العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-06-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حسابات الشمال في سوريا وحسابات الجنوب .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7/6/2018

كلما اقترب الموعد المحدد للانتخابات العامة والرئاسية في تركيا ارتفع منسوب التوقعات بشأن عملية عسكرية تركية جديدة ضد مواقع حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمال العراق. تصريحات يومية من الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء يلدرم ووزير الداخلية سويلو، تسخّن الأجواء وتختبر ردود الفعل المحتملة، في الوقت الذي تزداد فيه التوقعات بشأن صعوبة تحقيق الفوز في الانتخابات، سواء بالنسبة لأردوغان أو حزب العدالة والتنمية. وهو ما يشكل رائزاً كافياً لتحقيق العملية المذكورة على أمل أن تستعيد بعض الشعبية المتراجعة لهما، ولدفع حزب الشعوب الديموقراطي إلى الحائط، على أمل إفشاله في تخطي حاجز العشرة في المئة، فيكسب «العدالة والتنمية» المقاعد البرلمانية التي كان الحزب الكردي سيفوز بها لو تخطى الحاجز المذكور.

لكن ما يمكن للجيش التركي أن يحققه في قنديل، بلا ردود فعل دولية ذات شأن، لا يمكن تحقيق ما يشبهه في شمال سوريا التي تشملها أيضاً تصريحات أركان الحكومة ووعيدهم. ففي منبج تأمل تركيا بإنجاز اتفاق مع الأمريكيين يقضي بطرد عناصر وحدات حماية الشعب الكردية من المدينة، وتسيير دوريات مشتركة أمريكيةتركية لتأمينها. «أقل من ستة أشهر» قال وزير الخارجية جاويش أوغلو في تحديد السقف الزمني ل»خارطة الطريق» التي قال إنه تم التوافق بشأنها مع الأمريكيين، في الاجتماع الذي جمعه بوزير الخارجية الأمريكي بومبيو في واشنطن قبل أيام.

لم يصدر عن الأمريكيين ما يؤكد أو ينفي حدوث التوافق المذكور أو تفاصيله، لكن وحدات حماية الشعب أصدرت بياناً تعلن فيه سحب «مستشاريها العسكريين» من المدينة، وتسليمها لمجلس منبج العسكري. وهذا ما يشكل هدية أمريكية للحكومة التركية، هي بأمس الحاجة إليها الآن في الطريق إلى الانتخابات. ويأمل الأمريكيون أن تشكل هذه البادرة مدخلاً لإعادة الدفء إلى العلاقات مع تركيا، بعد طول فتور. ولكن هل ينتهي موضوع منبج كما تشتهي أنقرة أم لا، فهذا ما لا يمكن التكهن بشأنه، بالنظر إلى غموض الأمريكيين وتركهم الباب مفتوحاً للتراجع عن أي تفاهمات مفترضة مع تركيا، ما لم تقدم الأخيرة على خطوات ملموسة بشأن مراجعة علاقتها مع روسيا، وربما المشاركة مع واشنطن في حملة تضييقها على إيران. الحافز الآخر الذي قدمه الأمريكيون لتركيا هو الوعد بإتمام صفقة بشأن طائرات F 35 التي سبق وتلكأوا بشأنها. ربما يتوقعون «رد جميل» من أنقرة، مقابل ذلك، يتمثل بإلغاء الصفقة بشأن صواريخ S 400 الروسية.

مختصر القول إن «سوق الصفقات» السياسية والعسكرية مفتوح بين أنقرة وواشنطن وموسكو بشأن ترتيبات تقاسم النفوذ في الشمال السوري. وتبدو وحدات الحماية الكردية الحلقة الأضعف التي يمكن التضحية بها، أو استخدامها كبيدق مطواع، في تلك الصفقات إلى درجة أن رأس النظام الكيميائي في دمشق نفسه دخل على الخط ليعرض على «قوات سوريا الديموقراطية» الاختيار بين التفاوض والقتال، وسرعان ما استجابت «قسد» بإعلانها الاستعداد للتفاوض. وذلك بصرف النظر عن أن تصريحات بشار، بهذا الشأن، لا تعدو كونها مجرد كلام غير قائم على أي قوة واقعية تسنده، ما لم يكن ناطقاً، غير رسمي، باسم الروس، والهدف من كلامه اختبار رد الفعل الأمريكي الذي لم يتأخر: إياكم!

رد الفعل الأمريكي نفسه تكرر بشأن خطط النظام للتمدد جنوباً نحو درعا وأريافها. وهنا دخل على الخط أكثر من لاعب، أهمهم إسرائيل التي كررت، على لسان مسؤوليها، رفضها لأي وجود عسكري إيراني على مقربة من حدود الجولان المحتل. ولم يتسرب شيء عن اجتماع عمان بشأن تجديد الاتفاق حول منطقة «خفض التصعيد» في الجنوب بضمانات أمريكيةروسيةأردنية (وإسرائيل في خلفية المشهد). من المحتمل أن «الصفقة» المناسبة لجميع اللاعبين هناك لم تنضج بعد. وهذا ما جعل النظام يوقف تقدم قواته جنوباً، بانتظار حدوث توافق أمريكيروسيإسرائيلي على طرد الإيرانيين بعيداً عن الحدود مع كل من الأردن وإسرائيل، وتسليم المنطقة الحدودية لقوات النظام الكيميائي، كما تأمل موسكو، بهدف تأمين الطريق التجاري بين دمشق والبوابة الحدودية السورية الأردنية. فإذا أضفنا ما تم تداوله حول جهود تركيةروسية لتأمين طريق غازي عنتابحلب، وما حققه النظام، بعد تصفية التشكيلات المسلحة في كل من محيط دمشق وريف حمص الشمالي، من سيطرة شبه كاملة على طريق حلبدمشق، مروراً بحماة وحمص، يكون الخط التجاري الممتد من تركيا إلى الأردن فدول الخليج، قد اكتمل وشكل أرضية لتقاطع مصالح بين أطراف عدة. ومن شأن ذلك، كما تأمل موسكو، أن يساهم بقوة في تحقيق أرضية «الحل السياسي» القائم على إعادة تأهيل النظام وتسويقه في «المجتمع الدولي».

لهذا السبب رأينا موسكو متحمسة لإخراج «القوات الأجنبية» من سوريا، والقصد القوات الإيرانية، قبل كل شيء، أو الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات التابعة لها، استجابة لمطالب واشنطن (وإسرائيل) بهذا الخصوص.

تحاول إيران، مبدئياً، الانحناء للعاصفة الكبيرة التي تستهدفها، والتحايل على موضوع انخراطها العسكري في الصراع السوري، بالقول إن وجودها يقتصر على مستشارين، وهو ما ردده وراءهم تابعهم بشار الكيميائي، أو من خلال التفاوض السري السلس مع الإسرائيليين، في عمان، على ما نشرت بعض وسائل الإعلام، على أمل أن يوافقوا على بقائهم في سوريا بعيداً عن المنطقة الحدودية. لكنها تعرف، على الأرجح، أن مغامرتها السورية تشهد آخر فصولها.

كاتب تونسي

==========================

ماذا تبقى من الثورة السورية؟ .. د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 6/6/2018

يتردد السؤال في أذهان البعض: ماذا تبقى من الثورة السورية؟ بعد هذه الخسائر الضخمة التي مني بها الشعب السوري قتلاً وتشريداً ودماراً واعتقالاً واحتلالاً، فضلاً عن تآمر عالمي لإعادة إنتاج العصابة الطائفية من جديد، وفرضها على الشعب السوري بقوة الإجرام والاحتلال.. ولكن يجهل من يطرح السؤال حقيقة مهمة، وهي أن الثورات والقيم والتحرر ليست سوبر ماركت يتم فيه وزن بضاعته بالكيلوجرام، فالقيم إنما تقاس بنتائجها الكبيرة ولو بعد سنوات وعقود وقرون، لتفتخر بها الأجيال، وتأخذ من معين ذاكرتها الجمعية زاداً في مسيرتها التاريخية.

سيذكر التاريخ أن شعباً شامياً عريقاً وقف ضد عصابة طائفية مجرمة لسنوات، ثم وقف ضد دولة إقليمية جلبت كل ميليشياتها الطائفية لسنوات، ثم تحدى هذا الشعب دولة كبرى بحجم روسيا وبكل جبروتها لسنوات ولا يزال، مشفوعة بكل الدعم الدولي، وتحدى هذا الشعب الأعزال كل العالم برفضه القبول بهذه العصابة الطائفية المجرمة.

لقد بقي من هذه الثورة الكثير، بقي منها الإصرار الشامي العريق في نيل الحقوق والكرامة، بقي منها أكثر من 12 مليون مشرد رفضوا أن يعيشوا في كنف الطائفيين وسدنتهم المحتلين، بقي منها نخب عريقة رفضت أن تبقى عبيدة لآل الأسد، فعبرت المحيطات بحثاً عن الحرية ولقمة العيش، وظلت أفئدتها معلقة بالشام ليوم قريب بإذن الله، بقي من الشام دماء مليون شهيد روت ثراها، لتظل شاهدة على رفض أي وصاية على هذا الشعب، وبقي من الشام مئات الآلاف من المعتقلين والأسرى والمختطفين الذين لا يزالون يقارعون الظلم الداخلي والخارجي من داخل زنزاناتهم.

ستحكمون أنقاضاً، وستجلبون حثالات طائفية، وتجنسون مليوناً أو مليونين أو أكثر ممن لا علاقة لهم بالشام، ولكن سيرحلون كما رحل حثالات الاحتلال الفرنسي الذين جلبهم يوم احتل سوريا، وستظل الشام بياسمينها وبجورييها تتحدى كل خفافيش الظلام، فالشام لن تقبل بغير أهلها أهلاً، وستظلون تحكمون مقابر، أما قيم الحرية والتحرر والديمقراطية والعدالة فلا مكان لكم فيها، ونحن نرى عصاباتكم ترمي بأفراس الشام إلى أسود لتلتهمها، تماماً كما سعيتم لقذف أهل الشام إلى أفواه أسود الشر والإجرام المنطقوي والدولي لينحروا الشام ويفتكوا بها.

لا علاقة لكم بالشام، ولا علاقة لكم بسوريا، وستظل الشام موئل الأحرار والقيم والعدالة، سيعود قاسيون إلى حضن شعبه، وستعود الفيجة وبردى ليجريان ماء الحرية العذب، فلن تقدروا على تجفيفهما، وستزقزق العصافير والسنونو في الغوطة الغناء، أما الأشباح الذين سكنوا تلك المناطق، ويسعون لاقتلاع أهلها فهم يعرفون تماماً أنهم أغراب، ويعرفون معها أنهم محتلون، وسيأتي اليوم الذي لن يكون بعيداً، حتى يتم اقتلاعهم من أرض الشام الحرة، وسيأتي اليوم القريب لتجرف الشام كل أغرابها وكل عملائها وكل خونتها، فتنفث خبثها.

أما أهل الشام فإياكم وإياكم من الخور، وحذاري من الوهن، وإياكم من الهزيمة النفسية، فهذا ما يريده لكم عدوكم، فأنتم أهل الشام أرض المحشر والمنشر، وأنتم الذين كفلكم رب السموات والأرض، الذي لم يخبرنا عليه السلام أنه كفل غيركم بنص الحديث الشريف، فثقوا بالله تبارك وتعالى، وثقوا بأنفسكم، وثقوا بوعد الله تبارك وتعالى، فسنته لا تتبدل ولا تتحول «فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».;

==========================

جنوب سورية.. خطوط متشابكة ومستقبل غامض .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 6/6/2018

جاء إعلان روسيا عن اتفاقٍ بشأن جنوب سورية (محافظات القنيطرة درعا السويداء) يقضي بسحب القوات والمليشيات الإيرانية منها (تصريح مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا)، من دون تشاور مع حليفيها، النظام السوري وإيران، ليعكس رغبةً روسيةً في تأكيد انفرادها بالتقرير على الأرض السورية؛ ونجاحها في إدارة التوازنات بين معظم الأطراف، والاتفاق معها على ترتيباتٍ ميدانيةٍ على أسس تحديد مناطق النفوذ ووقف إطلاق النار، تمهيدا لتحريك ما تسميها العملية السياسية.

أثار الإعلان الروسي ردود فعل مختلفة ومتعارضة من إعلان طهران "أن لا وجود لقوات إيرانية في الجنوب السوري" (تصريح محبتي فردوسي، السفير الإيراني في عمّان)، وتأييدها الجهود الروسية لإخراج الإرهابيين من المنطقة (تصريح علي شمخاني، أمين مجلس الأمن القومي الإيراني)، وانتقاد صحيفة قانون، المقرّبة من الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في تقرير لها بشأن "الدور الروسي في سورية"، للموقف الروسي، حيث كتبت إن "بوتين وضع إستراتيجية مع (رئيس النظام السوري) بشار الأسد تتخطى إيران"، مضيفة أن "روسيا أصبحت مصممة على محاولة طرد إيران من مناطق مختلفة في سورية"(القدس العربي:4 /6/ 2018)، وإعلان النظام عدم وجود قوات إيرانية في سورية، بل ضباط مستشارين 

"رصدت الاستخبارات الأردنية نشاطاً إيرانياً في محافظتي درعا والسويداء تحت غطاء عمل خيري" يعملون مع الجيش السوري بطلب من الحكومة السورية (تصريح رئيس النظام)، وربطه بقاهم بقرارها، في محاولةٍ للتغطية على الوجود الإيراني، بالالتفاف على الإعلان الروسي، وشرعنة هذا الوجود، فالنظام يريد تثبيت الحالة الراهنة القائمة على ثنائية الرعاية؛ بحيث تتاح له فرصة المناورة بينهما، للتهرّب من الاستحقاقات السياسية، وإنكاره حصول اتفاق (تصريح وزير الخارجية وليد المعلم)، وربطه أي اتفاق بانسحاب القوات الأميركية من قاعدة التنف، ونفي مسؤول إسرائيلي كبير التوصل إلى تفاهماتٍ مع روسيا بشأن انسحاب القوات الإيرانية وحزب الله من جنوب سورية، مع أنه اعتبر الموقف الروسي من المطالب الإسرائيلية إيجابيا، وإعلان فصائل المعارضة المسلحة في الجنوب السوري التي لم يسألها أحد رأيها، عن رفضها أي اتفاقٍ يسمح بعودة النظام إلى المنطقة، واستعدادها لمواجهة التطورات.

واقع الحال أنه ليس ثمّة اتفاق إلى الساعة، ذلك لأن المفاوضات الروسية حول الاتفاق لم تشمل كل القوى الموجودة على الأرض، خصوصا الولايات المتحدة الأميركية، الضامن الثالث لاتفاق خفض التصعيد في المنطقة، مع كل من روسيا والأردن، كأنها بإعلانها اعتبرت الموافقة الأميركية تحصيل حاصل؛ في ضوء اتفاقها مع الطفل المدلل لدى واشنطن، إسرائيل، واستجابتها لاعتباراته الأمنية، أو اعتبرت أن البدء بتنفيذ التفاهم مع إسرائيل سيمنح موسكو أرجحية في مفاوضاتها مع واشنطن حول المنطقة، وصياغة اتفاق خفض التصعيد، في ضوء التطورات الجارية، ودفعها إلى القبول بالمطلوب منها ثمنا لتلبية هواجس إسرائيل الأمنية: الانسحاب من التنف؛ حيث انتهى مبرّر وجود القاعدة العسكرية، بانتهاء محاربة الإرهاب في هذا الجزء من الأرض السورية، وفق تصريح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، علما أن الإدارة الأميركية أعطت إشاراتٍ متضاربة في هذا الخصوص، جسّدها طرح ديفيد ساترفيلد، مساعد نائب وزير الخارجية، القاضي بانسحاب جميع المليشيات السورية وغير السورية إلى عمق 2025 كيلومتراً من الحدود الأردنية، ونقل مقاتلي المعارضة وأسرهم إلى إدلب (شمال)، وتسليم سلاحهم الثقيل إلى الجانب الروسي، عودة قوات الحكومة إلى الحدود الأردنية، وعودة مؤسسات الدولة إلى درعا، إعادة فتح معبر نصيب بين سورية والأردن، وانتشار نقاط للشرطة العسكرية الروسية، إضافة إلى تشكيل آلية أميركية – روسية، للرقابة على تنفيذ هذه البنود، ورفض الثنائي القوي في الإدارة مايك بومبيو، وزير الخارجية، وجون بولتون، مستشار الأمن القومي، هذا التصور المقترح، ودعوتهما إلى الضغط على روسيا، لتنفيذ التزاماتها في اتفاق الرئيسين، فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، نهاية العام الماضي في فيتنام. ناهيك عن إجراء توسعةٍ لقاعدة التنف، وبناء قاعدة مقابلة لها على الجانب العراقي من الحدود. هذا بالإضافة إلى وجود مؤشر ميداني على عدم حصول اتفاق يتمثل في استمرار تدفق قوات النظام ومليشيات إيرانية إلى المنطقة، تعبيرا عن رفض إيراني نظامي للإعلان الروسي، ومحاولة للتأثير على صيغة الاتفاق النهائية.

