العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد  10-10-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

السوريون تحت قبضة الجريمة المنظمة

فايز سارة

الشرق الاوسط

6/10/2021

ما زال نظام الأسد مستمراً في خياره العنيف وسياساته التي بدأها في مواجهة المظاهرات ضده عام 2011. ثم ذهب نحو تصعيد وتوسيع عمليات القمع قتلاً واعتقالاً وتهجيراً وتدميراً للقدرات الفردية والاجتماعية للسوريين، وزاد عليها تدمير غالبية قطاعات الاقتصاد السوري وأنشطته المختلفة، وفقد بالنتيجة غالبية موارد تمويل سياساته، ثم استدعى في مساره الروس والإيرانيين وميليشيات للقتال إلى جانبه من أجل استعادة سيطرته على البلاد، مما زاد من تكاليف سياساته، التي حاول حُماته من الإيرانيين والروس وغيرهم تمويلها في إطار موقفهم إلى جانب النظام، فقدموا عشرات مليارات الدولارات، وقدِّر حجم الإنفاق الإيراني في سوريا حتى عام 2019 بنحو 48 مليار دولار.

ورغم غياب الأرقام عن الاتفاق الروسي خلال السنوات العشر الماضية، فإن تقديرات ما قدمته موسكو في سوريا، يزيد على ما قدمته إيران في ظل فوارق جوهرية من حيث النوعية والتكلفة بين التقديمات الروسية والإيرانية، والفارق في خلفية تدخل كل منهما لا سيما لجهة أدواته وأهدافه.

وشهدت السنوات الأخيرة غمزاً ولمزاً في علاقات نظام الأسد مع الإيرانيين والروس، حيث صدرت تصريحات من حليفي النظام تتعلق بصعوبات استمرارهما في تقديم دعم واسع للنظام رغم أنهما حصلا في السنوات الأخيرة على امتيازات وعقود، وضعت معظم قدرات وإمكانيات البلاد بما فيها النفط والفوسفات والمطارات وميناءي اللاذقية وطرطوس لصالح الإيرانيين والروس، لكنّ بعض من الامتيازات والعقود ليس لها مردود، ما دامت أجواء الحرب والصراع في سوريا وحولها قائمة، مما يجعلها منافع مؤجلة.

لقد طوّر نظام الأسد في العامين الأولين من ثورة السوريين مصادر لتمويل حربه وسياساته، وكانت عمليات تعفيش ممتلكات السوريين البوابة الأولى، فتم إطلاق يد الجيش وأجهزة الأمن والشبيحة والقوى الرديفة مثل الدفاع الوطني والميليشيات المحلية، حيث أخذت تنهب كل ما حولها، ثم أضافت عمليات فرض خاوات على الناس، وشرعت بأعمال الخطف والاعتقال للحصول على المال.

وطوّرت أجهزة النظام وشبيحته جهودها من أجل زيادة مكاسبها، ووسّعت أهدافها لتشمل إفقار وإرهاب السوريين وإشاعة أجواء من الفوضى في البلاد، وفتحت الأبواب نحو تنشيط شبكات الإجرام التقليدية من سلب وقتل وسرقة ودعارة، قبل أن تفتح خطوطاً جديدة بينها تجارة الأعضاء البشرية، وملف المخدرات شاملاً زراعتها وصناعتها وتجارتها، ومثله ملف التهريب بين المناطق، متضمناً تهريب الأشخاص والبضائع والأموال.

ورغم أن هذه الجرائم تنعكس فوائدها المباشرة على أشخاص وعصابات وميليشيات تقوم بها، فإن فوائدها غير المباشرة تصب في خدمة النظام وأهدافه ثم تصب بعض عائداتها في خزينته، كما يبين الواقع. حيث إن الجرائم تؤدي إلى إشاعة الخوف والفوضى في الحواضن الاجتماعية للمتظاهرين والمعارضين، وتفتح الأبواب نحو إيقاع مزيد من الخسائر بهم مثل فقدان الأشخاص والممتلكات ثم النزوح إلى مناطق أخرى، أو الهجرة خارج البلاد، وهي فوق ما تقدم تضخ أموالاً في الأسواق، وتعيد توزيع «الثروة». وقد أبرزت هذه الجرائم مئات الأشخاص من أثرياء الحرب والذين أخذوا يلعبون أدواراً سياسية في حواضن النظام وفي مؤسساته ومنها مجلس الشعب والإدارة المحلية والمؤسسات الحكومية.

وبخلاف هذا النسق من الجرائم التي تدعم مسار الحرب وتخدمه وتمول النظام بصورة غير مباشرة، فإن النظام الأسد أطلق سياسات هدفها تمويل النظام وعملياته، ولعل في مقدمة تلك السياسات نوعين؛ أولهما يندرج تحت سياسة غضّ النظر على نحو ما يحصل في التعامل مع ظاهرة المخدرات.

وبخلاف ما سبق، فإن النظام اتّبع سياسات تمثل جرائم مباشرة في نهب وسرقة أموال وممتلكات السوريين، بينها مصادرة أموال وممتلكات مئات من المعارضين السياسيين، ومصادرة مناطق عقارية كاملة دون تعويض يُذكر لأصحابها بحُجة التنظيم انتقاماً من سكانها، كما حدث في بساتين الرازي غرب دمشق. وطوّر النظام هذه السياسة حين ربط بين التخلف عن أداء الخدمة العسكرية وعدم دفع البدل النقدي البالغ ثمانية آلاف دولار للسوريين في الخارج ومعاقبة أقاربهم في سوريا بمصادرة ممتلكاتهم.

وفتح النظام خطاً آخر في هذه السياسة، فرفع أسعار الخدمات لا سيما الخدمات الضرورية التي تديرها الحكومة ومنها الخدمات البلدية، وخدمات الهاتف والكهرباء والمياه، وأجبر الراغبين من المهجّرين في العودة إلى بيوتهم على دفع فواتير الخدمات منذ مغادرتهم تلك البيوت، التي غادرها البعض في عام 2011، وهذا لا يقل ظلماً عمّا يحيط بخدمة الحصول على وثائق رسمية ومنها الحصول على جواز سفر، وقد صارت تكاليفه بالنسبة إلى المغتربين أعلى من تكلفة أي جواز سفر في العالم.

وشمل هذا الخط تعديل السياسة الضريبية، فتم فرض ضرائب جديدة من جهة، وزيادة الضرائب المفروضة من جهة أخرى بالتوازي مع تردي مستويات الدخل، وتدهور بيئة الأنشطة الاقتصادية، مما جعل حياة السوريين تتدهور مثل كرة ثلج في وادٍ لا قعر له، وأصاب التدهور فئات عليا في المجتمع، ولم ينجُ منه إلا قلة في دوائر السلطة العليا واللاعبين بالمال وأنشطة الاقتصاد الأسود، وقدّرت مصادر دولية أن التدهور أصاب أكثر من تسعين في المائة من المقيمين في مناطق سيطرة النظام.

نحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد للتتبع وتناول مسارات نظام الأسد في تمويل سياساته ونشاطاته، وقليل منها يتصل فعلاً بسياسة تماثل سياسة حكومات دول العالم، لكنّ أكثرها يتطابق معها ويمكن وصفه بجرائم عصابات منظَّمة، ليس في طريقة الحصول على المال، وأغلبها طرق لا تتفق ومحتويات القانون الإنساني ولا الدولي، بل أيضاً في طريقة صرف المال الذي يُدفع الكثير منه ثمناً لأسلحة وذخائر منها أسلحة كيماوية وبراميل متفجرة تُلقى على التجمعات السكنية بما فيها الأسواق والمساجد والمدارس، وجزء من الأموال يُدفع أجوراً لمجرمين يقتلون السوريين ويهجّرونهم نحو المجهول، والباقي من الأموال يتحول إلى أرصدة بأسماء أركان النظام وشبيحته.

============================

وجهة نظر: أنتربول أسدي.. عندما تذرف الإدارة الأمريكية الدموع عليك أن تنظر جيدا إلى ما تصنع يداها!!

زهير سالم     

مركز الشرق العربي

7/ 10 / 2021

السوري الذي يقول: لا خطر من تفعيل علاقة بشار الأسد إلى بالأنتربول الدولي، اسأل عن موقعه من الثورة جيدا ..!!

وشر القراءات القراءة القانونية الباردة ،التي تتجاهل طبيعة المجرم، وغطاء الجريمة ، وتماهي أعداء الشعب السوري معها ..!!

وما رأيكم لو سمعتم محاميا ينكر وقوع الاعتقالات العشوائية في سورية لأن المذكرة العدلية السورية، نص على منع الاعتقال خارج إطار القانون ..؟؟

ووما رأينا بقانوني "بهيج" ينكر وقوع انتهاكات حقوق الإنسان في سورية لأن سورية الدولة موقعة على مواثيق حقوق الإنسان ..!!!

وهكذا نراهم يفعلون

وهكذا قرأنا المطالعات " الوطنية!!!!!!!! " للإعلان عن إعادة تفعيل العلاقة المجمدة بين الأنتربول وبين بشار الأسد، أوهام حالم وسمادير نائم ..

ومنذ بداية هذا الشهر العاشر من عام 2021 ، بات فريق من السوريين الطاعنين في " الوهم " سكارى بإعلان الخارجية الأمريكية أنها ليس لها خطط للتطبيع أو تطوير العلاقات مع بشار الأسد , وأنها لا تشجع دول المنطقة على ذلك... !!

فأيهما نصدق هذا التصريح الهوائي أو حديث بايدن الرجل الأمريكي الأول إلى قيادات المنطقة من أصحاب القرارات المهمة والأكثر التصاقا بسورية؟؟!!

وما دامت الحال أننا نصدق ما يعجبنا، وما نحبه فقط ، فقد طمر الناس علوم السياسة بحاضره وتاريخه منذ زمن طويل ..يقولون إن دودة القز تلف نفسها بشرنقة من خيوط الحرير، وبعض الناس عن يمين وشمال ينسجون حول أنفسهم شرانق من حبال " القنب" المفتول.

ثم ازدادت ثمالة الفريق السوري، المتعلق بحبال القمر " شو ..شو " أو " جو ..جو .." بإعلان نائبين جمهوريين من زعامات الكونغرس في بيان " شديد اللهجة" أصدراه أن " التطبيع مع الأسد خطأ " وأنهما سيقودان حملة للتصدي لذلك، مذكرين بقانون قيصر ، وبما تستلزمه قاعدة عدم إفلات مجرم من عقاب!!

يقتضي منا العقل والحكمة أن نستقبل التصريحات ، ونتابع الوقائع بعقل واقعي عملي، وليس بعقل مثالي أو نظري. ويدرك كل المتابعين أن سياسة الرئيس الأمريكي بايدن في سورية، ولا يعجبني كثيرا أن نشتت أذهاننا بالحديث عن الصين وحروب الطاقة، وتوجه الولايات المتحدة إلى الشرق الأقصى، أقول سياسة الرئيس بايدن في سورية هي استمرار لسياسة السلفين أوباما وترامب، مع اختلاف في الدور والمرحلة؛ فبعد مرحلة المواجهة والكسر والتطويع تأتي الآن مرحلة " الدفن " ففي المعايير الدولية الأمريكية - الروسية المشتركة ، لم يبق من الثورة السورية إلآ ما يبقى من الكائن الحي بعدما يموت، أو هكذا يظنون، وهم متأكدون أن عليهم اليوم أن يدفنوا حطام المعركة الشاهدة عليه، وأن يعفّوا على آثارها ..

