العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-05-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

صبر إستراتيجي إيراني في مواجهة التصعيد الإسرائيلي

نداء سوريا

عباس شريفة

الخميس 7/5/2020

لم تكن ليلة 4 مايو الجاري مختلفة عما قبلها من تواصل الاستهداف الإسرائيلي لمواقع إيرانية على الأرض السورية، فقد أفادت وسائل الإعلام الرسمية التابعة للنظام (سانا) بأن دفاعاتها الجوية تواجه هجوماً إسرائيلياً بالقرب من حلب قبل منتصف الليل.

وقد تم التقاط هذه التفاصيل من قِبل شبكات الإعلام الموالية لميليشيات "حزب الله" و"إيران"، ثم بعد ذلك بساعة وردت أنباء أكثر من انفجارات في نهر الفرات على طول الطريق الممتد من دير الزور إلى البوكمال على الحدود العراقية.

وبعد هذه العمليات الإسرائيلية في عمق الأراضي السورية أكد وزير الدفاع الإسرائيلي "نفتالي بينيت" أن تل أبيب ستواصل عملياتها العسكرية في سوريا حتى رحيل الميليشيات الإيرانية عنها وخروجها بشكل كامل.

وأوضح "بينيت" في مقابلة تلفزيونية مع قناة "كان 11" الإسرائيلية أمس الثلاثاء أن "إيران لا شأن لها في سوريا ولن نتوقف قبل أن يغادر الإيرانيون سوريا".

إن استهداف عشرات المواقع الإيرانية من قِبَل إسرائيل يأتي بعد ما أعلنه الإسرائيليون عن البَدْء بمعركة إخراج إيران من سوريا، وهي ما تشكل نقطة فاصلة بين مرحلة الضغط التي كانت تمارسها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، وبين مرحلة الحرب المفتوحة والاستهداف الشامل وهو ما يعني أنّ المرحلة القادمة ستشهد المزيد من العمليات الجوّية المكثَّفة والمتتابعة لكلّ هدف إيراني موجود ضمن الأراضي السورية كما لو كانت حرباً حقيقيةً مفتوحة وبغارات شبه يومية، ولَم تَعُد مجرّد غارات نوعية متقطّعة لأهداف محدّدة كما السابق، وكلّ ذلك يأتي بدعم ومباركة الولايات المتّحدة التي صرح وزير خارجيتها "بومبيو" بضرورة انسحاب إيران من كامل الأراضي السورية والتي سبقتها تصريحات المبعوث الأمريكي جيمس جيفري الذي صرح بأن العمليات الإسرائيلية ضد التواجد الإيراني في سوريا تحظى بدعم الولايات المتحدة، كما تحظى العمليات الإسرائيلية بدعم عدد من الدول العربية وعدم اعتراض من روسيا وتركيا.

وهنا نذكر الإجراءات التي قامت بها ألمانيا حيث صنّفت ميليشيا "حزب الله" اللبنانية كجماعة محظورة وقامت السلطات الألمانية بعملية مداهمات ضد مشتبه بهم داخل البلاد.

لكن بالحديث عن مدى فاعلية الغارات الإسرائيلية المكثفة، وهل تستطيع أن تجبر إيران على الإذعان لمطالب إسرائيل والولايات المتحدة أم لا.

أعتقد أنه قد يكون ارتفاع وتيرة القصف الإسرائيلي على المواقع الإيرانية في سوريا مؤلماً لإيران خصوصاً أنه يستهدف أهدافاً معينة، لكن لا أظن أنّه سيحقّق انكساراً كبيراً في الإستراتيجية الإيرانية في سوريا القائمة على التغلغل في مفاصل الدولة واتخاذ سياسة الصبر الإستراتيجي بانتظار تغير المعادلة الدولية والإقليمية لاقتناص الفرصة؛ فالإيرانيون اليوم تغلغلوا في مفاصل حسّاسة في النظام السوري خصوصاً في مؤسسات الأمن والجيش والقطاع الاقتصادي، وباتوا يمثّلون جزءاً من البنية العضوية للنظام والتي باتت مستعصية على الطلاق والانفصال لا بالاختيار من الطرفين ولا بالإكراه الذي تمارسه إسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي يفتح الاحتمالات على مصراعَيها.

إن إسرائيل اليوم تدفع ثمن خطئها الإستراتيجي عندما نظرت بعين العداء للشعب السوري، ودعمت سياسة التدمير للبنية الاجتماعية للشعب السوري، وغضّت الطرف عن تدخّل حزب الله اللبناني والميليشيات الإيرانية بناءً على فرضية استنزاف الكلّ.

ثمّ أكملت الخطأ عندما دفعت الولايات المتّحدة لتسليم الجنوب السوري ضمن صفقة مع روسيا على أمل أن يكون المقابل هو إخراج إيران من الجنوب السوري وعدم السماح لها بالتمدّد إلى حدود الجولان المحتلّ، لكن الذي حصل أن روسيا كسبت من الولايات المتحدة ورفضت الإيفاء بالتزاماتها.

واليوم تدفع الولايات المتّحدة إسرائيل للمواجهة مع إيران منفردة ضمن دعم سياسي فقط، وتقديم إيران محاصرة لإسرائيل، وتجد إسرائيل نفسها مضطرّة لخوض الحرب مع إيران منفردة بعد أن تجاوز الدور الإيراني الحدود المرسومة له إسرائيلياً.

أما بالنسبة إلى ما جاء من مصادر أمنية إسرائيلية أنّ إيران بدأت بالخروج من سوريا وإخلاء قواعدها هناك تحت وطأة القصف الإسرائيلي، كما جاء في تصريحات صحفية أدلى بها مسؤولون عسكريون إسرائيليون في "الكرياه" مقرّ وزارة الدفاع في تل أبيب (وسط)، على وفق قناة "كان" الرسمية.

فإنّ هذا الكلام لا يعدو كونه للاستهلاك الإعلامي ولا يقرأ إلا في سياق رفع أسهم الحكومة عند الناخب الإسرائيلي؛ فما يجري على الأرض شيء مختلف تماماً، فإيران لا تزال تعزّز حضورها وتمركزها في سوريا، وتستجلب المزيد من المقاتلين والميليشيات الطائفية إلى سوريا، لكن ربّما تنقل بعض القوّات من القواعد العسكرية إلى المناطق المدنية الآهلة بالسكّان لتجنّب الضربات الإسرائيلية، وربّما عدّ الإسرائيليون هذه الخطوة التكتيكية من إيران تنفيذاً لانسحابات.

أمّا روسيا فهي غير مستفيدة من الضربات الإسرائيلية وغير متضرّرة منها، خصوصاً أنّها أعلنت أنّ هدفها هو حماية النظام و"محاربة الإرهاب "وليست معنيّة بحماية الميليشيات الإيرانية على الأرض السورية؛ لذلك لم تدخل منظمة "إس-300" لمنع الطائرات الإسرائيلية لحماية المواقع الإيرانية وهو ما يثير غضب طهران.

وأعتقد أنّ القصف الإسرائيلي يجري بالتنسيق مع روسيا التي تسيطر على الأجواء السورية، وربّما توفّر الضربات الإسرائيلية على روسيا التخلّص من شريك وحليف بات ثقيلاً ومعيقاً للحلول الروسية التي ترغب بإبرامها مع الولايات المتحدة، وتحولت إلى منافسٍ على تحصيل مكاسبه ومصالحه من دون إعارة اهتمام للمصالح الروسية التي كان لتدخلّها الدور الأكبر في تثبيت نظام الأسد.

أمّا بالنسبة لخصوصية المناطق التي استُهدفت من قِبَل الطائرات الإسرائيلية، فمن الواضح أنّ إسرائيل لها تخوّفان أساسيان من الوجود الإيراني في سوريا.

الأول: هو إنشاء جيش أيديولوجي تابع لإيران على الأراضي السورية وخارج سيطرة الدولة، بحيث يبقى ورقة ضغط بيد إيران في المنطقة على غرار حزب الله اللبناني، يمكن أن يتمركز على الحدود مع إسرائيل.

والأمر الثاني: خشية إسرائيل من القواعد العسكرية والتصنيع العسكري للصواريخ الباليستية التي تحاول إيران توطين تصنيعها في سوريا بدلاً من نقلها من إيران، وهو ما يهدّد الأمن الإسرائيلي.

ومن هذه المخاوف يمكن أن نخلص أن أساس مشكلة إسرائيل مع الوجود الإيراني في سوريا ليست في أصل الدور ولكن في حدود هذا الدور الذي تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لإسرائيل.

لكن في النهاية هل يمكن لمجرد التصعيد الإسرائيلي أن يكسر الإستراتيجية الإيرانية في سوريا، أم أن سياسة الصبر الإستراتيجي التي تنتهجها طهران ستهزم التصعيد الإسرائيلي؟

أعتقد أن المستقبل مفتوح على كل الاحتمالات وتحريك الكثير من أوراق الضغط من قِبَل كل الأطراف.

===========================

موقفنا : رد الفروع على الأصول في قضية مخلوف .. ليس بشار .. ولا ماهر .. ولا أسماء .. إنهم الروس أيها السوريون .. وبالدور واحد .. واحد يا شباب ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

4 / 5/ 2020

وهذا المقال ليس دفاعا عن أي واحد من المذكورين أعلاه ..وأنا لست من أصحاب مدرسة " فخار يكسر بعضه " ولست مهتما بمخلوف ولا الذي يليه والذي يليه ، ولكنني أعلم أن جزازة بوتين إن استطالت ستستنفد آخر قطعة جبن ، أو حبة زيتون في مطربان مؤنة السوريين ..وإليكم الحكاية ..

كنا في أواخر عام 2019 ، ربما في الشهر العاشر ، أنا ليس لدي أرشيف إلا ذاكرة رجل سبعيني واهنة ، تذكروا عندما أحضر بشار الأسد إلى موسكو ، وطالبه بوتين ببعض المستحقات ؛ مستحقات قتلنا وذبحنا وتدمير بلادنا : مساجدنا ومدارسنا ومستشفياتنا ..وربما يومها ، اعتذر بشار أو تلكأ أو على عادة كل مدين مفلس طلب الإمهال ؛ لا ندري يومها ماذا حدث بالضبط ، ولكن الذي سمعناه بكل تأكيد : أن بشار وهو ما يزال قيد الإحضار ، التفت إلى ابن خاله العزيز يستغيثه ببضعة مليارات ، واعتذر الآخر بقلة السيولة ..!! تذكرون ..

كل المتابعين للشأن السياسي السوري سمعوا هذا ، وتابعوه وربما تأملوه وحللوه وهذا كان نقطة البداية فيما سمعناه من خلاف بين وبين ..

وكما يفعل علماء الأصول فيما يسمونه رد الفروع على الأصول ؛ يجب أن نرد كل فروع هذه القضية إلى أصلها الأول هذا ..

وصورة القضية أن بوتين بعد أن أحكم القيد على الدولة السورية بكل ما فيها ومن فيها ربما غدا أكثر قسوة من شايلوك الذي يريد أن يقتطع رطلا من لحم غريمه المدين المرتبط معه باتفاقيات وعقود .

خزينة الدولة السورية تئن ، وبشار الأسد لا يزال يحتاج إلى المال ليقتل من تبقى من السوريين ، والدولة الروسية ليست جمعية خيرية ، وهكذا يقرر بوتين أن يمد يده من خزانة الدولة إلى جيوب الأفراد ..ليقتضي من موقع القوة والاقتدار كل قرش أنفقه على مشروع السيطرة والنفوذ

ومهما قلنا عن رامي مخلوف - وهو مستحق لكل ما يقال فيه - فإنه يبقى بحكم الذمة المالية القانونية فرد . لا علاقة له بمديونية الدولة والتزاماتها ؛ ولكن بوتين قرر أن يستفرغ ما في خزانة هذا الفرد ..الثري الأول ، ولا يهمه من حل جمع المال أو من حرام . كل الأسماء الواردة في طريق الصراع العلوي - العلوي بين أقطاب بيت الحكم ، هي بعض طريقة بوتين لإرباك المشهد ، وسحر أعين السوريين . ومخلوف ثور بوتين الأبيض اليوم موضوع تحت العقوبات الأمريكية والعقوبات الأوربية ، وهو يدرك اليوم أن معركته الحقيقية ليست مع ماهر ولا مع بشار ..وعلينا أن ندرك أن قوانين العقوبات الدوليةى تحاصر بقية المجرمين على قاعدة : العقوبات من ورائكم وبوتين من أمامكم ، وادفعوا كل ما تملكون ..

لسنا مهتمين أبدا بما سيجري على مخلوف ولا على كل أعضاء زمرته الأشرار ..فإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم ..ولكن يجب أن لا ننسى أن مال أي فرد هو في الوقت نفسه جزء من المال العام . حتى لو كان مخلوف مستثمرا أجنبيا فإن مصادرة أمواله ، لمصلحة الروسي بأي طريقة من الطرق هي نوع من أنواع التأميم البعثي يوم تحولت ثروات الجادين السوريين إلى جيوب الرفاق ..لعلكم تذكرون

وربما من حق أن نتساءل ، من سيكون التالي الذي سيطلب بوتين رأسه أو رأس ماله ونمضي في تصور التسلسل إلى الرقم السبعين ..وسنجد أن المستهدف كل من يملك بلغة من السوريين

وماذا بعد ..

عندما سمعت منذ يومين جيمس جيفري يقول يجب على جميع القوات الأجنبية أن تخرج من سورية بما فيها الإيرانية والتركية والأمريكية !! ما عدا الروسية ..تساءلت هل القرار الدولي أن تصبح سورية مزرعة روسية وأن يصبح كل سكانها مجرد أقنان؟ والقنانة صيغة من العبودية انتشرت ظل الإقطاع .

مزرعة روسية تجيد حماية أمن إسرائيل بنفس المستوى التي كانت تؤمنه عصابة الأسد ، وربما بكلفة أقل !!

هل القادم أن بوتين سيطالب كل السوريين الأفراد بما له من ديون على حليفه بشار الأسد بعد أن يجيرها على الدولة السورية بذريعة أنه حمى السوريين من الإرهاب ..؟!

قال لافروف مرات وشويغو أخرى : إنما جئنا إلى سورية لحماية المسيحيين ، ومنذ يومين نطالع على موقع كلنا شركاء : أن ضابطا كبيرا من حميميم يلتقي بمسيحيي بعض القرى السورية يسألهم عن حجم الامتيازات التي يريدون ..وقانون الامتيازات ما يزال حيا في العقول والقلوب ..

عندما نرد الفرع على أصله ، ونخرجه عليه كما يفعل علماء الأصول ؛ ندرك أن أمثال رامي وماهر وبشار في معركتنا القادمة مجرد " خراطيش " !!

إنه الاحتلال يا قومنا ، والاحتلال في القرن الحادي والعشرين أكثر توحشا مما عرف العالم على مر السنيين. يقول الإمام الغزالي : إن أول الفعل معرفة ...وما أكثر ما قالوا : ويل للذين يعلمون من الذين لا يعلمون ..

اللهم عليك بهم لفيفا . عليك ببشار وماهر ورامي وسابقيهم في الظلم والفساد بوتين والولي الفقيه

( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ )

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

العرب أمام العقدة السنيّة وخواء الأقليّة.. ماذا بعد سقوط الأسد؟

منير الربيع

سوريا تي في

الخميس 7/5/2020

على مدى عقدين من الزمن منذ انطلاق الحملة الدولية لمحاربة الإرهاب، إثر أحداث الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١. دفعت دول الشرق الأوسط، برمزيتها السنية، الثمن الأكبر سياسياً، ومادياً، واجتماعياً وعسكرياً لهذه الحملة. ربما حان الوقت للقوى "الشيعية" الشرق أوسطية أن تدفع الثمن المتبقي، لإعادة صياغة المنطقة ونظامها وتوازناتها السياسية والجغرافية والديمغرافية. دفعت السنيّة السياسية والاجتماعية، ثمن افتقادها أي مبادرة على الصعيد السياسي العربي. لم يكن لدى العرب السنّة أي مشروع لتحقيق دول وطنية تقدمية تحفظ فيها حقوق المواطنين وتحترم الواجبات. ولا رؤية عربية ترتكز إلى نظام المصالح العربية، بما فيه الأمن الإقليمي.

غياب المشروع الوطني، سمح بإجهاض الثورة السورية من دواخلها، وبتوجهات دولية اقتضت مصلحتها أن تؤول التطورات إلى ما آلت إليه.

الكسل السنّي، أنتج إحباطاً وضياعاً سياسياً، دفع بعوام السنّة إلى اليأس والإحباط، والذي بدوره يدفع إلى اللجوء للأصوليات والتنظيمات المتطرفة التي تستغل الفراغات وتلج من ثقوب النواقص. في المقابل، انخرطت مجموعات بشرية في المنطقة متنوعة الانتماءات والتوجهات في مشاريع سياسية خاصة بها. وإلى الشيعة في إيران في إطار مشروع تصدير الثورة، وتحضير الأرضية لبنى مجتمعية موالية لإيران تنتج إداراتها الذاتية، فخلقت هذه الأنسجة من خيوط المجتمع الواحد، فمزّقته إلى دويلات. وللأكراد مشروعهم الثابت، إذ لم تنجح الأكثريات في احترام ذاتيتهم ولا استقطابهم إلى مشاريع دولة وطنية.

غياب المشروع الوطني، سمح بإجهاض الثورة السورية من دواخلها، وبتوجهات دولية اقتضت مصلحتها أن تؤول التطورات إلى ما آلت إليه. دفع السنّة الثمن في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا. وعادوا ودفعوه مرّة ثانية سياسياً في كل دول الخليج العربي، التي ذهبت إلى التنازل عن ثوابت كثيرة، والتضحية بالقضايا التاريخية لصالح الحفاظ على الأنظمة والبنى السياسية على حساب البنى الاجتماعية، فخسرت أدوارها التأثيرية خارج حدودها الجغرافية.

استسلم السنّة العرب لمصيرهم، ودفعت شعوبهم من حياتها ومستقبلها وكيانات دولها. بينما يستمر الأكراد بنضالهم وجهادهم، ويعمل الشيعة على استكمال مشروعهم. لكن لا بد لهم أن يدفعوا الثمن، اجتماعياً قبل السياسة، وديمغرافياً قبل الحروب العسكرية والمعارك. وأول بوادر هذه الأثمان يدفعها هؤلاء على الصعيد المالي، ولكنهم استدرجوا كل المجتمعات إلى دفع الثمن معهم. الثمن المالي الذي يدفعه أبناء المجتمع اللبناني، السوري والعراقي، يمثل الصورة الجلية للترابط فيما بين الحواضر التي تسيطر عليها إيران.

