العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-12-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن مفاوضات الجعفري مع الأسد .. مصطفى علوش

الحياة

الخميس 7/12/2017

كأننا في دائرة متحركة ومغلقة، ندور في التصريحات الأميركية ذاتها، بينما يتابع السيد بوتين اختباراته السياسية والعسكرية عبر الدم السوري، محاولاً مبادلة حجم احتلاله العسكري في سورية بملفات أخرى. لكنه واقعياً ما زال يراوح في المكان ذاته سياسياً، بينما تتفرج الإدارة الأميركية الترامبية عليه ولا تريد التفاوض معه.

تاريخ بوتين السياسي وبنية سلطته المافيوية، على رغم امتلاكها حق الفيتو، عاجزان بالمعنى البنيوي عن إحداث أي نقلة سياسية في الوضع السوري. سلطته تريد إخضاع العالم أجمع لإرادة مافيا سياسية، وأن تظهر بمظهر القوة العظمى بينما تعجز عن كسب احترام أوروبي واحد يحترم نفسه، فأي حل سياسي يمكن أن يخترعه بوتين!

لا شك يستطيع السيد بوتين أن يطلّ علينا بألف شكل فوتوغرافي، راسماً عبوسه الرهيب أمام ملايين السوريين، ويستطيع أن يوقّع ما يشاء من معاهدات مع نظام دموي مرعب، ولكن كل ذلك لا يمكن أن يجعله قائداً سياسياً، فالسياسة التي يتقنها الروس تستمد شكلها ومحتواها من تاريخ علاقتهم بالقمع والقتل وتجارة المافيات.

لا شك بأن حال عموم العالم سيء، ونحن محكومون بالقلق والخوف والرعب لا بالأمل، وحال سورية لا يمكن أن يتغير خطوة واحدة إلى الأمام ما دام بوتين ومعه الملالي يتحكمون بكامل الملف السوري، وما كراهية بشار الجعفري، الظاهرة عبر تصريحاته للشعب السوري، سوى إعادة إنتاج لوجهي بوتين والخامنئي سياسياً.

باختصار، يريد بوتين إعادة تجميل وجه النظام السوري ولا يمانع في دعم مهرجان سينما سوري بقيادة وليد المعلم والجعفري لمرافقة جولات التفاوض التي ستبقى بلا جدوى.

نعم بلا جدوى، ونظرة سريعة على تاريخ وصيرورة الطغاة أجمع تجعلنا نقول إن بشار الأسد ومعه من يدعمه لا يمكن لهم أن يعيشوا من دون حروب. وقبل الثورة السورية كان كامل الشعب السوري يعيش أيضاً في ظل حرب ولكن أحداثها كانت تجرى في أقبية الاستخبارات.

نريد أن نتفاءل، ولكن أعطوني سبباً واحداً للتفاؤل على المدى القريب، إذ يكفي أن تتمعنوا قليلاً في ما تفعله الإدارة الترامبية- الأوبامية في الملف السوري، لتعرفوا حجم الخسارات المقبلة.

أما عن وفد المعارضة السورية الموحد فيكفي أن نتفرج على أقوال السيد قدري جميل، وتسمية منصته لنعرف أي كوارث تتنظرنا.

لعل السوداوية السياسية في المشهد السوري مأخوذة من سوداوية المشهد في العالم أجمع، وأكبر شاهد على ذلك عدد المرات التي استخدم فيها بوتين الفيتو لحماية رأس بشار الأسد.

فواهمٌ من يعتقد أن موازين القوى على الأرض السورية هو ما يقود المفاوضات، لأنه بالمعنى السياسي سورياً لا توجد مفاوضات، كل ما في الأمر لعبة مافيات للضحك على العالم. نعم دعونا نتشاءم كثيراً ونبني رؤانا على تشاؤمنا، ذلك سيكون أفضل لنا سياسياً. نعم، نحتاج إلى المزيد من الصدمات لندرك أن هذه النظام لا يريد من التفاوض سوى إطالة عمره.

وتستمر المأساة للأسف.

========================

موقفنا : في التفسير الطائفي للثورة وللتاريخ .. زهير سالم

3 / 12 / 2017

مركز الشرق العربي

عشنا عقودا من الزمان يحاصرنا التفسير المادي للتاريخ . وحسبما توجهنا في عالم الفرد وعالم الجماعة ، في عالم الفكر ، وفي عالم السياسة ، وعالم الاجتماع وعالم الاقتصاد ، في رؤية الماضي ورؤية الحاضر والمستقبل ، في تفسير الأحداث ، وقراءة الآداب ؛ تحاصرنا الماركسية العلمية ، أو النظرية المادية التي مدارها على أن الصراع على ( الكلأ ) هو سر صراع البشر ، ومفكك عقد التاريخ ، وسبب التدافع الأزلي بين الأفراد والجماعات .

وعلى التوازي من هذه النظرية كان التفسير الآخر ، المنتزع هو الآخر من عالم الغابة ، في النظرية التي مدارها ، على أن الرغبة الجنسية المشبوبة أو المكبوتة هي سر صناعة التاريخ . وكما يزعم فرويد ، فإن النبوغ والإبداع ، والجنون والفصام ، والتقدم والتأخر ، ونوم الإنسان ويقظته ، ونشاطه وكسله ، وحدوث كل ذلك على مستوى الفرد والجماعة سببه دافع جنسي أصيل يظل يطل في عالم الإنسان يبدأ من تعلق الصبي أوديب بأمه والبنت الكترا بأبيها ..

اليوم وعلى التوازي من هذا وذاك يروج تفسير في صفوف بعض الناس ، بسبب جرعة سلبية قوية من الممارسات الخاطئة ، وبنفس الطريقة التي راجت بها تفسيرات الماركسية والفرويدية بأنه لا يتحرك متحرك في عالمنا الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي وعلى المستوى الفردي والاجتماعي إلا ووراؤه ( غريزة ) طائفية ، الكل يتفق على أنها مقيتة ، ويصر البعض على أنها مرجعية التفسير الأول في عالم الإسلام والمسلمين ..

وكما كنا نقول يوما لأنصار المادية الماركسية ، ولأنصار الفرويدية إن تفسيراتكم فيها بعض الصواب ، ولكن ليس فيها كل الصواب ؛ نقول اليوم لكل الغارقين في مستنقعات الممارسة والتفسير الطائفي ، وبشكل خاص للعراقيين والسوريين: إن الطائفية بالمعنى السلبي حاضرة بقوة في صنع واقعكم ؛ ولكنها لا تفسر كل شيء . وتفسير كل شيء بها وعلى أساسها يقحمنا في متاهة مضللة ، تبعدنا عن مقاصدنا ، وعن أهدافنا ، وعن مغذيات رؤيتنا وثورتنا .

ونضيف إن الطائفية المقيتة هي سلاح ماضي الحدين ، ويذبح في الاتجاهين ، فإذا كان محاربونا يعتمدون عليه سلوكا ، ويحشدون على أساسه عمليا ، فإن هذا السلاح الأجرب ، لا يصلح لنا ، ولا يخدم رؤيتنا ولا مشروعنا ولا حاضرنا ولا مستقبلنا . إن الذي يجب أن يكون واضحا أن الطائفية ليست منطلقنا ، ولا تخدم مصالحنا ، بل تقطع الطريق على أساس مشروعنا في الاحتواء الإيجابي الذي يجذب ولا ينبذ ، يجمع ولا يفرق .

إن الوعي الحقيقي في الموقف الذي يجب أن نصير إليه ليس في استمراء الكذب على الذات الفردية أو الجماعية تحت عناوين الإخاء الوطني ، الذي كان الفخ الذي نصب لنا على مدى نصف قرن ، وإنما في الرؤية المبصرة التي تعي أبعاد المؤامرة فتحبطها ، وتنظر إلى ( المستنقع الطائفي والغارقين فيه ) نظرتنا إلى مثل أوبئة الجذام والإيدز؛ ومع كل الحرص على علاج المصابين بها ، يجب أن نحذر الدعوى في منهج واضح للدفاع عن أنفسنا .

التفسير الطائفي كما التفسير المادي والتفسير الفرويدي لا يسعف أصحابه في تفسير ما حصل ويحصل في كثير من الوقائع التي نعيش ومنها ما جري في مصر ويجري في ليبية ، وما يجري فيشقق الأرحام بين أهلنا في دول الخليج ..

ليس خطيرا أن يخطئ أحدنا مرة أو مرات في القياس . وإنما الخطر كل الخطر أن تكون مرجعية القياس لديه مزيفة ، فيظل يطلق أحكامه ؛ في الدين هذا حلال وهذا حرام ، وفي القيم هذا جميل وهذا قبيح ، وفي السياسة هذا خطأ وهذا صواب .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

======================

"ما بعد داعش": إيران تعطّل المخارج السياسية ولا أحد يمنعها .. عبدالوهاب بدرخان

الحياة

الخميس 7/12/2017

نهاية الحرب على تنظيم "داعش" في سورية والعراق، وانفراط التحالف بين الحوثيين وعلي عبدالله صالح في اليمن، والصدمة التي أحدثتها استقالة رئيس الوزراء اللبناني، تنطوي جميعاً على "فرص" يُفترض تفعيلها سواء لحلول أو مفاوضات أو عمليات أو تسويات سياسية، سعياً إلى استعادة استقرارٍ ما أو بحثاً عن بداياته، والهاجس كما يقال تغيير المناخ الفوضوي والظروف التي أفضت إلى ظهور الإرهاب. لكن سيناريوات التعطيل (سورية) والخداع وفرض الأمر الواقع (العراق ولبنان) والمغالبة العبثية (اليمن)، مرشحة لأن تستمر وتتكرّر. بالتالي، فإن "الفرص" الناتجة عن هذه التطوّرات قد تحبط وتضيع إذا لم تُستغلّ جيداً، إنْ لم يكن للبدء بإنهاء النفوذ الإيراني في "عواصمه" الأربع أو لـ "الحدّ منه" وفقاً للمصطلحات الأميركية، فعلى الأقل لمنع إيران من مواصلة تعطيل أي سلم أهلي، ما لم تتمكّن من قولبته مسبقاً لمصلحة نفوذها وميليشياتها.

في البلدان الأربع وغيرها في شمال أفريقيا، ولعل حسن روحاني كان يعني ليبيا عندما قال أن بلاده تتحكّم في أي قرار مصيري فيها، لا تريد إيران دولة طبيعية، بل أصبح جليّاً أنها تدعم مشاريع الانقسام والتقاتل الأهلي وتقويض الاقتصاد وتفتيـــت المؤسسات. قبل أيام، لم يخفِ قائد "الحرس الثوري" محمد علي الجعفري أن إيران استثمرت في "داعش"، إذ "لم يكن في مصلحتها القضاء على هذا التنظيم في بداية تشكيــله" فلولا بروزه وانتشاره "لما سنحت الفرصة لإيران لتشكيل الجماعات الكبيرة والصغيرة المسلّحة (الميليشيات) في كل أنحاء المنطقة ولتوحيد جبهة المقاومة"، و "ربما ما كنّا لنتوصّل إلى هذا المستوى من الجاهزية في جبهة المقاومة لولا الظروف التي أدّت إلى إيجاد تنظيم داعش". لم يشر الجعفري إلى أي دور إيراني في تصنيع هذا التنظيم، كأن "حرسه" التزم المراقبة الحيادية حين كانت مجموعات "داعشية" تنتقل من العراق إلى سورية حيث انتشرت في مناطق سيطرة المعارضة، بمساعدة مدفعية ولوجيستية قدمها النظام السوري وحليفه الإيراني، وفقاً لخطة جاهزة هدفها طرد فصائل "الجيش السوري الحرّ".

كيف يمكن القوى الداخلية والخارجية، مع افتراض توافر النيات والإرادات، أن تحول دون تجدّد الصراعات، ودون عودة الإرهاب بصيغة أشدّ وحشية، إذا لم تكن لديها الإمكانات الضرورية والكافية لجعل المرحلة المقبلة بداية خروج من النفق. لكن، كيف الوصول إلى هذه البداية مع طرف إقليمي هو إيران يرى مصلحته في أن يبقى "داعش" تهديداً ماثلاً، وفي استمرار الحرب في سورية في أي شكل وذريعة، وفي عرقلة ميليشياته أي مصالحة وطنية في العراق، وفي دفع حوثييه إلى "صوملة" مبرمجة لليمن، كما في إبقاء الانقسام والتوتّر أو رفع سيف الاغتيالات في لبنان. والواقع أن إيران لا تستمدّ تعنّتها من عقيدة نظامها فحسب، بل من عوامل لا تنفكّ القوى الدولية تقدمها إليه، وأهمها حالياً حال اللاتوافق الروسية - الأميركية. فمن جهة، تقيم روسيا شراكة معها في سورية على رغم السلبية المطبقة لدورها، ولا تنتقد تدخّلاتها في العـــراق واليمن ولبنان أو في دول الخليج بل تستغلّها في الابتزاز واستدراج المكاسب. وفي المقابل، انتقلت الولايات المتحدة من إدارة تغطّي مغامرات إيران قولاً وفعلاً إلى إدارة تتبنّى استراتيجية مــواجهة معها لكنها عاجزة عن ردعها. وبين الدولتَيــن الكبريَين تتشارك إسرائيل وإيران في البحث عن صدام عسكري لن يحسم شيئاً بينهما، لكنه يخدم مشاريعهما إذ لم يسقط التقاؤهما موضوعياً على ممارسة إرهاب الدولة، وعلى إبقاء نظام بشار الأسد ومواصلة التدمير والتخريب في سورية.

لا أوهام عند العراقيين والسوريين واليمنيين والللبنانيين، فإيران اخترقت مجتمعاتهم ومزّقت روابطها، وهم أول من عانى من إرهابها ولا يزالون، كما عانى الفلسطينيون من إرهاب إسرائيل ولا يزالون، ولا يضع هذه أو تلك عند حدّها ليبدأ عهد جديد في المنطقة العربية. وليست لدى هذه الشعوب أي مؤشّرات إلى أن القوى الدولية المعنية بأزماتهم مهتمّة فعلاً بطيّ صفحة "داعش" والتوجّه إلى إبراز وجوه الاعتدال والإصلاح والمدنية لدعمها بفاعلية. هذه القوى حرصت أشد الحرص على نثر أرقام عن قتلى "داعش" وكلّما ارتفعت كبر "النصر" من دون أن يعرف أحد أو يبالي بمدى دقّتها. لكن هذه القوى لم تُبدِ إدراكاً جدّياً لمغزى هذا الموت القسري القاسي لمئات آلاف المدنيين، بل إنها لا ترغب في التوقّف عند ما يعنيه وما يتركه في الأمكنة وأهلها، ولعله بالنسبة إليها مجرّد مصادفة سيئة أو حظ عاثر أو أضرار جانبية، أو كان يجب قتل هؤلاء ليُقتل "الدواعش"، لتحتفل إيران و "حزب الله" والحشد الشعبي" بالانتصار، وليهلّل الأسد و... يبقى في منصبه. يراد لموت هؤلاء المدنيين أن يكون مجانياً ليرث الاستبداد الاستبداد، أو يرث إرهاب إيران وميليشياتها إرهاب "داعش"، أو يصبح مجرمو الحرب مجرمين "منتخبين" في برلمانات لا تستحق هذه التسمية.

يتبيّن أكثر فأكثر أن القوى الدولية على اختلافها انتهت إلى خلاصة مشوّشة لكن مريحة لها، مفادها أن دعم هذه الشعوب وإنصافها استحالة، وأن إعادة تدوير الاستبداد وإنتاجه هو الإمكان الوحيد المتاح. هذه هي الرؤية التي تلتقي عليها إسرائيل وإيران، فالأولى طبّقتها بهمجية على مدى عقود، والثانية سارت على خطاها بصيغة أكثر وحشية، كأنهما تؤدّيان دوراً يلبّي رؤية ضمنية لروسيا وأميركا وغيرهما. هذا ليس تحليلاً تبريرياً للفشل العربي العميق، ولا انسياقاً في نظرية مؤامرةٍ ما، بل قراءة في وقائع صراع بعض هذه القوى في لبنان وعبره، ثم صراعاتها الحالية جميعاً في سورية وعليها، وفي جريمة الاستحواذ الإيراني على العراق، ودائماً في تخاذلها حيال جرائم الاحتلال الإسرائيلي وضربها آمال الفلسطينيين بالتخلّص من أبشع النماذج الاستعمارية. لعل الأكثر قتامة في هذه المرحلة أنهم يحمّلون وزر ونتائج إرهاب لم يكن كلّه ولا جلّه من صنعهم، لكن الأسوأ فيها أن الذين تنادوا للقضاء على الإرهاب زرعوا بذور نسخته التالية، فليس هناك أفضل منه وسيلة لإبقاء المنطقة وشعوبها تحت الوصايات ولو المتنازعة موقّتاً في ما بينها.

شعوب كثيرة خذلها المجتمع الدولي، لكن لا مبالغة في أنه جعل من المنطقة العربية استثناءً لا مجال فيها لاحترام أي عدالة أو حقوق. نعم، هناك خشية كبيرة من أن ينجح الروس والأميركيون إرادياً، مـــع شركائهم الإسرائيليــين والإيرانيين، في تحـــويل آمال "ما بعد داعش" إلى كوابيس ما قبل "داعش" التالي. فقد جُرّب الأميركيون في فلسطــين وفشلوا، وإذ تُسقط الإدارة الحالية كل المبادئ (لا اعتراف بوجود احتلال، أو بلا شرعية للاستيطان، أو بأرجحية حلّ الدولتين) فإنها تبحث الآن عن تنــازلات عربية واستسلام فلسطيني ليقـول دونالد تــرامب أن لديه "مشروع سلام". وجُرّبوا في اليمـــن حيث لم تلقَ الانتفاضة الأخيـرة على الحوثيين من واشنطن سوى دعوة إلى ضبط النفس، تمثّلاً حرفياً بدعوة طهران، كما كانتا تغطّيان استعدادات الحــــوثي لانقلابه. وجُرّبوا في العراق حيث تحوّل التقاسم الأميركي - الإيراني تمكيناً للعبث الإيراني بأحد أهم بلدان العرب.