السياسة الأمريكية التي تضع خططها لعقود وليس لشهور أو أيام بدأت منذ مطلع هذا العام العمل الحثيت على محورين: إعادة تأهيل الأسد ،والتطبيع معه، وهذا هو جوهر الموقف الأمريكي وما عداه مما يتعلق به الواهمون مجرد تفاصيل. ونحن بهذا التقرير لا نريد أن نخوّف أو نيئس السوريين ، وإنما نريد أن نضعهم أمام الحقائق المصيرية التي يجب عليهم أن يكونوا أكثر استعدادا لها، لكي لا يهذوا كما يهذي الآخرون ..

السياسة الأمريكية في عهد بايدن ، وليس بسبب بايدن، دخلت منذ مطلع هذا العام في منحنى جديد ، ففي شهر شباط من عام 2021 انتخبت دولة بشار الأسد، الذي أحيا في القرن الحادي والعشرين سنة الاستعمار القديم ، انتُخبت دولة بشار الأسد وبترتيب أممي لشغل منصب أممي فيما يسمى لجنة " إنهاء الاستعمار " التابعة للمنظمة الدولية. انتخبت دولة بشار الأسد من قبل 24 أربعة وعشرين دولة ،هي تعداد هذه اللجنة الدولية ، وظل أعضاء هذه الدول الأربع والعشرين على أحر من الجمر بانتظار " بسام الصباغ " ممثل بشار الأسد ،بعد التحاقه بعمله الجديد !!

 اللغز الصعب الذي أظن أن كل الحالبين في الإناء الأمريكي لا يعرفونه هو بأمر من في الجمعية الأممية تتحرك أربع وعشرون دولة على قلب وعقل رجل واحد . حتى قال بعضهم أن بسام الصباغ نجح بالتزكية، ولم تجرؤ أي دولة حول العالم أن تنافسه على المقعد المخصص المرصود ...فاعتبروا يا أولي الألباب..

بين التحليل السياسي والحلم درك ..وما سبق هو فعل أمريكي، وما قاله النائبان الأمريكان وما صرحت به الخارجية هي مجرد دموع ..

وبعد الحادث الأول بنحو أربعة أشهر ، أي في شهر حزيران الماضي القريب، حزيران النكسة السوداء، ومرة أخرى تخطو الولايات المتحدة ولفيفها خطوة أخرى، على طريق إعادة التأهيل والتطبيع، وعلى الذين يشتغلون في السياسة أن يذكروا فلا ينسوا ...

تابعنا جميعا واستنكرنا جميعا أن يدُفع أو يرفع نظام بشار الأسد إلى منظمة الصحة العالمية ..

نظام البراميل، المتهم بأكثر من سبعين تهمة أممية باستخدام الكلور والسارين والبراميل، قاصف المستشفيات ، مدمر محاضن الأطفال يتلقى التكريم الأمريكي بانتخابه عضوا في " المجلس التنفيذي في منظمة الصحة العالمية " وسوف يستمر فيها لمدة ثلاث سنوات،

كل هذا ويثمل شبيحة أمريكا بيننا، لأن متحدثا باسم الخارجية قال لا نريد التطبيع مع الأسد، ترى لو أرادوه فكيف يفعلون.؟؟!!

وعندما ضج الضمير العالمي من اختيار قاتل الأطفال ومدمر المستشفيات للمجلس التنفيذي للإشراف على الوضع الصحي في العالم؛ خرج مسؤول رفيع المستوى من المنظمة يقول نحن نبرأ من هذا الاختيار، ولا علاقة لنا به وإنما هو اختيار الآمرين الناهين...

أذكركم بأن الولايات المتحدة عادت إلى المنظمة في مطلع هذا العالم بعد الخروج منها لاتهامها بالتواطؤ مع الصين ..

وفي ضوء كل ما سبق ماذا يعني إعادة تفعيل دور دولة بشار الأسد في شبكة الانتربول الدولي ..؟؟ على ضوء كل هذا وذاك يمكن أن نقرأ وتقرؤون..

وهذا يعني بكل بساطة وعفوية أنها تصبح قادرة على الاطلاع على الملفات..

وعلى المشاركة بالتغذية بالملفات وأن يجير حق الدولة السورية إلى الدولة الأسدية في توجيه الاتهام وفي سوء التصنيف!! ..

وستكون التهم الملفقة تحت عنوان الارهاب جاهزة ، والمصدقون على مجرد الشبهة كثر ...!!

ورأى الذئب الثعلب هاربا من إحدى البلدات، فسأله ما لك يا أبالحصين؟ يقول الثعلب: إنهم في هذه البلدة يذبحون الجمال.. يقول له الذئب: وما علاقتك أنت بالجمال ؟؟!! يجيب أبو الحصين الحكيم : وحتى يعرفوني ثعلب أنا أو جمل، يسلخون جلدي ويتدفؤون على فرائي ..

____________  

*مدير مركز الشرق العربي

============================

«الانفتاح» على سوريا... وماذا عن إيران؟!

صالح القلاب

الشرق الاوسط

8/10/2021

كانت سوريا توصف بأنها «قلبُ العروبة النابض»، وكان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قد استخدم هذا التعبير قبل انهيار الوحدة المصرية - السورية وفشل الجمهورية العربية المتحدة ومجيء حكم الانفصال وبعده حكم حزب البعث الذي يُصرُّ نظام بشار الأسد على أنه لا يزال مستمراً حتى الآن، وحقيقة أنّ هذه مسألة لا يتوقف كثيرون عندها ما دامت أحزاب القرن العشرين العربية «الفعليّة» لم يعدْ لها أي وجودٍ، وأنّ ما يسمّى «الربيع العربي» لم يُسعفها وأيضاً لم يُسعف «الإخوان المسلمين» الذين اعتبروه «ربيعهم»، والذي ثبت أنه خريف أجرد بالنسبة لهم وبالنسبة لغيرهم، وهذه مسألة باتت معروفة ومؤكدة ولا يجادل فيها إلاّ أعمى بصرٍ وبصيرة.

والمفترض هنا أنّ سوريا حتى بوضعها الحالي يجب أنْ تسعى لأخذ ولو بعض دورها السابق، وهذا مع أنّ تقديرات الأمم المتحدة وأيضاً الجامعة العربية ومنظمة العفو الدولية تؤكد أنّ ما بين خمسة آلاف وثلاثة آلاف من أبناء الشعب السوري قد تم إعدامهم في السجون الحكومية السورية، وأنّ نحو مائتين وأربعة وعشرين ألفاً وتسعمائة وثمانية وعشرين قد راحوا ضحايا للنظام السوري، وأنّ من شُردّوا في وطنهم يصل عددهم إلى نحو ستة ملايين، وهذا غير الذين هاجروا إلى الخارج، وأن الذين قتلوا منذ عام 2011 يتجاوز عددهم الـ387 ألفاً، وأنّ عدد الذين جرى اعتقالهم، وحسب صورهم، أحد عشر ألفاً، وهذا حتى عام 2013.

ثم إنّ مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد أعلن، أنه منذ عام 2014 وصل عدد القتلى فيما سمّاه «الحرب السورية» إلى 209350، من بينهم سبعة وعشرون ألف طفلٍ، وهذا في الصراع على مدى عشرة أعوام، وأنه خلال أسبوعين فقط قد هاجر سبعة وأربعون ألف سوري إلى خارج وطنهم، وهذا جعل الخارجية الأميركية تؤكد أنّ واشنطن لا تملك أي خططٍ من أجل تطبيع وتطوير العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري، والمعروف أنها قد بادرت لاحقاً إلى رفض أي علاقات مع دمشق.

وهنا، ورغم هذا كله، فإنه يجب الأخذ في عين الاعتبار أن هناك دعوات عربية مؤخراً للانفتاح على دمشق والتعاون معها؛ مما يعني أنه إذا كان لا بدّ مما لا بد منه؛ فإنه يجب أنْ يتمَّ إخراج كل القوى الخارجية الوافدة التي هي بالإضافة إلى ميليشيا «حزب الله» (الإيراني)... القوات الإيرانية والقوات الروسية، وأيضاً القوات الإسرائيلية... والتركية من سوريا، وهذا يعني حسب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، «أن السلام في سوريا مرتبطٌ بروسيا وتركيا»!

ويبدو أنّ هذه الأوضاع التي تحيط بسوريا من كل جهة ومن كل جانبٍ تجعلها وقبل الانفتاح على أي دولة عربية، سواءً أكانت قريبة أم بعيدة، مضطرة إلى أن تتخلص من كل هذه التدخلات في شؤونها الداخلية، أي خروج القوات التركية والميليشيات الإيرانية، وأيضاً من احتلال أكراد تركيا، وإلّا فإنها ستكون عبئاً على أي دولة عربية تقيم علاقات معها، وسواءً أكانت محاددة وقريبة أو بعيدة، وبخاصة أن الواضح أن كل هذا الوجود الخارجي العسكري في هذا البلد العربي، أي «القطر العربي السوري» لا رحيل له ما دام أنّ مثل هذا القرار في يد غيرها... وأغلب الظن هنا، أنّ الرئيس إردوغان الذي يُعدّ أنه لاعب رئيسي في هذه المنطقة قد تخلّى عن طموحاته السابقة، وأنه تخلّى أيضاً عن «الإخوان المسلمين» الذين كان يهدّد بهم دول المنطقة، ومن بينها سوريا، وذلك لإعادة العلاقات التركية مع مصر.

إنه لا خطأ إطلاقاً في الانفتاح العربي على سوريا، لكنّ المشكلة هي أنّ قرار هذا البلد المهم والتاريخي منذ زمن الأمويين وحتى الآن ليس في يده، وأنّ هناك من بات يتدخل في عددٍ من الدول العربية، من بينها العراق و«القطر العربي السوري» حسب مصطلحات حزب البعث الذي لم يبقَ له أثر حتى في الدول التي كان يحكمها، وتركيا وأيضاً وروسيا التي لا قرار إلّا قرارها وقرار رئيسها فلاديمير بوتين حتى بالنسبة للعاصمة السورية دمشق.

وأيضاً، وفوق هذا كله، فإنّ الولايات المتحدة، التي هي اللاعب الرئيسي في هذه المنطقة الشرق أوسطية كلها، قد تراجعت عن قرارها السابق في دعم الانفتاح الاقتصادي والسياسي العربي على سوريا، وهذه مسألة يجب التوقف عندها طويلاً؛ لأنّ الأميركيين يعرفون أنّ الدولة السورية، عملياً وفعلياً، هي دولة محتلة، وأنّ قرارها في يد من بات يتدخل تدخلاً سافراً في عددٍ من الدول العربية..

وأيضاً، فإنّ المؤكد والمعروف هو أنّ العرب، ومن دون أي استثناء، يضعون سوريا والشعب السوري الشقيق في قلوبهم وفي عيونهم، ولكن المشكلة هنا هي أنّ قرار هذا البلد العربي ليس في يده، وإنما في يد غيره وكما هو واقع الحال بالنسبة للعراق ولبنان (ضاحية بيروت الجنوبية ولبنان الجنوبي والبقاع)، وأيضاً الجزء «الحوثي» من اليمن؛ مما يعني أنّ أي انفتاحٍ عربي على هذا البلد هو انفتاحٌ على طهران...