انفلشت معاناة النظام السوري مالياً مع انهيار الواقع المالي اللبناني واستنزاف الدولار من السوق اللبناني لرفد سوريا به، والأمر نفسه يرتبط بتهريب المحروقات كالبنزين والمازوت إلى سوريا، وانعكاسه على الواقع المالي اللبناني، من خلال الاستفادة من هذه المحروقات ذات الأسعار المدعومة من الدولة اللبنانية وتهريبها إلى سوريا. حال الإيرانيين وحلفائهم في العراق لم يكن مغايراً، في ظل التضييق الأميركي الخانق على عمليات بيع النفط العراقي أو الإيراني في السوق السوداء، وتحويل عائداته الدولارية إلى الحشد الشعبي، أو حزب الله، أو إلى ميليشيات إيرانية تقاتل في سوريا.

نجح حلفاء إيران في كل من سوريا والعراق ولبنان، بالاستناد إلى فائض قوتهم العسكرية، بتطويع اقتصادات هذه الدول وسياساتها المالية والنقدية. كما نجحوا بطرق شتّى بالالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليهم، من خلال نظام صرافة موازٍ للمصارف، والاستحواذ على الدولار في الأسواق وتخزينه لتمويل مشاريعهم وبناهم التنظيمية والعسكرية. هذا المخزون الدولاري سينفد خلال أشهر، وعندها ستظهر الأثمان التي ستدفع، وسيكون لها انعكاسها الاجتماعي والسياسي، خصوصاً مع اتساع رقعة العقوبات على إيران وحلفائها، ودخول قانون قيصر حيز التنفيذ في شهر حزيران المقبل، والذي سيطول كل من يتعاون مع النظام السوري.

وإثر تفاقم هذه الأزمة المالية، ستنجم عنها خلافات كثيرة داخل الأجسام التنظيمية الواحدة، على غرار الخلاف داخل بنية النظام السوري بين آل الأسد وآل مخلوف. بذلك، لن يدفع السنّة وحدهم الثمن السياسي والمالي لإخفاقهم في بناء مشروع سياسي متكامل أساسه الوطنية وقوامه الانخراط في دولة من دون تمييز بين مكونات أبنائها. كما سيدفع الشيعة ثمن انخراطهم في مشاريع لتفتيت الدول الوطنية التي ينتمون إليها، لصالح طموحات جموحة في بناء مشاريعهم التي تتناقض مع مفهوم الدولة. كما دفع الأكراد الثمن أكثر من مرة، بسبب رهانات مختلفة ومتناقضة. وكذلك بالنسبة إلى المسيحيين في لبنان، الذين بدؤوا يستشعرون خطر انخراطهم في مشاريع الأقليات، والذهاب إلى إيران بدلاً من العرب، ما ينعكس انهياراً لكل منظومة القيم اللبنانية، وبنى الدولة التي كان يتفاخر المسيحيون منذ 100 سنة، بإرسائهم لها وترسيخها، خاصة أنهم أصحاب الدولة والنظام والمنظومة الاقتصادية والمصرفية، وهذه الثلاثية قد انهارت بكليتها. يحاول جزء منهم التغطية على هذه الخسائر والنكسات والانكسارات، بدعائيات بطولية واهية، حول استعادة الدور القوي والصلاحيات المتعززة، وهذا ينجم عن سوء تقدير وقصر نظر لواقع الحال، إذ ستنفجر الأزمة بوجههم مجدداً، كما انفجرت بوجههم في العام 1990 بعد التورم الذي أصاب ميشال عون حينها، وها هو التورم ينتفخ أكثر حالياً.

بنيت نظرية المشاريع الموازية للدول الوطنية، والناجمة عن شعار تحالفات الأقليات، على مبدأ التقارب مع الغرب والبازار المفتوح مع إسرائيل، تهديداً وطمأنة، وجعل مادة الصراع أو التهدئة مع إسرائيل، عبارة عن حلبة اختبار واستدراج للعروض مع المجتمع الدولي. أسهمت هذه السياسات، بدفع العرب إلى إسرائيل، فخسروا مشروعهم وحضورهم. لكن السياسات ذاتها، ستدفع الإيرانيين والأقليات والحلفاء أيضاً إلى إسرائيل على قاعدة ضمان أمنها وحفظها، على غرار معادلة البعث في رأس السلطة السورية منذ السبعينيات إلى اليوم.

الصراع بين العرب المفتقدين لأي مشروع وطني شامل، وبين إيران صاحبة المشاريع التوسعية التي تنطوي على تقسيم دول وتشليع مجتمعات، هو فيمن يتقارب أكثر مع المجتمع الدولي والأميركيين بالتحديد، وإسرائيل من تحتهما. لكن المعارك التي يفلح بها الإيرانيون، لا يمكنها أن تبقى مستمرة. ثمة حاجة دولية إلى إرساء الهدوء والاستقرار، وإن بإبقاء مجالات التنازع السياسي قائمة. في مثل هذه الحالات ستدفع إيران وحلفاؤها الثمن كما دفعه خصومها.

وهذا يستشرف من جملة تطورات ووقائع، أولها الاتفاق الأميركي الروسي التركي حول الوضع في سوريا، وحماية إدلب مقابل التنسيق الدائم بين هذا الثلاثي واستبعاد طهران، ثانياً من خلال الاستهدافات الإسرائيلية المستمرة ضد الأهداف الإيرانية في سوريا، والغارات التي تدمر مواقع ومخازن أسلحة وصواريخ لإيران ولحزب الله على الجغرافيا السورية. ثالثا، الموقف الأميركي الذي يعتبر أنه من الجنون الرهان على إخراج بشار الأسد من الحضن الإيراني. ورابعاً التحضير لمشروع مشترك روسي أميركي تركي، يتعاطى مع الواقع على الأرض، وأنه لا يمكن لبشار الأسد أن يستمر في السلطة، ولا بد من إنتاج سلطة بديلة تمثل عنواناً للمرحلة الانتقالية، فيتولى السلطة وصلاحياتها مجلس انتقالي، تجتمع فيه قوى تمثل نظام البعث، وأخرى تمثل الأتراك، وثالثة تمثّل المعارضة بمختلف ألوانها، المحسوبة على روسيا أو منصة روسيا، والمحسوبة على الأتراك، والمحسوبة على مصر ودول الخليج.

والمبدأ الأهم، والذي سيحتم رحيل بشار الأسد عاجلاً أم آجلاً، فيما كل محاولات إبقائه لا تعدو إلا أنها محاولات للقفز على التاريخ وجدليته، ومناقضة أي منطق عقلاني. خاصة أن نظريات تحالف الأقليات، لن تؤدي إلا إلى مزيد من الصدام وإطالة أمد الصراع. وموسكو التي تريد لبقائها في سوريا أن يستمر لنصف قرن وأكثر، لا يمكنها أن تبقى على أنقاض مجتمع، ولا يمكنها تجاهل الأكثرية الديمغرافية الموجودة، حتى ما بعد تهجير أكثر من نصف هذه الأكثرية إلى شتى أصقاع العالم، لا يمكن لروسيا أن تبقى في سوريا بدون حاضنة اجتماعية، هذه الحاضنة لا يمكن أن تتوفر للإيرانيين، ولا يمكن أن توفرها بيئة النظام الطائفية، أي حضور لا بد له أن يحظى برضى من قبل الأكثرية السنية، وهذا لا ينفصل عن أي مسعى أو مشروع لإعادة الإعمار، الذي سيكون تمويله عربياً وخليجياً بالتحديد، ما سيفرض على روسيا الضغط أكثر على إيران، لإرضاء دول الخليج. وعندها لن تكون المشكلة مع إيران، إنما في الصراع بين دول الخليج وتحديداً السعودية والإمارات، مع ممثل آخر للأكثرية السورية، وهما قطر وتركيا. وهذا الخلاف يستمر بسبب فقدان أي مشروع عربي ووطني يخرج من الإطار الطائفي أو المذهبي.

===========================

المساعدات الإنسانية إلى سورية .. فشل آخر لروسيا

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الخميس 7/5/2020

تواصل روسيا، منذ نحو شهرين، حملة في منابرها الدبلوماسية في العالم، لإلغاء العقوبات الأميركية ـ الأوروبية تجاه النظام السوري، بحجة أنها تلحق الضرر بالاقتصاد، وبالتالي تمنع توريد الأدوية والمعدات الطبية إليها، ما يصعب مكافحة وباء كورونا. ويبدو أن صناع القرار في الكرملين كانوا يأملون في أن تأتي هذه الحملة بثمار، خصوصا بعد دخول منظمات وشخصيات دولية على الخط الروسي، للمطالبة بفك الحصار المفروض على النظام السوري، وفي مقدمة هذه الجهات، الأمم المتحدة التي قال مبعوثها الخاص إلى سورية، غير بيدرسون، "أنا شخصيا والأمم المتحدة قد توجهنا إلى الدول المعنية بطلب منح استثناءات إنسانية لاستغلالها في مكافحة جائحة كوفيد 19، وأود أن أشير إلى أنني تلقيت ردا إيجابيا من بعض البلدان في هذا الصدد".

أن تستغل روسيا وباء كورونا للمطالبة بإلغاء العقوبات الأميركية ـ الأوروبية على النظام السوري، فهذا مفهوم ومتوقع، لإحداث اختراق اقتصادي ـ سياسي في الستاتيكو القائم، ولكن، الحملة الروسية سرعان ما اصطدمت بالجدار الأميركي ـ الأوروبي، وكشفت المأزق الروسي.

وشكلت جلسة مجلس الأمن، الخاصة بالوضع الإنساني في سورية، عنوانا آخر للصراع الاقتصادي بين موسكو وواشنطن، فقد رفضت روسيا مسودة مذكرة لمنظمة الصحة العالمية، تقول في إحدى فقراتها "تريد المنظمة من مجلس الأمن أن يسمح بشكل عاجل باستخدام معبر حدودي عراقي مع سورية مجدّدا لتسليم الإمدادات للمساعدة في مكافحة وباء فيروس كورونا". وتم استبدال هذه الفقرة بأخرى أصرّت عليها موسكو: "هناك حاجةٌ إلى خيارات جديدة لإحلال المساعدات التي كان يتم تسليمها عبر العراق، وأنه لا يمكن توسيع عمليات الشحن عبر خطوط الصراع في البلاد بما يكفي لتلبية الاحتياجات في شمال شرق سورية".

تريد واشنطن فتح معبر اليعربية ـ ربيعة على الحدود العراقية الذي تسيطر عليه "قوات سوريا 

"ظل النظام يتلاعب في آلية تقديم المساعدات الإنسانية لضمان أن تحل فائدته الخاصة محل احتياجات السكان"الديمقراطية"، لإدخال المساعدات الإنسانية لعموم الشمال السوري، والابتعاد عن تحكم النظام بالمساعدات الأممية الإنسانية، فيما تقوم مقاربتها السياسية على ربط رفع العقوبات بحصول تقدم جدّي على صعيد حقوق الإنسان الأساسية، والبدء بعملية انتقال سياسي نحو الديمقراطية، تضمن الاستقرار والعودة الآمنة والطوعية للنازحين واللاجئين. وتعتقد واشنطن، في سياستها ذات النفس الطويل، أن العقوبات تشكل ورقة ضغط جدية وفاعلة على النظام وحلفائه من أجل تقديم تنازلات سياسية. والموقف الأميركي من هذه المسألة محسوم وفق آخر تصريح للمندوبة الأميركية في مجلس الأمن كيلي كرافت: "العقوبات الأميركية ستبقى سارية حتى يتخذ أولئك الجناة والمستفيدون من النزاع خطوات لا رجعة فيها لتلبية تطلعات الشعب السوري، وفق القرار الدولي 2245".

في المقابل، ترفض موسكو تقديم خدمةٍ مجانية للولايات المتحدة وحلفائها في سورية عبر فتح معبر اليعربية، أو أي معبر آخر خارج سيطرة النظام باستثناء معبري باب السلام وباب الهوى مع تركيا، وتصر على أن إدخال المساعدات، حتى لمناطق سيطرة المعارضة ومناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية"، يجب أن يتم عبر النظام السوري، فهذه إحدى النقاط التي تشرعن وجوده على الصعيد الدولي. وقد عبر عن ذلك صراحة المندوب الروسي في مجلس الأمن، فاسيلي نيبينزيا، حين قال "نحث زملاءنا بقوة على ألا يضيعوا وقتهم في البحث عن سبيل للدفاع، بشكل صريح أو ضمني، عن العودة إلى استخدام اليعربية".

المسألة بالنسبة لروسيا سياسية وليست إنسانية، فهي طالبت، أكثر من مرة، بوضع فقرة داخل القرارات الدولية ذات الصلة، تشير إلى موافقة النظام السوري على وصول المساعدات إلى سورية، الأمر الذي رفضته سبع دول. ولذلك، رفضت موسكو تمرير قرار دولي يلبي المطالب الأميركية، إلى أن انتهى الموضوع بحل وسط تم تبنيه ضمن القرار 2504 في 11 يناير/ كانون الثاني الماضي، ويقضي بتمديد آلية إيصال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود إلى سورية، عبر معبرين فقط من تركيا ولمدة ستة أشهر، وإغلاق معبري اليعربية في العراق، والرمثا في الأردن.

ووفقا لمنطوق القرار الأممي هذا، ستكون موسكو قادرةً كل ستة أشهر على التحكّم بمسار 

"ترفض موسكو تقديم خدمةٍ مجانية للولايات المتحدة وحلفائها في سورية عبر فتح معبر اليعربية، أو أي معبر آخر خارج سيطرة النظام"المساعدات الدولية وآليتها، ومن دون تجديد الآلية، ستضطر الأمم المتحدة إلى طلب موافقة من النظام السوري لتوصيل المساعدات إلى الشمال، وهذا ما ترفضه الولايات المتحدة ودول أوروبية.

بقاء الآلية الأممية لتقديم المساعدات إلى الداخل السوري تخدم النظام، طالما لا يوجد أفق لإنهاء العقوبات، لأن المنظمات الوسيطة التي تتسلم المساعدات الأممية إما تابعة له أو مخترقة منه، وفي الحالتين، يستفيد النظام من غالبية المساعدات التي تصل إلى سورية، ويتم توزيع أغلبها على قاعدته الشعبية فقط.

على مدار السنوات الماضية، تلاعب النظام في آلية تقديم المساعدات الإنسانية، لضمان أن تحل فائدته الخاصة محل احتياجات السكان، فقد فرض إلزام المنظمات الإنسانية بتقديم مشاريع إلى الحكومة للموافقة عليها، وغالبا ما يتم رفض المشاريع المقترحة، ويتم استبدالها بمشاريع يطرحها النظام، لا علاقة لها باحتياجات الناس. وأدّت هذه الآلية إلى تحكم النظام بالمساعدات الإنسانية، فيمنح المساعدات للموالين له ويمنعها عن المعارضين له، وقد ردّت المندوبة الأميركية في مجلس الأمن على المندوب الروسي، بقولها إن الولايات المتحدة قدمت تمويلا مباشرا للمساعدات الإنسانية للمناطق التي يسيطر عليها النظام، وهذا يعني أنه إذا لم تصل المساعدات إلى الشعب السوري، فلأن "نظام الأسد اختار منع إيصالها، وليس بسبب سياسة الولايات المتحدة".

تدرك روسيا هذه المسألة تماما. ولكن بسبب عجزها عن ممارسة ضغوط جدية على النظام من أجل إحداث تغيير في سياسته الاقتصادية الداخلية من جهة، وعجزها عن ثني الأميركيين بتخفيف العقوبات من جهة ثانية، تجد روسيا نفسها مضطرةً إلى المضي في تبني نهج النظام، وقد كشفت ذلك محطاتٌ كثيرة خلال السنوات الماضية.. إنه المأزق الروسي، حتى حين يصل الأمر إلى المساعدات الإنسانية.

===========================

عن رامي مخلوف والأسد وروبرت فورد

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7/5/2020

عادت «السياسة» إلى «سوريا الأسد» بوصفها صراعات بين أقطاب النواة الصلبة في النظام، وهي نواة ذات طابع عائلي، لتتجلى اليوم بين رامي مخلوف وأسرة بشار الأسد بالمعنى الضيق وتمثلها أسماء الأسد. هذا هو الشكل الوحيد للسياسة في بلد محكوم بنظام سلالي كسوريا الأسد، وذلك بخلاف الدول «الطبيعية» التي تعني فيها السياسة تعبيراً عن مصالح اجتماعية متباينة وتيارات سياسية متنافسة تعكسها وسائل إعلام تتمتع بدرجات متفاوتة من الحرية والاستقلالية عن الفاعلين السياسيين.

أقول عادت السياسة لأن الحرب انحسرت إلى حد كبير بمعناها المباشر، وبدأ التنافس على الغنائم النهائية لما بعد ما يراه أقطاب النظام نصراً. وقد بدأت الحملة على عائلة مخلوف وأباطرة فساد أقل منها شأناً منذ أواخر الصيف الماضي، واستقر المقام بالأب محمد مخلوف وابنه حافظ مخلوف في روسيا، في حين يدير رامي استثماراته في الإمارات العربية المتحدة ولديه صلات قوية بالعائلة الحاكمة هناك. الحملة الجديدة على شركة سيرياتل ومنظمة راماك المملوكتين من رامي، وردة فعل الأخير عليها ببث مقاطع فيديو ، تشيران إلى أن العلاقة بين العائلتين، الأسد ومخلوف، وصلت إلى حد القطيعة التامة. وإذا كان مقطع الفيديو الأول قد عبر عن نوع من الاسترحام على أمل ضعيف بإصلاح ذات البين، فالمقطع الثاني الذي نشر بعد يومين يعبر عن تهديد مبطن. جاء في كلامه مثلاً:

«والله إذا استمرينا بهده الحالة سيكون وضع البلد كتير صعب، وسيكون هناك عقاب إلهي، حتمي… فقد بدأ الآن منعطف مخيف»!

