العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-12-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

المعتقلون وحقوق الإنسان في سوريا بعد 70 عاما على الإعلان العالمي

أحمد عيشة

سوريا تي في

الخميس 6/12/2018

يصادف يوم الإثنين المقبل، العاشر من كانون الأول، الذكرى السبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي نص في مادتيه الأولى والخامسة:

1-"يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وقد وُهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء".

5- لا يُعرّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو التي تحط من كرامته.

لربما هي فترات قصيرة في سوريا التي لم تعرف الاعتقال السياسي أو الاعتقال بسبب الرأي المخالف، لكنه في عهد العصابة الأسدية فقد أصبح ذلك وسيلة لتركيع وتخويف البشر عموماً، بقصد الابتعاد عن العمل في الشأن العام، كما طال هذا التخويف جماعة الأحزاب الموالية وحتى حزب البعث ذاته، فسلطة المخابرات والعسكر لا تقبل أن يخالف أحدٌ أوامرها أيّاً كان.

في الثمانينيات، كان الدكتاتور الأب يرفض حتى مجرد الاعتراف بوجود آلاف المعتقلين في سجون وزنازين الفروع التي تملأ البلاد، وأكثرها بؤساً وبشاعة سجن تدمر الذي شهد أبشع جرائم القتل والتعذيب الفردي والجماعي، حيث استمرت فترة الاعتقال حتى نهاية التسعينيات عند البعض، وقد قضى كثير من المعتقلين فترات تجاوزت خمسة عشر عاماً، من خلال محاكمات لا شبيه لها أبداً، وليس لها من المحاكم سوى الاسم، فالحكم معدُّ مسبقاً في الفروع الأمنية، وتقتصر مهمة القاضي/ الجلاد على تلاوة الحكم وشتم المعتقلين.

مع بداية الثورة، صار للاعتقال بُعد آخر، لدرجة أن المعتقلين يتمنون الموت رغبة في الخلاص من وسائل التعذيب الوحشية، في تجسيد للعبارة القذرة التي كثيراً ما نسمعها على ألسنة المحققين والمخبرين: "سندعك تتمنى الموت، ولا تلقاه"، فالتعذيب ليس بقصد الحصول على المعلومات، وإنما بقصد الإهانة والإذلال والانتقام والتشفي، وهو الأمر الذي ترفضه شرعة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بل تعاقب عليه، ومع ذلك ظل التعذيب نمطاً يومياً لسلوك الجلادين والمخبرين، تجاه من تجرأ وصرخ في وجه الطاغية الذي يعتقد مخبروه أنه إلهٌ خالد، على الجميع عبادته، وكثيراً ما سمعنا العبارة التي يرددها الشبيحة والمخبرون والسجانون وهم يعذبون المعتقل، ويطلبون منه أن يقول إن بشار هو "ربه".

صار بحكم المؤكد أن ما يجري في المعتقلات ومراكز الحجز لدى النظام يفوق كل التوصيفات التي يحظرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وجميع الدساتير في العالم تقريباً، لا بل إنه أسّس لجرائم غير موصوفة سوى بالعموم، ففضلاً عن الخطف واعتقال الأقرباء والأولاد، وتعريضهم لشتى صنوف التعذيب من شبح وكسر وحرق وغيره، لجأ النظام، منذ بداية الثورة، إلى ممارسة طرق تعذيب تخلق جروحاً لا تندمل، وتؤسس لأحقاد ومواقف عنيفة، ومنها تعرية أفراد العائلة أمام أعين بعضهم، واغتصابهم أيضاً، وهو الأمر الذي لا يمكن للمرء احتماله إلا بدخوله حالة الجنون واللاعقل.تشكل كل هذه الجرائم التي يتباهى بها النظام، من خلال استعراضها على أشرطة الفيديو، ناهيك عن آلاف الصور التي سربها المصور المعروف باسم "قيصر"، وشهادة الناجين من الموت، ومؤخراً توزيعه على دوائر السجل المدني في المحافظات أسماء من ماتوا نتيجة للتعذيب تحت أسباب لا يقبلها عقل، أدلةً موثقة تدين هذا النظام وكبار مسؤوليه من أجهزة الأمن، وتدعو إلى تقديمهم إلى المحاكم الدولية ليس بتهم انتهاك حقوق الإنسان، وإنما بتهمة الإبادة الجماعية عمداً، ومع ذلك ما يشهده السوريون هو ليس الدعم من روسيا وإيران فقط، بل التراخي الدولي العام رغم امتلاك الكثير من الأدلة تجاه نقل قضية المعتقلين في سورية إلى محكمة العدل الدولية أو إنشاء محاكم خاصة لسورية.

في الذكرى السبعين لإعلان حقوق الإنسان، وبعد أن أصبحت قضية المعتقلين في سورية -في حال تم نقاشها- قضيةً هامشية على أطراف المباحثات، سواء التي جرت سابقاً في جنيف، أو التي تجري حالياً في أستانا

في الذكرى السبعين لإعلان حقوق الإنسان، وبعد أن أصبحت قضية المعتقلين في سورية -في حال تم نقاشها- قضيةً هامشية على أطراف المباحثات، سواء التي جرت سابقاً في جنيف، أو التي تجري حالياً في أستانا، لا بدّ من إعادة الاعتبار لها، والضغط باتجاه وضعها القضية الأولى أينما أمكن، فهي القضية التي يمكن أن تفتح الباب لتحقيق عملية الانتقال السياسي تتضمن الكشف عن مصير المفقودين والمختطفين وإطلاق سراح الجميع ممن بقوا أحياء، وتقديم المسؤولين عن عمليات التعذيب والقتل لمحاكم عادلة، خاصة وأن هناك لجنة تحقيق خاصة حول جرائم الحرب في سورية، والتي طالب رئيسها مؤخراً في 29 من تشرين الثاني الماضي بضرورة التحقيق الفوري الشفاف والمستقل في جميع الوفيات في الحجز أو الناجمة عن عمليات الإعدام بإجراءات موجزة أو خارج نطاق القضاء.

بعد ذلك يمكن العمل على المسارات المختلفة الدستورية وغيرها. كما أنها فرصة لقوى المعارضة لإعادة القليل من الالتزام بقضايا ثورة السوريين المتمحورة حول الكرامة والحرية، بدلاً من الاستمرار في مجاراة الدول وتقديم التنازلات. أما الحديث عن لجان دستورية، كما يجري الآن، في ظل استمرار القبضة الأمنية لهذا النظام، فليس أكثر من مضيعة للوقت وإطالة في تعذيب السوريين عامة، والمعتقلين خاصة الذين "يطلبون" الموت ولا يجدونه في زنازين النظام.

رغم كل الظروف السياسية التي تحيط وتضغط على السوريين من أجل الرضوخ وقبول الدكتاتور رئيساً من جديد. سيبقى السوريون مستمرين في كفاحهم من أجل الكرامة والحرية، الكرامة التي كرستها المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأولتها على الحقوق، والعيش بحرية ومساواة من دون كل أشكال التعذيب

==========================

موقفنا : نصف مليون سوري مهددون بالتلطيخ في جرن الجريمة الأسدية .. أيها المسلم : لا عذر في الإكراه على القتل

زهير سالم

مركز الشرق العربي

5 / 12/ 2018

وتتوالى الأنباء من مملكة الخوف الروسية – الإيرانية – الأسدية ، حيث يساق شباب سورية مقرنين بالسلاسل والأصفاد أفواجا إلى معمودية الجريمة ليطوعوّا إذلالا ، ثم ليَقتلوا فيكونوا شركاء في الجريمة تحمل ضمائرهم وزرها مدى حياتهم ، أو يُقتلوا فيتخلص عدوهم الأصلي "الروسي – الصفوي – الأسدي " منهم ، ويزداد المجتمع المأمول تجانسا بمفاهيم الأعداء الثلاثة المتصلة المنفصلة على قاعدة " الأواني المستطرقة "

لا بد أنها تشعرك بالهوان صورة الشباب السوري يصطادون على الحواجز ، ويقرنون بالأصفاد ، ليساقوا إلى المجزرة الأسدية وليكونوا جنودا في حرب تدار عليهم وعلى أهلهم وعلى أعراضهم في صيغة تذكرك بقول معروف الرصافي من قبل :

وأعجب من ذا أنهم يرهبونها .. وأموالها منهم ومنهم جنودها

وأكثر هذا الشباب السوري الجميل هو من أبناء المناطق التي استعاد المجرمون بطبقاتهم الثلاث السيطرة عليها ، أكثرهم من أبناء حوران والغوطتين وحمص وحلب حيث يتم في محاضن الجيش الطائفي إعادة التدجين ، وكسر العنفوان والإذلال ، ومن أبى لن يخفى مصيره على أحد.

يفضح الحدث بأبعاده السياسية سر إلحاح بوتين على إعادة اللاجئين السوريين تحت القبضة الأسدية ليكونوا أدوات في استئناف الحرب على سورية أرضا وشعبا . كما يؤكد الحدث أنه لم يتبق الكثير من المؤسسة التي كان يطلق عليها " الجيش العربي السوري " والتي كانت تعتد بنصف مليون إنسان . ففي بضع سنين دمر الأسد وشركاؤه المحتلون بنية هذه المؤسسة ، وأتوا حتى على قشرتها الوطنية الرقيقة ، فإذا هي مؤسسة طائفية كالحة امتهنت على مدى ثماني سنوات القتل والسلب والنهب .

وإن الحدث بدلالته الإنسانية والوطنية والسياسية والاحتماعية في هذا الظرف الحرج من تاريخ سوريتنا الثائرة الرافضة للظلم والاستبداد والفساد ، سيكون له ما بعده في تعظيم حجم الكارثة الوطنية إنسانيا ، وفي زيادة الشروخ بين أبناء المجتمع الواحد ، وفي تكريس رحى الظلم تعرك أجساد السوريين عركا فتذر سورية قاعا صفصفا لروسي وإيراني ولحاقد طائفي .

وفي خضم هذا الواقع المشتبك القائم على محاصرة الشباب السوري الجميل بين اضطرارات وإكراهات كلها خطير وشرير وكالح لا بد من كلمة حق ونصح تعينهم على رؤية الواقع بكل أبعاده ..

الرسالة الأولى إلى شباب سورية ورجالها ...

إن كل التسويات والمصالحات والضمانات والتعهدات والوعود بحل سياسي ودستور جديد هو حديث خرافة ؛ ومخض ماء ، أو هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه وجد عنده التنين والثعبان والذئب وابن آوى . سورية التي سيقودكم إليها ديمستورا وشركاه على المائدتين هي أشد استبدادا وظلمة وقسوة وفسادا من سورية نصف قرن مضى ، سورية الاستبداد والفساد والرفيق الفريق إلى الأبد التي ثرتم عليها ، فخرجتم وأنتم تنادون : الموت ولا المذلة ...

الرسالة الثانية لشباب سورية على كل الأرض السورية :

 هي أنه لا بديل عن الثورة إلا الثورة . الثورة بنبلها ورقيها ووطنيتها وقواعدها الأخلاقية ، وقوانينها العلمية الموضوعية . لقد شَرِقنا في السنوات الماضية بريقنا وعرفنا عدونا من صديقنا . ولقد كان الثمن غاليا ، وسيكون على ضمائرنا وعقولنا وقلوبنا أثقل وأبهظ إن لم نستفد من التجربة ، ونعيد توظيفها في إطار ثورة عاقلة يقودها العقلاء كلٌ في ميدان اختصاصه .

فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا نركنوا ولا تستسلموا ولا تيأسوا ولا تنقادوا بل كونوا الجسر الذي تعبر عليه " سوريتكم " إلى غدها المأمول .

والرسالة الثالثة إلى الشباب السوري الجميل الذي يساق اليوم أرسالا إلى مساقات القتل والجريمة والاعتداء على الذات

 أنه في شريعة الإسلام الغراء ألا عذر لمكره على القتل . فلا إكراه على القتل في شريعة الإسلام . وحياتك في ميزان هذه الشريعة ليست أولى من حياة أخيك الذي ستأمر بقتله فتقتله، ستقتله أو ستعين على قتله تزعم بالاضطرار ، ولا عذر عند الله لمن يقتل الناس ولو بالاضطرار الصادق الحقيقي .

أيها الشاب السوري

لا تسول لك نفسك أنك لن تباشر القتل بنفسك أو بيدك أو ببارودتك ؛ فوالله لو كنت خياطا لثياب الظالمين فأنت منهم ؛ ولست فقط من أعوانهم كما أفتى به الإمام أحمد بن حنبل .

أيها الشباب السوري المسلم لقد كان قدركم في هذا الجيل أن تتحملوا عبء غربة الإسلام ، وتداعي الأمم على المسلمين ، وفي شام رسولكم خاصة ، فأروا الله من أنفسكم خيرا ، كونوا مداميك لعروش الظالمين والقتلة والمستبدين الفاسدين ولا تكونوا مسامير في آلة القتل تطحن أهلكم وتدمر دياركم ...

وأنتم يا رجال المعارضة السورية ، وأنتم ياقادة العلم والفقه والرأي والفكر ، أنتم يا من تمسكون بناصية القرار وناصية الموقف وناصية الكلمة فيكفي كفى كفكفكفان ...

يكفي ما كان منكم وعلى أيديكم وبسببكم وبيعوها لله أنفسا كريمة تأبى الذلة والهوان والتبعية والانصياع والاسترسال على طريق المخادعين .

ومن كان مع الله كان الله معه .

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا . " وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ "

__________

*مدير مركز الشرق العربي

======================

اللاجئون السوريون في تركيا: هواجس وتساؤلات

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 6/12/2018

في التاسع من شهر تشرين الثاني الماضي، قتلت شابة سورية في مدينة غازي عنتاب، جنوب تركيا. كانت نغم أبو صالح، ذات التسعة عشر عاماً، الطالبة في جامعة غازي عنتاب، جالسة في حديقة الحي الذي تسكنه مع أهلها، حين اقترب منها شابان على دراجة نارية وحاولا خطف هاتفها الخليوي من يدها. وإذ امتنعت غنى عن تسليم هاتفها، هاجمها الشابان بالسكاكين، هي وصديق لها كان معها، فطعناهما عدة طعنات وفرا هاربين. ماتت غنى على الفور متأثرة بجراحها، وتم إنقاذ صديقها في المستشفى.

شكلت الحادثة صدمة كبيرة للاجئين السوريين في غازي عنتاب وغيرها من المدن التركية التي ينتشرون فيها. مع ذلك كان كثير من السوريين ميالاً إلى اعتبار الحادث جنائياً بحتاً، لا علاقة له بنزعات كراهية ضد اللاجئين السوريين، برغم وفرة تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي. أي أن الشابين التركيين مجرمان عاديان، وكان المحتمل أن تكون الضحية تركية أيضاً، الصدفة وحدها وراء اختيارهما لهذه الضحية السورية بالذات.

ولم تمض إلا أيام قليلة حتى أعلنت الشرطة عن إلقاء القبض على الجانيين وفتح تحقيق في الجريمة. وتداول السوريون هذا الخبر على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بارتياح صريح، مدفوعين بحاجتهم إلى الشعور بالعدالة.

كان لافتاً للنظر أن كلا القاتلين بعمر 17 سنة، أي تحت السن القانونية.

لكن الصدمة تكررت، مرة أخرى، في أوائل الشهر الحالي، حين تعرض طفل سوري لاجئ، في المدينة نفسها، للطعن بالسكاكين من قبل عصابة سرقت منه هاتفه الخليوي و400 ليرة تركية هي أجرته الأسبوعية التي كان قد قبضها قبل قليل. الطفل محمد ميمة، 15 سنة، نقل إلى العناية المشددة في إحدى مستشفيات المدينة، وفر الجناة.

يتداول سوريو المدينة شفاهةً، هذه الأيام، خبراً يقول إن قاتلي غنى أبو صالح تم إخلاء سبيلهما، ربما بكفالة، أو ربما بسبب سنهما. ليست هناك مصادر يمكن الإحالة إليها، لأن الخبر الجديد مر بلا اهتمام إعلامي، بخلاف خبر إلقاء القبض عليهما. كلا الحالتين، الاهتمام والتجاهل، تفسران بأسباب براغماتية، فلا السلطات التركية تريد انتشار خبر يؤجج مشاعر الغضب لدى اللاجئين السوريين، ولا هؤلاء يتجرؤون على رفع صوتهم طلباً للعدالة.

لا يمكن إهمال حالة القلق الاقتصادي التي يعيشها المواطن التركي من الطبقات الدنيا، باعتبارها سبباً مباشراً للتحول النوعي في حوادث الاعتداء المتفرقة التي تعرض لها سوريون

هذه تطورات خطيرة جدا، بالقياس إلى سوابق التوترات في العلاقات بين اللاجئين والمجتمع المضيف، سيترتب عليها انعدام الشعور بالأمان لدى ثلاثة ملايين ونصف من اللاجئين السوريين في تركيا، وبخاصة العناصر المستضعفة المعرضة للخطر كالأطفال والنساء. السلطات التركية تعالج كل حالة بصورة منفردة وباجتهادات ظرفية، كأن تنقل اللاجئين السوريين، في حي من أحياء مدينة ما، إلى المخيمات، إذا وقع حادث هوجم فيه السوريون من قبل جموع غاضبة من الأهالي، بسبب خلاف شخصي أو حتى إشاعة كاذبة تتعلق بشخص سوري، كما حدث الشهر الماضي في مدينة أورفة.

لا يقتصر شعور اللاجئين السوريين بانعدام الأمان، أو بغياب العدالة، على الحالات الجنائية كالمذكورة أعلاه، بل هناك هاجس المصير المجهول الذي يمكن أن يواجهوه في أي يوم. فالمطالبة بترحيل السوريين التي كانت تقتصر، في السنوات السابقة، على أحزاب المعارضة، بات يعبر عنها من قبل الحكومة أيضاً منذ ما قبل الانتخابات العامة والرئاسية التي جرت في حزيران الماضي. ففي أثناء الحملة الانتخابية، تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان، للمرة الأولى، عن «إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم» بعد انتهاء الحرب في سوريا. وتلقي وسائل الإعلام الضوء باهتمام على عودة طوعية لعشرات آلاف السوريين إلى مناطق سيطرة القوات التركية في «درع الفرات».

لا أحد يعرف ما هي الخطط المستقبلية للحكومة بشأن إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. هناك نحو سبعين ألفاً تم منحهم الجنسية التركية، بناء على معايير تتعلق بامتلاك اللاجئ للشهادة العلمية أو رأس المال الاستثماري. وقد صدر قرار، قبل أسابيع، يشجع السوريين على الحصول على الجنسية إذا كان اللاجئ يملك رأسمالاً يبلغ 250 ألف دولار فما فوق. لا حاجة للقول إن هذا القرار لا يخاطب إلا فئة ضيقة جداً من اللاجئين السوريين، قد يعد ببضع مئات لا أكثر.

يعكس القرار المذكور، من ناحية ثانية، وضع الاقتصاد التركي الذي يعاني بعض الصعوبات، وتجلى، في الأشهر السابقة، بعدم استقرار سعر صرف العملات الأجنبية، وهبوط القيمة الشرائية لليرة التركية بصورة حادة تضرر منها أصحاب الدخل المحدود.