وهكذا، ما سبق يتطلب أنْ يكون هناك موقف عربي موحد تجاه هذه المستجدات.

============================

هل من هجوم وشيك للنظام على إدلب؟

عمر كوش

العربي الجديد

6/10/2021

يعيش سكان محافظة إدلب في شمال سورية على وقع مخاوف من أن يشن نظام الأسد عملية عسكرية واسعة النطاق على مناطقهم، بإسناد عسكري روسي، على خلفية التصعيد العسكري المتواصل لقوات النظام والقوات الروسية عليها، وبدأ النظام التحضير والتمهيد، ميدانياً وإعلامياً، لشنّ عملية عسكرية فيها، بهدف استعادة سيطرته عليها، وخصوصاً على الطريق الدولي إم 4، والذي بات يشكل نقطة خلاف كبير بين تركيا وروسيا.

وتزداد تلك المخاوف من احتمال وقوع هجوم وشيك للنظام على إدلب، على الرغم من أنها تمثل منطقة "خفض التصعيد" الوحيدة المتبقية في سورية التي أنشئت بموجب اتفاقات أستانة بين كل من روسيا وتركيا وإيران، في ظل استمرار الجدل بين روسيا وتركيا بشأن تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاقات الثنائية بينهما حولها، والذي يبدو أنه لم يُحسم خلال قمة سوتشي التي جمعت بين الرئيسين التركي أردوغان والروسي بوتين في 29 الشهر الماضي (أغسطس/ آب).

ويجادل الساسة الروس بأن نظراءهم الأتراك لم يفوا بوعودهم وتعهداتهم التي التزموا بها في إدلب، والمتمثلة في الفصل بين الجماعات الإرهابية، وخصوصاً هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) والفصائل السورية المعتدلة، حيث جدّد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال لقائه نظيره المصري سامح شكري، تأكيده، و"بشكلٍ لا لبس فيه، على ضرورة التنفيذ الكامل للاتفاقيات بين الرئيسين بوتين وأردوغان لعزل الإرهابيين، وخاصة الإرهابيين التابعين لجماعة هيئة تحرير الشام"، زاعماً أن "التهديد الإرهابي" في إدلب "يتزايد في بعض الأماكن"، وأن الهدف النهائي لروسيا هو القضاء على "هذه المجموعة الإرهابية".

ويتحفظ الساسة الأتراك على ادّعاءات نظرائهم الروس، ويؤكّدون على التزامهم بالاتفاقيات المبرمة معهم، وعلى مواصلة بلادهم "الالتزام بالمسؤوليات المترتبة عليها في إطار التفاهمات المعنية، بهدف ضمان الأمن والاستقرار، وإدامة وقف إطلاق النار في إدلب". لذلك يطالبون المسؤولين الروس باتّباع النهج ذاته، والتوقف عن تكثيف هجمات قواتهم الجوية وهجمات قوات النظام عليها. ومع ذلك، لا يكفّ ساسة الكرملين عن توجيه انتقاداتٍ إلى تركيا بعدم تنفيذ الاتفاقيات المبرمة معها، وخصوصا الجزء المتعلق بوجود "المنظمات الإرهابية" في إدلب، وفتح الطريق الدولي "إم 4"، بينما يأخذ الأتراك على الروس انتهاك قواتهم وقوات نظام الأسد وقف إطلاق النار، وعدم الوفاء بالتزاماتهم بسحب "وحدات حماية الشعب" الكردية في منطقتي تل رفعت ومنبج التي تصنفها تركيا منظمة إرهابية، لذلك ترفض التعامل مع المنظمات الإرهابية بمعادلاتٍ ومعايير مختلفة.

    الغاية من زيادة القوات الروسية من هجماتها على إدلب بحجّة محاربة الإرهابيين فرض إرادتها وسيطرتها على المنطقة برمتها

وعلى الرغم من أن التصريحات التي يدلي بها المسؤولون الأتراك والروس تشي بأن الطرفين يتصرّفان وكأنهما نفّذا البنود الموقعة في الاتفاقيات بشأن الوضع في سورية بشكل عام، إلا أن ملف إدلب شكّل على الدوام عقدة خلافية في التفاهمات والاتفاقيات التركية الروسية منذ توقيع اتفاقية سوتشي في 17 سبتمبر/ أيلول 2018 بين الرئيسين أردوغان وبوتين، حيث تحوّل الوضع في إدلب إلى ورقة ضغط روسية على الطرف التركي، بمطالب ذات سقف عالٍ من أجل ابتزازه، فيما حاول الطرف التركي تقديم بدائل وحلول لم تلق قبولاً لدى الطرف الروسي الذي ظل متمسّكاً بذريعة التنظيمات الإرهابية، لذلك يرفض الروس أي مبادراتٍ لدمج فصائل المعارضة السورية وتوحيد قواها العسكرية في المنطقة، ويطالبون بحل الهيئة، بحيث لا يبقى لها أي وجود فيها، ما يعني الدخول معها في حربٍ مفتوحة وشاملة، وحصول كارثة إنسانية تطاول أكثر من ثلاثة ملايين مدني سوري يعيشون في المنطقة.

ويجادل الساسة الأتراك بأن الهدف الرئيس من اتفاق سوتشي حول إدلب، والذي تمّ توسيعه في 5 مارس/ آذار 2020، هو الحفاظ على حالة عدم الصراع أو الاقتتال فيها، حيث تعهدت روسيا بموجبه بوقف هجمات نظام الأسد، ولجمها من أجل الامتثال لوقف إطلاق النار، فيما تعهدت تركيا بالفصل بين فصائل المعارضة المسلحة "المعتدلة" في إدلب والجماعات الإرهابية والمتطرّفة، إلى جانب تعهد كل من روسيا وتركيا بمحاربة الإرهاب داخل سورية، بجميع أشكاله وصوره، وإنشاء ممر آمن بعمق ستة كيلومترات على جانبي الطريق الدولي "أم 4"، وتسيير دورياتٍ تركيةٍ روسية مشتركة في هذا الممر. وقد اتخذت تركيا خطوات على الأرض لإنشاء الممر الآمن، لكن صعوباتٍ كبيرة ما تزال تعترض فتح الطريق السريع الرابط بين مدينتي حلب واللاذقية.

    الخلاف بشأن إدلب يتّسع بين تركيا وروسيا التي تريد السيطرة عليها بحجّة إعادة إخضاعها لسطوة نظام الأسد

وتعتبر أوساط سياسية تركية أن الغاية من زيادة القوات الروسية من هجماتها على إدلب بحجّة محاربة الإرهابيين هي فرض إرادتها وسيطرتها على المنطقة برمتها، لذلك تقوم مقاتلاتها باستهداف المنطقة من دون تمييز بين المواقع العسكرية لمختلف الفصائل، بما فيها فصائل الجيش الوطني المدعومة تركياً، ومنازل المدنيين ومخيمات اللاجئين والمراكز الصحية والخدمية وسواها، الأمر الذي يشير إلى مزاعم روسيا أنها لا تستهدف سوى الجماعات المصنفة "إرهابية" لا أساس لها من الصحة.

وعلى الرغم من أن الرئيس الروسي اعتبر أن العلاقات التركية الروسية لا تسير من دون توتر بين حين وآخر، وأن مؤسّسات البلدين تنجح سريعاً في معالجة أسباب الخلاف، إلا أن الخلاف بشأن إدلب يتسع مع الوقت بين البلدين، حيث تريد روسيا السيطرة عليها بحجّة إعادة إخضاعها لسطوة نظام الأسد. وفي المقابل، ترفض تركيا ذلك تماماً، نظراً إلى أهمية إدلب الكبيرة بالنسبة إليها، كونها منطقة نفوذ عسكري لها وورقة ضغط قوية على المستوى السياسي في مواجهة روسيا وإيران، ومعهما نظام الأسد، فالمنطقة تتميّز بأنها نقطة تقاطع طرق دولية، وبتشكيلها حزاماً جغرافياً يحمي مناطق نفوذها الأخرى في شمالي سورية. لذا ستبذل تركيا ما في وسعها من أجل منع أي هجوم عسكري واسع عليها، والأمر متروكٌ لمدى استعداد روسيا للتخلّي عن تركيا شريكاً أساسياً في الملف السوري، فضلاً عن علاقاتها المتشعبة والمهمة معها.

============================

عن ضرورة العلمانية في سورية

عمار ديوب

العربي الجديد

9/10/2021

جمعت الدولة السورية في دساتيرها وقوانينها قضايا كثيرة، ولكنها كانت إسلامية بما يخصّ دين رئيس الدولة، ودور الشريعة في الدستور والقوانين وفي الأحوال الشخصية، والأخيرة تفرض قوانين في مسائل الإرث. ظل النظام الذي حكم سورية منذ السبعينيات فردياً وأسرياً، واستبدادياً، ووظّف الأديان والطوائف من أجل ديمومة سلطته وتأبيدها. استَغلت، من جهة أخرى، المؤسسات الدينية حاجة النظام لها، ولعبت أدواراً كبرى في إعادة تشكيل الوعي الديني وطيّفته، وكاد هذا الوعي أن يصبح هوية مجتمعية، بعد أن كانت القومية تشكّل تلك الهوية. وعادت الهوية الدينية لدى فئات كثيرة، بعد السنوات الأولى للثورة، لتصبح المسيطرة على شكل الوعي؛ والسوريون متدينون في أغلبيتهم، وطائفيون في مكان ما أيضاً. تكرّس الوعي الطائفي لمنع تشكّل الوعي الاجتماعي والطبقي، ما سمح للنظام السوري تغيير قوانين الاقتصاد نحو الليبرالية المضبوطة لصالح السلطة من دون مقاومةٍ تُذكر، ولكنها أصبحت تتحكّم بحركة الاقتصاد بعامة أيضاً.

أزمة النظام، وفساده ونهبه، أمور كانت تستدعي وعياً غير طبقي "تخديري"، وبالتالي دُفِعَ المجتمع، الذي كان قومياً ويسارياً في أغلبيته قبل السبعينيات، ليصبح بعدها دينياً وطائفياً ومذهبياً كذلك. وهذا تعميمٌ غير حميد هنا، يؤكد أن الطائفية في سورية انقسمت، سياسياً، إلى طائفيةٍ سنية، وتحالف الأقليات. جرى تهميش الأولى، وجرى تقريب الثانية من منافع السلطة. وانفجر الظلم "الطائفي" منذ 2013 بشكل واسع. التعميم دائماً يشوّه الواقع، ويأتينا بحقائق لتشويه الوعي، حيث الطائفية ليست الشكل الوحيد للوعي.

    النظام فردي وأسري. هذا هو أساسه. وللحفاظ على هذا الأساس، استَغل كل الآليات والأدوات لإخضاع المجتمع، وكان حلفاؤه من كل الطوائف

قلت إن النظام فردي وأسري. هذا هو أساسه. وللحفاظ على هذا الأساس، استَغل كل الآليات والأدوات لإخضاع المجتمع، وكان حلفاؤه من كل الطوائف، والذين استفادوا منه اقتصادياً منها جميعاً. كانت الغلبة في أجهزة الأمن والجيش، ولا سيما في المناصب العليا، لصالح الطائفة العلوية، ولكن ذلك لم يكن تعبيراً عن أيديولوجية طائفية راسخة أو "علوية سياسية" ما، وإنما كان تعبيراً عن "عائلةٍ حاكمة" تبتغي الحفاظ على ديمومتها، وتسلّطها. وضمن ذلك استَغلّت كتلة كبيرة في الطائفة العلوية المفقرة "المؤتمنة" وأبقت مناطقها فقيرة، وهذا يقتضي دراسته. وبالتالي، لم يكن أمامها إلا الوظائف الدولتية وبكل أشكالها.