ولكن ما هي الأدوات التي يملكها رامي في صراعه ضد النظام؟ فهو لا يحتل موقعاً سياسياً، ولا يملك قوة عسكرية، وليست هناك دولة أو دول داعمة له على رغم التكهنات الكثيرة التي نقرأها في وسائل الإعلام بهذا الخصوص. نجد الجواب، بصورة غير مباشرة، في كلام رامي نفسه، وعنيت به ما يخص حديثه عن (الفقراء) الذين يزعم انحيازه لهم بدلالة ما توزعه مؤسساته «الخيرية» من مساعدات على بعض الأسر المحتاجة، وتوكيده المتكرر على كونه «مُسخّراً» لإدارة الأموال التي هي «من الله» وليس من ابتلاعه لـ60 في المئة من الاقتصاد السوري بفضل مؤهلاته الفذة المتمثلة في صلة القرابة مع الأسرة الحاكمة. بل إنه اشترط على بشار الأسد أن يشرف شخصياً على توزيع ما ستحصله وزارة المالية منه من مستحقات ضريبية على الفقراء، شرطاً ليفي هو بتلك المستحقات. هو إذن «مكلّف» و«مسخر» من العناية الإلهية لرعاية مصالح الناس ومساعدة «الفقرا». تعبيرات ذات حمولة دينية كثيفة، تتضافر مع مظهر الورع والتقوى الباديين على رامي، ومع تعابير دينية صريحة أخرى، هي المناخ الذي أراد رامي إيصاله إلى جمهوره طلباً لدعمه في وجه الضغوط التي يتعرض لها. هذا هو «السلاح» الذي يظن رامي أنه يمكن أن يكون فاعلاً في حمايته، مما قد يرغم النظام على البحث عن حلول وسط معه. وتزداد أهمية الحمولة الدينية لكلام رامي إذا ربطنا ذلك بحديثه عن «الآخرين» الذي قد يفهم منه معنى طائفياً، بصرف النظر عن قصده الحقيقي منه. فالمهم هو كيف يتلقى الناس هذا الكلام، وهنا فقراء الطائفة المحسوبة على النظام، أي تلك الشريحة الموالية التي كانت تتلقى مساعدات جمعيات مخلوف الخيرية. فالآخرون بالنسبة لهؤلاء هم أهل السلطة من غير الطائفة، وتحديداً من السنيين. يتقاطع هذا التفسير مع ما بات معروفاً من صراع بين رامي مخلوف وأسماء الأسد «السنية» تحديداً. أما أجهزة المخابرات التي يشتكي رامي من ظلمها له من خلال القاء القبض على كبار موظفي شركاته و«تعديها على حريات الناس» (كذا!) فهو يعبر عن خيبة أمله بها لأنه «من أكبر داعميها ورعاتها ومموليها» كما يقول في أحد مقطعي الفيديو.

 

ما هي الأدوات التي يملكها رامي في صراعه ضد النظام؟ فهو لا يحتل موقعاً سياسياً، ولا يملك قوة عسكرية، وليست هناك دولة أو دول داعمة له على رغم التكهنات الكثيرة التي نقرأها في وسائل الإعلام بهذا الخصوص

 

هناك تكهنات ربطت بين ظهور الصراع الأسدي – المخلوفي إلى العلن والحملة الإعلامية الروسية التي قادتها وسائل إعلام مقربة من الكرملين على الأسد ونظامه، لا شيء يشير إلى احتمال صحتها. وكما لم تستطع القيادة السعودية أن تساعد رفعت الأسد، في الثمانينيات، على رأب الصدع بينه وبين أخيه حافظ، لا يحتمل أن تنجح القيادة الإماراتية في مهمة مماثلة بين رامي وبشار. ولن يثور فقراء العلويين على النظام من أجل لص يزعم أنه محسن إليهم، أما أجهزة المخابرات فولاؤها مضمون لرأس النظام ما دام يتمتع بشرعية دولية مهما كانت متواضعة، وأعني بها الحليفين الصريحين، روسيا وإيران، والدول المهمة الأخرى التي لا مانع لديها من استمراره في الحكم، وأخيراً مظلة الأمم المتحدة. فإذا فقد الشرعية المذكورة وفقد معها ولاء الأجهزة، فمن المحتمل أن يكون رامي مطلوباً للعدالة، وليس بديلاً مقبولاً عن النظام.

هناك قراءة لافتة لهذا الصراع قدمها السفير الأمريكي السابق إلى سوريا، روبرت فورد، في مقالة نشرها في صحيفة الشرق الأوسط. يبدأ فورد مقالته بالحديث عن دعوة تلقاها من رامي للعشاء في بيته، يصف فيها رامي بالبخل الشديد (كان الطعام رائعاً، ولكن لم يقدم له سوى طبق صغير جداً). أما زوجة رامي فيقول عنها إنها كانت أنيقة الملبس لكنها لم تنطق بكلمة واحدة طوال مأدبة العشاء. وأبوه محمد مخلوف كان مهتماً بإطلاق تنبؤات مبنية على تاريخ ميلاد فورد وزوجته.

لست في وارد التشكيك في كلام فورد، لكني أتساءل عن التوظيف السياسي لهذه التفاصيل. فرامي مخلوف، وفقاً لتلك التفاصيل، ليس فقط رمز الفساد في المملكة الأسدية، بل كذلك شخص بخيل جداً على رغم ثرائه الفاحش (يقول فورد «منزل رامي ضخم جداً، إلى درجة أننا احتجنا إلى خمس دقائق للوصول من البوابة الخارجية إلى باب المنزل في سيارة تتحرك بسرعة 20 كلم في الساعة»)، وزوجته ذات حضور باهت على رغم مظهرها الخارجي الأنيق، وأبوه يؤمن بالخرافات. أما بشار الأسد، بالمقابل، فهو يظهر، في مقالة فورد، على أنه كان مرغماً على إرضاء «أوغاد المخابرات» على حد تعبيره! نعم، الرجل الذي أمضى حياته في العمل الدبلوماسي ويتقن اللغة الدبلوماسية كما تفترض مهنته، لا يتورع عن استخدام كلمة الأوغاد! لكي يعيدنا إلى تلك «النظرية» المضجرة التي شاعت أيام ما سمي بـ»ربيع دمشق» بصدد وجود «حرس قديم» يعرقل الخطوات الإصلاحية المفترضة لـ»الرئيس الشاب»!

فهل شعر فورد، مرة أخرى، بالخطورة على نظام بشار لتكون قراءته للمشهد بهذه الطريقة؟

 

كاتب سوري

===========================

الخبر الساخن من دمشق

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 6/5/2020

الخبر الساخن من دمشق، لم يصل بعد. لكنه سيصل في غضون الأيام القليلة المقبلة، ليضع نقاطاً على حروف في صراع، يتواصل بين آل الأسد وآل مخلوف، وكلاهما في النواة الصلبة للنظام الحاكم، حيث يتحكم آل الأسد في السلطة، ويتحكم آل مخلوف في الاقتصاد، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية، تصعيداً في الصراع، وإخراجاً له إلى المجال العلني والمباشر، وهو أمر شديد الأهمية، فيما تتواصل فيه أقوال وإجراءات، أخذت طابع الشد المتبادل من الطرفين، وسط الإصرار على تصعيد الضغوطات، خصوصاً الأمنية من جانب آل الأسد، ممثلين بأدواتهم من مؤسسات النظام وأجهزته، وسعي لتهدئة مشروطة من جانب آل مخلوف عبر تسجيلين مصورين لرجل الأعمال رامي مخلوف.

أساس الصراع الذي تصاعد في الأشهر الأربعة الماضية، قصة معروفة، بدايتها رفض رامي مخلوف طلباً من الرئاسة بتسديد مبلغ للروس هو جزء من تكلفة الحرب، بحجة عدم توفر السيولة المالية، ما استدعى رداً عنيفاً، شمل قيام جهاز الأمن الرئاسي بحملة تفتيش وتدقيق لأغلب الشركات والمؤسسات العائدة لرامي مخلوف، وإجراء تحقيقات مع عاملين فيها، أعقبها القيام بوضع اليد على بعض الشركات والمؤسسات؛ أبرزها شركتا الخليوي «سيرتيل» و«TMT»، و«جمعية البستان»، وقد تأسست الأخيرة بداية الثورة في عام 2011 للقيام بأعمال خيرية من أجل الشعب السوري، ثم وجد مخلوف أن بين الأعمال الخيرية للجمعية، تأسيس ميليشيا من عشرات آلاف المسلحين للقتال إلى جانب النظام ضد المتظاهرين المطالبين بالحرية والعدالة والمساواة.

وللحق، فإن هجمة آل الأسد، قبل أشهر، بدت عامة، شملت شخصيات ومؤسسات مقربة من النظام، وقد تضرروا جميعاً بتسويات مختلفة، لكن الأهم في الأضرار كان من نصيب شركات ومؤسسات مخلوف، وهذا طبيعي، لأنها تمثل نحو 60 في المائة من إجمالي بنية القطاع الاقتصادي ونشاطاته، وقد أدت الحملة ضدها إلى مصادرة أموال وموجودات في بعض شركاتها، وإغلاق مكاتب، بينها مكاتب «جمعية البستان»، ثم مطالبتها شركة الهاتف الخليوي «سيريتل» بتسديد مستحقات لخزينة الدولة تبلغ 233.8 مليار ليرة سورية، تعادل نحو 334 مليون دولار قبل الخامس من مارس (أيار) 2020، ما دفع رامي مخلوف لبث شريطه المصور الأول، مطالباً بالتعامل بلين مع ظروف شركة الخليوي، لكن طلبه رفض، وتم تأكيد ضرورة السداد تحت طائلة التصعيد الذي جاء في إطاره اعتقال نحو 30 شخصاً من إداريي وتقنيي شركة الخليوي «سيرتيل»، وهو ما أثار مخلوف وكان حافزه لإصدار شريطه المصور الثاني، جدَّد فيه مناشدة الأسد وقف الإجراءات ضد شركاته، مذكراً بما تم تقديمه من خدمات للنظام، وأجهزته الأمنية، في السنوات الماضية، مضيفاً إلى ما سبق سيره إلى النهاية في مواجهة ما اعتبره انتهاكاً لحقوقه.

حدود الخبر الساخن المنتظر من دمشق، أنه يتصل بمآل الصراع بين الطرفين بعد الإشارات والتصريحات المتبادلة، وسط غياب ظاهر لأي أفق لتسوية بين الطرفين، حيث يملك النظام إرثاً كبيراً في التعامل مع متمردي بيت النظام، بينها تجربته مع أنصار رفعت الأسد، التي قام بفصل مهم فيها باسل الأسد، ثم تجربته في ردع تمردات بعض أبناء العمومة، التي قاد بعض معاركها بشار الأسد، قبل أن يصبح رئيساً، مما يعني أن أرجحية حل النظام للصراع الحالي سيتم بالقوة، وقد تضمن شريط رامي مخلوف المسجل استعداده للذهاب إلى هذا المستوى، رغم أنه ما زال يراهن على تسوية توافقية.

ورغم أن مسار القوة في الخبر الساخن المنتظر من دمشق هو المرجح، فإن ثمة عوامل تحيط بالصراع الجاري، يمكن أن تؤثر على احتمالاته، فتجعله في واحد من اثنين؛ حل بالقوة يجرد فيه مخلوف من كل شيء، وهو المرجح، وحل توافقي يستجيب فيه مخلوف لمطالب النظام، وهذا ضعيف، والأضعف منه أن تتمخض الظروف المحيطة عن حل ثالث مختلف نتيجة تدخل دولي كبير.

إن الأبرز والأهم في العوامل المؤثرة على خاتمة الصراع وأولها، أن الصراع سيكرس انقساماً جديداً في النواة الصلبة للنظام، ويعزز تمدده إلى الدائرة الأوسع في حاضنة النظام، سواء كانت الحاضنة الطائفية - العشائرية، أو حاضنة المؤيدين، التي لا شك أن للمتصارعين فيها أنصاراً، بغض النظر عن حصة كل منهما، كما أن الصراع سيؤدي إلى مزيد من التدهور في القطاع الاقتصادي، الذي تسيطر فيه شركات مخلوف على جزء مهم منه، ما سيفاقم مشكلات الاقتصاد السوري المدمر نتيجة صراعات السنوات التسع الماضية، وسيؤدي إلى آثار اجتماعية في أوساط مؤيدي النظام من العاملين في شركات ومشاريع مخلوف البالغين عشرات ألوف الأشخاص، وسينضم إليهم جزء كبير من أقرانهم، الذين تم صرفهم من ميليشيا «جمعية البستان»، التي حلها النظام مؤخراً، واستولى على مقراتها.

وإذا كانت العوامل الداخلية مهمة في تأثيرها على مسار الصراع الجاري، فإنه لا يجوز إهمال العوامل الخارجية. ذلك أن الصراع في أحد أسبابه، يعود إلى رفض مخلوف تسديد مبلغ من فاتورة الحرب لروسيا، التي تصنفه في عداد المرتبطين بإيران، وقد كانت موسكو طرفاً محرضاً ضده، فيما أوضاع إيران الداخلية، تزداد تردياً، ووجودها في سوريا يواجه تحديات صعبة؛ أبرزها تدني إمكانات تمويل أنشطتها هناك، وتزايد نقمة السوريين عليها، وسط تحميلها مسؤولية انتشار فيروس كورونا، وتعرضها المتواصل مع حلفائها من «حزب الله» والميليشيات الشيعية لقصف إسرائيلي متواصل، تتجنب وتعجز عن الرد عليه، فيما حليفها الروسي يلتزم الصمت حيال سياسة إسرائيل، ويتابع عمليات تمدده في سوريا، ولجم التمددات الإيرانية، متابعاً تعريضه بالأسد وعائلته وحكومته.

ويستحق العامل الأوروبي - الأميركي إشارة خاصة فيما يفرضه من تأثيرت على إجمالي الوضع السوري، وبالتالي على الصراع داخل نواة النظام الصلبة، وقد شدد الأميركان والأوروبيون، في الأشهر الأخيرة، ضغوطاتهم على نظام الأسد وحلفائه، فكان في نصيب الأول، إضافة إلى العقوبات، التي ستتصاعد مع «قانون سيزر»، افتتاح أول محاكمات لضباط أمن سابقين في ألمانيا بتهم ارتكاب جرائم حرب، ما يعني فتح ملف جديد للنظام، فيما تستمر واشنطن في سياسة تصعيد ضد إيران، وتتابع تصعيد عقوباتها على طهران وموسكو.

وقبل الخاتمة، فإن ثمة إشارة لا بد منها، تتعلق بجواب عن سر «الثقة العالية» التي كان يبديها رامي مخلوف في حديث الشريطين المسجلين، واستعداده للذهاب إلى الصراع، حتى آخره، وما إذا كان لهذه الثقة صلة بالموقف الأوروبي - الأميركي، خصوصاً أن مخلوف هو أخف أهل البيت الداخلي «خطيئة»، وقد يكون الوجه المقبول للتعامل معه.

===========================

حسابات كورونا بين واشنطن وطهران

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 6/5/2020

على الرغم من انهماكهما بمكافحة فيروس كورونا، لم ينشغل النظام الإيراني، ولا إدارة الرئيس ترامب، عن متابعة العداء المستحكم بينهما. على العكس، يجد البلدان في التصعيد مصلحة مشتركة في هذه المرحلة تحديدًا، من جهةٍ لصرف الانتباه عن فشلهما الذريع في التصدّي للوباء. ومن جهة ثانية، هي فرصة لزيادة الضغوط على الخصم، وتسجيل نقاط في الحرب الباردة الدائرة بينهما منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في مايو/ أيار 2018.

تلمح إيران تحديدا فرصة للرد على بعض الضربات التي تلقتها من إدارة ترامب، كان أكثرها قسوة، أخيرا، واقعة تصفية قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في بغداد، مطلع العام الجاري. تقرأ إيران، وتتابع، جيدا تطورات الوضع الداخلي في الولايات المتحدة، خصوصا أن رهانها الفعلي بات اليوم مرتبطا، أكثر من أي وقت مضى، بخسارة ترامب انتخابات الرئاسة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. ولا بد أن يلحظ المرء أن الوباء، وعلى الرغم من فداحة الأضرار التي ألحقها بإيران، سواء على مستوى الأرواح (أكثر من ستة آلاف وفاة بحسب إحصاءات رسمية، و30 ألفا بحسب تقديرات إعلامية مستقلة) أو على مستوى الخسائر الاقتصادية (تقدرها مصادر بـ42 مليار دولار)، إلا أنه قد يكون حليفها الرئيس وأملها الوحيد في هزيمة ترامب في الانتخابات المقبلة.

في هذا السياق، يأتي التصعيد الإيراني المحسوب ضد إدارة ترامب، سواء على شكل احتكاك بين زوارق البحرية التابعة للحرس الثوري والسفن الحربية الأميركية في مياه الخليج، أو عبر إطلاق إيران قمرها الصناعي العسكري الأول، كاشفا عن مدى تطور برنامجها الصاروخي الذي تضغط إدارة ترامب، ومعها الأوروبيون، لوضعه على الطاولة في أي مفاوضات مستقبلية. تقوم حسابات طهران على أن إدارة ترامب تعيش حاليا أسوأ أوقاتها، بعد أن ذهب الوباء بإنجازاتها الاقتصادية التي كانت تعوّل عليها للفوز بانتخابات نوفمبر، فخلال خمسة أسابيع من تفشّي الوباء، خسر الرئيس ترامب البطاقات الاقتصادية الثلاث التي كانت تمضي به حتما نحو الفوز بولاية ثانية، بحسب وكالة موديز (Moody’s)، فقد ارتفع مستوى البطالة من 3,6% قبل انتشار الوباء، وهو أقل معدل في خمسين سنة، إلى 15% حاليا بعد أن خسر نحو 30 مليون أميركي وظائفهم في الأسابيع الأخيرة. أما أسواق الأسهم، فقد انخفضت هي الأخرى من مستوياتها التاريخية التي اقتربت في فبراير/ شباط الماضي من 30 ألف نقطة، إلى أقل من 20 ألف نقطة، قبل أن تسترد بعض خسائرها أخيرا. أما دخل الفرد الذي تحسّن كثيرا في سنوات ترامب الثلاث الأولى، فقد عاد وانتكس بشدة بسبب الوباء.

استطلاعات الرأي العام الأخيرة، والتي تعكس خيبة الأميركيين من الإدارة الكارثية لأزمة تفشّي وباء كورونا، تؤكد تراجع حظوظ ترامب الانتخابية، وترسل إشاراتٍ مشجعة لإيران للتصعيد، انطلاقا من أن ترامب لن يستطيع، في ظل الوضع الكارثي الذي يواجهه، أن يفتعل أزمةً كبيرةً في السياسة الخارجية.

