العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-10-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

مأزق بوتين .. علي العبدالله

المدن

الخميس 6/10/2016

لم يكن الخلاف على تنفيذ تفاهمات لافروف – كيري في جنيف، والاشتباك الدبلوماسي والإعلامي الأميركي/الغربي – الروسي، والاتهامات المتبادلة بعدم الالتزام بالاتفاق، وحملة النقد والتشهير بالموقف الروسي على خلفية التصعيد العسكري في معظم المحافظات السورية، وخاصة مدينة حلب، بوصف عملياتها ب “البربرية” و “الهمجية” وسلوكها العام ب “الخداع”، من جهة، ورد موسكو المهدد بزلزلة المنطقة إذا ما هاجمت واشنطن النظام السوري، من جهة ثانية، لم يكن سوى رأس جبل الجليد، فالاختلاف بين الدولتين أكبر وأعمق بكثير من عدم تنفيذ تلك التفاهمات، يرتبط بقضايا جيواستراتيجية وجيوسياسية تشمل ملفات كثيرة عالقة بينهما ترتبت على تصفية تركة الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي والنظام آحادي القطبية الذي كرّس الهيمنة الأميركية، والضمانات الغربية التي أعطيت لروسيا لإقناعها بالتخلي عن نفوذها في أوروبا الشرقية، والتي، الملفات العالقة، كانت في خلفية موقف روسيا في الملف السوري وانخراطها في الصراع في سوريا وعليها.

تفق محللون وباحثون سياسيون على أن الدافع وراء دعم بوتين للنظام السوري وزجه بقواته في الصراع ليس سورياً، رغم أهمية سوريا بالنسبة لاهتماماته الجيوسياسية، بل ما يعتبره خطة أميركية للتدخل في شؤون الدول الأخرى وقلّب أنظمتها الشرعية عبر تشجيع الثورات الملوّنة، وان السكوت على هذه السياسة سيخلق سوابق من غير المستبعد أن تطال روسيا ذاتها يوما ما، فروسيا تتذكر مقولة كيسنجر الشهيرة: “روسيا مازالت كبيرة لذا فهي خطيرة” وتعي دلالاتها ومغزاها ومترتبات العمل بهديها، وتلمس مؤشراته من خلال نشر الدرع الصاروخية في دول الجوار الروسي( تشكيا، بولندا، تركيا، كوريا الجنوبية) وتمدّد حلف شمال الأطلسي نحو حدودها الغربية بضم دول جديدة إليه، على الضد من الوعود التي قطعها الحلف للاتحاد السوفياتي، وروسيا لاحقا، خلال مفاوضات توحيد ألمانيا وانضمام دول أوروبا الشرقية الى الاتحاد الأوروبي، وقد أثار إسقاط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش بثورة شعبية  وبدء التفاوض حول انضمام أوكرانيا الى الاتحاد الأوروبي، هواجس ومخاوف بوتين حيث اعتبر المفاوضات مقدمة لانضمام أوكرانيا الى حلف الأطلسي، والذي رأى فيه ضربة لمشروع الاتحاد الاوراسي، الذي راهن عليه كمعادل للاتحاد الأوروبي وكمدخل لاستعادة النفوذ الروسي في دول الجوار، باعتبار أوكرانيا حجر الزاوية فيه، فبدونها يفقد هذا الاتحاد معناه كلية في ضوء حجمها وموقعها الجغرافي وإمكانياتها الصناعية والاقتصادية، وقد علّق زبيغينيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي في إدارة الرئيس جيمي كارتر 1977  1981، على ذلك قائلاً: “من دون أوكرانيا لن تكون روسيا دولة عظمى”. فأوكرانيا تقع في نطاق دبلوماسية “الجوار القريب” الروسية القائمة على صيغتين: إما بسط هيمنة موسكو ب “الواسطة” على دول “الجوار القريب”، كما كان الحال مع أوكرانيا، وما هو عليه الوضع مع طاجيكستان وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في منطقة القوقاز، أو تحييدها قسراً ومنع انضمامها إلى حلف الأطلسي، كما هو الحال مع فنلندا وبيلاروسيا، وهذا يستدعي ليس منع دخول أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف الاطلسي بل وتعزيز النفوذ الروسي فيها وبناء علاقة سياسية مستقرة ودائمة معها لما لها من أهمية جيوستراتيجية كبرى: الممر السهلي نحو أوروبا الغربية. وهذا دفع الصحفي الروسي أوليغ كاشين لاعتبار أوكرانيا كلمة السر لفهم الموقف الروسي في سوريا، ورأى في التدخل الروسي فيها ردا على رفض الغرب للتدخل الروسي في أوكرانيا وضم جزيرة القرم، وتوقع أن يبقى بوتين على موقفه المتصّلب فيها حتى يقبل الغرب الحديث معه حول أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية.

 

يكمن مأزق بوتين الراهن في ثلاثة مستويات، المستوى الأول عجزه عن تحقيق نصر حاسم ضد المعارضة المسلحة ما سيضطره للبقاء في حالة حرب مفتوحة ومجهولة النتائج، فقد اعترف محللون روس في تعليقهم على مرور عام على التدخل الروسي في سوريا “ليس بالنتائج المتواضعة للتدخل العسكري فقط بل وباحتمال استمرار الحرب مدة طويلة”، وما ينطوي عليه ذلك من انعكاسات خطيرة على الوضعين السياسي والاقتصادي، ناهيك عن فشله في تحقيق اعتراف دولي مناسب بدور روسيا عن طريق قبول دول العالم بتشكيل تحالف دولي معها ضد الإرهاب، وفق قول قسطنطين كوساتشيوف٬ رئيس لجنة الشؤون الدولية في المجلس الفيدرالي، وتأكيد وكالة الأنباء الروسية “ريا نوفوستي” “عدم تمكن روسيا من القضاء بشكل نهائي على الإرهابيين٬ بينما لم تشهد عملية التسوية السياسية للأزمة السورية أي تقدم خلال عام كامل على العملية الروسية في سوريا”. وقد زاد مدى تراجع قدرات جيش النظام والمستوى المتدني جدا للقدرات القتالية للتنظيمات الشيعية، باستثناء حزب الله، التي تعمل إلى جانبه حراجة موقف بوتين(عبّر مصدر سياسي أجنبي عن دقة الموقف بقوله: ” بات فلاديمير بوتين يدرك حدود القوة العسكرية ويعي أن التدخل الروسي في سوريا يواجه مأزقا كبيرا، وأن الغارات الجوية، بغض النظر عن كثافتها، لن تكون كافية لحسم مصير الأرض”). والمستوى الثاني لمأزقه سقوطه الأخلاقي على خلفية استهدافه المدنيين في الاسواق والمشافي والمدارس، ودعمه نظاما مارس القتل ضد مواطنيه ودمر معظم المدن والبلدات التي خرجت عن سيطرته. وأما المستوى الثالث والأكثر أهمية وخطورة بالنسبة له فرفض واشنطن الدخول في مفاوضات حول الملفات العالقة بينهما والعمل على اغراقه اكثر في سوريا عن طريق تقديم التنازلات فيها وتحميله عبء الملف السوري ونتائجه السياسية والاخلاقية وسط انسداد أفق الحل السياسي. وهذا أثار حفيظته ودفعه الى “الانتقال من دور المتحفظ في معركة حلب الى قيادة معركة استعادة المدينة واقتحام أحيائها الشرقية وتدمير كل البنى التحتية والخدمية والطبية فيها”، وجاء رده على تعليق واشنطن للمفاوضات الثنائية معه بالهروب الى الأمام عبر زيادة عدد طائراته في سوريا، وتعليق العمل باتفاقية إعادة تدوير(تصنيع) البلوتونيوم، وطرحه مشروع قرار على مجلس الدوما يقضي بمد فترة الانتشار العسكري في سوريا الى أمد غير محدود، ما سيزيد في تورطه العسكري والسياسي ويزيد في خسائره المادية والبشرية، ويعمق سقوطه الأخلاقي وتحوّل روسيا الى دولة منبوذة، كما جاء في تعليق وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون.

========================

موقفنا : الولايات المتحدة بين أزمتي الصواريخ الكوبية – والسورية .. أوباما وجيل الماكدونالدز الأمريكي .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

9 / 10 / 2016

التاريخ لا يعيد نفسه ، البشر هم الذين يعيدونه . وكثيرا ما يتقمص الأبناء تجارب الآباء أو الأجداد ، لتستدرك ما كان فيها ، أو ما تظن أنه كان فيها من إفراط وتفريط .

يستعيد التاريخ الدبلوماسي الدولي هذه الأيام وقائع أزمة الصواريخ الكوبية ، التي وقعت في تشرين أول ( أكتوبر ) ( 1962 ) أي قبل أربعة وخمسين عاما بالضبط . السنوات الأربع والخمسون ، تمثل تحولات أساسية في المشهد الدولي على أكثر من مستوى يحتويها مشهد أزمة جديدة أ انتصرت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بالأمس وتبدو فيها هذه الأيام آيلة لحالة من الاستسلام القدري المحبَط والمحبِط معا .

بين الأزمتين ..

صحيح أن سورية في موقعها الجغرافي ، ليست كوبا ، ولا يشكل نصب المنظومات المتطورة للصواريخ الروسية فيها تهديدا مباشرا للأراضي الأمريكية . ولكن هذه الصواريخ في الوقت نفسه لا تشكل تهديدا مباشرا للشعب السوري ، الذي تقوم القاذفات الروسية بإبادته كل يوم بأطنان القنابل دون أن يسمح له أن يمتلك أبسط أنواع أسلحة الدفاع الجوي ، ليدافع عن الإنسان والعمران ، ليبقى السؤال مفتوحا هذه الصواريخ تنصب ضد من ؟ ولتهديد من ؟

الصواريخ الروسية التي نصبت في سورية منذ عام ، والتي تم تعزيزها كما وكيفا منذ أيام ، في سياق حملة إعلامية مشحونة بكثير من عبارات الاستفزاز غير الدبلوماسية ، يطلقها القادة الروس على كل المستويات ضد الولايات المتحدة ، والتي تشتمل على عبارات تحدي ، واستهتار بالولايات المتحدة : الإدارة والإرادة على السواء .

إن نصب منظومات الصواريخ الروسية ( اس 400 ) و ( اس300 ) ، ونقل البوارج والمعدات الروسية إلى سورية يمثل في إطار المشهد الدولي الحالي : أولا عملية تحد علني ومباشر للإرادة الأمريكية ، ليس على مستوى سورية وحدها ، والتي كما يقولون لا تهم الأمريكيين كثيرا ، بل على مستوى العالم أجمع ، , في عالم أصبح قرية ، يثرثر سكانه على مسمع ومرأى من بعضهم كما سكان قرية ، لا يمكن لدولة كما لا يمكن لرجل أو امرأة في قرية أن تفقد هيبتها وسمعتها في زاوية ثم تحتفظ بها في زاوية أخرى .

 على صعيد حسابات المصالح يدرك كل المتابعين الموضوعيين أن أوباما ما زال على طريق التفريط بالمصالح الأمريكية ( خطوة ..خطوة ) . ويدرك كل الساسة أن ما يفقد لا يسهل استعادته . وأن الحفاظ أسهل من الجبر بعد الكسر .

 ( الولايات المتحدة الأوبامية) التي خسرت (أوكرانيا) في منظومة شرق أوربة ، التي خذل أوباما شعبها ، على نحو ما خذل السوريين ، والذي سمح بنصب ترسانة لا يستهان بها من الأسلحة والقواعد الروسية خلف الحدود التركية ، تركية التي كانت الموقع المتقدم لصواريخ الناتو الموجهة للأراضي السوفيتية ؛ هذا التخاذل الأمريكي جعل تركية تهرع لإعادة النظر في علاقاتها مع روسية ، ربما يتساءل الناس بحق : أي معنى سيبقى للدرع الصاروخي ، الذي يتبجح به الأمريكيون والناتو ، بعد أن أغلق الروس بمنظوماتهم الصاروخية ، فضاء البحر الأبيض المتوسط ، وجعلوا كل دوله في شرق هذا البحر وغربه وشماله وجنوبه في مرمى الصواريخ الروسية.

لن يجدي كثيرا أن نمضي أكثر في تحليل تداعيات أزمة الصواريخ الروسية في سورية ، ما زلنا نتعامل مع رئيس أمريكي ( أبله ) ، وفاقد للإرادة ، وكان كل رأسماله في عالم السياسة بضعة عشر عاما من المحاولات الانتخابية الناجحة والفاشلة وخطاب عاطفي في يوم وطني أمريكي ، جعل الحزب الديمقراطي يلتقطه لينافس به ، كما ينافس الجمهوريون اليوم بوجهه الآخر ترامب ..

مهما كانت القراءة والتحليلات والتفسيرات والتبريرات للمشهد الدولي اليوم ، فإن الحقيقة الماثلة اليوم هي أن العالم ينزلق بقوة في فضاء حرب باردة جديدة ، يندفع فيها بوتين كثور هائج ، ومهما قيل عن لياقة الاتحاد الروسي ومؤهلاته لملأ فراغ الاتحاد السوفييتي على كل من الصعد ( الإييولوجية ) و ( السياسية ) و ( الاقتصادية ) ؛ إلا أنه كما يبدو يحرز انتصارات مبهرة ضد عدوه ( الأمريكي ) انتصارات جعلت كل من تركية ومصر والعديد من دول المنطقة تعيد حساباتها في تحديد مواقفها منه ، وجعلت شعبا مثل الشعب الأوكراني يدفع ثمن التخاذل الأمريكي من ( أرضه ) ومن كرامة أبنائه ، بينما يدفع الشعب السوري ثمنه من دماء أطفاله ونسائه ومستقبله ..

يُقال إن استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة كلها تشير إلى أن الأكثرية هناك تريد أن تظل تهز كتفيها لما يجري في العالم ، مؤيدة سياسة الرئيس أوباما . وإنه لأمر بحاجة إلى المزيد من التفهم والتحليل.

بمقارنة بسيطة بين الرئيس الأمريكي ( جون كيندي ) بطل أزمة الصواريخ الكوبية ، المولود في ثنايا الحرب العالمية الأولى ، والمعايش بوعي للحرب العالمية الثانية ، والذي استطاع بالعزيمة والتصميم أن يقتلع الصواريخ الروسية من كوبا ، وأن يضطر السوفييت وزعميهم ، الأشد حماقة من الثور الهائج بوتين ، زعميهم الذي خلع يوما حذاءه ليقرع منبر الأمم المتحدة ، أن يحملوا صواريخهم ويعودوا بها إلى محيطها السيبري الذي ظل محاصرا بسوره الحديدي ؛ وبين الرئيس أوباما الذي فتح عينيه وعمر شبكة مطاعم ماكدونالدز تسع سنوات فقط ؛ وإذا مزجنا العسكري بالسياسي بالاقتصادي بالاجتماعي ؛ نستطيع أن نجزم أن جيل ( الماكدونالدز ) يؤمن اليوم أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان ...

لو كان مثل جون كينيدي اليوم في البيت الأبيض ، لما تجرأ بوتين الروسي أن يقرع بحذائه منبر الأمم المتحدة كما قرعه خروتشوف السوفييتي ، ولو كان مثل كينيدي في البيت الأبيض لفكر تشوركين طويلا قبل أن يرفع يده بالفيتو الأول في مجلس الأمن ، وليس بالفيتو الخامس وسط حرب إبادة يومية متلفزة يمارسها الروسي تحت المظلة الأوبامية الأمريكية في سورية . قالت العرب : خلا لك الجو فبيضي واصفري ..

ويبقى سؤالنا أي دور وأي عبء يتحمله الأحرار السوريون ليسدوا فراغات الخلل في الموقف الدولي والموقف الإقليمي . إذا كانوا مصممين على الانتصار .

