العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-09-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الصهاينة والشيعة وواشنطن .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 7/9/2017

قبل عدوان يونيو/حزيران 1967، صدّق بعض الأميركيين عنتريات العرب ودعاية الصهاينة عن مصير اليهود، وخافوا على إسرائيل من الاكتساح العربي الوشيك، وانتقدوا الرئيس الأميركي يومذاك، ليندون جونسون، لاعتقادهم أنه يترك الحمل الإسرائيلي الوديع بين أنياب الذئاب العربية. ثم، وبعد هزيمة مصر وسورية والأردن بالضربة القاضية من الثواني الأولى لجولة الحرب الأولى، سأله أحد من انتقدوه قبل أيام: لماذا تراهن على ثلاثة ملايين إسرائيلي ضد ثلاثمائة مليون عربي، فأجابه بجلافة: لأن هذا هو الصحيح.

هل أقنع النموذج الإسرائيلي واشنطن بالرهان على أقليةٍ أخرى، هي شيعة إيران التي تصارع أغلبية عددية هي سنّة المسلمين، بعد أن نجح في الاستيلاء على فلسطين، وأنزل هزائم متعاقبة بالعرب، زلزلت كياناتهم، وأبقتهم تحت عتبة سياسية ما قبل وطنية، واجتماعية ما تحت قبلية، واقتصادية أقل من ريعية، ودينية وثنية/ جاهلية، وثقافية ما قبل فكرية ومعرفية، حالت دون تفاقم تبعيتهم في الخارج، واحتجازهم التأخري في الداخل.

بات ضروياً طرح هذا السؤال، لأسباب منها تشابه أوضاع إيران مع الوضع الإسرائيلي، فهي كيان سلاحي يستقطب الشيعة خارجه، ويستخدمهم ضد مجتمعاتهم، كحزب الله في لبنان الذي يعتبر وحدة حرس ثوري تحتل بلادها لصالح إيران، التي تتكفل بتمويل شيعة من مختلف البلدان، وتدريبهم وتسليحهم وتوحدهم أيديولوجيا في نظرية ولاية الفقيه التي تأمرهم بالرضوخ المطلق لما يصدر من فتاوٍ، ويتخد من مواقف، وينسب من توجيهات وإرشادات لنائبه مرشد "جمهورية إيران الإسلامية" الذي يدمجهم إيمانهم بعصمته وليا لأمر المسلمين، بالنيابة عن نائب الإمام الغائب صاحب الزمان، واقتناعهم بصحة ما يفعله أو يقوله، وبسياساته التي تعتبرهم فرعا تكوينيا من كيان إيران الوطني، لم يعد، منذ انتصار ثورة الخميني، جزءا من وطنه، عليه الخضوع لدولته، بل صار إيرانيا يعيش تحت حكومة غير شرعية.

في مقابل هذه الوقائع التي أنتجها نجاح طهران في بناء مركز/ مرجعية للمسلمين الشيعة، يستخدمهم أذرعا له في كل مكان، نجد عالما إسلاميا آخر، تسوسه حكومات ضعيفة الشرعية، تبث سياساتها قدرا عظيما من الفوضى فيه، تجوع قطاعات واسعة من شعوبه، وتمعن في تجاهل ما يعانيه من بطالة وأمية وحرمان واضطهاد، ومن تلاعب بتناقضاته الموروثة أو المصطنعة، في حين تتسم علاقات حكوماته بقدرٍ مخيف من الشقاق وتناقض الرؤى والمواقف والمصالح، وتعتمد غالبا على الأجانب في حماية حكامها وإبقاء شعوبها خاضعة مهمشّة، فهم لا يفرون أو يتصرفون كحكام وطنيين أو قوميين أو مسلمين أو إنسانيين. لذلك يديرون بلدانا يؤمنون إن شعوبها هي عدوهم الأكثر خطرا عليهم، وأن استجارتهم بالخارج تتفق مع مصالح دولتهم التي ليس فيها من الدول غير اسمها. هذا العالم الإسلامي بسكانه الذين يبلغون مليارا من البشر يفتقر إلى مركز موجه، أو تنموي، أو تضامني، أو تحكيمي، أو تواصلي، أو تكاملي... إلخ. أما مؤسسات التعاون الإسلامي فهي جهات بيروقراطية، لا حول لها ولا طول، ليس لديها موارد، أو خطط تخدم المسلمين، أو صلاحيات تتيح لها التدخل في خلافاتهم، من أي موقع فاعل، فلا عجب أن صلات العالم السني بعضه ببعض تكاد تتلاشى تماما، بينما تتوطّد علاقات العالم الشيعي ببعضه، وبمركزه التوجيهي الذي يكرّس قسما كبيرا من موارده لخدمة مكوناته، ويوزّع مخصصات شهرية ثابتة على الشيعة الأفراد في المناطق ذات الأهمية الخاصة، كجنوب لبنان.

قال الرئيس الاميركي جونسون بعد هزيمة العرب عام 1967: من الصحيح دعم ثلاثة ملايين يهودي (كان هذا عددهم) منظمين، ومدربين، ومزامنين للعالم، ويعرفون كيف يحكمون قبضتهم على عشرات الملايين من جيرانهم العرب: أسرى العقل الماضوي والتقاليد العتيقة، ويسعدهم الجهل بأنفسهم وبالعالم، والخوف من الجديد والمغاير، ويحبون التجارب الفاشلة التي قامت بقفزاتٍ كبيرة على سيقانٍ من خشب، ومشاريع حرقت المراحل بقدراتٍ هزيلة فات زمانها.

ماذا سيقول الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لو سئل اليوم عن علاقات بلاده مع العرب وإيران؟ أليس مرجحا جدا أن يقول ما قاله جونسون أمس عن إسرائيل: ندعم الشيعة المنظمين، ولهم قياده موحدة ومحنكة ضد سنة الفوضى الذين لا مكان لهم في الحاضر والمستقبل، ويفضلون إخفاء رؤوسهم في رمال الماضي، لأن هذا هو الصحيح. سؤالي إليك قارئي العزيز: ألا تعتقد أنت ذلك أيضاً؟

========================

كرة القدم: الوطنية كعصبية .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7/9/2017

يقال إن الشغف المتزايد، عالمياً، بالمسابقات الأممية بكرة القدم، وأشهرها كأس العالم، يعود، في جانب منه، إلى استبدال المجتمعات الحديثة الرياضة بالحروب ميداناً لتنفيس المشاعر القومية، أو للحفاظ على حيوية العصبية القومية. وهو ما ينطبق، بأكثر ما ينطبق، على المجتمعات الأوروبية التي عافت الحروب وسيلةً لصراع المصالح بين الدول القومية، بعد ويلات حربين عالميتين، في القرن العشرين وحده، كلفتاها ملايين الضحايا والخراب والدمار.

ليس من قبيل المصادفات أن صاحب فكرة إنشاء مسابقة عالمية تتنافس فيها منتخبات الدول القومية هو الفرنسي جول ريميه، لما عرف عن الفرنسيين من نزعة قومية قوية، بخلاف دول أوروبية أخرى. وتتميز كرة القدم عن الألعاب الرياضية الأخرى، كما عن الإنجازات في ميادين العلم والثقافة والفن والاقتصاد، بأن لها نسقاً يشبه الحروب: فريقان (جيشان) يناضلان من أجل الفوز عن طريق "اختراق صفوف العدو" وإنزال الضربة به (تسجيل الهدف)، وينقسم الملعب إلى نصفين متساويين ينتهيان بالمرمى، في حين أن أداة اللعب (الكرة) هي بمثابة الطلقة الموجهة إلى دفاعات الخصم. وفي المسابقات الدولية يتم تصفية الخصم وإخراجه منها. وتعزز لغة الإعلام هذه السمة القومية، بالقول مثلاً إن "ألمانيا هزمت البرازيل" أو "انتصر الإيطاليون على الإنكليز" أو ما شابه ذلك من عبارات تؤجج مشاعر العزة القومية أو الإذلال القومي، بصورة متقابلة، لدى جمهور الفريقين "المتصارعين".

المنافسات الرياضية بين الأمم، وثيقة الصلة إذن بمفهوم الهوية الوطنية أو القومية، أكثر مما بالسلطة السياسية في بلد من البلدان. غير أن الأمر يختلف في الدول التي تحكمها أنظمة دكتاتورية تفتقد للشرعية، فتسعى إلى ملء هذا الفراغ بـ"إنجازات" تنسب دائماً إلى النظام، وبخاصة إلى الدكتاتور رأس النظام، وربما أهمها الإنجازات الرياضية التي ما كانت ممكنة لولا "رعاية" الدكتاتور المزعومة للرياضة، كما لكل ميادين الحياة في البلد. نعم، الرعاية وليس الاهتمام. فالدكتاتور راع يقود القطيع ويؤمن له المرعى ويحميه من الذئاب. وإذا كانت الانتصارات الرياضية، وغير الرياضية، تنسب لرأس النظام، فالهزائم تنسب للاعبين أو المدربين أو المجتمع "المتخلف" أو "الضعيف" أو "العاجز" أو "الفاسد" ككل. من الصعوبة بمكان، إذن، إحالة الفرق الوطنية، بإنجازاتها وإخفاقاتها، إلى هوية وطنية صرفة بعيداً عن السلطة السياسية في دولنا المبتلية بهذا النمط من الأنظمة غير الشرعية. بل تلعب الرياضة هنا دور محفز عصبية "وطنية" في خدمة الدكتاتور الذي هو "سيد الوطن" وأمه وأبوه كما في مثال النظام الأسدي، حيث معيار هذه الوطنية هو الولاء للنظام ورأسه، في حين أن عدم الولاء يساوي الخيانة الوطنية.

وتمس حاجة هذه الأنظمة إلى شد العصب الوطني المرادف للولاء، كلما تعلق الأمر بأخطار تهدد سيطرتها ودوامها. لذلك وصف رأس النظام الكيماوي في دمشق انتفاضة الأهالي في السلمية، في آذار/مارس 2011، بالمؤامرة الخارجية، في خطابه الأول الذي ألقاه، بعد أقل من أسبوعين على بدايتها. فحدد بذلك معياري الوطنية السورية وخيانتها بالولاء له والتمرد عليه، على التوالي.

شهدت صفوف جمهور الثورة السورية، مؤخراً، انقساماً حاداً حول الموقف من المنتخب السوري الذي يخوض تصفيات كأس العالم، في مباراتيه ضد منتخبي قطر وإيران على التوالي. فثمة من تحمسوا للفريق السوري بدعوى أنه منتخب سوريا وكل السوريين، ودعوا إلى الفصل بين الرياضة والسياسة؛ في حين اعتبر فريق آخر أنه منتخب نظام الأسد الذي أحرق البلد، وقالوا إنه لا يمكن فصل الرياضة، أو أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة، عن السياسة في ظل نظام شمولي سيّسها جميعاً وربطها بنفسه.

والحال أن ما يمكن تسميته بهوية وطنية سورية، بعيداً عن مفهوم الولاء، لم توجد قط منذ نشوء الكيان السوري. فلم تمض إلا سنوات قليلة على ولادته إلا وكانت تتنازعها تيارات إيديولوجية وسياسية تنكر على الكيان الوليد صفة الوطن. هذه هي حال أبرز التيارات: من قومية عربية، وقومية سورية، وقومية كردية، وهوية إسلامية، وهوية إشتراكية أممية لدى التيار الشيوعي. وبموازاة هذه الهويات الإيديولوجية الطافحة خارج الجغرافيا الضيقة للكيان السوري، تم تكريس الهويات الصغرى دون الوطنية، قومية ودينية ومذهبية وجهوية، تفجرت جميعاً بعنف مهول بمناسبة اندلاع ثورة الحرية والكرامة في 2011. فبدا كما لو أنه لا يمكن الحفاظ على وحدة الكيان إلا بحبس مجتمعات متنافرة في قمقم نظام دكتاتوري شمولي يسحق المجتمع في كل واحد "متجانس"، الأمر الذي ينطبق على الحالة العراقية أيضاً. ليس هذا توصيفاً صحيحاً ولا نزيهاً، يجب أن نقول، بل هو الصورة التي تلائم ديمومة النظام السلالي الحاكم، كما "المجتمع الدولي" الشغوف بـ"الاستقرار".

كانت ثورة 2011، بالأحرى، فرصةً لولادة هوية وطنية سورية، للمرة الأولى في تاريخ الكيان السوري، سحقها النظام وأفلت كل العفاريت التي يمكن تخيلها من عقالها، خدمةً لشعاره "الأسد أو نحرق البلد". لا يمكننا الحديث، اليوم، عن رأي عام ثوري في الداخل المحتل من قبل النظام والاحتلالات الأخرى. بالمقابل يمكن رصد رأي عام ثوري للسوريين الموزعين بين مختلف المنافي، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وبالنسبة لهؤلاء المشردين يمكن الحديث عن ملامح أولية لتشكيل هوية وطنية سورية، تحت ضغط أصناف الإذلال التي يتعرضون لها في كل مكان. لكنها هوية قائمة على الحنين أكثر مما هي هوية نضرة وحية. أشبه ما تكون بالهوية الفلسطينية في المنافي.

ومن جهة أخرى، تأتي "انتصارات" منتخب كرة القدم، وما رافقها من استثارة المشاعر الوطنية، في سياق توظيفها في إطار إعادة تعويم النظام الكيماوي من قبل المجتمع الدولي، مثلها في ذلك مثل عودة معرض دمشق الدولي إلى الانعقاد بعد سنوات من التوقف، ومثل التقارير الصحافية الغربية التي تتحدث عن "الحياة الطبيعية" في دمشق وغيرها من المدن، بموازاة تقدم قوات النظام المدعومة بالميليشيات الأجنبية نحو دير الزور. انتهت مباراة منتخب النظام مع منتخب إيران إلى التعادل، الأمر الذي جعل من احتمال تأهل الأول إلى نهائيات كأس العالم معلقاً بمباراتين إضافيتين فيما يسمى بالمصطلح الرسمي المعتمد بـ"الملحق". أليست هذه هي حال النظام الكيماوي أيضاً؟ فعملية إعادة تأهيله بحاجة أيضاً إلى "ملحق" لا يمكن ضمان نتائجه.

٭ كاتب سوري

========================

قال الأسد: "سورية عبر التاريخ هي هدف" .. لؤي حسين

الحياة

الخميس 7/9/2017

استشهد الرئيس السوري بشار الأسد، في خطابه الأخير أمام مؤتمر وزارة الخارجية، بمعركة قادش التي حصلت، وفق قوله، عام ١٢٧٤ ق. م، ليبرهن لسامعيه أن "سورية عبر التاريخ هي هدف".

هذا القول هو ذاته الخطاب الاستبدادي الذي فَرض منطقه على مسامعنا بقوة القمع والسلاح منذ منتصف القرن الماضي. فسورية، وفق هذا الخطاب، ليست وطناً للعيش بل قلعة لـ "الصمود والتصدي"، وخندق لـ "الممانعة". فهي ليست موجودة، من قبل التاريخ، من أجل أبنائها، بل من أجل أعدائها: لتكون موضوعاً لاعتداءاتهم الدونكيشوتية، فتتصدى لهم وتمانعهم. فوفق هذا المنطق هي قائمة على رد الفعل من دون أن يتوجب عليها القيام بأي فاعلية.

لكن، للأمانة المعرفية، لا يمكننا نكران أن سورية كانت منذ القِدم هدفاً لكيانات أخرى. لكن هذا ليس لأنها بعثية، أو عربية، أو مسلمة، أو مقاوِمة، أو ممانِعة، بل لكونها بلداً طبيعياً، يتشابه بذلك مع مختلف بلدان العالم "عبر التاريخ". فغالبية البلدان، ما لم تكن جميعها بالمطلق، كانت "عبر التاريخ"، ذاته، "هدفاً" لكيانات أخرى.

