العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-11-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ستة وعشرون هدفًا روسيًا من دعم عملية “نبع السلام”

محمد السلوم

جيرون

الخميس 7/11/2019

منذ 9 تشرين الأول/ أكتوبر، انطلقت عملية “نبع السلام” التي شنّها كلٌّ من الجيش التركي و”الجيش الوطني السوري”، وأدت إلى إنهاء الأحلام القومية الكردية بعد تخلي الولايات المتحدة عنهم، وبعد ستة أيام من القتال والسيطرة التركية على كل من تل أبيض ورأس العين ومحيطهما، كان لتدخل الولايات المتحدة وزيارة نائب الرئيس الأميركي لأنقرة، لإتمام الاتفاق على الهدنة الأولى لمدة 120 ساعة، مقابل تخلي مقاتلي (قسد) وإرهابيي (ب ك ك) عن أسلحتهم، والانسحاب من المناطق التي حددتها تركيا، حتى عمق يصل إلى 35 كم من شمالي الأراضي السورية، وعلى امتداد 450 كم، ثم كانت اتفاقية سوتشي التركية الروسية، ومهلة الـ 150 ساعة من وقف القتال. ولكن ما هي أهداف روسيا من دعمها لعملية نبع السلام؟

من يزرع الريح يحصد العاصفة، فقد تحدث السفير الروسي لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، حول “محنة” الأكراد، بعد الهجوم التركي العسكري يوم 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 على الشمال السوري، وقال: “كنا نشجع الأكراد على حوار مباشر مع الحكومة السورية، لكنهم فضلوا حماةً آخرين، والآن يمكنهم رؤية ما يحدث”، وفي مجلس الأمن، استخدم حق الفيتو الروسي لمنع إدانة ما أسمته الدول الأوروبية “العدوان التركي” العسكري “غير الشرعي” على سورية “ذات السيادة”، وطلبت روسيا من تركيا “أقصى درجة من الاحتواء”. وفي المقابل وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأكراد -الذين وصفوه بالخائن- بأنهم “ليسوا ملائكة”، وأن بعض قادة حزب العمال الكردستاني “أسوأ من داعش”، ويجب السماح لهم ببعض الوقت للقتال، ومن ثم تذهب الولايات المتحدة للفصل بينهم، تاركين الباب مفتوحًا للبحث عن حل للمسألة السورية، والسؤال للأحزاب الكردية التي تتميز بذاكرة السمكة: ألم تقم وكالة الاستخبارات الأميركية والموساد الإسرائيلي باعتقال عبد الله أوجلان وتسليمه للسلطات التركية عام 1999؟

ستة أيام من بدء عمليات “نبع السلام” القتالية كانت كافية لشعور قادة (ب ك ك) و(قسد) باليأس من معاركهم غير المجدية مع القوات التركية و”الجيش الوطني السوري”، وخاصة بعد سقوط ما لا يقل عن 100 قتيل منهم، وفرار عشرات الآلاف من السكان من المناطق التي اندلع فيها القتال، فتخلوا عن مطالبهم القومية، وفي الوقت ذاته توصلت موسكو مع أنقرة ودمشق وواشنطن وطهران إلى اتفاقية بتسيير دوريات مشتركة مع الجيش التركي بالشمال السوري، وكان ترامب سعيدًا بهذا الحل، ورفع فورًا العقوبات عن المسؤولين الأتراك، وبهذه الخطوة تمكنت موسكو من:

تجنب حمّام دم كردي.

منع تركيا من التمدد أكثر في الأراضي السورية، لما تراه لمصلحة حليفها رأس النظام السوري بشار الأسد، وإقامة قواعد عسكرية تركية فيها كما هو مخطط لها.

إجبار الأكراد على التوصل إلى اتفاق مع دمشق، وإجبار الأسد على قبول درجة معينة من الحكم الذاتي.

تسببت في انشقاقات داخل صفوف المقاتلين الأكراد، فقد وافق أحد فصائل (ب ك ك) على التفاوض مع دمشق، فيما قرر آخر الاستمرار في مواجهة كل من تركيا وروسيا والنظام السوري.

تخلى حزب الاتحاد الديمقراطي (بي واي دي) عن دعم حزب العمال الكردستاني، ودعمت موسكو التوصل إلى اتفاق مع أنقرة، كما فعل الأكراد في العراق، حيث تتمتع كردستان العراق بعلاقات جيدة مع تركيا.

أدخلت روسيا قوات النظام السوري إلى الشمال السوري من دون إطلاق طلقة واحدة، لكنها أُجبرت على الانسحاب من عدة مناطق، مثل تل التمر بالحسكة، بعد اشتباكات مع القوات التركية والجيش الوطني السوري.

أنهت تركيا الحكم الذاتي الكردي، وتحاول وسائل الإعلام الروسية الترويج لاتفاق مع أنقرة، لتسليم إدلب للنظام السوري بغطاء روسي، لتجنب استمرار القصف الروسي الهمجي على قرى وبلدات إدلب، ومنع المزيد من هروب اللاجئين السوريين لتركيا.

إحياء اتفاقية أضنة بين أنقرة ودمشق التي وقعها الطرفان عام 1998، والتي تلزم سورية بالامتناع عن دعم حزب العمال الكردستاني، أو حمايتهم، وتسمح للقوات التركية بالتدخل بالأراضي السورية لملاحقتهم. وهنا تقترح روسيا تأمين الحدود السورية بدلًا من إنشاء منطقة عازلة آمنة، كما تسعى لذلك تركيا.

تسعى موسكو لطمأنة السعوديين والإماراتيين والإيرانيين بأن التواجد التركي مؤقت، وأنها ستقوم بإخراج القوات التركية من الشمال السوري، لأنه كما تروج “أسهل عليها” من إخراج القوات الأميركية، التي اكتفت بدورها بحراسة النفط السوري بدير الزور.

تزعم موسكو أنها اتفقت مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أن القوات التركية ستنسحب تدريجيًا من الأراضي التي دخلتها، مقابل تسليم المناطق لجيش النظام السوري، وبموافقة ترامب، وأنه مجرد وضع مؤقت.

إظهار أن روسيا أنقذت أوروبا من تهديد تركيا بفتح الحدود، ومن اجتياح ثان للاجئين السوريين لأوروبا، كما حدث بالاجتياح الأول عام 2015، في حال عاقبت أوروبا تركيا نتيجة عمليتها في الشمال السوري. ولكن ألمانيا دعمت تأسيس منطقة آمنة، وقدّم الاتحاد الأوروبي أكثر من 600 مليون دولار لدعم اللاجئين السوريين في تركيا، وهو ما يتعارض مع الأهداف الروسية.

تعتبر روسيا أن تركيا هُزمت في مصر، وفقدت تأثيرها على ليبيا والسودان، وبالتالي عليها الاعتراف بنظام دمشق، والتوقف عن دعم الثورة السورية، وأن إنهاء الأكراد هو مكافأة روسية أميركية لتركيا، وتعزيز شراكة روسية تركية، واكتساب شريك مهم لها وعضو بالناتو.

تحسين موقف روسيا لتقرير مستقبل سورية.

ظهرت موسكو الحاكم الرئيسي لتحسين العلاقات التركية الكردية السورية.

استفادت روسيا من قرار ترامب الذي فرض إرادته على واشنطن والدولة الأميركية العميقة والمجمع الصناعي العسكري، فقد كان المتفق عليه إقامة دولة كردية بالشمال السوري بدعم سعودي إماراتي إسرائيلي، تكون شوكة في الخاصرة التركية، عبر شن حرب على إيران، واحتواء ناعم لتركية، لكن العملية التركية وقرار ترامب، دمّرا المشروع الانفصالي الكردي برمته.

ترامب، وهو يتعرض لإجراءات العزل، أثبت -بحسب مناوئيه- أنه “عميل للكرملين”، فقد سلّم سورية لإيران وروسيا، وتنسى الدولة العميقة في واشنطن أن أوباما سلّم كردستان العراق لتركيا وإيران عام 2017، وسمح بتدمير حلم الاستقلال الكردي بالعراق.

يحاول الروس استخدام الورقة الكردية، بالرغم من عدم وجود ما يسمى “السياسة الكردية”. وعلى الرغم من أن موسكو تزعم أنها تحارب “الجهادية” الإسلامية خارج روسيا وداخلها، وأنها الورقة المفضلة لها لتبرير تدخلها في سورية، فإنها تجد بالورقة الكردية قيمة إضافية لتوسعها بالمنطقة.

افتتحت موسكو مكتبًا للتمثيل الكردي في شباط/ فبراير 2016، في دعمها للتطلعات الكردية في سورية، ودعاهم بوتين للتفاوض حول مستقبل سورية، في إطار سياسته المسماة “خلق تأثير مزدوج الطبيعة”، الأول رأسي في مؤسسات الدولة، والثاني أفقي مع المجتمع السوري وكياناته، والهدف إضعاف منافستها الرئيسية في سورية أي تركيا، وإجبار كل من أنقرة ودمشق على الاعتماد على موسكو، لممارسة دورها في التأثير على تلك الأقلية العرقية.

في تموز/ يوليو 2016، حدثت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وبالتالي رأت أنقرة أن للولايات المتحدة دورًا كبيرًا في هذه المحاولة، مما دفعها إلى التقرب من روسيا للبحث عن حلول للقضايا السورية، وأيضًا كانت القواعد الأميركية متواجدة شرق الفرات، ضمن أراضٍ يسيطر عليها ما يسمى الحكم الذاتي الكردي. وهو ما عزز العلاقات التركية الروسية بالمقابل.

دعمت موسكو أنقرة ضمنيًا في حروبها الثلاثة التي خاضتها تركيا في سورية، منذ درع الفرات 2016، وغصن الزيتون 2018، وصولًا إلى نبع السلام 2019، وبنهاية 2018 بعد إعلان ترامب تقليص التواجد الأميركي في سورية، وجدت روسيا الفرصة المناسبة لتحقيق هدفين مباشرين: الأول إجبار الأكراد على التفاوض والتعاون مع نظام الأسد ضد الثورة السورية، والثاني أن تصرف تركيا نظرها عن هدف الإطاحة بنظام الأسد.