نزداد إيمانا وثقة ويقينا وعملا ونقول : حسبنا الله ونعم الوكيل

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

إيران ضد أي سلام في سوريا حتى الآن! .. هدى الحسيني

الشرق الاوسط

الخميس 6/10/2016

اللواء يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي متوجس، فهو حذّر بصراحة مطلقة روسيا والولايات المتحدة من تجاهل «حصة إيران في سوريا» وقال إنه يتخوف من أن تؤدي الاتصالات السرية بين البلدين إلى «حصة أقل لإيران».

لكن ما نوع الحصة التي تريدها إيران، وهل روسيا معنية كثيرًا بأهداف إيران؟ الطرفان يختلفان حول مصير الأسد وكل لأسبابه الخاصة. فبسبب موقع سوريا الاستراتيجي، تنظر إيران إلى التسوية السلمية وسيلة للحفاظ على نفوذها، وفي جهدها لتحقيق هيمنة إقليمية فإنها ترى سوريا أفضل ممر لإمداداتها ل«حزب الله» في لبنان. تدرك أن أي اتفاق سلام لإيقاف الحرب سيؤدي إلى تقاسم السلطة على أساس عرقي - مذهبي سيكون بالطبع عرضة لشلل سياسي، لذلك فإنها تفضل ألا تكون هناك سلطة مركزية، لأنها تريد المحافظة على الأرض السورية جسرا لجماعاتها في لبنان. وبالتحديد فإن الأسد ودائرته الضيقة هما الحلقة الرئيسية والأساسية لإبقاء النفوذ الإيراني.

على الرغم من أن الطائفة العلوية تشكل 13 في المائة من مجموع السوريين، فإن هناك كثيرا من العائلات العلوية القوية التي تخاصم الأسد وترفض إيران. الاعتقاد السائد هو أن طهران تدعم النظام السوري لأن الطرفين من الطائفة الشيعية التي هي أقلية في عالم سني. لكن كما يقول الباحثون إن الاستراتيجية الإيرانية تعتمد على عوامل جيوسياسية، وليس على عوامل مذهبية، خصوصًا بين شيعة إيران والعلويين في سوريا. إيران تقولب كل الحقائق لتحمي مصالحها الإقليمية. عام 1960 عندما وصل ضباط علويون إلى الحكم، لم يقيموا علاقات وثيقة مع طهران، لكن الحرب العراقية - الإيرانية حققت نقطة التحول. كانت طهران مع ثورتها الخمينية مرفوضة من الغرب، ومتخوفة من الاتحاد السوفياتي، كانت تبحث عن حلفاء. من ناحيته كان حافظ الأسد الرئيس السوري آنذاك يعادي البعث العراقي، فالعالم العربي بنظره لم يكن يتسع ل«بعثين»، فرأى في الحرب فرصته لإضعاف بغداد. اشترت إيران موقفه إلى جانبها بتوفير النفط المجاني لسوريا عام 1982، لكن العلاقات «الدينية» بين شيعة إيران وعلويي سوريا ظلت متوترة كالعادة. وفي عام 1985 كشفت برقية دبلوماسية أميركية عن أن شيعة إيران يرون العلويين «هراطقة»، ووصل الأمر عام 1996 إلى أن أرسلت إيران مرشدين إلى أوساط العلويين في سوريا فألقى النظام القبض عليهم.

أيضا عام 1987. عندما استمد «حزب الله» قوة من إيران لاعتقاده أنها تحقق مكاسب في الحرب ضد العراق، قاتلت القوات السورية في لبنان «حزب الله»، لأن مكاسبه على الأرض هددت التوازن الهش بين الطوائف فيه. ثم إن سوريا لم تشعر براحة عندما بدأ «حزب الله»، بناء على أوامر الحرس الثوري الإيراني، بخطف الغربيين في لبنان. وكانت دمشق هي من كشفت عن مبيعات الأسلحة الأميركية لإيران أثناء الحرب ضد العراق، فيما عرف بقضية «إيران كونترا».

بنت إيران وسوريا تحالفًا دفاعيًا يقوم على الخصوم والمخاوف المشتركة بينهما، من هنا، فإن العلويين في سوريا كلهم يتعاونون مع إيران إذا ما شعروا بتهديد وجودي، وفي حال تم التوصل إلى اتفاقية سلام تضمن أمن العلويين فالأغلب أن تنأى الطائفة العلوية بنفسها عن إيران.

أيضا، لا تستطيع إيران من أجل تثبيت نفوذها في سوريا الاعتماد على الشيعة السوريين، إذ إنهم يمثلون اثنين في المائة، وكون الحجم الديموغرافي يحدد الثقل السياسي فلن يكون للشيعة السوريين الوزارات أو الوظائف الإدارية الأهم في نظام تقاسم السلطة في سوريا ما بعد الحرب، وبالتالي لا يمكن لأي كتلة شيعية أن تمنع أي تشريع تتبناه الأغلبية السنية، وهذا يعني الحد من نفوذ إيران في سوريا. من هنا، فإن بقاء الأسد هو خيار إيران الأفضل للحفاظ على نفوذها بعد أي تسوية.

فوق كل هذا مع إطالة الحرب في سوريا، تحول بشار الأسد من حليف إلى ورقة بيد إيران نتيجة اعتماده عليها للإبقاء على نظامه. هذا الواقع لم يغب عن العائلات العلوية المتناحرة التي ترفض تبعية الأسد لطهران. لذلك، فإن الأسد المتخوف من أن يطاح به من قبل الدائرة العلوية، مستعد أن يقدم ضمانات للمصالح الإيرانية في سوريا طالما أنها من أجل هذه المصالح تحميه من أي انقلاب داخلي محتمل.

اليوم تتخوف إيران من أن يؤدي سقوط الحكم العلوي إلى حكومة سنية يمكن أن تتحالف مع المملكة العربية السعودية، التي تعتبرها إيران السد الواقف في وجه تحقيق سيطرتها المطلقة على المنطقة. وتتخوف كذلك من العزلة الإقليمية التي ستلي ذلك. يقلقها أيضا أن سوريا السنية ستمنعها من إيصال الأسلحة إلى «حزب الله» في لبنان.

وهكذا، من شأن سقوط نظام بشار الأسد أن يمحو كل المكاسب الإقليمية التي تعبت لتحقيقها، عبر الإرهاب ونشر عدم الاستقرار طوال 37 سنة من عمر الثورة الإيرانية.

إن طهران لا تستطيع تحمل فقدان العلويين السلطة في سوريا، ولهذا السبب فإنها سوف تتشبث بقوة للإبقاء على الوضع الراهن؛ إذ طالما بقي هناك حجر واقف، تفضل إيران استمرار الحرب.

إنه الخوف من وصول السنة إلى الحكم في سوريا الذي يجمع إيران والنظام السوري. إنه حلف دفاعي مبني على المصالح، وتأكيد الجذور الشيعية، هو خدعة لتأليب ضعيفي النفوس ودفعهم إلى أن يكونوا وقودًا لنيران حرب تشد إليها كل القتلة. واعتقاد بعض الدول بأن إيران جزء من الحل، ولا بد من دور لها، إنما يقوي أمثال «داعش» و«النصرة» ويطيل أمد الحرب.

لهذا تطرح إيران تسوية سلمية تبقي الأسد على رأس السلطة في مرحلة ما بعد الحرب. لكن أحلامها هذه قد تبددها روسيا التي لها جدول طموحات خاص بها.

في سوريا لن تكتفي روسيا بقاعدة حميميم الجوية، إذ بدأ الحديث في موسكو عن الحاجة إلى قاعدة جوية ثانية «لأن الحملة الروسية على (داعش)، مستمرة، ولأن القوات الجوية الروسية تحتاج إلى قاعدة انطلاق من أجل تعزيز فعالية المهمات القتالية وتقليل الإنفاق من الموارد».

من المؤكد أن كل هذا يسحب البساط السوري من تحت أقدام الإيرانيين، ويجعلهم يصرون على إطالة الحرب.

المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا لها أطرها وقواعدها، ولن تصل إلى صراع عسكري بين الطرفين. وكان واضحا أبعاد تسريب محادثة جون كيري وزير الخارجية الأميركي مع مجموعة من المعارضة السورية، إذ أبلغها بشكل غير مباشر بأن الولايات المتحدة لن تتخلص من الأسد تحت أي ظرف، قال للسوريين: «قاتلوا (داعش) و(النصرة) عنا»، كما أنها لن تصعد عسكريًا مع سوريا. قال كيري أيضا إن «(حزب الله)، لا يهدد أميركا مباشرة».

من هنا، ولأن روسيا صارت المحاور الرئيسي للنظام السوري، نظرًا لحجم نفوذها العسكري والدبلوماسي، فهي عضو في مجلس الأمن وليس إيران. تبقى إيران، رغم كل جهودها في سوريا واستثماراتها الشريك الأصغر، لذلك تشعر، كما عبر اللواء صفوي، بالقلق. هي لا ترتاح لأميركا، ثم إن عدم الثقة بينها وبين روسيا يتقلص ما دامت الحرب مستعرة في سوريا وستقاوم كل مبادرة للسلام من ناحيتها، ومع اشتداد التجاذبات مع واشنطن لا ترى موسكو جدوى من التخلص من الأسد، إذا لم تكن قادرة على استخدامه ورقة مساومة، وما لم تكن مبادرة للسلام في الأفق. من هنا، سيبقى الدور الإيراني إشعال الحرب أكثر في سوريا، لأن المواجهة بينها وبين روسيا ستشتعل إذا ما خمد القتال في سوريا وبُذلت جهود لوضع نهاية للحرب. صدق صفوي عندما أصر على «حصة إيران في سوريا»!

========================

روسيا ومخاطر السنة الثانية في سورية .. غازي دحمان

العربي الجديد

الخميس 6/10/2016

مع عامٍ ثانٍ من التدخل الروسي في سورية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً مما كان عليه لحظة اتخاذ موسكو قرارها قبل عام، كما أن تطورات الحرب السورية تبدو مفتوحةً على احتمالاتٍ واسعة من المخاطر، نتيجة فشل محاولات التوصل إلى تسويةٍ بين اللاعبين الدوليين والإقليميين المنخرطين في الصراع.

تواجه روسيا متغيراتٍ، سياسية واستراتيجية، في الساحة السورية، نتيجة انكشاف أهدافها في الصراع، وانحيازها المطلق إلى صف إيران ونظام الأسد، وهو ما تعتبره أطرافٌ إقليميةٌ ودوليةٌ بمثابة العبث بالتوازنات القائمة، وإشاعة حالةٍ من الفوضى من شأنها أن تشكل ديناميةً تفجيرية سنوات طويلة في المنطقة. وقد فشلت روسيا في إدارة التوازنات، للوصول إلى حل سلمي، يرضي جميع الأطراف، وهو الأساس الذي بناء عليه كانت قد حصلت على فترة من غضّ الأطراف الأخرى الطرف، غير أن إغراءات النصر واحتمالات سهولة تحقّقه جعلت الكرملين يذهب بعيداً في تصوراته عن إمكانية تحقيق مكاسب سياسية وجيوسياسية بعيدة المدى، من صراعٍ تتشابك فيه قوى إقليمية ودولية عديدة.

ولعل هذا الطموح هو ما فتح عيون المؤسسات العسكرية والأمنية الأميركية، وتنبّهها للمخاطر التي يريد بوتين وضعها في مواجهة أميركا التي تضرّرت كثيراً من الألاعيب الروسية، سواء على صعيد علاقاتها مع حلفائها في المنطقة، أو على مستوى سمعتها العالمية التي تعمد بوتين إلى إظهارها بمظهر القوى الغاربة شمسها، وتراكب هذا الانتباه الأميركي مع قلق إقليمي، كانت مراكز القرار فيه قد فاضلت بين وجود إيراني مخرب ووجود روسي يمكن التفاوض معه، لكنها سرعان ما اكتشفت أن السياق الذي رسمته موسكو هو نفسه الذي عملت عليه طهران، إخراج سورية من دائرتها العربية، وتحويلها منصةً لتهديد أمن الإقليم واستقراره.

في مواجهة هذا المتغير، تبدو روسيا اليوم أمام خيارين غير سهلين. الأول تغيير ديناميكية

"سترتفع تكاليف التدخل الروسي بما يفوق تصوّرات الكرملين وتقديراته بكثير" الصراع بشكل جذري، بما يضمن لها إيجاد أمر واقع، لا يجد اللاعبون الآخرون أمامه سوى التسليم بالنصر لروسيا، عبر إنزال هزيمة ساحقة بالمعارضة السورية، وهذا يتطلب تغيير التكتيكات التي استخدمتها روسيا، طوال العام الماضي، والقائمة على عمليات القضم من المساحة التي تسيطر عليها المعارضة، وتدمير البنى والهياكل لهذه الفصائل، وقطع طرق الإمداد اللوجستي ومحاصرتها، على اعتبار أن نتائج مثل هذه التكتيكات تتأخر في الظهور، وتمنح المعارضة فرصةً لإعادة ترتيب أوضاعها. ولا شك أن مثل هذا الأمر يتطلب موارد وتقنياتٍ لا تمتلكها روسيا في الوقت الراهن، تتمثل بوجود قوةٍ جويةٍ فاعلةٍ، تعمل بناءً على معلومات استخبارية نوعية وبكثافة عالية، وهو ما يصعُب تحقيقه، نظراً لأن معدل الانتشار الحالي للقوات الروسية، والمستوى الاستخباري الموجود لخدمتها، سيجعل من الصعب القيام بعمل فاعل للقوات الجوية. وسيجعل استمرار هذا النقص روسيا مضطرةً إلى اتباع النمط القتالي القائم على استهداف المدنيين، للضغط على المعارضة، لكنه لن يكون سهلاً، كما كان في السابق، نتيجة كثرة منتقدي روسيا. وبالتالي، سيدفعها إلى تكثيف انخراطها البري والبشري، عبر إنزال آلاف جديدة من قواتها، وزيادة أصولها العسكرية، الجوية والبحرية، وهو ما يعني بداية التورط الحقيقي في المستنقع السوري وزيادة باهظة في تكاليف العملية.

الخيار الثاني، اضطرار روسيا إلى غض النظر عن تدخل اللاعبين الآخرين، أميركا وتركيا في الشمال السوري، وربما في أماكن أخرى في سورية، خصوصاً وأن واشنطن وأنقرة تبدوان عازمتين على السير بمشاريعهما العسكرية، من خلال تدعيم مواقعهما وتأسيس البنى اللازمة لها. وينطوي التدخل التركي على احتمالاتٍ كبيرةٍ لتطويره إلى تدخّل أشمل، خصوصاً إذا قرّرت السعودية الدخول في الحرب لمواجهة "داعش"، أو في حال تفعيل تهديدات وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، بشن عمليةٍ عسكريةٍ في جنوب سورية ضد داعش، وهو من شأنه إضعاف الأوراق الروسية في سورية، عبر كسر احتكار قرارها، وتحولها إلى لاعبٍ مثل بقية اللاعبين.

وثمّة مخاطر تواجه روسيا في الميدان السوري، في بداية عامها الثاني، تتمثل بالتغيرات الهيكلية التي يجريها حلفاء المعارضة الإقليميون على الفصائل العسكرية، حيث يجري العمل على توحيد هذه الفصائل، وإصلاح الأعطاب التي حصلت في بنيتها على مدار العام السابق، وقد يشمل ذلك تغيير آليات عملها، وأسلوب إدارتها للحرب، ونمط عملياتها، وقد بدأت تباشير هذا الأمر بالظهور في عمليات ضم الفصائل وتجميعها في إدلب ودرعا. ولا شك أن ذلك، في حال اكتماله، سيتطلب من روسيا مضاعفة انخراطها، وستطلب مزيداً من الكوادر، في وقت وصل حلفاؤها على الأرض (نظام الأسد وحزب الله وإيران) إلى درجة عالية من الاستنزاف، يصعب معها تأمين المعادل الموضوعي للكتلة البشرية لدى فصائل المعارضة.