لا، ليس ما حصل لسورية ناجماً عن أنها مستهدفة. فالاستهداف قائم دوماً. لكن من أهم مهام الدولة حماية البلد من الاستهداف. والحماية تعني المحافظة على البلاد سليمة معافاة. لكن أن يتشرد أكثر من نصف سكانها، ويُقتل مئات الألوف منهم، وتتهدم نصف بنيتها التحتية، فهذا بكل تأكيد، وبجميع المعايير، وبمحاكمة أصغر العقول، لا تمكن تسميته حماية من الاستهداف، ولا يمكن لواقعة قادش أن تكون دليلاً على أنه نتاج الاستهداف "الغربي". بل هو، ببساطة ومن دون بذل جهد في التمحيص، ناجم عن عدم أهلية السلطات التي من المفترض أن تكون مُؤتَمَنَة على سلامة البلاد بجميع سكانها وممتلكاتها. ولا يعفيها من هذه المسؤولية تذاكيها وتشاطرها باكتشاف أن ما حصل كان نتيجة "مؤامرة" أو "استهداف"، فهذا شأن الصحافة والكتّاب الصحافيين والباحثين والمحللين وليس شأن السلطات، بل إن معرفتها بذلك تضاعف مسؤوليتها لإخفاقها في حماية البلاد.

حماية البلدان ليست أمراً خفيّاً، بل هي جلية لا لَبْس فيها، تظهر للناظر كعين الشمس، لا تحتاج الى تدبيج خطابات ديماغوجية ولا فبركة سرديات بطولية، فالناس تعرف أن البلدان لا تكون إلا ببشرها، وتحصينها يبتدئ من هنا، من الإقرار بأن المبتدأ هو إنسانها وأنه منتهاها. الإقرار بإنسانها على أنه نواتها الجوهر، "وحيد الخلية" المجتمعية الذي لا يقبل الانقسام ولا التجزيء. إن تعرضت حرياته وحقوقه للانتهاك صَغُرَ فيصغر البلد من صِغَرِه.

لهذا فإن تحصين البلاد يكون بصون حرياتها المطلقة، التي لا يحدها شيء سوى حدود حريات الفرد الآخر، شريك المواطن في الوطن، من دون أدنى اهتمام بدينه أو قوميته أو طائفته أو جنسه أو موقفه السياسي.

حالة البلدان هي انعكاس مُطابقٌ لحالة الفرد فيها وليس العكس بتاتاً. فالفرد هو نواتها المؤسِّسة. إن كان حراً تكون البلاد حرة، وإن كان لا يعلو كرامته سوى سلطة الدستور والقوانين تكون السيادة في البلد للقانون وليس للمخابرات، وحين تكون حقوقه مصانة تكون حقوق بلده ومالها العام وأملاكها مصانة من النهب والفساد. هذا ما يحصّن البلاد وليس الجيش والمخابرات والإعلام الكاذب.

لا يكفي لتحصين البلدان مجرد إقرار إنشائي لمُبتدأيّة الفرد، بل لا بد من وقعنة هذه المكانة بجعلها أسّاً للدولة الحديثة. أي أن تقام الدولة لتكون مجالاً لتجسيد حقوق الفرد وحرياته، وكذلك واجباته. فالفرد الكامل الحقوق والحريات هو غاية الدولة بمفهومها الأحدث، وبالتالي هو هويتها. فالدولة السورية، موضوعنا اليوم، وبعد أن فاتها زمن إقامة "الدولة/ الأمة"، الذي قامت الدول فيه على معنى الأمة، أو على العكس من ذلك، الذي تشكلت فيه الأمة لتكون معنى للدولة، صار من الضروري بناؤها بنسختها الأحدث: الدولة/ المواطن، أو دولة المواطنة. أما التباهي الطاووسي بأنها دولة "الممانعة" أو أي عبارة أخرى من هذا النسق النافل فهو يختص بالدولة/ السلطة التي يقوم عليها الاستبداد والطغيان.

فمواجهة التحديات الخارجية، إن قضت الحاجة، من المهام العَرَضية الطارئة، مهما طالت، وليست من صلب الدولة.

بتكثيف: الفارق بين دولة المواطنة والدولة/ السلطة، أي السلطة الاستبدادية المتمظهرة بمظهر الدولة، هو تحديداً وجود علاقة بنائية بين الفرد والدولة خلال عملية تَحوّل الفرد إلى مواطن في لحظة صيرورة تَشَكّل الدولة، فتكون دولة المواطنة. أما السلطة المتمظهِرة بمظهر الدولة فعلاقتها مع الأفراد تقتصر على تعاملها معهم على أنهم مادة ممارسة سلطتها. فالسلطة الاستبدادية القائمة على الغَلبة تنظر إلى نفسها على أنها دولة سابقة على الفرد، فتضع له ولها معاني إنشائية فارغة، ترغمه بأجهزة قمع تبنيها، فتصبح غاية الفرد خارج ذاته وخارج معنى وجوده. أما الدولة التي تقوم على التعاقد الاجتماعي فهي بذاتها عبارة عن اجتماع الأفراد، وليس مجموعهم.

اجتماع الأفراد، هذا الذي نسميه الدولة، يقضي بانفكاكهم عن روابطهم الدموية السابقة، كالرابطة العشائرية أو القومية أو الدينية أو الطائفية. وما يتبقى، بعد ذلك، للفرد من علاقات مع جماعته السابقة للدولة فلا يُعتَدّ به ضمن فضاءات الدولة ومؤسساتها، بل يندرج ضمن حرياته وحقوقه.

هذا الحديث الآن عن الدولة لا يَرد ضمن باب الترف النظري، كما أنه لا يُستدعى للمناسبة الظرفية. فموضوع بناء الدول ليس عملاً تقوم به المجتمعات في أوقات فراغها، أو في المساء مع كأس الشاي، بل هو "حرفة" نخبها المجتمعية، التي يتوجب عليها القيام به طوال وقت "عملها الرسمي" كنخبة. وعليها مضاعفته خلال الأوقات البنائية، كما هي حال اللحظة السورية الراهنة، حيث يتوجب على كافة المجموعات السياسية، والمدنية أيضاً، موالية كانت أم معارضة أم بَيْن بَيْن، أن تعتمد بناء الدولة معياراً رئيساً لأعمالها. فتأخذ بالأعمال التي ترى أنها ركن من أركان الدولة، وتترك ما عداها.

كذلك، فإن الحديث عن بناء الدولة السورية الآن ليس إزاحة لمسار الصراع إطلاقاً. فموضوع الدولة هو عَيْنُ الصراع. وما التفاصيل التي "صَرَعَنا" بها المتصارعون طيلة الفترة الماضية سوى تفاصيل في سياق شكل الدولة وبنيانها. لهذا فالكلام المباشر في موضوع بناء دولة سورية جديدة هو العتبة الرئيسة في عملية النضال الثوري التحرري. فالثورة التي تنتظرها سورية منذ استقلالها هي تلك التي تبني دولة مواطنيها، لا دولة العرب أو الكرد أو الإسلام أو غير ذلك من التعابير التي يعتمدها الاستبداد دعائم لبنيانه.

ليست لدينا دولة في سورية، لم نعرف الدولة منذ استقلالنا، فكل ما عرفناه هو سلطات، معظمها بشع، تلبس لبوس الدولة، تعتمد أجهزة تسلط تعطيها مسميّات دولاتية لتستخدمها في فرض سيطرتها القهرية على السكان. القول بتاريخية التسلط السوري لا يبرر إطلاقاً الأفعال المخزية التي ارتكبتها السلطة السورية الراهنة، والقول الذي سبقه ليس القصد منه سَوْق المآخذ عليها، إذ إنها أثبتت بجميع الطرق أنها أسوأ السلطات التي حكمت سورية، وأظهرت نفسها بجلاء الصورة أنها مجرد سلطة شارعية لا يمكنها تحقيق ذاتها إلا بانتصار أولاد شارعها على أولاد الشوارع الأخرى.

بناء الدولة هو الميدان الحقيقي للصراع مع النظام، وهو، أيضاً، الميدان الحقيقي للصراع مع قوى التخلف والطغيان الأخرى التي كانت شريكة النظام في الحرب التي دارت بينها وبينه لأكثر من ست سنوات خلت. والآن، وبعد أن حطت هذه الحرب أوزارها وخفتت أصوات مدافعها، في شكل كبير، بات من الممكن استئناف العمل على بناء الدولة المنشودة من دون اعتبارٍ لمقولة إرجاء هذا الاستحقاق إلى اليوم التالي لسقوط النظام، أو لما بعد تنحية بشار الأسد عن السلطة. ذلك لأن العلاقة الصراعية بين النظام الاستبدادي والنظام الدولتي لا تقوم على أن تكون البداية تراجعاً للاستبداد مسافة أو أكثر ليَلي ذلك تقدم للدولة لملء ذاك الشغور، بل تقوم على تقدم مشغول لبنى الدولة يجبر النظام الاستبدادي على التقهقر مسافة على قدر الخطوة الدولتية. فانتظار سقوط النظام هو من مخلّفات التفكير الانقلابي، غير أن بناء الدولة لا يتم بالانقلابات بل عبر آليات بنائية.

تلمّس معرفة كيفية تحقيق ذلك يحتاج لمساهمات عدة. ولكن جميع الكيفيات الممكنة يحتاج، مثل أي عمل آخر، إلى أدوات، وأدوات بناء الدولة هي حصراً التنظيمات المجتمعية، أي التنظيمات السياسية والمدنية التي لا تقوم على نزوع قومي كالعروبة والكردية مثلاً، ولا على روابط دينية أو طائفية كالإسلام أو السنية أو العلوية أو غيرها. كما أنها، وبكل تأكيد، ليست تكتلات مقتصِرة على مواجهة بشار الأسد. فكل هذه الأشكال من التنظيمات داعمة للاستبداد، وعت ذلك أم لم تع، ولا يعوّل عليها في بناء دولة مواطنة تحمي البلاد السورية من أي خراب قادم، وتجعل من سورية وطناً فخراً لجميع السوريين.

========================

التسوية الأميركية - الروسية: ضبط "الأزمة" داخل سورية .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 7/9/2017

تفاخرت موسكو وطهران بدخول القوات السورية والإيرانية معقل "داعش" في دير الزور بعدما كانت وصلت إلى الحدود مع العراق، في تحد للقرار الأميركي بإبقائها بعيدة منها، وأعلن فلاديمير بوتين رؤيته للتسوية بعد "النصر الاستراتيجي" على التنظيم المتطرف. لكن، هل فرضت روسيا وإيران فعلاً أجندتهما على الأميركيين في سورية، وهل كان الأميركيون جادين أصلاً في عدائهم لنظام الأسد وراغبين في تغييره؟

الإجابة عن هذا السؤال تكمن في طرح أسئلة أخرى: ماذا تعني حقوق الإنسان في العالم العربي للإدارات الأميركية؟ وهل يصدق أحد أن الولايات المتحدة منشغلة ومهمومة بمصير ملايين السوريين المقتولين والمعتقلين والمشردين إلا بمقدار ما يؤثر خروج قضيتهم عن حدود بلدهم في النظام الإقليمي الذي ترعاه واشنطن؟

طوال أربعة عقود قبل الثورة، شكل القتل والبطش والسجن وسائر أنواع العسف، أدوات التعامل الوحيدة للنظام السوري مع شعبه، لكن "عاطفة" أميركا لم تتحرك أو تتأثر بالتقارير الصادرة عن المنظمات الدولية وهيئات حقوق الإنسان، باستثناء حالات نادرة، عندما كانت تريد الضغط على النظام لجعله يقبل صاغراً بدور ما في ملف ما، في حال أبدى "مقاومة" هدفها تحصيل ثمن أكبر.

كانت الولايات المتحدة، وأوروبا التي تلعب دوماً دور التابع للسياسة الخارجية الأميركية، حتى لو حرصت على إظهار بعض التمايز غير المؤثر، تعتمدان نظام دمشق منذ انقلاب حافظ الأسد في مطلع سبعينات القرن الماضي، ركناً أساسياً في نظامهما الإقليمي، غير عابئتين على الإطلاق بما يفعله بشعبه ومعارضيه.

لهذا السبب ذاته، دخل جيش الأسد لبنان ونكل بشعبه وقصف مدنه، بناء على قبول، بل توكيل أميركي واضح، ودور إسرائيلي مساند، ومن دون أي حساب أو مساءلة. كان لبنان "جائزة" دمشق لدورها في معالجة "الخطر الفلسطيني" الذي كان يحتل يومذاك الأولوية في حسابات واشنطن. وكان تطويع منظمة التحرير وإضعافها تمهيداً لدفعها إلى أحضان إسرائيل المهمة الأولى للسياسة الأميركية وتابعها السوري.

هذا الدور الذي رُسم لنظام الأسد جعل الأميركيين يرفضون منذ أكثر من ست سنوات تقديم دعم فعلي للشعب السوري المنتفض عليه. ظلوا ينتظرون ويقدمون الوعود وبعض المساعدات "غير الفتاكة" للمعارضين، فقط لحفظ خط الرجعة في حال نجح هؤلاء في إسقاط الديكتاتور، إلى أن تمدّد "داعش" و "النصرة" إلى الأرض السورية، أو أُرسِلا إليها، فأزاحا حملاً عن ظهورهم.

بعد ذلك، بات في إمكان الأميركيين التركيز على "أولوية محاربة الإرهاب" بدلاً من الانشغال الشكلي بمطالب السوريين التواقين إلى نيل حريتهم والعيش في وطن عادي، وصار مبرراً نفض اليد من تشكيلاتهم الحالمة ببناء بلد ديموقراطي وانتخابات وتداول للسلطة.

لو صح أن الأميركيين راغبون في سورية ديموقراطية، لساهموا في تغيير مسار المواجهات المسلحة التي بدأها النظام وأمعن فيها، ولساعدوا المعارضة في التصدي لدور الميليشيات الإيرانية المتعاظم، بدلاً من منح روسيا توكيلاً بالالتفاف على اتفاقات جنيف وصوغ حلول تناسبها مع حلفائها. ولو كانت هناك إرادة دنيا في إنقاذ السوريين من فظائع الأسد وحلفائه، لما تغاضت استخبارات الأميركيين عن ظهور "داعش" وانتقاله إلى سورية، مانحة إياهم ذريعة للتراجع عن شعار تغيير نظام يخدم مصالحهم منذ قيامه قبل نصف قرن.

التسوية التي يريدها الأميركيون الآن ويعملون لتحقيقها بالتنسيق التام مع الروس، هي إحياء نسخة معدلة من النظام الإقليمي القديم تشمل دوراً "منضبطاً" لإيران، أي لملمة الوضع "الفائض" وإعادة الجنّي إلى القمقم السوري. فلتبق الأزمة داخل سورية. وليفعل النظام ومعه إيران وروسيا ما يريدون بالسوريين، لكن دوماً داخل الحدود، وبما لا يهدد النظام الإقليمي الذي أُفشِلت محاولات خرقه في مصر وليبيا. وتستعين الولايات المتحدة على تغطية هذه الحقيقة بالخطب والشعارات والمجاملات وبيانات الاستنكار والإدانة وأكياس الدقيق والسكر.

========================

من القاهرة إلى الأسد .. غازي دحمان

العربي الجديد

الاربعاء6/9/2017

شجعت المتغيرات الحاصلة في سورية نظام مصر على استعجال إعادة العلاقة الدبلوماسية علنا مع نظام الأسد في سورية، ويسعى إلى إخراج العملية بقالب ديمقراطي، عبر الإيحاء بحصولها نتيجة ضغط شعبي، ومطالبة نخب وازنة وشخصيات تمثيلية بإعادة هذه العلاقة. والمفارقة أن هذه الحملة جاءت تحت شعار"من القاهرة هنا دمشق"، فيما يبدو ردَّ جميلٍ لدمشق التي أطلقت إذاعتها في أثناء العدوان الثلاثي على مصر ولحظة توقف إذاعة مصر عن البث شعار "من دمشق هنا القاهرة".

