العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-03-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

التنازع على بشار الأسد

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7/3/2019

تشكل زيارة بشار الأسد إلى طهران لحظة مهمة في مسار الصراع على النفوذ في الحطام السوري بين عدة أفرقاء. من المحتمل أن الزيارة أزعجت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يريد التفرد بتقرير مصير سوريا واستتباعها، ثمناً لحمايته النظام من السقوط. فالزيارة، من هذا المنظور، تعني أن إيران لن تتخلى عن حصتها في مستقبل سوريا لمصلحة روسيا، وبخاصة في مناخات الحديث عن رغبة روسية في إخراج طهران من المعادلة، من أجل إلحاق سوريا بروسيا وحدها، الأمر الذي يحقق ضمناً المطالب الأمريكية أيضاً، وهو ما لا غنى لروسيا عنه، أي الاعتراف الأمريكي بالسيطرة الروسية التامة على سوريا.

لكن التنازع على بشار الأسد، من خلال شحنه مرات إلى موسكو وسوتشي وقاعدة حميميم، ومرة إلى طهران، لا يقتصر على حليفيه الروسي والإيراني، فثمة كذلك دول عربية متلهفة إلى التطبيع معه بدعوى انتزاعه من النفوذين الإيراني والتركي، وقد شكلت زيارة بشار إلى طهران رداً مدوياً على تلك الذريعة المتهافتة. في حين أن النفوذ التركي المشكو منه هو نفوذ عسكري على الأرض ولدى قسم من المعارضة الإسلامية، وليس نفوذاً لدى النظام. وقد رفضت تلك الدول طلباً أمريكياً لملء الفراغ العسكري الذي سينشأ عن انسحاب القوات الأمريكية من شرقي نهر الفرات، بقوات عربية بدلاً من تركيا المتحمسة لملء الفراغ. على أي حال كان قطار التطبيع مع النظام الكيماوي قد أبطأ، بعد الزخم الأولي الذي تمثل في فتح السفارة الإماراتية في دمشق، بضغط أمريكي أيضاً، فتراجعت مصر عن مساعيها لإعادة النظام إلى الجامعة العربية. أما عمر حسن البشير الذي تفرد بين الحكام العرب بزيارة دمشق، فقد عاد إلى الخرطوم ليواجه ثورة شعبية تدعو لتنحيه. وهكذا انتهى «ربيع التطبيع» مع النظام الكيماوي بأسرع مما قضى الأسد على كل من «ربيع دمشق» والربيع العربي في سوريا. فخرج المتلهفون على استعادة الأسد إلى «الحضن العربي» من السباق ليبقى النزاع على بشار محصوراً بين بوتين وخامنئي.

من الذي يمكن أن يفوز في هذا التنازع؟

مبدئياً، يبدو الروسي في وضع أفضل. فروسيا دولة عظمى، بالمعنى العسكري على الأقل، وعضو دائم العضوية في مجلس الأمن يملك حق الفيتو، وباتت تملك وجوداً عسكرياً دائماً في سوريا، في قاعدتي حميميم وطرطوس، إضافة إلى نفوذ عسكري داخل قوات النظام وبموازاته، وتقود مسار آستانة الذي يهدف إلى جني ثمار النصر العسكري في تسوية سياسية بعيداً عن ضغوط المجتمع الدولي والأمم المتحدة وقراراتها، ولديها تفاهمات مع الولايات المتحدة بشأن سوريا، جنباً إلى جنب الخلافات بينهما.

إذا كانت البيئات المعارضة قد قالت كلمتها منذ ثماني سنوات فأسقطت الأسد، فالبيئات الموالية اليوم لا تظهر أدنى درجات الرضى عن حصان سباقها القديم الذي بلغ به الأمر، في خطابه الأخير، أن بدأ بتخوين تلك البيئات أيضاً لأنها طالبته بتوفير الكهرباء والغاز

أما إيران، فإضافة إلى عزلتها العربية والدولية، وهشاشة وضعها الداخلي بما في ذلك وضعها الاقتصادي، هي تتعرض لضغوط أمريكية وغربية كبيرة لوضع حد لتمددها الإقليمي، وحرب بالمفرق على قواتها ومواقعها في سوريا من قبل إسرائيل.

هذه المقارنة تمنح أفضلية لروسيا على إيران في «الفوز» بالعميل السوري. ولكن هناك وجها آخر للمقارنة: فروسيا التي ترغب في الانتهاء سريعاً من المرحلة العسكرية من الصراع السوري وقطف ثمار انتصارها في تسوية سياسية على مقاسها، تلاقي مقاومة من عميلها السوري الذي لا يريد القبول بأي تسوية سياسية مهما كانت لمصلحة استمراره في الحكم، لا أدل على ذلك من العراقيل التي وضعها أمام تشكيل اللجنة الدستورية التي يستعجلها بوتين. وقد كانت زيارة طهران بمثابة رسالة لموسكو تطالبها بعدم «التفريط» بالقضية الأسدية التي يمكن تلخيصها في عبارة «نظام الحرب الدائمة على سوريا».

كذلك فشل الروسي في إغراء الدول الأوروبية، وربما الخليجية، بالمساهمة في إعادة إعمار ما دمره النظام والطيران الروسي معاً والتخلي عن شرط «الانتقال السياسي» مدخلاً لتلك المساهمة. وفشل أيضاً في تشجيع الأنظمة العربية على التطبيع مع النظام وإعادته إلى جامعة الدول العربية، وإن بدا أنه حقق تقدماً طفيفاً في البداية، سرعان ما كبحه الأمريكي. هذه العوامل مجتمعة شجعت إيران على استدعاء عميلها في دمشق لكي يرى بوتين أنه لا يملك السلطة الكافية على الأسد لجره إلى التسوية الروسية. ومن جهة الأسد، فقد كان بحاجة إلى هذا «المتنفس» من املاءات الكرملين عليه.

لكن إيران، بدورها، لا تملك خيارات واسعة في مواجهة بوتين الذي استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي في موسكو بالتزامن مع زيارة الأسد إلى طهران. فإذا صدقنا تصريحات نتنياهو بشأن نتائج الزيارة، فقد حقق الكثير. «اتفقنا مع روسيا على العمل معاً لإخراج جميع القوات الأجنبية من سوريا» قال! وهو ما فهمه الجميع على أن المعنية أولاً هي القوات الإيرانية. ليس ذلك وحسب، بل تتناقل وسائل إعلام إسرائيلية توافقاً بخصوص عدم تسليم صواريخ s300 للسوريين، ليحافظ الطيران الإسرائيلي على حرية حركته فوق الأجواء السورية، ويواصل ضرب الأهداف الإيرانية متى يشاء.

إذا غادرنا أرض النزاعات بين الدول على «التركة الأسدية»، ونظرنا إلى داخل مجتمعات السوريين، سوف نلاحظ أن لا أحد منهم يتنافس على «تملك الأسد» إذا جاز التعبير. وإذا كانت البيئات المعارضة قد قالت كلمتها منذ ثمان سنوات فأسقطت الأسد، فالبيئات الموالية اليوم لا تظهر أدنى درجات الرضى عن حصان سباقها القديم الذي بلغ به الأمر، في خطابه الأخير، أن بدأ بتخوين تلك البيئات أيضاً لأنها طالبته بتوفير الكهرباء والغاز. لسان حال السوريين يقول للدول المتنازعة على بشار الأسد: خذوه واتهنوا به.

===========================

موقفنا : هل بلغ تحالف أستانة نهايته !؟

زهير سالم

8 / 3 / 2019

مركز الشرق العربي

لا يخفى على أي متابع أن تحالف أستانة بأطرافه الثلاثة كان تحالفا وقتيا فيما يخص الشأن السوري . وأن مرحلية هذا التحالف أقصر مدى بالنسبة للطرف التركي ، الذي ألجأته ظروف دولية وإقليمية للعمل مع غريميه الروسي والإيراني على الساحة السورية . مرحلية التحالف لم تكن تركية - روسية إيرانية فقط ، بل كانت بقدر ما روسية - إيرانية أيضا . وهذا ما بدت نذره الوقتية وما ستكشفه الأيام القادمة لمن وعى .

كان اللقاء على "خفض التصعيد " هو جوهر التحالف في استانة وقمتها في سوتشي . وهو أقصى ما استطاع الطرف التركي تقديمه لأصدقائه السوريين . مع العلم أن الشريكين الآخرين لم يكونا في أي وقت أوفياء لقواعد هذا التحالف وتوافقاته ؛ إلا أننا لا بد أن نقول بأنه - أي التحالف - خفف من حجم الكارثة التي كان يعدها الطاغية بوتين للشعب السوري ؛ ابتداء من كارثة تدمير حلب وانتهاء بما جرى في الغوطة ودرعا وغيرها .

الروس نقضوا كل الاتفاقات حول خفض التصعيد في ظل حالة من الاختلال الدولي والصمت الأمريكي على الجريمة بكل أبعادها . ولم يسلم من هذا النقض مع كثير من الحشف ، غير منطقة الشمال . وإذا كانت السياسة كما يقولون فن الممكن فإن ما استطاع الطرف التركي الحصول عليه من خلال هذه الشراكة كان هو كل الممكن المعقول حتى اللحظة .

وكما أشرنا إلى الاختلال في الموقف الدولي لا يجوز أن ننسى الاختلال الذي تسببت به الاستقالة العملية لفصائل الثورة السورية بشكل عام وللهيئات السورية السياسية التي تناست دورها ، ولم تعد تقدر أهميتها في إدارة الصراع .

وربما كان هذا الاختلال هو العامل الأكبر فيما آل إليه الوضع السوري اليوم !!

بعد الإتيان على قاعدة خفض التصعيد في الجنوب السوري في حوران . أعلن وليد المعلم أن الدور قد وصل إلى منطقة الشمال ، الشمال وليس الشمال الشرقي ، أي ريف حماة الشمالي وإدلب وريف حلب المحيط بها . ومنذ ذلك الإعلان الذي صدر بتنسيق وتفويض من الطرف الروسي بلغ تحالف أستانة غايته ، وبدأ المتحالفون يعملون على عامل الوقت ، يلتمسون الذرائع ، ويتبادلون الاتهامات والقبلات معا وما لبثت السياسات الأمريكية الرجراجة ولاسيما حول المنطقة الآمنة أن دخلت على الخط بإعلان ترامب انسحاب قواته من سورية وسط ضباب كثيف مما زاد في طين التحالف المترنح بلة .

على الصعيد السياسي يلحظ المتابعون غياب الموقف الروسي الواضح من عدة أمور أهمها :

سورية التي ستجلس على طاولة الحل السياسي - المزعوم - والسوريون الذين سيشاركون فيما يسمى الحوار السوري = السوري ...وهذا موضوع يستحق وقفة منفردة .

المنطقة الآمنة : حدودها - ومن سيأمن فيها - وبيد من ستكون ..

الموقف الروسي الحقيقي من الميليشيات الإرهابية المناوئة لتركية .

كما يلحظ كل السوريين أن عمليات نهش ما تسمى منطقة خفض التصعيد في إدلب وما حولها تتصاعد يوما بعد يوم مخلفة مئات من الضحايا الأبرياء ودون أن تحد منها التصريحات والتعزيزات التي ما تزال متوازية معها منذ زمن غير قصير .

كل هذه الأمور تجعل التحالف الثلاثي يترنح ، ولاسيما مع استعجال الكيان الصهيوني الرغبة في الحد من نفوذ شريكه الإيراني في سورية ، مما سيعجل عملية الطلاق .

دعوة بوتين إلى مجموعة دولية لدفع ما يسميه العملية السياسية في سورية هو إنذار عاجل لشركاء أستانة وسوتشي .

يضاف إلى ذلك مطالبة بيدرسن في مجلس الأمن بمنتدى دولي لدفع العملية السياسية في سورية .

يدرك كل العقلاء أن انهيار هذا التحالف ، قبل نضج البديل - وفي ظل المستقرات الدولية والإقليمية الحالية ليس في صالح الثورة ولا هو في مصلحة السوريين .

وحين يجد بشار الأسد غطاءه الروسي والأمريكي لابتلاع آخر قلاع الثورة السورية ، وحين يعبر سيد الدبلوماسية الأميركية بومبيو : إن سورية بحاجة إلى إصلاحات دستورية . فقط إصلاحات دستورية !! فإن على الثوار السوريين أن يدركوا أنهم بحاجة إلى ثورة عاجلة على أنفسهم كما ثاروا على بشار الأسد من قبل ...

________________

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

مَن يجرّب المُجَرّب...

يحيى العريضي

العربي الجديد

الاربعاء 6/3/2019

يُقال إن "مَن يجرِّب المُجَرَّب عقلُه مُخرّب". ومن هنا، فإن محاولة إعادة تأهيل نظام الأسد، بهدف إبعاده عن حضن نظام طهران ستفشل، مثلما فشلت تجارب أخرى لإعادة تأهيله في الماضي؛ فهو رهينة له. كلا النظامين يعرف ويتقن مهمة أخذ الرهائن، حيث كانا، في ثمانينيات القرن الماضي، يأخذان رهائن غربيين، ويقايضان عليهم، ويبتزّان الغرب عبرهم. لقد انتهى ذلك الزمن؛ والغريق لا ينجي غريقاً.

يصعب إعادة تأهيل نظام الأسد، لأنه انهار من اللحظة الأولى التي تجرأ فيها سوري أن يقول لا.. وأخيراً، اتضحت ملامح هذا الانهيار حتى للمترامين عند بسطاره العسكري؛ فهم بلا أمان حياتي. والملالي ليسوا قادرين على رفعه من المستنقع، ولكنهم يلوذون بالبقاء معه في ذلك الوحل، حريصين على ألا يخرجوا من سورية، كي لا يخرجوا من إيران ذاتها.

الجديد في الانهيار أن نظام الأسد انهار من نواح رئيسية، إذ قوّضت المليشيات وأمراء حرب "الدولة" في مناطق مختلفة يُسيطر عليها، حيث تتنافس هذه المليشيات الجشعة فيما بينها وتتصادم في بعض الأحيان، كما حدث، أخيرا، بين الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، وقوات النمر بقيادة سهيل الحسن. ليست الاشتباكات بين الفصائل المؤيدة لإيران والمؤيدة لروسيا داخل نظام الأسد سوى دليل على طبيعة النظام العاجز عن أداء وظيفته.

يتمثل البُعد الثالث لهذا الانهيار بالصراع الروسي- الإيراني، فقد فسره بعضهم أنه أول صدام داخل المحور الإيراني الروسي، فبعد إنقاذ الأسد، بدأ الطرفان في التنافس على الهيمنة. ومما يشير إلى زوال هذا التحالف في سورية ما صدر عن موسكو أخيرا، حين أكد الروس لدول عربية أنه سيتم الحد من نفوذ إيران كجزء من إعادة تأهيل نظام الأسد، وأكّدوا لإسرائيل أن روسيا وإيران ليستا حليفتين حقيقيتين، بل يتعاونان فحسب.

ويتم هذا كله في الظاهر، ولكن المراقب الحصيف للعلاقات المشبوهة بين الإجرام وداعميه تؤكد أن الرسائل الروسية بشأن الخلافات مع طهران ليست إلا حملة تضليل، تأتي في وقت تدفع فيه موسكو بقوة لإعادة دمج الأسد في النظامين، الإقليمي والدولي، وأن الحكومة الروسية غير قادرة على الحد من نفوذ إيران في سورية، ناهيك عن القضاء عليه؛ وليس هناك ما يفيد بأنها تريد ذلك.

الأخطر في خريطة تلك المواقف من منظومة الأسد هو الموقف الإسرائيلي، والذي ثبت أنه حاسم في استمرار تدمير النظام سورية مقابل بقائه الأشوه، فموقف إسرائيل من إعادة تأهيل الأسد ما يزال غير واضح؛ خصوصا في ضوء الحديث عن إخراج إيران من سورية (المطلب الإسرائيلي المعلَن). ولا أحد يستطيع التيقن فيما إذا كان رئيس حكومة إسرائيل، نتنياهو، يطالب في موسكو بخروج إيران أم بإبقائها في سورية، حرصاً على نظام لطالما أراد بقاءه بأي ثمن.

وتعمل موسكو، على جبهة ألصق، على تعزيز التعاون بين نظام الأسد وتركيا، من خلال اقتراح إعادة تفعيل "اتفاقية أضنة". على الرغم من أن الأمر في مصلحة أنقرة، إلا أن ما يربك موسكو أن تركيا ما تزال الدولة الوحيدة من بين داعمي المعارضة التي ترفض بشدة إضفاء صفة شرعية على النظام السوري.

