نفسه الذي مارس الاستبداد في حق كلّ السوريين، بمن فيهم معارضوه من العلويين، وهو الذي استغلّ الطائفة العلوية في مشروعه التسلطي، بتحويلها إلى خزّان بشري لجيشه ومليشياته وأجهزته القمعية؛ هذا في حين أنّ النخب العلوية الحريصة على مستقبل شعبها ووطنها كانت، وما زالت، معارضةً لكلّ ما فعله، ويفعله، هذا النظام ضد السوريين عامة.

أصبح وجود النظام السوري عقبة كأداء أمام إمكانية ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري مقدمة لتوحيده على أسس سليمة

وقد أثبتت تجارب الانفتاح السابقة على هذا النظام، خصوصاً في عهد بشار الأسد، عدم جدواها، بل أدّت إلى نتائج عكسية. ونتذكّر جميعاً الجهود الكبيرة التي بذلتها السعودية، في عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز الذي حاول معالجة الوضع بعد جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، وأقنع سعد الحريري عام 2009 بقضاء ليلةٍ رهيبة مع بشار نفسه في محاولة لإقناع الأخير بعدم تسليم كامل أوراقه إلى النظام الإيراني، لكنّ تلك الجهود لم تسفر عن المرجوّ المطلوب، فالنظام السوري شموليّ مغلق، قد وضع لنفسه من الآليات والمحددات بموجب "دستوره وقوانينه" ما يمكّنه من الاستمرارية. وهو غير قابل للإصلاح. محوره رأس النظام، وأركانه عناصر الزمرة الحاكمة اللامرئية التي تتحكّم بمفاصل السلطة والاقتصاد. وفي سبيل المحافظة على ذاته بعد الثورة الشعبية العارمة التي شملت معظم شرائح الشعب السوري، ومن جميع المكونات، وفي غالبية المناطق السورية، وثّق هذا النظام العلاقات مع النظام الإيراني، حتى تمكّن الأخير من التغلغل في الدولة والمجتمع السوريين، خصوصاً الجيش والأجهزة الأمنية. كما تمكّن من فرض نفوذه وسطوته عبر المليشيات المذهبية التي أُدخلت إلى البلاد بناء على أوامر إيرانية؛ وما زالت تعمل وفق تعليماتٍ وأوامر تتلقاها من الإيرانيين. وليس سرّاً تباهي المسؤولين الإيرانيين ومسؤولي حزب الله، في مناسبات عدة، بفضلهم في الإبقاء على نظام بشار، وذلك في تنافسٍ ملحوظ مع الروس الذين من جانبهم، صرّحوا بما يشير إلى دورهم الحاسم في المحافظة على بقاء النظام عام 2015، والذي كان، وفق التسريبات، على وشك السقوط. واليوم يعاني هذا النظام من تآكل داخلي بفعل الأزمة الاقتصادية الخانقة، نتيجة الحرب التي أعلنها النظام على الشعب والبلاد، ونتيجة الفساد الشمولي الذي بات من معالم هذا النظام والمستفيدين منه.

لقد أصبح وجود النظام السوري عقبة كأداء أمام إمكانية ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري مقدمة لتوحيده على أسس سليمة. ويستمد هذا النظام أسباب وجوده واستمراريته من الاستقواء بالقوى غير السورية، ويبني استراتيجيته على إبعاد السوريين عن دائرة القرار، ويمنعهم من المشاركة في إدارة بلدهم، ويحول دون إسهامهم في بلورة معالم مصيرهم وسعيهم من أجل مستقبل أفضل لأجيالهم المقبلة. لذلك، نرى أنّ الانفتاح العربي المطلوب في سورية هو الذي يكون على الشعب لدعمه وتمكينه من الخلاص من نظامٍ كان، وما زال، السبب في محنة السوريين.

الانفتاح العربي على العراق والاستثمار في مشاريع تنموية تركّز على البنية التحتية سيعزّز مواقع القوى الوطنية العراقية التي لا تريد أن يكون وطنها ساحةً لمشاريع الآخرين

الوضع في العراق مختلف، فالنظام البرلماني الذي اعتمد هناك منذ إسقاط نظام صدام حسين، فتح الأبواب أمام العراقيين، على الرغم من كلّ المثالب وحالات الفساد الكبرى التي كانت، وما زالت، متفاقمة بين المسوؤلين العراقيين، سيما بين المرتبطين عضوياً مع النظام الإيراني، لاختيار وجوه جديدة، سواء في البرلمان أم في الحكومة والرئاسة، وهيئات الدولة ومؤسساتها؛ وهذا ما يفتح الآفاق أمام تغييرات إيجابية تدريجية في حال توفر دعم معنوي، ومادي، وسياسي، للقوى والشخصيات الوطنية العراقية، الغيورة على شعبها وبلادها، وترغب في بناء عراق مستقل، والقادرة على طمأنه سائر مواطنيه من جميع المكونات، ومن دون أيّ استثناء.

وبناء على ما تقدّم، نرى أنّ الانفتاح العربي على العراق والاستثمار في مشاريع تنموية تركّز على البنية التحتية، ودعم قطاع الصحة والتعليم لصالح جميع العراقيين، سيعزّز مواقع القوى الوطنية العراقية التي لا تريد أن يكون وطنها ساحةً لمشاريع الآخرين، بل تعمل على أن يكون العراق ميداناً لتقاطع المصالح بين مجتمعات المنطقة ودولها. وهذا لن يتحقق من دون تعزيز الأمن والاستقرار في العراق، الأمر الذي يستوجب ضبط الميليشيات، وإخضاعها لسلطة الدولة. أما أن تدّعي تلك المليشيات بأنّها قانونية، وتمارس، في الوقت نفسه، التسلط على الدولة، وتزعزع استقرار المجتمع العراقي ومجتمعات المنطقة، فهذا هو الوضع الشاذ الذي لن ينهض العراق من دون القطع معه.

=========================

كيماوي الأسد.. والمحاسبة الدولية

عائشة صبري

حرية برس

الاثنين 5/4/2021

أربعةُ أعوامٍ مضتْ على مجزرة مدينة “خان شيخون” جنوب محافظة إدلب، بكيماوي نظام الأسد، التي ذهب ضحيتها ما لا يقل عن مئة ضحية جلّهم نساء وأطفال ومئات المصابين، سبقها بخمسة أيام إصابة نحو سبعين شخصاً خنقاً بغاز السارين في مدينة اللطامنة شمال محافظة حماة، وثلاثة أعوام على مُضي آخر مجزرة كيماوي في مدينة “دوما” بغوطة دمشق الشرقية حيث قُتلَ نحو ستين شخصاً واختنق مئاتٌ آخرون.

اليوم، ونحنُ نستذكر تلك الصور في مجزرتي “خان شيخون، ودوما”.. لا تزال نظرات ضحايا أطفالهما تُلاحقنا.. وتسألنا لماذا نذبح، لماذا نخنق، لماذا نموت بصمت؟، ويبقى المجرم طليقَ اليدين اللتين يُواصل بهما قتل الشعب السوري بكافة أنواع الجرائم، بالقصف، أو الاعتقال، أو خنقه اقتصادياً عبر حرمانه من أبسط مقومات الحياة تحت ذريعة أنَّه مُعاقبٌ دولياً.

واليوم، يسرح جنود الأسد وميليشياته ويمرحون في تلك المدن التي سيطر عليها بعد قصف بشتى أنواع الأسلحة، ومجازر عديدة، ومعارك بذل فيها الثوار ما يستطيعون، فمؤتمر أو مؤامرة “أستانا” كانت أقوى من سلاحهم، لكنَّ الصادقين منهم لم تخر عزيمتهم، ويردّدون بعد عشر سنوات من الثورة: “في تمام العقد، نجدّد العهد”.

محققون أمميون، ومراقبو انتهاكات القانون الدولي الإنساني، سجَّلوا في تلك المجازر انتهاكاً صارخاً، سبقه وتلاه جرائم كبرى لم يُحاسب عليها نظام الأسد، إذ فشلت الأمم المتحدة التي تعد شريكة في الجرائم عبر صمتها ومساندتها للنظام، ومجلس الأمن الدولي التابع لها في إنقاذ الشعب السوري من جرائم الأسد وانتهاكاته.

واستخدمت روسيا حقَّ النقض “الفيتو” عشرات المرات، لمنع صدور قرارات عن مجلس الأمن بخصوص سوريا، منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011 من بينها ستة قرارات ذات علاقة باستخدام السلاح الكيماوي كان آخرها في 11 /4/ 2018، لإسقاط مشروع أميركي يهدف إلى التحقّق في استخدام الكيماوي في “دوما”.