انطوى التفاهم الروسي الإسرائيلي، وفق التسريبات الإعلامية، في لقاء وزيري الدفاع، سيرغي شويغو وأفيغدور ليبرمان، في موسكو، على إخلاء الجنوب السوري من القوات الإيرانية، انسحابها حتى طريق دمشق – السويداء؛ أي على بعد 60 - 70 كيلومتراً من حدود فصل القوات ما بين إسرائيل وسورية في هضبة الجولان المحتلة، على أن يتم ذلك تدريجيا وعلى مراحل؛ من دون تحديد سقف زمني، بحيث يتولى جيش النظام السيطرة على ثلاث نقاط إستراتيجية: نقطة الحدود مع الأردن جنوب درعا، وتل الحارة الذي تسيطر عليه الآن قوات ومليشيات إيرانية، وبصر الحرير (30 كيلومتراً شمال شرقي درعا).

ارتبط تحريك ملف الجنوب السوري باعتبارات أمنية واقتصادية وحسابات جيوسياسية خاصة، أولها سعي روسي إلى منع مواجهة إسرائيلية إيرانية، غدت حتمية في ضوء التصعيد العسكري والسياسي الإسرائيلي ضد الوجود الإيراني في سورية عموما، وفي الجنوب السوري خصوصا، بعد أن رصدت الاستخبارات الأردنية نشاطا إيرانيا مركبا في محافظتي درعا والسويداء، تحت غطاء عمل خيري، حفريات لإقامة منشآت غامضة، لجان تبشير بالتشيع في ريف درعا الغربي، تتبع الحرس الثوري، اعتبر خطوة على طريق إقامة جيب عسكري دائم في المنطقة، بدعوى محاربة الإرهاب والتصدّي لإسرائيل، ذكر تقرير أردني رسمي "إنها قد تشبه تجربة حزب الله في جنوب لبنان" (القدس العربي: 30/5/2018)، وإعلان الحكومة الإسرائيلية، في ضوء ذلك، نيتها تعديل مقاربتها للصراع في سورية وعليها، والانتقال إلى تدخل نشط يستهدف إسقاط النظام، ما لم يعمل على إنهاء الوجود الإيراني في سورية، تحول من شأنه تدمير الإنجازات الروسية في سورية، بما في ذلك تربعها على سواحل البحر الأبيض المتوسط الشرقية، ذات الأهمية الإستراتيجية في المواجهة مع التحالف الغربي.

ثانيها، سعي روسي إلى تمكين النظام من السيطرة على المنطقة، وفتح معبر نصيب بعائداته المالية الضخمة من تنشيط التجارة مع الأردن والعراق وبعض دول الخليج ورسوم عبور الشاحنات، وإغراء حكومة الأردن بالعائدات المالية التي ستدر عليها من فتح المعبر، ما يسمح لها بمعالجة جزء من أزمتها المالية الخانقة (التقديرات تبلغ نصف مليار دولار سنويا) للتخلي عن رعاية الفصائل المسلحة في المنطقة، واستثمار فتحه في استدراج تركيا إلى التطبيع مع النظام السوري، عبر فتح الطريق أمام التجارة التركية مع دول الخليج، بفتح طريق غازي عنتاب حلب، ومنه إلى دمشق فالأردن. وقد دفعها هذا إلى تحرك إعلامي وسياسي، للضغط على الفصائل المسلحة في الجنوب السوري، لإقناعها بالدخول في المصالحة مع النظام، بدلا من التعرّض لعمل عسكري ساحق، عبر عقد اجتماعاتٍ مع شخصياتٍ مدنيةٍ، وإلقاء مناشير على القرى والبلدات تخيّرها بين مصير الغوطة الشرقية والحفاظ على حياتهم ومدنهم وقراهم ومصادر رزقهم، ومحاولة إغراء الفصائل بتحويلها إلى قواتٍ محليةٍ، تعمل مع الشرطة العسكرية الروسية، وطمأنة المواطنين؛ بالتعهد بعدم دخول قوات النظام إلى المدن والبلدات، ترافق ذلك مع دفع قوات نظامية ضخمة، ترافقها مليشيات محلية، إلى مناطق سيطرة النظام في الجنوب، إلى مزيد من الضغط، ولتأكيد جدية التهديدات.

غير أن سعي موسكو إلى فرض سيطرة النظام على الحدود مع الأردن، وفتح معبر نصيب،

"ليس ثمّة اتفاق إلى الساعة، ذلك لأن المفاوضات الروسية حول الاتفاق لم تشمل كل القوى الموجودة على الأرض" اصطدم بمعضلة عسكرية، حيث ترتب على اعتراض الفصائل المسلحة في الجنوب السوري على فكرة المصالحة (لم تكتف بالاعتراض، بل لاحقت الشخصيات التي شاركت في المفاوضات مع النظام، واغتالت 18 منهم) وإعلانها أنها ستقاتل حتى النهاية، دفاعا عن مهد الثورة وحماية المواطنين من بطش النظام والمليشيات الطائفية، فقوات النظام غير قادرة وحدها على مواجهة هذه الفصائل (عدد مقاتلي الفصائل فاق 50 ألف مقاتل)، ما دفعها (موسكو) إلى محاولة إقناع إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، بغض النظر عن مشاركة المليشيات الإيرانية على أن تنسحب فور انتهاء المعركة، وبسط قوات النظام سيطرتها على المنطقة. الأمر الذي دفع واشنطن، حسب مصادر متطابقة، إلى توجيه تحذير شديد اللهجة إلى الشريك الروسي في اتفاق خفض التصعيد في الجنوب، مفاده بأن القوات الأميركية الموجودة في محيط الحدود في التنف ودرعا ستقصف فورا أي قوات سورية تدخل إلى منطقة الجنوب، برفقة قوات إيرانية أو مليشيات عراقية ولبنانية.

لم يبق أمام موسكو لإنجاح خطتها سوى انتظار لقاء الدول الضامنة اتفاق خفض التصعيد في الجنوب، الذي سيعقد في عمّان على مستوى نواب وزراء الخارجية، علها تنجح في الاتفاق معهم على صيغةٍ تفرض على الفصائل المسلحة، وتدفعها إلى القبول بالمصالحة.

==========================

أميركا حين تبحث عن سيناريو سوفياتي لإيران .. خورشيد دلي   

الحياة

الثلاثاء 5/6/2018

مع صعود إيران إلى مستوى الدولة الإقليمية المؤثرة في محيطها الجيوسياسي، تبدو السياسة الإيرانية أمام مجموعة من التحديات المتداخلة داخلياً وخارجياً، ومع هذه التحديات المرشحة للمزيد من التعقيد والتصعيد في المرحلة المقبلة، يظهر أمام طهران خياران لا ثالث لهما. الأول: السير في النهج التصعيدي مع الإدارة الأميركية على خلفية ملفها النووي، ومع إسرائيل على معركة التواجد على الأراضي السورية، ومع السعودية على خلفية الحرب في اليمن، ولعل مسارات هذه المعارك الثلاث وإن كانت منفصلة، إلا أنها بالنسبة إلى طهران معركة واحدة، وتأخذ طابع التصعيد، فيما التصعيد من قبل الأطراف الثلاثة السابقة، يخضع لأولويات كل طرف وظروفه الخاصة. الثاني: أن تنجح إيران في تحقيق ما يشبه تسوية أو تفاهم مع الإدارة الأميركية بشان القضايا الخلافية الكثيرة، وفي المقدمة منها الاتفاق النووي، لكن المشكلة هنا: كيف؟ وفي أي ظروف يمكن إنتاج مثل هذه التفاهمات؟ وبأي شروط ؟ من دون شك، الإجابة عن هذه الأسئلة غير متوافرة في يومنا هذا، خاصة وأن كل طرف يعتقد أن لديه من الأوراق الكافية للتوصل إلى تفاهمات بشروطه، أو الاستمرار في الصراع تطلعاً لظروف مغايرة لصالحه.

في الواقع، وانطلاقاً من هذين الخيارين، فإن التصعيد الكلامي على وقع الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وقصف إسرائيل مواقع إيرانية في سورية، وغيرها من الأحداث المهمة، يبقي التلويح الأميركي بالعصا الغليظة مقابل التهديدات الإيرانية التي لا تتوقف سيد الموقف، وعليه فإن جوالات التصعيد السياسي والعسكري تبقى قائمة، وان كانت بقواعد مضبوطة. ولعل من يقرأ التاريخ القريب للسياسة الإيرانية، وتحديداً منذ الغزو الأميركي لأفغانستان ومن ثم العراق، لا بد أن يرجح فرضية الخيار الثاني، وذلك انطلاقاً مما أبدته هذه السياسة من براغماتية كبيرة في الملفات الخلافية وفي اللحظات الحرجة، ولعل تحرك الدبلوماسية الإيرانية على جبهات أوروبا وروسيا والصين لبحث جوانب في الاتفاق النووي بعد أن كانت تعلن رفضها ذلك، يؤكد حقيقة هذه القاعدة البراغماتية في السياسة الإيرانية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل هذه القاعدة ما زالت صالحة في عهد ترامب؟ ثمة من يجزم بأن لا ترامب ولا إسرائيل بصدد شن الحرب ضد إيران، وان استراتيجية ترامب تدور ول البحث عن سيناريو سوفياتي يؤدي إلى انهيار إيران من الداخل كما حصل للاتحاد السوفياتي السابق، وان سلاح ترامب في ذلك هو المزيد من العقوبات الاقتصادية والإجراءات الأمنية والسياسية المتداخلة، والضغط على الحلفاء، ولاسيما الأوروبيين، للقيام بدور مؤثر في هذا المجال، على أن يهيئ كل ما سبق السيناريو الذي يفكر به ترامب، فالأخير يدرك جيداً أهمية العامل الاقتصادي، وتحديداً دور النفط الذي يشكل نحو ثمانين بالمئة من موارد إيران، وأن سياسة العقوبات والحصار ستزيد من الأعباء الداخلية الإيرانية وفي كل الاتجاهات، على شكل انهيار لقيمة العملة الإيرانية وتهريبها الرأسمال إلى الخارج، وتفجر مشكلات الداخل على أمل انتفاضات واحتجاجات معيشية واجتماعية وسياسية وعرقية وطائفية... تؤدي إلى استنزاف بنية النظام وصولاً إلى انهياره من دون حروب، لكن الرؤية الأميركية هذه قد لا تكون دقيقة، فثمة من يرى أن النظام الإيراني الذي له تركيبة خاصة قد يكون هو المستفيد الأكبر من مثل هذه السياسة، إذ إن مثل هذا الأسلوب قد يكون مدخلاً لتوجيه أنظار الداخل إلى الخارج وشرعنة أي ممارسة قمعية من النظام ضد الاحتجاجات الداخلية على اعتبار أنه يتعرض لمخطط لإسقاطه.

وعلى مستوى الخارج، قد تجد خيارات كثيرة، ولاسيما لجهة التوجه شرقاً وتحديداً نحو الصين واليابان عبر زيادة كميات تصدير النفط لهما، كما أن العاملين التركي والروسي يبقيان مهمين لجهة الحد من تأثير العقوبات الأميركية، لكن من الواضح أن كل ما سبق لن يثني ترامب عن مواصلة البحث عن سيناريو سوفياتي يناسب إيران.

* كاتب سوري

==========================

الاختبار الإيراني .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 4/6/2018

قد لا يحتاج إلى تأكيد قول إن إيران تواجه تحديات حقيقية ومباشرة في سوريا لم تواجهها من قبل أبداً. وأساس التحديات يتمثل في التطورات السياسية والميدانية الحاصلة في سوريا، والتي غيّرت علاقات القوى من جهة، وفرضت وقائع جديدة من جهة أخرى، يضاف إليها ما تشهده إيران من اختلاجات سياسية واقتصادية واجتماعية، ناتجة في الأهم من أسبابها عن تدخلات إيران وسياساتها الإقليمية، ولا سيما تدخلها العميق في سوريا، وما ترتب عليه من نتائج وتفاعلات في الداخل الإيراني.

وتنتظم التحديات الإيرانية، ضمن ثلاث دوائر، أولاها تتعلق بحلفاء إيران وأصدقائها، والإشارة الأهم في هذا السياق ما يظهر من حساسيات العلاقة بين طهران وموسكو، وقد تكرست في تفاوت مواقف الطرفين واختلافهما مرات حول سياسات ومواقف إيران وطبيعتها في السنوات الأخيرة، قبل أن تتصاعد تلك الحساسية من خلال إعلان روسيا ضرورة مغادرة إيران وميليشياتها سوريا مع بقية القوى الأجنبية المسلحة الأخرى للمساعدة في حل القضية السورية، وهو إعلان ما كان لإيران أن تسكت عنه، فقامت بالرد عليه علانية، وأكدت أن وجودها في سوريا مستند إلى طلب رسمي من حكومة الأسد، مما يعني أن وجودها يماثل في مشروعيته الوجود الروسي، مما يوضح موقف طهران دون أن يذهب إلى التصعيد مع موسكو في ملف مرشح لأن يشهد تطورات، قد تكون أكثر أهمية وخلافاً في علاقات الحليفين.

والدائرة الثانية تتصل بالخلاف الإيراني - الإسرائيلي، حول انتشار إيران وميليشياتها في الجنوب السوري، ولا سيما اقترابها من خط وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل في مرتفعات الجولان السورية المحتلة، وهو ما تعارضه إسرائيل بصورة حاسمة، وبسببه تصادم الطرفان، ثم صعّدت إسرائيل من عملياتها ضد مواقع إيران وميليشياتها في سوريا، ومررت إيران الهجمات الإسرائيلية دون أن تعلن عن تغييرات جوهرية في سياساتها السورية.

ومما يزيد من أهمية هذه الدائرة في التحديات الإيرانية دخول الولايات المتحدة عليها من بوابة الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وشن حملات دبلوماسية وإعلامية ضد إيران وميليشياتها وتدخلاتها الإقليمية، وفرض عقوبات جديدة وأخرى على قيادات في «حزب الله» اللبناني ذراع طهران الأقوى، وجميعها سلوكيات تؤكد تناغماً أميركياً - إسرائيلياً من جهة، وتناغم واشنطن مع الأجواء الإقليمية الشرق أوسطية في مواجهة إيران وسياساتها في المنطقة من جهة ثانية، وكلها تقابَل بأقل قدر من الردود.

وتتصل الدائرة الثالثة من التحديات الإيرانية بانعكاسات سياسات طهران وتدخلاتها في سوريا، والتي كلفت الإيرانيين أكثر من ألفي قتيل من الحرس الثوري وحده، حسب المصادر الإيرانية، كما حمّلت الاقتصاد الإيراني من خلال المساعدات المقدّمة لنظام الأسد، وتكاليف الأنشطة العسكرية، ودعم الميليشيات التابعة لإيران، أعباء كان من نتائجها ارتفاع معدلات البطالة وتزايد الفقر، وانخفاض غير مسبوق في قيمة العملة الإيرانية مقابل الدولار بوصوله إلى قرابة 80 ريالاً، وهروب أكثر من 59 بليون دولار من العملات الصعبة في العامين الأخيرين وفق ما أعلن مركز بحوث تابع لمجلس الشورى، وكلها بين أسباب انتفاضة الإيرانيين في وجه حكم الملالي في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الماضيين، وسقط نتيجتها 25 قتيلاً، وفق أرقام رسمية، ولم يمنع قمع السلطات نهوض حركة احتجاج ومطالب جديدة، وقد سجل الأسبوع الأخير من مايو (أيار) الماضي، احتجاجات واسعة في 242 مدينة و31 محافظة، بلغ معدلها 69 تحركاً في اليوم، مما يؤشر إلى احتمال تجدد الانتفاضة الإيرانية في مواجهة النظام.