في السوابق التاريخية لإبعاده عن إيران، كان نظام الأسد قد عُزل سابقاً في منتصف العقد الماضي بسبب استخدامه الإرهاب في السياسة الخارجية، وبالتحديد التعاون مع "القاعدة" ضد القوات الأميركية في العراق والحكومة العراقية، ليأتي بعد ذلك الأمر الذي رمى نظام الأسد كلياً في الأحضان الإيرانية، وهو اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، عام 2005، بالتعاون مع مليشيا حزب الله. بعدها جهدت دول الخليج لإغراء الأسد بعيدا عن طهران، ولكن تلك الجهود جعلته أكثر اعتمادا على إيران. والآن، يتبيّن أن أي استثمار في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سورية، في الوقت الحالي، هو ببساطة تمويل للمشروع الإقليمي لإيران.

المبرر المطروح من مسؤولي الخليج لإعادة التطبيع مع دمشق هو أنه "ما دامت لا توجد خطة لطرد إيران بالقوة من سورية، فإن هذا هو أفضل شيء. ويزعمون أن ذلك يعزّز من قوة الأسد ويسانده، الأمر الذي يُضعف هيمنة إيران بمرور الوقت، ويجعل للدول الخليجية تأثيرا على الأسد".

ضمن غرفة عمليات إعادة تأهيل النظام، تبقى بعض الدول العربية بين مد وجزر تجاه المسألة، فدولة فتحت سفارتها في دمشق مع نهاية العام المنصرم، تعود وتسحب القائم بالأعمال الذي وضعته هناك. وأخرى كانت متحمسةً لعلانية استمرار العلاقة، تفتر همة مليكها حول الموضوع، نظراً للبيئة غير المشجعة لذلك. وثالثة أمرها محسوم تجاه نظام خذلها، وكذب عليها أكثر من أي مسيلمة؛ ورابعة تقول إنها كانت فاعلة بعدم عودة نظام الأسد إلى جامعة الدول العربية. هناك بالتأكيد مَن اتصل مع جامعة تلك الدول معبراً عن عدم حماسه أو رغبته بخطوة كهذه؛ فتريّث الأخوة تماماً. يبقى القول الفصل قائماً: "من يجرّب المجرب، عقله مخرّب".

===========================

الأسد في طهران

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 6/3/2019

حمّل الأسد إلى طهران من قبل قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الإيراني، طبعا لم يستقبل كرئيس دولة أو حتى كمسؤول أجنبي، في العادة يتم الاحتفاء بحسن نصر الله أكثر من الأسد ذاته، الأسد بحد ذاته مشكلة داخلية لإيران، الكل في طهران يعرف جرائمه وما فعل بالشعب السوري من قتل وتهجير وتشريد ولذلك تدعمه طهران سياسيا لكنها تتعفف منه أخلاقيا لاسيما أنها تدعي زورا النطق باسم الإسلام والحكم بشريعته.

الأسد يعاني من مشكلة اقتصادية لا خروج منها لا في المستقبل القريب أو البعيد، كما أن روسيا لا تجد نفسها بحاجة لمساعدته على فشله فالتكلفة بالنسبة لها كبيرة من دون عوائد في المستقبل، أما طهران فإنها تقع تحت العقوبات الاقتصادية مجددا دون القدرة على ترميم اقتصادها الهش فكيف بمساعدة هذا الجار العالة عليها الآن.

يحصد الأسد نتيجة إجراءاته التي نفذها ضد الشعب السوري، كما أن كثيراً من هذه الإجراءات العقابية والسياسية هي غير قابلة للعودة أو الإصلاح خاصة الاستخدام المكثف للبراميل المتفجرة أو الحصار القاسي الذي فرض على المدن والقرى السورية التي انضمت للمعارضة.

كما أن المجتمع الدولي غير مستعد على تقديم المساعدة للأسد وبالتالي مكافأته على جرائمه، وهو ما يعنيه أن لا عودة لملايين اللاجئين إلى بلدهم الأم، وهو هدف المجتمع الدولي الأول، لابد من الربط الدائم أن مساعدة الشعب السوري وإخراجه من محنته الاقتصادية اليوم لا تكون سوى بتمكينه من اتخاذه قراره بنفسه.

لا يمكن مكافأة الأسد أو النظام السوري على جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها عبر إعطائه مكافآت إعادة الإعمار

ولذلك فإذا كانت الولايات المتحدة اليوم أو المجتمع الدولي جادين في عودة الملايين من السوريين اللاجئين في دول الجوار وفي كل دول العالم تقريبا وخاصة أوروبا في ألمانيا والسويد فلابد من وضع إستراتيجية سياسية لا تقوم على إعادة الإعمار فحسب، وإنما تتضمن الاستقرار السياسي بعيد المدى والمحاسبة والعدالة على الجرائم التي ارتكبت خلال السنوات الثماني الماضية، فلا يمكن مكافأة الأسد أو النظام السوري على جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها عبر إعطائه مكافآت إعادة الإعمار، لابد من تحقيق الشروط الثلاثة للإستراتيجية المتمثلة في ضمان الانتقال السياسي من أجل تحقيق الاستقرار المستدام، ومن ثم ضمان إعادة الإعمار وفق الشروط الدولية وأخيرا ضمان المحاسبة والعدالة للضحايا الذين يطلب منهم العودة إلى قاتلهم دون إنصافهم.

من دون تحقيق ذلك ستبقى الدياسبورا السورية هي الأكبر وسيبقى اليأس مستحكماً في نفوس السوريين الذين ما زالوا يعيشون داخل سوريا ضمن ظروف اقتصادية يمكن وصفها بالمستحيلة مع انعدام أبسط مقومات الحياة المدنية الحديثة فيها مع انقطاع الكهرباء بشكل دائم وشح كبير في الغاز المنزلي وارتفاع الأسعار الجنوني مع ارتفاع التضخم إلى نسب كبيرة ويرافق ذلك انهيار سعر صرف العملة المحلية (الليرة) مقارنة بالدولار وبالتالي ستبقى سوريا دولة فاشلة على مدى العقود القادمة وليونتها تجاه صعود الحركات الإرهابية أو المتطرفة ستبقى كبيرة للغاية.

من دون ضمان تحقيق شروط هذه الإستراتيجية لا شيء يمنع أن تتكرر الأزمة الإنسانية أو تتضاعف في سوريا مع استمرار النظام السوري فرض قبضته الحديدية على المجتمع والعودة بالسوريين إلى نظام الحكم الدكتاتوري الذي ثاروا من أجل تغييره قبل ثماني سنوات تماماً. وهو ما على الأسد ومؤيديه أن يدركوه؛ أن لا خروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة اليوم من دون انتقال سياسي، وأن الاعتماد على طهران أو موسكو لن يجدي نفعا في إخراج ملايين السوريين اليوم من الجوع والعوز والحاجة الماسة للمساعدات الإنسانية.

ربما يكون الاقتصاد وحاجة الشعب السوري آخر ما يفكر فيه الأسد اليوم، لكن عليه أن يدرك أن الشعب السوري قام بثورته في أحد أهم أسبابها للقضاء على الفساد وتحسين مستوى معيشته الاقتصادية لكن الأسد عاد به قرونا إلى الوراء، واليوم نعود للبديهية الأولى وهي أنه لا اقتصاد من دون سياسية وعماد هذه السياسة هي مصالح الشعب الذي يقرر من يختاره ويمثله بوصفه الأقدر على التعبير عن مصالحه وهو طريق الشرعية التي لا يمكن لها أن تأتي سوى بالانتخابات، التي لا يمكن لها اليوم سوى بالانتقال السياسي عبر إشراف الأمم المتحدة وهو ما يبدو اليوم حلما بعيد المنال بالنظر إلى فشل الأمم المتحدة في الضغط على الأسد خلال أشد الضغوط عليه فما هي الأوراق التي تملكها الأمم المتحدة اليوم للضغط بها على الأسد؟.

في الحقيقة بالرغم من أن المساعدات الإنسانية تعد من أقوى الضغوط لكن الأمم المتحدة لا ترغب في استخدام هذه الورقة كي لا يتم تسييس هذه المساعدات لكنها في اللب والجوهر يستفيد منها النظام أكثر من استفادة الشعب السوري له.بالنهاية لابد من القول أن الأمم المتحدة يجب أن تكثف ضغوطها السياسية من أجل الربط بين الانتقال السياسي وبين شروط المساعدات الإنسانية لأنها بذلك تضاعف من فرص أن يخضع الأسد في النهاية ولو أن فرص ذلك تبدو معدومة بالنظر إلى تاريخ الأسد حيث لا تجدي معه سوى القوة العسكرية.

===========================

بوتين يلوّح بالانقلاب على شركاء أستانة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 6/3/2019

أتى إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 28 فبراير/ شباط الماضي، عن نيته تشكيل "آلية دولية" بمشاركة جميع القوى المنخرطة في الصراع السوري، "لتطبيع الأوضاع في سورية بعد استكمال القضاء على تنظيم داعش"، تعبيراً عن استعداده للانقلاب على شريكيه في مسار أستانة، تركيا وإيران، بتشكيل آليةٍ تشرك آخرين في إدارة الملف السوري وحله تضعف دورهما، وتقلّص نفوذهما في سورية، ما لم يتقيدا بالمحدّدات الروسية. لم يفاجئ الإعلان شريكي بوتين فقط، بل فاجأ الولايات المتحدة ودولاً في الاتحاد الأوروبي؛ في ضوء تركيز التصريحات الروسية المستمر على نجاح مسار أستانة، وتحقيقه تقدماً على طريق وقف القتال، بما في ذلك الاتفاق على مخرجٍ للوضع في إدلب، اتفق عليه في قمة سوتشي أخيراً باعتماد "آلية الخطوة خطوة، لاستعادة إدلب من التنظيمات الإرهابية"، وتوفيره (مسار أستانة) مناخاً للولوج في خطواتٍ سياسيةٍ للحل، وفق تصريحات وزير خارجيته، سيرغي لافروف، ونائب الوزير سيرغي فيرسيشين، والناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، وترويجها متانة العلاقات، واستمرار التعاون والعمل المشترك.

جاء إعلان بوتين على خلفية الاستياء من توجهات شريكيه، وعملهما، كلٌ لاعتباراته الخاصة، لإجهاض تصوراته وخطواته في إدارة الملف السوري التي يريد لها أن تخدم مفاوضاته مع الولايات المتحدة حول دور روسيا في العالم، وحصتها من النفوذ الدولي، وتحرّكهما خارج نطاق التفاهمات المشتركة، وبحثهما عن اتفاقات وحلول تخدم مصالحهما، حتى لو أضرّت بمصالح شريكهما الروسي. لم يكتف الشريك الإيراني بخرق التزاماته السابقة، بالابتعاد عن خط جبهة الجولان السوري المحتل، وعن الحدود الأردنية، بتجنيده أبناء المنطقة في مليشيات مسلحة، وإنشاء قواعد عسكرية في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، والانتشار في مواقع قوات النظام بين صفوفها وبلباسها، وتكرار إعلاناته المتوعدة إسرائيل، عبر تصريحات رئيس مكتب الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، حول تفعيل عملية ردع إسرائيل، وجنرالات 

"اعتبر الرئيس الإيراني أن الجذور والقواسم الدینیة

والثقافیة المشتركة (مع النظام) مصدر لتلاحم الشعبین" الحرس الثوري حول محو مدن إسرائيلية بدقائق.. بل ودخلت في سباقٍ مع قوات للنظام قريبة من روسيا على السيطرة على المواقع، في ريفي حماة وإدلب قرب خطوط التماس مع قوات المعارضة، ودفعه هذه القوات لخرق اتفاق سوتشي، الخاص بمنطقة خفض التصعيد في إدلب الذي اتفقت عليه روسيا وتركيا... فضلاً عمّا أعلن من مواقف مذهبية خلال زيارة رئيس النظام بشار الأسد طهران واجتماعه بالمرشد والرئيس الإيرانيين، وقول المرشد "ينبغي تطوير العلاقات المذهبية وزيارات متبادلة لعلماء إيران وسورية"، وتأكيد رئيس النظام على ذلك، بقوله "العلاقات المذهبية تشكل فرصةً مهمةً لمواجهة التيارات التكفيرية"؛ واعتبار الرئيس الإيراني "الجذور والقواسم الدینیة والثقافیة المشتركة بأنها مصدر لتلاحم الشعبین". كل هذا وضع روسيا في موقفٍ حرج مع الدول العربية، خصوصاً الخليجية التي تسعى موسكو إلى استدراجها إلى المساهمة بتمويل إعادة الإعمار، لأنه وضعها في محور مذهبي مضاد لها، من دون أن ننسى الأثر السلبي للعقود الاقتصادية والاستثمارية الكبيرة التي فرضتها إيران على النظام السوري.

لم يتوانَ الشريك التركي عن تجاهل تفاهماته مع روسيا، عبر عدم تنفيذه بنوداً في اتفاق سوتشي: الفصل بين الفصائل المعتدلة والمتطرّفة؛ تسيير دوريات روسية تركية في المنطقة العازلة؛ فتح طريقي حلب دمشق وحلب اللاذقية، ودفعه قوات "الجبهة الوطنية للتحرير" للرد على قصف قوات النظام مدن وبلدات ريف إدلب الشرقي، ناهيك عن رفضه اقتراحاتٍ للشريك الروسي، مثل فكرة مشاركة شرطة عسكرية روسية في إنشاء المنطقة الأمنية على الحدود السورية التركية، وهي رغبة روسية مرتبطة بالصراع مع الولايات المتحدة، ومنعها من تكريس وجودها في شرق الفرات، تحت غطاء تحالف دولي، غربي بالأساس، لحماية المنطقة الأمنية، وعمله (الشريك التركي) على إنجاز تفاهم منفرد مع الإدارة الأميركية حول منطقتي منبج وشرق الفرات واتهامه موسكو بعرقلة التفاهم مع واشنطن حول شرق الفرات.

أعطت المواقف والتحرّكات السابقة انطباعاً واضحاً عن ضعف شراكة ثلاثي أستانة وهشاشتها، ما منح الإدارة الأميركية فرصاً لتجاهل الدعوات الروسية إلى الحوار حول الملفات الثنائية العالقة بينهما، من أوكرانيا إلى معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى، مروراً بجورجيا وقانون ماغنيتسكي والعقوبات الاقتصادية، والتنسيق في مواجهة الإرهاب والتفاهم على التعاطي مع الملفات الدولية الساخنة. هذا ما عكسته المواقف الأميركية أخيراً من الإبقاء على أربعمائة جندي أميركي من الوحدات الخاصة على الأراضي السورية، مائتين في قاعدة التنف على الحدود السورية العراقية الأردنية ومائتين شرق الفرات، وتجاهلها دعواتٍ روسيةً متكرّرة

"المواقف والتحرّكات الروسية كشفت ضعف شراكة ثلاثي أستانة، ما جعل الإدارة الأميركية تتجاهل الدعوات الروسية إلى الحوار"  لسحب القوات الأميركية من سورية، كون وجودها غير شرعي، وفق موسكو، ولدعواتها إلى إخلاء مخيم الركبان الواقع في نطاق منطقة الـ 55 كيلومترا المحدّدة لقاعدة التنف، ورفض دعوتها إلى تمكين النظام من السيطرة على منطقة شرق الفرات التي ستنسحب منها القوات الأميركية، إذ أعلن المبعوث الأميركي إلى سورية، السفير جيمس جيفري، "لن نسمح بعودة قوات الأسد إلى الأماكن التي سننسحب منها"، وإبلاغ مبعوثين أميركيين محاوريهم من الأتراك والمعارضين السوريين أن من شأن سيطرة الروس والإيرانيين والنظام على إدلب وشمال شرقي سورية أن تدفن الحل السياسي نهائياً، وتحفّظها المعلن على قيام النظام السوري وحلفائه، الروس والإيرانيين، بمهاجمة إدلب. كرّر المندوب الأميركي في الوكالة لدى الأمم المتحدة، جوناثان كوهين، الموقف نفسه يوم 26 فبراير/ شباط بقوله "إن اتفاق وقف إطلاق النار بإدلب السورية الذي توصلت إليه موسكو وأنقرة يحمل أهمية كبيرة لحماية ثلاثة ملايين مدني، وحدود حليفتنا في الناتو تركيا".