يتمثل الخطر الأكبر الذي يواجه روسيا في العام الثاني بعدم قدرتها على تسييل مكاسبها الميدانية في الجانب السياسي، وذلك لعجزها عن فرض رؤيتها السياسية، ما يعني بقاء مهمتها في طور الاستنزاف العسكري. عمليات كر وفر لا نهاية لها، وسيبقى هذا العجز مواكباً لها، وقد صنعته موسكو بيدها من خلال تشتت أهدافها وعدم واقعيتها، فهي أرادت تثبيت الأسد، واعتراف الغرب بسيطرتها في أوكرانيا، بل ذهبت بعيداً في محاولتها عزل السعودية والخليج والبيئة الحاضنة للثورة السورية عبر مؤتمر الشيشان، وقد وضعها ذلك كله في موقف تصادمي مع طيف واسع من الخصوم، بل ونبه أطرافاً كثيرة إلى الخطر الذي تمثله روسيا عليهم.

في العام الثاني من تدخلها في سورية، تفتقد روسيا ميزتين صنعتا الجزء الأكبر من نجاحها في العام الأول، انتهاء فعالية عنصر الصدمة بالنسبة لفصائل المعارضة وامتلاكها القدرة على التكيف مع مختلف ظروف الحرب مع روسيا، وكذلك انكشاف حقيقة أهدافها الإقليمية، وانحيازاتها ضد أطراف معينة. وستترتب عن هذين الأمرين إجراءات مقابلة، سترفع تكاليف التدخل الروسي بما يفوق تصوّرات الكرملين وتقديراته بكثير.

========================

أية مخاوف تطبق على أرواح السوريين؟ .. أكرم البني

الحياة

الخميس 6/10/2016

المفارقة المؤلمة، أن السوريين الذين نجحوا في كسر جدار الخوف والصمت المطبق على صدورهم لعقود، ورفعوا صوتهم عالياً ضد الواقع القائم مطالبين بعد ركود طويل بحريتهم وحقوقهم، باتوا اليوم تحت رحمة مخاوف جديدة، أنعشت وعززت ما اختزنته أرواحهم من خوف ورهبة دأبت قوى القهر والاستبداد على نشرهما وترسيخهما لإخماد نفوس البشر وشلّ دورهم في الحياة العامة.

الخوف الأعم والأعمق لدى غالبية السوريون، يثيره استمرار الصراع الدموي في البلاد وتصاعد العنف المنفلت وما يخلفه من ضحايا وخراب ومعوقين ومشردين، مهدداً مع كل يوم يمر حيوات المزيد من المواطنين وبيوتهم وممتلكاتهم وشروط عيشهم، وإذا أضفنا فشل مشاريع التهدئة وتفاقم خلافات الراعيين الأميركي والروسي وعجزهما عن حقن الدماء وتفعيل خطة الحل السياسي، ثم المقارعة الإقليمية على النفوذ، وتقدم وزن مراكز قوى محلية من النظام والمعارضة على السواء، لا مصلحة لها بالسلام وإخماد الصراع بل يهمها استمرار مناخ الحرب للحفاظ على امتيازاتها ومصادر ثرواتها، وأضفنا أيضاً تنامي خشية السوريين على مصير وطن حملوا اسمه ويعتزون بالانتماء إليه، إن لجهة ما خلقه منطق السلاح من اصطفافات وتخندقات سهلت وضع فكرة التقسيم البغيضة موضع التنفيذ، وإن لجهة ما ولدته الاستفزازات الطائفية ولغة التجييش ضد الآخر من شروخ وتصدعات عميقة ومن شحن العصبيات والغرائز وروح التنابذ والنزاع في المجتمع، وإن لجهة تصاعد الاستباحة الخارجية للبلاد من أطراف لا يهمها دم السوريين واجتماعهم الوطني بقدر ما يهمها حماية مصالحها وجعل سورية ميداناً لتصفية حساباتها مع التطرف الجهادي ومع خصومها لتحسين فرص نفوذها وحصتها من الهيمنة على المشرق العربي، ثم أضفنا إصرار النظام وبعض الجماعات المسلحة على الخيار العسكري وتنامي شعور كل منهما مدعوماً من حلفائه بقدرته على تعديل التوازنات القائمة والتقدم نحو الحسم، نقف أمام أهم دوافع خوف السوريين من حاضر دموي مؤلم وخطير ومن مستقبل لا أفق سياسياً له ومكتظ بمزيد من الضحايا والخراب، ولا يغير هذه الحقيقة بل يزيدها وضوحاً، احتمال انتصار طرف على آخر، وإن في صورة نسبية وموقتة، ما يفضي إلى إجهاض خطة الحل السياسي تماماً، ويستجر، كما درجت العادة في الصراعات الأهلية، ردود أفعال ثأرية وانتقامية، وعودة قوية للغة القهر والتمييز.

لا نأتي بجديد عند التذكير بخوف السوريين المزمن من سطوة أجهزة السلطة على حياتهم ومقدراتهم وتفاصيل عيشهم، أو بنهج مديد من الاعتقال التعسفي والتغييب غير محدّد الزمن، فكيف مع شروط حياة لا تطاق اليوم للسجناء وقد باتوا بلا قيمة تذكر ويخضعون لكل أصناف التعذيب والإذلال؟ وكيف الحال مع تعدد المراكز التي يحق لها أن تفعل ما تشاء بالمواطن من دون أن تخضع لأية مساءلة أو محاسبة؟ وكيف الحال مع رعب السوريين من احتمال أن تحكمهم فصائل إسلاموية جهادية، مصابة بالعمى الأيديولوجي وتواجه قتلاً وتكفيراً أي تفسير أو اجتهاد يخالف ما تعتقده، ساعية الى فرض نمط حياتها وما تحلله وتحرمه على الناس أجمعين من دون احترام لخيارتهم الإنسانية ولأبسط حاجاتهم وحقوقهم، ومستسهلة تحت الراية الدينية مصادرة كل شيء وتطبيق حدودها الجائرة من سبي وإعدام وجلد وبتر، من غير شأفة أو رحمة.

داهم السوريين خوف جديد ولده تراجع إمكاناتهم على العيش وقدراتهم على تأمين حاجاتهم الحيوية، وإذا وضعنا جانباً من خسر بيته وممتلكاته ومدخراته نتيجة القصف والتدمير وبات في حالة عوز شديد، وتجاوزنا من فقد عمله ولا يجد فرصة لتأمين دخل مادي يقي نفسه وأسرته من الجوع والحرمان، نقف عند تردي أحوال غالبية العاملين في الدولة وقد باتوا يلهثون بلا جدوى وراء لقمة العيش مع الارتفاع الجنوني في الأسعار والتراجع الكبير في سعر صرف الليرة السورية، زاد الطين بلة ما خلفه العنف المفرط من دمار في البنية التحتية وتهتك الكثير من المؤسسات الإنتاجية والخدمية والصحية والتعليمية.

وأخيراً، ثمة خوف يتفاقم لدى النازحين واللاجئين السوريين ليس فقط من عوامل الطبيعة ببردها وقيظها، أو من تراجع المعونات وتردي شروط حياتهم في المخيمات وضياع مستقبل الملايين من أطفالهم، وإنما أيضاً من تغير موقف مجتمعات الاغتراب منهم، نتيجة ضغط كثرتهم عليها وما حصل من تعديات داعشية فيها، وتالياً من صعوبة بحثهم عن حلول كريمة للاستمرار في العيش هناك، والتكيف مع ظواهر التمييز والإذلال، أحد وجوهها رفض التعاطي معهم أو مساعدتهم، وأحياناً معاملتهم كالمنبوذين والأعداء، وتجنب مشاركتهم وسائل النقل العامة والمطاعم وحتى الأرصفة والشوارع.

صحيح أن قيام ثورات الربيع العربي شكّل تحولاً في نفسية السوريين وحافزاً، وإن تأخر كثيراً، للنهوض وكسر جدار الصمت والخوف، وصحيح أن السلطة الحاكمة التي تنكرت لأسباب الصراع السياسية، ورفضت تقديم التنازلات، وتصرفت كأنها في معركة وجود أو لا وجود، لا تزال مصممة على فرض هيبتها على المجتمع بمنطق القوة والغلبة، في رهان على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه وتثبيت مناخ الخوف والرعب مجدداً، لكن الصحيح أيضاً أن استمرار خوف الناس من غدهم ومما هم فيه وفقدانهم أي دور في محاصرة العنف والحض على حل سياسي يحفظ وحدة البلاد ومشروع التغيير الديموقراطي، لم يعد سببه انفلات عنف النظام فقط، ولا جماعات جهادية ديدنها التعصب والإرهاب، وإنما أيضاً غياب بديل سياسي يحوز ثقة المجتمع، يحدوه ضعف المعارضة السورية وارتهانها لضغوط الجماعات الإسلاموية المسلحة ولإملاءات الخارج، واستمرار عجزها بأطيافها كافة عن إدارة صراع دموي مكلف وعن إطلاق المبادرات التي تساعد على تخفيف معاناة البشر وما يكابدونه، وعن طمأنة الجميع، سياسياً وأخلاقياً، بأنها طرف يمكن الركون إليه لتجنيب المجتمع مزيداً من العنف والفوضى والخراب.

* كاتب سوري

========================

عن الفرق بين التسوية والحل السياسي في سورية .. منير الخطيب

الحياة

الاربعاء 5/10/2016

الحديث عن جيوبوليتيك سوري جاذب للتدخلات الدولية والإقليمية صحيح، إلى جانب الحديث عن تراخٍ أميركي ودور مخفي لإسرائيل في استفحال النكبة السورية. وصحيح أيضاً، الحديث عن آثار العدوان الإيراني العسكري – الميليشياوي – الأيديولوجي على المشرق العربي، وتغذيته الصراعات المذهبية، بالتوازي مع صعود فوضوي ووفير لتنظيمات الإسلام السياسي السنّية والشيعية، وانعكاس ذلك كله على تخريب الفكرة الوطنية السورية نظرياً وواقعياً.

لكن كل الحديث السابق عن أدوار الدول في سورية ومصالحها، يجب ألاّ يحجب رؤية دور النظام التسلّطي ودور الانقسام المجتمعي في استقدام التدخلات الخارجية وترسيخها، فتلك التدخّلات تستمد فاعليتها من تراكبها مع النواة الأمنية - العسكرية للسلطة وملاحقها الميليشياوية، ومن تراكبها مع الفصائل الإسلامية المسلحة. في المحصلة، طرد هذا التراكب المزدوج الكتلة المجتمعية الحاملة فكرة الحل السياسي الوطني إلى مواقع هامشية.

من الواضح أن السياسات الدولية – الإقليمية في سورية لا يمكنها إنتاج أكثر من «تسوية» في أفضل الاحتمالات، لكنها لا تستطيع إنتاج حل سياسي، لأن مفهوم «التسوية» مختلف كلياً عن مفهوم الحل السياسي في مسائل كثيرة، من أبرزها:

أولاً، تقوم «التسوية» على تثبيت واقعة الانقسام المجتمعي والتعبير عنها في نظام محاصصة سياسية، بوصفها تسوية بين مكوّنات مجتمعية ما قبل وطنية، وتطرد مفاهيم مثل: المجال العام، الغالبية والأقلية السياسيتين،الدولة والشعب، المواطنة والعدالة والمساواة، أي المفاهيم التي ينبني عليها الحل السياسي.

ثانياً، «التسوية» هي عملية تنضيد لعلاقات القوة بين الطوائف والمذاهب والإثنيات، وفق ظروف اللحظة التاريخية التي فرضتها، وهذا يؤسس لشروط انفجار أزمات وحروب، تبقى مطروحة على الدوام، بمجرد تغيّر الظروف التي أنتجت «التسوية» المذكورة. بينما الحل السياسي يذهب باتجاه وضع سورية على سكة التغيير السلمي الديموقراطي، لأنه قائم على علاقات سياسية ومدنية بين مواطنين أحرار، ينظّمها القانون العام، الذي يتوافق السوريون على وضعه، إما بواسطة جمعية تأسيسية أو بواسطة برلمان منتخب.

ثالثاً، تتصل «التسوية» بموازين القوى الإقليمية والدولية وبمصالح الدول المشاركة فعلياً بصناعتها، من طريق انجدال القوى الطائفية والإثنية والجهوية المحلية على حبال القوى الخارجية، بعد تفتيت المجال الوطني واغتيال فكرتي العمومية والمواطنة، فتغدو سورية مع هذا الانجدال بين قوى ما دون وطنية داخلياً ومصالح خارجية عمياء، ساحة نفوذ في أوقات السلم، وساحة تفريغ صراعات في أوقات التوتر والحروب، متحولة بذلك إلى وضعية الوطن – الساحة. فيما يتجه الحل السياسي إلى تحييد سورية عن تجاذبات الخارج باستناده إلى المصلحة الوطنية النافية للمصالح الجزئية.

رابعاً، تجهد قوى الأمر الواقع (قوى الحرب) إلى إجهاض الحلول السياسية، وإلى التمسك بتسويات تُبقي نفوذهم حتى في أوقات السلم الفاصلة بين حربين، وتسمح بهروبهم من العدالة والمساءلة القانونية. لذا يسعى النظام السوري جاهداً ومن ورائه روسيا وإيران، الى فرض «تسوية» تفضي إلى تهرّبه من العدالة الانتقالية، التي من دون تحقّقها، لا يمكن اجتثاث عناصر الحرب من البنى المجتمعية. في المقابل، فالعدالة من المداخل المهمة لأي حل سياسي قابل للاستمرار وتوليد الحياة بدل تعميم الموت.

خامساً، إن أي «تسوية» تُطبخ دولياً وإقليمياً ليصار إلى فرضها على السوريين، وتؤدي إلى نظام محاصصة، في حيّز جيوسياسي يقع بين تجربتي محاصصة فاشلتين (التجربة اللبنانية والتجربة العراقية)، يصبح معها المشرق العربي في حالة سيلان مذهبي وطائفي وإثني، وتصبح حدود الهويّات هي حدود «الأوطان» الحقيقية، حتى لو لم يتم تقسيم فعلي لكيانات سايكس – بيكو، وهذا يُبقي المشرق العربي إلى أمد غير منظور مجالاً حيوياً لإيران، ويريح إسرائيل إلى أمد بعيد. بينما يمنع الحل السياسي القائم على الفكرة الوطنية السورية ذلك السيلان المذهبي في الإقليم، ويقطع مجال إيران الحيوي في مفصله السوري الأهم، بما يتيح إعادة التفكير وطنياً في كل من لبنان والعراق.

سادساً، الحل السياسي المبني على المسألة الوطنية، يفتح أمام السوريين إمكانات التقدم على كل المستويات، ويضعهم على مسار البحث عن دور إقليمي – اقتصادي لسورية، وإعادة بنائها عمرانياً وسوسيولوجياً، ووصلها بالبشرية العاقلة والمتمدنة، في حين تُبقي «التسوية»، بين المذاهب والإثنيات والطوائف، السوريين مجرد رعايا مذهبيين لهذه الجهة الإقليمية أو تلك، أي تحوّلهم إلى طوائف للإيجار ومتناحرة في ما بينها تناحراً عدمياً.

وغني عن القول إن الخيار الوطني السوري، بعد هذه المحرقة، التي جر النظام سورية إليها، أصبح ضرباً من «رومانسية وطنية»، لكنها رومانسية مشروعة أخلاقياً وسياسياً، وتتوافر على ممكنات في الواقع السوري، قابلة للانتقال من طور القوة إلى طور الفعل.

* كاتب سوري

========================

وداعاً حلب .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 5/10/2016

... يقولها باراك أوباما بعدما نعَت واشنطن محاولات إحياء هدنة في المدينة المحاصرة بجهنّم الغارات الروسية، وصواريخ النظام السوري وبراميله... وأنياب الجوع والمرض.