لا يمكن إهمال حالة القلق الاقتصادي التي يعيشها المواطن التركي من الطبقات الدنيا، باعتبارها سبباً مباشراً للتحول النوعي في حوادث الاعتداء المتفرقة التي تعرض لها سوريون، كحالة الطالبة غنى أبو صالح والطفل محمد ميمة. فحين ينفجر الغضب من التردي الاقتصادي، يكون «المختلف» هو الضحية الأولى. والمختلف الأكثر عرضة لعامل الغضب والكراهية، في الوقت الحالي، إنما هو السوري الذي تستخدمه الأحزاب السياسية مادة للمزاودة أو شماعة لتعليق أسباب الصعوبات الاقتصادية، وتستخدمه الحكومة في تجاذباتها مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن أنه مستضعف بلا حقوق واضحة تحميه، يبحث عن وسائل العيش ويعاني من غلاء الأسعار بأكثر من معاناة المواطن التركي.

ومن جهة أخرى شددت إدارة الهجرة، مؤخراً، على موضوع تنقلات السوريين بين المحافظات التركية، فأصبح إذن السفر لا يعطى إلا لأسباب قاهرة، الأمر الذي ضيق من هامش البحث عن عمل ومورد رزق في مدن أخرى.

أسوأ ما في اللعنة التي التصقت بالسوريين، في الداخل والخارج على السواء، هي أنها بلا أفق منظور.

==========================

حمزة الخطيب يُبعث من جديد في درعا

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 5/12/2018

ما يجري من حراك ثوري وعسكري ونخبوي في حوران اليوم، يؤكد أنه لا ثورة في الأرض يمكن أن تنهزم عسكرياً، وأنه لا ثورة في الأرض لها مطالب اجتماعية وسياسية واقتصادية متجذرة العمق والدلالة يمكن أن تنهزم بقوة الاحتلال العسكري الداخلي أو الخارجي، وما يجري اليوم في حوران يؤكد أن العملاء والخونة -مهما انتفشوا وتطاولوا ونالوا من دعم داخلي وخارجي- إنما هم فقاعة مآلها النسيان والتبخر، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وكفى بعشرات الآلاف من الشهداء الذين رووا أرض حوران من أجل الحرية والكرامة والعزة، دليلاً على انتصار ثورة كهذه بإذن الله.

الكتابات التي زيّنت جدران حوران من جديد، والقائلة إن الثورة مستمرة، وإن الحرية قادمة، بالإضافة إلى الإشادة بالثورة والثوار بشكل عام، تؤكد أن روح حمزة الخطيب لا تزال ترفرف فوق حوران، وأن الدماء والدموع التي سالت على جنبات حوران لا يمكن لها أن تجفّ، أو تُباع في سوق النخاسة التي أرادها لها بعض المتاجرين بدماء الثورة إرضاء للمحتل الأجنبي، فالثورات قد تخبو كالحصان الذي يكبو، ولكنها لا تموت، فهي فكرة متجذرة في نفوس من أطلقها، وضحّى ولا يزال يضحي من أجلها، فكيف إن سقاها بدمائه ودموعه وعرقه، فكانت نتيجتها دماراً وخراباً وتشريداً وقتلاً في كل بيت شامي، مما يشكّل وقود حقد لا يخبو على مدى قرون، فضلاً عن سنوات.

أتت المعاملة الفظّة والوحشية المعروفة عند العصابات الطائفية لكل من استسلم لها وصالحها، لتنعش ذاكرة من وثق بها لفترة ووثق معها بالمحتل الروسي الذي ضمن لها هذه المصالحات، فبدأت المقاومة الجنوبية الحورانية سريعاً، رداً على هذه المعاملات، ورداً على غيرها، لتعلن المقاومة عن ذاتها من خلال عمليات نوعية، تطورت إلى استخدام قاذفات الـ «آر. بي. جي» على حواجز العصابات الطائفية، وهو ما جعل العصابات الطائفية تتحسس رأسها وذاتها، كون المتصالحين أصبحوا بين ظهرانيها، وبالتالي عليها أن تشكّ بكل من صالح وبكل من سالم وانضم إلى صفوفها، وهو ما ظهر لاحقاً بهروب بعض المتصالحين من حواجز العصابات الطائفية في ريف اللاذقية، وقتلهم لعدد من قوات العصابات قبل أن يلتحقوا بقوات الثوار في جبل الأكراد.

لم تقتصر هذه المقاومة على الحوادث الفردية المنعزلة كما أرادها البعض، وإنما امتدت إلى القيادات الثورية التي صالحت ووثقت بالعصابات الطائفية بضمانات روسية، فلجأ أحد قادة المتصالحين في الغوطة إلى الهرب بدعم من قيادات حزب الله الفاسدة مقابل الأموال، فتم تهريب القائد إلى لبنان، ليحذّر من خلفه ومن وراءه من مخاطر الوثوق بالمصالحات والمساومات، فلا يزال أهل الغوطة يذكرون المعاملات الوحشية لكل منطقة تمردت على العصابة المجرمة، ولا يزالون يذكرون حرمان كثير من المناطق من أبسط وسائل الحياة من مياه وكهرباء، ولا يزال البعض يذكر أهالي أبوالضهور في إدلب، يوم قبلوا أن يرجعوا إلى مناطق العصابة، فتم أخذ مبلغ من المال على كل رأس غنم يدخل مع الأهالي، فضلاً عن الضريبة التي دفعها أهالي المنطقة ذاتها.

لن تموت ثورة الشام، ولن تموت أية ثورة من أمثالها ما دامت الثورة فكرة، وما دام وقودها جديداً متجدداً دماء أهلها وعذاباتهم ودموعهم، ومعها وقود آخر يمدها به أعداء الثورة من إجرامهم وغبائهم وحقدهم، وهو ما يراكم الوقود ويجعل عجلة الثورة أسرع وأقوى وأبعد مدى، ولعل التوترات الدولية والإقليمية والداخلية للدول المحتلة المساعدة للعصابة الطائفية تشكّل أملاً جديداً للثورة والثوار، فليس هناك من محتل دام واستقر، فلا بد له أن ينشغل بنفسه في لحظة ما، وبالتالي ينشغل عن مساعدة عملائه ووكلائه، وتلك سنّة الله في كونه، وما على الطرف الآخر -الذي هو الثورة والثوار- إلا التسلح بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قال: «إن هذه الحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث»، وهو المجاهد المرابط الذي ينتظر لحظة تاريخية يضعف فيها عدوه وخصمه، وينشغل فيها بنفسه أو بغيره عن الثورة، فيهتبلها الثائر من فرصة سانحة لتحقيق اختراق لصالح ثورته وأمته.;

==========================

هل تُستأنف الثورة الشعبية في سورية؟

عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 5/12/2018

انطلقت الثورة السورية في العام 2011، من أجل تغيير الأوضاع المتدهورة في البلاد؛ تغيير الوضع الاقتصادي وإيقاف سياسات اللبرلة والفساد واحتكار الثروة لصالح مافيات محدّدة، ومن أجل إنهاء حكم الأجهزة الأمنية، وليكون السوريون مواطنين، كما الأفراد في الدولة التي تحتكم للمواطنة والديمقراطية؛ وكذلك كان هناك شرط ثوري عربي عام. كان الأمل عظيماً، وأن سقوط نظامي تونس ومصر سيتبعه سقوط النظام السوري.  لم يكن أمام النظام، وقد رأى السقوط والثورات والثورة في سورية إلا اجتثاثها، وهذا تطلّب منه تشويهها وأسلمتها وإطلاق جهادييه وعسكرتها، واستجلاب تدخل خارجي وتغيير ديمغرافي وتسييس الهويات والاعتقال والقتل بكل أشكاله. اجتثاث الثورة هو الهدف إذاً، وقد شكل غياب أي مشروع للإصلاح لدى هذا حلف النظام سبباً لتهجير السكان وتدمير المدن وإشعال حروب لا متناهية، وأن هذه الممارسات (برأي الحلف) ستُجبر العالم على التسليم ببقاء النظام والتصالح معه، وإغلاق صفحة الثورة، واستعادة البلاد تحت سيطرته.

ضعف النظام وتغيّر طبيعته حولاه إلى آلة حربٍ وفساد ونهب وتبعية؛ فتدخلت كل من إيران وروسيا لحمايته، ولحماية مصالحهم، وتعزيز دوريْهما الإقليمي والعالمي، وهذا ما سمح ببقاء النظام، لكنه تحوّل إلى أداةٍ لخدمة هاتين الدولتين. شكل غياب أي استجابةٍ دوليةٍ للاعتراف بالنظام مجدّداً، وتقديم الأموال للإعمار، سبباً مفسّراً لغياب الحل، وتأجيله إلى أن يحصل التوافق الإقليمي والدولي على شكل النظام الجديد. النظام الذي تحوّل جيشه إلى مليشيا للتعفيش والقتل والاعتقال ليس لديه أي قدرة على تأمين الخدمات، وإقامة علاقات طبيعية مع الشعب. المناطق التي استعادها تشهد على تدميرها وتخريبها وتهجير أهلها.

شذّت درعا عن ذلك، لكونها مدينةً حدوديةً، وهناك إسرائيل في الغرب، وروسيا التي تدخلت من أجل حسم المعركة وتحقيق المصالحات، وهذا ما أوقف المعارك، وأطلق عملية مصالحات واسعة. لم ترفضها الفصائل ورحب بها السكان، لكن ذلك يتطلب الاعتراف للناس بحقوقهم وإيقاف سياسات الاعتقال، ولنقل تغيير شكل العلاقة مع المدينة. وهنا نُذكِّر أن المظاهرات اتسعت في 2011، بسبب رفض النظام الاعتراف بحقوق الناس ومحاكمة محافظ درعا، عاطف نجيب، لإهانته كراماتهم، ورفضه إطلاق الحريات والتحول الديمقراطي. لم يتحقق ذلك، واستخدم النظام الحل الأمني العسكري حينها، وهذا دفع السوريين إلى توسيع مظاهراتهم، وتحوّلت إلى ثورة، وغيّرت من مطالبها من إصلاح النظام إلى إسقاطه.

"سيطر النظام على مدينة درعا، لكنه لم يفهم أن عليه أن يغيّر من طبيعته الأمنية"

سيطر النظام على مدينة درعا، لكنه لم يفهم أن عليه أن يغيّر من طبيعته الأمنية، بل وراح يرسل قادته الأمنيين لتهديدها، والبطش فيها مجدّداً. أيضاً، لم تفهم إيران أن التوافقات الدولية تفرض خروجها نهائياً من غرب سورية، بل ومن كل سورية. تؤكد المعلومات بقاءها في درعا، وتشكيلها مليشيات خاصة بها، وفتح حوزات دينية، ورافق ذلك كله اعتقال بعض قادة الفصائل الذين صالحوا النظام، وبحماية روسية. ويضاف إلى ذلك كله غياب أي شكل للإعمار أو فرص العمل، وبالتالي ماذا سيكون خيار الناس وقد وجدوا أنفسهم مجدداً، وبعد كل تضحياتهم من 2011 وإلى 2018، أليس المقاومة مجدّداً؟ فعلاً بدأ بها، وتنتشر المؤشرات على توسع نشاطاتها، وقيامها بعمليات عسكرية في أكثر من بلدة، ويرافق ذلك تذمر شعبي واسع من سياسات الاعتقال، وغياب فرص العمل، وقتل بعض المعتقلين، وتقديم بعض الملتحقين بجيش النظام مقدمة في المعارك، وبالتالي قتلهم.

سياسات النظام هي ذاتها في كل المناطق التي استعادها، ورفض إعطاء الأمان للاجئين في لبنان، ليعودوا إلى قراهم وبلداتهم، ولا سيما في ريف حمص الجنوبي، حيث القصير وقراها، وأيضاً في الزبداني ومحيطها، وأيضاً في الغوطتين، الشرقية والغربية، ومن يعود في الأشهر الأخيرة، فهو مجبرٌ وليس بإرادته الحرّة! إذاً ليس في جعبة النظام حل، أو تغيير، وتؤكد كل ممارساته الأمنية والعسكرية الأمر ذاته. لا يحاول هذا النظام حتى النجاة بنفسه، ولهذا تتجدّد المقاومة.

قلت أعلاه إن النظام أصبح أداةً لصالح كل من الروس والإيرانيين. وهنا نجد أن روسيا، وهي التي تفرض عليها أميركا وأوروبا عقوباتٍ اقتصادية، وهناك خلاف كبير معها في سياساته العالمية وفي سورية وأوكرانيا وبالموقف من ايران، أقول إن روسيا ذاتها لا تريد الاستفادة مما تحقّق لها في المدن التي أصبحت تحت سيطرتها، ولا سيما في درعا. هي دولة قمعية، وإمبريالية، ولا تعنيها مصلحة الشعوب، وهي ضد ثوراتهم، وهو ما أعلنته مراراً وتكراراً، ولكن رفضها إصلاح النظام مقدمة للحل، وعدم وضع حد لممارسات أجهزته العسكرية والأمنية، سيعمّق بالتأكيد التذمر الشعبي، وقد بدأت معالمه في درعا.

"روسيا دولة قمعية، وإمبريالية، ولا تعنيها مصلحة الشعوب، وهي ضد ثوراتهم"

هل سيتطور التذمر الشعبي؟ أعتقد أن ظروف المدينة، وعلى الرغم من سياسات النظام الأمنية، لا تسمح بتوسّعه، ولكن إطالة أمدها ربما سيسمح بمظاهراتٍ عارمة مجدّداً، فهناك حقوق لم تُنجز، وقد ذكرت أعلاه. تتكرّر هذه المسائل في كل المحافظات، وبالتالي هناك غضب شعبي واسع، وإن لم يُعلن عن نفسه الآن، لكنه سيظهر لاحقاً لا محالة.

هناك إجماع بين المحلّلين على أن الحل في سورية أصبح بيد التوافق الإقليمي والدولي، ولكن هناك تذمرا شعبيا وبداية مقاومة أيضاً. وبالتالي السؤال السياسي الذي تتداوله أطياف المعارضة: ماذا نفعل، وما العمل؟ بكل بساطة، بدأ الناس، وعليكم تشكيل داعم ورافد لها، والتخلص من السياسات الانتهازية والفساد والتبعية للدول الخارجية. قلت لا أجد أنَّ التذمر سيتوسع، ولكن قد ينفجر بوجه النظام والمعارضة والدول الاحتلالية؛ وهذا سيكون بحكم الضرورة، بسبب رداءة النظام والفصائل في كل سورية. لاحظ سياسات الفصائل في الحسكة وجرابلس وعفرين وإدلب وسواها؛ إذا سورية بكل مدنها وبلداتها وقراها تتطلب مشروعاً وطنياً، يُنهي مأساتها ويستجيب لكل مطالب الشعب، وبكل قومياته؛ وهذا وحده ما سيسمح بتجدّد الانشغال بالوطنية السورية. فهل يعي المنشغلون بالسياسة والثقافة حاجات سورية هذه؟

==========================

انهيار نظام العدالة الدولي

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء  4/12/2018

يمكن القول إن ما جرى ويجري يوميا في سوريا كان له الأثر الكبير في إثارة الشكوك في مدى جدية نظام العدالة الدولي تحقيقاً لمبدأ "Never again" أو "ليس مرة أخرى" الذي ساد بعد مذابح الهولوكست ومن ثم المجازر الرهيبة في حرب البلقان والإبادة الجماعية التي حصلت في رواندا عام 1994.

فقد تطور النظام الدولي بعد ما ارتكب من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في يوغسلافيا سابقاً؛ باتجاه ما يعرف بمبدأ حماية المدنيين ومنع وقوع جرائم الإبادة قبل معالجة آثارها ونتائجها بعد وقوعها، فتأسست محكمة الجنايات الدولية في عام2002، وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مبدأً بات يعرف بمبدأ حماية المدنيين(Responsibility to Protect) في عام 2005، متجاوزة المبدأ التقليدي في حماية سيادة الدول وإدراك أنه عندما ترتكب الأنظمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فإنها تفقد سيادتها ويصبح لزاماً على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في اتخاذ كل التدابير الضرورية من أجل حماية المدنيين ومنع وقوع الجرائم بحقهم.

لقد ترك المجتمع الدولي السوريين كي يعيشوا الألم وحدهم، يُقتلون يومياً بأنواع مختلفة من الأسلحة لا قبل لهم بها، فالقصف الجوي بالطائرات الحربية المقاتلة والسلاح الكيماوي وحصار الجوع والصواريخ والقنابل العنقودية وغير ذلك من الأسلحة التقليدية وغير التقليدية كلها حصدت أرواح أكثر من 600 ألف شخص إلى الآن وربما يكون العدد أكبر من ذلك بكثير، كما كثف الأسد ومن بعده النظام الروسي استخدامهما للصواريخ بعيدة المدى والقنابل العنقودية ضد المناطق التي خرجت عن سيطرته غير عابئين بعدد الأرواح التي يمكن أن تحصدها هذه الصواريخ وغير مكترثين لحجم الدمار الذي يمكن أن تخلفه في المناطق السكنية والبنى التحتية، هذا فضلاً عن ترسانة كاملة من الأسلحة المحرمة دولياً والتي استخدمت وتستخدم يومياً بحق الشعب السوري من القنابل العنقودية والفراغية إلى الألغام الفردية والبحرية وغيرها.

لقد ترك المجتمع الدولي السوريين كي يعيشوا الألم وحدهم، يقتلون يومياً بأنواع مختلفة من الأسلحة

وحتى إذا ما قورن ما يجري في سوريا - على اعتبار أنه حرب أهلية - بعدد من الدول التي شهدت حروباً أهلية، (رغم القناعة التامة لدى كثير من السوريين ببعد هذا المصطلح تماماً عما يجري داخل الأراضي السورية إذ يعتبرونها ثورة شعبية ضد نظام استبدادي قطعاً)، سيلاحَظ بمقارنة بسيطة لعدد الضحايا في سوريا مع عددها في بلدان أخرى عاشت ظروف حرب أهلية حقيقية كالبيرو على سبيل المثال التي امتد فيها الصراع المسلح بين الدرب المضيء المدعومة من الأرياف وبين الأجهزة الأمنية الحكومية التي قررت القضاء على الإرهاب بما أسمته إرهاب البيئة الحاضنة  لمدة عشرين عاماً (من عام 1980 وحتى عام 2000) وبلغ عدد القتلى أكثر من 70 ألفا وفقاً لتقرير لجنة الحقيقة والمصالحة النهائي، في المقابل وفي سبعة أعوام بلغ عدد القتلى أكثر من 600 ألف، أكثر من 90 في المئة منهم من المدنيين.

لقد سُمح للأسد بالاستمرار في حربه ضد الشعب السوري بضوء أخضر من المجتمع الدولي ولذلك فإن عدد الضحايا و القتلى سيكون مرشحاً للازدياد بشكل يومي بسبب التزايد الملحوظ للعنف والارتفاع الكبير في عدد المختفين قسرياً والمعتقلين الذين هم عرضة للوفاة تحت التعذيب الشديد كما تشهد حالات مماثلة يومياً ومنذ بداية الثورة، إذ لم تكف آلة التعذيب عن حصد ضحاياها بشكل يومي في مؤشر على مدى وحشية الأجهزة الأمنية التابعة للنظام واستخفافها الكامل بالأرواح البشرية للسوريين.

