العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-01-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مسلّة حافظ الأسد.. تمثال قاسم سليماني

يوسف بزي

المدن

الخميس 7/1/2021

كان مسلحو أحزاب "الحركة الوطنية" ومقاتلو "منظمة التحرير الفلسطينية"، ومن بعدهم "حركة أمل"، يعمدون حال استيلائهم على شارع أو زاروب إلى رشّ جدرانه بالدهان الرذاذي (سبراي)، باسم أحد شهدائهم: شارع الشهيد فلان الفلاني.

ومع الوقت، صار هذا "التكتيك" يدل على خريطة نفوذ هذه الميليشيا أو تلك. فيمكن لواحدنا أن يعرف أنه انتقل من حيز لـ"المرابطون" إلى حيز لـ"القومي السوري" بمجرد الانتباه إلى ملصقات صور "الشهداء" أو الشعارات التي تلوّث الجدران.

منذ التسعينات، وقد توقفت قافلة الشهداء، عمدت بقايا تلك الأحزاب والأخرى الوليدة إلى "تكتيك" الرايات، توزعها وترفعها وتعلقها داخل منطقة نفوذها (الشعبي والأهلي والانتخابي) وعند تخومها. وهذا التقليد مستمر حتى اليوم.

في التسعينات أيضاً، وقد تبدلت العقيدة السياسية للدولة، طمعت جماعات اليسار والممانعة بالارتقاء بفنها الرفيع هذا إلى مستوى رسمي، وراحت تطالب بإزالة أسماء الشوارع والساحات الأجنبية التي لا تتسق مع "عروبة لبنان"، واستبدالها بأسماء ثورية وعروبية وإسلامية. وبقليل من التسوية والتدبير الوقور صار شارع فردان مثلاً معمّداً باسم الرئيس الراحل رشيد كرامي. كما أن جادة الفرنسيين (عين المريسة) احتوت النصب التذكاري لجمال عبد الناصر رسمياً. وفي طرابلس حيث كانت حركة التوحيد الإسلامية قد فرضت اسم "ساحة الله" على ساحة عبد الحميد كرامي، كانت التسوية بإطلاق اسم ساحة النور شعبياً، والإبقاء على اسمها الأصلي رسمياً، كذلك الحفاظ على منحوتة اسم "الله" منصوبة وسط الساحة. وعلى هذه الأمثلة كانت تحولات أسماء الشوارع والساحات في المدن والبلدات اللبنانية.

المعضلة الفعلية آنذاك كانت في التعامل مع "الوصاية السورية" ونظامها البعثي الشغوف إلى حد الهوس باسم حافظ الأسد وصورته وهيئته الصنمية، وميله المرضي إلى نصب تماثيله أينما حلت سيطرة مفارزه العسكرية والمخابراتية. ويذكر اللبنانيون جيداً صور الأسد في صالات مطار بيروت مثلاً. والنظام السوري الذي لديه خبرة صعبة في حراسة تماثيل الأسد داخل سوريا، كان حذراً في تنصيبها كيفما كان بلبنان، فاكتفى بالقليل منها في البقاع خصوصاً والجنوب اللبناني أيضاً، وكان أشهرها تمثال باسل الأسد على صهوة فرسه في شتورا. وهو لم يشجع المتملّقين اللبنانيين على الإكثار منها، خوفاً من تعرضها للتشويه أو التحطيم وتحولها إلى أهداف للإساءة أو التلطيخ، فعمد المتملقون إلى إطلاق تسمية الأسد على مراكز اجتماعية وأندية أو قاعات حزبية في القرى.

وتبدت المعضلة السورية الشديدة الإحراج، حين طُرح مشروع "جادة حافظ الأسد" يتوسط مستديرتها تمثال له، عند منطقة بئر حسن – السفارة الكويتية، في عهد الرئيس رفيق الحريري، الذي وإن رضخ للتسمية، إلا أنه استطاع التحايل على نصب التمثال واستبداله بتعبير تجريدي: مسلّة حافظ الأسد. التي بدت بالنسبة للشطر الأكبر من اللبنانيين "خازوقاً" بشعاً، معبراً عن مهانتهم إزاء السيطرة الأسدية على بلدهم.

في العام 2005، ومع انتهاء الوصاية السورية، وتحطيم تماثيل الأسد وابنه باسل في الجنوب والبقاع، اضطرت المفارز العسكرية والمخابراتية السورية إلى توضيب بعض تلك التماثيل وشحنها مع قوافل الانسحاب.

بعد ذلك، دخل لبنان في طور نفوذ حزب الله، الذي كان يكتفي بترتيب "سينوغرافيته"، أسماءً وجداريات وملصقات ورايات، داخل "بيئته" الأهلية ومربعاته الأمنية، في الضاحية الجنوبية مثلاً، كأن يسمي شوارع "الشورى" و"القائم" و"سيد الشهداء" (على نحو غير رسمي)، ويحتفي بالتسمية الرسمية لأوتوستراد "هادي نصرالله" الذي شقّه وسماه رفيق الحريري شخصياً. وهذا كله كان معتاداً ومتسقاً مع التقليد الذي ابتدعته ميليشيات الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة أمل..

بعد العام 2006، ابتدع حزب الله أسلوباً أكثر منهجية وتنظيماً وتفنناً. فزرع على نطاق واسع وهائل جميع الطرق من ضاحية بيروت الجنوبية إلى الخط الساحلي، وانتشاراً في كل طرق الجنوب إلى الحدود، صوراً مؤطرة بالمعدن، موحدة الانتاج والقياس والطباعة، لألوف شهدائه، إضافة إلى صور الخميني وعلي خامنئي وحسن نصرالله، وعلى نحو بالغ الترتيب، وإن صعب وصفها بـ"الأنيقة" إلا أنها شديدة الاحتراف والاتقان.

كان ذلك تدشيناً لحقبة سياسية – عسكرية جديدة، تُعلن خروج حزب الله من فضائه الخاص إلى الفضاء العام، خروجاً كاسحاً ومهيمناً ويطمح إلى تسيّد المشهد البصري وتغيير صورة البلاد وهويتها على نحو عميق فائض الأيديولوجية.

النقلة "النوعية" كانت في فرض اسم "جادة الخميني" على طريق المطار: بوابة لبنان إلى العالم. كان ذلك أقوى بكثير من مجرد وضع صورة الأسد الركيكة الورقية على جدران قاعات المطار. كانت تسمية "جادة الخميني" رسمياً إعلاناً سياسياً لموقع لبنان ووجهته.

هذا "الانتصار" الرمزي سرعان ما شجع الحزب وبلدياته على التوسع أكثر، فكانت "جادة الشهيد القائد الحاج عماد مغنية"، ثم مقابل مستشفى رفيق الحريري شارع باسم المشتبه باغتياله، مصطفى بدر الدين. ويضاف هذا طبعاً إلى المجسم الضخم لقاسم سليماني عند خط الحدود الجنوبية، وحديقة إيران في مارون الراس، ومعلم مليتا لـ"السياحة الجهادية".

وطريق المطار الذي "ازدان" بصور عملاقة لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، بات –تعبيرياً- طريق لبنان إلى مساره ومصيره، وها هو يتجسد على نحو راسخ رسوخ تدشين التمثال المهيب والعابس لقائد فيلق القدس المقتول قاسم سليماني، في الغبيري، هناك متوسطاً عمران الرثاثة ومجتمع قوافل الشهداء المبتدئة عام 1975 وإلى قيام الساعة.

=========================

موقفنا : القصف الصهيوني الأول في الأسبوع الأول 2021

زهير سالم

مركز الشرق العربي

7/ 1/ 2021

وكانت دولة العدوان قد ودعت العام 2020 في أسبوعه الأخير بعمليتي قصف استهدفت الأرض السورية ، وهاهي اليوم تستقبل العام 2021 في أسبوعه الأول بعملية قصف جديد ..بشار الأسد وحلفاؤه جميعا ونقصد الروس والسليمانيين، الذين ينسقون عمليات القصف على أرضنا ، ليس في وارد أن يحموا من الأرض السورية مفحص قطاة.

ولكي لا يستمر مرير الجدل حول ، من المستهدف بهذا القصف ؟ ومن المقصود به ؟ نعيد طرح بعض التساؤلات ..

إذا كانت دولة "شعب الله المختار "جادة في حربها مع دولة " الولي الفقيه " ، وجادة في عزمها على منع القنبلة النووية السليمانية ؛ فلماذا ...؟؟؟

لماذا تجعل من الأرض السورية ساحة لتصفية الحسابات وعنوان عدوها معروف ومشهور ؟

 وإذا كانت دولة " الصهاينة " جادة في حربها على القنبلة النووية السليمانية فلماذا لا تستهدف المفاعلات النووية في مرابضها ،كما سبق واستهدفت المفاعل النووي العراقي عام 1981 ، والمجسم الهنغاري السوري في ريف دير الزور في 2007 ؟

وهل القصف على الأرض السورية قصف على البردعة أو نيل من ظهر الحمار كما يقولون ؟!!

هذا ليس تحريضا على الحرب ، وإنما تعليق على وقع العدوانات الصهيونية على الأرض السورية ، في الأسـبوع الأول من العـام 2021 ..

وكم سنشهد بعد هذا القصف من قصف ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

العدالة التصالحية ومسار انحدار المعارضة

عمر كوش

سوريا تي في

الاربعاء 6/1/2021

تراجع المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، عن استخدامه مصطلح "العدالة التصالحية" في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن، تحت ضغط موجة الانتقادات الواسعة التي قام بها معارضون وناشطون سوريون، ولم يجد بيدرسون سوى التذرع بـ"خطأ فني غير مقصود!"، والزعم بأن مصطلح "العدالة التصالحية" لم يستخدمه بعض أعضاء ممثلي المجتمع المدني (ولا يُعرف أي مجتمع مدني يمثلون)، وأنه أشار في إحاطته إلى "العدالة التعويضية في سياق الحديث عن السكن والأراضي وحقوق الملكية".

وبصرف النظر عن تذرع بيدرسون، فإن الخشية لتي أبداها سوريون كثر حياله هي من أن تكون إحاطته بمثابة محاولة لتمرير المصطلح واعتماده في وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالشأن السوري، بما يفضي إلى أن تتولى قوى دولية، مثل روسيا، البناء عليه كمنهج في مسار الحل السياسي، وإلى اجتراح مسار أو سلة للعدالة التصالحية تضاف إلى سلال المبعوث الأممي السابق إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، وذلك في إطار تمييع القضية السورية الذي تسعى إليه روسيا، لينتهي الأمر إلى اعتبارها قضية سوء تفاهم أو خصومة بين طرفين، تقتضي التصالح عبر عملية "تبويس الشوراب" بين نظام الأسد ومعارضة على الطريقة الروسية، تحضيراً لإشراكها في انتخابات النظام الرئاسية المزمع إجراؤها في العام 2021 الجاري. 

بعض أوساط المعارضة السورية في الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض، استغلت موجة الاستنكار، كي تزاود وتبالغ في ردة فعلها المستنكرة لاستخدام المصطلح التصالحي

واللافت هو أن بعض أوساط المعارضة السورية في الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض، استغلت موجة الاستنكار، كي تزاود وتبالغ في ردة فعلها المستنكرة لاستخدام المصطلح التصالحي السيء الذكر بدلاً من مفهوم "العدالة الانتقالية" المعتمد أممياً، وذلك في محاولة للتخفيف من تبعات الموجة الغاضية ضدها في أعقاب تشكيلها المفوضية العليا للانتخابات، والإيحاء بعدم تفريطها بما نصّت عليه القرارات الأممية، لكي تغطي على سقاطتها وتنازلاتها وتمييع مواقفها، التي بدأت منذ انخراطها في مدرجات الرؤية الروسية للقضية السورية عبر مسار أستانة وتبعاته اللاحقة.

 غير أن أوساطاً أخرى في المعارضة، والمقربين منها، خرجوا علينا ممارسين الحذلقة والتذاكي، للزعم بأن من استنكر محاولة تمرير مصطلح العدالة التصالحية لم يفهمه، كما لم يميز بين أشكال العدالة الانتقالية وأخواتها التصالحية والتعويضية، وأن كلاً من مفهومي العدالة التصالحية أو التصحيحية والعدالة التعويضية لا تتعارضان قانونياً مع مفهوم العدالة الانتقالية بل جزء منها. وكأن المطلوب هو التخلي عن العدالة الانتقالية، والتنصل من محاسبة مسؤولي نظام الأسد عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبوها بحق ملايين السوريين.

ولعل المستغرب والمستهجن أيضاً هو أن تنزلق بعض أوساط المعارضة السورية إلى طرف المدافعين عن النظام، عبر تقديمها مختلف المبررات والحجج والذرائع "الواقعية"، من أجل تسويق تنازلاتها وتمييع مواقفها، والتي بدأت باستيعاب هيئات المعارضة ممثليهم، خاصة ممثلي منصة موسكو، بل ودمجهم في صفوفها في مؤتمر الرياض2، وانخرطت قبل ذلك في مسار أستانة الذي اجترحته روسيا بعد إسقاط أحياء حلب الشرقية، وتمكنت من الفصل بين المسارين السياسي والعسكري، لتتولى مهمة قضم مناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل الواحدة تلو الأخرى، ثم انخرطت المعارضة في مخرجات مؤتمر سوتشي للحوار السوري 2018، من خلال مشاركتها في اللجنة الدستورية، معلنة قبولها اعتماد المدخل الدستوري بديلاً عن تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، واعتباره مدخلاً وحيداً في عملية التغيير السياسي.

 والمشكلة أن مسار انحدار مواقف المعارضة في الائتلاف الوطني وهيئة التفاوض لم يتوقف عند حدّ معين، لذلك فإن انخراطها في مفاوضات اللجنة الدستورية العبثية كان تتويجاً لسلسلة من التنازلات والسقطات المتتالية، وأفضى إلى دخولها في عملية تفاوض أو تسوية سياسية دون أسس أو محددات أو شروط، أهمها دون تحديد سقف زمني. والأدهى من ذلك كانت موافقة هيئة التفاوض على تفريغ دي ميستورا القرار الأممي 2254 من محتواه، عبر السلال الأربع التي اجترحها (الحكم الانتقالي، وصياغة الدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب)، وتلاعب بها، كي يتم البدء بالسلة الدستورية، نزولاً عند الإملاءات الروسية.

المعارضة تعي تماماً بأن السوريين لم يخرجوا في ثورتهم من أجل تشكيل لجنة دستورية، أو من أجل تعديل الدستور الحالي أو إعادة كتابته

ولا شك في أن اعتماد تشكيلات المعارضة على دعم بعض القوى الدولية وارتباطها بها، دفعها إلى الخضوع إلى مختلف إملاءات وضغوط تلك القوى المؤثرة، بناء على حسابات وتوازنات اللاعبين على الأرض والتجاذبات والمماحكات الإقليمية والدولية، وبالتالي فإن كل الكلام الذي ساقته كيانات المعارضة عن التمسك بالقرارات الأممية، بدءاً من بيان جنيف 1 لعام 2012 وصولاً إلى القرارين 2118 لعام 2013 و2254 لعام 2015، كان بمثابة مجرد كلام دون أي سند، لأن القرارات الأممية لم تقدم مسألة صياغة دستور جديد على عملية الانتقال السياسي. والأهم من ذلك هو أن المعارضة تعي تماماً بأن السوريين لم يخرجوا في ثورتهم من أجل تشكيل لجنة دستورية، أو من أجل تعديل الدستور الحالي أو إعادة كتابته ووضع دستور، ما يعني ببساطة أن القضية السورية ليست قضية دستورية، بل قضية سياسية، أساسها التغيير السياسي، بما يفضي الانتقال إلى نظام سياسي مغاير تماماً للنظام الأسدي، وبالتالي لا يندرج تشكيل اللجنة أو عملها ضمن القرار الأممي 2245، حسبما يزعم بعض المعارضين، لأن هذا القرار نص على عملية انتقال سياسي، غايتها تطبيق بيان جنيف-1 في حزيران/ يونيو 2012، وذلك عبر خطة مكونة من مرحلتين، الأولى تفاوضية مدتها ستة أشهر، وتنتهي بتشكيل هيئة حكم انتقالي شامل، وتنقل إليها كافة السلطات التنفيذية في سوريا، والثانية انتقالية، مدتها 18 شهراً، يوضع خلالها دستور جديد للبلاد وتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية.

ولعل التخلي غير المعلن عن جوهر القرارات الأممية، وخاصة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، يُتوّج مسار الانحدار الذي وصلت إليه مواقف المعارضة، وبالتالي ليس مستغرباً أن تظهر محاولات تسويق العدالة التعويضية والعدالة التصالحية بدلاً من العدالة الانتقالية، وذلك بعد أن تمّ تعويم اللجنة الدستورية المسخ، المشكلة من قبل الأطراف الدولية والإقليمية الخائضة في الدم السوري، وأغلبها يهمها مصالحها التي ترى في نظام الأسد ضامناً وحيداً لها.

=========================

حتى لا يكون عام 2021 عام الأسد

موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 6/1/2021

في اليوم الأخير من العام المنصرم لتوّه، جاء في صحيفة «الوطن» السورية التي كان يملكها رامي مخلوف، تايكون الاقتصاد الأسدي المطلق سابقاً، حتى صراعه مع رئيسه: «كعادته وكما عرفه السوريون حضر الرئيس بشار الأسد إلى جانبهم ومعهم، وهم يعملون من جديد على بناء ما دمره أعداؤهم، وهذه المرة عبر زراعة أرضهم، التي أحرقها مرتزقة لا ينتمون لها، مرسلاً المزيد من الرسائل عن الشجرة التي نغرسها في الوطن فتنبت حباً. الرئيس الأسد فاجأ الفرق التطوعية لطلبة سوريا، التي كانت تقوم بعمليات تشجير في حرش التفاحة بالدريكيش، وحضر برفقة عقيلته السيدة أسماء، وأبنائهما حافظ وكريم وزين الشام، ومعهم باسل شوكت ابن شقيقته، إلى مكان التشجير الذي سبق وتعرض للحرائق».

جاء ذلك الخبر بصيغة دعاية انتخابية، ما أعاد تذكيرنا بقوة بأهم ما يمكن أن يتعرض له السوريون – فوق ما حصل لهم حتى الآن – وهو انتخابات رئاسية لتجديد وتمديد رئاسة بشار الأسد، تتمحور حولها السياسات السورية والروسية منذ فترة من الزمن، مع الغياب الحالي للسياسة الكبرى. كان يمكن للمرء أن يتناول مع نهاية عام وبداية آخر، أهم ما كان أو ما يمكن أن يكون، وتغري كثيراً حالة الوباء وطغيانه، مع أخبار طفو المعركة الانتخابية الأمريكية فوق الوضع الدولي، وما شكّلته السياسات التي قادها دونالد ترامب من ظواهر تنذر بتشكيل عالم جديد، أو تدارك ذلك، ولو إلى حدود معقولة.

قوّض المحتلان الروسي والإيراني، ما كان للأسد من شرعية كاذبة، بسيطرتهما على المرافق العامة وكلّ ما للدولة من خصائص في استقلالها

إلّا أن استفزاز مسألة الأسد يفرض علينا، نحن السوريين، على الأقل مواجهتها، ابتداءً من على الورق. ليس هنالك من شرعية لرئاسة الأسد منذ 2011 ومهما كانت مرجعيتها، سوف تتآكل حتى خيالاتها، في حالة مضيّه في إعادة ترشيحه وانتخابه. وهي مهما كانت شكلية لا تضيف جديداً إلى واقع الحال، كما يمكن أن يقول البعض؛ إلّا أنها أيضاً مهمة لصاحبها، وليس هنالك من لا يأبه بشرعية ما لسلطته وصورته، مهما كانت درجة طغيانه واستبداده بالأمر. قد تأتي الشرعية من التقاليد التي يحافظ الناس عليها، حين تستحكم بهم وتأسرهم بعد طول ممارسة للسلطة على نسقٍ محدّد، ومع أشخاص بعينهم، أفراداً أو عائلاتٍ أو نخبة أو فئة، عشيرة كانت، أم طائفة، أم عصابة معمّمة. ولا ريب في أن أيّ شيءٍ من هذا القبيل قد تبخّر في الأعوام الأخيرة، بعد أن أنهت الثورة أثر تلك التقاليد، وما يتداخل معها من» قوة العادة» والعجز عن احتمال التغيير، وصدمته المجهولة المفاعيل. ولكن ذلك أيضاً قد تلاشى، وصغرت تلك الدائرة المعرّضة لتلك الظاهرة، حتى لدى قريبين من مركزها ورئيسها.. وتدهورت الأحوال حتى بدأ البعض يقولون» لا يمكن لأيّ تغيير أن يؤدّي إلى الأسوأ، لأننا في الحضيض».

يمكن للتاريخ أن يهب بعض شرعية مطلوبة، حين تكون هنالك «منجزات» كبيرة وعملية، كخلق مكانٍ للبلد في المنطقة والعالم، أو النصر في حروب خارجية كبرى، تؤمّن الحماية للدولة والمجتمع من الأخطار الخارجية، أو بناء اقتصاد مزدهر، وتنمية لا تأكلها النيران – كما فعلت- وهنا، لو كان لأبيه شيءٌ من ذلك مهما اعترض معارضوه، فليس للابن منه إلّا الكاريكاتير والمسخرة.. وليست لديه في هذا حتى إمكانية تقديم الوعود.

وقد تأتي الشرعية للمستبدّ خصوصاً من كتب التاريخ ومن «الغلبة». وهذه منطقة أثيرة للنظام ومربط فرسه، منذ قال وزير دفاع الأب قديماً وبصراحة مذهلة: «لقد أخذنا البلاد بالبندقية، ومن كان قادراً على أخذها منّا بالبندقية فأهلاً وسهلاً» أو ما هو من هذا القبيل. وتكفي نظرة لتوزّع القوى، ليس في المناطق الخارجة تماماً عن سيطرته، كما في الشمال بشرقه وغربه، بل في مناطقه ذاتها، بعشرات أو مئات العصابات المنفردة – وأحياناً المنفلتة- وتشتّت الجيش «العربي السوري» وتهلهله إلى ما يشبه تلك العصابات.. إضافة إلى جماعات أكثر انضباطاً، ولكن لأوامر الغير في إيران، أو روسيا، أو أيّ مكان آخر.. ليس هنالك «غلبة» إلّا بمقدار ما تسمح تلك الفوضى لفلول النظام بالتسلّط واللصوصية والقمع أو القتل.. وليست تلك «غلبة» ابن خلدون، ولا هي خيالٌ لها. أمّا الشرعية «الرسمية» من حيث الاعتراف الدولي رسمياً بالنظام، فلن نعود له ولحساباته، إلّا لنقول إن عشرات الدول ربما تتحفّظ على سحب اعترافها، ولكن لنذكّر هنا بأن الجامعة العربية وأوروبا وشمال أمريكا، لا شائبة في اعتراضها على الأسد ونظامه، اعتراضاً ليس شكلياً أبداً، مهما جاءت أنباءُ مناقضة لذلك من هنا أو هناك. ولا يمكن اعتبار محاولات البعض للركوب على النظام حالياً لأهداف عابرة أمنية، أو مستقبلية تتعلق بعوامل جيواستراتيجية، أو بإعادة الإعمار؛ اعترافاً فعلياً به وبشرعيته.