وسط حشد التحديات الخطرة، يبدو أن طهران اختارت اتباع سياسة تهدئة في معالجة ملفاتها، على نحو ما تعاملت مع سياسات ومواقف روسيا السورية، حتى لا تذهب إلى مواجهات معها، قد يكون من نتائجها توجه روسيا إلى إخراج إيران من المعادلة السورية، مما سيسبب كارثة استراتيجية لإيران، ويُخرجها من دائرة المكاسب المباشرة من إعادة إعمار سوريا، التي تراهن على المشاركة فيها باستعادة بعض ما دفعته هناك للحفاظ على نظام الأسد وحمايته، وتابعت طهران سياسة التهدئة في تصادمها مع إسرائيل في سوريا بالسكوت عن قصف مواقعها وحلفائها، وأخذت خطاً ليناً في التعامل مع الموقف الأميركي من إلغاء الاتفاق النووي، وتتابع جهودها مع الأوروبيين للحفاظ على دعمهم للاتفاق، إضافة إلى تخفيفها من ردّات فعلها على الحملات الدبلوماسية والإعلامية ضدها.

لعل التعبير الأوضح عن سياسة التهدئة الإيرانية في مواجهة التحديات، ما كرّسه المرشد الإيراني علي خامنئي عبر حدثين قام بهما قبل أيام، أولهما خبر اجتماعه ومساعديه في خطوة هي الأولى منذ عشر سنوات مع الرئيس الأسبق محمد خاتمي المحسوب على الإصلاحيين، حيث جرت مناقشة للأوضاع في ضوء ما يواجه البلاد من تحديات داخلية وخارجية. والآخر بث التلفزة الإيرانية لقطات من لقاء المرشد مع طلاب جامعيين خلال إفطار رمضاني في بيته، سمع منهم انتقادات عنيفة للنظام عن كبت الحريات العامة، وسوء إدارة البلاد والسلطة القضائية، وسياسة احتكار وسائل الإعلام.

إن سياسة التهدئة التي يسعى الإيرانيون إليها في التعامل مع التحديات المحيطة، يمكن أن تخفف الاحتدامات بصورة مؤقتة ومحدودة، لكنها لا تعالج التحديات القائمة، لأنها مرتبطة بطبيعة الدولة الإيرانية واستراتيجيتها القائمة على استخدام القوة والتمدد والسيطرة الإقليمية، وما لم تتغير طبيعة الدولة واستراتيجيتها، فلن تنجح سياسة التهدئة ولن تستمر، مما يعني سقوط إيران في الاختبار الذي تطرحه على نفسها.

========================

تقويض النفوذ الإيراني في سوريا .. حسام ميرو

الخليج

الاثنين 4/6/2018

أفصح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ مجيئه إلى سدة الرئاسة في البيت الأبيض، عن رؤية استراتيجية محددة للاستقرار في الشرق الأوسط، وتقوم تلك الرؤية على مسألة أساسية، وهي تحجيم النفوذ الإيراني الذي تمدد سريعاً خلال السنوات التي تلت ما يسمى «الربيع العربي»، وهو النفوذ الذي أفسحت له المجال إدارة سلفه الأسبق باراك أوباما. 

ومن المؤكد أن حسابات الإدارة الجديدة نحو الشرق الأوسط، هي نتيجة إعادة قراءة لمصالح الولايات المتحدة عبر العالم، وإعادة الاعتبار لمكانة الشرق الأوسط في الاستراتيجيات الأمريكية.

وعلى الرغم الاتهامات الكثيرة للرئيس دونالد ترامب، فيما يخص ملف الانتخابات الرئاسية، والدور الروسي في وصوله إلى البيت الأبيض، إلا أن علاقات القوة قد تبدّلت فعلياً بين واشنطن وموسكو خلال ولاية أوباما الثانية، فقد كان أوباما يعوّل على دور روسي وازن لاحتواء الصين، وقد منح روسيا الضوء الأخضر لتكون اللاعب الأبرز في الساحة السورية، كما أن استعجال الرئيس أوباما في إبرام الاتفاق النووي التاريخي مع إيران، على حساب الحلفاء التاريخيين في الخليج، أسهم بشكل كبير في الإيحاء لإيران بأن تمددها في الشرق الأوسط مقبول أمريكياً، وبأنها ستكون القوة الأهم في تشكيل منظومة استقراره.

القراءة الأمريكية الاستراتيجية للشرق الأوسط، تبقى حجر الزاوية في تحديد مواقف مختلف اللاعبين، وبسبب التبدّل التاريخي لتلك الاستراتيجية في عهد الرئيس أوباما، قامت إيران بزيادة مساحات الفوضى، مستفيدة من التراخي الدولي في حل الصراع السوري، وعبر براغماتية سياسية، تقوم على الاستفادة من الاندفاع الروسي نحو ملء الفراغ الأمريكي في الشرق الأوسط، وحاجة موسكو لقوات برية تساند وجودها الجوي في سوريا، وفي الوقت ذاته، تقوم بترسيخ وجودها لعقود مقبلة، عبر أدوات مباشرة وغير مباشرة، متكئة على تجربة العراق، في بناء تحالفات مع قوى محلية قريبة منها عقائدياً ومصلحياً.

أما موسكو، فمن جهتها، قامت باستخدام إيران براغماتياً في ملفات سوريا والشرق الأوسط، فقد استفادت من القوات الإيرانية والحليفة لإيران في استعادة مساحات واسعة من الأراضي التي سيطرت عليها الفصائل المسلحة، ونسبت الإنجازات لها في التفاوض مع اللاعبين الإقليميين والدوليين، لكن ضبط اللعب في الملعب السوري، وتحقيق مصالح الجميع، أصبح في خطر، بعد احتدام المواجهة غير المباشرة بين إيران و«إسرائيل»، وخطر تحولها إلى حرب مباشرة، فطهران لديها شكوك كبيرة في النوايا الروسية حول ترتيبات المصالح النهائية في الحل السوري، وتريد ترسيخ مكاسب بعيدة المدى، وامتلاك أوراق ضغط لتحقيقها.

من الناحية الفعلية، هناك مؤشرات على وجود تفاهمات متعددة الأطراف لتقويض الدور الإيراني، شملت الساحتين العراقية والسورية معاً، فنتائج الانتخابات العراقية تشير إلى وجود دفع إقليمي ودولي للحدّ من نفوذ القوى السياسية التابعة لطهران، ودعم قوى تمتلك خطاباً مغايراً للخطاب الطائفي، لتكون ذات وزن في تحديد السياسات العراقية على أساس وطني، وليس خدمة لمصالح طهران.

ومؤخراً، أكّدت موسكو ضرورة انسحاب القوى الأجنبية من سوريا، وعلى الرغم من رفض أكثر من متحدث في الخارجية الروسية تحديد تلك القوى، لكن من الواضح أن المقصود هو القوات الإيرانية والتركية والأمريكية، وما يجعل هذا الأمر مؤكداً، هو تسارع المؤشرات لبناء تفاهم أمريكي روسي على الجنوب السوري، وهو تفاهم كان موجوداً بين واشنطن وموسكو، لكن الجديد في الأمر هو سعي الطرفين إلى صيغة عملية تستبعد كلياً الوجود الإيراني في الجنوب، وإحلال قوات من الشرطة العسكرية الروسية، بما يضمن عدم قيام مواجهة مباشرة بين إيران و«إسرائيل».

من الناحية العملية، تدرك موسكو أن نهاية الصراع السوري تحتاج إلى بدء فوري ومتصاعد لإعادة إعمار سوريا، من أجل ترسيخ مصالح طويلة المدى، لكن عملية إعادة الإعمار لن تحدث من دون تأمين مصالح أكبر عدد من اللاعبين، وتحديداً مصالح دول الخليج وأوروبا، وهو ما يعني فعلياً الاستجابة لمطالب هذه الدول المتعلقة بتقليص حجم النفوذ الإيراني، وهو ما يفسر إلى حد كبير، تصريحات موسكو حول ضرورة خروج القوى الأجنبية من سوريا؛ إذ ليس من الواقعي بمكان أن تسهم الدول الخليجية والأوروبية في ضخ أموال لتجاوز الآثار الكارثية التي أنتجتها الحرب السورية، قبل الاقتناع واقعياً بأن النفوذ الإيراني في سوريا يمضي نحو الانحسار، ليس فقط من أجل تأمين بيئة سياسية اقتصادية خاصّة بسوريا، وإنما أيضاً من أجل تأمين شروط أفضل لإعادة ترتيب الاستقرار في الشرق الأوسط.

=================

متى يعود اللاجئون السوريون .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاحد 3/6/2018

شكّل تقرير معهد كارنيجي المميز الذي أُطلق في بيروت أخيراً، صفعة قوية بوجه كل من يروج لبقاء بشار الأسد في السلطة، ولكل التسويات الدولية التي يجري طبخها بعيداً عن مصالح وتضحيات السوريين التي لا مثيل لها في التاريخ الحديث، فقد كشف استطلاع للتقرير أجري على اللاجئين السوريين في لبنان وغيره أنهم لن يعودوا إلى سوريا ما لم تتوافر السلامة والأمن فيها، وهذا لن يتحقق إلا بتحول سياسي حقيقي يُطيح ببشار الأسد من السلطة..

اللاجئون السوريون الذين هم الأعلى رقماً منذ الحرب العالمية الثانية بلغ عددهم بحسب التقرير 5.5 مليون لاجئ، منتشرون في تركيا 3.3 مليون لاجئ مسجل، ومليون لاجئ بلبنان، و650 ألف لاجئ بالأردن، بينما بلغ عددهم في أميركا 50 ألف لاجئ، وفي كندا 18 ألف لاجئ، وقرابة النصف مليون لاجئ في أوروبا. أما النازحون الذين فشلوا في الخروج من الجحيم السوري الذي أنتجه الاحتلالان الداخلي الأسدي والخارجي الروسي والإيراني، فقد بلغوا 6.1 مليون نازح، موزعون في الشمال السوري المحرر..

وكشف تقرير كارنيجي عن مخاوف اللاجئين الذين فضّلوا العيش في ظروف عنصرية بالغة الصعوبة في لبنان، أو ظروف معيشية واقتصادية صعبة خارج البلد والأقارب، مخاوف من العودة بسبب سياسة التجنيد الإلزامي في الخدمة العسكرية التي تستهدف الفئة العمرية بين 18-42 عاماً حال عودتهم، وهو ما تكرر وحصل مع كل المناطق التي عقدت المصالحات المحلية مع النظام برعاية روسية أو إيرانية، فكان مصيرهم الزج بهم إلى خطوط القتال الأولى، ولعل قانون 10 الأخير بمصادرة ممتلكات المشردين واللاجئين إن هم فشلوا في تقديم ما يثبت ملكيتهم لأرضهم وبيوتهم خلال 45 يوماً، زادت من خوف اللاجئ والنازح في أن يعود إلى الداخل دون بيت أو أرض يعيش عليها...

قانون 10 انعكس بشكل مباشر على دول اللجوء التي عبّرت عن قلقها من هذا القانون الذي يعني استكمال تدمير ما بقي من سوريا بحسب السياسي اللبناني وليد جنبلاط، ورأى هو وغيره من اللبنانيين المعارضين للنظام السوري أن هذا القرار سيحول دون عودة اللاجئين في لبنان، وهو ما عبّرت عنه أيضاً منظمات حقوقية دولية مثل منظمة هيومان رايتس ووتش وغيرها من المنظمات الدولية، وأثار قلق وتعليقات صحف ووسائل إعلام دولية رصينة..

الواضح أن النظام وداعميه يستخدمون الآن ورقة اللاجئين لابتزاز الدول الغربية، إما بالتخلي عن مواقفها العلنية المعادية للنظام، وكذلك التعهد بإعادة بناء ما دمره النظام والاحتلال خلال سنوات قمع الثورة السورية، وإلا فإن النظام والمحتل سيقذف بالمزيد من اللاجئين إلى أوروبا ودول أخرى، وهو ما ألمح إليه أكثر من مسؤول سوري وروسي، ولذلك فإن أوروبا تعي خطورة الأمر عليها فتحاول أن تهادن الروس والإيرانيين في الملف السوري وحتى في الملف الإيراني..

خلال الحرب الأفغانية كانت باكستان قد نجحت في تضمين كل اتفاقيات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الأفغانية أمام الروس ونظام الدمية الشيوعي الأفغاني بعودة اللاجئين الأفغان بالعزة والكرامة، وهو ما فُسر من قبل الجميع يومها أن العزة والكرامة لا يمكن أن تتأتى بدون رحيل النظام الشيوعي الأفغاني، كونه السبب في هجرة هؤلاء عن أرضهم، رافق ذلك بالطبع رغبة وإرادة دولية مع تصميم باكستاني على رحيل النظام الشيوعي، مما قضى لاحقاً بعودة معظم هؤلاء اللاجئين أو غالبيتهم...;

==========================

أوراق صفقة الجنوب .. حسام كنفاني

العربي الجديد

الاحد 3/6/2018

مع بدء تسريب تفاصيل عن صفقة الجنوب السوري، والتي تعقدها كل من روسيا وأميركا وإسرائيل، تتضح أكثر العلاقة المضطربة بين الحليفين الروسي والإيراني، والأولويات التي تضعها موسكو نصب عينيها في التعاطي مع الملف السوري، والتي تأتي إسرائيل على ما يبدو في مقدمتها، حتى وإن حاولت اللعب على وتر الابتزاز ومحاولة تحصيل أثمانٍ من الأميركيين في مقابل تحقيق المطلب الإسرائيلي، والروسي أيضاً، في إبعاد الإيرانيين عن الحدود الجنوبية السورية المحاذية للجولان وفلسطين المحتلة، فالحسابات الروسية في سورية تختلف كلياً عن تلك الإيرانية، وإن تم جمع الطرفين ضمن تحالف ظرفي، إلا أنهما مختلفان كلياً على الصعيد الاستراتيجي، وحتى يمكن القول إنهما على طرفي نقيض، كذلك فإن الروس لا ينظرون بعين الرضى إلى التمدّد الإيراني في المنطقة ومحاولة بسط نفوذ في سورية وغيرها. وعلى هذا الأساس، فإن فكرة إضعاف الإيرانيين في سورية تروق لموسكو بشكل أساسي، حتى وإن لم تجاهر بذلك. في المقابل، فإن الحاجة الإيرانية للحليف الروسي الظرفي، وخصوصاً في ظل الهجمة الأميركية على طهران، والانسحاب من الاتفاق النووي، والعودة إلى سياسة العقوبات، تجعلها خاضعةً لرغبات موسكو، حتى لو جاءت متناقضةً مع أهدافها ومصالحها. هذا الأمر تدركه روسيا جيداً. وعلى هذا الأساس، كانت مفاوضاتها وقراراتها نيابةً عن الإيرانيين الذين سيكون عليهم التنفيذ من دون اعتراض. حتى أن الإيرانيين استبقوا التنفيذ بنفي وجود قوات لهم أساساً في الجنوب، تماماً كما سبق لهم أن نفوا تعرّض مواقع لهم في سورية لغارات إسرائيلية.

الأمر نفسه بالنسبة إلى النظام السوري الذي يترقب تفاصيل الاتفاق، لتطبيق ما يخصه منه، وخصوصاً الدخول في مواجهةٍ مع الفصائل السورية في الجنوب، وتولي حماية الحدود مع إسرائيل، برعاية روسية، وذلك بعدما استطاعت موسكو انتزاع المعلوم المجهول دائماً، وهو أنه ليس لدى إسرائيل مشكلة في بقاء بشار الأسد، بل على العكس هي تفضّله حارساً للحدود على أن تكون هناك فصائل غير منضبطة عسكرياً على تخوم فلسطين المحتلة، وهو ما حدث عندما وجد "داعش" في تلك المنطقة قبل فترة.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإذا كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وصف الأسد في إحدى تغريداته بأنه "حيوان"، إلا أن ذلك لا يعني أنه في وارد إسقاطه، وخصوصاً في ظل فراغ الخيارات البديلة، فالتدجين هو الخيار الأمثل بالنسبة إلى واشنطن، ليس في عهد إدارة ترامب فقط، بل في كل العهود التي سبقت وحاولت إدخال النظام السوري ضمن الحظيرة الغربية. يبدو هذا الأمر اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى التحقيق، خصوصاً أن الأسد أبدى استعداده ضمنياً لأن يضمن سلامة الحدود مع إسرائيل، ويمنع تحول الجولان إلى جنوب لبنان ثان، كما كان مخطط إيران وحلفائها. وهذا الأمر حالياً هو أكثر ما يهم الإدارة الأميركية، إضافة إلى استغلال نظام الأسد في "محاربة الإرهاب"، وإبقائه بعيداً عن الأراضي الغربية.