تبدو تقديرات إيران للمصاعب التي يواجهها ترامب منطقية، بلا شك. ولكن حساباتها معه لم تكن دائما دقيقة، بدليل انسحابه من الاتفاق النووي، ثم إلغائه الإعفاءات المتصلة بتصدير النفط الإيراني، وأخيرا قراره تصفية سليماني. تغفل إيران أحيانا أن لدى الخصم حساباته أيضا. والواضح أنه كلما اشتد الضغط الداخلي ازداد ميل ترامب إلى الهروب إلى الخارج، بدليل تركيز إدارته، بحق أو بغير حق، على تحميل الصين مسؤولية انتشار الفيروس، سواء بترويج أطروحة أنه جرى تصنيعه في مختبر في ووهان، أو أن الصين تكتمت على انتشاره. بالمثل، قد تجد إدارة ترامب ما يغريها بالتصعيد مع إيران، وافتعال أزمةٍ تنقذها من ورطتها الداخلية، ويبدو أنها بصدد فتح معركةٍ لتمديد الحظر على مشتريات إيران من السلاح، والتي تنتهي في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بحسب الاتفاق النووي، مستفيدة من الاستفزاز الذي مثله إطلاق إيران قمرها الصناعي العسكري الأول.

في سبتمبر/ أيلول 1992 لاح للرئيس جورج بوش الأب احتمال الهزيمة في الانتخابات التي كانت تبعد نحو شهرين، فاتخذ قراره بالتدخل عسكريا في الصومال، على أمل أن يساعده ذلك في تغيير النتيجة. لم يفلح بوش في تغيير النتيجة، لكن الولايات المتحدة كانت قد غزت الصومال.

===========================

هل تنجح الأزمة العالمية في إنهاء المحنة السورية؟

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 5/5/2020

موسكو .. الإعداد لما بعد الأسد

تتزايد المؤشرات الصادرة عن مصادر صحافية وتقارير مؤسسات روسية، كان جديدها ما نشره "المجلس الروسي للشؤون الدولية" عن احتمال وجود توافق روسي أميركي لتنحية بشار الأسد، وتشكيل حكومة انتقالية تشمل المعارضة والنظام وقوات سورية الديمقراطية (قسد). مع كل الاحتياطات والتحفظات التي ينبغي أن نأخذها قبل أن نغذي مثل هذا الأمل على تفاهم دول لم يُظهر أكثرها أي اعتبار للمصالح السورية الوطنية والشعبية. وعلى الرغم من العقد الكثيرة التي تجعل التوصل السريع إلى مثل هذا الاتفاق بين دول متضاربة المصالح ومتنافسة في ما بينها على استخدام سورية ورقة للتفاوض، ومسرحا لامتحان القوة وتصفية الحسابات التاريخية، ومع ضرورة التمسك، أكثر من أي وقت مضى، بالحذر من بيع الأوهام التي عانينا منها كثيرا، لا يمكن لنا، كسوريين معنيين بالخروج من النفق الذي وضعتنا فيه الحرب الدموية، ألا نفكر في هذا الاحتمال وألا نتعامل معه بجدّية، فبصرف النظر عن هذه التسريبات، كان من الواضح منذ أن أخفقت الحملة الروسية الإيرانية على إدلب، وتم التوصل إلى وقف ولو هش لإطلاق النار، أن الحرب قد وصلت إلى خاتمتها، ليس لأن الروس والإيرانيين حققوا أهدافهم الرئيسية، ولكن لأن توازنات القوى أوصلتها إلى طريقٍ مسدود، لم يعد يستطيع أي طرف أن يحقق فيها أكثر مما حققه من قبل، وبالتالي لم يعد من الممكن لموسكو استرجاع ما كانت تحلم به من سيطرة كاملة على التراب السوري وإجبار الأطراف الأخرى على القبول بالحل الذي تمليه عليهم بحسب مصالحها. وأصبح من المفيد أكثر وقف الاستثمارات الإضافية فيها، والسعي إلى 

"تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية وشلل حكومة الأسد في مواجهتها، ومخاطر الانفجارات الاجتماعية، تهدد بانفلات الأوضاع والفوضى"قطف ثمار ما بذلته من جهود، قبل أن تضيع هي ذاتها.

تدفع في هذا المنحى أيضا عوامل أخرى، أهمها الانتخابات الرئاسية السورية في منتصف العام المقبل (2021)، فطالما لم تتبلور خطة الخروج من الحرب قبل هذا الموعد، ستجد موسكو نفسها أمام تمديد أوتوماتيكي للأسد لن يترك بعد ذلك فرصة للتسوية أو للتفاهم مع أي طرف من الأطراف الدولية، والولايات المتحدة بشكل خاص. وهناك الضغط المتزايد الذي يشكله تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية وشلل حكومة الأسد في مواجهتها، ومخاطر الانفجارات الاجتماعية، ما يهدد بانفلات الأوضاع والفوضى وتجدد أعمال العنف، من دون أن يستطيع أحد السيطرة عليها. وليس هناك شك أيضا في أن الأزمة الصحية التي تسبب بها وباء كورونا، وما تبعها من أزمة اقتصادية أضيفت آثارها إلى نتائج المقاطعة والعقوبات التي لا تزال موسكو ترزح تحت ثقلها، ثم الانهيار الذي شهدته أسعار النفط، وهو المصدر الرئيسي لدخل الدولة الروسية، لا يمكن لذلك كله إلا أن يدفع موسكو إلى التخفف من الأعباء الإضافية وتجميد الحروب "الثانوية"، والتوجه إلى البحث عن مزيد من التعاون الدولي، للخروج من الأزمة العالمية الكبرى. وليس للتسريبات الصحافية حول استياء الرئيس الروسي من الأسد سوى هدف واحد، هو استدراج عروض غربية للدخول في مفاوضات وحوار تتجاوز أهدافه القضية السورية بكثير.

ومع ذلك، ليس مؤكّدا أن موسكو قد اكتشفت الصيغة التي تساعدها على التخفيف من عبء الأزمة السورية ومخاطر استمرارها. كما أنه ليس من المضمون أيضا أن تُفضي المفاوضات التي لم تبدأ بعد مع واشنطن إلى نتيجة سريعة، فالأميركيون المعنيون أكثر من أي طرف دولي آخر بالتنزيلات الروسية في ثمن السلعة الأسدية ليسوا بالضرورة في عجلةٍ من أمرهم. ولا أحد يعلم حتى اليوم ما الذي يريده الأميركيون في سورية. هل هو الاستمرار في تعقب ما تبقى من تنظيم الدولة الإسلامية، أم بالفعل القضاء على الوجود الإيراني على أراضيها، أم تحقيق حد أدنى من الحكم الذاتي للكرد السوريين، أو الحفاظ على السيطرة على الموارد النفطية السورية، أو تعزيز سيطرتهم الإقليمية؟ وكيف يستقيم ما جاء في تقرير "المجلس الروسي"

"الأميركيون المعنيون أكثر من أي طرف دولي آخر بالتنزيلات الروسية في ثمن السلعة الأسدية ليسوا بالضرورة في عجلةٍ من أمرهم" المذكور من حديث عن اتفاق بين الروس والأميركيين والإيرانيين والأتراك حول تسوية سورية قادمة وحكومة انتقالية، إذا كان إخراج الإيرانيين من سورية لا يزال هدفا رئيسيا للسياسة الأميركية، اللهم إلا إذا كان قد حصل، في الوقت نفسه، اتفاق إيراني أميركي بشأن مصالح إيران في سورية المقبلة، وحجم وجودها وطبيعته، وفي ما يتجاوز ذلك أيضاً. وبالمثل، ليس من الواضح كيف يمكن إدراج قوات سورية الديمقراطية (قسد) طرفا في الحكومة الانتقالية العتيدة، في الوقت الذي لا تزال تركيا تعتبر هذا التشكيل منظمة إرهابية تهدّد أمنها القومي، بينما لا يزال الكرد السوريون في "قسد" يرفضون الانفصال عن قيادة حزب العمال التركي المرفوض من أنقرة، أو التفاهم مع المعارضة السورية على حدود المناطق التي يريدون تقرير مصيرهم فيها، هل هي أراضي الإدارة الذاتية الراهنة التي تضم أغلبية ساحقة عربية، أم هي مناطق الكثافة السكانية الكردية التي أصبحت، إلى حد كبير، تحت سيطرة السلطات التركية المباشرة أو غير المباشرة؟

وعلى الرغم من ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية نافذة الفرص الجديدة التي فتحت، وسوف تزداد انفتاحا على الأغلب، لا بسبب توصل الأطراف المعنية إلى اتفاقٍ يبدو لي أنه لا يزال بعيد الحصول، وإنما بسبب غياب الخيارات الأخرى، ومخاطر التدهور المتزايد في الأوضاع السورية والعالمية أيضا، والخوف من تراجع الفرص في المستقبل، وجعل الخروج من المأزق، بالنسبة للروس بشكل خاص، أكثر كلفة بكثير، وربما مع تهديدهم بخسارة المكاسب التي حققوها حتى الآن.

(2)

انهيار المعارضة

من الجهة الأخرى، لم تعد المشكلة الوحيدة، أو حتى الرئيسية، التي تحول دون الانتقال السياسي، استعصاء التفاهم بين الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الحرب السورية، فعاجلا أو آجلا، ستجد هذه الدول نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما، التوصل إلى تسويةٍ توقف 

"يحتاج الانتقال من حكم المليشيات المحلية والإقليمية وسيطرة الأجهزة الأمنية إلى حكم تعدّدي مدني"الحرب، وتمهد لاستثمار المكاسب التي تحققت أو المخاطرة بالغرق في مستنقع "أفغاني" جديد. وهو الخيار الذي لا يمكن للروس أن يسمحوا لأنفسهم بتجربته ثانية، حتى لو أن هذا هو ما تتمناه طهران وتعمل عليه.

يشكل ضعف تأهيل المعارضة وتشتتها، وفشل إدارتها المناطق التي خضعت لسيطرة فصائل عسكرية تدّعي الانتماء لها، مشكلة ثانية لا تقل اليوم أهمية عن الأولى؛ إذ يحتاج الانتقال من حكم المليشيات المحلية والإقليمية وسيطرة الأجهزة الأمنية إلى حكم تعدّدي مدني، يضمن الأمن والاستقرار بحده الأدنى، إلى قوى وتنظيمات سياسية تتمتع بالحد الأدنى من الصدقية، وتملك الإرادة والقدرة على تأطير الجمهور الشعبي وقيادته، لمواجهة فلول الأجهزة الأمنية والعسكرية التي ارتبطت بالنظام، وساهمت بشكل كبير في قتل آلاف الضحايا الأبرياء. وكما لا يمكن الثقة بهؤلاء، حتى بعد استبعاد بعضهم من الخدمة الميدانية، لا يمكن أيضا المراهنة على عفوية الشعب، المحطّم والممزّق طائفيا ومذهبيا ومناطقيا وقوميا، في تجاوز الألغام التي لا يزال يضعها في طريقه منذ نصف قرن نظام الأسد وحلفاؤه الإيرانيون والعرب، وفي مواجهة ألاعيب القوى القديمة أو الحد من نفوذها وتأثيرها.

ولا جدال في أن المعارضة، على مختلف اتجاهاتها، فشلت خلال السنوات التسع الماضية في استعادة أنفاسها، وإعادة تنظيم صفوفها، لتحول الملايين من السوريين، المستميتين في تغيير الأوضاع المأساوية ونمط السلطة الهمجية التي تحكّمت برقابهم لعقود طويلة، إلى قوى فاعلة ومنظمة، قادرة على المشاركة الإيجابية في الحياة السياسية الجديدة، وتجنب الانزلاق إلى مهاوي الصراعات الجانبية والطائفية والفوضى التي انزلق إليها العراق بعد سقوط الديكتاتورية، والتي قضت، في النهاية، على حلم العراقيين في بناء دولة مستقلة وسلطة ديمقراطية تلبي طموحاتهم وتستجيب لتطلعاتهم التحررية.

ولا أقصد بالمعارضة هنا الأحزاب السياسية المعروفة، وإنما قدرة السوريين، الثائرين على حكم الطغيان، جميعا، على تنظيم أنفسهم في قوى وتشكيلات سياسية ومدنية، وائتلافات أو جبهات أو تحالفات جدّية وفعالة، تنسق جهود ونضالات جمهور الشعب لمواجهة مهام الانتقال السياسي، وتحقيق الأهداف التي ثاروا من أجلها، فقد قضى آلاف من النشطاء والمثقفين 

"لا يمكن الثقة بفلول الأجهزة الأمنية والعسكرية حتى بعد استبعاد بعضهم من الخدمة الميدانية"والسياسيين، الذين انتموا بصدق لمعسكر التغيير والديمقراطية، جل وقتهم الماضي، في تصفية الحسابات الشخصية. فامتهن بعضهم التشهير بالمعارضة الحزبية التقليدية التي اكتشفوا هشاشة بنياتها، وتشوش أفكارها وضعف قياداتها، وجند بعضهم الآخر نفسه لتحطيم ما كان يتمتع به بعض النشطاء والمثقفين من صدقية، حتى لا يكون هناك كبير غير الجمل، كما يقول المثل الشائع، ويتحوّل الجميع إلى أصفار متساوين، بينما تخصص بعض ثالث في الكشف عن الفساد الذي انتهى إلى تقرير أن أغلب المعارضين والنشطاء، إن لم يكن جميعهم، فاقدون للوطنية، ولا يهمهم سوى الكسب والارتزاق. هكذا أصبح السوري الشهيد هو السوري الوحيد المخلص والثوري الحميد.

وهكذا تحول النقد الذاتي إلى عملية منهجية لنزع الشرعية عن التشكيلات السياسية التي مثلت الثورة أو حاولت تمثيلها، كالمجلس الوطني والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة التنسيق والهيئة العليا للمفاوضات والحكومات المؤقتة والشخصيات السياسية والثقافية. واحتلت المحاكمات العشوائية والأحكام أو الاتهامات المجانية مكان التحليلات السياسية والدراسة الموضوعية للشروط التاريخية وللتحديات الحقيقية المادية والاستراتيجية والدولية التي واجهت الثورة السورية. ولم يشذ قادة الأحزاب "التاريخيون" عن هذا المنحى في نقد المعارضة، وتحميل المسؤولية لشركائهم أو منافسيهم، كما لو كانوا خلال السنوات الطويلة الماضية مجرّد متفرّجين أو شهود زور. لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة عن الخيارات الكبرى التي تبنوها ودفعوا إليها، ولا عن أسباب تحطم السفينة التي فرضوا أنفسهم قادة لها، مكتفين بتكرار أن الجميع وقع في الخطأ، من دون تحديد ماهية الخطأ، أو التفكير في أسبابه، وكيفية تصحيحه.

ولا يمكن لمراقبٍ موضوعي أن لا يعترف بأن المعارضة السورية التي تشمل جميع الذين قادوا أو شاركوا في قيادة معركة إسقاط النظام واستبداله بنظام ديمقراطي بكل أشكالها، لم تستفد كثيرا من تجربتها المريرة الماضية، ولا حاولت أن تفهمها وتستوعب أسباب فشلها. ولا نزال نتبادل التهم ونتبارى في التبرؤ من المسؤوليات التي يرميها النشطاء الشباب على السياسيين المحترفين، والسياسيون على المثقفين، والمثقفون على الإسلاميين، وهؤلاء على المجتمع الدولي والدول "الصديقة" والعدوة.

(3)

فشل المراجعة السياسية

السبب في هذا الانهيار لجيل كامل من المعارضة السورية، التي وضعت عليها الحوارات الصامتة لبعض زعمائها وصمت أكثرهم الناطق نقطة الختام، هو ببساطة إخفاقها، بعد تسع سنوات من كتابة شعبها تاريخه بالدم، في القيام بالمراجعة السياسية المطلوبة، واستسهالها

"خسرت المعارضة السورية معركة مراجعة تجربتها، ووجدت نفسها تعوم في مستنقع من المساءلات والمحاسبات والاتهامات المتبادلة التعسفية" الخوض في وحل المعارك الشخصية والأخلاقويات الكاذبة، بدل السعي الجدي والصادق إلى التعرّف على أخطائها وإعادة النظر في خططها واستراتيجياتها للبرهان على أنها لا تزال أهلا للقيادة، والاستمرار في تحمل المسؤولية، والقدرة على اتخاذ الخيارات الصعبة والضرورية، فقد كان من شأن المراجعة الجدّية، وهذه غايتها أيضا، أن تعيد تأهيل المعارضة وصدقيتها، باستعادتها الثقة على المستويات الثلاثة التي لا قيمة لها ولا فاعلية ولا وزن من دونها:

أولا، ثقة أعضائها ذاتهم بأنفسهم، وتجاوز مخاطر الاستسلام للفشل والتسليم بالعجز والانسحاب أو الارتماء على الدول الأجنبية. وثانيا، ثقة جمهورها وحاضنتها الشعبية بها وبقدرتها على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات والتغلب عليها. وثالثا، ثقة الرأي العام والمجتمع الدوليين في أهليتها لأن تشكل بديلا ممكنا ومتماسكا لنظام الاستبداد، يمكن المراهنة على مشاركته في بناء نظام جديد، وتجنب احتمال الفوضى والتشتت والانقسام.

لقد خسرت المعارضة السورية، على مختلف تشكيلاتها وفصائلها، معركة المراجعة هذه، ووجدت نفسها، في المقابل، تعوم في مستنقع من المساءلات والمحاسبات والاتهامات المتبادلة التعسفية، فدمرت نفسها بنفسها، بدل أن تعيد ترتيب أفكارها وتنظيم صفوفها ورسم خططها واستعادة المبادرة. وخرجت، كما نعرف جميعا، بكل تشكيلاتها وفصائلها وشخصياتها من الحلبة، وتركت جمهورها في ضياعٍ فكري وسياسي وعاطفي كامل.

وما جرى ويجري منذ بضع سنوات يشبه المناحة الجماعية التي يتبارى فيها النائحون في التشكي والتظلم والدعوة إلى الانتقام، وربما إلى إقامة محاكم تفتيش فورية، وإطلاق تهم جزافية، لتأكيد فكرة الفشل والعجز والخيانة وغياب الشرعية، أكثر بكثير مما يشير إلى مناقشة عقلانية تعتمد الحديث في الوقائع والأحداث التاريخية والنتائج والمقدمات. وهو من نوع السلوكيات البدائية التي تبرز مركزية الأهواء والمآخذ الذاتية والنفسية، وأحيانا الدينية، على حساب مناقشة القضايا السياسية والاستراتيجية. ولا يمكن لهذه السلوكيات إلا أن تنتهي بتعميق الشرخ بين الجماعات والأفراد، وتأجيج عدائهم بعضهم بعضا، ونفورهم المتبادل، وربما الرغبة في الاغتيال.