يطبق نظام السيسي المثل المصري "أكل وبلحقة"، حيث لا يكتفي بارتكاب إثم التقارب مع نظامٍ لم يخف أنه ارتكب ما ارتكب من مجازر بحق السوريين، من أجل تحقيق هندسة اجتماعية عنصرية سماها "التجانس"، بل يسعى نظام السيسي إلى تلميعه وتجميله، فقد تزامنت دعاوى إرجاع العلاقات مع نظام الأسد مع حملة إعلامية منسّقة ومقصودة لحرف الرأي العام المصري، وإعادة تشكيله عبر إعادة صياغة القضية السورية برمتها، بحيث يظهر نظام الأسد ضحية مؤامرة خارجية، وأن القضية في الأصل قضية إرهاب تتعرض له الدولة والجيش السوريان، وأن الأمور وصلت إلى خواتيمها، ويجب مساندة سورية والوقوف معها، وإصلاح الخطأ الذي ارتكبته حكومة الرئيس الرئيس محمد مرسي قطع العلاقات مع نظام الأسد.

لكنّ ثمّة فرقا بين الأحداث يصعب، إن لم يستحيل، تجسيره، ذلك أنه عندما قالت إذاعة دمشق "هنا القاهرة"، كانت دمشق لأهلها وسورية يحكمها أبناؤها، وكانت القاهرة تتعرّض لعدوان واضح عقاباً على سياساتها التحرّرية، سواء لجهة تحرير مواردها وفك ارتباطها بالكمبرادور الخارجي، أو من خلال دعمها حركات التحرّر في محيطها العربي "ثورة الجزائر".

كان طبيعياً أن تقول دمشق "هنا القاهرة". في حينها، كانت مصر تقود العمل القومي العربي 

"فرق بين أن يكون لمصر دور في مستقبل التطورات السورية وأن تعمل على تأهيل نظام مجرم" وتدافع عن العروبة، وكان رئيسها جمال عبد الناصر يصنع تياراً قومياً في مواجهة تيارات تقول إن مصر فرعونية، وأخرى تنادي يالتوجه متوسطياً، باعتبار أن العلاقات التاريخية مع تركيا واليونان، وحتى إيطاليا وفرنسا، أعمق بكثير وأكثر نفعاً وفائدة من العلاقات مع الدائرة العربية المتخلفة. في المحصلة، كان شعار "هنا القاهرة" ينطوي على فخر كبير لدمشق، واستثمار في رأي عام عربي محتضن مصر وزعامتها.

ثمّة فرق بين أن يكون لمصر دور في مستقبل التطورات السورية وأن تعمل على تأهيل نظام مجرم. أما عن الدور فهو متحصل بشكل أوتوماتيكي لحاجة اللاعبين الكبار في سورية، روسيا وأميركا، إلى دور عربي يظلل نشاطهما، ويشرعنه في عملية تشكيل سورية، وليس هناك أفضل من مصر للعب هذا الدور لأسباب كثيرة، أهمها وزن مصر العربي ومكانتها، وليس لأسباب وظروف آنية، تتعلق بحاكمها الحالي ونخبتها السياسية، وهذا الدور سيكون مطلوبا في بناءٍ عليه، يجب أن تختلف حسابات الدور المصري، وعلى الدبلوماسية المصرية التقاط الفرصة بهدف تعزيز دورها الإقليمي، بما ينعكس على أمنها بشكل فعلي، وليس كما تذهب تقديرات متعجلة من أن دعم الأسد وبقاءه سيعزز من أمن النظام الحاكم في القاهرة، على اعتبار أنه نظام شبيه له يعتمد على العسكر، ويحارب الإسلاميين.

يجب أن تبتعد هذه الحسابات عن العاطفة، وما تنطوي عليه من مكايدات لجماعة الإخوان المسلمين، وأن تركّز على ما هو أبعد من ذلك، فبقاء نظام الأسد يعني استمرار حالة عدم الاستقرار في الإقليم بكامله، كما أنه سيعني تعزيزا للوجود الإيراني. ومن يقول غير ذلك يكذب على نفسه، فالأسد أصبح رهينا لإيران، ولا أميركا أو روسيا يعنيهما تفكيك العلاقة بين الأسد وطهران، بقدر ما لهما مصالح معينة، يركزان عليها من دون الاهتمام بأي اعتبارات أخرى.

على مصر أن تدرك أن اللعب في هذا الأمر خطير، فهي ستؤسس لدمار النظام الإقليمي العربي، ليس فقط عبر تدعيم الهيمنة الإيرانية على المشرق العربي، بل أيضاً عبر إعطاء الفرصة لنظام الأسد للعمل على تخريب النظام العربي من الداخل، فهذا النظام فكّك كل علاقاته مع العالم العربي، وما يهمه فقط هو الانتقام من العرب وإذلالهم. ويكفي تحليل الخطابين السياسي والإعلامي لنظام الأسد لاكتشاف حجم الاحتقار الذي يكنه للعرب، بغض النظر عن البلد الذي ينتمون له.

لا المكايدات ولا اللغة الإنشائية تصلح للتعامل مع قرار خطير بهذا الحجم، في حين أن

"من المعيب اختصار سورية ببشار الأسد، وشطب الشعب السوري من المعادلة" المعطيات هي باتجاه آخر، ولا تجد من يلتقطها للبناء عليها، فلا جيش سورية عربي سوري كما يدعون، بعد أن انشق السنة عنه واستنكف الدروز الخدمة فيه ودفع المسيحيون بدلاً نقدياً عن خدمة أولادهم فيه، وصارت كتائب الزينبيين والفاطميين وأبو العباس وحزب الله تشكل قوات النخبة فيه، ولا سورية (الأسد) دولة مؤسسات حقيقية، تستدعي بالفعل إعادة إنتاجها لإعادة إنتاج المأساة السورية، واستمرار ماكينة القتل والتهميش.

ليس لمصر، أو لأي دولة عربية أخرى، مصالح في سورية، أكثر من المصلحة مع الشعب السوري نفسه المستقر والمتصالح مع دولته. وهذا لن يحصل مع بشار الأسد الذي أخرج ثلاثة أرباع الشعب السوري من وطنيته، ويتوعد في حال استقرار الأمور لصالحه بالانتقام من السوريين فرداً فرداً.

بغض النظر عن اختلافنا مع نظام مصر، ثمة فرصة أمامه للعب دور مؤثر وفاعل في الأزمة السورية، وستكون مكاسبه استراتيجية وبعيدة المدى، وذلك عبر الاصطفاف إلى جانب حقوق الشعب السوري الباقي، وليس نظام الأسد الراحل، ولو بعد سنة أو اثنتين على أبعد تقدير.

إما إذا كانت نخب مصر تعتقد أن عليها ديناً يجب تسديده، فمن المعيب اختصار سورية ببشار الأسد، وشطب الشعب السوري من المعادلة، أما إذا أصررتم فالرجاء أن تغيروا الشعار إلى "من القاهرة إلى بشار الأسد قاتل الشعب السوري"، فالمناورة مكشوفة، ولا داعي لأن تطعمونا جوزا فارغا.

========================

مليونا دولار و"ركام" داريا .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الاربعاء6/9/2017

أقرّ مجلس الوزراء السوري، في اجتماع له أخيراً، مبلغ مليار ليرة سورية (مليونا دولار تقريباً)، من أجل إزالة الركام الذي سببه قصف المدينة المستمر أربع سنوات منذ عام 2012 وحتى 2016. يبدو الخبر سوريالياً بعض الشيء، فالأموال التي صرفها النظام السوري من أجل تدمير المدينة تعادل هذا الرقم مئات المرات، إن لم يكن أكثر، فقد تعرّضت المدينة إلى نحو 40 ألف برميل متفجر، وفقاً لبيانات الأمم المتحدة. ففي إحدى إحاطاته أمام مجلس الأمن، وصف المنسق المساعد للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفن أوبراين، مدينة داريا بأنها "عاصمة البراميل المتفجرة".

واليوم وبعد عام تقريباً على إجبار سكان المدينة على الرحيل من بيوتهم وقراهم، مجبرين وضد رغبتهم وإرادتهم، لم يستطع النظام السوري سوى رصد مليوني دولار من أجل إزالة الركام الذي خلفه القصف الهمجي الذي قام به، فما بالك بوعوده الكاذبة بعودة 300 ألف مواطن سوري، وهم عدد سكان المدينة، إليها، وتأمين الخدمات الأساسية للمدينة من ماء وكهرباء وغيرها.

بالنسبة لسكان المدينة، لم يعودوا بحاجة للمرور مجدّداً في فخ تصديق الأسد ونظامه، فما 

"الأسد الذي دمّر معظم المدن والقرى التي خرجت عن سيطرته لن يستطيع إعادة إعمارها" شهدوه من أهوال خلال سنوات الحصار الأربع كافية لهم للإجابة على أي متشكّك، أو متردّد، يفكر بالعودة إلى المدينة اليوم، فلا النظام لديه القدرة على إعادة إعمار ما هدمه، ولا السكان مستعدون لنسيان من قتلهم ودمّر ممتلكاتهم، ومن ثم قام بتهجيرهم، ثم يطلب منهم العودة بكل سهولة وبساطة. إنها الرسالة الأوضح اليوم أنه بدون تحقيق انتقال سياسي لن يكون هناك حل لقضية اللاجئين والمهجّرين التي يبدو أنها تحرّك العالم اليوم أكثر من قضية الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب بحق السوريين يومياً.

فالأسد الذي دمّر معظم المدن والقرى التي خرجت عن سيطرته على مدى السنوات السبع الماضية لن يستطيع إعادة إعمارها، ولا يبدو أن المجتمع الدولي أيضا مهتم بمساعدته على ذلك، فكما أن سورية اليوم أصبحت مقسّمة في سياسات المعارك بين النظام والقاعدة والكرد وروسيا وإيران والولايات المتحدة، فكل طرف "يحرّر" القطعة التي يرغب بها، حسب مصالحه التي يراها، ويبدو أنه مسؤول عن إعادة إعمارها "كل بحسب إمكاناته". ولما كان النظام السوري استنزف كل قدراته في تدمير المدن والقرى والبلدات، لم يبق منها ما يمكّنه من إعادة إعمارها، وهو ما يعيدنا إلى السؤال نفسه، أن من قام بالتدمير عن قصد وإرادة سياسية كاملة وسمح لمليشياته بالتعفيش لكل الممتلكات الخاصة والعامة، واستباح المدن مع سكانها، لا ينتمي إلى هذا الوطن اليوم الذي يقال له "سورية"، فسورية اليوم تحتاج نخبةً جديدةً تؤمن بها، وتخلص لسكانها ولم تتورّط في قتلهم وتهجيرهم وتشريدهم، وإلى حين وصول هذه النخبة إلى سدّة المسؤولية ستستمر التغريبة السورية بكل آلامها ومواجعها، وفي الوقت نفسه طرائفها مثل رصد مليوني دولار لإعادة إعمار مدينة كاملة، كان يسكنها قبل الحرب نحو ثلاثمائة ألف نسمة، وأصبحت الآن خاوية تماماً.

وينطبق الأمر نفسه على المدن الأخرى التي أقر لها "مجلس الوزراء السوري" مبالغ أقل أو أكثر، كما حال مدينة حلب التي كان يقطنها خمسة ملايين ساكن قبل الحرب، ولا يزيد عدد سكانها حالياً عن ثلاثمائة ألف ساكن، وبالتالي إعادة إعمار مدينة بحجم حلب ربما تكون أكبر بكثير من قدرات "مجلس الوزراء"، وهو ما لا يستطيع الاعتراف به ومصارحة السوريين بالقول إننا نستطيع التدمير بسبب قدراتنا الخاصة في الشر، لكننا لا نستطيع إعادة الإعمار، لأنها خصال لا تتوفر فينا، نحن المجتمعون في غرفة "مجلس الوزراء السوري الموقر".

تأتي هذه الأخبار بعد عدة مبادرات، أهمها مبادرة الاتحاد الأوروبي لمبادلة الانتقال السياسي بإعادة الإعمار في سورية في مؤتمر ضخم نظمه الاتحاد الأوروبي في يونيو/ حزيران الماضي، وكان هدفه الرئيسي إرسال رسالة إلى نظام الأسد بأننا مستعدون لمبادلة وقف إطلاق النار والقبول بالحل السياسي مقابل تمويل إعادة إعمار المناطق المتضررة، بالطبع لم يكن الأسد مهتماً أو حتى معنياً بالصفقة، طالما أنها تنص على تطبيق مبدأ الانتقال السياسي، وهو ما يشكل تحدياً لاستمراره في الحكم، والذي يشكل الأولوية القصوى له وللدائرة الضيقة المحيطة به.

في مقابل ذلك، بدا الأسد مغرقاً في إعطاء الوعود لروسيا والصين وشركاتهما، بوعود إعادة

"بدا الأسد مغرقاً في إعطاء الوعود لروسيا والصين وشركاتهما، بوعود إعادة الإعمار" الإعمار، وكأن سورية تمتلك الأموال كي تدفع لهذه الشركات في مقابل مشاريعها، وهو ما أظهرته أرقام مجلس الوزراء السوري التي تظهر ليس فقط فقر الدولة وإنهاكها التام في عملية التدمير والقتل، وأيضا غياب إرادتها السياسية في تحقيق النمو أو إعادة الإعمار، فالأسد قدم خطاباً أقل ما يوصف به بأنه "نازي" المعاني والمفاهيم، من حيث حديثه عن "نقاء" المجتمع وتطهيره وتخلصه مما يضر به، وهي السياسة التي قام عليها هتلر في التخلص من الأقليات واليهود وذوي الاحتياجات الخاصة والعرقيات الأخرى المختلفة. وهنا لا يبدو الأسد مختلفاً كثيراً عن هتلر عند حديثه إن الأزمة ساعدت المجتمع السوري في بناء "مجتمع أكثر صحيةً"، ولذلك تبدو المقارنة اليوم بين الأسد وهتلر أو بول بوت في كمبوديا هي الأقرب، إذ يشبه بشارالأسد اليوم إلى حد بعيد بول بوت زعيم الخمير الحمر، والذي حكم كمبوديا من 1974 حتى دحره عسكرياً على يد فيتنام إلى الغابات عام 1979، وقد قتل أكثر من ثلاثة ملايين إنسان لأسباب أيديولوجية، فضلاً عن امتلاكه شخصية "مريضة" سادية، فكان يردد مقولة شهيرة تقريباً في كل الاجتماعات "بالحفاظ على حياتك لا نربح شيئاً وبخسرانك لا نخسر شيئاً". كان هذا المبرر لارتكاب أبشع جرائم الإبادة التي عرفتها البشرية. كان يزور مراكز التحقيق، ويردّد "من الأفضل أن تقتل بريئاً بالخطأ من أن تدع عدواً يفلت بالخطأ".

لا يختلف الأسد اليوم عن بول بوت أبداً، فاستخدام البراميل المتفجرة العشوائية التي فتكت بالمدنيين يومياً في كل المدن السورية تطبيق حرفي لمقولة بول بوت. وحديثه اليوم عن نقاوة المجتمع وتطهيره على أنقاض داريا التي هجر سكانها الربع مليون بالقتل والمجازر المتكرّرة والبراميل العشوائية عن أنه "مبسوط"، مترافقة مع ضحكاته المتكرّرة تكشف عن شخصية سادية نموذجية في التلذّذ بآلام الناس وعذاباتهم.

========================

هذه هي سوريا الجديدة إذا سكت السوريون .. د. فيصل القاسم

الشرق القطرية

الاربعاء6/9/2017

كل الذي نسمعه ونقرأه عن الحل السياسي في سوريا مجرد مضيعة للوقت وضحك على الذقون، فلا تصدقوا أبدًا أن الأمم المتحدة أو القوى الكبرى يهمها التوصل إلى حلول ترضي الشعوب أو تحقق العدل في البلدان المأزومة.