وقد جُرّب الأميركيون مع الروس في ســـورية، فإذا بمفاوضات جنيف تتراوح بين الخدعة والكذبة، كما يقول كثرٌ من المتابعين. استغلّوها مصيدة لترويض المعارضة وثوارها وتمرينهم على التضئيل المضطرد لطموحاتهم ودورهم ورؤيتهم لمستقبل بلدهم. بل اعتمدوا مسار جنيف مؤشّراً تُقرأ من خلاله أحوال التقارب والتنافر بين موسكو وواشنطن وحلفائهما في الإقليم. وها همــ حوّلوه أيضاً مصهراً سياسياً لا بد للمعارضة من المرور به، بعدما منعوها من تحقيق انتصار عسكري بدا أكثر من مرة ممكناً، بل توافقوا على هزيمتها، مفضّلين نظاماً يعرفونه ويعرفون كيف يستغلّونه على "بديل" منبثق من الانتفاضة الشعبية يصعب التعامل مع تناقضاتها ومخزون مراراتها من خذلان المجتمع الدولي. وعلى رغم أن المعارضة تُقبِل على التفاوض بجدّية وتقدّم تنازلات لئلا تخسر على الجبهة أيضاً، فإن روسيا وإيران والنظام مصممون على مسار سوتشي لأنهم يريدون هزيمة شاملة للشعب السوري.

========================

روسيا وحرس إيران الثوري .. مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 6/12/2017

كلما اقتربت العمليات العسكرية الروسية في سورية من نهايتها اتضحت مظاهر العجز عن قطف النتائج، وانكشفت هشاشة الادعاء بأن روسيا غدت صاحبة القول الفصل في الصراع السوري، وحاملة المفاتيح لحله. صحيح أن روسيا تمكنت من الحيلولة دون سقوط النظام السوري، وأنقذت إيران من هزيمةٍ محققةٍ في سورية، وعموم المشرق العربي، بتدخلها العسكري خريف العام 2015، إلا أن روسيا تجد نفسها اليوم في مأزقٍ كبير، فلا هي قادرةٌ على الاحتفاظ بقواتٍ عسكرية كبيرة في سورية، بسبب تكلفتها الباهظة، ولا هي قادرةٌ على سحبها قبل قطف النتائج السياسية لتدخلها العسكري، لأن ذلك يعني، ببساطة، تسليم سورية لإيران، كما سلمت أميركا لها العراق، عندما انسحبت منه أواخر العام 2011. صحيحٌ أن روسيا انتزعت اتفاقيةً مدتها 49 عاما تنظم وجودها في ميناء طرطوس السوري على البحر المتوسط، لكن هذه الاتفاقية لا تضمن لروسيا النفوذ الكافي في سورية، مع استمرار وجود آلاف من عناصر المليشيا الإيرانية التي تستعد، حال انسحاب روسيا، للسيطرة على كل مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية والأمنية في طول البلاد وعرضها.

وعلى الرغم من كل مظاهر السلطة والنفوذ التي تملكها، أو يظهر أنها تملكها في سورية، لا تبدو روسيا قادرةً على الحد من نفوذ المليشيات الإيرانية على الأرض، ولا على وقف المشروع الإيراني المتمثل بتحويل سورية إلى حالة لبنانية أخرى، بإنشاء سلطة مسلحة موازية (على شاكلة حزب الله) تملك القرار الأمني والسياسي في البلد، من دون أن تتحمل مسؤولية الحكم والتعامل البروتوكولي مع العالم الخارجي.

ويعد فشل قمة سوتشي الثلاثية التي عقدت في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي في التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الصراع في سورية، بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، أحد مظاهر العجز الروسي الذي أخذ يتبدّى بصورة متزايدة في التحكّم بالنتائج السياسية للصراع السوري. ووفق أكثر التسريبات، فشل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في انتزاع تعهد من نظيره الإيراني، حسن روحاني، بسحب المليشيات التي يديرها الحرس الثوري في سورية، وسط تنامي الشكوك بين طهران وموسكو بعد اجتماع بوتين مع رئيس النظام السوري في سوتشي قبل يومين من القمة الثلاثية، وهو اجتماعٌ جرى الترتيب له من دون علم طهران، لأن الطائرة العسكرية الروسية التي أقلت الأسد إلى هناك مرت عبر الأجواء التركية هذه المرة، وليس عبر أجواء العراق- إيران، كما حصل في المرة الماضية.

ويشك الإيرانيون في أن الرئيس بوتين أعطى التزاما للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال قمتي هامبورغ (ألمانيا) ودانانغ (فيتنام)، بإخراج المليشيات الإيرانية من سورية، في بادرةٍ يُراد منها مساعدة ترامب في التغلب على المعارضة الشديدة التي يواجهها لتحسين العلاقة مع موسكو، في ضوء تعمق التحقيقات بشأن دور روسي محتمل في الانتخابات الرئاسية الأميركية الماضية. وعلى الرغم من نفي وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، وجود هذا الالتزام، إلا أن الحرس الثوري الإيراني كثف، في الآونة الأخيرة، حركة مليشياته في سورية، فيما يشبه استعراض قوة لمواجهة ضغوط موسكو على روحاني، لسحب هذه المليشيات.

وبدا لافتاً في اليوم التالي لقمة سوتشي تصريح قائد الحرس، الجنرال محمد علي جعفري، بأن النظام السوري مدين ببقائه "لمليشيا الشعب"، وأن عليه لذلك "تطبيع" وضع هذه المليشيات واستيعابها وشرعنة وجودها. ويعد الحرس الثوري مليشياته في سورية ضمانة نفوذه فيها، لكن الأخطر أنه يعدها لحماية مصالحه الاقتصادية هناك. فالحرس يخطّط لامتلاك جزء كبير من الاقتصاد السوري، لدعم إمبراطوريته الاقتصادية في إيران، ويبدو أنه يستعد للانخراط بشكل واسع في مشاريع البنية التحتية، وإعادة الإعمار في سورية، وهناك تقارير أجنبية عن مشاريع كبرى منحت فعلا لمؤسسات الحرس في سورية، وأن العمل سيبدأ عليها بحماية مليشياته. إذا فشلت روسيا في تحديد النفوذ الإيراني، ونجح الحرس في بناء إمبراطوريته الاقتصادية في سورية، لإعالة إمبراطوريته المليشياوية، بأدوارها الأمنية والسياسية، تكون روسيا قد خسرت استثمارا مهماً في سورية، لكن السوريين يكونون قد خسروا وطنًا، وهو ما لا ينبغي أن يقع، مهما كان الثمن.

========================

ما هكذا تورد الإبل .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 6/12/2017

بيْن بيان أصدره معارضون سوريون، مرفق بدعوة للتوقيع عليه، ضد مخرجات مؤتمر الرياض 2، وخصوصا وفده إلى مفاوضات جنيف 8، وهاشتاغ "#الهيئة_العليا_للمفاوضات_لا_تمثلني"، أطلقه على مواقع التواصل الاجتماعي عدد آخر منهم، وجد وفد التفاوض العتيد نفسه محاصرا، وتحت ضغوطٍ ضخمةٍ من النظام وحلفائه، روسيا بشكل خاص، ودول شقيقة وصديقة، كل لاعتباراته وحساباته وأهدافه الخاصة، وهذا أثار أسئلةً استفساريةً واعتراضيةً بشأن موقف المعارضين الذين وقفوا ضد مخرجات المؤتمر وتركيبة وفده، في لحظة سياسية شديدة الخطورة والمصيرية.

إذا كان رفض النظام أجزاء من البيان الختامي، وموقف وفد المعارضة من هدف المفاوضات وأولوياتها، وشكل النظام المستهدف، منطقيا، لأنه (النظام) لا يريد الدخول في مفاوضاتٍ سياسيةٍ أصلا، لأنها ستضعه، عاجلا أم آجلا، أمام خيارات تغيير سياسي وأمني بمستوى أو آخر، وهو الذي لم يقبل إلا عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ثورة الحرية والكرامة. وإذا كان تناغم حلفاء النظام مع رفضه مفهوما، لتقارب الأهداف، من جهة، ولأنهم مازالوا بحاجةٍ إلى التغطية القانونية التي يقدمها لحضورهم على الأرض السورية، ولدورهم العسكري والسياسي في الصراع على سورية، من جهة ثانية، فإن موقف المعارضين الأشاوس الرافض البيان الختامي، وتركيبة الوفد المفاوض، غير مفهوم أو مقبول، وهذا ليس لأن البيان الختامي كامل مكمل، وتركيبة الوفد المفاوض عظيمة، بل لأن موقف الرفض يفتقر إلى الحصافة والنباهة والسياسة، فموقفهم لن يصحّح الخطأ ويغير المسار، بقدر ما سيخدم الخصوم بنقل المعركة إلى داخل صفوف المعارضة، وبين فرقها المتباينة والمتعارضة على خلفيات سياسية

"حساباتٌ إقليميةٌ ودوليةٌ قد لعبت دورا مؤثرا في ادارة مؤتمر الرياض 2، وفي ضبط مخرجاته" وتنظيمية وولائية، من جهة، وبتقليص مساحة الحركة والمناورة أمام الوفد، عبر التشكيك بشرعيته وقدرته على تحمّل المسؤولية والالتزام بتنفيذ الاتفاق الذي يمكن أن يبرم معه، من جهة ثانية.

إذا كانت حساباتٌ إقليميةٌ ودوليةٌ قد لعبت دورا مؤثرا في ادارة مؤتمر الرياض 2، وفي ضبط مخرجاته، إن لجهة المحتوى المتناقض والملتبس لبيانه الختامي، أو لجهة تركيبة الوفد المفاوض، وآلية عمله طوال فترة التفاوض، فالحصافة، والتصرّف السياسي المنطقي والعملي كذلك، تقتضي تركيز النار على الخصوم، لكشف غاياتهم وخططهم ومناوراتهم وإبراز مطالب الثورة، والسعي إلى التأثير على مجريات التفاوض، خدمة لهذه المطالب. فالمنطقي في مثل هذه الحالة تثبيت المكاسب وتعزيزها، النظر بإيجابية إلى نصف الكأس الممتلئ، لا تبديده، العمل على تحقيق مكاسب لملء النصف الفارغ من الكأس، فالوفد، بتركيبته السياسية المتنوعة وغير المنسجمة والهشّة، فيه أطراف وشخصيات متمسكة بأهداف ثورة الحرية والكرامة في التغيير السياسي، وتحقيق الانتقال إلى نظام ديمقراطي عادل، يحقق المساواة بين المواطنين من دون تمييز أو إجحاف، وهي (هذه الأطراف والشخصيات) بحاجةٍ ماسّة إلى ما يقوّي موقفها، ويعزّز رأيها كي تنجح في قيادة عملية التفاوض، بلجم أطراف في الوفد، غرّدت خارج سرب الثورة، لحساباتٍ خاطئة أو تحت تأثير دول راعية، وتوجيه المفاوضات نحو أهداف الثورة، أو الإبقاء على الكرة في ملعب النظام وحلفائه في أقل تقدير، كان على المعارضين المتحفظين أو رافضي مخرجات مؤتمر الرياض 2 تقديم دعم مشروط للوفد المفاوض، دعمه وتأييده بقدر تمسّكه بمطالب الثورة، وتعزيز موقف الأطراف والشخصيات الصلبة عبر تحرّك عملي بالمقالات والهاشتاغات والاعتصامات والتظاهرات التي تعلن التمسك بأهداف الثورة، ورفض التخلي عنها، ومواجهة الضغوط الإقليمية والدولية التي تعمل على حرف المفاوضات، بعيدا عن مقتضيات القرارات الدولية ذات الصلة، وخصوصا بيان جنيف 2012 وقرار مجلس الأمن 2218، كان المطلوب تحريك تظاهراتٍ واعتصاماتٍ وتفعيل هاشتاغات وكتابة مقالات رأي بكثافة، من أجل تجسيد موقف الشعب السوري بالتغيير، وعكس صورة المأساة التي يعيشها، نتيجة ممارسات النظام، ودور حلفائه فيها، واستخدامهم القوة والبطش ضد ثورةٍ سلميةٍ، قامت ضد القهر والتمييز: أعداد القتلى بالرصاص الحي والقذائف والصواريخ والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية، القتلى تحت التعذيب، الجرحى، أصحاب العاهات الدائمة، أعداد المعتقلين، المفقودين، المنازل والمشافي والمدارس المدمرة، التجويع حتى الموت، التهجير القسري، التغيير السكاني، لوحة متكاملة (أرقام وصور) لواقع الشعب السوري، حاضره المرير ومستقبله الموعود، ترفع في وجه النظام وحلفائه والقوى الإقليمية والدولية، تبقى ماثلةً للعيان، كي لا يستهان بنا، ويبخس شعبنا تضحياته من أجل حياة أفضل، في ظل الحرية والكرامة. بعض من الروية والحصافة والخيال، هداكم الله.

========================

مزاد سوتشي: المقايضة على الإنسان والوطن في سوريا .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 6/12/2017

فتحت روسيا مزاداً جديدا تبيع فيه وهم دعم حرية الشعوب وتعزيز "الديمخراطية" وتسوية النزاعات، تحت عنوان "دعم الحوار" وأنها ستدعو لعقد اجتماع موسع يضم مختلف أنواع المعارضات السورية، المدجّنة منها والمصطنعة أو المعلبة في موسكو والفصائل الاستانية.

وأضاف المسؤولون الروس أن الحوار "المزاد" يدخل في سياق التمهيد لمباحثات أفضل في جنيف وبداية لحل سوري سوري مستدام يجمع في طياته السوريين. لكن لا بصفتهم مواطنين سوريين فحسب بل بصفتهم ممثلين عن ملوك الطوائف والعرقيات والأقليات والأحزاب والديانات وهلّم جرّا. وغاب عن ذهن لافرنتييف وسيده بوتين ووزير خارجيته لافروف أن جنيف سيعقد قبل سوتشي فكيف يمهد له.

انتظروا ولا تتسرعوا بالحكم فقد تنبهت لذلك وقررت أن تكون الجولة الثامنة من محادثات جنيف على مرحلتين، الأولى ستعقد في 28 نوفمبر/تشرين الثاني وتنتهي في 1 ديسمبر/كانون الأول، والمرحلة الثانية ستبدأ في 15 ديسمبر/كانون الأول.

وحسب ما زعم المسؤلون الروس فإن حوار سوتشي يأتي لتعزيز الشعوبية والعصبيات القبلية. آسف أقصد تعزيز اللحمة الوطنية، أهدافه بريئة براءة الذئب من دم يعقوب. فقط تقسيم الشعب السوري إلى عرقيات وطوائف وقوميات. وقد استبق بوتين المؤتمر بحملة علاقات عامة على خلفية استجلابه لبشار الأسد إلى مكان انعقاد المؤتمرلأبلاغه بتعليمات موسكو التي عليه تنفيذها.

وادّعى أن المخاوف والأطروحات التي يسوقها ناشطون أو معارضون سوريون إنما تدرج في باب إفشال الحل السياسي المستدام الذي بذلت له موسكو الكثير من القذائف الصاروخية العابرة للقارات والمتساقطة عبر الطائرات وجرب لأجله أكثر من 200 نوع من الذخائر، وتحملت من أجل إنجازالمهمة البوتينية الرهيبة الأعباء والضغوطات السياسية والاقتصادية.

شخصيا أنا من أكثر المشككين والمتخوفين من انعقاد مثل هذا الاجتماع الموسع للعرقيات والقوميات السورية كونه يخدم في الأصل بشار الأسد وحلفه من شتى الأصقاع، برغم ما زعمت موسكو حول أن موضوع الأسد قابل للنقاش، وإعلان جنرالاتها عن خفض قوتهم في سوريا، الذي يظل طرحاً لا قيمة له كون الطائرات الاستراتيجية الروسية تستطيع وقت تشاء قصف أي نقطة في سوريا من غير أن تتواجد هناك، وكذلك تفعل صواريخ بحر قزوين.

في معرض مزاد "سوتشي" بحثاً عن تعزيز "الديمقراطية" على طريقة بوتين، ودعم حق الشعب في تقرير مصيره تم إرسال رسالتين قمة في الديمقراطية وغاية في الاحترام وتعزيز حرية التعبير السياسي والممارسة الديمقراطية في تمكين الشعوب في ممارسة حقوقها السياسية كما هو مبين في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية. رسالة قصيرة مفادها من يرفض المشاركة في هذا الاجتماع الديمقراطي له كامل الحق بذلك، "ولكن" والمصيبة كلها في "لكن"هـذه سيجد نفسه "خارج العملية السياسية" أو إذا فكر، مجرد تفكير، في وضع شروط أو طرح تساؤلات بخصوص هذا المؤتمر مشبوه الرؤية والتوجه الرامي إلى تحويل سوريا إلى مجتمع للقبائل والطوائف والعرقيات، بعودة إلى الجاهلية والعصبية القبلية. ربما يصنف على قوائم الإرهاب وهي الرسالة التي سبق وأرسلها لافرنتييف بقوله على هامش استانا ستة أن موضوع الفصل بين المنظمات الإرهابية والمعتدلة لم ينته بعد، حسب نظرية إِنّ اللّبيبَ من الإشارةِ يَفهمُ.

حققت موسكو مبتغاها من لقاءات استانا، وضربت الفصائل المسلحة بعضها ببعض وفصلهتا عن التيار السياسي وتدجينها وتجميد نشاطاتها العسكرية لصالح تنظيم الأسد.

اعتقدنا أن المهمة الوظيفية لاستانا قد انتهت عمليا وتم استهلاك كل ما يمكن استهلاكه منه، وأعلن وفاته سريريا لكن موسكو أعادت ضخ الدماء في عروقه مجددا بعد تعثر انعقاد "سوتشي" في موعده السابق للمهام نفسها.

وطالما تعرضنا إلى استانا، فلنذكركم أن أستانا-7 كان من المفترض أن يناقش وضع "المعتقلين" الذي تم تمييع ملفهم في استانا- 6 وتجاهلها استانا-7 وربما يغيب الملف بكامله في المرحلة المقبلة. وقد يُستخدم كورقة للضغط على الفصائل والتيارات السياسية. ونعتقد أن الدعوة لاستانا ثمانية في هذا التوقيت "جنيف – سوتشي" تصب في الاتجاه نفسه وورقة المعتقلين حاضرة لهذه الغاية، فلم يعد هناك مسوغ لإنعقاد استانا بعد اجتماع رؤساء أركان الدول الضامنة في انطاليا وقمة سوتشي لزعماء الدول الضامنة، التي حددت نفوذ كل دولة، ربما ورقة للضغط لتعزيز انعقاد سوتشي الذي راوغ المؤتمرون في الرياض في توضيح موقفهم منه.