الهجوم بالسارين والكلور في دوما في 7 /4/ 2018 رفع عدد هجمات النظام بالسلاح الكيماوي إلى أكثر من 336 هجوماً معظمها بغازات الكلور والسارين سقط ضحيتها من الشعب السوري أكثر من 2000 شهيد وآلاف المصابين، كان آخرها هجوم بلدة الكبانة شمال اللاذقية، في 19 /5/ 2019 ، خلال المعارك الدائرة هناك، سقط نتيجته أربعة مصابين.

لكن ماذا عن المحاسبة التي توعّد بها المجتمع الدولي؟

فعليّاً لم نلمس من المجتمع الدولي سوى الوعود والتعهّدات، كان آخرها تعهّد وزراء خارجية 18 دولة أوروبية، خلال مؤتمر بروكسل الأخير بمواجهة إفلات نظام الأسد من العقاب، لاعتداءات بالأسلحة الكيميائية وعمليات خطف وإخفاء.

بينما تكتفي الأمم المتحدة بدور المراقب والمطالب بمحاسبة جميع مستخدمي الأسلحة الكيميائية في سوريا، والتشديد على أهمية وحدة الصف في مجلس الأمن للوفاء بهذا الالتزام العاجل. وفق استعراض ممثلة الأمين العام السامية لشؤون نزع السلاح ايزومي ناكاميتسو، لمجلس الأمن التقرير الشهري الـ89 للمدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية حول برنامج سوريا الكيميائي، وخلالها اتهمت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، روسيا بعرقلة كافة الجهود الأممية لمحاسبة الأسد على استخدامه الكيماوي ضد شعبه.

أمّا المبعوث الأممي الخاص لسوريا غير بيدرسون، فقد أقرّ بفشل المجتمع الدولي في تخليص السوريين من الحرب التي يشنّها نظام الأسد عليهم، وذلك في كلمة ألقاها، أمام مجلس الأمن، بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة السورية، مؤكداً أنَّ من ارتكب جرائم حرب في سوريا، “أفلت من العقاب”.

وبدورها بعثة تقصّي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، قدّمت دعوى إلى المدعي العام الفيدرالي الألماني في العام 2020، من أجل بدء محاكمة نظام الأسد بعد ثبوت استخدامه مادة السارين في خان شيخون، وتعمل على تسليم الأدلة للقضاء. كما حمَّلت للمرة الأولى في نيسان/أبريل 2020 النظام، مسؤولية اعتداءاته بالأسلحة الكيميائية على مدينة اللطامنة عام 2017، وبعد شهر اعتمدت قراراً يدين ذلك القصف، وأشادت به واشنطن، فيما صوّتت -كالمعتاد- روسيا وإيران والصين ضده.

وجاء القرار للجنة بعد تشكيل فريق تحقيق خاص بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في يوليو/ تموز عام 2019، كأول فريق لديه سلطات تتيح له توجيه اتهامات لمنفذي الهجمات، وفي أول تقرير له، حدد الفريق مسؤولية النظام عن الوقوف وراء ثلاث هجمات كيميائية باستخدام غازي السارين والكلور السامين في بلدة اللطامنة بريف حماة، إلا أنّ الفريق لم يتطرق إلى هجمات الغوطة وخان شيخون ودوما.

ورداً على عدم تقديم النظام تفاصيل للجنة التحقيق، قدمت فرنسا مسودة قرار نيابة عن 46 دولة في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، لتعليق “حقوق وامتيازات” سوريا في منظمة الرقابة الدولية، ما يعني أنَّها ستفقد حقها في التصويت، وسيتم النظر فيه في اجتماع خلال نيسان/أبريل الجاري للدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية البالغ عددهم 193 دولة.

وعند الرجوع بالذاكرة للوراء نجد أنَّ النظام أفلت من العقاب بعد ارتكاب مجزرة كيماوي الغوطة في آب/أغسطس 2013، إبان ولاية الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، الذي توصّل إلى صفقة مع الروس، تقضي بتدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية لتفادي القيام بعمل عسكري أميركي ضد النظام، ناسفاً بذلك خطه الأحمر حيال استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السوريين.

وخلال حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قصف (بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا) مطار الشعيرات العسكري في حمص رداً على مجزرة خان شيخون، ونال هذا الحدث المثير الكم الهائل من التصريحات الدولية والعربية والمحلية بشتّى المجالات السياسية والعسكرية والإعلامية، بل وعقدت لأجله جلسة طارئة في مجلس الأمن، حتّى عاد المطار للعمل من جديد بعد ساعات من إعلان خروجه عن الخدمة، فكان كالمثل القائل: “أسمع ضجيجاً، ولا أرى طحيناً”.

وبعد يوم من مجزرة دوما، تعرّض مطار التيفور العسكري شرق حمص لقصف جوي أمريكي، وجاء الردّ الأقوى من ترامب الذي غرّد على حسابه في تويتر، واصفاً نظيره السوري بشار الأسد بـ”الحيوان”، وأعلن أنَّه سيتم اتخاذ “قرار قوي” للردِّ على هجوم دوما، زاعماً أنَّ بلاده لديها “خيارات عسكرية كثيرة”.

فيما لم نرَ من مجلس الأمن يوم 9 أبريل/نيسان 2018 لبحث الهجوم على دوما، سوى سجالاً كلامياً بين مندوبي واشنطن وموسكو، ويتجدّد السجال في كثير من الأحيان، وآخرها نهاية العام 2020 بين مندوبي روسيا وألمانيا أثناء مناقشة تنفيذ القرار 2118 الخاص ببرنامج سوريا للأسلحة الكيميائية.

الشعب السوري بعد عشر سنوات من القتل والتهجير والتنكيل بالسجناء، والدمار الذي لا يعدّ ولا يُحصى، والمآسي التي تحتاج روايتها سنوات عدة، ما يزال يعاني وحده، لا أحد يشاطره حزنه، وما أقوال الغرب والعرب والأمريكان (…) إلا ادعاءات واهية لحفظ ماء الوجه، والكلّ ينظر لمأساة السوريين من جانب مصلحته الخاصة.

وإلّا لكان لزاماً عليهم سحق هذا المجرم الذليل، وما انتصاراته المزعومة على الثوار سوى أوهام لم تكن لولا الدعم الجويّ والبرّي الروسي – الإيراني وبقية الميليشيات الطائفية التي تُقاتل إلى جانبه عن عقيدتها من جهة، وبمباركة دولية وبإمرة إسرائيلية من جهة أخرى، وما تلك التصريحات الدولية إلّا إبر مخدر وتُرَّهات يضحكون بها على هذا الشعب المستمر بثورته اليتيمة حتى الرمق الأخير.

=========================

الداعم يتلاشى والحرية على الأبواب

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 5/4/2021

مهما كانت مأساة مَن نشدوا "الحرية" في سوريا، ومهما تعقّد حاضرهم، ومهما اتسعت معاناتهم؛ إلا أن المستقبل لهم. فعلوا "اللامُتَوقّع"، فكانوا أبطالاً بحق؛ والبطل يعمّر بلد، لا يدمره. لقد قطعوا مع الاستبداد، كمن يتخلّص من مرض. مَن استمر في ظل الاستبداد مغصوباً له عذره، ومَن عاش رمادياً، ستبقى حياته ومصيره كلونه. ومن تماهى مع الاستبداد له مصيره ذاته: العبودية والنهاية البائسة.

لن أعدد أو أصف مآسي ومصائب هؤلاء؛ إنها أكثر من واضحة. أما أولئك الذين دعموا الاستبداد من الخارج، فأزماتهم ومصائبهم من نوع آخر؛ ولا علاقة لها بالضمير أو العاطفة أو الإنسانية. كل مَن وقف إلى جانب الاستبداد في أزمة حقيقية وحالة إفلاس سياسي وأخلاقي.

لنأخذ "حزب الله"- حزب إيران برئاسة أداتها حسن نصر الله- كيف كان، وكيف صار. في أذهان ونفوس العرب، وخاصة السوريين كان بطلاً، مقاوماً، رمزاً للتحرير والعز والكرامة والشهامة بشعبية قلَّ نظيرها. الآن صفاته ومسلكه عكس ذلك تماماً. لم يساهم فقط بأذى سوريا ولبنان، بل امتد تخريبه حيث امتد مشروع إيران الخبيث المدمر في المنطقة العربية. يكفي تحوله إلى تاجر ومروج للمخدرات في منطقتنا ودول أخرى؛ والأهم أنه تحوّل إلى عبء حتى على منظومة الاستبداد في دمشق.