بناء عليه، فإن صفقة الجنوب السوري ليست مجرّد اتفاق عسكري بين الدول الضامنة لمناطق خفض التصعيد، إضافة إلى أميركا وإسرائيل، بل هو مؤسّس لمرحلةٍ جديدة في الحرب السورية وفاتحة ضوء أخضر لقوات الأسد وروسيا للسيطرة على ما تبقى من أراضٍ في يد المعارضة، شرط أن يبدي النظام الولاء والطاعة، ويحيد نفسه عملياً عن "محور الممانعة"، مع الإبقاء عليه ضعيفاً محتاجاً إلى الحلفاء الجدد والقدامى لضمان البقاء.

==========================

للشعب لا للمعارضة .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 2/6/2018

السوريون في مزاج سيئ، لأنهم يخافون الخروج صفر اليدين من ثورةٍ قدموا ملايين الشهداء والجرحى فيها لتحقيق وعودها: الحرية والعدالة والمساواة.

... وقد ترك سقوط الغوطة الشرقية، ثم ريف حمص الشمالي، أثراً سلبياً عليهم، وأرهقتهم صور الأطفال والنساء، وهم يُهجّرون إلى خارج مناطقهم، وأتعبتهم مشاهد البؤس على وجوه من حملوا السلاح بالأمس، ويقفون الآن في طابور العائدين إلى "حضن وطنٍ"، يعدهم بأحد خيارين: أن يحاربوا رفاقهم في المناطق الأخرى، أو يقتلهم، وليس في قاموسه كلمة شعب، كي يحترم حياته وممتلكاته، أو يتوقف عن التباهي ب "تحريره" من الذين دافعوا عنه وحموه طوال أعوام عجاف من عصابات القتل والتعفيش.

وزاد من تعب السوريين القتل المنهجي الذي تمارسه دولتان تتباريان في العدوان عليهم، لم تُقرّا يوماً بشرعية أيٍّ من مطالبهم، أو تتعاطفا معهم، بل نافستا الأسد في اتهامهم بالإرهاب، وارتكبتا جرائم منظمة ضدهم، انسجاماً مع تاريخ استبدادي مديد وسم حكم أكاسرة فارس وقياصرة روسيا!.

لا ينسى السوريون أيضاً دور المذهبية/ المتعسكرة في هزائمهم، وتقويض سعيهم إلى مجتمع حر ونظام ديمقراطي. ولَكَمْ عبّروا عن رفضها في التظاهرات التي طالبتها بالرحيل عنهم، واستهدفت قادتها بأسمائهم في هتافات اتهمتهم بالخيانة، وبالقضاء على تفوّق الثورة الأخلاقي والقيمي على النظام، وهو تفوقٌ لعب دوراً بارزاً في إخراج الأسدية من ثلثي سورية، بالضغط الشعبي، قبل أن يعيده طيران الروس ومرتزقة إيران، والإرهابيون المحسوبون زوراً وبهتاناً على ثورةٍ هم ألدّ أعدائها.

هل ضاعت فرصة بلوغ ما أراده السوريون من ثورة تكالب عليها حلف دولي/ إقليمي/ محلي، استقدم أرهاطاً من مجرمي أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان وإيران وروسيا إلى سورية لمحاربتهم وارتكاب أشنع الفظائع ضدهم؟. لا أعتقد شخصياً أنها الفرصة، لو كانت حقوقنا مرتبطةً بالمعارضة السياسية والعسكرية، وما هما فيه من تهافت وعجز، لقلنا: نعم خسرنا المعركة، وضاعت منا سانحة الحرية التي صنعها ملايين مواطناتنا ومواطنينا بتضحياتهم، خصوصاً وأن العالم لا ولن يقر بالحق في الحكم أو بالسيطرة على المجال السياسي الوطني لمعارضةٍ أثبتت، خلال سبعة أعوام ونيف، أنها ليست، ولا تنوي أن تكون ثورية، ولا ترغب في امتلاك نهجٍ يقرّبها من الواقع ومصالح الشعب العليا، تخبطت طوال هذه المدة الطويلة نسبياً في أخطاء ترفض تصحيحها، وأدمنت الارتجال، وتبنّي سياسات متقطعة ولحاقية، جزئية ومليئة بالأخطاء.

لكن الثورة لم تكن هذه المعارضة التي همشت نفسها إلى حدٍّ جعل أصدقاءنا القلقين على حقوقنا يتساءلون بمرارة: هل ما زالت المعارضة موجودة حقاً جهة تمثل السوريين؟. لم تتطابق الثورة مع المعارضة، ولم تكن المعارضة مساويةً للثورة أو ممثلة لها في معظم سنوات النضال في سبيل الحرية. الثورة هي الشعب الذي هتف للحرية، وهي أيضاً الحرية التي عبرت عن نفسها في هتافات وتضحيات الملايين الذين نزلوا إلى الشوارع، مطالبين بها للشعب السوري الواحد الذي لن يستطيع أحد تجاهل تضحياته من أجل حقوقهم، وطول المدة التي قاوم خلالها الأسدية، وواجه خلالها حملات الإبادة، لكنه استمر في ثورته، على الرغم من افتقاره قيادة ثورية.

لن يستطيع العالم تجاهل تضحيات الشعب السوري. ولن يغامر أحد بإخراجه صفر اليدين من تمرّد سقى خلاله ورود حريته بزكيّ دمائه، وواجه سنواتٍ استبداداً لم يواجه أحد قبلهم ما يماثله، من دون أن يستسلموا، فهل يعقل أن يقبلوا الرضوخ من جديد، ومن دون مقاومة نظام أخرجوه من أنفسهم وواقعهم، لا تعني عودته إلى مناطقهم إطلاقاً عودتهم إليه.

==========================

ميليشيات النظام السوري: سيرورة المحاق بعد الصعود .. صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 2/6/2018

إذا صحت الأنباء عن مصادرة أموال أيمن جابر، الرأس الثاني القيادي في ميليشيات «صقور الصحراء» و«مغاوير البحر»، التي ظلت تتبع للنظام السوري (المخابرات العسكرية، الفيلق الخامس، وزارة النفط) حتى تفريقها؛ فإنّ محاق أمير الحرب هذا سوف لن يتجاوز إضافة اسم جديد على لائحة طويلة، طويلة، تشمل المئات ممن سادوا على امتداد 48 سنة من حكم آل الأسد، ثمّ بادوا بحكم سُنن كثيرة؛ بينها انتهاء الصلاحية، أو استنفاد الخدمة، أو الإفراط في الطموح، أو الوقوع في تقاطع نيران بين الرؤوس الأكبر، أو الانقلاب إلى عائق في كثير أو قليل. تلك كانت حال أمثال ناجي جميل، علي حيدر، علي الصالح، شفيق فياض، محمد الخولي، علي دوبا، حكمت الشهابي، عبد الرحكم خليفاوي، عبد الرؤوف الكسم، محمد الزعبي، عبد الحليم خدام، خلال عقود الأسد الأب؛ وحال آصف شوكت، غازي كنعان، بهجت سليمان، محمد منصورة، حافظ مخلوف، جامع جامع، رستم غزالة، خلال سنوات الأسد الوريث.

الفارق عن هؤلاء، ولكن الشبه الكبير مع عشرات سواهم، أنّ آل جابر لم يترعرعوا في حاضنة السلطة الفعلية، ولم يكونوا ضباط أمن وجيش وقيادات حزبية أو حكومية، بل صعدوا من الحضيض، وارتقوا السلّم اعتماداً على طرائق إثراء متعددة، غير مشروعة، مكّنتهم منها تماسيح النهب في قلب عائلة السلطة، التي حاصصتهم في الملايين والمليارات ضمن ما يشبه صيغة «المرابع» مع صاحب المزرعة؛ ثمّ توجّب أن يخدموا النظام عسكرياً هذه المرّة، عن طريق تشكيل ميليشيات قتالية تخضع لإشراف الأجهزة، وتعوّض بعض الاستنزاف الذي أخذت الوحدات النظامية تعاني منه في جبهات مختلفة. وهكذا، في عام 2013، أطلق محمد وأيمن جابر ميليشيات «صقور الصحراء» لكي تؤدي مهمات محددة؛ مثل حماية آبار النفط في محيط دير الزور، ومرافقة قوافل نقل الخام العراقي والإيراني إلى مصفاة حمص، ثمّ المشاركة في عمليات قتالية خاصة هنا وهناك.

ولقد حققت هذه الميليشيات بعض النجاحات خلال مواكبتها لعمليات جيش النظام في بعض مناطق الساحل السوري، بلدات كسب وسلمى وربيعة بصفة خاصة؛ لكنها، في المقابل، فشلت فشلاً ذريعاً في حماية آبار النفط، التي سرعان ما استولت عليها «داعش»؛ وفي حزيران (يونيو) 2016 تعرضت  وشقيقتها الميليشيا الثانية، «مغاوير البحر»  إلى هزيمة نكراء في هجوم إثريا  الرقة، ومُنيت بخسائر فادحة أثارت سخط الموالين بسبب ما تردد عن مسؤولية الوحدات النظامية في هذه النتيجة. قبل ذلك، في شباط (فبراير) 2015، قُتل العميد الركن محسن سعيد حسين وهو يقود ميليشيات آل جابر في هجوم على حقل الشاعر النفطي، لكي يتضح أن هذا الضابط كان نائباً لرئيس فرع البادية في المخابرات العسكرية، وأحد ضباط الحرس الجمهوري قبلئذ؛ الأمر الذي كشف النقاب عن مدى الارتباط المباشر بين ميليشيات آل جابر والأجهزة الأمنية.

لم يكن الأمر خافياً بالطبع، ولم يكن مستغرباً أو غير مألوف، إذْ كان الشقيقان جابر يردّان إلى خزينة النظام بعض ثمار ما كسباه من مليارات طيلة سنوات من «المرابعة» مع عائلة النظام، وفواز الأسد ابن عمّ بشار بصفة خاصة، في اللاذقية؛ وكذلك بعد عام 2005 حين آل إليه خطّ النفط العراقي. لائحة «رجال الأعمال» الذين توجب أن يسددوا ما للنظام بذمتهم، خاصة بعد عام 2012، عن طريق تمويل قطعان «الشبيحة»؛ كانت تشمل أمثال محمد حمشو وجورج حسواني ومجد سليمان، وعلى رأسهم صيرفي النظام رامي مخلوف؛ فشهدت سوريا تشكيل ميليشيات وكيانات مثل «قوات درع القلمون»، «قوات الدفاع الوطني»، «كتائب الجبلاوي»، «فهود حمص»، «درع الوطن»، «فوج مغاوير البادية»، «أسود القائد الخالد»، «أسود الفرات»، «لواء خيبر»، «لواء أسد الحق»، فضلاً عن اثنتين من الميليشيات المسيحية: «قوات الغضب» و«سوتورو».

بعد التدخل الروسي في سوريا، خريف 2015، حظيت ميليشيات آل جابر باهتمام الاستخبارات الروسية، وبدأ قادة عسكريون روس يتعمدون الظهور مع رجال الميليشيا والتجوّل برفقتهم في قرى الساحل والمشاركة في احتفالاتهم ومآدبهم ومآتمهم. وأشارت تقارير متطابقة إلى أنّ الميليشيا حصلت على صواريخ مضادة للدروع من طراز «كونكرس»، ودبابات متقدمة  72 وت  90، خاصة بعد زجها في معركة حلب. الوجه الثاني لهذه العلاقة الخاصة تمثل في سلسلة المصالح المشتركة بين آل جابر والمافيا الروسية، التي كانت أصلاً تعود إلى سنوات خلت وتوطدت أكثر مع استقرار الروس في حميميم وطرطوس. تلك كانت إشارة الإنذار الأولى حول ذهاب الميليشيات أبعد مما يحقّ لها، خاصة وأنها ارتبطت بشخصَي محمد وأيمن جابر اللذين لا يتمتعان في قرى الساحل السوري بسمعة أخرى غير النهب والتسلط، في وقت شهد سعي الأسد المحموم إلى إعادة استرضاء الطائفة العلوية والتغطية على الأثمان الباهظة التي تسددها من دماء أبنائها دفاعاً عن النظام.

ولعلّ القشة التي قصمت ظهر البعير كانت أنباء الصدام بين موكب الأسد وموكب إبراهيم جابر، الشقيق الثالث، على طريق القرداحة دون سواه، وذيوع الحكاية في طول قرى الساحل وعرضها، وما ألحقته من أذى بسلطة الأسد نفسه من جهة؛ وكذلك ما أشارت إليه من تعاظم نفوذ آل جابر، من جهة ثانية. الأرجح أنّ الواقعة لم تكن متعمدة، فليس لعين آل جابر أن تعلو على حاجب آل الأسد في كلّ حال، ولا مصلحة لهم أساساً في الذهاب إلى حماقة مثل هذه. لكنّ مجرد الاحتكاك بين الموكبين كان كافياً في ذاته لإحداث الصدمة، فضلاً عن التنبيه إلى الخطوط الحمر المتعارف عليها حتى دون اتفاق، وهذا «بروتوكول» يشمل عوائل النظام  آل الأسد وآل مخلوف وآل شاليش وآل نجيب…  فيما بينهم؛ فكيف بأسرة مغمورة صعدت من الحضيض، بترخيص من ماهر الأسد وفواز الأسد ورامي مخلوف! وهكذا توجب «تأديب» مرتكب الخطيئة، واقتياده إلى سجن القصر الجمهوري، وحلّ مرافقته، وإرسال الرسائل اللازمة حول هوية صاحب اليد العليا في تلك الأعالي…

أمّا في العمق، من جانب آخر مهّد الأرض لمحاق آل جابر، فقد كان التناقض المتزايد بين الرعاية الروسية لهذه الميليشيات، والتنافس مع «لواء سيف الحق أسد الله الغالب»، الذي يحظى برعاية ثلاثية في قرى الساحل السوري: إيران و«حزب الله» والحرس الجمهوري. ورغم أنّ المنطق الطبيعي يشير إلى أنّ الرعايتين يمكن أن تتكاملا، بالنظر إلى التطابق في مصالح الطرفين من حيث خدمة النظام؛ إلا أنّ عوامل أخرى، غير ثانوية في الواقع، كانت تتدخل لتعكير صفو العلاقة. ثمة، أولاً، صراع التبشير داخل صفوف الطائفة العلوية، بين تيار التشيّع الإثني عشري، والتيار المحلي الذي يحرص على «العادات والتقاليد». وثمة، ثانياً، ما تختلف فيه موسكو مع طهران حول اقتسام النفوذ في سوريا، وفي مناطق الساحل السوري تحديداً، وحول طرائق إدارة الحرب والسلام، وكسب الحلفاء أو تقليم أظافر الخصوم في هذا كله.

شتان إذن، وفي الخلاصة، بين محمد جابر الذي أفردت «وول ستريت جورنال» مساحة سخية من صفحاتها لرسم صورة قلمية له، منذ العام 2013، والذي كان «يطير في كل شهر إلى بغداد حاملاً حقائب محشوة بمئات آلاف الدولارات» بالنيابة عن النظام السوري، و«يودع نصف مليون دولار في أحد المصارف العراقية»؛ وبين الرجل إياه في محاقه، وأخيه، ومصادرة أموالهما المنقولة وغير المنقولة، وفق ما تشير التقارير. شتان، مع استذكار القول المأثور: ما طار طير وارتفع!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

==========================

هل انتصر النظام في سوريا؟ .. د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 2/6/2018

أجمع كل المعنيين بالقضية السورية على رفض الحل العسكري، وصرحوا بأن الحل المنشود سياسي فقط، وقدموا بيان جنيف ليرسم رؤية للحل السياسي، وطالبوا بوقف إطلاق النار، وفشلوا بفرضه على النظام الذي لم يأخذ الحل السياسي على محمل الجد طوال سبع سنوات، وإنما استمر بما سماه الحسم العسكري. وتم تعطيل مسار جنيف، وتغيرت الأمور لمصلحة النظام، وتم إشغال المعارضة باتفاقيات وقف إطلاق النار، وتم منعها من الحصول على مضادات الطيران، وسرعان ما توقف الدعم عنها لإجبارها على الرضوخ.

