العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 10-02-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

عن مشكلة اللجوء واستجابة الدول والمجتمعات المضيفة

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 7/2/2019

كأنما ليؤكد الاستمرارية في نهجه، يواصل وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، في ولايته الوزارية الجديدة، ما واظب على إتحافنا به، طوال السنوات السابقة، من تصريحات عنصرية تجاه اللاجئين السوريين ومطالبات بإعادتهم إلى سوريا، لا تخفى دوافعه السياسية المكشوفة في الانحياز إلى النظام القاتل في دمشق. ما يضفي الخطورة على تصريحات باسيل هو أنها تعبر عن تيار اجتماعي قوي في لبنان لاحظنا تجلياته العملية في أحداث متفرقة كثيرة من حالات اعتداء على لاجئين سوريين، أو إجراءات مؤذية لهم أهمها إرغامهم على العودة إلى سوريا تحت غطاء «العودة الطوعية».

لكن مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان هي جزء فقط من مشكلة عالمية تعني جميع البلدان والمجتمعات المعاصرة تقريباً. في عصور أقدم كانت تحدث هجرات جماعية كبيرة في أعقاب مجازر أو حروب أو حملات إبادة كبيرة لقسم من السكان تجمعهم هوية ثقافية معينة. كذلك كانت الكوارث الطبيعية تؤدي إلى حالات نزوح جماعي تستوعبها المجتمعات المضيفة بلا صعوبات كبيرة. أما اليوم فالحدود القومية للدول الحديثة تفرض على الحالات المماثلة صعوبات أكبر. لنفترض، في شروط اليوم، أن زلزالاً عنيفاً ضرب بلداً صغيراً، فدمر كل شيء، ولم يترك أي مساحة قابلة للحياة فيه. المسلك الطبيعي لمن يبقى من السكان على قيد الحياة هو الهروب إلى بلدان مجاورة. ومهما كانت الأحوال الاقتصادية – الاجتماعية أو الإدارية أو السياسية في بلدان الاستقبال، فهي لا تستطيع الامتناع عن استقبالهم. يمكن لتلك البلدان أن تطلب المساعدة في تحمل أعباء استقبال اللاجئين من البلدان الأخرى، فهناك تقاليد ومواثيق أممية تتيح ذلك وتنظمه. ما دمنا في إطار الفرضيات لنفترض أيضاً أن البلد المضيف لم يتلق المساعدات الكافية، أو تلقى القليل منها بما لا يغطي التكاليف الحقيقية لإيواء اللاجئين وتأمين متطلبات حياتهم. سوف ينعكس الإنفاق على تلك المتطلبات على حياة السكان المحليين سلباً، من خلال حرمانهم من جزء من موارد بلدهم. ما هي ردود الأفعال المتوقعة في هذه الحالة؟ سيكون لدينا احتمالان لتصريف غضب السكان المحليين. فإما أن يتجه إلى الحكومة باعتبارها مسؤولة عن سوء إدارة الموارد العامة، أو إلى اللاجئين باعتبارهم سبب تردي أحوال المجتمع المستقبل، أو مزيج من الاثنين، أي أن البعض سيتهم الحكومة بسوء الإدارة، أو بالتساهل في استقبال اللاجئين بأعداد تفوق طاقة البلد على التحمل، في حين سيوجه بعض آخر غضبه إلى اللاجئين مباشرةً، وهذا ما يوصف بكره اللاجئين أو ربما يغطى بغلاف عنصري أو كاره للأجانب. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن كثيراً من البلدان المتجاورة بينها حساسيات قومية أو دينية أو إثنية، تعود جذورها إلى فترات متفاوتة من التاريخ، كان من السهل إيجاد «مبررات» إيديولوجية قابلة للتسويق الشعبي لكراهية اللاجئين وتحميلهم مسؤولية تردي الأحوال العامة بعد قدومهم.

مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان هي جزء فقط من مشكلة عالمية تعني جميع البلدان والمجتمعات المعاصرة تقريباً

لا جديد في هذه الافتراضات، فهي جميعاً متحققة اليوم في الواقع. فقط الفرضية الأساس هي المختلفة، أي اللجوء بسبب كارثة طبيعية (زلزال) وليس لأسباب سياسية (حروب) كما هي حال معظم حالات اللجوء في زماننا. ومن المحتمل أن تكون مهمة التيارات المعادية للاجئين أصعب، في فرضية الكارثة الطبيعية، بالمقارنة مع واقع الأسباب السياسية، لأن الطابع الإنساني للفرضية الأولى من شأنها أن تحرم العنصريين وكارهي الأجانب من الغطاء الإيديولوجي المناسب، في ظل هيمنة النزعة الإنسانية في عصرنا، على رغم كل التآكل الذي أصابها. غير أن النفور من اللاجئين لا ينهل فقط من أسباب اقتصادية ـ اجتماعية، ولا تقتصر الأسباب الايديولوجية على تلك المفتعلة، كالقومية أو العنصرية، لإضفاء الشرعية على الأسباب الأولى، بل له بعد ثقافي أيضاً خاضع للجدل، لعل أبرز صوره موضوع «الاندماج».

اللاجئون، بصرف النظر عن أسباب لجوئهم، مطالبون بالاندماج في الثقافة المحلية للبلدان المضيفة، وأول ذلك اتقان اللغة القومية للمجتمع المضيف. ويتم تبرير هذا الطلب، عادةً، بالحفاظ على السلم الاجتماعي وتجنب الاحتكاكات، بمعناها السلبي، بين مجتمع اللاجئين والمجتمع المحلي، بدوافع ثقافية. (إذا أردتم الإقامة في بلدنا عليكم أن تصبحوا مثلنا) هذا هو فحوى مفهوم الاندماج.

أين اختفى، إذن، الاحتفاء بالتنوع والاختلاف؟ أين هو تقبل الآخر كما هو؟ (نتحدث غالباً عن بلدان الغرب الذي يعلي من هذه القيم الحديثة، فهي الوجهة المفضلة للاجئين في عصرنا). غير أن هذا الاعتراض الذي يبدو منطقياً للوهلة الأولى، يمكن أن يرتد على اللاجئين أنفسهم، وبخاصة حين يشكلون جالية كبيرة نسبياً لديها رابط هوية قوي يضم أفرادها: وماذا عن تقبلكم أنتم للآخر (المجتمع المضيف) وثقافته؟ لماذا ترفضون الاندماج إذا كنتم تنافحون عن وجوب تقبلهم لهويتكم الثقافية؟ لماذا لا تتقبلون أنتم ثقافة المجتمع المضيف، بل تتمسكون بثقافتكم الأصلية بكل هذا العناد؟ أليس هذا صورة عن رفض الآخر المختلف؟ واقع الحال أن اللاجئين الجدد في زماننا، وهم بالملايين، يخضعون عموماً لمتطلبات الاندماج، دفعاً للضرر أكثر من كونه قبولاً إيجابياً عن قناعة. فهم الطرف المحتاج، وهم الذين يواجهون الرفض من قسم من المجتمع المضيف، ما لم يكن من كله. بل هناك حالات من الكلبية بين اللاجئين الذين يقرّعون أبناء جلدتهم بقسوة بدعوى رفض الأخيرين للاندماج، ويحمّلون ثقافتهم مسؤولية نزعة الانغلاق و«التخلف» المتأصلة فيها حسب رأيهم.

لا نعرف، بعد، الآثار المستقبلية لهذا التقبل على مضض، وبخاصة على الجيل الذي سينشأ أو يولد في بلدان اللجوء. لذلك لا يمكن الجزم بـ«أحقية» وجهة نظر على أخرى، أو الدفاع الحماسي عن أحدهما.

يبقى أن اللجوء الجديد الذي أعقب الحروب المدمرة في بلدان الربيع العربي، كسوريا وليبيا واليمن، إضافة إلى العراق، أشبه ما يكون بموجات الهروب الجماعية الكبرى الناجمة عن كوارث طبيعية. ما أصاب سوريا، على سبيل المثال، يشبه آثار زلزال كبير ضرب كامل الجغرافيا السورية تقريباً، مع فارق أن الزلازل تستمر لدقائق معدودة، مع بعض الارتدادات. في حين أن الزلزال الذي افتعله النظام المجرم متواصل منذ ثماني سنوات قابلة للاستمرار.

على أحد ما أن يشرح لجبران باسيل سبب استمرار الزلزال السوري بما في ذلك تدخل حليفه حزب الله العسكري في سوريا.

كاتب سوري

==========================

موقفنا : نرحب بزيارة الحبر الأعظم لمنطقتنا

زهير سالم

4 / 2 / 2019

مركز الشرق العربي

نتمسك بالبر والقسط أساسا للعلاقة بين الأمم والدول والملل والنحل والشعوب والمجتمعات والتجمعات والأفراد ..

نرفض أي قتال لإكراه الناس على دين أو معتقد ، نرفض الفتنة مفتونين وفاتنين . كما نرفض كل السياسات التي تدعم الظلم والفساد في الأرض وتؤدي إلى إزهاق أرواح الناس وإخراجهم من ديارهم ...

جميل أن يتبنى بعض بني قومنا سياسة التسامح والانفتاح على ديانات العالم من نصرانية ويهودية وبوذية وهندوسية ووثنية ..وأجمل منه بالتأكيد أن يتبنوا هذه السياسات مع مواطنيهم من بني جلدتهم المصلين إلى قبلتهم ، فيعتقوا من سجونهم سجناء الضمير والرأي الذين يختلفون معهم في سياساتهم وليس في قبلتهم وعباداتهم..!!

" واستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم وصليبه يتدلى في عنقه وأدخله بيته ، وأكرمه على وسادته ، وتلا عليه " اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ " يقول عدي : إنهم ما عبدوهم !! ويرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم ؟ فذلك عبادتهم إياهم ..

_______________

*مدير مركز الشرق العربي

========================

شروط الاستقرار العربي

د.شفيق ناظم الغبرا

القدس العربي

الخميس 7/2/2019

أصبحت استخدامات العنف والقوة في سلوكيات الكثير من الأنظمة العربية هي الطريق الأكثر وضوحا لحماية النظام السياسي وضمان استقراره الشكلي. لكن التاريخ يؤكد لنا بأن استمرار أي نظام سياسي مرتبط بالعدل أولا وبالإعمار والنهضة ثانيا. وإذا دققنا سنجد أن العدل غير ممكن بلا مساحة من الحرية تسمح بمسائلة السياسيين ومواجهة الفساد، وأن ذلك كله غير ممكن بلا طرق متفق عليها لتغير القادة بعد أن يمضوا وقتا في السلطة. النظام السياسي القمعي وغير العابئ بحاجات الناس والذي يقوم على الاستئثار هو نوع من الأنظمة التي تعاند الطبيعة البشرية، فالنظام السوفيتي سقط بفضل قتل كل المساحات وسوء التخطيط. إن الديكتاتورية في تاريخ الشعوب أدت لردود فعل معارضة. لم يختلف الأمر بين الأنظمة أكانت رأسمالية أم اشتراكية أم شيوعية أم من العالم الثالث. يؤكد لنا التاريخ الأوروبي مثلا بأن مجتمعاته لم تتأقلم مع السلطة المطلقة مما أدى للثورة وراء الأخرى ولنشوء النظام الديمقراطي الأكثر مساءلة وتلبية والأقل عنفا. ما زالت ملايين بل مئات الملايين من الناس عبر الكوكب تعيش تحت سلطات مطلقة وأنظمة ديكتاتورية، لكن ذلك لا يعني الاستقرار المتوسط والبعيد وفي حالات القريب مضمون لهذه الأنظمة، ما زالت فرضية أن السلطة المطلقة مفسدة مقولة صائبة ومعبرة عن شروط الحياة السياسية.

الأغرب في الواقع الإنساني أنه بإمكان السلطة المطلقة أن تؤدي للتنمية والعمران، كما فعل أكثر من ديكتاتور منهم ستالين وهتلر وموسوليني وغيرهم، لكن ما تلبث تلك الحالة إلا وتؤدي لنقيضها المدمر. في بداياتها تسعى السلطة المطلقة للتخلص من أعدائها، لهذا تقدم خدمات ورفاها مزيفا وتوظيفا شكليا وقرارات تبدو شعبية ريثما تنجح في تأكيد سلطتها وتصفية أعدائها ومنافسيها. من خصائص السلطة المطلقة صناعة القرار بلا حوار مجتمعي فالهرمية من الأعلى للأسفل هي أساس النظام السلطوي. لكن كل سلطة مطلقة تتحول مع الوقت لمصدر لا حدود له لمراكمة الثروة والقوة لفئة جديدة مما يفتح الباب للفساد.

لقد نشأ الحكم المطلق في البلدان العربية بعد سقوط الدولة العثمانية 1917، كانت المناطق العربية التابعة للدولة العثمانية في الجزيرة العربية أم في بلاد الشام من أكثر المناطق ضعفا في التعليم والمؤسسات والاقتصاد. وعندما نشأت الدولة العربية الحديثة في ظل تقسيم المناطق العربية وقعت تحت الاستعمار والسيطرة الغربية. وما أن انتهت السيطرة الغربية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية 1946، إلا وتوجهت كل دولة عربية نحو النظام السلطوي الذي لا يسائل إلا بما يسمح به الحاكم. وقد نشأت تلك الديكتاتوريات في ظل الحاجة لتوحيد الهوية الوطنية لدول مفككة من الداخل، لكن نشأت في الوقت نفسه في ظل تدفق القدرات النفطية لكل المنطقة العربية مما دفعها لعدم الحاجة للاحتكام لمنطق الاقتصاد الذي يعتمد على إنتاج الشعوب، كما أن الدولة العربية الحديثة وقعت ضحية العسكرة ودور الجيوش المرتبط بالصراع مع إسرائيل. لهذا بالتحديد لم يقع التغيير في الكثير من بلدان العرب في النصف الثاني من القرن العشرين إلا عبر الانقلاب والتصفيات.

كل سلطة مطلقة تتحول مع الوقت إلى مصدر لا حدود له لمراكمة الثروة والقوة لفئة جديدة مما يفتح الباب للفساد

و مع انتشار حركة التعليم منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين نمت الطبقة الوسطى العربية التي بحثت عن حقوق ثابتة مستقلة عن رغبات الحاكم والسلطة. بل بدأت تلك الطبقات المتعلمة في المجتمع العربي والفئات الجديدة النامية من حضن التعليم والعولمة خاصة من فئات الشباب العربي تكتشف ضرورة عدم التعسف وبناء مساحة للحريات في ظل مؤسسات وطنية مستقلة عن النظام السياسي. لم يصل هذا الوعي لحد الانفجار إلا في مرحلة الربيع العربي في العام 2011، وهو ما زال حتى اللحظة في 2019 يبحث عن المساحة التي يتنفس من خلالها.

إن فرضية أن العرب لا يمكن أن يتم التعامل معهم إلا بالقوة تنتشر بين قطاع كبير من القادة في البلدان العربية، وأن قطاعا من العرب يطرح كل يوم بأن الشخصية العربية تتطلب الحاكم الحازم الديكتاتور الذي لا يهتز قيد أنملة عندما يصادر حقوق ويأمر بإعدامات ويقرر فرض قوانين حتى وإن كانت من العصر السابق للتاريخ. لكن في الوقت نفسه ما يجب التنبه إليه أن هذه الديكتاتورية هي المدخل للدولة الفاشلة والفوضى كما حصل مع عدد من القادة العرب المستبدين. كما أن معظم الناس في المجتمعات العربية تمقت الظلم بكل أنواعه والتعسف بكل حالاته.

لو دققنا في شروط الاستقرار سنكتشف بأنه لا يوجد استقرار بلا شرعية مستمدة من القبول الطوعي للمواطنين بسلطة الدولة والحكومة وقراراتها. لكن الجانب الشائك في الحالة العربية اليوم مرتبط بتآكل هذا القبول، فأعداد المواطنين الذين لا يثقون بالنظام وبالقرارات التي يصدرها في تزايد ملحوظ، وهذا يؤدي مع الوقت لظاهرة التمرد على الأجهزة. وبسبب التمرد والرفض ترتفع حاجة النظام للاعتماد على الأمن والجيش والمخابرات وذلك لضمان الاستقرار. لهذا من الطبيعي في مرحلة تآكل الشرعية الرسمية العربية أن تمتلئ السجون بالمفكرين والشخصيات الدينية والمدنية وبرجال الأعمال والشباب والشابات من كل الأطياف. فكلما ابتعد النظام عن شروط الاستقرار، كتلك التي تتعلق بالحالة الاقتصادية والعمل والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية والحريات والحقوق، كلما ارتفعت حدة التمرد مما يؤدي لمزيد من القمع الرسمي ضد الشعب. هذا المشهد العربي يختلف جذريا عن عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. لقد دخل العرب في مرحلة جديدة تتطلب تغيرا حقيقيا في بنى السلطات الرسمية، فالشرعية لن تعود بلا صياغة شكل جديد وديمقراطي للعلاقة بين الدولة والمواطن وبين النظام والشعب.

استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت

==========================


مدن سوريا المنسية تنتظر شهودها

سوسن جميل حسن

سوريا تي في

الاربعاء 6/2/2019

في الشمال الغربي السوري، حيث توجد عقدة لم تزل قيد التفاوض حاليًا من قبل الأطراف الضالعة في الأزمة السورية الحالية، توجد منطقة تسمى الكتلة الكلسية، تبدأ من الحدود التركية شمالاً وحتى طريق خان شيخون - أفاميا جنوبًا، ومن طريق حلب - معرة النعمان - خان شيخون شرقًا حتى سهل الغاب ووادي العاصي غربًا، رصدت فيها المنظمات الدولية المعنية بالتراث الإنساني ما يقارب ثمانمئة موقع أثري وقرية تحكي قصة من تاريخ البشرية في هذه البقعة المصابة بلعنة التاريخ والجغرافيا "سوريا"، وتقدم البراهين على المستوى الحضاري الذي وصلت إليه في الماضي، والحياة التي ازدهرت فيه.