لم يكن الإعلان الروسي عن نية تشكيل "آلية دولية" للتعاطي مع الملف السوري الموقف الوحيد الذي عبر عن انزعاج موسكو من شريكي أستانة، إذ أكدت تصريحاتٌ روسيةٌ متعدّدة عدم رضاها عن تنفيذ تركيا بنود اتفاق سوتشي بشأن إدلب، بدءاً من التصريح عن تحول إدلب إلى "تجمع للإرهابيين"، وعدم إمكانية الصبر على وجودهم إلى ما لا نهاية، وفق تصريح وزير الخارجية، سيرغي لافروف، وصولاً إلى التحذير من "التعويل على عقد صفقات مع الإرهابيين" الذي أطلقة الناطق باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، في تلميحٍ إلى محاولات تركيا التفاهم مع هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، ورفض نشر قوات تركية على الحدود المشتركة مع سورية، وفق تصريح نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرسيشين، بالنسبة لتركيا، وتبنّي موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من مواصلة العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني على الأراضي السورية؛ والاتفاق معه على تشكيل مجموعةٍ دوليةٍ تعمل على إخراج القوات الأجنبية من سورية، الإيرانية خصوصاً. اعتبرت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية الاتفاق ردّا على "الزيارة غير المتفق عليها التي قام بها الرئيس السوري، بشار الأسد، إلى طهران"، ووصفتها بأنها "ضربةً حقيقية للكرملين"، خصوصاً أنه لم يلتق هناك مع الرئيس حسن روحاني فحسب، وإنما أيضاً مع المرشد الأعلى، علي خامنئي، بغياب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، مقابل حضور اللواء قاسم سليماني، الذي وصفته بأنّه "الشخصية الأكثر نفوذًا في الحرس الثوري الإيراني".

وربطت تقديراتٌ سياسيةٌ استياء موسكو من الزيارة بما كشفت عنه من تغيّر في أولويات إيران 

"وصفت صحيفة روسية زيارة الأسد لطهران بأنها "ضربةً حقيقية للكرملين" على الساحة السورية من مواجهة إسرائيل إلى محاربة الوجود الأميركي، وقد تجلى ذلك في مهاجمة خامنئي المنطقة الأمنية، والوجود الأميركي على الحدود العراقية، والدعوة إلى رفضهما ومقاومتهما بشدة، وما قد يثيره ذلك من تحولاتٍ ميدانيةٍ أقلها تخلي واشنطن عن قرار سحب قواتها من سورية، بالنسبة لإيران.

نقطة الافتراق الرئيسة بين شركاء أستانة مرتبطةٌ بمحدّدات كل منهم وطبيعة تصوراته الاستراتيجية لتأمين مصالح بلاده وحمايتها، فلكل من تركيا وإيران مصالح في جوارها الإقليمي، بما في ذلك الأرض السورية، ما جعل تصوّراتها واستراتيجيتها تركز على معطيات الإقليم وتوازناته واحتمالاته. أولوية تركيا الملف الكردي وأولوية إيران بقاء النظام السوري ورئيسه، في حين أن لروسيا استراتيجية دولية، ما يجعل حساباتها واسعة ومتعددة المداخل والمخارج، في ضوء سياسة الربط بين الملفات التي تعرفها إدارة الصراعات الدولية. وهذا يجعل خياراتها السورية تتجاوز مجرّد بقاء رأس النظام، ومحيطه العسكري والأمني إلى تحويل سورية إلى خط دفاع في وجه التحركات الغربية عامة، والأميركية خاصة. وهذا قاد إلى تعارض الحسابات والمقاربات بينها وبين شركائها في مسار أستانة، وأسس للافتراق، ولو بعد حين.

===========================

دلالات زيارة الأسد إلى نظام الملالي

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 6/3/2019

ما زالت رحلة بشار الأسد المفاجئة إلى طهران وما جرى في خلالها من نقاشات وتوافقات، وما اتخذ فيها من قرارات، تشغل اهتمام كثير من دول وقيادات تتابع علاقات سوريا وإيران، واحتمالاتها القريبة في القضية السورية، والسبب الرئيسي في ذلك، أن لقاءات الرحلة اقتصرت على دائرة محدودة من أربعة أشخاص، هم الثلاثة الأُوَل في قرارات طهران ورابعهم بشار الأسد رأس النظام الحاكم في دمشق، وهي دائرة لم تسرب أي معلومات حول الرحلة باستثناء إشارات ومؤشرات ظهرت هنا وهناك، جرى إدخالها دائرة التحليل والتقدير لمقاربة مجريات ونتائج الرحلة، التي صارت محتوياتها الحقيقية في صندوق الأسرار الكبرى لعلاقات طهران - دمشق.

لقد ركز كثيرون على الإشارات والمؤشرات، التي تم تسريبها في هوامش الرحلة، وللحق فإن قراءة ومتابعة تلك الإشارات والمؤشرات، يحمل تناقضات في دلالاتها. فعلى سبيل المثال، فإن الرحلة حاجة إيرانية بمقدار ما هي حاجة ضرورية لرأس النظام في دمشق، وعليه فقد يكون من الخطأ اعتبارها استدعاء إيرانياً للأسد، كما أن الإسقاط المعلن للقواعد الدبلوماسية المحيطة بالزيارة واللقاءات التي تمت في خلالها، لا يمكن اعتباره مماثلاً لما اعتاد الروس عليه في تعاملهم مع بشار الأسد، الذي لا شك أن كل طرف منهما يتعامل معه من منطلقات وقواعد ومصالح مختلفة.

ورغم ما يمكن أن تحمله الإشارات والمؤشرات من تناقضات في قراءاتها، فإن رحلة الأسد إلى طهران بالغة الأهمية من نقطتين لا شك في قوتهما، الأولى أن الرحلة تأتي في سياق علاقات خاصة جمعت الطرفين، ودمجت مصالحهما وسط لهيب الصراعات السياسية والمسلحة في المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وجعلت من تلك المصالح حلقة، تكاد تكون واحدة ومترابطة في السنوات الثماني الماضية لدرجة من الصعب فيها رؤية نظام طهران خارج وجوده في سوريا، أو رؤية نظام الأسد بعيداً عن علاقاته مع إيران.

إن تعبيرات اندماج نظام الملالي ونظام الأسد، لا تقتصر على علاقاتهما ومصالحهما المشتركة، بل باتت تشمل أيضا نظرة الآخرين لهما والموقف منهما. وأغلبية الشعب الإيراني باتت ترى في نظام الأسد جزءاً من مشكلتها مع سلطة الملالي، وذات الأمر ينطبق على غالبية السوريين بربطهم بين نظام الأسد وإيران في استمرار قتلهم وتشريدهم وغياب أي أفق لحل سياسي للقضية السورية، كما أن دول المنطقة والقريبة منها باتت تربط بين تدهور أوضاع المنطقة واستمرار تحالف نظامي طهران ودمشق، وهو واقع أخذت تفاعلاته تترك أثرها المتزايد في السياسة الأميركية - الأوروبية، بل الأمر يبدو واضحاً في السياسة الروسية، التي تمثل الحليف الأكبر لكل من دمشق وطهران في القضية السورية، وقد صارت أكثر سعياً إلى تقليم وتشذيب وجود إيران وسياستها في سوريا من جهة، وإعادة فك وتركيب نظام الأسد طبقاً لما تراه وترسمه موسكو، والأخيرة في الحالتين، لا تؤخر في استخدام منظم ومدقق لاحتياجات ومطالب إسرائيل في سوريا، سواء ما تعلق منها بإيران وميليشياتها، أو ما يتصل بنظام الأسد.

أما النقطة الثانية في أهمية الرحلة، فتكمن في توقيتها الذي يحمل مؤشرات تصاعد مشاكلهما الداخلية مع انسداد أفق سياساتهما سواء في الموضوع السوري أو في ملفات السياسة الإقليمية المتصلة بطهران ودمشق.

وتزامن توقيت الرحلة مع بلوغ سياسة شريكهما الروسي في سوريا مأزقاً سواء لجهة مسايرة حليفه الإسرائيلي والتواطؤ مع مطالبه وممارساته فيما يتعلق بإيران و«حزب الله» اللبناني، مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، وهو ما يترافق مع مسايرة الروس حليفهم التركي في موضوع إدلب وجوارها، والتي كان نظام الأسد وإيران يرغبان في حسم الوضع فيها، واستعادة سيطرتهما هناك تمهيداً للانتقال لمعالجة الملف الأخير في منطقة شرق الفرات مع الولايات المتحدة، أو عبر حليفها من قوات سوريا الديمقراطية.

وجاء هذا التوقيت مع توجه موسكو نحو حذر مرفق بالتريث والانتظار حيال مواقف دولية وإقليمية آخذة في التغيير نحو تشدد أوضح، ستكون له تداعيات سلبية حيال إيران وميليشياتها في سوريا ونحو نظام الأسد، مما يدفع بموسكو إلى الانتظار، وتمرير الوقت بدل الدخول في تحركات لا جدوى لها مع قوى إقليمية ودولية، وقد يكون المثال الأبرز في هذا الجانب توقف ما بدا وكأنه اتجاه نحو تطبيع العلاقات العربية مع نظام الأسد.

خلاصة الأمر، إن نظامي طهران ودمشق يذهبان إلى مزيد من الظروف الأصعب، ومزيد من العزلة ليس بسبب خلافاتهما مع البلدان الأخرى بما فيها خلافاتهما مع الحليف الروسي، ولا بسبب تشددهما وتطرفهما، بل إضافة إلى ذلك كله عجزهما عن إيجاد مشتركات تكفل لهما معالجة مشاكلهما بالطرق السياسية في المستويات المختلفة من المشاكل الداخلية إلى المشاكل الخارجية، والإصرار على أن القوة وحدها طريقهما لعلاج المشاكل.

وسط ذلك الوضع لا يرى الإيرانيون في نظام الأسد سوى ساحة عليهم التمسك بها لاستكمال عناصر قوتهم، واستمرار خوض صراعاتهم التي لا حدود لها، فيما يرى نظام الأسد، أن طهران هي ملاذه الأخير الذي يضمن له حل كل مشاكله، بل يكفل له الاستمرار في الوجود.

===========================

سورية.. الحل الغائب أممياً

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 4/3/2019

يعيد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسون، ترتيب أولويات العملية السياسية "بعيدة المنال"، في مداخلته الأولى أمام مجلس الأمن نهاية شهر فبراير/ شباط، والتي جاءت بعد لقاءاته مع أطراف الصراع "المحليين" والدوليين، فحيث يؤكد مضمون خطابه أن ملف المفقودين يحتل مركز الصدارة في النزاع بين النظام والمعارضة، يأتي توزّع الأراضي السورية تحت سيطرة الدول من جهة، والمنظمات الإرهابية من جهة أخرى، ليشكل جوهر مشكلةٍ متفاعلة، ومتقلبة، في التعاطي مع الحل المنشود، وهذا ما يعني غياب سورية التي يتحدث عنها كل الأطراف، بخريطتها المعروفة ما قبل 2011، وحيث تغرق الدول الأوروبية والعربية المجاورة لسورية تحت سيل اللاجئين فيها، يقع البحث في قضية "حق العودة" وحماية العائدين، واحدا من الملفات الضاغطة والمتعثرة حالياً، في ظل تجارب "العائدين" غير الموثوقة مع النظام، ليأتي ترتيب اللجنة الدستورية وافتعال مشكلة تشكيلها، ومواضع النزاع على محاصصة الدول فيها، ومواضيع عملها ومسؤولياتها، آخر بنود ما يمكن الحديث عنه مدخلا للحل "السياسي" الغارق بالدم السوري، من دمشق حتى آخر نقطة على الحدود السورية وما بعدها.

وإذ يقرّ بيدرسون أن "النزاع في هذا البلد أبعد من أن ينتهي"، فإنه لا بد أن يدرك، في الآن نفسه، أن تغيير المصطلحات والتسميات واختراع منتدياتٍ مشتركةٍ بين القوى الدولية لن يفيد 

"يفرض الحل السياسي الذي لا يحتاج إلا إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في قرار مجلس الأمن 2254" في المساعدة في تحقيق السلام، إنما هو مجرّد محاولةٍ لإحياء دوره، وتغطية على تقاعس الأمم المتحدة في أداء دورها في حماية السلم والأمن الدوليين من لعبة الموت التي تتوسع رقعتها الجغرافية، ويتزايد أعداد اللاعبين فيها، بينما تبقى كل البنادق موجهة إلى سورية، سواء التي تنتسب للأسد في شقه الإيراني، أو للنظام في شقه الروسي، أو لقيادات المعارضة في مجموع تبعياتها الدولية، والتي يدفع ثمن كل هذه "السوريات" هم السوريون، سواء الذين آمنوا بالثورة خلاصاً لهم من نظام الاستبداد، أو، في الوقت نفسه، من تنعكس سياسات النظام سلباً عليهم ممن وقفوا إلى جانبه خوفاً، أو تمسّكاً بامتيازاتهم ومصالحهم، على حساب فقر السوريين، وأمانهم وأسباب عيشهم.

ولعل التعويل على تشكيل منتدىً دولي مشترك بين القوى الدولية للمساعدة على تحقيق السلام في سورية، كما يدّعي المبعوث الأممي "تعمل الدول من خلاله على مسائل عالقة، ما يساعد على حل تلك المسائل"، يضعنا أمام جملةٍ من التساؤلات بشأن الآلية التي يعمل عليها المبعوث الأممي، فهل تجاهل بيدرسون وجود مجموعات عملٍ دوليةٍ تشكلت منذ العام الأول للصراع بدءاً من لجان جامعة الدول العربية إلى مجلس الأمن، إلى مجموعة أصدقاء سورية التي عقدت أول اجتماعاتها في فبراير/ شباط من عام 2012 في تونس، وكانت الغاية محاولة إيجاد حل للأزمة السورية، بعيداً عن مجلس الأمن الذي عطّلت مفاعيل عمله أنظمته المتحجرة المتمثلة بحق النقض، ولا تزال هذه الآلية واحدةً من أسلحة الدمار المسلطة على السوريين، والتي تحول دون أي قرار جدّي يوقف الحرب في سورية، ويفرض الحل السياسي الذي لا يحتاج إلا إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في قرار مجلس الأمن 2254 بعد تمييع كثير من مطالب الثورة، والقفز من التغيير إلى التعديل، في شكل النظام وأسماء متنفذيه.

وكما لا يمكن للمبعوث الأممي تجاهل الاعتراف بمجموعات عمل دولية كثيرة، ومنها المجموعة التي عقدت اجتماعاتها في لوزان في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2016، وضمت الولايات المتحدة، وروسيا، والسعودية، وقطر، والأردن، وتركيا، ومصر، والعراق، وكان هدفها أيضاً التوصل إلى اتفاق مع روسيا بشأن استراتيجية عامة لإنهاء الأزمة في سورية، ومن ثم التحالفات الدولية، ومجموعة العمل الدولية المصغرة التي عقدت أكثر من

"لا يمكن للمبعوث الأممي تجاهل الاعتراف بمجموعات عمل دولية كثيرة، منها مجموعة لوزان، ومجموعة العمل الدولية المصغرة" اجتماع في باريس في يناير/ كانون الثاني ولاحقاً مايو/ أيار 2018، وسعت خلاله فرنسا إلى إقامة حوار مع ضامني أستانة، المسار الذي ابتدعته روسيا مع حليفتيها، تركيا وإيران 2017، ودجّنت من خلاله الفصائل المسلحة "المعارضة" ضمن مسارٍ تفاوضي أدخل مسار جنيف الأممي في حالة "كوما" لم يخرج منها حتى اليوم، على الرغم من تعدّد جولات إنقاذه التي وصل عددها إلى تسعة زائد واحد "جولة فيينا".

أي أننا ومن خلال ما تقدم به بيدرسون من اقتراحٍ لإعادة تدوير التجارب الدولية، في إنشاء منتدياتها، أو مجموعاتها، أو تحالفاتها، ندور في حلقةٍ مفرغة، مهمتها شرعنة استمرار الصراع في سورية وعليها، سواء الصراع المحلي، المتمثل في الخلافات البينية داخل كل من النظام والمعارضة، وهو الظاهر بين طرفي النظام المنقسم على نفسه بين تبعيته لإرادة الحل الروسي وتماهي جزء منه مع المصلحة الإيرانية بمواجهة الإرادة الأميركية والإقليمية والعربية، صراع، لم يعد خافياً، بين أتباع كل من جهتي الاحتلال "المشرعن" لسورية، أو بين المعارضات أو المحسوبين عليها، ذات المرجعيات العديدة التي تحضر خصوماتها الأيدولوجية والعسكرية، سواء ميدانياً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أو داخل منظومات العمل السياسي في كيانات المعارضة التي تمثل الطرف المقابل للنظام في مشاريع التسوية المأمولة.