ليست لدى بشار الأسد شرعية كذلك النوع القديم، كالذي تكوّن لدى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية – الولي الفقيه – علي خامنئي أيضاً، مهما اعترضنا على منطق الحقّ فيها: الشرعية الدينية، ولا ضرورة للتفصيل في افتقار بشار لذلك بأي شكلٍ وعلى أيّ الجانبين يميل. وبالطبع، ليس هنالك، ولن يكون، لبشار شرعية صندوق الاقتراع الحديثة، المعروفة العناوين والعناصر، وليترك اللاجئين والنازحين ينتخبون بحرية، وليترك أهله أنفسهم ينتخبون بحرية مع الناس العاديين البسطاء من دون إسار الرعب و»التشبيح».. وليترك للأمم المتحدة والمجتمع المدني الدولي أن يشرفا على الانتخابات.. مع أن ذلك قد «يخدش» السيادة الوطنية، وصلح ويستفاليا ومعاهدة فيينا، وحتى تفاهمات يالطا أيضاً. وربّما يكون واحداً من مصادر الشرعية، مهما كانت منقوصة أو جزئية، الاعتماد على ولاء أقلية عرقية أو عشائرية أو دينية أو طائفية، بشكلٍ متماسك عسكرياً ومدنياً وطائفياً غير متخلخل. وقد نجح هذا الرجل ببعثرة إرث أبيه، وَقلَب على نفسه طائفته التي كان أبوه سابقاً، وهو من بعده، يعتبرانها الحصن والملاذ.

لقد أدّت سياساته إلى خسارة «طائفته»- وليست كذلك على الإطلاق – لمئات الآلاف ربّما من شبابها، وهي في ذلك تختلف حتى عن خسارة «خصومه» لمئات الآلاف من كلّ الأعمار ومن الجنسين. لقد استطاع بشار أن يورّط من اج\تمعوا حوله، ويودي بهم إلى الدمار والهلاك، الذي لا يختلف كثيراً عن هلاك ودمار من ثاروا عليه ومن قاتلوه.. وفي ظروف العوز الخانق، ونزيف الدماء المستمر، واسوداد الأفق وانسداده، لم يبق لبشار مما كان لديه إلّا القليل، الجاهز للانفضاض عنه أمام أي عملية سياسية، وإسهام دولي لائق ومقنع فيها. ومع العقوبات الدولية التي زادت من ضيق الخناق على النظام، وحشرت محاولات شرعنته في الزاوية؛ ومع تطوّر المحاسبة الدولية وقضايا الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها، التي سوف تكون على أي طاولة يتمّ التحضير لها، خارج تلك الطاولات الحالية البائسة العاجزة، ومع تضييق «قانون قيصر» حتى على داعميه من بعد، وانهيار العملة وتحليق الأسعار التي سوف تعيد تخليق الشجاعة لدى الناس الموجودين في مناطق سلطته؛ ومع زيادة الضغوط للإفراج عن المعتقلين، وأعدادهم تقارب المئة ألف أو أكثر.. ومع ميزانية جديدة هي الأقل حجماً، والأكثر تدجيلاً في تاريخ سوريا الحديث.. مع ذلك كلّه ليس من شرعية لإعادة انتخاب الأسد، لا شكلاً ولا مضموناً.

وربما قبل أيّ شيء آخر، لا شرعية لحكومة عميلة لمحتلّ، إيرانياً كان أم روسيا ً(وهذا لا ينطبق على النظام وحده بالطبع، ولا على إيران وروسيا وحدهما أيضاً). ولا ننسى أيضاً كيف قوّض هذان المحتلان، ما كان للأسد من شرعية كاذبة، من خلال سيطرتهما على المرافق العامة، وكلّ ما للدولة من خصائص في استقلالها، ومن ذلك تكبيلها بعقود تمنع ذلك الاستقلال لعشرات السنين المقبلة، ولا تحترمها حتى كشريك أصغر. ونسمع منهما في الوقت نفسه تكريساً لشرعيته حين يتعلّق الأمر بشرعنة وجودهما ومستقبله، ونيلاً منها حين يكون الحديث عن دور كلّ منهما الحاسم في الحفاظ على النظام وضمان استمراريته.

تبقى مهمة النخب السورية المعارضة وغير المعارضة، الرسمية والشعبية والمدنية، هي جعل ذلك أكثر صعوبة، وإغلاق الأبواب على تمرير ذلك الأمر.. وكذلك لجم شهيّة الانتهازيين لانتهاز الفرص الرخيصة، على التعامل معه وكأنه باب إجباري لا بدّ من سلوكه.. وتشجيع حيائهم على الأقل، أو حذرهم وخوفهم من غضب الناس والتاريخ.

كاتب سوري

=========================

عندما يبحث الأسد عن شرعية في صندوق الاقتراع

سعد كيوان

العربي الجديد

الاربعاء 6/1/2021

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة انتقالية ضبابية، ومحفوفة بالمخاطر، تتنازعها أكثر من ساحة قابلة للانفجار في أي لحظة، من سورية إلى لبنان وإلى إسرائيل، ومن فلسطين إلى العراق إلى اليمن. وهي كلها ساحاتٌ مفتوحةٌ تحرّكها إيران، مباشرة أو عبر أذرعها الممتدة، كالأخطبوط في ثنايا تركيبتها السياسية والاقتصادية والديموغرافية، وفي نسيجها الاجتماعي. إلا أن القيادة الإيرانية تنتظر بفارغ الصبر ولوج جو بايدن عتبة البيت الأبيض لتتنفس الصعداء، بعد أن أذاقها دونالد ترامب الأمرّين من الحصار الاقتصادي والعقوبات خلال سنوات عهده الأربع، وبالأخص في السنة الأخيرة، إذ سدّدت الإدارة الأميركية ضربتين قاصمتين لنظام الملالي، باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي كان يتنقل في طول العالم العربي وعرضه محرّكا مليشياته المتعدّدة الجنسيات لـ"تصدير الثورة الخمينية"، والثانية بتصفية أبي القنبلة النووية الإيرانية، محسن فخري زاده، في وضح النهار في قلب طهران نفسها. ولن يأمن الملالي شرّ ترامب، ما لم يتأكّدوا من مغادرته الرئاسة، إذ إنه مستعد لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، ولو في آخر يوم له في البيت الأبيض. وكان الرئيس الأميركي قد وضع نصب عينيه، منذ لحظة انتخابه، تحجيم نفوذ طهران الإقليمي، وإعادتها إلى داخل حدودها، قبل أي هدف آخر إقليميا ودوليا. وقد أعلن ترامب يومها أنه غير معني بإسقاط بشار الأسد، وإنما بإخراج القوات الإيرانية من سورية. ولكنه احتفظ بالقوات الأميركية في شمال سورية، وقام قبل أيام بتعزيزها على خط الحدود السورية - العراقية، عند معبر التنف الذي تسعى إيران إلى تكريسه طريقا استراتيجيا لعبورها إلى ضفاف المتوسط وصولا إلى بيروت. وقد تحوّل سلاح العقوبات خلال كل هذه الفترة إلى عامل ضغط سياسي واقتصادي ومالي وعسكري فتاك وموجع، وتم تعميمه على كل الساحات، من العراق إلى سورية إلى لبنان، وهو مستمر، على الرغم من الأسابيع القليلة المتبقية لترامب في البيت الأبيض، فقد فرضت أمس الخزانة الأميركية عقوباتٍ جديدة استهدفت هذه المرة البنك المركزي السوري، وأصابت كيانات وأفرادا من ضمنهم زوجة بشار الأسد التي تمكّنت، من موقعها رئيسة لمؤسسة الأمانة السورية للتنمية، من التسلل لتصبح عضوا في اللجنة الدولية للتحكيم واختيار المواقع الأثرية من التراث العالمي التي توضع على قائمة يونسكو، وقد اعتبرت هذه الخطوة بمثابة محاولةٍ لإضفاء نوع من الشرعية للنظام في المحافل الدولية. 

أحلام الأسد ستبقى مجرد أوهام، لأن حسابات القيصر الروسي بوتين مغايرة، لأنه لا يملك ترف إضاعة الوقت، بعد المغامرة الأكثر كلفةً بالنسبة لموسكو سياسيا وعسكريا وماديا واستراتيجيا

أما وقد تحوّلت الساحة السورية إلى مجموعة ساحاتٍ للمواجهة، ليس فقط بين طهران وواشنطن، وإنما أيضا مع موسكو وأنقرة وتل أبيب، وتحسبا للنهج الذي سيسلكه الرئيس الأميركي المنتخب، بايدن، ولما سيتخذه من قرارات، وهو كان قد أعلن مواقف مناهضة للنظام السوري، وكذلك لتركيا أردوغان، فإن الأسد يسعى الآن إلى استباق التطوّرات، محاولا استخدام الحلفاء - الأوصياء عليه، لكي يفرض إعادة التجديد له رئيسا للمرة الرابعة منذ عام 2000 في الانتخابات الرئاسية المقرّر إجراؤها في الربيع المقبل خيارا لإيران وأمرا واقعا لروسيا التي ما زالت تراهن عليه ورقة للتفاوض مع الولايات المتحدة، وللجم، في المقابل، اندفاعة الجار التركي اللدود في شمال سورية. وهذا يتناقض طبعا مع مضمون قرار جنيف الأممي 2254 الذي يلحظ عملية انتقال للسلطة، ثم إجراء انتخابات حرّة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، أي خروج الأسد من المشهد السياسي السوري. ولكن كيف يمكن إجراء انتخابات ذات حد أدنى من المصداقية، في ظل بلد محتل من خمسة جيوش تتنازعه وتتقاسمه عمليا إلى مناطق نفوذ وسيطرة برّية وجوية؟ 

يعيش الأسد حالة من الإنكار ويتصرّف وكأنه ما زال يمسك بالسلطة في عموم سورية، لا أسيراً لدى من يحميه ويبقيه على كرسي قصر المهاجرين في دمشق، لا سلطة له لا على الجنوب، ولا في الشمال. إنه يبحث اليوم عن شرعية مزعومة في صناديق الاقتراع، وليس عبر المبايعة أو الاستفتاء كما جرت العادة في سورية البعث، وفي ظل كل أنظمة الاستبداد في المنطقة العربية عقودا، فهو الآن يجهد في تحضير حملته الرئاسية، مرتكزا على عوامل ثلاثة، أولها، بطبيعة الحال، الأمني، بإعادة تشكيل القطاعات العسكرية التي بات ولاء بعضها لإيران وبعضها الآخر لروسيا، وقام بتعيين قائد جديد للقوات الخاصة، مستعينا بأبناء الحرس القديم. والعامل الثاني هو الإعلام الذي يحاول استمالته وتوظيفه عبر الاستعانة بإعلاميين غير سوريين، وبخاصة لبنانيون يدورون في فلك محور الممانعة، في محاولةٍ لإبعاد شبهة تبعيتهم للنظام. والعامل الثالث الأهم والمفصلي هو خوف الأسد من أن تؤدّي الانتخابات الرئاسية التي يحاول أن يجدّد شرعيته منها، إلى أن تجعل منه رئيسا على جزء من سورية، في ظل عدد من مناطق النفوذ الخارجة عن سيطرته، كمناطق الإدارة الذاتية، وفي الشمال حيث تسيطر تركيا، وكذلك في الجنوب، فأرسل وزير خارجيته الجديد فيصل المقداد إلى موسكو، ليقنعها بمساعدته في منع إجراء الانتخابات في شمال غرب سورية وريف إدلب، وفي الجنوب، وفي المناطق الكردية التي تسيطر عليها وتديرها "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد). ويبدو أن النظام يحاول إغراء الوصي الروسي بأن يختار المرشح المعارض لمنافسة الأسد على الرئاسة، تمهيدا منه ربما بأن يصبح هذا المنافس رئيسا لمرحلة ما بعد الأسد. 

تحوّلت الساحة السورية إلى ساحاتٍ للمواجهة، ليس فقط بين طهران وواشنطن، وإنما أيضاً مع موسكو وأنقرة وتل أبيب

ولكن أحلام الأسد ستبقى مجرد أوهام، هذا إذا لم تتحوّل إلى كوابيس، لأن حسابات القيصر الروسي بوتين مغايرة، لأنه لا يملك ترف إضاعة الوقت، بعد المغامرة الأكثر كلفةً بالنسبة لموسكو سياسيا وعسكريا وماديا واستراتيجيا، لتدخلها في الشرق الأوسط. كما أنه عندما قرّر التدخل العسكري قبل خمس سنوات لإنقاذ الأسد لم يكن يراهن عليه، ولا على نظامه المتهالك، وإنما كفرصة تسمح له في استعادة دور الاتحاد السوفييتي السابق، وتثبيت رجليه في بلد استراتيجي بالنسبة لنفوذه في المنطقة، فيما كان رئيس أعظم وأقوى دولة، باراك أوباما، يتردّد في خياراته، ثم يقرّر الانسحاب من أي دور في سورية، مفضلا توقيع الاتفاق النووي مع إيران في صيف 2015، أي قبل تدخل روسيا العسكري بشهرين. ثم جاء ترامب ليقلب الأمور رأسا على عقب، ويعيد الاتفاق النووي إلى نقطة الصفر، ويفرض واقعا جديدا ليس على بوتين فحسب، وإنما على خلفه في البيت الأبيض، فإيران اليوم محاصرة بالعقوبات واقتصادها ينزف، على الرغم من نفسها الطويل. وانتقل العراق، مع حكومة مصطفى الكاظمي، إلى تحت المظلة الأميركية، ولبنان، الذي يتخذ منه حزب الله قاعدة ومتراسا، مشلولٌ ومكشوفٌ من دون حكومة منذ نحو خمسة أشهر، وهو اليوم على شفير الانهيار. أما النظام السوري فهو محاصر بعقوبات وقوانين مقاطعة ومحاسبة تقطع أوصاله وتحبس أنفاسه بين "قانون قيصر" الذي يفرض عقوبات على الجهات والأشخاص الذين يتعاملون مع النظام أو يقدّمون له أي مساعدة، و"قانون ماغنيتسكي" الذي يخوّل الحكومة الأميركية فرض عقوباتٍ على منتهكي حقوق الإنسان. أما السيادة فهي برّا موزّعة بين روسيا وأميركا وتركيا وإيران، وجوا لإسرائيل. وقد أصبح الجزء الذي يحكمه بشار لا يوازن ثقل جولة من جولات التفاوض القادم بين موسكو وواشنطن التي تريد أن تضع ثقل الملالي في الميزان!

=========================

سورية .. بدائل وخيارات

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 5/1/2021

أولاً، تخطينا في سورية، منذ فترة غير قصيرة دور الحلول الجزئية في إصلاح أوضاع ما نسميها الثورة التي نتحمّل جميعنا، وإن بأقدار جد متفاوتة، المسؤولية عمّا آلت إليه من أحوال كارثية، يزيد من فداحتها التخبط والافتقار إلى الأفكار والأدوات والوسائل الضرورية لإخراجنا مما وصلنا إليه، ولامتلاك القدرة على تقرير ما يجب أن يرتبط بإرادتنا من شؤوننا الخاصة، سواء كنا أعضاء في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أم لم نكن، علما أن الذين يعلنون، منذ فترة، الرغبة في إصلاحه يقصرون جهودهم على جوانب تقنية، لا تطال مشكلاتنا ومشكلاته الحقيقية، بل تتجاهلها، وتقفز عنها.

وتخطينا، كذلك، زمن الحلول الترقيعية، وتلك التي تريد سدّ نواقص هنا وإزالة عيوب هناك، لاعتقاد أصحابها أن العمل الوطني السوري يعاني من شوائب وحسب، ولا يواجه أزمةً بنيويةً عميقة ومستفحلة تخترق تعبيراته وتمثيلاته كافة. هذه المحاولات الترقيعية هي جزء من عجزنا الفاضح والكارثي ومن أزمتنا، على الرغم مما قد يكمن وراءها من رغبةٍ في تحسين أداء "مؤسسات المعارضة"، ومن شعورٍ بخطورة واقعها الذي ينحدر بها يوميا من سيء إلى أسوأ. ومع أن هذه المحاولات العبثية تكرّرت غير مرة خلال الاعوام الخمسة الماضية، فإن الفشل كان دوما بانتظارها، بما أنها سعت إلى إصلاح مؤسسة تمثيلية تقاوم بنيتها، وآليات اشتغالها، ويتناقض وجود ودور بعض أصحاب القرار فيها مع تغييرها بإصلاحها، بعد أن هيمنت الأمة عليها، بجهودهم بالدرجة الأولى، خلال قرابة عقد، حتي خال معظم من فيها أن وضعها الطبيعي، وأن ربطها بممارساتٍ وأهدافٍ تتناقض مع الوطنية السورية وهدف الحرية، يغنيانها عن وضع برامج وخطط واستراتيجياتٍ تعبر عن هويتهما الجامعة، فلا عجب أن بقيت الثورة من دون مرجعية تحظى باعترافٍ داخلي وخارجي، وينضبط بالقيادة التي تتولى تطبيقها حقل ثوري موحد سياسيا وفي إطار مقاومة الأسدية، كرّس غيابه غربة العمل المعارض عن ما يفترض أنه حامله المجتمعي، وتعبيره المطابق الذي يلتزم بمواقفه وخياراته، وأدّى غيابه إلى تبعية "الائتلاف" والمعارضة، تبعية تزايدت باضطراد لجهاتٍ وعلاقاتٍ أبعدتها أكثر فأكثر عن وظيفتها الوطنية، وقيدت حركتها.

ثانياً، على الإصلاح الجدّي الانطلاق من واقعنا الراهن، الذي يتعين بعاملٍ غير مسبوق في علاقات الحكام بالحاكمين خلال تاريخنا الطويل، عاملٍ نوعي يطرح علينا تحدّياتٍ لم نعرفها من قبل، ولا خبرة لدينا في التعاطي معها، هو استهداف الأسدية مجتمعنا وتدميره بطريقةٍ تتخطّى السياسة إلى وجوده، بدعم من روسيا وإيران، ونجاحها، بالتعاون مع تيارات الأسلمة المتطرّفة، في تقويض وحدته وهويته كمجتمع انهارت علاقاته الداخلية، وحكمتها تناقضاتٌ فئويةٌ داميةٌ وثأرية. هذا المآل المرعب يحدّد ما علينا القيام به للتصدّي لنتائج هذا الاستهداف التي تتخطّى أي تنظيم سياسي، أو تيار حزبي أو ديني، سلمي أو مسلح، وتطوي صفحة سورية الوطن ومجتمعها، وينوء شعبنا بمختلف فئاته، وعلى جانبي الصراع، تحت وطأة ما نجح في إنتاجه من كوارث حلّت بها جميعها، وستحول دون عودتها إلى ما كان لها من أوضاع طبيعية، بسبب ما تعرّضت له من تهتك عميق وتدمير مدروس، هنا وهناك، عند المعارضة والسلطة.

تخطّينا زمن الحلول الترقيعية، وتلك التي تريد سدّ نواقص هنا وإزالة عيوب هناك، لاعتقاد أصحابها أن العمل الوطني السوري يعاني من شوائب وحسب

لما تقدّم، لا بد من القول: إن ما يخرجنا مما نحن فيه لا يمكن أن يكون خطوةً جزئيةً أو ترقيعية، وأن يقتصر على فئة من السوريين دون غيرها. ويلزمنا بابتداع أدوات عملٍ عام لحقل سياسي تختلف ويختلف عمّا سبق لنا أن عرفناه منهما، فيه وعي ضرورتهما وبرمجة دوريهما وحدهما تجاوز كارثةً لن ننجح إن اقتصر تصدّينا لها على وضعها الراهن، ولم نواجه كذلك احتمالاتها المستقبلية التي تتراوح بين تكريس نتائج التدمير الراهن عبر رفض روسيا السماح ببلوغ حل سياسي، لتعارضه مع الوضع الراهن لما كان مجتمعا سوريا، وبتسويةٍ سياسيةٍ من غير المعقول أن تكون "المعارضة" طرفا فيها، بعد أن غيّب من كان يُفترض أنها تمثله من سوريين، وغدت جهةٌ قليلة الشأن في تناحر فئاتٍ لم يعد يجمعها جامع وطني. باستحالة الحل الذي ينطلق من أبعاد عابرة للأزمة الراهنة، تتصل بتكوين مجتمعٍ ودولةٍ يراهن الروس والأسد على جعل عودتهما إلى وجودهما السابق ضربا من الاستحالة، واستحالة تسويةٍ تعبر عن تطلعات السوريين وحريتهم، يبقى الحل القائم على استمرار النظام في ظل الاحتلال الخارجي الذي يحمي إنجازه الرئيس "تدمير مجتمعه". ويضمن دوام سلطته في إطار محاصصاتٍ دوليةٍ وإقليمية كانت خياره الدائم منذ بدأت الثورة، وأنقذته عامي 2012 و2015، وشاركته في تدمير المجتمع السوري، والقضاء على وطنه، ويريد لاحتلالهم أن يدوم إلى زمنٍ تقول اتفاقاته مع روسيا إنه سيغطّي نصف القرن المقبل، في أقل تقدير، بينما سيكون نصيبنا، في أي خيار قادم، بقاؤنا تحت ركام ما كان مجتمعنا، بعد أن فشلت جميع أحزابنا وتنظيماتنا وتياراتنا السياسية والمدنية، ومؤسساتنا المدنية في إقامة وضع يؤسس، أول الأمر، شيئا من التوازن بيننا وبين أعدائنا، ومن القدرة على إقناع العالم بضرورة تغيير مواقفه من قضيتنا، بما أن مصالحه لن تتحقّق إلا بقدر ما يعترف بحقوقنا وحريتنا، فإذا نحن عجزنا عن بناء ذاتنا بما يمكّننا من مبارحة وضعنا الحالي، تلاشى القليل الباقي من دورنا، واكتمل ارتهاننا لقوى إقليمية ودولية تفيد من ضعفنا، وترى فينا أداةً ستتخلى عنها متى وجدت أنه لا نفع لها فيها.

لا خيار لنا غير بديل إنقاذي يستهدف وضعنا الذاتي، على أن يبدأ بالتمثيلات الحزبية والمدنية والمقاومة .. إلخ

إذا تأملنا ما حدث خلال الأعوام القليلة الماضية من تقاسم طال بلادنا بين واشنطن وموسكو، وأنقرة وطهران وتل أبيب، وحال دون التوصل إلى الحل الذي تحدث عنه بيان جنيف 1، وقرارا مجلس الأمن 2118 و2254، كان علينا الاعتراف بأننا أمام خطر الاستسلام من دون قيد أو شرط لأعدائنا الداخليين وللغزاة الروس والإيرانيين، وللأمر الدولي والاقليمي الذي لا نستطيع تحدّيه أو تغييره بوضعنا الذاتي الراهن، وبما نمارسه من سياسات، ونمتلكه من علاقات وقدرات. تُرى، ماذا يبقى لنا، من الآن فصاعدا، غير إعادة نظر جدّية، شاملة وعملية، في أوضاعنا، بما هي الخيار الوحيد الباقي لنا، على الرغم مما فيه من تعقيد، ويتطلبه من تخطٍّ لحال الشلل والتشتت، ولدورها الخطير في ما آلت إليه إحدى أعظم ثورات التاريخ، ثورة الحرية التي نهض بها شعبنا، وضحّى بكل شيء من أجلها.