إنها "المدن المنسية". تلك المدن التي مرت بفترات ازدهار كان أهمها في العصر الروماني والبيزنطي، حتى النصف الأول من القرن السابع الميلادي، ثم بدأ الدمار والانحدار إثر الغزو الفارسي للمنطقة واستباحة الأرض وأشجارها وساكنيها، فقطعوا أشجار الزيتون التي كانت سفيرة المنطقة إلى العالم، فمنها عرف العالم زراعة الزيتون التي صار لها مالكوها وحاضنوها ومصدرو زيوتها وثمارها إلى كل بقاع الأرض، بينما عجزت سوريا عن أن يكون لها موقع الريادة أو حتى المنافسة في هذه الصناعة النبيلة. لتأتي الطبيعة وتتحالف مع الزلازل التي تحدثها الحروب فتنقض على المنطقة أيضًا وتزيد من دمارها، وبعدها الحروب بين الحمدانيين والبيزنطيين في المنطقة التي أدت أيضًا إلى تدمير بعض القرى، ثم الحروب الصليبية، وعادت الحياة في القرن التاسع عشر بشكل بطيء إلى بعض مراكز السكن الرئيسية وتسارع السكن الجديد والزراعة بعد الحرب العالمية الأولى بفضل زيادة الأمان في الريف وفتح الطرق الجديدة وتوفر الأسباب التي تساعد في تشكل المدن والتجمعات البشرية بفضل التطور الذي شهده العالم في ذلك التاريخ.

المدن والقرى التي صُنفت على أنها آمنة عاشت على صدى الحرب ولحقتها بعض الشظايا

يحضرني التاريخ، وقصص المدن المنسية وتراجيدياتها وأنا أعود إلى البلاد مسكونة بهواجس الواقع محاصرة بالأخبار التي تعرض نزيفنا وأرواحنا وبازارات التفاوض والمساومة الرخيصة علينا، ويصدمني واقع مدننا، حتى تلك التي لم تكن منسية ولم تأكلها الحرب من السماء والأرض والبحر كغيرها، المدن والقرى التي صُنفت على أنها آمنة عاشت على صدى الحرب ولحقتها بعض الشظايا واستقبلت أبناء أخواتها من المدن والقرى التي التهمتها الحرب أو أوشكت على التهامها، مع أن هذه المدن الباقية بحكم المنسية بواقعها الذي تتحكم فيه إدارة الحرب ومافياتها، إنها تعيش كضحايا للسياسات الغبية والجبارة، تتكيف مع التغيرات بطريقة تسلب منها في المقابل كل حوافز الحياة، مقيدة بالقدر العام الذي لا حرفة لها به.

لقد انساق الشعب السوري إلى مصائره الكارثية تحت سطوة السياسات التي رسمت خرائط الطريق له، مثلما لو أن هذا القدر العبثي هو أقصى ما يستحقه شعب في عصر الحقوق الإنسانية والمعرفة التي أماطت اللثام عن تاريخ البشرية ونسّقت حقبه المظلمة وما حفل به من ظلم وجور وإذلال بني البشر تجاه بعضهم البعض، لكن التاريخ في هذه المنطقة الحاضرة المنسية يعيد نفسه بفجور أكبر. تجتاح حياته الأمراض والعوز والفقر والمجاعة والهجرة والموت، ويحاصره الانهيار من كل صوب، فكل أركان الحياة تتداعى في التعليم والقضاء والدوائر الحكومية والخدمات والبنية التحتية، والحياة تسير معاقة نازفة بينما لا يملكون قدرة على إبداع ما يعافيها ويجعل منها حياة تحتضن أبناءها.

المدن السورية المنسية عقدة العقد في الأزمة السورية، تصرّ الحرب على الإمساك بمصيرها ودفعها إلى حظيرة النسيان من جديد، تتصارع عليها أطراف الحرب وتتفاوض عليها في الوقت نفسه، تعلو أصواتهم ليس بالحناجر فقط بل بالسلاح، بالقصف من السماء، من الأرض، بكل الأسلحة التي يضخها سوق السلاح العالمي إلى هذه المنطقة، ويبقى مصيرها مفتوحًا على كل احتمالات الخراب أمام نسيان آخر، نسيان أو تناسي الضمير العالمي للمجازر التي ترتكب كل يوم، والمجازر الأخرى اللامرئية تلك التي تعمل في العمق وفي السر بالتغيير الديموغرافي والضخ العقائدي ومصادرة الوعي والضمير والمجال العام.

لم تعد وحدها تلك المدن منسية، صارت سوريا بأطرافها المترامية في طي النسيان بالنسبة لذاكرة أبنائها الحالمين بالعودة وأولئك الباقين فيها على مشارف الموت والخراب، الكل مصاب بفجوة عميقة في ذاكرته وروحه، لقد دقت الحرب أسافينها بين السوري وماضيه، وبينه وبين أهله وأصدقائه وأتراب طفولته، فصار معلقًا في فضاء لزج مشبع بالصور التي تفوح منها رائحة البارود مختلطة برائحة الدم واللحم البشري المحترق. غادرت الأماكن مواقعها. ورمت ساكنيها إلى المجاهيل يكابدون وجع أن يكونوا شهودًا مخذولين محبطين على عصر البربرية والانحطاط الإنساني، أليست عقوبة شاقة أخرى تضاف إلى ما مورس بحق هذا الشعب؟ أن تبقى صور الشهادة التي عاينوها عالقة على أرواحهم في الوقت الذي نسفت فيها أرواحهم ونسف ماضيهم ونسفت ملامح هوياتهم التي ما إن باشرت تحبو في طريق تشكلها كهوية قادرة على النهوض حتى صادرتها أنظمة الاستبداد السياسي والديني وتنازعتها وشرذمتها وتركتها وقودًا لحرب لم يشهد التاريخ المعاصر مثلها؟

كيف للسوري أن يتصالح مع الحياة ويستعيد توازنه بعد هذا الشرخ الرهيب بينه وبين ماضيه القريب؟ كيف يستعيد صلته بالأمكنة فيما لو رجع إليها بعد أن صارت أطلالاً؟ كيف تنمو روحه في المستقبل وقد اقتلعت جذورها، فلا الدار دار ولا الأصحاب أصحاب ولا الأهل والجيران؟ لقد كابد السوريون باصطيادهم الخسيس لصالح هذه الحرب مرارة العيش في هذه المرحلة، وشهدوا واختبروا من التاريخ ما لم يشهدوا ويختبروا بشراسته من قبل، لم تقف الحرب بجبروتها عند الصدوع والشروخ التي أحدثتها بينهم وبين ماضيهم، بل حفرت الخنادق بين أجيال أبنائهم وبين المستقبل، المستقبل المرتهن للسياسة الحاقدة الجبانة، وحولتهم آلتها إلى كائنات هائمة بين واقع وأوهام. ومثلما الشعب السوري منسي ومتروك لأقدار عبثية ليست من صنع الغيب بل من صنع البشر بكل ما يحملون من طاقة على الشر، كذلك مدنهم وقراهم صارت منسية، يستعيد التاريخ شيطنته عليها، من دون أن يكون لها من يقيم لها المهرجانات تحت رعاية القيادة الحكيمة والحزب الأوحد الذي حباها الله به قائدًا للدولة والمجتمع.

هل ستكون هناك "فرقة ناجية" بضمير نزيه مقاوم لكل أشكال التجييش والتضليل والتعمية تفاجئنا وتفاجئ التاريخ يومًا ما بأنها وثقت جزءًا من الحقيقة عن هذا العصر السوري المتفسخ؟ إنها المسؤولية التي تهز بنيان كل ضمير في لحظة صحوه، مسؤولية الأمانة في زمن الخيانات، النزاهة في واقع الاستنقاع والعفن، لكنها مسؤولية تستحق المواجهة والتصدي لها، إنها حق أبنائنا وأحفادنا علينا، نحن الذين عشنا لنكون شهودًا على تاريخ بلدنا خلال خمسين عامًا.

==========================

سورية.. هل تشكّل المنطقة الأمنية حلاً؟

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 6/2/2019

لم تكن "المنطقة الأمنية؛ حماية للأمن القومي التركي"، وفق التسمية التي اتفقت عليها الولايات المتحدة وتركيا، وليدة توافقٍ سياسيٍّ أميركي تركي، بل حلاً لخلاف حول الموقف من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)؛ التي تشكّل "وحدات حماية الشعب"، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، عمودها الفقري؛ وتعبيراً عن محاولةٍ أميركيةٍ للاحتفاظ بشريكيْن بينهما عداوة مديدة: تركيا والحزب المذكور؛ بحلٍّ وسطٍ يلبي بعض تطلعاتهما السياسية والأمنية.

جاءت الخطوة بعد عاصفة النقد التي أثارها قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم 19 /12/ 2018، سحب القوات الأميركية من سورية؛ وردود الفعل الأميركية (الكونغرس، البنتاغون، الخارجية، مكتب الأمن القومي، الإعلام) والإقليمية (إسرائيل، السعودية، الإمارات، والأردن) والدولية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، وهولندا) عليه؛ إن لجهة انعكاساته على الدور الأميركي والغربي في المنطقة، بالنسبة للمعترضين في الولايات المتحدة وأوروبا، أو لجهة كسره توازن القوى الذي وفره الوجود الأميركي على الأرض السورية، لصالح روسيا وإيران على حساب حلفاء واشنطن الإقليميين، بالنسبة لإسرائيل والسعودية والإمارات والأردن، وإطلاق يد روسيا للتصرف في سورية وفق رؤاها ومصالحها، وعلى حساب المصالح الغربية، بالنسبة للحلفاء الأوروبيين، فضلاً عن التضحية بالحليف المحلي الوحيد، "قوات سوريا 

"عمق المنطقة الآمنة وفق الأميركان 32كم، لكنه يصل في الرؤية التركية إلى 60كم" الديمقراطية"، الذي قاتل "داعش" وهزمه، ودفع في سبيل ذلك خسائر بشرية كبيرة، قتلى بالآلاف.

نجحت الضغوط الأميركية والإقليمية والدولية في التأثير على قرار الرئيس الأميركي في عدة مستويات، أولها فترة الانسحاب؛ حيث جرى تمديد الفترة أربعة أشهر، غدا انسحاباً بطيئاً ومنسّقاً للغاية، وفق تصريح الرئيس الأميركي نفسه، بعد أن كان انسحاباً فورياً، وثانيها تأجيل الانسحاب من قاعدة التنف؛ تلبيةً لرغبة إسرائيل، من أجل تقييد حركة إيران عبر الحدود العراقية السورية، ومنع نقل أسلحة إيرانية إلى الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والمليشيات الشيعية الأخرى، أما ثالثها فالبحث عن طريقة لحماية الحليف المحلي، "قوات سوريا الديمقراطية"، بعد أن كان الرئيس الأميركي قد سخّف الدفاع عنه، بقوله: "نحن ساعدناهم وهم باعوا النفط لتركيا والنظام"، إذ غدت حمايته شرطاً للسماح لتركيا بدخول منطقة شرق الفرات وملء الفراغ الذي ستتركه القوات الأميركية هناك، وتفويضها بالقضاء على ما تبقّى من "داعش" (تصريحات وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون؛ والرئيس الأميركي نفسه الذي تعهد لإلهام أحمد، رئيسة الهيئة التنفيذية لـ "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) خلال لقائه العابر بها في أحد فنادق العاصمة الأميركية، بحماية الكرد والمسيحيين؛ قال أمامها "إنه يحب الكرد")، وسحب تفويض تركيا بالإجهاز على بقايا "داعش" عملياً بالتركيز على المعركة ضدّه؛ والعمل على حسمها قبل سحب القوات.

غير أن الاتفاق الأميركي التركي على إقامة "المنطقة الأمنية" لم يغلق ملف شرق الفرات، خصوصاً قضية "وحدات حماية الشعب" ومشروعها "الإدارة الذاتية"، إذ ما تزال الصورة حول طبيعة "المنطقة الأمنية"، وحدودها وطبيعة الدور التركي فيها محط أخذ ورد، فقد حدّد الرئيس الأميركي عمقها بـ20 ميلاً، أي بحدود 32 كيلومتراً، في حين كتبت صحيفة حرييت، المقربة من الحكومة التركية، أن "أنقرة وضعت خطتها للمنطقة الأمنية، إذ تصل أعماق بعض المناطق إلى 60 كم، لأن بعض المناطق عميقة، وأخرى أضيق، حسب التهديدات، وإمكانيات قرب القوات المسلحة من المصادر واستخدام الطرق، والدعم اللوجستي". فضلاً عن عدم الاتفاق على من سيديرها، فقد نقلت وسائل إعلام أميركية مضمون نقاشات تجريها الإدارة الأميركية مع دول غربية مشاركة في التحالف الدولي ضد "داعش" (بريطانيا وفرنسا وأستراليا)، من أجل إقناعها بلعب دور قوةٍ عازلةٍ في "المنطقة الأمنية" بنشر قوات لها فيها "لمعالجة المخاوف التركية من الأحزاب الكردية، مع الإبقاء على القوات التركية بعيداً عن 

"الاتفاق الأميركي التركي على إقامة "المنطقة الأمنية" لم يغلق ملف شرق الفرات" المقاتلين الكرد"، وفق ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال. بالإضافة إلى ما نُشر عن تفاهم أولي بين واشنطن وأنقرة، مفاده نشر قوات كردية من البشمركة السورية التي درّبتها البشمركة العراقية، وأخرى عربية في "المنطقة الأمنية" بعد انسحاب "وحدات حماية الشعب" منها؛ قدّرت تركيا عددهم في "المنطقة الأمنية" بنحو سبعة آلاف، فالولايات المتحدة في حالة بحثٍ عن صيغةٍ مناسبةٍ تطمئن الحكومة التركية، وتحمي "قوات سوريا الديمقراطية"، وعن قوى حليفة تقبل بلعب دور قوة عازلة على الأرض، وهذا يتناقض مع الموقف التركي الذي أعلنه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مرات ومرات، ومفاده "أن تركيا ستنشئ "المنطقة الأمنية" وحدها؛ وتديرها، ولن تقبل بوجود قوات أخرى، بما في ذلك قوات النظام السوري".

إصرار أردوغان مرتبط بالانتخابات البلدية في شهر مارس/ آذار المقبل، وبضغط القوميين الترك عليه، ومطالبتهم بشن عمليات عسكرية واسعة في شمال سورية، من دون انتظار موافقة خارجية؛ مستغلين حاجته إلى أصواتهم في هذه الانتخابات، ما دفعه إلى تصعيد الضغط على الولايات المتحدة، كي توافق على رؤيته، بالإعلان عن "مواصلة التعاون بشكل وثيق مع روسيا وإيران حول قضايا المنطقة"، وفق تصريح المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين.

واقع الحال أن مشكلة تركيا ليست في عدم وضوح الموقف الأميركي فقط؛ فالموقف التركي غير مقبول روسياً، تريد روسيا ملء الفراغ الذي سيخلّفه الانسحاب الأميركي من النظام. من هنا، جاء طرح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال القمة التي عقدها مع الرئيس التركي في موسكو يوم 23 /1 /2019، فكرة العودة إلى اتفاق أضنة الموقع بين تركيا والنظام السوري عام 1998، بحيث تعود الاتصالات بين الطرفين، ويتسلم النظام الحدود المشتركة، وينسق مع تركيا في حفظ الأمن وملاحقة الإرهابيين، وغير مقبول عربياً، ترفض مصر والسعودية والإمارات توسيع الدور التركي في سورية والإقليم، فضلاً عن رفض كل من إيران وإسرائيل لتوسع الدور التركي في سورية.

يرتبط التصور التركي بتوجه مضمر لإجراء تغيير سكاني في "المنطقة الأمنية"؛ عكسه حديث الرئيس التركي عن إعادة إسكان اللاجئين السوريين، قال "إن عددهم أربعة ملايين"، في هذه المنطقة؛ وما ذكرته صحيفة حرييت "إن أميركا طرحت على الجانب التركي قضية تموضع عناصر المليشيات الكردية في منطقة الجزيرة السورية، وإعادة المدنيين السوريين من العرب والكرد الموجودين في تركيا، إلى هذه المناطق الفارغة"، ما يثير هواجس السكان الكرد

"تستطيع تركيا تجنب تحديات صعبة وخطيرة بالقبول بالتفاهم مع "قسد" على حلٍّ وسطٍ يرضي الطرفين" ومخاوفهم في ضوء ما شاهدوه ولمسوه من ممارسات شاذّة في منطقة عفرين؛ قمع السكان وابتزازهم ونهب أملاكهم ومواسمهم الزراعية، ما سيدفعهم إلى الاستماتة في مواجهة القوات التركية، عبر حرب عصابات مفتوحة، خصوصاً أنهم لن يعدموا دعماً من خصومها.

تستطيع تركيا تجنّب تحديات صعبة وخطيرة بالقبول بالتفاهم مع "قوات سوريا الديمقراطية" وحزب الاتحاد الديمقراطي على حلٍّ وسطٍ يرضي الطرفين؛ تتحاشى به الذهاب إلى حربٍ مديدةٍ ومكلفةٍ، إذ نقل عن رئيسة الهيئة التنفيذية لـ "مجلس سورية الديمقراطية"، إلهام أحمد، استعداد "مسد" للتفاوض مع تركيا، وسعيها إلى طمأنة الأخيرة بإعلانها "نحن لسنا طرفاً في الصراع الدائر في تركيا"، تسحب به البساط من تحت أقدام خصومها الإقليميين الذين ينتظرونها عند كل منعطف، لتقييد حركتها بمحاصرتها، والحد من دورها في المعادلة الإقليمية.