التعويل على منتدى دولي في حل القضايا العالقة، وأهمها ملف المعتقلين واللاجئين والانتقال السياسي المغيب حالياً عن التداول ضمن مشاريع التسوية المقترحة، والتي تمثّل جوهر الصراع في سورية، في الوقت الذي عجز فيه مجلس الأمن عن فعل ذلك، يمكن اعتباره ليس التفافاً على الحل، وإنما هي عملية "التخلي" من الأمم المتحدة عن القيام بدورها، في حماية تنفيذ قراراتها التي أساساً تضع حداً لتلك المسائل العالقة التي يريد بدرسون أن يرحلها إلى منتدىً، لن يخرج عنه أكثر من بيانٍ يقارب، أو يوازي بيانات المجموعات الدولية التي سبقته، والتي ستلحق به، في ظل التواطؤ والتباطؤ اللذين مارستهما الأمم المتحدة لتجنب فرض تنفيذ قراراتها التي أقرّتها منذ بيان جنيف 1 في 2012 وحتى القرار 2401 لعام 2018، وما بينهما نحو 17 قرارا دوليا، بقيت الأمم المتحدة والدول المعوّل عليها ترزح تحت جنح الصمت تارة، والشراكة غير النزيهة في حربٍ وقودها وحجتها وضحيتها الشعب السوري.

===========================

الواقع السوري يلزمنا بالبحث عن القواسم المشتركة المطمئنة

عبدالباسط سيدا

العرب اللندنية

الاثنين 4/3/2019

أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى الثامنة لانطلاقة الثورة السورية التي جسدت تطلعات السوريين، لاسيما الشباب منهم، نحو حياة حرة عادلة، تضمن العيش الكريم لجميع السوريين من دون أي استثناء أو امتياز. ثورة كان من بين أهدافها طمأنة الأجيال المقبلة بمستقبل زاهر، يرتقي إلى مستوى إمكانيات سوريا على صعيد الموارد البشرية والطبيعية. مستقبل يفتح الآفاق أمام الطاقات الإبداعية الواعدة للسوريين الشباب الذين أثبتوا، ويثبتون، تميزهم اللافت في بلدان اللجوء والاغتراب. هذا رغم قسوة الظروف التي أجبرتهم على مغادرة وطنهم، والمعاناة الجسيمة التي أنهكتهم.

وبهذه المناسبة، لا بد لنا من وقفة مع الذات، إذا صح التعبير، بغية إعادة النظر في ما جرى، والعمل على تقويمه في أي سعي يمكّن السوريين من الوصول إلى بر الأمان، وذلك بعد رحلة العذابات والآلام التي تتمرد على أي وصف.

كانت المشكلة الأساسية التي واجهتها الثورة السورية منذ اليوم الأول متمثلة في عدم وجود قيادة متماسكة، تمتلك من الخبرات والكفاءات التي تؤهلها لتحمّل المهمة الأصعب في تاريخ سوريا الحديث والمعاصر. فالأحزاب الموجودة كانت تقليدية، معزولة جماهيريا، ومترهلة تنظيميا. كما كانت، ومازالت، تفتقر إلى القيادات الكاريزماتية التي تكون الحاجة إليها ماسة في مثل هذه الظروف.

وقد تمكّن السوريون، رغم ذلك، وبعد لقاءات ومناقشات مطولة، من الوصول إلى فكرة المجلس الوطني السوري الذي شهد النور في نهاية المطاف أواخر عام 2011، على أمل أن يكون مشروعا مفتوحا يجمع بين سائر السوريين. ولأسباب تناولناها في أكثر من مناسبة، لم يتمكن المجلس المعني، كما لم يتمكن الجسم الذي تلاه، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، من إنجاز الحد الأدنى من تطلعات السوريين بكل أسف، ولهذا الأمر أسبابه ومقدماته التي تناولناها أيضا في أكثر من مناسبة.

ولكن في المقابل، لم يتمكن النظام نفسه من تحقيق الانتصار الذي كان يدّعيه منذ الأشهر الأولى رغم استخدامه كل أنواع الأسلحة، بما في ذلك صواريخ سكود والطائرات وبراميل الحقد، والأسلحة الكيمياوية على مدى سنوات. وحينما عجز عن إرغام السوريين المناهضين له على الصمت والعودة إلى حظيرة الطاعة مجددا، لجأ إلى راعيه الإيراني ليتوسل منه التدخل المباشر، والاشتراك معه في قتل السوريين. وكان إدخال الميليشيات المسلحة المذهبية التوجه التي أنشأها النظام الإيراني في إطار مشروعه التوسعي في المنطقة.

وهكذا شهدت سوريا حربا بالوكالة على السوريين المناهضين لحكم بشار الأسد، وذلك تحاشيا لمحاسبة دولية، وتهربا من تحمّل المسؤولية المباشرة، وذلك بالتناغم مع الموقف الدولي الذي غض النظر عن دخول ميليشيات حزب الله والفصائل المذهبية العراقية، والتشكيلات العسكرية المذهبية الأفغانية، هذا رغم معرفة جميع الدول المعنية بالملف السوري بأهداف اللعبة، واطلاعها على أبعادها.

ومع إخفاق النظام الإيراني في إبعاد شبح السقوط عن حكم الأسد، كان اللجوء إلى روسيا التي كانت تتحين الفرصة في عهد الرئيس فلاديمير بوتين للعودة مجددا إلى الساحة الدولية كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأميركية، وكان الشعار هو محاربة الإرهاب الذي أُقحم إقحاما في الساحة السورية لأداء أدوار وظيفية، خدمت في نهاية المطاف النظامين الأسدي والإيراني. كما خدمت روسيا. هذا في حين أن عدم الوضوح الذي مازال يغلّف الموقف الأميركي من كل ما جرى، ويجري، في الساحة السورية، يفسح المجال أمام مختلف التحليلات والتأويلات التي لم تتمكن حتى الآن من ملامسة الثابت النسبي الذي قد يمكن البناء عليه في الإستراتيجية الأميركية تجاه سوريا على وجه التحديد، والمنطقة على وجه العموم.

لن ندخل في تفصيلات ما جرى، فقد كُتب الكثير حول هذا الموضوع. كما أن الكثير منه مازال حاضرا فاعلا متفاعلا في أذهان السوريين، سواء من الذين عايشوا الأحداث، أو من أولئك الذين تابعوا بدايات المشهد السوري بمختلف أبعاده، ومازالوا يتابعون.

فما نريد التركيز عليه هو تحديد السعي من أجل استشفاف ملامح المطلوب للخروج من حالة الاستعصاء التي تعاني منها الحالة الوطنية السورية. فالسوريون اليوم قد توزعوا بين ثلاثة مواقف أساسية، وذلك وفق التصنيفات النمطية الدارجة: المناهضون “للنظام”، الموالون “للنظام”، والرماديون. والقاسم المشترك بين هذه المجموعات الثلاث يتجسد في التوجس من المجهول القادم.

فعلى صعيد الواقع الميداني، هناك مناطق نفوذ، ووجود لقوات مسلحة متعددة الجنسيات على كامل المساحة السورية. والملاحظ أن هذه القوات تعتمد بهذه الدرجة أو تلك على القوى المحلية، وعلى الميليشيات الوافدة في تنفيذ عملياتها وخططها التي ترمي في نهاية المطاف إلى تثبيت موقع كل دولة في المعادلة السورية. حتى وصلنا إلى مرحلة باتت الأمور الخاصة بمصير سوريا ومستقبلها تقرر من قبل القوى الكبرى: الولايات المتحدة وروسيا تحديدا، والقوى الإقليمية: إيران وتركيا وإسرائيل. هذا في حين أن الموقف العربي مازال يعاني من الهشاشة والتردد والتهميش.

في مواجهة كل ما يهدد سوريا، أرضا وشعبا، يحتاج السوريون إلى استعادة إرادتهم، ليقرروا بأنفسهم أي مصير يتطلعون إليه لأنفسهم وأجيالهم المقبلة.

هل هناك رغبة في استمرارية التواصل والتفاعل ضمن إطار وحدة وطنية تضمن حقوق الجميع، مقابل التزامهم بواجباتهم الوطنية على صعيد الأرض والمجتمع؟ أم أن الأمور قد وصلت إلى مستوى من التشابك والتعقيد، وفقدان الثقة، تشعر معه جملة المكونات السورية بعدم القدرة على التفاهم والتعاون من أجل النهوض بالبلد وأهله رغم كل ما حصل؟

ولكن السؤال الأهم هو: ما هي حدود المساحة التي يمكن للسوريين أن يتحركوا فيها بحرية، ويقرروا بأنفسهم استنادا إلى تطلعاتهم الخاصة بهم وإرادتهم الحرة؟

أسئلة وجودية تمس في العمق المصير السوري بصورة عامة، ومصير المكونات السورية على وجه التخصيص.

الأمر الإيجابي حتى الآن في المشهد السوري، هو عدم إقدام أي مكون من المكونات السورية، أو أي طرف من الأطراف السياسية، على المطالبة بالانفصال علنا. وهذا الأمر يشمل الجميع بغض النظر عن اصطفافاتهم أو مواقعهم من النظام.

ولكن في المقابل، هناك أمر سلبي يتلمّسه المرء المتابع للشأن السوري، وهو غياب الخطاب الوطني الجامع المؤثر، الذي يطمئن حامله الاجتماعي السوريين جميعا. بل على النقيض من ذلك، مازالت لغة التحدي والتشفي المفعمة بالتهديد والوعيد هي المعتمدة من جانب النظام الذي يخدع أنصاره في المقام الأول عبر ادعاءات الانتصار الزائفة. فهو يزعم بأنه قد أفشل المؤامرة الكونية التي كانت تستهدفه بصفته “المقاوم الممانع”.

هذا في حين أن الجميع يعلم بأن غالبية السوريين كانت، ومازالت، مناهضة لنظام الفساد والاستبداد هذا الذي بات في يومنا الراهن مجرد نظام تابع، يتصرف ويتحرك بناء على الأوامر الإيرانية والروسية.

ومن جهة المعارضة، مازالت عقلية المجاملات الخاوية هي المهيمنة. ومازال كل فريق يحلم بإمكانية الانتصار على بقية السوريين من أجل فرض مشروعه الأيديولوجي على الجميع، من دون أي اعتبار لما سيترتب على هذا المشروع من مآلات.

الوضعية السورية الراهنة تستوجب تجاوز التقسيمات المعتمدة حاليا: معارضة، موالاة. فنحن إذا كنا نريد الوحدة الوطنية السورية، قولا وعملا، لا بد أن نبذل الجهود من أجل تحقيق هذا الهدف الصعب جدا في ظل نتائج الزلزال السوري المدمر.

فما نحتاج إليه هو مشروع وطني عام يمثله سوريون همهم الأول هو الشعب والوطن، مشروع يطمئن السوريين عبر القطع مع الاستبداد والظلامية، والنزعات القومية والمذهبية بكل تلاوينها. ومشروع كهذا هو مستقبلي بطبيعته. هذا مع إقرارنا الكامل بأن مشروعا كهذا لن يكون قابلا للحياة من دون مصالحة وطنية حقيقية، أساسها الاعتراف بالخطأ، والاستعداد لتحمّل نتائجه، وتوفير المقوّمات التي من شأنها ضمان العيش الكريم لجميع السوريين. وهذا كله لن يكون من دون عدالة انتقالية لا تتساهل مع المسؤولين المباشرين عن كارثتنا الوطنية الكبرى.

===========================

الحل السياسي ينقذ كل سوري؛ ولهذا يغتاله النظام

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 4/3/2019

ما كان التدخل الروسي في سوريا من أجل إيجاد حل سياسي للقضية السورية؛ الأمر ذاته ينطبق على التدخل الإيراني. كانا التدخلان منسجمين إلى حد التطابق مع الخيار الذي نهجه النظام منذ قرر أن يواجه انتفاضة الشعب السوري بالحديد والنار، تطبيقاً لشعار "أحكمها أو أدمرها". ولو كان ذلك التدخل لإيجاد حل سياسي لما تم أو حتى دُعي أو رُحِبَ به أساساً. مع تطور القضية السورية وارتفاع منسوب الدم والدمار والجريمة التي ولدتها وحشية النظام الأسدي، كان لابد من التدخل الدولي الذي ترافق بتحرك من مجلس الأمن؛ فكان بيان جنيف في العام الثاني من الصراع؛ وعندما استعصى تطبيقه، كانت النسخة الأرخى منه، والتي أُطِلقَ عليها القرار 2254.

كثيرة هي المرات التي تدخَّل فيها مجلس الأمن بالقضية السورية بغية وقف تغوّل النظام بدماء السوريين، إلا أن روسيا كانت تحول دون ذلك عبر الفيتو الذي تجاوز استخدامه العشرة مرات. هذا واستهلكت الأمم المتحدة ثلاثة مبعوثين خاصين للدفع بالقضية السورية سياسياً إلى حل يوقف المأساة؛ وكان البند الأول في القرارات الدولية ذات الصلة "وقف إطلاق النار" الأمر الذي يكبّل النظام وداعميه، ويوقف ذلك المد التدميري الذي حل بسورية وأهلها، لأنهم عصوا نهج النظام الإخضاعي؛ ما جعله يتغول أكثر بالجريمة من قتل وتدمير واقتلاع واستخدام للأسلحة المحرمة.

وكلما ضغط المجتمع الدولي تجاه تطبيق قراراته، سعت موسكو لابتكار مخارج إجهاضيه، وخاصة في الجزء المتعلق بوقف إطلاق النار. كان الابتكار الأول للخلاص من المسار

كي يتم الاجهاز على مسار جنيف السياسي بالمطلق، سعى الروس إلى إضافة بعد سياسي لأستانا ذاتها، وحدث ذلك عندما دفعوا بمسودة دستور في إحدى جولات أستانا

السياسي في جنيف هو خلق مسار جديد في /أستانا/ تحت يافطة أن "مسار جنيف" بلا جدوى، وكان تركيزها الأساسي على إجهاض وقف إطلاق النار المذكور كبند أساسي في القرارات الدولية. فبعد اتفاق أنقرة 2016، الذي رعته روسيا وتركيا، بدأ أستانا وخرج بفكرة جهنمية سماها الروس "مناطق خفض التصعيد"، وكانت مهمة النظام- وبدفع إيراني، وحتى روسي- إعادة السيطرة على تلك المناطق واحدة بعد الأخرى. وكي يتم الإجهاز على مسار جنيف السياسي بالمطلق، سعى الروس إلى إضافة بعد سياسي لأستانا ذاتها، وحدث ذلك عندما دفعوا بمسودة دستور في إحدى جولات أستانا، كجزء من سعيهم إلى إفراغ القرارات الدولية - التي تجلب حلاً سياسياً لسوريا - من مضمونها عبر تكثيف القضية السورية بكتابة أو تعديل دستور. وعندما عجزت أستانا عن حمل هذه المهمة قدمت موسكو إبداعاً جديداً تمثل بعقد /مؤتمر سوتشي/ الذي كان تشكيل " لجنة دستورية" أحد مخرجاته. ولما كان أي حل سياسي للقضية السورية ليس موضع قبول من النظام وداعمته العضوية إيران، ولما أظهرت موسكو جدية - على الأقل إعلامياً - تجاه العملية السياسية الدستورية، عبّر نظام الأسد عن رفضه لبيان سوتشي، وأخرج بياناً ختامياً لمؤتمر سوتشي حسبما أراد نتائجه؛ إلا أن الروس زجروا خطوته تلك، على الأقل وحبر بيان سوتشي الأصلي لم يكن قد جف بعد كي يُرمى جانباً.

 أكثر من عام مر على قرار تشكيل لجنة دستورية، ولا تزال تنتقل من غرفة عناية مشددة إلى أخرى؛ وها هي الآن لا تجد حماساً لها من مبتدعيها إلا في الاعلام؛ فها هو رأس النظام يقدم خطبة عصماء يعتبر تلك القائمة التي رفعها للروس لتكون الثلث المخصص للنظام على أنها تحمل "وجهة نظر الحكومة السورية" ويعتبر أي جهة أخرى ستشترك بها عميلة مشغلة من الخارج وتحمل وجهة نظر الأعداء؛ ولكن بعد إحاطة المبعوث الدولي أمام مجلس الأمن في السابع والعشرين من شباط 2019، يسمعنا بشار الجعفري ممثل النظام أن "بلده" يرحب بجهود المبعوث الدولي وسيتعاون بخصوص اللجنة الدستورية.