في عام 2017، دعمت روسيا استفتاء استقلال كردستان العراق، لما فيها من منابع نفطية مهمة، لكن الولايات المتحدة عارضت ذلك، والتقت مع مصلحة تركية إيرانية بوأد ذلك الاستقلال، فوجدت أنه وقت غير مناسب لتوسيع نفوذها وتدخلها.

تؤيد روسيا الحكم الثقافي والإداري المحدود للأكراد السوريين، ولكن هل سيمثلهم اختلاق ما يسمى قوات البيشمركة على غرار الموجودة بالعراق، لتحل محل وحدات الجيش السوري في الشمال.

تحاول روسيا إظهار ذاتها أنها تتبع سياسة براغماتية وواقعية، وبالتالي توقف سيطرة الولايات المتحدة على العالم، منذ اتفاقية شنغهاي مع الصين عام 2001، وتجد بسورية الأرض الخصبة لإعادة الاعتبار لوجودها السياسي في العالم.

تحاول روسيا تحقيق تقارب تركي مع النظام السوري، في تحالف تكتيكي وغاضب. والغاية الروسية إنهاء ودفن الثورة السورية. للتهرب من محاسبتها عن جرائمها ضد الإنسانية التي ارتكبتها مع النظام السوري ضد الشعب السوري، وخاصة بعد فضيحة الصحف الأميركية لاستهداف المشافي في إدلب وبالدليل القاطع، وجرائمها في مدينة حلب التاريخية والغوطة ودرعا.

والواضح أن محاولات روسيا احتواء تركيا وجذبها لجانبها ضد حلفائها في الناتو، قد تكون مجدية في بعض النقاط، لكنها لا يمكن أن تحقق كامل أهدافها في مواجهة الشعب السوري الذي سيقرر مصيره بالنهاية، وموقفه من سفاح دمشق والكرملين وطهران.

===========================

موقفنا : حصوننا مهددة من داخلها .. إن تجاهل الحقائق لا يليغها .. والإعراض عنها لا يحمينا من تبعاتها

زهير سالم

مركز الشرق العربي

10/ 11 / 2019

ومنذ أن أطلقت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي " تسيبي هوتوفلي " تصريحاتها التي هي أقرب للاعترافات يوم الأربعاء الماضي 6/ 11/ 2019 أنتظر أحدا من الذين تقلدوا أمرنا أن يحمحم كفرس عنترة ، وأن يضع نقطة على حرف ، وأن ينبه على حقيقة ، وأن يدعو إلى موقف بمقتضى ..ولكنك تكاد تجد القوم على أرائك القرارات صرعى كأنهم أجداث نخل خاوية .

وكل ما سأنبه عليه هنا لا يمس بحال أهلنا الكرد الطيبين من الذين كانوا منا وكنا منهم على مدى قرون لحضارة أنجزناها ولمجد بنيناه معا . مسمى الكرد المقصود فيما سأكتب في هذا المقال هو المسمى نفسه الذي قصدته صاحبة التصريحات التي أعلق عليها حتى لا يظل مائي صافيا فلا يصطاد فيه مصطاد ..

مصدري فيما سأنقل : وكالة رويترز ذات المصداقية الخبرية 6/ 11، 2019 أي قبل ثلاثة أيام فقط من اليوم الذي نحن فيه .

وما قالته " تسيبي " هو تعبير عن تطور عملي في امتداد المظلة " الصهيونية " على مكونات ديموغرافية ، دينية عرقية " أكثر من المجموعة اليهودية محدودة العدد التي شكلت منذ مطلع القرن العشرين قوامها .

وكان رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد قد كشف منذ الأيام الأولى للثورة السورية عن مثل هذا الالتحام الذي ظنه البعض تحالفا فإذا هو انصهار كشفت سنوات الثورة المنصرمة عن جديته وصدقيته وعن الوفاء المتبادل في لحمته .

تقوم النظرية الصهيونية الجديدة على قاعدة أن منتسبيها ليسوا هم أبناء أقلية دينية واحدة في العالم والمنطقة ، وأن مظلة هذه المنظمة قد تشمل بعضويتها ورعاياتها أبناء الكثير من الأقليات وأحيانا من الأكثريات ، وأن تعدد الزيجات السياسية غير محظور.

فيشعر اليهود  مؤسسو الصهيونية العالمية أنهم قد تعرضوا لعمليات اضطهاد وتطهير على مدى تاريخهم الطويل ، فمن بابل الهولكست النازي  الرهيب، وأنهم حتى بعد أن انتقلوا إلى فلسطين ما زالوا يتعرضون لعمليات نبذ ورفض من قبل الأكثرية المسلمة العربية ، وعلى قاعدة كل غريب للغريب نسيب ، فقد وجدت المنظمة الصهيونية المتجسدة في صورة الحكومة العبرية في كل الأقليات حلفا ونسبا تحتفي به وتتكئ عليه..

المنظمة الصهيونية وهي تقدر النتائج الإيجابية الكبيرة التي حصلت عليها من تحالفها مع بيت الأسد والطائفة التي يمثلونها ؛ ما تزال تطمح إلى توسيع قاعدة هذا التحالف على مستوى سورية والمنطقة ..أسهل نصر أن تخترق حصون عدوك من داخلها . وأن تكون لك دشم ونقاط ارتكاز واستناد داخل حصونه .

حسب الفقه الصهيوني الجديد الأقلية الحاكمة في سورية  ليست الأقلية الوحيدة التي يمكن أن تندمج في تحالفاتها فتفيد وتستفيد . ضد الأكثرية التي يتناقض معها الجميع بمن فيهم الأقلية الصهيونية في فلسطين المحتلة ، والأقلية الصفوية في إيران المتشيعة ثم باقي الهوامش والأقليات ..

هذه ليست لائحة اتهام يصدرها رجل مثلي ضد أحد ولكنها واقع استراتيجي تعيشه منطقتنا وتعاني منه شعوبنا . وأصبحنا نحن ضحاياه . وغدا الصمت عنه نوع من تجاهل الداء الخبيث يسري في الأجسام .

 إن كل الذي أقرره في هذا المقام هو من كلام نائبة وزير الخارجية العبرانية ومن وجد في نفسه الجرأة والشجاعة فليرد عليها لا علي ..

وسنظل في موقفنا الوطني دعاة إخوة وطنية . ومحبة إنسانية . ودولة مدنية تسوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات : فلا استئثار ولا امتياز .

وأحب شيء إلى قلبي أن تخرج جهة ذات مرجعية كردية وطنية فترد على نائبة وزير الخارجية العبرية كلامها بحقائق تكذب الحقائق لا بعناوين وشعارات وكلام كمخض الماء ..

ففي تصريحها الأربعاء الفائت 6/ 11 /  حسب وكالة رويترز تقول نائبة وزير الخارجية العبرية تسيبي هوفلي :

" إن إسرائيل تساعد أكراد سورية "

وتقول : إن الرئيس الأمريكي ترامب عرض على نتنياهو أن يكون جسرا للمساعدات الأمريكية الإنسانية لأكراد سورية ..

ويؤكد ترامب لنتنياهو : إن أكراد سورية تعرضوا لتطهير عرقي ، يعني أنهم شركاء اليهود في الجرح ..

تضيف نائبة وزير الخارجية العبرية :

إن إسرائيل تلقت الكثير من الطلبات لتقديم الخدمات ولاسميا في المجال الدبلوماسي والإنساني .

في المجال الدبلوماسي تعني تبييض الصحائف عند الدول ذات الشأن بدأ من الولايات المتحدة ، والاتحاد الروسي ومرورا بدول الاتحاد الأوربي ، وانتهاء بدول الإقليم ومن هنا تابعنا هذه الهبة الزنبورية ضد عملية نبع السلام ..وضد الدور التركي المحدود المضاد للسياسة العالمية

تعترف هوتوفلي :

" ندرك المحنة الكبيرة التي يعانيها الأكراد ونساعدهم من خلال عدة قنوات"

 فأي محنة كبيرة وفصائلهم في تحالف مباشر مع الأمريكيين والروس وبشار الأسد ومع حلفاء بشار الأسد لعل السوريين يعقلون ؟!

تؤكد هوتوفلي:

"نشعر بالفخر لوقوفنا إلى جانب الشعب الكردي .." وتؤكد بلغة عبرانية لا لبس فيها :

" إسرائيل لها مصلحة كبرى في واقع الأمر في الحفاظ على قوة الأكراد . وقوة الأقليات الأخرى في منطقة شمال سورية باعتبارهم عناصر معتدلة وموالية للغرب .."

وإن مما يجعل مثل هذه التصريحات والاعترافات ذات مغزى أكثر جدية ومصداقية، التصريحات الأمريكية متعددة المصادر على تمسك الإدارة الأمريكية على مستوى الخارجية والبنتاغون على حبس مخرجات النفط السوري لدعم هذا الجسم الإرهابي المريب ..

اعترافات وبينات جديرة بأن يضعها العقلاء من الوطنيين على أجندة العمل الوطني ليروا قرارهم ، وليستقبلوا من أمرهم ما استدبروا ..وليعلموا أين يذهبون ؟!