كرّر الرئيس التركي، أردوغان، في حديثه عن اللاجئين السوريين مرّاتٍ، مقولة "نحن الأنصار وأنتم المهاجرون"، حبذا لو أكمل الاقتداء ببقية الواقعة التاريخية، وآخى بين الترك والكرد، كما فعل النبي بين الأوس والخزرج، وانحاز مجدّداً إلى السلام، وعاد إلى المفاوضات، لاستكمال استحقاقات خريطة الطريق التي اتفق عليها الطرفان عام 2010 ففي ذلك المخرج الوحيد المتسق مع الرغبة في الاستقرار والازدهار.

==========================

مأزق الثقة قد يعيد خلط الأوراق في الأزمة السورية

إيفا كولوريوتي

القدس العربي

الاربعاء 6/2/2019

لطالما كانت التراجيديا اليونانية القديمة مليئة بالخيانة وكسر الثقة بين الحلفاء، فكما كادت أثينا واليونان عموماً أن تسقط بأيدي الإمبراطورية الفارسية بسبب خيانة إفيالتيس لملك أسبرطة، استمر هذا المشهد يؤرق الممالك والدول ليومنا هذا، فحليف اليوم قد يكون عدو الغد، هذا الكابوس الذي تعيشه طهران مؤخراً دفعها لفقدان السيطرة والتسرع في تحركاتها عموماً وفي سوريا خصوصاً.

فمع بداية عام 2017 وفي ظل التراجع الميداني الواضح لقوى الثورة السورية وتهرب حلفائهم من وعودهم كان السؤال الأهم للمثقفين السوريين المعارضين في وقتها هو هل هزمت الثورة ؟ فكان جوابي لأحد الأصدقاء واضحاً: إن الثورة خسرت أصدقاءها الوهميين وربحت درساً بالثقة فيما كسب الأسد انتصاراً عبر عضلات حلفائه وسقوطه سيكون عبر حلفائه أنفسهم.

في البداية يجب التأكيد أن الوجود الإيراني الميليشياوي في دول المنطقة كان ولايزال مرتبطاً بشكل أساسي بالخراب وعدم الاستقرار ضمن هذه الدول. ففي العراق وخلال تجربة الستة عشر عاماً الماضية لم يعش هذا البلد يوماً من الهدوء، وكلما خرج من مطب دخل في عقدة جديدة لها بصمات طهران. وفي سوريا تستعمل طهران الخطة نفسها فاستمرار دائرة الصراع هناك هي البيئة المثالية للوجود الإيراني وأي حل سياسي دولي حتى إن أبقى على الأسد سيعني خسارة مستقبلية لطهران. هذه النظرة للواقع تدفع إيران بشكل مستمر لخلط الأوراق عند أي مأزق ، وما يحدث في الداخل السوري منذ نحو شهرين من تحركات عسكرية إيرانية هي برأيي الشخصي بداية منعطف وخلق لأزمة جديدة.

عدم ثقة بين طهران وموسكو

مع بداية شهر ديسمبر/كانون الأول ومع تكرر الضربات الموجعة الإسرائيلية تجاه الوجود الإيراني في سوريا عموماً والجنوب السوري خصوصاً نشأت حالة من عدم الثقة بين طهران وموسكو، فالروسي الذي أكد مراراً وتكراراً تنسيقه مع تل ابيب في ضربتها ضد الداخل السوري لم يمنع هذا التنسيق أو يحد من الغارات الإسرائيلية، كما أن منظومة اس 300 التي وعدت موسكو بإعطائها للأسد اقتصر وجودها ضمن الغرب السوري حيث الوجود العسكري الأهم لموسكو. ومما زاد من الطين بلة لطهران وايديولوجيتها في الأزمة السورية ما صدر عن واشنطن بالانسحاب من سوريا مما قد يضيف مطبات أخرى بين أصدقاء أستانة ويحول الشرق السوري من نقطة التقاء بين تركيا وإيران وروسيا ضد الوجود الأمريكي هناك إلى نقطة خلاف قد تعقد المشهد أكثر.

طهران رأت بشكل واضح ومن خلال المعلومات الواردة من الداخل السوري على أن القرار الأمريكي قد يسرع من الحل السياسي في سوريا، وبالتالي أي حل موجود على الطاولة سيكون أحد أهم بنوده الانسحاب الإيراني من الداخل السوري، كما أن موسكو اللاعب الدولي الأهم هناك مع خروج واشنطن لن تكون أمام خيار بديل لفتح باب إعادة إعمار سوريا من قبل الغرب والخليج سوى تقبل فكرة دفع طهران خارج الحدود.

هذه الحتمية دفعت بطهران لزيادة وجودها العسكري في سوريا أكثر فأكثر، فحسب ما نشره موقع (دبكا) المقرب من الموساد الإسرائيلي فإن الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني دفع بما يزيد عن 10 آلاف مقاتل تابعين للحشد الشعبي العراقي نحو الحدود الغربية العراقية مع انتظار الوقت المناسب للتقدم، كما أن الضربة الإسرائيلية الأخيرة وما نشر من تفاصيلها وحول الأهداف من ورائها تؤكد بما لا شكل فيه أن طهران بدأت تجهز مواقع عسكرية خاصة بها بعيداً عن الأعين الروسية في محيط دمشق والجنوب السوري بشكل يوحي بأن طهران إذا ما اضطرت ستتجه نحو خلط الأوراق في سوريا بعيداً عن الرأي الروسي أو مصلحة نظام الأسد.

إشعال الجبهة السورية

قد تكون ترجمة عدم الثقة بين موسكو وطهران في الوقت الحالي هو ما يجري في ريف حماة الغربي من جهة والحالة الاقتصادية التي تعيشها مناطق سيطرة الأسد من فقدان للمحروقات من جهة أخرى. فحسب مصادر محلية من ريف حماة لاتزال الاشتباكات مستمرة منذ أسبوع مع سقوط عشرات القتلى والجرحى بين الفرقة الرابعة حليف طهران من جهة والفيلق الخامس المدعوم روسياً من جهة أخرى. السبب الظاهري لهذه الاشتباكات هو نفوذ ميليشيات غير منضبطة، والسبب الحقيقي خلفها هو تدافع بعيد عن العلن بين موسكو وطهران، وأزمة المحروقات التي بدأت تشعل الشارع السوري المؤيد فهي لإجبار الأسد على الاختيار بين إيران وروسيا.

لطالما طالبت موسكو وأكدت على ضرورة الوجود الإيراني في أي مفاوضات تخص الأزمة السورية إلا أن اتفاق سوتشي الذي حدد مصير آخر قلاع الثورة في إدلب ومحيطها صاغته موسكو وأنقرة بدون الاستشارة الإيرانية. وفي المنحنى نفسه كانت قمة موسكو بين بوتين واردوغان حول الشرق السوري وتفاصيل المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها هناك بعيداً عن الرأي الإيراني لمستقبل هذه المنطقة الهامة والغنية بالنفط والغاز والموقع الاستراتيجي مما يؤكد على الشرخ الحاصل بين حلفاء ديكتاتور حي المهاجرين.

وعلى ما سبق فإن طهران ستكون مضطرة في لحظة ما أن توسع دائرة الصراع في سوريا كمحاولة لقلب الطاولة أمام أي مخطط يلغي وجودها هناك. والمرجح أن يكون الاختيار بين طريقين، الأول هو إشعال الجبهة السورية مع تل ابيب عبر ميليشياتها متعددة الجنسيات هناك ولهذه الخطوة إيجابية أخرى قد تفتح نافذة مع إسرائيل عبر انهاكها ودفعها للقبول بمخرج ينهي العقوبات الاقتصادية الأمريكية. أما الخيار الثاني فقد يكون على حساب الأسد والتجربة اليمنية كمثال. الأيام المقبلة من المرجح أن تكون ساخنة في سوريا وقد تصل شظايا قنابلها لما هو أبعد من البوكمال شرقا ومن الديماس غرباً.

محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط

==========================

هل تشهد إدلب تحرُّكاً عسكرياً تركيّاً روسيّاً مشتركاً؟

محمود عثمان

نداء سوريا

الاربعاء 6/2/2019

لا ضَيْر من التذكير مرة أخرى بأن اتفاق "سوتشي" كان بالنسبة إلى موسكو حالة شِبْه اضطرارية، حيث حرمها الفيتو الأمريكي والتركي من فرصة الحسم العسكري في إدلب، وإعلان النصر في عموم سوريا.

نصَّ الاتفاق الروسي التركي الذي تم التوصل إليه في مدينة "سوتشي" الروسية على إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 إلى 20 كيلومتراً على خطوط التماس بين قوات النظام وفصائل المعارضة عند أطراف إدلب، وأجزاء من ريف حماة الشمالي، وريف حلب الغربي، وريف اللاذقية الشمالي.

اتفاق "سوتشي" بخصوص الأزمة السورية، الذي نجح في تجنيب إدلب كارثة إنسانية كبيرة، لم يكن تتويجاً للنمو المضطرد للعلاقات بين البلدين وحسب، إنما ثمرة للثقة المتبادلة بين الرئيسين أردوغان وبوتين.

بعد التوقيع على اتفاق "سوتشي"، تنفس الجميع الصعداء، وتوالت رسائل الترحيب والتأييد لهذا الاتفاق، ابتداء من الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة وصولاً إلى دول الاتحاد الأوروبي، حيث كان من المتوقع حدوث موجات نزوح بشري لا يمكن أن تقف في وجهها حدود الجغرافيا، ولا التدابير الأمنية الصارمة التي اتخذتها الدول على حدودها.

مقابل التزام المعارضة بتطبيق اتفاق "سوتشي" استمرت خروقات النظام دون انقطا

نجحت تركيا في حث أطراف المعارضة على الالتزام باتفاق "سوتشي"، فقد التزمت جميع فصائل المعارضة التي ضمنتها تركيا في "أستانا"، وكذلك "هيئة تحرير الشام" التزمت بتطبيق بنود الاتفاق دون خروقات تُذكَر.

بذلت أنقرة جهوداً كبيرة من أجل سحب ذرائع الروس التي كانت تقول بأن قاعدتهم في حميميم تتعرض بشكل مستمر لهجمات من طرف إدلب، حيث لم يسجل أي هجوم ضدهم بعد التوقيع على الاتفاق.

في المقابل لم تلتزم قوات نظام الأسد ببنود اتفاق "سوتشي" ، بل إن وزير خارجية النظام "وليد المعلم" صرح عقب التوقيع على الاتفاق مباشرة، بأن نظامه غير مَعْنِيٍّ بتطبيق اتفاق "سوتشي"، كما استمرت حشود قوات النظام والميليشيات الإيرانية المساندة لها حول إدلب.

خروقات النظام لاتفاق سوتشي لم تتوقف يوما واحداً، بل استمر القصف المدفعي على جميع مناطق سيطرة المعارضة، كان آخرها المجزرة التي ارتكبتها قوات النظام السوري أول البارحة في مدينة معرة النعمان جنوب إدلب، المشمولة ضِمن مناطق الاتفاق، حيث ارتفع عدد الضحايا إلى 12 قتيلاً و30 جريحاً، فقد أوضح مدير مركز الدفاع المدني في معرة النعمان "عبادة ذكري" أن حصيلة القتلى عشرة رجال وامرأة وطفل، بينما بلغ عدد الجرحى 24 رجلاً وامرأتين وأربعة أطفال، مضيفاً أن القصف خلف دماراً واسعاً في ممتلكات المدنيين.

دول عربية دفعت "هيئة تحرير الشام" لمحاربة الجيش الحر

كشفت تقارير استخباراتية عن جهات دفعت المدعُوّ "أبو اليقظان المصري" أبرز شرعيي "هيئة تحرير الشام" لإصدار فتاوى محاربة الجيش الحر في الشمال السوري، بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا وحديث ترامب عن محاربة تنظيم الدولة من قِبَل تركيا.

صحيفة "يني شفق" التركية أشارت إلى دولتين خليجيتين دفعتا "هيئة تحرير الشام"، التي تدعمانها مالياً بزعزعة استقرار المنطقة، وبإعطاء الضوء الأخضر لـ"أبو اليقظان المصري" لإصدار فتاوى محاربة الفصائل الأخرى المتواجدة في الشمال، بهدف تعطيل اتفاق سوتشي وتشتيت انتباه تركيا عن عملية شرق الفرات، وزجّها في نزاعات إدلب.

صحيفة "يني شفق" التركية كشفت أيضاً أن الجناح العسكري في "هيئة تحرير الشام" شَنّ الهجوم على فصائل الجبهة الوطنية للتحرير طبقاً لتعليمات "أبو حسين الأردني"، والذي كان ضابطاً في القوات المسلحة الأردنية، مشيرةً إلى أن النظام السوري استغل الاشتباكات، وعمل على حشد قواته ونقل الأسلحة الثقيلة إلى المنطقة.

تتهم أنقرة أعضاء لا تسميهم في تحالف واشنطن الدولي ضدّ تنظيم داعش في سوريا والعراق، بدعم الفصائل المتشددة في إدلب السورية في محاولة لإحباط الاتفاق التركي الروسي حول وقف التصعيد في إدلب.

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال بالحرف الواحد: "بعض الشركاء في التحالف يدعمون هيئة تحرير الشام"… أولاً من أجل إلحاق الضرر باتفاقية إدلب، وثانياً لأن هذه الدول تبذل جهوداً كبيرة لمنع تشكيل اللجنة الدستورية في سوريا" ، وأضاف أن هذه الدول تحرض تحرير الشام على انتهاك اتفاق إدلب بتقديم الدعم المالي لها".

التركيز الروسي على اتفاقية "أضنة"

في "سوتشي" اتفق الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان في سبتمبر 2018 على إعلان منطقة منزوعة السلاح على طول خطّ التماس بين المعارضة المسلحة وقوات جيش النظام والميليشيات الإيرانية المساندة له في محافظة إدلب.

تعتمد الرؤية التركية لإدارة محافظة إدلب على تفكيك هيئة تحرير الشام (النصرة) ، عن طريق الفصل بين مقاتليها إلى سوريين وأجانب، بحيث يتمّ ضمّ ما يقارب 15 ألف عنصر سوري من الهيئة إلى "الجيش الوطني"، بعد إنشاء المنطقة الآمنة التي تسعى إليها تركيا.العقدة التي تعرقل مساعي تركيا تتمحور حول امتناع الدول التي جاء منها المقاتلون الأجانب إلى إدلب عن استعادتهم، وبدل مدّ يد العون لتركيا ومساعدتها، على العكس من ذلك تبذل بعض الدول جهوداً مكثفة من أجل عرقلة مساعي تركيا، لدرجة أن بعض الدول قدمت لهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) معلومات استخباراتية عن تحركات تركية كان هدفها شنّ هجمات ضدّ مقاتلي الهيئة في بعض المناطق، ودول أخرى لم تتوانَ في تقديم شتى أنواع الدعم، من مال وسلاح وعتاد، لكي يبقى تنظيم القاعدة قوياً ومسيطراً على محافظة إدلب.

في تطوُّر لافت صرح الرئيس الروسي بوتين بأن الوجود التركي في سوريا شرعي يستند إلى اتفاقية أضنة، الموقَّعة عام 1998 بين تركيا وسوريا، بعدها مباشرة قال وزير خارجيته "سيرغي لافروف": إن وجود جبهة النصرة في إدلب مخالف للتفاهم الروسي التركي بشأن المنطقة، مضيفاً أن أنقرة ودمشق يمكنهما الاستنادُ إلى اتفاق "أضنة" لتأمين حدودهما.

بالتوازي مع التحركات السياسية والزيارات المكوكية بين أنقرة وموسكو، يجري وفد عسكري - أمني تركي محادثات في موسكو لبحث خطوات مشتركة في محافظة إدلب وسط توقعات بعملية عسكرية روسية يعتزم الروس تنفيذها ضد جناح معين داخل هيئة تحرير الشام.

مصادر روسية أكدت أن موسكو تعمل مع الجانب التركي على تهيئة الأجواء لإطلاق عملية عسكرية محدودة النطاق في إدلب التي تسيطر عليها "هيئة تحرير الشام" بشكل شبه كامل.

المصادر نفسها أشارت إلى مناقشات جرت مؤخراً بين قياديين سوريين وقيادات تركية حول إنهاء دور “الجهاديين” الأجانب الموجودين ضِمن صفوف " هيئة تحرير الشام" وترحيلهم إلى بلادهم.

الرؤية التركية لإدارة محافظة إدلب وما حولها، تقوم على إعلان حكومة مركزية في مناطق الشمال السوري، وذلك بعد حل حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام، وتطوير هيكل الحكومة المؤقتة الحالية والمجالس المحلية التابعة للائتلاف الوطني السوري بحيث تدير الحكومة الجديدة مساحة تزيد على 20 ألف كيلومتر مربَّع، بما يشمل ريفَيْ حلب ومحافظة إدلب، ويكون الجيش السوري الحر هو القوة العسكرية الوحيدة الموجودة في المنطقة، بعد أن يتم زيادة عدد مقاتلي "الجيش الوطني" من 35 ألفاً إلى 80 ألف مقاتل، عَبْر تشكيل هياكل منضبطة ومنظمة ومدربة تدريباً جيداً.

منذ تدخُّلهم العسكري عام 2015 ، والروس يسعون إلى الإمساك بجميع خيوط المعادلة في سوريا، على الصعيدين العسكري والسياسي معاً، وقد شكل إعلان الرئيس الأمريكي ترامب قراره سحب قوات بلاده من سوريا، فرصة ذهبية بالنسبة للروس للوصول إلى هدفهم المنشود، بالسيطرة الأحادية على مركز القرار في سوريا.

لكن القيادة الروسية تدرك جيداً أن أيّ تحرُّك على الأراضي السورية إن لم يكن مشفوعاً بموافقة تركية، وبتنسيق مع أنقرة فإن مصيره الفشل لا محالة، من أجل ذلك أعطت موسكو موافقتها على قيام تركيا بعملية عسكرية في "منبج" وشرق الفرات، مقابل سماح أنقرة لموسكو بالدخول على خط إدلب، مما ترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات قيام الطرفين بجهود مشتركة هناك.