والأنكى من ذلك أن الوسيط الروسي الذي يعمل على الحل السياسي هو أكبر الداعمين للنظام السوري، وهو إلى حد كبير يشبه الوسيط الأمريكي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإذا كنتم تتوقعون خيرًا من أمريكا لنصرة الحقوق الفلسطينية، عندئذ توقعوا خيرًا من الروس لنصرة السوريين المعارضين للنظام. كيف تتوقعون من روسيا التي تتفاخر بأنها أطلقت أكثر من مئتي ألف قذيفة على السوريين بأن تكون وسيطًا نزيهًا بين النظام والمعارضة؟ مستحيل. حتى لو أرادت الدول الكبرى الاستقرار في سوريا على الأقل لمصلحة إسرائيل، فلن يحصل السوريون إذا قبلوا بالحل السياسي على أكثر من اتفاق طائف سوري على غرار اتفاق الطائف اللبناني الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. هذا في أحسن الأحوال، أما في الأحوال العادية فلن يحصلوا على شيء، لأن الذي يحدد مسار الوضع على الأرض هي القوة.

من الذي يمتلك القوة على الأرض؟ بالطبع النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون، وبالتالي فهم سيفرضون الحل السياسي المزعوم على كل السوريين إذا سكت السوريون ورضخوا. والأخطر من ذلك أن اتفاق الطائف السوري الذي سيوزع السلطات بين مكونات الشعب السوري، إن حصل، سيكون أسوأ من الطائف اللبناني بكثير، فعندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية بعد ستة عشر عامًا من القتال والدمار، كانت الطوائف والفصائل اللبنانية في وضع متشابه، كلها كانت مستنزفة ولا داعم دوليًا قويًا لأي منها، وبالتالي كان ممكنًا حل المسألة اللبنانية بتوزيع السلطات بين المسيحيين والسنة والشيعة والدروز بسهولة، بينما في سوريا فإن النظام هو الأقوى الآن ليس بفعل قوته الذاتية، بل بفعل الدعم الروسي والإيراني الكبير الذي يحظى به مقابل تسليم ثروات ومقدرات البلد للروس والإيرانيين. وكلنا سمعنا التصريحات الروسية والإيرانية التي قالت: لولانا لسقط النظام خلال أسبوع. لكن مع ذلك، فإن الاحتضان الروسي والإيراني للنظام يجعله الآن الطرف الأقوى في أي مفاوضات لتقاسم السلطة مع أطياف المعارضة التي لا داعم حقيقيًا لها، وقد أصبحت الآن كالأيتام على موائد اللئام. وبالتالي، فإن وضع النظام الآن في سوريا أشبه بوضع حزب الله في لبنان بعد مضي حوالي ثلاثة عقود على اتفاق الطائف، أي بعد أن أصبح الحزب هو الأمر الناهي في كل القضايا السياسية والعسكرية والأمنية في لبنان على اعتبار أنه الفصيل الأقوى في البلاد. أما النظام السوري بفضل الدعم الخارجي فهو الآن أقوى من بقية الفصائل، فما بالك إذا فرض الروس والإيرانيون على السوريين اتفاق طائف سوريًا. بعبارة أخرى فإن الوضع في سوريا سيعود إلى حتى ما قبل المربع الأول، وستكون قوى المعارضة وبقية الشعب السوري الذي ضحى بالغالي والنفيس الخاسر الأكبر من أي اتفاق يبقى فيه النظام محتفظًا بالقوة العسكرية والأمنية في البلاد.

كما هو معلوم، لا قيمة لأي تقاسم للسلطة في البلاد العربية إذا بقي الجيش والمخابرات في أيدي طرف معين. انظروا أين أصبح لبنان بعد اتفاق الطائف الذي قسم السلطات بين اللبنانيين. هل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والرئاسية مستقلة وقادرة على تنفيذ مهامها باستقلالية وحرية، أم إنها باتت مطية للقوة المهيمنة عسكريًا على لبنان ألا وهو حزب الله؟ لا تنسوا أن سعد الحريري زعيم السنة في لبنان الذين حصلوا بموجب اتفاق الطائف على السلطة التنفيذية، أي رئاسة الحكومة، عاش لسنوات وسنوات خارج لبنان لأنه لا يأمن على حياته داخل لبنان. وحدث ولا حرج عن مؤسسة الرئاسة اللبنانية، فهل الرئيس اللبناني الحالي يمثل المسيحيين فعلًا كما نص اتفاق الطائف، أم إنه لم يكن يحلم بالوصول إلى الرئاسة أصلًا لولا تحالفه مع حزب الله الذراع العسكري والأمني الأقوى في لبنان؟ ما قيمة أي اتفاق يقسّم السلطات بين مكونات أي شعب بعد حرب أهلية إذا ظل هناك طرف يمسك بمقاليد القوة العسكرية والأمنية ويبتز الآخرين بها؟

بالمناسبة النظام السوري إذا ظل وضعه على ما هو عليه الآن بعد أي مفاوضات لتقاسم السلطة بين السوريين سيكون في وضع مشابه لوضع حزب الله في لبنان الأمر الناهي في البلاد، وستكون بقية السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ألاعيب في يديه، حتى لو تم توزيعها بموجب أي اتفاق على بقية مكونات وقوى الشعب السوري.

ما قيمة الحكومة السورية ومجلس الشعب والسلطة القضائية في سوريا أمام قوة الجيش والمخابرات؟ لا قيمة لها أبدًا، فهي مجرد عتلات بأيدي القوة الأمنية والعسكرية. لهذا فإن أي اتفاق سوري لا ينص على تحويل الجيش والمخابرات إلى مؤسسات وطنية لكل السوريين، فهذا سيعيدنا إلى ما هو أسوأ من المربع الأول، لأن تلك المؤسسات فيما لو بقيت بأيدي أصحابها الحاليين ستكون أشرس وأسوأ بكثير بعد الاتفاق، لأنها باتت تحظى بمشروعية ومباركة داخلية ودولية، وبالتالي ستتصرف بضراوة وعنجهية أكبر مع الجميع. طبعًا لا أحد ضد أن يكون لسوريا جيش عظيم وأجهزة أمن أعظم، لكن بشرط أن لا تكون محصورة في أيدي طائفة أو جماعة تستخدمها لتركيع السوريين وابتزازههم وحماية مصالح الفاسدين والمجرمين في البلاد. مرحبًا بأجهزة أمنية وجيش سوري عظيم لكل السوريين يحمي مصالح الشعب والوطن، لا مصالح الطغمة الحاكمة وعملائها ومرتزقتها العسكريين والأمنيين.

========================

هل نجح نظام الأسد وحلفاؤه في احتواء الثورة؟ .. لؤي صافي

الحياة

الاربعاء6/9/2017

الثورة السورية التي بدأت في منتصف آذار (مارس) 2011 تحولت خلال أشهر قليلة إلى صراع مسلح بين نظام الأسد وقوات "حزب الله" و "الحشد الشعبي" الذي تدعمه طهران من جهة، وقوى إسلامية متطرفة تقاتل تحت راية "القاعدة" وتعمل على ابتلاع القوى الثورية المحلية والمنشقين عن الجيش السوري من جهة أخرى. الثورة التي بدأت ثورة سلمية شعبية ترفع شعارات الحرية والعدالة والكرامة، وتدعو إلى إنهاء احتكار النظام للسلطة، انتهت نتيجة دهاء الطغمة الحاكمة في دمشق إلى صراع طائفي. هل يعني ذلك أننا أمام مشهد جديد يعود فيه النظام إلى سابق عهده، ويتم وأد الثورة وعودة الخضوع لقواعد الحكم السلطاني التي اعتقد السوريون أنهم تجاوزوها عندما أعلنوا قيام الجمهورية السورية عقب الاستقلال من الوصاية الفرنسية؟ هذا السؤال المهم والصعب يدور في رؤوس السوريين في المناطق الخاضعة للنظام والمناطق الخارجة عنه، كما يدور في رؤوس المهجرين السوريين المنتشرين على حدود سورية وعبر القارات الخمس. ولأن السؤال معقد، والمتغيرات التي تحكمه عديدة ومتحولة، فإن محاولة تقديم مشهد واضح لمآلات الصراع ستكون أقرب إلى التنجيم منها إلى التكهن العلمي. وغاية ما نستطيع تحديده عملياً بناء على المعلومات والمعطيات المتوافرة هو رسم الخطوط العريضة لاتجاه الثورة ومآلات الصراع، والتي يمكن اختصارها بالنقاط الست الآتية:

أولا: عودة النظام إلى التحكم بالمجتمع المدني السوري كما فعل قبل الثورة، رغبةٌ إيرانية روسية لا تعضدها الوقائع، نظراً الى التراجع الكبير في قدرات النظام المالية والعسكرية، والتغيرات العميقة التي تركتها الثورة وأساليب القمع الوحشي التي اتبعها النظام والتي ترسخت في وعي جيل كامل من السوريين بلغ رشده خلال سنوات الثورة. الدمار الكبير في البنية التحتية سيحتاج إلى إمكانات غير متوافرة بسبب تراجع الرصيد المالي للدولة، وهجرة الكفاءات العملية خارج البلاد. أضف إلى ذلك أن العبء الاقتصادي الذي تحمله حلفاء النظام لا يسمح لهم بتوفير رأس المال المطلوب لإعادة الإعمار.

ثانيا: سيواجه النظام تحدياً كبيراً في استعادة قدرته على التحكم في مفاصل الدولة عبر أجهزة مركزية، كما فعل خلال نصف القرن الماضي، نظراً للاستنزاف البشري الكبير في حاضنته، وتراجع قدراته المالية والبشرية، وتزايد نفوذ الميليشيات الشيعية والميليشيات التابعة لإيران في جميع المناطق. سيكتشف النظام سريعاً أنه عاجز عن لجم الهيمنة الإيرانية بسبب حاجته إلى دعم إيران الذي سيستمر حتى لحظة سقوطه، نظرا لوصول النفوذ الإيراني إلى داخل الأجهزة الأمنية التابعة له.

ثالثا: الخطة الحالية لإنهاء الصراع في سورية لن تؤدي إلى تجاوز الأسباب التي دفعت السوريين الى الانتفاض والثورة، بل على العكس تسعى إلى تكريس الواقع السيئ الذي ساد خلال حكم حزب البعث، فالنظام الذي تبنى سياسات عنصرية وطائفية وفئوية خلال ولاية حافظ الأسد، أضاف خلال حكم بشار الأسد إلى سجله الماضي مئات الآلاف من ضحايا التعذيب، والاختفاء القسري، والقتل العشوائي للمدنيين، وتدمير المنازل والبنية التحتية في أحياء واسعة من المدن والقرى والسورية. تجاوز أسباب الصراع يحتاج إلى الدخول في برنامج محاسبة ومصالحة، وهو أمر يعجز عنه نظام استبدادي مسؤول عن بدء الصراع وتحوله إلى صراع دموي مأسوي.

رابعا: كشفت الثورة السورية مخاطر الاصطفاف خلف حركات التشدد الإسلامي، كما أظهرت عجز الحركات الدينية ذات الرؤية الحصرية عن قيادة المجتمعات المعاصرة، والتشابه الكبير بين الاستبداد العلماني الذي مثله نظام البعث في سورية، والاستبداد الديني الذي تجلى في سلوكيات السلفية الجهادية. التشابه بين سلوكيات الطرفين يؤكد أن المشكلة التي تواجهها المجتمعات العربية ليست مشكلة بنيوية تتعلق بالقوى والأحزاب الحاكمة، بل مشكلة ثقافية تتعلق بالقيم والمواقف التي تقود الإنسان العربي في تحركاته السياسية.

خامسا: أظهرت أحداث الثورة ضرورة بروز كتلة سياسية حرجة، تملك القدرات التنظيمية والقيادة الواعية، لمنع تشرذم المعارضة وتفتتها، كما أظهرت خطل التعويل على الخطاب الداعم لدول تملك مصالح متضاربة للقيام بعملية التغيير. تفكيك المعارضة السورية تم خلال ست سنوات، وبخطوات مضطردة، بدأت بشرذمتها بين معارضة ثورية وسياسية، ثم بين معارضة داخل وخارج، ثم بين معارضة وطنية وأممية.

سادسا: كشفت الثورة في سورية، وفي دول الربيع العربي، التراجع المخيف في قدرات المجتمع العربي الذي عاش تحت ثقل الأنظمة الشمولية المستبدة، وأظهرت تداعيات العيش في مجتمع تحكمه ممارسات القوة والحظوة والمحسوبية، وفي مجتمع لا يدرك أفراده أن كرامتهم وكرامة أبنائهم لا يمكن أن تتحقق في غياب الأخلاق العامة، واحترام القانون العادل، والتضامن في وجه الظلم والفساد.

عودة إلى السؤال الذي انطلقنا منه: هل نجح النظام السوري وحلفاؤه في احتواء الثورة؟

في سياق التطورات على الأرض، وفي ضوء النقاط الست السابقة يمكن القول أن النظام نجح في احتواء الثورة جزئيا، ولكنه عاجز عن السيطرة على البلاد بالطريقة المركزية التي ميزت سورية قبل الثورة. ولأن حلفاء النظام يدركون ضعفه ومكامن القوة الماثلة في المناطق المحررة فهم يسعون اليوم إلى تحويلها من مناطق محررة إلى مناطق هدن. المطلوب تحويل تلك المناطق إلى مساحات لخلق مجال لقيام مجتمع مدني حيوي، ومناطق حكم ذاتي يمكن أن تتحول إلى نموذج بديل من نموذج الدولة المركزية التي تتحكم فيها أسرة الأسد وطغمة فاسدة من أصحاب المال المنتفعين من بقاء النظام. العمل لتحويل الهدن إلى بديل من الحكم المركزي الاستبدادي شيء تجاهلته المعارضة السياسية، المنشغلة بمفاوضات جنيف الفارغة من الفاعلية الدولية، والتي تحولت بالتدريج إلى ثقب أسود تتلاشى داخله جهود المعارضة وتضيع.

المعارضة السياسية التي سبقت قيام الثورة، وتلك التي أفرزتها السنوات الثلاث الماضية، أظهرت عجزها الواضح عن التحول إلى كتلة متماسكة داخلياً، كما عجزت عن توليد قيادة سياسية يلتف حولها الجميع. الشيء الوحيد الذي تستطيع المعارضة الحالية تقديمه هو دعم جهود توحيد مناطق الهدن، وتحويلها إلى مناطق لقيادة المرحلة القادمة سعياً إلى تغيير سياسي حقيقي في سورية يقوم به جيل جديد من الشباب السوري الذي وقف بصلابة في وجه عدوان النظام وإجرامه. المرحلة الأولى من التغيير السياسي بدأت في سورية، ولكن إنجاز التغيير السياسي المطلوب لن يتم من خلال الحراك الشعبي والتضحيات الوطنية وحسب، بل سيحتاج إلى رؤية سياسية واجتماعية جديدة، وإلى نضج فكري ونظرة حضارية مختلفة تماماً عن تلك التي حكمت التحرك الثوري في مراحله الأولى.