الحديد والنار لن يحمي إيران؛ ومستقبل أسود ينتظر هذا البلد الذي نشهد تململه يومياً للخلاص ممن أوصله إلى هنا

أما إيران فقد تحوّلت من منقذٍ للمنظومة إلى عبءٍ أكبر عليها. ففي الداخل الإيراني ذاته، تململ من ملالي الإجرام، والوضع الاقتصادي منهار، والسمعة الدولية في الحضيض. الكل يراها دولة مارقة داعمة للإرهاب، ويعمل على وقف امتداداتها؛ فلا حياة لمشروعها، لأنه مشروع موت لا حياة. يكفي أنه في نفس كل عربي أو مواطن في هذه المحيط إحساس رفض ونبذ واحتقار لهذه الجيرة الموبوءة. يكفي أن مشروع إيران التوسعي الخبيث أضحى مفضوحاً تماماً. الحديد والنار لن يحمي إيران؛ ومستقبل أسود ينتظر هذا البلد الذي نشهد تململه يومياً للخلاص ممن أوصله إلى هنا.

روسيا، المنقذ الآخر تتمتع بسمعة عالمية لا تُحسَد عليها كترسانة أسلحة ليس إلا، وكدكتاتورية ممقوتة تستجدي تواصلاً مع الآخرين عبر تقديم أوراق اعتمادها لإسرائيل مثلاً. زيادة على ذلك تتمتع بفشل اقتصادي، وتشهد تململاً شعبياً معارضاً؛ ملفاتها الإجرامية وخروجها على القانون تتراكم. جرائم النظام مشتركة بها؛ عقودها مع من ادعى الشرعية وباع البلد، لا قيمة لها. لن يحافظ عليها إلا بالقوة؛ وتكون قوة احتلال ومقاومتها واجبة. وهاهي أخيراً تُيقن أن تكرار منظومة الاستبداد مستحيلة؛ فهي تحتاج لمن ينقذها اقتصادياً، لتتمكن من إنقاذ المنظومة. والدلائل فشل بأهدافها المعلنة: عودة لاجئين إعادة إعمار إيجاد حل سياسي "على قياس مصالحها"؛ ولا بد من القطع مع هذه السياسة البهلوانية الخرقاء رمز الفشل أمام أميركا وإيران وتركيا، وحتى أمام الأسد الذي تحميه. ولو لم يكن بوتين أفشل من لافروف لطرده؛ فالنجاح الوحيد الذي حققته تلك السياسات كان في القتل والتدمير والتهجير، وتجريب صنوف السلاح على أرواح السوريين؛ وكل هذا وصمة عار في تاريخها. فما الذي تنتظره منظومة الاستبداد من هكذا "دولة عظمى"؟

ومِنَ العربان مَن سعى للتطبيع، من داهن وكذب وراوغ وتعامل بالخفاء المكشوف. من سعى لجعل المأساة السورية درساً لشعبه كي لا يفعل ما فعلته انتفاضة سوريا واضح. خوف البعض يعشش في داخلهم، ويجعلهم يرتعدون من مصير مشابه لمنظومة الاستبداد. يجعلهم في حالة تجاذب بين تعاطف مع ألم الشعب السوري، ومصير كل من يستبد بشعبه؛ فلا هم يريدون لثورة السوريين أن تنجح، ولا هم يستطيعون مد اليد لمنظومة الإجرام. الموقف الطيب والمساند لشعب سوريا، وهو الأقوى، أيضاً واضح؛ وموقف المرتعدون الذين لا يستطيعون علناً دعم منظومة الاستبداد واضح؛ وهو الأضعف، وغير المفيد لمنظومة الاستبداد.

أما إسرائيل، فقصتها غريبة قليلاً؛ فهي-منذ تأسيسها- لم تُنجز بقدر ما أنجزت خلال العقد الماضي؛ وعلى حساب مأساة السوريين. وحسب العارفين ببواطن الأمور استراتيجياً، هذا الجنى مؤقت؛ وعلى المدى البعيد، يعيدها إلى البداية والخوف والحصار والغربة؛ لأن السوريين وصلوا إلى قناعة بأنها الأحرص على من فتك ببلدهم وأوصله إلى هذا الوضع المأساوي؛ فهي لا تستطيع إنقاذ تلك المنظومة، ولا تستطيع المجاهرة بما فعلت، ولا تلبية استغاثة نظام خدمها.

طال الزمان أو قَصُر، مصير هذه المنظومة الهزيمة بفعل ذاتي وآخر موضوعي؛ فهي بذرة شر فقدت مقومات البقاء

أما الاستخبارات العالمية، فخسارتها كبيرة بحكم تضعضع منظومة الاستبداد، وانحسار الخدمات الجليلة التي كانت تسديها لتلك الاستخبارات؛ من خلال موقعها الاستراتيجي، واستعدادية أهل الاستبداد لبيع كل شيء من أجل بقاء السلطة.

طال الزمان أو قَصُر، مصير هذه المنظومة الهزيمة بفعل ذاتي وآخر موضوعي؛ فهي بذرة شر فقدت مقومات البقاء، ارتكبت ما لا يُغفر؛ ومَن وقف إلى جانبها يزداد ضعفاً وإحراجاً وتدهوراً؛ فهو لا يقوى على حَمْلِ ذاته، كي يحمل ذلك العبء الإجرامي الدموي.

حق السوريين كالرمح وكمنارة؛ وما على السوريين وهذا العالم المعمي على قلبه إلا أن يدغش نحوها كي يرتاح ويريح. والقول بأن "الحق" في عالمنا مسألة عاطفية؛ ويحتاج لقوة لتحصيله؛ فالقوة موجودة وسوريا قوتها بداية من قوة الله وإرادة شعبها. لا بد من تواصل العقول والأيدي السورية لتضع القرارات الدولية التي تنص على التغيير والانتقال من حالة الاستنقاع السياسي أمام العالم وبموقف واحد وصوت واحد: "نريد استعادة بلدنا وخلاصه والنهوض به". ولن يكون أمام كل القوى المتدخلة بشؤونه إلا التجاوب مع تلك الإرادة وتلك القرارات، التي يتشدقون بضرورة تطبيقها. وإن كان لهم من مصالح، فلا بد من الاحتكام للقوانين والعلاقات الدولية بشأنها. وإن كان غير ذلك، فهذه القوى بحكم القانون والشرع قوى احتلال، ومن حقنا مقاومتها وتحرير بلدنا. تلك القوى مأزومة؛ لم يعد لدينا ما نخسره؛ الزمن يبدأ غداً؛ وهذه دعوة للتحرير والاستقلال الجديد.

=========================

هل يُحاسب النظام السوري؟

عبسي سميسم

العربي الجديد

الاحد 4/4/2021

في الوقت الذي يتحضّر فيه النظام السوري لاستكمال الإجراءات الشكلية من أجل ترشيح بشار الأسد للانتخابات الرئاسية المقبلة، من خلال إعلان ذلك رسمياً في جلسة لمجلس الشعب خلال أيام، يعمل المجتمع الدولي ومنظمات من المجتمع المدني حول العالم، على إظهار الوجه الحقيقي للنظام السوري، وفضح كل جرائمه بحق السوريين، التي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. ويبدو ذلك كنتيجة لتشكّل قناعة لدى المجتمع الدولي، بضرورة عدم السماح لهذا النظام بالاستمرار في لعبة الانتخابات، وتكريس حكم بشار الأسد لسبع سنوات جديدة، وضرورة محاسبة مرتكبي الجرائم بحق السوريين، وعدم السماح بإفلاتهم من العقاب.

ولعل البيان الذي صدر عن وزراء خارجية 18 دولة أوروبية، الأربعاء الماضي، وحمّل النظام السوري المسؤولية الأساسية عن الجرائم التي تُرتكب في سورية، هو الموقف الأهم في هذا الإطار، كونه يحمل موقفاً سياسياً واضحاً وحازماً من معظم دول الاتحاد الأوروبي تجاه الجرائم التي يرتكبها النظام. ويضاف إلى ذلك تحميل البيان المسؤولية لداعمي النظام أيضاً بشأن تلك الجرائم، وهي المرة الأولى التي يُشار فها صراحة إلى ضرورة محاسبة الدول والكيانات التي تدعم النظام. فضلاً عن دعوة البيان للمحكمة الجنائية الدولية، من أجل التحقيق في جرائم النظام، والتذكير بأن الهدف من توثيق الجرائم يتمثل في "إفشال استراتيجية أولئك الذين يعرقلون إحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية من خلال مجلس الأمن".