يقول الرئيس الأميركي في أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، وداعاً حلب، وداعاً ل «إزعاجات» المفاوضات العسيرة مع «الشريك» الروسي الذي يطلب المستحيل: فصل مناطق «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقاً) عن خطوط المعارضة المعتدلة، يتيح للروس إبادة مسلّحي الجبهة، ويتفرّغ النظام السوري للاستفراد بمقاتلي المعارضة وسحقهم. هكذا، في السيناريو المفضّل لدى الكرملين «تعود الأوضاع إلى طبيعتها في سورية».

وأما ال400 ألف قتيل، فهم لدى موسكو والنظام السوري مجرد فائض... دماء.

يظن القيصر فلاديمير بوتين أنه ردّ الصاع صاعين إلى البطة الكسيحة، أوباما الذي سيسجّل التاريخ أن أبرز إنجاز له حيال المذبحة السورية، هو تدريب بضع عشرات من المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد، وتركهم بلا غطاء جوي، لتصطادهم طائرات السوخوي والبراميل المتفجّرة. وسيسجّل التاريخ أن إدارة أوباما منعت تزويد المعارضة السورية صواريخ مضادة للطائرات، كي تبقى للنظام حرية التحرُّك والتفوُّق جواً، وتبقى للروس حرية اختيار المناطق التي يختبرون فيها أسلحتهم، وبعضها يكرّس جرائم حرب يومياً، فيما الغرب يُصعِّد إلى أقصى «الممكن» مع الكرملين، فيندّد بالوحشية.

يظن بوتين أنه ردّ الصّاعَ صاعين إلى الإدارة الأميركية، واختار توقيت نعي التفاهم السياسي لإحياء الهدنة السورية، من أجل تجميد اتفاق أميركي- روسي لشطب فائض البلوتونيوم المستخدم في إنتاج أسلحة نووية، لدى روسيا والولايات المتحدة. استعار القيصر لغة واشنطن التي باتت «تهديداً استراتيجياً للاستقرار»، فحانت فرصة الانتقام من التشهير الأميركي بالأهداف الروسية في سورية، ومن العقوبات الأميركية- الغربية (الملف الأوكراني).

والوجه الآخر لقرار بوتين الذي يودّع به «شريكاً» مشاكساً في الحرب السورية، أنه يبرّئه من شبهات كثيرة بالتواطؤ مع موسكو، عبر إطلاق يدها مفوّضاً سامياً لإدارة الحرب. لكنه حتماً لن يبرّئه من دماء 400 ألف سوري، إذ سهّل عجز أوباما لأطراف معروفين الاستماتة لإنقاذ النظام في دمشق وتمديد عمر المذبحة، ومكّن الروس من إدارة جولات إبادة، تحت غطاء «قطع رأس الإرهاب».

البطة الكسيحة التي فضّلت «القوة الناعمة» نهجاً منذ سنوات، بدت أولاً متعفّفة عن متاعب الشرق الأوسط ومصائبه، لكنها، حتى النهاية، ما زالت أسداً مع أطراف عربية حاولت مرات إقناع الأميركيين بأن الوسيلة الوحيدة لإرغام النظام السوري على التفاوض مع معارضيه، هي تسليحهم لتعطيل قدرته على ارتكاب المجازر.

لا واشنطن ولا موسكو أصغتا للحرب، بل إن وقائع 12 شهراً من التدخُّل العسكري الروسي في سورية، سقط خلالها عشرة آلاف ضحية، تثبت تقاطع المصالح الأميركية- الروسية- الإسرائيلية عند منع إطاحة النظام.

وتُظهر وقائع سنة تلت توقيع القوى الكبرى الاتفاق النووي مع إيران، استعداد الغرب للاعتراف بدور لطهران في معالجة أزمات المنطقة العربية وحروبها، أو إدارتها. أي أن شروط المقايضة اكتملت، بين مصالح تجارية اقتصادية غربية، وأدوار إقليمية إيرانية، ستمنح الشرعية لأطماع «الحرس الثوري» على حساب أهل المنطقة المنكوبة بصراعاتها وطموحات «الكبار».

وإن بدا أنّ أسواق التجارة مع إيران «المنفتحة» على العالم، وخطط الإدارات الدولية لبقاع عربية، بذريعة إخماد براكينها، هي ثمن ناجز للصمت على المذبحة السورية، فمأزق انعدام الوزن في معالجة الأزمات الدولية، يثبت معضلتين: انعدام وزن الأمم المتحدة الراعية لحقوق الشعوب وسيادات الدول، وخطف «الفيتو» الروسي لمجلس الأمن.

وأما أنانية الغرب المتعولم، إن كانت تتعملق، فبغياب مفاهيم العدالة الإنسانية، الذي مكّن الجلاد من قتل الضحية مرات، بسيف حرب على الإرهاب، باتت أبدية، مثلما أصبحت دماء العرب تهرق بلا حساب، وأرضهم مباحة للشرق والغرب.

أصل المحنة في عالم القتل الرخيص ومخيمات التشرُّد والسكوت على ذبح الأطفال كل يوم، فراغ وحشي في غياب زعامات دولية عادلة. وأصل محنتنا أن الفكر العربي ما زال مدمناً على دور الرهينة للتاريخ ومذابحه... وعلى دور الضحية.

وداعاً حلب، يقول أوباما، ويودّعه بوتين بحفلة راقصة في قاعدة حميميم الروسية، على الأرض السورية، ترفيهاً للجنود الروس. أمام هؤلاء فصول أخرى من الحرب المجنونة.

========================

عام من التدخل الروسي في سوريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 3/10/2016

أنهت روسيا قبل يومين العام الأول من تدخلها العسكري في سوريا، وسط استمرار قصف طائراتها لمدينة حلب، مفتتحة عامها الثاني بمجازر مستمرة في مدينة ذات أهمية استراتيجية، ليس من الناحية السياسية والاقتصادية فقط، بل من الناحية العسكرية طبقًا لواقع الصراع العسكري ومعطياته الميدانية، وهو أمر سيفرض نتائجه على الصراع السوري في المرحلة اللاحقة والدور الروسي فيه، لأن ربح معركة حلب وفق التصور الروسي، سيفتح المعارك في إدلب وبقية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة لحسم الصراع فيها لصالح روسيا وتحالفها مع نظام الأسد وإيران.

معركة حلب، التي جاءت في سياق التدخل العسكري الروسي، لا تشكل بداية في حكاية القيصر الروسي، إنما هي فصل دموي منها، كانت بدايته قيام الطائرات الروسية بشن هجماتها الجوية على مواقع فصائل المعارضة دعمًا لنظام الأسد أواخر سبتمبر (أيلول) من العام الماضي في أوسع عملية خارجية روسية، منذ نهاية التدخل في أفغانستان عام 1989، وقد أعقب تلك العمليات قيام البوارج الروسية في بحر قزوين بضرب أهداف سورية بالصواريخ العابرة للقارات، تبعته هجمات من صواريخ غواصة روسية في البحر المتوسط، وترافقت الهجمات الأولى مع تطورين لافتين؛ أولهما تعزيز القدرات الروسية في القاعدة البحرية في مدينة طرطوس، والثاني تحويل مطار حميميم إلى قاعدة جوية روسية خارج سيطرة نظام الأسد، مما وفر للروس بنية تحتية، تعزز وجودهم العسكري وتدعم عملياتهم، التي توسعت باستقدام آلاف المقاتلين، الذين انخرطوا في معارك برية في عدة مناطق سورية.

قبل التدخل العسكري الروسي ومع انطلاق ثورة السوريين على نظام الأسد، وقف الروس إلى جانب النظام، وقدموا له دعمًا سياسيًا ساعده في النجاة من العقوبات الدولية عبر استخدام موسكو الفيتو أربع مرات في مجلس الأمن الدولي، وساعدوه عبر تدفق الأسلحة والذخيرة والخبراء في حربه ضد السوريين، غير أن النتائج كانت مخيبة لآمال روسيا. فرغم الدعم والمساندة الروسية والتدخل الإيراني وأدواته من الميليشيات، تراجع النظام وصار على حافة الانهيار مع أواسط عام 2015، فاتخذ الروس قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا، تحت شعار محاربة الإرهاب والحرب على «داعش».

أما الأهداف الحقيقية للتدخل، فكانت تحويل سوريا إلى ميدان متعدد الأغراض يخدم السياسة الروسية، والأهم في ذلك، تكريس الوجود الروسي السياسي والعسكري في شرق المتوسط، بانتقاله من قاعدة محدود المهمات في طرطوس على الساحل السوري إلى وجود حاسم، يتحكم في القضية السورية، ويؤثر على ما يحيط بها في المنطقة الإقليمية، وخصوصًا إزاء تركيا والمملكة العربية السعودية، والهدف الثاني للتدخل، كان جعل الوجود الروسي في سوريا ميدان مساومة مع أطراف دولية وإقليمية تشتبك معها السياسة الروسية، وخصوصًا في شرق أوروبا، وفي التأثير على مشروعات ذات أهمية استراتيجية مثل النفط والغاز، التي تسعى روسيا لأخذ حصة رئيسية فيها تقوي من نفوذها وقدراتها الاقتصادية بين المتنافسين الأقوياء. والهدف الثالث يتعلق بالسلاح الروسي، الذي لا توفر الصراعات في سوريا ميدانًا لعرضه وبيان مدى قوته وفاعليته فقط، وإنما ساحة لاختباراته وفاعليته من أجل زيادة الحصة الروسية في تجارة السلاح الدولية وفي الشرق الأوسط، الذي يحتل مكانة مهمة في هذه التجارة. والهدف الرابع في الأهداف الروسية تمدد سياسي في منطقة كاد النفوذ الروسي يغيب عنها بعد خسارة حضوره في العراق وليبيا ومحدوديته في مصر، وانخفاضه في سوريا.

إن هدف دعم نظام الأسد والإبقاء عليه ومنع تغييره عبر شعار الحفاظ على الدولة السورية ووحدتها، الذي رفعه الروس، يعد بين الأهداف الرئيسية للتدخل، لكن أهميته تبدو مضاعفة في علاقاته بالأهداف الأخرى، مما جعله محور السياسة الروسية في المستويين الإقليمي والدولي في السنوات الماضية، ويزيد من أهمية هذا الهدف، أنه المجال الأوسع في الحرب الروسية على التنظيمات المتطرفة، التي صارت سوريا ساحة رئيسية لتجمعها، كما أن العين الروسية على ثروات عائلة الأسد، التي تقدر بنحو 200 مليار دولار، وما يمكن أن تحصل عليه روسيا من امتيازات في إعادة بناء ما دمرته الحرب في سوريا، يعطيان هذا الهدف أهمية إضافية.

لقد حقق التدخل العسكري الروسي نقلات على طريق أهدافه في سوريا، وسط تراجع الدور الأوروبي والإقليمي، مضافًا إليه قبول إسرائيلي بالدور الروسي قائم على التنسيق بين الجانبين، ووسط تراخٍ أميركي، وصل إلى حد تواطؤ، أثار في الإدارة الأميركية خلافات، أبرزها ما حصل بين وزارتي الخارجية والدفاع، طفت إلى السطح بعد الاتفاق الأميركي - الروسي الأخير، ومما لا شك فيه أن هذا التطور إلى جانب سعي أوروبي إقليمي لزيادة الحضور في القضية السورية بالتزامن مع عجز روسي عن الحسم الميداني للصراع في سوريا، وضعف نظام الأسد، سيعيق استكمال الأهداف الروسية للتدخل، لكنه لن يمنع روسيا من الاستمرار من ذلك في ضوء انخفاض تكلفة وجودها من الناحيتين البشرية والمادية، فأعداد خسائر جنودها وأسلحتها ما زال قليلاً، وتكلفة وجودها لا تتعدى الخمسمائة مليون دولار من ميزانية روسية تبلغ 55 مليار دولار، وما لم يحدث انقلاب دولي في التعامل مع التدخل الروسي، فإنه سوف يستمر، وتستمر مساعي روسيا لتحقيق أهدافها من التدخل.

========================

سيكولوجيا الحرب في العالم العربي .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 3/10/2016

إن إحدى ظاهرات الحروب الراهنة في العالم العربي أدت وتؤدي إلى نتيجة عاشتها البشرية، وتتمثل في تفكيك البناء الأخلاقي الإنساني على صعيد العالم، مع إخلاء شبه كامل لاحتمالات اللجوء إلى حلول سياسية في الساحة الملتهبة. لقد أخذ العنف، حتى الآن، كل احتمالات الحلول المذكورة، وراح السلاح المادي العسكري يبدو كأنه هو الخيار الوحيد في معالجة الصراعات الدامية، كالتي نعيشها الآن.

ولما كان الأمر قد وقر في أذهان الأكثرية من سكان العالم العربي بمثابته غير مسبوق، فقد أخذت حالة نفسية جديدة تحفر لنفسها حضوراً كثيفاً وقائماً على إنتاج أنماط من المرض النفسي، يبرز في مقدمتها الاعتقاد بدخول الناس في عالم «العصاب الصدمي الجماعي» والفردي. ولعلنا نذكر هنا أن اتساع هذا الأخير يتيح له الانتقال من كونه ظاهرة فردية نفسية إلى كونه حالة اجتماعية عامة. بل نحن نعمّم إذ نعلن أن الظاهرة تلك حالة اجتماعية عامة، وإذ ذاك نكون قد لامسنا ما نسمع به أو نشاهده في أصقاع العالم من صدامات تُنتج العنف والعنف المضاد، خصوصاً في ما يتعلق بمسألة التعددية والعمل على وأدها ليس في حقل الأيديولوجيا الدينية فحسب، بل كذلك على أصعدة عرقية إثنية وشعبوية وطائفية وغيرها.

لقد أخذت في التفكك والتصدع العائلة والمدرسة والجامعة والمؤسسة السياسية والإنتاجية، يداً بيد مع توغل الاستبداد والظلامية في بعض المجتمعات العربية، خصوصاً في تلك التي حُكمت بأيدٍ فولاذية، تحولت شيئاً فشيئاً إلى حاضنات إلى كل ما يُفضي إلى ابتلاع كرامة البشر وحرياتهم وكفايتهم المادية وحقوقهم الآدمية الإنسانية. أما ظاهرة استهداف الأطفال تجويعاً وتهجيراً وحرقاً في بيوتهم وتحت أنقاض بيوتهم وغيره، فقد راح يحفز على البحث عن مكامن الأمن والأمان في تواريخهم الخاصة والعامة، علّهم يعثرون فيها على نسمة من الطمأنينة والسلم. فقد راح أولئك يحفرون في ذاكراتهم العائلية والوطنية والمجتمعية العامة، باحثين فيها عما يمنحهم القوة على مواجهة «الليل» الذي قد يكون طويلاً، خصوصاً أن الأمراض والعلل النفسية والعضوية راحت تجتاح حياتهم، مع غياب «المؤسسة المدنية» خصوصاً، التي تطرح مشروع «إعادة بناء آدميتهم» وما يتصل بها مما سحقته الحرب الدائرة وهشّمته.

وإذا عدنا إلى ما يجتاح العرب في تجلياتهم القُطرية، فإننا نضع يدنا على ظاهرة «العنف الإعلامي والدموي»، فهذان يفضيان كلاهما إلى إنتاج «ضحايا الحروب العربية» بقدر ما يقودان إلى ولادة «أثرياء هذه الأخيرة ومستقبلها»! ومع بعض التخصيص، نلاحظ أن مرض «العُصاب الصدمي»، بما اكتسبه من صيغ جماعية ماحقة، أصبح واقعاً مشخصاً. أما تعبير «أثرياء الحروب» هنا فلا يقتصر على البعد المادي المالي، وإنما هو يحتاج إلى القلوب والنفوس والأجساد، بهدف تحويلها إلى سلع يتم تحصيلها في قاعات ومعارض البيع والشراء. وفي سياق تشييد عملية التحويل تلك، يكون البشر (العرب وغيرهم) قد انطلقوا باتجاه عالم «الكونية» الجديدة القائمة على السلع والمال، خاضعين في سياق ذلك لكل مستلزمات تلك الكونية العولمية.