========================

مجالس مدنية لجبهة النصرة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين4/9/2017 

ليس هناك ما يثير الاستغراب في تطابق آليات تفكير النظام الأسدي وطرق تصدّيه للمشكلات، وآليات تفكير قيادة جبهة النصرة وطرقها في التصدي لما يترتب، في الحالتين، على تفكير (وأفعال) استبداد سياسي في دمشق، مذهبي في إدلب، يلتقي عند أمر جوهري، يرى من السياسة السلطة وحدها: أداته لإعادة إنتاج مجتمع قطيعي، فقد بانعدام حريته إنسانيته، فهو مجزّأ ومتناحر وخاضع خضوعا مطلقا لفردٍ معصوم سياسيا في العلمانية الأسدية ذات الملامح والمضامين الدينية، ودينيا في المذهبية الجولانية ذات الإيحاءات السياسية. يفضح هذا الجوهر، بتظاهراته المتماثلة الصادرة عن تطابقه، حجم التزوير في تسميات النظامين، وكم هي الأسدية جولانية والجولانية أسدية، وكم تحفل علمانية الأولى بمضامين قاعدية، تتصل بعبادة فردٍ أبطلت عبادة الله، ودينية الثانية بتسييس فردٍ تجعل ستائره وحجبه من الأرباب الإلهية. لا عجب إن رأيت في الأسد جولاني نظامه، وفي الجولاني أسد نصرته، وأكدت أن أيا منهما ليس القائد الأول في تنظيمه، بل هو القائد الأوحد الذي لا يجوز أن يتردد في التخلص من أي تابعٍ يخال نفسه ثانيا فيه، فالقائد الأوحد لا ند ولا نظير ولا ثاني له، وإلا لكان، أولا، زعيما ذا مرتبة، بينما هو الزعامة في شخصٍ لا يوجد، ولا يجوز أن يوجد، بل ولا يمكن أن يوجد بين البشر، وفي شعب"ه" الخاص، من يحق أو يجوز له أن يماثله أو يدانيه.

في كل مرةٍ واجه النظام الأسدي مشكلة، عمل لتوسيع دوائر التضليل من حوله، لإخفاء حقيقته وإيهام السوريين أنه بدأ، أخيرا، يبدل بنيته وأساليب عمله، وشرع يمد يديه إليهم بالرغبة في التغيير. بما أنه كان يكذب في أقواله التهويلية حول التعاون مع الآخرين، وخصوصا المعارضين منهم، فإنه سرعان ما كان يضيف إلى أكاذيبه أكذوبة جديدة تشكو من عدم وجود من يتفاعل بإيجابية مع قراره بوضع نظامه في خدمة شعبه العزيز. لذلك يتحمل الآخرون المسؤولية كاملة عن فشل التغيير، وما قد يقع اليوم أو غدا من أخطاء سترجع حكما إلى لاعقلانية مطالبهم وخطابهم التهويشي اللذين يستهدفان إضعافه، في حين أن هدف التغيير لا يجوز أن يكون غير تقويته.

في كل مرة كانت سورية تواجه مشكلاتٍ أنتجتها الأسدية، كانت تتعالى دعوتها إلى تحميل الغير عبء مساعدتها على تجاوزها، وبعد تخطيها، كان القسم الأكبر ممن استجابوا لدعوتها حول التعاون يذهب إلى السجن، بينما ينضم قسم صغير منهم إلى فاسدين ولصوص ومجرمي الأسدية ويخونون شعبهم. بمرور الزمن وتعاقب الأزمات، صار من يخاطبهم الأسديون يقولون، حين يطلب تعاونهم: "اللي بيجرّب المجرّب بيكون عقله مخرّب".

.. واليوم، يحاول أسدي النصرة، أبو محمد الجولاني، تغطية مأزقٍ ليس لديه حل له، هو استحالة قيام نظام إسلامي في سورية بيده من جهة، وتزايد احتمالات تعرّضه للهلاك على يد تحالف أميركي/ روسي، يستهدف نصرته باعتبارها تنظيما قاعديا من جهة أخرى، هو في تصريحات جنرالات الطرفين الخطر الأشد على أمن العالم وسلامه. لذلك، لا مفر من القضاء عليه، إذا لم يوجد حل سياسي يضع حدا لوجوده. ماذا يفعل الجولاني لتفادي الكارثة؟ إنه يدعو إلى تشكيل مجالس مدنية تدير منطقة إدلب، تشبه "الجبهة الوطنية التقدمية" التي كان الأسد الأب قد "شكلها من تافهين لعبوا أدوارا خطيرة وغير تافهة"، كما كان أستاذ جيلي الراحل إلياس مرقص يقول. اليوم، يريد الجولاني تافهين يلعبون دورا خطيرا وغير تافه هو افتداء تنظيمه بأرواح الشعب، نسوا كم قتل منهم، واختطف من نسائهم وأطفالهم، وسجن من رموزهم، ودمر من تنظيمات جيشهم الحر، وسبب موت آلاف منهم. وكم تجبر وتكبر وأصدر أوامره الإلزامية إليهم من شرفات وحيه الرباني.

هل يسقط ضحايا جبهة النصرة في الفخ الذي تنصبه لهم، ويسمحون لها باستخدامهم، فيهلكون بدلا منها، بزعم أنهم "مجالس مدنية" تدير مناطقها، بينما تسيطر على قراراتهم بما تبثه في نفوسهم من رعب، وتمارسه ضدهم من ابتزاز يطاولهم هم وأسرهم وأصدقاءهم، وتوجهه إلى صدورهم من سلاح؟

"من يجرّب المجرّب يكون عقله مخرّب". لن تستحق المجالس اسمها، أو "تمون" على أي شيء. لذلك لا يجوز أن ينخرط فيها أحد، قبل إعلان الجولاني حل جبهة النصرة، بمختلف مسمياتها، ليس من أجل أن يلبي مطلبا أميركيا أو روسيا أو دوليا، بل استجابة لمطلب شعب سورية الذي لا يهدّد هو وجبهته أحدا سواه.

========================

فرنسا تتراجع عن السلام مع الأسد .. بشير البكر

العربي الجديد

الاثنين4/9/2017 

خلط وزير الخارجية الفرنسية، جان إيف لودريان، أوراق سياسة بلاده تجاه سورية، وخرج يوم الجمعة بتصريح يختلف كليا عن كل التصريحات التي صدرت عنه وعن رئيس الدولة، إيمانويل ماكرون، في ما يتعلق برئيس النظام السوري بشار الأسد، وقال إنّ الأخير "لا يمكن أن يكون الحل"، رافضاً بقاءه في المرحلة الانتقالية.

وشكّل تصريح لودريان مفاجأة، كون مواقف وزير الخارجية ورئيس الدولة الفرنسية ماكرون منذ حوالي شهرين التزمت السير على خط واحد، وأكدا أنهما لا يريان "بديلا شرعيا للأسد"، وأن "فرنسا لا تعتبر رحيل الأسد شرطا للتفاوض" مع النظام السوري.

وقال لودريان، لإذاعة لوكسمبورغ الجمعة، إنّه "لا يمكن أن نبني السلام مع الأسد. لا يمكنه أن يكون الحل. الحل هو في التوصّل مع مجمل الفاعلين إلى جدول زمني للانتقال السياسي يتيح وضع دستور جديد وانتخابات، وهذا الانتقال لا يمكن أن يتم مع بشار الأسد الذي قتل قسماً من شعبه".

جاء تصريح الوزير الفرنسي بعد زيارته إلى العراق، وانعقاد المؤتمر السنوي للسفراء الفرنسيين في نهاية الشهر الماضي، وعقب خطاب الرئيس ماكرون أمام مؤتمر السفراء الذي أعلن فيه أن فرنسا ستعلن تشكيل "مجموعة اتصال" جديدة حول سورية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثلث الأخير من شهر سبتمبر/ أيلول الحالي. وحسب أوساط فرنسية مطلعة، فإن التغير الذي حصل في الموقف جاء بفعل النقاشات التي شهدها مؤتمر السفراء حول السياسة الخارجية، ولم يكن قبل ذلك، لأن الوزير سبق له أن كرّر في بغداد يوم 26 أغسطس/آب خلال لقائه مع نظيره العراقي، إبراهيم الجعفري، المواقف السابقة التي صدرت عنه وعن ماكرون، وقال إن "باريس لا تطرح رحيل الرئيس السوري بشار الأسد شرطا مسبقا، إنما ترى أولويتها في الحرب على تنظيم داعش في الأراضي السورية".

جاء الضغط بضرورة إجراء مراجعة سريعة في السياسة الخارجية الفرنسية من داخل مؤتمر السفراء الذي شهد انتقادات حادة لسياسة ماكرون التي وصفها بعضهم بأنها "سطحية وخالية من العمق، ولا تدرس مصالح فرنسا جيدا، ولا تمتلك تقديرا دقيقا للأزمات"، وجرى ضرب مثال على السطحية الاجتماع الذي نظمته باريس، في يوليو/تموز الماضي، بين رئيس حكومة الوفاق الليبي فايز السراج وقائد جيش حكومة طبرق اللواء خليفة حفتر، والذي أسفر عن اتفاق لم يصمد أكثر من 24 ساعة، وسبب ذلك انتقادات واسعة للدبلوماسية الفرنسية المعروف عنها عادة أنها لا تتعامل بهذه الخفة مع أزمات معقدة.

ويتركز النقد على سياسات ماكرون تجاه سورية، والتي حاولت التماهي مع الموقفين الأميركي والروسي، حيث اعتبر أولا أن الأولوية لمحاربة داعش وفق ما سارت عليه إدارة الرئيس دونالد ترامب، وثانيا أن رحيل الأسد ليس شرطا مسبقا للتفاوض، وهو ما تتمسّك به موسكو منذ بدء عملية جنيف في 2012، وتريد منه فعليا إعادة تأهيل الأسد، بدل محاكمته أمام محكمة الجنايات الدولية بسبب ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ويرد في الانتقادات الموجهة إلى موقف ماكرون من الأسد أنه تنازلات مجانية، لم تجن فرنسا من ورائها أي مقابل، بل خسرت أخلاقيا بسبب تراجعها عن الدعوة إلى محاكمة الأسد. وفي حين كانت تنتظر من الرئيس الأميركي تراجعا بصدد اتفاقية المناخ، فإن ترامب استمر على تعنته حين زار باريس ضيف شرف في احتفالات العيد الوطني في 14 يوليو/ تموز الماضي، والأمر ذاته بالنسبة إلى موسكو التي عوّل عليها ماكرون أن تشرك فرنسا في الترتيبات المقبلة في سورية، وخصوصا إعادة الإعمار، لكنه لم يحصل على أي وعد من نظيره فلاديمير بوتين.

تصريحات لودريان الجديدة هي من باب المراجعة، حسب معلومات مصادر وزارة الخارجية الفرنسية، وهذا هو السبب وراء إعلان ماكرون عن تشكيل "مجموعة اتصال" جديدة حول سورية، على الرغم من أن تجارب مجموعات الاتصال السابقة لم تكن ناجحة من جهة، ومن جهة ثانية تلعب أستانة دور نقطة اتصال، حيث تشارك في اجتماعاتها الأطراف المعنية بالوضع الميداني.

في جميع الأحوال، سوف تشكّل مبادرة ماكرون مدخلا وفرصة لتصليب موقف فرنسا، من مسألة رحيل الأسد الذي تؤكد التطورات الميدانية في سورية أنه يستحيل التقدم من دون تجاوز هذه العقبة.

========================

رحيل الأسد ومعركة المنصّات الجديدة .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين4/9/2017 

تختصر المعارضة السورية معركتها السياسية ـ التفاوضية بين "المنصات"، التي اجتمعت في الرياض أخيرا (21 أغسطس/ آب)، في بند رحيل الأسد، والخلاف حول إعلان ذلك، وتصدير هذه المعركة إلى السوريين عبر الإعلام، كأن كل ما أرادته في قيادتها المعارضة قد تحقق، أو أنجز، باستثناء هذه "الجزئية"، أي المتعلقة برحيل الأسد أو بقائه، في وقت تتسارع فيه الدول الراعية للمنصات ذاتها إلى التقليل من أهمية هذا البند الذي تراه الهيئة العليا للمفاوضات جوهر العملية التفاوضية، بينما تراه "منصة" موسكو شرطا مسبقاً مرفوضاً، وتراه "منصة" القاهرة تفصيلاً يمكن التعاطي معه بدبلوماسية تتيح التوافق، وتحول دون ازدياد الشرخ في معارضةٍ لم يلتئم شملها بعد.

وعلى الرغم من الإعلان عن حجم المشتركات بين "المنصّات"، إلا أن ما يثير الاهتمام أن هذه المشتركات هي نفسها مع النظام، بدءاً من التوافق على سورية الواحدة الموحدة إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة، ما يعني أن الأصل في الاجتماع هو التوافق على المختلف عليه بينهم، والذي تم اختصاره، أولاً، بمصير الأسد، وثانياً، بالدستور الذي يحكم المرحلة الانتقالية، مع أهمية الأول، الأمر الذي تحوّل إلى همروجة إعلامية شعبوية، هدفها إثارة الرأي العام، وتحويل أنظاره عما هو أهم وأعمق في العملية التفاوضية، وما سبقها وسياقاتها ومآلاتها.

ليس المهم اليوم مناقشة ما يمكن أن يطرحه اجتماعٌ لم يذهب إليه المجتمعون بناء على رغبة

"بقاء الأسد أو رحيله ليس بالاتفاق بين المنصّات، هو بيد القوى الدولية والإقليمية الفاعلة" ذاتية تقتضيها المصلحة الوطنية، أو "لتكتيكات" تفاوضية آنية، أو جزئية، وإنما تنفيذاً لإملاءاتٍ دولية، لوّحت لهم بها القرارات الدولية، وتم تجاهلها نحو عامين متتاليين، تحت شعاراتٍ تمسّكت بها الهيئة العليا للمفاوضات من دون أن تعي عواقبها، فهي التي رفضت بداية عقد مثل هذه الاجتماعات، ثم أعلنت على الملأ أن المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، غير مخول بدعوة وفود إلى التفاوض مع النظام "إلاها". وبعد ذلك، رضخت لهذا الأمر، بعد أن كانت قد رضخت لفتح مسار تفاوضي جديد هو مسار أستانة.

هكذا قام المبعوث الأممي بدعوة منصتي القاهرة وموسكو، وغيرهما، إلى جولات التفاوض، في حين برّرت الهيئة ذلك باعتبار الأمر مجرد مشاورات، وبسبب الإصرار على عدم قراءة قرار مجلس الأمن 2254 الذي صدر نهاية 2015 والذي ينصّ صراحةً على شراكة هذه المنصات، ومن يراها المبعوث الأممي أيضاً. وفي المحصلة، تحولت الهيئة العليا للمفاوضات ذاتها إلى مجرد منصة، وهي التي كانت تضم أكثر الهيئات والكيانات المعارضة، سواء المشكّلة خارج الأراضي السورية، كالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وممثلين عن فصائل عسكرية تعمل من داخل و"خارج" الأراضي السورية، وممثلين عن معارضة الداخل مثل هيئة التنسيق الوطنية، ومجموعة من المستقلين، وجميع المدعوين من هيئات أو أفراد كانت دعوتهم اسمية، ولاعتبارات الدول المقرّرة، أي أنها ليست نتاج انتخابات شعبية، أو لاعتبارات تمثيلية، ما يسقط فكرة تمثيل الشعب، ليضع مكانها تمثيل الكيانات والدول الداعمة فقط.

وبالعودة إلى القرار 2254 الذي يعد أحد أهم المرجعيات التفاوضية للمعارضة، وبعيدا عن القراءات العاطفية والرغبوية للمعارضة، فإنه يتضمن نصاً واضحاً على: "جمع أوسع طيف ممكن من المعارضة التي يختارها السوريون، والتي ستقرر ممثليها للتفاوض وتضع مواقفها التفاوضية بما يمكّن من إطلاق العملية السياسية، وإذ يأخذ علماً بالاجتماعات التي جرت في موسكو والقاهرة وغيرها من المبادرات، بغاية الوصول إلى هذا الهدف، وإذ يلحظ خصيصاً الفائدة الناجمة عن الاجتماع الذي جرى في الرياض في الفترة بين 9-11 كانون الأول/ديسمبر 2015، التي تسهم نتائجها في التحضير للمفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة حول التسوية السياسية للصراع، طبقاً لبيان جنيف وبياني فيينا".