==========================


رواية الثورة السورية

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 5/2/2019

تعتبر رانيا أبو زيد في كتابها الصادر حديثا باللغة الإنكليزية (لا عودة إلى الوراء) أن أحداث الثمانينيات لعبت دوراً رئيسا في تقرير طبيعة رد فعل الأسد على الثورة الحالية، فالأسد الأب الذي أراق الدم بغزارة في أوائل الثمانينيات شجع الابن على القيام بالشيء نفسه ولو بنسبة أكبر، تذكر أبو زيد أن الأطفال الذين عاشوا خيال مجازر الثمانينات هم من كانوا ينتظرون وقتهم من أجل القتال مرة أخرى، لكنهم لم يكونوا هم الذين بدؤوا الانتفاضة في عام 2011. إلا أنهم استغلوا الفرصة فيما بعد من أجل توجيه الثورة بهدف العمل المسلح حيث يكون لهم الصوت الأقوى فيها.

كان تسليح الثورة جزءا من إستراتيجية الأسد في مقامرة محسوبة كما تذكر أبو زيد حيث كان النظام يعمل على قمع المتظاهرين السلميين بكل ما يستطيع وبنفس الوقت تشجيع تسليح الثورة وعسكرتها وقيادتها من قبل المتطرفين. كما شجع الأسد الجهاديين السوريين على التسلح لا سيما أنه يملك بيانات كاملة عنهم لكل الذين سمح لهم بالذهاب إلى العراق لقتال الأميركيين واعتقلهم بعد عودتهم مما سمح له ببناء بيانات كاملة عنهم ساعدته باستخدامهم فيما بعد من أجل توجيه دفة الثورة السورية كما يرغب ويريد.

ففي وقت مبكر في أيار/مايو 2011، عندما كانت الانتفاضة السلمية تكتسب زخماً، أعلن الأسد عفواً عاماً أفرج عمليا عن جميع المتطرفين الإسلاميين في سجونه. فقد كان لهم استخدام آخر فهموه جيدا عبر تشجيعهم على حمل السلاح، وكما نقلت أبوزيد، "سيسمح هذا للنظام بأن يقول للعالم، انظر إلى الإرهابيين". في السنوات التي تلت ذلك، حصل الأسد على رغبته. لقد صور هو ومؤيدوه الروس والإيرانيون بلا هوادة كفاحهم على أنه "حربهم الخاصة ضد الإرهاب الإسلامي" بينما كانوا يحاولون ذبح أي قوى معتدلة لا تتناسب مع هذا الوصف. كانت هذه وصفة للفوضى، وكانت طبيعة الصراع المتصدع والممزق هي أنه مع مرور الوقت، حتى المقاتلون المتصلبون المنضبطون المرتبطون بالقاعدة سيتقاتلون فيما بينهم.

تعتبر رانيا أبو زيد في كتابها الصادر حديثا باللغة الإنكليزية (لا عودة إلى الوراء) أن أحداث الثمانينيات لعبت دوراً رئيساً في تقرير طبيعة رد فعل الأسد على الثورة الحالية

أما قصة المدنية الوحيدة التي تركز عليها أبوزيد وهي روها من سراقب، فهي فتاة صغيرة كان عمرها تسع سنوات عندما بدأت الحرب، ثم أصبحت امرأة أكبر سنا بكثير من سنواتها ال 14 عندما ينتهي الكتاب. تقول روها في الصفحات الختامية: "كنا أطفالاً من قبل، لكننا لم نعد أطفالاً بعد الآن".

في نقد الكتاب وكما ذكر محرر صحيفة النيويورك التايمز أنه لا يمكن اعتبار الكتاب بأنه تأريخ للثورة السورية إذ قد يفاجأ بعض القراء بالمعاملة القصيرة نسبياً التي تعطى للأحداث التي تصدرت عناوين الصحف حول العالم. في أغسطس 2013 ، استخدم نظام الأسد غاز السارين في إحدى ضواحي دمشق ، وقد تردد الرئيس باراك أوباما في فرض الخط الأحمر الذي أعلنه ضد الأسلحة الكيميائية. في نهاية المطاف، أدى إبرام صفقة مع الروس إلى تدمير معظم ترسانة الأسد الكيميائية، لكن ذلك كان مبعث راحة محدودة لسكان سراقب كما تروي روها، فسراقب تعرضت للضرب بغاز السارين دون أن يقنع ذلك أي شخص في المجتمع الدولي بفعل أي شيء للمساعدة.

بعد عام، في أغسطس 2014 ، شن أوباما عمليات محدودة ضد داعش في العراق ، وفي الشهر التالي ، بعد أن قام داعش بقطع رأس الصحفي الأميركي جيمس فولي ، توسعت الحرب الأميركية المحدودة إلى سوريا. وتلاحظ أبوزيد: "تساءل العديد من السوريين لماذا انتظرت الولايات المتحدة حتى أصبحت الدولة الإسلامية في أوج قوتها لمهاجمتها".

لكن بالنهاية كما تقول أبو زيد فهذا ليس كتاب سياسة، في الواقع لا يقدم لنا الكتاب خطة للمستقبل. لقد غادر العديد من الشخصيات المركزية في كتاب أبوزيد سوريا، وهم يبنون حياة جديدة في أوروبا. وهو ما يشير بشكل غير مباشر أن سوريا تشظت وأصبحت سوريات وأن عودتها إلى وحدتها أصبحت مستحيلة مع تشظي أبنائها وانقسامهم.

ينتهي الكتاب بسردية واقعية لكنها حقيقة ومؤلمة بالقول في سراقب، تستمر القنابل في التساقط يومياً، كما يخبرنا عنوان الكتاب، لا عودة للوراء ولذلك نقرأ الصفحات النهائية للكتاب دون أمل في نهاية سعيدة. لكن المرء يقرأها بقناعة أن العمل الصحفي والأدبي الرائع الذي قدمته أبوزيد قد أعطانا، في النهاية ، كتابًا يستحق أن يقال عنه أن يقترب من وصف المأساة الهائلة التي هي سوريا.

==========================


هل ستشمل التوافقات الإقليمية سوريا

عبدالباسط سيدا

العرب اللندنية

الاثنين 4/2/2019

التوافق الأخير الذي تمّ بين مختلف القوى المعنية بالملف اللبناني، وأدى إلى الإعلان عن تشكيل الحكومة اللبنانية بعد تعطيل استمر أشهراً، يتقاطع في أوجه كثيرة منه مع ذاك الذي تمّ حول الوضع العراقي، وأسفر عن تشكيل الحكومة العراقية التي ما زالت تنتظر الاستكمال الذي لن يتحقق من دون التوافقات الصعبة التي تمسّ الملفات الأمنية والعسكرية التي لا تريد إيران التفريط فيها، حتى ولو كان ذلك مقابل تفاهم مغرٍ مع الجانب الأميركي.

ولكن مع ذلك، يبقى المستخلص من عملية رفع العراقيل أمام تشكيل الحكومة اللبنانية، وقبلها الحكومة العراقية، هو الأمر اللافت الذي يستوقف الاهتمام ويؤكد وجود إرادة دولية تنزع نحو تهدئة إقليمية عبر تجزئة الحلول إذا صحّ التعبير.

في العراق حصل تفاهم أميركي إيراني، لأسباب متباينة بالنسبة إلى كل طرف، حول تسليم رئاسة الحكومة إلى شخصية من خارج إطار السرب الإيراني، وهذا ما مهّد لانفتاح عربي نسبيّ على بغداد. وهو انفتاح من شأنه تحقيق قسط من التوازن المفقود.

كما أسهم التفاهم الأميركي الإيراني في تحسين العلاقات بين إقليم كردستان والحكومة المركزية. وفتح الآفاق أمام حلّ الإشكاليات والتعقيدات الأساسية عبر الحوار المؤسساتي، ومن خلال شخصيات غير إشكالية، قادرة على الفصل بين الاحتياجات العملية الضرورية، والقضايا الأخرى التشريعية والإدارية، وصلاحيات المركز والإقليم والمؤسسات، وهي القضايا التي تستوجب المزيد من النقاش والصبر والوقت. والاعتقاد السائد هو أن أمرا من هذا القبيل سيساهم في تعبيد الطريق أمام اختراقات إيجابية على مختلف المستويات.

أما في لبنان، فيبدو أن اللوحة كانت أعقد من ناحية الظاهر على الأقل، ولكنها لم تكن تنذر بانتكاسات أو حتى انفجارات كبرى كما كان متوقّعا بالنسبة إلى الوضع العراقي.

القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف اللبناني هي أكثر عددا مقارنة بتلك المنخرطة في الملف العراقي. فهناك إيران والسعودية، إلى جانب فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، وفي الخلفية تبقى إسرائيل تراقب الأوضاع عن كثب. وتحرص على ضرورة التزام الجميع بقواعد اللعبة التي لم تعد سرّا رغم كل الشعارات التي تسوّق هنا وهناك. كما أنّ النظام الأسدي ما زال موجودا ومتغلغلا في مفاصل الدولة والمجتمع اللبنانييْن.

من العوامل التي ساعدت على بلوغ التوافق في لبنان هو حرص مختلف الأطراف على عدم تجاوز الحدود المرسومة بين الطوائف، وذلك في ما يتصل بموضوع توزيع المواقع، وحجم المسؤوليات، وأعداد الوزراء، وهوية رؤساء الأجهزة والمدراء العامين الأساسيين. هذا في حين أن الشعارات الوطنية التي كانت تُرفع عراقيا لم تكن تعكس واقع حالة الاستقطاب الطائفي والقومي، التي تظل وإلى إشعار آخر هي التي تحدّد التوجّهات والممارسات، طالما لا يوجد مشروع وطني حقيقي يبدد الهواجس، ويطمئن الجميع على أساس احترام الخصوصيات وتأمين الحقوق.

وما يعنينا سوريا من هذه التوافقات الإقليمية الجزئية هو معرفة مدى انعكاسها على الوضعية السورية، وتلمس احتمالية إمكانية الوصول إلى توافق ما بين القوى المتصارعة على سوريا، وذلك بعد أن تمكّنت من إزاحة السوريين، سواء في المعارضة أو في الولاء، عن موقع التأثير الفاعل في مجريات ومتغيّرات القضية التي تمس مصير شعبهم وبلادهم.

فالحالة السورية هي أكثر تعقيداً على جميع المستويات من الحالتيْن اللبنانية والعراقية، ولهذا الأمر أسبابه منها: المكانة الجيوسياسية التي تحتلّها سوريا في المنطقة، والتأثير المباشر في دول الجوار نتيجة التداخل السكاني، والاعتبارات الأمنية، والمصالح الاقتصادية. هذا فضلا عن الاستثمار الإيراني الكبير القديم – الجديد فيها منذ ثمانينات القرن الماضي.

وهو استثمار يتمحور حول الرغبة في السيطرة الشمولية على البلاد، وإقصاء كل المكوّنات والقوى الأخرى غير الموافقة على المشروع المذهبي السياسي الإيراني الذي اتخذ من سوريا قاعدة للهيمنة على لبنان، والتحكّم في العراق، والسعي من أجل الاستحواذ على الورقة الفلسطينية عبر حركة حماس، والفصائل الأخرى المتماهية مع النظام الأمني السوري.

فالوضعية السورية هي استثنائية بكل ما في الكلمة من معنى. نظام يدّعي العلمانية ويتبجّح مسؤولوه وأنصاره بترفعهم فوق الانقسامات الطائفية وحساسياتها، في حين أنهم يمارسون في واقع الحال أكثر أشكال الطائفية بدائية ومقتا، وما يؤكد ذلك تحالفهم العضوي الاستراتيجي مع النظام الإيراني الذي لم يُخفِ يوما مشروعه المذهبي، واستخدم من أجل تنفيذه كل أذرعه المتمثلة في الميليشيات المتخمة بالفكر المذهبي، وهي الميليشيات التي أدخلها إلى سوريا لقتل السوريين وتشريدهم، وتغيير البنية التكوينية للسكان، والمحافظة على النظام التابع لهم.

أما من الناحية السياسية، فلا توجد أحزاب سورية كبيرة مؤثرة وذات مصداقية، كان من شأنها أن تكون جزءاً من عملية التوافق التي يبدو أن المعطيات الراهنة والمنظورة تبيّن أنها تظل الخيار الأكثر واقعية.

وفي غياب هذه الأحزاب، لم تتمكّن هيئات المعارضة التي تشكّلت بعد الثورة من التحوّل إلى مؤسسات فاعلة لها شعبية في الوسط السوري، وذلك نتيجة التدخّلات الإقليمية والدولية من جهة، وإخفاق القوى التي أسهمت في تشكيلها في عملية تحويلها إلى ركائز في المشروع الوطني السوري من جهة أخرى.

ما يستنتج ممّا تقدّم، هو أن إمكانيات التوافق السوري – السوري هي حالياً معدومة في ظل وجود نظام غير مستعد للتنازل عن أي شيء. بل يسعى إلى تسويق نفسه عبر رعاته، وكأنه هو المنتصر، مع أنه قد تسبب في تدمير البلد وقتل أكثر من مليون إنسان، وتهجير ما يربو على نصف الشعب.ويبقى الحديث عن إمكانية التوافق بين القوى الإقليمية والدولية. فاليوم هناك القوات الروسية إلى جانب القوات الأميركية في سوريا. هذا بالإضافة إلى القوات الإيرانية بكل اختصاصاتها، والقوات التركية. أما إسرائيل فهي تؤكد بصورة مستمرة عبر عمليات القصف التي تقوم بها بتنسيق واضح مع الروس والأميركان، بأنها معنية بصورة مباشرة بالأوضاع السورية، ولن تكون هناك أيّ ترتيبات على حساب أولوياتها الأمنية.

هل من سبيل إلى إيجاد صيغة من التوافق بين هذه القوى، وهي التي تسعى كل واحدة منها إلى استخدام الورقة السورية في إطار المساومات على قضايا أخرى منها إقليمية ومنها دولية، لاسيما بين الروس والأميركان؟

أم ستظل سوريا ساحة صراع، صراع ظل حتى الآن بالوكالة، قد يغدو مكشوفاً بين جملة القوى المتواجدة في الميدان السوري، خاصة في ظل الاستقطاب الدولي الذي أسهم الوضع السوري، إلى جانب قضايا أخرى، في تبلوره؟

هناك اجتماع سيعقد في أستانة أواسط الشهر الجاري، دعت إليه روسيا، سيضم روسيا وإيران وتركيا. واجتماع آخر دعت إليه الولايات المتحدة سيعقد في التاريخ نفسه تقريبا في وارسو، سيشمل العديد من الدول العربية، وربما غيرها.

هل نحن أمام عملية تشكل فعلية لمحوريْن متعارضيْن في مقاربتهما للمسألة السورية؟ لاسيما إذا وضعنا في اعتبارنا موضوع التعليق الأميركي لمعاهدة الأسلحة النووية المتوسطة المدى، والتناقض المُعلن بين تقييم كل من الولايات المتحدة وروسيا لأوضاع فنزويلا. أم أنّ ما نشهده لا يتجاوز حدود جهود تكاملية، يسعى الروس والأميركان من خلالها إلى إيجاد المخارج التي تنسجم مع حساباتهما؟

الأمور ليست واضحة بعد. ولكن في جميع الأحوال نرى أنّ التفاؤل بقرب الوصول إلى حلّ للموضوع السوري ما زال يفتقر إلى مسوّغاته الموضوعية.

=========================

حل سوري بزوايا دائرية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 4/2/2019

غيّر قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب من سورية، على الرغم من أنه لم يزل تغريدة في فضاء افتراضي، في معادلات التسوية المفترضة بين ضامني تفاهمات أستانة التي أنتجت تغييراً في مواقع دول الصراع وأدوارها، وكذلك مواقف الأطراف السورية الموظفة لتنفيذ أجندات الدول التي تدعم وجودها سياسياً وعسكرياً، وأنجزت ما سميت اتفاقات خفض التصعيد التي انتهت بتسليم المناطق للنظام، باستثناء "استعصاء إدلب" وفق خططٍ عسكريةٍ منظمة، أعلن في نهايتها النظام السوري بسط سيطرته عليها، في مؤشر على إعادة إنتاجه، وبضمانة الداعمين الأساسيين لمسار أستانة، إلا أن أهم ما أنجزه اليوم هو جدولة الحروب المحتملة، في سورية، وإعادة ترتيبها، لتعود الأولوية، مجددا، إلى تفاهماتٍ دوليةٍ سابقةٍ أميركية - روسية، وروسية - تركية - إيرانية لاحقة، تبدأ من الحرب على جبهة النصرة، بينما يتم تأجيل الحرب التركية المعلن عنها ضد كرد سورية منذ أشهر، بانتظار ما يمكن أن تؤول إليه مساعي تفسيرات المنطقة الآمنة الملتبسة في شمال سورية.

إذاً يمكن القول إن تغريدة ترامب عن قرار انسحاب قواته من سورية، وما أعقبها من تبعيات داخل إدارة ترامب وخارجها، لا تزال تحصد ثمارها السياسية والميدانية، إذ استطاعت تغيير خريطة التعاطي الدولي والإقليمي مع مفهوم الوجود العسكري والانسحاب وحدوده ومآلاته، 

"تغريدة ترامب غيرت خريطة التعاطي الدولي والإقليمي مع مفهوم الوجود العسكري والانسحاب وحدوده ومآلاته" وأصبحت الشغل الشاغل للدول المنخرطة في الصراع المباشر في سورية، وعليها (إسرائيل، روسيا، إيران، تركيا، وحتى أوروبا)، على الرغم من زيادة فاعلية القوات الأميركية وعددها وعتادها منذ إعلان الانسحاب في 19 ديسمبر/كانون الأول 2019، كما أنها زعزعت ثقة حلفاء أميركا الأوروبيين الذين وجدوا في تسرّع ترامب فرصةً للانقضاض على ملف الصراع من محور روسيا، إيران، تركيا، إلا أن الحقيقة الماثلة أن الحصاد الفعلي للقرار الأميركي كان بانتزاع فتيل الحرب التي كانت قاب قوسين أو أقل من اندلاعها في المنطقة، بين تركيا فاعلا وشريكا من جهة، وداعما للفصائل المعارضة المسلحة التي تنضوي تحت الرعاية التركية من جهة ثانية، ضد حلفاء واشنطن من "قوات سوريا الديمقراطية" في شمال سورية.