السؤال هنا، كيف يمكن أن نصف النظام أعلاه علمانيا، وهل هذا صحيح؟ لم يكن علمانياً، ولا إسلامياً، كان نظاماً فردياً طغيانياً، وعمل على تغيير قوانين الدولة من "الاشتراكية" إلى الرأسمالية، وهذا ما فعله بدءاً من السبعينيات. مشكلتنا التي أصبح النقاش حولها كثيراً هي كيف نتخلّص من الطائفية التي أُسّس لها منذ السبعينيات، وبشكل غير مباشر، حيث لم يكن النظام طائفياً كذلك. كان إسلامياً في دين رئيس الدولة، وطائفياً في الأحوال الشخصية، وفي غلبة الأحوال الشخصية السنية على بقية الأحوال. أعطى النظام المستبدّ حقوقاً واسعة للمؤسّسة الدينية السنّية، بمذاهبها وطرائقها المتعددة، ورعى بقية المؤسّسات الدينية بشكل هامشي، وهمّش بشكل كليٍّ المرجعيات العلوية. الفكرة الأخيرة، استبدلها برجال دينٍ جُدد، يشار إليهم عادة بأنهم كانوا ضباطاً أو صف ضباط، وهذا يوضح التسييس المبالغ فيه. وقد رفضت المرجعيات التاريخية ذلك التطييف، المهمّش بدروه. كان هدف انتعاش الطائفية في سورية ديمومة السلطة، وتشويه الوعي القومي والوطني ومختلف أشكال الوعي الحداثي؛ وعدا ذلك هناك إرث تاريخي للطائفية، وهناك صراعاتٌ طلّت برأسها بقوّة قبل السبعينيات وبعدها أيضاً؛ منطلقها ومآلها طائفي. تفكيك سرديات الوعي الطائفي التي تشكلت أساسيٌّ للانطلاق نحو دولة حديثة، دولة تمثل كل السوريين.

بعد العام 2013 بشكلٍ خاص هناك سيطرة للوعي الطائفي، ولكن هناك أيضاً رفض كبير لها، سيما أن نتائجها الواقعية كارثية، على "شعب" النظام و"الشعب" الذي ثار عليه. إذا، هناك وعي جديد، رافض للوعي الطائفي، ولكنه ليس متبلوراً، وأوّليّاً في تعبيراته الوطنية، وغير واعٍ بدقةٍ بأفكار المواطنة وحقوق الإنسان، والعلمنة، بوصفها أفكارا تخصّ تحييد الدولة عن الأديان والأديان عن الدولة، وبقصد تشكيل دولة حديثة.

    العلمانية مسألة مجتمعية وصيرورة مفتوحة، تربط ترسّخها بالعلم والعمل والصناعة والطب والثقافة الحديثة والقوانين المنظّمة للعلاقات المجتمعية

اتجهت كتلة من المثقفين السوريين نحو خصومةٍ متهافتةٍ وكاذبة، ولم تدخل في نقاشاتٍ عميقة بشأن مشكلات النظام وأشكال تطييفه المجتمع والصراع، وكذلك لم تناقش أشكال تطييف الثورة، وتشويه الصراع الشعبي المجتمعي. هنا، لا تفيد بشيءٍ التعميمات السطحية الفجّة، أن كل مثقفي الأقليات طائفيون، وكل مثقفي المعارضة ديموقراطيون وغير طائفيين! ومن هذه البضاعة الفاسدة. أيضاً التلطّي خلف العلمانية، ومن دون ربطها بالانتصار لحقوق السوريين، ورفض النظام وممارساته، وتحميله مسؤولية مآلات الوضع السوري يعدُّ تفكيراً فاسداً، وليس بالضرورة أن يكون طائفياً، وقد يكون طائفيا. الطائفية في الوعي تظهر من خلال أفكار وسياسات ومواقف تنصر طائفةً وتناهض أخرى، وعبر أفكارٍ اجتثاثية للآخر، وغير رحيمةٍ أبداً. ظهر في أتون الثورة من أيّدَ النظام بطرقٍ شتّى، وليس بالضرورة أن يكون انطلاقاً من الطائفية، وهناك من أيّدَ الثورة وكذلك ليس انطلاقاً من الطائفية، وهناك من أيّدَ النظام لاعتباراتٍ طائفيةٍ وكَفّرَ الثورة والسنّة. وبالعكس هناك من كَفّرَ العلويين وبقية الأقليات الدينية. هذا بدوره لا ينتج وعياً مناهضاً لكل رؤيةٍ طائفيةٍ أو أحاديةٍ أو إقصائية.

هناك أفكار تؤكّد أن العلمانية مسألة مجتمعية وصيرورة مفتوحة، تربط ترسّخها بالعلم والعمل والصناعة والطب والثقافة الحديثة والقوانين المنظّمة للعلاقات المجتمعية، وأن ذلك كله لا يمكن إيقافه، وهو من سمات العصر، وهذا يجري في سورية وفي كل مكان في العالم. القضية ليست هنا، ولا يمكن اعتبار ما ذُكِرَ هو الشكل الوحيد الممكن، أي التدريجي. وباكتماله، تنتقل العلمانية من المجتمع إلى الدولة، وتفرض سيطرتها. الدولة، أيّة دولة، هي تمثيلٌ للطبقات القوية، وتتمثل فيها مصالح الطبقات الأخرى، وبدرجةٍ أدنى، ووفقاً لقوة الطبقات النقيضة. دولتنا الحديثة رأسمالية مشوّهة، ومحكومةٌ بعائلة، ويخضع لها الجيش والأمن ومختلف أنظمة الدولة وسلطاتها. إذا، أنفي الصفة الطائفية عن السلطة، ولكنها تستخدمها كما تستخدم أدواتٍ أخرى من أجل تأبيد سيطرتها.

    لم يكن النظام علمانياً، ولا إسلامياً، كان فردياً طغيانياً، وعمل على تغيير قوانين الدولة من "الاشتراكية" إلى الرأسمالية

الآن، وبعد عشر سنوات من الحرب والأحقاد، وتطييف كبير، ماذا سيكون شكل الدولة االمقبلة. ستكون دولة رأسمالية، هذا أولاً، وستكون السلطة فيها خاضعةً للتسوية السياسية التي ستنتج عنها "هيئة انتقالية" أو مجلس عسكري أو سواه؛ الدستور أيضاً سيخضع لتلك التسوية. الدستور بالذات سيكون للروس دور كبير فيه. المسألة الطائفية التي حاولت تفكيك بعض أوجهها، نقول إنها مسألةٌ قابلة للصراع والنقاش والحوار المفتوح. ما يخفّف من غلواء حضورها إبعاد أي تدخلاتٍ سياسيةٍ على أساس الدين، أو تشكيل الجيش الجديد وفقاً للاعتبارات الطائفية. لقد أثبتت تجربة العراق أو لبنان، القديمة، بشكلٍ قاطع، فشل أيّة أسس طائفية لبناء الدولة أو الجيش أو السلطة أو أي تشكيل سياسي للدولة، وبغض النظر عن شكل النظام السوري ما قبل 2010.

سورية معنيةٌ بطرح مختلف الآليات التي استُخدِمت فيها الطائفية، من النظام والمعارضة والمثقفين، وهذه مهمة كبرى ليكون ممكناً الاستناد إلى المواطنة وشرعة حقوق الإنسان ومساواة المرأة في الحقوق، وهذا غير ممكن من دون فصل الدين عن الدولة، وتحديده عبر إجراءات علمانية، تمنع تسخير الدين أو الاعتماد عليه من أجل السيطرة على المجتمع والسلطة السياسية. سورية المتعدّدة طائفياً ودينياً وقومياً لا يمكنها النهوض دون إبعاد هذه الهويات الطائفية، وجعل الدين مسألةً شخصية، وبعيداً عن التسييس. ومن هنا تأتي العلمانية مدخلا لطيِّ المشكلات الطائفية، وأية التباسات ووجوه طائفية تحت مسمّيات علمانية أو ديموقراطية وسواه كثير.

============================

الكتابة في زمن الهلاك السوري

سوسن جميل حسن

العربي الجديد

8/10/2021

ما الذي تغير خلال سنتين؟ سؤال ألحّ اليوم عليّ، إثر مقارنة بسيطة، قدحت في بالي عندما طالعتني، مصادفةً، إحدى الصفحات المهتمة بسعر الصرف: افتتاح سعر الصرف في دمشق لهذا اليوم السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2021 بـ 3450 ليرة بالنسبة للدولار الأميركي. بالعودة إلى مثل هذا اليوم من العام 2019، تطالعنا الصفحات برقم صادم كان قد صدمنا حينها، واعتبرنا ما يحصل جريمة بحق الشعب، وخزيا بحق ليرتنا (السورية)، 635 ليرة للدولار، ما يعني أنه، خلال السنوات الثماني الأولى من عمر الأزمة السورية، تضاعف سعر الصرف حوالي 13 مرة، بينما في اللحظة الراهنة تضاعف 69 مرّة عمّا كان قبل مارس/ آذار 2011، وهذا يعني، بحسبة بسيطة، تضاعف انهيار الليرة خلال العامين الأخيرين 56 مرّة.

ما الحاصل في واقع الحياة؟ إذ أعود إلى الشواغل التي كانت تدور حولها معظم الكتابات، لا بد من ملاحظة أن الاستنقاع طاول حتى هذه الكتابات، مثلها مثل حياة الناس في سورية، وكأن الزمن توقف عند الزلزال، وما زالت هزّاته الارتدادية تدمر ما بقي عالقًا على شفير الانهيار. كنا في كل انزلاقٍ نحو الأزمات والغلاء وتراجع سعر الليرة نعصب رؤوسنا، ونتوقع أن الكارثة على الأبواب، وأن "ثورة الجياع" لا بد قادمة، متّكئين على بديهيات التاريخ ومعادلات الدرجة الأولى في علم الرياضيات، وقانون فيزيائي بسيط يقول إن الضغط يولّد الانفجار. لكن الانفجار لم يحصل. ما حصل أن تجربة الضفدع في المختبر هي التي حصلت، الضفدع الذي ركن إلى دفء الماء في الحوض، واسترخى لسخونته متأقلمًا معها إلى أن صار الماء يغلي، عندها فقد قدرته على القفز والنجاة من الموت مسلوقًا.