فوفقاً لهذه الفقرة، وهي العاشرة في القرار 2254، فإن المسؤولية اليوم تتجلّى في التفطّن لإعادة قراءة هذا النص، بمسؤولية وطنية، وبواقعية، ومن دون مكابرة، قبل أن يصار إلى التعامل معها من جديد دولياً، في ظل المتغيرات على الأرض وفي ساحة المعارك. ويأتي

"تحولت الهيئة العليا للمفاوضات ذاتها إلى مجرد منصة، وهي التي كانت تضم أكثر الهيئات والكيانات المعارضة" ضمن هذه القراءة ملاحظة وجود قوة أخرى، غير متمثلة بعد، وسيُصار إلى فرضها لاحقا، وهي القوة الكردية، المتمثلة في قوات سورية الديمقراطية، التي تحظى بدعم أميركي مطلق، ليكون التعامل مع هذا الأمر وفقاً للأجندة السورية، وليس وفقاً للتوظيفات الخارجية، ووفقاً للتوافقات والمشتركات المتبادلة، بدلاً من تجاهل هذا الأمر ثم قبوله أمرا واقعا، كما حصل مع المنصات الأخرى. أيضا، هذه التطورات الحاصلة تطرح تساؤلاتٍ عن ماهية التسويات اللازمة مع كل من التحالف الجديد الإيراني والروسي والتركي، والذي يحقق مصالح متبادلة بين كل الأطراف، ويحفظ الأمن القومي التركي، من دون أن يتراخى بما يتعلق بحقوق الكرد في الدولة السورية الجديدة، وهذه، بعيداً عن الولاءات الحالية، هي مهمة وطنية، تدخل ضمن جهود العمل السياسي الذي يجب أن تضطلع به كيانات المعارضة بإرادة ذاتية، هدفها تحصيل حقوق كل السوريين ضمن المشروع الوطني البديل للنظام الاستبدادي القائم.

التعامل من منطلق فهم موازين القوى من دون التفريط بجوهر المطالب الشعبية في الحرية والكرامة وحق المواطنة، والتعاطي مع القرارات الدولية من منطق الواقع القائم، وليس القراءات السطحية، يدفع إلى القول فعلياً: إننا مازلنا أمام بابٍ مفتوح لشراكات تتجاوز المنصتين، كما ينص القرار في الفقرة العاشرة منه، بما يتعلق بدور الوسيط وصلاحياته التي يجب دراستها ورسم خطة تعامل واقعية معها، وتوظيفها في خدمة أهداف الثورة التي قامت من أجل إقامة الديمقراطية وإحقاق حقوق المواطنة لكل السوريين، أفراداً وقوميات. ومن دون ذلك، تتزايد جولات العملية التفاوضية من دون قطاف سوري لثمارها.

بقاء الأسد أو رحيله ليس بالاتفاق بين المنصّات، لأن هذا الأمر، وفقا لموازين القوى والمعطيات الراهنة، هو بيد القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، خصوصا أن هذا الأمر لا يحل بمجرد تصريحات أو بيانات، ولكن بالعمل الذي مازالت خططه توضع لمصلحة أجنداتٍ غير سورية، وتغيب عنها المصلحة السورية الحقيقية للمعارضين والموالين بإنهاء الاستبداد، نظاما وشخوصاً.

========================

السباق إلى دير الزور .. خورشيد دلي

العربي الجديد

الاثنين4/9/2017 

تتجه الأنظار إلى محافظة دير الزور التي تتحول تدريجيا إلى معقل لتنظيم داعش في سورية، بعد خسارته قرابة 70% من الرقة. ومع هذا التطور، تبدو معركة دير الزور أقرب إلى لوحة شطرنج، تتسابق إليها مجموعة من القوى المتنافسة، ولعل هذا دليل على أهمية هذه المعركة، باعتبارها حاسمة لرسم مصير المنطقة الشرقية في سورية وطبيعة العلاقات التي ستترتب مع كل من العراق وإيران، لطالما كانت دير الزور عبر التاريخ الجسر بين بغداد ودمشق. على المستوى الاستراتيجي، يحرص كل من التحالفين الأميركي والروسي على السيطرة على دير الزور لأسباب أمنية واقتصادية (تعد مناطق دير الزور الأكثر غنى في سورية بالنفط والغاز) تتيح له فرض رؤيته على مستقبل سورية، وإن لم يكن ذلك متاحا، فالتوافق مطلوب للحفاظ على المصالح والنفوذ وأوراق القوة.

في السباق إلى دير الزور، تتنافس ثلاث قوى للفوز بها، وإن تبدو المؤشرات لصالح الجيش السوري وحلفائه من الروس والإيرانيين وباقي المجموعات المقاتلة إلى جانبه. واللافت أن هذا المحور سرّع، أخيرا، زحفه باتجاه دير الزور من ثلاثة محاور، السخنة والتنف والرقة، في محاولةٍ لفرض شروطه على ميدان المعركة، وهو بتقدّمه هذا نجح في قطع الطريق أمام فصائل الجيش الحر في التنف للتوجه نحو دير الزور. والواضح أن العقل المخطط لهذه المحور هو اللاعب الروسي الذي أدرك مبكرا أهمية معركة دير الزور إلى درجةٍ يقال إنه طرح أهمية التوجه إلى دير الزور حتى قبل معركة حلب، فيما تحظى هذه المعركة باهتمام إيراني وعراقي، نظرا لأن الجسر البري بين الدولتين وسورية سيصبح مفتوحا، خصوصا بعد تحرير تلعفر من داعش.

الفريق الثاني الذي يتطلع إلى معركة دير الزور هو قوات سوريا الديمقراطية، ومن معه من الفصائل العربية، ولا سيما جيش الصناديد، وكان لافتا مسارعة هذا الفريق إلى إعلان تشكيل المجلس العسكري لدير الزور، وتأكيد استعداده لتحرير المحافظة من "داعش"، على الرغم من صعوبة ذلك، لا بسبب انشغاله بمعركة الرّقة ومحدودية قواته وقدراته، بل لوجود معارضة قوية من قبائل عربية كثيرة تشكل النسيح الاجتماعي لهذه المنطقة لدخول هذه القوات إلى المدينة. أما الفريق الثالث، فيتألف من فصائل من الجيش الحر المتمركزة في قاعدة التنف الأميركية، (مغاوير الثورة، أسود الشرقية، قوات أحمد العبدو، أحرار الشرقية... )، وهي فصائل انبثقت من حل الجيش السوري الجديد الذي تشكل قبل سنوات بدعم أميركي وبريطاني وأردني. وعلى الرغم من الحديث عن مساع أميركية لدمج هذه القوات في جيش موحد تحت اسم الجيش الوطني، ونقل عناصره إلى الشدادة في محافظة الحسكة، لجعلها مقرا له لخوض معركة دير الزور، إلا أن من الواضح أن ثمة مشكلات كبيرة تواجه هذه الفصائل، بعد قطع الجيش السوري وحلفائه الطريق أمامها من دون تحرك أميركي، بعد أن قالت واشنطن، في السابق، إن هذا خط أحمر، وكذلك رفض قوات سورية الديمقراطية التخلي عن الشدادة لصالحها، فضلا عن رفض هذه الفصائل التعاون مع قوات سورية الديمقراطية.

هذه الخريطة المتداخلة والمتشابكة للقوى المتنافسة تجعل من معركة ديرالزور معركة أولويات لكل طرف أو محور. وعليه، السؤال الأساسي هنا، هو على من سترسو هذه المعركة؟ وكيف ستكون العلاقة بين هذه الأطراف بعد تحرير المدينة؟ إذا كان من الصعب تخيل مواجهة أميركية – روسية في دير الزور، فإن التوافق على تقاسم هذه المعركة ربما يطرح نفسه سيناريو، خصوصا وأن حسمها قد يتطلب جهود معظم هذه القوات، إن لم نقل جميعها، لكن الثابت هنا أن معركة دير الزور ستفرز واقعا جديدا على صعيد التحالفات بين القوى على الأرض، لا سيما في ظل القناعة بأن التحالف الأميركي – الكردي في مرحلة ما بعد تحرير الرقة لن يبقى على حاله، وأن الكرد قد يجدون نفسهم أمام اللاعب الروسي والشراكة معه للحفاظ على مكاسبهم.

========================

أيها السوريون؛ مَن شَرِبَ البحرَ، لا يَغُصُّ بالساقية .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاثنين4/9/2017 

لم يعد لدى السوري ما يخسره؛ في الخارج كان أم في الداخل. يعرف أن من أوصله إلى حال كهذا هو تحوُّل منظومة الأسد إلى مغناطيس إرهابي دموي خانق. في الخارج، يُهان بالمعنى الكامل للكلمة: جواز سفره إهانة ؛ إن خلّف، هناك من يقول له: أهذا وقت التكاثر؟! إن ابتسم، هناك من يقول له: أتبتسم وبلدك بحال كهذا؟! إن أكل يقال له: أتأكل، وهناك من لا يجد كسرة خبز يقتات عليها؟! إن تكلم بالسياسة، يجد من يقول له: ما هذا التنظير السخيف، وواقع الحال يستلزم البندقية فقط؟! إن ذهب إلى جنيف، يجد من يحتقر جنيف بكل الكلام والاستراتيجيات التخاطبية التي ما أنزل الله بها من سلطان. إن وصّف نظام الأسد بالإجرام يجد من يقول له: ألم يخرِّب الائتلاف والسعودية وقطر البلد ؟! مَن هو افتراضياً رئيس بلده يعلن انتصار ه على الشعب، ويعلن فوزه بمجتمع متجانس- محاكاة للنازية الجديدة.

خسر السوري تقريباً كل شيء. ينظر إلى ان الآخر- المساهم في الكثير مِن مصابه- ليجده لم يخسر شيئاً تقريباً. ينظر فيما تفعله أمريكا فيجدها تسعى وراء مصالحها، وتحت كابوس لوبي الصهاينة تريد تعزيزاً لقوَّة إسرائيل لخمسة عقود قادمة تماثل الزمن الذي أراحها فيه نظامه. الروس- بعد أن ساهموا بتدمير بلده- يتقدمون بأوراق اعتمادهم لأمريكا والغرب الأوروبي كي يقبلا الأوراق ويزيحا المقاطعة ويرضيا بعودة بوتين لرئاسة رابعةً. إيران استشعرت تحول شعار “الموت لأمريكا” إلى قضية مُملَّة فأخذت تخطب ود أمريكا خلسة، تقول لأمريكا “لاعلاقة لنا بـ “11 أيلول؛ إنها فعلة سعودية آثمة، فاعتمدونا ممثلا في المنطقة، نفكر، نخطط، ولنا مشروعنا؛ و هؤلاء العربان هاجسهم الغنى والجنس، ونحن وكلاء أفضل؛ لنا حضورنا في سورية، والعراق بشيعته تحت تصرفنا، ونفطكم به مؤَمَّن، واليمن خربناه، والبحرين لنا، والسعودية تستحق الاهتزاز والتأديب، وقطر قامت بالدور التخريبي اللازم عسكرياً وارهابياً واعلامياً، ونحن ملجأها”. وتركيا تنوس بين الإسلاموية والعلمانية، والخشية من كيان كردي وطوارئ تُمدّد. و أوربا تهيم في غطرسة ألمانيا الاقتصادية ومحاولات بريطانيا أن يكون لها تفرّد وكيان تحققه بالانسحاب من اتحاد أوربي، جميع بقايا الاتحاد السوفيتي عبء على أوربي أناني دفع دماً ليصل إلى هنا، وهناك من يأتي ليعكر حياته.

يعرف السوري بالفطرة ودون الإطلالة على مراكز البحوث ودهاليز المخابرات أو الـ “ويكي ليكس” أن نظامه لم يثبت أو يستمر خمسة عقود دون أن يكون وقَّع “بروتوكولاً” مع الشيطان لتعزيز حال إسرائيل، والعمل “ناطوراً” على الحدود التي يأتي منها الخطر على كيان صهيون؛ فكان المحرك والموجه لحزب نصر الله؛ والمتعاقد الأقوى مع ذريّة الخميني، ليكونوا جميعاً حالات معتمدة من قبل ذلك المحفل الأعلى.

يعرف أن الأمم تدخلت بقضيته وأضاعت صرخته عندما وضَعَت “محاربة داعش أولوية “؛ وأن رئيس أمريكا السابق خصّص لمحاربتها 15 سنة؛ والسوري لا يستطيع الاستمرار بما هو عليه 15 دقيقة. تحمل وصبر و انتظر واستمر نزفه. يعرف أنه قد وُضِعَ أمام خيارات هي الأحقر في التاريخ البشري “الأسد أو داعش” \الأسد أو الارهاب”\ “الجوع أو الركوع” ” الأمان أو النزوح” ” الحاجز الإيراني أو الحاجز الروسي”.

يعرف السوري ان مَن تصدى لترجمة صرخته، من تحدث باسمه، من مثّله مزيج من ساسة قدامى وهواة وانتهازيون وعديمو الخبرة وبعض القلوب والعقول الخيرة التي أحست بفداحة ما هو به. يعرف أن ثورته انطلقت دون تخطيط أو مشروع أو اتضاح رؤية، وسارت بين كل الألغام المزروعة والمشاريع الجهنمية والخطط التي لا عهد له بها. يعرف أنه بين ألف مطرقة وسندان حارق خارق. خسر كل شيء، إن كان في الخارج، ومهانته؛ أو في الداخل، وذله. في ذهن السوري،”سقطت الشرعيات عن الأمم والدول والمعارضات. سقطت الشعارات التي تحكي عن العدل وتحض على حق الشعوب في التحرّر والاستقلال. سقطت الشعارات واليافطات لا لخلل في بنيانها أو تهافت في خطابها، بل لأنّ حَمَلَتها سقطوا في امتحان الثبات والصمود، وأجّروا إرادتهم وضمائرهم للعابثين الذين كانوا يرون سورية من ثقب إبرة مصالحهم وتوازناتهم.”

ما المخرج أمامه، وكل شيء في حالة انسداد رهيب و إحباط مخيف وحزن لا ضفاف له. خسر كل شيء, والآخر لم يخسر شيئا حتى الآن، شرف ذلك الآخر و أخلاقه وقيمه من المفقودات سلفاً، فلا تُحسب عليه خسارة. أمام السوري إما الانتقام أو التفكير الإيجابي والتخطيط وتكوين الرؤية التي تخرجه مما هو فيه. قد يبدو الأمر مستحيلاً؛ ولكن لا مستحيل على كوكبنا. لن ينفعه اذا خسَّر الآخرين وجعل حالهم كحاله. ينفعه أن يقوم كطائر الفينيق من الرماد.

 ليعلم السوري أن راية الحق لا تسقط بالتقادم؛ والظلم لا يسقط بالتجاهل، وليعلم أن حركته الكفاحية هي التي ترفع الأولى وتسقط الظلم والاستبداد. جملة من اللاءات عليه اتباعها وتمثلها والعمل الدؤوب عليها وجملة أخرى من الواجبات عليه إعمال ما تبقى له من عقل وروح ليحولها إلى مشروع يخرجه من مغطس العطالة الذي يجد نفسه فيه.

أيها السوري: هدفك العودة إلى الحياة، وذلك يستلزم إزاحة من يمنع عنك الحياة؛ فلا تتوجه بسهم انتقاد أو تصغير أو اساءة إلى من يشترك معك بصدق بالهدف المتمثل بـ” الخلاص من الاستبداد والديكتاتورية”. لا تثق بمن يعتاش على السلبية وزرع الإحباط واليأس.لا تقبل من يحرضك على الانتقام والتخريب. لا تقبل من يحضك على الخلاص الفردي والأنانية ومبدأ ” أنا ومن بعدي الطوفان”. لا تستسلم إلى أن القوة الغاشمة التي تسعى لدحرك دائمة. قوة الشر والاضطهاد والقمع أكثر وهناً من عش عنكبوت، لكنها توهمك بأنها المسيطرة والمهيمنة والأقوى. كل لحظة استقامة وفعل صحيح من قبلك تصل إلى مضطهدك الشرير وتوهن عزيمته وتردعه. اعلم أن هناك قوة جبارة لاعلم لك بها، وقد تكون غير محسوسة، ستراها تتجلى وتهزم من يقمعك ويغصك؛ ابحث عن السوري الذي يشاركك هواجسك وأحلامك وهدفك. تمسك بالمجالس المحلية لتكون صوتك ولتكون أنت من يقرر فيها، غذِّها راقبها صوّب مسارها انتقدها عززها، هي أنت بعيداً عن دكتاتورية واستبداد وإجرام ما كان قائما. احتلال الروس لن يدوم؛ عندما يحصلون على الصفقة المناسبة مع الغرب، سيتوقفون عن أخذ سورية رهينة ويغادرون. بشار الأسد لا يمكن أن يبقى؛ الملفات الإجرامية التي ارتكبتها منظومته لا يحملها أحد. العالم مستغن عن تحمُّل وصمة العار هذه.