سوتشي الذي سيعلن فيها بوتين انتصاره على الإرهاب ويعلن توافق الأطراف على حل مستدام طبخته موسكو وبصمت واشنطن والكومبارس جاهز للتسويق والدعاية. وفاروق الشرع قائد للمرحلة الانتقالية حسب نظرية ﻤن دﻫﻨو ﺴﻘـﱢـﻴـﻟو.

بالعودة إلى نقطة البحث "مزاد" موسكو، على خلفية لقائه بشار الأسد في دمشق يوم 26 اكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وفي حديثه لقناة "روسيا اليوم" في استانا، قال لافرنتييف، إن الدولة السورية مصممة على الاستمرار بالحرب على الإرهاب من جهة ودعم المسار السياسي من جهة أخرى عبر رفع وتيرة المصالحات الوطنية والحوار بين الجميع وعبر مؤتمر حوار وطني في سوريا وصولا إلى تعديل الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية الجديدة.

وأضاف المبعوث الروسي أن الأمر في غاية الأهمية، منوها إلى عزم بشار الأسد على البحث عن سبل للمصالحة الوطنية وإطلاق حوار وطني بين مختلف أطياف المجتمع السوري.

قد يقول قائل أو متقول أين "المزاد" في كل ماذكر؟

نقول له بكل بساطة عليك أن تتوقف بعناية تامة أمام عبارات مثل " مصالحة، حوار، انتخابات، تسوية". بعبارة أدق عندما يتحدث الأسد ولافرنتييف عن المصالحة علينا أن نطرح سؤالاً ليس بريئا ما هي المصالحة التي يتحدث عنها أولئك؟ وما هي شروطها ونتائجها؟ وعلى أي أساس يتم الحديث عن مصالحة مع نظام الأسد؟ وأين موضوع المحاسبة والقصاص من مرتكبي الجرائم بحق ملايين السوررين المشردين والمعتقلين والمختفين قصرا في غياهب سجون تنظيم الأسد وميليشياته العابرة للحدود، والمقتولين والمخنوقين بغازات الأسد الكيميائية والمشويين بلهيب الححم الروسية؟ عن أي مصالحة يتحدث لافرنتييف؟

بكل تأكيد المصالحة التي يبحث عنها تنظيم الأسد وتحالف الشر الذي يدعمه، لا تعني إلا شيئا واحدا هو تبرئة تنظيم الأسد وموسكو من كل الجرائم التي ارتكبها تحالفهما بحق السوريين عبر 6 سنوات هي عمر الثورة السورية.

لا يخفى على متابع أن المصالحة المنشودة من قبل روسيا، والانتخابات التي تتحدث عنها موسكو ومحاربة الإرهاب لا تعني إلا أمرا واحدا بقاء تنظيم الأسد، وتحقيق الاستراتيجية الروسية سحق كل من يطالب برحيل تنظيم الأسد، فضلا عن محاكمته.

إن أخطر ما في جاء ت به موسكو في بدعتها الجديدة "مؤتمر الحوار السوري" في "سوتشي" ليس في موضوع إعادة انتاج تنظيم الأسد وسحق الثورة السورية وأهدافها وتجاهل دماء السورريين، بل أخطر من هذا وذاك تحويل سوريا إلى بقعة تعيش على أرضها مجموعة من الأقليات والعرقيات والقوميات والإثنيات المتنافسة طائفيا وعرقيا وليس سوريا الدولة صاحبة التاريخ العريق في المدنية وصناعة الحضارة.

وبالعودة إلى مزاد "سوتشي" والحديث عن إصلاح دستوري وهي عودة إلى ما طرحته موسكو من قبل وتحدثنا عنه "دستور كتب في موسكو" وكأن المشكلة في سوريا هي مشكلة دستورية، وليست مشكلة مع تنظيم مجرم اختصر القانون والوطن والإنسان والحضارة في شخص فسوريا لاتصلح إلا به وهي غير موجودة من دونه، لدرجة لم يعد يفرق فيها المرء بين الدولة والرئيس، فالدولة والقانون والدستور في سوريا تعني شيئا واحدا "بشار الأسد".

لست أدري إلى متى ستستمر موسكو في استخفاف عقولنا بهذه الأطروحات الهجينة التي لا تقنع طفلا صغيرا.

كاتب سوري

========================

تركيا تتجه إلى إدلب وعينها على عفرين .. خورشيد دلي

الحياة

الاربعاء 6/12/2017

على وقع العملية العسكرية التركية في إدلب لا تتوقف التهديدات التركية بعملية عسكرية ضد عفرين بحجة انتزاعها من سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية، ومع ان عفرين خارج منطقة خفض التصعيد التي جرى الاتفاق عليها في آستانة إلا أن الإصرار التركي على القيام بهذه العملية لا يتوقف وهو يطرح السؤال التالي: لماذا عفرين؟

في الواقع، على رغم أن عفرين معزولة جغرافياً عن بقية الكانتونات الكردية في سورية الا أنها تحتل أهمية استراتيجية كبيرة في المشروعين الكردي والتركي معاً، فكردياً تشكل عفرين الجسر الجغرافي الذي يصل المناطق الكردية بعضها ببعض على شكل إقليم متواصل جغرافياً، فضلاً عن وصل حدود هذا الإقليم بالبحر إذا أتيحت ظروف التقدم للمشروع الكردي، وفي الوقت نفسه فإن جوهر المشروع التركي يهدف إلى منع تحقيق هذا المشروع، نظراً إلى أن من شأن تحقيقه، خروج الأمور عن السيطرة وتشكيل مقومات الكيان الكردي، وربما تصبح الفيديرالية على طاولة تسوية الأزمة السورية، وعليه فإن مصير عفرين يقع في صلب الصراع الجاري في الشمال السوري.

تركيا التي خرجت من حلب خالية الوفاض لمصلحة النظام وحلفائه الروس والإيرانيين و "حزب الله"، ترى في مسار التقارب مع روسيا وإيران مجالاً للتفاهم على عملية في عفرين، على غرار تكرار لعملية درع الفرات، بل ترى أن عملية درع الفرات لم تستكمل أهدافها طالما ان منبج ومعها مثلث الشيخ عيسى وتل رفعت واقعة تحت سيطرة قوات سورية الديموقراطية، إذ إن هذا الوضع الجغرافي قد يتيح في ظروف مرحلة ما بعد تحرير الرقة من "داعش" تحرك هذه القوات باتجاه عفرين لوصلها بالكانتونات الكردية، وتركيا التي أبعدت عن معركة تحرير الرقة بقرار أميركي، تشعر بقلق شديد من عدم وقف واشنطن دعمها العسكري إلى الأكراد بخاصة ان الوعود الأميركية بهذا الخصوص تأخذ طابع الغموض ومحاولة خلق حالة توازن في علاقاتها بين الحليفين الكردي والتركي في وقت لا يتوقف أردوغان عن مطالبة الإدارة الأميركية بالاختيار بينهما، وعليه ربما ترى أنقرة ان كلفة الانتظار باتت أكبر من كلفة عملية عسكرية استباقية تقطع الطريق أمام المشروع الكردي نهائياً. وعليه، فإن الحديث في تركيا ليس عن العملية بل عن عمقها ومداها ومراحلها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يؤخر قيام تركيا بعملية عسكرية في عفرين؟ في الواقع، ثمة اعتقاد بأن الذي يؤخر مثل هذه العملية هو انتظار أنقرة موافقة أو تفاهمات مع روسيا وإيران غير متوافرة إلى الآن، وإذا كانت تركيا على مسار إيران انقلبت على حليفها الكردي مسعود بارزاني وتراجعت عن سياستها السابقة في العراق لمصلحة القوى الموالية لإيران، فإنها على مسار موسكو تبدي حماسة للتفاهم معها على خطواتها في شأن الأزمة السورية، بل وتغامر بعلاقاتها مع الغرب في عقد صفقات أسلحة ضخمة مع موسكو من نوع المنظومة الصاروخية الدفاعية اس 400، كل ذلك على أمل دور مؤثر في شمال سورية، وهي تنطلق من هذه القناعة بأن عملية إدلب قد تكون مدخلاً لها للوصول إلى عفرين.

في الواقع، ملامح العملية التركية في إدلب تشير إلى ان عفرين هي الهدف الأهم لتركيا، فعملية إدلب لم تسجل حتى الآن اي اشتباكات بين القوات التركية والجماعات المسلحة المنضوية في "هيئة تحرير الشام"، وفي كثير من الأحيان تجري خطوات هذه العملية بالتنسيق بين القوات التركية و "جبهة النصرة"، كما ان عمليات التصفية داخل قيادات الجبهة توحي بتأثير استخباراتي تركي قوي في قرارات قادة التنظيم والتحرك وفقاً للمساعي التركية. وعليه من الواضح أن التحرك التركي تجاه إدلب في إطار تفاهمات آستانة يتجاوز هذه التفاهمات وحدود إدلب، إذ إن الهدف هو عفرين لكن القيام بأي عملية ضد الأخيرة يخضع لحسابات دقيقة ومتداخلة لها علاقة بالموقف الروسي بالدرجة الأولى. يبقى القول إن تركيا في مقاربتها لعفرين لا تترك أمام الأكراد إلا تكرار تجربة عين العرب (كوباني) حتى لو تعرضت لدمار كبير.

========================

ألمانيا وسورية.. درس في الديموقراطية .. سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الثلاثاء 5/12/2017

بينما كانت المفاوضات بشأن الأزمة السورية تتعثر في مؤتمر جنيف الثامن الذي انفرط عقده، بعودة وفد النظام، قبل أن يلتئم، واعدًا بجنيف بحسب متوالية حسابية مفتوحة على رقم مجهول، كان ينعقد في مدينة هانوفر الألمانية المؤتمر الثامن لحزب البديل من أجل ألمانيا، في الثاني من ديسمبر/كانون الأول الجاري، الحزب اليميني الشعبوي، الموسوم من مناهضين له ولسياسته من الشعب الألماني بالنازي، وهو نعتٌ يعتبر نقيصة كبيرة بالنسبة لألمان كثيرين، وقد دخل هذا الحزب البوندستاغ (البرلمان الاتحادي) للمرة الأولى، بعد أن حقق نسبة 13% من أصوات الناخبين. فهل يحق لمراقب سوري أن يعقد مقارنة بين الحالتين؟

من حيث المبدأ، لا يمكن مقارنة الحراك السوري بالحراك الألماني منذ انطلاق الحملة الانتخابية التي انتهت بفوز حزب البديل بنسبةٍ تخوله دخول البرلمان الاتحادي، فالشعب السوري الذي تظاهر، كما الشعب الألماني المتظاهر أمام مقر انعقاد المؤتمر الثامن لحزب البديل منددًا بسياساته، كان طامحًا في وطنٍ معافى يعيش فيه ضمن دولة مؤسسات وقانون، تضمن له حقوقه، وتحترم كرامته، وتدافع عن كيانه، ويحظى فيها برتبة مواطن، دولة تقوم على أساس ديموقراطي، تحقق طموح مواطنيها وأحلامهم وحياتهم بعدالة. لكن الشعب الذي تظاهر بسلمية كاملة قوبل بالرصاص الذي استولد رصاصًا أغزر قوبل بالعنف الذي أجّج عنفًا أكبر، وكان قد رفع شعاراتٍ تطالب بالحريات، فقوبل بخنق أكثر لحرياته وزجّ به في المعتقلات، طالب بدولة مدنية، فانبثق بين أجنابه سلاح يسطو على حلمه، ويعيده قرونًا إلى الوراء، طارحًا أمامه دولة الخلافة التي تقوم على الشريعة وشعار الإسلام هو الحل، ومن لا يوافق فالإقصاء والجلد والرجم والذبح بديل شاف ودواء ناجع.

لم يحقق الحزب اليميني الشعبوي هذه النسبة، لولا أنه كان لديه برنامجٌ ما، طرحه شعاراً يلامس قضايا ومشكلاتٍ يعاني منها الشعب الألماني، بل وربما لامس نزعةً عصبيةً ما زال لديها بعض الصدور تضمرها في ألمانيا بعد النازية. لكن من المنصف القول إن لدى كل شعب مشكلاته، مهما بلغت تجربته، ومهما حققت من نمو وتطور. ليس الشعب الألماني مرفهًا بالمطلق، فهو شعب كادح يعمل ساعات طوالا، ويدفع الضرائب المرتفعة، ومن حقه أن تكون لديه أحلام وطموحات بتحقيق حياة أكثر راحة وأكثر رفاهية، فجاء حزب البديل ليقول له إن اللاجئين هم أساس مشكلته، فهو يدفع الضرائب، واللاجئ يأخذ المساعدات على حساب تعبه وجهده. ربما لم ينتخبه الجميع من أجل هذا الشعار، وإنما منحه بعض الناخبين أصواتهم نكاية في الحكومة الحالية التي رأى تعثرًا في أدائها وقصورًا ما في تحقيق طلباته، فأراد التعبير عن رفضه سياساتها والتجريب في مكان ما، هذا السلوك هو تعبير عن ثقافة الديموقراطية التي صارت جزءًا من التركيبة النفسية والمعرفية للمواطن الألماني، هي خلاصة تجربة تاريخية مكلفة، أدت إلى إرساء هذه المفاهيم وممارستها، وإلاّ ما كان هذا التظاهر الحاشد المناهض أمام مقر المؤتمرات الذي يعقد فيه حزب البديل مؤتمره الثامن، فمن حق الحزب أن يعقد المؤتمر، ومن واجب الحكومة أن تؤمّن له الحماية، كذلك من حق الشعب أن يتظاهر ضده وضد طروحاته.

"الشعب الذي تظاهر بسلمية كاملة قوبل بالرصاص الذي استولد رصاصًا أغزر قوبل بالعنف الذي أجّج عنفًا أكبر"

أثارت الكتلة البرلمانية لهذا الحزب (البديل من أجل ألمانيا) اليميني الشعبوي، عاصفة من الاستهجان والغضب لدى نواب الأحزاب الأخرى، الممثلة في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، إثر تقديمه اقتراحا، في 22 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بشأن إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، وكانت كتلته قد قدمت اقتراحًا يدعو الحكومة الألمانية إلى الاتصال بالنظام السوري مباشرة، للاتفاق معه على إعادة اللاجئين السورين في ألمانيا، باعتبار أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد اندحر كقوة، وكأن مشكلة الشعب السوري في الأساس مع الإرهاب، ولم يكن لديه طموح التغيير باعتباره حقا للشعوب. وقد قوبل الاقتراح باستهجان من كل الكتل الأخرى، حتى إن النائب في الحزب الاشتراكي الديموقراطي، يوسب يوراتوفيتش، الذي جاء لاجئًا إلى ألمانيا، خاطب كتلة حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني الشعبوي، قائلا: "إما أنكم لا تعرفون شيئًا عن الوضع في سورية، أو أنكم تريدون السير فوق الجثث".

إنه درس في الديموقراطية بشقيه، داخل "البوندستاغ" الألماني في السجال الذي جرى بين الكتل الممثلة للأحزاب، وفي الشارع الألماني حيث يتظاهر آلاف للتعبير عن رفضهم طروحات عصبوية، يصفها بعضهم ببساطة بالنازية، لكنها الديموقراطية الواعية. فما الذي يأتي بأفراد من كل الأعمار والأجناس في ظروفٍ مناخيةٍ صعبة، حيث تنزل درجة الحرارة تحت الصفر، ليسجل موقفًا، لولا إيمانه بعدالة القضية التي يدافع عنها وتمسّكه بحقه الديموقراطي، وبأن يكون له صوت؟ كان التجمع الحاشد يحوي مجموعاتٍ تنتمي إلى أحزابٍ، وأخرى من المستقلين، ومن اللافت والطريف مشاركة حزب دي بارتاي، أي حزب "الحزب" الذي اتخذ من السخرية نهجًا لطرح شعاراته وتحقيق أهدافه، فهو، كما تحدّث الناطق الإعلامي باسمه لموفدة "دويتشه فيليه"، ميسون ملحم، إلى موقع انعقاد المؤتمر، يطمح عن طريق السخرية إلى التأثير على الجيل الشاب، وجعلهم يرون بعين ناقدة. في المقابل، كان هناك تجمّع صغير من حزب العدالة والمساواة السوداني، يرفعون لافتة تطالب بالعدالة في بلاد الديموقراطية والعدالة التي لجأوا إليها، فتحدث أحدهم بمرارة: لجأنا إلى هنا، لأن العدالة مفقودة في بلادنا، نطمح بعدالة بديلة هنا. لذلك جئنا نضم أصواتنا إلى أصوات المناهضين لسياسة تعادي اللجوء.

كل هذا الحراك الذي تُعتبر مشكلة اللاجئين في مركزه، والسوريين تحديدًا، ويبقى الشلل السياسي متمكّنًا من الحراك السياسي فيما يتعلق بالشأن السوري، مواكبًا للتصعيد العسكري، على الرغم من اتفاقات عدم التصعيد أو التخفيف منه، فأين المشكلة؟ لا يمكن الحديث عن مشكلة مجسّدة واحدة، لأن الأزمة السورية، بحد ذاتها، إشكالية كبرى ومشكلة معقدة، بسبب

"ليس الشعب الألماني مرفهًا بالمطلق، فهو كادح يعمل ساعات طوالا، ويدفع الضرائب المرتفعة، ومن حقه أن تكون لديه أحلام وطموحات بتحقيق حياة أكثر راحة" كثرة الأطراف الضالعة فيها. لكن يمكن القول إن المعارضة التي ما زالت تحاول طرح نفسها الممثل الوحيد للشعب، وعلى الرغم من التعديلات أخيرا في الهيئة العليا للتفاوض، إلا أنها لم تستطع تقديم برنامج يقنع الشعب، وتلامس قضاياه وطموحاته، المعارضة التي تترجم على الأرض واقعا لم تحقق صورة أفضل مما كانت قبل الانتفاضة السورية، بل كرّرت نمط إدارة الحياة نفسه، وأحيانًا بصورة أقسى. كان أداؤها مثلما لو أن النظام يعيد إنتاج نفسه بمسمياتٍ مغايرة. لم تقدم المعارضة التطمينات لمختلف فئات الشعب السوري، ولم يكن سلوكها نزيهًا، وهي مثل النظام، لم تحترم الدماء التي سفحت على تلك الأرض، ولا الأرواح التي زهقت، ولا النفوس المقهورة المظلومة المنتهكة.