في هذه الحال تتضح معالم ظاهرة «العُصاب الصدمي» في حيز محدد، هو الترصد لكل ما يواجهه أولئك، وخصوصاً «الخوف الفردي والجماعي»، الذي يُنتج في شخصيات السائرين هنا وهناك «اضطراباً عصبياً وظيفياً»، دون أن يكون هذا الأخير سائراً باتجاه تغير ملحوظ في بنية الجهاز العصبي، وإنما عبر تشكل حالات من التأهب الحاد والدائم، خوفاً من مواجهة أحداث ملطخة بالخوف والجريمة والدماء. ويضاف إلى ذلك ظهور عدد من الأحلام والكوابيس والقلق المستديم، بل إن الأمر يُفضي كذلك إلى نشوء كثير من الوساوس والاضطرابات المصاحبة بتمظهر عضوي لا يجد نشأته في أحوال فيزيولوجية كالآلام في المعدة والرأس، وربما كذلك مع ظهور نمط أو آخر من الشلل خصوصاً لدى الأطفال.

إن ذلك وغيره انفتحت أمامه حاضنة فسيحة خصوصاً في اتجاه البحث عن الخلاص والمخلص.

ها هنا نضع يدنا على مثل النداءات التالية ليس في الوسط الشعبي فحسب، بل كذلك على صعيد «الطبقات الوسطى» التي هاجرت نسبة ضخمة من أبنائها، وضمن تلك النداءات تبرز التالية: يا الله ما لنا غيرك يا الله، واللهم آمنا بأوطاننا، ما في بعد الصبر إلا القبر! ويلاحظ أن الفئات والطبقات الوسطى، أخذت في الانفراط، لتجتمع أنساقها ثانية في بلاد المهجر المريرة، وقد نرى أخيراً أن الشعوب العربية تمر بأعظم محنة مرت عليها في التاريخ، أما القادم فلعل ظهوره وتبلوره سيكوّنان حالة فارقة هائلة، خصوصاً لدى أولئك الذين رأوا بأمّ أعينهم طفلاً حياً يحدق تحت الأنقاض.

========================

هل تراجع أمريكا سياستها من "جاستا" إلى سوريا؟ .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 2/10/2016

هل تراجع أمريكا سياستها من "جاستا" إلى سوريا؟ قبل قرابة أسبوع، نشر أستاذان أمريكيان مرموقان متخصصان في القانون الدولي مقالًا تفصيليًا في صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية ينتقدان فيه قانون (جاستا)، مع التأكيد بأنه يخرق أحد المبادئ الرئيسة للقانون الدولي. كيرت برادلي، أستاذ قانون وصناعة السياسات العامة في جامعة ديوك الأمريكية، وجاك غولدسميث، أستاذ القانون في جامعة هارفارد، نشرا المقال قبل قرار الكونغرس بنقض الفيتو الذي استخدمه الرئيس الأمريكي لمحاولة إيقاف القانون على أملٍ منهما بإضافة شيءٍ من (العقلانية) إلى تفكير المشرّعين الأمريكان، دون جدوى، حتى الآن على الأقل.

نضيف العبارة الأخيرة لأن ثمة كلامًا جديدًا يُسمع في دوائر الكونغرس في اليومين الأخيرين، حيث يبدو أن هناك من يهمس في آذان أعضائه بأنهم تصرَّفوا كأطفال يلعبون بلعبةٍ لا يُدركون أخطارها الكبيرة عليهم.

لكن هناك مَن يصرخ علنًا بهذا الخصوص داخل أمريكا وخارجها في الأسبوعين الأخيرين. فتحت عنوان: «لماذا يُشكل قانون جاستا خطرًا على بريطانيا وأجهزتها الأمنية؟»، كتب عضو البرلمان البريطاني توماس توغيندهات مقالًا في صحيفة (التلغراف) البريطانية أعطى فيه الإجابة على سؤاله المذكور. «وفق هذا القانون، يمكن لمواطنين أمريكان مقاضاة الحكومة البريطانية بدعوى الإهمال في التعامل مع الإسلام الراديكالي خلال العقود الماضية»، يقول عضو البرلمان، الذي يتحدث أيضًا عن إدراك البيت الأبيض والخارجية الأمريكية «لاحتمال حصول دعاوى قضائية انتقامية ضد أمريكا في دوائر قضائية مختلفة حول العالم». لكن الكاتب والسياسي المخضرم يلمس وترًا حساسًا حين يشير إلى أن «النظام البنكي العالمي يتضمَّن حقيقة أن أغلب التعاملات المالية الدولية تتم عبر كمبيوترات توجد في أمريكا... ولن يطول الوقت حتى تسمح المحاكم الأجنبية برفع دعاوى ضد أمريكا على أساس الإهمال فيما يتعلق بقضايا تمويل الإرهاب».

أما في أمريكا نفسها فالخبراء يجدون، فيما يبدو، حاجةً للحديث بصراحةٍ أكبر. ففي تحليلٍ مفصل في موقع The Daily Caller الإخباري مثلًا، يكتب عميل الاستخبارات الأمريكية السابق، شيت نايغل، شارحًا كيف أن «أمريكا تستفيد من الحصانة المنبثقة من سيادة الدولة أكثر من أي بلدٍ آخر لأن لدينا نفوذًا، ولأننا نتحرك، في عددٍ من الدول أكثر مما يفعله أي بلدٍ آخر. وقانون جاستا يعني ببساطة أن الجنود والدبلوماسيين الأمريكان سيكونون هدفًا للدعاوى القضائية في العراق وغيره من البلدان... والمفترض بأعضاء الكونغرس الذين فتحوا (صندوق باندورا) أن يدركوا أن مصالحنا سيتم التحكم بها في محاكم أجنبية توفر قدرًا من الحماية ضد الدعاوى القضائية غير المسؤولة هو أقل مما توفره المحاكم الأمريكية». وبعد أن يُذكِّر الأمريكيين أن «هذه المحاكم (الأمريكية) نفسها لم تجد السعودية مذنبةً بتمويل الإرهاب في مرات عديدة»، يعود للوم المشرّعين الأمريكان قائلًا: «رغم ذلك، نرى كيف أن أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب المهمومين بصورتهم السياسية في موسم انتخابات استهدفوا حليفًا مهمًا وقويًا بدلًا من إيران. وبهذا، فإن خلاصة ما فعلوه يتمثل في أنهم وضعوا اقتصادنا وأمننا القومي في خطر».

قد تكون مثل هذه المصارحات، إضافة إلى همسات الأذن الخافتة، هي التي فتحت باب حديث القادة الجمهوريين لمجلسي الشيوخ والنواب، في اليومين الماضيين، عن إمكانية تعديل القانون. وكما يلوم الأطفالُ الآخرين عند شعورهم بأنهم ارتكبوا الخطأ، يشيع الحديث في أوساط الكونغرس الآن عن تقصير الرئيس أوباما في التشاور مع المشرّعين بالشكل المطلوب، وأن حصوله كان يمكن أن يعالج الأمر قبل الوصول إلى هذه الحالة.

هل يمكن، بالمقابل، للرئيس أوباما أن يقوم بمراجعة خطاياه السياسية في سوريا في أسابيعه الأخيرة في البيت البيض، بحيث يُغادره مع شيءٍ من الاحترام للحد الأدنى من المبادئ الإنسانية الواردة في القانون الدولي؟ السؤال مشروع مع تصريحاتٍ لنائب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أكد فيها على أن «الرئيس طلب من جميع الوكالات طرح خيارات بعضها مألوف وبعضها جديد نعكف على مراجعتها بنشاط شديد». الملاحظة أن الرجل قال في إفادته أمام (لجنة العلاقات الخارجية) في مجلس الشيوخ: إن أطرافًا خارجية ضالعة في الصراع قد تبدأ في ضخ مزيد من الموارد، ما قد يضر في نهاية المطاف بالرئيس السوري إضافة إلى روسيا.

من المفيد للعرب أن تزيد أمريكا احترامها للقانون الدولي في جميع الحالات. ودورهم في دفعها لذلك، سواء فيما يتعلق بقانون جاستا أو في سوريا، قد يكون أكبر بكثير مما يتصورون.

========================

موقفنا : بشار بعد نصف قرن من خيانة أبيه حافظ يوقع للروس عقد احتلال مفتوح كعقد احتلال الجولان .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

8 / 10 / 2016

ما صوّت عليه الدوما الروسي في الأمس ، بشأن حق البقاء المفتوح في سورية ، ليس خطيرا فقط ، بل هو بشع وقبيح ومهين لكل سوري يملك ذرة من الكرامة الوطنية مهما كان ، انتماؤه المذهبي ، أو العرقي ، أو السياسي .

إن ما اعتمده (الدوما الروسي) بالأمس ، هو إقرار لعقد تملك رسمي لقطعة من الأرض السورية ، بحيث تخرج بالمطلق من السيادة السورية ، وتلتحق بالسيادة الروسية . حتى وعد رئيس لجنة مجلس الدوما للعلاقات الدولية ( ليونيد سلوفسكي ) أعضاء الدوما أن تعقد لجنة العلاقات الدولية في الدوما جلسة روسية سيادية على في المستوطنة الروسية الجديدة (سورية ) .

وإذا أردنا أن نوجز في تقدير حجم الجريمة التي أقدم عليها بشار الأسد بما منحه للروس من حقوق بموجب ( عقد الخيانة ) هذا ، فإن أقرب واقعة خيانية في تاريخ سورية الحديث ، تفرض نفسها على عقولنا هي قيام حافظ الأسد الأب بتوقيع عقد خياني مماثل مع الصهاينة ، بالتنازل لهم عن الجولان ، بمثل هذا العقد المفتوح ... كل الفرق بين عقد خيانة الأمس وعقد خيانة اليوم ، أن الأول تم توقيعه سرا وبليل ، والثاني تم توقيع ما ظهر منه جهرا وتحت سمع كل الأحرار والشرفاء .

الاتفاق الخياني الجديد ينص على حق الروس في البقاء الدائم والمفتوح ( بخيلهم ورجلهم ) بضباطهم وجنودهم ومخبريهم وأسلحتهم على الأرض السورية . بحيث يبقى الشعب السوري على مدى الزمان رهن الإرادة الروسية ، وتحت قهر قادتها الطامعين والطامحين .

الصفقة الخيانية ( الروسية – الأسدية ) تقرن اليوم شعار ( الأسد إلى الأبد ) بعنوان الصفقة الجديد ( الروس إلى الأبد ) . دون أن يفكر الأغبياء الذين أقدموا على هذه الجريمة الخيانية الكبرى ، احتمالات التغير في الأشخاص ، وفي السياسات للمتعهد المحتل الجديد ، واحتمال حتى أن ينقلب عليهم ويئد طموحاتهم وتطلعاتهم . ...

الأخطر فيما ظهر من بنود هذه الصفقة الخيانية ، ما أشار إليه ( نيكولاي بانكوف ) نائب وزير الدفاع الروسي ( أن الاتفاق بين روسية وسورية بشأن القاعدة – الدائمة – في حميم تنص على منح العسكريين الروس في القاعدة الجوية الروسية وأفراد أسرهم – أيضا – حصانة دبلوماسية ، مع امتيازاتها ...

بصراحة يعترف كاتب هذا التعليق ، أنه لا يعرف ما هي امتيازات الحصانة الدبلوماسية التي سيتمتع بها العسكريون الروس وأفراد أسرهم ، فوق رأس الشعب السوري . الذي يشاركون اليوم في تقتيله وتهجيره.

لن ننسى هنا ونحن ننبه إلى خطورة الخطوة الخيانية التي أقدم عليها بشار الأسد المهزوم والخائف والهلع أن نؤكد أن كل الذي أشرنا إليه إنما هو الجزء الظاهر من صفقة الخيانة ، وما خفي منها قد يكون أخطر وأقبح وأبشع ...

وفي المقام ، هل يكفي أن نقول إننا نرفض الصفقة ، ونستنكرها وندعو جميع السوريين أفرادا وقوى ، أحزابا وجماعات ، بنى ومؤسسات إلى إدانتها ورفضها واستنكارها ، واعتبارها فصلا من فصول الخيانة العظمى التي يرتكبها بشار الأسد ضد الدولة والإنسان في سورية ...

أليس من حق أن تتخذ جميع قوى المعارضة السورية موقفا يواجه المجتمع الدولي بضرورة ، كف يد هذا المهزوم اليائس عن مقدرات الدولة السورية ، والتوقيع باسمها ، ومعاملته كما هو في واقع الأمر كمجرم حرب وليس كرئيس ، فالرئيس الخائن لدولته ولما يقال له شعبه ، أخطر على الدولة والشعب من كل الأعداء ...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

لماذا لا يريد العالم رؤيتنا؟ .. عمر قدور

الحياة

الاحد 2/10/2016

ربما، قبل هذا السؤال، لا يخلو من مغزى ذلك الصمت العربي إزاء المذبحة التي يرتكبها في حلب مثلث الاحتلال الروسي - الإيراني - الأسدي. الصمت العربي، بشقّيه الرسمي والشعبي، يحيل في الأول منهما إلى عجز معروف سلفاً، وفي الثاني إلى استسلام لطبيعة السلطة، حيث يبدو من البديهي أن يقوم حاكم بقتل شعبه عندما يثور عليه، الأمر الذي لم تكن له البداهة نفسها عندما كانت تنطلق تظاهرات (على قلّتها) ضد إسرائيل أو ضد الغزو الأميركي للعراق، وبالطبع ضد رسوم استطاعت استنفار المشاعر الدينية.

على أية حال، لم ينتظر السوريون موجة إقليمية من إظهار التعاطف الشعبي لأنهم كانوا إلى وقت قريب في موقع بقية الشعوب، وباستثناء مسيرات التأييد كانوا يخرجون في التظاهرات التي لا يمانع النظام في خروجها. الأمل، ولا يزال وفق منطق القوة، في مجتمع دولي تبيّن أيضاً أننا لا نعرفه جيداً، أو أننا توهمنا وصوله إلى عتبة قريبة من شعارات دأب الغرب على رفعها، وفوجئنا بأنه تخلى عنها خارج أراضيه.

اكتشاف أن المصالح هي ما يحرك الدول ليس جديداً وفق عنوان قاسٍ لحازم صاغيّة «نحن الذين لا وزن لهم في العالم»(«الحياة» في 24 أيلول- سبتمبر 2016)، حيث يطرح التساؤل عما جعلنا هكذا بلا وزن؟ في معنى مشابه أيضاً، كان ياسين الحاج صالح أشار يوماً إلى قدرة نظام الأسد على جعل السوريين «غير مرئيين»، وإذ أتت الثورة ليقولوا «إننا موجودون» فالصمت الدولي إزاء المقتلة السورية فاقم مرارة هذا الوجود، فضلاً عن حالات تنميطه بالإرهابي أو اللاجئ.

قد يُقال كلام كثير ومحق عن أخطاء ارتكبتها المعارضة وأساءت إلى القضية السورية، لكن مجمل الأخطاء لا يوازي غياب المصالح الأميركية تحديداً، وعندما اقتضت تلك المصالح محاربة «داعش» أتى التدخل ولا يزال مستمراً. العبرة هنا ليست فقط في أن الأسد لا يهدد الغرب على منوال «داعش»، فصدام حسين لم يرسل الانتحاريين إلى الغرب، وكان يمكن الاستمرار في محاصرته بعد طرده من الكويت. هذا إذا لم نأخذ في الحسبان العلاقة السببية بين نشأة «داعش» ومجمل السياسات الأميركية في العراق، وإذا تغاضينا عن حقيقة وجود «داعش» كقوة احتلال في سورية، وإن اكتسب بعض المتقاتلين المحليين على خلفية ما يُعرف بالصراع الشيعي- السني.