فالبعد الرادع التي توقعنا أن تقوم محكمة الجنايات الدولية به قد انتفى تماماً مع استمرار الأسد بجرائمه

هذا يعني فشل نظام العدالة الدولي الذي اعتقدنا أنه كاف أو قادر على حماية المدنيين ومنع تكرار جرائم الإبادة أو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فحدوثها في سوريا بهذا التكرار وبهذا الحجم وهذا العدد الكبير من القتلى المدنيين يظهر فشل نظام العدالة هذا ويدفعنا مجدداً إلى التفكير في أفضل الإجراءات لمنع تكرار ما حصل في سوريا مجدداً في دولة أخرى قادمة.

فالبعد الرادع التي توقعنا أن تقوم محكمة الجنايات الدولية به قد انتفى تماماً مع استمرار الأسد بجرائمه بشكل يومي وبنفس الوقت فشل مجلس الأمن بسبب انقسامه في إحالة هذه الجرائم للمحكمة جعل المحكمة بدون أي تأثير أو فعالية لما يجري في سوريا، وبنفس الوقت غياب أي منظومة إقليمية للعدالة على المستوى العربي جعل هذه الجرائم تتكرر بشكل يظهر المنطقة بأكملها وكأنها منيعة على العدالة حصينة على المحاسبة وهو يظهر مدى التأخر مقارنة مع منطقتي أمريكا اللاتينية أو أفريقيا إذا لم نرد أن نجري المقارنة مع أوروبا أو أمريكا الشمالية.

كل ذلك يدفعنا إلى التفكير مجدداً اليوم كيف يمكن أن نفكر بما جرى في سوريا على المستوى الدولي وكيف يمكن أن تكون سوريا درساً لعالم أكثر عدالة وإنسانية. 

==========================

جليد أستانا: "إنجازات" اضطرارية وإخفاقات متعمدة

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 3/12/2018

قلة أولئك المغرَمون بـ "أستانا"؛ وما كان كثيرون يتطلعون إلى نتائج خارقة أو إنجازات كبيرة منها بخصوص القضية السورية؛ على العكس تماماً، كُثُرٌ أولئك الذين لم يروا في أستانا إلاّ مساراً ابتدعه الروس لاغتيال مسار جنيف، وزهق الحق السوري. الأتراك مشكورون- تعهدوا بضمان الفصائل- يذهبون إليها اضطرارا للحد من الخسائر ولكبح جماح وغلواء الروس في استباحة هذا الحق. ولم يكف الروس كل ذلك، بل زادوا في الطنبور نغماً بإقحامهم إيران كراعٍ في أستانا.

أستانا اقتطاع خبيث من القرارات الدولية الداعية في أول وأهم بنودها إلى {وقف لإطلاق النار في سوريا}. بعد /اتفاق أنقرة/ حيث كانت تركيا ضامنا لفصائل الجيش الحر، وروسيا ضامنا للنظام؛ وبعد تحوٌل فكرة "وقف إطلاق النار" إلى ما اصطُلِحَ على تسميته بـ "مناطق خفض تصعيد"، وبعد إدخال إيران كضامن ثالث، وبعد تَدبُر روسيا وإيران ابتلاع النظام لتلك المناطق واحدة بعد الأخرى؛ حَضَرَت إدلب بكل ثقلها والثقل التركي كمنطقة خفض تصعيد رابعة. استمات الإيرانيون كي لا يتم اتفاق في إدلب. توعدوا أن ينسفوا

إيران وافقت مضطرة بسبب عزلتها، ورغبة الجميع باقتلاعها من سوريا. وروسيا- أيضاَ- لا خيار آخر أمامها؛ فإن هي أخلّت في ذلك الاتفاق، فمعناه خسارة تركيا- الأمر الذي يصعب احتماله

أي اتفاق يتم بخصوصها. وفعلاً لم يتم في أستانا إلا تلصيقاً ورفع عتب، بل تم في "سوتشي" وفقط بين الجانب الروسي والجانب التركي في السابع عشر من أيلول الماضي، ودون حضور الضامن الثالث- إيران. لقد أتت "أستانا" 11 لتثبيت هذا الاتفاق - وبحضور العابث الإيراني. تأتي بعد أن قِيل إن أستانا استنفدت أغراضها.

إن نظرة سريعة إلى البيان الختامي لـ /أستانا 11/ توحي بأن نتائجه كانت مزيجاً من الإنجازات الاضطرارية والاخفاقات المتعمدة؛ وكل ذلك كان مُخرَجاً بعناية فائقة. كان الإنجاز الاضطراري الأهم تثبيت وقف إطلاق النار في منطقة إدلب، والتمني أن يتحول ذلك إلى سلام دائم” lasting peace”. هنا إيران وافقت مضطرة بسبب عزلتها، ورغبة الجميع باقتلاعها من سوريا. وروسيا- أيضاَ- لا خيار آخر أمامها؛ فإن هي أخلّت في ذلك الاتفاق، فمعناه خسارة تركيا- الأمر الذي يصعب احتماله.

في الإنجازات الاضطرارية كان استخدام عبارة "جهات انفصالية" التي تأتي أستانا على ذكرها لأول مرة. وهذا الأمر يرضي تركيا جداً ويتجاوب مع مخاوفها؛ ولكنه في الوقت ذاته يحرم النظام وإيران وحتى روسيا من ورقة طالما تلاعبوا وهددوا بها على الدوام. والملفت الاضطراري الثالث كان إدراج بند يتعلق باستخدام السلاح الكيماوي؛ ولكن لم يكن الوقت كافياً (مسرحية غاز حلب)، ولا كانت المسرحية ناضجة أو قابلة للتصديق أو ذات قيمة كي تتم الاستفادة منها أكثر.

كان الأسوأ في أستانا 11 تحويل أمور أساسية /القضايا الإنسانية/- وعلى رأسها قضية المعتقلين، والتي وُجِدَت أستانا أصلاً من أجلها- إلى أمور مكرورة وبلا قيمة. ويبدو –بفعل وإصرار نظام الاستبداد بدمشق، وأزمته الحقيقية تجاه هذا الموضوع- أن هناك نيّة متعمدة إلى جعل هذا الملف بلا قيمة عبر ذكره المتكرر في بيانات أستانا، ولكن دون أي قيمة جوهرية أو إنجاز يُذكَر على الأرض، ليصبح كتكرار مشاهدة العنف بحيث تتبلد المشاعر والأحاسيس؛ ولا يعود للموضوع المطروح أي قيمة تذكر، أو أي استرعاء لأي اهتمام حقيقي.

الإضافة الجديدة في هذه الأستانا؛ والتي لا تقع في حقل الإنجازات الاضطرارية، ولا الإخفاقات المتعمدة، بل في حقل التكتيكات الروسية الركيكة وربما الخبيثة، والتي تتحدث عن "إعادة اللاجئين" السوريين، و"إعادة الإعمار"، ورفع- ما سمّاه البيان الختامي لأستانا- الحصار عن سوريا. ربما يندرج هذا البند في الأمور الإنسانية التي وُجِدَت أستانا أساساً من أجلها؛ وهذا هام جداً؛ ولكن كيف لِمَن لم يطبق أياً من البنود الإنسانية التي تكفلت بها أستانا أن يذكر أموراً إنسانية جديدة هو ذاته المتسبب

فَشِلَ أستانا 11 في إنجاز اللجنة الدستورية، وخاصة أن "اللجنة الدستورية" منجز روسي بامتياز وحصرية؛ وهي ذاتها وليدة /مؤتمر سوتشي/ شقيق أستانا بالرضاعة

في تحويلها إلى ملفات كارثية؟! فمَن اقتلع وهجَر تلك الملايين إلا "السوخوي والميغ"؟ ومن دمر نصف سوريا إلا "السوخوي والميغ"؟! ومن استجلب الحصار إلا إجرام النظام؟! حرياً بهذا البند الروسي أن يكون مرفقاً بعودة المعتقلين إلى بيوتهم، وبتهيئة البيئة الآمنة لعودة اللاجئين ولإعادة الإعمار؛ على الأقل بالوقف الفعلي للتدمير والتهجير الذي كان يُمارس خلال انعقاد أستانا ذاتها.

فَشِلَ أستانا 11 في إنجاز اللجنة الدستورية، وخاصة أن "اللجنة الدستورية" منجز روسي بامتياز وحصرية؛ وهي ذاتها وليدة /مؤتمر سوتشي/ شقيق أستانا بالرضاعة. بعد تلوُّن السيد "ستافان دي مستورة" باللون الذي تشتهيه موسكو، توقّع البعض أن يمنحه الروس في أستانا 11 الموافقة على التشكيل النهائي للجنة الدستورية كجائزة نهاية خدمة. لم ينل السيد دي مستورة هذه "المكرمة"؛ وعليه الآن- ولو لمرة واحدة وأخيرة- أن يستنهض إحساسه وكرامته بأن يسمي الأمور بمسمياتها، ويقول في إحاطته أمام مجلس الأمن إن نظام دمشق وبدعم من روسيا؛ وبسبب بهلوانية فيها الكثير من الجبن والنذالة من جانب حضرته فشلت مهمته وحرم سوريا من السلام؛ وتسبب بزهق الكثير من الأرواح.

==========================

ماذا بعد 11 جولة في أستانة

ماجد كيالي

العرب

الاثنين 3/12/2018

لم يكن من المتوقّع نجاح الجولة الـ11 من المفاوضات السورية-السورية، في مسار أستانة، الذي افتتح في يناير 2017، بإرادة ثلاث دول منخرطة في الصراع السوري هي روسيا وإيران وتركيا، إذ أن أيا من الجولات السابقة لم تحقّق أي نتيجة تذكر.

وكان مسار أستانة وضع على عاتقه عدة مهمات، أولاها وقف القتال، بمصطلحات تخفيض التوتّر أو التصعيد. وثانيتها إنهاء الجماعات الإرهابية. وثالثتها حل القضايا الإنسانية؛ الإفراج عن المعتقلين، وتأمين المساعدات الإنسانية للمناطق المحاصرة. ورابعتها التمهيد لحل سوري يتأسس على عودة اللاجئين وإعادة الإعمار والتوافق على دستور، على خلاف مسار جنيف الذي يتوخى تحديدا إحداث تغيير سياسي متوافق عليه لوقف الصراع السوري.

ورغم الشبهات التي اكتنفت مسار أستانة، الذي خرج عن منطوق القرارات الدولية المتمثلة في بيان جنيف للعام 2012، الخاص بتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وقراري مجلس الأمن الدولي 2118 (سبتمبر 2013)، الذي جاء بعد قصف الغوطة بالسلاح الكيمياوي، و2254 (أواخر 2015) الذي وضع خطة تفصيلية ومحددة زمنيا لحل الصراع السوري، إلا أن الدول المنخرطة في هذا المسار لم تلتزم بتعهداتها المذكورة سابقا، ولا في أي شكل، ناهيك أن كل واحدة من تلك الدول (روسيا وتركيا وإيران) لديها أجندة تختلف عن الأخرى في سوريا وتبحث عن تعظيم أوراقها فيها، بدل إيجاد حلول للصراع القائم منذ ثمانية أعوام.

مثلا، فإن الهدف المتعلق بوقف القتال أو تخفيف التوتر أو التصعيد، لم يتحقق إطلاقا، من قبل كل الأطراف، إذ شهدت تلك الفترة ذروة تدخل الدول الثلاث، الضامنة لمناطق خفض التصعيد، في الصراع السوري، لا سيما روسيا التي صعّدت غاراتها الجوية على مناطق المعارضة، غير مبالية بالاتفاقات المذكورة. كما صعّدت القوات والميليشيات التابعة لإيران هجماتها على المناطق الخاضعة لفصائل المعارضة المسلحة. أما تركيا فقد عزّزت المواقع التي تخضع لنفوذها في الشمال السوري، لا سيما في إدلب وريفها، بعد عمليتي درع الفرات (أواخر 2016) وغصن الزيتون (2018).

في المحصلة فقد أدت تلك الهجمات إلى خسارة فصائل المعارضة السورية المسلحة للمواقع التي تسيطر عليها، واحدا إثر الآخر، بعد خسارتها حلب، أواخر 2016، وضمن ذلك خسارتها مواقعها في الغوطة وجنوبي دمشق، ثم في درعا، وأرياف حماه وحمص واللاذقية (2018)، بحيث لم يبق للمعارضة إلا منطقة إدلب وريفها، فهي الوحيدة التي بقيت على هذا الوضع من مناطق “خفض التصعيد” الأربع التي تم التوافق عليها منذ صيف العام الماضي بحكم صلتها بتركيا.

ما يفترض التذكير به هنا، في ما يخص الحالة الخاصة في منطقة إدلب، أن تركيا تعتبر بمثابة منطقة نفوذ لها، وورقتها لفرض رأيها بشأن مستقبل سوريا، أسوة بروسيا وإيران.

وفي الواقع فإن تركيا وهي تأخذ هذا الموقف تتطلع إلى اعتبارات عديدة ضمنها، أولا القضاء على نفوذ حزب العمال التركي الكردي، وامتداداته السورية، أي حزب الاتحاد الديمقراطي، من عفرين إلى جبال قنديل في العراق، أي على طول الحدود العراقية والسورية مع تركيا، باعتبارها ذلك جزءا من أمنها القومي. ثانيا تحجيم نفوذ إيران في المشرق العربي ولا سيما في سوريا. ثالثا تعزيز تحالفها مع روسيا بحكم زيادة التدخل الروسي في الصراع السوري. رابعا تعظيم أوراق القوة التي تملكها لتعزيز علاقاتها المضطربة مع الولايات المتحدة.

أما بالنسبة لإيران، فقد كانت ترى في مناطق خفض التصعيد خطرا قد يؤدي إلى تضاؤل نفوذها في سوريا، لذا فهي لم تلتزم بذلك، وعملت كل شيء لاستعادة المناطق المعنية في الجنوب والشمال والوسط إلى حضن النظام، أما في إدلب فوجدت نفسها في وضع حرج، بين تركيا التي لا تريد أن تخسرها، باعتبارها نافذة لها على العالم بعد تشديد العقوبات الأميركية عليها، وبين روسيا التي يمكن أن تخفف من وطأة تلك العقوبات، بحكم مناكفتها للإدارة الأميركية، مع إدراكها أن روسيا تنافسها على امتلاك تقرير شأن سوريا.

في ما يخص روسيا فهي ليست في وضع سهل في سوريا مع كل تلك التعقيدات، لا سيما من قبل تركيا أو إيران، وقد شهدنا أن الرئيس فلاديمير بوتين لم يستجب لطلب الرئيس التركي في شأن الاستمرار في منطقة خفض التصعيد في إدلب، في قمة ثلاثي أستانة في طهران (7 سبتمبر الماضي)، التي جمعته بالرئيسين حسن روحاني ورجب طيب أردوغان، لكنه عاد وتراجع ورضخ لذلك، بعد عشرة أيام في قمة سوتشي الثنائية (17 سبتمبر) التي جمعته بأردوغان (من دون روحاني)، في تأكيد لحرصه على العلاقة مع تركيا، علما أن ذلك جاء أيضا بعد ضغوط المجموعة المصغرة، التي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ومصر والسعودية والأردن، التي أصدرت بيانا في منتصف سبتمبر الماضي حددت فيه موقفها بحل الصراع السوري، باعتبار أنه يتطلب أساسا الانتهاء من الجماعات الإرهابية وإخراج إيران وميليشياتها من سوريا، والشروع في عملية الانتقال السياسي فيها.

يستنتج من ذلك أن أطراف أستانة الثلاثة لا تملك التقرير بمستقبل سوريا، وقد عبر عن ذلك صراحة وزير الخارجية الأميركي باعتبار أن الولايات المتحدة وتركيا تسيطران على 40 بالمئة من سوريا، قاصدا في ذلك شمال سوريا وشرقها، كما يفيد ذلك بأن الأطراف الثلاثة غير قادرة على الاستثمار في الصراع السوري، بتحويل نفوذها العسكري إلى إنجاز سياسي، في إقرار باستحالة ذلك من دون موقف حاسم من الولايات المتحدة، التي تؤكد مرة تلو الأخرى أنه لا يمكن دعم إعادة الإعمار ولا عودة اللاجئين، دون إخراج إيران وميليشياتها من سوريا، ومن دون انتقال سياسي فيها.

أزمة مسار سوتشي لا تتعلق فقط بالفشل في الاتفاق على صياغة لجنة دستورية، فمع دستور أو من دونه، فإن متطلبات الاستقرار السوري لم تتحقق بعد في نظر الفاعلين الدوليين والإقليميين، لذا فإننا سنبقى في ذلك الوضع إلى حين حسم الأطراف المعنية، ولا سيما الولايات المتحدة، لأمرها.

==========================

العلاقات العربية الأوروبية بعد الثورات العربية

برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 3/12/2018

في هذه اللحظة التي تبدو أوروبا أكثر ضياعا، بعد أن تخلّت عنها الولايات المتحدة، والعالم العربي في حالة من الانهيار الشامل، جاء افتتاح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرعه الفرنسي في الوقت المناسب لإعادة الحوار بين "قارّتين"، أو عالمين، كان كل شيء، الجغرافيا، والتكامل الاقتصادي، والتاريخ المشترك، والمصاهرة الثقافية والفكرية، يحثّهما على التقارب والتعاون، لتكوين منطقة مزدهرة حول المتوسط، أو إعادة مجد هذه المنطقة التقليدي، لكنهما عملا العكس، وتحولا أكثر فأكثر إلى عدوّين معلنين وخصمين، ليس لأي منهما ثقة بالآخر.

هكذا سعى باحثون من العالمين، في ندوة عقدت في قاعة محاضرات متحف الفنون والحرف في باريس، (28/11/2018) إلى مراجعة نظرية وسياسية لهذا المسار الطويل من الفشل في بناء علاقاتٍ مثمرة وإيجابية بين الطرفين، والأسباب التي دفعت إليه. ركز باحثون على السياسات الاستعمارية التي حكمت على بلدان المشرق، مصر خصوصا، بأن تبقي على علاقات التبعية، وحرمتها من وسائل التنمية المستقلة، في مقابل ما ركّز عليه الباحثون الأوروبيون، وهم من أصحاب النظرة النقدية، من المخاوف المتزايدة التي تسكن الرأي العام الاوروبي، وتدفع حكوماته، بشكل أكبر، إلى التثبت على أولوية الأجندة الأمنية، وضمان أقصى ما يمكن من الأمان في علاقاتها مع الدول العربية.

وعلى الرغم من الخطابات الدبلوماسية المتبادلة، لا يوجد شك في أن العلاقات بين ضفتي المتوسط تسير من سيء إلى أسوأ. يشهد على ذلك غياب أي سياسةٍ موحدةٍ ونشطة للحكومات الاوروبية تجاه جنوب المتوسط، وغياب التفاعل مع ما يجري فيها من تطوّرات، والابتعاد النفسي بشكل متزايد عن مشكلاتها والاهتمام بمستقبلها. كما يشهد عليه، بشكل أكبر، التطور المتزايد لمشاعر العداء للمهاجرين والمواطنين من أصولٍ عربية، وتنامي قوة اليمين العنصري في معظم الأقطار الأوروبية، وتصاعد لهجة خطابه العدواني. ولا شك عندي في أننا نسير إلى قطيعةٍ متزايدة بين الضفتين، وهو ما يحمل بذور مخاطر كبيرة للجانبين.