ويأتي اجتماع سوتشي المقرر خلال الأسبوع المقبل بين الرؤساء، الروسي والتركي والإيراني، ضمن سياق تأثيرات القرار الأميركي الذي فسح المجال أمام وضع الخلافات فوق الطاولة فيما بينهم، حلفاء وأعداء في آن معاً، بما يتعلق بواقع المنطقة بعمومها، ومنها اللون الأسود الذي صبغ إدلب وريف حلب الغربي، بعد أن اقتحمته جبهة النصرة في معركة إعلامية شبه وهمية، أدت إلى استسلام كامل للفصائل المتناثرة في المنطقة، وانكفائها لتلوذ بكنف فيلق الشام، أو الفصائل التابعة له، ما مهد الطريق أمام الحليف الروسي لإعادة التذكير بأولوية الحرب على جبهة النصرة بوصفها عدوا مستهدفا، حسب بيان القمة الثلاثية في طهران في 7 سبتمبر/أيلول 2018، والذي جاء في بيانه رفض الرؤساء أي محاولات لإيجاد واقع جديد على الأرض، في سياق محاربة الإرهاب، ومجدّدين تأكيدهم على مواصلة التعاون، بهدف القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة، وتم تأكيد ذلك في القمة التي جمعت بوتين وأردوغان في سوتشي، في 17 سبتمبر/أيلول 2018، حيث كانت "النصرة" وخروجها من إدلب محور الاتفاق الذي انقلبت عليه، وغيرت معالم الواقع الميداني عسكرياً في كامل إدلب ومحيطها. إلا أن ذلك كله لا يمكن أن يكون بعيداً عن الإرادة الأميركية التي تدير خلافاتها وتوافقاتها بالصمت تارة، والتغريدات المتناقضة تارة أخرى، لفسح المجال أمام "حمّى" المساومات والتنافسات والعروض، لتطفو على السطح من جديد، وتعيد رسم خارطة التحالفات وفق المعطيات المصلحية، بعيداً عن أي دور سوري من طرفي الصراع المحلي من نظام أو معارضة.

أي أننا من جديد أمام مرحلةٍ جديدةٍ من جدولة الأولويات، حسب ما يتفق والدور الذي ترغب به الولايات المتحدة، لكل الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، مؤكّدة في ذلك أنها ستبقى اللاعب الأساسي الذي يقرّر تموضعات بقية اللاعبين، بل وحصصهم داخل الملفات أو حتى خارجها، وهي بذلك لا تمارس دورها كما تدّعي بأنها "ضمير العالم"، بل تمارس دورها العسكري، على الرغم من وجوده شبه الوهمي في سورية (ألفي جندي) في قيادة العالم، حيث رغباتها ومصالحها؛ بما فيها مصالح إسرائيل المعنية بحمايتها مباشرة. ما يعني أن مرحلة الحسم بخصوص سورية لا تزال مؤجلة، وهذا يفيد بأنها ستحافظ على "الستاتيكو" القائم، 

"أميركا لا تمارس دورها كـ"ضمير العالم"، بل تمارس دورها العسكري، حتى بـ(ألفي جندي) في قيادة العالم" والنزاعات المختلف على حدودها، والأهم واقع القبول بإيران شريكا في عملية الحل السياسي في سورية، بعد أن كانت محرّك الشر في المنطقة عموماً، وهذا يعني، أيضاً، أن مهمة سوتشي الثلاثية المقبلة بما يتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية لا تزال محض وهم في غياب الإرادة الأميركية بإنهاء ملف الصراع في سورية.

ومن هنا، فإن الحديث عن قدرة مسار أستانة العسكري، وذراعه السياسية (سوتشي للحوار السوري) في أن يكون البديل لمسار جنيف، ووضع تفاهماته في خدمة إعادة تأهيل النظام، في مقابل الطموحات التركية في الشمال، والاتفاقات الاقتصادية لإيران مع دمشق في مقابل انحسار رمزي عسكري لها من سورية، هو محاولة لكسب معركةٍ إعلامية. ولا ينبغي الوقوع في فخ هذه المقولة التي يروجها النظام وحلفاؤه، فلا علاقة لما يجري بذلك، بقدر ما له علاقة بترتيب الأوضاع في سورية، واستدراج كل القوى لوضع أوراقها مكشوفةً أمام المجتمع الدولي، لصياغة حل "دائري الزوايا"، بما يحقق، أولاً وأخيراً، في المقام الأول المصلحة الأميركية التي تتضمن مصالح إسرائيل وأمنها، وبما يتناسب مع مصالح القوى الدولية الفاعلة جميعها، بدءاً من الولايات المتحدة بشكل خاص وإسرائيل وبعدها روسيا، ثم لاحقاً تركيا، من دون أن يتجاهل الجميع المصالح الإيرانية المطلوب تقنينها، وليس نفيها.

=========================

قريباً في عيد الحب

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 4/2/2019

بعد عشرة أيام سيحتفل العشاق، عبر العالم، بعيدهم. أما نحن السوريون فسوف نراقب حدثين سياسيين مهمين يتعلقان بالصراع الدائر في سوريا وعليها. هناك، من جهة أولى، مؤتمر عالمي حول قضايا الأمن في الشرق الأوسط سوف يعقد، بدعوة من الولايات المتحدة، في العاصمة البولونية وارسو. وفي التوقيت نفسه، سوف يعقد قادة روسيا وإيران وتركيا، في سوتشي، جولة جديدة من المباحثات حول سوريا.

لا يأبه الأميركيون وحلفاؤهم، ولا الروس وشريكاه، بعيد القديس فالانتاين. الأولون يبحثون عن وسائل إضافية، وربما تحالفات، لتضييق الخناق على إيران، في حين يتباحث ثلاثي سوتشي حول ما يمكن عمله لملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي من شمال شرق سوريا المعروف اختصاراً بشرقي نهر الفرات. وقد يعني التزامن بين الحدثين رسالة من ثلاثي سوتشي إلى المؤتمرين في وارسو بأن إيران لن تترك وحيدة في مواجهة الحصار. لا يقتصر "أصدقاء إيران" على روسيا وتركيا اللتين أعلنتا عدم التزامهما بالعقوبات الاقتصادية على إيران، بل إن الأوروبيين أيضاً أوجدوا آليةً مصرفية تساعد على الالتفاف على العقوبات الأميركية.

يبقى الشغل الشاغل للجميع هو ما بعد الانسحاب الأميركي المفترض خلال بضعة شهور. ليس فقط تركيا

قرار الانسحاب الذي مضى على إعلان ترامب له نحو شهر ونصف يلاقي مقاومة كبيرة داخل المؤسسة السياسية الأميركية، كما لدى الدول الحليفة

وحزب الاتحاد الديموقراطي ودول خليجية مناوئة لتركيا ودول أوروبية لديها قوات في شرق الفرات وفي منبج، بل كذلك مجلس النواب الأميركي الذي خطا خطوة أولى باتجاه عرقلة الانسحاب الأميركي الذي يريده الرئيس ترامب.

واضح أن قرار الانسحاب الذي مضى على إعلان ترامب له نحو شهر ونصف يلاقي مقاومة كبيرة داخل المؤسسة السياسية الأميركية، كما لدى الدول الحليفة. ترى هل يتراجع ترامب تحت الضغط الكبير، كما فعل بشأن إغلاق الحكومة الاتحادية وغيره من القرارات، أم أنه سيتغلب على تلك الضغوط ويستعد للانتخابات الداخلية في حزبه الجمهوري الذي ربما يقدم مرشحاً آخر للرئاسة ينافس ترامب، كما يشاع؟

موضوع المنطقة الآمنة الذي طرحه ترامب مع قرار سحب القوات من سوريا هو الذي يثير الهواجس ويحرك الاتصالات الدبلوماسية في الآونة الأخيرة. من ذلك زيارة وفد تركي من المتخصصين إلى واشنطن للتباحث حول المنطقة الآمنة مع نظرائهم الأميركيين. وزيارة ممثلة مجلس سوريا الديموقراطية إلهام أحمد إلى واشنطن، حيث تم ترتيب لقاء قصير "بالمصادفة" مع الرئيس الأميركي، استغرق ربع الساعة. كذلك يزور رئيس هيئة التفاوض السورية المعارضة نصر الحريري أربيل ويلتقي بمسعود بارزاني ويطلب منه "المساهمة في إعادة الاستقرار" في شمال سوريا. ووساطة أردنية بين قيادة الإقليم وتركيا من أجل التفاهم على صيغة معينة لملء الفراغ الأميركي شرقي الفرات.

غموض الإدارة الأميركية بشأن المنطقة الآمنة لم يمنع الصحافة الأميركية من تسريب بعض جوانبها. ووفقاً لتلك التسريبات يطلب الأميركيون من حلفائهم الأوروبيين، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إضافة إلى أستراليا، تحمل عبء ملء الفراغ عسكرياً من أجل "حماية الأكراد"، على أن تواصل الولايات المتحدة تقديم الغطاء الجوي اللازم والمساعدة الاستخبارية. كذلك يطلبون من بارزاني إرسال قوات من "بيشمركة روج" السوريين المناوئين لحزب الاتحاد الديموقراطي، لملء الفراغ الأمني الذي سيخلفه إبعاد مقاتلي وحدات حماية الشعب في المناطق المحاذية للحدود مع تركيا، من أجل طمأنة هواجس الأخيرة. ومن المحتمل أن يطلب من دول خليجية تحمل أعباء مالية لهذه المشاريع.

لا توافق أنقرة على هذا السيناريو، على الأقل وفقاً للتصريحات المعلنة. فهي تريد إدارة تركية كاملة للمنطقة الآمنة، ولديها مشاريع بناء في تلك المناطق من أجل إعادة اللاجئين السوريين المقيمين على الأراضي التركية، أو قسم كبير منهم. وهذا ما ترفضه واشنطن التي لا تريد إلقاء حليفها الكردي في فم الذئب التركي.

ربما ثمة فائدة من استعادة "تاريخ" المنطقة الترامبية الآمنة في شمال سوريا. فليست هذه المرة الأولى التي يطرح فيها ترامب هذه الفكرة. فقد طرحها، للمرة الأولى، بعد فترة قصيرة من توليه مهامه رئيساً للولايات المتحدة، أي في كانون الثاني 2017. أما المرة الثانية، فقد جاءت على لسان وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو الذي نسب الأمر إلى نظيره الأميركي، في الأيام القليلة التي سبقت عملية "غصن الزيتون"، فقال إن الوزير تليرسون طرح عليه "منطقة آمنة

يخاطب مشروع ترامب بصدد المنطقة الآمنة، منذ طرحه للمرة الأولى في مطلع 2017، الدول الأوروبية التي استقبلت لاجئين سوريين

بعمق ميلين (32 كم) بدلاً من دخول الجيش التركي منطقة عفرين". وقتها أصدرت الخارجية الأميركية تكذيباً لما صرح به شاويش أوغلو، وتم طي الموضوع.

الآن بعدما انتقل موضوع المنطقة الآمنة إلى العلن، يمكن الافتراض أن تصريح وزير الخارجية التركي كان صحيحاً، لكن الأميركيين ربما طلبوا منه التكتم على اقتراحهم، ما دامت أنقرة رفضته.

ويخاطب مشروع ترامب بصدد المنطقة الآمنة، منذ طرحه للمرة الأولى في مطلع 2017، الدول الأوروبية التي استقبلت لاجئين سوريين. فقد تحدث ترامب، في حينه عما اعتبره "خطأ" من أوروبا ينبغي تصحيحه بإعادة اللاجئين إلى المنطقة الآمنة التي وعد بإقامتها. مرت سنتان على ذلك، واقترن المشروع، هذه المرة، بقرار انسحاب القوات الأميركية، فاقتضى الأمر، من وجهة نظر ترامب، أن يقوم الأوروبيون بأنفسهم بإنشاء المنطقة لإعادة اللاجئين السوريين المقيمين في بلدانهم إليها.

أما السوريون أنفسهم، فلا أحد يسألهم عن رأيهم بما يُرتب لهم، ولا هم في حال تسمح لهم بالاحتفال بعيد الحب، سواء في مناطق النظام أو في مناطق شرقي الفرات أو درع الفرات وعفرين أو في دول اللجوء القريبة والبعيدة.

=========================

لا ينقذ الغريق غريقا.. اتفاقيات اقتصاديات ملالي - أسديات

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 4/2/2019

الأربعون ذروة الاكتمال والنضج لأي كائن أو كيان. هذا العام تبلغ "ثورة الملالي الخمينية" سن الأربعين. وكل ما يتم فيها وخلالها يحمل ترميزاَ خاصاً. إبراز صورة /إسحاق جهانغيري/ نائب الرئيس الإيراني إلى جانب بشار الأسد ملفت في الاتفاقيات الاقتصادية بين ملالي طهران ونظام الأسد. الأسد معروف؛ ولكن مَن هو هذا الـ/إسحاق جهانغيري/؟! إسحاق كان يوماً وزيراً للصناعة في حكومة خاتمي، ثم رُقٍي إلى منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيرانية "روحاني؛ الأمر الذي يحتاج ثقة خاصة من المرشد الأعلى علي خامنئي الذي لا يعجبه العجب. والسؤال، لماذا إبراز صورته مع بشار الأسد في هذه الاتفاقات الاقتصادية الأخيرة بين الملالي ومنظومة الأسد؟ والجواب، إنه مرشح المرشد لرئاسة إيران عام 2021.

جهانغيري كان أحد الإيرانيين الذين حاصروا السفارة الأميركية منذ أربعين عاما؛ احتل مكاناً خاصاً في صفوف الحرس الثوري الإيراني الذي وضع يده على القطاع الصناعي والإنشائي والاستثماري. أصبح عضواً في مجلس الشورى الإيراني لمرتين، ثم محافظاً لأصفهان. وقبل أن يقع الخيار عليه ليكون نائباً للرئيس روحاني؛ ترشّح للرئاسة الإيرانية لدقائق ضد معلمه روحاني. اتضح لاحقاً أن فعله الأخير كان مبرمجاً تماماً، فدقائق قبل أن يُغلَق باب الترشيح، أتى الرجل، وتقدّم بأوراقه، ثم انسحب بإيعاز من المرشد، ليعزز وضع روحاني.

يُذكر أنه إثر الاتفاق النووي الإيراني، انقسمت المنظومة الحاكمة في طهران إلى فريقين: واحد صوّر ذلك الاتفاق بأنه سيجلب السمن والعسل والازدهار الاقتصادي لإيران من خلال تدفق الأموال المحجوزة، ورفع الحصار، والاستثمارات؛ وآخر بقي متمترساً عند شعارات الخميني: “الموت لأميركا” و"الشيطان الأكبر”؛ وندد بالاتفاق. كان جهانغيري من الفريق الأول مدافعاً شرساً؛ لسانه أكثر طلاقة من معلّمه؛ وربما كان ذلك أحد أسباب ترشحه ليكون حاجز صد ومهاجماً كي يحمي تَرشٌح روحاني ويضمن نجاحه. وهذا الذي كان.

"جهانغيري" سيكون رئيس إيران عام 2021

باختصار، "جهانغيري" سيكون رئيس إيران عام 2021. من هنا إبراز الصورة الثنائية. إيران الملالي تتعامل مع سوريا الأسد كـ"درة التاج"؛ بين دول نفوذها الأربع/العراق - لبنان - اليمن - سوريا/. إيران تبرمج نفسها أيضاَ لعام الحسم (2021)؛ عندما تعيد ترشيح بشار الأسد لسوريا، و"جهانغيري" لإيران. هذه هي الصورة التي تبرز بعد أن وقع رئيس إيران المستقبلي اتفاقاته مع سوريا الأسد’. هذا هو الترميز الإيراني.

في زيارته الاقتصادية الأولى لسوريا الأسد منذ عامين، وضع جهانغيري يد إيران على مناجم الفوسفات السورية بالمطلق عبر اتفاقيات مع حكومة الأسد؛ اتفاقيات بموجبها لا يقترب سوري من تلك المناجم. وقّع اتفاقات أخرى تنشئ إيران بموجبها مؤسسة اتصالات متجاوزة أيّ سيادة وطنية سورية؛ تضع إيران يدها على أراضٍ شاسعة بآلاف الهكتارات الزراعية في الأرض السورية. زد على ذلك مشاريع تتعلق بالنفط ومشتقاته، إضافة إلى مشاريع مياه تكون إيران المتصرف الأول بها. اللافت في كل تلك الاتفاقيات أن جهانغيري هو المهندس والمدبر والموقّع، على الدوام، من الجانب الإيراني.

هذا هو جهانغيري مشروع آية الله خامنئي للرئاسة الإيرانية عام 2021. رجل عفّ عن الرئاسة، له الرصيد الأقوى اقتصادياً في دهاليز الحرس الثوري، المُختَبر بسياسة الولاء للقائد الأعلى، منقذ الإصلاحيين، منقذ رئاسة معلمه روحاني، عبقري الجزر وجهة السياحة والاستجمام والاستثمار في الخليج الذي أضفت إيران فارسيتها عليه وافتراسها له، وأخيراً موقِّع اتفاقيات الاحتلال مع حكومة الشماعة الأسدية.

في هذه الاتفاقات، ما من شك بأنه إذا كان قاسم سليماني القناع العسكري للخامينائي، فإسحاق جهانغيري قناعه الاقتصادي. لا يمكن لجهانغيري أن يصلح ما أفسده الجهان أسدي. غريق لا ينجي غريقا.