ما هي القضايا التي تشغل السوري، وتُغرقه في حمأتها، مستبيحة تفكيره ومشاعره وأوقاته، من دون أن تترك مجالًا ملحوظًا للانشغال بالغد، أو حتى مراقبة ما يجري حوله في القريب، وبعيدًا عنه في العالم؟ إنها قضايا تعدّ على الأصابع، لكنها تتمدّد، حتى لا يبقى مكانٌ لقضية أخرى. بديهيات الحياة صارت هي القضية الكبرى: الرغيف حتى في أسوأ حالاته، غاز الطبخ ليلبّي أدنى الاحتياجات، الكهرباء بأقل طموح، إذ وصل التقنين إلى مستوىً لا يمكن تصوّره، المحروقات وأزماتها المتتالية وارتفاع سعرها، المواد الإعاشية التي تسدّ رمق الفقير، بعد أن صار 90% من الشعب فقراء، الدواء الذي لا يكتفي بارتفاع سعره، بل يختفي من الأسواق لأسباب كثيرة، وإن وُجد فلا يستطيع المواطن احتمال كلفته، التعليم وواقع المدارس، الشباب العاطلون من العمل والأمل، الجريمة بكل أشكالها من قتل وسرقة واغتصاب وتجارة الجنس واستغلال الأطفال وترويج المخدّرات والاتجار بها، حوادث السير بسبب انهيار البنية التحتية وعدم القدرة على صيانة الطرقات وخدماتها، عدا عن عجز المواطن عن صيانة آليته، بسبب ارتفاع سعر قطع الغيار والأجور وفقدانها أيضًا، ثم حلم الهروب من هذه البلاد التي لم تعد تشبه البلاد، وفوق هذا كله، كمّ الأفواه عن أي صرخة ألم أو احتجاج فقط، من دون فرض الكمّامة من أجل الصحة العامة والوقاية من كورونا، إذ تأتي الموجة الثالثة، وربما الرابعة، من "كورونا"، لتجد الاستنقاع قد ازداد. وإذا كان السوريون لم يكترثوا بما سبقها، فإنهم اليوم ازدادوا استخفافا بها، في الحقيقة ليس استخفافًا بها بقدر ما هو استخفافٌ بحياتهم التي لم تعد ثمينة، ولم يعودوا حريصين عليها أمام التحدّي الوجودي الذي يغالبهم كل يوم. وباء كورونا اليوم يتفشّى بشكل رهيب بين الناس، ولا يتوفر الحد الأدنى من التدابير الوقائية، لا على مستوى الحكومة ولا على مستوى الشعب، بل إن المشافي التي تعاني أيضًا لا تمتلك القدرة على تقديم الخدمة في الجائحات.

النتيجة، سورية بلاد مقسمة. ازداد انحدار وعي من بقوا فيها في كل المناطق، وهناك ملامح لمرحلة جديدة، مرحلة وضع النقاط على الحروف، بالتوازي مع حل النقاط العالقة، والميل إلى الانفتاح على النظام من الدول العربية، وأصبح الحراك باتجاه دمشق ومنها واضحًا وعلنيًا، كذلك الصمت من باقي الدول، إذا لم تكن محاولات من تحت الطاولة لإعادة العلاقات والانفتاح عليه، فأين هو المشروع السياسي المستقبلي؟ حتى اللجنة الدستورية التي تكمل العامين على أول جلسة لها في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، ما زالت لم تتقدّم خطوة في طريق ما، لا نعرف إن كان صحيحًا أم لا، إنما بقيت تراوح مكانها.

ما الذي يمكن تسليط الضوء عليه والكتابة عنه، بعدما استنفد الكتّاب كل ما يمكن الكتابة عنه إن كان التوجّه نحو مشكلات الناس وقضايا الشعب هو المطلوب والمنتظر منهم؟ لم يبقَ أمر لم يتم الحديث فيه وإعلاء الصوت كصرخةٍ يمكن أن تلفت نظر المجتمع الدولي وتحرّك ضميره، لكن الضمير العالمي يبدو مشلولًا أمام حجم الكوارث التي يُحدثها النظام العالمي وأدواته من الدول العظمى في صراعاتها في مناطق كثيرة، خصوصا في ظل الأزمة الجديدة التي لم يتعافَ منها الاقتصاد العالمي بعد، ولم تظهر نتائج الترتيبات الجديدة له بعد، أزمة كورونا.

    لا يكتفي الدواء بارتفاع سعره، بل يختفي من الأسواق لأسباب كثيرة، وإن وُجد فلا يستطيع المواطن احتمال كلفته

عامان كان الانهيار خلالهما الأسرع في الفترة الدامية التي عاشتها سورية، انهيار المجتمع، انهيار الليرة، انهيار الحلم والأمل، لكن حدثت أمورٌ كثيرة على أرض الواقع، إنْ محليًّا أو عالميًّا، جديدها المصالحات في درعا وعودة سيطرة النظام عليها، وحاليًّا توجّه الأنظار نحو إدلب، والتفاهم أخيرا بين روسيا وتركيا، بينما في منطقة شرق الفرات والمنطقة الشرقية عمومًا هناك على ما يبدو إعادة نظر في السياسات، خصوصا بعد المواقف التي تسجلها الولايات المتحدة في مناطق حمايتها أو بالنسبة لحلفائها، فأميركا وأي قوة عظمى تصنع سياساتها بموجب مصالحها، وليس بموجب مواثيق أخلاقية، وهذا ينفي صفة الديمومة والمبدئية بالنسبة إلى المواقف، كذلك موقفها في سورية، فلديها أهدافٌ تعنيها هي بالدرجة الأولى، إن كان أولها العنوان العريض "القضاء على الإرهاب"، وما نجم عنه من تحالفٍ لأجل هذا الهدف، فليس جديدها محاصرة إيران وكفّ يدها عن المنطقة، أو أمن إسرائيل حليفتها الأقوى، لذلك من يعوّل على أميركا حليفا دائما ونصيرا لقضايا الشعوب، لا يختلف عمّن يعوّل على إيران أو تركيا أو روسيا.

كان للشعب السوري في بداية الحراك ما يقارب 190 دولة صديقة، لكن تبيّن أنه كان يتيمًا في الساحة التي تقاطعت فيها نيران بعض الدول الصديقة له، ثم جاءت المحصّلة هذا الانهيار الذي يتجلّى أمامنا، والاستنقاع الحارق في حمأة الحياة المتدنيّة المحرومة المأزومة، فعن ماذا يمكن للكتّاب أن يكتبوا، وكل ما يمكن قوله قد قيل؟

============================

أنقرة – واشنطن: تعقيد المعقد

سمير صالحة

سوريا تي في

8/10/201

هناك بداية سيئة جداً انطلقت في العلاقة بين الرئيس الأميركي جو بايدن الذي أعلن عندما كان مرشحا للرئاسة أنه سيدعم المعارضة التركية لإسقاط حكم حزب العدالة، وهناك ردود تركية قالت إن زمن التدخل الأميركي في شؤون تركيا قد ولى منذ عقدين وأن القرار السيادي التركي ينبغي قبوله واحترامه.

خيبت إدارة بايدن الجديدة آمال الكثير من الحلفاء والشركاء لأنها جاءت تصعيدية حيالهم بدل أن تكون بهذا الاتجاه ضد الخصوم والأعداء. تركيا واحدة من الدول التي تعاني من مشكلة ترتيب علاقاتها مع واشنطن في هذه الآونة والسبب هو تخبط السياسة الأميركية في أكثر من بقعة جغرافية تتقاطع فيها مصالح الطرفين. ملف الأزمة السورية والعلاقات التركية الروسية بين أبرز مسائل الخلاف التي تتعقد يوما بعد آخر وكل المؤشرات تذهب باتجاه واحد نحو سيناريوهات التأزم والتصعيد.

هناك عملية إدارة ظهر تركية أميركية متبادلة منذ سنوات سببها خطوات وقرارات متباعدة في ملفات إقليمية كثيرة تقول أنقرة إنها لم تحصل على ما تريده من دعم بشأنها خصوصا في سياستها السورية وأزمة شرق المتوسط والحرب على الإرهاب، وهو ما قد يقود إلى تحول في سياسة تركيا الأميركية وترسيخ التعاون والتنسيق مع روسيا رغم كل ما يقال في صفوف المعارضة التركية حول مخاطر خطوة من هذا النوع تكون مرتبطة بعملية إعادة تموضع استراتيجي تركي إقليمي جديد والبلاد تعيش وسط بحيرة من الأزمات في الداخل والخارج.

    البيت الأبيض فاجأنا في الساعات الأخيرة بقرار بايدن تمديد فترة المساعدات الأميركية إلى وحدات الحماية الكردية في شرق الفرات في إطار خطط الحرب على داعش بملايين الدولارات

تتحدث الأنباء عن وجود طلب تركي قدم إلى وزارة الدفاع الأميركية بهدف شراء 40 مقاتلة من طراز "إف- 16 " ومعدات لتحديث 80 من طائرات تركيا الحربية من النوع نفسه في سلاحها الجوي. معلومات من هذا النوع كان من المفترض أن تتحول إلى فرصة للتهدئة والانفتاح لكن البيت الابيض فاجأنا في الساعات الأخيرة بقرار بايدن تمديد فترة المساعدات الأميركية إلى وحدات الحماية الكردية في شرق الفرات في إطار خطط الحرب على داعش بملايين الدولارات، جنبا إلى جنب مع قرار تمديد العقوبات المفروضة على تركيا بسبب صفقاتها مع روسيا.

بيان بايدن يقول "إن الأعمال العسكرية التركية في مناطق شمالي شرق سوريا تقوض حملة دحر تنظيم داعش الإرهابي. وتعرض المدنيين للخطر وتهدد السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، ولا تزال تشكل خطرا غير عادي واستثنائي على الأمن القومي والسياسات الخارجية للولايات المتحدة"، وهي كلها خطوات مرتبطة بما سبقها من قرارات أصدرتها وزارة الخزانة الأميركية بشأن فرض عقوبات على إدارة الصناعات الدفاعية التركية ورئيسها إسماعيل ديمير و3 مسؤولين فيها، نتيجة شراء منظومة إس 400 الروسية.

صحيح أن الرد الأميركي على الطلب التركي سيكون على مراحل لكنه لن يكون منفصلا عن مسألة مصير صفقة شراء أكثر من 100 طائرة "إف-35" أميركية الصنع بعد قرار إبعاد تركيا من برنامج صناعة الطائرة عام 2019. وحيث يقول أردوغان إنه على واشنطن أن تحسم موقفها إما بإعادة تركيا إلى البرنامج وإما بدفع مبلغ مليار و400 مليون دولار أنفقته أنقرة كمساهمة في المشروع. لكن الشق الأهم هنا هو إعلان الرئيس التركي أن بلاده ستؤمن احتياجاتها الدفاعية من أماكن أخرى إذا لم تساعدها واشنطن بهذا الصدد وإنها ستمضي وراء الحصول على دفعة ثانية من منظومة صواريخ "إس-400، دون استئذان أحد.

شبه المؤكد على ضوء هذه التطورات الجديدة في العلاقات بين أنقرة وواشنطن هو ذهابها نحو القطيعة في الملف السوري وتحديدا في شرق الفرات وأن تركيا لن تتراجع عن مواقف وقرارات حماية أمنها القومي وحدودها التي تحاول أميركا تضييق الخناق عليها من الجنوب عبر حليفها قسد والورقة القبرصية ومن الغرب عبر الورقة اليونانية وبناء قواعد ومراكز عسكرية استراتيجية في بحري إيجه والمتوسط. لكن الأخطر سيكون احتمال مناقشة مثل هذه المسائل مع موسكو خلال لقاء القمة الأخير بين أردوغان وبوتين في سوتشي وبينها معرفة رأي موسكو في مسألة إبقاء آلاف أطنان الأسلحة الأميركية بيد الوحدات الكردية تحت ذريعة الحرب على داعش. لم تعرقل واشنطن الخطط التركية في التعامل مع ملف الأزمة السورية فقط، بل حولتها إلى أوراق مساومة، تناور بها مع موسكو وإيران ضد شريكها التركي.