تهدف المراجعة إلى إعادة تركيب الوقائع في الذهن، لتعميق فهمنا لديناميكية الأحداث، وتحسين قدرتنا على التدخل والاختيار وتجاوز الأخطاء والقرارات التي بنيت على أسس ضعيفة أو 

"لا يزال الكرد السوريون في "قسد" يرفضون الانفصال عن قيادة حزب العمال التركي المرفوض من أنقرة"واهية، ومن ثم إعادة إصلاح الممارسة وهيكلة مؤسسات العمل والنشاط. ولذلك لا تقوم المراجعة على قراءة واحدة أو رواية شخصية لطرف واحد، وإنما هي ثمرة تقاطع القراءات المتعدّدة للمشاركين في الفعل، وهذا ما يساعد القارئ، أي الجمهور والرأي العام المعني بالأمر، على إعادة تركيب الوقائع الصحيحة أو تكوين رؤية موضوعية أكثر لما حدث، وتحديد المسؤوليات السياسية، أي الخيارات الخاطئة التي تستدعي التبديل، من دون أن يعني ذلك إدانة القادة أو التشكيك بإخلاصهم، فالمخلصون يخطئون، بل هم وحدهم الذين يخطئون، أما أضدادهم فهم يسيئون عن عمد وتصميم وغدر.

من هذه المناقشات الجدّية والموضوعية المسؤولة يتكون الوعي السياسي الجمعي، ويتغذّى بالمراجعات والنقد الذاتي، ويوجه المجتمعات، ويساعدها على تنظيم نفسها وتربية القادة الجدد بثقافة ومنهج للعمل وأخلاقيات تشجع على التعاون والعمل الجماعي والنقاش الموضوعي وتبادل وجهات النظر.

فلا توجد تجربة ونشاطات إنسانية ومعارك سياسية لا تحتمل فيها القرارات خيارات مختلفة، ولا تحمل بالتالي في ذاتها إمكانية النجاح والفشل. وما قد يبدو خيارا صحيحا يمكن أن يظهر خاطئا في نظر شخص آخر أو في وقت مختلف. وكل التجارب الثورية، من حيث هي عملية تاريخية جديدة وإبداعية، بمعنى أنها ليست تكرارا لدرس محفوظ سلفا، تحتمل اجتهاداتٍ متباينة بالضرورة. والفشل جزء من النجاح، بمقدار ما يشكل الطريق الإجباري في أوقات كثيرة للتعرّف على الحلول الصحيحة، فنحن نتعلم كما تقول الحكمة دائما، من خلال التجربة والخطأ. ومن يخاف من الخطأ لا يهم بأي عمل، ويبقى ساكنا كالحطب.

أما المراجعات التي تتحكّم بها روحية تصفية الحسابات، مع الذات أو الآخر، أو الماضي، أو العروبة، أو الإسلام والقومية والتاريخ، وتدفع إليها الرغبة في الانتقام أو الظهور والوجاهة، وتسويد صفحة المنافسين وسمعتهم، فهي، بمقدار ما تشخصن القضايا العامة، تقود بالضبط إلى عكس ما تدّعيه تماما، أي إلى فرط المجتمع السياسي الجديد الناشئ، وجعل مهمة بناء القوى أو إعادة تجميعها غاية مستحيلة، بل غائبة كليا عن التفكير. وهذا ما يقود إليه ترصد الزلات وتصيد الأخطاء والامتحان الدائم لضمير الأشخاص، والتشكيك بنواياهم، وأصولهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، وطبقاتهم، لضرب صدقيتهم وإخراجهم من الملّة والدين، أعني هنا بالتأكيد ملّة المعارضة ودينها. وليست لهذا علاقة بالمراجعة والنقد الذاتي، وإنما هو من باب الصراع البدائي، أي غير المنظم ولا المرشد، على القيادة والسلطة والوجاهة، والذي ينتهي حتما، كما جاء في الذكر الحكيم: لَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. .. وهذا ما حصل بالضبط.

(4)

نحو جيل جديد من الساسة والمثقفين

يفسر هذا كله ما نجد أنفسنا عليه اليوم من حالةٍ يرثى لها من الانفلاش وانعدام الوزن وفقدان الثقة والتفاهم والتعاون والتنظيم، تحرمنا من المشاركة في قيادة عملية انتقالية محتملة أو المساهمة في دفعها وصياغة شروطها وغاياتها، أي في تقرير مستقبل بلادنا. ولكن الإقرار بأن الجيل السابق من المعارضة، بكل ما يمثله من أفكار وتقاليد ومناهج عمل وحرتقات وألاعيب 

"قطع الأمل بالأقدمين ينبغي أن يشجع الشباب، ويحثهم على التقدم إلى الواجهة، واحتلال مواقع القيادة التي أصبحت فعلياً شاغرة"قد انتهى، لا يترتب عليه أن نلوذ بالفرار، أو نترك المهام الصعبة الماثلة أمامنا، ونحتمي وراء فكرة الفشل وانعدام القيادة والقدوة. إنه يرتب علينا بالعكس، وأقصد هنا على جيل الشباب الجديد الذي عاش الثورة، وعانى فيها، وشارك في تضحياتها، مسؤوليات جسيمة أكثر، فقطع الأمل بالأقدمين ينبغي أن يشجع الشباب، ويحثهم على التقدّم إلى الواجهة، واحتلال مواقع القيادة التي أصبحت فعليا شاغرة.

وعلى الرغم من أن إدراكنا حقيقة أن الخروج من المحنة لن يكون ممكنا من دون تفاهم الأطراف الدولية ودعمها، إلا أن حضورنا سيصبح أكثر فأكثر أهمية في المستقبل، فلن تكون هناك إمكانية لتجاوز حالة الانقسام والتشتت والتنازع والفوضى التي يعيشها مجتمعنا السياسي اليوم، ولفترة طويلة مقبلة، ولا أقول لتحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود، من دون عودة السوريين إلى دائرة الفعل، بصرف النظر عن الموقع الذي سيحتلونه في مواجهة الروس والترك والأميركيين والإيرانيين وغيرهم. ولا توجد أي وسيلة لتحقيق هذه العودة وانتزاع السوريين حقهم في تقرير مصيرهم، وتنظيم شؤون وطنهم ومجتمعهم بأنفسهم، ما لم يبدأ جيل الشباب الجديد، من النشطاء والسياسيين والمثقفين المتحرّرين من ثقافة الماضي وتقاليده، ومن روح التبعية أو الانتقام، منذ الآن في المبادرة لتحمل مسؤولياته، واستكمال ما لم يستطع جيلنا السابق إنجازه، بما في ذلك المراجعة النقدية للثورة وخياراتها والبناء على دروسها، وعلى ما قدّمه جيل آبائهم وأسلافهم من تضحيات ومبادرات وأعمال جليلة، وبطولية أحيانا، ما كان من الممكن من دونها استعادة قيم الكرامة والحرية وانطلاق الثورة التي تشكل، بلا منازع، الحدث الأعظم في تاريخ سورية الحديثة، والأساس العميق لتحرّرها وتحديثها القادمين.

والخطوة الأولى في إطلاق هذه المسيرة الجديدة والمبدعة تكمن في خلع رداء العجز والإحباط، والخروج من مناخ الغيتو الذي حبسنا أنفسنا فيه في العالم الافتراضي، والدخول في الفضاء السياسي الحقيقي، والانخراط في النشاط العملي، مع الجمهور الذي نريد أن نستعيده ثقته، ونعيد له ولنا معه روح الإنسانية وقيمها التي حرمنا جميعا منها. وهذا يعني الانخراط في العمل الدؤوب والصامت، الفكري والاجتماعي والسياسي، لبناء القوى الذاتية، وتنظيم الجهود 

"لن تسقط السلطة إلا في يد من لديه شبكة من التنظيمات والجمعيات والمؤسسات والأطر الجامعة والفعالة"والطاقات المتفجرة لجيل الثورة والأجيال القادمة في مؤسساتٍ حية وقوية، من جمعيات ومراكز بحث وروابط اجتماعية وثقافية وخيرية ونقابات وأحزاب، هي التي سيكون لها الدور الأكبر في حسم معركة الصراع على طبيعة الحكم ونوعية القيم التي سوف تسيطر على نمط العلاقات الاجتماعية داخل الدولة الجديدة.

لقد حصر النظام الاستبدادي، بإغلاقه منافذ الحرية في المجالات الاجتماعية كافة، وجعله تنظيم المجتمع حكرا على سلطة الأجهزة الأمنية، الديناميكية الاجتماعية بأكملها في الصراع على السلطة والسيطرة على آلة الدولة. وهكذا، فقد السوريون مع الزمن تقاليد العمل المدني والاجتماعي، وانزوى القسم الأكبر منهم بعيدا عن أي نشاطات عمومية. وحتى في وقتنا الراهن، وعلى الرغم من انهيار أسطورة الدولة الاستبدادية وتحطيمها، لا يزال أغلب النشطاء الذين شاركوا في الثورة أو تعاطفوا معها يعيشون، باستثناء تنظيمات معدودة للجاليات السورية المهاجرة هنا وهناك، في غربة ثقيلة بعضهم عن بعض، وفي معزل عن أي مؤسسة أو رابطة أو منتدى. ربما في انتظار ساعة سقوط السلطة وانتقالها إلى من يمثلهم أو يتحدث باسمهم.

والحال لن تسقط السلطة إلا في يد من لديه شبكة من التنظيمات والجمعيات والمؤسسات والأطر الجامعة والفعالة. وتأسيس هذه الشبكة وتعزيزها هما اليوم، أو ينبغي أن يكونا، مهمة جيل السياسيين الجدد الرئيسية، في انتظار معارك التحول القادمة الأخرى لا محالة. وما لم نكن جاهزين عندما يحصل التغيير، حتى لو ارتبط بتدخل المجتمع الدولي وتفاهمه الآن، لن نستطيع أن نلتقط الفرصة عندما يحين الوقت لاحتلال موقعنا والقيام بواجباتنا التي لن يقوم بها أحد غيرنا. وفي غياب قوى شعبية منظمة، وقيادات مخلصة ومتضامنة، سنجد أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما: حكم عسكري جديد، وإنْ بقواعد عمل وتقاليد وأنماط مختلفة أو، وهذا أسوأ، دولة فاشلة تخفي افتقارها لأي برنامج وطني، بافتعال النزاعات وتفجيرها، وتوزيع مناصب السلطة وما يلحق بها من موارد، بين شبيحة العشائر والطوائف والأقوام المتباغضة والمتناحرة، أي أمام الفوضى والعدمية السياسية. باختصار، لا يضمن الاحتفاظ بمكاسب الثورة الشعبية ومنجزاتها إلا بإطلاق الثورة السياسية الكامنة. وهذا ما بدأ يتبلور بالفعل في مشاريع جديدة عديدة في ميادين كثيرة

===========================

هل تصبح روسيا جزءاً من الحل في سورية؟

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 5/5/2020

عمل الروس، منذ اليوم الأول لانطلاقة الثورة السورية، على دعم النظام السوري ومساندته، والحيلولة دون سقوطه. وقد تقاطع موقفهم ذاك مع مشروع النظام الإيراني في سورية، والذي هو في الأساس جزء من مشروعه التوسعي العام في المنطقة، سواء في العراق أم في اليمن، وحتى دول الخليج، هذا ناهيك عن لبنان الذي بات بمثابة محافظة إيرانية، مع قسط من الحكم الذاتي الشكلي الذي يراعي خصوصية البلد. وقد راهن الرئيس الروسي، بوتين، على اتخاذ ورقة سورية بوابة العودة إلى نادي القوى العظمى في عالم السياسة الدولية.

ويبدو أن التوجه الروسي هذا قد تقاطع، إلى حد كبير، مع التقديرات الإسرائيلية لتطورات الأوضاع في سورية وتفاعلاتها، فليس سراً أن النظام السوري قد أثبت، منذ توقيعه على اتفاقية فك الارتباط مع إسرائيل، في 31 مايو/ أيار 1974، وهي الاتفاقية التي صاغها، وأشرف على تنفيذها وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، لإسرائيل أنه "العدو" الأكثر ضماناً ومصداقية بالنسبة لها، والأكثر قدرة على تضليل السوريين، وتفريغ شحناتهم العاطفية الوطنية بشعاراتٍ كبرى ديماغوجية، أثبتت الوقائع أنها كانت أصلاً من "عدّة الشغل"، وهي الشعارات التي ما زال النظام السوري يردّدها، وكذلك يفعل راعيه الإيراني، والمليشيات المرتبطة بهذا الأخير، سواء في لبنان أم العراق.

أمدّ الروس نظام بشار بالأسلحة والذخائر، وقاموا بتغطيته في مجلس الأمن، واستخدموا حق النقض (الفيتو) في تعطيل جميع القرارات التي كانت لصالح الشعب السوري. وجميعنا يتذكّر كيف كان الثنائي الروسي - الصيني يستخدم "الفيتو" المزدوج، حتى لا تقف روسيا وحيدة مكشوفة أخلاقياً، وحتى قانونياً، أمام الراي العام العالمي الذي تعاطف، في بدايات الثورة، بقوة مع تطلعات الشعب السوري المشروعة.

وجاءت الفرصة الذهبية لبوتين، حين تم التوافق بينه وبين الرئيس الأميركي في حينه، أوباما، على دخول القوات الروسية لمساندة النظام، بذريعة محاربة الإرهاب الداعشي والقاعدي؛ وذلك بعد أن وصلت كل الجهود الإيرانية الداعمة لبشار ونظامه إلى حافّة الهاوية، وكان سقوط النظام المعني هو السيناريو الأكثر تداولاً في ذلك الحين. ودخل الجيش الروسي في خريف 2015، وتم التوافق بينهم وبين الأميركيين على أن يكون ميدان عملياتهم المنطقة الغربية الممتدة من درعا جنوباً حتى الحدود التركية - السورية شمالاً، على أن يكون نهر الفرات الحد 

"التوجه الروسي تقاطع، إلى حد كبير، مع التقديرات الإسرائيلية لتطورات الأوضاع في سورية وتفاعلاتها"الفاصل بينهم وبين الأميركيين. هذا مع بعض الاستثناءات التي تم التفاهم حولها عبر التوافق على قواعد التنسيق، والتعامل مع الإشكالات والتجاوزات الثانوية.

وكان شعار مقارعة إرهاب القوى الإسلاموية المتطرّفة الجامع بين العمليات الروسية في شمال غربي سورية، والأميركية في شمالها الشرقي. وكان التركيز الأميركي على "داعش" في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، في حين تركّزت هجمات الروس الجوية العنيفة على كل الفصائل، ما عدا جبهة النصرة التي قالوا إنهم قد جاءوا أصلاً لمحاربتها. وهي الجهة ذاتها التي توافقت مع النظام في الأيام الأخيرة تحت اسم هيئة تحرير الشام، على فتح المعبر التجاري. وكان الروس في عجلة من أمرهم، فقد كانوا يسعون إلى تسجيل نقاط رخيصة في أقل وقت ممكن، لصرفها لاحقاً عند الجانب الأميركي الذي يظل، على الرغم من كل تعقيدات الوضع، وكل الحديث الجاري عن عدم تركيز أميركي على الموضوع السوري، الطرف الذي سيضع، في نهاية المطاف، لمساته الأخيرة على أي توافق دولي يتم بشأن سورية، وذلك باعتباره يمتلك الإمكانات والأوراق، ووسائل التهديد والترغيب، ما لا يمتلكه الآخرون.

اليوم وبعد مرور خمسة أعوام على التدخل الروسي، يلاحَظ أن الوجود الروسي في سورية بات متجذّراً مؤثراً، له ثقل واضح في الجيش والمخابرات، حتى إن حميميم باتت تذكّر بعنجر اللبنانية، هذا فضلا عن تحكّم الروس في الموانئ والتنقيب عن النفط والغاز، وهم يتطلعون نحو المزيد. وعلى الرغم من جميع محاولات الروس، بكل الأساليب، ترويج فكرة نهاية الصراع في سورية، والتوجه نحو الحل، وذلك بتسويق موضوع عودة اللاجئين، وإعادة الإعمار، وفرض دستور يكون أساساً للانتخابات، وذلك بالتوافق مع الجانب الأميركي. ما زالت الأوضاع في سورية تتجه نحو مزيد من التعقيد، خصوصا بعد المتغيرات في كل من لبنان والعراق، وذلك 

"جاءت الفرصة الذهبية لبوتين، حين تم التوافق بينه وبين الرئيس الأميركي في حينه، أوباما، على دخول القوات الروسية لمساندة النظام"نتيجة الغضب الشعبي العارم من تراكمات الفساد والإفساد التي باتت من معالم التدخل الإيراني في البلدين، وبلدان المنطقة بصورة عامة.

واليوم تروج الحكومة الروسية، عبر الدوائر الإعلامية أو البحثية المرتبطة بها، أن بشار الأسد غير قادر على حكم سورية مجدّداً، كما كان يفعل قبل مارس/ آذار 2011. وما نعتقده، في هذا المجال، أن هذا الموقف لا يحمل جديداً، بقدر ما يعكس استعداداً روسياً لتطوير مستوى التفاهم مع الأميركيين نحو اعتماد مخرجٍ يضمن المصالح، ويحول دون الاستنزاف، خصوصا في أجواء جائحة كورونا، وأزمة أسعار النفط، واحتمالات الحرب الاقتصادية المفتوحة بين الصين والولايات المتحدة الأميركية. وهذا ما يستشف من مقابلة المبعوث الأميركي الخاص بسورية، جيمس جيفري، أخيرا مع صحيفة الشرق الأوسط، فالروس على قناعةٍ، منذ سنوات، باستحالة تمكّن نظام بشار من العودة إلى حكم سورية، كما كان يفعل في السابق. واليوم تترسخ قناعتهم هذه، بعد أن تغيرت سورية كثيراً نتيجة تهجير أكثر من نصف السكان، وقتل ما يزيد على المليون سوري، هذا فضلاً عن تدمير المدن والبلدات، وانهيار الاقتصاد، وتآكل البنية التحتية، والمشكلات الكبرى التي تعاني منها المؤسسات التعليمية والصحية، والقطاعات الخدمية. والأخطر من ذلك كله الجروح الكبرى التي يعاني منها النسيج المجتمعي الوطني. وإذا أخذنا بعين الاعتبار واقع ومآلات المشكلات الكبرى التي تعاني منها اقتصادات الدول الغنية، خصوصا التي كان الروس يتطلعون إلى استخدام أموالها في مشاريع إعادة الإعمار.