ومن جانب روسيا تصرح بأن الإعلان عن تشكيل اللجنة بات قاب قوسين، هناك خمس قضايا ذكرها المبعوث الدولي الجديد السيد "غير بيدرسن " في إحاطته أتى بند "اللجنة الدستورية " رابعاً بينها، وهذا يعطي إشارة بأن الموضوع الذي جعلته موسكو أولوية وسعت إلى الدفع به - اللجنة الدستورية - قد أضحى ثانوياً ، ولم تبد موسكو أي استنفار تجاه ذلك، بل ربما سرها ما يحدث، ولكن المبعوث الدولي الجديد أعاد ترتيب

قد نشهد في الفترة القادمة محاولات مستميتة لإعادة خنق أي حل سياسي من قبل النظام وداعميه.

الأولويات في إحاطته والتي احتوت خطة عمل ترتكز على كل بنود القرار 2254 وليس فقط "اللجنة الدستورية "كما أرادت موسكو في نهجها التكتيكي الانتقائي، كما أنه أعاد طرح مسالة "الحوكمة "أو "الجسد السياسي الانتقالي" إلى التداول وهو الأمر الذي يوفر البيئة الآمنة المطلوبة لحكم أو دستور أو انتخابات .

ومن هنا - ورغم الترحيب الجعفري – قد نشهد في الفترة القادمة محاولات مستميتة لإعادة خنق أي حل سياسي من قبل النظام وداعميه. ولكن تبقى موسكو بحكم يدها الأعلى بالنسبة للنظام أمام أحد خيارين: إما أن تستمر بتكتيكاتها التي تنفذ بها إرادة النظام المريضة بقتل أي فرصة لحل سياسي، أو أنها تختار الالتزام والدفع بقرارات دولية هي ذاتها شاركت في صياغتها نحو التطبيق. هكذا يمكن أن تنجز حلاً سياسياً في سوريا، الأمر الذي لا تتوقف عن الحديث عنه، هكذا ستجد كل الأيادي المتدخلة بالشأن السوري أن لا خيار أمامها إلا أن تسير وتتساير مع هكذا خيار روسي. جولة "لافروف" القادمة في المنطقة، وعناية /الكرملين/ المباشرة والحصرية الآن، إضافة إلى العبث الإيراني بأن "الأسد" من ممتلكاتها الخاصة تشير إلى وتدفع باتجاه مقاربة روسية مختلفة. فهل يكذب الماء الغطاس؟

===========================

خريف الثورات المضادة

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 3/3/2019

تجرجر ثورات الأنظمة العربية المضادة أقدامها صوب غدٍ لا يبدو أن الوصول إليه سيكون سهلاً عليها، تمرّر أيام حكمها بصعوبةٍ بالغة، وبأفعالٍ انتحاريةٍ يائسة، بعد أن صار الأفق مسدوداً، وقد انكشفت قدرات المنظومات التي أدارتها، وتبيّن بوضوح أنها عاجزة على السير بعد اليوم التالي، لافتراس أبناء مجتمعاتها باسم وأد الفتنة والمؤامرة.

تتكاثر المؤشرات على نهاية لعبة الثورات المضادة، فمن إعدامات مصر التي لم تكن سوى محاولة لترشيق العنف ضد المجتمع المصري، لإخفاء حجم التوتر الهائل الذي يجتاح المنظومة الحاكمة، وتحاول من خلاله صدم المجتمع وترويعه، أملاً منها في إبعاد شبح التمرّد والعصيان، من داخل المنظومة وخارجها. إلى سورية التي وصلت حالة التوتر فيها إلى حد محاولة ملاحقة الأجهزة الأمنية طوفان النقد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الصادر عن البيئة الحاضنة للنظام.

وليس خافياً أن ردات الفعل العنيفة ناتجة بالدرجة الأولى عن عمق الأزمات التي تتخبط بها أنظمة الثورات المضادة، وعدم قدرتها على إيجاد مخارج آمنة من هذه الأزمات. وما يزيد من حجم أزماتها أن الخارج، الإقليمي والدولي، وصل إلى حالة من التعب، وخصوصا على المستوى المالي، ولم يعد راغباً ولا قادراً على الاستمرار بتحمّل مصاريف تسيير شؤون هذه الأنظمة، بعد أن تبين أنها لم تستطع، خلال سنوات الإغداق الماضية، تأمين بدائل ذاتية لتمويل نفسها، وإدارة عجلة الحياة في البلدان التي تحكمها.

وما زاد من إرباك الثورات المضادة وداعميها، تجدّد زخم الثورات في البيئة العربية، في

"أحالت الثورات المضادة ملفات الشعوب بكاملها إلى أجهزة الأمن ومكاتبها" السودان والجزائر، وحالة الإضطراب في أكثر من دولة، ما يعني، بحسابات تلك الأنظمة وداعميها، أن خطر الثورات ما زال مقيما بقوة في العالم العربي، وأن استثمار توظيف قمع الثورات في سورية ومصر، على الرغم من تكاليفه الباهظة، كان بلا جدوى، ما دام هؤلاء لم يستطيعوا ترجمة ذلك القمع إلى واقع سياسي صلب ومستدام.

لكن من أين تأتي الاستدامة لأنظمة الثورات المضادة، وقد قامت جميعها على خليط غير متجانس من الفئات المستفيدة وصاحبة المصلحة، وقد ثبت أنه خليط متحرّك تتحكّم ببوصلته حسابات الأرباح والخسائر بدرجة كبيرة، إذ لم تكن للثورات المضادة حوامل اجتماعية مهمة، بعد أن عادت الطبقات الوسطى والفقيرة ونكّلت بها، واعتزلها كل مثقفٍ يحترم نفسه. ولم يكن للثورات المضادة من حوامل سوى إعلامٍ فقد مصداقيته نتيجة انحطاط أخلاقياته وتدهور مهنيته، وقوة باطشة تتكوّن من جيوشٍ لا عقيدة لديها وأجهزة أمنية متوحشة، وأنظمة عربية مرعوبة من الثورات.

ثم إن أنظمة الثورات المضادة افتقدت أي مشروع سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، باستثناء مشروع بقائها في السلطة، واستمرار العمل بالآليات ذاتها التي تسببت بثورات الشعوب ضدها. وبالطبع، لم تستطع الثورات المضادة تطوير صيغ جديدة للحكم، تساعدها على عبور الأزمة، بالأصل هي استهلكت طاقتها بقمع الثورات، وإيجاد المبرّرات اللازمة لهذا الفعل. وإذا كانت ثورات الربيع العربي قد أخطأت باعتقادها أن لدى كل الشعب الوعي الكافي لإدارة الثورات وحمايتها، فإن الثورات المضادة أخطأت عندما استسهلت استغباء الشعوب، واعتقدت أن العنف والتضليل أدوات كافية لحكم هذه الشعوب، وأن الثورات لم تقم إلا نتيجة تساهل الأنظمة مع الشعوب، وارتخاء قبضتها الأمنية.

وكان أن أحالت الثورات المضادة ملفات الشعوب بكاملها إلى أجهزة الأمن ومكاتبها، لعلاج المجتمعات من دنس الثورة، وإعادة تأهيلها للخضوع مرة جديدة، والمعلوم أنه في مكاتب 

"أنظمة الثورات المضادة افتقدت أي مشروع سياسي أو اقتصادي أو ثقافي" أجهزة المخابرات العربية وأقبيتها، لا توجد مفاهيم من نوع، مطالب اجتماعية، وحقوق إنسانية، بل جواسيس ومؤامرات وخونة، وعلاج ذلك يتم عبر القتل تحت التعذيب وأحكام الإعدام العشوائية والاغتصاب للرجال والنساء، ذلك أن طريق الإخضاع والإذلال يبدأ من هنا.

اليوم، يصل هذا النهج إلى ذروته، وقد انكشف بالكامل أمام الشعوب العربية، لم يعد ثمّة شيء مخفي للتحسّب له، صحيح أنه نهجٌ مرعبٌ وعنيفٌ إلى حد الهمجية، لكن معرفة العملية وآليات تشغيلها وعناصر قوتها، أمورٌ مهمة في إنتاج المضاد لها، بدليل أن ثورتي السودان والجزائر تبدوان واعيتين تماماً الأخطاء القاتلة التي مرّرتها الثورات المضادة ضد شعوبها، وأيضاً بدليل أن هذه الشعوب عادت إلى الثورة، على الرغم من الكارثة التي رأتها بأم أعينها، ما يعني أن مفاعيل الصدمة التي أرادوها دائمة ومديدة، بدأت بالزوال تحت شمس إرادة الشعوب.

ثمّة من سيقول إن الأنظمة العربية حكمت عقودا طويلة، يمكن تأريخها منذ بداية تأسيس الدولة في العالم العربي، بالنهج والأدوات نفسها، فلماذا سنعتقد أنها سترحل الآن، وهي في أوج قوتها، فيما تبدو الشعوب في أضعف حالاتها؟ لا تلحظ هذه الحجّة حقيقة أن هذه الأنظمة استطاعت الاستمرار في الحكم، لأنها أسّست بنية سلطوية هائلة، وإعتمدت الدين والديماغوجيا والأيديولوجيا، لتثبيت دعائمها، وأوجدت نقابات واتحادات وروابط لافتراس المجال المدني، وكل هذه البنية تحطّمت بعد ثورات الشعوب، وفقدت تأثيراتها، كما أن القطوع الذي صنعته الثورة، يجعل من الصعب إعادة بناء هذه البنيوية السلطوية وهندستها لاختلاف المعطيات والبيئة، كما أن هذه الأدوات فقدت فعاليتها، حتى في البلدان التي لم تقع فيها ثورات الشعوب، ولم يبق لأنظمة الثورات المضادة وبقية الأنظمة سوى أجهزة الأمن ووسائل الإعلام، وهي بالتأكيد غير قادرة على إخراج هذه الأنظمة من أزماتها المستفحلة.

===========================

عودة الخوف إلى إدلب

عبسي سميسم

العربي الجديد

الاحد 3/3/2019

على الرغم من اقتصار عمليات القصف التي تقوم بها قوات النظام السوري في ريف إدلب الجنوبي على المنطقة منزوعة السلاح، التي اتفق عليها الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، ضمن لقاء سوتشي. وعلى الرغم من عدم استخدام تلك القوات لسلاح الطيران بشكل فعلي حتى الآن. وعلى الرغم من وجود نقاط مراقبة تركية، طمأن الجانب التركي سكان المنطقة إلى أن وجود تركيا يشكل عامل أمان لهم من أية عملية قد يقوم بها النظام، بدعم من روسيا، إلا أن عمليات القصف اليومية لتلك المنطقة، وما رافقها من تحولات سياسية في مواقف الدول الفاعلة في القضية السورية، بما يتوافق مع مصالحها الخاصة، والتغيرات التي حصلت على الأرض من سيطرة "هيئة تحرير الشام"، التي تشكل "جبهة النصرة" عمودها الفقري، على كل محافظة إدلب تقريباً، بشكل يخالف ما كانت تعمل عليه الدول الضامنة، وعلى رأسها تركيا، قلب حياة السكان المدنيين في كل أرجاء المحافظة إلى حالة من الخوف والترقب الحذر، لما تحمله الأيام المقبلة حول مصير المنطقة ككل، والتي تضم نحو أربعة ملايين مدني.

فبعد أن شعر السكان في إدلب بنوع من الاستقرار الأمني على مستوى الاستهداف الخارجي من قبل قوات النظام، خلال الفترة التي سبقت اتفاق سوتشي، والتي انعكست على شكل نشاط تجاري ومهني شجع الكثير من سكان المنطقة على المجازفة بإقامة نشاطات تجارية وحرفية، ساهمت بعودة الحياة نسبياً إلى المحافظة، عادت المخاوف مرة أخرى لتنعكس على حياة ونشاط السكان، خصوصاً مع سيطرة "هيئة تحرير الشام"، وذراعها الخدمي "حكومة الإنقاذ"، على كل مفاصل الحياة في المحافظة، الأمر الذي أعطى مؤشراً سلبياً لسكان المحافظة بأن السماح لـ"الهيئة" بالسيطرة على المحافظة، هو بمثابة الذريعة الجاهزة والقوية للنظام والروس للقيام بعملية عسكرية في إدلب، خصوصاً أنها ترافقت مع حرب إعلامية روج فيها النظام أن الهدف المقبل له هو إدلب، بالترافق مع تأييد روسي لتلك الحملة.

وتزامن هذا الأمر أيضاً مع سكوت تركي عن كل الانتهاكات التي يقوم بها النظام في المنطقة التي يفترض أن تكون خالية من أي تواجد لـ"جبهة النصرة" والتنظيمات المتشددة الأخرى. وما زاد الطين بلة، استهداف العديد من مدن المحافظة بمفخخات أدت إلى زيادة الرعب لدى السكان الذين انحسرت معظم نشاطاتهم للحدود الدنيا بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في الأيام المقبلة.

===========================

في النقد الذاتي: إشكاليات جماعات الثورة وناشطيها

نجاتي طيارة

سوريا تي في

الاحد 3/3/2019

أولا ـ إشكالية الفرقة الناجية:

يستطيع المتابع للثورة، أن يسمي عشرات، إن لم يكن مئات المنظمات التي أنشأها السوريون المنتمون إلى الثورة بهدف تحقيق أهدافها، لكنه لا يستطيع حصر تلك المنظمات والادعاء بمعرفتها جميعا، فذلك ليس راجعا إلى ضرورة توفر جهد وعمل بحثي أوسع وأكثر شمولا فحسب، بل لأن ديناميكيات السوريين غزيرة المبادرة وهي تفوق جهود البحث المعروفة في هذا المجال.

ذلك أن السوريين ينشئون مزيدا من تلك المنظمات كل يوم تقريبا، منذ أعطاهم انفجار الثورة العفوية في ربيعها الأول ذلك الزخم، فخرجوا كالمارد من قمقم مملكة الصمت وتصحرها السياسي الذي فرضه نظام البعث طوال أكثر من نصف قرن. وإذا كان ذلك قد حدث، في ربيع دمشق قبل حوالي عشر سنوات من اندلاع الثورة، بإجماع المراقبين والصحافة العالمية يومها، حيث انتشرت المنتديات كالفطر في جميع أرجاء سوريا، فقد تكرر وتعاظم ذلك الزخم، منذ قيام الثورة السورية أواسط آذار 2011.

تلك المبادرة وغزارتها، تؤكد ما سبق لنا ملاحظته، من ديناميكية السوريين وحيويتهم التي لا يستطيع أي ملاحظ أن ينكرها  من جهة أولى، ومن جهة ثانية فهي تفصح عن طبيعة أساسية في هذه المبادرة، تتمثل في أن قيام تلك المنظمات في مجال الثورة وانتشارها، يكاد يكون عفويا وغزيرا وسريع الظهور وكذلك سريع الذبول والاختفاء، الأمر الذي دعا لمماثلتها بطبيعة الفطر رغم اختلاف المجال والمكونات!.

تكاثر المنظمات السياسية وتوازيها وتعددها في نفس المجال والاتجاه، لا نجد تعليلا له

وفي الواقع، فإن المماثلة لا تفيد هنا أكثر من ملاحظة السرعة والعفوية، في حين أن دراستها كنشاط اجتماعي إرادي وفكري، تتطلب البحث عن أسباب وفرضيات أخرى. فإذا كان مفهوما وطبيعيا، بل ومفيدا نشوء العديد من منظمات الإغاثة والإعلام والنشاط الاجتماعي وتكاثرها في مختلف الأرجاء، سواء في داخل سوريا أو في خارجها بعد تطور أحداث الثورة، نظرا لضرورتها وفائدتها الميدانية (ومنها على سبيل المثال: اتحاد تنسيقيات الثورة السورية حول العالم الذي عقد مؤتمره التأسيسي قرب وارسو خريف عام 2017، واتحاد السوريين في أوروبا الذي أعلن عن تأسيسه في باريس يوم 11 شباط 2019 وسيعقد مؤتمره الأول قريبا، وكان قد سبقهما قيام اتحاد السوريين في المهجر، الذي عقد  مؤتمره التأسيسي في فيينا يوم 9 أيلول2011 )، فإن تكاثر المنظمات السياسية وتوازيها وتعددها في نفس المجال والاتجاه، لا نجد تعليلا له، إلا باقتراح فهمه من خلال فرضية دور الفرقة الناجية. ذلك أن معظم تلك المنظمات اعتبرت نفسها أشبه ما تكون بمنزلة الفرقة الناجية، التي لاعلاقة لها بأخطاء من سبقها وسقطاتهم، وبطبيعة الحال فهي لا علاقة لها بانجازاتهم أو نجاحاتهم التي لاتعترف بها أصلا، وإلا كان عليها أن تكملها أو تسير على منوالها، وبالتالي ستضطر إلى التعاون معها على الأقل، إن لم يكن عليها أن تلتحق بصفوفها!