في لغة المصالح، يكفي أن يتّقي الغرب عبء لاجئينا وشر إرهابيينا، عندما تفقد المنطقة أهميتها الاستراتيجية العامة. وإذا تطابقت المصالح عموماً مع تراتبية القوة، فلا شك في أن التراتبية المحلية لها تُختزل في قمة الهرم، بحيث تكون القاعدة مجردة تماماً من عناصر القوة. هكذا، عبر عقود يقدم المثل السوري نموذجاً عن احتكار النظام الفضاء العام، فتتحول الكتلة الساحقة من السوريين إلى لا مرئيين وعديمي وزن، بينما يأخذ النظام وزنه مما سلبه، ويصبح القوة الوحيدة القادرة نسبياً على التفاوض مع مراكز القوى الدولية والإقليمية.

الانفصال العام عن الغرب، الذي بدأ تحررياً، استمرت قاعدته الأيديولوجية فاعلة عموماً عبر مستويات عدة. فالفكر القومي معادٍ للغرب كأن التحرر لم يُنجز، واليسار كان مشرقياً وغائباً عن تحولات اليسار الغربي، أما التيارات الإسلامية فلم تكن أحسن حالاً، إذ جمعت بين عداء الفكر القومي للغرب وتكفيره. السياسات الغربية إزاء القضية الفلسطينية تكفّلت أيضاً بجمع كل التيارات، سواء كانت تلك ذريعة لتبرير العداء أو كانت أحد مصادره.

الأهم أن الأيديولوجيات السابقة، على صراعاتها البينية، لا يمكنها من حيث الجوهر إلا أن تكون مناهضة للغرب، وأن تتفق على منع نشوء تيار ليبرالي يطمح إلى شراكة مع الغرب، بعد إجهاض بشائره الأولى عبر انقلاب «البعث». وإذا لم يكن لدى الإسلاميين اعتراض على الليبرالية الاقتصادية فهم بالتأكيد ليسوا مع تبعاتها الفكرية. بهذا المعنى وحدهم الإسلاميون كانت لهم حصة من قوى اقتصادية، لكن تلك القوى كانت تجارية على الغالب، وتعين جزء من تجارتها استثماراً ريعياً في الرأسمال الرمزي الديني، ولم تنتج رأسمالها الرمزي الخاص أسوة بالبرجوازية الغربية.

في حدّ ذاتها، كلمة «الليبرالية» كانت في مثابة تهمة من نظام قرر احتكار ما تطاوله من اقتصاد وحريات، وأيضاً من جانب أيديولوجيات وقوى سياسية هامشية الحضور. الحال تغيرت قليلاً في العقدين الأخيرين، مع شيوع أدبيات ليبرالية في صفوف معارضين ومثقفين سوريين، لكن زمرة النظام بحكم أموال الفساد، احتكرت أيضاً العلاقة المحدودة مع بعض الاقتصادات الغربية. وفق منطق القوة والمصالح، كان النظام هو الأقدر على الشراكة مع الغرب، على رغم إبقاء رفضه المطلق تبعات الليبرالية، بخلاف أولئك الذين لا وزن لهم وإن أصبحوا أقرب إلى المنظومة القيمية الغربية.

ما يحدث اليوم، في حال لم تظهر مفاجآت، يكاد أن يكون استعادة أسوأ للقطيعة مع الغرب، مبتدأها من الغرب نفسه، وتنتعش مجدداً في أوساط الذين أقلعوا عن القطيعة معه. الغرب، في مرآة المذبحة السورية، غير أخلاقي وغير وفيّ لقيمه ذاتها، وكما انحاز سابقاً إلى إسرائيل ها هو يفضّل بقاء الأسد على تحول ديموقراطي. الشراكة الوحيدة المطروحة من الغرب هي في محاربة الإرهاب، وهذا المجال (القذر والعنيف بطبيعته) مفتوح لمقاولات لا وجود فيها لمن «لا وزن لهم»، ما يضمن مجدداً ألا يكتسبوا وزناً وفق المعطيات الحالية.

الخبر السيء أنّ تجدّد القطيعة مع الغرب يهدد بأن تكون جوهرية أكثر من السابق، بخاصة مع تركيز ظاهر الخطاب الغربي على مواضيع مثل حماية الأقليات، في وقت تُباد الأكثرية بموجب تقسيمه، وفي وقت لم يكترث بتمكين مَنْ عادوا ليصبحوا أقلية صغيرة بالمعنى السياسي، أي أولئك الذين تبنوا قيم الديموقراطية. محلياً، عنت التطورات السورية، مشفوعة برضا أميركي، تفضيل نزع قوة النظام وذهابها إلى موسكو وطهران على ذهابها إلى سوريين حاولوا استرداد أوزانهم. الوضع الجديد سيكون أدهى من سابقه، إذا بقي الغرب على رغم القطيعة التحررية السابقة، موضع إلهام أو حسد، الآن ربما لا يبقى سوى الحسد المقرون بالنقمة.

========================

البابا والغضب الإلهي وواقعة حلب! .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 2/10/2016

أظهر البابا سخطاً شديداً على الذين يقومون بأعمال القتل في حلب. وكان معظم الغربيين الكبار على وجه التقريب، قد أعلنوا سخطهم على مذبحة حلب التي يتشارك فيها الإيرانيون مع النظام. وبالطبع فإنَّ ردة الفعل في العالمين العربي والإسلامي على هذا «النفاق» الدولي ما كانت جيدة، بل قالوا إنّ الغربيين هم الذين تسببوا بالكارثة، عندما صمتوا عن التدخل الإيراني! أما نيويورك تايمز وواشنطن بوست، فقد اعتبرتا ما حصل ويحصل دليلاً لا يُدحض على فشل أوباما في سياساته تجاه سوريا وتجاه روسيا. بيد أنّ الأميركيين تلاوموا فيما بينهم أيضاً، وحمّلوا كيري (وأوباما) المسؤولية، وقد أجابهم كيري بأنه كان هناك إجماع على عدم عودة الولايات المتحدة للتدخل عسكرياً في الشرق الأوسط، والاكتفاء بالدبلوماسية النشطة. والأمر الآخر أنّ التنازلات الكبرى التي قدّمها للروس أخيراً إنما كان القصد منها إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحاصَرين بحلب. لكنْ عندما انعقد الاتفاق، ظهرت اختراقاتٌ في الصفوف الأميركية. فالعسكريون ما وافقوا على التعاون مع العسكريين الروسي، والمعارضات المسلَّحة وغير المسلَّحة اعتبرت أنّ كيري إنما يريد إهلاكها واحداً بعد الآخر، من أجل إرضاء الروس وتنجية بشار الأسد!

وهكذا انقضت أيامٌ ثلاثةٌ على بدء الهدنة، دون أن تدخل أي مساعدات إلى المحاصرين. وقد احتج كل طرف على الآخر. أما الروس فقالوا (عملياً) إنه لا مساعدات من دون بدء التعاون العسكري الأميركي ضد الإرهاب، بينما قال الأميركيون (العسكريون) إنهم لن يتعاونوا مع روسيا وهم لم يفعلوا ذلك منذ الحرب العالمية الثانية. الروسي قال: أميركا غشّاشة بدليل الغارة على دير الزور، والتي قتلت مائةً وأكثر من قوات النظام، ويكون على الأميركيين الإعلان عن تفاصيل الاتفاق. والأميركان قالوا إنه لا بد من تجربة حسن النية بإدخال المساعدات التي استغاث من أجلها بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، ومنظمات الإغاثة وحقوق الإنسان الأُخرى. وقد بلغ من إصرار تلك المنظمات أن غامرت (بموافقة الولايات المتحدة) على تسيير قافلة صغيرة للإمدادات والمساعدة، لكن تم ضرب القافلة وما دخلت أية مساعدات. ولأنّ الأمر وقع «خطأ» كما هو خطأ الولايات المتحدة في الغارة على دير الزور، فإنه ينبغي «التحقيق» في الحادث، وليس الإدانة المباشرة التي اتفق عليها العالم كلُّه!

لقد انتهت الهدنة وما مضى عليها غير ستة أيام، وذلك بانصباب قذائف وحمم تُضاهي ما استُخدم ضد ستالينجراد في الحرب الثانية! ووسط عويل الجرحى، وسقوط الأطفال، وتهدُّم المباني، انعقدت جلسة مجلس الأمن لمناقشة الأوضاع في سوريا، فأظهر المشاركون (الغربيون) غضباً شديداً بسبب المذابح. وقد علَّل نصر الله ذلك بأنه لا بد من الحسم العسكري لإنهاء الإرهاب والتكفيريين. ما عاد أحدٌ مع روسيا في ملحمة حلب غير الإيرانيين.. وإن لم يُنْه اقتحام حلب الثورة السورية، فإنّ النظام يكون قد احتفظ بدمشق وحلب والساحل، ولتستمر الحروب في بقية المناطق بين «داعش» والمعارضة والغربيين!

بوتين يبحث عن استسلام الغرب أكثر مما يبحث عن استسلام المعارضة. ولافروف يقول إنهم منافقون ومع «داعش». لا أحد عنده أمل في إمكان عودة الهدنة إلا كيري الذي يرى أنه لا حلّ في غير ذلك.

*أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية.

========================

هل هو الحل العسكري؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 2/10/2016

بنت الولايات المتحدة سياساتها تجاه الصراع السوري على إقامة توازن قوى بين النظام والمقاومة، يتيح لها فرصاً مفتوحة لتدخل تحكّمي في الحدث السوري من جهة، وإطالة الصراع إلى الوقت الذي تريده، من جهةٍ أخرى.

لم تلحظ هذه السياسات مفارقةً ترتبط بإدارة التوازن، هي أن كسره لصالح المقاومة يفضي إلى الحل السياسي الدولي الذي يطبق وثيقة جنيف، وقرار مجلس الأمن 2118، بينما يعني كسره لصالح النظام إسقاط هذا الحل، وفرض حل عسكري لطالما ألزم الأسد نفسه به، ولم يتخلّ عنه في أي وقت. بذلك، عطل تمسك أميركا بالتوازن تحقيق الحل السياسي الدولي، المستحيل بلوغه من دون تفوق المعارضة عسكرياً على النظام في مرحلة أولى، وصمودها في مواجهة حلفائه العسكريين الذين سيسارعون إلى نجدته، في طور تال. في المقابل، لم يحل التوازن دون جهود الأسد وحلفائه لكسره عسكرياً لصالحهم. وبالفعل، مكّنه الروس والإيرانيون والمرتزقة الذين جلبهم إلى سورية من تقويض التوازن، بما لدى جيشي البلدين من قوةٍ حربيةٍ متفوقةٍ تستطيع تقويض ما هو قائم من توازن لمصلحتهما، بما تمتلكانه من تفوقٍ نوعي بالسلاح، ومن طيران وذخائر متقدمة وأعداد مقاتلين. ومن قدرةٍ على شن حرب تغطي كامل الرقعة السورية، ليس لدى قوى المقاومة قدرات كافية للقيام بما يماثلها.

بدخول جيشَي روسيا وإيران المتزامن إلى سورية كُسر توازن القوى إلى حدّ يجعل من المحال استعادته من دون أسلحة نوعية مضادة للطائرات، تزود بها المقاومة، أو تدخل عسكري أميركي مباشر، لكن أياً من هذين الشرطين لم يتحقق، وبينما ظلت المقاومة تحت صبيب ناريٍّ لا يتوقف من الجو، زاد من اختلال التوازن العسكري الميداني ضدها، ركّزت أميركا جهودها على الحرب ضد الإرهاب. على الرغم من أن علاقتي أميركا وروسيا بالنظام والمقاومة تتفرّعان عن علاقاتهما الدولية المعقدة والعدائية، فإن واشنطن لم تتخلّ عن آليةٍ في حفظ التوازن، اتسمت بالتقطع والتدابير اللحاقية، أملاها موقفها من الصراع وعزوفها عن حسمه. لذلك، مثّل دخول جيش بوتين إلى سورية مصحوباً بجيش إيران تطوراً مفصلياً، تحدّى قدرات المقاومة، وزاد الطين بلةً تمسّك واشنطن بخطوطها الحمراء التي منع أحدها إمدادها بالأسلحة النوعية المطلوبة. ومثله رد المقاومة على التحدّي الذي جاء ناقصاً ومتعثراً وعازفاً عن تطويرها، بحيث تحتوي التحدّي بمعونة أنماط متطوّرة وموحّدة من التنظيم. لا عجب أن أسقطت هذه التطورات الحل السياسي الدولي وفرصه، وجعلت الحل العسكري، الروسي/ الإيراني/ الأسدي خياراً وحيداً.

هل غفلت واشنطن عن نتائج تمسّكها بسياساتٍ توازنيةٍ رجراجة وهشّة إلى أبعد حد، حالت دون غلبة المقاومة على النظام الأسدي، وفرضت عليها توازناً مرّ بفتراتٍ طويلة من عدم التكافو، شجّع الأسد على قتل وتدمير وتجويع وحصار وترويع حامل الثورة الاجتماعي/ الوطني، ولم يبق في ساحة السياسة غير حله العسكري الذي أيدته إيران بكل صراحة، وروسيا من دون إعلانات طنانة، ونرى اليوم مرتسماته في حلب؟.

أتساءل، في مقابل موقف واشنطن: هل سيستمر إخوتنا العرب في احترام خطها الأحمر، وتجاهل مخرجاته التي تحتم تصدّيهم للتحالف الروسي/ الإيراني/ الأسدي، وإمداد الثورة بسلاحٍ مضاد للطائرات، تكسر بمعونته خطوط أميركا الحمراء، وتثبت أن ما تقرّره واشنطن ليس قدراً يستحيل تحدّيه، وتسقط الحل العسكري من خلال علاقات قوى جديدة تحول أيضاً دون انكشاف العرب، في حال تخلى البيت الأبيض عنهم، كما تخلى عن شعب سورية طوال قرابة ستة أعوام، وقف خلالها مكتوف الأيدي، وهو يتفرّج مستمتعاً على مأساته؟

========================

سوريا تحت الاحتلال .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 1/10/2016

لم تعد القضية السورية منحصرة بثورة عارمة ضد الاستبداد، فلابد من تحولها إلى حركة مقاومة شعبية للتدخل الروسي والإيراني والمتعدد الجنسيات، ومع نهاية شهر سبتمبر 2016 يكون قد مضى عام على التدخل الروسي المباشر، فضلاً عن الاحتلال الإيراني الذي أرسل قواته الطائفية (اللبنانية) تمهيداً للاحتلال، ثم أضاف إليها عدة مليشيات من العراق ومن مرتزقة جاؤوا من مختلف الجنسيات، كما وقعت سوريا تحت احتلال آخر من قبل تنظيم «داعش» الذي أعلن «خلافة» مزعومة على مناطق واسعة في الشرق السوري فضلاً عن مناطق عراقية! ولم تكن التنظيمات المتطرفة أقل خطراً، فقد أسهمت في تشويه صورة الثورة السورية التي تحولت في كثير من ملامحها إلى صراع دموي غابت عنه شعارات الحرية والكرامة، وبات الشعب كله يعرف أن النظام دفع إلى حضور هذه التنظيمات المتطرفة ومكنتها بعض الدول بالتمويل والتسليح لتساعد النظام في رسم المشهد على أنه صراع بين السلطة العلمانية وبين الإرهاب الديني! وربما كان السماح ل«حزب الله» بدخول سوريا براياته الطائفية نوعاً من التحريض لظهور تنظيمات مشابهة ترفع شعارات دينية مواجهة. وكادت المطالب الشعبية تضيع بين صراع الرايات المذهبية، وهذا ما دعانا في الهيئة العليا للمفاوضات إلى تحديد واضح لرؤية الشعب في بيان الرياض، وفيما قدمناه حول الإطار التنفيذي للمرحلة الانتقالية.