وبعدما خسرت المعارضة العسكرية مواقع مهمة تحت وابل من القصف، بدأ النظام تسريع خطة التهجير القسري من مضايا والزبداني ووادي بردى والمعضمية وداريا وسواها،، وهكذا تابع النظام انتصاراته على الشعب السوري بدعم إيراني وعبر صمت عالمي، حقاً لقد انتصر النظام عبر قتل نحو مليون سوري تقريباً (فلا أحد يعلم كم عدد الجثث التي بقيت مدفونة تحت الأنقاض والركام حيث كان يصعب انتشالها). ولا أحد يعرف العدد الصحيح للمعتقلين ولمن قتلوا تحت التعذيب، وهناك أكثر من مليوني معوق، وعشرة ملايين نازح ومشرد ولاجئ في الداخل وفي الشتات.

بهذا المعنى يمكن للنظام أن يباهي بانتصاراته المتلاحقة، فلم يبق خارج سيطرته سوى حوران ومحافظة درعا، والقنيطرة وريفها، ومحافظات دير الزور والرقة والحسكة وبادية الشام، ومحافظة إدلب وريفي حماه وحلب.

كما تحولت اتفاقيات خفض التصعيد إلى حالات استسلام انتهت بخيار للمعارضة المنهكة، والتي توقف الدعم عنها، بين الاستسلام أو الإبادة أو الهجرة قسراً إلى إدلب والشمال. واليوم يهدد النظام حوران والجنوب السوري وإدلب بهجوم ساحق. وشعبنا المفجوع يترقب نشرات الأخبار التي تحمل تضارب التصريحات، بين الشرط الإسرائيلي بابتعاد إيران عن الجنوب، وبين قبولها ببقاء إيران على مسافة معينة من إسرائيل، وبين رفضها المطلق لبقاء إيران في سوريا، وبين رغبة إسرائيل بأن يعود النظام حامياً لحدودها، وبين رغبتها بابتعاد النظام، وبين الوعود الأميركية بعدم الموافقة على إشعال معركة في الجنوب وإخضاع النظام لاستمرار خفض التصعيد، وبين خوف المعارضة على المدنيين الذين هم الضحايا، وبين إصرار الثوار على الدفاع عن أرضهم وشعبهم في معركة لن تكون متكافئة، وفي الشمال يتساءلون عن حدود الضمانة التركية وعن التهديد اليومي لإدلب من قبل النظام، وهكذا يعيش الشعب حالة مضطربة، وقد ضاعت البوصلة، وضاعت جهود المعارضة السياسية التي تم إهمال هيئتها المفاوضة وائتلافها، و أهمل مسار جنيف وانتقل التفاوض إلى أستانة وسينتقل إلى سوتشي، ولم يفهم أحد بوضوح ما سر الاستدعاء المفاجئ للأسد من قبل بوتين، وما الذي قاله بوتين، مع تكهنات بأن الأمر ربما يتعلق بموضوع الدستور والانتخابات ومضمون ما اتفق عليه الرئيسان بوتين وترامب في لقائهما في فيتنام.

يترقب السوريون حلاً سياسياً يجنب من تبقى منهم في وطنهم دماراً شاملاً، وحرباً مفجعة يستعد لها شرفاء الجنوب الذين يفضلون الموت على ما سيلقونه من الإذلال إذا استسلموا للنظام أو انتصر عليهم، فسوف يفتك بهم عقوداً طويلة، وهذا هو حال الشعب في إدلب، مع وجود أمل و تفاؤل بدور تركي ودولي يجنب إدلب ما يخطط النظام لها، ولكن للأسف لا يوجد أي أمل بوجود حل سياسي يعيد لسوريا الأمن والأمان والاستقرار، ويفتح المجال لعودة اللاجئين والبدء بإعمار سوريا المدمرة، فلن يطمئن أحد إذا بقي هذا النظام الذي دمرها وشرد شعبها حاكماً لها.

*وزير الثقافة السوري السابق

==========================

درعا اختبار المصالحة الأميركية - الروسية .. سميرة المسالمة 

الحياة

السبت 2/6/2018

تستخدم روسيا اتفاق خفض التصعيد الموقع حول جنوب سورية في شهر تشرين ثاني (نوفمبر) من العام الماضي كمصيدة لإيران من جهة، وللولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية، وللنظام السوري من جهة ثالثة، وهو الذي لا يزال يعتمد حالة العناد والتحايل والتلاعب بين الرغبة الإيرانية، والإرادة الروسية، في تنفيذ متطلبات التسوية الروسية المقترحة، فتأزيم الأوضاع في منطقة خفض التصعيد في الجنوب (وهي الطرف الضامن المقابل للطرف الأميركي) من شأنه أن يمارس ضغطاً باتجاهين: الضامن (الولايات المتحدة والأردن) والمضمون (فصائل الجنوب المسلحة والنظام)، كما أنه قد يثير شهية التساؤلات لدى المعارضة عن فاعلية اعتمادهم على الجانب الأميركي في إجراءات التسوية العسكرية والسياسية في آن معاً.

وتعتقد موسكو أن التهديد بانفجار الوضع في الجنوب السوري من شأنه أن يلزم كل الأطراف المتضررة (المعارضة والأردن وإسرائيل) للتحرك باتجاه تسوية قابلة للتطوير، من شأنها أن تنهي حالة الركود السياسي التي تخشاها موسكو، نتيجة الموقف الأميركي المتحفظ على نتائج جولات آستانة التسعة، واعتبارها مساراً جانبياً لن يفضي إلى حلول شاملة، حيث إيران الطرف الثالث فيها إلى جانب روسيا وتركيا. ما يعني أن عدم التزام كامل المعارضة بمشروع موسكو في آستانة وسوتشي ترده روسيا إلى الموقف الأميركي، الذي يرفض انفرادها بالحل من دون النظر إلى مصالحها مع بقية الشركاء من الأوروبيين، وعلى ذلك فإن إثارة المخاوف لدى المعارضة، عن إمكانية خرق اتفاق خفض التصعيد من قبل النظام السوري، وإعادة التجربة الأليمة التي حدثت في الغوطة والقلمون، وقبلها حلب وحمص، يجبرهم على البحث في حلول توفر على منطقة حوران «مهد الثورة» ما ينتظرها من تدمير وقتل وتشريد لأهاليها من ناحية، ومن ناحية أخرى يحفز الجانب الأردني المتضرر من أي حرب تقوم بمحاذاة حدوده على تسريع عجلة التفاوض، والوصول إلى تسويات توفر له استقرار معابره مع سورية، وكذلك يثير شهية «إسرائيل» في ترتيب أوضاع حدودها التي تريدها خالية من الوجود الإيراني.

إذاً تلويح النظام بالمعركة المقبلة في درعا ليس من بنات أفكاره، على رغم أنها تمثل رغبته في استعادة السيطرة على الحدود مع كل من الأردن وكذلك دولة الاحتلال، لما يوفره ذلك من مردود اقتصادي عبر فتح المعبر الذي حرم منه النظام لسنوات طويلة إثر سيطرة فصائل الجيش الحر عليه عام 2013، ومن مردود سياسي يعيده إلى ممارسة دوره الوظيفي في الحفاظ على الهدنة البينية مع إسرائيل، إلا أن ما يترتب عن إعلان هذه المعركة «الإعلامية» من نتائج، يأتي ضمن سياق «اضطراره» تنفيذ رغبة روسيا في الالتزام بالمطالب الأميركية، والتي تصب في مصلحة موسكو، بينما تقوض آمال النظام في الإبقاء على حليفته إيران كعامل توازن له في مواجهة الغطرسة الروسية عليه، حيث كان يعول على المساندة الإيرانية لاستعادة كامل سورية، لخلق تسوية شكلية مع المعارضة تنهي فيها مفاعيل الثورة التي اندلعت عام 2011، وتؤسس لإعادة إنتاج النظام وفق مبادرة سوتشي ذات الضمانات الروسية والإيرانية والتركية.

وهذا ما جعل موسكو تقر أكثر من مرة أنها لا تستطيع أن تلوي يد النظام السوري وحدها، بسبب الوجود الإيراني في سورية، ودعمه منقطع النظير لحليفه الأسد، ما مكّنه من التواطؤ مع إيران ضد روسيا خلال عقدها اتفاقيات التسوية مع المعارضة، والتي يعتبرها النظام تقوض من صلاحياته في مناطق خفض التصعيد، ما وفر له بالتعاون مع إيران المرغمة على القبول بآستانة، القدرة على التحلل من هذه الاتفاقات ذات الضمانة الثلاثية المشتركة بين حليفيه، وتركيا حليفة الفصائل المحسوبة على المعارضة، وأن يخوض معاركه الوحشية التي أدت إلى استرجاع تلك المناطق بعمليات عسكرية، قتل فيها المئات وشرد عشرات الآلاف من السوريين داخل وخارج سورية، إلا أن النظام يدرك الآن أن اللعب مع الولايات المتحدة ضمن منطقة خفض التصعيد في الجنوب من دون التنسيق مع روسيا يعني انتهاء مرحلة الصمت عليه، أميركياً وإسرائيلياً، ما يعني أن المعركة «في حال وقوعها» يجب أن تكون وفقاً للشروط التي تريدها إسرائيل أي خالية من المشاركة الإيرانية، وغير ذات ضجيج يقلق المستوطنين فيها، وتضمن المصالح الأردنية في ذات الوقت ما يجعل خيار التسوية أسهل من خيار الحرب على الطرفين: النظام العاجز والمعارضة المقيدة.

ومن هنا فإن النظام الذي تكبله إيران بجملة اتفاقيات ومديونية كبيرة، يصعب عليه أن يطلب من إيران الخروج من سورية حسب الرغبة الإسرائيلية، التي نقلها الرئيس بوتين خلال لقائه ببشار الأسد في سوتشي في 17 أيار (مايو)، ما يعني أن التحضيرات لمعركة الجنوب هي مجرد مسرحية هدفها التحرش بإسرائيل، لوضعها في حالة المواجهة المباشرة مع إيران، وبالتالي اتخاذ الإجراءات اللازمة من قبلها مع حليفتها الولايات المتحدة لممارسة ضغوطهما على النظام الإيراني، للخروج بإرادتها من مسرح الوقائع السورية، ما يوفر على النظام الحرج، وعلى موسكو المواجهة مع إيران، وإضعاف تحالفها معها، الذي تعتبره روسيا أحد أوراقها الرابحة في التفاوض مع كل من أميركا والغرب.

وبالعودة إلى الاتفاق الموقع بين الجانبين الروسي والأميركي، فإنه أساساً يضمن الخروج الإيراني وفق بنوده، التي شاركت الأردن فيه كضامنة لفصائل الجيش الحر الملتزمة بتنفيذه حتى اليوم، وهذا ما حركه من جديد الضغط الإسرائيلي من جهة، والحصار الأميركي على إيران من جهة أخرى، ونتج عنه التصريحات الإيرانية التي جاءت على لسان السفير الإيراني في الأردن مؤكدة خلو المنطقة من الوجود العسكري الإيراني، ليكون ذلك مقدمة لإذعان إيران للمطالب الأميركية، ولخوض اتفاقات من نوع جديد مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، لترتيب أوضاعها في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن، وانكفائها من دور القوة التوسعية في المنطقة، إلى دور الشريك الأمني في حفظ حدود إسرائيل كوظيفة مستقبلية، وضمان استقرار الحدود مع جيرانها لإنعاش الواقع الاقتصادي الذي تلعب المصالح الأميركية الدور الرئيسي فيه، أي أن ما يتم اليوم عقد التفاهمات عليه، من تسليم المعارضة لسلاحها الثقيل، ودخول الشرطة الروسية إلى المنطقة، وكذلك استعادة النظام لمعبر نصيب، وعودة مؤسسات الدولة للعمل تدريجاً، ما هو إلا جزء من الاتفاق الذي يعرف تفاصيله قادة الفصائل الملتزمة باتفاق خفض التصعيد، كما تعرفه المعارضة السياسية التي أعلن قادتها انتهاء الصراع مع النظام منذ إعلان البيان المشترك للرئيسين ترامب وبوتين، بعد حديث وصف آنذاك «بالمقتضب» خلال قمة أبك في فيتنام تشرين الثاني (نوفمبر) 2017.

إن استمرار نجاح الاتفاق المعلن في الجنوب، إنما يعبر عن حقيقة مفادها: أن الصراع في سوريا على رغم تعدد الجهات الدولية المتورطة فيه، وتحول الأطراف السورية المعارضة منها أو النظام على حد سواء إلى مجرد أدوات مقيدة بمصالح مشغليها، إلا أنه في النهاية يبقى بين طرفين أساسيين هما الولايات المتحدة وروسيا، وما لم يتوصلا إلى اتفاق سياسي مماثل للصراع في سوريا يفرض بقوة الوجود العسكري والدبلوماسي لهما، فإن كل حديث عن تفاوض مقبل يبقى في إطار التسويق الإعلامي للجهات الراعية له، حتى ولو كانت الأمم المتحدة نفسها، فهل تكون درعا هي اختبار المصالحة الفعلية بين الإرادتين الأميركية والروسية حول سورية.

==========================

ثمار بوتين داخل الحصاد السوري .. محمد قواص   

الحياة

السبت 2/6/2018

لا يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قلقاً من المآلات المحتملة للوضع في سورية. لا أحد لديه النية أو حتى القدرة على تقييد ما يريده رجل الكرملين من نفوذ لبلاده في هذا البلد. يقيس بوتين بميزان دقيق مساحات الممكن والمستحيل في المنطقة، فيندفع متهوراً في ما هو ممكن ويتحفظ متعففاً في ما هو مستحيل.

لا أحد في هذا العالم يجادل في شرعية الوجود الروسي في سورية. والسبب ليس في تلك الشرعية التي تزعمها موسكو والتي يوفرها طلب رسمي من حكومة دمشق. سبق لحكومة أفغانستان الموالية لموسكو أن وفّرت مسوغ «اتفاقية الصداقة والتعاون وحسن الجوار» لعام 1978 لتبرير التدخل السوفياتي الشهير في العام التالي، ومع ذلك لم يعترف الغرب بهذه الشرعية.

لا أحد يجادل هذه الأيام بأن بوتين قام ب «العمل القذر» الذي لم تكن الولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون التورط به. دفع الرجل بطائراته المقاتلة صوب سورية بعد ساعات من لقاء جمعه في نيويورك في أيلول (سبتمبر) 2015 بالرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما. وما تم التفاهم حوله في ذلك اللقاء قد لا يعدو كونه تكليفاً مبطناً لزعيم الكرملين بمهمة تمت رعايتها غرباً ولامست تماماً طموحات بوتين الكبرى.

يتحدث الأوروبيون والأميركيون عن شبه جزيرة القرم والوضع في شرق أوكرانيا منتقدين الدور الروسي «الخبيث» على تخوم «الأطلسي». لا أحد يتحدث عن الدور الروسي في سورية. باتت كبريات وسائل الإعلام الدولية تقارب الأمر بصفته قاعدة لا بصفته استثناء. انتقدت العواصم الغربية مجتمعة ما قيل أنه تورط روسي في محاولة اغتيال العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال بواسطة سلاح دمار شامل في بريطانيا. وصمتت نفس العواصم عن المقتلة التي تتسبب بها النيران الروسية داخل الميادين السورية.

يكمن سرّ روسيا في سورية في حقيقة أن بوتين الذي يسعى لتحقيق مصالحه ومصالح بلاده حريص على تقديم ذلك بما يذهب مذهب مصالح الآخرين. توسلت دمشق وطهران التدخل الروسي. قيل إن جنرال إيران الشهير قاسم سليماني حمل الخرائط التي تنذر بسقوط حتمي وشيك للنظام السوري، فيما صدر عن بشار الأسد ما يفهم منه العجز عن حماية نظامه. حاولت أنقرة من خلال إسقاط مقاتلة روسية الإدلاء بدلو تركي يحاكي شبهة عثمانية تلتصق بالرئيس رجب طيب أردوغان. ثم عادت لترسم حدود مصالحها وفق ما يتيحه ويرعاه ويصّدق عليه سيّد القول في موسكو.