المعارضة والنظام المخوّلان بالتفاوض على مستقبل سورية، وكيان الوطن والشعب السوريين، لا يملكان حرية القرار والإرادة، كل منهما مرتبط بسياسات وأجندات إقليمية ودولية، وكل منهما يعتبر الوطن كاملاً من حقه، مثلما أن كلا منهما، على ما بدا ويبدو، يطمحان إلى امتلاك عرش السلطة، فأين هي الديمقراطية التي صدّع رؤوس السوريين بها كلا الطرفين؟ أين البرامج المستقبلية التي تجعل الشعب يميل إلى هذه الضفة أو تلك؟ هذا فيما لو بقيت للشعب قدرة على أن يميل. المشكلة السورية تكمن في ضرورة تفكيك نظام سياسي اقتصادي اجتماعي ديني إداري راسخ، صارت منطلقاته وأسسه ونهجه مثل لوح وصايا، نظام لا يمكن قبوله بعد هذه الفاتورة الباهظة التي دفعها الشعب السوري، هذه هي العقدة الكبرى التي لا يوليها اهتماما، أو ربما لا يملك بديلاً عنها، من يمثلون الناطق الرسمي باسم الشعب، الشعب الذي لم ينتخب، لا نظامه ولا معارضة هذا النظام.

========================

جنيف في مكان آخر .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 5/12/2017

هذه هي الحلقة الثامنة من مسلسل جنيف السوري.. الحدث ذو الأهمية المفترضة لم يأخذه أحدٌ بجدية، لا المعارضة ولا النظام، ولا حتى الأطراف التي ترعاهما، على الرغم من أنه صيغة دولية تعتمد الحل الوسط وترتكز على قرارات مُتفق عليها. يمكن أن يكون الخروج بنتيجة من هذا المؤتمر أمراً جيداً، ولكن كل طرف ما زال يرى أنه يستطيع الانتصار النهائي، متكئاً على دعم حلفائه.

تعمل موسكو بجد للالتفاف على جنيف، والاستعاضة عنه بأستانة أو سوتشي، والمعارضة لا تحضر إلا بعد مؤتمر توافقي، تتفق فيه على الحد الأدنى الذي لا يرضي أحداً، فيشعر كل مَنْ يجلس على كراسي مؤتمر جنيف بعدم جدوى وجوده.

شهدت أطوار الحرب المستمرة منذ سبع سنوات في سورية حالات مد وجزر، تقدّمت المعارضة وتراجعت، وكذلك فعل النظام، وعُقدت جولات جنيف في أثناء حالات ميدانية متباينة. وفي كل الظروف، كان جنيف يبدأ بأقل قدر من التوقعات تحت ذرائع مختلفة، وكانت الوفود تلتقي بالمبعوث الأممي شكلياً قبل أن تغادر على موعد بلقاء ثان، وعينها على أرض المعارك، أو على العواصم الداعمة التي تشتم منها رائحة انتصار ما.. وما بين جنيف وآخر كان يمضي مزيد من الوقت، وهو العامل الذي يرغب النظام بتوظيفه لصالحه ضمن لعبةٍ يجيدها، ونتيجةُ آخر حلقة لجنيف تؤكد هذه النظرية، وبدأ وفد المعارضة يحترف أيضاً لعبة إضاعة الوقت، بعد أن أصبح بحاجة لكثير منه قبل أن يحدث متغيرٌ دوليٌّ ما لصالحه.

قبيل انعقاد مؤتمر الرياض 2 استقالت بعضُ رموز المفاوضات السابقة، أو جرى استبعادها مراعاةً لما ترغب به موسكو تحت يافطة "استثناء المتشدّدين"، وأُعيد تشكيل وفدٍ يستوعب أفراداً جددا، ويؤهل نفسه لخوض "منافسات جنيف". وظهر في البيان النهائي لمؤتمر الرياض أن الوفد لن يقبل فترة انتقالية يكون للأسد دورٌ فيها، وهو البند الذي استفزّ رئيس وفد النظام، بشار الجعفري، واعتبره شرطاً مسبقاً دفعه إلى مغادرة المفاوضات مبكراً، لكن الحدث الأبرز كان تقديم مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، ورقة معدلة عما قدمه في السابق، وطلب من وفدي النظام والمعارضة دراستها والبناء حولها. وتتبنى الورقة سورية موحدة تجمعها فيدرالية فضفاضة، وهذا يعني، بشكل ما، إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، مع تثبيت حالة عدم الاقتتال، لكن الخلاف الحقيقي هو بشأن مكان بشار الأسد.

قبل أن يبدأ جنيف، التقى رئيس النظام بشار الأسد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي، ثم جرت قمة مهمة جمعت بوتين مع كل من رئيسي إيران حسن روحاني وتركيا رجب طيب أردوغان، كما التقى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مع بوتين في فيتنام، وخلاصة كل اللقاءات كان إحداثَ تغيير في ورقة دي ميستورا وتأجيلَ ملتقى سوتشي، وليس إلغاءه، بالإضافة إلى شبه تخلٍّ أميركي عن الأكراد. وتجعل كل هذه الملابسات من لقاء جنيف لقاء شرفياً فقط، وكل ما يمكن أن يجري سيكون خارجه وقد يقتصر اللقاء في جنيف على حشر الجميع للتوقيع على ما سبق التوافق عليه. وحتى هذه اللحظة، لم يتم الحسم بين العواصم، وخصوصا الجانبين، الأميركي والإسرائيلي، ولدى هذين شرط خاص وحاسم، هو استبعاد إيران.

يملك النظام وقتا كثيرا، حتى أن وسائل إعلامه تتغنى بترف إعادة الإعمار ومحاربة الفساد، ولدى مسؤوله في المفاوضات كل الجرأة ليتأخر عن موعد الاجتماعات، ولديه جرأة أخرى ليرفض الدعوة إلى تمديد الاجتماع، ولدى وفود المعارضة وقت أيضاً لإجراء مفاوضات داخلية، وعقد لقاءات فرعية لضم شخصيات جديدة وإغناء الوفد. ويمكن لجنيف أن ينتظر موعد نضوج آخر في عواصم أخرى، ويمكن الآن أن يراقب الجميع ما سيسفر عنه اتهام المسؤول السابق في حملة ترامب لترامب نفسه بالاستفادة من تدخلات روسية في الانتخابات الأميركية، وهذه تطورات قد لا تقلب الطاولة، بل يمكنها أن تغير الطاولة نفسها.

========================

تساؤلات بشأن "جنيف 8" .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 4/12/2017

هل تشكل جولة "جنيف 8" من مداولات الشأن السوري بداية الانزلاق نحو وأد الثورة بشقها السياسي، بعدما وئدت على الأرض؟ أم هل تشكل هذه الجولة بداية لمسار تفاوضي حقيقي، قد يخرج البلاد من أزمتها المستعصية، ويعبد الطريق أمام حل سياسي، ينتهي بإقامة نظام ديمقراطي؟ ليست الإجابة عن السؤالين يسيرة، في ظل غموض المواقف الدولية من الحل السياسي، وفي ظل تعامل فرقاء الصراع السوري مع الأزمة، انطلاقا من تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة.

لقد تعرّضت جولة "جنيف 8" ومخرجات مؤتمر المعارضة السورية "الرياض 2" لانتقادات واسعة من أطراف كثيرة في المعارضة، إما لأسباب خاصة، بعدما خسرت شخصيات مكانتها الاعتبارية، أو بسبب مراهقتها السياسية واستمرارها في اعتماد خطاب سياسي ميتاواقعي. وهنا محطات تاريخية مهمة من عمر الأزمة السورية:

أولاً، رفضت فصائل المعارضة قبل ثلاثة أعوام الانخراط في البرنامج الأميركي، المتمثل بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ووقف قتال النظام، وترتب على هذا الرفض اضطرار واشنطن للبحث عن حلفاء محليين آخرين، ولو وافقت الفصائل آنذاك على المطلب الأميركي، لكانت اليوم قوة عسكرية ضاربة على الأرض، ولكانت الحليف الأول للولايات المتحدة. ومن نافل القول إن هذا الأمر لو تحقق، لكان المشهد العسكري اليوم مختلفا تماما. وللأسف قبلت فصائل المعارضة أخيراً وقف قتال النظام، لكن من البوابة الروسية، لا الأميركية، وهذا أمر كانت له وما تزال تبعات كبيرة.

ثانياُ، هل علينا التذكير كيف أن الروس طلبوا من فصائل المعارضة البقاء في حلب، شرط مغادرة جبهة النصرة المدينة، لكن الفصائل رفضت، وكانت النتيجة مغادرة الجميع بقوة السلاح؟.

"عندما اتسمت المعارضة بالواقعية السياسية، لا الاستسلام كما يُصور بعضهم، تعرّضت الهيئة العليا والوفد المفاوض لأبشع الانتقادات

ثالثاً، هل علينا التذكير كيف رفض ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، ممثل المعارضة الرئيسي، توسيع مروحة المعارضة، واستيعاب هيئة التنسيق الوطني، ولم يتم الأمر إلا بضغط دولي، كانت الرياض عنوانه في ديسمبر/ كانون الأول عام 2015، مع تشكيل "الهيئة العليا للمفاوضات"، وكيف رفضت هذه الهيئة فيما بعد استيعاب منصات جديدة، إلى أن فرض ذلك على الهيئة بالقوة. ماذا لو قامت الهيئة منذ سنتين بالتواصل مع قوى قريبة إليها، أليس ذلك كان أفضل من الواقع الحالي الذي أصبحت فيه منصة موسكو جزءا من الهيئة العليا؟

رابعاً، أصرّت المعارضة طوال السنوات الماضية على بيان "جنيف 1" الذي يدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، مع إبعاد الأسد من المرحلة الانتقالية. ورضيت اليوم بالقوة بتحويل ملف الانتقال السياسي ومصير الأسد إلى مجرد نقاش تفاوضي. وفي منتصف عام 2015، طلب مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، من المعارضة مناقشة وثيقة أعدها عن المبادئ الأساسية للحكم، قبل عرضها أمام مجلس الأمن، لكن "الائتلاف" رفض مناقشتها، وكانت النتيجة أن المبعوث الأممي عرضها على المجلس كما هي، لتتحول فيما بعد إلى قرار دولي يحمل الرقم 2254. وللأسف، لم يعد هذا القرار الذي شكل مرجعية الحل السياسي مقبولا كما هو من الروس والأميركيين، ويجري ببطء تفريغه من محتواه، بعدما كان القرار نفسه قد أفرغ قضية المرحلة الانتقالية ومصير الأسد من محتواهما.

يعود الواقع الذي وصلت إليه المعارضة السورية اليوم، بشقيها السياسي والعسكري، إلى تخلي المجتمع الدولي عن الثورة السورية من جهة، ولأخطاء الدول الإقليمية الداعمة للمعارضة من جهة ثانية، وللأخطاء الكارثية التي ارتكبتها المعارضة، بسبب رعونتها السياسية، وتسلم شخصيات ريادة العمل المعارض، وهي لا تمتلك أدنى الكفاءات من جهة ثالثة.

واليوم، عندما اتسمت المعارضة بالواقعية السياسية، لا الاستسلام كما يُصور بعضهم، تعرّضت الهيئة العليا والوفد المفاوض لأبشع الانتقادات، من دون أن يمتلك هؤلاء المنتقدون أية بدائل سوى مواقف نظرية أيديولوجية تخلو من أية روافع مادية لها.

وليس مفيداً الانزلاق إلى لغة الاتهامات بين صفوف المعارضة، المفيد هو استخدام السياسة باعتبارها فنا للممكن لتحصيل ما يمكن تحصيله في بيئةٍ محليةٍ وإقليمية ودولية غير مواتية.

والقول إن جولة "جنيف 8" ستؤسس لمرحلة تفاوضية عبثية غير صحيح، بدليل خوف النظام وارتباكه منها، لأنها ألغت ثنائية العسكري / السياسي التي يتحجّج بها، ووضعت نواظم للمسار التفاوضي. وخصوصية المعركة السورية سياسية أكثر منها عسكرية، ولو كان المستوى العسكري هو الأساس لانتهت الأزمة لصالح النظام، ولما اضطر إلى إجراء مفاوضات سياسية.

لم يكن أمام المعارضة إلا القبول بالسقف السياسي التفاوضي الذي تم التفاهم عليه دوليا، ولو فعلت غير ذلك، لسرعان ما بدأت واشنطن وموسكو بإضعاف المعارضة وإخراجها رويدا رويدا من المشهد السياسي، لكن هذه الواقعية السياسية التي يتسم بها الوفد التفاوضي قد تكون سبباً في إحداث اختراقٍ يصب في صالحها، بعدما خبرنا سياسة اللاءات، وما انتهت إليه من كوارث.

========================

إنسانية عارية على أسوار غوطة دمشق .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 4/12/2017

أكثر من أربع سنوات مضت على حصار غوطة دمشق من جانب نظام الأسد، حيث منع دخول الأشخاص وخروجهم، والمواد جميعاً بما فيها المواد الأساسية الغذائية والطبية، وتم قطع إمدادات الماء والكهرباء والهاتف، وتوقفت كل الخدمات البلدية والصحية والإدارية، وبالخلاصة تم وضع أكثر من نصف مليون نسمة ضمن سياج حديدي، تحيط به المدافع والدبابات وجنود النظام وحلفاؤهم من ميليشيات طائفية وقوات إيرانية، وتقصفه طائرات نظام الأسد، التي انضمت إليها في العامين الأخيرين الطائرات الروسية.

وسط تلك الصورة، لا يمكن تصور محصلة الحصار في الواقع أو في الخيال. بشر أهلكهم الحصار بما سببه من قتل وإصابات قد يكون الموت أفضل من الحياة بعدها، وزاد عليها الحصار أثره في حياة سكان الغوطة بما تركه من جوع وفقر ومرض لا سبيل لعلاجهم، إنما لمراكمتهم، فيما كان التدمير بما يعنيه من تدمير للمساكن والأسواق والقدرات الشخصية والمجتمعية ماضياً في السياق نفسه، وكله جعل الغوطة منطقة منكوبة غير معلنة، لأن أي طرف لا يتجرأ على تحمل مسؤوليات وتبعات هكذا إعلان.

حجة نظام الأسد في استمرار حصار الغوطة والحرب عليها ودعم حلفائه من إيرانيين وروس وميليشيات طائفية أساسه القول بـ"وجود مسلحين وإرهابيين متطرفين" في الغوطة، وهي الحجة ذاتها التي قام عليها سياق حربهم على السوريين في كل أنحاء البلاد طوال سنوات مضت، لكن السبب الخفي للحصار والحرب على الغوطة، هو موقعها في خريطة الحرب من حيث إحاطتها بالعاصمة دمشق، حيث إن حدود الغوطة لا تبعد سوى أميال قليلة عن مركز دمشق، الأمر الذي يشكل تهديداً سياسياً وعسكرياً وأمنياً للنظام وحلفائه، والأكثر من ذلك، فإن غوطة دمشق شكلت وما تزال موقعاً يكرس سياسة النهب والاستغلال الذي مارسه النظام طوال عهده على الغوطة وسكانها، وجمع منها كثيرا من ثروات أركانه وكبار المسؤولين فيه، مما يجعل همهم الأساسي إبادة سكان الغوطة والاستيلاء على أرضهم، وإعادة اقتسامها بين النظام والإيرانيين وميليشياتهم بشكل خاص، على نحو ما حصل في الغوطة الغربية وفي وادي بردى.

ولعل أهم ما يؤكد الهدف الحقيقي لنظام الأسد وحلفائه في الغوطة، أنه ورغم ضمها إلى اتفاقات خفض التصعيد، التي أبدعها الروس في سياق سياستهم في القضية السورية، فإن سياسة الحصار مستمرة، بل إنها ما زالت تترافق مع عمليات عسكرية على جبهات مختلفة من الغوطة، وبالتزامن مع قصف جوي من طيران النظام وبمشاركة طيران روسي في أعماقها، والهدف المشترك لكل ما سبق، هو قتل أكبر عدد ممكن من سكان الغوطة، فمن لم يمت لفقد الغذاء والدواء، يمكن أن يموت بالهجمات العسكرية، والناجون من الاثنتين، يمكن أن يموتوا بالهجمات الجوية، وقد يلجأ النظام إلى هجمات بالأسلحة الكيماوية على نحو ما فعل مرات، أشهرها مذبحة الكيماوي في الغوطة قبل أربع سنوات، التي قتل وأصيب فيها آلاف الأشخاص، أكثرهم قتلوا وهم نيام.

ما يحدث في الغوطة من قتل وجرح وتجويع ومنع للغذاء والدواء ودمار، ليس بعيداً عن الإعلام، بل إن وقائعه بما فيها من أحداث ونتائج بين أيدي المنظمات الدولية، وقد أصدرت فيه الكثير من التقارير المدققة وفق المعايير الدولية، وكله ليس خارج معرفة القوى الدولية والإقليمية وأجهزتها، التي تتابع القضية السورية، لكن النتائج تكاد تكون صفراً في محاسبة نظام الأسد وحلفائه بصدد ما يفعلونه بالغوطة وسكانها، ويزيد على ذلك، أنه لا أحد يقدم تفسيرات أو تبريرات لهذه السلوكيات، التي تتعارض مع الحدود الإنسانية والأخلاقية لعالم اليوم، وتتناقض مع جريمة الإبادة المتواصلة من جانب النظام وحلفائه في أنهم يريدون الغوطة بلا سكان.

إن حملات المحاصرين من سكان الغوطة ومناصريهم من النشطاء ومنظمات المجتمع المدني لوقف الحرب على الغوطة، ورفع الحصار عنها، قد تكون الأصوات الأخيرة في وجه عالم فقد قدرته وفاعليته في إيجاد حل للقضية السورية، وفقد معها قدرته على وقف الكارثة المحيطة بالغوطة، بل إنه فقد إنسانيته وضميره إزاء فصول جريمة مستمرة، تتواصل خلف أسوار حصار الغوطة.