مرة أخرى يبدو أنه من بين أبرز ما يقلق أنقرة ولم تكتمل عملية رؤيتها بشكل واضح حتى الآن هو حقيقة الموقف الأميركي في سوريا وكيف سيحسم في المرحلة المقبلة: هل ستترك واشنطن الملف بيد روسيا مقابل ضمانات تقدم لها ولتل أبيب حول أن النفوذين الإيراني والتركي سيكونان محدودين هناك وأن المرحلة السياسية الانتقالية ستتم بالتنسيق مع واشنطن وأن مصالح حلفاء أميركا المحليين ستبقى محمية في رسم خارطة سوريا السياسية والدستورية الجديدة؟ أم إن إدارة بايدن قررت نسف كل السياسات الأميركية السابقة في سوريا وعدم مغادرة المشهد حتى ولو كلفها ذلك الدخول في مواجهة مع روسيا وتركيا وإيران في بقعة جغرافية أعلنت أكثر من مرة أنها لم تعد بين أولوياتها الاستراتيجية؟

هل تغضب أنقرة واشنطن أكثر من ذلك عبر قبول العرض الروسي بتزويدها بمقاتلات سوخوي الحديثة بعد إنهاء الصفقة الثانية من شراء منظومات إس 400؟

عند تدقيق عملية توقيت الطلب التركي بشراء هذه المقاتلات يتبين أن الاحتمال الأقرب في الخطوة التركية هو أن أنقرة تريد أن تترك واشنطن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دفعها نحو التراجع عن خطوات التصعيد في ملفات إس 400 وإعادة تركيا إلى برنامج المقاتلة إف 35؟ أو ترك تركيا تؤمن احتياجاتها العسكرية وتحدث أسطولها الجوي عبر بدائل جديدة طالما أن الحليف الأميركي لا يعطي تركيا ما تريده؟

    علينا أن لا ننسى أن قيادات مجلس الشيوخ والمندوبين في أميركا هي التي توحدت منذ عامين ضد تركيا وقرار شراء المنظومة الصاروخية الروسية

الطلب التركي المقدم لشراء المقاتلات الأميركية سيحتاج طبعا إلى فترة زمنية طويلة تمر عبر أكثر من دائرة قرار أمني وسياسي في واشنطن وسينتهي عند رغبة الكونغرس الذي سيحسم الموضوع. لكنه علينا أن لا ننسى أن قيادات مجلس الشيوخ والمندوبين في أميركا هي التي توحدت منذ عامين ضد تركيا وقرار شراء المنظومة الصاروخية الروسية.

المسألة أيضا ستكون مرتبطة بخيار واشنطن بين قبول 6 مليارات دولار ثمن المقاتلات وبدل تحديث مقاتلات أخرى كخطوة تصالحية أيضا أو الذهاب وراء خيارات تصعيد سياسي مع أنقرة في إطار حسابات تكون ارتداداتها الإقليمية أكثر جاذبية وضمانة لمصالح أميركا الإقليمية.

يقول الرئيس الأميركي بايدن في رسالته إلى الكونغرس المتعلقة بطلب مواصلة الدعم لوحدات الحماية الكردية في شرق الفرات إن العمليات العسكرية التركية في المنطقة تضر بخطط مواجهة تنظيمات داعش وتهدد أرواح المدنيين والاستقرار هناك. لا يمكن الفصل بين الإشادة بالمواقف الأميركية الداعية لعدم التطبيع مع النظام وضرورة معاقبته دوليا وتجاهل قرارات واشنطن الأخيرة مواصلة التصعيد ضد أنقرة وسياستها ومواقفها في شرق الفرات وتحميلها مسؤولية عرقلة الحرب على داعش وبين مسألة مواصلة إرسال مئات الأطنان من السلاح وملايين الدولارات الأميركية إلى مجموعات قسد ومسد هناك. كلا المسألتين من المفترض أن يكونا في سلة واحدة عند مناقشة خطط بناء سوريا المستقبل. الأنظار ستكون مشدودة هذه المرة نحو روما واحتمال عقد قمة تركية أميركية هناك في أواخر الشهر الحالي على هامش اجتماعات مجموعة الدول العشرين.

============================

بعد عشر سنوات.. سوريا الثائرة حقل رماية وصندوق بريد

عبدالجبار جواش

10/10/2021

في مفهومنا البسيط تعرف الثورة بأنها انتفاضة شعبية لإزاحة نظام الحكم ترافقها تغييرات في الأوضاع الاجتماعية والسياسية لبلد ما، وقد شهد التاريخ العديد من الثورات بمختلف غاياتها وأهدافها ولعل أسمى وجوه الثورة هو الثورة ضد الاستبداد لإرساء قواعد المواطنة والعدل والمساواة. ولهذه الأخيرة أحكامها فليست كل الثورات هنا متشابهة في التفاصيل ويرجع ذلك لظروف البيئة الاجتماعية والجغرافية والسياسية والتاريخية للبلد الثائر، كذلك لطبيعة نظام الاستبداد نفسه. لذا فنتائج الثورات تأتي مختلفة فبعضها يكتب له النجاح بتحقيق الهدف الأسمى وهو دولة الديمقراطية وبعضها يفضي إلى حكم مستبد آخر كحكم العسكر، وهذا حال معظم ثورات دول أميركا اللاتينية في أواسط القرن الماضي وبعض الثورات قد توأد في مهدها وأقرب مثال نستحضره هنا هو الثورة الخضراء في إيران عام 2009.

    الفاعلون في القضية السورية كثر، تجوب طائراتهم سماءها وتحكم جيوشهم أرضها، يتفاوضون ويتصافحون في قصورهم أما في سوريا فيودعون الرسائل لبعضهم

وفي مستهل الحديث عن الثورة السورية لا بد من التأكيد أنها ليست حدثا غريبا أو مشوها في مسار تاريخ سوريا، بل هي استحقاق وفعل جمعي سوري مشروع لاسترداد الوطن والمواطنة من براثن عصابة اغتصبت سوريا منذ أكثر من خمسين عاما. ولكن بعد عشر سنوات على اندلاعها نرى اليوم سوريا وكأن لعنة الجغرافيا السياسية قد خيمت على ثورتها وأحكمت قبضتها على تفاصيل المشهد هناك، حتى دخلت في لوحة سيريالية تعارضت فيها مصالح الفاعلين وتشابكت أهدافهم وتعددت غاياتهم وبات هذا البلد ليس أكثر من صندوق بريد وميدان لاختبار العتاد.

فالفاعلون في القضية السورية كثر، تجوب طائراتهم سماءها وتحكم جيوشهم أرضها، يتفاوضون ويتصافحون في قصورهم أما في سوريا فيودعون الرسائل لبعضهم، رسائل تكتب بالنار دونما اعتبار لسوريا أرضا وشعبا، وقس على ذلك ما يحصل اليوم بين إيران وعدوها الأكبر الولايات المتحدة الأميركية، فأي دعوة للتفاوض أو تعثر لمساراتها سيترجم على الجغرافيا السورية بقصف ومناوشات متبادلة بين قواعدهم ومناطق نفوذهم على الأرض السورية، وقد يعودون للطاولة بعد أن تصل الرسائل ويرتب المشهد من جديد، كذلك السجال بين روسيا وتركيا الصديقتين فيها والعدوتين خارجها من تنبيهات ولعب على الملفات الحرجة تكون أرواح السوريين ومدنهم قربانا لها، ولا يغيب عن المشهد أيضا ما تفعله إسرائيل لمواجهة التمدد الإيراني وميليشياتها في سوريا من قصف بين الحين والآخر لمراكزها وقواعدها على امتداد الجغرافيا السورية.

    عشر سنوات من عمر الثورة، تعرض فيها المشهد السوري للكثير من التحولات والتبدلات والمفاجآت حتى باتت سوريا ليست أكثر من صندوق بريد وحقل رماية وجغرافيا ممزقة وشعب تائه

ونبقى في الميدان، ولكن من زاوية جديدة برعت فيها روسيا حليفة النظام فها هو رئيسها فلاديمير بوتين يتشدق متفاخرا بين الحين والآخر بأن جيش بلاده جرّب أحدث الأسلحة التي يمتلكها، وأثبت مواصفاتها الفريدة في عملياته الحربية ضد الإرهابيين حسب زعمه مؤكدا على أهمية الحفاظ على وتيرة إنتاج الأسلحة الحديثة لاستخدامها واختبارها في التدريبات العسكرية خلال السنوات القادمة. أما وزير دفاعه فقد صرح أن روسيا جرّبت 316 نموذج سلاح روسي جديد في سوريا منذ تدخلها عام 2015، وهذا ما يؤكد أن عمليات الجيش الروسي في سوريا تساعده على فحص الأسلحة وتطويرها. ومن المهم بمكان أن نذكر أن مبيعات وأسعار السلاح الروسي ارتفعت في سوق السلاح العالمي، وعقدت روسيا العديد من الصفقات التي ساهمت بدعم الخزينة الروسية بعشرات المليارات من الدولارات، وباتت روسيا الاتحادية ثاني أكبر دولة في العالم بمبيعات الأسلحة، بعد الولايات المتحدة، وهكذا تصبح سوريا ميدانا بمواصفات فنية ممتازة تلائم تجريب العتاد وعرضه للمشترين.

عشر سنوات من عمر الثورة، تعرض فيها المشهد السوري للكثير من التحولات والتبدلات والمفاجآت حتى باتت سوريا ليست أكثر من صندوق بريد وحقل رماية وجغرافيا ممزقة وشعب تائه، لربما يكون هذا أمر في سياقه الطبيعي لثورة في بلد بموقع سوريا يتجاذبه فاعلو السياسة الدولية ونظام فهم اللعبة وفتح الباب لكل راغب شريطة أن يبقى على كرسيه ولو من دون شرعية وسيادة. ولكن يبقى السؤال الأهم والأكثر إلحاحا، متى يخرج هذا البلد من وحله؟ ومتى سيسترد السوريون وطنهم؟ ومتى ستنام ثورتهم منتصرة بعد كل هذه الدماء؟

============================

المعتقلون والمعتقلات.. المأساة السورية المتجدّدة

حسن النيفي

تاريخ النشر: 08.10.2021 | 06:01 دمشق

تكاد قضية المعتقلين والمغيّبين في سوريا - كقضية مجتمعية إنسانية - أن تكون هي الأكثر تعقيداً في المسألة السورية، بل ربما بلغت درجة من التشعّب والاستعصاء تتجاوز الاستعصاءات التي تشهدها المسارات الأخرى، كالمسار السياسي أو الدستوري... إلخ. وفي البحث عن أسباب الأزمة لن يكون ثمة شك في أن ظاهرة الاعتقال والتغييب القسري بتداعياتها الراهنة الموجعة هي المُنتَج الأبرز والأشدّ شناعةً لنظام الأسد، عبر حقبتي – الأب والابن -  ما يعني أن جانباً من جوانب تعقيدها ينبثق من مسارها التراكمي منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي حتى اللحظة الراهنة، بل وما تزال تنحو صعوداً في تأزمها وازدياد تداعياتها على المستوى الإنساني.