تريد روسيا صيغة من التوافق مع الأميركيين حول توليفة حكومية، تمثل الموالاة والمعارضة. أما مصير بشار نفسه، فهو لم يعد يهمها كثيراً، ما دامت مصالحها في مأمن. وفي هذا، تختلف عن النظام الإيراني الذي يعتبر استمرارية بشار ركيزة لتمكّنه من تحقيق مشروع الهندسة المذهبية الذي يعمل عليه منذ عقود، وهو المشروع الذي يعد المحور الذي يتمفصل حول مشروعه التوسعي الأكبر في المنطقة. ولكن الموقف المتشدد لإدارة الرئيس الأميركي، ترامب، تجاه هذا المشروع، أقله وفق ما هو معلن حتى الآن، قد دفع النظام المعني إلى مراجعة حساباته، خصوصا في العراق الذي من الواضح أنه يحظى بأهمية أكبر في الاستراتيجية 

"تروج الحكومة الروسية، عبر الدوائر الإعلامية أو البحثية المرتبطة بها، أن بشار الأسد غير قادر على حكم سورية مجدّداً"الأميركية في المنطقة مقارنة مع سورية. هذا مع الحرص على الربط بين الملفين، نتيجة التداخل السكاني بين البلدين، وبفعل تكامل الدور الإيراني فيهما.

وبناء على ذلك، يُعتقد أن التوافق على مشروع حل ما في سورية لن يكون بمعزل عن توافق مماثل بالنسبة إلى الملف العراقي، أو ربما بعده. أما الملف اللبناني، فسيكون مجرّد تحصيل حاصل في حال بلورة حل ما في كل من سورية والعراق. وفي جميع الأحوال، لا تبدو في الأفق المنظور أية مؤشرات فعلية لخطوات تنفيذية، وإنما هي مجرد أفكار وتصورات تطرح، انتظاراً لانتهاء محنة كورونا، وظهور نتائج الانتخابات الأميركية. وبالنسبة إلى السوريين، هم في انتظار التوافقات الدولية والإقليمية، بعد أن وصلوا إلى قناعة تامة بخروج زمام المبادرات الخاصة برسم ملامح مستقبل سورية والسوريين من يد النظام ومؤسسات المعارضة الرسمية.

وما يعقد الوضع أكثر سورياً، ويجعل معادلته مستعصية، انعدام وجود القوى الوطنية السياسية القوية القادرة على تمثيل السوريين، والدفاع عن مطالبهم بحكمة وحنكة، أساسهما مشروع وطني، يطمئن الجميع على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات. وعلى الرغم من أكثر من تحرّك في أكثر من اتجاه، لم تظهر بعد، بكل أسف، قوى سياسية سورية حقيقية ذات مصداقية، تستمد مشروعيتها من إرادة السوريين، لا من الدول التي تظل أولوياتها مبنية على حساباتها ومصالحها العارية.

===========================

مهزلة رامي مخلوف وبشار الأسد

وائل السواح

العربي الجديد

الثلاثاء 5/5/2020

كنّا في الحركة السياسية السورية نحار في توصيف نظام آل الأسد الحاكم في سورية. ولبرهة، وجدنا في مفهوم "البورجوازية البيروقراطية" مصطلحا مناسبا لوصف النظام السوري. ولكن هذا المفهوم الذي كان ممكنا في السنوات الأولى من حكم الأسد الأب بات غير واقعي حين أفلت الأسد عقال أقاربه وأنسبائه، وأباح لهم تحويل البلاد إلى مزرعةٍ مستباحة لهم. واقترح بعضنا مقاربة بين نظامي الأسد الأب ولويس بونابرت (نابليون الثالث) في فرنسا (1851 - 1970)، واستندنا إلى ذلك بمقالة كارل ماركس "برومير الثامن عشر الخاص بلويس بونابرت"، والتي ناقش فيها الانقلاب الفرنسي عام 1851 الذي استحوذ لويس نابليون بونابرت من خلاله على سلطات دكتاتورية، مستفيدا من التوازن بين شرائح البورجوازية الفرنسية وعدم وجود شريحة مهيمنة بينها. ولكن الشبه بين حافظ الأسد ولويس بونابرت معدوم تقريبا، فالأخير كان مسكونا بهاجس التقدّم وتحسين الأوضاع الاجتماعية في فرنسا، وهو، على الرغم من تفاهة شخصه، من قام بنهضة اقتصادية باهرة، وكلّف مجموعة من الاقتصاديين والسياسيين، في مقدمتهم الاقتصادي والمهندس وعالم الاجتماع، فريدريك لو بلاي، في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلد، وعينه مستشارا اقتصاديا للدولة، ما أسهم إلى حدّ كبير في نهضة اقتصادية للبلاد.

أحببناه أم لا، سيكون من الصعب ألا نقرّ بأن لويس بونابرت هو من جعل باريس المدينة التي نعرفها، فأعاد بناءها من ظلام العصور الوسطى وحوّلها إلى مدينة مخططة جديدة بأحدث التقنيات المتاحة آنذاك. وأنشأ العديد من الجادات الواسعة المحاطة بالأضواء والأشجار جنبًا إلى جنب مع المباني على طراز الفن الجديد (الآرت نوفو)، كجادة الشانزليزيه الشهيرة. واستخدم 

"الشبه بين حافظ الأسد ولويس بونابرت معدوم تقريباً"أهم الفنانين والمعماريين، من مثل بارون هاوسمان، لتصميم الحدائق والمدارس ومحطات القطار والمراحيض العامة التي لا تزال تستخدم في باريس. وتم ترميم الكنائس التاريخية بأعمال يوجين ديلاكروا.

وحتى الشبه من حيث سياسة القمع بين الأسد الأب ولويس بونابرت يبدو هزيلا. وعلى الرغم من أن بونابرت قام بممارساتٍ قمعية واستبدادية، غير أنها وقفت عند حدود لم تتجاوز عزل معارضيه، وربما نفيهم، والرقابة على الصحافة، والتلاعب بالانتخابات البرلمانية وحرمان البرلمان من الحق في النقاش أو ممارسة أي نوع من السلطة، من دون أن تتطوّر إلى تعذيب خصومه وحبسهم عقودا وقتلهم وأخذ أهاليهم رهائن، كما فعل الأسد الأب ووريثه. ومع ذلك، فحتى لويس بونابرت نفسه قام بتخفيف هذه الضوابط بعد عدة أعوام، لتنتقل فرنسا إلى مرحلة "الإمبراطورية الليبرالية".

شخصيا حرت كثيرا في توصيف نظام الأسديْن، وبخاصّة الأسد الأب، الذي كان يتمتّع بذكاء نادر وقدرة هائلة على المناورة، مع قدرٍ مريع من القسوة والوحشية جعلت كلّ السوريين في حالة خوف ورهبة دائميْن. ثمّ جاء الوريث الصغير، فتوضّحت الصورة أكثر.

لعلّ أقرب تشبيه لوصف عائلة الأسد هو البحث عن أوجه الشبه بين عائلته وعائلة دون 

"حتى الشبه من حيث سياسة القمع بين الأسد الأب ولويس بونابرت يبدو هزيلاً"كورليوني في رواية "العرّاب" لماريو بوزو. العرّاب، دون كورليوني، هو مهاجر إيطالي من أصل صقلي قام ببناء إمبراطورية الجريمة المنظمة في نيويورك. قاتلٌ بارد وزعيم عصابة، ولكنه يتمتّع بلطف بادِ، ويصفه مؤلّف الرواية نفسه بأنه "رجل لطيف، ذو جوهر وتقليد وكرامة وصقلي، رجل غريزي لا يخطئ".

نظام عائلة الأسد نظام مافيوزي (نسبة للمافيا) بامتياز، ويتمتع بكل سماته المافيوزية، بأسلوبها الأخطبوطي متعدّد الأذرع، ونظامها العائلي الذي يقوم على سلطة الأب، ومن ثمّ من يخلفه، ثمّ يعزّز ذلك من خلال المصاهرة؛ أضف إلى ذلك الفقر إلى الثقافة والتعليم مع الحرص على شراء الشهادات العليا أو سرقتها، وبجذورها الفقيرة التي تعوّض عنها من خلال الإثراء السريع عبر النهب ومراكمة الثروات من خلال استغلال السلطة واحتقار سيادة القانون؛ والسلوك المعادي للمجتمع، وهي السمة التي توحّد تقريبا الشخصية المافيوزية، وتكمل العناصر الأساسية للعقلية المافيوزية.

مشكلة النظام المافيوزي تكبر حين يستلم مقاليد العصابة رجلٌ ضعيف، محدود الأفق، كبشار الأسد، كان مثار سخرية عائلته، ومحطّ تنمّر أخيه باسل الذي قضى في حادث سيارة، واستعلاء أخته الوحيدة وسخريتها منه، وهي التي كانت ترى نفسها مؤهلةً أكثر لقيادة العائلة، لولا العقلية البطريركية. وإذا صدّقنا رواية سام داغر، كان باسل الأسد تنمّر على أخيه الضعيف والخجول 

"نظام عائلة الأسد نظام مافيوزي بامتياز، بأسلوبها الأخطبوطي متعدّد الأذرع، ونظامها العائلي الذي يقوم على سلطة الأب"الذي كان يختفي من نادي الفروسية كلّما رأى أخاه مقبلا.

غالبا ما يكون الشخص الضعيف أخطر، إذا تمكّن، لأنه يريد أن يثبت لنفسه وللآخرين العكس. والحال أن بشار الأسد فاق أباه دموية ورعبا وقتلا، بشكل أساسي لأنه يريد أن يزيل صورة الولد الخجول المدلّل الذي كان يستظلّ بأمه، ولا يلحظ أحدٌ وجوده، في حضور أبيه أو أخيه.

المافيوزية هي التفسير الوحيد لانهيار إمبراطورية آل مخلوف التي ما كنا نحسب أن يوما سيأتي ونراها تنهار، وهي التفسير الوحيد للمشهد الهازل الذي بدا فيه رامي مخلوف قبل أيام، وهو يستعطف ابن عمته، ويرجوه أن يأخذ قسما مما لديه ويترك له بعضه. في النظام المافيوزي لا وجود لحق في الملكية، فالمُلك كلّه لزعيم العصابة الذي يعطي من يشاء ويمنع عمّن يشاء. ولا يوجد لسيادة قانون يحدّد الحقوق والواجبات، ويضع الجميع سواسية أمام القانون، وتعود إلى نصوصٍ معيّنة لتبحث في الجريمة والعقاب، فالعرّاب هو القانون، وقوله هو النصّ، وكلمته هي الحكم القاطع والنهائي، فإذا كان هذا العرّاب مشوّشا وضعيفا وخاضعا لقوى خارج عصابته، باتت العصابة كلّها في فوضى، ولا يعلم أحد أيّ مصير ينتظرها، وينتظر من ورائها بلدا حَلَبَتْه وأنهكته وخرّبته، فتركته أرضاً يباباً.

ولذلك ما كان على رامي مخلوف إلا أن يرمي بكل ما لديه على المائدة، ويلعب آخر دور له في المهزلة السورية، ولسان حاله يقول "إما أن نغرق معا أو ننجو معا"، فيُظهِر نفسه بمظهر الضحية، ولم يرَ أفضل من أن يلبس لبوس الورع والتقوى، فيستعيد مرّة ومرّة كلمات مثل "كن مع الله ولا تبالِ" أو "لا حول ولا قوّة إلا بالله"، أو "العاطي هو الله"، ثمّ اختار أن يجلس على الأرض في وضع يذكّر بالمتصوّفة، واختار اللهجة الدمشقية التي يستعملها مشايخ الشام عادة، فبدا بذلك أقرب إلى الذئب الذي لبس ملابس الجدّة، ليخدع ليلى. غير أن ليلى السورية لن تُخدَع من جديد، فذلك عهد مضى وانقضى.

===========================

مخرج بوتين الوحيد

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 4/5/2020

أنكَر الروس باستمرار أنهم في سوريا لحماية الأسد، ودأبوا على القول بأن هدفهم محاربة الإرهاب، وغايتهم "حماية الدولة السورية"؛وعندما كان يُقال لهم إن هاجسهم الأسد الذي يحمي مطامعهم، كانوا ينفون ذلك؛ حتى عندماوصل الأمر بالبعض لاعتبار أن "شمس الحلفي سوريا تشرق من موسكو"، قالوا إن الحل سوري-سوري، وتملصوا من مسؤولية مايفعلون.

إذا كانت مكونات الدولة، التي يصرُّالروس على أنهم حريصون عليها، تتكون - كماهو متعارف عليه- من {شعب} تجمعه آمال وآلام ولغة وأرض وجملة من الأهداف المشتركة...، و- من {أرض} آمنة محميّة لكل أهلها، و- من{سيادة} وطنية مصانة؛ فأياً من هذه المكونات أو الركائز حرصت روسيا عليها؟ لا بد منا الإقرار بأنه إذا كان ذلك قد تحقق في سوريا، فيكونون على حق؛ وإن لم يتحقق، فعليهم أنيقبلوا بأن تواجدهم في سوريا كان احتلالاً (أوعلى الأقل انتداباً) غايته تحقيق مصالحهم متخذين من السلطة الأسدية ما يشبه "حكومة فيشي"، كي ينفّذوا مآربهم؛ وبذا عليهم تحمل تبعات الاحتلال بكل مسؤولياته تجاه المناطق المحتلة ومن عليها، أو أن يخرجوا، ويتركوا السوريين يتدبروا أمورهم بأنفسهم.

 لننظر بداية في القضايا التي كان لا بد أن تصونها روسيا، بناءً على تصريحاتها، بأنها في سوريا "لحمايةً الدولة السورية"؛ فنجد أن السوريين لم يتبعثروا، ولم يُهانوا، ولم يطالهم الوجع والعوز وغياب الأمن والأمان، كما هوحالهم الآن؛ وأن الأرض السورية لم تُستَبَح بقدر ما استبيحت من قبل دول وميليشيات وأفراد في هذه الفترة؛ وأن "السيادة السورية" لم تُنتًهًك بقدر ما انتُهكت بالعهد الروسي- ليسمن قِبَل تلك القوى، بل من روسيا ذاتها: فما معنى أن الروسي يدخل، ويخرج، ويأمر،ويوقّع، ويعيّن، ويزيح، ويعزل ما ومن يريد، دونأي اعتبار للسيادة السورية؟! أو عندما تستدعي روسيا "رئيس السيادة" بطائرة شحن، لتلتقيه كأي شخص عادي، فهل هناك ماتبقى من سيادة؟!

إذا كانت روسيا لم تكفكف دموع أُمٍسوريةٍ ثَكَلَت ابنها الذي قضى في معتقلات"الدولة" التي تحرص عليها، ولا أنجدت سوريةً يدنس شرفها الميليشيات التي تتحالف معها؛ وإذا كانت قد استخدمت قوة "الفيتو" لحرمان شعب هذه الدولة من العدالة والإنصاف، حتى عندما استخدم حليفها السلاح الكيماوي ضد شعبه؛ وإذا كانت هي ذاتها ساهمت بتدمير آلاف المباني وقتل الآلاف من هذا الشعب وتشريده؛ فكيف تكون حريصة على الدولة السورية؟!

من السذاجة اعتبار روسيا غافلة عن كل ذلك، ولكنها ربما اعتقدت بأن تزوير الحقائق، وتزييف الوقائع، والمكابرة قد يجعلها تتفلت من هكذا مسؤوليات. المفارقة، أن المستفيد الأساسي من تدخلها، والذي راهنت عليه في نجاح مقاربتها البائسة للقضية السورية، هو ذاته يخذلها؛ أحياناً مختاراً، عندما يحاول اللعب على المتناقضات، وأحياناً خارج إرادته، عندما يفشل في إدارة الفساد، ويرضخ للابتزازات الإيرانية، والميليشياوية، وتورمات مراكز القوى العائلية حوله (فهل يغفل السوري عن حوت المال القديم رامي مخلوف، والحوت الجديد أسماء بظهيرها البريطاني وتناقضاتهما وانفضاحهما أو مسرحياتهما التي لن ترمم ما ينهار)؟!.

أمام كل ذلك الفشل الذاتي والموضوعي؛وبعد أن اعتقد السيد بوتين أن القفز إلى الغنيمة السورية قد يخفف ملفاتها الثقيلة في القرم وأوكرانيا وجورجيا، وفي ظل اقتصاد روسي مهترئ، ومقاطعة غربية موجعة، وإغراءتركي ثمين، وتدهور في أسعار النفط، وكسادفي أسلحة ارتكبت روسيا أبشع الجرائم لاستعراضها وتسويقها؛ وأمام داخل روسي يتململ؛ لا بد أن بوتين- التكتيكي المتألق- قد قرر إعادة حساباته؛ وربما على رأسها وقف الاستنزاف السوري، الذي ربما قد يسحب قدمه إلى ما يشبه المغطس الأفغاني.

ولكن، ولكن، إذا كان بوتين يعتقد أنه قد حقق حلم القياصرة بالوصول إلى المياه الدافئة في المتوسط، وأنه يعوّل على سلطة عميلة له في دمشق تكفل سلامته من السواد الأعظم من السوريين؛ وإذا استمر ببهلوانياته من خلال شن حملة إعلامية روسية تظهر فساد سلطة دمشق وعجزها بدايةً، ومن ثم إعطاء أوامره لتلك السلطة في سوريا لاتخاذ إجراءات توهم السوريين وغيرهم بان سلطة دمشق قوية وقادرة على قمع الفساد بادئة برأسه الأكبر رامي مخلوف، وستنتقل إلى مفسدين آخرين ربما زوجة الرئيس أو أخيه ومن تحت حمايتهم مروراً ببعض مراكز قوى لإيران، بغاية إظهار رأس السلطة في وقت قادم كمخلِّص قوي نزيه جاهز لاستحقاق الانتخابات الرئاسية القادمة؛ فأنه بذا يثبّت على نفسه أولاً بأنه في سوريا لحماية الأسد حصراً، لاعتقاده الراسخ بأنه الوحيد الذي يحمي له مصالحه ومصالح روسيا في سوريا، وثانياً، سنراه يغوص في أخطائه أكثر. فذكاء بوتين لا بد يدلّه على أن السلطات العميلة أعجز من أن تحمي أسيادها، و لا بد لذاكرته أن تسعفه فيما إذا استطاعت حكومة"بابراك كارمال " أو "حفيظ الله أمين " العميلتين من حماية الجنود السوفييت من غضب المواطن الأفغاني العادي، ولا بد أنه يعرف بأن السوريين قد يعفوا ولكن لن ينسوا الفظائع التي ارتكبها الروس بطائراتهم وأسلحتهم ضد الأطفال والنساء والمدنيين؛ويدرك أيضاً أن السوريين وغيرهم يعرفون بأن الفساد والعجز والخلل والخراب في الرأس الأكبر و بمنظومته حصراً.