الاقتصاد الذي يتكئ عليه رئيس المستقبل الإيراني اقتصاد معطوب مبني على النفط الخام /خُمس الناتج القومي/، لكن الكاسد بفعل الحصار الأميركي؛ إنه المال الأسود؛ مال تجارة المخدرات والإرهاب؛ مال المليارات الأوبامية التي لم يستفد منها الاقتصاد الإيراني أو الإنسان الإيراني قرشاً أو "توماناً" واحدا. إنه اقتصاد البطالة القاتل لثلاثة أرباع الطاقة البشرية الإيرانية، إنه اقتصاد القمع لملايين الإيرانيين الذين إن تنفسوا بغير ما يشاء المرشد، تكون حبال المشانق بانتظارهم؛ إنه اقتصاد مشاريع الإرهاب ونشر الفوضى والعبث الإقليمي والدولي. كل ذلك؛ وهناك مَن يهرب من قانون "قيصر" الخانق إلى أحضان ذلك المخنوق والخانق في آن معاً. فهل يحمل ميت ميتا؟! وهل يعيد إعمار، مَن اختص بالتدمير والدمار؟!

أما الاقتصاد الأسدي الشريك، وحجم مأساته التي لا حدود لها، فهو أقرب ما يكون إلى اقتصاديات السطو والعصابات. يكفي رقماً واحداً للدلالة على حالة التدهور لهذا "الاقتصاد" البائس: نزول إنتاج النفط إلى عشرة آلاف برميل من 370,000. إنه اقتصاد مدمر في كل قطاعاته؛ اقتصادياً: زراعياً صناعياً تجارياً تعليمياً والأهم إنسانيا. يكفي أن يتشرد قرابة ثلثي سكان بلد ما لتكون المأساة؛ يكفي ملاحقة الشباب وحتى الكهول في الشوارع وإلى ما تبقى لهم من ملاذ وفي مناطق سيطرة النظام، كي يذهبوا الى التجنيد للدفاع عن الكرسيّ الدموي ...يكفي ذلك لتكون الحالة الأحط في العالم.  ويكفي أن نلقي نظرة على الناتج المحلي الإجمالي اليوم بالمقارنة مع ما قبل العام 2011، لنعرف حجم المأساة التي يعانيها هذا الاقتصاد.

ما تفعله منظومة الاستبداد هو قفزة جديدة في الهواء؛ قفزة لن تؤدي إلا إلى مزيد من السقوط. وطالما أن الأمور برمزياتها، فلا بد من التنويه أنه عندما وقّع إسحاق جهانغيري اتفاقيات مع نظام الأسد منذ عامين ونيّف، انخفضت قيمة الليرة بشكل واضح ومذهل وقتها؛ والآن- ومع توقيع الاتفاقيات الجديدة- تدخل الليرة السورية حالة تدهور قد يكون بلا قاع. ورغم أن هذه الاتفاقات لا قيمة فعلية لها، بحكم لا شرعية أحد جهات التوقيع؛ ومع ذلك تبقى الحقيقة القائلة بأن غريقاً لا ينجّي غريقا؛ وميتاً لا يحمل ميتَا.  

=========================

نحو حياة لائقة للنازحين في المخيمات

زكي الدروبي

حرية برس

الاحد 3/2/2019

لا زالت حالات الوفاة بين النازحين السوريين الهاربين من بطش عصابة الأسد والمليشيات الايرانية والدب الروسي بسبب البرد تتوالى، ولا زالت حملات الاستجابة تتم على شكل ردات فعل آنية، دون تخطيط استراتيجي.

إن أهلنا في المخيمات تركوا كل أملاكهم وعقاراتهم وسكنوا في خيم مشردين لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء، يموت فيها الأطفال والشيوخ غرقاً بسبب السيول أو تجمداً بسبب الثلوج، أو تجرف السيول المخيمات وتبقي سكانها بلا مأوى يعيشون في ظروف شديدة الصعوبة، لا تعيشها حتى الحيوانات. إن كل تلك الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها أهلنا في مخيمات النزوح لأنهم يؤمنون بعدالة قضيتهم، قضية الثورة السورية، ويرغبون بالعيش محتفظين بكرامتهم بعيداً عن عصابة الأسد ورعاتها، رغم كل ظروفهم المعيشية الصعبة، ورغم كل المغريات التي قدمها لهم نظام عصابة الأسد، ورغم الضغط الأمني في بعض المخيمات كالنازحين في مخيم الركبان وفي مخيمات عرسال ولبنان.

لقد تعامل المجتمع الدولي بلا مبالاة ولا حتى مجرد تعاطف إنساني مع هذه الكارثة الإنسانية الخطيرة، بيمنا حاول السوريون تقديم مساعدات عاجلة قد تساهم في التخفيف الجزئي والآني السريع من معاناة عدد قليل جداً من الأسر السورية المتضررة بفعل السيول والثلوج، لكنها تبقى مبادرات فردية واستجابة آنية لا ترقى لمستوى الكارثة..

إن الحل اللائٍق لمعاناة أهلنا في المخيمات يتطلب إيجاد سكن بديل يقيهم من تقلبات العوامل الطبيعية؛ وهي تأمين “كرفانات” قادرة على حمايتهم، وتحقق لهم الحد الأدنى من الحياة الإنسانية وتخفف من معاناتهم ومن وفيات الأطفال والشيوخ.

يمكن اعتبار “الكرفانة” كبديل دائم ولائق عن الخيمة التي تعتبر بؤره لإنتاج الأمراض اذا لم يتم تغييرها كل عامين، وهي لم تتغير منذ سنوات مما يجعلها شريكة في نشر الأمراض الخطيرة لدى قاطنيها، وهي شريكة أيضاً في زيادة وفيات الأطفال، خصوصاً وأن ظروف العناية الصحية في المناطق المحررة في أدنى مستوياتها، بما فيها توفر الأدوية، بسبب إجرام النظام وقصفه وروسيا للمشافي والمراكز الصحية، وبسبب عدم تأمين المساعدات الكافية لتغطية نفقات توريد المستلزمات الصحية والأدوية، وبسبب منع النظام لقوافل الإغاثة التي تحوي على مواد طبية من الدخول والوصول إلى المناطق التي كان يحاصرها، بالإضافة إلى السرقات التي تحصل، سواء في المناطق المحررة أو المحتلة، وتسلط العسكر والقوى المتطرفة وسرقة هذه المواد وتوزيعها على عناصرها ومقاتليها، وذات الشيء ينسحب على مناطق سيطرة النظام، وهي التي تحوي فساداً ممنهجاً، مدعوماً من أعلى السلطات، حيث تكون السرقات والإساءات المتكررة لقوافل الإغاثة عن عمد وبهدف إرضاء العناصر وتغطية السرقات الكبيرة التي يقوم بها قادة الصف الأول في النظام.

لنؤمن صمود أهلنا عبر تأمين مستلزمات حياتهم اليومية بالحد الأدنى، وكل الاستجابة التي حدثت والتي تتكرر سنوياً هي استجابة ردة فعل، ونحن بحاجة لتأمين استجابة دائمة يمكن استثمار تبعاتها مستقبلاً، فاستبدال الخيمة بالكرفانة يمكن أن يحمي الأطفال من الموت برداً ومن الغرق بالطين والأوحال، وبدلاً من أن نسعى لتأمين مازوت للتدفئة وهذا مهم، لكنه ينقضي باستهلاك الكمية التي تم شراؤها، يمكن لنا أن نؤمن كرفانات لإسكان العائلات النازحة، حيث تستمر الكرفانة في حماية الناس حتى لما بعد انتهاء الثورة ونجاحنا بالانتقال للدولة المدنية الديمقراطية، وإسقاط عصابة الأسد، فلدينا الكثير الكثير من المساكن المهدمة، ويجب إيواء الناس في مساكن مؤقتة ريثما نعيد إعمار البيوت المهدمة، ويمكن استثمار الكرفانات لتؤدي هذه المهمة.

لقد قدمت الحكومة القطرية مشكورة مبالغ مالية كبيرة دعماً للنازحين السوريين، وبدلاً من هدرها باستجابة آنية، نقترح أن يتم شراء وتجهيز كرفانات لتقيم الناس بها بدلاً من العيش في الخيام.

تقدر تكلفة الكرفانة الصالحة للسكن الآدمي بحوالي ألفين وخمسمائة إلى ثلاثة آلاف دولار، ويمكن لثلاثين مليون دولار من المنحة القطرية أن تشتري عشرة آلاف كرفانة لتأوي ما يقارب خمسين ألف نازح إن قدرنا أن الكرفانة الواحدة تتسع لعائلة مكونة من خمسة أشخاص.

كما يمكن في حال تم تشكيل لجان فرعية ولجنة وطنية مركزية على مستوى الشتات السوري أن تجمع تبرعات من السوريين وتنظم أمور شراء الكرفانات وتوزيعها وإيجاد بطاقة لكل عائلة وتوحيد جهود الإغاثة المبعثرة بدلاً من ضياعها وهدرها دون تحقيق أقصى استفادة منها للسوريين النازحين في المخيمات في الداخل أو اللاجئين في الخارج كما في لبنان.

==========================


إدلب بين قلعتين

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاحد 3/2/2019

تعيش مدينة إدلب عاصمة المحرر الشمالي هذه الأيام حياة عاصمة بحق للمحرر كله، لا سيما وأنها مركز المحافظة الوحيد الذي تبقى بأيدي الثورة، ويمتد المحرر الشمالي من قلعة المضيق بريف حماة بأقصى الجنوب إلى قلعة سمعان بأقصى الشمال في ريف حلب، وتبلغ مساحة المحرر الشمالي إن استثنيا مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات ما يساوي عشرة آلاف كيلومتر مربع، وهي المساحة التي تعادل مساحة لبنان وتزيد عن البحرين وتقل قليلاً عن الكويت وقطر، لكن اللافت في المناطق الشاسعة في هذا المحرر، هو وجود الأراضي الزراعية الخصبة المنتشرة فيها خصوصاً التربة الحمراء الخصبة، وتنتشر فيها ملايين من أشجار الزيتون فضلاً عن أشجار الحمضيات والمزروعات والحبوب، التي توفر فائضاً ضخماً قادراً على التصدير للخارج، ولكن صعوبات عدة قد تحول دون تصدير هذه المنتجات ذات الجودة العالية، وإلى جانب ذلك هناك مئات الآلاف من رؤوس الأغنام والأبقار التي إما موجودة بالأصل في إدلب، أو أتت من المناطق المحتلة هرباً مع أصحابها.

‏إدلب التي عاشت عقوداً من التهميش والإبعاد والإقصاء في عصر سلالة آل أسد من الأب حافظ الأسد إلى بشار الأسد، لانتمائها إلى الحزب الناصري قديماً ثم الإخوان المسلمين في الثمانينيات، لعبت دوراً محورياً في انتفاضة الثمانينيات ضد العصابة الطائفية آنئذٍ، تسعى اليوم جاهدة لتكون درع الثورة كما يحلو لأهلها والمهاجرين إليها تسميتها، فهي احتضنت اليوم كل المشردين والمهاجرين من المدن والبلدات السورية الأخرى، وبحسب تقديرات حكومة الإنقاذ التي تدير عملها من المدينة، فإن سكان المحرر الشمالي من سكان أصليين ومهاجرين يتعدى الأربعة ملايين والسبعمائة ألف نسمة، وتدير حكومة الإنقاذ الخدمات في المحرر الشمالي من توفير الأمن إلى ساعات من تزويد المحرر الشمالي بالكهرباء والمياه، وكذلك الخدمات الأخرى فضلاً عن الخدمات الطبية والتعليمية.

‏تعتبر جامعة إدلب المستمدة إرثها التاريخي من علاقتها بجامعة حلب منذ زمن مركزاً حضارياً وتعليمياً مهماً، فهي تستوعب اليوم أكثر من 13 ألف طالب وطالبة في أربعة عشر تخصصاً، ويدير هذه التخصصات دكاترة من خريجي جامعات أجنبية وعربية، وهم بالأصل من عمداء كليات في جامعات دمشق وحلب أو أساتذة في تلك الجامعات، وقد تم تشكيل مجلس تعليمي عالٍ من أجل ضبط ومراقبة العملية التعليمية للدراسات الجامعية والدراسات العليا، وهو ما مكّن الحكومة من ضبط العملية التعليمية بعيداً عن الفساد التعليمي ونحوه.

لكن جوهر الشمال المحرر اليوم هو معبر باب الهوى الذي تميز بكونه وجهاً حضارياً مهماً للثورة، من حيث الخدمات التي يقدمها للمغادرين والقادمين من تركيا، فضلاً عن الأبنية والطرق والمراقبة الأمنية المميزة التي تميز بها، وهو ما مكّنه من وقف أعمال التفجيرات كافة التي طالته سابقاً، فقد ساد الهدوء المعبر منذ ثلاث سنوات بفضل الجهود الأمنية التي بذلها القائمون عليه، وقد تم نشر كاميرات مراقبة في شوارع مدينة إدلب الرئيسية، الأمر الذي مكّن الحكومة من ضبط عدد من العصابات والخلايا الإجرامية التي سعت إلى زعزعة الأمن والاستقرار في عاصمة الثورة.

الحياة المعيشية في الشمال المحرر لا تقارن بمناطق العصابة الطائفية، إن كان من حيث توفر المواد الغذائية أو من حيث الأسعار الرخيصة المنافسة لمناطق العصابة الطائفية، وهو ما دعا الأخيرة إلى فتح معابر من أجل استيراد المواد الغذائية والمحاصيل والخضراوات الموجودة في المناطق المحررة، الأمر الذي سيحسّن الوضع الاقتصادي والمعيشي لسكان المحرر، ويقدم أنموذجاً للمحرر مقارنة بمناطق العصابة الطائفية، التي تئن اليوم تحت قبضة مافيات الكبتاغون والحشيش والغلاء والمافيات الميليشياوية المسلحة.

التحدي الأمني كبير أمام إدلب في ظل التغيرات العسكرية التي حصلت بهزيمة حركة نور الدين زنكي، والأنظار اليوم متجهة نحو تشكيل مجلس شورى موسع يفرز حكومة جديدة تخلف ربما حكومة الإنقاذ الحالية، تكون أكثر تمثيلاً مع إبداء الفصائل الموجودة في الشمال المحرر رغبة بالانضمام للمجلس والحكومة، ويبقى الأمل كبيراً في ضم الحكومتين المؤقتة في درع الفرات وغصن الزيتون مع الإنقاذ في حكومة واحدة، تقوم على خدمة مناطق الثورة تمهيداً للتوسع نحو سوريا كاملة حرة وموحدة.;

==========================

سورية.. موضوع صراع دولي

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 3/2/2019

التوافقات السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى أوجدت سورية بالتركيبة المعروفة: حاضرتان مدنيتان صغيرتان في دمشق وحلب، ومحيط شاسع وشبه فارغ ذو طبيعة عشائرية أو قبلية، مع تنوع عرقي وطوائفي. لم تَلقَ فرنسا الانتدابية صعوبةً كبرى في السيطرة الكاملة على هذه التركيبة. وقد تكون ظروف الحرب العالمية الثانية، وكذا مزاج أميركا المناوئ للاستعمار المباشر، ورغبة بريطانيا في التحكم بالمنطقة عن بُعْد، ومحاولتها مد اليد إلى الإرث الفرنسي، عجَّلت بخروج فرنسا الكامل، ولا يمكن تجاهل الحضور السوفييتي الذي فرض نفسه، ليس بقوة الأيديولوجيا التي يمتلكها، ولكن بقوة نتائج الحرب العالمية التي توّجته واحداً من المنتصرين.

وجد الوطنيون السوريون بعد الاستقلال أنفسهم يُحْكَمون مباشرة من دون أي مستشارين فرنسيين، وعليهم أن يقرّروا السياسات الداخلية والخارجية، مع وجود مشكلات كبرى مع دول الجوار السوري، أو التي تقع ضمن مداه الاستراتيجي المؤثر، العراق والسعودية ومصر، ومن خلفها كل من فرنسا وبريطانيا وأميركا والاتحاد السوفييتي.

كتب الصحافي البريطاني، باتريك سيل، عن فترة ما بعد الاستقلال في سورية، وصولاً إلى لحظة الوحدة مع مصر. استنتج أن الجغرافيا التي أطلق عليها سورية لم تكن ميداناً للصراع بين القوى المحلية والعالمية، بل كانت موضوعاً لهذا الصراع، حاولت أطراف الصراع الهيمنة على كل الجغرافيا السورية، أو السيطرة على بعضها، واستخدمت السلاح والمال وزرع العملاء، واستنزفت سورية خلال تلك السنوات الاثنتي عشرة، وصولاً إلى الوحدة مع مصر. عزّز هذا الاستنزاف حالة الضياع في البحث عن الهوية الوطنية، وغموض تعريفها الاجتماعي، والاستسلام لصراعاتٍ داخليةٍ ضيقةٍ، من دون مردود وطني، وبقيمةٍ تدميريةٍ مرتفعة، ساهمت في توقف العمل المؤسسي، وتقويضه لصالح الاستثمار في قوى ذات انتماء وطني شكلي، وسلوكياتٍ تخضع لتلك الصراعات، أدت إلى رفع فواقد التنمية. كان استنتاج سيل صحيحاً، وحتى "حادثة" الوحدة مع مصر ذاتها كانت لصالح واحد من تلك الصراعات التي استطاعت أن تتفوّق على زميلاتها في المنطقة، واستنتاج سيل يقول إن التصميم الجغرافي (سورية) الذي أشرفت عليه الدول المنتدِبة مُعَدٌّ خصيصاً ليكون المائدة بمكوّناتها الشهية.