واليوم بعد مرور عام على التدخل الروسي في سوريا يقف العالم عاجزاً أمام إصرار الروس على سحق المعارضة السورية، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وهو يرى أن القصف يطال المدنيين بخاصة، والصور التي يتناقلها الإعلام العالمي تكشف كون الأطفال هم الضحايا الأكثر تعرضاً للقتل، وأن ادعاء روسيا أنها تقصف إرهابيين هو مجرد تغطية على مشروعها في سحق المعارضة وتهجير السكان، وكل من عارض النظام.

وما حدث في داريا والمعضمية والوعر والغوطة وما يحدث في العديد من المناطق المحاصرة وأهمها اليوم حلب التي يتعرض فيها أكثر من 600 ألف شخص لخطر الموت الجماعي، عبر تصعيد القصف واستخدام أحدث أنواع أسلحة التدمير، كله يتم على مرأى العالم، ويخفق مجلس الأمن في إيقافه، بل يخفق حتى في إدخال المساعدات التي قصفت قوافلها الأممية في تحد للإنسانية كلها.

وما تزال روسيا تدعي أنها راعية للحل السياسي، وهي التي عطلت هذا الحل، ومنعت مجلس الأمن من تنفيذ قراراته، وبات الأميركان يتراشقون معها التصريحات حول خفايا الاتفاق بين كيري ولافروف، بينما الطائرات ترشق المدنيين بالقنابل ويموت المئات تحت الأنقاض، وتهدم المشافي كي لا يجد الجرحى فرصة للعلاج.

ومع إصرار روسيا على تحويل تدخلها في سوريا إلى انخراط طويل الأمد، عبر إنشاء المزيد من القواعد العسكرية والمطارات، وعبر نيابتها عن السلطة الحاكمة على رغم ادعائها أنها تراها شرعية، أجد من الضروري أن تتحول الثورة السورية إلى حركة تحرير وطني، وينبغي أن ينخرط فيها السوريون جميعاً.

لقد أجرت وفود عديدة من المعارضة الوطنية حوارات مع قادة روسيا، ولم يرفض أحد وجود مصالح متبادلة بين البلدين، وكانت المعارضة حريصة على ألا تكون في مواجهة عدائية مع روسيا، وأن يبقى هدفها تحقيق الحرية والكرامة والانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية وإقامة علاقات متوازنة مع كل دول العالم، ولكن روسيا أصرت على مواجهة الشعب السوري.

ومع انسداد الأفق السياسي ودخول الولايات المتحدة في سبات ما قبل الانتخابات الرئاسية فيها، وعجز الاتحاد الأوروبي عن فعل شيء خارج إرادة روسيا وأميركا، ومنع الولايات المتحدة حصول المعارضة المسلحة على مضادات للطيران الروسي، فإن المدنيين في الشمال السوري سيتعرضون لاستهداف ممنهج، والذريعة أن الإرهابيين يعيشون بينهم، وملايين الأطفال والنساء والجرحى والمعوقين والعجزة سيواجهون ما هو أخطر من الجحيم، ولن يجدوا ملجأً يأوون إليه، والروس يطلبون منهم أن يخرجوا من حلب ومن إدلب، وهم لا يعرفون إلى أين يذهبون، والطائرات تلاحقهم بحممها.

إننا نطالب العالم كله باتخاذ مواقف حاسمة وسريعة لمنع إيران والنظام وداعميه ومليشياته من ارتكاب المزيد من الجرائم الكبرى التي يندى لها جبين الإنسانية.

========================

عصر ما بعد العرب .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 1/10/2016

تمارس الولايات المتحدة سياساتٍ تنطلق من حقل بنيوي، تنفرد بتحديد مكوّناته التي تعرّفها انطلاقا من عاملين. أولاً، الظروف القائمة داخله ومن حوله وعلى امتداد العالم، والتي تأخذها جميعها بالحسبان، بما فيها تلك السلبية بالنسبة لها، بما في ذلك الذاتية والعامة، تلك الطارئة أو النهائية والقطعية، وغير القابلة للمراجعة أو التعديل والتطوير. وثانياً، الأهداف المطلوب تحقيقها من هذا الحقل البنيوي، الذي ترفض واشنطن السماح لأيٍّ كان بإقامة أية توازنات دائمة فيه، ومشاركتها في رسم حدوده، وطرق اشتغاله، والنتائج التي يجب أن تترتب عليه، بالنسبة لها أو بالنسبة للأطراف التي تقرّر إدخالها إليه أو إخراجها منه، والتي يراد لها أن تلعب فيه أدواراً ترسم لها بدقة، تحدّد وحدها طبيعتها وأبعادها، ومتى تبدأ وتنتهي، وهوية فاعليها الرئيسيين في كل مراحل اشتغالها، وبأية طرقٍ ووسائل يتم احتواء الآخرين، أو إخراجهم منها، كباراً كانوا او متوسطين أو صغارا، ومتى يتم تعديلها أو استبدالها بحقل بنيوي جديد، تتطلب إقامته تطورات معينة، مفصلية وانعطافية، وعلاقات تبدلت مع القوى الدولية والإقليمية والمحلية المنضوية فيه أو المبعدة عنه.

هذا الحقل البنيوي، الذي يعتبر التوازنات مع الآخرين حالةً مرفوضة وعابرة، لا بد أن ينصب جهد واشنطن على إلغائها، تقيمه أميركا عادةً من خلال مقارباتٍ متنوعة، كثيراً ما تبدو للمراقب الخارجي، أو السطحي، مفكّكة وعديمة الترابط، وغارقةً في التخبط والارتجال، في حين يكون دهاقنة المؤسستين العسكرية/ الأمنية والسياسية منكبين على حبك خيوطها الرئيسية وإخفائها، وإضافة مفردات إليها، تحدث نقلات وتفاعلات تراكمية فيها، تقربها في كل خطوةٍ من الهدف: تأسيس الحقل البنيوي الذي سرعان ما يجد ضحاياها أنفسهم أسرى له، ومحكومين بأدوار مرسومة بدقة لهم، يفتقرون إلى القدرة على رفضها أو تعديلها، وإلى المعرفة بفنون إدارتها، في حين تتحكم واشنطن بحساباتهم، وتضبط إيقاعهم، وتحدّد نمط مصالحهم وحدودها، قبل أن يأتي زمن إنهاء أدوارهم فيها، والإتيان ببدائل لهم، يقومون بما لم يعد في وسعهم هم القيام به، في خدمة مصالح أميركا بطبيعة الحال.

"نحن اليوم في مرحلة انتقال إلى حقل بنيوي أخذ تكوّنه يتسارع، بحجة الحرب ضد الإرهاب ونتيجة لها. ومن المؤكد أن العرب سيدفعون الثمن الأكبر لتكونه، على الأقل لأنه يدخلهم في استنزاف/ تفتيتي يدمر اليوم سورية"

واليوم، يدخل الوضع السوري الذي انضوى، بعد الثورة بأشهر قليلة، في حقل بنيوي أميركي حكم حركته، وحدّد العوامل المتحكمة بمصيره، في لحظةٍ انتقاليةٍ، لأن أميركا قرّرت، كما يبدو، القيام بخطوةٍ جديدةٍ في سياساتها تمكّنها من ترجمة ما أنجزته، في السنوات الخمس الماضية، على أرض الواقع من سيطرةٍ على الحدث السوري وتفرّعاته الإقليمية والدولية، تحولت معه من جهةٍ أخرجت من العراق إلى جهةٍ استعادت دورها فيه، من خلال البوابة السورية، ونجحت في تجريد خصومها من عناصر قوتهم، وفي إيجاد بيئةٍ استراتيجية جديدة، مكان العرب فيها هامشي، إن بقي لهم فيها مكان، ركيزتها تنسيق إسرائيلي/ إيراني ضد العرب، تمسك هي بخيوطه، يعبر اكتماله عن نجاحها في تأسيس حقلٍ بنيويٍّ عابر للمنطقة التي قرّرت التموضع فيها، والسيطرة عليها منذ سبعينيات القرن الماضي، واستخدمت تحكّمها بأدوار المتصارعين فيه، لارساء مفرداته ، بحجة عدم التدخل في صراعاتهم، بيد أنها لم تفلت زمام الأحداث والتطورات لحظة واحدة ، ولم تسمح بخروج أي دورٍ عمّا رسمته من طرقٍ تسهل الانتقال إلى الحقل العتيد الذي يقوم، منذ أعوام، بفضل قدرتها على دفع المنطقة إلى عملية تفكيكٍ مضبوطةٍ، كان لا بد أن تسبق عملية إعادة تركيبها منطقةً، تختلف مقوماتها وكياناتها السياسية كثيراً عن مقوّماتها وكياناتها الراهنة، بالإفادة من سياسات الفوضى الخلاقة التي أعلنت تبنّيها لها عام 2003، في ذروة مأزقها العراقي، وجدد الرئيس باراك أوباما سبل مقاربتها، من دون أن يغير أهدافها، ولم يفلت أيٌّ من خيوطها، سواء قبل التدخل الروسي في سورية أم بعده، وها هو يدفع بها يومياً نحو مآلٍ يأخذها إلى ما بعد المسألة السورية، من دون أن يخرجها منها، بفضل قواعد عسكرية أقامها جيشها شمال سورية، المطل على العراق وإيران وتركيا، وما له من نفوذٍ مقرّر في منطقة حوران، حيث يتداخل تأثيرها ويتكامل مع حضور إسرائيل: حليفتها التي ستتلقى 38 مليار دولار، ثمن أسلحة جديدة تشتريها منها، على الرغم من قضاء الأسد على عدوها: سورية الدولة والمجتمع، وما أتاحه لها تدميرهما من تفوقٍ كاسح على بيئتها المجاورة والبعيدة، التي لن يتحدّاه أحد منها خلال عقود كثيرة مقبلة، وتربّعها الآمن في الجولان، وثقة واشنطن بأن روسيا لن تبني في سورية جيشاً قادراً على تحدّيها، في حال قامت ببناء جيش.

نحن اليوم في مرحلة انتقال إلى هذا الحقل البنيوي الذي أخذ تكوّنه يتسارع، بحجة الحرب ضد الإرهاب ونتيجة لها. ومن المؤكد أن العرب سيدفعون الثمن الأكبر لتكونه، على الأقل لأنه يدخلهم في استنزاف/ تفتيتي يدمر اليوم سورية. ومن المرجح جداً أن تكون مجتمعات العالم العربي وقود مراحله التالية. المشكلة أن مواجهة هذا الحقل لا يمكن أن تنجح من دون حقلٍ له بنية متكاملة مضادة له، وأن أميركا تعتمد إيران وإسرائيل فاعليْن إقليميين رئيسيين ضد العالم العربي، وأن العرب لا يشعرون بعد بحدوث هذا الانتقال. لذلك، لا يبادرون إلى فعل أي شيء لمواجهته، بل يكتفون بالتلاعب بمصيرهم، من خلال المسارعة إلى الانضواء في الخطط الأميركية، التي تستهدف إقامة الحقل البنيوي الجديد، المعادي لهم، على الرغم مما تفعله بهم في سورية، وتحول مأساة شعبها، منذ وقت طويل، إلى مأساة عربية مزدوجة، حدها الأول عزوف العالم العربي عن وقف كارثتها، على الرغم مما تلحقه به من أضرار وتحمله له من مخاطر، وحدّها الثاني انفراط ما هو باقٍ من عقده، في سياق ما يتطلبه قيامه من انتهاكٍ للقوانين والأعراف وللقيم المحلية والدولية، ويرتكب من جرائم ضد المواطنين العرب، لم تعد توفر أحداً منهم، وتدمر بلدانهم واحداً بعد آخر.

لا تكبح وتحبط البنية الأميركية بغير بنية عربية مضادة، ما لم نقم بنية تنجينا من الأخطار، وتصحو نخبنا السياسية والثقافية، أخيراً، من غفلتها، وتقبل شعوبنا سياقاتٍ سياسية وفكرية ومفاهيم جديدة وفاعلة، تساعدنا على الخروج من بؤسنا القاتل. لن يكون أمامنا، على الأرجح، غير إكمال طريقنا إلى عصر جديد، هو عصر ما بعد العرب.

========================

هل تسقط حلب؟ .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 1/10/2016

كيف يمكن تفسير العجز الأميركي حيال ما يجري في مدينة حلب؟ وكيف يمكن تفسير لجوء الدولة الأقوى في العالم إلى مجلس الأمن، لممارسة ضغوط لا تنفع على روسيا، لوقف العمليات العسكرية في حلب؟ هل هو ضعف أميركي؟ أم تواطؤ مع الروس، لإبعاد حلب من معادلة الصراع؟

ليس ما جرى، أخيراً، مجرد عمليات قصف عشوائية على المدينة فحسب، بل هو عمل عسكري منظم ومدروس، هدفه إحكام السيطرة على منافذ المدينة، وإعادة تكرار تجربة حمص في حلب، وبالتالي، إنهاء الوجود المسلح للمعارضة في المدينة.

تشكل حلب أهمية كبرى للنظام، ليس فقط من الناحية المعنوية، بسبب كونها المدينة الثانية بعد دمشق من حيث الحجم، ولا لأنها المدينة التي شكلت الساحة الأكثر عنفاً في الصراع فقط، وأرّقت النظام ثلاث سنوات، بل لأن السيطرة على المدينة، وهذا هو الأهم، تشكل مقدمة للسيطرة على الريف الحلبي الكبير.

ولحلب واقع مختلف عن كل ساحات المعارك في سورية، فهي تختزل الصراع المحلي والإقليمي والدولي، وفيها تتحارب كل أطراف الأزمة، وفيها تنتهي المعارك الكبرى في سورية.

من الناحية العسكرية، تشكل جبهة أمامية وخلفية، في الوقت نفسه، لمن يسيطر عليها، حيث تصبح المدينة منطلقاً سهلاً نحو الأرياف الأربعة للمحافظة، في وقتٍ تصبح المدينة قاعدة رجوع، وحماية خلفية أمام أي هجوم طارئ ومفاجئ.

من ناحية الجغرافيا السياسية، تعني سيطرة النظام على المدينة إخراج الفصائل الإسلامية، خصوصاً الفصيلين الأقوى، جبهة فتح الشام وأحرار الشام، الأمر الذي يعني إبعادهم من معادلة الصراع في الساحة العسكرية الأهم في سورية في الوقت الحاضر، وهذا هدف أميركي، قبل أن يكون هدفاً روسياً. ولذلك، من غير المستبعد أن تكون الحملة الأميركية في مجلس الأمن من أجل التعمية على موقفها الراغب في إضعاف قوة الفصائل الإسلامية، وسحب هيمنتها العسكرية على باقي الفصائل، لاسيما "الجيش الحر" الذي تحوّل، في الآونة الأخيرة، رأس حربة لواشنطن وأنقرة، وبتوقيع روسي.

تتمحور المقاربة الأميركية التي بدأت تتمظهر، في الأشهر الماضية، حول تشكيل قوة سورية خالصة من أبناء المناطق ذات توجهاتٍ علمانيةٍ، تكون مقابلاً لوحدات حماية الشعب الكردي، ومكملاً لها في الجزء الذي لا تستطيع فيه وحدات الحماية إتمامه. إنه الجزء المتعلق بمعاداة النظام السوري.

والأهم من ذلك، على هذه القوة الجديدة أن تقبل الانخراط في التسوية السياسية، ضمن الرؤية الأميركية للحل، وتكون خارج المقاربة التركية  السعودية للحل. وعليه، لم تكن مصادفةً أن تعتمد أنقرة في عمليتها "درع الفرات" على فصائل الحر والمكونات المحلية، وإبعاد حليفها الأقوى (أحرار الشام) عن هذه المعركة. إنه اتفاقٌ ستكون الأيام المقبلة شاهداً عليه، بحيث تُترك حلب للساحة الروسية في مقابل استكمال أنقرة تأمين عمقها الاستراتيجي في شمال وشمال شرق حلب، غير أن هذه المعادلة قد تدفع قوى إقليمية، وخليجية تحديداً، إلى الخروج من عباءة المقاربة الأميركية التي أسهمت في تقوية النظام على حساب المعارضة، ولعل تصريح مسؤول أميركي أن انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، أخيراً، زاد احتمال تسليح دول الخليج العربية المعارضة بصواريخ مضادة للطائرات، ثم تصريح قائد جماعة الفرقة الشمالية، العقيد فارس البيوش، إن المعارضة حصلت على طراز متطور من صاروخ غراد، مؤشر على أن المدينة مقبلة على معارك هي الأشرس في تاريخ الأزمة السورية.