كذلك، يكتسب التقرير الشامل الذي أصدرته منظمات حقوقية روسية أخيراً، عن الانتهاكات الروسية في سورية وتورط موسكو في جرائم حرب، أهمية خاصة، كونه أول تقرير يصدر عن منظمات من إحدى الدول الداعمة للنظام، بالإضافة إلى شموليته وصدوره عن فريق من أهم المدافعين عن حقوق الإنسان. وتضاف إلى كل ذلك تقارير أخرى صدرت بشكل متزامن عن منظمات حقوقية، إلى جانب عدد من التصريحات على لسان مسؤولين غربيين، كلها إما تشير إلى عدم شرعية الانتخابات الرئاسية في سورية في ظلّ الوضع الراهن، أو تتحدث عن جرائم النظام وضرورة محاسبة المتورطين فيها.

ولكن على الرغم من تصاعد الموقف الدولي ضدّ ترشيح بشار الأسد، إلا أنه لم يصدر حتى الآن موقف جدي وحاسم من المجتمع الدولي، من شأنه منع الانتخابات التي يصرّ عليها النظام، أو يفرض البديل عن تلك الانتخابات، عبر تطبيق قرارات الشرعية الدولية التي يتحدث عنها الجميع من دون أي نية حقيقية لتطبيقها.

=========================

إيران تستغل الأزمة الاقتصادية لـ«تجنيد سوريين» في ميليشياتها

دمشق - لندن: «الشرق الأوسط»

الاحد 4/4/2021

أفاد تقرير حقوقي سوري بأن إيران تستغل الأزمة الاقتصادية لـ«ترسيخ التغلغل» في غرب نهر الفرات وريف حلب والمناطق الواقعة بين دمشق وحدود لبنان وتجنيد شباب في ميليشياتها، لافتاً إلى أن عدد عناصر الميليشيات الإيرانية غرب الفرات بلغ 25 ألف عنصر بينهم نحو عشرة آلاف سوري.

وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أمس، إن «الميليشيات الموالية لإيران عمدت إلى استقدام تعزيزات عسكرية في الثاني من الشهر الماضي، حين وصلت 3 حافلات مقبلة من العراق، تقل عناصر إلى مقرات ميليشيا (سيد الشهداء) في قرية الهري الواقعة بريف البوكمال على الحدود السورية - العراقية شرق دير الزور، حيث تزامن دخول تلك القوات مع استنفار لعناصر الميليشيات الإيرانية، وأتبعت هذه التعزيزات تدريبات عسكرية أجرتها الميليشيات في السابع من الشهر الماضي، حيث ضربت انفجارات عنيفة بادية الميادين شرق دير الزور، ناجمة عن تدريبات بالذخيرة الحية بمناطق عدة ضمن بادية الميادين، أبرزها منطقة المزارع أكبر تجمع لهم في تلك المنطقة، وجرى استخدام أسلحة ثقيلة من قذائف وغيرها في التدريبات التي يشرف عليها قيادات من الحرس الثوري ولواء فاطميون».

وفي نهاية مارس (آذار)، رصد وصول شحنة أسلحة جديدة تابعة للميليشيات الموالية لإيران إلى منطقة الميادين مقبلة من الأراضي العراقية، حيث دخلت 3 شاحنات تحمل خضاراً وفاكهة مقبلة من العراق وتوجهت في بداية الأمر إلى «سوق الهال» في الميادين، وأنزلت صناديق خضار وفاكهة كنوع من التمويه، قبل أن تغادر الشاحنات وتتوجه إلى منطقة المزارع - أكبر تجمع للميليشيات في منطقة الميادين، وأفرغت الأسلحة ضمن أنفاق موجودة هناك كان تنظيم «داعش» قد حفرها سابقاً، وحالياً يتم استخدامها من قبل الميليشيات الموالية لإيران للتنقل وتخزين السلاح والذخيرة.

وتشهد منطقة غرب الفرات حركة تجارية مستمرة بين الإيرانيين والميليشيات التابعة لها مع الجانب العراقي، حيث تشهد المعابر الشرعية وغير الشرعية بين سوريا والعراق غرب الفرات، دخول وخروج شاحنات محملة بخضار وفاكهة وسلع تجارية أخرى بشكل يومي. وقال «المرصد» إن «الميليشيات الإيرانية تعمل على استغلال هذه الحركة التجارية بكثير من الأحيان لإدخال شحنات أسلحة إلى مناطقها ضمن شاحنات الخضار والفاكهة، إلا أن ذلك لا يعني أن كل عملية دخول وخروج لشاحنات تجارية تكون محملة بأسلحة وذخائر».

وعمدت في منتصف الشهر الماضي، إلى تخزين أسلحة وذخائر ضمن قلعة الرحبة الأثرية في محيط مدينة الميادين بريف دير الزور الشرقي، حيث كان «داعش» يعمل على تخزين أسلحته تحت الأرض في سراديب وأقبية القلعة إبان سيطرته على المنطقة، وهو ما تستغله الآن الميليشيات الموالية لإيران وتعاود فعل التنظيم، خوفاً من الاستهدافات المتكررة لمواقعها ومراكز تخزين أسلحتها وذخائرها، لا سيما أن القلعة كبيرة ومحصنة بشكل كبير.

في غضون ذلك، تواصل إيران «ترسيخ» وجودها ضمن المناطق الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات ابتداء من الميادين ووصولاً إلى مدينة البوكمال الاستراتيجية عند الحدود السورية - العراقية، فتارة تعمل على ترسيخ وجودها من خلال تجنيد الشبان مستغلة الفقر والأوضاع المعيشية، وتارة أُخرى تعمل على مصادرة واستملاك وشراء العقارات من أصحابها المهجرين إلى مناطق أُخرى من الأراضي السورية، أو موجودين في دول اللجوء والاغتراب.

وقال: «قامت دوريات تابعة للأمن العسكري بإنذار قاطني نحو 50 منزلاً في مدينة البوكمال، بضرورة إخلائها خلال مدة زمنية قصيرة وتعود ملكية المنازل لأشخاص معارضين للنظام السوري ممن شاركوا في الحراك الثوري ضده في بدايات الثورة السورية وهُجروا من مدينة البوكمال بعد سيطرة (داعش) عليها ومن ثم الإيرانيين، وإن إنذار قاطني المنازل جاء بطلب مما يسمى (مكتب الأصدقاء) التابع بشكل مباشر لـ(الحرس الثوري الإيراني)، الذي أبلغ بدوره قوات (الأمن العسكري) بتسليم البلاغات لقاطني المنازل التي ستصادر خلال الأسبوع المقبل، حيث يقطن تلك المنازل أقرباء لأصحابها».

كما استولت مجموعات تابعة لميليشيات «أبو فضل العباس» بتاريخ 12 الشهر الماضي، على محطة وقود القلعة الواقعة بمنطقة البلعوم على أطراف مدينة الميادين. وفي 22 مارس، قامت الميليشيات الموالية لإيران بمصادرة عدد كبير من المحال التجارية والمنازل في مدينة الميادين. وزاد: «تواصل الميليشيات الموالية لإيران العمل على استقطاب الشبان والرجال في منطقة غرب الفرات، وتجنيدهم في صفوفها في استغلال واضح وصريح للفقر المدقع المسيطر على كامل مناطق النظام السوري، وسط سوء الأوضاع المعيشية والانهيار الكارثي بالاقتصاد، حيث تتسلح الميليشيات بالمال وتقوم بإغراء الشبان والرجال للانخراط في صفوفها، فضلاً عن استقطاب عشائر المنطقة». ووفقاً لمصادر، فإن «عدد الأشخاص الذين جرى تجنيدهم لصالح الميليشيات الموالية لإيران في منطقة غرب الفرات ارتفع إلى 9850 شخصاً. كما يذكر أن تعداد الإيرانيين والميليشيات الموالية لها من جنسيات سورية وغير سورية في المنطقة هناك بلغ أكثر من 25 ألفاً، في الوقت الذي تواجه فيه روسيا صعوبة كبيرة على مزاحمة الإيرانيين غرب الفرات من خلال محاولاتها باستقطاب العشائر والأشخاص، إلا أن الكفة إلى الآن لا تزال راجحة بقوة لصالح الإيرانيين».