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

======================

دخان جنيف الأبيض

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الخميس 7/11/2019

مستهجناً، هجيناً، ومثيراً للشفقة جاء لقاء رأس النظام السوري، بشار الأسد، مع تلفزيونه المحلي، سواء في توقيته، أو مصطلحاته، أو لتراكم الهواجس والأضداد السياسية لديه وقد حاول معالجتها بالكذب مرة، والالتفاف عليها مرات، وذلك تزامناً مع انطلاق أعمال اللجنة الدستورية/المقصلة، التي ستفصل دماغ الاستبداد المدبِّر عن بدن سوريا المنكوب، وما بموضع شبر منه إلا ضربة أو رمية أو طعنة…

أما لجهة التوقيت، فقد اختار الأسد بأن يوجه رسائله المشفّرة حال مغادرة وفده مطار دمشق على متن طائرة خاصة قدمتها موسكو حملت أعضاء لجنة الدستور الخمسين من ثلث النظام في طريقهم إلى مقر الأمم المتحدة بمدينة جنيف للقاء “الطرف الآخر” وهو في هذه الحالة. وبناء على اصطلاحات النظام، وفد المعارضة من أعضاء اللجنة الدستورية الذي لا يريد بشار الأسد أن يسمّيه باسمه رغم أن “هيئة التفاوض لقوى المعارضة والثورة” -التي انبثقت عنها اللجنة الدستوريةـ تتمتّع باعتراف موثّق في أدبيات المحافل الدولية، وكذا وثائق وقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن؛ أشهرت اللجنة الدستورية في 30 أكتوبر للعام 2019 انطلاق العربة الأولى من قاطرة الانتقال السياسي المتكامل الأركان بقرار مجلس الأمن رقم 2254.

أراد الأسد، وبخفّة في التوصيف تشي بحجم الارتباك الذي وقع فريسته، التبرّؤ من العملية الدستورية برمتها؛ فقد تراءت له انتحارا سياسيا على الطريقة التي انتحر بها العديد من المسؤولين النافذين في منظومته الأمنية عندما تحولوا من أدوات له إلى أعباء عليه، وغدوا مجرد “علب سردين” منتهية الصلاحية لا بد من التخلّص منها. أما سيناريو الانتحار فكان دائما متشابها، البطل فيه ينهي حياته بثلاث رصاصات في الرأس! وقد أعرب الأسد عن هواجسه تلك حين قال في لقائه التلفزيوني “ربما تُستخدم اللجنة الدستورية وما سيصدر من نتائج عنها لاحقا كمنصة انطلاق للهجوم وضرب بنية الدولة السورية.. هذا ما يخطط له الغرب منذ سنوات ونحن نعرف هذا الشيء”.

أمّا لجهة المصطلحات، فيبدو أن مجموعة الأسد الاستشارية قد فبركت هذا اللقاء خصيصا لهدف واحد هو مساعدة رئيسها على التنصّل من الحمض النووي للمولود الجديد! وقد جاءت تسميته لفريق الخمسين من حكومته من ثلث اللجنة الدستورية بالوفد “المدعوم من الحكومة” وليس “الممثل للحكومة” أشبه بمحاولات اللحظات الأخيرة قبل الغرق؛ إلا أن المحاولة بدت مرتبكة، ساذجة، بل مثيرة للسخرية لجهة استخفافه بالعقل السوري، وبالقرار الأممي الرسمي، حيث ورد في وثيقة تشكيل اللجنة الدستورية التي أودعت وثائق مجلس الأمن أن تشكيل اللجنة جاء نتيجة “اتفاق بين حكومة الجمهورية العربية السورية من جهة وبين هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة من جهة ثانية”.

تأتي محاولة التهرب من الاستحقاق الذي زفّ أوانه متأخرة جدا. فوفد النظام السوري حطّ في أرض مطار جنيف ولم تعد لتسعف الأسد التسميات.. فالعربة ارتفعت على السكّة، والدخان الأبيض انطلق من مبنى الأمم المتحدة بحضور وفديّ المعارضة والنظام، وبافتتاح رسمي للجلسة من طرف المبعوث الأممي غير بيدرسن، ونائبته، خولة مطر، وفريقه المساعد. فأعفنا من مصطلحاتك هذه المرة، لقد سبق السيف العذل، واستدارت موسكو بحركة ذكية فيها الكثير من براعة استدارات راقصي البولتشوي الخاطفة، واضعة الحصان الدستوري أمام عربة الانتقال السياسي المستحَقّ.

فلماذا تريد موسكو أن تنجح أعمال اللجنة الدستورية بغطائها الأممي وليس غطاء أستانة أو سوتشي اللذين رعتهما؟ ولماذا أرسلت طائرتين خاصتين لنقل الوفود من دمشق إلى جنيف متكبّدة هذا العبء المالي الإضافي وهي التي ما انفكّت تتذمّر من التكلفة العالية للحرب السورية على خزينتها؟ وماذا وراء تصريح أعضاء من حكومتها ضمن وفدها الرسمي الذي التقى المعارضة قبيل افتتاح الجلسة الأولى قائلا “موسكو لن تسمح بفشل اللجنة الدستورية”؟!

يشي الضغط الروسي المتواصل بهدف إطلاق أعمال اللجنة الدستورية بأمرين: الأول أن روسيا على توافق تام مع واشنطن بعد أن فرغت كل من الدولتين العظمتين من رسم خطوط نفوذهما في سوريا وتعزيز استقرار وموارد المناطق الواقعة في دائرة ذاك النفوذ والتي هي النفط والمربع الجغرافي المجاور للعراق بالنسبة لواشنطن من جهة، والمياه الدافئة على الساحل السوري وعودة الحرارة السياسية للكرملين ما بعد زمن الحرب الباردة من جهة أخرى.

أما الدول الإقليمية الفاعلة على الأرض السورية فقد جمعت حصادها هي الأخرى؛ فتركيا عدّلت كفة الميزان السياسي المحلي الذي كان قد رجح لطرف معارضي أردوغان إثر الانتخابات الأخيرة والخسائر التي مني بها حزبه في مدن أساس مثل اسطنبول وأنقرة وأزمير، وذلك بتنفيذ أنقرة لمشروع المنطقة الآمنة، ولو جاء متواضعا ومشوبا بكثير من الشروط والمعوقات.

أما إسرائيل، فقبلت “بتواضع” هدية الرئيس الأميركي وقصّت الشريط الذهبي الذي غلّف به الجولان وقدّمه على طبق من فضة لتل أبيب مبررا قراره بقوله “إن هذه الأرض لم يدافع عنها أصحابها وبالتالي هي ستبقى لمن حصل عليها بالحرب”؛ ولا يبتعد كلام ترامب كثيراً عن الحقيقة في أن جبهة الجولان كانت ولم تزل الأهدأ بين خطوط المواجهة في العالم، حيث لم يطلق حافظ الأب ولا بشار الابن طلقة واحدة فيها نحو المحتل الإسرائيلي خلال ما يقارب الخمسة عقود من حكم عائلتهما!

أما طهران المشغولة بإحصاء خساراتها في لبنان والعراق إثر الثورات الشعبية التي يتقدّمها الشيعة العرب قبل السنة ضد نفوذ ميليشياتها الطائفية العابرة للحدود وقد ضاقت بها الشعوب كما ضاقت بطغيانها البلاد، فستكون دمشق آخر مقابر مشروعها المذهبي التطهيري، يوم لن ينفعها توأمها في الطائفية هناك بأجهزة أمنه وجيشه ومخابراته كافّة.

وفي الوقت الذي يقبع بشار الأسد في قصره يخترع المصطلحات، ويوجّه اتهامات الإرهاب “رشا ودراكا” إلى المعارضة، ويمعن غوصا في الإنكار ورفض ما غدا أمرا واقعا في جنيف؛ نجد وفد اللجنة الدستورية من طرف المعارضة يتابع مهماته بحس وطني عال ومعايير مهنية دولية من أجل إنجاز مهمة صياغة دستور جديد لسوريا جديدة سيشكل القاعدة القانونية للانتقال السياسي الكامل ضمن مظلة قرارات الأمم المتحدة التي يعمل الوفد تحت قبتها وبدعمها وتيسير منها للعملية الدستورية.

إثر إعلان حافظ الأسد لبيانه 66 الشهير عن سقوط القنيطرة في حرب يونيو العام 1967، مستبقا دخول جندي إسرائيلي واحد على الأقل إليها، كتب موشيه دايان وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك قائلا “إسرائيل لا تخاف من العرب في المستقبل إلا إذا استطاعوا أن يلتزموا بالصعود إلى الباص من الباب الخلفي ومغادرته من الباب الأمامي”.

والمقصود بهذه المقاربة هو قدرة العرب على تنظيم أنفسهم واتباع القواعد والمعايير العامة المتعارف عليها في العالم. اليوم، وقياسا على ما شهدت من أداء وفد الخمسين من المعارضة في بواكير جولات جنيف الدستورية، أستطيع أن أقول أن على النظام السوري، ورأسه، أن يحسب للمعارضة ألف حساب، فهي اليوم تستقل الباص صعوداً من الخلف وتغادره من بابه الأمامي!

===========================


ثورات الكرامة ضد المحرومين منها

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7/11/2019

قال رأس النظام الكيماوي في دمشق، في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، إنه لن يشعر بالفخر من مصافحة أحد من جماعة أردوغان أو الإيديولوجيا السياسية التي يمثلها. ولكن حين يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية «علينا أن نترك مشاعرنا الشخصية جانباً» في إشارة إلى مواربة الباب أمام احتمال تطبيع العلاقات مع الحكومة التركية.

أما جبران باسيل، الذي تعرض لأكبر موجة شتائم علنية يمكن أن توجَّه لسياسي على الإطلاق، فهو ما زال يحجز لنفسه مقعداً وزارياً في الحكومة المقبلة المفترضة، بعدما قدم رئيس الحالية سعد الحريري استقالته، معتبراً تلك الشتائم، وفقاً لأحد التسريبات، مجرد كلام فارغ لعدد محدود من اللبنانيين.

وتمكن الممثل ـ المقاول المصري محمد علي، في ظهوراته اليوتيوبية من تحقيق شعبية كبيرة بهجومه الشخصي على عبد الفتاح السيسي الذي سبق لهاشتاغ «انتخبوا العرص!» الذي تشاركه ملايين المصريين أن رافق حملته الانتخابية الأولى لمنصب الرئاسة قبل سنوات، من غير أن تهتز له شعرة واحدة في رأسه.

وطرد المتظاهرون رئيس الهيئة العليا للمفاوضات (وهو جسم سوري معارض لنظام الأسد) نصر الحريري من إحدى تظاهرات المعارضين السوريين في اسطنبول قبل أشهر، في حين ملأت أقذع الشتائم والأوصاف المهينة، ضد مختلف السياسيين، صفحات التواصل الاجتماعي للسوريين واللبنانيين والمصريين والعراقيين والفلسطينيين. والقائمة تطول.