وقد تستفيد الدول الداعمة للمعارضة، كما تفعل روسيا، من مرحلة الصمت والسكون الأميركي، في الفترة الانتخابية، للحيلولة دون سقوط حلب، إلا أن ذلك سيضع تركيا في مأزقٍ مع الروس، من شأنه أن ينعكس سلباً على معركتها "درع الفرات"، وهي المعركة التي تعطيها أنقرة أولوية على غيرها، كونها تتجاوز، في تداعياتها، المسألة السورية إلى الأمن القومي التركي.

تكمن المشكلة الرئيسية في أن الولايات المتحدة في حالة نَوَسان سياسي وعسكري، فهي تريد إضعاف القوى الإسلامية، وفي الوقت نفسه، لا تريد تحقيق ذلك من دون تنازلاتٍ من روسيا والنظام، وهو ما تعجز عن تحقيقه. وهذا التردد هو ما تلعب عليه موسكو، لإعادة ترتيب هدنة جديدة، أو الضغط على واشنطن للانصياع إلى مطالبها. لكن، يبدو من تسارع الأحداث أن المسألة الحلبية تُركت إلى الإدارة الأميركية المقبلة.

========================

سوريا: فشل الهدنة وخرائط لمعارك جديدة .. أحمد عوينان عاصي الجربا

القدس العربي

السبت 1/10/2016

أفرز الاتفاق الروسي الأمريكي في أيلول/ سبتمبر الجاري، هدنة فاشلة في سوريا، إذ لم يكشف الكثير من بنوده، على رغم ما تم تسرّيبه من تفاصيل سرية، بعثت المزيد من الخوف والقلق في نفوس السوريين على مستقبل بلادهم ومسار العمل السياسي فيها.

نصت الاتفاقية على تجميد القتال بين قوات النظام وفصائل من المعارضة المسلحة لتهيئة الظروف أمام عملية الانتقال السياسي، وبدأت بالتسلسل عبر ضمان استمرار الهدنة ل48 ساعة وبشكل متكرر، وهو ما انتهى عملياً، منذ الأسبوع الأول من الشهر الجاري، بممارسات الأطراف المعنية بالاتفاق المفترض، ويرافق الهدنة تمرير المساعدات الإنسانية، وهو ما سجل فشلاً مؤلماً لم يسعفه بعض الشاحنات الشحيحة التي وصلت إلى أجزاء محاصرة من حلب وريفها، وأخرى إلى ريف دمشق النازف.

أما المرحلة الثانية، وهي التي تستتبع الهدنة مباشرة، فتتلخص في اعتماد الخرائط العسكرية المشتركة التي توضح مواقع قوات النظام والمعارضة المسلحة المعتدلة، حسب التقييم الروسي الأمريكي المشترك لمفهوم الاعتدال، ومواقع الإرهابيين من تنظيم «داعش»، وجبهة فتح الشام «النصرة» سابقا.

تعطّل الاتفاق تماماً عند هذه النقطة، حيث قصفت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مواقع لقوات النظام منتصف الشهر الجاري في جبل ثردة، قرب مطار دير الزور بأربع ضربات جوية، صرحت بأنها «بالخطأ وغير متعمدة»، لكنها أثارت علامات استفهام حول صلابة الاتفاق، خاصة أن مرحلته الثالثة التي تشترط استمرار الهدنة لمدة أسبوعين حتى يتسنى لطرفي الاتفاق، إنشاء مركز موحد لتوجيه الضربات المشتركة إلى قوى الإرهاب، ولن يتم تطبيق بند الضربات المنسقة إلا في حال انفصال المجموعات المصنفة ضمن المعارضة المعتدلة عن قوى الإرهاب.

أما المرحلة الأخيرة وهي الدعوة إلى مفاوضات استشارية في جنيف للبحث في الخطوط العريضة التي اتفقت بشأنها كل من واشنطن وموسكو، على أن تكون المفاوضات النهائية في أواخر سبتمبر، أوائل  تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، التي ستقرر استمرار حال الأمر الواقع وتثبيت حدود مواقع النظام والمعارضة المعتدلة، لتتحكم كل جهة بمواقعها وتمتنع عن مقاتلة الأخرى، ومن ثم البحث في صلاحيات الرئيس، والحكومة الانتقالية وأعضائها، ورئيسها، خلال الفترة الانتقالية التي تعقب المفاوضات مباشرة، والبدء في إعداد دستور جديد في البلاد قبل شهر أيار/مايو 2017.

خلال هذه الفترة تستمر روسيا وأمريكا في استهداف قوى الإرهاب، على أن تبدأ الفترة الانتقالية حسب الدستور الجديد في شهر حزيران/ يونيو التالي.

إن مصير أي هدنة أو مفاوضات متوقفة على عقد طاولة حوار سوري بين فصائل واتجاهات المعارضة أولا، من دون استثناء، برعاية أممية وإشراف مباشر من الدول العربية، صاحبة المصلحة في انتقال سياسي للبلاد، من دون ذلك، يكون مصير كل الاتفاقات الحاصلة كحال الهدنة التي ننعيها الآن بكل ألم

يدفع السوري وحده ثمن الفشل في الوصول إلى حل سياسي يحقن الدماء ويضع حداً لهذه الحرب المدمرة، التي تنذر باختفاء سوريا من الخريطة.

حلب تنزف مرة أخرى بمجازر يومية، وتدفع ثمن فشلٍ شارك الجميع فيه واستغله النظام ليحقق ثأراً شغله منذ اليوم الأول لانتفاضة السوريين.

أعلنا موقفنا مثل أغلب السياسيين السوريين في هيئات المعارضة السورية وتجمعاتها، إننا مع أي محاولة لحقن الدماء، ووضع نهاية للمأساة المستمرة منذ سنوات، وأبلغنا كل من قابلناهم من صناع القرار في الدول ذات التأثير، خاصة طرفي الاتفاق المفترض الذي تأملنا منه، أكثر بما لا يقارن مما قدمه، إدانتنا لربط سياق الأحداث في سوريا بنزاعات وخصومات خارج الحدود السورية، لا تحتمل طاقة السوريين التأجيل والتجريب أكثر.

إن غياب الجدية والحسم في التعامل مع المسألة السورية أديا إلى ظهور الجماعات الإرهابية، وإن الاستمرار في ترك الحبل على غاربه، يرسخ قدم هذه الجماعات التي يتعدى خطرها حدود الدم السوري، ليصل إلى أوروبا وأمريكا.

بذور فشل أي مشروع هو في شكل طرحه، والأدوات التي يعتمد عليها ولأن الهدن والمفاوضات، لم تستندا حتى الآن على جوهر المأساة السورية، التي تسبب بها النظام والميليشيات الطائفية الإيرانية، فلا بد من جمع الأطراف السورية، التي تطرح مسألة الحل السياسي واستبعاد الميليشيات غير السورية، التي تساند النظام والجماعات الإرهابية في الوقت نفسه، فلا يمكن لأي فصيل معتدل أن يثق بمشروع محاربة الإرهاب إن لم يتضمن هذا المشروع إخراج الميليشيات الطائفية الشيعية من سوريا بالتوازي مع الفصل بين التنظيمات الإرهابية والمعارضة المعتدلة.

الاتفاق بين الفصائل السورية أولاً على قبول بعضهم بعضا، من دون الخوض في الأسباب المؤدية للحال التي نحن عليها، وضمان حق كل مجموعة في التعبير عن نفسها، بعيداً عن لغة السلاح والترهيب، وترتيب الآليات الضامنة للذين حملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم، وتسوية أوضاعهم، دونما تهجير أو إخراج من المناطق التي دافعوا عنها، وإعادة المهجرين عنوةً إلى مناطقهم، وبناء على كل ذلك الاتفاق وبالتوازي معه، يتم ترتيب هدنة، برعاية أممية وضمانات عربية، حتى إن كانت هذه الضمانات تحتوي على وجود قوات عربية للفصل بين الأطراف المختلفة.

كررنا طلبنا وسنكرره لكل الدول ذات التأثير في يوميات الحدث السوري، كسوريين بمختلف انتماءاتنا، مستعدون للبدء بحوار غير مشروط مع الأطراف السورية كافة، والقبول بهدنة غير مشروطة، لوقف حمام الدم، على أن يتوفر لهذه الهدنة ضمانات عربية، ذات مصلحة في استعادة سوريا لمكانتها ووجهها الحقيقي، من خلال ولادة الجمهورية السورية الجديدة من رحم مأساة بدأت مع الأسد الأب، وكان المخاض عسيراً في السنوات الخمس الماضية، ولا شيء يؤدي إلى هذا الحلم المحقق قريباً إلا حوار وقبول السوري للسوري قبل كل شيء، أما فشل الاتفاقات والهدن من دون ذلك فهي البداهة، ولعلنا نأخذ العبر جميعاً من تجاربنا مع الهدن والمفاوضات التي جرت حتى الآن.

رئيس تيار الغد السوري المعارض

========================

اللحمة الوطنية المشوية .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 1/10/2016

كان الإعلام السوري يركز على مدى عقود على ما يسميه ب «اللُحمة الوطنية» بضم اللام، على اعتبار أن السوريين أخوة، وأن الوحدة الوطنية في سوريا عال العال، وأن السوريين كالبنيان المرصوص، أو كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

لكن الأيام أثبتت أن كل المتاجرين بالوحدة الوطنية كانوا يضحكون على الشعوب. وبما أن النظام في سوريا كان لعقود مجرد ذيل من ذيول الاتحاد السوفياتي سابقاً، فقد كانت تركيبة سوريا الاجتماعية شبيهة بتركيبة الدول الشيوعية التي عاشت على القهر والإخضاع لعشرات السنين. وعلى الرغم من أن سوريا وشبيهاتها الشيوعية كانت تتغنى دائماً بالوحدة الوطنية والتعايش الاجتماعي والشعبي ليل نهار، إلا أن تكرار شعارات الوحدة الوطنية التي كانت تملأ وسائل الإعلام السورية وجدران الأبنية في طول سوريا وعرضها لم يكن أبداً دليلاً على وجود الوحدة الوطنية، بل كانت محاولة مفضوحة لفرض الوحدة الوطنية الكاذبة على السوريين بالحديد والنار والإرهاب الإعلامي اليومي.

وفي أحسن الأحوال كانت محاولة للتغطية على عدم وجود الوحدة على أرض الواقع، لأن «بتوع» الوحدة الوطنية يرفعونها شعاراً، ويدمرونها على الأرض. فكما هو معروف في الديكتاتوريات، كلما زاد عدد صور الديكتاتور في الشوارع، فاعلم أن الديكتاتور مكروه وليس محبوباً من الشعب، فالحاكم المحبوب ليس بحاجة لأن يفرض صوره على الناس ليل نهار حتى في دورات المياه والمراحيض العامة كما كان الوضع ومازال في سوريا.

وبما أن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالحديد والنار، بل بالعدالة والمواطنة والشراكة الحقيقية في الوطن، فقد انهارت كل الدول التي رفعت شعارات الوحدة الوطنية الكاذبة، والتي اكتفت بممارستها في وسائل الإعلام وأهملتها على أرض الواقع. لاحظوا كيف انهار الاتحاد السوفياتي نفسه الذي كان الأب الروحي لكل الديكتاتوريات في أوروبا الشرقية والعالم. لم يستطع السوفيات ان يوحدوا الشعوب التي حكموها رغم جبروتهم وامتلاكهم لواحدة من أكبر الترسانات النووية في التاريخ، لأن نظامهم كان نظاماً ديكتاتورياً لا يؤمن بخيارات الشعوب ولا بحريتها ولا كرامتها، بل كان يعاملها كقطعان تسوقها أجهزة الأمن بالسياط. ولاحظوا أيضاً كيف انهارت يوغسلافيا السابقة بعد موت طاغيتها السابق جوزيف بروس تيتو، وتفتتت إلى دويلات بعد أن تقاتلت شعوبها لسنوات، وذبحت من بعضها البعض مئات الألوف من البشر. لقد عاشت شعوب يوغسلافيا موحدة تحت القبضة الحديدية في العهد الشيوعي بقيادة تيتو، لكن التعايش الزائف كان مفروضاً بقوة الحديد والنار، وعندما ارتخت القبضة الأمنية انهارت الوحدة المفروضة زوراً وبهتاناً. وقد اكتشفنا كيف كان اليوغسلافيون يعادون بعضهم البعض إلى حد أنهم مارسوا بحق بعضهم البعض مجازر يشيب لها الولدان. كلنا يتذكر مجازر البوسنة والهرسك وكرواتيا وصربيا والجبل الأسود وغيره فيما كان يسمى بيوغسلافيا.

واليوم نجد الأمر ذاته يتكرر في سوريا الأسد، حيث حاول النظام أن يفرض وحدة وطنية زائفة بقوة الكلاب الأمنية، مع أنه كان في الوقت نفسه يحاول تفخيخ المجتمع السوري طائفياً ومذهبياً واجتماعياً بسياساته الظالمة والخبيثة كي يعيش على تشرذمه. ولعل أكبر دليل على أن الوحدة الوطنية كانت كذبة كبيرة في سوريا أن السوريين يذبحون بعضهم البعض الآن على الهوية الطائفية، لا بل إنهم يتلذذون بدعس بعضهم البعض، فعندما يقضي جيش النظام على بعض قوات المعارضة ترقص صفحات الشبيحة طرباً وتهلل للعملية بعبارتها الشهيرة: «تم الدعس»، والعكس صحيح بالنسبة لقوات المعارضة، مع العلم أن المتحاربين ليسوا أعداء، بل من المفترض أنهم أشقاء سوريون. لكنهم أشقاء مزيفون، فالأنظمة الديكتاتورية لا تصنع مواطنين أشقاء، بل تصنع أخوة أعداء مستعدين أن يبيدوا بعضهم البعض عند أول صراع، كما نرى الآن في سوريا.

كم نشعر بالقرف ونحن نرى تاجراً دمشقياً وهو يفتتح أكبر مطعم أو أكبر محل لبيع البوظة، بينما يعاني مئات الألوف من الجوع، ويلجؤون إلى أكل أوراق الأشجار في الغوطتين الشرقية والغربية على بعد بضعة كيلومترات فقط من محله في العاصمة دمشق. الدمشقيون يدخنون الشيشة ويرقصون في مراقص دمشق القديمة، بينما يموت الألوف من «إخوانهم» تحت القصف والجوع على مرمى حجر في داريا وعربين. كما يرقص بعض الحلبيين في الملاهي في الوقت الذي تقصف فيه الطائرات الروسية الأحياء الشرقية من حلب بالنابالم.

ما أحقر الذين يرقصون ويهللون ويطلقون الرصاص في شوارع الساحل السوري ومناطق الأقليات الأخرى احتفالاً بالقصف الروسي بالنابالم والأسلحة المحرمة دولياً لسكان حلب وإدلب وحمص ودير الزور وغيرها. كيف سيتعايش هؤلاء الأوغاد مع السوريين الآخرين الذين تشردوا بالملايين، وفقدوا فلذات أكبادهم وأرزاقهم بالملايين أيضاً لاحقاً؟ أهذه هي اللُحمة الوطنية التي كان يضحك بها علينا إعلام الأسد، أم هي اللحمة الوطنية المشوية التي يرقص حولها السوريون طرباً كلما ذبحوا بعضهم بعضاً؟

٭ كاتب وإعلامي سوري

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com