أيها السوري: أنت الباقي، واعمل على هذا الأساس. ستدخل في مرحلة حكم انتقالية؛ بعدها تعود وبلدك إلى الحياة. من شرب البحر، لا يغصُّ بالساقية.

========================

قدم النظام وكرة سوريا .. صبحي حديدي

 القدس العربي

الاثنين4/9/2017 

"الجيش يسحق الحرّية في حلب"، كان هذا هو المانشيت الرئيسي لصحيفة "الموقف الرياضي" الأسبوعية؛ الرسمية الحكومية، لأنها تصدر عن مؤسسة الوحدة للطباعة والنشر، والتي تُصدر أيضاً صحف "الثورة" و"الجماهير" و"الوحدة" و"العروبة" و"الفداء" و"الفرات"، الرسمية جميعها، بدورها. وبالطبع، لم يكن ذلك المانشيت يتحدث عن قيام جيش النظام بسحق الحرّية فعلياً، كلّ يوم، منذ انقلاب حافظ الأسد على رفاقه في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، فذاك احتمال من عاشر المستحيلات الصحافية في سوريا آل الأسد؛ بل كان يصف نتيجة مباراة كرة قدم، فاز فيها فريق "الجيش" التابع لوزارة دفاع النظام، على فريق "الحّرية"، ثاني أندية حلب بعد "الاتحاد".

لم يمرّ ذلك المانشيت دون عقاب شديد، جرّاء الخطأ القاتل الذي ارتكبه تحرير الصحيفة، غنيّ عن القول؛ ولكنّ مغزاه، السياسي والعسكري والأمني، لم يفت، من جانب آخر، على الشارع الشعبي من أقصى سوريا إلى أقصاها. ذلك لأنّ جيش النظام ــ ممثلاً بـ"الوحدات الخاصة" بقيادة علي حيدر، و"سرايا الدفاع" بقيادة رفعت الأسد، والفرقة الثالثة بقيادة شفيق فياض ــ كان، بالفعل، يمارس حصار المدن (وبينها حلب، أكثر من سواها)، ويرتكب المجازر والفظائع، ويسحق الحرية والكرامة. ومع ذلك، كان المغزى يشمل، أيضاً، هيمنة هذا الفريق على مقدّرات رياضة كرة القدم في سوريا، ضمن معادلات أوسع نطاقاً تشمل خضوع الرياضات السورية بأسرها إلى آفات الفساد والتسلط والتمييز المناطقي والطائفي.

على سبيل المثال الأوّل، كان العميد محسن سلمان (أحد كبار ضباط "الوحدات الخاصة")، هو الراعي، والأب الروحي، لنادي جبلة؛ المدينة الساحلية، التي يتحدر من ضياعها عدد كبير من ضباط جيش النظام وقادة أجهزته الأمنية. وكانت رعايته للنادي تتمثل في أوجه كثيرة، أوضحها ــ من حيث الدراما والمسرح، ثمّ التأثير الفعال استطراداً ــ أنه قد يختار حضور مباراة لنادي جبلة، عن طريق الهبوط بمروحيته في قلب الملعب! وتخيّل، يا رعاك الله، القشعريرة التي يتوجب أن تصيب طاقم التحكيم، وكم سيتبقى في نفوسهم من حسّ الحياد والعدل أثناء قيادة المباراة!

وجه آخر للرعاية، أكثر "وطنية" كما كان يردد العميد بنفسه: كلما آنس موهبة متميزة في لاعب فريق آخر، ويطمح طاقم تدريب جبلة في ضمّه إلى النادي؛ كان يسارع إلى استدعائه للخدمة العسكرية الاحتياطية (إذا كان قد أدى الخدمة أصلاً)، أو يلغي تأجيل سحبه إلى الجيش، أياً كانت قانونية الأسباب، ثم يفرزه إلى النادي لكي يكمل "خدمة العَلَم" برتبة… لاعب "جبلاوي"! وأمّا البُعد "الوطني" في هذا الإجراء، فهو أنّ سيادة العميد لا يخدم فريقه المحبب إلى قلبه، بقدر ما يخدم الوطن، والعَلَم! هنا يقتضي الإنصاف القول إنّ رعاة فريق "الجيش"، ومثله فريق "الشرطة"، لم يتخلفا عن الركب في هذه الممارسة؛ ولكن هيهات لأيّ منهم أن يبلغ شأو سلمان في استدعاء من يشاء، متى شاء.

والذين كانوا من هواة كرة القدم، وتفتّح وعيهم مع "الحركة التصحيحية"، في أخلاقياتها الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والمعيشية والطائفية، خاصة بعد "حرب تشرين" 1972؛ لن تُطمس من ذاكرتهم عشرات الوقائع التي تتصل بتشوّه هذه الرياضة، وتشويهها عن سابق قصد وتصميم، أسوة بكلّ ما صار شائهاً ومرذولاً وكريهاً في ممارسات السلطة. وثمة فواصل مريرة، حقاً، لأنها كانت تدفع السوري إلى الشماتة بفريقه "الوطني" حين يخسر، ليس لأيّ اعتبار آخر سوى بغض النظام الذي يدير الفريق، وكذلك الهزء من منتخب لا يكترث بجمهوره الشعبي بقدر تهافته على إبداء الولاء لـ"القائد الخالد"، الذي يتوجب أن يُهدى إليه كلّ نصر. ولعلّ المثال الأشدّ مرارة هو تعاطف شرائح واسعة من السوريين مع منتخب العراق، ضدّ منتخب سوريا، حين توجّب أن يصعد أحدهما إلى نهائيات كأس العالم في المكسيك، 1986.

ولست متأكداً من أنّ جماهير كرة القدم السورية كانت مزهوّة بانتصار المنتخب السوري على المنتخب القطري في المباراة الأخيرة، بصرف النظر عن حجم التقدير للاعب مثل عمر خريبين (يلعب لنادي "الهلال" السعودي)، أو الفرح التلقائي لزملائه المتعاقدين مع أندية غير سورية، ويدينون في مهاراتهم إلى تدريب أجنبي، وليس إلى أيّ إنجاز تدريبي محلي. كم من أبناء سوريا سوف يرضى، اليوم، بإهداء أيّ انتصار رياضي إلى مجرم حرب؟ أو يقبل بما يقوله فادي دباس، مدير المنتخب: "سنهدي قيادتنا التأهل إلى روسيا"، و"أجمل ما في الفوز أنه تزامن مع انتصارات جيشنا البطل"؟

ثمة، بالتالي، قدم لنظام آل الأسد، تسحق سوريا منذ 47 سنة؛ وثمة كرة سورية أحبّها الشعب تاريخياً، وتعلّق بأنديتها المحلية، وجاهر بالحماس لأبطالها ومنجزاتهم. ولعلّ المرء بحاجة دائمة إلى تأمّل سيرورات التماهي الجَمْعي التي في مقدور هذه اللعبة أن تخلقها، وتوسّع من خلالها إطارات التميّز الوطني؛ ولكن ليس دون التعمق، أيضاً، في ما يشهده البلد من أزمات ونزاعات وصراعات واستقطابات، ذات صلة بالهوية، والمواطنة، والديمقراطية، والديكتاتورية.

وفي أنظمة الاستبداد والفساد كافة، وعلى رأسها نظام آل الأسد؛ ليست منتخبات كرة القدم وطنية، إلا بمعنى أنّ أجهزة القمع… وطنية بدورها!

========================

مذبحة الجامع الأموي للتاريخ !؟ .. بقلم : يحيى حاج يحيى

يقال إن مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا في نهضتها الشامخة زار سورية عام 1956 م فأعجب بها و قال لمن حوله : متى نرى ماليزيا تصل إلى ما وصل إليه هذا البلد ؟!!

أما الأديب السعودي عبد الله بن خميس الذي زار سورية عام 1955 م فقد أدهشه ما كانت عليه سورية آنذاك في عهد الدستور و الحرية و سيادة القانون و تكافؤ الفرص و احترام المواطنة !

فقال في مقدمة كتابه ( شهر في سورية ) يخاطب شباب الجزيرة العربية : ( إلى شباب يجدون في أعمال الأمم الحية ما يلهب شعورهم ، و يحفز هممهم ، و يذكي فيهم روح التضحية و العمل ، و يلهمهم أن هذ الأمجاد من صنع بشر مثلهم آمنوا بأن الحياة كفاح و تضحية و عمل ، فراحوا يصارعون الأهوال ، و يتخطون المصاعب حتى خلقوا العجائب ، و قهروا الأحداث .

إلى شباب الجزيرة العربية أهدي هذا الكتاب ، ليشاهدوا فيه ما صنعته أيدي إخوان لهم في اللغة و الدين و الجوار و الآمال

، و الآلام ..عسى أن يكون لهم في هؤلاء أسوة ، و أن يكونوا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) .

و قد ضم الكتاب فصولا عديدة ، رأينا أن نقف عند فصل ( الجامع الأموي) فقد تحدث الكاتب عن بناء الوليد بن عبد الملك له ، و أطنب في وصف جماله ، و أنه أعجوبة من عجائب الدنيا !!

هذا المسجد الذي لم يتجرأ المحتلون على أن يمسوه بأذى ، حتى جاء نظام البعث بعد سيطرة عساكره على الحكم ، فلقي منهم الأذى بعلمائه و مصليه و بنائه ... و من المناسب هنا أن نعرج على ما كتبه الدكتور عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني في كتابه ( الوالد الداعية المربي ) عن المجزرة التي أقامها صبيان النظام و عساكره للمسجد و المصلين في عام 1965 م يقول الشيخ ( و كانت السلطة قد انتدبت كتيبة عسكرية مدججة بالأسلحة النارية ، سريعة الطلقات بقيادة سليم حاطوم ، و معه أسلحة مدرعة ، لتطويق جامع بني أمية الكبير ، بغية الإيهام أن الموجودين في الجامع قد اجتمعوا للقيام بفتنة مسلحة في البلاد ، ثم الانقضاض عليهم بالأسلحة النارية حصدا ، دون تمييز بين مشارك في المظاهرة و مصل ٍ، و شيخ عجوز عاكف في المسجد يتلو كتاب الله ... و في الساعة التي ظن فيها مدبرو المكيدة أن النصاب المقصود تجميعه في الفخ ، قد اكتمل هجم الجنود بأسلحتهم ، و تقدمت دبابة فكسرت باب المسجد ، و دخله الجنود بغارة وحشية يقتلون المسلمين فيه تقتيلا حاقدا برصاص الأسلحة النارية سريعة الطلقات و كانت مذبحة رهيبة حقا ، داخل رابع مسجد عظيم من مساجد العالم الإسلامي ، قتل فيها خلق كثير ، و فيهم شيوخ عجزة من ملازمي الجامع الأموي للصلاة و تلاوة القرآن. و هذه المذبحة الشنيعة لم يحدث نظيرها في كل عهود الاستعمار الغربي !؟

و إن يكن حدث نظيرها في هجمات المغول على الديار الإسلامية ، و هجمات القرامطة صنائع اليهود على البيت الحرام و حجاج المسلمين ، فكم من راكع في صلاته و ساجد سقط صريعا برصاص هؤلاء الجنود الذين دخلوا كالوحوش الضواري الجياع على زريبة أغنام ؟!!!

و استاق جنود الكتيبة الطاغية من بقي حيا إلى السيارات العسكرية الشاحنة تحت ضربات البنادق و التعذيب الوحشي الشنيع القذر الدنيء إلى سجن المزة من ملحقات دمشق الحالية .

و تم في الوقت نفسه تشكيل محكمة عسكرية تحكم بسرعة و تنفذ أحكامها دون مراجعة ولا استئناف ، فحكمت بالقتل على فريق ممن استاقتهم إلى السجن ، و أصدرت أحكام سجن على آخرين .

و قد تبين فيما بعد أن السلطة نفسها هي التي أوحت بهذا الاجتماع و دبرته ، و اشتركت بعض أجهزتها السرية بالدعوة إليه ، ليكون بمثابة فخ تحصد فيه قادة المعارضة لها من علماء المسلمين ، بتهمة قيامهم بثورة مسلحة ، و أنهم سقطوا ضمن المقاومة ، فلا مسؤولية على الدولة في مقتلهم ؟!

و تحققت فراسة الوالد الإمام عليه رحمة الله و رضوانه ( أي : الشيخ حسن حبنكة ) فقد كان الأمر كما قدر ؟!

و يضيف الشيخ عبد الرحمن : كانت الاتصالات الهاتفية من الجامع الأموي تتوالى تستحثه للحضور هو و من عنده من العلماء ، و كان المستحث رجلا متعمما محسوبا على طلاب العلم ، و هو في الحقيقة من مخابرات الدولة و أنجى الله قادة الدعوة يومئذ من المكيدة الدنيئة بعنايته و حفظه !

 و لكنهم ظلوا يتعرضون للمضايقات و الاستدعاء إلى المحاكمات المتعنتة الوقحة ، و انقلب جو المحاكمة إلى محاكمة للنظام وأزلامه على تصرفاته ، و كان مما قاله الشيخ حسن حبنكة لهم : كم بريء قتلتم ظلما؟! و كم إنسان حكمتم عليه بالإعدام بغير حق ؟!!!

و أما الشاعر العربي انتماء ، و السوري مولدا الأستاذ بدوي الجبل فيصف هؤلاء المتسلقين على الحكم ، و المتسلطين على رقاب الشعب ، و ليس لهم أهلية سوى الإجرام و سفك الدماء ، و معاداة الله و رسوله و المؤمنين فيصف اشتراكيتهم و سلوكهم في الحكم :

اشتراكية تعاليمها الإثرا ء و الظلم و الخنا و الفجور

و ينتقل إلى ما فعلوه في المساجد و المصلين في وقت مبكر

عام 1965 م ، و ما قاموا به من أعمال ، سبقوا بها غيرهم من الجزارين و الطغاة :

هتكوا حرمة المسا جد لا جنكيز باراهم و لا تيمور

قحموها على المصلين بالنا ر فشلو يعلو و شلو يغور

أمعنوا في مصاحف الله تمزيقا ويبدو على الوجوه السرور

فقئت أعين المصلين تعذيـ با و ديست مناكب و صدور

و كان القتل عن عمد لا خطأ و لا دفاعا عن النفس ، بل تنفيذ لمخطط إجرامي حاقد موتور ؟! أين منه سفاحو التتار و مجرمو الحروب الصليبية :

المصلون في حمى الله يرديـ هم مدل بجنده مغرور

وأما الجامع فهو جامع بني أمية الكبير الذي عقدت فيه رايات الفتح ، و دوت في جنابته دعوات الجهاد ! و كأن هؤلاء جاؤوا للثأر منه بعد هذا التاريخ الحافل المجيد ، و قد عجز عن ذلك التتار و الإفرنج ، فأتى هؤلاء و لهم ألسنة العرب و قلوب الفرنجة :

جامع شاده على النور فحل أموي معرق منصور

لم ترع فيه قبل حكم الطوا غيت طيور و لا استبيحت وكور

و صدق قول الله تعالى فيهم و في أمثالهم (( و من أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، و سعى في خرابها ،أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ، لهم في الدنيا خزي ، و لهم في الآخرة عذاب عظيم))

1- كتاب الوالد الداعية المربي " الشيخ حسن حبنكة الميداني " ص 234 و ما بعد.