ثالثاً، لا خيار لنا غير بديل إنقاذي يستهدف وضعنا الذاتي، على أن يبدأ بالتمثيلات الحزبية والمدنية والمقاومة .. إلخ، ويفعلها في أطرٍ جديدة، ويُلزمها بأسسٍ توحيديةٍ تتعيّن بدلالة الصراع بيننا وبين الأسدية على مجتمعنا الذي لا يجوز أن يكون لدينا أي هدف يسمو على إعادة وحدته وتحصينه ضد سياسات الأسدية والغزاة الأجانب، والعمل لتحويله إلى قوة حسمٍ في صراعنا من أجل حريتنا ودولتها، على أن يكون مدخلنا إليها بناء ميزان قوى بما لدينا من قدراتٍ معطّلة وتحتاج إلى تفعيل، يسمح تفعيلها ببلوغ تسويةٍ سياسيةٍ تكبح خطط الأسدية والروس والإيرانيين، المبنية على الإمعان في تحطيم ما بقي من مجتمع سوري، بما على البناء الذاتي توفيره من مرجعيةٍ ترى نفسها بدلالة الوطنية السورية وأسسها الجامعة، ولا ترى وطنها ومجتمعها بدلالاتها التنظيمية والأيديولوجية الجزئية والضيقة، وتغلّب تناقضها العدائي مع الأسدية الذي لا يحل بغير تغلب، على ما كان بينها من خلافاتٍ بينيةٍ لطالما حوّلتها إلى تناقضاتٍ عدائية، في حين حوّلت تناقضها مع الأسدية إلى خلافٍ مجمد أو مؤجل الحل. لن تخاطب هذه المرجعية السوريين، جميع السوريين، بغير صفتهم الحقيقية شعبا واحدا، وليس طوائف وفرقا ومزقا متناحرة مقتتلة. ولن تتعامل معهم بغير منطلق الالتزام المطلق والمعلن بحقوقهم وبالدفاع عنهم وعنها. وستمد يديها لهم بوصفهم مواطنين يتساوون في حقوقهم وواجباتهم، لكل واحدٍ منهم ما لغيره وعليه ما عليه، فلا تمييز ولا إقصاء ولا أحكام مسبقة ولا فئوية ولا مذهبية، ولا خدمات مذهبية مجانية للأسد، لأنه من دون إعادة الشعب السوري إلى موقعه حاملا للصراع من أجل حريته، لن يكون بناء ميزان القوى المطلوب ممكنا، ولن يعيد داعمو الأسدية النظر في مواقفهم، ولن يُحسب حساب الثورة في أي حل أو تسوية، بعد أن أخذ جميع المتدخلين حصصهم من بلادنا، حتى ليمكن القول إنه لن يبقى لنا منها شيء، إن نحن فشلنا في تغيير وضعنا الذاتي بتثويره، على جميع مستوياته القيادية والقاعدية.

من دون إعادة الشعب السوري إلى موقعه حاملا للصراع من أجل حريته، لن يكون بناء ميزان القوى المطلوب ممكنا، ولن يعيد داعمو الأسدية النظر في مواقفهم

رابعا، إذا ما قرّر المتصارعون الدوليون والإقليميون تكريس حصصهم عبر حل، فإننا سنواجه وضعا انتقاليا معاكسا لما أقره بيان جنيف والقرار 2118 من "انتقال ديمقراطي"، وسنشهد في أفضل الأحوال نمطين من الانتقال لصالح الأسدية وحماتها الغزاة، يقوم كلاهما على العائد الاستراتيجي الذي يترتب على تدمير المجتمع وشطبه من حسابات وعلاقات القوى والسياسة، وما سينتجه ذلك من أوضاعٍ لا محلّ ولا دور فيها للأفراد والجماعات، إلا بما ينسجم مع استقرار الأسدية واستمرارها في طورها الجديد: جهة تهيمن بمفردها هيمنة مطلقة على بلادنا ومن يعيشون كعبيد فيها. ومن يودّ معرفة الاسدية في طورها الجديد، فليراقب ما تفعله في مناطق "الهدن والمصالحات الوطنية"، حيث للقتل والإخفاء القسري والموت تحت التعذيب ضحايا يوميون، فإن كان هناك تسوية تنطلق من موازين القوى الراهنة، لهذا السبب الدولي أو ذاك، فإن جهود الأسد وداعميه ستدفع بها نحو ما أسميتها "الأسدية في طورها النوعي الجديد"، حيث هي السلطة والدولة والمجتمع والمجال العام... إلخ، بينما يجب أن يكون هدفنا تحسين وضعنا الذاتي إلى الحد الذي يجعل الاحتمال الأول صعبا، والثاني فرصة تمكنّنا من مواصلة نضالنا من أجل حريتنا، وصولا، ذات يوم لا ندري متى يأتي، إلى ما اعترفت لنا القرارات الدولية به من حقوق، كالحق في إقامة نظام ديمقراطي لن نراه إذا فشلنا في بناء وضع ذاتي يعجز الآخرون عن تخطّيه، لأنه سيواجه من جديد مجتمعا يمتلك خططا تكفلت بإعادة ترميمه وتوحيده، وإحضاره موحدّا إلى ساحة الصراع.

المقترحات. .. البديل الأول:

أولا، لا حاجة لبراهين على واقعة أننا نفتقر إلى قوة ديمقراطية أو إسلامية أو قومية أو مدنية أو مستقلة، تستطيع إسقاط الأسدية بجهودها المنفردة: اليوم أو في أي يوم. هذه الحقيقة تقول أمرين: أن تمثيلاتنا السياسية لم تخدم ثورتنا، بسبب أوضاعها الذاتية التي أثبتت عجزها عن خدمتها، وأن واقعها هذا لا يترك لنا خيارا غير الخروج من الفشل بابتكار صيغة أو صيغ تنظيمية وسياسية تمكننا من حشد قدرات شعبنا وتوحيدها بطرق غير مسبوقة أو مجرّبة، يمليها علينا الانتماء الوطني من جهة، والتصميم على إسقاط الاستبداد من جهة أخرى. قلت في فقرة سابقة إن هناك احتمالين مستقبليين علينا مواجهتهما، يتطلب كل منهما إعادة نظر جذرية سبل تعبئة وتنظيم قدراتنا السياسية التي يجب أن تنجم عن قرار تتخذه أحزابنا بتجميد أنشطتها محض الحزبية والضيقة، التي عجزت عجزا فاضحا عن تحدّي الأسدية، وفشلت، على الرغم من الثورة المجتمعية الهائلة، في إنتاج ما كان مطلوبا منها من برامج وخطط ضرورية لبناء هيكلية سياسية، موحدة واندماجية في علاقاتها الداخلية ومواقفها المضادّة للأسدية التي يجب أن تتخطّى العمل الجبهوي، وتنتج عكس ما أنتجته متفرقة عشرة أعوام مضت، وتدرأ عن السوريين ما سيأتي به حل سيبنى على أنقاض مجتمعهم، بينما كان على الذين مثلوهم وادّعوا قيادتهم إعادة إنتاج أدواتهم الحزبية والسياسية انطلاقا من الوضع الذي كان يعد بكسر قيود الأسدية التي لطالما شلّت قدراتهم.

بصراحة: أحزابنا وتنظيماتنا، التي لا ينكر منصفٌ نياتها الوطنية وعداءها للاستبداد، لن تنجح في تحقيق ما تعد به، إن بقيت محكومةً بتبعثرها وعجزها، وهي ستزول تماما، إنْ بقي عملها السياسي فئويا، ولعله لفت نظرها أن تصاعد النشاط الشعبي لم يعزّز أوضاعها بل همشها. لذلك، لن يكون تجميد نشاطها الحزبي الضيق، واندماجها في كيانية وطنية تتجاوز أوضاعها الراهنة، تخليا عنها كأدوات صراع فاعلة، بل سيكون تخلّيا عن أدوات عاجزة وفي طور التلاشي، تتربص بها كارثة لن تنجح في صدّها إن حافظت على حالتها الراهنة، ولم تنتقل إلى حالٍ تتجاوز نفسها من خلالها، تجمعها على هدفٍ واحد، هو انتقالها إلى تنظيم تشاركي وديمقراطي، قيامه شرط تجاوز المجتمع السوري واقعه الراهن لأول مرة في تاريخه، عبر تنظيم وطني تعدّدي، لكنه، في الوقت نفسه، اندماجي، أسوة بالأحزاب التي حملت رسم "المؤتمر الوطني"، وقادت نضال شعبها من أجل الاستقلال وطردت الاستعمار من بلدانها، على أن يتم اختيار قيادته الموحدة وأمينه العام بالتناوب، من صف شبابٍ يتمتعون بالمعرفة، تزوّدهم جهاتٌ استشاريةٌ بما يكفي من خبرةٍ في حقول السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة، ويضم كل معادٍ للاستبداد وعامل للخلاص منه، بعيدا عن أيديولوجيته ومذهبه وانتمائه السياسي، فردا كان أو تجمعا، ليبدأ بذلك العمل من أجل البديل، وتبرز الجهة التي ستقوده، بطابعها الوطني القادر على إخراج "المعارضة" من تيهها الشامل، ولإدراج مجمل أوجه وجوانب العمل العام في برامجها، وصولا إلى:

أولا، توحيد النخب التي نشأت قبل الثورة وبعدها، وبدل أن تتّحد حول نقاط ثقل سياسية وبرنامجية، تفرقت أيدي سبأ، وخلت أكثر فأكثر من نقاط استقطاب وتفاعل تتمحور حولها، وتتكفل بتفعيلها، وها هي تتناحر حول كل كبيرة وصغيرة، وتلتقي اليوم لتتباعد غدا، وتحل ما توجهه من مشكلات بالكلام، وتثقل على الشعب المضحي بما تنخرط فيه من بؤس، مع أنها قد تكون إحدى أكبر قوى الثورة وأكثرها تأثيرا وفاعلية.

أحزابنا وتنظيماتنا، التي لا ينكر منصفٌ نياتها الوطنية وعداءها للاستبداد، لن تنجح في تحقيق ما تعد به، إن بقيت محكومةً بتبعثرها وعجزها

ثانيا، بناء ساحة خارجية للثورة تستكمل ساحتها الداخلية المتجدّدة، وما تشهده من تطورات إيجابية تتيح لها النشاط في إطار دوائر إعلامية وسياسية وقانونية ومالية وثقاقية، لكل دائرة منها مكاتب تغطي بلدان انتشار السوريين، ومندوبين في التشكيل السياسي الموحد ودوائره القيادية والتوجيهية.

 ثالثا، توحيد تنظيمات المجتمع المدني، الناشطة في الداخل خصوصا، ويتسم عملها بالجدّية والقبول الشعبي، لاتصالها بالناس خدميا ووطنيا. هذه التنظيمات يمكن أن تتسع لتضم تشكيلات نخبوية عديدة وفئات متعلمة ومثقفة تلعب دورا وازنا في إحياء الحراك السلمي والمدني في بلدان اللجوء أيضا، وفي الداخل السوري بجميع مواقعه: من البحر إلى حدود العراق، ومن حدود الأردن إلى حدود تركيا.

هذا التحول في وضع الثورة الذاتي سيدمج ويوحد أول مرة في تاريخنا تمثيلات سياسية ومدنية متنوعة، وسيلزمها بعمل دلالته الوحيدة حاضنته المجتمعية الموحدة وطنيا، التي سيعظم قدراتها التكامل بين ساحتي الثورة المنظمة والعفوية، الداخلية والخارجية، القيادية والقاعدية، السياسية والمقاومة، وسيبقي شعلتها وهاجة، ومطالبها راهنة وضاغطة.

البديل الثاني: إن كان البديل الأول مستبعدا، لأسباب منها الأنانية الحزبية، والافتقار التاريخي إلى الخبرة الضرورية للعمل الثوري في سياقه العام، فإنه سيكون باستطاعة الأطراف الحزبية والسياسية والمدنية إقامة "جبهة وطنية" تجافظ على تنظيماتها، لكن قيادتها المتوافق عليها تنسق أعمالها وتوحد خططها، لتحقيق هدفين استراتيجيين: مواصلة المعركة ضد الاستبداد، بغض النظر عن حل الصراع الراهن أو تسويته، والدفاع عن جميع فئات الشعب من دون أي تمييز بينها، وعن حقها في إقامة نظام ديمقراطي بديل للأسدية، التزاما بالخطوات الجبهوية التالية:

 أولا: إجراء حوار معمق ومخلص حول أسس خطط تحدّ من الخلافات السياسية القائمة بين الأحزاب، وتبني قراءات مشتركة لاستراتيجية العمل في المرحلة الراهنة، تحول دون بروز اجتهاداتٍ لدي أي منها، تسهم في تفريق ما بقي لدينا من حاضنة مجتمعية، والإبقاء على تناقضاتها وخلافاتها في الحقل السياسي الخاص بها والعام. بتخطي الفرقة والخلافات في مرحلة أولى، وبإزالة ما يترتب عليها من تباين في القراءات والمواقف حيال القضايا السورية، ومن أحكام مسبقة تعمّق الهوة القائمة منذ زمن طويل بين التيارين، الديمقراطي والإسلامي، وأثبتت حقبة ما بعد الثورة أن أحدا لم يفد منها غير الأسدية، لكونها لم تساعد أيا منهما على إحداث تحوّل، مهما كان بسيطا في ميزان القوى مع السلطة، أو لوقف تدهور الثورة، وكبح ما شهدته من تراجع حثيث في أوضاعهما وقدراتها.

إقامة حكومة تحافظ على علاقات الحقل السياسي الجبهوية يبقى الخيار الأفضل بعد قيام النظام الديمقراطي الذي تجب حمايته من تناقضات وصراعات خطيرة

ثانيا: الانتقال من طور الخلافات والتباينات العبثية الراهن، الذي يجب أن تزول بفضل التوافق على العمل الجبهوي وأسسه، إلى مرحلة ثانية ينضبط العمل خلالها بقرارات هيئاته القيادية المشتركة، التي ستقود المرحلة التوافقية بحد أدنى من تباين حسابات الأطراف الجبهوية وخياراتها، بالاستناد إلى ما تمت بلورته من برامج وخطط جبهوية على الصعيدين، النظري والتنفيذي، تنظم شراكتها وتلزم تنظيماتها بما بينها من أعمال موحدة، وتزيل نقاط ضعفها التي لطالما جعلتها لقمة سائغة للأسدية، وعزلتها بعضها عن بعض، وعزّزت مآزقها، وغلبت دوما تمسكها بانتماءاتها الذاتية محض الحزبية، قليلة الفاعلية بالنسبة لانتمائها الوطني الذي كان عليها رؤية نفسها بدلالته، بدل رؤيته بدلالة وضعها الخاص، الضيق والجزئي، الذي قيد مقاومتها للاستبداد قبل الثورة، وأضرّ جدا بحاملها المجتمعي بعدها، وكرّس رهانين متعارضين لها، قال أحدهما بالحرية والديمقراطية، والآخر بالدولة الدينية، فكان من الحتمي أن يلعبا دورا خطيرا في ما آل حالها إليه من مآزق، وأن يسهما في تنافسهما على السلطة، بدل تركيز جهودهما على تعبئة قدرات الشعب الثورية وتقنينها، واستخدامها لمواجهة ما اعترض سبيلها من عقباتٍ فشلت في تخطيها. هذه المرحلة، الثانية من البناء الجبهوي، يجب أن تتأسّس على أعظم قدر من الوحدة ضد الأسدية، والإرهاب والتطرّف، وأن تتعين بتوافقات سياسية وتنظيمية لا رجعة عنها، بغضّ النظر عن نهاية الصراع في سورية، فإن كان لصالح الأسدية حافظت أطراف الجبهة عليها وبقيت موحدة، وواصلت نضالها من أجل هدفيها الاستراتيجيين السابق ذكرهما. أما إذا جاءت التسوية متوازنة، كان عليها توطيد نضالها الموحد من أجل النظام الديمقراطي الذي ستدخل بعد قيامه في مرحلة ثالثة، ستلي تغيير النظام، وستمكّنها من استعادة وضعها الحزبي الخاص، إن كان ذلك لا يُفضي إلى تهديد النظام الجديد. عندئذ، سيكون باستطاعتها التقدّم منفردةً إلى الانتخابات البرلمانية، والانفراد بتشكيل الحكومة، من دون التخلى عن التزامها لأي سبب وتحت أي ظرف بالأسس التي نهضت عليها رؤيتها الجبهوية الوطنية في المرحلة الأولى، وضبطت نضالاتها المشتركة في المرحلة الثانية، بالنظر إلى أن استقرار الدولة وشرعيتها سينضبط بهذه الأسس التي ستغدو أسسا ما فوق حزبية للدولة، وستبقى فوق تباينات الساحة السياسية وخلافاتها، وما ستشهده من قراءاتٍ حزبيةٍ متنوعة، وربما متباينة، لها، وما قد يترتّب عليها من خلافاتٍ محتملة لا يجوز أن تتخطى الإطار الحزبي وتبلغ الصعيد الدولوي، ما فوق الحزبي، الذي سيتكفل بضبط قراءاتها المختلفة باختلاف البرامج الحكومية والحزبية.

لا داعي للقول إن إقامة حكومة تحافظ على علاقات الحقل السياسي الجبهوية يبقى الخيار الأفضل بعد قيام النظام الديمقراطي الذي تجب حمايته من تناقضات وصراعات خطيرة، يرجّح أن تعرفها فترة الانتقال إليه.

أخيرا: في ظل ما أراه من تدمير مجتمعنا هدفا رئيسا للأسدية وداعميها، أعتقد أن رفض دمج وتوحيد ما لدينا من تنظيمات وتيارات سياسية ومدنية طوال حقبة الصراع مع الأسدية سيكون وخيم العواقب. وأن عدم الأخذ به يعني أننا لم نفهم ما وقع حقا في الحقبة التي نعيشها، وفاتنا وعي مراميها وأبعادها، وعالجنا بوسائل عاجزة وناقصة مأزقا لا تصلح لمعالجته، كما أعتقد أن رفض العمل الجبهوي سيكون خدمة ثمينة جدا للأسد الذي لعبت أخطاؤنا دورا لا يستهان به إطلاقا في انقاذه.

البديل الثالث: هناك بديل ثالث يقوم على محافظة الأطراف السياسية على أوضاعها التنظيمية والسياسية الراهنة، والحدّ مما يلازمها من تبايناتٍ وخلافاتٍ وتوجس وشكوك. يقترح هذا البديل قيام التيارات المختلفة وتنظيماتها بجهدٍ يصحّح ما شاب مساراتها من أخطاء وعيوب، وهو كثير جدا وخطير، وببلورة رؤى وخطط تقرّبها من الحاضنة المجتمعية، وتجدّد التزامها بالحرية ومحاربة الاستبداد بمختلف أشكاله وأنواعه إلى أن يتم التخلص منه، وبالدفاع عن الشعب السوري: هدف أعدائه الأسديين الطائفيين، والمذهبيين المتطرّفين، الرئيس، على أن يطال الإصلاح قيادات التنظيمات والأحزاب وبناها، وخططها، وأولوياتها، وأساليب اشتغالها، وممارساتها، وعلاقاتها ببعضها وبالمجتمع السوري، وتعد نفسها لملاقاة مرحلة ما بعد العمل المسلح التي ستكون مرحلة انتقالية، إما إلى أسديةٍ من دون مجتمع، أو إلى مسارٍ يحمل من الممكنات المتنوعة بقدر ما يتوفر ميزان قوى يرغمها على التراجع، مهما كان محدودا وجزئيا، عن الخيار البديل الأول، في مرحلةٍ سيملي أخذها بجدّية مهاما نوعية وجديدة على أحزاب الطرف المواجه للأسدية وتياراته وتنظيماته، الأسدية التي ستجد نفسها أمام تحدٍّ لا قبل لها في أوضاعها الراهنة بمواجهته وتخطيه، يتمثل في ظروفٍ جديدة لا تقارن مصاعبها بالمصاعب التي همّشتها، على الرغم من الفرص التي أتاجتها لها للرافعة الشعبية الثورية، وأغرقتها في العجز عن القيام بواجبها في ترقية التمرّد الثوري المجتمعي إلى ثورة، وبلورة ما كان هذا الارتقاء يتطلبه من برامج وخطط ضرورية لتوحيد الحراك وتنظيمه، ولبناء قيادة ومرجعة له، مؤهلة للإمساك بأعنّة الحدث، وقيادته إلى نهاية ظافرة.

أمام مجتمعنا إما الصيغة الاستبدادية التي عرفناها قبل الثورة، أو أن يتولى السوريون إنقاذها من الأسدية والاحتلال الاستعماري

يقف مجتمعنا، وتقف دولتنا، أمام تحوّل مفصلي، فإما أن يذهبا إلى وضع يقلعا فيه عن الوجود، حتى بالصيغة الاستبدادية التي عرفناها قبل الثورة، أو أن يتولى السوريون إنقاذهما من الأسدية والاحتلال الاستعماري. بما أن شروط الاحتمال الأول تكاد تكون مكتملة النضج، فإنه لا يبقى من خيار للوطنيين غير الشروع في عمل إنقاذي، ينجيهم من الهلاك مواطنين في شعب، ومن التشرّد في أربع أصقاع الأرض، قبل أن ينقذها هي من مصيرٍ يكاد يصبح واقعهم وواقعها.

=========================

نظام الأسد يحارب المنتجات التركية ويغرق أسواقه ببضائع إيران

تمام أبو الخير

نون بوست

الثلاثاء 5/1/2021

عمم النظام السوري في سبتمبر/أيلول 2015 قرارًا على جميع الوزارات والجهات العامة والقطاع المشترك، بمنع استيراد أو شراء أي مواد أو بضائع أو تجهيزات تركية المنشأ، وطلبت الحكومة حينها عدم قبول العروض التي تتضمن مواد أو بضائع أو تجهيزات يدخل في تركيبها أي مكون تركي، وذلك في المناقصات أو طلبات العروض وغيرها التي تُجرى لتأمين حاجة هذه الجهات.

أتى ذلك على خلفية الدعم التركي المتزايد للمعارضة السورية، ولم يكن ذلك القرار هو الأول بشأن "العقوبات" ضد البضاعة التركية في سوريا، إذ إن رئيس النظام أصدر مرسومًا تشريعيًا بفرض رسم بنسبة 30% على كل المواد والبضائع ذات المنشأ والمصدر التركي المستوردة إلى سوريا بعد وقت من انطلاق الثورة السورية ووقوف أنقرة إلى جانبها.

تلك القرارات أتت أكلها لمدة وجيزة لا تتعدى الشهور، حيث استأنف التجار السوريون والأتراك التبادل التجاري غير الرسمي، وذلك للحاجة الماسة للمنتجات التركية في السوق السورية التي توقف فيها الإنتاج بشكل كبير بعد حرب النظام على شعبه، حيث كانت المستودعات والمصانع أهدافًا له في كثير من الأحيان وخصوصًا في مدينة حلب ذات الرقم الصعب في الصناعة السورية.

اليوم يعاود النظام تشديد الرقابة على المنتجات التركية التي تدخل البلاد في محاولة لإيقافها والحد من انتشارها، فقد بدأ حملة مضادة للبضائع التركية التي باتت تنتشر في أسواقه بشكل كبير على الرغم من حظرها، في المقابل يفتح النظام الباب على مصراعيه أمام المنتجات الإيرانية التي أصبحت تغزو الأسواق وتهيمن على السوق دون حسيب أو رقيب، لا بل غيبت هذه المنتجات الصناعة السورية وربما تلغيها إلى وقت بعيد.

ملاحقة البضائع التركية

تفاصيل جديدة كشفها أبو الهدى اللحام رئيس "اتحاد غرف التجارة السورية" عن أن "البضائع التركية تغرق الأسواق السورية على الرغم من الحملات الحكومية التي تدعو لمقاطعتها"، موضحًا أن طرقًا أخرى مثل التهريب والتزوير وجدت منفذًا لتلك البضائع لإغراق السوق السورية بها"، كما يؤكد اللحام أن الحدود مع تركيا غير مغلقة بشكل كامل، وهي غير مراقبة، الأمر الذي فتح باب التهريب للعديد من المنتجات التركية نحو سوريا.

يقول اللحام: "بعض التجار لم يكتفوا بتهريب المنتجات التركية إلى الأسواق، بل عمدوا إلى وضع لصاقات (صناعة تركية) على المنتجات السورية"، مشيرًا إلى أن هذه إحدى طرق التهرب من مكافحة التهريب، وتتم معاقبتهم بالغرامات المالية العالية ومنع الاستيراد، ويرى المسؤول السوري أن الحل في إنهاء هذه الظاهرة عبر خطوات أهمها: تسهيل عمليات الاستيراد، حيث من الممكن دراسة الفرق بين السعر الوطني والمستورد، وتخفيض التسعيرات الجمركية، ومن بعدها يمكن الاستيراد مباشرة من المصنع.