وتشهد المناطق السورية قرب الحدود مع لبنان بريف دمشق، تحركات متواصلة للميليشيات الموالية لإيران بقيادة «حزب الله» الذي يعد «الحاكم الفعلي للمنطقة»، وتتمثل هذه التحركات في عمليات شراء الأراضي الواقعة على الشريط الحدودي بين البلدين. وقال: «قامت تلك الميليشيات حتى اللحظة بشراء أكثر من 200 أرض في منطقة الزبداني، وما لا يقل عن 305 أراضٍ في منطقة الطفيل الحدودي التي باتت كقرية الهيبة الأسطورية في أحد المسلسلات السورية. كما قامت باستملاك ومصادرة 120 شقة وفيلا».

وقرب حلب، تواصل الميليشيات الموالية لإيران سواء المحلية منها أو الأجنبية من جنسيات عربية وآسيوية «عملية شراء العقارات في أحياء متفرقة من مدينة حلب وعلى الوتيرة المتصاعدة نفسها، مستغلة الواقع المزري والأوضاع المعيشية الكارثية، ولا تزال الأحياء الشرقية لمدينة حلب التي هُجر كثير من أهلها قبل سنوات، تتصدر المشهد من حيث استملاك الميليشيات الموالية لإيران للعقارات فيها من منازل ومحال تجارية كأنه تغيير ديموغرافي للمنطقة»، حسب «المرصد». وزاد: «لا تزال الميليشيات الموالية لإيران بقيادة (لواء فاطميون) الأفغاني مستمرة بالتمدد والتغلغل في ريف حلب، عبر استمرار عمليات التجنيد. وإن تعداد المجندين ارتفع إلى نحو 645 منذ تصاعد عمليات التجنيد مطلع فبراير (شباط) 2021».

وأشار «المرصد» إلى أن «جمعية خيرية» تعمل على استقطاب الشبان من أبناء مدينة حمص والمقيمين فيها من مختلف المحافظات، وإغرائهم برواتب شهرية لتجنيدهم عسكرياً لصالح الميليشيات الموالية لإيران لـ«حماية وحراسة خط النفط التابع للإيرانيين والممتد من العراق إلى حمص، حيث يقومون بحماية الخط من الحدود السورية - العراقية وصولاً إلى محافظة حمص».

=========================

روسيا في سوريا.. الخيار صفر

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 4/4/2021

مقال رأي في الأول من نيسان/أبريل الحالي بخصوص الوضع في سوريا وقعه 18 وزير خارجية أوروبيا، تلاه في اليوم نفسه بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية. الموقفان الأوروبي والأميركي يؤكدان على محاربة الإفلات من العقاب على الجرائم التي ارتكبها النظام في سوريا، والتزام بضمان عدم إفلات مجرمي الحرب والجلادين من العقاب. ويوضح الموقف الأميركي الهدف من المبادرة "لسنا في مجال محاولة هندسة تغيير النظام في المنطقة، لكننا سنطالب بالمحاسبة والعدالة للشعب السوري، الشعب السوري الذي عانى بشكل رهيب ومروع في ظل حكم بشار الأسد".

فشلت كل الرهانات الروسية على إعادة تأهيل النظام وتعويمه، وباتت موسكو تدرك أن سياستها في سوريا وصلت إلى طريق مسدود

الموقف الأوروبي والأميركي تكرر أكثر من مرة، وكانت الذكرى العاشرة للثورة السورية في الخامس عشر من الشهر الماضي مناسبة لصدور بيان مشترك، عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أكد أن الإفلات من العقاب أمر غير مقبول في سوريا، وستتم مواصلة الضغط من أجل المساءلة عن الجرائم الأكثر خطورة.

فشلت كل الرهانات الروسية على إعادة تأهيل النظام وتعويمه، وباتت موسكو تدرك أن سياستها في سوريا وصلت إلى طريق مسدود، ولا سبيل أمامها لإخراج النظام من سلسلة الأزمات التي تحاصره، وهي أزمات مركبة. داخلية وخارجية. ويعود الفشل الروسي إلى عاملين: العامل الأول هو تمسك موسكو بالنظام كما هو من دون إدخال أي تعديل يفتح نافذة لحل يقوم على التلاقي في منتصف الطريق. والعامل الثاني هو أن فاتورة تعويم النظام باتت كبيرة جدا وباهظة من النواحي السياسية والاقتصادية، وتعمل أميركا وأوروبا على توريط روسيا أكثر فأكثر في المستنقع السوري.

في هذا الوقت تتصاعد الأزمة الاقتصادية على نحو دراماتيكي ينذر بالانهيار السريع لما بقي من الدولة السورية في المناطق التي يسيطر عليها النظام، حتى إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لم يتردد في أن يحذر من مخاطر "تفكيك الدولة السورية"، ولكنه تهرب من تحديد السبب الفعلي، ورمى المسؤولية على سياسات واشنطن التي اتهمها بتشجيع "النزعات الانفصالية"، في إشارة إلى الأكراد في شمال شرقي سوريا. وعزى التصلب في موقف دمشق إلى سياسة العقوبات.

مما يفاقم من الأزمة ويرفع الفاتورة الروسية انسداد الأفق السياسي، وجمود الوضع على ما هو عليه سياسيا، في حين يتدهور اقتصاديا واجتماعيا

وشهد هذا الأسبوع انحدارا سريعا وتفاقما للأزمة الاقتصادية على نحو غير مسبوق. ندرة في المواد الأولية والمحروقات والأدوية في أسواق دمشق، حلب، حمص، وحماة، إلى حد أن النظام لم يعد قادرا على تأمين الوقود لسيارات النقل العام، وكانت طوابير المواطنين في ساحات المدن وهم ينتظرون وسائل المواصلات تعبيرا عن استقالة الدولة من دورها ووظيفتها، ولا يعبر ذلك عن عجز النظام فقط، بل روسيا وإيران كدولتين راعيتين له تحتم عليهما أصول الرعاية عدم تركه ينهار، لأن ذلك ينعكس عليهما بالضرر الكبير إلى حد يضيع معه الاستثمار الكبير الذي وظفتاه من أجل استمراره منذ بدء الثورة السورية.

ومما يفاقم من الأزمة ويرفع الفاتورة الروسية انسداد الأفق السياسي، وجمود الوضع على ما هو عليه سياسيا، في حين يتدهور اقتصاديا واجتماعيا، وهذا يضغط على الروس والنظام للبحث عن مخرج، ولا يبدو أن هناك خيارات غير استئناف الحرب للسيطرة على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غربي سوريا.

تبدو روسيا اليوم عند مفترق طرق، فالأمر لا يتوقف عند البحث عن حلول سريعة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، بل هناك قرار إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في نهاية أيار/مايو المقبل. وتواجه هذا الاستحقاق عدة عقبات، يأتي في طليعتها الموقف الأميركي الأوروبي الذي يتلخص في رفض إجرائها على أساس الدستور الحالي، وعدم الاعتراف بشرعية نتائجها إن لم تتم وفق دستور جديد وتحت إشراف الأمم المتحدة، وتؤكد أميركا وأوروبا على عدم التطبيع مع بشار الأسد الذي بات يتلقى التهديدات الجادة بتقديم أركان نظامه إلى المحاكم الدولية المختصة بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، ولكن هذه المرة من خارج مجلس الأمن الذي عطلت موسكو دوره في محاسبة النظام السوري منذ عام 2012.

=========================

مجزرة خان شيخون: جهود محاسبة الأسد بلا نتائج

عماد كركص

العربي الجديد

الاحد 4/4/2021

صبيحة الرابع من إبريل/نيسان عام 2017، ظنّ المدنيون في خان شيخون بمحافظة إدلب، أن التحليق الكثيف لطيران النظام، يندرج ضمن الأمور الاعتيادية، التي ألفها سكان إدلب ومحيطها، بعد احتدام الحرب السورية. لكن كل ذلك تبدد عند الساعة الثامنة صباحاً، حين نفّذت طائرات نحو 15 غارة جوية، مستهدفة وسط المدينة وأحياءها، بصواريخ وقنابل تحمل غاز السارين السام، ما حوّل المشهد في المدنية إلى كارثي خلال لحظات، إذ قتل أكثر من 100 مدني، بعد أن قضوا اختناقاً باستنشاقهم هذا الغاز، الذي لوث الهواء في خان شيخون.