========================

شاة دي ميستورا التي تُسلخ .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 3/12/2017

الناظر إلى وثيقة المبادئ الإثني عشر، التي عرضها الموفد الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا على وفدي المعارضة والنظام، في الجولة الثامنة من مباحثات جنيف؛ يخال للوهلة الأولى أنها تخصّ بلداً آمناً مطمئناً مستقراً، وسيداً حرّاً مستقلاً؛ يحتاج، مع ذلك كله، إلى حفنة إصلاحات، وتأكيدات على ثوابت كبرى، تحفظ الحاضر والمستقبل

لكنّ الناظر إياه، إذا استذكر أنّ مبادئ دي ميستورا تتعلق ببلد فعلي اسمه سوريا، سوف يرى ما هو أبعد من ذرّ الرماد في العيون؛ إذْ ستكون مسميات مثل التضليل والسفسطة، أو حتى الهرطقة عن سابق قصد وتصميم، هي الجديرة بتوصيف تلك المذكرة. ليس ثمة مفردة واحدة حول الحاضر السوري (مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعتقلين والمفقودين، دمار شامل لم يُبق حجراً على حجر في ثلاثة أرباع البلد، وملايين من النازحين والمهجرين داخل سوريا وخارجها، واحتلالات شتى لحكومات وقوى وتنظيمات وميليشيات…)؛ أو الماضي (الذي صنع مأساة الحاضر، جراء نظام استبداد وفساد عائلي وراثي تأنف منه المافيا، يحكم سوريا بالحديد والنار والسلاح الكيميائي والتجييش الطائفي والتمييز والنهب… منذ 47 سنة)؛ أو المستقبل (ما إذا كانت تلك العائلة ستنزاح حقاً عن صدور السوريين، أم أنّ إعادة إنتاجها أو تدويرها شرط مسبق أعلى، إذا وضع المرء جانباً انتفاء مبدأ المحاسبة والعدالة الانتقالية).

وما دامت المبادئ الـ12 تصف بلداً استيهامياً، أقرب إلى سوريا مشتهاة منها إلى سوريا إراقة الدماء والخراب والاحتلالات، وبالتالي فإنّ ما يُشتهى للبلد هو نقيض ما مارسه آل الأسد منذ سنة 1970؛ فقد كان من الطبيعي أن يصدر أوّل هجوم ضدّ مذكرة دي ميستورا عن رئيس وفد النظام، بشار الجعفري. "لقد تجاوز صلاحياته كوسيط بين الأطراف"، حين قدّم ورقة المبادئ دون التشاور المسبق مع وفد النظام، قال الجعفري؛ بعد أن هدد بمقاطعة الجولة المقبلة، التي ستنعقد خلال أسبوع.

أما وفد "المعارضة" السورية، ورغم أنه لا جديد حقاً في مذكرة المبادئ التي عرضها دي ميستورا وأعادت تكرار بنود قديمة طُرحت في جولات جنيف السابقة، فإنّ روحية لقاء الرياض ـ 2، لجهة الانحناء أمام المتغيرات السعودية ودفن الخطاب الذي يرطن حول المرحلة الانتقالية ومصير بشار الأسد؛ فإنّ موافقتها على سوريا مشتهاة، بنت الاستيهام والأوهام، ليست إلا تحصيل الحاصل وتثبيت الخيار صفر. فما ضرّ شاة "معارضةٍ" مثل هذه، أن تُسلخ بعد ذبح؟

طريف، إلى هذا، أن يحار دي ميستورا بين اسم "سوريا" أو "الجمهورية العربية السورية"، دون أن يقترن الخيار الأول بالصفة الجمهورية؛ وبين عدم تثبيت الصفة العلمانية للدولة المستقبلية، أو الإبقاء على صيغة "دولة غير طائفية"، وكأنّ هذا التوصيف الأخير قابل للترجمة إلى ركائز قانونية وحقوقية ملموسة. وأما الأطرف، والأشدّ مزجاً بين المأساة والمهزلة، فإنه البند 7، الذي يشير إلى "بناء مؤسسات أمنية ومخابرات تحفظ الأمن وتخضع لسيادة القانون وتعمل وفقا للدستور والقانون وتحترم حقوق الإنسان"… في إطار النظام ذاته الذي يُراد إعادة إنتاجه، والذي سلّط الأجهزة الأمنية على المجتمع، واعتقل وعذّب وصفّى مئات الآلاف من أبناء سوريا، وداس على الدستور والقانون والقضاء، ولم يترك للمواطن من حقوق إنسان سوى الركوع أمام رموز السلطة

وهكذا، بين هرطقة لا تنتهي إلا إلى لعب مضيّع في وقت ضائع، لكنه مضرّج بدماء السوريين وعذاباتهم، وبين مشاريع حلول "سياسية" تتعهدها قوى الاحتلالات أو تنضجها على غرار طبخة الحصى، وحلول عسكرية لا تفرغ من ارتكاب مجزرة بشعة حتى تشرع في أخرى أشدّ بشاعة؛ ثمة جولات آتية، في جنيف وأستانة وسوتشي، وثمة المزيد من ألعاب السلخ!

========================

لبنان وسوريا.. حديث التفاؤل والتشاؤم! .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 3/12/2017

هناك مطلبان عربيان حاضران على الطاولة الإقليمية والدولية ويتعلقان بسوريا ولبنان. المطلب الأول: وقف القتل والتهجير والتدمير في سوريا، والاتجاه نحو السلم الأهلي والسياسي. والمطلب الثاني المتعلق بلبنان: أن لا يظلَّ "حزب الله" المستولي على الدولة فيه يستخدمه منصةً لزعزعة الاستقرار في الدول العربية.

وفي المطلب الأول تحضر روسيا بقوة، وبسبب اقتراحها خفض التوتر في أربع مناطق، مع ترتيبات خاصة لجنوب سوريا، أمكن ارتفاع الحديث عن الاتجاه نحو الحل السياسي. وبخاصة أنّ موسكو وواشنطن اتفقتا على هامش مؤتمر في فيتنام على استبعاد الحل العسكري في سوريا. لكنّ موسكو تشعبت اتجاهاتها بعد فيتنام. فبينما اتفقت مع الولايات المتحدة على الذهاب إلى جنيف، دعا الرئيس بوتين لمؤتمر للشعوب السورية في منتجع سوتشي الروسي، أراد أن يحضره ألف سوري من سائر الأعراق والمناطق(!). بل وأراد أن تكون مهمة الاجتماع اشتراع الدستور السوري المستقبلي. وما تردد النظام (وأيد لاحقاً!)، بل تردد أيضاً الإيرانيون والأتراك، فدعا بوتين الرئيسين التركي والإيراني إلى سوتشي وحظي بموافقتهما. الأتراك ليس همهم الأول إنهاء الحرب، بل الاستيلاء على منبج وعفرين قبل بداية المسار السلمي، الذي يمكن أن يفوت عليهم هذه الفرصة لإجهاض المشروع الكردي في سوريا. أما الإيرانيون، والذين حصلوا أخيراً على الكوريدور الذي يريدونه، فلا يرون حاجة لجنيف، ويأملون الاستيلاء على كل سوريا قريباً، تحت ستار دعم النظام الممانع(!). لذلك اشتد القصف على الغوطة الشرقية المحاصرة، وتشاركوا مع الروس و"داعش" في محاولات الاستيلاء على إدلب وقرى شرق حماة، لدعم امتداداتهم وحماية الكوريدور، وحتى لا تظل المناطق العلوية مهدَّدة ولو من بعيد، باعتبارها جزءاً من "سوريا المفيدة". المهم أنّ الأطراف الأربعة توافقوا على مؤتمر سوتشي للشعوب السورية، ما دام المقصود الصرف عن جنيف. إنما بالتدخل الأميركي، وإقبال المملكة العربية السعودية على جمع المعارضة بالرياض استعداداً لجنيف، عاد الروس فأخروا اجتماع سوتشي إلى فبراير، لكي يذهب الجميع إلى جنيف ولمفاوضات مباشرة. لكن الآمال ليست كبيرة، بالنظر لمعارضة إيران والنظام، ومحاولات الروس للجمع بين المتناقضات!

ولنذهب إلى لبنان؛ فأصل الأزمة التي أدت إلى استقالة الرئيس الحريري ثم تريثه، هو استخدام لبنان من خلال "حزب الله" منصّةً لإطلاق الصواريخ على المملكة، ومحاولة زعزعة الأمن والاستقرار في عدة دول خليجية، إضافة لتدخلات الاستيلاء بسوريا ولبنان والعراق! واستناداً لذلك اجتمع مجلس وزراء الخارجية العرب، وأدانوا ذلك وسموا "حزب الله" بالاسم وقالوا إنه مشارك في الحكومة اللبنانية، لذلك فلبنان يتحمل أيضاً المسؤولية!

وخلال الأسبوعين الأخيرين، جرت وتجري مشاورات لتجديد إعلان النأي بالنفس الذي أُقرّ عام 2011، وقال الحزب وهو ماضٍ للقتال في سوريا، إنه لا يساوي الحبر الذي كتب به! الأمر صعب صعب، وحتى لو قيل لفظياً في جلسة لمجلس الوزراء، فإنه لا ضمانات لتطبيقه، وبخاصة أنّ خطط التدخل إيرانية، ولا يستطيع نصر الله (إن أراد!) مخالفتها. ومن روحاني إلى جعفري إلى ولايتي قيلت أمور كثيرة خلال الأيام الماضية لا تدعو للتفاؤل بكف الإيذاء. لكن هناك أمر آخر شديد الأهمية: فحتى لو حصلت الموافقة والضمانات، فإنّ لبنان لن يستفيد منها. بمعنى أنّ الاستيلاء بالسلاح على الدولة اللبنانية مستمر.

لكنّ تصريحات المتفائلين من الساسة تقول إنّ تغييراً سيحصل بالإيجاب. ودائماً باتجاه إقناع الحريري بالعودة عن الاستقالة، والباقي في علم الغيب. هناك قناعةٌ عميقة حتى لدى المعارضين لسلاح الحزب بأنّ الدولة اللبنانية لا تستطيع فعل شيء، وبأن مشكلة سلاح الحزب إقليمية ودولية. وقد بدت هذه المقولة حتى لدى جعجع المعارض لسلاح الحزب بشدة. إذ ذهب بعد مقابلته لرئيس الجمهورية إلى أنّ المطلوب الآن ليس نزع سلاح الحزب غير الشرعي، بل إن يكون القرار للدولة على الأرض اللبنانية(!)، مع علمه بأنّ قرار الحزب في عهد الرئيس الحالي هو فوق كل القرارات. فالموقف لهذه الناحية أيضاً لا يدعو للتفاؤل.

----------------------

*أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية -بيروت

========================

في البحث عن توازنات (الواقعية) و(المبدئية) لدى المعارضة السورية .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 3/12/2017

بعد أكثر من ست سنوات من انطلاق الثورة السورية، لم يعد ممكناً لمن يتصدون لـ (قيادتها) سياسياً، ادعاءُ الجهل بالتوازنات المطلوبة بين (الواقعية) و(المبدئية) في التعامل مع قضية شعبهم وبلادهم، وبالتحديات المتعلقة بهذا الموضوع الحساس. أكثرُ من هذا، بات مُعيباً أن يظل الانقسام والخصام والاتهامات المتبادلة، مدخل التعامل معه.

فسوريا تقع في القلب من أكثر مناطق العالم حساسيةً. وثمة تداخلٌ معقدٌ بين مصالح دول إقليمية وعالمية حين يتعلق الأمر بالقضايا الكثيرة المتعلقة بسوريا ودورها في المنطقة، في الحاضر والمستقبل. من هنا، لاتتحقق المصلحة الوطنية السورية العليا بتجاهل تلك الحقيقة وتوابعها، ولا بالإصرار على مفهومٍ سكونيٍ لموضوع الاستقلالية، ينعزل بطهوريةٍ مثالية عن ذلك الواقع، بتعقيده الكبير.

فالاستقلالية، كمبدأ عام، مطلوبةٌ بشكلٍ لايقبل المساومة. وبعد أعوام من العطاء والتضحية في سبيل التحرر من نظامٍ هو الأكثر دمويةً في تاريخ البشرية المعاصر، لن يمكن لقوةٍ في العالم أن تجد في الشعب السوري من يستطيع التنازل، عملياً، نهاية المطاف، عن استقلاليةٍ كانت وستبقى العنصر الأول في تحقيق ذلك التحرر المنشود.

لكن التعامل مع مفهوم الاستقلالية لا يكون بتجاهل الطبيعة المعاصرة للعلاقات الدولية، ولا بعقلية الانغلاق على الذات، ولا بإنكار حتمية وجود المصالح المشتركة، وإمكانية الوصول إلى تصوراتٍ مبتكرة وخلاقة لتحقيق تلك المصالح.

فنحن نعيش عالّماً لم تعد العزلة فيه فِعلاً بشرياً ممكناً. وما من إمكانيةٍ، على الإطلاق، لأن نغلق على أنفسنا الأبواب والنوافذ، ونعيش في عالمٍ ذاتي يخلقه الرفض والبيانات الاستنكارية، ونعتقدَ أن هذا هو السبيل إلى ضمان الاستقلالية.

ماهو البديل إذاً؟ الاعترافُ بأننا نعيش في عالمٍ يموج بأعاصير المصالح، والانتقال بوعيٍ إلى موقع المُبادرة، بدلاً من أن نكون مجبرين على التعاطي مع العالم بمنطق ردود الأفعال، إن لجهة القبول الكامل لما يُطرحُ على السوريين، أو الرفض المُطلق له.

لامفر من (الواقعية) إذاً. لكن هذا يجب أن يكون مبنياً على تحريرٍ صارمٍ لمعاني وشروط مصطلح (الواقعية) نفسه. فهذا يُخرجنا من مأزق نفسي وعملي نجد أنفسنا فيه، كسوريين، عندما نحاول التعامل مع ذلك المصطلح، خاصة في مثل هذه الظروف الاستثنائية

========================
لماذا يتنازل الأسد؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 2/12/2017

وصل الوفد "التفاوضي" لبشار الأسد إلى جنيف متأخرا أكثر من أربع وعشرين ساعة عن الموعد الذي حدّدته الأمم المتحدة لوصوله. واعتبرت هذه الخطوة نجاحا للمساعي الدولية التي أقنعته بالقدوم، على الرغم من أن رئيس الوفد المذكور، بشار الجعفري، رفض طلب المبعوث الأممي، استيفان دي ميستورا، بالانخراط في مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة، ورفض البقاء في جنيف لإعطاء التفاوض مدى زمنيا كافيا، ورفض جدول الأعمال الذي قدّمته الأمم المتحدة، وذاك الذي اقترحته المعارضة. مع ذلك، احتفلت وسائل الإعلام الغربية بما سمته "بدء المفاوضات العملية في جنيف"، ولم تقل، هي أو أي أحد من الرسميين الدوليين، إن الوفد الأسدي عطل المفاوضات قبل قدومه إلى جنيف، وقدم إليها ليستمر في تعطيلها، وإن سلوك نظامه يلغي عمليا القرارات الدولية التي رسمت خريطة طريق واضحة للحل السياسي الدولي، بنصوصٍ لا تحتمل تفسيرات متعدّدة، أو مجافية لمعناها النصي، وللآليات التي تقترحها لبلوغ السلام.

لم يدن أحد إلى اليوم سلوك الأسد الذي يعطل مؤسسات النظام الدولي الشرعية، ويتعامل معها بقدر من الازدراء، يشبه الذي أبدته الهتلرية تجاه "عصبة الأمم"، قبل الحرب العالمية الثانية. وبدل أن يقابل الجعفري والعصابة التي ترافقه بالرفض والاستهجان، نرى دي ميستورا يرسم ابتسامةً سعادةٍ عريضةٍ على وجهه، ويمد يده إلى مسافة عشرة أمتار، ليتشرف بمصافحة الجعفري وعصابته الملطخة أيديها بدماء مئات آلاف السوريين. إذا كان قتلةٌ يُعاملون بهذا الحرص، بربكم لماذا يتنازلون، وينصاعون للقرارات الدولية، ويقلعون عن قتل السوريين، الذين لم يطبق أي قرار من سبعةٍ قيل إنها اتخذت لضمان حقهم في لقمة خبز، ومقعد دراسي، وحبة دواء، وسقف آمن، وحقهم في الحياة الذي يعتبره حتى دستور الولايات المتحدة الأميركية مقدّسا! أعلن الروس أن الاتفاقيات ستعيد، أخيرا، الأمن والسلام ورغيف الخبز والسقف الآمن إلى أهالي الغوطة الشرقية، وأن شرطتهم العسكرية ستضمن أن يوقف النظام قصفها ومهاجمتها، لكن الأسد الذي وقع الاتفاقية بأريحية كان على مذهب آخر، فلم يوقف القصف دقيقة، وبعد أن كان يهاجم الغوطة من محور واحد، بدأ يهاجمها بعد "التهدئة" من ثلاثة محاور، ويستخدم ضدها قنابل يكاد غبار انفجاراتها يصل إلى أنوف شاغلي مبنى الأمم المتحدة في نيويورك.

مع ذلك، لا ترى موسكو ما يجري، ونسيت أنها ضامن خفض التصعيد، ولم تخجل من تقديم اقتراحٍ بعقد هدنةٍ تدوم يومين، ولم يحمرّ وجهها وهي تشطب ضمانتها اتفاقية عقدت بمشاركتها، أعلنت مقدمتها انضواءها في إطار وثيقة جنيف وقرار مجلس الأمن 2118، وأنها بالتالي اتفاقية دولية ترعاها الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وتعتبر جزءا من عملية السلام. نسيت موسكو هذا، وها هو الكرملين يبدي امتنانه، لأن وفد النظام وصل إلى جنيف، لكي يعطل التفاوض، والأسد قبل هدنة في منطقة خفض تصعيد وتوتر، كان الرئيس فلاديمير بوتين قد دقّ على صدره، وتعهد أن يمنع القتال فيها. وغدا، ستنتهي الهدنة التي ألغت الاتفاقية، وستقصف الغوطة من جديد وسيقتل أطفالها الذين ارتفعت نسبة المهدّدين بالموت جوعا منهم إلى 12%، بعد أن كانت قرابة 2% قبل التهدئة.