2- قصيدة من وحي الهزيمة للشاعر (بدوي الجبل )/ رابطة أدباء الشام .

3 - سورة البقرة الأية 114 .

-4 للتعرف على مكانة هذا الجامع يراجع كتاب الشيخ علي الطنطاوي ( الجامع الأموي)

===========================

سيبقى الهمُّ الفلسطيني والسوري واحداً ! فلا تشتتوا المعركة بمد أيديكم للصفويين !؟ .. البرتقال يزهر على ضفاف_العاصي .. بقلم : يحيى حاج يحيى

إلى أستاذنا #الفلسطيني عبد الوهاب #العباسي بعد أربعين عاما ((يرحمه الله حياً وميتاً ))

لازلت أذكر_ و أنا التلميذ الصغير_ يوم قدمتَ إلى مدرستنا كيف اشرأبت الأعناق، وتطاول الصغار لينظروا إلى المدرس الجديد وقد جلس في غرفة المدير، ثم تدخل إلى فصلنا و تبدأ الحصة الأولى و تبادرنا

بسؤال قبل أن تعرِّفنا بنفسك :هل تعرفون #فلسطين؟ وارتسمت في أذهاننا كل المعلومات التي تلقيناها في الصف الخامس من كتاب فلسطين العربية وترتفع الأيدي وكانت كثيرة وتتنوع الإجابات وكانت صحيحة ثم تلقي السؤال الثاني: هل رأيتم فلسطينيا؟؟ وتبرز في ذهن تلميذك الصغير صورة الشيخ أبي يوسف إمام مسجد حيِّه الصغير الذي يحبونا بحبات التمر كلما رآنا خلفه نصلي . ولم تنتظر جوابنا طويلا حتى مضيت قائلا :أنا أستاذ الجغرافيا عبد الوهاب ……من #فلسطين .

ولكم كانت فرحتي كبيرة ، فلقد أضفت إلى معلوماتي شيئا جديدا عن فلسطين كتاب الصف الخامس ، وفلسطين الإمام أبي يوسف …. وراحت أناملك الرشيقة ترسم لنا خريطة فلسطين في السبورة ، وارتفعت همسات الإعجاب ، وحدَّق التلاميذ مندهشين !! إنه يرسم دون أن ينظر في الكتاب ، إنها أجمل من الكتاب نفسه !!

ورأينا _ نحن الصغار _ فلسطين رؤية جديدة ، لم نكن رأيناها من قبل وتطاولتَ على رؤوس أصابعك لتكتب بخط جميل في أعلى السبورة :فلسطين العربية …..عاصمتها #القدس….. عدد سكانها….. مساحتها…. وكلما تطاولتَ اكثر ارتفعت السترة وبرز لأعيننا مفتاح عُلِّقَ في الجيب الخلفي، وازداد اللغط :مفتاح… مفتاح !! وراح الصبية الصغار يدققون في كل كلمة وكل حركة وتنتهي من تسجيل ما تريد.

 ثم تلتفت إلينا لتقول: ألم تروا مفتاحا من قبل ؟ انه مفتاح بيتي في فلسطين أحمله منذ عشر سنين…….

ويدور في ذهن التلاميذ سؤال لم يجدوا له جوابا: لماذا ترك بيته في فلسطين واحضر معه المفتاح فقط؟ و كأني بك قد فهمتَ ما يدور في أذهانهم، فأفضت في الشرح والتعريف بفلسطين تراثا عظيما وشعبا مشردا ونكبة نزلت بأهلها وحنينا يبدو في كلمات كأنها صيغت من فتات القلب المشوق

وكان جوابا و أي جواب !!!!

وازداد التلاميذ معرفة بأستاذهم وبفلسطين وحبا و إعجابا بهما، وتوالت الحصص و تأتي مناسبة يوم الشجرة فتحدثنا عنها ، ثم تسأل :بماذا تشتهر فلسطين ؟ ثم تزفر زفرة طويلة: هل تعرفون البرتقال اليافاوي؟ و يأتيك الجواب: نعم نعرفه .وتصبح فلسطين في ذهن تلميذك الصغير كتابا و إماما و خارطة ومدرسا للجغرافيا ومفتاحا وشعبا مشردا ونكبة و برتقالا.ويمضي تلاميذ المدرسة إلى ضفاف العاصي و يأخذ كل مدرس تلاميذه ليزرعوا .وتختلف المزروعات ويندهش المعلمون حين يرونك مع تلاميذك الصغار تغرسون شجيرات البرتقال فيُسِرّ بعضهم ويُفصح آخرون :إنه لا يزهر.. ونمضي معك غير آبهين نرد التراب على الغراس .وتمضي أعوام ويصبح تلميذك الصغير معلما في المدرسة ذاتها ،ويرسم لتلاميذه فلسطين بالحروف والكلمات وقد رَسَمتَها له من قبل خطوطا و ألوانا وتضاف إلى معلومات تلميذك المعلم أشياء عن فلسطين كثيرة فهي لم تعد إماما ومعلما ومفتاحا وبرتقالا…. ففلسطين ،#دير_ياسين ، و #كفر_قاسم ،والمسجد #الأقصى، وملايين المشردين ….. فلسطين #نكبة حزيران ،وتل الزعتر ،ومذابح المخيمات ،و……و ….. و تآمر ال ……

ويترسم تلميذك #المعلم خطاك فأحبَّ فلسطين وزرعَ لتلاميذه البرتقال في يوم الشجرة وأُخرجَ من بيته وقد أُخرجتَ من قبل و رأى بعينيه مَنْ يفعلون أفعال اليهود وهم يرتدون لبوس الوطن ، فأحرقوا المنزل الذي كان يؤويه وقد تركه ولم يأخذ المفتاح و يمم وجهه شرقي #العاصي كما يممتَ وجهك شرقي نهر الأردن وقبل أن يمضي في طريق هجرته ألقى نظرة على ضفاف #العاصي فرأى الغراس الحبيبة وقد أزهر البرتقال فيها وبرعم !!.

===========================

التهجير والتدمير !؟ .. يحيى حاج يحيى

التهجير لا يقل بشاعة وإجراماً عن التدمير !؟ فكيف إذا اجتمعا في مخطط واحد ، يحركه الحقد ؟

هذا ماتفعله بوقاحة وصفاقة ونذالة سلطة الا حتلال الداخلي الطائفية المدعومة من جميع أعداء الأمة : دولاً وتنظيمات وأفراداً ، لتدمير سورية وتهجير أهلها !؟

===========================

أسرة السجين في سورية المصابرة !؟ .. يحيى حاج يحيى

لفت نظري خلال زيارتي لأحد دول الخليج العربي في شهر رمضان الفائت لوحة كبيرة تعلوها صورة أحد المسؤولين المحليين وعبار تقول : لنحافظ على أسرة السجين فهي ليس لها ذنب ) وكانت هذه الدعوة موجهة إلى جمع المال بإشراف رسمي وشعبي لإدخال السرور على قلوب أبناء السجين وأهله !

وقدكانت تلك الدعوة فيما أرى لفتة إسلامية ، وعربية ، إنسانية ، حقوقية ، فحمدت لهذا المسؤول ولتلك الدولة هذا الصنيع ، ودعوت الله أن تنتهي معاناة السجناء وأسرهم .

ثم تذكرت ما يحدث في بلدنا المصابر سورية ، لأبناء السجناء وأسرهم ،وأكثر هؤلاء السجناء ليس له ذنب ولا يدخل إيقافه تحت قانون ،ولا يرضى عنه ذو مروءة و وطنية فالسجين في سورية المبتلاة يعد مفقودا ويمضي عليه سنوات دون أن يعلم أهله شيئا عن مصيره ، أهو في الأحياء أم الأموات ؟!!

والسجين في سورية الأسيرة ليس له حقوق ، فما أكثر الذين قتلوا تحت التعذيب أو لإشباع نـزوة حاقدة قديمة لا تعرف النهاية لأن الحقد لا يسقط بالتقادم

والسجين في سورية المكبلة يتوقف راتبه إن كان موظفا ، وتصادر مصالحه و تعطل إن كان غير موظف ، ويهان ويعتقل كل من يطالب بحق أسرته إن كان عسكريا ؟!!

والأمثلة والأسماء والحوادث أكبر من أن يستوعبها مقال وهي تشمل جميع الفئات من أبناء الشعب السوري وتياراته وطوائفه

والسجين في سجون العصابة الحاكمة يخرج جثة هامدة أو مريضا يصل إلى مرحلة الموت حتى لو كان صديقا سابقا أو رفيقا قديما كما حصل للواء صلاح حديد وللدكتور نور الدين الأتاسي .

أما أسرة الشهيد فبعد قطع الموارد عنها من راتب مستحق أو تقاعد فهي معرضة للتهديد والاستجواب كل فترة وعليها أن تقدم أجوبة لأقزام الأمن (الرعب) من أين تعيش ؟ وكيف تتدبر أمر حياتها ..

والويل كل الويل لمن يقدم لها المعونة أو المساعدة أو النصيحة حتى ولو كان جارا أو قريبا أو صديقا ، فهي تحت المراقبة وضمن المساءلة ، فالذي يريد أن يتزوج من بنات السجين عليه أن يراجع دوائر الرعب ( الأمن ) ويقدم المبررات و الوساطات؟!!

والذي يريد أن يدفع قسما من زكاة أمواله لها عليه أن يحتال ويجد الجواب فيما لو سئل ؟!

أعلم أن هذا الكلام سيفجر مواجع لدى الكثيرين من السجناء و أسرهم وأقربائهم وأختم هذا المقال بحادثتين لما يحصل لهذه الشريحة من المجتمع .

أرسل أحد الأشخاص إلى أخيه في سورية مبلغا من المال لإعطائه إلى أبناء أخيهما المعتقل فلم يجرؤ على تقديمه لهم، إلا بعد أن راجع دائرة الرعب ( الأمن ) ومن حسن الحظ أن الضابط الذي قابله كان فيه بقايا من مروءة السوريين فقال له : هذه مسألة شخصية لا نتدخل فيها ، طالما أن أخاك أرسل مساعدة إلى أبناء أخيه ، لكن آخر حمل بعض المال من أخ مهجر إلى أسرة أخيه سجن تسعة أشهر ، ودفع ضعف المبلغ ليفرجوا عنه !

 

وقد منع أبناء أحد السجناء من الوظيفة بعد أن تخرجوا من الجامعة ، ولم يجدوا عملا لأن دكان أبيهم المعتقل لا تكفي الجميع ، فذهب أحدهم إلى فرع المخابرات وقابل مسؤولا من زمرة العصابة المتسلطة ، وقال له : ما ذنبي إذا كان أبي معتقلا ، فأنا عندما اعتقل كنت في الصف الخامس ؟

فأجابه الجلاد العتل : كيف نوظفك وأبوك فلان ، إننا لا نقبل أن تكون وكيل معلم في قرية نائية ، فعاد الجامعي إلى ( بسطته ) على الرصيف ليبيع أنواعا من الحلوى الشعبية ، في وقت كانت فيه عشرات المدارس تشكو من نقص في المدرسين المختصين …

لكم الله أيها السجناء أيا كان اتجاهكم

ولك الله يا أسر السجناء ، فصبرا ثم صبرا فإن ليل أقزام آل أسد لن يطول ،وستبقى معاناتكم ذكريات موجعة تتحدث عنها الأجيال !!

===========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (23) .. الموساد الإسرائيلي يكافئ كوهين على نجاحه ودمشق تفتح له الجولان .. محمد فاروق الإمام

في تموز 1962م، بعد مرور ستة أشهر من صول كوهين إلى دمشق.. استدعي للرجوع في إجازة إلى تل أبيب حيث أمضى بضعة أيام مع عائلته.

وعاد كوهين بعد إجازته إلى دمشق ليتابع نشاطه التجسسي.. فوسع من علاقاته ونشاطاته وجعل شقته الفاخرة ملتقى للفاحشة والرذيلة لأصدقائه من (عِلية رجال الحكم البعثيين وضباط الأركان). وذات يوم اعتزم السفر في رحلة عمل إلى أوروبا.. فسأله الكولونيل (صلاح الضلي) - رئيس المحكمة العسكرية - إن كان بوسعه ترك مفاتيح شقته من بعده.. ووافق إيلي على ذلك في الحال. أيضاً كان ينزل صديقه جورج سيف مع سكرتيرته كثيراً في شقته.. وفي مقابل ذلك جعل سيف مكتبه بيت إيلي الثاني حيث الأسرار والوثائق الرسمية يقلبها كوهين ويصورها بكل حرية وطمأنينة.

رافق كوهين صديقه اللفتنانت معز زهر الدين في زيارة إلى الجبهة السورية - الإسرائيلية.. وتعرف عن كثب على التحصينات العسكرية السورية في مرتفعات الجولان.

وفي إحدى المرات وعده صديقه (سامي الجندي) - وزير الإعلام السوري - أن يصطحبه إلى مكتب رئيس الجمهورية الرئيس (أمين الحافظ).

وعندما وصل إيلي برفقة سامي الجندي وزير الإعلام.. حياه الرئيس أمين الحافظ بحرارة.. وكان الحافظ يكن تعاطفاً خاصاً لابن وطنه وصديقه الشاب الذي تخلى عن أعماله الناجحة في أمريكا الجنوبية ليمد يد العون إلى بلده في فترة من فترات الاضطراب السياسي والاقتصادي. وألحَّ الرئيس أن يقوم مصوره الخاص بالتقاط صورة لهما معاً. ولما فرغ المصور من عمله.. طلب إيلي منه نسخة للصورة التي التقطها.. واستدار نحو الرئيس أمين الحافظ وقال: سأحرص على هذا الذخر الثمين ما حييت.

ذهب كوهين مرة مع أحد المسؤولين إلى المناطق العسكرية القريبة من القنيطرة وشاهد مخططات مشروع تحصينات دفاعية.. والذي يتضمن جزءاً من مشروع تحويل المياه من (نهر الأردن) الذي كانت إسرائيل تقوم بتحويله إلى النقب. وقد عرض على المقاول الذي يقوم بالتنفيذ مشاركته في العمل.

(وتأكيداً على صحة زيارة كوهين للجبهة السورية فقد زار كوهين الذي كان يعرف بـ(كامل أمين ثابت) القطاع الشمالي من مرتفعات الجولان بصحبة رئيس الجمهورية الفريق أمين الحافظ والفريق المصري علي علي عامر قائد الجيوش العربية والعقيد صلاح جديد أواخر عام 1964م، وكنت في حينها أقوم بأداء خدمة العلم في نقطة (تل زعوره) من القطاع حيث تمت الزيارة، وقد شاهدته وكان يقف إلى جانب العقيد صلاح جديد وهو يطل على المستعمرات الصهيونية التي كانت تشكل بساطاً سندسياً تحف به المروج الخضراء ونوافير المياه والمسابح التي كان يلهو بها الجنود والمجندات الإسرائيليات، وكنت أسمع ما كان يقوله كوهين لصلاح الجديد لقربهم من مكان وجودي، فقد سمعت كوهين يقول لجديد: ليقيموا المستعمرات والمزارع والحدائق والمسابح فكلها بالنتيجة ستكون لنا!).

وشجع هذا الحافز المقاول فسمح للزائر المعروف.. بأخذ مخطط المشروع معه إلى البيت.. ليتمكن من دراسته في أوقات فراغه.. وتحديد أفضل مواقع المنطقة استثماراً.. وقام إيلي بتصوير أحدث ما وقع في يده من أوراق.. وفي خلال ثلاثة أشهر بعث إلى قيادة الموساد بمعلومات وافية عن المشروع.

يتبع

===========================

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com