يميز كبير المشتومين ابن حافظ أسد، في المقابلة المشار إليها أعلاه، بين «المشاعر الشخصية» وما يسميها بـ«المصالح الوطنية» ليبدو كمن يقدم تضحية شخصية كبيرة على مذبح تلك المصالح التي لا اتفاق عاماً على كونها وطنية. ففي الواقع هي مصلحة شخصية أيضاً تتمثل في تمسكه المرضي بالسلطة. فشعار «الأسد أو لا أحد!» الذي رفعه أنصار النظام علناً منذ بداية الثورة السورية، يعني المطابقة بين إرادة فئة ضيقة من السوريين متمسكة ببقاء ابن حافظ على رأس النظام من جهة أولى، وتمسك الشخص المذكور بامتيازات موقعه السلطوي من جهة ثانية، مهما اتسعت رقعة رفضه في المجتمع. قد يكون سبب موقف الفئة المذكورة هو انعدام البدائل لديها في لحظة الخطر على النظام ككل، لكن من أسباب انعدام البدائل هذا تمسك بشار بالسلطة، إن لم يكن السبب الأهم. فقد كان من شأن تخليه عن السلطة أن يجعل النظام وأنصاره يبحثون عن بدائل أخرى، وأن يكافئه بحفظ كرامته الشخصية، على فرض وجود مشاعر مماثلة لديه.

 

هناك كثير من الدول فيها قوانين تجرّم الإساءة إلى شخص رئيس الدولة، باعتباره يمثل الأمة، وبعض الدول متسامحة أكثر مع حرية التعبير. أما في الأنظمة الدكتاتورية فأي نقد، مهما كان طفيفاً ورصيناً، يعامل معاملة الجريمة الكبيرة

 

لكن الشعار الآخر ذا الشعبية الكبيرة بين أنصار النظام «الأسد أو نحرق البلد!» أو صنوه «الأسد أو بلاها البلد!» يفضحان زيف المصالح الوطنية المزعومة التي تحدث عنها ابن حافظ. فبقاؤه في السلطة هو البوصلة الوحيدة التي يعمل بمقتضاها، ولا قيمة للبلد، عنده وعند أنصاره، بالقياس إلى مصلحته الشخصية (والعائلية) في البقاء على رأس السلطة.

على أي حال لم يأت تفلسف ابن حافظ بشأن العلاقة بين المشاعر الشخصية والمصالح الوطنية في سياق رد مفترض على معارضيه السوريين الذين لم يوفروا وصفاً جارحاً بحقه، طوال السنوات التسعة الماضية، إلا وقالوه علناً، بل كان ذلك في سياق العلاقة مع القيادة التركية! بحدود ما نعلم تكون العلاقات بين الدول سياسية، لا شخصية، قائمة على المصالح الوطنية المتبادلة أو المتعارضة، حيث لا مكان، أصلاً، لمشاعر شخصية. في حين أن العلاقة بين الحكام والمحكومين تحتمل مقداراً كبيراً من المشاعر الشخصية، وإن كان أساسها قائماً أيضاً على مصالح الطرفين. وفي الدول التي تستحق هذا الاسم يقدم السياسي استقالته من منصبه حين يواجه اتهامات لا يمكن فصلها عما يمس المشاعر الشخصية، كالفساد أو إساءة استخدام السلطة أو الإثراء غير المشروع أو التغطية على أعمال غير مشروعة أو الهزيمة في حرب وطنية أو الفشل في تحقيق المهمات المطلوبة منه. وبعض هذه الاتهامات يحاسب عليها القانون، في حين يخضع بعضها الآخر لمحاكمة الرأي العام وحده.

هناك كثير من الدول فيها قوانين تجرّم الإساءة إلى شخص رئيس الدولة، باعتباره يمثل الأمة، وبعض الدول متسامحة أكثر مع حرية التعبير تسمح بالسخرية منه. أما في الأنظمة الدكتاتورية فأي نقد، مهما كان طفيفاً ورصيناً، يعامل معاملة الجريمة الكبيرة التي يستحق مرتكبها أشد العقاب بما في ذلك الموت. لذلك فقد كانت الشتائم المقذعة والسخرية المهينة والإساءات لشخص الدكتاتور وحاشيته ظواهر لافتة في ثورات الشعوب العربية في العشرية الثانية للقرن الحالي. وقد تفوق اللبنانيون على نظرائهم في الدول العربية الأخرى بكم الشتائم التي وجهوها لشخصيات السلطة والإبداع في صياغتها.

وصفت هذه الثورات بأنها ثورات حرية وكرامة. وإذا كان مطلب الحرية بديهياً في دول تحكمها أنظمة دكتاتورية أو شمولية، فمطلب الكرامة يبدو، للوهلة الأولى، غريباً بعض الشيء. نتذكر مقطع الفيديو الشهير الذي يظهر فيه رجل سوري (محمد عبد الوهاب) يخاطب عناصر أمنية للنظام على أحد حواجز التفتيش قائلاً: «أنا إنسان، ماني حيوان، وكل هالناس متلي»! لقد عبر هذا الكلام عن مكنونات جميع السوريين الذين عاملهم النظام دائماً معاملة العبيد أو الحيوانات. وتكمن المفارقة في أن النظام المؤلف من أشخاص لا يعرفون معنى الكرامة البشرية ويفتقدون إليها، قد داسوا على كرامات المحكومين طوال عقود غلبتهم. وهي مفارقة مفهومة، فالحاكم المحروم من الكرامة يعمل على حرمان محكوميه منها لأنه لا يطيق رؤية من يتمتعون بهذه الخصلة البشرية.

لقد كسرت الثورات حاجز المحرمات، وعلى رأسها الإساءة للحاكم الذي كان مجرد وجوده في السلطة إهانة للأمة جميعاً.

===========================

بشار الأسد: أنا الرئيس

غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء 6/11/2019

على مدار سنوات الحرب الثماني، كثيراً ما كان بشار الأسد يختفي عن رادارات الإعلام، كان يغيب فترات طويلة، في وقتٍ كانت فيه سورية تكاد تكون حديث العالم بأجمعه، وشكّل هذا الغياب بيئة خصبة لظهور شائعات كثيرة عن إختبائه وهروبه وحتى موته، وكانت تنتهي هذه الشائعات بظهور خبر استقباله مسؤولا إيرانيا من الدرجتين الثانية والثالثة، أو حضور موفد للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، برتبة نائب لوزير الخارجية، أو زيارة أحد نواب البرلمانات الأوروبية من أصحاب التوجهات اليمينية المتطرّفة.

وأعطى التدخل العسكري الروسي، منذ نهاية عام 2015، زخماً إعلامياً للأسد، نتيجة كثافة ظهوره في مقابلات على الفضائيات الروسية، أو منابر الإعلام، من صحافة وتلفزيونات أوروبية، أو ما تسمى الشبكة الإعلامية التي اخترقها الروس في أوروبا، وقد اتضح، من تحليل هذه اللقاءات، أن الهدف منها كان، بدرجة كبيرة، رفد حملة بوتين الدعائية في روسيا وأوروبا، وإظهار مدى نفوذه في السياسة الدولية وقضاياها الساخنة.

غير أن بوتين نفسه سيشير للأسد، بعد فترة، بتخفيف ظهوره على وسائل الإعلام لضرورات 

"كان أمر العمليات الروسي للأسد واضحاً: لا تظهر على وسائل الإعلام، كلما ظهرت تسببت بكارثة لنا"سياسية، ففي تلك المرحلة، اعتقد بوتين أن السيطرة على سورية باتت خلف ظهره، وأنه لا بد من الانتقال إلى بناء هيكل للعملية السياسية التي ستثبت نفوذه في سورية والشرق الأوسط، وأنه على أعتاب مرحلة قطف ثمار تدخله العسكري، والذي ستتم ترجمته عبر تدفق تمويلات عملية الإعمار الذي ستغرف منه شركات ما يسمى رجال أعمال الكرملين، حتى التخمة، وراحت ماكينته الدبلوماسية تعمل ليل نهار من أجل إقناع الممولين بالنزول إلى سورية، وإقناع الحكام، وتحديداً العرب منهم، بإعادة احتضان الأسد، طالما أصبح أمراً واقعاً لا يمكن لأحد تجاوزه.

بالتزامن مع ذلك، كان أمر العمليات الروسي للأسد واضحاً وشفافاً، لا تظهر على وسائل الإعلام، فكلما ظهرت تسببت بكارثة لنا، وما تنجزه دبلوماسيتنا بمشقة وصعوبة لجعل العالم يستسيغك تدمره بكلمات فارغة، ولم تكتف روسيا بذلك، بل ذهبت إلى حد إعادة هيكلة الطاقم العامل في القصر الرئاسي، على مستوى المستشارين الإعلاميين، وارتأى الروس أن تكون أسماء الأخرس الواجهة الإعلامية لسورية، والاستفادة من حكاية مرضها بالسرطان والشفاء منه، لإظهار وجه آخر لبيت الحكم السوري غير بشار الذي لا يجيد إلقاء جملة كاملة من دون تعمده الاستفزاز والمناكفة.

لكن هذا ليس كل شيء، فالإدارة الروسية لعلاقات شرق أوسطية صعبة، وأوضاع سورية معقدّة، يلزمها بين حين وآخر إنطاق الأسد، وتلقينه قول أشياء لا يستطيع بوتين قولها مباشرة لخصومه وحلفائه في سورية، ولا بأس من ظهوره في مكان ما على جبهات سورية المشتعلة، لذا يصبح أمراً عادياً أن الأسد الممنوع من زيارة حلب فترة طويلة بأمر من بوتين، يزور جبهة إدلب، في وقت كان يخوض فيه بوتين مفاوضات صعبة مع نظيره التركي أردوغان، حول ترتيبات جديدة بعد العملية التركية، ثم يصف الأسد تركيا بالمحتل. ولكن يبدو أن روسيا شعرت بأنها رفعت السقف في وجه حليفها التركي، فطلبت من الأسد أن يرتب لقاءً مستعجلاً مع الفضائية السورية ليقول ما مفاده إنه يحرص على ألا تتحوّل تركيا إلى دولة عدو لسورية!