إذا كانت موسكو قد اقترحت الهدنة، وهي تعلم أنها تلغي اتفاقية وقف التصعيد التي كانت عرّابها، لماذا يتقيّد النظام بهما: الهدنة اليوم والاتفاقية أبدا؟ ولماذا يتنازل الأسد عن حقه المضمون، روسيا ودوليا، بمواصلة حربه ضد السوريين، وبإفشال عملية تفاوض دولية من أجل السلام، واتفاقية دولية قالت موسكو إنها لخفض التصعيد، وها هي تقترح إلغاءها؟ وهل تناست أنها اتفاقيه دولية وتخدم السلام؟ ثم، ألا يلاحظ العالم التلازم بين النتائج التي ستترتب على هدنةٍ روسيةٍ تلغي اتفاقية روسية؟ ألا يلاحظ ما تفعله عصابة السياسيين الأسدية التي تعطل التفاوض على حل سياسي استجابة لقرارات دولية، واستقبلت، على الرغم من ذلك، بترحاب أممي، مكافأة لها على قبولها تحمل مشقات السفر بالطائرة إلى جنيف، في الوقت الذي قرّرته، وللفترة الضرورية للتعبير عن تأفّفها من العالم، واحتقارها مؤسساته وقراراته؟

قال بوتين قبل أسبوعين: جميع مستلزمات السلام صارت متوفرة.. والدليل ما يفعله النظام في جنيف والغوطة، بدعم روسي وصمت دولي.

========================

سوريون ولسنا منصّات .. رضوان زيادة

العربي الجديد

السبت 2/12/2017

كان وقع الصدمة على السوريين كبيراً عندما طلب منهم الحضور إلى مؤتمر الرياض 2 بوصفهم "منصاتٍ"، تتبع دولا إقليمية أو صديقة، فالهدف من المؤتمر توحيد المعارضة السورية، بهدف ضمان توحيد قوى الثورة السورية لتحقيق الانتقال السياسي، من نظام دكتاتوري عائلي أمعن في القتل إلى نظامٍ يعبر عن السوريين ويستحقهم، يؤمن بقوتهم وقدرتهم على تحقيق الاستقرار السياسي وبناء النظام الديمقراطي وتحقيق النمو الاقتصادي، لكن ما جرى هو العكس. خضع الذين قبلوا المشاركة في المؤتمر إلى مبدأ محاصصة "المنصّات"، بما تحمله من إهانة لوطنيتهم وقواهم وقدراتهم العقلية في إدارة الانتقال السياسي من دون وصي أو وكيل. وقد طوى المؤتمر صفحة مؤلمة في تاريخ المعارضة السورية، بنسبتها إلى منصّاتٍ، وليس إلى السوريين، بوصفهم رجالاً ونساء يؤمنون بالتغيير، ويسعون إلى خروج سورية من محنتها العظيمة اليوم، وبدل أن تكون الأولوية لمشاركة السوريين في الداخل، ممثلين عن المجالس المحلية، أو في الخارج ممثلين عن اللاجئين المنتشرين في العالم، مثّلت السوريين "منصاتٌ" تتبع لدول لم تكن يوماً داعمة للثورة السورية أو الانتقال السياسي، فما المعنى إذا من إدخالهم إلى صفوف الثورة وقواها.

عبّر مؤتمر الرياض عن أزمة عميقة في المعارضة السورية التي استمرأت تقديم التنازلات،

"عبّر مؤتمر الرياض عن أزمة عميقة في المعارضة السورية التي استمرأت تقديم التنازلات"  بغرض تحقيق محاصصةٍ أبعد ما تكون عن تحقيق أهداف الثورة وتطلعاتها. وأدخلت منصات لم تحمل يوماً روح الثورة أو حلمها، بل كانت دوماً تحتفظ بعدائها للثورة وحلمها في بناء سورية ديمقراطية لكل السوريين، فلم يكن هناك أي مبرّر أو معنى لإدخال هذه الشخصيات إلى وفد يدّعي أنه يمثل الثورة، وجد السوريون في ذلك إمعاناً في إذلالهم، ومنعم من الحق في إدارة شؤونهم. ولذلك تبدو اليوم الحاجة ملحةً لتوحيد قوى الثورة السورية على أسس وطنية وديمقراطية جديدة تمنع الانتهازيين والوصوليين من الحديث باسم الثورة التي لم يؤمنوا يوماً بها أو سعوا إلى تحقيق أهدافها.

وعلى ذلك، سنقوم بالإعداد لمؤتمر وطني جامع، يهدف إلى توحيد قوى الثورة السورية مجتمعةً، لأن هذا العمل مستمر ودائم، تحتاجه سورية اليوم، وسوف تحتاجه أكثر وأكثر في المستقبل، لضمان الأجندة الوطنية، ولضمان تحقيق الانتقال السياسي لنظام ديمقراطي حقيقي، يعبر عن كل السوريين. وهنا أربع نقاط رئيسية تعد بمثابة الأجندة للمؤتمر المقبل:

أولا، الحديث عن الواقعية السياسية لا يعني بأي حال القبول ببشار الأسد، فالثورة السورية انطلقت على الرغم من إدراكها تاريخ النظام السوري الطويل في القتل والتهجير. ولذلك، يجب ألا يتم التنازل أبداً عن ضمان تحقيق الانتقال السياسي الكامل، والذي يجب أن يبدأ بحق السوريين في اختيار نظامهم السياسي الجديد، عبر الانتخابات الحرة والنزيهة، يشارك فيها كل اللاجئين السوريين أينما كانوا، وضمان دستور ديمقراطي. وكل السوريين مدركون أن العقبة الرئيسية أمام تحقيق ذلك وجود دكتاتور مريض، يضحّي بكل السوريين من أجل شخصه ورغباته، مهما كانت تكلفة ذلك على سورية وطنا، وعلى السوريين شعبا.

ثانيا، حتى لو افترضنا أن نظام الأسد ينتصر على الأرض عسكرياً، فالحاجة إلى قوة سياسية موحدة من المعارضة تبقى أولوية لمحاصرته دوليا بكل الوسائل، والعمل بكل الطرق القانونية والسياسية الدولية من أجل جلبه للعدالة الدولية، ومحاسبته على الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري. وبالتالي، فالعمل على توحيد جهود المعارضة عمل نبيل ودائم، لأنه الطريق الوحيد لضمان تحقيق الثورة السورية أهدافها.

ثالثاً، بعد سبع سنوات من الثورة، تشكلت عدة مؤسسات للمعارضة السورية من المجلس 

"تتحمل المعارضة السورية خطأ إغلاقها التمثيل الدينامي للسوريين" الوطني و"الائتلاف" وحتى الهيئة العليا للمفاوضات، ويعود جزء كبير من عدم قدرتها على التأثير والتمثيل إلى سياسة القتل الجماعي المستمر التي قتلت أكثر من نصف مليون سوري، وشرّدت أكثر من تسعة ملايين آخرين، ما يجعل مسألة إدارة الأزمة الإنسانية فوق قدرات أية مؤسسة، دولية كانت أم وطنية. ولكن، في الوقت نفسه، تتحمل المعارضة السورية خطأ إغلاقها التمثيل الدينامي للسوريين، ما أبعد الوطنيين شيئاً فشيئاً، وفتح الباب للوصوليين أكثر فأكثر لادّعاء تمثيل المعارضة والحديث باسمها. ولذلك تبدو اليوم الحاجة ملحةً لإعادة كل الأصوات التي آمنت يوماً بالثورة، وبحلمها في بناء نظام جديد للانخراط في جهد توحيد قوى الثورة على أسس جديدة ومختلفة، وبدون إملاءات إقليمية أو دولية، لكي تبقى صوتا للثورة.

أخيراً، ندرك تعددية الأصوات داخل قوى الثورة، وهو من مصادر قوتها، فقد كانت حرية التعبير دوما أحد أهداف الثورة. وبالتالي، يجب أن تفسح المبادرة الجديدة الرأي للتعددية. لكن مع الإيمان أن هناك حداً أدنى من المبادئ التي لا يمكن للثورة ولقواها التنازل عنها، وهو ما من شأنه أن ينعكس في طريقة تنظيم المؤتمر المقبل. وفي الوقت نفسه، تدرك قوى الثورة أن هناك قوى إقليمية ودولية كثيرة ساعدت الثورة وناصرتها في مرحلة من المراحل، لكن هذا لا يبرّر لقوى الثورة أن تخضع لأجندتها، أو سياستها، فالتحولات الإقليمية والدولية تتغير باستمرار. ولذلك، من مصلحة قوى الثورة أن تحافظ على استقلالها وسيادتها، نابعة من إيمانها بأهداف الثورة وبوصلتها.

========================

خسرنا وطناً وربحنا طرطوراً .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 2/12/2017

لو استمعت إلى التلفزيون السويسري أو السويدي أو الألماني ذات يوم، وهي بلاد معروفة على مستوى العالم بأنها رموز للتقدم والتحضر، لأخذت الانطباع أن تلك البلاد في حالة يُرثى لها. لماذا؟ لأن وسائل الإعلام الحرة لا تترك مشكلة مهما كانت صغيرة إلا وتضخمها وتركز عليها حتى يتم إصلاحها، بينما في بلادنا التعيسة لا تسمع في وسائل إعلامنا المهترئة إلا عن الإنجازات والانتصارات التاريخية، مع العلم أن كل المؤسسات معطلة في بلادنا باستثناء مؤسسة المخابرات التخريبية، وأن الخراب يعم كل المجالات.

بالأمس القريب حرقت إسرائيل في عدوانها على لبنان الحرث والنسل والبشر والحجر، لكن مع ذلك خرج بتوع "المقاومة" ليحتفلوا بالنصر الإلهي العظيم على إسرائيل. ولا ننسى أنه عندما سقط الجولان قال قيادي بعثي كبير وقتها، لا مشكلة في سقوط الجولان طالما أن القيادة بخير، فهم لا شيء يهمهم في الوطن سوى الكراسي، وليذهب الوطن والشعب أدراج الرياح. واليوم بعد تدمير ثلاثة أرباع سوريا وتهجير نصف الشعب السوري وتحويل سوريا إلى بلد متعدد الاحتلالات، لا هم للنظام وحلفائه إلا الحديث عن الانتصارات التاريخية.

قال تاريخية قال. لا أدري، هل نضحك أم نبكي عندما نسمع وسائل إعلام "المماتعة والمقاولة" وهي تتشدق بصمود نظام الأسد والانتصار على "المؤامرة الكونية" وإفشالها. فإذا كانت المؤامرة قد فشلت، وأدت إلى دمار سوريا وتهجير شعبها، فكيف لو نجحت، لا سمح الله؟ كيف سيكون وضع سوريا؟ ربما انتصار آخر ويختفي بلدنا عن الخارطة!

يا من تتفاخرون بصمود النظام وانتصار الدولة السورية: لو عرفتم الحقيقة، لبكيتم دماً على "صموده" المزعوم حتى الآن، فلو سقط رئيسكم، كما سقط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، لما وصلت سوريا إلى هنا. بشار الأسد، أيها المغفلون، لم يصمد، بل أراده أعداء سوريا أن يبقى كل هذا الوقت كي يدمروا بلدنا من خلاله وبواسطته. ونجحوا. لاحظوا أن سقوط مبارك وزين العابدين بن علي في مصر وتونس خلال أسابيع انقذ مصر وتونس من الخراب والدمار الذي حل بسوريا بسبب عدم سقوط الأسد. ولو بقي مبارك وبن علي في الحكم، لكانت مصر وتونس الآن في وضع مشابه لسوريا، لا سمح الله. لكن سقوطهما أنقذا تونس ومصر، وكان نعمة عليهما، بينما كان "صمود" بشار المزعوم نقمة على سوريا والسوريين.

لقد عمل أعداء سوريا، بمن فيهم روسيا وإيران، على تطويل أمد المحنة السورية ودعم النظام ورفض أي محاولة لتنحي رئيسه عن السلطة منذ اللحظات الأولى. لقد تمثلت المؤامرة الكونية الحقيقية على سوريا في الإبقاء على الأسد، لأن بقاءه يضمن المزيد من الدمار والانهيار خدمة للأعداء. بشار الأسد كنز استراتيجي لإسرائيل وأمريكا من الناحية العملية، فقد نفذ كل ما تريدانه، وربما أكثر بكثير. هو المغناطيس العظيم الذي جذب إلى سوريا كل أنواع الأشرار ليحولوها إلى أنقاض.

ماذا يريد أعداء سوريا أجمل من ذلك؟ المنطقة بأكملها على كف عفريت بفضل خدمات النظام. إنه القائد لمشروع الفوضى "الهلاكة". ولو تخلوا عنه في بداية الأزمة السورية، لما استطاع ضباع العالم إيصال الشرق الاوسط إلى ما هو عليه الآن من فوضى واضطرابات وكوارث وقلاقل؟ ولو أرادت أمريكا وإسرائيل لتكافئانه، لشيدتا لبشار تماثيل من ذهب. ومما يؤكد ذلك أن إحدى العواصم شهدت مؤتمراً هاماً مغلقاً حول سوريا قبل مدة، حضره كبار الاستراتيجيين والمسؤولين الغربيين والدوليين: فسأل أحد الحضور مسؤولاً كبيراً: "لماذا لا تتدخلون في سوريا"، فأجاب المسؤول: "الوضع في سوريا مثالي جداً بالنسبة لنا، فكل السيئين الذين نكرههم يخسرون، ويهلكون في سوريا. كان بإمكاننا أن ننهي بشار الأسد بسهولة، لكن لو أنهيناه، لتوقف الدمار المطلوب. نحن نريد بقاءه مرحلياً، لأنه أشبه بالمغناطيس الذي يجتذب السيئين إلى المحرقة السورية، فيحرقهم، ويحترق معهم".

أيها المتشدقون بصمود نظامكم: لا تتفاخروا إذاً، بل ابكوا على وطن تمزق، وانهار، وشعب تشرد بسبب "صمود" أسدكم. وهو ما يريده أعداء سوريا بالضبط. أمريكا تدعو إلى تنحي بشار، وروسيا ترفض. لعبة مفضوحة منذ سنوات هدفها تمديد فترة الدمار. يوماً ما ستندمون على التصفيق للصمود "المسموم" الذي كلفنا وطناً، وجعل شعبنا طعاماً للأسماك في عرض البحار.

صمود النظام حتى الآن أشبه بالشجرة التي تحجب الغابة، يستخدمونه ستاراً وذريعة مكشوفة للإجهاز على ما تبقى من وطن كان اسمه سوريا. والأنكى من ذلك، أن الرئيس الروسي جمع كبار الضباط الروس عندما استدعى الرئيس السوري إلى موسكو قبل أيام وقال لبشار الأسد أمام الضباط: "هؤلاء هم من أنقذوك، أي أن ما آلت إليه الأحداث في سوريا كانت بالدرجة الأولى بفضل التدخل الروسي، ولا فضل للنظام وحلفائه في شيء. ولا ننسى أن إيران تنافس الروس في تجيير "الانتصار" في سوريا إلى نفسها، لكن مع ذلك فالنظام يحتفل بشيء صنعه غيره لمصلحة استعمارية خاصة، تماماً كالصلعاء التي تتفاخر بشعر جارتها.

مبروك للسوريين الذين خسروا وطناً وربحوا طرطوراً.

========================

موقفنا : القدس .. مسلمة – عربية -  شامية - فلسطينية – لا صهيونية ... ولا صفوية .. زهير سالم

7 / 12 / 2017

مركز الشرق العربي

عقب ما اجترأ عليه رئيس أمريكي أرعن متغطرس ، ضج من غطرسته ورعونته الذين انتخبوه من أبناء وطنه ، تجد أمتنا ذاتها أمام استحقاقات ثقيلة مبهظة ، لا يتهرب من أعبائها ، إلا متخلٍ ، آبق ، متفلت.

إن قرار الرئيس الأمريكي يستهين بوجود هذه الأمة بحكامها وقياداتها ونخبها وشعوبها وتاريخها وحاضرها فيشرعن اغتصاب القدس المسلمة العربية الشامية الفلسطينية ، خارج إطار القانون الدولي ، ليكرسها عاصمة للكيان المحتل المغتصب ، القائم في أصل وجوده على الاغتصاب والاحتلال.

ولم يكن ما أعلنه ترامب في 6 / 12 / 2017 مفاجئا لأصحاب القرار ، وإن كان صادما للعقلاء على مستوى العالم . ولن تكون خطوته الشريرة هذه آخر الخطوات . إن قرار ترامب يقول بفعل واضح صريح : إن الحق في هذا العالم تصنعه القوة والغطرسة وترسانة أسلحة الدمار الشامل والصواريخ العابرة للقارات ، كما تصنعه أيضا أحقاد التاريخ التي عبرت عنها قبل أيام تغريداته العنصرية الكريهة المعادية للإسلام والمسلمين ...هذه هي رسالة ترامب في قراره الأخير ، وانتهى الكلام ، وحسم الجدال ، وما يجادل في الحق بعدما تبين إلا مريض العقل والقلب.

 إن أول حقيقة تفرض نفسها على واقع المسلمين يجب أن يسلموا جميعا بها ، ويتحركوا على أساسها ، هي أن يعيدوا تقدير الموقف  من حيث أنهم أبناء أمة تمتد من المحيط إلى المحيط .

أول حق أن تعود قضية فلسطين إلى أطرها الحقيقية : قضية إسلامية عربية شامية فلسطينية . وأن نبرأ من كل العملاء الصغار الذين يحاولون أن يقزموا القضية ، ويلتحفوها ليتاجروا بها كما نرى ونسمع غلى أيدي وألسنة الكثيرين .

إن على الذين يحملون الهم الحقيقي لمشروع الأمة أن يعترفوا بوحدة معركة الأمة ، وإن تعددت الجبهات . من الروهينغا إلى العراق إلى الشام إلى اليمن ، معركة واحدة على كل جبهة يقتل عليها  المسلمون ، ويُهجرون ، وتغتصب أراضيهم ، ويسلط عليهم أعداءهم حكاما مستبدين وفاسدين .