توازيًا مع تصريحات اللحام، قامت دوريات الجمارك في مدينة حلب التابعة للنظام بحملة لمصادرة البضائع التركية من الأسواق بحجة دخولها البلاد بطريقة غير شرعية وفقًا لما ذكرته صحيفة "القدس العربي"، واستهدفت الحملة محال تجارية ومستودعات الأمر الذي تسبب في غضب واستياء ودعوات من التجار إلى مغادرة البلاد، ووقف مزاولة النشاط التجاري. 

إثر الغضب العارم بين شريحة التجار المتضررة من قرارات الحكومة وحملة المصادرة، دعت غرفة تجار حلب إلى اجتماع مع مجلس الشعب لمناقشة التوصيات والمقترحات الهادفة إلى تجاوز التداعيات الاقتصادية التي سببتها حملات المصادرة، ونقل الإشكال إلى مجلس الشعب.

وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي خالد تركاوي لـ"نون بوست": "النظام السوري يحارب البضائع التركية منذ سنوات وذلك عن طريق إصدار قوانين بمنعها، ورغم أنه يجري تغيير المنشأ لهذه البضائع، يتم الكشف عليها ومحاسبة التجار دائمًا، هناك حادثة حصلت قبل أيام في أحد مولات دمشق حيث أحضرت الجمارك خبير أقمشة للكشف عن المصدر وهي تتابع دائمًا وبقوة مثل هذه الأمور".

لماذا البضائع التركية؟

يرغب التجار السوريون باستيراد المنتجات تركية المنشأ لأسباب عدة بحسب خالد تركاوي، على رأسها "كونها تتطابق مع الثقافة السورية بالدرجة الأولى وبدرجة ثانية هي ذات جودة مرتفعة وسعر منخفض"، وبحسب أحد تجار مدينة حلب فإن المنتج التركي يتميز عن غيره وذلك بسبب حاجة السوق الداخلية إليها، نظرًا لتوقف الإنتاج المحلي بشكل شبه كامل، بالإضافة إلى أن المُنتج المحلي لم يعد قادرًا على تلبية احتياجات السوق، لأن قسمًا كبيرًا من الصناعيين غادر البلاد، ولأن مقومات الصناعة محروقات، مواد أولية، يد عاملة وهي كلها غير متوفرة ليواصل أصحاب المعامل الإنتاج.

وتسلك البضائع التركية طرقًا متعددة للدخول إلى مناطق النظام السوري، وغالب هذه الطرق غير رسمية، حيث يتم نقل هذه البضائع عن طريق التجار السوريين الذين يتواصلون بدورهم مع وسطاء في الأسواق التركية وهم من يحولها إلى المعابر البرية التي تسيطر المعارضة على معظمها، ويتم تسويق بعض المنتجات في مناطق سيطرة المعارضة وهي السوق الأكبر لها، فيما يتم نقل الباقي إلى مناطق سيطرة النظام عبر المعابر المؤقتة بين النظام والمعارضة وغالبًا ما يتم دفع الكثير من الرشاوى لإدخالها.

تحسنت العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا عام 2004 حيث وقع البلدان اتفاقية التجارة الحرة التي تسمح بتدفق البضائع في الاتجاهين وإقامة مشاريع مشتركة، وفي 2009 وقعت أنقرة مع دمشق اتفاقيات تشمل مجالات الدفاع والأمن والاقتصاد، خلال زيارة رجب طيب أردوغان، إلى دمشق. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2004، 400 مليون دولار، ليصل إلى مليارين و200 مليون$ في 2010. ولم ينخفض حجم التبادل التجاري بين البلدين بعد الثورة حتى عام 2014 إذ بقي محافظًا على ثباته على الرغم من الحرب المدمرة. أما في عام 2020 بلغت قيمة استيراد سوريا من البضائع التركية 670 مليون دولار.

البضائع الإيرانية

في ظل الحملة الشرسة التي تستهدف المنتجات التركية المقبولة لدى المستهلك السوري، سمح النظام بإغراق أسواقه بالبضائع الإيرانية والأمر ليس جديدًا، ففي آخر المؤشرات على ذلك أعلن مسؤول الغرفة التجارية الإيرانية السورية كيوان كاشفي افتتاح مركز تجاري إيراني في دمشق، وقال كاشفي: "المركز التجاري يحمل اسم إيرانيين ويقع في المنطقة التجارية الحرة في قلب دمشق وتبلغ مساحته أربعة آلاف متر مربع ويتكون من 12 طابقًا، اثنين منهما مخصصين للمعارض والبقية لتقديم خدمات الشحن والنقل والاستشارات القانونية والمصرفية والتأمين".

وبحسب التصريحات فإن المركز الذي يضم 24 شركة إيرانية سيستقبل البضائع الإيرانية ويوزعها في سوريا ودول الجوار. يذكر أن النظام السوري وطهران وقعا اتفاقية للتجارة الحرة عام 2012 وتنص على خفض الحواجز الجمركية بحيث لا تزيد على حدود 4% بهدف رفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى ملياري دلار.

في هذا الصدد يقول خالد تركاوي: "البضائع الإيرانية رديئة وسيئة لكن هذا الذي يصل وهي تستخدم من رجال أعمال محسوبين على النظام من أجل تمويلها وبالتالي لدى هؤلاء القدرة على إزاحة أي نوع آخر وليس التركي بل أيضًا السوري وذلك في سبيل ضمان استدامة مواردهم".

مقايضة

في السياق بدأ النظام بتنفيذ "اتفاق مقايضة البضائع مع إيران"، وهو ما أكده معاون وزير التجارة الداخلية في حكومة الأسد جمال الدين شعيب، الذي قال: "الهدف هو دعم الأسواق بسلع جيدة وتنافسية"، وينص الاتفاق على أن تقوم دمشق بتصدير 2000 طن من زيت الزيتون و1000 طن من العدس إلى إيران، مقابل استيراد كميات من زيت عبّاد الشمس تعادل ثمن الكميات المصدّرة من زيت الزيتون والعدس، ولاحقًا السكر والرز والمعلبات من طهران.

بعيدًا عن مناطق النظام وبأخبار تبدو غريبة، تشهد الأسواق التجارية في الشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة والمحاذي لتركيا انتشار منتجات إيرانية متعددة الأصناف بأسعار منافسة للبضائع الأخرى، وينتشر في الأسواق مواد غذائية إيرانية كالحبوب والبقوليات وحليب الأطفال والبسكويت، بالإضافة للمواد المنزلية كالسيراميك والحجر الصناعي والغرانيت وخلّاطات المياه، وكذلك قطع غيار السيارات والزيوت الصناعية، وعلى الرغم من المقاطعة الواسعة للمنتجات الإيرانية في الشمال والتشديد على المعابر، فإن عمليات الفساد تساهم بانتشارها، ما استدعى من جهات متعددة التحقيق بالأمر وملاحقة المتورطين.

على الرغم من المحاولات الحثيثة لإغراق أسواق النظام بالبضائع الإيرانية، يبقى حجم التبادل التجاري بين البلدين ضعيفًا إلى حد كبير، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري بين دمشق وطهران  83 مليون دولار، علماً بأن المبادلات التجارية بين البدلين كانت تقدَّر بنحو مليار دولار قبل الأزمة، لكن طهران تخطو خطى متسارعة لعودة العلاقات الاقتصادية إلى ما هي عليه قبل 2011، وذلك بهدف إحكام قبضتها على الاقتصاد بعدما عبثت بأمور السياسة والعسكر وساهمت في التغيير الديمغرافي، كما أنها ستسعى جاهدةً لتعويض فاتورتها التي دعمت بها الأسد خلال السنوات الماضية والتي تقدر  48 مليار دولار، وهو ما يمثل 4 أضعاف ميزانية الدفاع إيران السنوية.

=========================

2020.. نقاط الضعف والقوة لدى مختلف الفصائل العسكرية شمالي سوريا

إدلب - ثائر المحمد

سوريا تي في

الثلاثاء 5/1/2021

استعرضنا في تقرير سابق، حجم المشاركة العسكرية للأطراف الدولية الثلاثة في معارك شمال غربي سوريا الأخيرة، وهنا نتحدث عن روسيا وتركيا وإيران، إضافة إلى تحليل نقاط القوة والضعف لدى كلٍ منها، سواء على الصعيد العسكري أو المالي والسياسي والعنصر البشري.

وبناء عليه، نستعرض في هذا التقرير نقاط الضعف والقوة لدى القوى المحلية ومآلاتها المتوقعة في العام الجاري 2021. وهذه القوى هي: الجيش الوطني السوري - الجبهة الوطنية للتحرير - هيئة تحرير الشام - تنظيم حراس الدين والفصائل المرتبطة به - جيش العزة - قوات سوريا الديمقراطية - خلايا تنظيم الدولة.

الجيش الوطني السوري - الجبهة الوطنية للتحرير

اقتصر دور الجيش الوطني السوري خلال المعركة في إدلب على إرسال أرتال عسكرية قوامها مئات العناصر، وأسلحة متوسطة من ضمنها رشاشات وصواريخ مضادة للدروع، فيما لعبت الجبهة الوطنية للتحرير (فرع للجيش الوطني بإدلب) دوراً رئيسياً في المعركة.

وعزز وجود قوات نخبة داخل تشكيلات الجبهة الوطنية من دورها في العمليات العسكرية الهجومية والدفاعية، فقد تميزت بقوات المغاوير والقوات الخاصة وجيش الصقور وكتائب الموت وقوات الوحدة 82.

وحظيت الجبهة الوطنية خلال الهجوم الروسي بدعم من الجيش التركي، حيث أمدها الأخير بعربات مدرعة وقذائف وذخائر وصواريخ مضادة للدروع لعبت دوراً مهماً في إيلام قوات الخصم واستنزافها.

ورغم إقبال أعداد كبيرة من الشبان على المعسكرات في الجبهة الوطنية، للتدريب والانخراط في المعارك، إلا أن غياب مقومات الصمود مادياً سواء على صعيد التشكيل أو الفرد أثر بشكل واضح على مسار المعركة، ما دفع شخصيات سورية للبدء بمبادرات لجمع الأموال وتسليمها للثوار لا سيما من اضطرت عوائلهم للنزوح والمكوث في المخيمات.

للتوسع في هذا الجانب، تحدثنا إلى وسام القسوم -الذي كان مرافقاً لتشكيلات الثورة خلال المعركة رفقة آخرين-، وأشار القسوم إلى عدد من العوامل التي أسهمت في تعزيز صمود الثوار، أهمها التلاحم الشعبي، وقوة الحاضنة الشعبية، وهو ما كان له دوراً بارزاً في المعركة، وتجلى ذلك بالدعم المالي (وفق الاستطاعة) وإمداد الفصائل بالمقاتلين عند افتتاح أي معسكر أو دعوة انتساب، إضافة للمشاركة بأعمال لوجستية كحفر الخنادق وتدشيم نقاط الرباط، وغير ذلك.

وقال القسوم وهو أحد مسؤولي حملة "ارمِ معهم بسهم" لموقع تلفزيون سوريا "إن العنصر المدرب أثبت قدرة على المواجهة في شتى الظروف، وذلك نتيجة الخبرة التراكمية التي امتلكها منذ بداية الثورة، ومواجهة قوات النظام وحزب الله اللباني وقوات فاغنر الروسية وغيرها، يضاف لذلك العقيدة القتالية التي يحملها المقاتلون بين جنباتهم والتي تحفزهم على التضحية والفداء، كما أن عدالة القضية التي يدافع عنها المقاتل، والتي يرى في استمراره بالقتال في سبيلها حفاظا على تضحيات الشهداء والمعتقلين تعد من ركائز القوة لدى الفصائل".

بالمقابل فإن ما أضعف زخم القتال لدى المقاتل هو الوضع المادي، وضعف الإمكانات وحالة التهجير التي تسببت في إرباك المقاتلين، وتفوق العدو بالسلاح والعتاد، وامتلاكه لمنظومة أسلحة متطورة لا سيما سلاح الطيران والاستطلاع، والاستنزاف الحاصل في المعدات والآليات نتيجة لطول المعركة وشراستها.

بشأن الجيش الوطني (شمال وشرق حلب) أدى عدم الترابط الوثيق والتواصل بشكل مثالي بين تشكيلاته كافة إلى ظهور ثغرات، خاصة أن الموقف الواحد للتشكيل كاملاً لم يكن واضحاً في معظم الأحيان إزاء الاستحقاقات.

ولا بد من الإشارة إلى دور هيئة تحرير الشام في تقويض فاعلية الجيش الوطني في إدلب، كونها لم تسمح لعدد من تشكيلاته بالدخول إلى المحافظة لقتال قوات النظام، في حين سمحت لفصائل منه بالدخول للهدف ذاته.

وبحسب القيادي في الجيش الوطني السوري مصطفى سيجري فإن أهم نقاط القوة لدى الجيش "الشرعية الشعبية ونضاله ضد قوى الإرهاب والاستبداد دفاعاً عن الشعب السوري وثورته العظيمة، إلى جانب العقيدة القتالية -الوطنية الثورية- والتي جعلت القادة والعناصر يقاتلون على مدار أكثر من ثماني سنوات بشكل تطوعي، ودون أي أجر مادي أو مكسب سلطوي".

وعن أسباب عدم وصول الجيش الوطني إلى المرحلة المرجوة، قال "سيجري" لموقع تلفزيون سوريا "يعود ذلك لأسباب عدة ومن أهمها: ضعف الموارد الذاتية، وشح الدعم الخارجي، واستمرار المعارك وعلى جميع الجبهات، وتعدد وتنوع القوى المعادية كنظام الأسد وميليشيات إيران الإرهابية وتنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني وأذرعه في سوريا، مما يجعله في حرب دائمة واستنزاف دائم".

وفي معرض إجابته عن ضعف فاعلية الجيش الوطني في إدلب، قال سيجري "لعبت هيئة تحرير الشام دوراً سلبياً في الثورة السورية بشكل عام وفي ملف الشمال وإدلب بشكل خاص، وفي الآونة الأخيرة فرضت قيوداً صارمة على مشاركة الجيش الوطني في حماية المنطقة، مما ساعد نظام الاسد على التقدم وخسارة أهم المناطق الاستراتيجية".

 هيئة تحرير الشام

تتلخص النقاط التي مكّنت هيئة تحرير الشام عسكرياً، في كونها تحصلت على موارد مالية كبيرة من المعابر التي تسيطر عليها -أهمها باب الهوى الحدودي مع تركيا-، والمعابر مع مناطق سيطرة النظام، التي كانت تسيطر عليها قبيل بدء الحملة العسكرية، ومنها معبر مورك بريف حماة الشمالي، ومعبر المنصورة في ريف حلب الغربي.

وساهم ذلك في كفاية تحرير مادياً، ما سمح لها بتصنيع آليات عسكرية متوسطة وتصفيحها، ودفع رواتب لعناصرها بشكل منتظم، عكس بقية الفصائل التي كانت تعاني من شح في الموارد.

كما أن امتلاك الهيئة لأكثر من 90 في المئة من السلاح الثقيل في إدلب، بفعل هجماتها السابقة على فصائل المعارضة، عزز من تفوقها، يضاف لذلك وجود قوات نخبة في صفوفها -منها العصائب الحمراء- والتي نجحت عبر العمليات الانغماسية والعربات المفخخة بتكبيد قوات النظام خسائر بشرية وعسكرية.

وعجزت الهيئة بالمقابل -بعد قتالها لفصائل في المعارضة- عن تغطية كامل النقاط العسكرية المكلفة بحمايتها على خط التماس مع قوات النظام، وفشلت في سد الثغرات أو تحصين المواقع المحتمل أن يهاجمها النظام، ما أدى إلى خلخلة ميزان القوى، وأجبر ذلك هيئة تحرير الشام فيما بعد على السماح لبعض فصائل الجيش الوطني بالدخول إلى إدلب للمساهمة في المعركة، حتى لا تتحمل وحدها كامل المسؤولية عن تقدم قوات الخصم.

وفيما يتعلق بالمواجهات بين تحرير الشام، وحراس الدين، فقد كانت الغلبة للهيئة عسكرياً ومالياً وإعلامياً، ما أدى لتفكيك حراس الدين والفصائل المرتبطة به خلال أسبوعين (شهر حزيران)، ذلك رغم انشقاق عدد من القيادات عنها وعلى رأسهم أبو مالك التلي.

وأشار الباحث في شؤون الجماعات الجهادية عرابي عبد الحي عرابي لموقع تلفزيون سوريا إلى أن هيئة تحرير الشام حافظت على قوتها العسكرية، حيث كانت نقاط رباطها المتقدمة ضد قوات النظام قليلة، مضيفاً أنها حاولت استيعاب الصدمة العسكرية في بداية العام، وكانت سباقة إلى الانسحاب من مناطق متفرقة أمام تقدم النظام، كونها رأت أن الوضع لا يلائم البقاء في تلك المناطق وخسارة عدد كبير من قواتها.

عباس شريفة يرى أن هيئة تحرير الشام عملت -خلال الهجوم الروسي الأخير- على استراتيجية الحفاظ على الأرض والسلطة وتجنب الاستنزاف في المعارك المفتوحة مع النظام والزج بقوات الجبهة الوطنية والجيش الوطني في المعارك لتخفيف العبء عن نفسها، والإمساك بالمفاصل الاقتصادية والإدارية للمناطق المحررة، وتكثيف الحضور الأمني، مع عدم القيام بأي دور تجاه الكارثة الإنسانية التي وقعت على المدنيين.

واعتبر النقيب عبد السلام أن الفصائل كافة خرجت من معادلة القوة والقرار ولم يعد للأطراف السورية أي وزن في القرار السياسي أو حتى القرار والخطط العسكرية، وخاصة بعد ظهور ضعف كبير وعشوائية في المعارك بداية العام لتتجه إلى إعادة تأهيل لمقاتليها وبدورات مكثفة على مدار العام، مضيفاً "لكن جميع هذه القوى مشلولة دون إرادة وقرار سياسي مع ضعف التسليح والإمكانيات الدفاعية والهجومية".

 تنظيم حراس الدين والفصائل المرتبطة به

شكّل شهر حزيران منعطفاً في مسيرة تنظيم حراس الدين، بعد أن انخرط إلى جانب تشكيلات أخرى بعضها منشقة عن هيئة تحرير الشام في غرفة عمليات "فاثبتوا"، حيث بادرت الهيئة بعد عشرة أيام فقط على تشكيل الغرفة بالهجوم على مقار للتنظيم واعتقال عناصر ينتمون له والاستحواذ على قسم من سلاحه.

وتلاشى وجود التنظيم وفاعليته بشكل واضح بعد الحملة العسكرية التي أطلقتها تحرير الشام ضده، فتركزت معظم قواته في ريف إدلب الغربي وقرى شمال اللاذقية، وانعدمت تحركاته العسكرية التي كانت تتمثل في شن هجمات مباغتة ضد قوات النظام بهدف الحصول على الغنائم بأقل الخسائر الممكنة.

ولا يمكن عند الحديث عن حراس الدين، أن نغفل دور التحالف الدولي في تقويض التنظيم خلال عامي 2019 و 2020، سواء عبر استهداف قياداته، أو رصد أموال طائلة لمن يدلي بمعلومات عنهم.

واستطاع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية خلال العامين الماضيين قتل مجموعة من كبار القادة في تنظيم حراس الدين، عبر استهدافهم بطائرات دون طيار، ومنهم بلال خريسات (أبو خديجة الأردني)، وخالد العاروري الملقب بـ قسام الأردني، وبلال الصنعاني.

وحول دور حراس الدين حالياً قال عبد الوهاب عاصي "يُمكن الاعتقاد أنّ هيئة تحرير الشام نجحت فعلاً في تفكيك وليس مجرد تقويض حراس الدين والتنظيمات الجهادية المتحالفة مع القاعدة في غرفة عمليات فاثبتوا، لكن ذلك لا يعني أنّها استطاعت تقويض نفوذ تنظيم القاعدة على نحو كامل، لا سيما مع استمرار تواجد الخلايا التابعة له، إضافة لغياب الرغبة لدى قيادة تحرير الشام في إنهاء هذا الملف على نحو كامل في ظل غياب اليقين حول مشكلة التصنيف والذي تحاول التخلّص منه".

من جانبه أشار عباس شريفة إلى أن حراس الدين وغيره من الفصائل المشابهة له تعرض لحملة تصفية عبر الطائرات المسيرة من التحالف الدولي وعبر الحملة التي قامت بها تحرير الشام لضبط سلوكها ضمن التفاهمات الإقليمية والدولية ومنعها من التفرد بقرار الحرب في إدلب دون تحمل تبعيته، وبذلك خسرت تلك التشكيلات الكثير من مواردها المادية والبشرية وتحولت لخلايا متخفية عن الاستهداف.

لكن الباحث معن طلّاع ذكر أن المؤشرات الأولية تؤكد أن الصراع سيستمر بين هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين، خاصة في ظل عدم وجود مشروع تصالح جدي بينهما، وأكد أن التنظيم سيعوّل على فشل تحرير الشام في تحقيق غاياتها المتمثلة في تحصيل القبول الدولي بها، وسيعزف على وتر "الجهاد المحلي".

وأضاف "ربما سيكون لذلك الصراع دور في إضعاف البنية المحلية في إدلب، لأن المحافظة ستكون مختطفة لصالح غايات هذين التنظيمين، وهذا خطر وجودي بشكل عام، ومن الواضح أن الأمر لن يستقم ما لم يكن هناك موقف حاسم لقوى الثورة والمعارضة سواء الجيش الوطني السوري والجبهة الوطنية للتحرير، والقوى المحلية والسياسية لمواجهة المشاريع العابرة للمصلحة الوطنية".

 جيش العزة

يمكن القول إن فصيل جيش العزة منيّ بخسارة معنوية كبيرة خلال الهجوم الروسي على مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا، ويعود ذلك إلى سيطرة قوات النظام على معقل الفصيل في أواخر عام 2019، بعد أن اضطر جيش العزة للانسحاب من اللطامنة وكفرزيتا وبقية بلدات ريف حماة الشمالي، عقب اقترب النظام من حصار الريف كاملاً، من خلال الالتفاف عليه والسيطرة على مدينة خان شيخون جنوب إدلب.

وبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب لم يُلحظ نشاط لجيش العزة، باستثناء تخريجه لدفعات من المقاتلين بعد إجراء دورات تدريبية لهم، وربما يعود ذلك إلى خسارته جزءاً من سلاحه الثقيل، وضعف التمويل الذي يعاني منه.

وفي أوج الحملة العسكرية انفضت عدة مجموعات عن جيش العزة، وأعلنت تلك المجموعات في الشهر الأخير من عام 2019 عن تشكيل الفرقة الخامسة بقيادة النقيب مصطفى معراتي، والانضمام إلى فيلق الشام التابع للجبهة الوطنية للتحرير.

قوات سوريا الديمقراطية

خلال عام 2020 لم تخسر قوات سوريا الديمقراطية مناطق جديدة لصالح الجيشين الوطني السوري والتركي، لكنها عانت في آخر العام من ضغط شبيه بما حصل قبيل بدء معركة نبع السلام، حيث بدأت قوات الجيش الوطني بشن هجمات لجس النبض ضد مواقع قسد في مدينة عين عيسى، تمهيداً للسيطرة عليها لاحقاً بدعم الجيش التركي.

وتتميز قسد بالدعم الوفير الذي تحظى به من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، حيث تتلقى منه دفعات من الأسلحة والذخائر والمعدات اللوجستية بشكل دوري، فضلاً عن سيطرتها على آبار النفط في شمال شرقي سوريا، التي تدر أموالاً طائلة لخزينة قسد.