ضمن ذلك المشهد صاغت إسرائيل مع الرئيس الروسي حكايتها الخاصة في سورية. زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو موسكو أكثر مما زار واشنطن. وبدا أن تنسيقاً سياسياً وعسكرياً يأخذ بعداً استراتيجياً يؤطر أنشطة البلدين في سورية. حفظت موسكو لإسرائيل مصالحها في سورية وغضت الطرف عن عملياتها العسكرية ضد ما تعتبره تل أبيب مهدداً لأمنها هناك. بدت اعتراضات موسكو على بعض العمليات تلك شكلية داخل المشهد العام، فيما أن التفاهم الروسي الإسرائيلي بدا من ضمن لوازم الشغل التي تتفهمها طهران كما دمشق على مضض.

تحتفظ موسكو من دون شك بقمة الفعل والقول في كل ما يتعلق بالمسار السوري. يتضح يوماً بعد يوم أن واشنطن تقارب وجود قواتها بصفته حالة مؤقتة، وأن تمديد هذا التواجد يخضع لمتطلبات ميدانية لا لدواعي استراتيجية أميركية. وحتى حين يروج الكلام عن قمة مقبلة قد تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبوتين، فإن ملف سورية يبدو هامشياً على جدول الأعمال المحتمل، بما يؤكد أن واشنطن غير مهتمة بمنافسة موسكو أو بالتشاطر عليها داخل سورية.

تمسك روسيا بكافة مداخل سورية دون منازع أو منافس. والأمر لا يعود إلى مواهب استثنائية وقوة فوق العادة تمتلكها موسكو في سورية فقط، بل أيضاً لأن كافة العواصم الكبرى غير مهتمة بلعب أي دور يناكف ذلك الذي تلعبه روسيا هناك.

تسعى المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي إلى الاتفاق مع بوتين على رعاية عملية سياسية تتيح تدفق استثمارات الإعمار الأوروبية إلى سورية. بات بوتين متيقناً من حاجة أوروبا إلى الاستقرار السوري على نحو يتيح له أن يطلب من الأوروبيين «إبعاد السياسة عن الإعمار» ليكون «مدخلاً لعودة اللاجئين». وبات بوتين متيقناً من صلابة وضع موسكو في سورية على نحو يتيح له أن يصرح مطالباً بخروج كافة القوات الأجنبية من هذا البلد، وأن يدفع مبعوثه الخاص لشؤون التسوية السورية، ألكسندر لافريننييف، ليُفهم من لا يريد أن يفهم «أن هذا التصريح يخص كل المجموعات العسكرية الأجنبية، التي توجد على أراضي سورية، بمن فيهم الأمريكيون والأتراك وحزب الله والإيرانيون».

تكمن قوة بوتين في سورية في حاجة جميع الفرقاء إليه. يبدو «جنيف» يتهاوى لمصلحة ما تحيكه آستانة بما لا يترك للمعارضة كما للنظام هامشاً للتمرد على الخيار الروسي. وتبدو الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها تركيا هذه الأيام إضافة للتوتر المستمر في علاقات أنقرة مع عواصم «الأطلسي»، عوامل إضافية تدفع أردوغان لتحاشي اللعب في سورية خارج الخطوط التي تضعها موسكو. وتبدو تل أبيب راضية جداً عن مساحة الحرية التي تحظى بها من قبل موسكو للضرب بوتيرة تكاد تكون شبه يومية لأهداف تابعة لنظام دمشق أو نظام طهران أو لحزب الله في سورية. وعلى عكس مما قد يخفيه الامتعاض الصامت لإيران من موقف بوتين المتعاون مع نتانياهو ومن ذلك المتقاطع مع واشنطن، في ما طلبه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو من خروج كامل للقوات الإيرانية في سورية، فإن إيران، للمفارقة، تحتاج إلى روسيا ولا تقوى على التمرد على أجندة بوتين الشيطانية في سورية.

يبتسم بوتين من دون شك. أثمرت فلاحته السورية محصولاً يعمل على قطفه بعناية وبلا تعجل. يبدو رجل روسيا القوي كمن يجلس على باب «البزنس» خلف صندوق النقود يبيع بضاعة أودعها عنده الزبائن وبدأوا يتوافدون من جديد لشرائها. وحده بوتين عرف سرّ الخلطة وأحاجي المحاصيل.

==========================

موسكو وواشنطن لطهران: كفى .. مرح البقاعي   

الحياة

السبت 2/6/2018

في اتصال مباشر مع أحد قادة فصائل الجيش الحر المعارضة والمتمركزة في منطقة درعا منذ 2011، سألت قائد الفصيل عن موقفهم في حال اندلاع معركة الجنوب مع النظام وحلفائه، وأخبرته من أجل الشفافية، أنني سأنقل إجابته إلى الإعلام فقال: «لن نقوم بالمبادرة حالياً، ولن نفتح أية معركة بسبب عدم اكتمال الرؤية الإقليمية التي نتأثر بها. الآن نكتفي بالتجهيز لأسوأ سيناريو وهو هجوم من قبل ميليشيات الأسد وحلفائه. برنامجنا الحالي الصمود ودحر العدوان بقوة».

تصدرت منطقة خفض التوتر في الجنوب الغربي السوري الأخبار أخيراً إثر بيان رسمي أطلقته قاعدة حميميم العسكرية الروسية في الساحل السوري، جاء فيه أن «انتهاء اتفاقية خفض التصعيد في مدينة درعا جنوبي البلاد ستكون حتمية في ظل استمرار تواجد متطرفين ينتمون لتنظيمي داعش وجبهة النصرة الإرهابيين». وذلك في إشارة روسية مضمرة إلى أنها تريد تحريك الراكد في آخر منطقة لخفض التوتر في سورية، وهي المناطق التي تم وضع خارطتها نتيجة اتفاق دولي بين الولايات المتحدة وروسيا بحضور الأردن، وتم إقرارها في آستانا الأول، وهي مناطق تقع في إدلب، وفي شمال مدينة حمص، والغوطة الشرقية، وعلى الحدود السورية مع الأردن في محافظة درعا.

أما الخارجية الأميركية فلم تقف صامتة خلال تطورات الجنوب السوري، وأصدرت بياناً أعربت فيه عن قلق الولايات المتحدة من الحديث عن معارك مرتقبة للنظام السوري في جنوب سورية، وتحديداً في المناطق التي تمت فيها اتفاقيات لوقف النار وخفض التوتر، وأعلن عنها الرئيسان دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. إلا أن المستجدات الأعلى أهمية والتي تكاد تتفوّق بدلالاتها على كافة الأحداث الأخرى المتعلقة بالقضية السورية فهي الأنباء الواردة من الجبهة الجنوبية، والتي تتحدّث عن انسحابات متوالية للميليشيات الإيرانية، وفي مقدمها حزب الله، من الجنوب السوري.

فلماذا تنسحب إيران الآن من مواقع دفعت الكثير، مادياً وبشرياً، للاستيلاء عليها وفرض نفوذها من خلالها وبالقوة على سورية؟ وهل لتوقيت الانسحاب أسبابه أيضاً في ظل تعاظم الحصار الدولي والإقليمي على إيران الذي نتج عن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، والعقدة الاقتصادية التي تمر بها أوروبا نتيجة لذاك الانسحاب؟ وهل ستكون أوروبا بيضة القبّان التي ستكسر العَقد العالمي مع طهران بهدف لجمها في شكل قطعي ونهائي عن مطمعها العسكري النووي الذي تريد اتخاذه سلاحاً للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط برمّتها؟!

من نافلة القول إن إيران أدركت بسرعة أن دخولها في معركة في الجنوب السوري سيحفر قبرها بيدها، لا سيما في ظل احتمال كبير لوقوف روسيا على الحياد وعدم مساندتها النظام في المعركة المفترضة. لذا سارعت إيران إلى إبرام المحادثات والتفاهمات لتقليص خسائرها في سورية بالقدر الممكن والاحتفاظ بما تبقى لها هنا وهناك، لا سيما في ما تعتبره منطقة نفوذ استراتيجي لها في محيط دمشق وجبال القلمون. وفِي هذه الحال، لن يتجرأ النظام السوري على خوض المعركة منفرداً، وستتحول المنطقة «المنخفضة التوتر» التي مركزها مدينة درعا، مع مرور الوقت، إلى منطقة آمنة بالكامل. وهنا يأتي دور المعارضة المسلحة وفصائل الجنوب بتمكين مكتسبات الثورة والتفاوض بقوة في ضوء وجودها الأصيل في المنطقة منذ بدايات الثورة، وابتعادها التام عن التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تدعي حمل لواء الثورة زوراً وبهتاناً، وذلك بعيداً عن المصالحات المجانية مع النظام أو التهجير القسري للسكان الأصليين. عندها فقط قد تتوفر لأول مرة شروط انتصار سياسي ما يمكن أن تحققه المعارضة من خلال الفهم العميق واغتنام فرص التناقضات والتجاذبات الإقليمية والدولية في الجنوب، وتكون سبباً ليولد هذا الانتصار من رحم درعا الأبية حيث ارتفعت أول صرخة لولادة الثورة في آذار (مارس) ٢٠١١.

فصل المقال يكمن في شبكة حسابات روسيا المعقّدة مع الولايات المتحدة والغرب الأوروبي، تلك الحسابات التي تريد موسكو دفع أقل التكاليف لتسديدها، لا سيما في عقدة مشكلاتها معهم، وهي ضمّها لشبه جزيرة القرم. فهي للسبب الآنف الذكر تقترب أكثر فأكثر من أميركا وأوروبا وتنأى بنفسها عن إيران. من جانب آخر، فإن روسيا لن تنسى استعراض علي أكبر ولايتي لدولته في الغوطة الشرقية إثر ساعات فقط من استكمال تهجير أهلها منها قسرياً، ودخوله مع الكاميرات إلى مدينة دوما المدمرة مستبقاً قوات النظام والشرطة العسكرية الروسية، كي يقول لبوتين: هذه الأرض لنا. وكما ردد وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، في مستهل خطابه الذي أعلن فيه عن استراتيجية أميركا الجديدة تجاه إيران: كفى، كفى، كفى... (بالثلاثة)، فإن موسكو تقول الآن أيضاً لطهران ضمن رسائل مضمرة لكن فاعلة: كفى... «لحد هون وبس».

==========================

نهاية الحقبة الإيرانية في الشرق الأوسط .. برهان غليون

العربي الجديد

السبت 2/6/2018

على الرغم من مرور نحو ثلاثين عاما على تطبيقها، لم تنجح سياسات طهران في تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية. لم تفكّ العزلة التي فرضت عليها من الغرب، وإزالة قرار العقوبات التي لا تزال تخضع لها من دون أفق واضح للخروج منها، ولم تحدّ من تغول إسرائيل ورفضها الاعتراف بحقوق الفلسطينيين. كما أنها لم تجعل من إيران الدولة الإسلامية المركز، ولا كرّست هيمنتها الإقليمية، وإنما زادت من عزلتها، وألبت عليها أكثر الدول العربية والإقليمية الخائفة من عملياتها التخريبية، ولم يساهم برنامجها العسكري الكبير واستراتيجيتها التوسعية في تعزيز أمنها القومي، ووقايتها من الانتفاضات الشعبية، ولكنه أطلق عنان أزمة إقليمية وحروب أهلية طويلة وعنيدة، لن يتأخر انتقالها إلى داخل إيران نفسها، ولم تفض سياسة تصدير الثورة "الإسلامية" إلى القضاء على نظم الطاغوت، وتحرّر شعوب المشرق العربية والإسلامية من الاستبداد العميم، لكنها أجهضت الجهود الهائلة التي قدمتها هذه الشعوب، من أجل التخلص من طغاتها، وأولهم حاكم سورية الحليف، وأدخلت المنطقة بأكملها في أزمةٍ تاريخيةٍ متعدّدة الأبعاد والمصادر، ليس هناك في الأفق بعد أمل بانحسار لهيبها، واقتراب نهايتها.

(1)

سواء جاء ذلك عن وعي أو من دون وعي، كانت الحصيلة النهائية لسياسات إيران الخمينية الموجهة نحو الخارج الإجهاز على توازنات المنطقة جميعا، الدينية والثقافية والسياسية والاستراتيجية والاقتصادية، وتحقيق أوسع عملية تدمير شهدتها المنطقة: تدمير نسيج مجتمعاتها الوطني أولا، وتدمير دولها وتقويض بنياتها المدنية والقانونية ثانيا، وتدمير العلاقات التاريخية بين شعوبها ثالثا، وتدمير صورتها ورصيدها الثقافي والديني والسياسي لدى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، وتعريضها لجميع الشكوك والاتهامات الفاسدة رابعا، وتدمير حضارتها ومدنها وقراها وتشريد شعوبها، بالمعنيين المادي والمعنوي، للكلمة خامسا، وهي العملية التي كان لطهران ومليشياتها الطائفية الدور المباشر والأكبر فيها.

حصل ذلك ببساطة، لأن نظام ولاية الفقيه ذو البنية البابوية القيصرية، بدلا من العمل على امتصاص التوترات والانقسامات وتهدئة المخاوف من عواقب ثورة إيران الشعبية الكبرى، وتطوير التعاون الإقليمي، والسعي إلى بناء تفاهم عربي إسلامي في وجه سياسات الهيمنة الاستعمارية الغربية والروسية، ومحاصرة سياسة التسلط والعربدة التي تمارسها إسرائيل على المنطقة، أراد أن ينافس الغرب وتل أبيب على موقع الهيمنة والسيادة، ووضع نفسه ندّا للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وقرر الركض المجنون وراء سراب بناء دولة خلافة إمبرطورية إيرانية على أشلاء البلدان والشعوب العربية الضعيفة.

واعتقدت إيران أنها لن تتمكّن من ذلك إلا بتركيز كل جهودها وموارد شعبها على تطوير

"رغم كل ما فعلت، لم تنجح طهران في أن تتحوّل، كما طمحت، إلى القوة الرئيسية المهابة في الإقليم" صناعة الأسلحة الاستراتيجية الأكثر كلفةً وخطورة وتهديدا، وتمويل المليشيات التخريبية في كل بلد تجد فيه موطئ قدم لها، واختراق النظم السياسية والاجتماعية العربية وتضييق الخناق عليها، على أمل أن يمكّنها ذلك من السيطرة عليها، وتوجيه مواردها البشرية والمادية لتحقيق أهدافها التوسعية. ولم تتردّد من أجل الوصول إلى مبتغاها في إضرام نار حربٍ طائفيةٍ، سنية شيعية إقليمية، بذلت الأجيال المشرقية الماضية جهودا مضنية لإخمادها.

لكنها لم تنجح في أن تتحوّل، كما طمحت، إلى القوة الرئيسية المهابة في إقليمها، ولا أصبحت بفضل نفوذها العسكري وتهديداتها المحاور المفضل للغرب والمجتمع الدولي عن المنطقة كلها. لأنها استخدمت قوتها ومواردها لأهدافٍ سلبيةٍ أصبحت بالعكس البعبع الذي يبث الذعر في قلوب شعوب المشرق ودوله، ويفجر مخاوف الغرب على مصالحه، وعلى الاستقرار والسلام في أكثر المناطق تفجرا في العالم، بعدما صار تسعير النزاعات وإشعال الحروب وتصديرها بضاعة طهران الرئيسية في التعامل مع بلدان المنطقة والعالم. وهي الآن مقدمة عاجلا أم آجلا على دفع فواتير الكوارث التي تسببت بها في أكثر من دولة ومكان.

(2)

أول هذه الكوارث تعنى بالقضية الفلسطينية التي جعلت طهران من الدفاع عنها، بل من تبنّيها، عنوانا لسياستها التوسعية ومصدر شرعيةٍ لغزواتها المتكرّرة والمتعاقبة في أراضي من كان ينبغي أن تقف مدافعةً عن حقوقهم واستقلالهم.. لم تساعد سياسة إيران في هذا الميدان على تعزيز موقف الشعب الفلسطيني، ولكنها تحولت إلى تواطؤ موضوعي مع تل أبيب على تقسيم الحركة الوطنية الفلسطينية، وشقّ صفوفها، ومسخ سلطتها بين "شبه دولتين" في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحويل القطاع إلى أكبر معزل وساحة بؤس وموت سياسي ومعنوي، وأحيانا مادي، لمليوني فلسطيني يقطنونه.