لقد خاطب الله سبحانه وتعالى البشر العقلاء : " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا " وقد آن الأوان لعقلاء الأمة ، وعلى ضوء ما أقدم عليه الرئيس الأمريكي ، أن يسموا أعداءهم بأسمائهم ، وأن ينبذوا إليهم على سواء ، وأن يكفوا عن المراوغة والمداهنة والضحك على الذات . لن يكون الذين أسسوا لهذا الكيان الدخيل وسطاء نزيهين ، لن يكون المجرمون الذين قتلوا الملايين من أبناء العراق وأبناء سورية تحت عنوان ( الثأر للحسين) أنصارا لا للقدس ولا للأقصى . وقد آن الأوان لإسقاط كل هذه السرديات الحالمة أو الواهمة أو مدعية الشيطنة على الشياطين . القدس مسلمة ومعركتها إسلامية . القدس عربية ومعركتها عربية . والقدس نبع البركة للشام المبارك العظيم ومعركتها شامية تناط بأبناء الشام أجمعين . ثم القدس فلسطينية مقدسية ، الدفاع عنها وحمايتها واجب الجميع وهمُّ الجميع .

أيها المسلمون ..أيها العرب ..أيها السوريون ..أيها الفلسطينيون

إنّ إعلان الرئيس الأمريكي ليلة أمس لم يكن مفاجئا لأحد ، ولكن أحدا من كل الأدعياء لم يعد لساعة صفر قرارا . هذا يريد اليوم قمة ، وذلك يريد مجلسا وطنيا ، وثالث لم يفكر حتى بتحضير بيان الإدانة والاستنكار.. نورد كل هذا لندرك أن هؤلاء الذين يلعبون في ملعبنا ، إنما يلعبون أمام أعيننا على أعيننا .

تُفرض على أمتنا حالة من الامتهان والتجاوز وتكريس كل أشكل العدوان على دينها وقيمها وأرضها وإنسانها ويجب أن تتحمل كل الأمة مسئولياتها للتصدي لمؤامرات المكر والكيد والعدوان . وإسقاط الحاطبين في حباله من الأدعياء والعملاء . سيكون قرار ترامب الأحمق انتصارا للمسلمين والعرب والفلسطينيين وللقدس والأقصى لو أنه أشعل فتيل الفعل الحازم الرشيد فتحولت الأمة عمليا من لغة الشجب والإدانة والاستنكار إلى الفعل المنجز المدروس .

إن ما فعله ترامب كان إهانة لمليار ونصف مليار من المسلمين ، وكان مؤلما لهم ، وإن أمتنا تمتلك الكثير من الأوراق الاستراتيجية والسياسية  التي تؤلم بها ترامب وإداراته . وإنه قد آن الأوان لقادة هذه الأمة ونخبها أن تتحمل مسئولية قرارات جادة تضع حدا لسياسات التداعي والتنافس على قرارة المهانة والاستسلام كما يفعل اليوم الكثيرون .

إن أهم قرار تتخذه القيادات السياسية والمدنية للعرب والمسلمين  طي جميع صفحات الخلاف البينية . والتفرغ لإدارة الصراع الجاد ، بوسائله المشروعة والمجدية ، على محوريه الصهيوني والصفوي . ولا يمكن لمسلم صادق في إسلامه ، ولا لعربي صادق في انتمائه ، ولا لمقاوم مخلص في مقاومته أن يجد في أحد هذين المحورين ملاذا أو ملجأ أو حليفا ولو إلى حين .

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===============================

المفاوضات أدوات للصراع على مستقبل سورية .. سميرة المسالمة

الحياة

السبت 2/12/2017

جدّد المجتمع الدولي دعمه مفاوضات جنيف، وتأكيد شرعيتها "الوحيدة" لحل للصراع السوري، بعد محاولات روسيا انتزاع هذه الشرعية وتبديدها، مرة في مجموع الهدنات المحلية، وثانية عبر مسار آستانة، وثالثة عبر مؤتمر "للحوار الوطني". وفي الإطار ذاته تتكرّر التصريحات الدولية، مع تنامي الحديث عن مفاوضات سوتشي، أن المفاوضات، التي تجرى برعاية أممية، هي طريق الحل السياسي، ما يتيح للمعارضة أن تعيد بناء استراتيجيتها التفاوضية على أسس جديدة، تنطلق منها مما حدث في مؤتمر الرياض-2 من دون أن تستسلم إلى أن تجميع الوفود الثلاثة (الهيئة العليا للمفاوضات ومنصتي القاهرة وموسكو)، في وفد واحد لا يزال في طور العمل الورقي، ولم يختبر في ميادين التفاوض الحقيقية على مستوى القضايا المصيرية.

وإذا كان من المفيد ضمن معطيات ووقائع المتغيرات الدولية التعامل مع مسار التفاوض على أنه أحد الأدوات التي قد تكسب طرفاً معيناً أمام طرف آخر بعض التعديلات في الدستور السوري، وشكل النظام السياسي، وماهية التغييرات على صعيد الابتعاد عن مركزية الحكم الرئاسي، وإلى أي درجة يمكن استثمار ذلك في صياغة عقد اجتماعي جديد بين السوريين، إلا أنه في الوقت ذاته يجب أن نتعامل مع مسارات وتطورات العملية التفاوضية، سواء كانت تحت مظلة جنيف أو آستانة أو حتى في سوتشي المقبلة، على أنها أيضاً أدوات للصراع على سورية، بقدر كونها أدوات لإدارة الصراع.

على ذلك فإن ما ينتظرنا خلال جولات التفاوض المقبلة، في مسارات جنيف وآستانة وسوتشي، ليس صياغة الطريق إلى الحل السوري، وإنما تمهيد الطريق لحل الصراع على سورية بين الدول المنخرطة فيه والراعية له. ولهذا فإن الإسراع إلى عقد لقاءات ثنائية وثلاثية وأممية تزداد وتيرته مع انتهاء الحرب المعلنة على "داعش"، وانتصار الحلفاء وتقسيم غنائم "الخلافة" المهزومة بينهم، ومع انقسام الفريقين بين روسيا الدولة المهيمنة على سماء سورية، والولايات المتحدة صاحبة القرار النهائي في التوقيع على خريطة التفاهمات والغنائم الختامية، الأمر الذي يتوقع أن تنتج منه تحالفات سوتشي (روسيا وإيران وتركيا)، كما نتج في المقابل الوفد التفاوضي الموحد برعاية السعودية وروسيا وأميركا ودول غربية.

وضمن المسارات التي تتزاحم تحت شعار دعم مفاوضات جنيف، برز الموقف الأميركي، "الصامت" لزمن طويل، في جانبين، أولهما، إعلان هادئ مفاده بأن مسار مفاوضات جنيف هو المسار الوحيد للحل السوري، على ما جاء في تصريح لوزير الدفاع الأميركي أخيراً. وثانيهما، تصريح أميركي بإرسال إرسال ألفي جندي أميركي إلى الشمال السوري. والغرض من هذين الإعلانين اللافتين هو تذكير الأطراف المعنية (لا سيما روسيا وإيران)، بأن القوة الأميركية هي التي ترسم الحدود الفاصلة بين القوى النافذة في الصراع على سورية، وأنها هي التي تلزم الأطراف المعنية تغيير مواقع وجبهات حربها بعيداً من عفرين في الشمال الغربي تارة، وعن حقول الغاز والنفط شرقاً وشمالاً، كما هي الحال في جنوب سورية أيضاً، حيث المنطقة "المنخفضة التصعيد" بين روسيا والولايات المتحدة (وإسرائيل ضمنها)، وتلك هي الملاحظة الأولى التي يجدر الانتباه إليها جيداً.

الملاحظة الثانية تفيد بأن ثمة قطبة مخفية لا تزال تعرقل الوصول النهائي إلى تصور حل شامل، حتى في ما يتعلق بجزئية شكل الحكم في سورية، ونوع اللامركزية التي ينادي بها وفد المعارضة إلى المفاوضات، بأنها لا مركزية إدارية، في حين يعلو الصوت الكردي مطالباً بما هو أبعد من ذلك، أي بحكم ذاتي، وهو الأمر الذي لم تسانده التصريحات الأميركية حتى اللحظة ولم تجزم في الآن نفسه نفيه بالمطلق. لذا تقودنا هذه المسألة إلى التساؤل عن الحكمة في البقاء شبه مغمضي العيون، وصامتين، عما يحدث في مساحة تصل نسبتها إلى نحو ربع مساحة سورية، حيث تسيطر "قسد" بحماية ورعاية أميركية، وعدم الحديث عن مصيرها ضمن إطار مناقشة واقعية، وغير مرتهنة لأي جهة، وضمن الحل السوري الشامل، الذي يقبل التفاوض مع نظام الأسد، بل وشراكته في الحكم الانتقالي، في حين يستبعد أن يجري تفاوضاً أو تفاهماً مع قوى موجودة على مساحة تختزن ثروات سورية الباطنية والزراعية، وهي مدعومة من القوة الأميركية التي تختبئ خلفها أيضاً بعض فصائل المعارضة السياسية والمسلحة.

يستنتج من ذلك أن التعاطي مع العملية التفاوضية هو فقط بين المعارضة (وفد التفاوض) والنظام السوري، من دون الالتفات إلى مصير ما تبقى من مساحة سورية، وهو ما يؤجج المخاوف من النزعات الانفصالية، ولا يبدّد الصمت من جهة المعارضة أو النظام هذه المخاوف، بل على العكس يحولها إلى مركز اهتمام شعبي يمكن أن ينتج منه ما هو في خطورة الانفصال الجغرافي، وهو تمزيق الخريطة السورية على أساس قومي.

القصد أن الخوض في مناقشة هذا الملف ضمن العملية التفاوضية، هو أكثر تحصيناً لوحدة سورية شعباً وأرضاً، التي يتم تداولها في البيانات التفاوضية، من دون إيلاء الاهتمام اللازم إلى أن الوقائع على الأرض قد تبدد هذه البديهيات الشعاراتية، إذا لم تعمل المعارضة على تطويقها بالحوار والتفاوض والتفاهم مع القوى الكردية المعنية، على مشتركات تنتج النظام السياسي الآمن للسوريين ولسورية.

ملاحظة أخيرة، هي أن الاصطفافات الدولية التي تنتجها السياسة غير المستقرة في المنطقة، وتدفع باتجاه تغيير تموضع أطراف الصراع الدولية والإقليمية، من أعداء إلى أصدقاء وحلفاء وبالعكس، كما حدث للعلاقات التركية- الإيرانية في الآونة الأخيرة، في محاولة للاختباء بالعباءة الروسية من التقلبات الأميركية، تشير إلى أن الحل المنشود في المنطقة لا يزال على صفيح بارد، حيث لا يمكن لروسيا أن تنتج حلاً واقعياً من دون المباركة الأميركية، كما لا يمكن للأخيرة أن تسمح لإيران بتبييض أعمالها العدوانية في سورية والمنطقة عبر تحالفها مع روسيا، وتوافقاتها مع تركيا، في ما يخص الملف الكردي في المنطقة عموماً، وسورية بخاصة.

كل ما تقدم يفيد بأن مسار المفاوضات، في كل المسارات، وعلى رغم التصريحات الروسية التي تتحدث عن انتخابات برلمانية ورئاسية، لا يزال طويلاً ومعقداً، وهو سيعبر إلى الأمور التقنية في أنفاق مظلمة، لأن روسيا لا تزال تتحدث عن المفاوضات على أنها مجرد مصالحات بين مختلفين على السلطة، ومن أجلها، وليس على انتقال سياسي ينهي حقبة ديكتاتورية، ويؤسس لنظام جديد بلبوس جديد، لا يمكن للنظام القديم ارتداؤه، أو التلاعب بقياساته لمصلحة تحجيمه، وانتزاع روحه، من خلال إعادة طرح النظام نفسه من باب الانتخابات المراقبة أممياً، بعد تعديلات أو إصلاحات دستورية، لن تطاول جوهر القضية السورية، وهو إبعاد شبح إنتاج النظام مجدداً من باب المفاوضات والمؤتمرات الدولية.

========================

ماذا يخبئ بوتين للسوريين؟ .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 2/12/2017

لا يمكن أن تضحي المملكة العربية السعودية بحق من حقوق الشعب السوري، وهي التي دعمت قضيته بقوة، منذ أن بدأت وساطاتها مع الأسد في بداية الاحتجاجات، وحاولت أن تقدم النصح والمعونة للنظام، كما فعلت دولة الإمارات لإيقاف العنف الذي تصدى به للتظاهرات السلمية حين قابلها بالقتل المبرمج، وحين لم يصغ النظام لكل من نصحوه، وقفت المملكة ودولة الإمارات وعدد كبير من أصدقاء سوريا إلى جانب الشعب الذي كان يشيع الضحايا بالعشرات ثم المئات، وبدأت بتقديم العون والإغاثة وتضميد الجراح.

ولم تتوقف المملكة العربية السعودية عن تقديم الدعم اللوجستي والسياسي في كل المحافل الدولية، وقد تجلى دعم المملكة ودولة الإمارات فيما وجدناه من رعاية مشتركة لمؤتمر الرياض الأول، وحين قدمت الهيئة العليا اقتراحها للمملكة بتوسعة الهيئة العليا وضم شخصيات وطنية سورية إليها، مع موافقة الهيئة على تمثيل منصتي موسكو والقاهرة، استجابت المملكة، وكانت هيئة المفاوضات تريد من هذا الاقتراح سد الذرائع، حيث بدأت دول صديقة فضلاً عن دول أخرى تدعم النظام، تتهم الهيئة العليا ووفدها المفاوض بأنه لا يمثل كل قوى المعارضة، وأن عليه أن ينفذ القرار 2254 الذي يذكر منصتي موسكو والقاهرة، وكنا في الهيئة قد دعونا المنصتين للمشاركة، لكنهما رفضتا، ولا ننكر أن دعوتنا للمنصتين كانت على أساس بيان الرياض 1 الذي تم رفضه من منصة موسكو، التي رأت في الحديث عن رحيل الأسد شرطاً مسبقاً، وهذا كان رأي روسيا وليس رأي المعارضة الوطنية التي تفهم أن الانتقال السياسي المنشود يعني إنهاء عهد الديكتاتورية وبدء عهد الديمقراطية، وهذا لا يمكن أن يتحقق بوجود نظام الأسد.

ومع بدء مؤتمر الرياض 2 ظن بعض المعارضين أن المملكة العربية السعودية تخلت عن مطلب الشعب السوري برحيل الأسد على رغم إعلانها أنها تدعم خيارات السوريين، وهذا ليس صحيحاً، فالمملكة لم تطلب من مؤتمر الرياض 2 أن يحذف إشارته الواضحة إلى ضرورة رحيل الأسد، وقد بقي رئيس وفد الهيئة العليا للمفاوضات ذاته رئيساً للوفد الجديد. وبقي في الهيئة عدد كبير ممن حضروا المؤتمر الأول، وهم اليوم المعنيون بالتمسك بمبادئ الثورة وأهدافها، ولا يملك أحد أن يضغط عليهم للقبول بما لا يرضي الشعب، ولكن السؤال الأهم: هل بوسع وفد الهيئة العليا السابق أو الراهن أن يفرض مطالبه على مجلس الأمن؟ الجواب الواقعي "لا" فالقرار 2254 يحمل في بنيته منافذ يستخدمها النظام و"دي مستورا" معاً فيما سمي الغموض البناء الذي صار معطلاً لإحراز أي تقدم في المفاوضات، فلا بد من أن يوافق الطرفان، ومحال أن يوافق فريق النظام على رحيل الأسد أو على الانتقال السياسي، وهذا يعني أنه لا بد من إرادة دولية تنشئ رؤية جديدة، وكنا قدمنا في الهيئة العليا السابقة رؤية عملية، تم إطلاقها في لندن ثم في الجمعية العامة، تقوم على القبول بالتشاركية مع من لم تتلوث أيديهم بدم من فريق النظام، ورسمنا سيناريوهات واقعية بالتفاصيل لهيئة الحكم المنشود، وللمجالس التي ينبغي أن تؤسس للبدء بتنفيذ القرار 2254، ودعونا منصتي موسكو والقاهرة للمشاركة بممثل أو ممثلين عن كل منهما، ولم نلقَ استجابة من المجتمع الدولي الذي اكتفى بالثناء على رؤية الهيئة، ولكنه كان يصغي لرؤية موسكو التي تصر على بقاء الأسد.

ولكن ما سمي بالمتغيرات الدولية التي تمت الاستجابة لها، هو من وجهة نظري سر لم يعلن بعد، وربما يكون هذا السر سبب قبول دول صديقة بتلبية الرؤية الروسية، ومن المؤكد أن اتفاقات مستقبلية مهمة قد تمت في لقاء بوتين مع الأسد في سوتشي، ثم في لقاء بوتين وأردوغان وروحاني في سوتشي أيضاً، وقد سبقت هذه اللقاءات مباحثات مهمة بين موسكو والرياض، وواكب ذلك لقاء بوتين وترامب في فيتنام والبيان المقتضب الذي أعلناه، فضلاً عن تصريحات تيلرسون المتكررة التي تصر على رحيل الأسد وعائلته.

ندرك أن بوتين دافع عن النظام بقوة غير مسبوقة، ولكنه يبدو مضطراً للانسحاب سريعاً من سوريا خلال شهور قليلة قادمة، فأمامه انتخابات في روسيا، ولا بد أنه يخشى صداماً مع الموقف الأميركي من إيران رغم التحالف، وليس بوسع بوتين أن يتحمل وزر إيران وطموحاتها التوسعية، ولا بد أن لديه سراً يخبئه نحو الحل الذي يريده في سوريا وانتصاراً آخر يعزز شعوره بنشوة النصر على "داعش" وقضائه على الإرهاب ليبرر أمام شعبه تدخله الأعنف في القضية السورية، ولن يتركه الأميركان القائد المتفرد في العالم، وهذا كله يعزز عندي وجود سر همس به بوتين لبعض القادة المعنيين مما دعاهم للتجاوب، وهم جميعاً يدركون أن بقاء الأسد يعني بقاء إيران و"حزب الله" وكل الميليشيات الطائفية وتصاعد الصراع، وبقاء المنطقة كلها في مهب الريح.