عرفت العلاقات العربية الأوروبية لحظات حماسية كثيرة في الماضي، خصوصا بعد حرب

"وضعت أوروبا رهانها على التحالف الأطلسي، وأدارت ظهرها خلال قرن للمتوسط القريب منها، وشريكها التاريخي" تشرين (أكتوبر) 1973، حيث ظهر العرب كتلة قادرة على التعاون والعمل المشترك. وحاول الأوروبيون أن يطوّروا سياسات إيجابية تجاه جيرانهم، مثل اتفاقيات الشراكة الأوروبية والمتوسطية، والحوار العربي الأوروبي، وسياسات الجوار. وعقدت قمم عربية أوروبية، وندوات عديدة، للارتقاء بالتعاون بين الطرفين، في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، بما في ذلك الإعلان عن الاتحاد من أجل المتوسط. لكن كل الآمال تحطمت على صخرة التبعية الأوروبية للسياسات الأطلسية، و "تابو" أو محرّم المسألة اليهودية الجديدة، المتمثلة بالالتزام بعدم المساس بأطماع إسرائيل ومخططاتها الاستيطانية، وتنامي المخاوف من صعود الحركات الإسلامية، السلمية والمتطرّفة معا. ولا تكاد العواصم الأوروبية تُظهر أي اهتمام بمصير الشعوب العربية ومستقبلها، اللهم إلا من زاوية ما يمكن أن يلحقها من مخاطر أمنية وديمغرافية. وسواء شكلت أوروبا فاعلا موحدا أم تصرّفت دولا مستقلة سيدة، يكاد تأثيرها على تطور الأحداث يتضاءل إلى حد الغياب، حتى أن مليشيات طائفية عراقية أو إيرانية تنافسها بمسافات بعيدة في صنع الأحداث في أكثر من بلد من بلدان المشرق، وعلى مستوى المشرق بأكمله.

لم يتراجع الدور الأوروبي، على جميع المستويات، بسبب قصرها تعاونها وعلاقاتها على النخب الحاكمة فحسب، كما ذكرت الباحثة السورية، مانون نور طنوس، بحق، في بحثها القيم عن دور أوروبا وسياستها تجاه سورية، وإنما أكثر من ذلك لأنها تبنّت دعم النظم الديكتاتورية والعسكرية، وجعلت منها الأداة الطيعة لتنفيذ أجندتها الأمنية في الجنوب، والعمل خندق حراسة لها، مع غضّها النظر عن فسادها وسياساتها القمعية والدموية.

خطأ أوروبا لم يكن سياسيا ناجما عن سوء فهمها لتطلعات الشعوب، وضيق أفقها، وحساباتها القصيرة المدى والنظر، وإنما كان استراتيجيا. لقد وضعت رهانها بأكمله على التحالف الأطلسي، وأدارت ظهرها خلال قرن كامل للمتوسط القريب منها، وشريكها التاريخي. وهي تجد نفسها الآن، بعد أن ساهمت في الإخفاق التاريخي للعالم العربي، أمام كتلة من أربعمئة مليون إنسان، فشلت مجتمعاتها جميعا في التحوّل نحو مجتمعات صناعية، منتجة للخيرات وفرص العمل لشبابها، وفي بناء الدولة الحديثة، وحكم القانون والمواطنة، وفي التجدّد الثقافي والروحي، منذورة لعهد طويل من الانتفاضات والنزاعات والهجرات التي لن يقف في وجهها أي إجراء قانوني أو موقف عنصري.

ليست أوروبا المسؤولة الوحيدة عن هذه الكارثة، ولكن كان لسياساتها، منذ العهد الاستعماري 

"على الرغم من الخطابات الدبلوماسية المتبادلة، لا يوجد شك في أن العلاقات بين ضفتي المتوسط تسير من سيئ إلى أسوأ" الأول، وحتى تدخلاتها المتعددة لإجهاض أي مشروع نهضة أو تقدّم صناعي أو تقني عربي، وآخرها في العراق، مرورا بوضع إسرائيل وسياساتها الاستيطانية والعدوانية فوق القانون، على حساب أمن المنطقة وسلامها واستقرارها، كان لهذا كله دور رئيسي في وصول المنطقة إلى الوضع الذي تعرفه اليوم. وجاء موقفها اللاأخلاقي، والغرب عموما، من ثورات الربيع العربي، ليكرّس علاقةً تميزت دائما بالخوف من شعوب المنطقة، من تحرّرها وتقدّمها ووحدتها. لقد لعبت أوروبا دور شد المنطقة إلى الوراء وإلى الأسفل، وإغلاق سبل التقدّم على المجتمعات العربية من وراء خطابات جوفاء ومساعدات هزيلة لتغطي بها على جوهر سياستها الرامية إلى عزل العالم العربي، وتهميشه وإضعافه، لتحييده، والتمكّن من التحكم بمصيره.

(2)

لكن العالم العربي ليس ضحية السياسة الأوروبية الاستعمارية وشبه الاستعمارية فحسب. إنهشريك أساسي أيضا في تفجير أزمته الوجودية، وهو مسؤول عن سوء خياراته وفشله في انتزاع حقه في تقرير مصيره بنفسه أو بمشاركة شعوبه. فلم ينجح في أي فترة في تجاوز نزاعاته وصراعاته الداخلية، والتفريط في الفرص الكثيرة التي قدّمها له التاريخ والجغرافيا، سواء بما يتمع به من وحدة فكرية وثقافية، أو ما يملكه من طاقات، وما يتمتع به من مواقع استراتيجية. ولا تكاد نخبه تبرع بأمر أكثر من براعتها في هدر موارده، وتحطيم مستقبل أجياله.

الأهم من ذلك أنه لم ينجح في التغلب على بقايا الحقبة الاستعمارية، ويتجاوز مشاعر الغبن والخديعة التي تكبله، وتبقيه يعيش في الماضي، بدل أن يتقدّم إلى الأمام، ويواجه أوروبا بروح الندّية، ويجبرها على احترام حقوقه في التقدّم والتنمية والاتحاد. ولن تخدم سياسة الخوف على الهوية والرد على العداء الغربي بعداء مماثل سوى في الوقوع في الفخ ذاته الذي نصبته أوروبا له، كيما يهدر موارده ووقته في الصراعات والحروب الداخلية والخارجية، ويخسر رهان التقدّم والاندراج في ثقافة العصر وحضارته.

كلما تفاقمت القطيعة مع أوروبا، والغرب عموما، تعمّق الحلف البنيوي بين حكوماتها والنظم الاستبدادية في المنطقة العربية، وانعكس تفكّكا أكبر على العالم العربي، داخل دوله وفيما بينها، حتى أصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كان هناك معنى للحديث عن عالم عربي منظم، يصلح للتعامل معه كوحدة، أو يملك مشروعا مشتركا، كما بدا في عقودٍ سابقة، أم أن الأمر خرج من أيدي الشعوب، وتحولت الدول إلى إمارات حربٍ ومزارع شبه عبودية. وحتى القضية الفلسطينية، التي كانت تشكل موضع إجماع لشعوبه ودوله، تبدو اليوم مصدرا للاختلاف والانقسام والتباعد. وفي الوقت الذي حطمت انتفاضات الربيع العربي عقد المهادنة والإذعان الذي قام عليه الاستقرار في الأقطار العربية، وفتحت طريق الحرية، تكاد الثورات المضادة المدعومة من أوروبا والغرب تفجّر هياكل الدولة فيها، وتعطّل مؤسساتها، إن لم يفجر المجتمعات ويمزق نسيجها الاجتماعي، ويدخلها في نزاعاتٍ أهلية، يصعب التنبؤ بنهايتها. وفيما وراء ذلك تكاد قضايا الصراعات الجيوستراتيجية المرتبطة باندلاع الصراع على السيطرة على الشرق الأوسط تحول المنطقة إلى ساحة حربٍ لا تترك أمل لأي طرف، حكومي أو شعبي، بالبقاء بعيدا عنها، أو تجنب الانخراط فيها.

لن يقود تجاهل أوروبا العالم العربي الذي رسمت هي، أكثر من أي قوة عالمية أو داخلية

"تبدو أوروبا أكثر ضياعا، بعد أن تخلّت عنها الولايات المتحدة، والعالم العربي في حالة من الانهيار الشامل" أخرى، معالمه وشروط تطوّره ومصيره، إلا إلى تفاقم القطيعة بين العالمين، وفي موازاتهما الكراهية من طرف والعنصرية من الطرف الآخر. ولن يحل ذلك مشكلة الأمن في الدول الأوروبية، ولا مشكلات التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي في البلاد العربية، لكنه سيصب النار عليها ويفجرها كما لم يحصل من قبل.

ليس لأوروبا خيار آخر، إذا رغبت في ضمان مزيد من الأمن والأمان والاستقرار على أراضيها من العناية بتطوير محيطها وتحويله من عبءٍ وعالةٍ ومنبع مخاطر وتهديدات من كل الأنواع إلى شريك اقتصادي واستراتيجي وثقافي بكل معنى الكلمة. وفي المقابل، ليس للعالم العربي مخرج من الأزمة الشاملة التي تطحنه على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية سوى التحرّر من موقف المستعمَر (بفتح الميم) المسكون بأشباح الماضي وذاكرته السلبية، والانخراط في شراكةٍ تاريخية، للعودة إلى مسار التقدم والبناء والتمدن، بالتفاهم مع القارة ذاتها التي تسببت في خرابه.

الخيار الآخر أن تترك أوروبا المنطقة، التي كانت دائما شريكها التاريخي وجارها القريب، للروس والأميركيين والصينيين، الذين لن يتردّدوا في استخدامها قاعدة لا تقدّر بثمن لتطويق أوروبا وتهديدها.

يستحق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات التحية على مبادرته التي جاءت في وقتها لفتح الحوار بين ضفتي المتوسط، وتجنيب مجتمعاتهما مخاطر وإغراءات إعادة تأهيل الاستراتيجية القديمة والمدمرة القائمة على دعم النظم الدموية والقمعية ضد شعوبها، والتي سيكون الخاسر الأكبر منها أوروبا نفسها. ... فلا تُبنى سياسة على الأحقاد، ولا يقوم تعاون على الخوف والازدراء.

==========================

الطوف السوري السائل

سمر يزبك

العربي الجديد

الاثنين 3/12/2018

إلى من رحلوا، وهم يحاولون الابتكار لتقديم صورة سورية كريمة

ست سنوات مضت على حادثة بعد الظهيرة. زمنٌ معلق. متأرجحٌ بين شفرتي الدهشة والزوال. زمنٌ منسوب لبشرٍ يحشون أحشاءهم بالقهرمردّدين: المصائب تُحيي العظام، سنعيش خفّة الهواء! وهكذا، يوماً بعد يوم، صاروا حجارة. بشر جمعتهم يوماً ما حدود وهوية، "أنا" يسخر منها الغالبية باحتقار مشوب باليأس: "أنا جامعة".

المكان؛ قرية كفرعويد في ريف إدلب "الخضراء"، وكم قرأنا عنها في كتب "البعث" والمناهج الدراسية المزيّنة بأشجار زيتونها. تقع قرية كفرعويد قرب بلدة معرة النعمان، إذا ما اعتمدنا التقسيم الإداري الذي عرفناه سابقاً.

الساعة الثالثة ظهراً. اليوم السادس عشر من شهر سبتمبر/ أيلول سنة 2012، تسقط القذائف، وقد اعتاد أهل القرية أمراً كهذا، لربما هي براميل. لنا ذاكراتٌ عديدةٌ كالعادة في يومياتنا نحن السوريين. الأكثر احتمالاً أنها قذائف، تلك التي سقطت ظهيرة ذلك اليوم في قرية كفرعويد. لا عسكر هنا، إنها منطقةٌ آهلةٌ بالمدنيين، والمستهدف كان مخبز القرية الآلي، حيث يجتمع الناس لشراء عيشهم. قتلت القذيفة ثمانية أشخاص، نساء وأطفال من عائلة مغلاج، لتسمّى المجزرة باسمهم.

مؤقتٌ ما بقي في الذاكرة، قبل أن يضيع في زحمة الرؤوس؛ إنه رأس فاطمة مغلاج. إذن، شكّل جسد الطفلة مقطوعة الرأس العلامة الأبرز في تلك المجزرة. لا تخبرنا صورتها الكثير. إنها بكماء. يابسة التعبير، ولا تُحيلنا إلى ابتداع تعبيرات رثاءٍ غنائية، فالعنف المُتجاوز حدود المعقول كان من الفداحة بمكان كي تموت اللغة. جسد بلا رأس لطفلةٍ بدت مثل شيء. غرض ما، تم عرضه باعتيادية أمام عين الكاميرا. وضعية جسدها جعلتنا نخمّن اللحظة المفاجئة التي طار فيها رأسُها. جسد مفرود باستقامة حادّة. لا انحناء في حركة الأطراف. تضاريس أفقية مشدودة إلى حد الشدّة. جسد ينزع قلب المُحدّق فيه فقط! "كولون" أبيض يغطّي ساقيها، في منتصف شهر أيلول، حيث النسيم باردٌ في الريف الأخضر، والمكان مثاليٌّ للحلم بالسعادة لأطفال تلك القرية النائية، لولا قصف الطائرات. وقد كان أيضاً مثالياً للحلم بالسعادة، لولا السياسات التي أغرقت الأرياف بفقرٍ فوق فقرٍ، تحت شعار الانفتاح الاقتصادي، الذي تم تداوله كإشارة لعهد الأسد الابن، في عملية تحديثٍ مُدّعاة.

ليس علينا استحضار الأمر الآن، إنه وحشيٌّ بما لا يناسب إنسانيتنا المرهفة! قرأناه كثيراً في

"أطلق السوريون صرخة الاستغاثة والحشرجة. طارت بهم الأرض، انفصلوا عن الكوكب" التاريخ، يموت المدنيون في الحروب، وهم ضحايا العسكر، ولا بد من تقبل القرابين، لأنها جوهر الاستمرار في العيش. لم تأت البشرية بجديد. لقد كنا هكذا دائما متوحشين! هذا رأيٌ يحبه كثيراً مروّغو الحقائق.

لكن صورة فاطمة هنا. صورة جعلت من الحدث حقيقةً فائضةً عن التصديق، فهي لفرط فداحتها غير قابلة للتصديق. لا معقوليتها إحدى مراياها. وهي نقطة البداية لدخولنا جماعيا بمرض "الشبح". يسمّى علمياً ظاهرة "ما بعد البتر"، أي الألم الذي يشعر به الشخص في مكان العضو المبتور. أي عضوٍ يختفي من أجسادنا يبقى في عقولنا، ويتبادل معنا الألم. ولكن ماذا إذا كان هذا العضو رأسنا، ما الذي سيؤلمنا بعد ذلك؟ العقل في الرأس، وقطعه ما هو إلا دلالة فاضحة على تحويلنا إلى الوضعية البهيمية. فأين هو ذاك الرأس الذي يجمعنا؟ وأين هو العقل الذي يجعلنا نفكّر؟ جلياً كان جسد فاطمة. كان بلا رأس! إنه جميع رؤوسنا المقطوعة.

لا هوية للجسد من دون شحوب الوجه، ولا يمكن التصديق أن الكاميرا استطاعت رمي تلك الطفلة هكذا. هل رمتها الطائراتُ، أم رمتها عين الكاميرا؟ أم الاثنان معاً؟ تحجب عنا عين الكاميرا خراب المكان المقصوف. لم يظهر أثر القصف إلى جانب جسد الطفلة المرمي. إنها الفظاعة النظيفة. كانت رجلاها صغيرتيْن مغلفتين مثل أصابع سكر، تشوب الحلاوة تلك قطرتا دم فقط! الفستان "المكشكش" أبيض وأزرق لم يمسسه تمزّق! كانت الطفلة الأنيقة ابنة التاسعة وكأنها ترتدي فستاناً للاحتفال بعرسٍ ما، في قريةٍ لم يسمع بها العالم قبلاً، لكن المقصود لم يكن فاطمة نفسها، إنما نقصانها وفراغ رأسها. تشبه فاطمة في إعلان موتها المكان الذي تنتمي إليه، قرية صغيرة في ريف مهمل! والمنسيون في تلك المجزرة مثلها، صاروا في عتمة الذاكرة كذاك الرأس المنقوص.

هل يذكر أحد منّا عندها أم "فاطمة"؟ كان اسمها "نادية"، وهي لم تنجُ من الموت. كانت الرحمة بها وافرةً عندما لم ترَ صورة طفلتها. غرق اسمُها في النسيان، وبقيت الصورة الأشد هولاً، لتعلن عن المجزرة. قال الفرنسي جان لوك غودار عندما سُئل عن تصويره الواقع: "السينما ليست استنساخا للواقع. ولكن إذا سجلنا هذا النسيان، يمكننا عندئذ التذكّر، وربما الوصول إلى الواقعي". ربما كانت صورة نادية مغلاج من الصور الأقل هولاً في تلك المجزرة، وتسجيل نسيانها فعل إعادة للذاكرة. هي دنيازاد الصورة المضمرة.

السؤال هو: لماذا يصوّر إنسان هذه الفظاعة؟ لم قام أحدهم بتصوير تلك اللحظة؟ لم يريد من نجا من الموت في المجزرة تحويل ضحاياها إلى مسرح للفرجة؟ كان عرض جسد فاطمة فعل إثبات وجودٍ عبر صورة الموت. وجود يتمثلونه بصورهم كموتى. كانت فرصتهم لإشهار حقهم في الحياة. إنه حقيقة وجودهم الحاصل لهم! في المقابل، كان هناك الطرف الآخر الذي يقول، منذ شهر آذار سنة 2011، إنهم يموتون لأنهم إرهابيون. متوحشّون. متآمرون وخونة. وُجب على أهالي القرية تكذيب ذلك. كانت الكاميرا أداةً لردع الشر عنهم والدفاع عن أنفسهم. وكانت ديمقراطية الصورة الرقمية، والتي أستعيرها من المفهوم السطحي لديمقراطية التلفزيون، تقول إن الناس قد امتلكت الحق في الكلام وفي التصوير، وامتلكت فضاءً كان محبوساً عنها. لقد أدارت الثورة الرقمية، ومن قبلها الصورة، واحدةً من معضلات الحوار البشري الذي لم نعرفه منذ أيام الإغريق، حتى أن سوزان سونتاغ عبّرت عن ذلك بقولها: "إن البشرية خرجت من كهف أفلاطون بعد الصورة الفوتوغراف".

كان الحوار والتواصل في التلفزيون يقوم على فكرة المتلقي الذي لا يملك حق التعبير، حيث

"من يريد أن يلوم الضحية الناجية على توثيق صورة الضحية الميتة؟"  هناك شبكةٌ واسعةٌ من الصور التي تقدم تفسيراً لما يحصل من حولنا في العالم. ولم يكن من مجالٍ لإجراء رد فعل معاكس لآلية تلقّي كمية كبيرة من المعلومات، على الرغم من الحرية في خيار القفز بين القنوات (أو الـ Zapping)، والتي تدفع إلى الخضوع لمبدأ المنافسة على الجمهور (الـ Audimat)، وهذا ما يعطي إحساس الحرية للمشاهد الذي يملك جهاز التحكّم عن بعد. كانت حدود حرية المتلقي تقف عند هذا الحد من الاستهلاك، ولاحقاً مع إمكانية استخدام الصورة الرقمية، واستعمالها في التوثيق، وفضاءات وسائل التواصل الاجتماعي، صار بالإمكان توفير القدرة على امتلاك حق الرد، وحق الوجود، وحق تغير الحقائق والطعن بالأكاذيب عبر أشخاصٍ لا يمثلون مؤسسات إعلامية، ولا شبكات أخبار تلفزيونية، وقد لا يمتلكون الخبرة والتجربة والمعرفة.