وقدّم تحطيم الوحدة الوطنية الفلسطينية، والأزمة والصراعات الداخلية التي رافقتها ولا تزال، أكبر ذريعة لإسرائيل للتهرّب من أجندة المفاوضات الدولية المفترضة لإقامة الدولة الفلسطينية العتيدة. وسمحت لتل أبيب بالاستمرار، من دون أن تخشى أي ضغط سياسي أو عسكري، إقليمي أو دولي، في تطوير مشاريع الاستيطان، وتوسيع رقعة الاحتلال، على الرغم من ارتفاع نبرة المقاومة في طهران وبيروت والمليشيات الرديفة.

أما عن تأثير سياسة هذه المقاومة على وضع القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي، فليس من المبالغة القول إن إسرائيل لم تكن تحظى برعاية شاملة وعمياء لدى الغرب، ولم يكن العالم أكثر احتضانا لها، وتسامحا مع مشاريعها الاستيطانية وممارساتها العنصرية، مثلما تحظى بها اليوم. هكذا لم يلق اعتراف واشنطن بالقدس أخيرا عاصمة أبدية لإسرائيل، ونقل سفارتها إليها، مخالفة لجميع القرارات الدولية حول الاحتلال، أي رد فعل عربي أو إسلامي أو دولي ذي معنى، ولم يثر غضب الشارع العربي الشعب، ولا حرّك أحزابه ومنظماته، فما بالك بموقف العواصم الغربية. لقد حوّلت الحروب والنزاعات والمخاوف، وطوفانات الدماء التي أسالتها مليشيات طهران ومناوراتها في عموم بلدان المشرق، أنظار العالم بأجمعه عن قضايا المجتمعات وحقوقها، وفي مقدمها قضية فلسطين، حتى لا تبقى هناك نافذة للإطلال على أزمات المنطقة ومآسيها، إلا من الزواية الإنسانية التي أصبح همها البحث عن حلول ومعالجات للآثار المأساوية لحروب الوكالة الإيرانية.

لم يساهم "خيار المقاومة"، ولا المحور الذي تبلور من حوله، والذي وضع نظام الأسد، قاتل شعبه، في صلبه، في ردع إسرائيل أو إضعاف موقفها الاستراتيجي ذرة واحدة. لقد ساعدها 

"لم تساعد سياسة إيران على تعزيز موقف الشعب الفلسطيني، بل تحولت إلى تواطؤ موضوعي مع تل أبيب على تقسيم الحركة الوطنية الفلسطينية" بالعكس على فك عزلتها السياسية، وقدّم لها شروط صعودها وطفورها إلى قوة إقليمية رئيسية قاهرة ومعترف بها. وهي تستطيع اليوم التنزه بطائراتها في فضاءات السيادة العربية والإيرانية كما تشاء، وتستعرض عضلاتها، وتخوض حربها الخاصة مع إيران نفسها على الأراضي السورية، ضد القواعد والمليشيات الإيرانية، من دون أن تخشى أي مضاداتٍ أو صواريخ باليستية إيرانية من أي نوع، ولا من يجرؤ، وخصوصا طهران، على تحدّيها، بل حتى الاعتراف بما تتكبده نتيجة غاراتها من خسائر وانهيارات.

ولا تقل كارثة سورية أهميةً عن كارثة تدمير القضية الفلسطينية وتخريبها، إن لم تفقها أضعافا مضاعفة. وهي حالة واحدة من بين حالاتٍ كارثية عديدة أخرى، لا تزال آثارها متواترة في العراق واليمن وغيرهما. فلا يغيب عن أحدٍ أن تدخل طهران في سورية جاء للحفاظ على نظام الأسد من السقوط أمام ثورةٍ شعبيةٍ سلميةٍ ومدنيةٍ أكثر من عادلة، وهو النظام الذي لا يكفّ الإيرانيون في الجلسات الخاصة عن الحديث عن عمق فساده وضلاله السياسي وحمقه واستهتاره بكل المصالح والقيم والمبادئ والقوانين. وهو كذلك بالفعل، كما هو الحال لدى أي عصابة إجرامية أخرى، مع فارق أن هنا عصابة تمتلك جهاز دولة كاملة.

ولا أحد ينكر أيضا أن هذا التدخل الإيراني المتعدد الأشكال للحفاظ على نظام الإبادة الجماعية كان السبب الرئيسي للوضع الذي وصلت إليه سورية، من انحلال الدولة، وتغول المليشيات الطائفية، وتدخل الجيوش الأجنبية، وتناسل المنظمات الإرهابية، في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تراهن إيران على قوة سورية، وتطوير قدراتها العسكرية والشعبية في الإعداد لأي مواجهة محتملة مع إسرائيل. كما لم يخف الإيرانيون ولا يخفون أن الهدف من هذا التدخل هو بناء هلال إمبرطوري شيعي، يمتد من قم في شرق إيران إلى شاطئ المتوسط، وأنهم مستعدون للقتال حتى آخر سوري وعراقي وأفغاني، وإيراني عندما يضطر الأمر، لتحقيق هذا الحلم التاريخي الكبير.

 

(3)

ونتيجة ذلك يفقأ العين اليوم: التدمير شبه الكامل لسورية، دولة وشعبا وحضارة، وتشريد شعبها، في الداخل والخارج، والسعي المحموم إلى إعادة هندستها الديمغرافية لصالح المستوطنين الجدد، من أبناء المليشيات الأجنبية والمشردين غير السوريين، بحيث يضمن الفاتح الجديد استحالة عودة سكانها الأصليين، وبالتالي السيطرة النهائية عليها، والاستفراد بتقرير مصيرها. وفي سبيل ذلك، لم تتوقف طهران عن دسّ خبرائها ومستشاريها وعملائها في أجهزة الدولة السورية والتحكّم بها من الداخل، مدعمةً وجودها السياسي ببناء عشرات القواعد العسكرية في مناطق استراتيجية حساسة، تضمن سيطرتها على البلاد والإمساك القوي بها، وتعطيل أي مخرج سياسي للحرب، أو أي احتمال لعودة الحياة الطبيعية، اليوم وفي المستقبل، ما لم تنسجم مع أجندة هيمنتها الإقليمية والدينية، وتراعي مصالحها التوسعية.

لكن طهران وصلت اليوم إلى ساعة الحقيقة. وهي تواجه الانهيار الكامل لمشروعها، وتدرك أنها وقعت في الفخ الذي صنعته بيدها، وتجد نفسها في موقف السارق الذي ألقي القبض عليه بالجرم المشهود، في اللحظة التي همّ فيها بالخروج بغنيمته الكاملة تحت جنح الظلام، معتقدا أن لن يراه أحد. الدول الرئيسية المعنية بتقاسم الفريسة السورية التي أجهز عليها الإيراني تتفق في ما بينها على إخراج طهران وحدها من دون غنيمةٍ، وترى في طردها خارج سورية الطريق الوحيد إلى إنهاء الحرب الوحشية التي كانت طهران الموقد الرئيسي فيها منذ البداية إلى اليوم، والتي لا تملك حلا يرضي أطماعها من دون استمرارها.

من سخرية القدر المرّة أن يقع الاختيار، من أجل تدمير القواعد العسكرية، وتصفية النفوذ الايراني في سورية اليوم، على إسرائيل نفسها التي جعلت طهران من مقاومة غطرستها وسياستها في المنطقة فرس سباقها، لكسب عطف الجماهير الإيرانية والعربية وتأييدها، كما بنت على التحدي الظاهري لغرورها والاستهزاء بها عقيدة توسعها ومصدر شرعية حروبها في الأرض العربية.

لا تختلف نتائج سياسة ولاية الفقيه تجاه منطقة الخليج العربي التي طمحت طهران دائما أن تلعب دور الشرطي فيها، قبل الخمينية وبعدها، في كارثيتها عما كانت في الأمثلة السابقة، فبدل أن تحث ضغوط طهران المكثفة والمتواصلة، العسكرية والأمنية والطائفية والسياسية، على حكوماتها على التسليم لها والتعاون معها، أو أن تشجع الغرب، كما كان الحال في عهد الشاه البائد، إلى تليين موقفه من طهران، أو التفاهم معها كما أملت لتأمين مصالحه الإقليمية فيها، بدل ذلك زرعت الرعب في أوساطها، ودفعت بها إلى النقيض تماما مما سعت طهران لتحقيقه. شجعتها على الذهاب حيث لم يكن يخطر لعربي حصوله، أو حتى التفكير فيه: الرهان على إسرائيل لموازنة القوة الإيرانية ومواجهة تغول دولة الحرس الثوري ومخاطر عدوانها. وفي اعتقادي، لا يحول دون دخول بعض دول الخليج العلني في هذا الحلف ضد إيران سوى خشيتها من ردود الفعل الشعبية، واستفزاز الرأي العام الذي لا يثق بالنوايا الإسرائيلية أكثر مما وثق بنوايا طهران الخمينية، ويدرك بالسليقة ما تكنّه إسرائيل ومشروعها الاستيطاني والاستعماري من عداء مستدام وأصيل لحقوق الشعوب العربية، وفي مقدمها حقهم في الحرية والتخلص من طغاتهم.

هكذا فتحت إيران الخمينية بيدها الباب أمام صعود حقبة الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية التي تعد 

"طهران وصلت اليوم إلى ساعة الحقيقة. وهي تواجه الانهيار الكامل لمشروعها" نفسها للحلول محل الحقبة الإيرانية التي لن يتذكّر العرب والإيرانيون وجميع شعوب المنطقة منها، بعد سنوات أفولها، صورة أخرى غير تفجير الحروب بالوكالة وإدارتها، وتدمير الدول، واستنزاف المجتمعات، واستسهال القتل وسفك الدماء.

لا يخطئ الرأي العام العربي عندما يربط بين إسرائيل واستمرار نظم القمع وإرهاب الدولة القائمة في بلدانه. وهو مدرك أنه لا يوجد أي احتمال في أن يغير أفول الحقبة الإيرانية لصالح حقبة الهيمنة الإسرائيلية شيئا من الأوضاع القاسية الراهنة، أو يقدم مخرجا من الكوارث القائمة ويشهد ولادة مزيد من الأمن والسلام في هذه المنطقة المدانة. ستتابع إسرائيل الخارجة منتصرة على أنقاض أحلام الإمبرطورية الإيرانية الإسلاموية، بعدما خرجت منتصرة على أنقاض دول جامعة الدول العربية ورابطتها "القومية"، بحماسة وقوة أكبر، بسياسة الاستيطان وقطع الطريق نهائيا على أي تجسيدٍ للسلطة الفلسطينية في دولةٍ مهما كانت ناقصة. وسوف تستمر على الرغم من تفوقها العسكري الساحق، وسيطرتها الشاملة مع حلفائها الغربيين، في إضعاف الدول العربية وتفكيك مجتمعاتها وتفجيرها من الداخل، استكمالا لما قامت به طهران، وليس بالضرورة بوسائل أقل بدائية وفجاجة. ومنذ الآن، تسعى تل أبيب إلى انتزاع اعتراف واشنطن بضم الجولان والاشتراك معها في بسط السيطرة على جنوب سورية، والتحكم بمستقبله: منطقة محايدة وفاصلة محرمة على أي وجود عسكري لا يخضع لموافقتها.

لن يقلل مشهد الانهيار الاستراتيجي والسياسي والأخلاقي معا للعالمين العربي والإسلامي، وانهيار الحلم الإمبرطوري الإيراني آخر حلقاته، من شعور إسرائيل بالتفوق والحق في السيطرة والتحكم بجدول أعمال المنطقة والاستبداد بتقرير مصيرها، ولكنه سوف يدفعها علنا إلى وراثة الحلم الإيراني الإقليمي ذاته، والبناء عليه. ولن تجد العقلية العنصرية السائدة عند نخبتها الحاكمة اليوم، ومنطق الغيتو الذي يتحكّم بنفسية وثقافة القسم الأكبر من نخبها الاجتماعية، السياسية والثقافية، فائدة من استغلال الفرصة التي تقدمها هزيمة طهران، وفشلها في معركة السباق الإقليمي على السيادة والهيمنة، للتقرّب من شعوب المنطقة، والتفاهم معها، لإيجاد حلول للمشكلات والنزاعات القائمة، على سبيل السعي إلى دمج نفسها في المنطقة. سوف تنظر، على الأغلب، إلى خراب عالم العرب والمسلمين، باعتباره فرصتها التاريخية لتحقيق كل ما لم تنجح في تحقيقه حتى الآن. وسوف يضيف التفوق الاستراتيجي الذي جرّبته بمناسبة سحقها الوجود العسكري الإيراني في سورية عنجهية جديدة إلى عنجهيتها الطبيعية والمعتادة، ويفاقم من غطرسة القوة التي تدفعها إلى الاعتقاد بأنها قادرة اليوم، أكثر من أي وقت سابق، على استغلال النفوذ الذي كسبته لبسط سيطرتها الكاملة على المشرق، واستعادة التقاليد السياسية للنظم الاستبدادية في تقسيم المجتمعات، وتوسيع دائرة نزاعاتها واستخدامها حسابها، ما يهدّد بجعل المشرق العربي، سنوات طويلة قادمة، حاضنة لمشاريع المعازل العنصرية المتعادية والمتوازية، ومسرحا للصراعات الدائمة بين القوميات والطوائف والمناطق المتناحرة، وتربة خصبة لاستنبات وتكريس نظم الطغيان القرقوشية التي تضمن الأمن لإسرائيل على حدودها، والتي أصبح لديها نموذج حي تستطيع أن تستلهمه في إرث نظام الإبادة الجماعية الذي فهم بشار الأسد بالسليقة الوحشية أن التمسك به هو الضمانة الأكبر للتوافق مع أهداف إسرائيل، وتعظيم حظوظ بقائه في السلطة إلى أقصى ما تسمح به تجارة الإرهاب وسفك الدماء.

لا يقدّم أفول القوة الإيرانية أي عزاء، على الرغم من كل الكوارث التي تسببت بها للعرب وغيرهم. إنه يثير بالعكس الشعور بالسخط والأسى للفرص الضائعة لجمع الجهود العربية والإيرانية، ليس لمواجهة تسلط القوى الخارجية، وتغول القوة الإسرائيلية فحسب، ولكن بدرجة أكبر لشق طريق التنمية والنهوض والتقدم لشعوب المنطقة، وفي مقدمها الشعب الإيراني نفسه الذي عليه أن يواجه كارثةً لا تقل حجما عن الكوارث التي واجهتها الشعوب العربية في العقود الثلاثة الماضية. وسوف يحتاج هو أيضا إلى عقود طويلة قبل أن يزيل عن صدره أنقاض انهيار إمبراطوريةٍ مذهبيةٍ كبيرةٍ أصيبت بداء العظمة والجنون، وفقدت صوابها، ولم يعد أمامها أي أمل في البقاء سوى بالعودة إلى العمل مع إسرائيل، واستعادة التحالف معها، كما كان الأمر في عهد الشاه، وخلال الحرب الإيرانية العراقية. أما نحن الذين فقدنا توازننا، ولا نزال نسير على أرضٍ تميد من تحت أقدامنا، ولا أمل في أي بعثٍ أخلاقي يعيد إحياءنا، فمن كابوس إلى كابوس.

==========================

الخيار المرّ للنظام السوري بين إيران وروسيا .. أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 2/6/2018

يصح القول إن لحظة حرجة تزداد اقتراباً من النظام السوري للاختيار بين حليفين مكّناه من الصمود، طرداً مع تسارع انكشاف التباينات بين المشروعين الإيراني والروسي في رسم المستقبل السوري وحصص النفوذ في المشرق العربي، تجلت في الآونة الأخيرة بتصريحات حادة لقيادة الكرملين تطالب بانسحاب كل القوات الأجنبية من سوريا، ردت عليها حكومة طهران برفض صريح وبعبارة تحدٍ بأن لا أحد يمكنه إزاحة وجودها العسكري من المشهد السوري.