========================

آذار وبحار الدم - (الحلقة 35) .. جدية حافظ الأسد بالتسوية ومحاولته الاتصال بعدنان عقلة وتصاعد العنف والعنف المضاد .. حافظ الأسد يحاول تخفيف غلواء العنف الثوري ويوجه رسالة سلام .. حافظ الأسد: (الإخوان المسلمون في سورية ليسو جميعاً مع القتل بل كثير منهم، القسم الأكبر منهم ضد القتل ويدين القتل) .. محمد فاروق الإمام

كان حافظ الأسد جاداً بالتوصل إلى تسوية مع جماعة الإخوان المسلمين وجميع أطياف المعارضة السورية، وأن يلتقي معها في منتصف الطريق، وأن يُمأسس مبادرته للمصالحة الوطنية وتطويرها إلى نوع من عقد جديد، لا يتخطى قواعد النسق الجبهوي السياسي السائد، لكنه يقبل بتطويرها، وينعش أشكال المشاركة السياسية، بشكل يجمع ما بين استمرار هذا النسق واستقراره، وبين الاستجابة لكثير من تطلعات معارضيه. في حين كان معارضوه غير مستوعبين لعبة المساومة والتسوية اللتين هما الوسيلتان الأنجع في الوصول إلى نقاط لقاء ينهي الخلاف ويوصل الأطراف إلى ما يمكن الاتفاق عليه، وإنهاء حالة الاحتقان في المجتمع، وحفظ ماء وجه السلطة في الوقت ذاته.

محاولة لقاء الأسد لعدنان عقلة

أسرَّ الرئيس حافظ الأسد إلى ضباط خليته المقربة منه أنه يود اللقاء مع عدنان عقلة بأي ثمن ليعرف منه سقف مطالبه والتعامل معها بما يوصله معه إلى حلول وسط يتفق معه عليها، وقد أصبح عقلة كابوس يؤرق حياة حافظ الأسد، وذكّره أحد الضباط بصديقه المساعد الحلبي (م.د) الذي اختبأ عنده في دمشق أيام ملاحقته خلال عهد الانفصال، فطلب إليه الاتصال به حالاً، وبالفعل اتصل هذا الضابط بالمساعد المتقاعد (م.د) ليقوم بهذه المهمة بتكليف من حافظ الأسد، وكان يربط (م.د) صلة قرابة مع أحد قيادات الطليعة في حينها وهو (م.ر) وكان هذا فاراً لملاحقته من قبل أجهزة الأمن والفرقة الثالثة التي تحتل حلب، وطلب منه أن يوصل رسالة إلى عدنان عقلة من الرئيس حافظ الأسد ورغبته في لقائه، فطلب (م.ر) كتاباً خطياً من (م.د) وموقع من حافظ الأسد بعدم التعرض له، وبالفعل وصل الكتاب موقعاً من الرئيس حافظ الأسد بعدم التعرض ل(م.ر).

في نفس اليوم ذهب (م.ر) بصحبة (م.د) إلى حلب وبعد مفارقته ل(م.د) توجه إلى أحد أماكن تواجد عدنان عقلة السرية التي يعرفها (م.ر) والتقى به وعرض عليه المهمة التي جاء من أجلها، فأصاب الغرور عدنان عقلة ووجه أقسى عبارات اللوم والتقريع إلى (م.ر) ورفض أي لقاء مع حافظ الأسد، لاعتقاده أن سقوطه بات مسألة وقت، ولا مجال للمساومة!

تصاعد العنف والعنف المضاد

أفضى إضراب – عصيان آذار عام 1980م بما رافقه من عنف إلى فتح الأبواب طليقة أمام سياسة (العنف الثوري) التي تبناها العقيد رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع وشقيق الرئيس حافظ الأسد، الذي زاد من عنف (الطليعة)، ودفع الشعب السوري ثمناً باهظاً في مواجهة هذا العنف المتبادل المجنون، الذي سيطر عليه الحمقى المغرورين من كلا الطرفين، دون تمييز، وكان الخاسر الأكبر هو تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، فكان حالهم كمن وقع بين المطرقة والسندان.

وأقدم صقور السلطة الذين أصبحوا سادة الموقف على عملية تفكيك ممنهجة – ليس للقوى الطليعية المنفلتة التي تتبنى إستراتيجية العنف وتمارسها – بل تخطوا ذلك إلى القوى الإسلامية التي تنبذ العنف وترفضه، وكذلك مجموع القوى السياسية المعارضة. حتى غدا العنف والعنف المضاد السيد في ساحة البلاد، وحاول حافظ الأسد في إطار سياسة العنف الثوري التي انغمس فيها النظام أن يعطي المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين طابعاً حزبياً، يواجه فيه البعث بوصفه حزباً الإخوان المسلمين، فحرص على حضور مؤتمرات المنظمات الشبيبية والفلاحية والعمالية وخاطب أعضاءها مباشرة، وبرز لأول مرة كخطيب ثوري في حين كانت خطاباته السابقة تتميز تقليدياً بالهدوء والاتزان. وهذا ما جعل عقلية عسكرة الحزب تسيطر على المنظمات الحزبية التي افترض فيها أن تكون إطاراً هيكلياً لمؤسسات المجتمع المدني، وأسبغ شرعية غير قانونية على عنف جهاز الدولة.

حافظ الأسد يحاول تخفيف غلواء العنف الثوري

حاول حافظ الأسد في 23 آذار عام 1980م أن يخفف من غلواء (العنف الثوري) الذي يقوده شقيقه رفعت الأسد. فخاطب الشباب (شباب الحزب والمنظمات الحزبية) داعياً إلى التمييز ما بين (الإخوان المسلمين) المتورطين في العنف، و(الإخوان المسلمين) المعارضين للعنف. وقال بنبرة جديدة فاجأت الشباب: (أريد أن أوضح أمراً يتعلق بحزب الإخوان المسلمين في سورية. الإخوان المسلمون في سورية ليسو جميعاً مع القتل بل كثير منهم، القسم الأكبر منهم ضد القتل ويدين القتل.. هؤلاء أيها الشباب، لا خلاف لنا معهم إطلاقاً بل نحن نشجعهم، ولهؤلاء الحق بل وعليهم واجب، أن يقترحوا علينا وأن يطالبونا بكل ما من شأنه خدمة الدين ورفع شأن الدين).

وميز حافظ الأسد بين (القطاع المحافظ) و(الرجعية)، وانتقد علناً تصرف (مظليات الشبيبة) اللاتي رحن كقطعان الذئاب يخلعن الحجاب عن رؤوس حرائر دمشق في الأسواق والساحات وأماكن التجمع العامة، بأسلوب خسيس وغير أخلاقي، مما أدى إلى حدوث بعض المشاجرات والعراك الذي أسفر في بعض الحالات إلى مقتل بعض الشبيبات، الأمر الذي دفع رفعت الأسد إلى تسيير دوريات من سرايا الدفاع التي يقودها لحماية الشبيبيات وتسهيل مهمتهن.

حافظ الأسد يوجه رسالة سلام

كان من المفترض أن يؤدي تلميح حافظ الأسد في إشارته إلى التمييز بين من يدعون إلى العنف ومن ينبذونه إلى إرساء تعاطٍ مختلف مع الإسلاميين، لا يضعهم في سلة واحدة مع دعاة العنف، وأيضاً إلى تقليص عنف الدولة تجاههم. وهذا يعني أن حافظ الأسد وجد في العنف والعنف المضاد طريقاً لا يؤدي إلى عودة الأمن إلى الشارع السوري، ومن هنا نجد أن الأسد أراد في هذا التمييز توجيه رسالة سلام تتجنب استمرار المجابهة وتعيد تفعيل آليات المصالحة الوطنية.

لقد كان – على ما يبدو – أن مبدأ المصالحة الوطنية ما يزال يشغل مساحة من تفكير الأسد. وقد أكد على هذه الرسالة الأمين العام المساعد للحزب (عبد الله الأحمر) في جلسة حزبية قيادية داخلية في حلب في أيار عام 1980م، فقد طرح فكرة تأسيس حزب محافظ، وضمه إلى الجبهة، أي استيعاب التيار المحافظ في إطار النسق السائد.

يتبع

===============================

قراءة في رواية صخرة الجولان للكاتب: علي عقلة عرسان .. يحيى حاج يحيى

تعد هذه الرواية من أدب الحرب وهو (الأدب الذي يقدم رؤية حضارية تاريخية تقوم على استبصار الآليات الاجتماعية والفكرية المحركة للحرب، أو الناجمة عنها في تشكيل جمالي واع عميق) (دورية التوباد/ العدد 1/2/ لعام 1409) ولهذه الرواية مثيلات لدى عدد من الكتّاب كما في "رمضان حبيبي" لنجيب الكيلاني، وأزاهير تشرين المدماة لعبد السلام العجيلي.

 أما بطلها فهو "محمد المسعود" مواطن بسيط من جنوب سورية (حوران) مجند في الخطوط الأمامية المواجهة للعدو الصهيوني في عام 1973، يترك زوجته وأولاده خلفه وليس لهم من يعولهم، ومن هذه النقطة تبدأ عملية التذكر والاسترجاع، إذ تتجاذبه عاطفته نحو أولاده وواجبه نحو وطنه، ثم يحسم الأمر في توجه واحد وهو أنه في دفاعه عن وطنه، إنما يدافع عن زوجه وأولاده، ولكنه وهو في خندقه يتشتت همّه مرة أخرى عندما يتذكر الذين بقوا مع أولادهم من رسميين وعاديين، ولم يقوموا تجاه أسرته بما يترتب عليهم، فزوجته مضطرة لأن تعمل في الحصاد، وهو ملزم بتوفير مبلغ ما من راتبه الضئيل، فتشتد هذه المعاناة لتنقله من خلال الاسترجاع إلى معاناة سبقتها إذ اضطر للسفر إلى الكويت في ظروف قاسية ليوفر بعض المال ويجمع تكاليف الزواج، ومع تكثيف العدو لرماياته لا ينقطع تفكير المسعود في الذين خلفه من أهل وأصحاب وقرية، وآخرين لم يكونوا على مستوى أن يغزوا، أو يخلفوا غازياً في أهله؟! فهو غير واثق من أن (أحمد الحسن) صاحب الدكان سيعطي لزوجته (زينب) ما تريد وهو يعلم أن زوجها قد يعود أو لا يعود، وقد سبق أن تلكأ في إقراضهم عندما كان في الكويت.. أو يدور حوار بينه وبين أحمد الحسن من طرف واحد فهو أي الحسن كغيره يرتبطون بوطنهم من خلال توظيف المال، يقفون على القرش لا على التراب، والقرش لا وطن له، ومع ذلك فهو يدافع عنهم أيضاً متناسياً أنه الأب الغائب والعامل المتغرب الذي لم يجد في ربوع وطنه عملاً، والفقير الذي يستغله الآخرون سابقاً ولاحقاً مع تغيير في الشعارات المرفوعة لتتناسب مع طبيعة العصر.

كان كل همه في تلك اللحظات إسكات الرمايات المعادية، وقد ركزت الرواية على الحضور الذاتي والتاريخي في صور مكثفة تجعل البطل يستحضر كل معاني التضحية والصمود، فأظهر ورفاقه استبسالاً منقطع النظير، على الرغم من تدخل الطائرات وقصفها للخنادق، ويصل الخبر إلى القرية أن المسعود أصبح من المفقودين فتتضاعف المعاناة على زينب وأولادها، ويدخل هو في صراع مع العدو إذ وجد نفسه وقد بترت رجله ولفّت يده المكسورة تحيط به الضمادات، لا يستطيع أن يحدد أين هو بالضبط، ثم اتضح له أنه أسير وتنتقل الرواية إلى جو الأسر وما يعانيه الأسرى من تعامل غير إنساني على الرغم من المواثيق الدولية؟ وينتقل المسعود من الدفاع عن الوطن إلى الدفاع عن أسراره، ويحس بحنين إلى الصخر الذي كان يحتمي به كأنه أم حنون، فلا يجد سوى الإصرار والوفاء له ولم تعد الطبيعة مجرد إطار لحدث فحسب، ولكنها تتشابك في حسه إلى درجة التفاعل العضوي التام..

ومع تغيير المحقق الفظ بمحقق لطيف يزعم أنه متعاطف معه، وأنه سيؤاخذ من أجل هذا التعاطف تزداد أساليب الضغط لكي ينهار نفسياً ويجدد المسعود عزيمته ويستحضر قواه ويستعد للمواجهة؟!!

وتعود الرواية إلى القرية لتصور تحرك الطمع القديم في نفس أحمد الحسن الذي يريد امتلاك زينب واستغلال حاجتها، فيبدي تعاطفاً معها ويوحي لها عن طريق النساء أن المفقودين عادة لا يعودون مذكراً بما حصل في حرب 1967 لبعض أبناء القرية، ولكن زينب كشأن زوجات المفقودين تظهر قدراً كبيراً من الوفاء والصبر ويجد المسعود في السجن الجماعي تعاطفاً من الأسرى فيزداد تصميماً على الصبر، ويتعرض لأنواع جديدة من التعذيب الجسدي والنفسي، ويجهد المحقق (اللطيف) إلى حد الاستجداء وإشعار المسعود أنه بإصراره سيسبب له متاعب وعقوبات فعليه أن ينقذ نفسه وينقذه معه؟!

ومع تغيّر معاملة أحمد الحسن لزينب التي كان يزعم أنه يريد تجنيبها الحاجة بالزواج منها، بعدما وصل خبر مؤكد أن المسعود ما يزال حياً، وجدت زينب نفسها أكثر قوة وصبراً وأكثر تسليماً لأمر الله!

كما وجد المسعود نفسه كصلابة الصخور التي أحبها، فحمتْه وحماها، ليواجه المحقق (اللطيف) وقد كشّر عن أنيابه بعدما يئس من انهياره، إذ انفجر بكلمات بذيئة، وانهال عليه ضرباً متعمداً أن يكون في موضع الجراح، وتنتهي الرواية بانتصار المسعود الذي تسرب دمه في شقوق الأرض وقد أغمض عينيه وسعت روحه مع أرواح الشهداء راضية مرضية!

تعتمد هذه الرواية على أسلوب المنولوج الداخلي وحديث النفس الذي يشفّ عن أنواع المعاناة من خلال عواطف ومشاعر إنسانية متداخلة وقد غلب فيها السرد على لسان البطل بضمير المتكلم، مما تناسب مع عملية الاسترجاع والتذكر، وهناك تشابه بين بطلها وبطل قصة "رمضان حبيبي" لنجيب الكيلاني التي تحدثت عن الموضوع ذاته فكلاهما حقق نصراً لبلده، سواء في دحر العدو في ساحة القتال أم في الصمود في وجهه في أقبية التحقيق، وكلاهما لم يعطه وطنه ما يستحق فأحمد في (رمضان حبيبي) زُجَّ بوالده في السجن مع الدعاة ووقف يصارع متطلبات الحياة، ومحمد في (صخرة الجولان) لم يجد عملاً لأمثاله فهاجر وتغرّب، وعاد ليدافع عن وطنه الذي لم يهتم بزوجته وأولاده، ولكنهما استطاعا أن يميزا بين حب الوطن وواجب الدفاع عنه، وبين معاملة أبناء الوطن السيئة لهما، متمثلين قول الشاعر:

بلادي وإن جارت عليّ عزيزة      وأهلي وإن ضَنُّوا عليَّ كرام

والكاتب هنا يحتفي بلغته أيما احتفاء حتى ليتصور القارئ أنه وصل إلى حد التنقيح، ويلمس فيها جمالاً وقوة سبك، كما تظهر له مقدرة الكاتب على الربط بين الأحداث ومتابعته لشخصياته وتحليل نفسياتهم.

===============================

نفثة ألم !؟ .. شعر : يحيى حاج يحيى

 (1)

لا تَرفعي صوت العويلْ

فأنا المٌكبًلُ والقتيلْ

 خمسون ٓعاماً قد مضى

مِنْ عمريَ المحزون ِ

يَغمرُني البلاءْ

وانا أُمَنِّي النفسَ بالفَرَج ِ القريبْ

وأنا أُغَطِّي عجزيَ المشلول َ

بالوعد ِالكذوبْ ؟!

(2)

 لا ترفعي صوتَ العويلْ

 فأنا المكبل والقتيل

 وأنا يُحاصرُني الأذى

 والظلمُ والإرهابُ والليلُ الطويلْ

 قيّدْتُ نفسي باختياري

 فاعْذُريني

 ليس لي وطنٌ أعُدُّ نجومَهُ

فالكلّ ُ يُنذِرُني إذا أفصحتُ عن ألمي

 بسجنٍ أو رحيلْ !؟

(3)

لاترفعي صوت العويل

فأنا المكبل والقتيل

أتجرَّعُ الآهاتِ في كهفِ المَهانَة ْ

 لاتقبلي عذرا لنا

 ما هزّنا أبدا نُواحْ

 كلا ، ولم نفتحْ قلوبا للأسى

 لَمًّا الحِمى أمسى يُباحْ

 وغَدَتْ مشاعرُنا

 وقد طال المَدى

 كالرملِ تَذروهُ الرياحْ

 وحياتُنا مُلِئَتْ نِفاقا - يا أسيرةَ عجزِنا

والخوفُ صَيّرَنا قطيعا يُستباحْ !؟

 لاترفعي صوت العويل

 حُزني وحُبّي يابسانِ

 كنخلةٍ عَجفاءَ أنكرَها النخيلْ !؟

(4)

لاترفعي صوت العويل

 فليس لي يا غزةَ الأحرار ِ! ياشهباءُ ! يادوما ! وياحمصُ الجريحةُ في شآمِ العزِّ !  غيرُ اللهِ

والصَّبْرُ الجميلْ

واللهُ لي نِعْمَ الوكيلْ

حسبي وحسبُكِ أنْ كشفتُ زُيوفهم

وعرفتُ مَنْ يحنو عليكِ

ولا يُطأطِئ للدخيلْ

كشفتْ دماؤكَ – يانزيفَ جِراحِنا -

كلًّ الدًّعاوَى التافهاتْ

وَبدَا المُزيًّفُ في قبَاحةِ وجهِه ِ

مِثلَ العَدُوِّ صَفاقة ً

وَأضاءَ في ظلماتِنا وجهُ الأصيلْ !!؟

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com