اختلفت العلاقة بين البشر بمفهومها المتعارف عليه، الذي مثّله عصر التلفزيون. نحن الآن في عصر الهواتف الذكية، وتطبيقاتها المرتبطة بسرعة مدهشة، مع وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يشكل مجتمعاتٍ افتراضية متجاورة، لكنها حقيقية جداً أيضاً! لدى كل شخصٍ جهاز هاتف نقال ذكي، أصبح مشروع مصوّر وصانع فيلم صغير واقعي عن كل ما يحيط به.

إذن، صار بإمكان شاب فقير في قريةٍ نائيةٍ في ريفٍ أن يخبر العالم كيف تقصف أهله الطائرات، وقد يعرض جثثهم ليخبر حكايته. حقيقة لم تكن هذه فقط ديمقراطية الصورة الملتبسة، بل هي انفجار شعبي للتعبير عن الذات والأنا، ولإيصال مظلوميةٍ ما، بأسرع الطرق وأبسطها. ضغطة زر واحدة تفي بالغرض. هذا عالم السرعة الرقمي! وهو نفسه العالم الذي قد يجيّش تقنيين بالآلاف، تابعين لمؤسساتٍ وحكوماتٍ لترويج الصور أو لدفعها أو منعها عن "الجمهور".

وإذا ما عدنا إلى صورتنا، نجد جسد فاطمة القتيلة واضحاً، بينما تغيب صورة القاتل. أخمّن أن أحداً لا يستطيع تصوير اللحظة، والسهولة التي يضغط بها الطيار على زر الإطلاق مثلاً؟ كيف كان وجهه؟ بم كان يفكّر لحظة إطلاق القذائف أو رمي البراميل؟ لماذا لدينا لحظة تصوير الضحية، ولا يمكن لنا امتلاك لحظة الإجهاز على الضحية؟ تظل صورة القاتل مجهولة، وهو ما يجعلها أكبر وأضخم في عقولنا، بينما لا يمتلك المقصوفون إلا صورهم عن أنفسهم كضحايا. لقد صدّقوا أنهم ضحايا، لأن حقهم في النسيان لن يكون، حقهم في النسيان القادم، والذي يعني أن تكون أمامهم فرصة للعدالة. فالنسيان جزءٌ منه العدالة، والعدالة جزءٌ منها الذاكرة التي قد تعيد الحق للضحايا، وقد تحاسب مجرمي الحرب هؤلاء. ولكن هذه ليست صورة لاستخدامها قانونياً في مراكز توثيق، وهي ليست وثيقة إثبات، لأنها صورةٌ يمتلكها الناس، وهي جزء من يومياتهم، ولا تُؤخذ للحفظ في سجلاتٍ بعيداً عن الأعين. لا بل هي الأعين نفسها، وأصحابها لا يتوقفون عن الموت، فكيف إذا كانت الكاميرا بين أيديهم. لن يتوقفوا عندها عن صرخة استغاثةٍ، وهم منذ سبع سنوات يوثقون موتهم. كانوا يفعلون ذلك، بعد مضي أشهر على تصوير مظاهراتهم ورقصاتهم وابتهاجهم وغبطتهم بفعل التمرّد الذي خلقوه. كان لهم أخيراً الحق في الكلام والتعبير والانتفاض. لهم الحق بالكرامة والعيش، والأبعد من ذلك الحق في الإشارة إلى ما يحصل لهم، وما تصوير موتهم إلا جزء من تمردهم أيضاً.

بدأ الأمر هكذا، وبدا لهم مؤقتاً، لكنه سرعان ما تحول إلى جزء من حياتهم اليومية، بل بات جزءاً من الاستهلاك الذي تمثل في طلب السوق العالمية على الصورة السورية في عالم الصحافة والميديا. إنه سوق الموت وصوره المغوية والمثيرة. ثم طالت الحرب، وطال القهر والظلم. تحولت صور المجازر إلى شغلٍ شاغلٍ لمن بقي حياً، عبثاً يحاول تثبيت فكرة موته، وصارت الأجساد المقطّعة تُعرض بلحظيةٍ اعتياديةٍ غير مسبوقة. كان الموت أهون ما يمكن أن يحصلوا عليه، والأحياء الذين بقوا ظنوا أن بمقدرهم لفت أنظار العالم إلى ما يصيبهم حين يجري تحويل موتهم إلى فرجة، وليقولوا للعالم: انظروا، نحن نموت. نحن نتعرّض لإبادة أمام أعينكم، انظروا، أعميان أنتم؟ أين رأس فاطمة؟ تلمسّوا رؤوسكم "الشبح"؟

لقد وجدتُ، من خلال البحث في محرّك غوغل، عنواناً لسلسلة رسوم عن تمثيل جسد فاطمة، كُتب عليها "رموز الثورة السورية". لا عجب أنها رأس ثورةٍ مقطوعة الرأس، أو لا عجب أنها رأس سورية المقطوع.

ثم جاء الغضب والقهر بعد صورة فاطمة، لحقه غضبٌ وقهرٌ وعجزٌ لم يتوقف منذ سنوات، وسبقه أيضا الغضب والقهر والعجز نفسها، مصنع الشر نفسه لم يتوقف. القصف ازداد عنفاً.

"كان على الواقع أن يتغيّر كي تتغيّر الصورة. كان على القصف أن يتوقف. هذا هو الطبيعي. انظروا إلى هذه الوحشية". هذا ما أراد أن يقوله لنا المصوّر، ولنا أن نتساءل هنا: أيمكن لمن التقط الصورة امتلاك ما يكفي من العقل للتفكير وهو يموت؟ نستطيع نحن وراء شاشاتنا الافتراضية امتلاك رفاهية عدم نشر تلك الصور، إلا أنهم يموتون، ولا يملكون سوى توثيق موتهم.

هل في لحظة المجزرة، علينا أن نطالب بميثاقٍ أخلاقيٍّ يضمن حق السوريين بتوثيق صورهم

"تظل صورة القاتل مجهولة، وهو ما يجعلها أكبر وأضخم في عقولنا" بشكل كريم؟ من ضغط زر الكاميرا هو جزء من المجزرة، هو ناجٍ منها، وهو نفسُه لا يستطيع تصوير وجه القاتل، وهو نفسُه من حوّل هاتفه النقال أداة إعلام، فهو بحوزته دائماً. من يريد أن يلوم الضحية الناجية على توثيق صورة الضحية الميتة؟ إنه سؤالٌ مفتوحٌ على الرغم من أن الصورة السورية نفسها صارت مجالاً حيوياً للتجارة والتزوير والتلفيق، ولكنها أيضاً تحولت إلى مجالٍ خصبٍ للبحث والتفكير والتنظير، فإنها تلخص بكثافةٍ صورة عالمنا الجديد، ولعلها مسرح الموت الأكثر تراجيديةً وتعقيداً وعنفاً في عصرنا الراهن.

من جهة ثانية، يجب القول إن العيون التي اعتادت النظر الى صور الجثث والضحايا الممزقة الاشلاء لم تكتف بالنظر، كان هناك آلافٌ من الصور المتدفقة عن الموت السوري، وتراجعت صورة جسد فاطمة، لتحل محلها آلاف الأجساد. كان لدينا عامل الزمن الذي طال وراكم الصور الوحشية أمام الأعين، وعامل إشاحة النظر عن يد القاتل الحقيقي، بما شكّله الموقف الدولي والإقليمي من القضية السورية المتروكة، والتي، في أحسن الأحوال، تم التدخل فيها لصالح استمرار فعل الموت. لقد شاهد العالم وجه القاتل، وعرفه وأشاح النظر، ثم إن الأعين التي تبحث عن ذلك المجهول المسمّى موتاً لم تتوقف عن النظر. الأعين المراقِبة التي تُوقف آلية النشاط الدماغي والذهني. إننا لا نتنفس أمام صورة فاطمة، لا نرى ولا نفكر. إننا مخطوفون فقط. لا ننفعل كما يحصل في أثناء الخوف. نختنق فقط.

ستتوالى الصور، سُنرهَق ونتعب، وسنحفظ كل يوم في الذاكرة صورة نقصان رأس فاطمة. ويوماً بعد يوم، سيكون رأسُنا محشواً بالرؤوس والأشلاء والفظاعات المُخدّرة التي تحوّل الصور نفسها إلى جزء عادي من آلية استقبال دماغنا فكرة الألم والفظاعة. إنها جزءٌ منا، تعيش معنا وتستقر كجزء طبيعي في العقل والتفكير. إن العالم الواقعي ينزاح هنا، تصير الصور المتلاحقة جزءاً من إدراكنا الواقع، وكأن واقعنا هو الموت فقط. إننا بتحويل صور الضحايا الفظيعة إلى فرجةٍ مستمرة، خلال بحثنا عن دليل لعدالة قضية، قد نجعل من هذه الصور ممحاةً للتعبير عن تلك القضية، إذ علينا ألا ننسى أن السرعة التي يقتضيها توالي صور الموت السوري تماشيها السرعة الاستهلاكية الجنونية في صور تمثلات حيواتنا الاستهلاكية، من دعايات وإعلانات وموضة... إلخ. إنه مجتمعُ الصور المتدفق كجيش من الجراد. كان الشاعر الفرنسي، برنار نويل، الساخط على عالم ما بعد الرأسمالية، محقاً حين قال: "الإهانة التي نلحقها بصورتنا وأنفسنا تكون منظمةً من السلطات العليا إلى درجة أنه يتم استخدامنا فيها".

ما حصل مع موت السوريين الموثّق، كصورة رأس فاطمة تلك الظهيرة، شبيهٌ بحالة قرص نيوتن، حين تدور الألوان السبعة، وتظهر واضحةً في البداية، ثم تتحول بالسرعة إلى لونٍ أبيض، فتختفي الملامح وتتعذر قراءة اللون. وتسارُع صور الموت بهذا الجنون جعل نطاقها لا يقف عند حدٍّ وفاصل، ليتداخل فيها مفهوم الخير بالشر، وتتماهى صورة القاتل الغائبة بصورة القتيل الحاضرة. لقد صوّر السوريون موتهم، حتى صارت تمثلاتهم عن أنفسهم هي صورة الموت التي دخلت في علاقات الأحياء ببعضهم بعضا، فصارت عاملاً محرّضا لنزعةٍ تدميريةٍ فيما بينهم أحياناً.

أطلق السوريون صرخة الاستغاثة والحشرجة. طارت بهم الأرض، انفصلوا عن الكوكب، وعامت صورهم مثل طوف خوسيه ساراماغو الحجري. لكن طوفهم هذا كان سائلاً على طريقة زيغموند باومان في وصف عالمنا الحالي، وبدلاً من أن تكون أداةً في مصارعة الشر، تحوّلت الصورة إلى إعادة إنتاج جزءٍ من هذا الشر المختوم بعلامتَيْ العصر: السرعة والإمحاء.

تلك الصور، صور موتنا الوحشي، في أحسن أحوالها، جعلت الشر اعتيادياً، وأفقدتنا من جديد حق الكرامة.

==========================

أستانة 11: فرصة أخرى.. مهدورة

سمير صالحة

سوريا تي في

الاحد 2/12/2018

أهم إنجاز حققته جولة المفاوضات الحادية عشرة التي انطلقت قبل أيام في العاصمة الكازاخية أستانة بمشاركة البلدان الثلاثة الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) وممثلين عن الحكومة والمعارضة في سوريا، بالإضافة إلى الأردن والأمم المتحدة بصفة مراقبين، كان حسب البعض هو " التقدم الطفيف رغم كل الصعوبات" في ملف تشكيل اللجنة الدستورية.

جدول أعمال الأستانة كان يعد بترجمة ما قيل حول الأجواء الإيجابية في شمال سوريا بين أنقرة وموسكو، وبتقدم في طرح ونقاش ملفات كثيرة بينها إعادة الإعمار، وتثبيت وقف إطلاق النار في إدلب ومحيطها وترسيخ التفاهم التركي – الروسي حيال منطقة شمال غرب سوريا وحل موضوع تبادل الأسرى بين النظام والمعارضة. فخرج علينا المبعوث الاممي دي ميستورا ليعلن أن موسكو وأنقرة وطهران أخفقت في تحقيق أي تقدّم ملموس في التعامل مع ملفات أساسية تفتح الطريق أمام التسوية السياسية في سوريا.

بيان ختامي يكرر ما قيل في معظم الاجتماعات السابقة ويتمسك بالتزام الأطراف المشاركة بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي سوريا، والوقوف ضد الأعمال التي تهدف إلى تقويض سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وكذلك الأمن القومي للدول المجاورة ، "ومواصلة الحرب ضد تنظيم داعش، وجبهة النصرة، والأشخاص المدرجين على قائمة مجلس الأمن الدولي للتنظيمات الإرهابية". لكن الجبهات والتطورات العسكرية والميدانية والسيناريوهات السياسية التي تتقدم في أكثر من بقعة جغرافية سورية تقول العكس وأن هدف الثورة لإسقاط النظام يتراجع لصالح مشاريع التجزئة والتفتيت وتقاسم النفوذ الاقليمي والدولي على حساب اللاعبين المحليين ومصالحهم.

بين النقاط الملفتة بعد يومين من لقاءات الأستانة:

الغياب الأميركي عن الاجتماع وكأن واشنطن كانت تعرف وتريد إيصال الأمور هناك إلى ما هي عليه الأمور اليوم. بعد ساعات فقط على انتهاء الاجتماعات أعلنت الخارجية الأميركية وصول الأطراف إلى طريق مسدود، وهي ربما لذلك لم ترسل موفدها الخاص لسوريا جيمس جيفري إلى العاصمة الكازاخية. طبعا لم يفشل لقاء الأستانة لأن واشنطن أرادت ذلك أو قاطعته لكن هذا لا يمنع من التذكير بالمواقف الأميركية المكررة أكثر من مرة  "مسار أستانة لم يؤد سوى إلى مأزق في سوريا" والأهم من ذلك "أن روسيا وإيران تواصلان استخدام هذا المسار  من أجل إخفاء رفض نظام الأسد المشاركة في العملية السياسية” برعاية الأمم المتحدة.

هدف روسيا وحتى إشعار آخر هو إطالة عمر الأستانة ريثما تستوي الطبخة وتنتهي عملية خلط الأوراق وتكون واشنطن جاهزة لـ طاولة حوار ثنائي بينهما في رسم معالم الحل في سوريا

ثم هناك تناقضات الموقف الروسي بين ليلة وضحاها في تحديد مصالح موسكو وأهدافها في سوريا ومع من ستنسق من أجل ذلك. موسكو ترى أن الوضع في سوريا يتجه تدريجياً نحو الاستقرار، وأن لا صحة لأنباء تتحدث عن تحضيرات روسية لـ شن عملية عسكرية واسعة النطاق في إدلب"، ستعمل مع الجانب التركي من أجل حل هذه المشكلات بطرق سلمية، ولن نتحرك إلا للرد على الاستفزازات". لكن موسكو نفسها تكشف النقاب وكما يردد البعض عن رغبتها بتوسيع دائرة البلدان المشاركة في منصة الأستانة وتكشف النقاب عن توجه لتوجيه دعوة إلى مراقبين من ثلاثة بلدان عربية للمشاركة في المحادثات هي لبنان والأردن والإمارات. هدف روسيا وحتى إشعار آخر هو إطالة عمر الأستانة ريثما تستوي الطبخة وتنتهي عملية خلط الاوراق وتكون واشنطن جاهزة لطاولة حوار ثنائي بينهما في رسم معالم الحل في سوريا.

طهران من ناحيتها ومن خلال منصة الأستانة تعلن فشل قمة اسطنبول الرباعية التي شارك فيها طرفان من ثلاثي آستانة وبغيابها، وتكرس عودتها إلى قلب المشهد السوري في العمليات الأمنية والعسكرية التي أشرفت عليها في الآونة الأخيرة في منطقة إدلب وحلب.

رسائل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كانت تقول  "أنقرة وموسكو قادرتان على تغيير مصير الشرق الأوسط في حال اتخاذهما قرارات جادة.. أنا مقتنع اليوم بأن الرئيس الروسي يريد إنهاء المأساة في سورية". التناقض التركي الأميركي، والروسي الأميركي، في ما يتعلق بسوريا، دفع موسكو وأنقرة لإعلان تفاهمهما الكلي في الأستانة. خيارات حليف أنقرة الأميركي المفترض في التعامل مع الملف السوري والمتعارضة كليا مع ما تقول وتريد، هو الذي دفعها أكثر نحو بوتين. لكن القيادة السياسية التركية قلقة اليوم بسبب عدم معرفتها حجم المساومات الروسية الإيرانية والروسية الأميركية من وراء ظهرها في سوريا.

المعارضة السورية تكاد تكتفي بتسجيل ملاحظاتها حول وجود تطورات جديدة في ملف إدلب وبروز توافق تركي – روسي على التهدئة

أما المعارضة السورية، فهي تكاد تكتفي بتسجيل ملاحظاتها حول وجود تطورات جديدة في ملف إدلب وبروز توافق تركي – روسي على التهدئة، والتمسك بخيار الأستانة المسار الفعال والوحيد حاليا في جهود حل الأزمة السورية. هل هذا يعني حقا أن قيادات المعارضة فقدت الكثير من أوراقها وباتت تحت رحمة ما ستقوله الأطراف الاقليمية والدولية بعدما كانت تردد أن خياراتها وفرصها كثيرة على خط جنيف والرياض وسوتشي وواشنطن؟

فشلت الأستانة في إبعاد جنيف عن المشهد كبديل وخيار حقيقي . والقرار لم يعد فقط تركيا وروسيا وإيرانيا في سوريا ، هناك إصرار إقليمي وعربي على العودة تحت المظلة الأميركية . السير نحو الأسوأ قد يسهل استرداد الشعب السوري لقراره وخياره.

طبعا في هذه الأثناء هناك سيناريو آخر يتقدم شمال شرق سوريا وفي شرقها . ثلاثون ألف كردي سوري، يتم تجنيدهم وتسليحهم وتدريبهم ضمن قوات سوريا الديمقراطية . والهدف إعلان حدود داخلية جديدة داخل الحدود السورية ومركز الفصل فيها هو نهر الفرات شمالا وشرقا.

آخر ما بين أيدينا من تطورات صادمة نشرها معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط «ميمري» ومقره واشنطن، ويقول إن طهران استغلت الحرب السورية لطرد سكان من مناطقهم بهدف استقدام آخرين من إيران إلى تلك المناطق، مما يؤكد نيتها في تغيير التركيبة الديموغرافية لسوريا. الرسالة هنا تعني مئات الآلاف من السوريين اللاجئين خارج أراضيهم لكنها تعني أيضا الدول التي تستقبلهم لتتحرك باتجاه اتخاذ خطوات الرد على مشروع تمدد وانتشار وهيمنة إيرانية من هذا النوع.

خيبة أمل ربما بعد طيلة هذه السنوات من الثورة . الخيار الأنسب بعد  فشل كل هذه اللقاءات والمؤتمرات والمنصات قد يكون العودة مرة أخرى إلى خط البداية .. التظاهرات والاعتصامات والهتافات والشعارات الديمقراطية الوطنية الحقيقية لاسترداد الثورة . 