ولكن من الذي ما زال يتعاطى بجدية مع حقيقة أن بشار الأسد رئيس لسورية؟ حتى الأسد نفسه لا يصدق هذه الدعابة، وهو يدرك أن مرتبته انخفضت إلى أدنى من ذلك، مرتبة ليس لها توصيف لا في العرف الدبلوماسي ولا بالمنطق السياسي، فهو يعرف أنه لا يوجد رئيس دولة ذات سيادة يجري تسفيره على طائرة شحن، بالسر والتخفي، إلى روسيا وإيران، لمقابلة زعمائهما بدون حتى أن يصحبه موظف يكتب محضر اللقاءات، وهو يعرف أيضاً أن لا يوجد رئيس دولة تأمره مرافقة رئيس ضيف بالوقوف خلف الخط الأصفر على أرضٍ يفترض أنها تتبع لسيادته وتحت حكمه.

أما شؤون سورية الأخرى، الحرب والاقتصاد والسياسة، فباتت خيوطُها تجتمع في موسكو، هناك يجري الكرملين تفاهمات مع إسرائيل بشأن الأماكن والمواقع التي يحق للطائرات الإسرائيلية 

"من الذي ما زال يتعاطى بجدية مع حقيقة أن بشار الأسد رئيس لسورية؟ حتى الأسد نفسه لا يصدق هذه الدعابة"استهدافها، ويوقع الاتفاقيات مع تركيا بشأن المساحات التي يمكن للجيش التركي دخولها لمطاردة حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، ويتفاهم مع ايران وتركيا عن الترتيبات السياسية القادمة في سورية من دستور وانتخابات وسواها، بل يذهب الكرملين إلى أبعد من ذلك بإجراء الإتصالات مع الدول العربية، من أجل فتح سفاراتها وإعادة علاقاتها مع نظام الأسد. وفي الغالب، يجري إبلاغ الأسد ونظامه بعد انتهاء الإجراءات والترتيبات، وغالباً عبر موظفين في وزارة الخارجية الروسية.

أنا الرئيس، يحاول بشار الأسد، بين فترة وأخرى، تذكير المقرّبين منه، والمحكومين باسمه، حتى لا ينسى هؤلاء هذه الحقيقة، وهم يرون تأكل صورته وسطوته، لا يتمالك نفسه، يظهر متوتراً نزقاً، يتكلم خارج النص، فلم يعد يملك ما يثبت أنه الرئيس إلا إذا شتم واستفز، يفعل ذلك وهو يدرك أن ثمّة رياحا ستهب عليه قريباً وتطيحه، فقد تراكمت معطيات ومؤشرات عديدة على أن بوتين، وحينما ينتهي من إجراء الترتيبات اللازمة لتثبيت وجوده في سورية، سيختتم هذا الفصل بتغيير بشار الأسد، ما دام ذلك سيشكل عتبة للانتقال إلى مرحلة قطف ثمار تدخله، فقد انتهى بوتين من هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، وها هو يفرض على الأسد الالتزام باللجنة الدستورية ومخرجاتها، وكل ذلك يرفع من درجة توتر الأسد الذي بات يصرخ أنه الرئيس، بعد أن نزل في واد سحيق.

===========================

متى تنتهي حالة الانفصام عن الواقع؟!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 4/11/2019

لم تختلف مقاربة الروس للمسألة السورية في قمع انتفاضة الحرية السلمية السورية كثيراً عن مقاربة النظام لها؛ حيث كانت اليافطة التي تلظيا تحتها: "مقاومة الإرهاب". فلم يغب عن تصريحات الروس بخصوص سوريا البحث عن حلٍ سياسيٍ للمسألة. قالها الرئيس بوتين ذاته نهاية 2015؛ بأنه في سوريا لثلاثة أشهر عسكرية، ثم يكون الانتقال إلى عملية سياسية.

مضى على وجود القوات الروسية في سوريا أكثر من أربع سنين؛ تألقت خلالها بالعمل العسكري واستعراض كل صنوف أسلحتها الحديثة على الأرض السورية. صدرت خلال فترات القتل والتدمير المستمرة قرارات دولية دعت إلى وقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية في الحل السلمي. ساهمت روسيا العضو في مجلس الأمن بصناعة تلك القرارات، وما توقفت عن الحديث عن حل سياسي. عقدت "أستانا" و "سوتشي"؛ وأخيراً رأت أن المدخل لحل سياسي يكون من خلال القرار الدولي 2254، والبداية من لجنة دستورية سورية تكتب دستوراً جديداً للبلاد.

لم تختلف سردية نظام الأسد عن السردية الروسية في "حل سياسي" إلا في تضارب النوايا والأهداف. عاشا على الحديث في "السلام"، والقيام بالأعمال العسكرية في الوقت ذاته. وكان الفرق الأساس هو أن الروس بحاجة فعلية إلى جنى سياسي؛ أما نظام الأسد- ورغم الحديث في الموضوع- فلا يستطيع إيقاف العسكرة شريان حياته. أخيراً تغلبت إرادة الروس، رغم كل محاولات النظام في العرقلة والتملص حتى من مجرد خطوة بسيطة نحو حل سياسي تمثل بإطلاق اللجنة الدستورية.

كانت آخر محاولة للنظام في التملص من هذا الاستحقاق ما ورد على لسان رئيس النظام في تسخيف هذه الخطوة والنأي بنفسه عنها. ففي مقابلة مع تلفزيونه المحلي سعى للتبرؤ حتى من وفده في اللجنة مسدلاً عليه صفة: "الوفد المدعوم من الحكومة"؛ رغم أن ما صدر عن الأمم المتحدة، وبمباركة ودعم الروس أنفسهم، سمّى مَن يصفهم بالمدعومين حكومياً "وفد الحكومة السورية"؛ ولكنهم لم يكونوا- حسب توصيف رأس النظام- أكثر من أشخاص لديهم "هوى سوري"؛ وذلك رغم أن وزير خارجيته كان قد وقّع مذكرة الاتفاق على اللجنة.

وللإمعان بالإساءة للجنة، أسدل صفة "العملاء او المرتبطين بالأجنبي أو الإرهابيين" على الثلثين الآخيرين. وإن دلّ هذا الموقف على شيء، فإنه يعكس حالة من الضيق، والارتباك، والمحاولة اليائسة للتفشيل؛ الأمر الذي تمت ترجمته في قاعة الأمم المتحدة في جنيف بخطابات استعلائية موتورة منفصمة عن الواقع تحاكي سردية عمرها تسع سنوات دمّرت سوريا؛ تقول للسامع / إما أنا، أو لا أحد/ عاكسة ذلك الشعار "أحكمها، أو أدمرها" الذي أوصل سوريا إلى هذا الحال.

خطاب المقابلة التلفزيونية ركّز على "محاربة الإرهاب"؛ وهكذا كان خطاب وفده الذي تبرأ منه.

"جنيف"، التي حاربها، وسعى لإفشالها على الدوام، اعتبرها مجرد "جغرافيا"؛ رغم أن الحُماة الروس، والأمم المتحدة حمّلوها البعد السياسي؛ وكان صدى ذلك مسموعاً في القاعة. رأى في ما ستركز عليه اللجنة من مضامين دستورية تليق بسوريا حرة خالية من الاستبداد خلقاً لدستور فيه فصل للسلطات وضمان للحريات، لعبة لإضعاف الدولة وتحويلها إلى دولة لا يمكن السيطرة عليها.

لا يختلف اثنان على أن القضية السورية، بتعقيداتها وبكثرة الأيادي المتدخلة فيها، لا يمكن أن تحلّها لجنة دستورية؛ وما خرج السوريون من أجل دستور

كان الفرق بينه وبين من أرسلهم أن لغته لم تكن شوارعية وتتحدث عن "الإليات" وبيعها، كما خرج من أفواه بعض مُرسَليه مدّعي الثقافة المنمقين.

لا يختلف اثنان على أن القضية السورية، بتعقيداتها وبكثرة الأيادي المتدخلة فيها، لا يمكن أن تحلّها لجنة دستورية؛ وما خرج السوريون من أجل دستور؛ وما قال من هم فيها بأنهم "سيصنعون العجائب"؛ وما هي - إن رأى منتجها النور- إلا خطوة نحو حل في سوريا، لا يمكن أن يكون مقبولًا، إلا إذا كان منسجماً مع طموحات السوريين في وطن حر لا يعيد تجربة مريرة دموية لتسع سنين.

أخيرا تلك الخطابات التي سُمعَت من "الوفد المدعوم من الحكومة"، وذلك اللقاء التلفزيوني، تستهدف جمهوراً سورياً؛ قد يكون مغلوباً على أمره؛ وأكثر ما يحتاجه هذا الجمهور ليس إلا التفاتة صادقة تحس به، وتعيده إلى حياة حرة كريمة؛ لا أن تستمر بتخديره وبالمكابرة وبالاستهانة بعقله. فهكذا سرديات منفصمة عن الواقع هي التي أوصلت سوريا إلى حال كهذا.

ربما يغيب عن بعض أولئك المستهدفين من تلك الرسائل، التي تكرّس المأساة وتفتت السوريين أكثر، أن وجهتها الأساس هي صاحبة اليد العليا في سوريا؛ كي تبقي على هذا المنظومة، وتأخذ أي شيء تريد. ولا أدري إذا كان هذا ما يقبله السوريون، أو يليق بهم!