ربما لا يحتاج المرء إلى مزيد من الإيضاح عن موقف نظام الأسد أو تعاطيه مع قضية المعتقلين، ذلك أن ذهنيّة السلطة الأسدية أو منهج تفكيرها بعيد كل البعد عن مفهوم المعارضة السياسية أو الآخر المختلف أو حتى خصومة الرأي، بل إن مبدأ ( الولاء المطلق) هو المعيار الناظم لسلوك المواطن، ومن خرج ولو بدرجة بسيطة خارج هذا المعيار فهو عدوٌّ بالمطلق، وإن طبيعة التعاطي مع هذا ( العدو) لا تحتمل أيّ درجة من درجات المهادنة، بل إن مبدأ الإجهاز على العدو واستئصاله هو السلوك الممنهج للسلطة منذ الانفجار الذي حصل في بداية الثمانينيات حتى الوقت الحاضر، ولعل هذا ما يفسّر بعض الأسباب التي جعلت من حالة الاعتقال قضيّة مستعصية على الدوام، إذ ما تزال السجون والمعتقلات السورية مكمناً لأسرار رهيبة هائلة لم يُكشف النقاب عنها بعد، ولعلّ أكثر هذه السجون إيغالاً في السرّية هو سجن تدمر العسكري الذي كان قد جعله حافظ الأسد مسرحاً للتصفيات الجسدية لآلاف المعتقلين من دون أن تبلّغ السلطات ذويهم بمصير أبنائهم، بل تؤكّد التقارير الصادرة حديثاً عن جهات حقوقية سورية ودولية، بأن عدد المفقودين من معتقلي أوائل الثمانينيات فقط يزيد على نحو ( 17000 ) مفقود، وما تزال السلطات السورية تمتنع عن الإدلاء بأي معلومة تكشف عن مصير هؤلاء.

ولعلّ ما عزّز حالة التعتيم على قضية المعتقلين في فترة حكم الأسد الأب، هو ندرة النشاط الحقوقي أو انحساره في نطاق محدود، وذلك بسبب ارتفاع منسوب البطش والتوحّش الذي تمارسه السلطة حيال أي مسعى من شأنه أن يسلّط بعض الضوء للكشف عن الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان في سورية، بل غالباً ما كانت الجهات الحقوقية، سواء أكانت جماعات أو هيئات أو أفراداً، هدفاً  للسلطة ( سجناً وتصفيةً وتعذيباً )، فضلاً عن اتهام النظام لتلك الجهات بالخيانة والعمالة لجهات خارجية.

    لم تأتِ الحقبة الأسدية الثانية بمنهج أمني مغاير لسابقتها، بل يمكن التأكيد أن نهج التوحّش قد ازداد وحشيةً، سواء من حيث الارتفاع الهائل لعدد المعتقلين والمغيبين، أو من حيث التصفيات الجسدية في السجون

لم تأتِ الحقبة الأسدية الثانية بمنهج أمني مغاير لسابقتها، بل يمكن التأكيد أن نهج التوحّش قد ازداد وحشيةً، سواء من حيث الارتفاع الهائل لعدد المعتقلين والمغيبين، أو من حيث التصفيات الجسدية في السجون، واستمرار التعذيب كتعبير عن نزعة انتقام السلطة ورغبتها بالتنكيل بخصومها، ولكن الجديد الذي لم تتمكّن سلطات الأسد أن تحول دون حصوله هو ( الوعي المقاوم ) الذي ولد ضمن سياقات الثورة السورية، ولعل من أبرز أشكال هذا الوعي هو النشاط المدني على مستوى حقوق الإنسان، بما في ذلك ممارسات النظام بحق المواطنين وتوثيق حالات الاعتقال والتغييب والاختفاء، والكشف عن كل ما يُعدّ مساساً بحقوق المواطن السوري، وتكفي الإشارة إلى أنه خلال السنوات العشر التي خلت، أصبحنا نشهد عدداً وفيراً من الكيانات والأطر التي تعمل في الحقل الحقوقي والإنساني، إضافة إلى الجهود التي تبذلها شخصيات حقوقية وازنة لدعم القضية السورية، ولكن على الرغم من هذا الفارق النوعي فيما يخص الحراك الحقوقي بين الحقبة الأولى والثانية من الحكم الأسدي، فإن قضية المعتقلين ظلت تعاني من حالة الاستعصاء والانسداد ذاته، وبعبارة أدق يمكن القول: لئن لم تتغيّر طريقة تعاطي السلطة الأسدية مع ظاهرة الاعتقال، فذلك يعود إلى استمرار المنهج الأمني ذاته، ولكن ما الذي يجعل طريقة تعاطي المعارضة السورية مع ظاهرة الاعتقال ثابتة لم تتغيّر هي الأخرى؟ وإن نجدها تغيّرت من طرف الأداء وبعض الوسائل، إلا أنها ظلّت معدومة النتائج، هل سبب العطالة أو العقم هو عدم تفاعل المجتمع الدولي؟ لعل هذا صحيح، بل من الصحيح أيضاً أن الجهات الحقوقية العالمية لا تملك القدرة على إلزام أي طرف بقراراتها، ومن المهم جداً أن نؤكّد على الدور المعطّل لمجلس الأمن الذي بات يخضع لنفوذ الدول الكبرى ومصالحها قبل أي اعتبار إنساني، ولكن على الرغم من جميع هذه المعوّقات والمسببات، فإنه لا يمكن أن نغفل العقم الكامن لدى أصحاب القضية، أعني دور الكيانات والأطر السورية المعارِضة.

لا أحد ينكر أن لدى السوريين اليوم من المصادر وقواعد البيانات وأسماء المعتقلين الكثير بل الهائل من المعلومات، ولكنها موزعة بيد عدة جهات لا تعمل موحدةً، ولم تستطع، أو ربما لم تشأ هذه الجهات أن تميّز بين توجهاتها السياسية والإيديولوجية التي تتيح لها الاختلاف والتباين، وبين العمل على قضية إنسانية – كقضية المعتقلين – هي فوق الإيديولوجيا والسياسة، ولمزيد من الإيضاح يمكن الإشارة إلى الآلية التي تنبثق عن رؤية كل من الائتلاف ومنظمات المجتمع المدني وهيئة التفاوض بخصوص ملف المعتقلين، فالأول لديه هيئة تُدعى ( هيئة المعتقلين) تعدّ نفسها المرجعية الأساسية باعتبارها منبثقة عن كيان سياسي سيادي، وتشتكي على الدوام من شحّ المعلومات وقلة المصادر بسبب عدم تفاعل منظمات المجتمع المدني مع الائتلاف، في حين تبرر منظمات المجتمع المدني عدم تعاونها أو تنسيقها مع الائتلاف بسبب تعامله الاستعلائي ونظرته التي لا تخلو من النزعة التسلطية، أمّا هيئة التفاوض فتسعى إلى استغلال هذا الشرخ القائم بين الائتلاف ومنظمات المجتمع المدني لتؤكد أحقيّتها في الإمساك بهذا الملف باعتبارها هي الجهة التي تفاوض النظام. أليس ما يبعث على الريبة والاستغراب مرور عشر سنوات، اعتُقل خلالها أكثر من مئة ألف من السوريين ومثلهم من الذين قضوا نحبهم في المعتقلات، دون تبلور رؤية وبرنامج عمل وطني واضح وموحد بخصوص قضية المعتقلين والمعتقلات؟ ولعلّ ما هو أدهى وأمرّ هو ظهور عدد من الجماعات والأفراد تدّعي أنها تقوم بتشكيل لجان وهيئات للمطالبة بالمعتقلين، من دون أن يمتلكوا أدنى مقوّمات العمل من أجل هذه القضية، بل واقع الحال يؤكد أنهم أبعد ما يكون عن التفكير بالمعتقلين، في مسعى واضح ووحيد هو التسوّل والبحث عن جهات مانحة للتكسب والارتزاق، فهل سيتحوّل وجع السوريين وفجائعهم إلى وسيلة للاعتياش المشبوه لدى معدومي الضمير؟.

============================

وجهة نظر : التحولات التي يشترطها الغرب لإعادة تأهيل الأسد .. هل هي لمصلحة جمهور الثورة السورية، أو لمصلحة أقوام آخرين؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

4/ 10/ 2021      

وسؤال أعيد طرحه، لأن الجواب عليه مهم وخطير . وعاجل ولازم وملزم؟؟!!.

وهؤلاء الجوالون الذين يقفون بالأبواب فيقرعونها، ويذلون أنفسهم، ويظنون أنهم يخدمون قضية شعب ووطن، لمصلحة من يعملون، في سياق أحادي التعلق أحادي الأمل أو الرجاء !!

ما هي التحولات السياسية التي تريدها أمريكا والغرب عموما وروسية معهم من بشار الأسد؟؟!! سؤال قمين بنا أن نجيب عليه، وقد يكون المطلوب مزيدا من رؤوسنا، أو من ديارنا، أو من قرارنا!!

هل هي تحولات لمصلحة الإنسان والإنسانية، في احترام حقوق الإنسان، ولملمة غرب الفساد ، وضمان الحقوق العامة للمواطنين ؟؟!!

أسأل وأضع بين أيديكم الجواب، وشهودي ، والحمد لله، دائما قريبون، وإذا كانت سورية بما يجري فيها على مدى عشر سنوات هي تحت هيمنة روسية مباشرة، فهذا العراق وتلك أفغانستان تحت هيمنة أمريكية مباشرة ، وتكاد تقول : السجون هي السجون، والتعذيب هو التعذيب، والفساد هو الفساد، والجوع هو الجوع، وعددوا ما شئتم، وتحدثوا عن الجرائم تحت جناح الروس والأمريكيين ولا جناح!! ...

عندما جوبه "جواد المالكي" بحالات اغتصاب النساء في سجون العراق تحت الإدارة الشيعية والولاية الأمريكية، قال هذه أرقام مبالغ فيها، رقم المغتصبات فقط " 500" والعهدة في ذلك عليه..

ما هي التحولات التي ستأتيكم بها الولايات المتحدة والغرب الأوربي ، إن جاؤوا، والتي يتعلق بها بعض أهل السذاجة، كما يتعلق اللص الغبي بحبال القمر ويقول " شو ..شو " وفي رواية " جي ...جي " ، والولايات المتحدة هي التي صنّعت للعراق مصطلح " العرب السنة" كان أول هدايا بريمر ، تمزيقا للمجتمع إلى شيع مزيفة على طريقة فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ) وهل تنتظرون من الريح الأمريكية أن تذهب بنا جميعا في غير هذا الاتجاه؟؟؟

التحولات التي يشترطها الأمريكي وحلفاؤه الظاهرون والخفاة، لن تكون في مصلحة سورية ، ولا في مصلحة السوريين، وإنما في مصلحة من نراهم ونسمعهم ونجالسهم وهم في الالتفاف علينا لا يجاملون .. في مصلحة هذه الفرقة التي ما تزال تحكم العراق باسم الديمقراطية الزائفة، وما يزال في العراق نفط ، وكما يقول السياب ، وفي العراق جوع ..أهدت الولايات المتحدة العراق الكثير من المباذل، ولكنها لم تهده شيئا من نظام " المؤسسة" ومن "حسن الإدارة" ويطيب لنا أن ننال من العراقيين!!

بالأمس كان السيد رئيس الائتلاف يشكو : أن الأمريكان استقبلوا ممثلي "الذين لا أريد تسميتهم" بطريقة أفضل أو أجمل من استقبالهم ممثلي الثورة السورية ، وي ..ثم وي ياصاح ، في حكايات الأدب العربي بيت من الشعر جميل للفرزدق همام بن غالب من تميم يقول:

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ,,,مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

أدام الله علينا وعليكم نعمة الإزار ..