واستغلت قسد التجنيد الإجباري في مناطق سيطرتها لتعزيز قوتها العسكرية في مواجهة تركيا، إلا أن ذلك لم يحقق الغاية المرجوة، بعد أن استخدم الجيش التركي تقنيات متطورة في معاركه ضد قسد، وإشراكه للطيران الحربي والمسير في العمليات الهجومية.

واستبعد معن طلّاع أن تتعرض قسد لهجوم واسع النطاق من قِبل الجيشين الوطني السوري والتركي على المدى المنظور، ورجح أن يكون العمل العسكري -في حال بدأ من الجانب التركي- محدوداً وتكتيكياً لتغيير موازين القوى وفرض واقع جديد يبعد قسد عن مدينة عين عيسى ويقطع طريق M4 (حلب - الحسكة)، ما يعني بالتالي حصار مدينة عين العرب.

فيما ذكر النقيب عبد السلام عبد الرزاق أن ما يجري في عين عيسى يعتبر استنساخاً لتجارب عفرين ونبع السلام، مضيفاً "قوات سوريا الديمقراطية لم تفهم إطلاقا أنها ورقة ساقطة في أروقة مصالح الدول وليست حليفاً أو شريكاً، فالدول لا تتحالف مع ميليشيا عنصرية وتصنف في محيطها إرهابية، وأتوقع أن تخرج قسد من عين عيسى وأغلب مناطقها المهمة في الفترة القادمة".

ووفقاً لما قاله القيادي في الجيش الوطني مصطفى سيجري فإن المعارك ستستمر ضد قوات سوريا الديمقراطية حتى "طرد حزب العمال الكردستاني وأدواته"، موضحاً أن "قسد لا تمتلك أي قوة ذاتية حقيقية إنما تعتمد بشكل كامل على الدعم الخارجي، وما إن يرفع عنها الغطاء ويتوقف الدعم حتى تنتهي بساعات، وهذا ما يدركه قادة التنظيم والجهات المشغلة له".

خلايا تنظيم الدولة

زادت خلايا تنظيم الدولة في شمال غربي سوريا من عمليات الاغتيال بحق أفراد من الجيش الوطني وقوات الشرطة خلال عام 2020، حيث تبنى التنظيم عدة عمليات قتل طالت ضباطاً وعناصر.

وحاولت أجهزة الأمن المحلية القضاء على تلك الخلايا، واستطاعت الكشف عن عدة أوكار لها في شمال وشرق حلب، ومداهمتها واعتقال أفراد للتنظيم ومصادرة مواد معدة للتفجير.

وفي إدلب شنت هيئة تحرير الشام أيضاً عدة مداهمات ضد مواقع تتصحن بها خلايا التنظيم، وتمكنت من قتل القيادي في التنظيم يوسف نومان، واعتقال أفراد آخرين في كل من دركوش وتلعادة.

الباحث في شؤون الجماعات الجهادية عرابي عبد الحي عرابي أكد لموقع تلفزيون سوريا أن خلايا تنظيم الدولة نفدت خلال عام 2020 من 25 إلى 30 عملية، جميعها في منطقة درع الفرات، باستثناء واحدة في منطقة غصن الزيتون شمالي حلب.

وتوقع "عرابي" أن تتوسع عمليات تنظيم الدولة مستقبلاً، خاصة بعد تحول هيئة تحرير الشام عن "الخطاب الجهادي"، ومعاداتها للفصائل الجهادية بشكل قوي وجذري، حيث سيدفع ذلك إلى تحول كثير من المتشددين لمناصرة داعش والقيام بعمليات أمنية (احتمال ضعيف).

 المآلات

ذكر الباحث معن طلّاع أن ملف الشمال مرتبط بالملف السوري بشكل عام، وتوقع أن تسهم العطالة السياسية في تكيّف الجميع مع فكرة تجميد الصراع العسكري إلى حد ما، واختبار مسارات أخرى منوطة بـ اللقاءات والتفاوضات المعلنة وغير المعلنة.

ورجح حدوث نقاشات لمحاولة تشكيل مظلة سياسية في شمالي سوريا، وأما عسكرياً فأشار إلى احتمالية وجود عمليات محدودة الأثر سواء من جانب تركيا أو روسيا (في شرق الفرات وإدلب).

بدوره توقع الباحث عباس شريفة بقاء الوضع على ما هو عليه بالنسبة للعملية السياسية في سوريا، في ظل استمرار تعنت نظام الأسد.

ولفت شريفة إلى احتمالية حلّ هيئة تحرير الشام، وحلّ مشكلة قوات سوريا الديمقراطية في منطقة شرق الفرات، عبر وصول الولايات المتحدة الأميركية وتركيا إلى اتفاق مشترك يقضي بفك ارتباط قسد بحزب العمال الكردستاني.

وأما النقيب عبد السلام عبد الرزاق فقد قال "سوريا مقبلة على انتخابات وإن لم يكن هناك إرادة دولية بالحل، فسيترك المجرم بشار ليبقى في الحكم ومجرد ترشحه يعني أنه لا حل في سوريا إطلاقاً، ولكن هناك فرصة كبيرة للدول الفاعلة لإنهاء الصراع في سوريا ووقف القتل والتدمير بمنع المجرم من الترشح ومحاكمته أو على الأقل إبعاده عن التسلط على الشعب السوري، وحتى حين فرض الحل السياسي، لا أعتقد أن يحصل تغيير كبير في مناطق السيطرة، باستثناء بعض التغيرات بمناطق سيطرة قسد".

=========================

نجمتنا حلب: سقطت أم أُسقطت

العقيد عبد الجبار عكيدي

سوريا تي في

الثلاثاء 5/1/2021

سقطت حلب، ولو طوى ما بقي من العمر أعماراً فلن تفي هاتين الكلمتين حقهما، من التأمل والغضب والأسى. سقطت حلب وإرادة إسقاط الأسد ونظامه وأشباهه باقية لم تسقط. سقطت الجغرافية والحلم لم ولن يسقط. الحرية أبقى وأنقى من الطغاة.

 سقطت الأبنية والحجارة فوق رؤوس ساكنيها الذين بذلوا أعمارهم في بنائها حجراً حجراً، وسقطت معها الإنسانية والداعون إليها من المنظمات والدول والنُظم، وسقطت معهم شعاراتهم التي لطالما تبجحوا بها، من أوهام الديمقراطية وحقوق الإنسان.

سقطت حلب على مرأى ومسمع الدول الصديقة والشقيقة، أو هكذا جلها ادّعى، وانكشفت قاطرات ثورات مضادة تقودها، ومعها حقيقة دعم الأنظمة الشمولية والديكتاتوريات، لتبقى فوق رقاب شعوبنا.

سقطت حلب تحت ضربات آلة ثاني أكبر قوة نووية في العالم، وأمام حقد مغول العصر من ميليشيات طائفية عابرة للحدود، ولم يكن النظام وزعرانه سوى هامش وتفصيل صغير، لا يستحق الذكر.

كان الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن القصف شديد، والحصار مديد، والقتل واسع والانتصار للحق بليد، ومقومات الحياة تتلاشى.

البرد ينخر عظام الأطفال والشيوخ، والناس على كثرتهم وضعفهم، رفضوا أي اتفاق، وأن يبقى أي منهم إذ ما دخلت جحافل الحقد الأسود.

في مشهد أقرب إلى يوم الحشر تجمع الناس بشيبهم وشبابهم نسائهم وأطفالهم ينتظرون الحافلات التي ستقتلعهم من جذورهم، من المدينة التي عشقوا، إلى مصير معلوم على ما فيه من الأمان إلا أنهم أقاموا طويلا تحت وطأة القصف الهمجي اليومي رافضين لأشهر الخروج من مدينتهم، وفضلوا الدفن تحت ركام بيوتهم، على أن تؤويهم خيمة ما في مخيم ما.

اليد ترتجف، والحرف ينز قهراً ودماً، والقلب ينطق ويكتب، عن سقوط مدينتنا الجليلة العزيزة حلب، سقوط جرى بعد أن كان تحريرها بالكامل قاب قوسين أو أدنى، وفي هذه دروس لنا، لكن القادمات من الأيام أثبتت أننا لا نتعلم، وفي إدلب خير مثال وبرهان.

عسكرياً، حلب كانت ساقطة لا محالة، جميع من في المدينة كان يعلم ذلك، مقاتلاً أكان أم متطوعاً، أم مدنياً

هذا مقال عاطفي بامتياز، كان لا بد من هذه الصرخة تقديماً وتمهيداً لما كان يجب أن يُكتب منذ أعوام.

عسكرياً، حلب كانت ساقطة لا محالة، جميع من في المدينة كان يعلم ذلك، مقاتلا أكان أم متطوعا، أم مدنيا.

هنا أود الإضاءة عمّا فعله يقين السقوط في قلوب من بقي في حلب، هل استسلموا مع أول متر مربع سقط من المدينة؟ لا.

رغم حوادث وقعت هنا وهناك كانت بقعا سوداء في مشهد حالك، إلا أن ثمة بقعاً مضيئة فيها من المعاني الجليلة ما فيها، هي لحظات إيمان ونضال، لوحات مقاومة مشرفة، تفاصيل أُريد لها أن تُمحى من الذاكرة، ولا نتذكر إلا السقوط.

تعالوا نتعالى دوماً بذكر تلك الصور كنوع من مواجهة سقوط حدث.

ما حدث في حلب والجميع هناك يعرف تماما ما أقوله، أن الجبهات كانت شبه فارغة، أرقام نقاط الرباط والمرابطين كانت وهمية، كانت جبهات كاملة ساقطة تنتظر فقط من النظام ساعة الصفر.

أي إلى جانب فصائل ثورية أصيلة، ومقاتلين أحرار، ـ يمكن القول إن حلب دافعت عن نفسها بأبنائها، يمكن القول إن ما حدث في اللحظات الأخيرة مقاومة شعبية، من أبطال تخرجوا في مدرسة يوسف العظمة.

ساحات كثيرة تثبت قولي ذاك، امتدت صداها من الكلاسة وبستان القصر والمعادي والصاخور وصلاح الدين و.....، أبطالها من لحم ودم ونخوة وشرف، من آل السندة والعجم وكعكة والغول ومخيبر والبطوش وكرمان، والشرفاء من أهالي الريف الذين شربوا من ماء حلب، فحملوا السلاح بعد استنزاف الفصائل، وبذلوا دماءهم الزكية دفاعاً عن مدينتهم.

سُطرت البطولات عل جبهات حندرات والملاح والكاستلو، وكانوا بكل رضى يتقدمون إلى مذبح الحرية، تنفسوا الشرف، وفارقوا الدنيا كما يجدر بكل حر أن يفارقها، قابضاً على جمر كرامته، رافضاً الظلم والضيم.

كان يحدث ذلك تزامناً مع اضمحلال فصائل بشكل درامي، فصائل كرتونية، مقارّ كرتونية، رايات وهم، وسنوات من الاستعراض الأجوف، ومحيط من الأفعال المسيئة والمتاجرة باسم الثورة.

ولا ننسى أنانية أولئك الذين عن عمد صبغوا حلب بالرايات السوداء، ومنها جبهة النصرة، مما أعطى الذريعة المُثلى لروسيا لتحويل حلب إلى غروزني ثانية. وحين قيل لهم في الأيام الأخيرة اخرجوا، ولو كان خروجاً تمثيلاً إلا أنهم بكل عنجهية رفضوا، ولم يتعلموا حتى من السيرة النبوية والصحابة، ومن أفعالهم في الحروب، أو كما قال سيدنا محمد عليه السلام، الحرب خدعة.

فشلت أو جرى إفشال محاولات فك الحصار من خارج المدينة التي قام بها جيش الفتح، ومعه فصائل من الجيش الحر الموجودة في الريف، وتُرك المُحاصرون لمصيرهم وقدرهم المحتوم.

قبيل الاجتياح شن العدوان الروسي حملة قصف عنيف وغير مسبوق على مدار ثلاثة أسابيع، استهدف في الأسبوع الأول كل المشافي والنقاط الطبية ومستودعاتها ومنظومة الدفاع المدني ومعداته، فدمر أغلب المشافي وأخرجها عن الخدمة وقتل الكثير من الكوادر الطبية والدفاع المدني وبالتالي انعدمت الخدمات الطبية مما أثر بشكل كبير على الحالة النفسية للمقاتلين والمدنيين.

في الأسبوع الثاني وبعقلية الإجرام "البوتينية" استهدف القصف كل طرق الإمداد والمؤازرات والطرق العامة المؤدية إلى المشافي والمستودعات الطبية والإغاثية ودمر الكثير من مستودعات الطحين والمواد الغذائية لتجويع الناس وحرمانهم من رغيف الخبز.

في الأسبوع الثالث ولإفراغ الجبهات من المقاتلين وخلق حالة من الفوضى صب المجرمون جام غضبهم وحمم صواريخهم على الأحياء السكنية المكتظة بالسكان مما جعل المقاتلين يهرعون إلى أحيائهم التي دمرها القصف لتفقد عائلاتهم ومحاولة إنقاذهم وإخراجهم من تحت الأنقاض تاركين نقاط رباطهم على الجبهات، مما زاد ضعفها ضعفا.

بين مقاوم شهيد ومنسحب جزع توقفت المؤازرات وضُربت الأفران والمطاحن واغتنمت جبهة النصرة وحلفاؤها مستودعات الفصائل وكأنها ستبقى أبداً في حلب

رافق هذا القصف الهمجي البربري حرب نفسية ممنهجة استهدفت الجميع داخل المدينة وخارجها من خلال وسائل الإعلام وعملائها المدسوسين بين المدنيين والمقاتلين وبعض المرجفين وضعاف النفوس، فبدؤوا بترويج الشائعات عن صفقة بين روسيا وتركيا بتسليم حلب، وأن حلب قد بيعت ومحاولة إيقاع البلبلة والخلاف بين المدنيين والعسكر وخلق حالة من انعدام الثقة فيما بينهم، من خلال تساؤلات كثيرة حول مدى صحة تلك الشائعات؟!!.

بين مقاوم شهيد ومنسحب جزع توقفت المؤازرات وضُربت الأفران والمطاحن واغتنمت جبهة النصرة وحلفاؤها مستودعات الفصائل وكأنها ستبقى أبداً في حلب، تزامناً مع قضم النظام أحياء حلب، حياً وراء الآخر، وهنا بلغت سوء الأوضاع ذروتها، لا غذاء ولا مستشفيات، فامتلأت الشوارع بالجثث، وهام الجرحى والناس على وجوههم. وحُشر الناس في مساحة جغرافية صغيرة وصار الحد الفاصل بينهم وبين العدو نهر قويق فقط.

فتحت روسيا قنوات التواصل مع الفصائل العسكرية وهيئات وكيانات مدنية متعددة للتفاوض على مصير المدينة وأهلها أفضت وكان هذا محتماً إلى خروج المدنيين والفصائل مع سلاحهم الخفيف متجرعين العلقم على القبول بتسويات ومصالحات مع القتلة والمجرمين مفضلين الموت والنزوح على الخنوع والاستسلام والتفريط بتضحيات أبنائهم الذين استشهدوا على ثرى هذه الأرض الطاهرة.

هنا تبزغ قامة سوريّة ستلهج ألسنتنا كثيراً ونحن نتحدث عنها لأبنائنا، هي إحدى خنساوات سوريا، أم محمد سندة، وقد استشهد ابنها الرابع.

واحتار الرفاق والأصدقاء كيف سيزفون لها الخبر، تقدم أحدهم وقرع الباب ففتحت أم محمد الباب ولم يتبقَ في البيت معها إلا زوجها أبو محمد وقالوا لها لقد جئناكما بعريس جديد فحمدت الله ونادت على زوجها "حجي قوم شيل بارودتك ورابط محل ابنك الشهيد"، أم محمد وأمهات شهداء الثورة السورية سيبقون تاجاً على رؤوسنا ووساماً على صدورنا ما حيينا وما حيي عشاق الحرية، هُنّ المدن التي لا تسقط.

وكما أسلفت، فإن المقال عاطفي بامتياز، هو صرخة، وأيضاً كما قلت إن السقوط كان محتماً، لأن سقوط حلب بدأ عملياً في عام ٢٠١٣ مع عملية "دبيب النمل" منذ أن انطلق سالكاً طريق البادية (أثريا- خناصر) باتجاه مدينة السفيرة وهو الطريق الوحيد الذي تبقى للنظام للوصول إلى مدينة حلب بعد أن سيطر الثوار على الطريق الدولي حلب-دمشق في أواخر العام 2012 وهذا ما لم يعيه ويدركه في حينها قادة الفصائل، وفعلا استطاع النظام الوصول إلى السفيرة والسيطرة عليها في خريف عام 2013.

حين سقطت السفيرة قلنا، سقطت حلب، وفعلا فقد بدأت المناطق بالتساقط كأحجار الدومينو.

المقال أعلاه مقدمة لسلسلة مقالات تروي تفاصيل هذا السقوط البطيء ولن أغفل فيها دور الشرفاء، مدنيين وعسكريين، مازجاً بين بطولات الأحرار، وتجارة التجار، من حَمَلة السلاح، عن الأخطاء المكررة، عن نفوس غلبّت الخاص على العام، راياتها المزركشة عن علم الثورة، سيكون حديثاً طويلاً صريحاً صادماً.

هذه هي حلب البطولة وقدرها كما كانت عبر التاريخ محط أنظار الغزاة ونكباتهم لكنها دائماً تنهض من تحت الرماد ولا تستكين.

=========================

منطقة الـ55 السورية محرمة على نظام الأسد

أمين العاصي

العربي الجديد

الاثنين 4/1/2021

لا يتهاون التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، في حماية قاعدةٍ عسكرية له في منطقة التنف في البادية السورية، والواقعة في منطقة المثلث الحدودي بين سورية والعراق والأردن، حيث يستهدف على الفور أي قوات للنظام أو المليشيات الإيرانية يمكن أن تقترب من حرم هذه القاعدة الذي حدّده التحالف بـ55 كيلومتراً في محيط قاعدة التنف، والتي تدعم عسكرياً فصائل عدة تابعة للمعارضة السورية، تنشط في المنطقة.

وتضاربت الأنباء حول حادث استهداف طيران التحالف الدولي يوم السبت الماضي، لآليات عسكرية تابعة لقوات النظام حاولت الاقتراب من محيط منطقة الـ55، لكن المتحدث الإعلامي باسم فصيل "جيش مغاوير الثورة" أحمد خضر المحيا، نفى في حديث لـ"العربي الجديد" هذه الأنباء، مبدياً استغرابه من تناقل وسائل الإعلام لها. وقال المحيا: "ننفي حدوث اشتباكات مع قوات النظام، أو أي قصف من قبلنا، في منطقة الـ55".

دفع وجود القاعدة الإيرانيين لتغيير خططهم في الشرق السوري، ووضع ثقلهم في ريف دير الزور الشرقي

وكان "جيش مغاوير الثورة" قد أجرى مساء الجمعة الماضي، مناورات عسكرية بالذخيرة الحيّة، وأظهر فيديو نشره عبر "تويتر"، إطلاق قنابل مضيئة وصواريخ، وانفجاراً نتيجة إصابة أحد الأهداف التدريبية. وأعلن المتحدث العسكري باسم التحالف الدولي، في عملية "العزم الصلب"، العقيد واين ماروتو، عن إجراء مناورات عسكرية ليلية في منطقة التنف بمشاركة فصيل "مغاوير الثورة". وقال ماروتو في تغريدة: "قوات مغاوير الثورة الشريكة في سورية ساعدت التحالف الدولي على دخول العام الجديد بقذيفة هاون وصواريخ (من طراز) هيمارس. تدريب جيّد للاحتفال بالعام 2021. لا يزال التحالف ثابتاً في التزامه بدعم شركائنا في سورية لدحر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)". من جهته، أشار المحيا إلى أن المناورات "رسائل تدل على الجاهزية العالية وقدرة جيش مغاوير الثورة وحلفائه في التحالف الدولي على الرد وبقوة على كلّ من تسول له نفسه الاقتراب من حدود المنطقة". وأكد أن لدى فصيله "سجلا حافلا في قتال داعش، ومنع إعادة انتشاره، خصوصاً في قسم كبير من الحماد السوري (قسم من البادية)، أو منطقة الـ55". ولفت إلى أن "هذه المنطقة، والتي من ضمنها مخيم الركبان، تعد من أهم المناطق الخالية من التنظيم في سورية".

وكانت قوات النظام حاولت خلال السنوات الماضية الاقتراب من منطقة الـ55، إلا أنها جوبهت بقسوة من التحالف الدولي الذي كان استهدف أواخر العام 2018 رتلاً عسكرياً تابعاً لـ"الفرقة الثالثة" التابعة لقوات النظام، بصواريخ راجمة من منظومة "هيمارس"، بعد دخوله "المنطقة المحرمة".

وتقع قاعدة التنف، التي أنشأها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة عام 2014، غرب الحدود العراقية بمسافة 22 كيلومتراً، وتبعد نحو 22 كيلومتراً عن الحدود السورية - الأردنية، وهي تعد من أهم القواعد العسكرية للتحالف الدولي في سورية. وتنشط فصائل عدة تابعة للمعارضة السورية في المنطقة، وتتلقى دعماً من التحالف الدولي، لعل أبرزها "جيش مغاوير الثورة"، والذي كان تأسس في العام 2015 تحت قيادة العقيد مهند الطلاع المنشق عن قوات النظام، في ذروة الحرب على "داعش"، وذلك من مقاتلين في "الجيش السوري الحر" يتحدرون من البادية أو من شرقي سورية، وخصوصاً من محافظة دير الزور. وحاول هذا الفصيل مهاجمة مدينة البوكمال على الحدود السورية - العراقية في العام 2017، إبان سيطرة "داعش" عليها، إلا أنه مني بخسائر كبيرة، ما دفعه إلى العودة إلى قواعده في البادية السورية، ولم يقم بعمل عسكري واسع النطاق منذ ذلك الحين. وتعتبر الولايات المتحدة هذا الفصيل، إضافة إلى فصيلي "أسود الشرقية" و"قوات أحمد العبدو"، بمثابة ذراع برّية لها لمحاربة "داعش" في البادية السورية، مثلما تعتمد على "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) للغاية نفسها في منطقة شرقي نهر الفرات.

وكان قائد القوات المركزية الأميركية، كينث ماكينزي، زار قاعدة التنف في ديسمبر/كانون الأول الماضي لتفقد قوات التحالف الدولي وفصائل المعارضة السورية في المنطقة، وهو ما يبرز أهمية هذه القاعدة لدى التحالف الدولي ضد الإرهاب، فضلاً عن كونها تشكل حاجزاً يحول دون تنفيذ الإيرانيين لمخطط فرض ممر برّي يبدأ من إيران وينتهي بلبنان مروراً بالعراق وسورية. ونتيجة لوجود القاعدة، غيّر الجانب الإيراني خططه في الشرق السوري، حيث وضع ثقله العسكري في ريف دير الزور الشرقي جنوب نهر الفرات، والذي بات منطقة نفوذ بلا منازع للحرس الثوري الإيراني.

تقع القاعدة في أراض صحراوية خالية من المدن، لذا يمكن مراقبتها جيداً بالطيران المسير

وحول أهمية قاعدة التنف ومنطقة الـ55 للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، أشار المحلل العسكري العميد أسعد الزعبي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "معبر التنف يعتبر من أهم المعابر مع العراق، فضلاً عن قربه من الأراضي الأردنية ويرتبط مباشرة مع العاصمة دمشق". وأوضح الزعبي أن معبر التنف "كان المعبر الايراني الهام الذي كانت تدخل منه الأسلحة إلى سورية قبل أن يسيطر عليه تنظيم داعش". ولفت إلى أن القاعدة "تقع في أراض صحراوية خالية من المدن، لذا يمكن مراقبتها جيداً بالطيران المسير"، مبيناً أن القاعدة والمعبر يعدان منطقة حراسة قريبة لمخيم الركبان الذي يضم نازحين على الحدود السورية الأردنية. وأوضح أن التحالف "حدّد منطقة حماية القاعدة بـ55 كيلومتراً، أي حتى منطقة العليانية، ومقهى الشحيمي، ومنطقة السبع بيار".