حالياً، لم يختلف الموضوع الأساسي، وهو سورية المُعَرَّضة لصراعٍ لم تتغير قوانينه، وهي بذل المال والسلاح بغرض الهيمنة أو الاستيلاء، مع اختلاف بعض اللاعبين، من دون أن تتغير قواعد اللعب. هنا حالياً إيران وروسيا وإسرائيل، وهؤلاء مجموعة ذات طبيعة خاصة، شكلوا ما يشبه التحالف من تحت الطاولة في وقت الحرب، وكان لوقوفهم معاً دورٌ فيما وصلت إليه المعركة الحالية، وقد يكون حاسماً في الفترة المقبلة. ليس بالضرورة أن يصمد هذا التحالف الخفي إلى الأبد، فكل طرفٍ تحرّكه دوافع مختلفة ومتناقضة أحياناً، خصوصاً في وجود لاعبين آخرين، كالسعودية والولايات المتحدة، يقفون متحفزّين على مقربةٍ من الأحداث، ولا يعني قرار دونالد ترامب سحب القوات الأميركية أن سورية أصبحت خارج دائرة اهتمامه. يمكن أن نضيف اللاعب المصري، وهو لاعب قديم وجديد، يحاول حالياً إعادة "سورية النظام" إلى جامعة الدول العربية، بمعنى كسب مزيد من الحلفاء والتابعين. ويُضاف إلى قائمة المتصارعين فرنسا بوصفها الوصي الانتدابي القديم، وهي الآن بقيادة إيمانويل ماكرون الذي يقدّم، في الآونة الأخيرة، طروحات مختلفة عما يقدمه شريكه ترامب، بما يشير إلى رغبة ماكرون في وجود محسوس على الأرض، يضمن له حضوراً عند تقسيم الأسلاب.

تجعل هذه الوضعية السياسية سورية محطاً للصراع، من دون أن يتمكّن الداخل السوري، بمكوناته جميعها، من استثمار الصراع لصالحه. وعلى العكس، شكل في الغالب وقوداً يغذّي الصراع، ويؤجّج عدم الاستقرار والاستقطاب متعدّد الرؤوس، وهو الأمر الذي ينتج وكلاء، ولا ينتج ساسة، وينتج عملاء، ولا يقدم وطنيين، ويساهم إلى حدٍّ كبير في تعزيز الانقسام.

==========================

حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 3/2/2019

استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، وعندما دخل الأخير الى مكتب الرئيس، وجده فاتحاً يديه ورافعاً كتفيه والشرّر يقدح من عينيه، وما إن وصل المستشار إلى حافّة الطاولة التي يجلس عليها بوتين، حتى قذفه بورقةٍ كانت بيده، وقال بصوت غاضب: ما هذا يا سيادة المستشار؟، أنت لا تدرك أننا نخوض حروبا استراتيجية طاحنة في الشرق والغرب، ولدينا مشاريع جيوسياسية ضخمة، ونحتاج إلى أعلى درجات الجدّية والتركيز لإدارة الفرص والمخاطر الناتجة عن ذلك. وفي ذروة هذا الغمار، توصي سيادتك، وبرسالة عاجلة، بإنتاج منظومة كذبٍ تناسب البيئات العربية، وتؤكد أن هناك طلبات مستعجلة وكثيرة لهذا المنتج؟

حتى اللحظة، كان المستشار يقف شابكاً يديه على بطنه، يحمل ملفاً أسود بين يديه، ويبتسم ابتسامةً مرتبكة، وطلب الإذن بالكلام، وقد خرج صوتُه متحشرجاً. قال: يا سيدي، أرجو أن تمنحني الوقت لأشرح لك الأمر، التوصية التي أوردتها في الورقة التي كانت أمامكم هي خلاصة طلبات وصلت إلينا من غالبية وزارات خارجية البلدان العربية، يطلبون فيها أن نصدر كلاماً يلمح إلى عزمنا على الحد من النفوذ الإيراني في سورية. اعتقدنا، في البداية، أنهم يطلبون أفعالا حقيقية على الأرض، وبعد أن أبلغناهم أن من غير الوارد التضحية بالعلاقات النامية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتنازل عن كل ما حققناه حتى اللحظة من 

"يقول العرب إنهم باتوا على علم بما حصل، لكن العوام في بلادهم يصرّون على أن إيران تقوم بتهجير السوريين" إنجازات، وخصوصا في سورية، فقد جاء رد العرب أنهم يقدّرون هذا الأمر ويتفهمونه جيداً، وأنهم لا يقصدون ذلك بالضبط، بل شيئاَ يشبه الكذب، على أن يتم وضعه في إطار منظومة متكاملة، خصوصا أننا نحن الروس قد اشتهرنا في صناعة المنظومات والأطقم.

زمّ بوتين شفتيه، وراح ينقر بأصابعه على أطراف الطاولة، وبدا مستغرقاً في التفكير، وأشار بيده للمستشار ليجلس. طلب منه بهدوء، وبشكل منهجي، أن يشرح له الأمر بصورة أوضح وأكثر تفصيلاً. هزّ المستشار رأسه، وسارع إلى فتح الملف الأسود، وقال: سيدي الرئيس، لخّصت معظم ما جاء في رسائل وزارات الخارجية العربية، وللمصادفة أن جميعها متشابهةٌ، من حيث العرض والمضمون. وبدأ المستشار في تلاوة ما جرى تلخيصه.

يقول العرب: الأشقاء الروس، اكذبوا علينا بأي شيء، قولوا لنا ما تريدون، نحن قرفنا من السوريين ومشكلاتهم وأوجاعهم ومطالبهم. لقد ذهبت وفودنا ومواطنونا إلى هناك. أكدوا أنهم لم يروا أثراً للحرب، وأنهم فوجئوا بأن السوريين يعيشون أحسن منا، نحن الذين لم تحصل لدينا حروب. كل شيء متوفر في أسواق دمشق وبأرخص الأسعار، والناس هناك يملأون المطاعم والحدائق، ويسهرون حتى الصباح. ويبدو، أيها الأشقاء، أننا وقعنا ضحية كذب وتزوير إعلامي، فقد أكد موفدونا، وهم من أصحاب الثقة، نقابيون وإعلاميون وكتاب، أنهم فتشوا في سورية عن دليلٍ واحدٍ لوقوع الحرب فلم يجدوه!

رفع المستشار رأسه، ليرى تأثير ما يقرأه على وجه بوتين، فوجد مزيجاً من إشارات استفهامٍ وتعجب، قد ملأت خريطة وجهه، غير أنه أشار له أن يكمل القراءة. تابع المستشار ما قال العرب لأشقائهم الروس: بدورنا، بحثنا وحلّلنا، واستوضحنا عن حقيقة ما حصل. قلنا لأنفسنا إن أفضل طريقة للوصول إلى الحقيقة العودة إلى أرشيف الإعلام الحربي السوري. وبالفعل، وصلنا إلى الحقيقة التي غابت عنا، فلم يكن الأمر سوى حربٍ شنتها العصابات المسلحة على الدولة السورية التي وقفت، شعباً وجيشاً وقيادةً، في مواجهة هذا الهجوم الغاشم.

شعر المستشار المنهمك بقراءة النص بحركةٍ مفاجئةٍ تصدر عن بوتين، وعندما نظر إليه، وجده يحاول جاهداً كتم ضحكاتٍ تغالبه، وتابع: يقول العرب إنهم باتوا على علم بما حصل، لكن العوام في بلادهم يصرّون على أن إيران تقوم بتهجير السوريين وذبحهم على الهوية، وأنها تمارس عمليات تطهير ديمغرافي واسعة، وأنها، من هنا حتى عقد مقبل، ستكون قد غيّرت هوية سورية بالكامل، والمشكلة أن هؤلاء العوام يشكلون الأغلبية في بلادنا، وسنكون محرجين، لو أقدمنا على خطواتٍ انفتاحيةٍ، نريدها نحن بقوّة، مع نظام الأسد، ما لم يكن هناك ورقة نتسلح بها أمامهم، ولا توجد أوراق سوى صدور كذبةٍ منكم تؤكدون فيها أنكم ستعملون على الحد من نفوذ إيران، وتدعيم هذه الكذبة بكلامٍ لمصدرٍ مغفل مرّة، أو مصدرٍ يرفض الإفصاح عن نفسه مرّة أخرى، وتعليق على شاشة فضائية "روسيا اليوم"، أو تلميح عبر "سبوتنيك" عن جهودكم بهذا الاتجاه، وهذا ما نقصده بمنظومة الكذب.

كان المستشار قد انتهى من القراءة، حين استند بوتين إلى طاولة المكتب، واضعاً إبهامه تحت ذقنه وسبابته على صدغه، وإصبعه الوسطى تحت أنفه، قال لكننا تعودنا أن نصدر منظومات "إس إس" بمختلف أجيالها، ومنظومات صواريخ ودبابات وطائرات، أما منظومات كذب فهذا أمر مستجد علينا، ثم إننا ننتج كذباً لا بهدف التصدير، بل لترويج مشاريعنا ومنتجاتنا، للتغطية

"قال المسؤول الروسي: تعودنا أن نصدر منظومات "إس إس" بمختلف أجيالها، أما منظومات كذب فهذا أمر مستجد علينا"  على أعمالنا في الداخل والخارج، فالكذب ليس بضاعةً في نهاية الأمر، كما أن له خصوصية محدّدة، هو شيء يشبه البهارات الهندية، لا يمكن استهلاكه إلا مع أنواع من الأطعمة. وأردف، لكن على كل حال، إذا كان العرب مصرّين على ذلك، فيجب أن يكون بثمن وثمن مرتفع، نحن نبيع تقنياتٍ في نهاية الأمر، وجهد تقوم به ورش وشبكات ومختبرات.

في المساء، وحين كان بوتين مسترخياً على كرسيه أمام شرفة منزله البلورية المطلة على نهر الفولغا، وبعد يوم طويل من التفكير، قال لنفسه بصوتٍ مسموع: ويلٌ لأمةٍ ليس فيها أمثالك، يا فلاديمير، إنك تجعل حتى الكذب ثروةً، لكنه تذكّر فجأة مثل التوابل الهندية، وانتابه شعورٌ بالخوف من أن تغزو الأمم الخارجية روسيا للسيطرة على ثروة الكذب فيها، لكنه ضحك، وقال: هذا منتج لا يشتريه سوى العرب، وهم يشترون الوهم أيضاً. وفجأة صرخ على خادمه، قال له: من الآن، لا ترموا شيئاً من أحذيتي وملابسي الداخلية القديمة، حتى فضلاتي احتفظوا بها فثمّة من يشتريها.

... نشرت وسائل إعلام عربية أن عواصم عربية عديدة تلقت تطميناتٍ روسيةً من أعلى مستوى، تؤكد جدّيتها في تقليص النفوذ الإيراني، العسكري والسياسي، في سورية في مقابل أن يستأنف العرب نشاطهم الدبلوماسي في أسرع وقت مع نظام الأسد.

==========================

موقفنا : حول القصف الصهيوني على الأرض السورية .." أحيانا تكون عمليات التجميل خطرة وقاسية ومبهظة "

زهير سالم

٢١ / ١ / ٢٠١٩

مركز الشرق العربي

في الابتداء لا يمكن لأي سوري حر شريف إلا أن يشجب ويستنكر ويدين بأشد عبارات الشجب والاستنكار والإدانة هذه العدوانات الصهيونية المتكررة على أرضنا السورية . وهذا الاستخفاف المتمثل بالرحلات المنظمة لطيران العدو الصهيوني على بلادنا ، ورشقات الصواريخ التي ما زال هذا العدو يمطر أرضنا بها ؛ مهما تكن طبيعة الأهداف التي يستهدفها هذا العدو .

ولا بد لكل سوري حر شريف أن يشجب ويستنكر ويدين هذا الصمت وهذا العجز وهذه اللامبالاة من الزمرة الغادرة الفاجرة المستلبة لقرار الدولة السورية ، والتي تفننت في إفراغ كل ما اعتده الشعب السوري من عتاد وسلاح للدفاع عن أرضه في معركة هذه الزمرة مع أحرار سورية رجالها ونسائها وأطفالها ، ومع مدن سورية وقراها وأوابدها ومساجدها ومدارسها ومستشفياتها ...

يضحك الإنسان باكيا وهو يتابع إعلام الزمرة المرتهنة وهو يتحدث عن التصدي لطيران العدو مرة ولصواريخه أخرى وفِي كل مرة تسقط طائرات العدو وصواريخه ويحبط عدوانه كذبا ومينا كما تقول العرب ؛ دون أن نسمع مرة واحدة أن الزمرة المأفونة التي استجلبت إلى وطننا كل أنواع الأسلحة المتطورة الفتاكة لإبادتنا وقتلنا قد ردت على العدوان بمثله أي أنها قصفت المطار الذي انطلقت منه الطائرات المغيرة ، أو دمرت القاعدة التي أطلقت منها الصواريخ المعتدية .

القواعد الروسية العسكرية بأسلحتها الاستراتيجية المتطورة والمتنوعة هي فقط لإبادة أطفال سورية تحقيقا لحلم بشار وبوتين في المجتمع المتجانس وفِي الحيلولة دون أن يحكم شعب سورية سورية .

 وفي كل مرة ينفذ العدو الصهيوني عدوانا من عدواناته على وطننا وأرضنا يُزعم أنه استهدف قاعدة إيرانية أو مستودعا أو قافلة للسلاح الإيراني أو تجمعا لفيلق القدس الإيراني ، كما أعلنت عنه مصادر جيش العدو الصهيوني بالأمس . إن هذه العدوانات المتكررة وهذه الإعلانات المريبة هي في رؤيتنا هي عملية استراتيجية بعيدة المدى في محاولة تضليل شعوبنا الحرة ، والتمويه على وعي أجيالنا بالتستر على حقيقة المشروعين الصهيوني - الصفوي المعتنقين المتلازمين المتفقين على اقتسام الهيمنة والنفوذ في فضاء أمتنا ، وامتهانها وطمس هويتها من خلال أدوات وظيفية يسمونهم حكاما ومنظمات مهترئة رخوة أسوء من يمثلها الجامعة العربية .

إن العدوانات الصهيونية المتكررة على أرضنا ما هي إلا عمليات تجميل قاسية ومبهظة وخطرة للقائمين على المشروع الصفوي في قم وطهران والضاحية الجنوبية من أرضنا في لبنان. وذلك بعد ان انكشفت شعارات المقاومة والممانعة بطريقة لم تعد تخفى إلا على من في قلبه أو في بطنه مرض.

إن تحدي المصداقية اليوم أمام الولي الفقيه وقاسم سليماني وكل وراث عصابة الإفك التاريخية أن يبادروا إلى قصف المواقع التي قصف منها ما يسمى فيلق القدس الكاذب الخادع. وأن يكون القصف من قم أو من طهران لا من دمشق ولا من بيروت ليتحقق برهان مصداقية آخر حول الصواريخ بعيدة المدى والعابرة للقارات.

وغير ذلك فعلى لفيف الشر كله اللعنة وله سوء الدار.

غازي عينتاب ٢١ / ١ / ٢٠١٩

______________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

لماذا انفجر المجتمع السوري بهذا الشكل؟

سماح هدايا

حرية برس

2/2/2019

وصل المجتمع السوري إلى مأزق خطير، بتبعةِ تاريخٍ قهري اختلط فيه السياسي ( احتلال وقهر وعنف واستبداد وانفراد فئوي بالحكم والسلطة) بالأخلاقي (نفاق وانتهازية وتنكّر للفضائل وارتكاب المساوئ طمعاً بالمكاسب الفردية). أزمتان متداخلتان: أزمة حرية وأزمة قيم الحياة. الإرهاب السياسي جرّد الإنسان من الإرادة وحرية الاختيار. والعنف الاجتماعي أضعف وعيه بمسؤوليته الذاتية كإنسان والتاريخية كمجتمع. واشتدّت الأزمة مع زوال السيادة بالاحتلال الأجنبي متعدد الجنسيات وتدخّل دول ومنظمات وشركات عابرة في مجريات الحرب في سوريا، فتهيجت المطامع الفردية وتفاقمت المشاكل القيمية والتحديات الأخلاقيّة، خصوصا، مع اشتداد الظروف القاهرة التي هيّات للمانحين والداعمين الفرصة لاستغلال ضعف الناس وبؤس أوضاعهم لإخضاعهم وتحريكهم بما ينفّذ مآربهم المضادة في جوانب كثيرة للمصلحة الوطنيّة السوريّة.

المجتمع السوري الآن على مفترق طرق، إما يختار الانحطاط ويذعن للخضوع والذل، أو يختار الكرامة والحرية ويكافح من أجل حياة كريمة ذات سيادة، ولا مهرب من الخيار الحاسم. نظام القهر الذي نشر سمومه لعقود طويلة واستجلب الكوارث، لم يعد قادراً على الاستمرار طويلاً؛ فالحرب الضخمة التي تسبب بها تلحق الضرر بمواليه، وستنتهي لغير صالحه في يوم أكيد؛ لأنّ النصر القائم على الإبادة والتدمير والتخريب والإرهاب والفتن زائل وعابر، ولا يمكن أن يعد انتصاراً إلا لدى الذين انعدمت في ضمائرهم الرؤية والقيم الإنسانية النبيلة. الموجة الثانية من الثورة قادمة، بحسب منطق التغيير التاريخي، وستجدّد طاقة الثورة المعنوية، بإصلاح النظام القيمي الذاتي والجماعي، فالدفاع عن النفس ومقاومة الاستبداد والاحتلال، فطرة وطبيعة سليمة، تنضج بالخبرة والنقد والإيمان بالنفس والحياة العزيزة، وقد اختمرت التجربة السورية في مرجل الدماء وآن الأوان. بدأت الثورة شرعية بمطالب تحرّرية وحقوقية إنسانية عادلة، وحتى تعود لاحقاً لشرعية أقوى وموثوقة في كفاح وطني واجتماعي له مدى شعبي أوسع؛ فإن عليها غربلة القيم وتجديدها وترك أسباب الهوان من قصور ذاتي وقهر وجهل ورياء.