لا نشك أن في تلافيف، الهيئات السياسية السورية " شخصيات وطنية، تعمل على مشروع وطني. ولا نرى قدحا في المحاولات المفتوحة على كل الاتجاهات، لنصرة الحق الوطني لكل السوريين ...

ولكن الذي نظل نؤكد عليه ، أن التعويل على الآخر ، بينما نحن صفر اليدين، ليس من عمل الراشدين!!

أوراق قوتنا الذاتية، كمشروع وطني سوري، ينشد التحرر والخلاص، أكثر من أن تعد، والمشكلة الكبرى التي تعيشها نخبنا المستعلنة، هو التعالي على السواد الجماهيري، السواد الذي أعطى الكثير، وهو مستعد للعطاء أكثر. ومشروع الثورات في كل شعوب الأرض، إنما يقوم على كواهل الذين يملكون الاستعداد للتضحية دون عوض، وهم والحمد لله في شعبنا، كثير، وللخروج من متاهة الضياع، ومن دوامة الإغراق في التفاصيل، لا بد لنا من امتلاك الجرأة لنعلن عن حاجتنا للعودة إلى نقطة البداية، وإذا كنا لا نرى بديلا ولا عوضا ولا نكوصا عن مشروع الثورة بكل استراتيجيته وأبعاده، إلا أن الذي يجب أن نعترف به هو أن لدينا على مستوى التكتيكات والمقاربات والوسائل مما نفعله الكثير ...

وها نحن اليوم تتكشف أمام أعيننا كثير من الأبعاد؛ فهل يعقل أن لا يكون لهذه المعلومات المتدفقة كسيل العرم على موقفنا وقراراتنا أي تأثير؟؟

وبعد استشهاد القادة الثلاثة الذين حددهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لجيش مؤتة، وصارت الراية إلى خالد رضي الله عنه، استقبل يومه الجديد بقرار جديد...أعاد ترتيب الصفوف، وأعاد كل الحسابات. مع التصميم على الثورة، والذهاب بها بعيدا وطويلا وارتفاعا وعمقا ..نحتاج إلى إعادة الحسابات من جديد

____________   

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

خيانة دماء مشعل تمو.. في ذكرى رحيله

مهند الكاطع

تاريخ النشر: 07.10.2021 | 05:54 دمشق

عشر سنوات عِجاف مرّت على ثورة الشعب السوري التي تآمر عليها الجميع، تشويها وقتلاً وتدميراً وتهجيراً، استثمر بجراحاتها القريب قبل الغريب، والجار قبل البعيد، جميعهم تظاهر بذرف الدموع على أشلائنا، والتضامن مع عجزنا، جميعهم هددوا وأزبدوا وأرغوا وتوعدوا بأن مجازر استخدام السلاح الكيماوي ضدّ المدنيين لن تمرّ دون محاسبة، وأن صور آلاف المعتقلين الذين تمت تصفيتهم في سجون الأسد لا بد من أن يدفع النظام ثمنها، لكن النتيجة بالمحصلة كانت بقاء شعبنا في مخيمات القهر والذل، مزيد من الحصار الاقتصادي والتهجير للشعب، مقابل تسهيلات للنظام وميليشياته. أما قرارات الأمم المتحدة التي تقضي بإطلاق سراح المعتقلين والأسرى، والانتقال السياسي للسلطة، فبقيت حبيسة الأدراج مع انعدام كامل لأي إرادة دولية لتنفيذ تلك القرارات جزئياً أو كلياً.

عشر سنوات عِجاف كذلك مرّت على اغتيال السوريّ أولاً والكرديّ ثانياً مشعل تمو (أبو فارس)، الذي انتشرت صرخاته وكلماته وعباراته الوطنية كالنار في الهشيم منذ بداية الثورة السورية، فمشعل الذي كان أحد كوادر حزب الشعب الكردي لعقدين، قبل أن يؤسس تياره المستقبل سنة 2005،  أدرك بحنكته السياسية وذكائه، منذ بداية الثورة، بأنّ الأولويات الوطنيّة هي توحيد الخطاب الوطني لجميع السوريين، والابتعاد عن طرح أي شعارات أو خطابات قد يستغلها النظام لتفتيت الشعب، ونشر الفتنة بينهم، باللعب على وتر التنوع الإثني واللغوي والديني والطائفي، وأدرك أنه من دون إسقاط النظام وتحقيق الانتقال الديمقراطي لا يمكن الحديث عن أي قضايا ومسائل فرعية لها علاقة بشكل الدولة أو مسائل خاصة بالأقليات الدينية أو القومية وغير ذلك.

ابصقوا في وجه جلاديكم

رحل مشعل مبكراً بعد أن حدّد بوضوح خريطة الطريق أمام أبناء شعبه وخاصة الأكراد، ودعوني هنا أنقل لكم نموذجاً عن مشاركته بالحراك الشعبي، عندما وقف على المنصة أمام جموع آلاف المتظاهرين من أبناء القامشلي، وهم يحملون أعلام ورايات وشعارات الثورة السورية فقط، ويهتفون متفاعلين مع خطابه، حينما كان يصرخ في مكبرات الصوت قائلاً وسأقتبس:

"رسالتنا إلى طاغية الشام نطلقها من مدينة القامشلي مدينة التآخي بين العرب والكرد والآشور، بأن دماء شباب سوريا لن تذهب هدراً، لن ندعك يا بشّار الأسد تسلم بما فعلت، وستحاسب والمستقبل لنا، لا نريد فقط إسقاط الرئيس بل محاكمته، ومحاكمة جميع القتلة الذين أجرموا بحق شباب وأبناء سوريا، ونقولُ لكل المعتقلين ولكل شبابنا المعتقلين ابصقوا في وجه جلاديكم فالمستقبل لنا، لن يثنينا جلاد، ولن يثنينا قاتل عن مطلبنا في سوريا مدنية وسوريا تعددية، وسوريا لكل السوريين، فلنحيي معاً كل المدن السورية المحاصرة من درعا إلى حلب إلى هنا إلى اللاذقية إلى حمص وحماة، فلنحيي كل الشباب السوريين ونقول لهم: تحيا سوريا ويسقط بشار الأسد".

هكذا كان خطاب الشهيد مشعل، خطاباً جامعاً وطنياً دفع حياته ثمناً من أجله، خطاب يؤكد على وحدة الشعب السوري ووحدة مصيرهم ومطالبهم، خطاب يمجّد فيه تضحيات الشعب السوري ضدّ الاستبداد، خطاب يبتعد عن الشعارات القومية الأحادية والمزاودة باسم الأكراد والمطالبات الخاصة بالأكراد، لم نسمع الشهيد مشعل يقف في المظاهرات ويقول: نريد إنشاء وطن قومي للأكراد في سوريا ونريد كردستان سوريا وروجافا، ولم نسمعه يقول: إن في سوريا شعبين هم (الشعب الكردي والشعب السوري) وإن للأكراد الحق في تقرير مصيرهم بمعزل عن باقي أبناء شعبهم السوري.

اغتيال التمو وانحراف تياره

أدرك النظام خطورة الأشخاص الذين يدعون لخطاب جامع مثل مشعل تمو، الذي نجح في استقطاب شباب التنسيقيات الثورية الكردية، تحت علم واحد هو علم الثورة، وشعارات وأهداف الثورة، لتنعكس الصورة في شوارع القامشلي بمظاهرات ضدّ النظام تجمع شباب من مختلف أطياف المجتمع، وهذا ما دفع النظام بالإسراع باتخاذ قرار بتصفية مشعل تمو، تاركاً التنفيذ على أيدي أدواته وعملائه من الأكراد، ولم تمضِ أشهر على اغتيال التمو، ودخول الأحزاب القومية الكردية على خط المظاهرات في الشارع، حتى تبدّلت الخريطة الثورية بشكل كامل، وانحرف مسار التظاهرات في الشارع الكردي 180 درجة، تماماً مثلما يريد النظام، فبدأت المظاهرات تأخذ طابعاً قومياً، وترفع أعلام وشعارات قومية خاصة بالأكراد، التطورات في باقي المناطق في سوريا كذلك كانت تتجه نحو الأسوأ، خاصة مع تطور العمل المسلح، ليتحول إلى ظاهرة "تفريخ الفصائل"، حيث أصبحنا أمام عدد لا نهائي من الفصائل والكتائب والسرايا والمسميات والقوى المشتتة والمتناحرة متعددة الولاءات، ومع طول أمد النظام في السلطة، وتعدد القوى والميليشيات والعصابات، كانت الانقسامات في المجتمع السوري تزداد شاقولياً وأفقياً، مع تبادل المخاوف والشكوك والاتهامات المتبادلة التي أخذت أكثر من صبغة (قومية، دينية، طائفية،  مناطقية..إلخ) ، بل بات الانقسام داخل كل مجموعة إثنية ودينية وكل منطقة وعشيرة وعائلة، وانفجرت ظواهر تشكيل المجموعات والقوى والأحزاب والتجمعات والهيئات واللجان والمنظمات السياسية والمدنية والعسكرية بشكل دراماتيكي، والأسد يزداد قوة، وسيطرة على الأرض، وقبولاً على الصعيد الدولي.

يبدو أنّ الموت المبكر لمشعل تمو وهو ثابت على شعارات الثورة، هو من جعل ذكراه باقية وحاضرة ومتقدة بين السوريين، أما الذين جاؤوا من بعده، فمؤسف جداً أنهم يزعمون أنهم أوفياء لذكراه، وباقون على عهده، ورفاق دربه، لكن الواقع أنّ جلهم يستثمرون فقط في أرشيف صوره ليثبوا أنهم الأقرب له، بل هم يستثمرون في دمائه وفي ذكرى رحيله لكنهم يشوهون مسيرته ويتنكرون للخطاب والمبادئ التي تشبث بها ورددها في الساحات والمظاهرات وتسببت بمقتله!

هل يعقل يا سادة أن يتم إحياء ذكرى مشعل تمو من قبل هؤلاء دون أن يرفع أحدهم علماً واحداً للثورة السورية التي استشهد من أجلها مشعل تمو، هل يعقل أن لا تجد شعاراً واحداً رفعه مشعل تمو، هل يعقل أن يتم إحياء ذكرى اغتياله بمحاولة وضعه في قوالب وشعارات الأحزاب القومية الكردية التقليدية وأهدافها العاطفية الضيقة، وتصويره على أنه شهيد "قضية كردستانية" ومطالب مستحدثة لها في سوريا، متجاهلين المكانة التي وصل إليها مشعل تمو كشهيد وأيقونة للثورة السوريّة. هل يعقل أن ينقسم تيار المستقبل وينشق إلى ثلاث مجموعات، كل واحدة تلعن أختها وتتهمها بالخيانة، وتزعم أنها الأكثر وفاءً لمسيرة مشغل تمو، دون أن يدل نهجهم ولا توجهاتهم بعد مشعل تمو على ذلك، بل جميعها خانت مسيرة مشعل تمو وخالفت نهجه، وباتت ترفع شعارات ومطالب قومية ذات مدلولات انفصالية، فمن يقول أنه يقتدي بمشعل تمو، لا يمكن له أن يطرح بعد خمس سنوات على اغتياله مشروع يسميه "دستور كردستان سوريا"، ومن يزعم محبة التمو لا يجدر به أن يحاول تقزيمه أمام الشعب السوري وأمام التاريخ، وأنا على يقين لو أن مشعل تمو قام من قبره اليوم لبصق في وجه معظم المتاجرين باسمه اليوم وعاد إلى قبره.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com