وعلى الرغم من أن الجريمة كانت من أفظع الجرائم المرتكبة خلال سنوات الحرب السورية، إلا أنها على غرار المجازر الأخرى التي ارتكبها النظام السوري؛ سواء باستخدام السلاح الكيميائي أو غيره؛ ومنها مجزرة الغوطة الشرقية في دمشق صيف عام 2013 التي راح ضحيتها قرابة 1400 مدني، استطاع النظام الإفلات من العقاب بعد ارتكابها. وبدا ذلك أشبه بتواطؤ دولي متواصل، لا سيما بعد مجزرة الغوطة، إبان ولاية الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، الذي توصل إلى صفقة مع الروس، تقضي بتدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية لتفادي القيام بعمل عسكري أميركي ضد النظام، ناسفاً بذلك خطه الأحمر حيال استخدام الأسلحة الكيميائية في حرب الأسد ضد السوريين.

ظلّت الأصوات المطالبة بمحاسبة النظام السوري مرتفعة

وقبل فترة من خروجه من البيت الأبيض، أقر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سبتمبر/أيلول 2020، بأنه كان ينوي فعلياً معاقبة الأسد على ارتكابه مجزرة خان شيخون، عبر اغتياله، غير أنّ وزارة الدفاع عارضت الخيار. واكتفى ترامب بقصف مطار الشعيرات بريف حمص، الذي خرجت منه الطائرات الحربية لتنفيذ الجريمة، بـ 59 صاروخاً موجهاً من نوع "توماهوك"، وذلك في السابع من إبريل/نيسان من العام 2017، أي بعد ثلاثة أيام على الحادثة. تلك الضربات شلّت قدرة المطار لفترة وجيزة، قبل استعادة نشاطه من جديد، بتحريك الطائرات وشنّ الضربات الجوية ضد السوريين، في مناطق الوسط والشمال.

وظلت الأصوات المطالبة بمحاسبة النظام مرتفعة في الأروقة الدولية وعبر المنظمات الفاعلة في هذا الشأن، حتى بعد عام على ارتكاب الجريمة في خان شيخون. لكن بعد أيام من الذكرى الأولى للمجزرة، ردّ النظام بارتكاب مجزرة أخرى في مدينة دوما شرقي دمشق، في 7 إبريل 2018، وأودت بحياة أكثر من 100 شخص، كلهم من المدنيين، بالإضافة إلى مئات المصابين، ليؤكد بذلك أنه ماض في استخدام السلاح الكيميائي.

وحول التحقيقات الدولية بهدف تحديد الجهة المنفذة لمجزرة خان شيخون، بالأدلة القانونية، قال مدير "مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سورية"، نضال شيخاني، إن "بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، حققت بهذه الجريمة وأحالت تقريرها بشأنها إلى آلية التحقيق المشتركة (بين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة) (جيم)، والتي بدورها دانت نظام الأسد باستخدام مادة السارين في خان شيخون. وبالتالي قُدمت دعوى إلى المدعي العام الفيدرالي الألماني في العام 2020، من أجل بدء محاكمة في هذا الشأن، وما زلنا نعمل على تسليم الأدلة للقضاء"، مشيراً إلى مشاركة المركز في التحقيقات المتعلقة بالحادثة.

وفصّل شيخاني، في حديث مع "العربي الجديد"، دور المركز ومسار التحقيقات، بالقول إنه "بعد الحادثة مباشرةً، أي في منتصف إبريل، توجهنا مع بعثة تقصي الحقائق من أجل جمع الأدلة والاستماع إلى إفادات الشهود". وأضاف: "من ثم أصدرت بعثة تقصي الحقائق تقريرها الأول الذي أشار إلى استخدام مادة السارين لأغراض عدائية، من دون تحديد الجهة المسؤولة عن ذلك. وفي العام نفسه، وبقرار من مجلس الأمن، تم تشكيل آلية التحقيق المشتركة (جيم)، والتي عملت بدورها على تحقيقات جنائية، وخلصت إلى أنّ النظام السوري مسؤول عن هجوم بمادة السارين على مدينة خان شيخون". وأوضح شيخاني أنه "بعد تحقيقات متكررة، وأدلة لا يمكن الطعن بها، نؤكد على وجود مخزون لا يقل عن 600 طن من غاز السارين، فضلاً عن صواريخ سكود طويلة وقصيرة المدى، لديها إمكانية حمل رؤوس كيميائية، بالإضافة إلى حوالي 22 منشأة للتصنيع والتخزين، معظمها موجود في المناطق الساحلية السورية، والتي لم يتمكن فريق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من الوصول إليها".

وحول إمكانية محاسبة النظام على ارتكابه مجازر باستخدام الأسلحة الكيميائية، أشار شيخاني إلى أنه "لا يوجد فرصة لحدوث ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية، لأنّ النظام السوري لم يوقع على اتفاقية المحكمة". كما لفت إلى أنّ "مركز التوثيق" الذي يديره، قدم مقترحاً إلى وزارة الخارجية الأميركية في أغسطس/آب الماضي للعمل على محاسبة النظام. ولاحقاً عمل المدعي العام الألماني على فتح دعوى خان شيخون والغوطة الشرقية في آن.

وكان رئيس آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيمائية، إدموند موليت، أشار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2017، خلال إحاطة حول أحدث النتائج المتعلقة في مجزرة خان شيخون، إلى أن "الآلية فحصت ثمانية سيناريوهات محتملة، بما في ذلك أنّ الحادثة ربما يكون قد تم تدبيرها لإلقاء المسؤولية على الحكومة السورية". وأضاف: "لقد جمعت الآلية بعناية أجزاء من حجج معقدة لا تزال بعض أجزائها مفقودة، ولم تستطع التأكد على وجه اليقين من أن الطائرة التي حملت المواد الكيميائية، أقلعت من قاعدة الشعيرات الجوية، أو نوع الطائرة المستخدمة، لكن الطائرات السورية كانت في المنطقة المجاورة مباشرة لخان شيخون وقت القصف. وحدد الخبراء أن الحفرة التي خلفها القصف كانت ناجمة على الأرجح عن تأثير قنبلة جوية تنتقل بسرعة عالية". وتابع موليت: "كشفت دراسة معملية متعمقة في كيمياء السارين، أن غاز الأعصاب المستخدم كان على الأرجح مصنوعاً من المادة الكيميائية السابقة نفسها، التي جاءت من المخزون الأصلي في سورية، بناءً على علامات فريدة"، مؤكداً أنّ "اللجنة واثقة من أنه عند جمعها معاً، فإنّ كل هذه العناصر تشكل دليلاً لا لبس فيه على أن سورية (النظام) كانت مسؤولة عن استخدام غاز السارين في خان شيخون".

هناك مخزون لا يقل عن 600 طن من غاز السارين بيد النظام

وفي إطار محاسبة النظام ورئيسه بشار الأسد على الهجمات الكيميائية التي استهدف بها المدنيين، استطاع المجتمع الدولي التوصل إلى القرار الأممي 2235، الصادر في 2015، والقاضي بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة بين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة، للتحقيق بمن يقف وراء الهجمات الكيميائية في سورية. وحددت اللجنة مسؤولية النظام بالوقوف وراء ثلاث هجمات باستخدام غاز الكلور، جميعها في إدلب (سرمين، قيمناس، تلمنس)، من دون أن تتطرق لثلاثة من المجازر الكبرى التي استُخدم فيها غاز السارين، في الغوطة وخان شيخون ودوما. وتم التمديد للجنة مرتين، وسط عراقيل كثيرة من قبل الروس، قبل أن ينتهي عملها بعد أن وجهت الاتهام للنظام بالوقوف وراء هجوم خان شيخون الكيميائي. إذ رفضت روسيا هذه الاتهامات، واستخدمت حق النقض الفيتو لإفشال عمل اللجنة في أكتوبر/تشرين الأول 2017.

وشهد شهر يوليو/ تموز عام 2019، تشكيل فريق تحقيق خاص بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، هو أول فريق لديه سلطات تتيح له توجيه اتهامات لمنفذي الهجمات. وفي أول تقرير له مطلع إبريل من العام الماضي، حدد الفريق مسؤولية النظام عن الوقوف وراء ثلاث هجمات كيميائية باستخدام غازي السارين والكلور السامين في بلدة اللطامنة بريف حماة، إلا أنّ الفريق أيضاً لم يتطرق إلى هجمات الغوطة وخان شيخون ودوما.