المنظومة الأخلاقية الإنسانيّة نشأت دفاعاً عن الحياة، لتنتج قيماً لإصلاح الإنسان وإسعاده وتحسين حياته وحماية حقوقه، ومنها تبنى القوانين والدساتير التي تنظّم علاقات المجتمع. لكنْ، عندما يجمّد المجتمع أعرافاً وتقاليد وقيماً تفتقر للنقاء والرقي، ولمغزى واقعي، ثم يؤطّرها بإطار الأخلاق والقيم المقدسة؛ فإنّ منظومة الأخلاق تتعطّل ويفسد عملها، وتتكاثر المرجعيات الوهمية ويتفكك المجتمع لمجموعات متناحرة وجاهلة، فيسهل وقوع الأمة تحت الهوان. وهذا حال العالم العربي الراكد في مستنقع التبعيّة؛ منذ بدأ يتخلف عن مسيرة الانتاج الحضاري، إذ تآكلت المنظومة الأخلاقية في قيم الحريات والحقوق والكرامة والإخلاص، وغُطيت بقشرة واهية من مظاهر الاستقامة والتديّن، مدعومة بالرّياء.

ثورات الربيع العربي والحروب التي أعقبتها، أزالت تلك القشرة وهشمتها وكشفت النفاق. أظهرت الحرب السورية مآلات تلك الضلالة القيمية متمثلة بظواهر اجتماعية مخيفة استخدمها نظام الطغام وشركاؤه في الحرب، لإحكام سيطرتهم وبطشهم؛ مثل مزاولة البلطجة، والتشبيح، والرذالة، وفرض الأتاوى، وتأليب الملل والنحل حتى أصبح المجتمع جماعات متصارعة وإقطاعيات لشيع وفرق لا يعرف الإنسان أين المرجعية، ومن هي، وما هي، وما مدى مصداقيتها، فالتبس الحق والباطل، وتمهّد الطريق لتقويض السيادة بتدخل القوى الخارجية.

الحرب كانت قائمة منذ عقود ضد الشعب السوري؛ بإرهاب سياسي وفكري واجتماعي ونهب اقتصادي؛ لكنّها اتسعت واشتدّت بالحرب المضادة للثورة، وبالتدخل الدولي الذي عقّد الأوضاع؛ وأطال الحرب السورية، خصوصاً مع ازدياد الصراعات العالمية، سواء بين الأطراف الدولية أو بين التيارات السياسية، بحروب الوكالة والتشغيل، عبر شبكات النظام وشبكات القوى الأخرى؛ فأصبحت سوريا ميدان صراع دولي لا يمكن السيطرة عليه، قابلاً لتفجير حروب أوسع وخسائر أكثر وأكبر، خصوصاً، بوجود المرتزقة وعصابات التشبيح والبلطجة التي ما زالت تسرح في سوريا وما حولها بأعمال العنف والإرهاب.

مقابل ذلك، لا يستهان بالقوة الخفيّة للثورة، ولا يمكن تجاهل مطالبها؛ فمن خضم صراعها ستنبثق رؤية جديدة وسردية مختلفة للسوريين في كفاحهم للاستقلال والتحرر الشامل، ومن ثمّ لا مجال للتغاضي عن إيجاد حل مقنع للقضيّة السورية، وجزء من الحل هو سوري ومن روح الثورة، متعلق ببناء عقد اجتماعي من مبادئ الديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان.

الإنسان السوري محبط وبائس وخائف ويشك في كل ما ورثه واعتاد عليه، وهو محق، لكن، لا يمكن خلع كل شيء ورميه؛ فهذا كلام هراء، بل يستوجب إعادة النظر في معتقداته وفكره وتجديد قيمه الصالحة، وتنقية إيمانه لتمتينه، حتى يسنده نفسياً ويقويه عقلياً في مسار حياته. الجهل والعنف والذلّ، أبواب للهزيمة. صناعة الحياة تكون بصناعة القيم النبيلة الناضجة وصقلها وتهذيبها بالتعليم والتنوير الديني والآداب؛ فهي مفاتيح الكفاح التحرري، وهي مفاتيح المسؤوليات بحقوق الآخرين وكرامتهم الإنسانية، كذلك هي أساس لنجاح ثورة تاريخية بهذا الحجم معلّق عليها تغيير واسع شامل للواقع ومنظوماته نحو حياة كريمة تطلق فيها الحريات وتنظّم الحقوق. لا يمكن الانتهاء من الحرب إلا بتأكيد وتثبيت قيم السيادة والحرية قبل تنفيذها عملياً؛ فعندما يوقن المجتمع بأهمية التعايش المسؤول الذي تنسجم الحرية الفردية مع الحريات العامة وحرية الآخر وتتساوى الحقوق في مسؤولية ذاتية وجماعيّة، سيعمل على حماية التعايش ويتفق على تحديد المرجعيّة وشكل الحكم وإدارة البلد ومنظومة الحقوق. مأساة القهر والاستبداد، ما كان يمكن لها أن تشتد وتتمكّن لولا وجود نقطة ضعف كشفتها الحرب، وهي غياب المرجعية العاقلة الراشدة عن المجتمع، الذي أشاع الجهل وأوهن النفس وأنهك العقل وعرّض الإنسان للذل ومجتمعه للهوان. عندما يكون الإنسان جاهلاً بالكينونة الثقافية والقيمية التي ينتمي لها ويمارسها كرهاً، أو إرثاً بلا نقد، من دون وعي أو إخلاص؛ فما أسهل أن يخونها أو يستغلها أو يخدع نفسه ومجتمعه بها، لكنه لا يمكن أن يستعين بها كقوة تسنده. الدول التي تحارب السوريين أو التي تتقرب منهم تستخدم قيمها استخداما سياسياً وثقافياً لمصالحها القومية والاستعمارية والاقتصادية؛ سواء بقيم المظلومية الدينية والتاريخية القومية، أو بقيم الأحقية التاريخية في قيادة المسلمين. الشعب السوري يحتاج، أيضاً، أن يبني قيمه الوطنية والأخلاقيّة بما يحقق السيادة والكرامة والحرية والعزّة. فالمجد لا يبنى بالتفاهة والخضوع.

العقل السلطوي الاستبدادي العنيف المفسد أساس الأزمة سواء في السلطة السياسية، أو في المجتمع والأسرة والمدرسة والجامعة والمستشفى والعقيدة، وهو الذي كان وراء انفجار الواقع السوري. حتى يصنع السوريون قرارهم الوطني والأخلاقي عليهم البدء ببناء النظام الاجتماعي والقيمي المتماسك، وإعادة صياغة المرجعيات المولّدة للقيم والمبادئ. بناء السيادة يكون ببناء منظومة قيم عدل وحرية وديمقراطية.

==========================


رسالة إلى المؤيدين في سوريا… صح النوم يا شباب!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

2/2/2019

المؤيدون بقّوا، أو يبقّون البحصة: الأسد، ما غيره، سبب الهلاك والدمار؟ هل بات الأسد ممسحة وملطشة ومسخرة حتى للمؤيدين؟ أو لمؤيديه؟ أو لجميع السوريين؟ لم يعد بمقدور أحد اليوم لجم ذاك الضجيج المتعالي، وإسكات كل تلك الأصوات الناقدة والشاجبة والمستنكرة لفشل وتواطؤ الأسد وتضامنه مع مافيات النهب وشراذم التشليح وطغم الفساد وعصابات القهر والتجويع التي تفتك بعموم البسطاء والفقراء السوريين، كما لن تستطيع كل ماركات عطور العالم تبخير عفن روائح الفضائح الكريهة التي تنبعث تباعاً من نظام بات يتربع عالمياً على عروش الانحطاط واللصوصية والممارسات المافيوزية والتردي والفساد والسلب وانهيار النظام العام، ويقف إعلام المسخرة والطبل التي تديره «فصعونة» تشيواوا فاشلاً عاجزاً بكل أبواقه عن الدفاع عن سيل الانتقادات التي باتت تتدفق وتغمر وتتطاول بتهكم مرير على قمة هرم الطغمة الفاشية الحاكمة ورمز النظام الأسقط تاريخياً، وعالمياً.

وفي الآونة الأخيرة، بدأنا نشعر بالحرج والإحباط والتواضع والتراجع عن منازلة ومقارعة كل تلك الأصوات الناقدة وحيث لم نعد قادرين، البتة، على مجاراة المؤيدين للنظام السوري في انتقاداتهم وشتائمهم وصرخاتهم المتعالية ضد «آل الأسد» ونظامهم الفاشي. وبدأنا شيئاً فشيئاً نستمتع بمنشورات المؤيدين وتعليقاتهم على مواقع التواصل أكثر مما نكتب عن الوضع في سوريا. لماذا نتعب أنفسنا إذا كانت غالبية المؤيدين صارت على يميننا في الانتقاد وفضح عورات النظام على كل الأصعدة؟ أليس من الأفضل أن تجلس وتضحك وتقول للمؤيدين الذين بدأوا يشعرون بالخازوق: «صحتين، أو على الأقل: صح النوم؟»

لا أدري لماذا كانوا يتهموننا بالخيانة والعمالة والارتزاق لمجرد أننا كنا نردد ما يقولونه الآن منذ ثماني سنوات؟ هل كانوا مخدّرين؟ ألم نقل لكم إن الجرح السوري أعمق مما ترون، ولن يؤلمكم خلال الحرب، بل بعدها ستشعرون بألمه الذي لا يحتمل في ما بعد؟ وكما تعلمون أن الجرح وهو ساخن لا يؤلم صاحبه بقدر ما يؤلمه بعد أن يبرد. والجرح البارد مؤلم جداً. ولا أعتقد أنكم غافلون عن ذلك.

اليوم الأخوة المؤيدون، وأقول أخوة لأننا توحدنا كسوريين، في مواقفنا العامة، وصرنا جميعاً مؤيدين ومعارضين في الهم سواء لا فضل لسوري على آخر إلا بشدة الانتقاد والهجوم على النظام والحكومة، وحِـدّة الوجع والمعاناة التي تتفاوت وتتباين بين شريحة وأختها، أقول لهم: «هل قلنا شيئاً خاطئاً على مدى السنوات الماضية، هل كنا نفتري ونتجنى بشأن هذا النظام الجائر الغاشم الظالم القهري المفتري؟ بالطبع لا. أنتم اليوم أقوى حدة وهجوماً منا في هجاء النظام وحكومته. وهنا أود أن أشكر المؤيد الشهير بشار برهوم، وهو بالمناسبة من «عظام رقبة» النظام وفهمكم كاف، والذي كان يوجه سهامه ويجلد بؤساء الحكومة السورية الذين لا حول لهم ولا قوة، لكنه في الوقت نفسه كان يمتدح نظام «الممانعة» و«المباطحة» والعنتريات الهوجاء الفارغة ليل نهار، والتي أودت بسوريا إلى مهلكة ومحشرة لا قيامة منها، وخاصة ما يسمّونه بـ«السيد الرئيس»، على اعتبار أن الرئيس «حاجة تانية»، و«زلمة كويس» لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من وراء شركات لصوص بني مخلوف، لكن، ويا حرام، ويا للوعة والأسى تبين لاحقاً أن كل البلاء متأتٍ وحاصل من حفنة «الأشرار» الملاعين الذين حوله من حكومة ووزراء ومجلس شعب فاسدين. لا أدري كيف كنتم ترددون هذه الكذبة الثخينة، والثقيلة على القلب، مع العلم أنكم كنتم تعرفون البئر وغطاءه وكل «الدياب» التي ترعى خلف المراعي.

أليس من الأفضل أن تجلس وتضحك وتقول للمؤيدين الذين بدأوا يشعرون بالخازوق: «صحتين، أو على الأقل: صح النوم

لقد انفضح خطابكم، بعدما هزلت وبان عجافكم، وكنتم تتظاهرون، بقرارة أنفسكم، أن رأس النظام خط أحمر، لكنكم متأكدون أنه هو الآمر الناهي في كل شيء في سوريا، ويتحكم حتى في أبسط الأمور في مزرعة العصابات والمافيات. لا ألومكم مطلقاً عندما كنتم تعملون بالمثل المصري الشعبي الشهير: «إذا لم تكن قادراً على ضرب الحمار فاضرب البردعة».

على العموم، بعض المؤيدين العتيدين في منطقة الساحل السوري معقل النظام صار يضرب بـ«المليان» وتحت الحزام في الأيام الماضية، ولم يعد يوفر في خطابه حتى «سيادته». فالسيد برهوم الذي كان يبتعد عن انتقاد الرأس الكبيرة، قال في شريطه الأخير: «لقد أصبح أملنا بالسيد الرئيس صغيراً جداً» على ضوء الأزمة المعيشية الطاحنة التي تحيط بالمؤيدين. ولعمري هذا تطور خطير جداً في خطاب المؤيدين، فنحن نعلم في سوريا منذ 1970 أن بإمكان الناس أن ينتقدوا الحكومة على الناعم جداً، لكن النقد الناعم للسيد الرئيس يذهب بالمنتقدين إلى غياهب السجون وأحياناً وراء الشمس، ومع ذلك تجرأ برهوم على توجيه ضربة قوية لـ«سيادته»، معتبراً أن الأمل فيه صار شبه معدوم. وقد تقدّم برهوم خطوة أخرى عندما قال في أحد تصريحاته التي بثها على الهواء مباشرة في فيسبوك: «أنا على وشك أن أوجه اعتذاراً لما كنا نسميها بالقنوات المغرضة، لأننا اكتشفنا الآن أن كل ما كانت تقوله عن النظام وعن سوريا كان صحيحاً. ولا تتفاجأوا إذا قدمتُ اعتذاراً أيضاً لفيصل القاسم، لأن الرجل كان يقول ما نقوله نحن الآن لا أكثر ولا أقل».

لن أنسى، أيضاً، بأنني توقفت عن الكتابة عن أحوال مدينتي السويداء منذ شهور وشهور. لكن ليس لأنني لست مهتماً بأحوالها، بل لأن كل الشبيحة في المدينة صاروا يرددون ما كنا نكتبه ونقوله عن النظام قبل سنوات، فلماذا نتعب أنفسنا وننافسهم في الحديث عن أشياء يواجهونها يومياً في لقمة عيشهم، وأحوالهم الأمنية والخطف والنهب والسلب والتشبيح وغلاء الأسعار واختفاء السلع الأولية والقمع واللصوصية والانفلات الأمني. ها هم أكثر من أربعين ألف شاب في السويداء وحدها يرفضون الالتحاق بجيش النظام. وهذه في نظر النظام خيانة عظمى. وبالتالي أتساءل: «من الخائن في هذه الحالة في نظر النظام: الإعلامي الذي كان يضع أوجاع الناس وهمومها على الهواء، أم الذين يرفضون الخدمة في جيشه؟» هنا أستطيع أن أقول إنني أصبحت معارضاً ناعماً جداً بالمقارنة مع شباب السويداء الأشاوس الذين كانوا يتهموننا بالعمالة لكنهم الآن يرفضون الالتحاق بالجيش «العربي» السوري.

قد يرى البعض أن انتفاضة المؤيدين على النظام مدفوعة من المخابرات لغاية في نفس يعقوب للتنفيس، أو لتحذير اللاجئين من العودة إلى البلد لأن أوضاعه تحت التحت، لكن مع ذلك، لم يكن بمقدور هؤلاء المؤيدين الذين كانوا يطبلون ويزمرون للنظام على مدى سنوات، لم يكن بإمكانهم أن يرفعوا أصواتهم بهذا الشكل الجريء والتطاول على رأس النظام مباشرة لولا التضحيات التي قدمها أخوتهم في المعارضة.

لم تكن أصواتكم أيها المؤيدون لتلعلع عالياً لولا أن أشقاءكم اللاجئين والمهجرين والمبعدين والجرحى والشهداء والضحايا قدّموا الغالي والرخيص كي تتمكنوا أنتم أيها المؤيدون لاحقاً لتعبروا عن رأيكم بحرية وبلا خوف ولولا أننا كنا قد رفعنا الصوت و«العيار» قبلكم بكثير، ومع الاحترام لكل ما تقولونه، فهو ليس إلا صدى، ورجع، وإن كان متأخراً جداً، لما كنّا نردد ونقول من زمن ليس بقصير.

وسلامتكم.

==========================

نقوش على محاريب حماة !؟

شعر : يحيى حاج يحيى

عندما يرتسم ُ الحزنُ على وجه الطفولهْ

عندما تُذرفُ دمعاتٌ على أم ٍ قتيلهْ !

عندما يبحثُ في الأنقاض عن ثديٍ رضيعُ

عندما يصرخ ُمن جوعٍ ، وآهاتٌ تضيعُ !؟

 أيُّ خير ٍ أيها العالم ُ يبقى ؟!

أيِّ خير بعدما يذوي الربيع ُ ؟؟!

 

عندما يُذبحُ طفلٌ بالحراب ِ

عندما يُرمى لأظفارٍ ٍوناب ِ

عندما يُنقلُ من باب لباب ِ

والرزايا تتوالى وجراحاتُ المصاب ِ

أيُّ خير أيها العالم ُ يبقى ؟

عندما نصبح أشلاءً بغاب ِ ؟؟!

 

عندما تُتركُ أجساد ُ النساء ِ!

في عراء البؤس ! في حزن الشقاء ِ

عندما يمتصُّ عِربيدٌ دماء  الأبرياء ِ

والأيامى واليتامى هائماتٌ في العراء ِ

أيّ خير أيّها العالم ُ يبقى؟

ولماذا الصمت ُ يادنيا الرياء ِ؟!

 

عندما يُهدمُ محرابٌ وسور ُ

عندما تُنبشُ أمواتٌ..وتُجتاح ُالقبور ُ

ويلفُّ الصّمت ُدنيانا ! فلا يصحو شعور ُ

أيُّ خير أيها العالم يبقى ؟

عندما تخلو من الإنسان ، أو يغفو الضميرُ ؟!!

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com