==========================

دفاعاً عن حق عدم العودة

حسام ميرو

سوريا تي في

الاحد 2/12/2018

لمن يعرف التاريخ الحديث؛ أية عملية تهجير ممنهجة كالتي عرفها السوريون؟ ففي السنوات السبع الماضية، غادر أكثر من ستة مليون سوري بلدهم، طلباً للأمان، ولئن أسهمت العديد من الفصائل الراديكالية في عملية التهجير، فإن المسؤول الأول، واقعياً وسياسياً وقانونياً، هو السلطة السياسية الحاكمة، وما يتبعها من أجهزة تنفيذية، خصوصاً قطاعي الجيش والأمن.

إن التأكيد على عمليةِ تهجيرٍ ممنهجة قام بها "النظام السوري" مسألة مهمة جداً في ملف اللاجئين، حيث تثبت الوقائع، ابتداءً من قصف مناطق مدنية آمنة، وصولاً إلى عقد مصالحات، كان من بين نتائجها خروج السكان المدنيين خارج مناطقهم، إلى مناطق أخرى في سوريا، أو إلى خارجها، وخصوصاً إلى لبنان، وتركيا، تثبت أن عمليات التهجير كانت عن سابق إصرار، وليست مجرد نتيجة للصراع، ومن أجل تحويل المجتمع السوري إلى ما أسماه بشار الأسد "المجتمع المتجانس"، والمقصود منه بالطبع، المجتمع القابل للخضوع أو الإخضاع، أي المجتمع الذي يسمح للنظام بالاستمرار كما هو، من دون إحداث تغييرات جذرية في بنيته.

إن عمليات التهجير كانت عن سابق إصرار، وليست مجرد نتيجة للصراع، ومن أجل تحويل المجتمع السوري إلى ما أسماه بشار الأسد "المجتمع المتجانس"

وفي الوقت الذي كانت تجري فيه عمليات التهجير، بقي التصعيد الدولي ضد النظام السوري تصعيداً لفظياً، خصوصاً الموقف الأمريكي المتردد في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، والذي أوجد معه موقفاً دولياً متردداً، صبّ في مصلحة النظام ومخططاته، من دون أدنى مراعاة للمواثيق الدولية المتعلقة بالنزاعات، بما فيها اتفاقية "جنيف الرابعة"، والتي تؤكد على حق المدنيين في الحماية خلال النزاعات والحروب، وهو ما جعل المدنيين السوريين يدفعون الثمن الأكبر.

وخلال السنوات السابقة، وحتى خلال جولات التفاوض العديدة في جنيف بين ممثلي النظام وممثلي المعارضة، فإن ثمة ملفات بقيت خارج التفاوض، ومن بينها ملفا المعتقلين واللاجئين، وهما ملفان من شأن معالجتهما أن تكشف عن الدور المنهجي للنظام في إلحاق أبشع أشكال الأذى بمواطنيه، ليس فقط على المستوى الفردي، وإنما أيضاً، وبشكل واسع، على المستوى الجماعي، حيث إن تهجير مناطق بأكملها هو عقوبة جماعية.

وفي الحالة السورية، فإن معالجة الآثار الكارثية للصراع، فيما لو وضع الصراع العسكري أوزاره، تعني عودة اللاجئين، وإعادة إعمار ما تهدّم من البنى التحتية، في جميع القطاعات، لكن سلوك النظام تجاه ملف اللاجئين يبدو واضحاً، فالنظام لا يريد فعلياً عودة اللاجئين، لكونهم يشكلون، في معظمهم، الكتلة الاجتماعية الرافضة للمنظومة الحاكمة.

خلال العام الجاري 2018، تصاعد الحديث عن عودة اللاجئين، بموازاة الحديث عن إعادة الإعمار، فمن المعلوم أن عودة اللاجئين غير ممكنة من الناحية الواقعية من دون بنى تحتية قابلة لاستيعابهم، تتعلق بالسكن، والصحة، والتعليم، والنقل، والاتصالات، والطاقة، وغيرها من الخدمات الضرورية لتأمين عودتهم واستقرارهم، وكل ذلك يعني ضخ أموال طائلة في عمليات الإعمار، وعودة اللاجئين، وحتى الآن لا يبدو واضحاً كيف سيتم تأمين تلك الأموال، في ظل وجود حالة من الاستعصاء حول طبيعة المرحلة الانتقالية، أو الشكل النهائي الذي ستتخذه خارطة المصالح الاستراتيجية الإقليمية والدولية في سوريا.

ما يتغافل عنه المجتمع الدولي، وما لا يسعى إلى نقاشه، بما يخص موضوع اللاجئين، هو ما يريده اللاجئون أنفسهم، فهم في اعتبارات العديد من الدول أزمة ينبغي حلها، لتقليل تبعاتها على العالم المتحضر، بغض النظر عن مستوى قبول أو رفض اللاجئين أنفسهم للعودة إلى بلدهم.

من المعروف أن حق العودة هو حق مكفول في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، الصادر في 10 ديسمبر/ كانون الأول 1948، حيث تنصّ الفقرة الثانية من المادة الثالثة عشرة على أنه "لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده"، وقد ناضل الفلسطينيون، انطلاقاً من هذه المادة، من أجل تثبيت حق العودة، عبر قرار أممي، وهو ما تحقق في قرار الأمم المتحدة رقم 2649، بتاريخ 30 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1970.

وكشفت الممارسات الفعلية للسياسة الدولية، بعيداً عن التصريحات الرسمية، أن المجتمع الدولي غير معني فعلياً بتغيير النظام الحاكم في سوريا

إن ما يخشى منه هو استمرار عملية الاختزال الذي تعاطى بها المجتمع الدولي مع المسألة السورية، فقد سعى المجتمع الدولي، لأسباب عديدة، لاختزال الصراع السوري، منذ عام 2014، بالحرب على الإرهاب، وكشفت الممارسات الفعلية للسياسة الدولية، بعيداً عن التصريحات الرسمية، أن المجتمع الدولي غير معني فعلياً بتغيير النظام الحاكم في سوريا، كما أن السلوك العملي للنظام الدولي أظهر حالة استهتار كبيرة بآلام وحقوق السوريين المتعددة، ومن أهمها الحق في اختيار النظام السياسي الذي يمثلهم، وقبل ذلك الحق في رفض نظام باتت مهمته الأولى إبادة واعتقال معارضيه، للاستمرار في الحكم، ولا يخفى عن العالم أن الأرقام الرسمية تشير إلى حوالي نصف مليون سوري، قضوا ضحية للصراع، أي ضحية رفض تغيير النظام، بالدرجة الأولى.

 ثمة مؤشرات عديدة، ظهرت في العام الأخير، تظهر مزيداً من التضييق على السوريين في بلاد اللجوء، خصوصاً في لبنان، الذي تجري فيه عمليات ضغط على اللاجئين من أجل العودة إلى بلدهم، من دون أية ضمانات حقيقية، حول مصيرهم، وبالفعل فقد تعرّض عدد من العائدين للقتل، أو الاعتقال، وتشير بعض المصادر إلى اعتقال حوالي 700 من العائدين منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وحيث إن البعض أطلق سراحه، بعد التحقيق معه، فإن البعض الآخر لا يزال رهن الاعتقال.

ما ينبغي الدفاع عنه اليوم ليس فقط حق عودة اللاجئين السوريين، وإنما أيضاً الدفاع عن حقهم في عدم العودة، فأي معنى اليوم في عودة اللاجئين إلى بلد تحكمه السلطة السياسية والأمنية والعسكرية التي أسهمت في تهجيرهم، وفي تهديم بيوتهم، وقتل ذويهم وجيرانهم ومعارفهم، ولا تزال تخفي عشرات الآلاف من المعتقلين، الذين لا زال مصيرهم مجهولاً، وبناءً عليه فإن الدفاع عن حق عدم العودة هو وقوف ضد السياسات الدولية الساعية إلى اعتبار مفهوم البلاد الآمنة يرتبط فقط بالبلاد التي توقف فيها الصراع المسلح، أو انخفض مستواه، وهو ما يعني، من الناحية العملية، وضع مصير أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين في مهب المجهول.

==========================

إسقاط شماعة المعارضة وشماعة النظام

سهير الأتاسي

سوريا تي في

الاحد 2/12/2018

في قول أونوريه دي بلزاك "من السهل أن تجلس وتلاحظ، أما الصعب فهو أن تنهض وتعمل"، الحكمة الضرورية لمن يكتفي بمراقبة أخطاء وخطايا المعارضة السورية ويستمرّ فقط بتقريعها معتبراً ذلك مفتاح نجاته من مسؤولية ما آلت إليه اليوم أحوال البلاد، لتصبح المعارضة شمّاعة عجز بعض نشطاء الثورة عن القيام بواجب مبادرة وطنية إنقاذية تعيد السوريين إلى المشهد وتستعيد أدوات تحكّمهم بمصيرهم. تُشابه تلك الحال حال المعارضة السورية في السنوات التي سبقت الثورة، حيث كانت شمّاعة بطش النظام هي الحجّة الجاهزة التي تبرّر بها المعارضة عجزها عن كسر حاجز الخوف واستكانتها لدور هامشي يتيحه نظام الأسد ويتحكّم بمساحته ثم ينقضّ عليه. ومثلما تمكّنت شريحة الشباب الثائر مع انطلاقة الثورة السورية من إسقاط شماعة نظام الأسد في تبرير فشل المعارضة في جذرية القطع مع النظام والعمل لإحداث تغيير حقيقي في سوريا، لا بدّ لها أن تتجاوز واقع صناعة شماعة أخرى، هي شماعة المعارضة هذه المرة، لتُسقطها وتستعيد صياغة الثورة السورية من جديد.

وفي ذاكرتي عن طبيعة تفاعل المعارضة السورية مع المرحلة التي تلت ربيع دمشق قبل انطلاق الثورة السورية، وطريقة تعاملها مع العمل الممنهج لنظام بشار الأسد بهدف الإنهاء القسري لهامش الحريات

وفي ذاكرتي عن طبيعة تفاعل المعارضة السورية مع المرحلة التي تلت ربيع دمشق قبل انطلاق الثورة السورية، وطريقة تعاملها مع العمل الممنهج لنظام بشار الأسد بهدف الإنهاء القسري لهامش الحريات الذي أتاحته ضرورة محاولة شرعنة توريث السلطة من الأب إلى الابن، بعض الأمثلة الحية عن لجوء المعارضة لشماعة استبداد النظام وقمعه وشموليته للتكيّف مع حالة الإحباط واليأس والعجز بل وتبرير التراجع في نشاطاتها إلى الهامش الضيق الذي حدّده النظام وأجهزته الأمنية بدقة متناهية بحجّة ضرورة الحفاظ عليه والعمل التدريجي على توسيعه. على هذا الأساس رفض مثلاً التيار التقليدي في مجلس إدارة منتدى جمال الأتاسي مقترح عقد ندوة تناقش "المسألة الجامعية وقضية الطلاب في سوريا" إثر الحراك الطلابي الاحتجاجي في جامعات حلب ودمشق عام 2004، على اعتبارها تتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها النظام لتتقيّد وتلتزم بها نشاطات المعارضة واعتبر التيار الذي دفع باتجاهها وباتجاه التأسيس لمنتدى جمال الأتاسي للشباب دونكيشوتياً يصارع طواحين الهواء، بل وحمّله لاحقاً مسؤولية منع وإغلاق المنتدى. وبتلك المنهجية التي اعتمدت التزام فعل مؤسسات المعارضة بالسقف المتاح من النظام للحفاظ على استمراريتها ليصبح وجودها بحدّ ذاته هدفاً، بل وهدفاً أسمى من مهامها والمسؤوليات المنوطة بها، بتلك المنهجية اعترض أيضاً ذلك التيار التقليدي على تصريحات صحفية عبّرت من خلالها بصفتي رئيسة منتدى الأتاسي عن كون نظام بشار الأسد عصياً على الإصلاح، وعن ضرورة التفكير في أساليب وأدوات تتجاوز نهج المطالبة بالإصلاح التدريجي، ومع ورود مفردة "الثورة" في إحدى تلك التصريحات تمّت نصيحتي بالامتثال لما ورد في الحديث النبوي: "سيروا على سير أضعفكم".

حكايا عديدة عن تلك المرحلة يمكن أن تُروى وتُوثَّق في سياق مراجعة ممنهجة وشاملة عن كيف أصبح نظام الأسد الشمّاعة الضرورية التي تُعلّق عليها المعارضة أسباب ضعفها وفشلها وعجزها، لتبرّر من خلالها عدم قيامها بأي محاولات فعلية للوصول إلى الشارع السوري وفهم معاناته اليومية بعيداً عن ثنائية السلطة والنظام، ولتفعيل أشكال احتجاج لا تكتفي بالنخبوية التي اتسمت بها المعارضة بذريعة عمليات الحصار التي مارسها النظام عليها وعلى فعالياتها. وعند انطلاق ثورة آذار 2011، فاجأ الثوار الشباب المعارضةَ التقليدية قبل أن يفاجئوا النظام، فقد كسروا حاجز الخوف، وأسقطوا بذلك شمّاعة قمع النظام وإرهابه، وفنّدوا عبر حراكهم الشعبي جميع الحجج والتبريرات التي كانت تعتمدها المعارضة لتسويغ خمولها ودورها الهامشي.

نجد اليوم شريحة من نشطاء الثورة تلجأ هي أيضاً لشماعة المعارضة المتمثلة بمؤسسات قوى الثورة والمعارضة، لتضع على عاتقها مسؤولية تأخّر انتصار الثورة

ومع مرور سبع سنوات وثمانية شهور على انطلاقة الثورة السورية واستعصاء وصولها إلى أهدافها، نجد اليوم شريحة من نشطاء الثورة تلجأ هي أيضاً لشماعة المعارضة المتمثلة بمؤسسات قوى الثورة والمعارضة، لتضع على عاتقها مسؤولية تأخّر انتصار الثورة بعد أن سلّمتها زمام تمثيلها في المحافل الدولية. فتنشغل في معظم فعالياتها الحالية بتحليل أسباب فشل تلك المعارضة في تمثيل الثورة وفي بلورة برامجها وتنظيم صفوفها ونشاطاتها وتحديد استراتيجياتها والتكتيكات اللازمة لتوسيع رقعتها وصياغة الخطاب السياسي الضروري لكسبها مختلف شرائح الشعب السوري، لتنتهي تلك الفعاليات في غالبها كما بدأت ـ مع وجود بعض الاستثناءات المعدودة ـ وقد تصل في أحسن الأحوال إلى توصيات دون متابعة أو مراكمة، ولتستمرّ عملية الشجب والتنديد. ولكن هل يكفي تقريع المعارضة لتسترجع الثورة ألقها وتأخذ بأسباب انتصارها؟ لا أعتقد أن هناك من يجادل اليوم في الأخطاء والخطايا التي وقعت بها مؤسسات المعارضة في التعامل مع آليات عمل الثورة التي تختلف تماماً عن آليات عملها، حيث الثورة حالة شعبية عفوية تنطلق كالسيل الجارف ولا تهدأ حتى تحقّق مطالبها، أما المعارضة التقليدية وكذلك الرسمية فهي مازالت تعمل ضمن إطار "فنّ الممكن"، وذلك وفقاً لتوافقات وتفاهمات تكتلات سياسية لبعضها خلفيّته الفكرية والإيديولوجية، وتستمر بإعطاء الأولويات للتوجهات الدولية وتعتقد أنه بإمكانها اللعب على تناقضاتها في ظلّ غياب بوصلة وطنية جامعة، فتصبح آلية عمل المعارضة أبطأ من آلية عمل الثورة، بل وعلى افتراقٍ جوهري معها.

ربما لا يتسع المقام في هذا المقال لتفنيد الأسباب الذاتية والموضوعية لنقاط ضعف المعارضة وأخطائها، وليس ذلك موضوعه والهدف منه، بل هو جرس إنذار لنا جميعاً، لمن مازال مؤمناً بإمكانية انتصار الثورة السورية، أن لا بدّ من تجاوز تلك المرحلة: مرحلة الندب على ما أضعناه وأضاعته المعارضة السورية من فرص للثورة، ومرحلة التعبير عن القهر والخذلان، فلقد بات عجز مؤسسات المعارضة وإفلاسها، ذاتياً وموضوعياً، مكشوفاً إلى حدّ بعيد، وإلى الدرجة التي جعلت المجتمع الدولي يتجاوز المعارضة والنظام في كافة تفاهماته واتفاقياته المتعلقة بالقضية السورية.

لا بدّ من تجاوز تلك المرحلة: مرحلة الندب على ما أضعناه وأضاعته المعارضة السورية من فرص للثورة، ومرحلة التعبير عن القهر والخذلان

لن يعفينا من مسؤولية الحاضر وصناعة المستقبل الإغراق في جلد أنفسنا والمعارضة معنا، ولا الاستمرار بمراكمة عمليات الكشف والنقد التي قد تسمح لنا فقط براحة ضمائرنا، بل نحتاج إلى البدء بجهد جادّ ومنظّم، وربما شاقّ وممنهج، للعمل على فهم عميق للحالة الراهنة للثورة السورية بسلبياتها وإيجابياتها، بأزماتها وفرصها، بتفاصيلها اليومية ومجرياتها على الأرض وفي المنافي، والبحث في أسئلة لا أجوبة استباقية عليها حول آليات الخروج من حالة الاستعصاء، والانتقال إلى اجتراح الحلول العملية الأمثل التي تناقش وتطوّر الإمكانيات وتعالج على أساسها انحسار مدّ الثورة السورية، وغياب الفعل السياسي عن شريحة ثوار امتلكوا اليوم مقدرات القيادة. فالثورة تحتاج إلى أهل قوة وعنفوان ودأب وجَلَد وتحدٍّ، يسقطون شماعة المعارضة كما أسقطوا شماعة النظام، ويتجاوزون تقاسم الخيبات ويعيدون صناعة المشهد بعيداً عن المشهد الرسمي الذي يقزّم ويضلّل أهداف الثورة السورية، ليمسكوا ببنيتها ويصوغوا خطابها الذي يليق بها ويعبّر عنها من جديد.

==========================

التجاذب الروسي - الأميركي من بحر آزوف إلى شرق الفرات

د. خطار أبودياب

العرب

السبت 1/12/2018

أتى القرار الأميركي المتخذ في آخر لحظة بإلغاء القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين في الأرجنتين (30 نوفمبر- 1 ديسمبر) ربطاً بتطورات الأزمة الأوكرانية، ليؤكد على صعوبة احتواء التوتر بين واشنطن وموسكو وعلى احتدام مواجهات بالوكالة أو عبر الوجود المباشر للطرفين.

من الجبهة المستحدثة بين موسكو وكييف في مضيق كيرتش الذي يفصل البحر الأسود عن بحر آزوف الحيوي بالنسبة لشرق أوكرانيا، إلى منطقة شرق الفرات في سوريا التي تتمركز فيها قوات أميركية وتشكل رافعة لسياسة واشنطن حيال الملف السوري، ترتسم خطوط تماس وهمية أو حقيقية في إدارة الرئيس بوتين للأزمات على صفيح ساخن، وكيفية الرد الأميركي في سعي لكبح المد الروسي من دون الوصول لصدام مباشر.

 ينعكس كل ذلك على جعل حلول الأزمات أكثر تعقيداً إذ يزيد من تصعيد لقوى إقليمية كما في الحالة السورية، أو يبين في الحالة الأوكرانية الانقسام الأوروبي أو الانكشاف الاستراتيجي للقارة إزاء “الحماية الأميركية”. ويمكن للجمود أو الاستعصاء دون وجود آليات فعّالة لحل النزاعات أن يقودا إلى مفاجآت أو تصعيد أو خروج عن السيطرة في مناخ التخبط الدولي السائد.