===========================


الجميع في جنيف ما عدا سوريا

خيرالله خيرالله

العرب اللندنية

السبت 2/11/2019

كان الجميع موجودا في جنيف، باستثناء سوريا، أي أن كلّ المعنيين الحقيقيين بسوريا كانوا هناك. على رأس هؤلاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ووزير الخارجية الإيراني محمّد جواد ظريف، ووزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو. كانت أميركا حاضرة أيضا عبر جويل رايبرن أحد أبرز المختصين بالشرق الأوسط في الإدارة الأميركية. الغائب الأكبر، أقلّه ظاهرا، كان إسرائيل الشريك في تحديد مستقبل سوريا بعدما كرّست احتلالها للجولان في ظلّ تفهّم روسي وأميركي لمواقفها من الوجود الإيراني في ما كان يسمّى رسميا “الجمهورية العربية السورية”.

لعبت إسرائيل أوراقها في سوريا بطريقة ذكيّة. عملت كلّ ما تستطيع من أجل المحافظة على النظام، مدركة أنّها ستحصل في النهاية، عبر النظام ولا أحد غيره، على ما تعتبره الجائزة الكبرى، من وجهة نظرها، أي على هضبة الجولان المحتلة منذ 1967.

يكفي الاستماع إلى كلمتيْ ممثلّي النظام والمعارضة للتأكد من وجود هوّة حقيقية بين الجانبين. كانت لدى ممثل النظام لغته الخشبية المعتادة التي لا يمكن أن يتخلّى عنها يوما. وكان لدى ممثل المعارضة تحليلا دقيقا للوضع على الأرض، مع سلسلة من التمنيات التي لم يعد لديه ما يكفي من القوّة لتحويلها إلى واقع. حصل ذلك بعدما تكالبت كلّ القوى الإقليمية والدولية من أجل إجهاض ثورة الشعب السوري المستمرّة منذ ما يزيد على ثمانية أعوام، هذا الشعب الذي يصرّ النظام على أنّه “إرهابي”، وأن حربه على المواطن العادي، إنّما هي حرب على “الإرهاب”.

رفض ممثل النظام في كلمة ألقاها في افتتاح اجتماعات جنيف الإقرار بأنّ ما تشهده سوريا ثورة شعبية حقيقية على نظام أقلّوي لا يؤمن سوى بإلغاء الآخر. بغض النظر عن الوضع الذي آلت إليه سوريا، يبقى أن في أساس كلّ ما يجري انفجار شعبي على صعيد البلد كلّه. هناك نظام انتهى وهو يرفض الاعتراف بذلك، وهناك سوريا مختلفة لا علاقة لها بسوريا التي عرفناها. هذا ما يرفض النظام الاعتراف به أيضا.

كان المشهد سورياليا عندما تحدّث النظام عن استعادة كل أرض سورية. هل دخلت تركيا إلى شمال سوريا بالتواطؤ مع الروسي والأميركي من أجل أن تخرج يوما؟ قد تخرج تركيا يوما من سوريا ولكن بعد خروجها من قبرص التركية التي تحتلّها منذ العام 1974!

ثمّة نقطتان مهمّتان من المفيد التوقف عندهما على هامش اجتماعات جنيف. النقطة الأولى مرتبطة بغياب أي شرعيّة من أيّ نوع للنظام القائم. النقطة الأخرى أنّ سوريا هي عمليا تحت الاحتلال، وأن قوى الاحتلال هي التي تقرّر مستقبل سوريا بوجود دستور جديد أو في غياب مثل هذا الدستور. لا يمكن لأي دستور سوري، مهما كان متقدّما وعصريا، أن يكون له أي معنى أو تأثير على الأرض في حال لم تكن هناك مرحلة انتقالية تؤمّنُ الانتقال إلى مرحلة جديدة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بما كانت عليه سوريا منذ استقلالها في منتصف أربعينات القرن الماضي. فالنظام الذي سيطبق هذا الدستور لا يمكن أن يبقى نفسه. في النهاية، ما الفائدة من دستور يضمن كلّ الحرّيات العامة ويفصل بين السلطات في غياب رجال ومؤسسات على استعداد لتطبيقه؟

ليس النظام السوري القائم، وهو نظام عموده الفقري الأجهزة الأمنية، مؤهلا لتطبيق أي دستور، بما في ذلك الدستور المعمول به حاليا. هذا نظام وُلدَ من رحم انقلاب عسكري لمجموعة من الضباط الموتورين، معظمهم من حزب البعث، أسقطوا النظام في الثامن من آذار – مارس من العام 1963. جاء هؤلاء الضباط إلى السلطة باسم حزب البعث، بكل ما يمثّله من فكر متخلّف تغطيه شعارات الوحدة والحرّية والاشتراكية و”الأمّة الواحدة ذات الرسالة الخالدة”. عن أيّ رسالة يتحدّث البعث غير رسالة الانقلابات العسكرية لضباط ريفيين حاقدين على المدينة لا يؤمنون سوى بحكم الأجهزة الأمنية؟

ما لبث هذا النظام أن تحوّل تدريجيا من حكم البعث إلى حكم العلويين بعد انقلاب 23 شباط – فبراير 1966. ثمّ ما لبث أن تحوّل في أواخر السنة 1970 إلى نظام العلوي الواحد (حافظ الأسد). مع وفاة حافظ الأسد في السنة 2000، وُلد نظام العائلتين، أو نظام عائلتي الأسد ومخلوف، الذي ما لبث أن صار في الأشهر القليلة الماضية نظام العائلة الواحدة بعد انتصر آل الأسد على آل مخلوف بالضربة القاضية نتيجة عوامل عدّة ستتولى الأيّام كشف خباياها.

هل هي مسألة دستور أم مسألة من يطبّق هذا الدستور؟ المسألة أن سوريا في حاجة قبل كلّ شيء إلى مرحلة انتقالية تمهّد لقيام نظام جديد يمتلك حدّا أدنى من الشرعية. المؤسف أن سوريا غير مؤهلة لمثل هذه المرحلة الانتقالية في ظل الاحتلالات الخمسة التي تعيش في ظلّها.

إذا وضعنا جانبا تسليم أميركا شؤون سوريا لروسيا ولكن مع الإصرار على البقاء في مناطق معيّنة، بما في ذلك مناطق آبار النفط والغاز السورية، هل في الإمكان إيجاد تفاهم بين الاحتلالات الأربعة الأخرى، أي بين روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل؟

هذا هو السؤال الذي سيطرح نفسه مستقبلا، وليس هل سيكون لسوريا دستور جديد. أيّ سوريا ستبصر النور من تفاهم روسيا وإيران وتركيا وإسرائيل؟ يضاف إلى هذا السؤال هل سيبقى الأميركي مستسلما للروسي في سوريا في ظلّ تفاهم في العمق بين أنقرة وموسكو؟

هناك بالطبع مسألة ستطرح نفسها عاجلا أم آجلا. هذه المسألة مرتبطة بالضمانات التي تحتاج إليها إسرائيل بسبب الوجود الإيراني في سوريا ولبنان. سيبرز هنا مجددا الدور الروسي في التنسيق بين إيران وإسرائيل برعاية أميركية لم تعد تخفى على أحد.

بكلام أوضح، لن تعني اجتماعات جنيف الكثير حتّى لو نجحت في بلورة دستور سوري جديد. ما سيعني شيئا هو حصول تفاهم روسي – إيراني – تركي – إسرائيلي. في غياب مثل هذا التفاهم لا وجود لأي ضوء في نهاية النفق السوري، وستظل سوريا الغائب الأكبر عن اجتماعات جنيف. حضر الجميع إلى المدينة السويسرية ولم تحضر سوريا...

===========================


معركة إدلب القادمة.. عاصفة عسكرية وإنسانية جديدة

يمان الدالاتي

نون بوست

السبت 2/11/2019

تتجدد تهديدات النظام السوري باستعادة السيطرة على أخر معاقل الثوار والمعارضة السورية في مدينة إدلب الشمالية، إذ أشار الأسد البارحة في مقابلة مع قناتي "السورية" والإخبارية" السورية إلى جاهزية الجيش السوري في القضاء على "آخر فلول الإرهابيين" على حد تعبيره. تصريح يشير إلى وجهة المعركة القادمة -وربما الأخيرة- في الحرب في سوريا.

أضاف الأسد في تصريحه: "إن لم يخرج المسلحون من إدلب إلى تركيا فأمامهم خياران: إما العودة إلى الدولة أو الحرب". موضحًا أنه قد تم بالفعل الإتفاق مع روسيا وإيران على وقت بدء العملية بينما استغل الفرصة للتأكيد على العلاقة الوطيدة التي تربطه بين البلدين واصفًا إياها "بمعركة عسكرية واحدة، ومعركة سياسية واحدة".

تتميز مدينة إدلب عن باقي المدن بكونها كانت ملجأ للهاربين من ويلات القصف السوري والروسي وملاحقات النظام المستمرة للثوار والناشطين، فقد آوت كل من رفض المصالحة أو التسليم مع النظام حتى باتت أهميتها بالنسبة له انتصارًا في القضاء على الثورة السورية. إلا أن هذه المدينة اليوم تقف أمام معركة وشيكة سيقع ضحيتها الآلاف، وفي ظل نيّة دولية لإنهاء الملف السوري بأي ثمن.

تشكًل مدينة إدلب نهاية الثورة السورية بالنسبة للنظام وعاصفة عسكرية وإنسانية جديدة

هنا يجدر بنا السؤال حول أعداد المدنيين المقيمين داخل المدينة، من أطفال وجرحى ولاجئين من مناطق أخرى، بالإضافة إلى أوضاع القطاع الصحي والدفاع المدني والمدارس وغيرها الكثير من المنشأت والتجمعات المدنية وعن فرص النجاة بالنسبة للمدنيين وهو ما سنتطرق إليه من خلال الحديث مع سكّان من داخل مدينة إدلب.

أعداد المدنيين وأحوالهم

يقول غياث رجب، لموقع "نون بوست" وهو ناشط سوري من داخل مدينة إدلب "أن لا أحد هنا يخاف من تهديدات النظام وروسيا بالقتل أو القصف إلا أن هناك قلق كبير بين السكان بشأن تسليم المنطقة إلى النظام ضمن واحدة من الاتفاقيات الكثيرة الجارية. إذ يعتقد الكثيرون أن الأمر لم يعدّ بيدّ النظام السوري بل هو شأن دولي كبير.