بوتين أمام اللحظة الحاسمة؛ إما أن يكون في سوريا سلطة انتداب تنغصها دولياً إيران وأمريكا وإسرائيل وتركيا، ونظام يلاحقه الكيماوي وقيصر والفشل والفساد والوهن والنقمة، وشعب سوري لن يسكت على الظلم والاستبداد؛ أو العودة إلى القرارات الدولية التي تنص على انتقال سياسي "بهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات"، لا وجود فيها لمنتسب أصلاً بكل هذا الوباء. صحيح "إن الخطايا القديمة لها ظلال طويلة، كما تقول الكاتبة البريطانية "أغاثا كريستي"، ولكن الرأي الصائب في اللحظة الحاسمة هو الذي يجعل المرء يتعظ من تجاربه وتجارب الآخرين السابقة.

ملحوظة لاحقة: إن التسجيل الأخير لرامي مخلوف يجعل أي لعبة روسية في تقديم الأسد كمخلّص شبه مستحيلة. ويبقى أمامه المخرج الوحيد: انتقال سياسي دون مَن تسبب بالوباء. هكذا يريح ويستريح.

===========================

في ذكرى شهداء الرستن أيار 2011

نجاتي طيارة

سوريا تي في

الاثنين 4/5/2020

كان شباب الرستن قد شاركوا في الاحتجاجات والمظاهرات السورية منذ أوائل شهر آذار 2011، سواء في مدينة حمص أو مع جارتهم القريبة تلبيسة، التي أهدوها قطعا من تمثال الرئيس الأب، عندما أحرقوه وحطموه ردا على اقتحامها وسقوط شهدائها الأوائل في أواسط نيسان، وتتابعت مظاهراتهم مطالبة بالإفراج عن محطم التمثال، الذي كان قد تم اعتقاله، ثم احتجاجا على فض اعتصام حمص وسقوط شهدائه، وتضامنا مع أهالي درعا، برز في إحدى مظاهراتهم هتاف: مكتوب على دراعنا، نحمي درعا برواحنا. أما أكبر احتجاجات الرستن فقد حدثت في أوائل شهر أيار، حين أقيم مهرجان خطابي في ساحة كبيرة على جانب الطريق العام الذي يفصل بين قسمي الرستن الشهيرين باسم الفوقاني والتحتاني. وهناك توالى إلقاء كلمات المنسحبين من عضوية حزب البعث الحاكم، لكن عندما تتابع المعلنون وزادوا عن المائة والثمانين منسحبا، أطلقت عليهم النيران من بناية للأمن العسكري تعلو تلة مشرفة على الساحة عن بعد، فسقط على الفور ثمانية عشر شهيدا، وما كان من أهالي الرستن إلا أن سارعوا إلى بيوتهم ومزارعهم، وجميعهم فلاحون وصيادون يملكون كثيراً من بنادق الصيد (الكسرية والبومبكشن) وربما غيرها، وقاموا باحتلال وتدمير جميع مراكز الأمن في المدينة، فيما عدا مقارّ الشرطة التي حيّدوها لعدم تدخلها سابقا. فصارت الرستن بكاملها حرة مؤقتا، لكن على وقع الحزن ودماء الشهداء. ثم أقاموا سرادقا كبيرا للعزاء بشهدائهم، الذين أضافوا إلى تعدادهم شهيدا سابقا، وهو ملازم من آل طلاس كان قد رفض الأمر بإطلاق النار على متظاهري درعا، فتم قتله من قبل رؤسائه.

وحدث في اليوم الثاني لذلك العزاء الكبير في الرابع من أيار، وقبيل اعتقالي بأسبوع، أن ذهبت إلى الرستن لتقديم واجب العزاء، وعندما طلب مني بعض الحاضرين الكلام، ارتجلت الكلمات، وفوجئت بعد أشهر طويلة من اعتقالي والإفراج عني، بأنها مسجلة ومتوفرة على اليوتيوب، وفق فيديوالرابط التالي:

ونظرا لأن جمهور العزاء قد تقبّلها كما هو واضح في الفيديو، وبدليل تردادهم لبعض الشعارات المتميزة التي ذكرتها. ولأنني أراها اختصارا موجزا لرؤية الثورة السلمية وبرنامجها، الذي لم يُسمح لنا بمتابعته، وقد تم اختطافها لاحقا، ثم ضاعت بين غياهب الأحداث، فأنا أنشرها تحية للرستن وشهدائها، وكوثيقة للتاريخ والذكرى على الأقل. وهي كما يلي:

السلام عليكم أيها الأخوة

المجد للشهداء، أسكنهم الله فسيح جنانه وغمرهم بواسع رحمته.

أيها الإخوة:

أرجوكم مزيداً من العقل، مزيداً من الهدوء.

دعونا نفكر ماذا سنفعل في الأيام القادمة، معركتنا ما زالت طويلة، علينا أن نصبر وننظم أنفسنا.

 لقد أمضيت حتى اليوم 68 عاماً لم أسعد بها حتى تحررت في ساحة التحرير (ساعة حمص) في يوم الاعتصام، لقد حررنا أنفسنا من جرائم الديكتاتورية، من جرائم 48 عاما لم يعرف العالم مثلها صمتا وتغطية على الاستبداد والفساد. لقد أخرسونا طوال تلك الأعوام وكانوا يقولون دوما: العدو على الأبواب، علينا أن نبعد المظهر المسلح عن ثورتنا، السلاح بين أيديكم لكن عند الحاجة للحماية فقط، أرجوكم أن تؤكدوا المظهر السلمي، يريدون لكم أن تُظهروا السلاح وينزعوا عنكم ذلك المظهر السلمي النبيل..

أرجوكم أن تفكروا بمستقبل سوريا، نريد سوريا الجديدة لجميع أبنائها، سوريا دولة حقوق الإنسان، سوريا للجميع، رددوا معي: الدين لله والوطن للجميع (رددوها معي مرتين).

حيّاكم الله، وأعاهدكم أنا الذي ولدت من أبوين عربيين مسلمين سنيين، وكان ممكنا لي أن أولد من أبوين مسيحيين، أو علويين أو كرديين، لكنني اخترت ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة انتمائي، اخترت هويتي وهي المواطنة السورية، بهذه المواطنة أرفع رأسي عالياً فأنا أبن سوريا، سوريا الجديدة. (أصوات غامضة......)

هم أفسدوا في الأرض (...... ) . لوّثوا روحنا، فلم نكن نجرؤ أن نتكلم مع أنفسنا، كان كل واحد منا منقسما على نفسه!.

 تتذكرون النكتة الشهيرة، التي تحكي قصة ولد، سأل والده وهما يصعدان إلى الباص، عما إذا كانت الصورة البارزة لمن كان يشتمه ليلة البارحة، فأنكره والده وصاح: لمن هذا الولد يا شباب!.

كان ذلك، ضمن مسيرة سنوات طويلة من الصمت كما تتذكرون. اليوم نهضتم أيها الشباب، أنتم مستقبلنا، نحن ذاهبون وأنتم ماضون في طريق سوريا الجديدة، وقد تعلمنا الدرس، الدرس العظيم: نسامح لكن لا ننسى، نسامح كي لا نغرق في ثارات وانقسامات، ولا ننسى كي نتعلم من أخطاء الماضي.

هذا هو الدرس العظيم لثورة جنوب أفريقيا: سامحوا الماضي وتعلموا منه.

سامحوا الماضي وتعلموا من أخطائه، لا تقعوا بها ثانية، لا تقعوا في أي حقد أو كره، تعلموا التضامن مع بعضكم، فنحن أبناء سوريا جميعاً، من جميع الطوائف والأديان والقوميات والجماعات، لم تحصل بيننا سابقا أية فتنة، ماعدا التي سببّها لنا الخارج وتجاوزناها والحمد لله عام 1860.

أيها الإخوة: يريدون تحويل طريقنا الى معارك فئوية، ونحن سنقول لهم لا، صدورنا عارية أمام أسلحتكم، لكن انتبهوا..انتبهوا مرة أخرى سنقف لكم بالمرصاد، كيفما هجمتم علينا، نحن ماضون في طريقنا سلميون، إن شاء الله، سلميون إن شاء الله ودوماً مع الشعب، مع الناس، مع المواطنة، وسلامي لكم.

===========================

حرب طائفية في قصر الأسد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 4/5/2020

تغلق أسماء الأخرس، زوجة الرئيس السوري بشار الأسد، فرص الاستثمار المشترك مع رامي مخلوف، ابن خال زوجها، وواجهة اقتصاد العائلة الحاكمة في سورية، معلنة الحرب عليه، لسحب آخر ما تبقى من رصيد السيولة من حساب شركاته، وتحويله إلى رصيدها في مستويات ثلاثة: الأول، مالي لضمان استمرار رفاهية عيشها، وتعزيز مكانتها في سلم السلطة. والثاني، للاستهلاك السياسي المحلي لترويج دعاية محاربة الفساد داخلياً، وتنفيس حالة الغضب الشعبي بسبب سياسة التجويع التي وضعت أكثر من 85% من السوريين تحت خطر الفقر. والثالث، رسالة سياسية خارجية، لتقديم نفسها ذراعا بديلة "سنّية" محتملة أمام حاجة روسيا لتقديم اسم يحمل تأشيرة (فيزا) القبول الغربي له، عبر جنسيتها البريطانية، وتنوع علاقات عائلتها هناك، وتشابكات والدها مع كبار رجال الأعمال في لندن، وهي، في الآن نفسه، تضمن لروسيا سياسة الولاء الكامل، كعهد زوجها سابقا.

قرأت أسماء الأخرس جيداً تطوّرات الأوضاع السورية دولياً، وهي تكاد تنفذ خطة الانقلاب الداخلي على عائلة الأسد "المرفوض دولياً"، وهذا ما جدّده، أخيرا، حديث المبعوث الأميركي ومسؤول العلاقات الدولية للشرق الأوسط، جيمس جيفري، في نقده الصريح السياسة الاقتصادية والإدارية الفاسدة للنظام السوري، مرحّبا بما يجري من "الكشف عن الإفلاس الأخلاقي الصارخ الذي يتسم به النظام السوري الحاكم والجهات وثيقة الصلة به"، ما يعني أنها بدأت فعليا بالحرب على الجهة الأكثر التصاقا بالنظام، وهي عائلة الأسد - مخلوف التي تهيمن على الاقتصاد والأمن والسياسة. وقد دفع هذا الأمر مخلوف الابن ليلجأ إلى الاستنجاد بالشارع العلوي تحديداً، والتلويح له عن بدء معركة سنية علوية داخل قصر الرئاسة، منبهاً، ومحذّراً في الآن ذاته، إلى أن بشار الأسد قد يميل إلى دعم زوجته على حساب عائلته وطائفته، ضمانا لاستمرار الحكم لأسرته الصغيرة فقط، ضد عموم مصالح الطائفة، في خطّة تنفذها الزوجة، يمكنها أن تسترضي روسيا اقتصاديا، وتؤمن لها استمراراً سلساً لمشاريعها، وفي الآن ذاته 

انقلاب أسماء الأخرس رسالة سياسية خارجية، لتقديم نفسها ذراعا بديلة "سنّية" محتملة أمام حاجة روسيا لتقديم اسم يحمل تأشيرة القبول الغربي لهتبتعد عن مواجهة مصالح إيران في حدود المتفق عليها إقليمياً ودولياً.

لجوء رامي مخلوف إلى الإعلان عن وجوده عبر تسجيل مصوّر، ليس بغرض الوساطة للتواصل مع ابن عمته بشار الأسد، فحتى عندما يرفض "الرئيس" لقاءه المباشر، فإن عشرات الأسماء الشريكة له يمكنها القيام بهذه المهمة الصغيرة، وخصوصا أن مصالح الأسد لا تزال مرتبطة به، وتتعامل معه يومياً، سواء كان الأسد يعلم بأنها مجرّد أسماء وهمية لعائلة مخلوف أم لا، ما يعني أن مخلوف الصغير، بهذا التسجيل، أراد أن يخاطب مريديه من العلويين، وينقل الخوف والذعر إلى مريدي الأسد من الطائفة نفسها، بأن "الأقرب يؤكل"، فما هو حال من هو أبعد منه مقاماً، وأقل منه سطوة داخل الطائفة العلوية؟ هذا السؤال هو الذي أراد أن يرسمه في عقول من يخاطبهم من فقرائهم ومحتاجيهم، ولكنه أيضاً ينقل من خلاله رسالة إلى كل رجال الأعمال بأن القادم هو حركة تأميم جديدة، تقوم بها سيدة قصر النظام تحت مسمّى الرسوم الضريبية.

ولعل رامي مخلوف أراد من ظهوره غير المنمق، والكشف عن طبيعته الحقيقية، وهو الذي يملك مؤسسات إعلامية ويوظف أهم كفاءات السوشيال ميديا في شركاته، القول إنه رجل لا يجيد فن الخطاب، يحاكي عقول بسطاء قومه، ليقول لهم: أنا منكم، أمثلكم وأتعرّض لحملة شرسة بسببكم، وأدافع عن 6500 عائلة قد تطيحها عدوتكم. ومن خلال ملامح "ورعة"، 

"خاطب رامي مريديه من العلويين، لينقل الخوف والذعر إلى مريدي الأسد من الطائفة نفسها، بأن "الأقرب يؤكل"، فما هو حال من هو أبعد منه مقاماً"يقول إنه ليس الشخص الذي يلجأ إلى الموت انتحاراً، وأنه لا ينوي أن يصيب رأسه برصاصتين، أو حادث سيارة محكم على طريق مطار دمشق.

وزيادة في حرص إمبراطور الاقتصاد على الإبقاء على أواصر الود مع ابن خاله الرئيس، ومنحه فرصة جديدة في التفكير بخياراته بين نجاحات الأمس، في ظل شراكته ووحدة الطائفة معه، وبين عثرات الواقع مع خطوات زوجته وأشقائها "الإصلاحية"، فإنه فرّق في التسجيل المصور بين "الرئيس" بشار الأسد واللجنة التي تديرها أسماء الأخرس، وذلك بهدف التركيز على أن المستهدف في الحملة العدائية عليه ليس شخصه، أي مالك شركات الاتصالات وغيرها، وإنما الاستهداف موجه إليه لأنه من الطائفة العلوية، بمعنى أن المحاكمة التي تديرها المرأة "السنيّة" في القصر هي ضد امتيازات العلويين، وما حصلوا عليه من امتيازاتٍ خلال خمسة عقود متتالية.

لقد استعان رامي مخلوف، في إدارة حملته ضد أسماء الأسد، بالسلاح الطائفي نفسه الذي استخدمته مستشارة بشار الأسد، بثينة شعبان، في بداية الثورة عام 2011، لتجييش العلويين ضد ثورة الشعب السوري. واعتمد النظام هذا السلاح الطائفي خلال عقد كامل من حربه على السوريين، لسوق شباب العلويين إلى حربٍ قتل فيها معظم فقرائهم على مذبحة الدفاع عن كرسي العائلة التي تمثل الطائفة كما سوّقها النظام، بعيد بدء الثورة السورية، الكرسي الذي 

"تكليف روسيا بملف سورية في حديث جيفري قد يجعل من هذه المرأة ورقة جديدة تساوم عليها روسيا أمام المجتمع الدولي"تسحبه اليوم أسماء الأسد من تحت الطائفة.

هل يقبل المجتمع الدولي الذي تديره الولايات المتحدة الأميركية أسماء الأسد بديلا عن زوجها الذي شاركته خططه الأمنية والعسكرية في قتل السوريين، وتعايشت مع اقتصاد الفساد عشرين عاما، بل شاركت في صناعته من خلال خططها الاقتصادية وأزلامها في الحكم، والتي أفقرت السوريين تحت مسمّى اقتصاد السوق الاجتماعي، وما نتج عنها من معاناة لعموم السوريين، وبروز طبقة جديدة من الفاسدين في ظلها، ومن بينها إحلال فساد مكان فساد عبر إحلال عائلتها (الأخرس) مكان عائلة والدة زوجها (مخلوف)؟

إعادة تجديد تكليف روسيا بملف سورية في حديث جيفري قد يجعل من هذه المرأة ورقة جديدة تساوم عليها روسيا أمام المجتمع الدولي، على الرغم مما يكشفه إعلام روسيا عن فسادها واستهتارها بمآسي السوريين، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنها الحل، ولكنها قد تكون بطاقة مرور لبشار الأسد للهروب من ملف محاكمة النظام على جرائم حربه ضد الشعب السوري، وقد تكون هي محور مناقشات جنيف التي تمدّد للنظام عاماً بعد آخر.

===========================

عن سورية التي يفتك بها الجوع

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 4/5/2020

أن تجوع بلاد كانت يوماً السلة الغذائية للمنطقة، ومشهود لشعبها بالنشاط والإنتاج، وتعتبر الزراعة فيها مهنة قديمة، وأكثر من ثلث شعبها يشتغل بالزراعة، وتملك أرضاً صالحة للزراعة بحجم مساحة الأردن تقريباً، فتلك معادلة فيها خلل كبير يستلزم إصلاحه، احتراماً لكرامة شعب بذل النفيس والغالي للعيش بكرامة.

مثل التصحر والجراد، يزحف الجوع يومياً ليغطّي مساحات جديدة من القطاعات الاجتماعية، ويقضم فئات وشرائح اجتماعية من قائمة الاكتفاء ليقذفها في أتون العوز، وترتفع الأسعار بشكل جنوني لا منطق له، ويصبح سقفها أعلى من قدرة أيدي الغالبية على الإمساك به.

تنازل السوريون عن كثير من عاداتهم الغذائية، انتهت ظاهرة الموائد العامرة التي كانت تتفنن النساء السوريات بصناعتها، حتى من أبسط العناصر والأصناف، لم تعد لا الجودة ولا تنوع المائدة وشكلها مطلباً للسوريين، غير أن ذلك لم يشفع لهم عند غول الجوع الذي يفرد أطرافه بدون وجل أو احترام لانكسار السوريين.