تترابط الأزمات داخل “أوراسيا” التي تبقى منطقة مركزية في تقرير السيطرة على العالم. ورغم أن العودة الروسية إلى المسرح الدولي بدأت في نزاع مع جورجيا في صيف 2008، لم يتأكد الصعود الروسي إلا مع ضم شبه جزيرة القرم في 2014 ولم يكن ذلك ليحصل لولا الاختراق الروسي على الساحة السورية وفي شرق المتوسط منذ 2012. ومما لا شك فيه أن هذا التقدم الروسي ارتبط بتغيير في الأولويات الأميركية انتهزه “القيصر الجديد” خلال حقبة باراك أوباما وإبان بدايات إدارة ترامب التي عطل شبح “روسيا غيت” من صياغة سياسة واضحة ومتماسكة حيال الأزمات التي تنخرط فيها موسكو.

انطلاقاً من موسكو وبناء على اللقاءات التي حصلت بين ترامب وبوتين، يسود الاعتقاد أن أزمة أوكرانيا لا تشكل أولوية في حسابات البيت الأبيض، وأن السياسة الأميركية في سوريا لم تشهد تغييراً ملموساً عما كانت عليه أيام الإدارة السابقة. ولذا استمر اندفاع بوتين لتسجيل المزيد من النقاط مع محاولة المزيد من القضم في الجوار الروسي المباشر والمزيد من النفوذ في الشرق الأوسط والخليج.

منذ سبتمبر الماضي تؤشر العديد من المعطيات إلى توترات ميدانية (المبارزة بالمناورات بين روسيا والناتو، العقوبات الأميركية ضد إيران والحروب بالوكالة أو الحروب السيبرانية واستمرار تفكيك الدول) والانقسامات الناتجة عن تصدع العولمة حول ملفات التجارة والتغير المناخي.

وكان من اللافت عودة سباق التسلح بشكل غير مسبوق في الفضاء والبحر وطبعاً في البر. وقد أدى التوتر في العلاقات الدولية لعودة الحديث عن احتمالات الحرب النووية، ووصل الأمر ببوتين للقول “إن روسيا قادرة على الرد المناسب على أي عدوان نووي عليها ولو تعرض الروس للإفناء وصعدوا إلى الجنة”. وإذا كان البعض يُدرجُ ذلك في سياق التهويل، لكن ربما يذهب رجل روسيا القوي بعيداً كي يتجنب هزيمة مماثلة لما جرى مع الاتحاد السوفييتي السابق بعد منتصف الثمانينات. وهذه القراءة لطبيعة الصراعات وارتباطها بتطور الرأسمالية يمكن أن تتقاسمها الصين التي تستفيد ملياً من مكاسب العولمة وأخذت تخشى من ردود الفعل الأميركية لمنع التحول لصالح آسيا بالإجمال.

بناء على هذه المقاربة الحذرة للعلاقات الدولية والتنافسية المحمومة، يبدو كأن فلاديمير بوتين في سباق مع الزمن لتحقيق اختراقات إضافية عبر تحركات استباقية. وفي هذا السياق يمكن تفسير ما حصل الأسبوع الماضي في مضيق كيرتش قبالة شبه جزيرة القرم. وقيام القوات الروسية على إثر ذلك باحتجاز ثلاث سفن أوكرانية. وكان الرئيس الأوكراني قد حذّر منذ أسابيع من تحول بحر آزوف إلى بؤرة توتر تمهد لقيام روسيا بضم شرق أوكرانيا كما حصل مع القرم. ويحاكي ذلك بشكل غير مباشر تحذير الرئيس الروسي لأوكرانيا من ملاقاة مصير جورجيا إذا تجرأت وردّت على حادث مضيق كيرتش.

بالطبع يمكننا أن نعتبر ذلك نزاعاً حول القانون البحري خاصة أن ممر كيرتش هو الرابط الوحيد بين البحر الأسود وبحر آزوف، وعبره فقط يمكن الوصول إلى الميناءين الأوكرانيين المهمين ماريوبول وبيرديانسك. ومنذ ضم شبه جزيرة القرم، في 2014، تراقب روسيا المضيق البحري من الجانبين، ما يصعب حركة المرور بالنسبة إلى السفن الأوكرانية. وظهرت انعكاسات المراقبة الروسية بعد إنجاز منشآت جسر القرم في مايو 2018. فالقنطرة تربط اليابسة الروسية بشبه جزيرة القرم. وتفرض سلطات الأمن الروسية إجراءات تفتيش على السفن الأوكرانية قد تستمر أحيانا لأيام، كما أن الحرب في منطقة دونباس تتسبب في متاعب إضافية للموانئ الأوكرانية.

هكذا أبرز التصعيد الأخير جدلاً حول خرق القانون البحري الدولي على ضوء اتفاقية القانون البحري الدولية المبرمة في 1982 والتي انضم إليها البلَدان في 1990. وفي الوقت الذي تشدد فيه أوكرانيا على حرية التنقل في مضيق كيرتش وكذلك في بحر آزوف، يحاول الجانب الروسي وضع حدود إقليمية استناداً إلى ضم القرم. لكن يوجد أيضاً بين البلدين اتفاق ثنائي حول الاستخدام الحر لممر كيرتش وبحر آزوف. وهذا الاتفاق تستند إليه أيضا كييف، كما أن موسكو لم تلغ العمل به أبدا. وهذا يزيد من تعقيد الموقف.

على الأرجح انطلق بوتين في تصعيده من قراءة موقف ترامب غير المبالي بالموضوع الأوكراني وربما فتش على فرض وقائع جديدة عشية قمة الأرجنتين وإجراء مقايضة عليها مع “صديقه الشخصي” ترامب. لكن حسابات المؤسسات في واشنطن لم تتطابق مع تخمينات روسية ما أودى بالقمة في أدراج الرياح. وعلى صعيد كييف ربما أراد الرئيس الأوكراني تغيير موازين القوى الداخلية قبل أشهر من انتخابات رئاسية صعبة بالنسبة له، ويمكن أن تلغيها أو تؤجلها أحكام عرفية استدعتها العملية الروسية.

الحسابات الخاطئة تظهر أيضاً على المسرح السوري أيضاً، إذ راهن بوتين على الاستمرار في التحكم بغالبية اللعبة من خلال تقاطعاته الإقليمية والدولية. لكن القرار الأميركي في البقاء عسكرياً في شرق الفرات إلى أجل غير مسمى، والضربات الإسرائيلية ليلة 29 نوفمبر، بالإضافة إلى فشل الجولة الحادية عشرة من مسار أستانة، تؤشر إلى مصاعب كبيرة ترتسم أمام الدور الروسي.

ومن المفترض أن التصعيد الروسي في الأزمة الأوكرانية لن يسهل التفاهم مع واشنطن في ملفات دولية أخرى أبرزها الملف السوري. وكان لافتاً استغلال إسرائيل السريع للخلل الأميركي – الروسي وقيامها بعد 75 يوماً من الاستنكاف على شن غارات وضربات ضد أهداف إيرانية- روسية ما يعني عدم احترام قيود فرضتها موسكو بعد إسقاط طائرة روسية في سبتمبر الماضي. وضمن مناخ التجاذب الأميركي- الروسي اعتبرت واشنطن أن “مؤتمر أستانة أدى إلى مأزق في سوريا” بعد الفشل في التوافق على تشكيل اللجنة الدستورية والوصول إلى طريق مسدود في مسار قادته روسيا. وهذا الخطاب الجديد والتمركز العسكري في شرق الفرات يعنيان نهاية عملية لتفاهمات لافروف – كيري وفتح صفحة جديدة من الصراع في سوريا وحولها.

يقول منظر الفلسفة الروسية الجديدة ألكسندر دوغين أن “معركة الروس من أجل السيادة على العالم لم تنته بعد” ويوضح نظريته على أساس أنه “لا معنى لوجود الشعب الروسي كجماعة تاريخية عضوية بدون إبداع قاري يقوم على بناء الإمبراطورية. ولن يغدو الروس شعبا إلا في إطار الإمبراطورية الجديدة. وعلى هذه الإمبراطورية، وفق المنطق الجيوبوليتيكي أن تتفوق من الناحية الاستراتيجية والمدى المكاني على الحالة السابقة (الاتحاد السوفييتي) وعلى هذا فإن الإمبراطورية الجديدة ينبغي أن تكون أوراسية قارية كبرى وأن تكون في المستقبل عالمية”. مقابل هكذا طرح وهكذا منطق هناك “أميركا أولاً” و”أميركا العظيمة” وهناك تهالك العولمة وهناك من يدفع الثمن حول العالم.

==========================

رهان طهران ودمشق على انهيار اتفاق سوتشي

محمود عثمان

الأناضول

السبت 1/12/2018

قبيل توقيع أردوغان وبوتين اتفاق سوتشي، كانت طهران ودمشق على أهبة الاستعداد لحسم معركة إدلب عسكريا، وكانت التحضيرات على أشدها لشرب نخب النصر المؤزر على آخر معقل للمعارضة. لكن الفيتو الأمريكي التركي المشترك ضد عملية عسكرية شاملة في إدلب، مهد السبيل أمام اتفاق سوتشي الذي رسم حدودا آمنة للمعارضة الوطنية السورية، واعترف بها داخل هذه الحدود، بشرط تنقيتها من العناصر الإرهابية بمساعدة تركيا.

التزمت تركيا ومعها المعارضة السورية بالبنود التي تعهدتها خلال الوقت المتفق. لكن نظام الأسد ومن ورائه طهران، ظن أن الفرصة قد سنحت له للقضاء على المعارضة الوطنية السورية، التي تمت تصفيتها بقرار دولي حتى حصارها في إدلب، فتجاهل الوعود التي قدمها في أستانا وجنيف وغيرها، بعد أن تعامل مع المسألة بشهية مفتوحة، ليبرهن نظام دمشق مرة أخرى إلى أي مدى يمكن الوثوق به.

لا شك في أن أهم إنجاز تحقق في قمة سوتشي بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، كان رسم خارطة النفوذ بالخطوط العريضة وبشكلها النهائي تقريبا. والاعتراف من طرف روسيا، وحتى أمريكا والأوروبيين من خلال الترحيب بالاتفاق، بإدلب ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون، حيث توجد المعارضة الوطنية السورية، مناطق نفوذ تركية، لا يجوز مساسها أو الاعتداء عليها.

** خروقات النظام والمليشيات الإيرانية المتكررة لاتفاق سوتشي

على الرغم من الترحيب الإيراني ظاهرا باتفاق سوتشي، إلا أن طهران سارعت بعد توقيع الاتفاق مباشرة إلى حشد مليشياتها مصحوبة بقوات نظام الأسد حول إدلب، في محاولة لحصارها وتضييق الخناق عليها، بذريعة شماعة الحرب على الإرهاب، ممثلا بهيئة تحرير الشام المصنفة أمميا "منظمة إرهابية".

تحت عنوان "إدلب السورية تحت حصار الإرهابيين الأجانب"، أشارت وكالة الأناضول إلى وجود 22 مجموعة من المليشيات الإيرانية الإرهابية المنتشرة على 232 نقطة في سورية، وتضم هذه المجموعات نحو 120 ألف مقاتل.

الوكالة أوردت بالتفصيل أماكن وأسماء المليشيات الإيرانية التي تحاصر إدلب، وبينت أنها تتوزع على ثلاث مجموعات منتشرة في ريف اللاذقية، وهي "حزب الله العراقي"، ولواء "ذو الفقار" العراقي، و"حركة النجباء". فيما ينتشر في مناطق ريف حماة الشمالي سبع مجموعات، وهي "حركة النجباء"، و"حزب الله اللبناني"، و"لواء الإمام علي"، ولواء "أبو فضل العباس"، و"لواء الباقر السوري"، و"فيلق القدس"، و"جيش المهدي".

كما تتمركز 12 مجموعة في الريف الغربي لحلب، وهي لواء "فاطميون الأفغاني"، ولواء "زينبيون الباكستاني"، و"حركة النجباء العراقية"، و"قوات بدر"، و"لواء الإمام علي"، و"لواء الإمام الحسين"، و"حزب الله اللبناني"، و"لواء الباقر السوري"، و"لواء القدس الإيراني"، و"جيش المهدي"، ولواء "غالبون"، و"عصائب أصحاب الحق".

كما أوردت وكالة رويترز نقلا عن المرصد السوري، أن طائرات حربية قامت بقصف مناطق خاضعة للمعارضة في الريف الغربي لحلب وريف إدلب، وذلك لأول مرة منذ الاتفاق الروسي التركي على إقامة منطقة عازلة في أيلول الماضي.

** تصاعد وتيرة التجاذبات الأمريكية الروسية تجمد العملية السياسية من جديد

التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي الخاص بالقضية السورية جيمس جيفري، التي وصف فيها بشار الأسد بأنه الأخطر على سورية من أي أحد، وأن موسكو ودمشق دمرتا سورية من أجل محاربة المعارضة، كانت الأقسى في الأيام الأخيرة. وهي تعني الرد على موسكو بالمثل، بعزم واشنطن القيام بإغلاق مسار أستانا ردا على موسكو التي عطلت مسار جنيف.

إلغاء اللقاء الذي كان مرتقبا بين الرئيسين دونالد ترامب وبوتين في باريس، على هامش الاحتفالات بالذكرى المئوية لوقف الحرب العالمية الأولى، ليس كما قيل يومها من أن الفرنسيين لم يرحبوا بقمة بين الرئيسين كيلا تخطف الأضواء من الاحتفالية التي حضرها أغلب قادة العالم. إنما جاء الإلغاء بسبب الخوف من فشل القمة، في ظل غياب التفاهم بين الأمريكان والروس حول القضايا الرئيسية، وفي مقدمتها الأزمة السورية، ما جعل لقاء الرئيسين بروتوكوليا عابرا خاليا من أي أجندة سياسية.

قيام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتغيير مبعوثه إلى سورية ستيفان ديميستورا، كان الهدف منه ممارسة قدر من الضغوط على أطراف الأزمة من أجل تحريك العملية السياسية. لكن ارتفاع حدة التجاذبات الأمريكية الروسية اضطرته إلى الرجوع خطوة للوراء، فتم تمديد فترة المبعوث القديم ديميستورا مرة أخرى.

** التصعيد الميداني وارتفاع وتيرة الاغتيالات التي تستهدف قيادات المعارضة

عودة العملية السياسية في سورية للثلاجة مرة أخرى، بسبب غياب التفاهم بين واشنطن وموسكو، سوف تؤدي إلى ارتفاع وتيرة العنف، ومزيد من التجاذب والاحتكاك والاشتباكات بين الأطراف المتحاربة، ما يؤمن لطهران مساحات واسعة من الحركة والمناورة من أجل تخفيف الضغوط التي تمارس عليها من الأمريكان في مناطق مختلفة.

قيام الطائرات الروسية والعراقية بقصف مواقع في دير الزور، وقيام الطيران الإسرائيلي باستهداف معمل السجاد في مدينة موحسن بريف دير الزور الشرقي، الذي تتخذه المليشيات الإيرانية مقرا لها، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 عنصرا، وقصفه مناطق في بلدة المريعية المجاورة لمطار دير الزور العسكري، كل هذه إشارات قوية على أن الأيام القادمة حبلى بالمزيد من التصعيد العسكري في الساحة السورية.

إرهاصات هذا التصعيد تجلت أيضا في ارتفاع وتيرة حوادث الاغتيال في الشمال السوري، التي شملت إلى جانب القادة الميدانيين، إعلاميين ونشطاء عاملين في منظمات المجتمع المدني. وقد جرت العادة في كل مرة على إلقاء التهمة على هيئة تحرير الشام. لكن حوادث الاغتيال الأخيرة تحمل بصمات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للنظام وللإيرانيين.

قبل أيام قليلة، استهدفت قوات الأسد والمليشيات الإيرانية التابعة لها بلدة جرجناز في ريف محافظة إدلب الشرقي، بعدة صواريخ ثقيلة طالت مدرسة تعليمية، راح ضحيتها 3 شهداء بينهم 7 أطفال وسيدتان.

الخروقات المستمرة من طرف قوات النظام تسببت في مجازر بحق المدنيين، كما أدت إلى نزوح عشرات العائلات من المدن للمناطق الزراعية. ثمة سيناريوهات بوليسية أسدية إيرانية روسية مشتركة، يقوم النظام بتطبيقها في حلب متبادلا الأدوار مع بعض التنظيمات الإرهابية، بهدف إلقاء التهمة على المعارضة السورية باستخدام أسلحة كيماوية محرمة دوليا.

قيام الإيرانيين ونظام الأسد بمثل هذه السيناريوهات قد يكون مفهوما، بل معتادا ومكررا، لكن توظيفها من طرف الروس أمر في غاية الخطورة. إذ يشكل إشارة واضحة على نية مبيتة لديهم إما للالتفاف على اتفاق سوتشي، أو التنصل منه كليا.

** هل تخاطر موسكو بنقض اتفاق سوتشي؟

من لدن توقيع اتفاق سوتشي، ما فتئ الإيرانيون ومعهم نظام الأسد يحاولون خرق سفينته، سواء من خلال الخروقات المتكررة لبنوده، أو / و، من خلال سعيهم المستمر لجهة إقناع موسكو بنقضه والتملص منه.

وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، لم يتردد بالتصريح بأن اتفاق سوتشي لا يلزم نظامه، وأن نظام الأسد عازم على اقتحام إدلب، وهذا يشكل خرقا واضحا لروح وبنود الاتفاق.

إلزام نظام الأسد بمخرجات اتفاق سوتشي، وإيقاف الخروقات الإيرانية من خلال مليشياتها المتموضعة حول إدلب، فضلا عن كونه مسؤولية الروس بشكل كامل، فهو امتحان جدية لموسكو، واختبار لمصداقية الرئيس بوتين تحديدا. إذ يجب عليهم القيام بدورهم كضامن لهذا الاتفاق الذي تبناه مجلس الأمن والأمم المتحدة.

من الواضح أن موسكو تستخدم اتفاق سوتشي ورقة ضغط على أنقرة كلما اقتربت الأخيرة من ترميم علاقاتها مع واشنطن. رأينا ذلك جليا بعد إطلاق تركيا سراح القس برانسون، ما أدى إلى عودة قدر من الدفء إلى العلاقات التركية الأمريكية، وكذلك عقب الثناء والمديح الذي وجهه مؤخرا الرئيس ترامب للرئيس أردوغان. فكلما حدث تقارب تركي أمريكي، ذهبت موسكو لجهة تسخين جبهة إدلب وحلب والشمال السوري عموما في محاولة للضغط على أنقرة.

رغم الضغوط الإيرانية الكبيرة على الروس، إلا أن موسكو لن تخاطر بنقض اتفاق سوتشي، ليس من أجل حماية مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا وحسب، إنما لوجود الفيتو الأمريكي أيضا.

==========================

الأسد مطمئناً لعودة العرب إلى حضنه

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 1/12/2018

ليس لدى بشار الأسد الذي عادت بعض الصحافة العربية إلى إطلاق صفة الرئيس عليه أدنى قلق بشأن إعادة تطبيع علاقاته مع العرب، بل إن هذا الملف لا يدخل في اهتماماته واهتمامات وزير خارجيته، وليد المعلم، لأن المسألة تحصيل حاصل، وهذه مشكلة العرب وليست مشكلته.