وفيما عدا بعض الحالات النادرة، والتي كان أبرزها اندماج المجلس الوطني السوري بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في طور تأسيسه، تحت ضغوط عديدة كان أبرزها دوليا وإقليميا. فإن معظم المنظمات الثورية السورية الأخرى عملت وما زالت تعمل، بعقلية الفرقة الناجية، التي سلف ذكرها، وقد بدأ كل منها خطواته الأولى بإلغاء الفرقة الأخرى المشابهة له وتجاوزها، سواء بتخطئتها أو تجريمها، أو التنديد والتشكيك بشخوصها.

وهذا ما كان يحدث في الأعم الأغلب، وعكس تاريخا طويلا من التشكيك وفقدان الثقة والحذر بين السوريين، ظهر وتطور في المناخ الأمني الذي فرضه نظام البعث طويلا، والذي تعددت فيه أجهزة المخابرات الشمولية، التي اشتغلت بضبطهم، بين جوية وعسكرية وسياسية وعامة ومتخصصة، لدرجة أنه كان بينها فرع خاص حمل اسم فرع فلسطين، لكنه اتسع مع ذلك لضبط جميع السوريين أيضا، فضلا عن انتشار ثقافة مرجعية خاصة بالإشارات المحيلة لانقسامات المجتمع الأهلي السوري (بين طائفية ومناطقية وعشائرية إلخ)، والتي صارت أشبه بالهويات المميزة لجماعات ما دون المواطنة!.

عقلية الفرقة الناجية، لم تؤد إلى تفتيت جهود منظمات الثورة السورية فحسب، بل أدت إلى إلغاء التراكم وعدم تقدم الخبرة أيضا. فالكل طالع على الأول، وطالب للصدارة. فهذا يطمح لمنصب الرئيس أو يصارع عليه في أية منظمة، ولو كان في أصغر هيئة، والآخر لايقبل أقل من منصب الأمين العام، أو مرتبة ما حولها، مكررين في ذلك، بوعي أوبدون وعي، تربيتهم وعاداتهم القديمة والمتأصلة في ظل نظام البعث!

ولم يحدث ذلك في منظمات المعارضة الداخلية فقط، بل حتى في منظماتها الخارجية، ومنظمات المجتمع المدني التي ولدت على هامشها، والتي قلّد بعضها أنماط منظمات النظام وحزبه وجبهته التقدمية الوطنية في بلدان اللجوء أيضا. بدءا من غلبة المقدمات السياسية المطولة، على طريقة البدء بسمة العصر وتناقضاته الأساسية، إلى استبدال دورالحزب القائد وطليعته بدور أهل العلم والرأي أو المرجعيات، في وثائقها وأنظمتها الداخلية، وصولا إلى البنية التنظيمية المتكاملة، التي بشموليتها لا تترك مجالا من مجالات الحياة والمجتمع، إلا وتسمي له مكتبا ورئيسا وأمينا للسر ومقررا، بما في ذلك مكتب المرأة، على الرغم من كل تهميش واقعي ما زالت الأخيرة تعيشه حتى ضمن معظم العائلات السورية المغتربة، وفي الوقت الذي فطنت فيه عصابة النظام إلى التخلص من منظمة الاتحاد النسائي الشهيرة! في حين أنه يفترض بهذه المنظمات، التفرغ لإعداد البرامج وجدولة المشاريع الخاضعة لجداول زمنية ومعايير إنتاجية، أسوة بمثيلاتها منظمات المجتمع المدني الأوروبية!.

 2ـ  إشكالية المشايخ والقبضايات

في ظل العسف الأمني الطويل لنظام البعث، ضمرت فعاليات المجتمع المدني وانحصرت فعاليات المجتمع الأهلي في المجال الخيري (دور اليتامى ورعاية المسنين، والأطفال الجانحين والمساجين ورعاية الأسرة، وأمثالها) وغالبا ما خضعت للفساد الاقتصادي والأمني كغيرها من فعاليات المجتمع السوري، فبرزت في إطارها نماذج الناشطين الطفيليين من المشايخ والقبضايات والوجهاء من رجال الأعمال وأمثالهم. وطغى ذلك المشهد مع انطلاقة الثورة على صور الناشطين المستقلين الذين تم استبعادهم بدرجات وأشكال مختلفة، تدرجت حتى الاعتقال والنفي القسري. بينما عمل النظام بصورة منهجية ومنظمة على تعزيز أدوار الطفيليين، وفق سياسته الدائمة، والقائمة على سلاحي الترهيب والترغيب، فسجن البعض بينما استدعى آخرين للحوار مع القصر والسلطات المحلية. لكن تطور الأحداث وانتقال النظام إلى إعلان الحرب الشاملة ضد بعض المدن والأرياف ، أدى إلى حدوث فرز حاد في صفوف أولئك الناشطين الطفيليين، دفع بعضهم إلى الانحياز إلى جانب أهاليهم المظلومين في الأحياء والقرى التي تعرضت لنيران النظام وبراميله المتفجرة، حيث شكلوا جزءا من ظاهرة الانشقاق المعروفة، فصار بعضهم موجها دينيا ومفتيا مبادرا لدعم محيطه الأهلي، وتطور آخرون كي يصبحوا قوادا عسكريين لفصائل وكتائب وجماعات مقاتلة ومتنوعة.

وتحت وطأة اشتداد الصراع وتزايد حاجاته، تطور بعض من خرج منهم وبعض من بقي في الداخل فصاروا سلطة جديدة، لجأت للاستبداد بجماعتها ومحيطها، واستندت إلى إسلام وظيفي محدود ويستجيب لحاجاتها، لدرجة أن صار بعضهم أمراء حرب لاعلاقة لهم بأي من أهداف الثورة الأولى. وذلك حين استخدموا أساليب مشوبة بكثير من فقدان المعايير الأخلاقية والدينية، فضلا عن الوطنية!.

صارت قضيتهم هي الاستبداد بمناطقهم، على شاكلة استبداد النظام بمناطقه

ولم تمنع صورة المرجعية الدينية تلك من نشوب الصراع بين قادة تلك الجماعات، كما لم يمنعهم من ذلك عداؤهم للنظام، وقد خالفوا أبسط شروط الوحدة في المعركة ضد العدو المشترك، فقدّموا مناطقهم وسكانها ضحيةً سائغةً له، بعد أن استخدموا كل صنوف أسلحتهم المتوفرة ضد بعضهم بعضاً، فذهب ضحية صراعهم الآلاف من الضحايا، وطوال ذلك الصراع، لم يسأل قادة هذه الجماعات عن المستفيد منه، ولم يتوقفوا عن زج مزيد من الشبان والمقاتلين ضد بعضهم. وعلى الرغم من أن بعض قادتهم من المشايخ الذين يفترض بهم المزيد من النضج والحكمة، فإن ذلك لم يمنعهم من التعصب لرأيهم، والانغلاق على نمط تفسيراتهم، والإصرار على انفرادهم بتسيير أمور مناطقهم. فصارت قضيتهم هي الاستبداد بمناطقهم، على شاكلة استبداد النظام بمناطقه، لا فرق بينهم وبينه في الوقائع والنتيجة!.

وذلك الاستبداد ارتبط لا بهيبة التسميات الخاصة بكل من تلك الجماعات فحسب، والتي تضفي على كل منها ارتباطاً بالمقدسات، بل هو مرتبط أيضاً، بالهالة الدينية والاجتماعية لقادتها من المشايخ، فتلك الهالة تحظى بهيبةٍ تكاد تماثل هيبة المقدّس دينياً، وهو أمر يتعالى على كل بحثٍ أو محاولة دراسة للوقائع، قد تكون مختلفةً ومتجدّدة، ولا خبرة سابقة بشأنها. الأمر الذي يفترض اللجوء إلى السياسة المدنية، بوصفها إدارة للشأن العام، لا إلى المرجعيات بهيبتها الدينية أو طيفها المهيمن اجتماعياً، أي إلى إدارةٍ لا يكون الرأي والقيادة فيها للشيخ بصفته داعية دين، بل بصفته مواطناً مشاركاً مع غيره من المواطنين في الرأي والتدبير. عندها، ستواجه تلك الجماعات حقيقة أن الديمقراطية، بما تتيحه من تشاور وتداول على الأقل، وعلى الرغم من كل موقف تقليدي مسبق منها، هي الوسيلة الأنجع لإدارة شؤون جماعاتها ومناطقها، وذلك فوق كونها هدفاً للتغيير الوطني الذي خرج شباب الثورة السورية السلمية من أجله.

ولا تتعلق الدروس التي يفترض استخلاصها اليوم بمشاركة الإسلاميين في الثورة السورية، تيارات ومنظمات وأفكاراً، وهي مشاركة ضرورية ومطروحة على قدم المساواة مع غيرهم من مختلف التيارات السورية، لكنها تتعلق بطبيعة القصور الذي أدّى إليه توظيفهم المرجعيات واستلهاماتها، وهي استلهامات كان قد تصاعد تأثيرها في ظل تعاظم بؤس السوريين وفئاتهم المهمشة، ولجوئهم العفوي إلى تلك المرجعيات، هرباً من عنف النظام وعصبويته التشبيحية. لكنها، أي الاستلهامات، إذا كانت قد لبت حاجات اللجوء والتضامن في مرحلةٍ ما، فلم تكن لتحل مشكلات الواقع والحرب المعقدة مع النظام، ولم تتمكّن من توحيد مواقف الجماعات المتجاورة في البيئة وتحت اللافتة نفسها، وهو توحيد تتطلبه أولويات المعركة أيضاً. لكنها كانت تغطي دوماً تلبية المصالح الذاتية، والارتباطات الضيقة لقادة الجماعات، فضلاً عن نزعات الممولين والداعمين. والأمثلة لا تعد ولا تحصى على صِغر الخلافات والنزاعات التي كادت أن تكون شخصيةً بين أولئك القادة، لكنها صارت بلا قيمة اليوم مقابل الخسارة العسكرية والهزيمة التي تسببت بها أمام قوات النظام  وحلفائه!

===========================

خطة بوتين السورية

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 3/3/2019

بينما كانت أنقرة تردد أن محادثاتها مع واشنطن حول المنطقة الآمنة المتوقع إقامتها شمال سوريا متواصلة، وكانت الإدارة الأميركية تستعد للكشف عن طرحها الجديد في شرق الفرات القائم على تسليم إدارة شؤون المنطقة لحلفائها الأوروبيين رغم المعارضة التركية، وعندما كان بشار الأسد يعلن من طهران أن نظامه نجح في معركة القضاء على مخطط تفتيت سوريا ولم يبق سوى القليل لبسط سيادة الدولة على الأراضي السورية بأكملها، وخلال تقدم مجموعات "قسد" نحو خط النهاية في المواجهة مع بقايا "تنظيم داعش" في مناطق الحدود السورية العراقية، يتطوع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومن موسكو نفسها للكشف عن وجود خطة روسية جديدة ستظهر إلى العلن قريبا بشأن تسوية الأزمة السورية.

وهكذا كشف الرئيس فلاديمير بوتين عن وجود خطة روسية لإنشاء مجموعة دولية جديدة تشمل الدول المنخرطة في النزاع السوري، وتتولى مهمة "الاستقرار النهائي" بعد استئصال الإرهاب من هناك. المشهد يبدو وكأن بوتين كلف نتنياهو بالإعلان عن أن محادثاته في الكرملين توجت بالاتفاق على تشكيل «مجموعة عمل» تهدف إلى إطلاق خطة إخراج كل القوات الأجنبية من سوريا، ليتحرك هو مباشرة هذه المرة باتجاه الكشف عن بعض التفاصيل التي ناقشها مع ضيفه الإسرائيلي دون أن نعرف حجم الدورين التركي والإيراني في بلورة هذه الخطة تحت سقف قمم الأستانة أو سوتشي.

هل بوتين هو الذي أراد من نتنياهو الحديث عن هذه الخطة لأنه شعر أن لا فرص لها لتشابك طروحاتها وتداخل بنودها وما سمّاه الرئيس الروسي بشروط وأولويات لابد منها قبل الانطلاق مثل انسحاب القوات الأجنبية وقبول وحدة الأراضي السورية وقرار التنسيق والتعاون المشترك ضد الجماعات الإرهابية في سوريا؟

ولماذا يختار بوتين صديقه نتنياهو الذاهب إلى انتخابات تشريعية صعبة في إسرائيل بعد شهر لمصارحته بهذا الموضوع ومنحه فرصة الإعلان عنه؟ هل الهدف هو تحديد خيار موسكو وموقفها وإلى جانب من ستكون في هذه الانتخابات؟ أم إبلاغ شركائها في الملف السوري تركيا وإيران والنظام أنها لن تتخلى عن التنسيق مع تل أبيب خلال البحث عن صيغ الحلول والتفاهمات في سوريا؟ أم أن الهدف الحقيقي هو توجيه رسالة روسية لواشنطن والإدارة الأميركية أن موسكو قادرة على التأثير في الموقف الإسرائيلي حيال سوريا وخطط المستقبل السياسي والدستوري وإقناعها بقبول ما قد لا يرضي ويتوافق مع حسابات فريق عمل الرئيس ترمب؟

قال بوتين في أيلول العام المنصرم إنه “يجب التحرك بأسرع ما يمكن نحو العمل الجاد حول انتقال سوريا إلى الحياة السلمية. وقال في تشرين الأول الماضي "إن الجهود الروسية حافظت على مؤسسات الدولة السورية، مما أثمر في إعادة الوضع إلى استقراره في المنطقة، لقد حررنا، خلال هذه الحقبة، حوالى 95% من الأراضي السورية". أما المرحلة التالية كما يرى الرئيس الروسي بوتين فيجب تكريسها لتسوية الأزمة في سوريا بطرق سياسية على ساحة الأمم المتحدة. هل هذا ما يريد بوتين تنفيذه الآن؟

بوتين يتحدث عن خروج القوات الأجنبية من سوريا وتطبيع الوضع في البلاد بإشراف "آلية دولية". لكنه يؤكد أن هذا مرتبط بإنجاز بعض الخطوات السياسية والأمنية. حقيقة أولى طرحها الرئيس الروسي نفسه تعكس حقيقة صعوبة تطبيق الخطة التي تهدف لإنشاء مجموعة دولية خاصة تشمل الدول المنخرطة في النزاع السوري، وتتولى مهمة "الاستقرار النهائي" لكنه قبل الجلوس والحوار يشترط أولا استئصال الإرهاب وضرورة سحب جميع القوات الأجنبية من الأراضي السورية، واستعادة مؤسسات الدولة مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

مشكلة بوتين الثانية هي في توجيه الدعوات وتحديد المشاركين وما هي المعايير التي ستعتمد من أجل ذلك. بوتين يقول تكمن الفكرة في إنشاء مجموعة عمل دولية ستشمل جميع الأطراف المعنية. لكنه يعود ويقول إن المشاركة ستشمل بالدرجة الأولى القيادة السورية، و"ربما" المعارضة ودول المنطقة المنخرطة في النزاع. كيف ستنجح موسكو في إجلاس الإيراني والعربي والإسرائيلي والتركي والأميركي أمام طاولة واحدة وأين ستفعل ذلك؟

أزمة بوتين الثالثة هي في الغطاء القانوني والسياسي لفريق عمل دولي من هذا النوع. هل سيعمل تحت سقف الأمم المتحدة وبحمايتها ورعايتها أم هو سيكون فريق عمل دولي مستقل خارج المنظمة الأممية وعندها ستتعقد مهمته وتصعب أكثر. بوتين يعرف جيدا أن هذه المبادرة تتماشى تماما مع مواقف وبيانات دول الأستانة الثلاث ورغبتها "النظرية" لإنهاء النزاع السوري، لكنه يعرف أيضا أن المشكلة لم تكن في إعلان المواقف والأهداف بل في تطبيقها على الأرض أمام هذا الكم الهائل من تضارب المصالح وتناقضها. ما المقصود مثلا بقول بوتين وهو يقوم الوضع الحالي في سوريا إن الأمور استقرت وإنه سيتم القضاء على آخر بؤر الارهاب في القريب العاجل؟

هل هناك تفاهمات ستظهر قريبا إلى العلن حول من هو الإرهابي في سوريا ومن الذي سيحدد ذلك وهل ستنجح موسكو بمثل هذه البساطة في التقريب بين التوصيفات التي تطرحها أنقرة وطهران وواشنطن بهذا الخصوص؟

أن يسمح بوتين للإسرائيليين بالكشف عن خطته يبقى مسألة بسيطة أمام إعلان نتنياهو ومن موسكو مباشرة، أن إسرائيل ستواصل استهداف القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها في سوريا، مع حفاظها على آلية منع الاشتباك مع روسيا. الكارثة الأكبر هي إعلان نتنياهو من قلب الكرملين أننا "سنواصل العمل حتى نخرج الإيرانيين من سوريا، لأن إيران تهدد بتدمير إسرائيل ولن نسمح لها بالتموضع قريبًا من حدودنا".