ثمة من لا يعطي قيمة لهذه التباينات وما يرافقها من افتراق في المواقف، عادّاً أن ما تسمى خلافات بين طهران وموسكو هي مجرد مناورات، أو شكل من أشكال توزيع الأدوار بينهما، لا يصح البناء والتعويل عليها أمام قوة المصلحة المشتركة للطرفين في مواجهة الغرب وتربصه المزمن بهما، وأمام إدراكهما المخاطر الكبيرة الناجمة عن دفع خلافاتهما السياسية إلى آخر الشوط.

وفي المقابل، هناك دلائل ومؤشرات تضعف هذه الفكرة التآمرية وتؤكد جدية تلك التباينات وعمقها، التي إنْ لم تظهر في الماضي، فالسبب هو اضطرار الطرفين إلى طمسها لضمان أفضل أداء في مواجهة القوى المناهضة لهما، لكنها بدأت تتكشف وتتسع في الآونة الأخيرة مع انحسار العمليات الحربية في سوريا، وتنامي تنافس الطرفين على جني ثمار التقدم العسكري الذي أحرز ضد جماعات المعارضة.

بداية؛ يتفارق المشروعان الروسي والإيراني في أن الأخير يستند إلى البعد المذهبي في تمدده وفرض هيمنته، تحدوه رغبة مزمنة في إزاحة الكتلة الإسلامية السنّية من الوجود أو على الأقل إضعاف وزنها ودورها إلى أبعد الحدود، بينما تميل موسكو إلى أخذ مصالح هذه الكتلة في الاعتبار توخياً للاستقرار وديمومة نفوذها في سوريا والمشرق العربي؛ الأمر الذي تجلى بفتح خطوط مبكرة مع قوى معارضة ذات وجه إسلامي سنّي، وتهيئة الشروط لإنجاح اجتماعات آستانة، ومناطق خفض التصعيد، وقرارات وقف إطلاق النار المتكررة، وما تلاها من مفاوضات، خصوصاً في أرياف دمشق وحمص، لنقل المعارضة الإسلاموية المسلحة إلى الشمال، رافق ذلك انفتاحها على الوجود الإقليمي السني؛ إنْ بفرض حكومة أنقرة بوصفها طرفاً فاعلاً في اجتماعات آستانة وأخذ مصالحها الأمنية في الاعتبار وإطلاق يدها في عفرين والشمال السوري، وإنْ بحرصها على إرضاء المجموعة العربية المتضررة من التمدد المذهبي الإيراني والتي يهمها محاصرة سياسة طهران التدخلية وتحجيم دورها المخرب في سوريا والمنطقة، فكيف الحال حين لا يخفى على موسكو الدور الخفي لإيران في تنمية الفكر الجهادي الإسلاموي وتغذية بعض أطرافه وعملياته، كي تبرر وجودها على أنها طرف يواجه هذا الإرهاب.

ومن المفارقات، أن التدخل العسكري الروسي الذي كان له الدور الحاسم منذ معركة حلب، ربما اكتفى بما أحدثه من تحولات في توازنات القوى لتمرير رؤيته السياسية للمستقبل السوري، رافضاً دعوات دمشق وطهران الإقصائية للاستمرار في الحسم العسكري حتى سحق الخصم بصورة نهائية، ومكرراً إيعازاته بوقف عدة محاولات لتقدم الميليشيات السورية والإيرانية في ريف إدلب، وتحذيراته من الاندفاعات السلطوية المعززة برغبة إيرانية في خوض معارك على الجبهة الجنوبية لاسترداد مدينة درعا وما حولها.

ونضيف أيضاً أنه ليس من مصلحة موسكو الذهاب بعيداً في تغطية سياسة طهران التوسعية، وتالياً مواجهة الغرب الذي بدأ يتحسس وإنْ متأخرا خطورة هذه السياسة في المنطقة، كما ليس من مصلحتها جعل سوريا ورقة بيد إيران في معاركها لتغيير الاستاتيكو القائم في المشرق العربي وللرد على اشتراطات البيت الأبيض القاسية بعد انسحابه من الاتفاق النووي، مما يفسر تفهمها للمعلومات التي كشفتها تل أبيب عن مشروع عسكري سري لطهران يهدد استقرار المنطقة، وتالياً صمتها وحيادها تجاه الغارات المتكررة للطيران الإسرائيلي ضد مواقع ل«الحرس الثوري» و«حزب الله» في سوريا.

وفي المقابل، لا يلمس المرء في تعاطي النظام السوري مع مروحة التباينات بين روسيا وإيران، حالة من الرضا والانسجام، ربما لأن انكشافها يحرجه ويفرض عليه مواقف مؤلمة كان يرغب في تجنبها وهو النظام الضعيف الذي لا يقوى على اتخاذ قرار منفرد دون ضمان دعم خارجي وازن، وربما لأن هناك مصالح واجتهادات متباينة بين صفوفه تشجع الميل نحو أحد الطرفين.

والحال أن ثمة في السلطة من يعتقد أن الدور العسكري الروسي قد استنفد ويحبذ وضع البيض كله في السلة الإيرانية، متوسلاً مرة بعض مظاهر الازدراء والإذلال الروسي للجماعة الحاكمة، ومرة ثانية حقيقة أن إيران كانت الأكثر تضحية وحرصاً على دعم النظام وتمكينه، وأنها الضامن الأمين والمجرب لحمايته من أي تغيير مهما يكن، ومن أي محاسبة عما ارتكبه بحق البلاد والعباد، ومرة ثالثة لأنه يرى في النفوذ الإيراني بهيئته المذهبية دعماً لما كرسه من ترتيبات طائفية لامتلاك الدولة وإخضاع المجتمع. بينما يعتقد آخرون أن خسارة النظام ستكون فادحة إن تخلى عن الغطاء والدور الروسيين، وقد ثبت بالتجربة أن إيران عاجزة وحدها عن حمايته وتمكينه، وأيضاً عن لعب دور ناجع في إعادة الإعمار وهي الغارقة في أزماتها الاقتصادية، بينما يغدو تعزيز الدور الروسي والتحرر من النفوذ الإيراني، خياراً مجدياً لتلطيف موقف الغرب وفتح نافذة حقيقية ومطمئنة لإعادة إعمار البلاد... هذا عدا الخشية من أن تفضي عنجهية التمدد الإيراني في سوريا إلى رد فعل عسكري إسرائيلي قد يطيح بالنظام ذاته، خصوصاً أن أهل الحكم يدركون جيداً أهمية رضا تل أبيب في دعمهم الخفي وضمان استمرارهم.

«جنت على نفسها براقش» مثل يدرجه البعض لوصف حال النظام السوري الذي رفض المعالجة السياسية في إطارها الوطني واستجر مختلف أشكال العنف والدعم الخارجي لسحق حراك الناس ومطالبهم المشروعة في الحرية والكرامة، فبات لعبة في أيادي الآخرين، مجبراً على الالتحاق بإيران أو روسيا كي يضمن سلامته، لكن ملحِقاً أفدح الأضرار بمصالح الشعب ومستقبل الوطن.

==========================

صراع الشقيقين على حكم سورية (الحلقة الأخيرة) .. محاولة اعتقال رفعت الأسد الفاشلة

محمد فاروق الإمام

كان قادة الفرق والتشكيلات يتكلمون مع العميد رفعت الأسد بقصد إخافته وإرهابه بأن أي تحرّك معادي ضد الرئيس الأسد سوف يجابه بالقوة.. وكانوا ينقلون ردود فعله إلى سيادة الرئيس أولاً ثم إلى القيادة العامة ثانياً، وفي إحدى المرات.. قال له اللواء إبراهيم صافي قائد الفرقة المدرعة الأولى: أخي أبو دريد شو رأيك بأن أدعوك إلى الغداء في مطعم العندليب وهناك تلتقي مع قادة الفرق وتحدثهم بنفسك عن أسباب الأزمة الناشبة بينك وبين سيادة الرئيس بدون مراسلين؟.. وكان جواب العميد رفعت بالموافقة وتم تحديد التوقيت الساعة الثانية بعد الظهر.

أعلمني اللواء إبراهيم صافي بذلك وقال لي: لقد وضعت الرئيس الأسد بالصورة وكذلك العماد حكمت واللواء علي دوبا والشباب محضرون وجاهزون لاعتقاله مع مرافقته.

اتصلت بالرئيس الأسد وقلت له: إذا رفض العميد رفعت الاستسلام وأصر على المقاومة.. ماذا نفعل؟.. فأجاب: إنها شريعة الحرب إما غالباً وإما مغلوباً وأنا لا أريدك إلا غالباً.

جاء نهار الغد ونحن ننتظر ساعة الصفر.. ولكن العميد رفعت كان حذراً مثل القاق الأسود فلم يحضر إلى المكان المذكور وأرسل بدلاً منه ست عربات (C.M.C) بيك آب مزودة بزجاج دخاني تسمح لمن بداخلها فقط أن يرى ولا يُرى.. وهي مملوءة بالعناصر المرقّطة والمبرقعة.

وبدلاً من أن تتوقف أخذت تمر من أمام المطعم لتقول نحن جئنا حسب الموعد.. فماذا تنتظرون؟.. وسألني اللواء صافي: ماذا نفعل؟.. فأجبته: اتركهم وشأنهم وسيعودون إلى وكرهم إذا أبديتم عدم اهتمامكم، وأعلمت الرئيس الأسد بالأمر.. فقال: حسناً تصرفت..

بداية المقاومة

في أواخر نيسان من العام 1984م بدأ العميد رفعت يشعر بأن ميزان القوى قد مال لصالح شقيقه الرئيس الأسد لدرجة لم تعد تسمح له بالحركة إطلاقاً فاتصل بشقيقه جميل الأسد ليمهّد له المصالحة مع أخيه وأنه جاهز لأي عمل يرتئيه.. وكان الرئيس الأسد ينتظر بفارغ الصبر انهيار رفعت ورضوخه إلى السلطة، ونجح الرئيس في لعبة عض الأصابع، ومن هذا المنطلق أعلم شقيقه جميل بالموافقة على طلب قائد سرايا الدفاع.. وبدأت المفاوضات الصعبة، ومع أن الرئيس الأسد مقيّم دولياً وعربياً أنه سيد من أتقن فن هذه اللعبة، ولكن في الطرف الآخر هناك أيضاً سيد من ابتزّ أخيه وغير أخيه وبعد أن وافق على الخروج من سورية ثم العودة عندما تهدأ الأمور بدأ يساوم على المبلغ الذي يحتاج إليه للإقامة عدة شهور خارج البلاد حتى تهدأ العاصفة، ومع أن الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي وقائد الحرس الوطني كان يدفع له شهرياً خمسة ملايين دولار كما أن الشيخ خليفة آل ثاني لم يقصّر ومثله ياسر عرفات والشيخ سحيم آل ثاني.. إلخ، فقد طلب مبلغاً من المال بالقطع النادر لم يكن متوافراً في المصرف المركزي لأن الدنيا كما يقول المثل السائد وجوه وأعتاب ونواصي، فمنذ أن تسلّم الدكتور عبد الرؤوف الكسم رئاسة الوزارة فقد خيّمت غمامة من الشؤم على سورية لا مثيل لها.. فمرض الرئيس حافظ الأسد مع أن بنيانه الجسمي متماسك لدرجة تقترب من حدّ الأسطورة، ومات خمسة وزراء في عهده، وأصبح المصرف المركزي خاوياً حتى من الفئران كي لا أقول من الدولارات.. وسُدت منافذ الرزق في وجوه المؤسسات والأفراد وسائر العباد وبدأ الناس في سورية يتساءلون متى ينزاح ظل هذا الغراب عن الرقاب.. المهم فكّر الرئيس الأسد من أين يأتي بالمال اللازم لإشباع فم أخيه رفعت.. وارتأى أن الرئيس معمّر القذافي يمكن أن يكون الشخص الذي يحل هذه المشكلة فأرسل كتاباً خاصاً إلى قائد ثورة الفاتح من أيلول (سبتمبر) مع اللواء محمد الخولي رئيس إدارة المخابرات الجوية، وعندما وصل إلى طرابلس الغرب كان القذافي والحمد لله بمزاج حسن وتذكّر مواقف الأسد القومية في دعم ومؤازرة الثورة الليبية ورد على رسالة الأسد رداً جميلاً وتم تحويل المبلغ بكامله إلى المصرف المركزي وأعطى الرئيس الأسد شقيقه جزءاً منه وبقي الجزء الأكبر احتياطاً للطوارئ الاقتصادية التي كانت تعصف بنا وما كان أكثرها.

وتم الاتفاق على أن تعود سرايا الدفاع لتوضع بتصرف هيئة العمليات في القوات المسلحة، وتم تشذيبها بحيث بقيت في حدود ملاك الفرقة المدرعة زائد كتيبة دبابات مستقلة، كما تم الاتفاق على أن يبقى الفوج (555) بتصرف العميد رفعت كنائب لرئيس الجمهورية مسؤولاً (نظرياً) عن شؤون الأمن لأن الرئيس الأسد أحرص من أن يسلّم أمنه الشخصي وأمن البلاد لرجل لا يتقي الله لا بوطنه ولا بأهله.

كما تم الاتفاق أن يسافر معه إلى موسكو اثنان من الضباط الأمراء طلبهما العميد رفعت شخصياً وهما اللواء شفيق فياض واللواء علي حيدر كما سافر معهم اللواء الخولي وكان ذلك بطلب خاص من العميد رفعت حتى يطمئن أن الطائرة لن تنفجر بعد إقلاعها بالجو، وصدر أمر الإيفاد بتاريخ 28/5/1984م وسافر العماد ناجي جميل مع حاشية العميد رفعت، وما حزّ في نفسي كثيراً أن العماد ناجي هو الذي طلب أن يسافر العميد رفعت، ومع أن الفارق كبير بين رتبة العماد ورتبة العميد، فإن العماد ناجي كان يخاطب العميد رفعت دائماً بكلمة (سيدي) أقول هذا الكلام والغصّة في حلقي لأن للعسكرية هيبة لا يجوز خدشها ولا يجوز مسّها وإلا تصبح العسكرية ضرباً من الانكشارية.

وظل الرفاق قرابة شهر في موسكو، وكان العميد رفعت ومجموعته قد ودّعوا موسكو بعد سلسلة من المقابلات البروتوكولية الشكلية مع المسؤولين السوفييت، وبهذه المناسبة لابد من شهادة حق للتاريخ فقد كان موقف أصدقائنا في موسكو مع الرئيس الأسد قولاً واحداً وكلّفوا رسمياً مستشار قائد الوحدة (569) (سرايا الدفاع) بأن ينقل إليّ عن طريق كبير المستشارين الجنرال "غوردينكو" الحالة النفسية للعميد رفعت وضباطه، وكنت أنقل هذه المعلومات لسيادة الرئيس كما كنت أضع الرفاق في القيادة العامة بالصورة وكانت هذه المعلومات مفيدة للغاية بالنسبة لنا لأنه أمر أساسي لتقدير الموقف أن تعرف حالة الخصم النفسية..

وضاق اللواء شفيق واللواء علي حيدر ذرعاً بالإقامة في موسكو وخشيا أن زحمة أعمال الرئيس الأسد قد تؤخّر صدور الأمر الخاص بعودتهم إلى أرض الوطن، وأرسل إليّ اللواء شفيق رسالة مؤثّرة واتصلت هاتفياً بهم إلى موسكو وطمأنتهم بأن الرئيس لن ينسى أبداً أبناءه، وعندما أعلمت الرئيس بالموضوع استغرب وقال لي: هل أمضيا شهراً في موسكو؟.. وعندما أجبته: نعم.. قال: أصدر نيابة عني الأوامر بعودتهم إلى أرض الوطن.

وهكذا عاد أبو علاء وأبو ياسر من بلاد الغربة، مع أن الإقامة في موسكو ذلك الحين كانت تعتبر مثل الإقامة في باريس باستثناء أن الإقامة في موسكو كانت تكلف أقل بخمس مرات، ولكن شعور المرء أنه يعيش الغربة وأنه ليس ذاهباً بإجازة أو نزهة تجعل الحياة صعبة لا تطاق.

وهكذا أسقط الأسد جميع الرهانات المعادية المحلية والعربية والأجنبية التي كانت ترى بوصول العميد رفعت الأسد إلى السلطة هو انضواء سورية تحت المظلة الأمريكية ونهاية لوقفة العز والشموخ التي اتّسمت بها المسيرة التي قادها أمين هذه الأمة.

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com