وبالرغم من انخفاض مساحة شمال غربي سوريا بعد معارك شرق السكة من 8319 كم مربع إلى 6609 كم مربع، إلا أنه بسيطرة النظام السوري وروسيا على العديد من القرى والبلدات ضمن المنطقة المنزوعة السلاح والبالغ عددها 67 قرية وبلدة، قدرت الخسارة في مساحة الأراضي بـ 457 كم مربع لتبقى مساحة الشمال السوري في الوقت الحالي 6152 كم مربع عدا مناطق درع الفرات وغصن الزيتون.

يعدّ الشمال السوري الآن في المرتبة 13 عالميا ً من ناحية الكثافة السكانية.

مما يعني خسارة الشمال السوري من جديد 91.6 %من مساحته الإجمالية التي يعيش فيها الآن حوالي 4 ملايين و703 آلاف شخص، بينهم مليون و674 آلاف نازح ومُهجّر قسرياً من مناطق أخرى مجاورة، بالإضافة إلى وجود ما يقارب 17 ألف لاجئ فلسطيني وعراقي داخل نطاق مدينة إدلب. بينما يبلغ عدد الأيتام تحت 18 سنة 190 ألف يتيم، و188 ألف شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة.

 أما أعداد الأرامل اللواتي يعشن دون معيل فيصل عددهن إلى حوالي 36 ألف أرملة. وقد زاد الأمر صعوبة حين بدأت قوات النظام والمدفعية الروسية شن غارات وقصف جوي على بعض المناطق في نهاية نيسان الماضي إذ لجأ خلال هذه الفترة ما يقارب مليون شخص مما يفوق قدرة المنطقة على التحمل.

وبحساب المناطق القابلة للسكن إلى جانب مقارنتها بأعداد السكان المدنيين المتواجدين في المنطقة وصلت الكثافة السكانية في شمال غربي سوريا إلى مستويات قياسية قدرت بـ 817 نسمة/كم مربع، ليصبح الشمال السوري في المرتبة 13 عالميا ًفي الكثافة السكانية.

إنذار بكارثة إنسانية ولا مكان للهرب

يعتبر وضع القطاع الصحي في إدلب متغيرًا باستمرار نتيجة الهجمات والمعارك الكثيرة التي عانت منها منطقة الشمال السوري ككل في الأشهر القليلة الماضية إذ أن الاعتماد في المداخلات والمشافي الطبية كان كله منصبًا على عاتق فرق مدينة إدلب. وحين قمنا بسؤال القائمين على إدارة بعض المشافي ومراكز الصحة والطبابة وقادة الفرق الاسعافية عن قدرتهم على الصمود في حال بدء المعركة في الأيام القليلة الماضية فأتت الكثير من الأجوبة بأنه يمكن للفرق الموجودة على الحدود التركية الصمود لوقت أطول مما تستطيع عليه باقي المنشآت.

وفي حديثنا مع المدير الإداري لمشفى الإخاء التخصصي للنسائية والأطفال في إدلب، حسام اللحام، قيّم بأن الوضع الصحي في إدلب يعتبر "متوسطًا من حيث الرعاية الأولية، بمعنى أن المستوصفات متوفرة في حين أن وضع المشافي سيء خاصة بعد استهداف المنشآت والكوادر الطبية مما أدى لإيقاف المشافي عن العمل" خاصة في المنطقة الجنوبية.

يؤكد رجب كلام اللحام قائلًا لـ "نون بوست" إن "طواقم الإسعاف في المناطق الشمالية والحدودية ممتازة وسريع ومتوافر دائمًا بينما بات ضعيفًا جدًا في المناطق الجنوبية نتيجة الاستهداف المتكرر لمراكز الدفاع المدني والنقاط الطبية وتحول سيارات الإسعاف لأهداف للطيران الروسي في المعارك الأخيرة".

واقع صحي وطبي سيء مرشّح ليزداد سوءًا في حال اندلاع المعركة التي أنذر بها الأسد وأكدتها روسيا في تقارير عدة في الأيام الأخيرة. وفي هذا السياق يؤكد اللحام الأثر الإنساني الكارثي على إدلب قائلًا: "إن أبرز المخاطر في حال هجوم النظام على إدلب هو الكثافة البشرية الهائلة مما ينذر بكارثة صحية وإنسانية وإغاثية خاصة مع وقف المعونات في العديد من المناطق وانعدام وجود مناطق قادرة على استيعاب هذا الكم الهائل من النزوح مجدداً".

يفرض النظام السوري بعد إعادة سيطرته على مناطق المعارضة مبالغ مالية كبيرة على الناس في حال أرادوا العودة إلى منازلهم

لا يرى سكان مدينة إدلب الكثير من مسارات الهرب أمامهم عند بدء المعركة، فلا مكان آمن ولا فرصة للجوء جديد، فيما تبقى عيون الكثيرين موجهة نحو المنطقة التركية الآمنة الجديدة على أمل أن تكون مكانًا محتملًا للّجوء إليه في حال اشتد القصف خلال المعركة، فحسب ما قاله الناشط غياث رجب: "الناس يعتبرون مناطق درع الفرات وغصن الزيتون هي الخيار الأول ثم تأتي تركيا في المرتبة الثانية".

لكن تبقى احتمالية عدم قدرتهم على العودة إلى مناطقهم فيما إذا سيطرت قوات النظام أمرًا مقلقًا بالنسبة للكثير من العائلات، بسبب عمليات الاعتقال والإخفاء القسري، إضافة إلى فرض مبالغ مالية مرتفعة في حال رغبتهم باستعادة بيوتهم وأملاكهم التي نزحوا منها سابقًا. فهل يدفع هذا القلق أهالي إدلب للبقاء فيها حتى وإن استعادها الأسد تحت سيطرته؟

===========================

موقفنا: مقاربات ومفارقات بين حربهم على الشيوعية وحربهم على الإسلام .. عذرا فرنسيس سوندرز

زهير سالم

مركز الشرق العربي

7/ 11/ 2019

لخصت الباحثة البريطانية فرانسيس سوندرز في كتابها " الحرب الباردة الثقافية - من يدفع للزمار - الكثير من خلفيات الحرب الباردة الأمريكية ضد الاتحاد السوفييتي . وربطت بما وفرت من وثائق وحقائق ربطا مباشر بين الثقافة والتنوير والفن والرياضة وبين العمالة والعمل الاستخباراتي المباشر .

سأطيل لو حاولت أن أنوه بالكتاب ، لذا أدعو صاحب كل ضمير حر إلى قراءته . وهو مترجم إلى العربية ، منشور في الأسواق وعلى الشبكة أيضا ..

يختصر لكم الكتاب الذي نشر منذ عشرين عاما كيف أن المخابرات الأمريكية كانت تهيأ سلم الصعود للمفكرين والأدباء ومن يسمون بالمبدعين ، وكيف كانت تحارب وتطمر كل ما يبقى رأسه مرفوعا بعيدا عن الانقياد ..

الإنسان العربي بشكل خاص مدعو في هذا الزمان لقراءة هذا الكتاب ليدرك حقيقة وأبعاد الحرب التي تدار على هذه الأمة على كل الجغرافيا الإسلامية ، وبشكل أخص على دول الطوقين ، الطوق الصهيوني ، والطوق الصفوي في وقت معا .

حين يقرأ أي مثقف عاقل كتاب الباحثة البريطانية فرنسيس سوندرز يدرك ضراوة ما كان يسمى " الحرب الباردة " وعمقها ، وتشعب ميادينها الاخطبوطية ، والتي كانت تموه الأمني أو العسكري بأثواب الثقافة والتنوير والفن بأنواعه من أدب وموسيقا ورسم و.. وسيعلم القارئ أن أكثر الجوائز العلمية والثقافية والفنية العالمية ولإقليمية إنما تمنح على عين ، وتقرر بقدر .

كل شيء في الكتاب سيذكر القارئ المتابع بما يسمع ويرى ويقرأ هذه الأيام ، إلا أنني ومن خلال معاودتي لقراءة الكتاب مرة بعد مرة أحببت أن أشير إلى ثلاثة فروق مهمة  بين الحرب الباردة الأمريكية على الاتحاد السوفياتي وبين الحرب الأمريكية العالمية اليوم  على الإسلام والمسلمين ..

ولعل الفارق الأول والأهم هو أن الحرب الباردة كانت حربا بين دول ..

الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها من دول الناتو وغيرها ضد الاتحاد السوفياتي وحلفائه من حلف وارسو وغيرهم . ولم تكن الحرب العقائدية كما يقولون إلا حربا بين مذهبين متحدي المنطلقات والأهداف في الرفاه المعلن وكفالة حرية الإنسان في الرغبة والاشباع  ، على نحو متباين بعض الشيء ..

علينا أن نتذكر أنه بمجرد سقوط الاتحاد السوفييتي سقطت الماركسية اللينينية وسقطت معها الأحزاب الأممية الشيوعية المنتشرة حول العالم ، وتحول الكثير من قادتها ومنتسبيها إلى متسولين ليبراليين صغار .

بينما الحرب العالمية اليوم على الإسلام والمسلمين هي حرب على دين على عقيدة وشريعة وثقافة ونمط حياة يستعد ملايين البشر للتضحية دفاعا عنه ، وهي في الوقت نفسه حرب على خمس سكان العالم ، لكل فرد من هذا الخمس من هذه الحرب نصيب. وسيجد نفسه في ساعة من الساعات مستهدفا بنيران هذا العدو ..

والفارق الثاني :

 بين الحرب الباردة الأمريكية على الاتحاد السوفياتي والحرب على الإسلام والمسلمين في هذه الأيام ..