وكان تنظيم "داعش" قد سيطر على مجمل البادية السورية، بما فيها معبر التنف الحدودي مع العراق خلال عامي 2014 و2015، قبل أن يخسر معظم المناطق التي سيطر عليها في سورية بدءاً من العام 2016، وانتهاء بمطلع العام 2019. ولم يسبق للتنظيم أن حاول الاقتراب من محيط قاعدة التنف، إذ يقتصر نشاطه على المناطق التي تخضع لسيطرة قوات النظام والمليشيات الإيرانية، والممتدة من ريف حمص الشرقي وحتى ريف دير الزور الشرقي الذي تسيطر عليه فعلياً مليشيات مدعومة من الحرس الثوري الإيراني.

=========================

"اللاحل" الإيراني في سورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 4/1/2021

حملت السنوات التسع الماضية ما يكفي من دلالاتٍ للسوريين على أن التدخل الدولي المنشود لإنهاء الصراع في سورية ليس من ضمن خيارات جميع الأطراف المعنية بالملف السوري، بما فيها التي تحولت من داعم لأحد طرفي الصراع (النظام والمعارضة) إلى شركاء أو مستثمرين في الصراع. وزاد من احتمالية ترك سورية خارج القرار الدولي الفعلي لوقف المأساة تشتت الطرفين المحليين وانقسامهما إلى عددٍ يتوالد مع طول أمد الصراع، وفتح بازارات المصالح الدولية والإقليمية في سورية.

لم تعد سورية (النظام) كذلك كتلة موحدة تقف بحماية الواجهة الإيرانية، كما هو الحال قبل التدخل الروسي المباشر عام 2015، وهي أيضاً ليست سورية الأسد المتماسكة تحت ظل الحماية الروسية، بل هي انقساماتٌ بين التبعيتين محلياً، كما هو حال الملف السوري على طاولات الحوار الأممي الذي ينظر إلى الحل في سورية من زوايا المصالح مع كل من إيران وروسيا، وكما تعاينه الولايات المتحدة الأميركية ملفا تحدّده زاوية الانفراج مع الملف النووي الإيراني، أو زاوية الانعكاس مع العلاقة الأميركية - الروسية.

الرهان الإيراني اليوم، على واقعة عودة الديمقراطيين إلى الحكم في البيت الأبيض، يحمل أكثر من بعد في تحسين العلاقات البينية الأميركية - الإيرانية، وهو لا ينطلق فقط من أنها عودة إلى ما قبل السنوات الأربع لإدارة الرئيس دونالد ترامب المنتهية ولايته في 20 يناير/كانون الثاني الحالي، وطي صفحة الردع الإسرائيلي لأدوارها في المنطقة، بل هي مبنيةٌ أيضاً على عمق التفاهمات السابقة للديمقراطيين في الملف النووي، ونقاط تحوّل العلاقة غير المباشرة بين الطرفين، إلى أدوارٍ تكامليةٍ قد تصل إلى ممارسة إيران دور الشرطي الأميركي في سورية وعموم منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يؤشّر إليه الخوف الخليجي الذي تظهر ملامحه تارة باللجوء إلى إسرائيل منقذا، أو بالبحث عن تقاطعاتٍ تقرّبهم من الحوار مع إيران وتركيا لتجنب مفاعيل أدوارها القادمة عليهم.

الرهان الإيراني اليوم، على واقعة عودة الديمقراطيين إلى الحكم في البيت الأبيض، يحمل أكثر من بعد في تحسين العلاقات البينية الأميركية - الإيرانية

ومن جهة ثانية، تراهن إيران أيضاً على موقف الحكومات الأوروبية الغارقة في مشكلاتها الاقتصادية، والضغوط الشعبوية عليها الرافضة للاجئين، وتداعيات جائحة كورونا، وتعرف حقيقة موقفها من القرارات الأميركية "الترامبية" وعقوباتها على إيران. وقد دفعت الدول الأوروبية الشريكة في الاتفاق أثمانا باهظة لتلك العقوبات، واضطرارها إلى الانسحاب من الاستثمارات الكبيرة في إيران أو معها، بل ترى أوروبا أن الانسحاب الأميركي كان متنفساً لإيران للمضي في تطوير منظومتها النووية والصاروخية، وهي ترى في العودة إلى اتفاق 2015 (5 زائد 1) الباب الوحيد الذي يمكن، من خلاله، فتح المفاوضات لتهذيب السلوك الإيراني، وضغط طموحاته النووية، وتعليبها في إطار الاتفاق القابل للتطوير.

وبذلك، ترى إيران بقاء اللاحل في سورية (أي بقاء الوضع على حاله في سورية) هو الحل الحقيقي الذي يمكّنها لاحقاً من صناعة أقلّ من تسوية، وأكثر من اتفاق وتوافق تضمن به وجودها الفاعل والمؤثر في سورية وجوارها لبنان، وهو ما عملت عليه منذ بدء التفويض الأميركي لروسيا بالملف السوري، واتفاق وزيري خارجية البلدين، جون كيري وسيرغي لافروف، في سبتمبر/أيلول 2016، حيث عملت على تعطيل وانتهاك كل عملية وقف إطلاق نار أو تسوية، حتى تلك التي هي طرفٌ فيها، كما هو الحال في اتفاقات أستانة التي أبقتها كقميص عثمان ترتديه وقت تشاء، شريكة في الحل، أو تخلعه حين الحاجة معطّلة له.

ليست روسيا، بواقع وجودها الحالي في سورية، طرفاً ضعيفاً، ولكنها ليست الطرف الأقوى في ظل الانفتاح الإيراني - الأميركي المرتقب

استنفذت روسيا، خلال السنوات الأربع الماضية، فرصها في إلزام الأطراف السورية بحل توافقي يجمعهم (معارضات ونظاما) في حكومة واحدة، تسرّع من عملية البدء في إعمار سورية لتعويض خسائرها، بعد أن كانت شريكةً فعليةً في تقويض نفوذ إيران، من خلال إبعادها عن طاولة المفاوضات الدولية بشأن سورية، واستفرادها على مدار السنوات الماضية بتمثيل النظام في المحافل التفاوضية، وكانت تأمل في أن تكون سورية ورقة "تقايض" بها على ملفاتها الأوروبية والأميركية، ولكن عدم تمكّنها من استعادة كامل الأراضي السورية، ومنها إدلب، إلى النظام السوري، من بوابة اتفاقات آستانة، واستهانتها بالمطامع التركية في سورية، أعادها إلى نقطة البداية التي تجعل منها شريكةً لإيران في سورية، وليست بديلا عنها.

ليست روسيا، بواقع وجودها الحالي في سورية، طرفاً ضعيفاً، ولكنها ليست الطرف الأقوى في ظل الانفتاح الإيراني - الأميركي المرتقب، وهي تدرك أن مساحتها في سورية في عهد ترامب ليست المساحة نفسها في عهد الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن. ولهذا، قد تأخذ مصالحها الاقتصادية والعسكرية ضماناتٍ أكبر بوجود حل سياسي للمأساة السورية تحت قرار مجلس الأمن 2254. ومقدّمة لذلك، ستتصاعد في روسيا استعادة التصريحات أن الحل في جنيف، وليس في مكان آخر، وستعود موسكو إلى تشجيع جلسات اللجنة الدستورية كمؤقت لضبط النفس، بينما تتضح لديها الرؤية عن السياسات الأميركية في سورية، وإذا ما كانت الإدارة الجديدة ستمدّد لها صلاحية الحركة في الأجواء السورية، لصياغة تسويةٍ قابلة للتطوير في اتجاهين: لمصلحة تثبيت النظام قوة مطلقة تحت وصايتها، مع تعديلات للسماح للمعارضة بمشاركة وهمية غير فاعلة. أو لمصلحة تشذيب سلوك النظام أو تنظيفه، سواء من أعلى قمته، أو من أوسطها كما هو مطروح الآن، وإدخال تعديلاتٍ تسمح بتغيير شكل الحكم ونوعه، بما يتوافق ودستورها المقترح للمعارضة في العام 2016، وبما يضمن المصالح الكردية التي تحميها الولايات المتحدة في سورية، وبعض مصالح المعارضة السورية.

ربما كانت روسيا أهون الشرّين في قراءة المشهد السوري، إذا توفرت للسوريين معارضة وطنية بمشروع حقيقي وأجندة سورية

بينما سيكون "اللاحل" في سورية هو سيد الموقف، في حال كان تفاؤل إيران بديمقراطي البيت الأبيض (بايدن) في مكانه، بحيث تبسط إيران كامل سيطرتها على واقع سورية، وتطوّق مصالح روسيا داخل قواعدها واتفاقاتها الاقتصادية، وتمضي بالنظام السوري، وعلى رأسه بشار الأسد، إلى ما هو أقل من إصلاح، يتعكّز عليه أمام المجتمع المحلي، خلال ولايته الجديدة التي تبدأ منتصف هذا العام، ويقود خلالها العملية السياسية لإصلاح الدستور مع "كيانات المعارضة"، على مدار الأعوام السبعة المقبلة.

ربما كانت روسيا أهون الشرّين في قراءة المشهد السوري، إذا توفرت للسوريين معارضة وطنية بمشروع حقيقي وأجندة سورية، تفاوض من أجل مصالحهم، وليس على مصالحهم، وتضع المجتمع الدولي أمام خيارٍ واحدٍ، وهو القبول بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبناء مستقبلها، ولو كان ذلك على حساب القبول بحلولٍ تراكميةٍ مفتوحةٍ على التغيير والإصلاح، وليست بيد أيٍّ من الأطراف الساعية إلى تقاسم سلطةٍ حاليةٍ استبداديةٍ محصنةٍ بالحديد والنار والسجون.

=========================

التمديد للأسد رئيساً... لماذا ومن أجل ماذا؟

النهار العربي

عبدالوهاب بدرخان

الاثنين 4/1/2021

مطلع 2020 انصبّت التوقّعات في كل الدوائر الجدّية، وبعضٌ منها غير معادٍ لبشار الأسد، على أن نهاية مساره باتت قريبة، بل وشيكة، استناداً الى خيارات روسية، كما قيل. لكنه اجتاز عام الوباء، وها هو مطلع 2021 يجنّد ما تبقى من "دولته" في مهمّة وحيدة: إعادة انتخابه رئيساً لسبع سنوات تُضاف الى العشرين التي انقضت، وكان مرّر العشر الأولى منها بالكلام عن مشاريع إصلاح وهمية، وأمضى الثانية بالتقتيل والتدمير والتشريد والخطف والإخفاء والتصفيات المبرمجة تحت التعذيب، على ما شهدت به الصور التي التقطها "قيصر" وهرّبها.

لذلك يستدعي إصراره على استنخاب نفسه بداهة الأسئلة: لماذا البقاء في الحكم، ومن أجل ماذا، ما دام قد برهن على نحو مريع أنه استطاع صنع إحدى أفظع المآسي الإنسانية، ورفض أن يتعلّم شيئاً آخر غير أنه على حق وصواب في كل جرائمه... لم يعد أحدٌ ليصدّق أن سلاماً أهلياً يمكن أن يستقيم بوجوده، أو أن مَن هبط بسوريا الى قاع القاع هو مَن سينهض بها.

لم يحدث في التاريخ أن مَن هدموا البلاد هم الذين أعادوا إعمارها، وأن مَن مزّقوا نسيجها الوطني والاجتماعي هم المؤهلون لإعادة الوئام واللحمة بين أهلها. لكن كل ذلك لا يهمّ الأسد، فهو وأركان الحلقة الضيّقة المحيطة به لا يهجسون إلا بأمر واحد: "هذه الدولة لنا وستبقى لنا" أياً تكن الظروف. وبهذه العقلية يُقبلون بحماسة على التمديد للأسد، لإدامة سلطته وسلطتهم، مصلحته ومصالحهم. 

بدأ الأسد منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي ترتيب الفريق المكلف تنظيم حملته الانتخابية والخطوات "التجميلية" الضرورية للمرشح المعلن فوزه منذ الآن، باعتبار أن البيئة الموالية له تعاني اليوم الظروف المعيشية الأكثر سوءاً. لكن الأسد كان ينتظر موافقة موسكو، إذ أقلقه في أيلول (سبتمبر) الماضي أن الوفد الروسي الذي زاره، وفي عداده سيرغي لافروف، لم يتحمّس لحديثه عن الانتخابات بل طلب منه التريّث، لذا حرص وزير الخارجية الراحل وليد المعلم، خلال مؤتمر صحافي متشنج مع الوفد، على تأكيد أن الانتخابات ستُجرى "في موعدها" و"بمعزلٍ" عن مسار اللجنة الدستورية (في جنيف). 

لم تكن موسكو معارضة لإعادة ترشيح الأسد، بل كانت أولويتها لشروط ينبغي أن يلبيها، وأهمها مشروعها الاقتصادي المتضمّن تسعة عشر اتفاقاً نوقشت عام 2019 في سوتشي وتتعلق باستثمارات روسية في قطاعات الكهرباء والنفط والغاز والصناعة والقطاع الإنشائي. 

مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي وقّعت معظم الاتفاقات في موسكو، وفيها جدولة ديون مقرّرة بنحو 3 مليارات دولار ونقل ملكية مشاريع وعقارات استملكها النظام سابقاً على الساحل السوري. بعد ذلك، فرضت موسكو على النظام استضافة مؤتمر "عودة اللاجئين"، لا لإلزامه بإجراءات "تسهيل العودة الطوعية والآمنة"، بل لإبلاغ الجهات الإقليمية والدولية أن "ورقة اللاجئين" أصبحت عندها، مع علمها أن الأزمة المستمرّة بوجود النظام نفسه وممارساته هي العقبة الرئيسية أمام عودتهم. 

بعد نقاش طويل، خلال زيارة وزير الخارجية الجديد فيصل مقداد، وافقت موسكو على ترشيح الأسد، وعلى انتخابات رئاسية تُجرى أواخر أيار (مايو) أوائل حزيران (يونيو)، لكنها وضعت شروطاً، منها تمكين آخرين (ترشحهم موسكو) من مشاركة شكلية في "المنافسة"، وأن يتخذ الأسد أو حكومته إجراءات، منها إسقاط شرطَي الترشيح (الإقامة داخل سوريا في الأعوام الـ 10 الماضية، وموافقة 35 عضواً في مجلس الشعب)، مع هندسة النتائج ليفوز الأسد بنحو 65 في المئة، ما يتيح لموسكو إعادة ترويجه كـ"رئيس شرعي". 

من الشروط أيضاً إصدار "قرارات عفو" وإطلاق معتقلين، الملف الذي لم يستطع الروس إحراز تقدمٍ فيه لاكتشافهم أن معظم المعتقلين لم يعودوا موجودين. هنا ابتكر النظام حلاً، بمضاعفته أخيراً حملات الاعتقال بمعدّل مئات يومياً ليفرج عنهم تعزيزاً للحملة الانتخابية. وفي الإطار نفسه تقول مصادر قريبة من الحلقة الضيّقة للنظام إن عمليات مكثّفة أجريت لتخزين الدولار والوقود، بهدف إعادة ضخّها وإحداث انفراج معيشي نسبي بالتزامن مع الإعلان عن موعد الانتخابات خلال شباط (فبراير) المقبل.

يراهن الأسد للبقاء في السلطة، ولعله محقّ، على أن القوى الخارجية لم تردْ يوماً رحيله، وأهمها تلك الاحتلالات العديدة التي اجتذبها طوعاً أو قسراً لتتوزّع الجغرافية السورية، فبعضٌ منها يتغطّى بـ"شرعيته" (روسيا وإيران) وشاركته في تدمير كبرى المدن وتشريد نصف الشعب السوري، وبعضٌ آخر استمدّ "شرعية" من الباطن الروسي (تركيا وإسرائيل)، أو من محاربة الإرهاب كما سوّغتها "الشرعية الدولية/ الأميركية". زحمة "شرعيات" تعترف ببعضها بعضاً وتتصارع علناً وضمناً، وتبقي نافذةً لـ"شرعية" الأسد معتقدةً أن "توقيعه" ضروري على "الإصلاحات" الدستورية، بالأحرى متوهّمة أنه سيوقّع على خفض صلاحياته وضبط نزعة نظامه للبطش والتوحّش، أو حتى على "الاعتراف" بوجود شعب سوري له حقوق مشروعة وليس مجرّد مستَتبعين لطائفة واحدة. 

الانتخابات الرئاسية المقبلة هي الأولى منذ صدور القرار 2254 عام 2015، الذي لو طُبّق في المهل الزمنية المحددة لكان غيّر منذ 2018 كل السيناريوات الأسدية. لكن النظام استطاع تمييع التنفيذ بتخطيط متواطئ من الإيرانيين، واستطاع إفراغ القرار من مضمونه بتكتيك متواطئ مع الروس، وأدخل مهمّتَي المبعوثَين الأمميين ستافان ديميستورا وغير بيدرسون في المتاهة، الى أن اختُزل 2254 بـ"اللجنة الدستورية" التي تحكّم الروس بتشكيلها ويتجاهلونها يومياً في مضيّهم الى "حل سياسي" أرادوه دائماً... في كنف "نظام الأسد".

بقاء الأسد يعني شيئاً واحداً: سوريا والسوريون ممنوعون من الأمل. بلد مدمّر ومفلس ولا يملك رئيسه مبرّراً للاستمرار سوى أنه أعدم بدائله منذ زمن، ومكّنه "بعبع" البديل الإسلامي من إسكات الداعين الى رحيله. ما يساعده اليوم أكثر أن أميركا تستخدمه وسيلة لإغراق روسيا في سوريا، أما روسيا فتستخدمه لمنافسة أميركا بدفعه نحو صلح مع إسرائيل. التطبيع بالنسبة الى الأسد استحقاق ممكن، لكن... بعد الانتخابات.    

=========================

كم تعلمنا من العشر العجاف!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 4/1/2021

مرّت على السوريين عشر سنوات مريرة وكأنها عشرة قرون. رأوا وعاشوا فيها ما لم يره أو يعشه شعب في عالم كان في أحسن أحواله مجرد متفرج على حالهم. عالم لفّه في العقدين الماضيين صراع اقتصادي صامت ساخن بين الصين والكبار، وعسكري يبحث عن حروب غير مكلفة لإنعاش اقتصادي، يقابله محاولات روسية لاستعادة إمبراطوريتها.

في الشرق الأوسط، إيران تستمر بمشروعها التوسعي الخبيث؛ وإسرائيل تتغذى على خراب محيطها؛ وبعض العربان يتراكض نحوها، وعلاقاتهم الخفية معها تتكشف؛ وتركيا تتراقص بين حدود من نار تقارب الألف كم، والتمزق بين أميركا وروسيا.

في المحيط العربي، وبعد قرون من السيطرة العثمانية، وبضعة عقود من الاستعمار الحديث، وزرع سرطان اسمه إسرائيل، ورزوح تحت سلطات مرتبطة بالاحتلال المعاصر، وصولاً إلى حقبة دكتاتورية مريرة موجعة نذلة؛ كان لا بد من انتفاضة شعبية بعد غليان خلال كل تلك القرون والعقود.. من تونس إلى ليبيا ومصر واليمن وصولا إلى حارتنا، التي ما توقع مطّلِعٌ على أعماق الأمور في سوريا أن انتفاضة فيها ممكنة.

في سوريا، تتوج ذلك التاريخ الموجع بعشر سنين من النار والدمار والدماء والاحتلال المتعدد. فما الذي خلصنا إليه مع اكتمال حقبة العشر العجاف.

هناك نظام غريب عنه حكَمَه واستبدَّ به كعدو؛ حيث بنى استراتيجية حكمه على المواجهة، لا العيش والتعايش

كثيرة هي الأمور التي كشفتها هذه السنوات العشر؛ والأهم ما تعلمه أو استخلصه السوري من هذه السنين؟ هناك نظام غريب عنه حكَمَه واستبدَّ به كعدو؛ حيث بنى استراتيجية حكمه على المواجهة، لا العيش والتعايش. نظام حصّن نفسه بخدمات جليلة قدّمها لمخابرات العالم، كي تحميه عند امتحانه. بلا أي حس بالمسؤولية تصرّفت عصابة النظام وكأنها تضع يدها على مزرعة فيها أقنان؛ تسرق تعبهم وبلدهم. عندما طلبوا جرعة حرية، قابلتهم العصابة بالرصاص والدمار وصولاً إلى استخدام السلاح المُحَرّم دولياً؛ وعندما عجزت عن مواجهتهم استجلبت ميليشيات مرتزقة، ثم دولة عظمى بإجرامها كي تحمي نفسها.

ما كان أحد ليتصور أن نظاما يمكن أن يستخدم طائرات لقصف مناطق فيها مواطنو بلده، أو أن يستخدم السلاح الكيماوي في قصفهم، أو أن يصفهم بالإرهابيين، أو أن يربط اسمهم باسم داعش، أو أن يعتقل نصف مليون منهم، أو أن يقضي عشرات الآلاف منهم تحت التعذيب، أو أن يدمر ويشرد نصف سكان بلد هو مسؤول عنه.

لقد تكشّفت وانفضحت بشكل صارخ كذبة "المقاومة والممانعة". حتى من كان يرى في نظام الأسد وإيران وحزب الله "نبراساً للمقاومة والممانعة"، اهتزت قناعته. وتوصل السوري إلى قناعة أنه حتى إسرائيل- محتلة الأرض ومرتكبة الجرائم -  أرحم منه؛ لقد كان هذا أكبر خدمة يسديها هذا النظام لمحتل الأرض ومغتصب الحقوق. إن أهم ما أنجزته هذه العشر العجاف هو أنها فضحت منظومة الاستبداد. لقد تعرى هذا النظام تماما حيث ارتكب من الجرائم ما يجعل حتى إسرائيل تجد صعوبة وتتردد بقبول صفقة معه.

ليعلم السيد بوتين أن السوريين، الذين ينظر إليهم هكذا، هم الأكثر أخلاقاً والأنبل، وهم أصحاب الحق، وأهل الدم، والمسؤولين، والغيارى على بلدهم

كشفت هذه السنين- ورغم كذب واحتيال النظام وروسيا التي تحميه- عقم العملية السياسية مع النظام. لقد أفرغ الروس العملية من مضمونها، ليس فقط بخلق مسارات خارج إطار جنيف، بل من خلال النظر للسوريين والتعامل معهم كأناس مهزومين أمام نظام الأسد. هذه النقطة بالذات هي سر الفشل الروسي في سوريا. كل ما فعله بوتين عسكرياً قيمته صفر، إن لم يتوَّج بإنجاز سياسي.

ليعلم السيد بوتين أن السوريين، الذين ينظر إليهم هكذا، هم الأكثر أخلاقاً والأنبل، وهم أصحاب الحق، وأهل الدم، والمسؤولين، والغيارى على بلدهم. أما تلك المنظومة التي حماها، ويسعى لإعادة تأهيلها فهي الحاملة لعقل العصابة والمزيِّفة والمزيَّفة والأنانية والمستبدة بالبلاد والعباد، وهي من سفكت الدم وهي المهزومة والزائلة حتماً؛ وإذا كان هدف بوتين تكريس منظومة الاستبداد الأسدية؛ فهو واهم جداً؛ لأن إسرائيل التي يسعى هو ذاته لنيل رضاها، لم ولن تتمكن من ذلك.