وفي ظل عدم تعاون النظام وحلفائه مع لجان التحقيق الأممية وتلك التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيمائية لتحديد هوية منفذي الهجمات الكيميائية في سورية، قدمت فرنسا خريف العام الماضي، مسودة قرار بالنيابة عن 46 دولة عضوة في المنظمة، لتعليق حقوق وامتيازات سورية في المنظمة، على أن يتم التصويت على هذا المشروع خلال اجتماع كامل أعضاء المنظمة في إبريل الحالي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية كشفت نهاية العام الماضي، وقبيل انتهاء ولاية ترامب، عن تقرير أرسلته إلى الكونغرس، يؤكد مواصلة نظام الأسد مساعيه للحصول على مكونات لبرامج الأسلحة الكيميائية والصواريخ، حيث يسعى لتطوير إمكانياته وقدراته في إنتاج أسلحة استراتيجية، كانت قد تآكلت خلال الحرب الدائرة منذ سنوات. وأشار التقرير إلى أنّ الخارجية تراقب عمليات الشراء التي يقوم بها النظام لدعم منظومة الأسلحة الكيميائية لديه وبرامجه الصاروخية، وسط مخاوف من ضلوع إيران في مساعدة النظام على التزوّد بصواريخ بالستية تدعم ترسانة غازي السارين والكلور لديه.

وفي الثاني من مارس/آذار الماضي، رفعت مجموعة من الناجين من الهجمات الكيميائية ومنظمات حقوقية سورية، دعوى جنائية في فرنسا لفتح تحقيق جنائي حول الهجمات بالأسلحة الكيميائية على الغوطة الشرقية في أغسطس 2013. وأيضاً لم تشمل تلك الشكوى حادثة مجزرة خان شيخون. لكن دعوة مشابهة كانت قدمت أمام القضاء الألماني في أكتوبر/تشرين الأول 2020، بشأن هجمات السارين بين عامي 2013 و2017 على الغوطة وخان شيخون، بحكم إثبات تورط النظام بكل من المجزرتين.

وعلى الرغم من أنّ القرار الدولي الرقم 2118 (2013) الخاص بنزع السلاح الكيميائي لدى النظام السوري، كان بمثابة إنقاذ للأخير الذي توقع العالم نهايته بعد ارتكابه مجزرة الغوطة عام 2013، إلا أنه كذلك لا يزال يشكل كابوساً بالنسبة للنظام. ويقضي القرار بانضمام سورية إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية، وسحب وتفكيك ترسانتها الكيميائية، وهذا ما يقول النظام إنه طبّقه، إلا أنّ المقلق بالنسبة له هو فرض عقوبات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، في حال استخدم السلاح الكيميائي مجدداً، وفقاً للقرار الأممي.

=========================

اليسار الشريك في قتل السوريين

غازي دحمان

عربي 21

السبت 3/4/2021

تأخرت كثيراً رسالة المثقفين السوريين التي دحضت زيف "التقدميين" و"اليساريين" في العالم، الذين أيدوا نظام الأسد في حربه الهمجية ضد الشعب السوري، والتي استخدمت أساليب القتل والتهجير والإبادة، وسياسة التجييش الطائفي، لمواجهة مطالب السوريين في الحرية والكرامة.

منذ اليوم الأول لخروج السوريين مطالبين بالإفراج عن أطفال درعا الذين اعتقلتهم أجهزة الأسد واقتلعت أظافرهم وقالت لآبائهم أن انسوا أمر الأولاد وأنجبوا غيرهم وإن لم تستطيعوا نرسل لنسائكم جنودنا الفحول.. منذ ذلك اليوم وقف اليسار العالمي والعربي ضد المنتفضين على سلطة الأسد الجائرة، بذريعة أن أصوات أنين المعذبين في سوريا ليست سوى محاولات للتشويش على أوركسترا محاربة الإمبريالية، التي يشكل نظام الأسد أحد عناصرها المهمين. والمفارقة أن الأسد في تلك الحقبة كان يلهث وراء رموز الإمبريالية للاعتراف به وقبوله.

ما ميّز حملة اليساريين في تأييد الأسد؛ جملة الأكاذيب والفبركات التي شنوها ضد ثورة السوريين، وربطها برموز إمبريالية خارجية، عبر تقارير ومعلومات غالباً ما جرى تصنيعها في أوكار المخابرات السورية والروسية والصينية، دون أن يسألوا أنفسهم عن الرابط بين جماهير (عمال وفلاحين) خرجت من الأرياف المهمّشة والضواحي الفقيرة، وبين أهداف واستراتيجيات مراكز الإمبريالية العالمية، وما حاجة تلك الإمبريالية لبلد ناتجه القومي  أدنى من ناتج مدينة صغيرة في أوروبا أو أمريكا؟

الغريب في حملة اليسار ضد السوريين، كم العنصرية الهائل الذي كشف عنه مدّعو الدفاع عن البروليتاريا والمهمشين، الذين شكّكوا حتى بإنسانية هؤلاء، عندما وصفهم الإعلام الروسي بـ"مصاصي الدماء" الذين يجتاحون أوروبا، والذين نظر لهم اليسار على أنهم فائض لا ضير من التضحية بهم على مذبح محاربة الإمبريالية.

والدليل على هذه النظرة الدونية، أن يساريي الأردن على سبيل المثال، في عمان وإربد وعجلون، كانت الحقيقة تبعد عنهم مسافة ساعة للوصول لمخيم الزعتري، على الأقل احتراما لعقولهم وضمائرهم، والاستفسار من ساكني المخيم البائس عن سبب ثورتهم وتشريدهم، أو على الأقل لكي يثبتوا أن هؤلاء متآمرين بدليل أنهم قبضوا خيماً وإعانات من الأمم المتحدة ثمن تأمرهم، مع أن هؤلاء اليساريين كانوا يقطعون مسافة أطول للوصول إلى دمشق والاجتماع ببشار الأسد وسماع روايته عن الأحداث!

غير أن المفارقة في مواقف اليساريين المحاربين للإمبريالية، التي لحظوا ملامحها في الثورة السورية، تأييدهم المطلق لسلوك وأفعال روسيا وإيران في سوريا، والذي كانت سمته الأساسية القتل والسيطرة على ثروات البلد مقابل حمايتهم لنظام فاقد للشرعية، وكثيراً ما اتهموا من يقف ضد هذه السياسات بأنه مغرر به من الغرب للدفاع عن مصالح الإمبريالية ومشاريعها الجيوسياسية في العالم، مع العلم أن روسيا التي طالما اتهمت الغرب بالتركيز على مصالح جيوسياسية؛ يتباهى إعلامها بأن بوتين، بذكائه الخارق، حقق لروسيا مصالح جيوسياسية مهمة بتدخله في سوريا!

الرؤية التي شكلها اليسار عن الشعب السوري في مرحلة الثورة؛ رؤية مختزلة، قوامها اعتبار الشعب الثائر عبارة عن متآمرين وخونة، وفي أحسن الأحوال جماهير بهيمية مغرّر بها فاقدة لقيم الوطنية وأخلاقها، ومقطوعة عن تاريخهم في النضال ضد الاستبداد، أو متطرفة تحركها دوافع دينية للقضاء على نظام تقدمي. هذه الرؤية تشكلت منذ لحظة انطلاق مظاهرات درعا، رغم أن البعد الديني لم يظهر في الثورة السورية إلا بعد عام كامل على انطلاقها. وعندما نقول عام كامل، يعني عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف المعتقلين والمفقودين، ودخول مليشيات طائفية من لبنان والعراق لذبح المتظاهرين، وتهجير كامل لسكان حمص وأجزاء من دمشق وريفها.

لقد كشفت الثورة السورية سطحية اليسار العالمي، ذلك اليسار الذي كان يزعم أنه يسعى لتغيير العالم إلى الأفضل، وأنه يملك نظرية متماسكة قادرة على تحقيق هذا الفعل.. انكشف كم هو بائس هذا اليسار، وأن الحقيقة الوحيدة في تاريخه هي انهيار الاتحاد السوفييتي الذي أسقطته حركة التاريخ وعدم قدرته على مجاراة العصر وتغيراته.. يسار كل ما يملكه قوالب جامدة محنّطة عن مراحل تطور لا تحصل، وحتميات تاريخية لم يثبتها لا العقل ولا المنطق، يسار مهزوم يبحث عن إعادة الاعتبار في تأييد ذبح العمال والفلاحين والفقراء السوريين!

في أيام شبابنا، وفي مظاهرات مخيم اليرموك التي كانت تحصل ضد مجازر نظام الأسد في المخيمات الفلسطينية في لبنان، كان هناك شعار يردّده النشطاء يقول" مخصي الشيوعي مخصي". الآن ندرك عمق هذا الشعار بعد أن تكشّف حجم جمود العقل اليساري، وعدم قدرته على مقاربة الواقع بأدوات جديدة تستطيع فهم واستيعاب ما يحصل.