أن الحرب الأولى ظلت باردة ..سياسية اقتصادية ثقافية ، ولم تتحول في أي لحظة إلى مواجهة مسلحة شاملة . ربما حصلت بعض المواجهات الجزئية على بعض الجبهات " فيتنام " و" أفغانستان " ولكن على العموم ظلت هذه الحرب حربا باردة ، وتجنب القائمون عليها المواجهة المسلحة التي اقتربوا منها أكثر من مرة كما في " أزمة الصواريخ الكوبية " بينما الحرب على الإسلام والمسلمين والتي تدخل مع بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين عقدها الرابع ، إذ انطلقت هذه الحرب مع سقوط الاتحاد السوفييت ، كانت منذ البداية ساخنة باردة في وقت معا .

دعونا نشير إلى أمر بالغ الأهمية يغفل عنه الكثيرون ..

لقد كان عمر الحرب الباردة بين القطبين الأعظم في العالم والمدججين بكل أنواع أسلحة الدمار الشامل ، والمالكين لزمام السياسة والإعلام والاقتصاد ... أربعين سنة فقط ، ثم هوى أحد القطبين ؛  بينما تدخل الحرب على الإسلام والمسلمين  هذه الأيام عقدها الرابع . وهي حرب استخدم فيها العدو المقتدر كل عوامل قوته . وشنها في كل الميادين وكانت حربا ساخنة وباردة سياسية وثقافية واقتصادية .. إلا أن هذا العدو لم ينتصر في أي معركة من المعارك التي افتتحها ..

فما يزال الروسي والأمريكي عالقين في فلسطين وفي أفغانستان وفي العراق واليوم يتورطون أكثر فأكثر في سورية واليمن وليبية والجزائر ولبنان وفلسطين ..

والفارق الثالث :

بين الحرب العالمية اليوم على الإسلام والمسلمين والحرب الباردة بين القطبين ..

أن الحرب العالمية على الإسلام والمسلمين تجد اليوم مرتكزاتها في بنية المجتمعات الإسلامية . أو دعونا نسميها مراكز الاختراق ..

من عاش من أبناء جيلنا مرحلة الحرب الباردة يدرك كم كان يعنى الإعلام الأمريكي بمن يسميهم " المنشقون " وهم أفراد من المجتمع السوفياتي ، يستغلون فرصة ما لإعلان انشقاقهم عن دولتهم أو عن ثقافتهم .

بالصورة نفسها يبحث الذين يديرون الحرب على ديننا وعلى عقيدتنا وعلى شعوبنا عن هؤلاء " المنشقين " في صفوفنا ..

ولعل في طليعة هؤلاء المنشقين " الحكام المسلطين " على شعوب هذه الأمة من الطغاة والمستبدين الفاسدين المفسدين ، الذين يضعون على رأس أولياتهم تطويع هذه الأمة واختراق حصونها لمصلحة عدوها . مرة أخرى يطمح الأمريكيون عن طريق هؤلاء إلى نصر بلا حرب كما كتب عنه الرئيس الأسبق نيكسون . ولذا يباح لكل هؤلاء المستبدين أن يحرقوا شعوبهم بما هو أبشع من أفران الغاز النازية . أفران الغاز النازية هي نوع من أنواع القتل الرحيم أمام ما وثقه القيصر عن أفران القتل الروسية - الأمريكية - الأسدية ..

ثم يأتي في الدرجة الثانية من المصطفين في صفوف المنشقين بعض منتسبي الهوامش السكانية على كل الخلفيات الدينية والمذهبية والعرقية والتي لم يستح ترامب منذ أيام أن يعلن عن تقديم خمسين مليون دولار دعما خالصا لها يصدر باسمها  ولتغذية انشقاقاتها عن المجتمع الذي تعيش فيه !!

ويأتي في الدرجة الثالثة  من مكونات هذه الانشقاقات الأجسام المستنبتة في مختبرات التهجين الحيوي ، التي تبتلينا بتنظيمات التكفير والتطرف ، والتي تقتلنا باسمنا وباسم شريعتنا . فتمعن في عقيدتنا وشريعتنا تشويها وفي أحيائنا تقتيلا وفي عمراننا تهديما...

في هذه الأجواء تدور اليوم الحرب العالمية المستعلنة على الإسلام والمسلمين ..

وأعجب العجب أن كثيرا من المسلمين لا يدرك حتى الآن أن حربا تدور عليه !! وهي إحدى وصايا المكر الطاغوتي . أنجح الحروب أن لا تستفز عدوك فيشعر أنك تحاربه.

والأعجب من الأول أن الكثير من أهل السذاجة وليس من أهل الخبابة ، وما أكثر هؤلاء وأولئك في بنيتنا يصطفون في هذه الحرب في صفوف عدوهم ضد أنفسهم وهم لا يشعرون !!

وأعجب من ذا وذا عند العقلاء أن أهل الإسلام ما زالوا يخوضون معركتهم ضد كل أشكال الإجرام هذه متفرقين متنابذين لا رأس يجمع ، ولا قائد ينظم ، وبدأ العدو بكل رأس يملك ولو حدا أدنى من التأهيل فرموه عن قوس واحدة ..

ونختم  أنه ثمة شيء خفي في هذه المعركة نؤمن به نحن المسلمين  ولا نراه ..هو أن نصرنا على ضعفنا وقلة حيلتنا وتشتتنا قريب ..قريب ..قريب

( وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا )

ولا أحد على منصة الدستور الأممي يمثلنا ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

استفتاء سوري

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 2/11/2019

خلال معارك جنوب إدلب وشمال حماة التي وقعت قبل نيف وشهرين، وبينما كان الطيران الروسي يلقي مئات أطنان القنابل يوميا على الآمنين، ويسهم، مع مدفعية النظام وراجماته ودباباته، في سحق قراهم وبلداتهم، ويهجّرهم منها إلى حقول الزيتون، حيث لا خيام ولا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا طعام، فتحت مليشيات الأسد ممرّا "إنسانيا" للفارّين من الموت في بيوتهم إلى الموت في العراء، ووعدتهم بالحماية، وبخدماتٍ غذائيةٍ ودوائية و"مصالحة وطنية بضمانة روسية"، بينما كان القصف يشتدّ ويدمر بيوتهم واحدا بعد آخر، وكانت الطرق تكتظ بعشرات آلافٍ منهم، وهم يتدافعون سيرا على أقدامهم، أو في شاحناتٍ مكشوفة نحو الشمال، حيث الحقول التي ينتظرهم فيها الموت والجوع، من دون أن يذهب شخص واحد منهم نحو الممر الأسدي، في رسالةٍ بعثوا بها إلى العالم، تخبره أن ثلاثمائة ألف مهجّر يفضلون الموت قصفا وجوعا على العيش تحت حكم الأسد.

لا أعرف إن كان الرئيس الروسي، بوتين، المتهم بالحنكة والذكاء، قد علم بما حدث، أو إذا كان الرئيس الأميركي، ترامب، وبعض رؤساء أوروبا قد لفتهم المعنى استثنائي الأهمية لهذه الواقعة التي تؤكد أن الشعب السوري لم ولن يغفر للأسد إجرامه، وتدمير مجتمعه ودولته، ولن يعود إليه حتى في حال انتهت الحرب بإبقائه في موقعه: رئيسا جلب الاستعمار لبلاده بدل أن يحافظ على استقلالها، يعتقد أن الاستعمار يمكنه أن يشرعن سلطته أو شخصه، وأن السوريين سيرضخون لنتائج حربه عليهم، الدائرة منذ نيف وتسعة أعوام في كل شبرٍ من سورية، بما أنه سيحكمهم بقوة من استقدمهم لاحتلال وطنهم وإذلالهم، بعد توريطه سورية في خططهم وصراعاتهم التي لن تقوى على الانخراط فيها، بسبب ما أصابها من دمارٍ على يديه وأيديهم، وما تعانيه من إجرام وعنف بأسلحتهم، وأضيف من أسباب وطنية إلى الأسباب المجتمعية التي سبق لها أن دفعت الشعب إلى الثورة على عدوه الأسدي الذي وصل أبوه إلى الحكم بعد احتلال إسرائيل الجولان، ويختتمه بتسليم سورية إلى الروس والايرانيين، من أجل كرسيٍّ لن يدوم.

لم يذهب أحد من مئات آلاف السوريين إلى مناطق الاحتلال الروسي/ الإيراني/ الأسدي، في رسالةٍ سيؤدي إهمالها، والامتناع عن قراءة مدلولاتها، إلى مشكلاتٍ ستقوّض ما يزعم العالم أنه الحل الذي يريده للصراع في سورية، وستعزّز حرب بوتين وخامنئي على السوريين الذين يقول رفضهم الأسد: الصراع في سورية لن ينتهي بالنتيجة التي تعتقد روسيا أن سلاحها كفيلٌ بتحقيقها، وهي إعادتهم إلى بيت الطاعة الأسدي، كأن المجرم وحماته لم يقتلوا مليون شهيد من بناته وأبنائه، ولم يدمروا 60% من عمرانه، ويطردوا ويهجروا نصفه من ديارهم، أو كأن السوريين لا يرون ما تقع أعينهم عليه من احتقار لرجلٍ لم يبق له من كرامته حتى اسمها، ليس فقط لأنه فقد قبول الشعب الطوعي به، وإنما أيضا لأن لقبه صار في الإعلام الروسي "ذيل الكلب" و"التافه والكذاب"، بينما أعلنت إيران أنه لم يعد رئيس دولة، بل هو وكيلها على محافظتها الخامسة والثلاثين التي كانت دولة اسمها "سورية"، قبل أن ينقذ الحرس الثوري ومرتزقته محافظها بشار الأسد الذي يحكم بقوتها، ويعيش من عونها، ويتصرف كوكيل لها، وإنْ تقاسمته مع روسيا من حين إلى آخر، وفي هذه المسألة أو تلك.

فقد الأسد علاقته بشعب سورية، وهويته السورية. هذا ما أظهره الاستفتاء خارق الأهمية الذي تمثل في امتناع سوري واحد من مئات آلاف السوريين عن الذهاب إلى مناطقه، وفي تفضيل كل فرد منهم الموت على الخضوع له مجدّدا.

ليس هذا انتصارا وهميا، بل هو الذي سيقرّر مصير سورية وشعبها

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com