اكتشف السوريون آلاف الأمور خلال هذا العقد؛ تعلموا الكثير، وبالطريقة الأصعب؛ جروحهم ومواجعهم بلا ضفاف؛ وكل ذلك أعطاهم قوة ومناعة قلَّ توفرها عند أي شعب آخر. رغم الصورة الضبابية، فهم يدركون الآن أن سيادة بلدهم واستقلاله وحريته ومنعته وسلامه وتعايشه وازدهاره وإنقاذه لا يمكن أن تتحقق مع استمرار منظومة الاستبداد، ولا مع وجود الاحتلالات. أهم ما اكتشفوه هو أنهم حتى ولو لم يستطيعوا دحر الاستبداد والاحتلال حاضرا، لن يسلّموا أو يستسلموا لمشيئته ويعتبروا ذلك أمراً واقعاً.

=========================

من سيرة آل الأسد: سجناء فوق العادة (2)

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 4/1/2021

حين خرج نُمير من سجن صيدنايا بداية الاستعصاء، صيف 2008، نُقل إلى سجن عدرا ثم إلى سجن السويداء المركزي، بعد أن أتقن الاستثمار في السجون وتوزيع الحصص على الضباط والأعطيات على عناصر الشرطة في جهاز يشتهر بفساده. وطيلة السنوات التي قضاها هناك لم يتغير عليه شيء سوى اندلاع الثورة واكتظاظ السجن بدعاوى المتهمين بالإرهاب بسبب مشاركتهم فيها. ومن المعروف لمن عبر سجون النظام في تلك السنوات أن موقف الشبيحة كان تأييد الأسد واتخاذ مسافة عن معارضيه السجناء على الأقل، إن لم تدفعهم عوامل الطائفية أو تملق السلطة إلى اضطهاد الثائرين.

لا نعرف بالضبط دافع نمير للاعتداء على أحد المعتقلين السياسيين، إن كان يحتاج إلى سبب أصلاً! لكن هذه الحادثة، التي جرت في أول نيسان 2016، دفعت جناح المحكومين من المحكمة الميدانية إلى التمرد، لينضم إليهم باقي سجناء الثورة عموماً، وتبدأ المملكة بالاهتزاز إثر تدخل أجهزة أمنية أخرى للتحقيق في شبكة الفساد المتكاملة التي كان يديرها، ولا سيما إثر حصول عصيان آخر تحدث ممثلوه عن الأطعمة منتهية الصلاحية التي يبيعها لهم بأسعار خيالية، والتي أدت إلى حالات تسمم وانتشار أمراض معوية.

جرت تغييرات في إدارة السجن. وتقرر نقل نمير الذي اختار سجن طرطوس. لكنه وجد برقية في انتظاره عندما وصلت دورية «السرگلة» التي تنقله إلى حمص، تقضي بإعادته إلى دمشق وإيداعه في سجن عدرا. يقول نمير بمرارة: «ابن عمي رفضني!».

ينتمي سليمان إلى فرع فضيّ من العائلة إن جاز التعبير، أقرب بكثير إلى جناحها الحاكم. أبوه هلال كان قائد الدفاع الوطني في اللاذقية و«شهيده الهمام»

لم يكن «ابن العم» هذا سوى سليمان. أما إيضاح درجة القرابة بين السجينين فيحتاج إلى خريطة معقدة!

ينتمي سليمان إلى فرع فضيّ من العائلة إن جاز التعبير، أقرب بكثير إلى جناحها الحاكم. أبوه هلال كان قائد الدفاع الوطني في اللاذقية و«شهيده الهمام». وقد أسهم هذان الاعتباران، وغيرهما، في حصوله على مراعاة ما. أولاً بتقديمه إلى محكمة الجنايات العسكرية لا إلى المحكمة الميدانية. وقد حكمت الأخيرة على الآلاف بالإعدام نتيجة اعترافات، منتزعة بالإكراه، بقتل أحد من أفراد الجيش مهما كانت رتبته. في حين حُكم على سليمان بالسجن لعشرين عاماً، تم أخيراً تقصيرها بعد أن أسقط ذوو العقيد القتيل حقهم مقابل دية، وأمكن أن يستفيد من ثلاثة مراسيم عفو صدرت بعد الحكم. وأفلح هذا التراكم في اختصار المدة إلى خمس سنوات قضاها محتجزاً، وإن لم يكن سجيناً مضطهداً كالآخرين.

منذ توقيفه عام 2015، إثر جريمته والاحتجاجات العلنية عليها ضمن الطائفة، اختار سليمان أن يبتعد عن سجن اللاذقية، حيث يمكن أن يجد الكثير من أعدائه، ويُحتجز في طرطوس، حيث يقبع في سجن صغير هادئ استطاع تأمين احتياجاته فيه بشكل مرفّه. فأقام في غرفة خاصة حوت كل ما يحتاج إليه من مفروشات وراوتر خاص ليتابع صفحته على فيس بوك ويتوعد الشامتين، وشاشة متصلة بطبق ستالايت ليزجي وقته، ناهيك عن أنواع الطعام والشراب والحبوب المخدرة، فضلاً عن خدمات خاصة بنقل إحدى سجينات الدعارة إلى غرفته لبضع ساعات في الليالي التي لا يكون فيها المدير موجوداً. فقد أغدق سليمان بكرم على الجميع، دون أن يستطيع رشوة هذا العقيد الذي كان يصارع ضباطه محاولاً الحد من تفشي الفساد، في جولات متبادلة من رجحان إحدى الكفتين.

في أواخر تشرين الأول 2016 ضبط المدير شرائح موبايل كانت في طريقها لسليمان الذي طفح به الكيل وقرر الإطاحة بخصمه نهائياً، فبدأ استعصاء في طابق السجناء الجنائيين، موّله بكمية وافرة من «الحبوب» التي هيّجت الجميع فخلعوا الأبواب وفتحوا المهاجع وطردوا الشرطة. أما معتقلو الثورة، الذين كان عددهم نحو 150 من العدد الإجمالي للنزلاء 550، والذين وجدوا أنفسهم في قلب الاستعصاء، فشاركوا فيه بحذر وبعد تلكؤ.

تولى سليمان وبعض حاشيته التفاوض. تحدثوا عن سوء الطعام والتهوية والنظافة، مركّزين حملتهم على المدير. وبهدف حل الوضع زعم مسؤولو الأمن الجنائي ووزارة الداخلية أنه سيقال. اطمأن سليمان، ولا سيما بحضور عمّيه هارون وهائل كضامنين لسلامته مع مفاوضي النظام، وعاد إلى السجناء ليطلب فك الاستعصاء ففوجئ بمطالب جزء مختلف من «ثواره». إذ لم يكن المعتقلون السياسيون مهتمين بتغيير المدير ولا بتحسين ظروف سجنهم، بل طلبوا مقابلة وزيري العدل والمصالحة الوطنية لإبرام صفقة تقضي بإخراجهم إلى المناطق المحررة بإشراف الصليب الأحمر الدولي، أسوة باتفاقات مماثلة حصلت في سجون أخرى وتم فيها إطلاق سراح أمثالهم من معتقلي الثورة.

من عام 2016، ولأربع سنوات تلت حتى خروجه في 2020، أمضى سليمان أيامه في غرفة خاصة في جناح المشفى، جهّزها بكل ما يلزم كالمعتاد

أسقط في يد سليمان، لكنه «قائد الاستعصاء» والمعبّر عن المطالب المتنوعة لكل المشاركين فيه، حتى لو كانوا من معتقلي «الإرهاب» الذين طالما تسلى بضربهم قبل ذلك! فعاد لإعلام مفاوضيه الحكوميين بالمطالب الجديدة. وكان على رئيس شعبة الأمن السياسي، اللواء ديب زيتون، أن يكون طرفاً في هذا المشهد الغرائبي وأن ينتظر صحو سليمان لينهي هذه المهزلة ويُعتقل رؤوس التمرد الذين سيدفعون الثمن دعوى جديدة بارتكاب عمل إرهابي، ونقلهم إلى سجن عدرا في أواخر تشرين الثاني.

منذ ذلك الوقت من عام 2016، ولأربع سنوات تلت حتى خروجه في 2020، أمضى سليمان أيامه في غرفة خاصة في جناح المشفى، جهّزها بكل ما يلزم كالمعتاد، منفقاً الكثير من المال ليحصل على كل ما يريد.

أما نمير، الذي وصل قبله إلى عدرا، فحاول تكرار أدواره المربحة السابقة في استثمار «الندوات» حتى دس منافسون له تهمة ترويج المخدرات فنُقل إلى جناح المعاقبين، حيث صنع من تنكات الزيت الفارغة فرناً بدائياً يخبز فيه صواني اللحم والفروج والخضار، التي يعدّها السجناء، لقاء أجر زهيد. ويعيش بانتظار أن ينتهي المؤبد، الذي حُكم به، بطريقة ما..

=========================

تركيا في سوريا: أولويات العام الجديد

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد3/1/2021 

شهدت العلاقات بين أنقرة ودمشق مرحلة جديدة من التصعيد والتوتر بعد آذار 2011 على حساب تفاهمات الشراكة والجوار التي أسست لانفتاح سياسي واقتصادي وأمني بين البلدين. قررت أنقرة دعم الحراك الثوري في أكثر من عاصمة عربية وراهنت على سقوط سريع لنظام الأسد مثل غيرها من اللاعبين الإقليميين والدوليين. لجأ النظام إلى طهران وموسكو لحمايته فانتقلت الثورة من وضعية أشهر وتنتهي إلى سنوات لا تنتهي، وتحول المشهد السوري إلى أزمة إقليمية دولية متداخلة متشابكة تزداد تعقيدا يوما بعد آخر.

من مقولة إن تركيا لم يكن بوسعها التزام الصمت إزاء الوضع في سوريا والأزمة التي أدت إلى مقتل نحو مليون إنسان ونزوح 12 مليوناً آخرين. إلى الإعلان أن الوجود العسكري التركي في سوريا مرهون بالتوصل إلى حل دائم للأزمة.

"حلب ستتحوّل إلى المقبرة التي تدفن فيها أحلام أردوغان" هو ما قاله الأسد بتشجيع روسي – إيراني. فجاء الرد التركي عبر استخدام القوة الخشنة على جبهات شمال سوريا لإفهام دمشق أن تركيا لن تتراجع عن حماية مصالحها وأمنها في الحدود الجنوبية.

من دعم للثورة قبل عقد وتذكير تركي بأهمية مدينة حلب وامتدادها التاريخي بالنسبة لأنقرة إلى حرب مواقع ضيقة على الحدود التركية السورية. ناهيك عن انتقال العديد من العواصم الغربية والعربية التي كانت تنسق مع تركيا في الملف السوري إلى المتاريس المقابلة ودخولها في عملية اصطفاف آخر بعدما تعارضت الحسابات والمصالح.

من حالة دعم للمواطن السوري الطامح للوصول إلى حقوقه السياسية والاجتماعية إلى وضعية تأمين احتياجات مئات الآلاف من النازحين واللاجئين. الهدف التركي كان دعم مطلب الحرية والديمقراطية في مواجهة نظام الأسد فتحول الأمر إلى منع مشروع التقسيم وبناء كانتونات انفصالية على الحدود الجنوبية لتركيا. من حلم الجار السوري المتحرر المنفتح والشريك إلى بحث مصير بلدة عين عيسى وبيد من ستكون وما الذي يعده البعض لمدينة القامشلي في مشروع سوريا الجديدة.

تركيا بعدما نسّقت مع الروس والإيرانيين في مساري أستانا وسوتشي ونفذت ثلاث عمليات عسكرية واسعة في الشمال السوري تجد نفسها أمام عملية جديدة لا مفر منها لمواصلة قطع أوصال مشروع ربط الكانتونات ببعضها البعض.

لافروف متمسك بمسار أستانا ودعم عمل اللجنة الدستورية والانتخابات في سوريا، وجاويش أوغلو يعطي الأولوية للتطورات في الشمال وخطط إبعاد قسد عن الحدود التركية

لقاء آخر عقد قبل أيام بين وزيري الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو ونظيره الروسي سيرغي لافروف في سوتشي لبحث تفرعات المشهد السوري على أكثر من جبهة. لافروف متمسك بمسار أستانا ودعم عمل اللجنة الدستورية والانتخابات في سوريا، وجاويش أوغلو يعطي الأولوية للتطورات في الشمال وخطط إبعاد قسد عن الحدود التركية في الجنوب. واشنطن تمنع بالمقابل آية تفاهمات بين حليفها المحلي الكردي وبين النظام وموسكو في شرق الفرات.

الكعكة السورية موزعة بين النفوذ الأميركي في شمال شرقي سوريا وشرق البلاد وبين النفوذ الروسي في الساحل والتركي في المناطق الشمالية الواقعة إلى الغرب من الفرات حتى حدود المنطقة الساحلية والهيمنة الإسرائيلية على حركة المرور في جنوب سوريا. دون إغفال التوغل الإيراني المذهبي في العديد من مناطق سيطرة النظام. أين تركيا ودورها في غرب وجنوب سوريا مثلا وما يعد هناك؟

عروض موسكو الثابتة هي إيصال قوات حليفها النظام إلى مناطق الحدود السورية التركية مجددا كخيار وحيد تلزم أنقرة به لمواجهة إصرار واشنطن على محاصرتها بالمشروع الكردي الكونفدرالي ولعب ورقة قسد حتى النهاية. الأنظار مشدودة نحو البيت الابيض وساكنه الجديد جو بايدن لمعرفة ما الذي سيقوله ويفعله.

أكثر ما قد نسمعه من عبارات وعروض هذا العام هو ضرورة قبول الوساطة الروسية الإيرانية بين أنقرة والنظام في دمشق الذي يتمسك بمواجهة مصالح تركيا مع كل من يناصبها العداء، ولأن الكثير من المعادلات والمعطيات تغيرت. خصوصا إذا جاء بايدن ليساوم على مشروعه الكونفدرالي الكردي ويحاصر تركيا بشمال سوريا بعد شمال العراق.

تركيا كانت مجبرة على تغيير وتعديل سياستها السورية أمام التطورات العسكرية والميدانية على حدودها الجنوبية وهي اليوم في وضعية الرد على محاولات روسية إيرانية لإبقاء النظام في غرفة العناية الفائقة كورقة رابحة من جهة ومواجهة أي تحرك أميركي لتسجيل اختراق سياسي دستوري عبر إهداء حليفه المحلي لعبة المشروع الانفصالي من جهة أخرى. التفاهمات التركية الروسية تكاد تتحول إلى مصيدة لأنقرة في الفخ السوري خصوصا إذا ما جاء بايدن ليعلن أنه سيكتفي بشرط حماية مصالح الحليف المحلي الكردي ويتنازل عن ترك الملف بيد موسكو لتتصرف كما تشاء مع بقية اللاعبين المحليين والإقليميين.

موسكو تتحدث عن أهمّية الحلّ السياسي في سوريا، لكنّها لا تتنازل عن طرح أن المرحلة الإنتقالية لا بد أن تأخذ في الاعتبار وجود الأسد الدائم أمام الطاولة من دون أية ضمانات زمنية. هي حصلت على أكثر مما كانت تتوقعه وتريده في سوريا. ورطت الجميع في اللعبة وعقدتها إلى درجة أن لا يغادرها أحدا دون موافقتها ورضاها.

هناك من يردد في أنقرة اليوم أن تعقيدات المشهد السوري ودخول أكثر من لاعب إقليمي على خط الأزمة حرمها الكثير من الفرص وتركها أمام ورطة الاصطفافات الواسعة ضدها

موسكو تتريث بانتظار تسلم بايدن لإدارة شؤون البيت الأبيض ليقرع أبوابها كلاعب أول في سوريا ومحاولة عرض فتح صفحة جديدة من الحوار معها للمساومة على ملفات إقليمية عديدة. هي لن تتردد بتبني برغماتية جديدة على حساب العديد من حلفائها وشركائها إذا ما كانت عروض بايدن مغرية. وأنقرة لا بد أن تضع هذا الاحتمال أيضا على الطاولة وهي تدرس مسار الملف السوري في العام الجديد. السباق قد يتحول إلى روسي تركي نحو البيت الأبيض إذا ما أشعل بايدن الضوء الأخضر أمام الروس والأتراك معا. فهل سيختار أحدهما أم سيحولها إلى أستانا بديلة تدفع إيران الثمن فيها؟ 

هناك من يردد في أنقرة اليوم أن تعقيدات المشهد السوري ودخول أكثر من لاعب إقليمي على خط الأزمة حرمها الكثير من الفرص وتركها أمام ورطة الاصطفافات الواسعة ضدها. لكن الأهم والأخطر يبقى تهديدات ومخاطر خروج الأمور عن مسارها الحالي والتقدم أكثر فأكثر نحو المجهول.

في العام 2021 لا مفر من تحول جذري في سياسة تركيا السورية طالما أن الحديث في أنقرة يدور حول تغيير ومراجعة سياسات ومواقف داخلية وخارجية.

=========================

عودة "داعش" في سوريا: ملاحظات وأسباب

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد3/1/2021 

عاد تنظيم "داعش" بقوة إلى المشهد السوري من خلال سلسلة العمليات التي تستهدف جميع الأطراف في البادية السورية وشرقي الفرات. وكانت العملية الأخيرة التي جرت يوم الأربعاء الماضي، في البادية ما بين ريفي دير الزور وحمص هي ذروة العمليات التي بدأت بالتصاعد تدريجيا منذ منتصف السنة الماضية.

وجاءت نتيجة تلك العملية ثقيلة على النظام السوري الذي ألغى المظاهر الاحتفالية بالعام الجديد في التلفزيون الرسمي، تضامنا مع أهالي الضحايا الذين صدرت عن بعضهم ردود فعل تندد بتهاون النظام عن تأمين عساكر ذاهبين لقضاء الإجازة. وذكر بيان داعش الذي تبنى العملية أن عدد القتلى بلغ أربعين من بين الجنود الذين ينتمون إلى الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، والتي تشارك الميليشيات الإيرانية العمل في منطقة شرقي الفرات، وعلى نحو خاص في البوكمال التي تحولت إلى قاعدة إيرانية باسم قاعدة الإمام علي، وتسيطر عليها ميليشيات فاطميون الأفغانية والحشد الشعبي العراقي تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني.

العمليات تستهدف كل الأطراف المسيطرة على هذه الجغرافيا على نحو شبه يومي. وسقط من جرائها قادة أمنيون وعسكريون من "قسد" والروس والنظام والميليشيات الإيرانية

ويمكن تسجيل عدة ملاحظات حيال العمليات التي يقوم بها تنظيم داعش. الأولى هي أنها تجري على رقعة جغرافية واسعة تمتد من محافظة الحسكة وتشمل محافظتي دير الزور والرقة في اتجاه البادية. والثانية هي أن هذه العمليات تستهدف كل الأطراف المسيطرة على هذه الجغرافيا على نحو شبه يومي. وسقط من جرائها قادة أمنيون وعسكريون من "قسد" والروس والنظام والميليشيات الإيرانية، وأبرز القتلى الجنرال الروسي فيتشسلاف غلادكيخ الذي لقي مصرعه مع قيادي بميليشيا الدفاع الوطني، في 18 من آب الماضي، نتيجة انفجار عبوة ناسفة في ريف محافظة دير الزور. والنقطة الثالثة هي أن العمليات في تصاعد واتساع رقعة تدريجي، وتكثفت على نحو ملحوظ في الآونة الأخيرة، رغم التعزيزات العسكرية المضادة.

أما الملاحظة الرابعة فتتمثل بالإخفاق في وقف هذه العمليات أو الحد منها، وهذا الفشل يسجل على الأطراف الموجودة على الأرض في هذه المناطق، أي روسيا، النظام، قسد، والميليشيات الإيرانية. ومن المعروف أن روسيا أعلنت في الصيف الماضي عن حملة عسكرية واسعة تحت مسمى الصحراء البيضاء بهدف القضاء على خلايا داعش في البادية، ما أدى إلى تصفية 327 مسلحاً وتدمير 134 ملجأ و17 نقطة مراقبة و7 مخازن عتاد و5 مخازن تحت الأرض للأسلحة والذخيرة" حسب التصريح الروسي الرسمي عن نتائج العملية.

يعزو خبراء من المنطقة التي تدور فيها العمليات نشاط داعش المتصاعد إلى عدة أسباب. السبب الأول هو سيطرة "قسد" التامة على المنطقة، ماعدا البادية التي آلت إلى النظام وروسيا. ومن دون شك يلقى مشروع قسد السياسي في المنطقة رفضا عاما من الأغلبية العربية، وخصوصا في محافظتي دير الزور والرقة ذات الأغلبية العربية المطلقة بنسبة تتجاوز 95%. ومنذ نهاية دولة داعش باتت المدينتان تحكمان من قبل قسد، الأمر الذي ولد نقمة شعبية غذاها التمييز، ووضع اليد على الثروات، وحرمان أهل المنطقة منها، وفرض مناهج دراسية من قبل الإدارة الذاتية الكردية.

ويعود السبب الثاني إلى سيطرة الميليشيات الإيرانية على مناطق واسعة في ريف دير الزور المحاذي للعراق، وقيامها بممارسات ضد أهل المنطقة، ومن ذلك حملات التشييع الواسعة التي تلقى معارضة شعبية من قطاعات واسعة.

تحتاج هزيمة داعش إلى مشروع مختلف يقوم على معالجة الاختلالات الكبيرة الحاصلة بسبب ممارسات الأطراف المسيطرة على الأرض،

أما السبب الثالث فهو يتلخص في عمل الروس على إعادة تأهيل النظام في المنطقة، وذلك في إطار السياسة التي تتبعها موسكو في كل المناطق التي سيطرت عليها منذ تدخلها العسكري في أيلول 2015. والتي أثبت فشلها كليا كما هو الحال في الجنوب، حيث إنها لم تتمكن حتى اليوم من تنفيذ اتفاقات 2018، ولذلك تشهد المنطقة حالة رفض شاملة للنظام وفوضى أمنية رغم قيام روسيا بإنشاء تشكيلات عسكرية موالية لها كالفيلق الخامس الذي تعمل على تعميمه في دير الزور.

تحتاج هزيمة داعش إلى مشروع مختلف يقوم على معالجة الاختلالات الكبيرة الحاصلة بسبب ممارسات الأطراف المسيطرة على الأرض، وأولها تسليم إدارة المنطقة لأهلها بما في ذلك مواجهة داعش عسكريا. ولابد في الختام من ملاحظة مهمة وهي أن داعش لا يحظى بشعبية في المنطقة، ولم تعد له حاضنة بين السكان، ولكن لا أحد من أهل المنطقة يجد نفسه معنيا بمواجهته، طالما أن ذلك يصب في صالح روسيا والنظام وإيران.

=========================

ماذا ينتظر المواطن السوري في مناطق النظام عام 2021؟

منتصر أبو نبوت - غازي عنتاب

الجزيرة

الاحد3/1/2021 

بعد أن ودّع السوريون عام 2020 بظروفه الصعبة بحسب المكان الذي يقطنون فيه -سواء أكان في مناطق النظام أو المعارضة، أو ما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية- تتعدد مشاكلهم وتختلف حسب ظروف كل منطقة من البلاد.

ولعل أبرز المخاطر والتحديات بالنسبة لسكان مناطق المعارضة تتعلق بالقصف والمعارك، أما سكان المناطق التي تسيطر عليها ما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية فالمخاوف في الغالب أمنية، بينما المواطنون السوريون في مناطق النظام حيث العدد الأكبر مقارنة مع بقية المناطق، فيعيشون ظروفا اقتصاديا وأمنية وطبية صعبة، والسؤلان اللذان يطرحهما الجميع في مناطق النظام السوري هما: ماذا بعد، وهل تحمل سنة 2021 حلولا معها؟

البرلمان السوري أقر موازنة 2021 أقل بمليارين ونصف المليار دولار عن موازنة 2020 (أسوشيتد برس)

موازنة 2021

يأتي الجواب عن التساؤلين بترتيب الأولويات بالنسبة إلى المواطن السوري، ولو أردنا ترتيبها استنادا إلى هرم ماسلو الشهير، الذي يصنف الاحتياجات الإنسانية، نجد أن الحاجات الفسيولوجية المتعلقة بالمأكل والمشرب في قاعدة الهرم، أيّ أن الأوضاع الاقتصادية ستكون الهاجس الأول بالنسبة إلى المواطنين السوريين.