ينطلق الأسد في لا مبالاته هذه من فرضيةٍ بسيطة، تقول إنه ما دامت حكاية تحويل الثورة إلى حرب على الإرهاب انطلت على أكبر الرؤوس في العالم، وإنه فرض عليهم قاعدة أنا أو الإرهاب، والتي صنّعها باحترافية عالية في أقبية أجهزته الأمنية، وما دام قد فعل ذلك تحت أعين أعتى أجهزة المخابرات العالمية وأنوفها، فإن قضية تعرض نظامه لمؤامرة كونية، شاركت بها دول الإقليم، يجب أن تمرّر على العرب، وإن على هؤلاء أن يبادروا من تلقاء أنفسهم للبحث عن طريقةٍ لإعادة العلاقات مع نظامه، ويعرضوها عليه حتى يقرّر موافقته عليها.

ويستثمر الأسد، ونظامه، كل فرصةٍ ومناسبةٍ لبعث رسائل إلى الزعماء العرب، لتذكيرهم بخسارة رهاناتهم على إسقاطه، وتسامحه مع هذه السقطة الرهيبة، وأنه على الرغم من ذلك هو مستعد لتجاوز الأمر. ألم يوص الوفد البرلماني الأردني بأن يوصلوا إلى الملك عبدالله الثاني أنه نسي الماضي ويتطلع للمستقبل؟ لم يجد نائبا من الوفد، متوسط الذكاء، ليسأله: من يسامح من؟ وهل بلادنا هي التي طلبت من السوريين أن يثوروا على نظامك؟ ثم إنك دفعت بمليون لاجئ إلى بلادنا المنهكة والفقيرة، وارتحت من عبئهم، وما زلت تمنع عودتهم، وكنا ننتظر منك أن تشكر بلادنا على هذه الوقفة! ألم تقل سيادتكم إن هؤلاء هربوا من الإرهابيين، وإن لا مشكلة لديك معهم؟

والواقع، إن من السهل على الأسد أن يتبحج في المجالس، ويزاود على ضيوفه، فهؤلاء القادمون إليه يعبرون عن انبهارهم بانتصاره، وعن جمال سورية بعد الحرب الكونية عليها، وإن شعوب العرب وحكامهم هم الذين خانوه وخذلوه وتآمروا عليه. ماذا يتوقعون أن يرد عليهم الأسد، ما داموا هم يرخصون أنفسهم إلى أدنى درجة، فلن يكون مطلوبا منه الاعتذار أو الأسف على ما سبّبه من أزماتٍ ومصائب لبلادهم، إذا هم لم يشفقوا على بلدانهم وشعوبهم، فلن يفعل الأسد، ما دام شرط تبرئته من الجرائم يتناسب عكساً مع تحميل الآخرين أنفسهم المسؤولية عن جرائم ارتكبها الأسد وعصابته.

والحديث هنا طبعا عن الجزء البسيط المسموح لنا بمشاهدته والاطلاع عليه، أي زيارات وفود 

"هل يثبت العرب أنهم خلاف ما يظن ويعتقد الأسد بهم؟" برلمانية وحزبية ونقابية. وفي الغالب، لا تملك هذه الوفود صلاحيات كثيرة، ولا تتعاطى معها مؤسسات نظام الأسد وأجهزتها بجدّية، باستثناء توظيفها في الدعاية الموجهة لإحباط السوريين، وإخبارهم أن النظام نجا من السقوط، وها هم العرب (العربان حسب وصف إعلام النظام)، يتقاطرون لطلب رضاه وسؤاله المغفرة، في حين أن هناك قنوات أخرى، أدهى وأشد خطراً، الاستخباراتية والدبلوماسية، وأغلبها ظل عاملاً ولم تنقطع الاتصالات عبرها طوال فترة الأزمة، حيث تجري ترتيبات وصفقات وبيع وشراء، تجعل ما يحصل من خلال الوفود، ويشاهده الجمهور، ألعاب أطفال.

يقيم نظام الأسد الأنظمة العربية إجمالاً بأنها متخلفة على الصعد الاستخباراتية والدبلوماسية، وغير مستقلة بقراراتها، وقد كرّر الأسد هذا الأمر في أكثر من لقاء ومقابلة، فهو يعتقد أن إقناع أميركا وقبولها به أجدى وأوفر جهداً، لأن أميركا ستتكفل من تلقاء نفسها بإصدار الأوامر لـ"أتباعها" أو لـ"جماعتها" بقبول الأسد، المهم فقط الوصول إلى أميركا والتفاوض معها، وما عداها سهل ويأتي أوتوماتيكيا. وكان الأب حافظ الأسد يعتقد أن الأنظمة العربية رخوة تخاف من أي تهديد، ومن التلميح بإمكانية إرسال سيارة مفخّخة حتى ترضخ وتلين.

وثمّة قناعة لدى نظام الأسد، كانت تدهشنا، نحن السوريين، أن العرب، وتحديداً الخليجيين منهم، سيبنون كل حجر تم تدميره في سورية. يقولون ذلك بثقةٍ مفرطة، على الرغم من العداء الظاهري الصارخ، وإذ يصعب تفسير حقيقة من أين جاءوا بهذه الثقة، إلا أن ذلك يفسّر، بدرجة كبيرة، نظرة نظام الأسد إلى العرب وتصوراته المسبقة عنهم، وأنه عندما يتبجّح بقوميته وعروبته، فلا يعني ذلك تعصبّه لهم بقدر ما يعني تميّزه عن بقية العرب، بحيث يتصوّر العروبة هيكلاً يقف على رأسه، والباقي مجرد قاعدة مهمتها حمل هذا الهيكل وإسناده، تماماً كما اخترع حافظ الأسد فكرة أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، بحيث صارت الدولة والمجتمع والحزب خدماً للقائد المفدّى.

لذلك كله، يبدو بشار الأسد مطمئناً لعودة العرب إلى حضنه، وهو فقط ينتظر منهم تدبير إخراج هذه العودة، شرط أن يدفعوا ثمنها، ويجروا تسوية أوضاع معه، يتعهدوا بألا يعيدوا فعلتهم السابقة، لا بالتعاطف إعلامياً مع ضحاياه السوريين، ولا إيواء واستقبال من شرّدهم. لكن هل يثبت العرب أنهم خلاف ما يظن ويعتقد الأسد بهم، وأنهم هذه المرة عقلوها جيداً، وباتوا موقنين أن الاسد لا حضن له، ولن يكون له ظهر ولا حيثية، بعد أن أصبح ريشةً تتقاذفها مساومات اللاعبين الكبار، وأن المستقبل يلفظه، ومن الأجدى البحث عن حضن سواه؟

==========================

حالة تفاعلية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 1/12/2018

هناك محاولاتٌ عديدةٌ تشهدها الساحة الديمقراطية المعارضة، للرد على الدّرك الذي وصلت إليه نضالات الشعب السوري، والحال المأزقية التي بلغتها الأطراف والنخب السياسية، بسبب تشتتها وتبعثرها، وعجزها على صعيد الوعي والممارسة عن مقاومة خطط الأسدية والتيارات المذهبية المتعسكرة التي سرقت الثورة، وأخذتها من مشروعٍ مآله الحرية الى آخر راهن على إقامة نظام مذهبي، لن يكون غير تكرار موسع لنظام الأسدية الطائفي، يحمل صفاته وهويته، ويستكمل الكارثة التي دأب على إنزالها بالمجتمع السوري خلال قرابة نصف قرن من حكم سلطوي شمولي إرهابي، قرّر تدمير سورية بمنهجية وتصميم.

هذه المحاولات التي تنطلق جميعها من أفكار متقاربة، وأحيانا موحدة، ولها أهداف متماثلة أو متطابقة، تضيع في المسافة الفاصلة بين أفكارها المتقاربة وهدفها الواحد، أي في الممارسة الضرورية لترجمة أفكارها إلى واقعٍ جالب للحرية والعدالة والمساواة، الذي هو هدف الجميع، الذي لا يختلف عليه اثنان، لكنه يتحدّى قدرة المناضلين على رسم طريقٍ برنامجي له، يوحد قدرات أنصاره، ويمكنهم من بناء قيادةٍ ثوريةٍ تتولى إيصاله إلى مقاصده النبيلة، بعد تخطي ما يواجهها من عقبات، كافتقار النخب المناضلة إلى قيادةٍ تأخذ بممارساتٍ صحيحةٍ وفاعلة، متدرّجة ومستمرة، يحملها في مختلف مراحلها طيف متزايد الاتساع، من تنظيمات المجتمع المدني داخل سورية بصورة خاصة، وحاضنة الثورة المجتمعية التي يجب أن تستعيد رهاناتها الأولى، وأهمها "الحرية للشعب السوري الواحد"، الذي ينتظر العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية على يديها.

غاب عن العمل العام التواصل الدائم الذي يلزم النخب بتوحيد عملها حول ما تتفق عليه، ليس فقط من أهداف، بل من آليات نضالية، وممارساتٍ تتم مقاربة الهدف تدرجيا بواسطتها، لترجمته إلى واقع ملموس، وإنْ جزءا بعد آخر ومرحلة بعد مرحلة، شريطة أن تتم مقاربته بذلك الترابط الضروري لتحقيقه، في آخر مرحلة نضالية، كي لا تنفصل عما سبقها من خطى ومراحل.

ليست المسألة الديمقراطية قضية عملية بعد، بل هي مسألة تبدو اليوم أقرب إلى أحد مواضيع التسلية التي كثيرا ما يلاحظها المرء حيثما توجّه، فالجميع ديمقراطيون، ولا همّ لهم غير إيجاد حلولٍ للاحتجاز الثوري القائم، وهم في حوارٍ لا يتوقف، على الرغم من أنه متقطع، حول بناء تنظيم أو قطبٍ أو تيار أو توجه ديمقراطي موحد وفاعل، يقول معظم من ينطقون باسمه إنهم سبقوا غيرهم إلى بنائه، وإن على الآخرين الانضواء في ما توصلوا إليه، أو الالتحاق بهم. إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يلاحظ أحد هذا التحول النوعي في الواقع وخطابه، ويبدو وكأن عقبة الانتقال من الفكر إلى العمل عصية على التجاوز؟

لم يعد تعدّد المحاولات حالة صحية. وليست مساراته المتوازية التي لا تتقاطع خيوطها منتجةً بدائل، ما لم ينجح أحد الأطرف في بناء مركز قادر على اكتساح الجميع أو استقطابهم، وعلى إخراج النضال الثوري من قمقم اجتهاداتٍ يحجب تماثلها غالبا الخلاف بين من يقفون وراءها ويحتجز رغبتهم في التوافق، الذي يكون عادةً الخطوة التالية بين من لديهم أفكار وأهداف موحدة أو متقاربة، فما قولك إن كانت متطابقة، لكن تطابقها لا يدفعهم إلى إقامة علاقاتٍ موضوعية، تنسيهم ذواتهم، وتتكفل بإيصالهم إلى أفعل ممارسات النضال، بدل إثارة الشقاق بينهم، كما يلاحظ في كل مكان، حيث يندر أن يسمع المرء رأيا إيجابيا أو منصفا حول رفاق الدرب الثوري، الذي يعرفه الجميع بالتفصيل، ويتحدثون عنه باستفاضة، لكن أحدا منهم لا يقوم بالخطوة التالية، التي من شأنها أخذه إلى نهايته، على طريقٍ واضحة المعالم، وبالتعاون مع رفاق دربه.

==========================

هل ستبقى مواقع التواصل الاجتماعي صوت الشعوب؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 1/12/2018

الجميع يتحدث عادة عن الديكتاتوريات السياسية والعسكرية، لكن لا أحد يتحدث عن الديكتاتوريات الإعلامية التي تجتاح العالم وتدخل البيوت دون استئذان، مع العلم أنها ليست منتخبة ديمقراطياً، بل تفرض نفسها على الشعوب بشتى الطرق والوسائل الملتوية لتفتك بالعقول وتشكل الرأي العام حسب مصالح مموليها والمسيطرين عليها. وقد كان الإعلام في العالم العربي على الأقل حتى سنوات مضت أداة إرهاب وترهيب في أيدي الدول والحكومات لتطويع الشعوب وتركيعها وتدجينها خدمة للديكتاتور والديكتاتوريات. لكن هذا الوضع بدأ يتغير منذ العقود الثلاثة الماضية عندما ظهرت تقنيات البث الفضائي والأقمار الصناعية، مما سمح لجهات كثيرة بإنشاء قنوات فضائية، بعضها ظل تحت سيطرة الحكومات وأذنابها من رجال الأعمال والمتمولين، والبعض الآخر استغل الفضاء المفتوح جزئياً للتحرر من ربقة الطغيان المخابراتي الذي ظل يدير الإعلام الرسمي منذ منتصف القرن الماضي.

لكن الثورة الفضائية رغم نجاحاتها الكثيرة، انحسرت في نهاية المطاف في أيدي الدول، مع استثناءات قليلة شذت عن الخط الرسمي. لكن الأغلبية بقيت تدور في فلك الحكومات. ولعل الامبراطورية الإعلامية السعودية أكبر مثال على ذلك، فعلى الرغم من إطلاق عشرات القنوات والصحف العابرة للحدود، إلا أنها ظلت أسيرة التوجهات السعودية الرسمية، خاصة وأن ممولي تلك القنوات هم من حاشية السلطة والمقربين منها سياسياً ومالياً. لكن قبضة الديكتاتوريات العربية على وسائل الإعلام تلقت ضربات موجعة عندما ظهرت الهواتف الجوالة، وأصبح كل من يحمل موبايلاً صحافياً أو مراسلاً بطريقته الخاصة. وقد ساهمت تطبيقات الاتصالات والتواصل الحديثة عبر أجهزة الموبايل في تحرير الإعلام وإخراجه إلى حد ما من ربقة الأجهزة، بحيث صار الناس يتداولون الأخبار التي تهمهم عبر أجهزتهم بعيداً عن الدول، مما حرم الإعلام الرسمي والإعلام شبه الرسمي الدائر في فلك السلطات الكثير من التأثير والانتشار. لكن بالرغم من انتشار وتأثير تطبيقات التواصل الخليوية، إلا أنها تبقى تحت رحمة الدول التي تستطيع إما حجبها أو مراقبتها أحياناً. ولا ننسى أن الكثير من الحكومات العربية وضعت قوانين صارمة لملاحقة مجرمي االتواصل الاجتماعي. وهناك أجهزة ووسائل مراقبة للتجسس على الاتصالات والتواصل بين الناس، بحيث بات البعض يرسل لك رسالة عبر تطبيق الواتساب وغيره، ثم يمحوها من جهازه فوراً خوفاً من الملاحقة خشية أن تطّلع عليها كلاب الصيد السايبرية.

ليس هناك الآن بلد عربي لا يمتلك جيشاً أو ذباباً الكترونياً تديره أجهزة المباحث والمخابرات للترويج لوجهة النظر الرسمية ولإرهاب الشعوب وتحويل تلك المواقع إلى مجال حيوي للدول والحكومات

لكن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها من المواقع التي انتشرت كالنار في الهشيم بين شعوب العالم، والشعوب العربية خاصة، جعلت الكثيرين يظنون بأن الإعلام سيخرج نهائياً هذه المرة من يد الحكومات ووزارات الإعلام العربية. وهذا ما حدث فعلاً منذ سنوات، بحيث أصبحت مواقع التواصل لأول مرة في التاريخ البشري صوت الشعوب الحقيقي، بحيث تحول كل فرد يملك جهاز كومبيوتر أو حتى هاتفاً خليوياً إلى ناشر وصحافي بطريقته الخاصة. ولا يكلف المرء سوى فتح حساب شخصي أو صفحة على مواقع التواصل ليبدأ بمخاطبة العالم أجمع بالنشر والتعليق والتوجيه. وهنا فعلاً وجدت الدول نفسها لأول مرة في تاريخها في الزاوية، بحيث خرج الأمر من يدها تماماً رغم كل ما استثمرته في التجسس والمراقبة والضبط. بالطبع لا يمكن للدول أن تراقب ملايين الحسابات على مواقع التواصل، ولا يمكنها أيضاً أن تعاقب ملايين البشر على ما ينشرون إذا ما خرجوا عن طوقها. إلا أن هذه الفرحة بظهور مواقع التواصل وتحولها إلى برلمانات شعبية حقيقية للتأثير على الحكومات وتفنيد رواياتها السياسية والاجتماعية، بدأت تتلاشى في الآونة الأخيرة.

وجدتها وجدتها، صاحت الدول. لماذا نترك هذا الفضاء التواصلي الرهيب تحت سيطرة الشعوب؟ لماذا لا نتدخل نحن بطريقتنا لاستغلال تلك المواقع للدعاية والترويج والتضليل بنفس الطريقة التي كنا نشتغل بها في وسائل الإعلام التقليدية القديمة؟ وفعلاً بدأت الدول تصنع جيوشها الالكترونية الجرارة، وتنفق عليها الملايين لكبح المد الشعبي لتلك المواقع. ليس هناك الآن بلد عربي لا يمتلك جيشاً أو ذباباً الكترونياً تديره أجهزة المباحث والمخابرات للترويج لوجهة النظر الرسمية ولإرهاب الشعوب وتحويل تلك المواقع إلى مجال حيوي للدول والحكومات. وقد شاهدنا كيف جندت السعودية عشرات الألوف من الشبان لمهاجمة كل من ينتقد النظام، لا بل إن الإرهاب والترهيب الحكومي في السعودية أدى إلى خروج ملايين المغردين السعوديين رغماً عنهم من موقع تويتر مثلاً ليفسحوا المجال للون واحد من الرأي، ألا وهو رأي الذباب الكتروني الذي يسبّح بحمد النظام وحاشيته.

حاول أن تنشر أي استطلاع حول قضايا سعودية في تويتر حيث يسيطر الذباب الكتروني، فستجد أن غالبية المصوتين من الذباب، بحيث تكون النتيجة لصالح النظام، لكن ليس نتيجة استفتاء حر، بل نتيجة تجنيد ألوف المرتزقة للتصويت باتجاه معين. وبذلك تكون بعض مواقع التواصل قد أصبحت وسائل دعاية لهذا النظام المتنفذ أو ذاك، خاصة وأن المغردين المستقلين والأحرار يخشون أحياناً من التعبير عن آرائهم الحقيقية بعد أن بات المنشور التويتري أو الفيسبوكي يودي بصاحبه إلى غياهب السجون.

والأخطر من ذلك، وبعد أن بدأ بعض مواقع التواصل يتخلى عن وظيفته التواصلية ويتجه باتجاه العمل التجاري، راح الكثير من المتمولين والحكومات الثرية تحاول شراء الحصص في مواقع التواصل الدولية للسيطرة عليها وتسييرها في الاتجاه الذي يخدمها، ولطرد الأصوات التي يمكن أن تزعجها. ولطالما سمعنا عن اختراق بعض الدول لهذا الموقع أو ذاك. وإذا استمرت النزعة التجارية في مواقع التواصل، فستجد الدول، وخاصة الثرية، منفذاً واسعاً لها للتغلغل فيها وحرفها عن مسارها التواصلي وتحويلها إلى أدواة دعاية وترويج مدفوعة الثمن. وبذلك تأخذ الدول والحكومات زمام المبادرة ثانية في السيطرة على وسائل الإعلام التي ظننا خطأً أنها خرجت من قبضتها.

كاتب واعلامي سوري

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com