وهل من المحتمل أن يكون بوتين كلف نتنياهو بهذه المهمة للرد على طهران وإبلاغها أن محاولات تحريض الأسد ضد موسكو لن تنفع وأن ايران محكومة بالقدر الروسي في سوريا وأن كل مناوراتها باتجاه النظام ستفشل عند أول غارة إسرائيلية حقيقية تضرب في العمق السورية وأن المفتاح الوحيد للحؤول دون ذلك هو بيد الكرملين وأن لا خيار للقيادات الإيرانية سوى قبول ما تقوله وتريده موسكو في سوريا؟

نقطة أخرى كان فيها كثير من الغموض حول من هي القوات الأجنبية التي دخلت سوريا بطريقة غير شرعية فسارعت موسكو إلى توضيحها مؤخرا بإعلانها أن هذا التوصيف لا يعنيها هي كما لا يعني إيران وحلفاءها لأنهم هناك بطلب رسمي من دمشق. بوتين ينسق مع نتنياهو في مستقبل الحل للأزمة السورية وهدفه هو كسب الدعم الإيراني والإسرائيلي عبر الوصول إلى هدنة بينهما فوق الأراضي السورية لإنجاز خطته. لكنه يدرك أنه دون موافقة ودعم واشنطن لمناورة روسية من هذا النوع فهي لن تنجح.

من ناحية أخرى تجري تركيا مفاوضات على مسارين مختلفين مع الولايات المتحدة وروسيا حول الملف السوري. بينما تناقش أنقرة مسألة شرق الفرات مع واشنطن، تخوض مباحثات مع موسكو بخصوص غرب الفرات وإدلب. يلوح البلدان أن فرصة الحل الوحيدة اليوم هي عبرهما بعد تقدم المحادثات الأميركية التركية نحو طريق مسدود والتباعد التركي الروسي حول خطط التحرك في إدلب.

قناعة مقلقة في صفوف كثير من الأتراك اليوم تحذر من احتمال حدوث المفاجأة الأميركية الروسية الثنائية التي قد تفرض على الجميع في سوريا بعد وصول الأمور على ضفتي الفرات السوري إلى طريق مسدود وأن تتحول الخطة الروسية إلى ورقة مفاوضات بين واشنطن وموسكو على حساب اللاعبين التركي والإيراني.

عودة إلى الوراء بعض الشيء تدفعنا لتذكر ما قاله ترمب حول البراغماتية الأميركية الروسية في التعامل مع الملف السوري. ترمب قد يكون مثلا أعطى بوتين المجال لمتابعة رؤيته هو أيضا القائمة على حماية المصالح الروسية والأميركية في سوريا.

يبدو أن أصرار موسكو على الإمساك بالكثير من خيوط اللعبة في سوريا هدفه الأول والأخير كان إلزام واشنطن بالحوار والتفاوض معها في سوريا وهذا ما ستصل إليه في النهاية، المتبقي لروسيا هو معرفة مدى رغبة بعض العواصم الخليجية في دعم خطة من هذا النوع وهذا ما سيتوضح خلال أيام مع جولة وزير الخارجية الروسي "لافروف" الخليجية والتي ستضم السعودية والكويت والإمارات وقطر.

===========================

دلالات .. مواطن أوربي أو أمريكي من أصل سوري أو مصري أو عراقي أو مغاربي يبدع ، يخترع ، يسبق ، يتقدم ...!!

زهير سالم

٦/٣ ٢٠١٩

مركز الشرق العربي

نفرح ونشعر بالزهو حين نقرأ في تلافيف الأخبار العلمية أو الثقافية عن حالة من حالات الإبداع والتقدم والسبق في ميدان من ميادين العلوم والثقافة والفنون الجميلة لأي مواطن أوروبي أو أمريكي من خلفية عربية ، وحُق لنا ...

رصد هذه الأخبار أو الوقائع الجميلة يجب أن يتوفر عليه فريق يعنى به ، ويضعه في سياقه في إطار إعادة الثقة لهذه الأمة في نفسها وفِي رجالها .

إن الدلالة المباشرة لهذه الأخبار ولاسيما حين تتحول إلى إحصائيات دالة وموثقة هي أن شعوبنا في أقطارها المختلفة تعيش في أجواء طاردة للإبداع ، قامعة للمبدعين نابذة لهم فلا يجدون ساحة تنفسهم إلا حين يخرجون من أوطانهم التي هي زنازينهم الحقيقية بفعل الحكام المسلطين .

في أوطاننا حيث تشكل النظم السياسية والإدارية صخرة تجثم على صدور الناس فتمنع تنفسهم وتطمس قدراتهم .

في الذهاب أكثر في أبعاد التحليل السياسي ندرك أن الدول المسيطرة والنافذة والتي توفر لشعوبها كل الفرص للإبداع وإطلاق الطاقات هي التي تفرض على شعوبنا هؤلاء القوامع من الحكام والأنظمة . ..

المعركة الحضارية هي الحقيقة القابعة وراء كل معاركنا مع أعداء شعوبنا . وتدور المعركة الحضارية على أن تبقى هذه الشعوب وهذه المجتمعات مدمرة مهمشة مضيعة مهينة فقيرة ..

إن المآل الحقيقي للهزيمة المصطنعة التي فرضت على ثورات الربيع العربي هي أن يفقد الجيل الثائر ثقته بنفسه وبثقافته وببيئته وبالناس الذين ينتمي إليهم ويعيش بينهم .

وقد كان ..

وقد كان كل هذا ..

وهذا ما نسمعه كل اليوم على كل الأفواه وما نقرؤه على كل المنصات ..

سيقول لك : لا تقل مؤامرة .. وتجاوز نظرية المؤامرة

وأقول بعد الذي شهدناه في مصر وتونس وليبية وسورية إن الذي لا يرى المؤامرة أعمى وإن كان مبصرا ..

إن نفي المؤامرة عما وقع على هذه الأقطار هو نوع من التماس البراءة للعدو وتثبيت الإدانة للذات.

حجم الإبداع العربي المهجر والمهاجر تحسمه الإحصائيات

دلالات هذا الإبداع تحمل شهادتين جميلتين واحدة تدين الاستبداد ومستنداته السياسية والاجتماعية . ولعل مستندات الاستبداد الاجتماعية أخطر .

والثانية تشهد لهذه المجتمعات القادرة على البقاء والعطاء على الرغم من اللأواء.

ولعل أخطر ما في الأمر هو تداعيات كل هذا على المجتمعات والأوطان ..

______________

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

ماذا تبقّى من سيادة الأسد على مناطقه؟

د. أحمد موفق زيدان

العرب اللندنية

الاحد 3/3/2019

حدثان كشفا عن حقيقة وواقع السيادة الأسدية على ما تبقى له من سوريا، الحدث الأول هو إفراج القوات الروسية عن صورة مُذلة لرئيس العصابة الأسدية وهو يقف خلف جدار يرقب عن قرب خطاباً للرئيس الروسي بوتين لجنوده في قاعدة حميميم باللاذقية، وقد أتت اللقطة بعد أن أبعده الحارس الروسي المرافق عن أن يكون بجانب بوتين في خطابه، وصورة ثانية يتقدم منه بوتن بعد الفراغ من خطابه ليلقي عليه نظرة، وكأنه ضيف من الدرجة الثالثة أو الرابعة، أما الحدث الثاني فهو استدعاؤه على عجل إلى طهران ليلتقي مع مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، وكذلك الرئيس روحاني دون أي بروتوكول، فدعوته جاءت من قبل قائد فيلق القدس قاسم سليماني لتقديم واجب الدعم الإيراني لمساعدته على قتل من يفترض أن يكون شعبه، وغاب عن اللقاء علم النظام إن كان بلقائه مع خامنئي أو روحاني، فضلاً عن غياب أي مسؤول سوري من النظام، وهو ما فجر خلافاً داخل إيران باستقالة وزير الخارجية جواد ظريف، ثم عودته عنها لعدم إبلاغه بالزيارة من أساسها، وتغيبه عن حضور لقاءات الأسد في طهران.

لكن قبل هذه الزيارة، كان الكل يتحدث عمّا تبقى من سيادة الأسد في ظل إمساك موسكو بكامل ملف الخارجية السورية، وتغيب وزير خارجية النظام وليد المعلم عن كامل المشهد السوري، فكل ما يتعلق بالخارجية السورية تقوم به الخارجية الروسية في سوتشي وأستانة بالتنسيق مع الإيرانيين والأتراك، وقد ظهر ذلك بشحن وليد المعلم إلى حميميم بعيداً عن دمشق، فهل الشحن مرده إلى الخوف عليه من العصابة وإعداده لمرحلة ما، لا سيما وأن سهيل النمر رفيقه في عملية الشحن هذه، وهناك مزاحمة إيرانية للروس في الملف ذاته، أما ملف الحرب والقتل فهو حكر على الاحتلال، والعصابة الأسدية بعيدة كل البعد عن هذا الملف، إلا من حيث الدفع بقواتها وعناصرها لتنفيذ عمليات القتل اليومية الموكلة إليها ضد الشعب السوري.

شارع المناطق الخاضعة لسيطرة العصابة الأسدية يتحدث بالفم الملآن هذه الأيام عما تبقى من السيادة، وهو يرى جرّة الغاز ترتفع إلى ثلاثة أضعاف سعرها في المناطق المحررة، فضلاً عن الكاريكاتيرات المسيئة التي تنشر من حراسة جرة الغاز من قبل عناصر الشبيحة بسبب ندرة وجودها في المناطق المحتلة، والأمر نفسه يمكن قياسه على مواد أخرى شحيحة أو نادرة الوجود، على الرغم من تمتع المناطق المحتلة بدعم قوى أجنبية وغطاء شرعي دولي، يقابله افتقار المناطق المحررة لكل هذا، ومع هذا فإن المناطق المحررة تعيش بحبوحة من العيش تحسدها عليه المناطق المحتلة.

لعل هذا ما يفسر حرص العصابة الأسدية على تنفيذ عمليات تفخيخية وتفجيرية وتخريبية بشكل روتيني في المناطق المحررة، مع قصف جوي ومدفعي لإيقاع مجازر في هذه المناطق، منعاً لتمتعها بالراحة والهدوء، وبالتالي يدفع هذا أهالي المناطق المحتلة إلى المقارنة بين الطرفين، وهو ما حصل أخيراً من تباهي أهالي المناطق المحررة بالهدوء والانسجام الاجتماعي وغياب المشاكل الخطيرة التي تهدد المناطق المحتلة، وعلى رأس هذه المشاكل تهديد المخدرات وحبوب «الكبتاغون» التي اجتاحت وتفشت في المدارس وكذلك في الجامعات، فضلاً عن حوادث الاعتداءات والعصابات المسلحة والسرقة والنهب، مما أفقد الحاضنة الشعور بالأمن والاستقرار، يضاف إلى ذلك حالة التسيب والفساد وتهريب الأسئلة داخل جامعة دمشق، والتلاعب حتى بفرض مدرسين تابعين لهذه الميليشيات أو تلك، مما تسبب في حالة من الفوضى داخل مؤسسات المناطق المحتلة.

كل هذا يؤكد على حقيقة واحدة، أن سوريا التي كانت تشدنا إليها العصابة طوال نصف قرن هي سوريا التي تحدثنا عنها الآن، والتي تقع تحت احتلالهم وسيطرتهم، بينما سوريا التي تسعى الثورة منذ البداية لشد الناس إليها، هي سوريا الحرية والرخاء الاقتصادي والانسجام المجتمعي، بعيداً عن الاحتلالات والاغتصابات، وبعيدة كل البعد عن البراميل المتفجرة والتشنج المجتمعي.

===========================

الأسد في طهران ونتنياهو في موسكو: شتان بين الدلال والإذلال

صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 2/3/2019

الرقم جدير بالتدوين، لأنه قياسي بالفعل وضمن اعتبارات شتى، جيو ــ سياسية وتاريخية وثقافية: منذ أن اتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا، لإنقاذ نظام بشار الأسد من سقوط وشيك؛ التقى مع رئيس دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو 15 مرّة، هي الأعلى عدداً للقاءات بينهما خلال فترة زمنية قياسية بدورها.

ويقتضي السياق تبيان حقيقة أولى كبرى، مزدوجة على نحو ما، تمحورت حولها جميع، وليس فقط معظم المشاورات بينهما: كيف يمكن أن ينخرط الإثنان في شراكة، محفوفة بالمخاطر عسكرياً، تنقذ الأسد؟ وكيف، في الآن ذاته، يتمّ التوافق على سلسلة من الخطوط الحمر ترسم حدود الدور الإيراني في عملية الإنقاذ إياها؟

وخلال هذه اللقاءات الـ15 تمتع نتنياهو، والحقّ يُقال، بمعاملة من نوع خاصّ تماماً، لعله كان أقرب إلى «الدلال» منه إلى الترحاب وحسن الوفادة بين «دولتين صديقتين»؛ ولعلّ الذروة الدراماتيكية التي تكفلت بتجسيد تلك المعاملة، على صعيد المادة والمجاز معاً، تمثلت في الهدية التي قدّمها بوتين إلى نتيناهو، صيف 2016: دبابة إسرائيلية كان الجيش السوري قد غنمها في سهل البقاع اللبناني، سنة 1982، وأهداها النظام إلى متحف سوفييتي، ليعيد بوتين تسليمها إلى دولة الاحتلال.

ومؤخراً، خلال زيارته إلى موسكو الأربعاء الماضي، حظي نتنياهو بروحية تسامح فائقة من سيّد الكرملين؛ لأنه طلب تأجيل الموعد الأوّل للزيارة بسبب مشكلة التحالفات الحزبية الجديدة ضدّ «الليكود»، ثمّ طلب اختصار الزيارة لأنّ المدّعي العام الإسرائيلي أفيشاي ماندلبليت قد يفرج في أيّ وقت عن توصياته في إدانة نتنياهو بالرشوة والفساد.

يصعب، بالطبع، أن نعثر على مقدار استثنائي من السذاجة المعلنة يمكن أن يسمح للبعض بأيّ وجه من المقارنة مع سلوك بوتين حين يلتقي الأسد، سواء في موسكو أو سوتشي أو قاعدة حميميم؛ أو، في المقابل، سلوك المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني، مع رأس النظام خلال زيارته الأخيرة إلى طهران. وفي الأساس، ليس ثمة عنصر واحد، من أيّ نوع أو محتوى، يتيح وضع علاقة نتنياهو مع موسكو، أو العالم خارج دولة الاحتلال إجمالاً؛ مع علاقة الأسد بعالم خارجي اختُصر، بعد انتفاضة الشعب السوري ربيع 2011، إلى دولتين لا ثالثة لهما، روسيا وإيران، فضلاً عن استقبال دكتاتور السودان عمر حسن البشير. هذا على مستوى الشكل والمراسم والبروتوكول، وأمّا من حيث مضامين اللقاءات، جيو ــ سياسية كانت أم عسكرية وأمنية، فإنّ الأمر عندئذ يتجاوز نهائياً فكرة المقارنة، بل يصبح واجباً انتفاء مفاهيم الفارق أو الاختلاف!

بشاشة بوتين في لقائه مع نتنياهو يتوجب أن تحمل دلالة خاصة، ضمن نطاق «الدلال» ذاته؛ لأنها تبدّت على محيا الرئيس الروسي بدل حدّ أدنى من «تجهم» منتظَر مردّه أنّ هذه هي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأولى بعد واقعة إسقاط الطائرة الروسية «إيل 20» فوق الساحل السوري، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ومقتل 15 عسكرياً روسياً كانوا على متنها.

صحيح أنها سقطت بمضادات النظام السوري، إلا أنّ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو حمّل سلاح الجوّ الإسرائيلي مسؤولية واقعة «لا تعكس روح الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية»، وأنّ موسكو تحتفظ بالحقّ فى الردّ بخطوات مناسبة». وكما هو معروف، كانت بعض تلك الخطوات قد تمثلت في نشر صواريخ «إس ـ 300»، الروسية المتطورة في بعض مناطق الساحل؛ الأمر الذي لم يمنع الطيران الحربي الإسرائيلي من استئناف عمليات القصف الجوي في العمق السوري.

الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية مستمرة، إذن، ولم يعكر صفوها حادث طائرة «إيل 20»، ولهذا فقد أدلى نتنياهو بتصريحات لا لبس فيها أو غموض حول السمت العريض لزيارته الـ15 إلى موسكو: «إيران هي التهديد الأكبر على استقرار وأمن المنطقة، وسنفعل ما بوسعنا لإبعاد هذا الخطر».

من جانبه لم يردّ سيّد الكرملين إلا بعبارة فضفاضة، تحتمل كلّ اللبس وكلّ الغموض: «من المهم جداً مناقشة المسائل المتعلقة بأمن المنطقة»؛ وهذا يشمل، أوّل ما يشمل كما للمرء أن يرجّح، أمن دولة الاحتلال في ضوء بندين حملهما رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الذي رافق نتنياهو إلى موسكو: مخاطر إطلاع الضباط الإيرانيين في سوريا على أسرار صواريخ الـ»إس ــ 300» الروسية، ومخاطر أوسع نطاقاً ناجمة عن الحضور العسكري الإيراني المتزايد في قلب المعادلة السورية.

ولقد كان لافتاً تماماً تصريح نتنياهو بأنّ الشراكة الروسية ــ الإسرائيلية في سوريا تقوم، أيضاً، على اتفاق بين موسكو وتل أبيب حول «خروج القوات الأجنبية» من البلد؛ وفي هذا استعادة لتصريح مماثل كان بوتين قد أطلقه في أيار (مايو) الماضي، حين كان رأس النظام السوري يقف إلى جانبه في سوتشي: «الانتصارات الملموسة للجيش السوري فى محاربة الإرهاب وانطلاق المرحلة النشطة من العملية السياسية سيليها بدء انسحاب القوّات الأجنبية من أراضى سوريا»؛ قال بوتين، وهو لا يصنّف القوّات الروسية في باب الأجنبية، وكذلك لا يُدرج الاحتلال الإسرائيلي في الجولان ضمن هذا التصنيف. كان الغمز يعني إيران أوّلاً، حتى إذا كان يشمل أمريكا وتركيا، ولهذا لم يتردد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، فأعلن أنّ إيران لن تنسحب من سوريا رغم الضغوطات التي تتعرض لها.

وحين ينطوي الأسبوع ذاته على زيارة من نتنياهو إلى موسكو، وأخرى من الأسد إلى طهران؛ فإنّ حكاية التنافس الروسي ــ الإيراني على الأرض السورية تصبح تحصيل حاصل منطقيّ الاتساق، يجوز أيضاً البحث عن عناصره الفرعية الميدانية.

على سبيل المثال، معظم قتلى الأسابيع الأخيرة ضمن صفوف جيش النظام لم يسقطوا في القتال مع المعارضة المسلحة أو «النصرة» أو «داعش»؛ بل خلال المواجهات المسلحة الضروس بين ميليشيات إيران والنظام وكتائب الفرقة الرابعة من جهة، وميليشيات سهيل الحسن، الملقب بـ«النمر»، وكتائبه التي تدعمها القوات الروسية، في ريف محافظة حماة ومنطقة الغاب>

من جهة ثانية. وهذه حروب صغيرة، قد يقول قائل، لكنها ليست البتة بعيدة عن الانقلاب إلى رافعة صراع داخل مجموعات النظام ذاته، أوّلاً؛ وفي عمق ما تبقى له من جبهة موالاة في العمق الشعبي للطائفة العلوية، ثانياً؛ فضلاً عن الانشطارات المستجدة التي تزداد تبلوراً، واكتمالاً، بين الاستقطاب الروسي (كما تمثله اليوم شخصية «بو علي بوتين»، على صعيد القِيَم والعصر و«العلمانية»)، والاستقطاب الشيعي، أو التشييعي على وجه الدقة (كما أخذ ينحسر عن شخصية خامنئي، أو حسن نصر الله)، ثالثاً.

بين العناصر الميدانية الأخرى اجتماعات اللجنة العليا السورية ــ الإيرانية المشتركة، التي عُقدت في دمشق قبل أسابيع قليلة وتمخضت عن 11 اتفاقية مختلفة؛ بينها واحدة حول التعاون الاقتصادي الاستراتيجي طويل الأمد، اعتبرها إسحاق جهانغيري النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيرانية أوّل إسهام في «مرحلة إعادة الإعمار».

وليس خافياً أنّ مشروع التدخّل العسكري الروسي في سوريا يتوخى الثمار السياسية والعسكرية والأمنية الإقليمية والدولية، ولكنه أيضاً يقرنها بثمار اقتصادية ذات صلة بإعادة التعمير المقبلة والعقود الفلكية لاستثمار الخراب السوري؛ وثمة، هنا، منافس جدّي وغريم كبير اسمه إيران.

ومن هنا فإنّ من الإنصاف إقرار الخلاصة التالية: نتنياهو في موسكو، والأسد في طهران، شتان بين الدلال والإذلال!

===========================


«البعبع» السوري لم يعد يخيف أحداً

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 2/3/2019

ليس هناك أدنى شك أن السواد الأعظم من الأنظمة العربية دعمت النظام الفاشي في سوريا علناً وسراً لإيصال سوريا إلى ما وصلت إليه من دمار وخراب وتهجير. وقد كان الهدف بالنسبة لتلك الأنظمة وطواغيتها كبح جماح أي ثورات قادمة في بلادها بحيث تصبح سوريا بعبعاً تخشاه الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج ولا تفكر مطلقاً بالخروج على طاعة حكوماتها وحكامها، وتقبل بكل أنواع القمع والاضطهاد والاستبداد على اعتبار أن الوضع الحالي الذي تعيشه في بلدانها أفضل ألف مرة من الوضع الذي وصل إليه الشعب السوري، حيث فقد أكثر من مليون ضحية، وتشرد منه حوالي خمسة عشر مليوناً بالإضافة طبعاً إلى تدمير ملايين المنازل وإعادة سوريا خمسين عاماً أو أكثر إلى الوراء.

في مصر مثلاً كلما رفع أحد صوته، ينقض عليه العشرات ليقولوا له: «مهما وصل الوضع في مصر من سوء سيبقى أفضل من وضع سوريا. هل تريدنا أن نصبح مثل السوريين…صل على النبي والعن الشيطان واقبل بالوضع الحالي واحمد ربنا أننا لم نصل إلى حال سوريا». والهمروجة نفسها تسمعها في الجزائر، فكلما كان الشعب يطالب بأبسط حقوقه كانوا يذكرونه بالعشرية السوداء التي حدثت في نهاية القرن الماضي وحوّلها النظام المخابراتي العسكري الجزائري بقيادة جنرالات النهب والسلب والبطش إلى جحيم لا يطاق بالنسبة للجزائريين كي لا يفكر الشعب لمائة عام قادمة بأن يفتح فمه في وجه النظام الفاشي في الجزائر الذي يحكم بالحديد والنار وقوانين الطوارئ وينهب خيرات البلاد لمصلحة طغمة عسكرية مخابراتية ضيقة. ومعروف أن ثروات الجزائر موزعة على ثلة فاسدة من الجنرالات يتقاسمون القمح والأرز والنفط فيما بينهم بحيث أصبحوا يعرفون بجنرالات القمح والأرز والنفط.

ومعروف أن النظام الجزائري ساعد نظام الأسد كثيراً في قمع الثورة الشعبية السورية على اعتبار أنه لديه خبرة في قمع الثورات التي حصلت في الجزائر من قبل. ومعروف أن أول من استخدم الجماعات الإسلامية المتطرفة للإجهاز على الثورات الشعبية وإحباط مطالب الشعوب كان جنرالات الجزائر الذين صنعوا ما يسمى بـ«الجيا» «الجماعة الإسلامية المسلحة» التي كانت نسخة طبق الأصل عن داعش وأخواتها.

معروف أن النظام الجزائري ساعد نظام الأسد كثيراً في قمع الثورة الشعبية السورية على اعتبار أنه لديه خبرة في قمع الثورات التي حصلت في الجزائر من قبل. ومعروف أن أول من استخدم الجماعات الإسلامية المتطرفة للإجهاز على الثورات الشعبية وإحباط مطالب الشعوب كان جنرالات الجزائر

وقد ذكر بعض الضباط الجزائريين وقتها أن النظام الفاشيستي في الجزائر كان يستورد حاويات مليئة باللحى الاصطناعية من الصين كي يلبسها عملاؤه وضباطه ويفتعلوا المجازر والخراب والدمار في البلاد باسم الإسلاميين. وعندما بدأ الشعب الجزائري يتحرك قليلاً احتجاجاً على ترشيح بو تفليقة لولاية رئاسية خامسة بدأت أبواق النظام تستخدم الفزاعة السورية لتمرير ترشيح رئيس خارج من القبر بكفالة، كما لو أن الجزائر لا تمتلك قائداً يستطيع أن يحل محل هذا الرئيس المومياء الزومبي. لاحظوا كمية الاحتقار لدى أولئك الذين يريدون أن يفرضوا رئيساً ميتاً على الجزائريين. عاد البعبع السوري إلى وسائل إعلام الجنرالات وراحت أبواقهم تحذر الشعب من مصير مشابه للشعب السوري. فكلما حاول شعب أن يتحرر ويحصل على قليل من الحرية والكرامة يرفعون في وجهه الفزاعة السورية، إما أن تقبلوا بوضعكم المزري أو نجعلكم تترحمون على أيام الطغيان الخوالي كما حدث في سوريا.

وأيضاً في السودان يستخدم نظام الجنرالات الإسلامجي اللعبة نفسها مع الشعب السوداني الذي يطالب بلقمة خبز نظيف وقليل من أوكسجين الحرية. لكن البشير الذي زار طاغية الشام قبل مدة يبدو أنه يقرأ من نفس الكتاب، فبدل أن ينصاع إلى أصوات الشعب الذي يرزح تحت خط الفقر والقهر، راح يستخدم البعبع السوري بنفس الطريقة الجزائرية القذرة.

هل يا ترى اتعظت الشعوب العربية من المأساة السورية التي يستخدمها الطواغيت العرب لإخماد أصوات شعوبهم وإعادتها إلى زرائب الطاعة، أم إنها كسرت القيود رغم ما شاهدته من فظائع في سوريا؟ بالأمس القريب خرج الشعب الأردني ورفع نفس الشعارات التي رفعها السوريون، وعلى رأسها: «الشعب يريد إسقاط النظام»، ولم يخش من المحنة السورية على بعد ضربة حجر من عمان. وها هم الجزائريون والسودانيون يهبون في وجه الطغاة العسكريين بنفس القوة. وستلحقهم شعوب أخرى. ومن يعتقد أن الوضع في سوريا استقر للنظام الفاشي الذي استعان على شعبه بالغزاة والمحتلين يضحك على نفسه. لن تعود سوريا كما كانت مطلقاً. ولا أحد يستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لا بالحديد والنار ولا بأي شيء آخر. لهذا بدل من تهديد شعوبكم بالبعبع السوري ابحثوا عن حل يجنبكم ويجنب بلدانكم النموذج السوري الرهيب. تعلموا من الكارثة السورية بدل أن تستخدموها سيفاً مسلطاً على رقاب شعوبكم كلما رفع صوته قليلاً وطالب بقليل من الأوكسجين والخبز.

===========================


إيران.. هل نفذ الحرس انقلابه؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 2/3/2019

ليست استقالة وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، بالأمر العادي. إنها بالأحرى "حدثٌ كاشف"، يظهر خفايا وضعها السياسي الذي تتكثف جميع سماته من خلاله، ويمكن قراءتها بدلالته.

وقد سبقت الاستقالة مجريات بدا معها وكأنه أخرج إيران من عزلتها الدولية، ووضع علاقاتها مع العالم على سكّة تطبيع مستقر، وأسدى خدمةً لا تقدّر بثمنٍ لدولةٍ عميقةٍ، أملت أن تفيد من إنجازاته لتعزيز برامجها التوسعية التي قالت مصادر أميركية إن الملالي جعلوا الموافقة على إطلاق يدهم في البلدان العربية المجاورة شرطا لوقف برنامجهم النووي، وكذلك موافقة واشنطن على برنامج التسليح واسع النطاق، الذي ينفذه الحرس الثوري، الجهة التي تتولى تطبيق البرنامج التوسّعي الطموح، وتحتل البلدان العربية المجاورة لايران، مباشرة بقواتها، أو بصور غير مباشرة، من خلال حزب الله والحوثيين، وما شابههما من تنظيماتٍ مذهبية.

بانهيار الاتفاق النووي، بسبب خروج واشنطن منه، بدا وكأن ديبلوماسية الإصلاحيين دون ما تتطلبه خطط الحرس، وزاد الطين إخفاقه في زحزحة أوروبا عن تمسّكها بشروط واشنطن الموجهة ضده، من وقف برنامجه الصاروخي إلى خروجه من البلدان المجاورة، وصولا إلى تبنّي استراتيجية حسن جوار، تحتم تخليه عن سياساته التي اعتمدها منذ تبنّى سياسات الخميني. بانهيار ديبلوماسة الإصلاحيين، صار من المحتم أن تتقدّم الدولة العميقة للإمساك بالقرار، وأن تخوض معارك كشف الستر الدولي عنها، بعد انهيار اتفاقية النووي، بينما ينتظر أن يخوض الحرس في أي وقت معارك كسر عظم ضد خصم دولي شرس هو واشنطن، التي تحظى بدعم عرب لم يمر عليهم شهر واحد من دون تجاوزاتٍ عليهم، منذ استولت الخمينية على السلطة في طهران عام 1979، عانوا الأمرّيْن من سياسات حرس الملالي ومرشدهم خامنئي، بينما تنتظر روسيا تهاوي أوضاعهما في سورية، لتفرض شروطها عليهما، التي تتفق مع مطلب واشنطن الثاني بشأن خروجهم من سورية.

ما إن فرض الحصار، حتى أطلق قادة من الحرس تصريحاتٍ تحتسب تيار الإصلاح على أعدائهم الغربيين، وترى في ممثليه، بمن فيهم روحاني، مجموعة فاشلة من الخطورة بمكان ترك أقدار إيران بين يديها، وهي تخوض حربا اقتصادية وسياسية ضد "أصدقائها" في الغرب الذين يهدّدونها بحربٍ يعني بقاؤهم خلالها في السلطة الاستسلام أمام عدو خارجي، هي امتداده الداخلي.

سواء بقي ظريف أم ذهب، سيشتغل التناقض بين الحرس والإصلاحيين من استقالته فصاعدا، خارج أي إطار شرعي أو منضبط، ويحظى بتغطيةٍ من المرشد. ذلك هو معنى استقبال خامنئي الأسد بحضور سليماني، وليس ظريف. إنه رسالة إلى العالم، تفصح عن هوية مواقف طهران في الحقبة المقبلة، وعن قرارها اعتماد القوة بدل الديبلوماسية لتحقيق أهدافها، والتخلى عن النهج الإصلاحي وتحميله وزر الوضع الاقتصادي والمعيشي المزري.

فهم ظريف هذا فاستقال، متى يفهم روحاني وبقية أعضاء الحكومة الإصلاحية حقيقة ما يجري، فيستقيلون قبل أن يُقالوا، ما دامت وظيفتهم في النظام قد انتهت، أم أنهم قرّروا خوض المعركة، وعدم الاستسلام للحرس والمرشد، والذهاب إلى الإقامة الإجبارية أسوة بمير حسين موسوي ومهدي كروبي، بعد تولي قاسم سليماني مهام وزير خارجية الحرس الذي سيتكفل بتعزيز الوجود الإيراني في العراق وسورية ولبنان واليمن، بمساعدة الحرسي الجديد بشار الأسد الذي لم يجد رسالةً أقوى يبعث بها إلى بوتين حول مأزقه الإيراني أفضل من توجيه الشكر إلى ظريف على ما قام به.

سيتصاعد عدوان الحرس على سورية، وسيمارس سياساتٍ بدأت بحربٍ داخلية على الإصلاحيين، ستتصاعد نتائجها المباشرة عندنا في مقبلات الأيام.

السؤال السوري الذي تطرحه هذه التطورات: هل قرّر بشار وضع رقبته الطويلة تحت مقصلة بوتين؟

===========================

أول طعنة

يحيى حاج يحيى

أول طعنة سُددت  إلى الوحدة فكرة وواقعاً ونضالاً وأملاً كانت  في استيلاء حزب البعث النصيري على سورية في الثامن من آذار ١٩٦٣ ، ثم توالت الطعنات !؟ فانقلبت العروبة إلى شعوبية ، والوطنية إلى طائفية ، والحكم الجمهوري إلى حكم وراثي استبدادي 

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com