في عز أزمة الجوع، تأتي الأخبار من دمشق عن صراع آل الأسد ومخلوف على الفوز بثروات البلاد، ويشتري بشّار لوحة لزوجته بمبلغ 30 مليون دولار، زوجته التي تعمل على انتهاز الفرصة، فرصة جوع السوريين، لزيادة ثروات أبناء خالاتها وعمومتها، ويتحالف زوجها مع الذين أثروا من حربه على الشعب السوري، ويغضب "طباخ بوتين" لأن إيرادات مشاريعه في سورية أقل من المتوقع، فيما تطالب إيران بحصصها ومستحقاتها من "البوفيه" السوري المفتوح، ليذكّرنا هذا المشهد بالمثل الشامي "واحد طالعة مصارينه (أمعاؤه) والآخر يقول له أعطني قطعة لقطتي".

تكتمل عبثية هذه الوقائع، مع ظهور من يقول إن سورية "نظام الأسد" انتصرت على 

"مثل التصحر والجراد، يزحف الجوع يومياً ليغطّي مساحات جديدة من القطاعات الاجتماعية"المؤامرة، من دون أن يوضح ماهية النصر والمؤامرة، فإذا كان المهزومون هم ملايين أطفال السوريين الذين شرّدتهم هذه الحرب، وإفقار جميع السوريين، وخضوع الأرض السورية لاحتلال خمسة جيوش، وإذا كان الثمن لقمة السوريين، فلا بد أن يكون هذا المنتصر عدوا لدودا، أو أن هذه الـ"سورية" التي انتصرت هي من جنس الآلهة الإسطورية التي يتم إرضاؤها بملايين الأرواح قرابين!

المشكلة أن الثمن الذي يدفعه الشعب السوري هو استحقاق بقاء نظام العصابة في الحكم، والمشكلة أن هذه العصابة لم تكتف بكل هذا الدمار، بل تريد أن تبقى جاثمة على صدور السوريين حتى آخر نفس، ولم يشفع للموالين تضحياتهم وتقديم أبنائهم فداءً لهذه العصابة، حيث يرفض بشار تقديم أدنى تنازل لهؤلاء يخفّف عنهم هذا الشقاء والإذلال.

يرفض بشار الأسد مليارات إعادة الإعمار ورفع العقوبات عن سورية، مقابل عملية سياسية يكون هو أحد الشركاء فيها. قدّمت دول العالم تسهيلات هائلة للأسد، يمكن وصفها بالتدليل، لم يعد أحد يشترط حصول عملية انتقال للسلطة، ولا إقصاء الأسد عن السلطة، ولا إطاحة النظام 

"يرفض بشار تقديم أدنى تنازل للموالين كي يخفّف عنهم هذا الشقاء والإذلال"وسوى ذلك من مطالب، المطلوب، بعد أنهار الدم التي تدفقت عملية سياسية تشارك بها المعارضة، عملية تستطيع من خلالها الأطراف الدولية إيجاد مبرّر لتراجعها عن العقوبات ومساهمتها في تمويل مشروع الإعمار، ومساعدة السوريين على العودة إلى ديارهم والاستقرار في منازلهم بدل البقاء في مخيمات اللجوء وعلى حدود الدول.

يفاخر أنصار الأسد بأن معلمهم يرفض هذه المطالب، لأن قبولها نوع من التنازل، إعمار سورية وكرامة شعبها وإنقاذهم من الفقر والجوع تنازل، تنازل عن ماذا؟ ثم أية قيم تلك التي يمثلها بشار الأسد، ويدافع عنها، تشكل نموذجاً لا يجوز خدشه، أو التنازل عن أي فاصلة فيه؟ بشار الأسد يقدم تنازلات بالجملة لإسرائيل وإيران روسيا، لم يبق شيء لم يتنازل عنه، ثروات البلاد وسيادتها ومكانة منصب الرئاسة، الشيء الوحيد الذي يرفض التنازل عنه إذلال السوريين وإفقارهم.

يدفع السوريون الثمن الذي يجب أن تدفعه العصابة الحاكمة التي قتلت ودمّرت وسرقت، وفي وقت يتشهى فيه السوريون الملح، تعيش العصابة أنماط حياة فاجرة، حسب وصف صحيفة روسية، حيث يستعرضون السيارات الفاخرة والطائرات الخاصة، يتنافسون من يحصل على ثروات أكثر من خبز السوريين، ومن يرضي الروسي والإيراني أكثر، يبعثرون ثروات البلاد رشىً لطباخ بوتين والمافيات الروسية، ويتشاطرون على السوريين، يقدمون أنفسهم لهم على 

"تبعثر العصابة الحاكمة ثروات البلاد رشىً لطباخ بوتين والمافيات الروسية، ويتشاطرون على السوريين"أنهم أبناء قادة مقاومون، صنعوا أنفسهم بعصامية، وأصبحوا تجاراً مفوهين.

هذا الجوع السوري لا مبرّر له، فسورية الأسد لا تدافع عن مشروع وطني يستحق كل هذه التضحيات، بالأصل دمرت كل ما يتعلق بأي مشروع وطني عبر منحها ثروات البلاد مقابل احتفاظها بالسلطة، وخرّبت النسيج الوطني عبر ضربها مكونات الوطن بعضها لبعض، كما أن سورية الأسد ليست نموذجاً يُراد الحفاظ عليه والدفاع عنه، فلم تكن يوماً سوى جمهورية خوف وإذلال تحكمها عصابةٌ لا قيم ولا أخلاق لها، وهي ليست نموذجاً سوى للساديين وعديمي الضمائر.

المشكلة أن الجوع السوري بلا أفق ولا ضوء في نهاية النفق، الأمل الوحيد هو بإزاحة هذه العصابة عن صدر سورية، ولتكن ثورة جياع، وهي آتية، فالسوريون وإن كانت طاقتهم على الصبر كبيرة، فإن رؤية أبنائهم يتضوّرون جوعاً ستدفعهم لكسر جدران الخوف والدوس على رؤس العصابة التي أذاقتهم الذل والهوان

===========================

موقفنا : فذلكات أسدية .. وخيار الجوع أو المرض

زهير سالم

مركز الشرق العربي

6/ 5/ 2020

أتذكر من ولع بشار الأسد بالفذلكة أنه أول ما ورث السلطة ، وقيل له : متى ستجدد إعلام المزرعة الخشبي ، أجاب : بمقطوعة نثرية جميلة من الغزل بالخشب المرن المطاوع ... وكما يقول أصحاب الأمثال : من يوم يومك يا زبيبة ..

يوم الاثنين / 4 / 5 / وفي ظهور مفاجئ لبشار الأسد أمام الفريق الذي شكله لمتابعة أزمة كورونا ، يدير بشار الأسد ظهره للضجيج الذي يحدثه انشقاق ابن خاله وشريكه التجاري ، والذي يملأ الفضاء السوري ، ليقدم لنا الفذلكة التالية في تحديد استراتيجيته في التعامل مع الوباء ، والتي يقترحها على كل العالم أيضا ، تصديقا لقول عضو مجلس شعبه : إن سورية صغيرة على قيادته ، وإنه يجب أن يقود العالم .

يقول الأسد في الفذلكة المحدثة فيحاصر بشار الأسد السوريين بين خياري الجوع أو المرض ، أو الموت جوعا أو الموت بالوباء ويعلن تأييده المفتوح للخيار الثاني . وإليك مسيرة الفذلكة الأرسطية الجميلة :

نحن بين خيارين : الجوع أو المرض . ومواجهة الجوع حالة يقينية لا شك فيها ، والإصابة بالمرض أمر احتمالي . والجوع حالة مهددة لكل البشر ، ولكن المرض يصيب بعضهم فقط ,هذه ثانية . والثالثة - وكل هذا مستخلص ومنقول - إن نتائج الجوع إذا تمادى - وإذا تمادى هذه من عندي - حتمية ومعروفة ، بينما نتائج المرض ليست كذلك ، فكثير من الذين يمرضون يشفون ، ولكن لا أحد يشفى من الجوع ... ثم يزيدنا من الشعر بيتا ؛ فهناك وسائل كثيرة للوقاية من المرض ، ولكن لا وسائل للوقاية من الجوع ..

وبالتالي وبعد هذه الموازنات الفراغية الباردة يختار بشار الأسد المرض على الجوع ، وأن يفتح المصانع والأسواق والمساجد ، والمعارك أيضا ..فكلفة المرض أن يموت 10% آخرون من الشعب السوري ، وهذا لا يعني لبشار الأسد الكثير ..

الذي نسيه بشار الأسد هو أمر صغير جدا ، أن مسئولية الحاكم أن يحمي الناس من الجوع والوباء معا .. لا أن يشرح لهم أيهما أخطر ..

بشار الأسد وأبوه من قبله لا أطعموا السوريين من جوع ، ولا آمنوهم من خوف .. بل أجاعوا وخوّفوا .. وسيظلون يفعلون.

لندن : 13 / رمضان / 1441

5/6 / 2020

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

السوريون وثورة الجياع اللبنانية

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 2/5/2020

منذ بوادر الثورة اللبنانية قبل أكثر من عام تقريباً، وحتى الآن، والسوريون ينظرون إلى ما يجري في لبنان، على أنه انعكاس وربما امتداد لما جرى ويجري في سوريا، نتيجة العلاقات المتشابكة بين البلدين، فضلاً عن تدخل حزب الله في الشأن السوري على مدى عقد تقريباً، وهو ما انعكس سلباً على لبنان الذي يرفض بغالبيته مثل هذا التدخل، ويعتقد السوريون المؤيدون للثورة أن ما يجري في لبنان هو دفع لفواتير عمرها عشر سنوات من الحرب المشنونة عليهم، لمساعدة الطائفية الأسدية الحاكمة، وبدعم احتلالات أجنبية، وبالتالي فإن انهيار العملة اللبنانية، فضلاً عن شحّ الدولار في الأسواق، والذي يعزوه اللبنانيون أنفسهم إلى شرائه بشكل كبير من قبل الحزب، إنما هو كله تأكيد لروايتهم، كما يرون أن الحدث اللبناني اليوم هو نتيجة للثورة السورية، وليس سبباً لبنانياً خالصاً، وبغضّ النظر عن دقة هذا التصور من عدمه، فالثورات والانتفاضات اجتماعياً معقدة لديها أسبابها الداخلية والخارجية المتشابكة.

انتفاضة مدينة طرابلس التي ينظر إليها السوريون على أنها أقرب إلى المدن السورية، بقدر ما تشكل فرحة لديهم ضد نظام هو امتداد لنظام حكمهم في سوريا، بقدر ما تشكل أيضاً مخاوف وهواجس من أن يتم الاستفراد بها، والتضحية بها على غرار مجزرة حماة في سوريا عام 1982م، وما يجري للمدن السورية اليوم، وحتى على غرار ما حلّ بطرابلس في الثمانينيات على يد نظام الوصاية البعثي، غير أن ما أُطلق عليه ثورة الجياع، وهي تسمية مؤلمة لقلب كل عربي، قد شملت لبنان كله، مما أدى إلى تراجع وانحسار هواجس السوريين من إمكانية الاستفراد هذه. ليست مشكلة لبنان في حاكم مركزي هو رياض سلامة، وليست في رئيس وزراء هو حسان دياب، فالأول هو الحاكم المركزي منذ ربع قرن، وظيفته هي تنفيذ سياسات مالية للحكومات السابقة التي هي واجهة الأحزاب والميليشيات، فالمعروف أن السياسة النقدية هي تنفيذ لسياسة مالية حكومية، وبالتالي فتحميل سلامة مسؤولية انهيار المعبد اليوم مضحكة، ولا يمكن أن تنطلي على عاقل، بينما القيّمون على المعبد لربع قرن لم يترددوا في التجديد لحاكميته مصرف لبنان طوال تلك الفترة، دون أن يتهموه بحرف واحد، المشكلة في حقيقتها وجوهرها تكمن في من يريد أن يشد لبنان إلى حلف النظام السوري ومن خلفه، ويقطع لبنان عن عالمه العربي والعالم الذي يتنفس فيه، وبين فريق آخر يصرّ على العكس، في حين أن حلف النظام السوري هذا متمسك باستراتيجيته القديمة الجديدة، وهي النأي عن لبنان المغرم اليوم، بينما تربص ويتربص بلبنان المغنم بالأمس، وحين تحين ساعة أن ينشل لبنان من وهدته التي هو فيها، حيث تراكم عليه انهيار العملة، وشح الدولار، وجائحة «كورونا»، نراه كفصّ ملح قد ذاب، لا تسمع له همساً أو ركزاً.

من يرفع شعار المحاسبة لحاكم مصرف لبنان اليوم، بدعوى الشفافية والحيادية التي أتى بها رئيس الوزراء، هو نفسه من صمت على زجّ الآلاف من اللبنانيين في محارق الموت السورية، ولا يزال، وهو نفسه المتهم بترويج المخدرات في العالم العربي، يحصل هذا كله في الوقت الذي يقترب لبنان من الاحتفال بمئويته الأولى على قيامه عام 1920م، بينما يحبس أنفاسه أمام بلد لم يعرفوه ولم نعرفه من قبل، فبعد أن كان يوصف بالملهم، والمنارة، تحول إلى مكان موبوء لقتل جيرانه، وإيذاء آخرين عبر الترويج للمخدرات، وهو ما استنزف لبنان الجمال وقضاء العطلات الصيفية، موئل الأحرار الذين يجدون فيه متنفساً مع كل انقلاب عسكري حلّ في سوريا.

الكل في لبنان خاسر من هذه اللعبة الخطرة، لعبة عضّ الأصابع، لكن الأكثر خسارة وإيلاماً هو المواطن اللبناني المتضرر في معيشته اليومية، والمتضرر على المدى البعيد من خسارة سمعة لبنان على المستوى الداخلي والخارجي، أما التساؤل الكبير، تساؤل المليون: هل وصفة حكم المائة عام الماضية لا تزال صالحة للبنان ما بعد 2020؟!

===========================

روسيا والأسد

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 2/5/2020

لا يعلم أحد علم اليقين ما إذا كان الروس قد قرّروا حقاً التخلّي عن بشار الأسد، ربيبهم الذي قالوا، بلسان رئيسهم، إنهم يغزون سورية لإنقاذه والمحافظة على مؤسسات دولته، كأن هذه ليست من فرضه رئيساً، أو ليست من قتل وقصف وذبح وعذّب وأحرق ودمّر وهجّر، أو كأن علينا، نحن السوريين، أن نكون ممتنين لرئيس روسيا، بوتين، إن "سرّح" بشار وأبقى عليها، لتستمر في قمعنا وقتلنا، وفبركة بديل لبشار لن يكون خيراً منه، كما فبركوه هو رئيساً خلال دقائق في مجلس القطيع الذي يسمونه زوراً وبهتاناً "مجلس الشعب".

شخصياً، لو خيّرت بين التخلي عن بشار أو عن مؤسسات دولته، لاخترته مقابل التخلي عنها، لأنه سيكون مجرّد تافه من قشّ، وسيطرده أول عابر طريق من القصر، بينما مؤسسات دولته العميقة من جيش ومخابرات هي أصل البلاء، وما نسميه النظام، فإن بقيت كان معنى ذلك أننا هزمنا، وأنها ستواصل اقتلاع مجتمعنا من جذوره، لأنه العدو الذي في قضائها عليه ضمان سيطرتها، كما في قضائه عليها شرط بلوغ حقوقه وحريته، وما طالب به من عدالة ومساواة وكرامة إنسانية. إذا لم ترحّل مؤسسات الدولة الأسدية العميقة، وطرد بوتين بشار مقابل بقائها، فإننا نخرج مهزومين من الحل الذي يشاع أن العالم بدأ يفكر به.

هل هذه هي الصفقة؟ ربما. لا أحد يعرف بالضبط حقيقة موقف موسكو، وما يقال مجرّد شائعات ينشرها عادة من يطبخ طبخةً يعلم أن بلعها صعبٌ على من ستقدّم لهم، وأن تشويقهم بروائحها يساعده على إغرائهم بازدرادها، وإيهامهم بأنها ستكون شهية، وتتفق مع رغبتهم في ما يودّون تناوله، بعد أن كاد يقتلهم الجوع! وثمّة ملاحظتان تفرضان نفسيهما هنا:

أولاهما أن مسودة الدستور التي قدّمها الروس للمعارضة تتحدّث عن نظام غير مركز مغاير للنظام الأسدي، فهو اتحادي بجمعيتين تمثيليتين وحكومة برلمانية وانتخابات حرّة، وبرئاسة تتمتّع بعدد من صلاحيات الأسد الراهنة، في ما يتصل بالجيش والأمن، وتعيين كبار موظفي الدولة، فالرئيس في دستور موسكو طرفٌ مقابلٌ في توازن النظام الجديد، ومن صلاحياته المحافظة على مؤسسات دولته، مقابل إدارة الفرع المدني من النظام شؤونه، من دون أن تكون له سلطة على جيش ومخابرات، مجسّدة الدولة الأسدية.

ثانيتهما: أن سياسة موسكو الخارجية تلزمها برفض أي تغيير، مهما كان إصلاحياً بواسطة ثورة، مسلحة أو تستخدم وسائل غير دستورية. وبتأييد الإصلاح إن تم بوسائل سلمية، ولم يهدّد النظام الشرعي القائم. السؤال الآن، وقد شارفت "الثورة" المسلحة على نهايتها، هل يفكر بوتين في أن مرابطة جيشه في سورية ستكون مقبولة شعبياً، إن وافق على إصلاحٍ يعلم أن بشار يرفض المعارضة طرفاً آخر فيه، لذلك يفكر بالتخلي عنه، وسط شائعاتٍ عن صفقةٍ تحافظ دولياً على النظام، أي مؤسسات الدولة الأسدية في مقابل التخلي عمّن تصفه بالضعيف والفاسد؟

أثارت التسريبات الروسية غباراً كثيراً حول من أنقذته قبل نيف وأربعة أعوام، وبعثت التفاؤل بقرب تحقيق الهدف الذي ربط الشعب مصير ثورته به، أعني إسقاط بشار، علماً أن من المحتمل أن يكون الغرض من إثارة الغبار هو الحؤول بين السوريين ورؤية ما تخطط موسكو له على حقيقته. ولا يُنسى أن الروس أساتذة في مجال التضليل والكذب، ويحتمل جداً أنهم يطرحون الصفقة ليكون قبول السوريين بها ورقة ضغط في أيديهم على من سيدخلون بازار الحل في واشنطن وإسطنبول وتل أبيب وطهران، وإلا بلبلة الأجواء، كما يفعل التجّار الحاذقون قبل عقد صفقة رابحة، يقرّرون خلالها ثمن الخروف الذي سيضحّى به فيها، ويأمل ملايين السوريين أن يكون اسمه بشار الأسد ودولته.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com