من المتوقع أن تفرض الولايات المتحدة الأميركية مزيدا من العقوبات على النظام السوري خلال عام 2021، عملا بقانون قيصر الذي دخل حيز التنفيذ منتصف 2020، ولأن الاقتصاد السوري مرتبط بأشخاص مسؤولين لدى النظام السوري أو رجال أعمال مقربين منه، فإن الوضع الاقتصادي سيزداد سوءا وتنهار الليرة السورية، التي تتهاوى معها أحلام السوريين في مناطق النظام بتحسين وضعهم الاقتصادي أو المحافظة على الوضع الراهن، الذي سيُعَدُّ منفرجا مقارنة مع ما بعد انهيار إضافي لليرة.

وبعد أن أصبح قانون قيصر أمرا واقعا في حياة المواطن السوري، فالنظام يلقي بالفشل الاقتصادي الذي تشهده البلاد على هذا القانون، متغافلا عن الفساد واقتصاد الظل اللذين يتغلغلان في مؤسساته، خصوصا أن سوريا بلد لا يعتمد على الاستثمار في اقتصاده حتى قبل عام 2011.

كما أن النظام السوري كشف للسوريين عن الوضع الاقتصادي منذ أن صادق مجلس الشعب في دمشق على موازنة 2021 التي لم تزد على 7 مليارات دولار أميركي، في رقم يعتبر أقل من العام السابق بنحو مليارين و400 مليون دولار أميركي، وهذا ما يؤكد أن وضعا اقتصاديا صعبا ينتظر السوريين خلال عام 2021.

السوريون في مناطق النظام يتخوفون من أن يخضعوا لتجارب اللقاحات الجديدة المكتشفة في دول أجنبية (الأوروبية)

الصحة والخدمات

ينتاب السوريين تخوف من فيروس كورونا في ظل عدم حديث النظام عن لقاح قادم إلى البلاد مع إعلان أغلب دول العالم عن اللقاحات المتوقعة، لكن الخوف الأكبر لديهم من حصولهم على لقاحات قد لا تكون فعّالة، والهدف منها التجربة أكثر من العلاج، والحديث هنا عن الدولتين الداعمتين للنظام السوري، روسيا والصين اللتين تعملان على لقاحات مشكوك في فعاليتها، ولأن منظمات حقوقية كشفت في وقت سابق عن اختبار موسكو لأسلحتها الجديدة بسوريا خلال المعارك في السنوات الماضية، فقد زادت المخاوف من إجراء مماثل في المجال الطبي واللقاح الذي لم يخضع للشروط الصحية المعروفة.

ولم ينهِ السوريون عام 2020 في مناطق النظام إلا بعد أن انعدمت الكثير من الخدمات وتغيرت حياتهم بسبب ترديها. وإذ شهد 2020 طوابير طويلة للحصول على أبسط مستلزمات الحياة، فإن 2021 سيكون عاما للطوابير الأطول، لأن المقومات التي يدخل بها النظام السوري هذا العام أقل من العام الماضي، فالتقنين الذي يعيشه المواطن السوري على الكهرباء والبنزين والغاز وغيرها من الأساسيات سيزداد خلال 2021 ما ينذر بكثرة الطوابير وزيادة وقتها وطولها.

وأنهى السوريون القاطنون في مناطق النظام السوري عام 2020 بتصريحات رسمية من جمعية اللحامين بأن 40% من السوريين غير قادرين على شراء اللحوم تماما، و25% قادرون على الشراء لكن جزئيا، وهذا ما يكشف عن واقع صعب ينتظرهم خلال 2021 في ظل أوضاع اقتصادية أكثر سوءا من 2020.

الهروب للخارج

تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في مناطق النظام السوري، وغياب حلول واضحة وحقيقية لمشاكلهم تدفع الكثير منهم إلى التفكير بالسفر، وقد بدا ذلك جليا عندما شهدت منصات التواصل الاجتماعي للسكان في مناطق النظام السوري سخرية من مؤتمر عودة اللاجئين الذي عقد في دمشق من أجل تشجيع السوريين في الخارج على العودة.

فمن المتوقع أن تشهد مناطق النظام موجة جديدة من الهجرة إلى أوروبا في النصف الثاني من عام 2021، أي بعد استقرار انتشار فيروس كورونا واستقرار الأوضاع في الدول التي قد يمرون بها خلال رحلة الهروب من واقع الحياة في سوريا، ابتداءً من تركيا ومرورا باليونان ودول أوروبا الشرقية ووصولا إلى أوروبا الغربية، حيث يجدون الاستقرار والأمان اللذين يُصنفان في ثاني قاعدة هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية.

وقد بدأ الكثير من الشباب السوري بالهروب من سوريا إلى دول الجوار خصوصا لبنان وتركيا استعدادا لإكمال الرحلة، كما أن البلاد قد تشهد تشديدا لسحب الشباب إلى الخدمة الإلزامية، بعد فرض النظام السوري أسعارا لدفع البدل عن الخدمة، بهدف الحصول على الأموال أو العناصر في حال لم يتمكن الشاب من الدفع بعد تحقيقه الشروط المرفقة مع القانون.

=========================

لا حل ولا تسوية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 2/1/2020

بعد وصول موازين القوى إلى درجة معينة تحتم وجود رابح وخاسر في أي صراع، يرفض المنتصر التوصل إلى حل سياسي، ويفضّل الذهاب إلى تسويةٍ مع خصومه، بما أن الحل يتعيّن بثوابت سياسية وحقوقية تتنافي مع التسوية التي تتعيّن بموازين القوى، وبأرجحية كفّة المنتصر على المهزوم الذي لا يبقى أمامه غير العمل لبلوغ تسوية، لا يهزم فيها. 

يقول هذا التعريف الأولى لمآلات الصراع السوري إن ما ينتظرنا لن يكون حلا سياسيا يتعين بمقومات وثوابت ثورة الحرية والوطنية السورية، بل سيكون تسويةً لصالح الأسد، تترك لنا خيارا لا خيار غيره: ألا نرى فيها نهاية الصراع مع الاستبداد، بل حالةً مؤقتةً نعمل لتغييرها منذ اليوم: عبر إعادة نظر جدّية في وضعنا الذاتي، تحول بين روسيا والتعامل معنا كمهزومين، سواء بقوة الغلبة العسكرية أو رغبة موسكو في استعمار سورية، وتقنع واشنطن بالتخلي عن موقفها السلبي من حل القرارات الدولية السياسي الذي يعترف بحق الشعب السوري في بناء نظام ديمقراطيٍّ بديلٍ للأسدية، وتبدأ باستخدام ما لديها من وسائل كفيلةٍ بدفع روسيا إلى التخلي عن الأسد. هذا الخيار، الذي أقترحه، يراهن على خروج المعارضة من ضعفها وعجزها، وقيامها بدورٍ يقنع الآخرين بربط مصالحهم بحلٍّ سياسي لصالح السوريين. 

باستحالة الحل السياسي، وبالتسوية احتمالا يكرّس هزيمتنا بقوة موسكو العسكرية، وتعطّله واشنطن لحساباتٍ لا تدور حول حقوقنا، مصالحنا، يدخل الوضع السوري في حالةٍ من الجمود، يرجّح أن تستمر ريثما يتفق المتصارعون الإقليميون والدوليون على تفاهمٍ يبقي لهم الحصص السورية التي توزّعوها فيما بينهم خلال الصراع، ويعني حصولهم عليها قبل الحل والتسوية ما نعيشه من ركود واستمرار لما صار مأساة قرننا، وسط ما يسود الساحة من توازناتٍ غير متعادلة بين واشنطن وبقية المتدخلين الذين يعملون لحماية حصصهم، وتحسين شروط الصفقات القادمة حولها، والتي لن يكون للأسدية والمعارضة كلمة فيها. 

إذا كان الحل السياسي قد عطّلته سياساتٌ دوليةٌ رفضت تطبيق قراراتها، وكانت التسوية معطلة أميركيا، وكانت روسيا عاجزة عن تغيير هذا الواقع الذي تعتبر المعارضة أضعف أطرافه، فإن العطالة القائمة التي يرجّح أن تستمر فترة غير قصيرة، تملي علينا الإفادة من الوقت الضائع لتحسين شروط التسوية، عبر إعادة نظر حاسمة في وضعنا الذاتي الذي يجب أن يمكّننا من الحصول على حصةٍ من وطننا، بقدرات شعبنا وتعاوننا مع الآخرين، ورفع مصالحنا إلى مستوى تتوافق فيه مع مصالحهم، وصولا إلى تحولنا إلى طرفٍ يمكنه بلوغ تسويةٍ متوازنة، تقبل التطوير إلى حل سياسي ديمقراطي بما ستطوّره قواه السياسية المختلفة من توافقٍ يتيح لها بلورة خطط مشتركة، تبلغ بواسطتها حلا تدريجيا يقرّر مصير شعبنا، انطلاقا من مصيره الوطني الجامع. 

قد تبدو هذه المهمة صعبة التحقيق، لكن الصراع الذي سيدور بشأن نمط التسوية السياسية، وحتمية أن يكون لنا إسهام وازن فيه، يفرض علينا القيام بجهودٍ يضبطها تطوّر توجهه خطط مدروسة وتفصيلية، نبلغ بواسطتها تدريجيا ما كنا نريد تحقيقه بخطوةٍ واحدة، وآن لنا أن نقتنع أنها غدت مستحيلة، وأن تحسين شروط التسوية وعائدها هو المتاح لنا اليوم، الذي سيُخرجنا من عطالةٍ مديدةٍ لعب وهم الانتصار بخطوة واحدة دورا كبيرا في ما ألحقته بنا من كوارث. 

ليس انخراطنا في صراع جدّي حول التسوية المنتظرة غير البديل الوحيد الذي يجعله استعصاء التفاهم الدولي حول بلادنا، الحل الذي تُمليه علاقات المتحاصصين، ورغبتهم في المحافظة، بأي ثمن، على حصصهم، من دون صراع يبدّلها أو يهدّدها، فنخرج نحن، عندئذ، صفر اليدين من الصراع على وطننا، كأننا لم نكن طرفا فيه، أو لم يدفع مواطنونا ثمنا يفوق الخيال لانخراطهم فيه.

=========================

موقفنا : في الذكرى الخامسة لسقوط حلب المحررة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٦ / ١ / ٢٠٢١

لقد لامني عند  القبور على البكا     رفيقي لتذراف الدموع السوافك

فقال أتبكي كـل قبـر رأيتـه     لقبـر ثوى بين اللوى والدكادك

فقلت إن الشـجا  يبعث الشجا    فدعني فهـذا كلـه قبـر مالك

أتوقف اليوم عند الذكرى الخامسة لسقوط حلب الجميلة البهية ..

أتوقف لأبكي بالبكاء عليها ، كل بلدة وكل تلة وواد أعاد الظالم المستبد حبيب الفناء عدو الحياة ، وضع يده عليها .

بالنسبة إلي كل غرس شجرة على الأرض السورية هي حلب في جمالها وبهائها وقدرها وقيمتها ..

والمشهد السوري يحتاج إلى وقفة عملية من المختصين الاستراتيجيين لإعادة دراسة الموقف ، ليس للبكاء على اللبن المسكوب، على طريقة الشعراء ، وإنما لمعرفة أين كان الخلل ؟ وكيف نتجنبه ؟ إن كنّا صادقين في أننا عازمون على الاستمرار ؛ في كل المحطات ، يحاصرنا قول ربنا تبارك وتعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ).

لا يعجب المدمنون على السكر والحشيش والأفيون شيء مثلما يعجبهم قول أبي نواس : وداوني بالتي كانت هي الداء . ولذا تراهم كلما لاصوا غاصوا أكثر وأكثر ...

ونقول لكل المتكئين على آرائك القرار الثوري السوري : لقد كان الانكسار الأول في " القصير ، ثم في " عين العرب " وما تلاها ، وما أسرعت ما تحررت الرقة ثم لتصبح وكرا للغلاة المارقين ، ثم مضايا ، وكان ما كان في مدن الغوطة ؛ ولم يكن لنا في أي هذه الوقائع درس وعظة واعتبار .

شكل دخول الروسي إلى سورية بكل ثقله قبل سقوط حلب بخمسة عشر شهرا ، محطة تحول كبرى في ساحة الصراع ، محطة تحول تعبوية عملياتية استراتيجية، ولكن ذلك لم يدفع القادة العسكريين ولا القادة المتعسكرين إلى إعادة دراسة المعطيات والمستجدات دراسة استراتيجية بعيدا عن الأماني ، وإن كان أحد قد فعل فمن فئة يقال فيها " ولكن لا رأي لمن لا يطاع "

ثم سقطت حلب فمثل سقوطها بداية الانحسار ، ولحظة الانكسار الحاد لمسار الثورة ؛ الذي طل صاعدا من قبل .

ويوم قال بعض الناس إن واقع الثورة بعد حلب لن يكون كما كان قبلها فسر هذا القول بعض الناس بعصبية مقيتة لا تليق بثوار.

وبعد حلب كانت أستانا وكانت مناطق خفض التصعيد الكاذب ، وكانت الهدن المقيتة ، وكانت التسويات القميئة ، والمقام ليس مقام هجاء .

انطلقت الثورة السورية الشعبية في أبعادها العامة مطالبة بالعدل والكرامة " الشعب السوري ما بينذل " متفقة على ثلاثة مقدسات " الله - سورية - حرية وبس " وكانت بس تعني بس .

في الذكرى الخامسة لسقوط حلب ..

نتساءل : من من القوى والهيئات السورية المسئولة اتخذ قرار عسكرة الثورة ؟؟؟

من من القوى والهيئات السورية المسئولة وضع استراتيجية المواجهة العسكرية على الطريقة التي تمت بها .

من من العسكريين السوريين يُؤْمِن بمواجهة عسكرية تحت سماء مكشوفة يسيطر عليها طيار متوحش لحم الأطفال أشهى على مائدته من لحم الرجال المقاتلين ؟

كانت معركة السوريين مع القابع في القصر فصارت مع كل حجر وشجر منتشر أو منتثر على الأرض السوري ..

قال العقلاء للناس بشار الأسد لن يخلع من حمص ولا من حماة ولا من قهوة الشعار في حلب .. ولكن في معامع الفوضى والنفج والادعاء لا ينفع التذكير ..

سقطت حلب ، وكان سقوطها متوقعا ، وكان سقوطها حلقة في سلسلة ، وجزء من مسار ، وسقطت بعد حلب القلمون وحوران والغوطة ..

وما يزال الناس ممسكين بنفس المسار !! ويلوح لي بقبضته فأحوقل وأحسبل واسترجع ..

ومسار الثورة اليوم في يد أقوام تشهوا يوما أن يكون لهم مقعد في الجبهة الوطنية التقدمية ، ويظنون أن الحظ قد ابتسم لهم..

نقول للصادقين العازمين على الرشد، إن صدقتم فما أنتم فيما انتم عليه ، على طريق ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

أنقرة بين موسكو وواشنطن

عمر كوش

العربي الجديد

السبت 2/1/2020

تشهد العلاقات التركية الأميركية حالة غير مسبوقة من التردّي، وصلت إلى درجةٍ فرضت فيها الولايات المتحدة عقوباتٍ على مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية، على خلفية شراء تركيا منظومة الصواريخ الدفاعية إس 400 الروسية، على الرغم من أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأن سلاح العقوبات لا يتماشى مع طبيعة العلاقات بين الدول الأعضاء في هذا الحلف. 

وإن كانت العقوبات الأميركية على تركيا، بموجب قانون "مكافحة خصوم الولايات المتحدة عبر العقوبات" (كاتسا)، فردية وليست مشدّدة، إلا أن احتمال اتخاذ واشنطن خطواتٍ إضافية ضد تركيا ما يزال قائماً، خصوصاً مع تسلّم إدارة الرئيس الأميركي الجديد، جو بايدن، مفاتيح صنع القرار في واشنطن التي عليها تقييم سياساتها العالمية، ومنها سبل تعاملها مع تركيا. 

ويبدو أن الساسة الأتراك فضّلوا عدم التصعيد مع الولايات المتحدة حيال إعلانها فرض عقوباتٍ على بلادهم، إذ دعا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة وأوروبا خلال العام الجديد 2021، مؤكّداً أن "علاقات التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري متعدّد الجوانب التي تبنيها تركيا ليست بديلاً عن الروابط المتجذّرة مع الولايات المتحدة"، وأعرب عن اعتقاده بأن بايدن سيولي الأهمية المطلوبة للعلاقات التركية الأميركية، و"عدم وجود أي أحكام مسبقة وعداوة وخصومة لأحد لديهم". غير أنه في السياسة الدولية الراهنة يصعب على أنقرة الموازنة في علاقاتها مع كل من واشطن وموسكو، لأن علاقتها مع روسيا يختلط فيها التعاون مع المنافسة، وليست قابلة للتطبيق مع الولايات المتحدة. إضافة إلى تنافر استراتيجيات كل روسيا والولايات المتحدة ومصالحهما، وسعيهما إلى توسيع مناطق النفوذ والسيطرة العالمية، كما أن غاية ساسة موسكو، في علاقاتهم مع أنقرة، استمالتها نحوهم، وإبعادها عن المحور الأميركي، بينما ترى واشنطن أن اقتراب أنقرة من موسكو يعني دخولها في حلفٍ مناهض لها، لذلك ترى الأوساط السياسية التركية أن واشنطن تريد من أنقرة الابتعاد عن موسكو سبيلاً لتطبيع العلاقات معها.

احتمال اتخاذ واشنطن خطواتٍ إضافية ضد تركيا ما يزال قائماً

وبالنظر إلى تنامي العلاقات التركية الروسية في السنوات القليلة الماضية، فإن أنقرة باتت غير مستعدّة للتضحية بعلاقات التعاون والشراكة التي بنتها مع موسكو في ملفات إقليمية عديدة، من أجل إرضاء واشنطن، خصوصاً أنّ كلّاً من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، يريد الحفاظ عليها، ويتطلّع إلى مزيد من التعاون والتنسيق المشترك. 

وانعكس تنامي العلاقات التركية الروسية في انتقالها إلى مستوياتٍ جديدة، منذ طوت الدولتان أزمة إسقاط طائرة السوخوي الروسية في عام 2015، إذ توسّعت مجالات الشراكة والتعاون بينهما على المستوى الاقتصادي، وخصوصاً في مجال الطاقة. وعلى المستوى السياسي، توصّلت الدولتان إلى بناء تفاهمات واتفاقيات في ملفات إقليمية عديدة، بدءاً من سورية ومروراً في ليبيا ووصولاً إلى ناغورني كاراباخ. وفي المجال العسكري، تتوّجت في صفقة الصواريخ الدفاعية إس 400، غير أن المشكلة في العلاقات التركية الروسية اعتمادها على العلاقة الشخصية بين الرئيسين، أردوغان وبوتين، بالنظر إلى القواسم المشتركة بين شخصية كل منهما، وإلى ما يسميه بعضهم "الكيمياء السياسية" للزعيمين، إذ وصف الرئيس الروسي نظيره التركي بأنه "رجل يلتزم بكلمته ويفعل كل ما بيده من أجل بلاده"، وبدوره اعتبر أردوغان أنه "منذ أول لقاء معه، عرفته رجلاً ذا كلمة، يتمتع بأمانة كبيرة، ويحافظ على كل تعهداته". 

إن كان المديح المتبادل بين بوتين وأردوغان يُراد منه توجيه رسائل إلى واشنطن وسواها، إلا أنه يجسّد أيضاً سعيهما نحو تطوير علاقات بلديهما

وإن كان المديح المتبادل بين بوتين وأردوغان يُراد منه توجيه رسائل إلى واشنطن وسواها، إلا أنه يجسّد أيضاً سعيهما نحو تطوير علاقات بلديهما، على الرغم من أن ذلك لا يخفي الخلاف والتنافس بينهما في ملفات عديدة، لكن علاقات الزعيمين حالت دون تطوّرها إلى مشكلات في المناطق التي تختلف فيه المصالح، وتمكّنا من إدارتها في كل من سورية وليبيا والقوقاز. والأمر نفسه تقريباً ينطبق على العلاقات التركية الأميركية في فترة الرئيس دونالد ترامب، من جهة اختزالها بالعلاقة الشخصية بين أردوغان وترامب، والإعجاب المتبادل بينهما، إذ أشاد ترامب بأردوغان في أكثر من مناسبة، فيما أثنى أردوغان على ترامب، واعتبر أن الإدارة الأميركية برئاسته أكثر ترحيباً بالأطروحات والحلول التركية لمشكلات المنطقة، لكن ذلك لم ينعكس إيجابياً على تحسن العلاقات بين الدولتين، بل اضطر ترامب إلى توقيع قانون العقوبات على تركيا تحت ضغط الكونغرس الأميركي، فضلاً عن أن علاقات البلدين دخلت في فتراتٍ من التوتر والتردّي على مختلف المستويات السياسية والعسكرية، وأفضت إلى بروز ردة فعل معادية للولايات المتحدة في الأوساط السياسية والاجتماعية التركية.  

لا ينطبق الأمر نفسه على حال روسيا التي يحكمها رئيس واحد وحزبه، ولا توجد مؤسسات أو مجموعات ولوبيات ضاغطة على بوتين في صنعه القرار الروسي، كما هي الحال في الولايات المتحدة. وهذا لا يمنع بعض الأوساط الروسية من أن تتوجّس من السلوك التركي والمنافسة في بعض الملفات، مثل الموقف التركي الرافض ضم شبه جزيرة القرم وتوطد علاقة تركيا بأوكرانيا، وحديث أوساط روسية عن توجه تركيا نحو مشروع "طوران العظيم"، وأن تأثيرها ودورها بات يتجاوز الحدود التي رسمتها موسكو، وبما يشكل مشكلة للمصالح الروسية طويلة الأجل.

أنقرة غير مستعدّة للتضحية بعلاقات التعاون والشراكة مع موسكو في ملفات عديدة، إرضاءً لواشنطن

والواقع أن بوتين يدرك تماماً أن الغاية من فرض العقوبات الأميركية على تركيا تخليها عن صفقة الصواريخ الروسية، ووقف انتشار مبيعات الأسلحة الروسية في الأسواق العالمية. ولذلك يبذل ما في وسعه من أجل ألّا يتراجع الساسة الأتراك عنها. أما هؤلاء فيرون أنه في ظل رفض بيع الولايات المتحدة منظومة صواريخ باتريوت لبلادهم، فإنهم لن يتخلوا عن الصفقة الروسية، وفي الوقت نفسه، يحاولون التوصل إلى طريقةٍ لتحسين علاقات بلادهم مع الولايات المتحدة.

وتبدو أنقرة، وفق المعطيات السياسية الراهنة، غير مستعدّة للتضحية بعلاقتها مع موسكو بغية إرضاء واشنطن، لأن المعيار الرئيسي للساسة الأتراك بات مرهوناً بالمصالح الاستراتيجية لتركيا على المديين المتوسط والبعيد المدى. ولذلك يطالبون إدارة بايدن المقبلة بأن تقرّ بالحسابات الخاصة لتركيا، وتتفهّم دورها الجديد في ضوء مصالحها في المنطقة والعالم. ولكن من غير المرجح أن تغير الولايات المتحدة مواقفها حيال ملفات المنطقة، خصوصاً في سورية وليبيا والصراع في شرقي المتوسط، ولا يعني ذلك أن إدارة بايدن ستعامل تركيا وفق ما كانت عليه إبّان فترة ولاية باراك أوباما.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com