=========================

المعارضة السورية والدور المفقود!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 3/4/2021

تتواتر في المشهد السوري المعارض مبادرات تنظيمية لتشكيل تجمعات سياسية أو مؤتمرات وطنية، بغرض خلق هيئة تمثيلية جديدة يتوخى منها إخراج المعارضة السورية من ضعفها وقصورها المزمن في تحمل مسؤولياتها، كانت أوضحها الدعوة لعقد «مؤتمر القوى الوطنية» كبديل ينزع الشرعية عن «الائتلاف الوطني»، تلتها المطالبة بتشكيل «مجلس عسكري»، ثم «تجمع ديمقراطي»، وآخرها الإعلان عن عقد مؤتمر تأسيسي بدمشق لتشكيل ما سمي «الجبهة الوطنية الديمقراطية»، وأجهضته أجهزة الأمن السورية بعد أن حاصرت مكان انعقاده ومنعت وصول المشاركين.

عادة ما تتزامن تلك المبادرات مع تنامي رهان بعض المعارضين على أزمات محلية أو متغيرات دولية، قد تمنحهم الفرصة لتجديد حضورهم وأدوارهم، رهان يحضر اليوم، مع تفاقم أزمة النظام ومشكلاته، في ظل عجزه عن وقف التدهور المريع لحياة السوريين وتلبية الحد الأدنى من مستلزمات العيش بعد سنوات عجاف، أكلت خلالها آلة الحرب الأخضر واليابس، ربطاً بموقف دولي يطعن في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها، وقبلها كان الرهان مثلاً، على تداعيات قانون قيصر أو ما رشح من خلافات بين رموز السلطة القائمة، وعلى احتدام التنافس على الكعكة السورية بين موسكو وطهران، أو على توافق مرتقب بين البيت الأبيض وقيادة الكرملين لإخماد بؤرة التوتر السورية، إلى آخر هذه الرهانات التي عاد منها هؤلاء المعارضون وهم أشد إحباطاً ويأساً.

لكن الإصرار وعدم الملل من طرح مبادرات ومشروعات لحفز فاعلية المعارضة السورية، إذ يدل على حيوية بعض أوساط الحقل السياسي والثقافي واستعدادهم لتحمل المسؤولية، فإن الفشل المتكرر يكشف عن عمق أمراض الحقل المعارض وشدة استفحالها، فكيف الحال حين لا ينجو أي لقاء أو مؤتمر عقدته بعض أطرافها من الاتهامات وردود الفعل العدائية من أطراف أخرى؟ وكيف الحال حين لا تضيف هذه المبادرات جديداً يتجاوز الشعارات والتركيبة المألوفة، أو تذهب نحو تسابق محموم على التجميع الحسابي والكسب العددي، حتى لو أفضى ذلك لضم شخصيات إشكالية، تفتقر المصداقية، وتحاول، غالباً بدوافع وصولية وانتهازية، وضع القناع المعارض وركوب الأزمات لفرض نفسها بالمشهد السياسي؟!

صحيح أن ثمة أسباباً بنيوية وراء أزمة المعارضة الديمقراطية ودورها المفقود، بعجز غالبية تنظيماتها، كالحركات القومية والإسلام السياسي، عن التحرر من ثوابت آيديولوجية عفّى عليها الزمن وتتناقض مع جوهر الفكر الديمقراطي، أو بشيوع الحسابات الأنانية والمصالح الحزبية الضيقة بين صفوفها، كما المزايدات اللفظية، وصحيح أن ثمة تعويلاً كبيراً، كان في الماضي، على دور قيادي وإنقاذي لمعارضة موحدة وذات صدقية، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المعارضة لم تعد تمتلك اليوم، مهما تكن صورتها، زمام المبادرة والقدرة على التأثير في مجرى صراع باتت مفاتيحه بيد قوى خارجية واحتلالات أجنبية لا تهمها سوى مصالحها وتحسين شروط نفوذها.. زاد الطين بلة، ما حصل من خراب معمم، ثم نجاح التنظيمات الإسلاموية في التمدد والتهام ما تبقى من قوى عسكرية ومدنية كانت تحسب على الثورة، والأهم الانصياع الذليل لأهم أطراف المعارضة لأوامر الخارج والسير وفق حساباته.

ورغم حضور شروط موضوعية، داخلية وخارجية، لا يمكن بأي حال القفز فوقها، باتت تتحكم في الوضع السوري ومسارات تطوره وتتحكم بالضرورة في الحقل المعارض وترسم حدوداً متواضعة لدوره، فإن التضحيات العظيمة التي قدّمها السوريون من أجل حريتهم وكرامتهم تستحق معارضة سياسية من طراز جديد، تمثلهم وطنياً بمختلف مكوناتهم، وتنتصر لمستقبلهم الديمقراطي، وتحنو على مختلف وجوه معاناتهم، وتسعى، بعيداً عن المبالغة والتطرف، إلى تفعيل دورها في الحقلين السياسي والمدني استعداداً للتعاطي مع متغيرات لا بد آتية.

وكي يؤتي هذا الاستحقاق أكله، ويطرح ثماره الطيبة، لا بد من بذل جهود دؤوبة لبناء رؤية متكاملة حول عملية الخلاص وما تكتنفها من منزلقات ضمن خصوصية المجتمع السوري بتعدديته القومية والدينية وبحساسية ارتباطاته الإقليمية والعالمية، تحدوها وقفة نقدية جريئة لتجاوز أخطاء الماضي والتأسيس لشرعية، لا تستند إلى رهان على دعم خارجي، أو إلى سطوة آيديولوجية، دينية كانت أم ثورية، أو لأنصاف مواقف وحلول سبّبت أفدح الأضرار بحقوق السوريين واجتماعهم الوطني.

أولاً؛ ضرورة الجمع بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الأخلاقية للمعارضة، بين تبني الخيار الديمقراطي والتلاحم حوله والجهوزية للتضحية في سبيله ولمنع إعادة إنتاج ظواهر الاستبداد والتمييز في الدولة والمجتمع والسياسة وأيضاً في الدين والثقافة والتربية والتعليم، وبين الكشف عن وجه أخلاقي عبر صدق تمثل المعارضة لقيم الحرية والعدالة والمواطنة، وقرن أقوالها بأفعالها وضرب المثل في احترام التعددية وحق الاختلاف، وفي تنمية روح المنافسة الصحية التي تحترم اجتهادات الآخرين، وتنأى بطرائق السجال عن التجهيل والمبالغة والإقصاء.

ثانياً؛ آن الأوان أن تمتلك المعارضة المنشودة الجرأة في حجب الثقة عن الإسلام السياسي ووقف الرهانات المضللة على دوره في التغيير، ليس فقط بسبب التشوهات والخسائر الكبيرة التي خلفها التطرف الإسلاموي، وإنما أيضاً بسبب الممارسات الأنانية لـ«الإخوان المسلمين» وأشباههم، وسرعة انقلابهم على ما أعلنوه شكلاً من مبادئ وطنية وديمقراطية، وتالياً عجزهم المزمن عن التجدد السياسي والخروج من عالم الوصاية والاستئثار، وكلنا يتذكر كيف عمل هؤلاء على اقتناص الفرص لدعم مشروعهم الإسلاموي الخاص على حساب أبسط الروابط الوطنية والحقوق الإنسانية، بدءاً بدورهم البغيض في إجهاض وثيقتي القاهرة (العهد الوطني والمرحلة الانتقالية) اللتين شكلتا إطاراً جامعاً لغالبية أطياف المعارضة ومكونات المجتمع السوري، وانتهاء بإلحاق «الائتلاف الوطني» بالسياسة التركية وإخضاعه لإملاءاتها.

ثالثاً؛ هي مسؤولية وطنية وأخلاقية راهنة بإعادة بناء الثقة بين الأكراد والعرب السوريين على قاعدة معاناتهم المشتركة من القهر والتمييز، وحاجتهم الطبيعية للعيش بحرية وكرامة، الأمر الذي يتطلب الانفتاح الجدي على الشعب الكردي ومختلف قواه السياسية والمدنية، والامتناع عن وضع الاشتراطات المسبقة لضمان ولائه الوطني، يحدو ذلك تقديم رؤية مبدئية واضحة تجاه المسألة القومية، تلبي طموحات الأكراد وحقوقهم من دون انتقاص، بما في ذلك حق تقرير المصير، ما يساعد على تقليل فرص تحول القضية الكردية حقلاً لنوازع التطرف القومي، ولاستثمارات السلطة السورية، وللتجاذبات الإقليمية والدولية، والأهم لإظهار الوجه الحقيقي لمعارضة تقارع الاستبداد والتمييز فعلاً، وتحترم الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وخيارات الشعوب.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com