العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-08-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

صور متناقضة للصحافيين السوريين 

فايز سارة 

الشرق الاوسط 

الاربعاء 5/8/2020 

ينشغل قسم رئيسي من "رابطة الصحافيين السوريين" منذ أشهر بمشكلات الرابطة، وهي تنظيم نقابي أسسه صحافيون بعد ثورة 2011 لجمع شتاتهم، وتنظيم صفوفهم للدفاع عن أنفسهم وحقوقهم في الواقع الجديد، وتعبيراً عن تمايزهم عن "اتحاد الصحافيين" بدمشق الذي لم يتجاوز منذ تأسيسه قبل أكثر من أربعين عاماً، أن يكون بوقاً لنظام البعث وأداة سيطرة وتدجين لحملة الأقلام الحرة وأصحاب الضمائر من الصحافيين. 

مشكلات الرابطة معقدة ومركبة، ودخلت عليها وإليها تفاعلات متعددة بحيث صار من الصعب الفصل بين الحق والباطل وبين الصحيح والخطأ، وكان ذلك نتيجة التباس أساسه اختلاط السياسي والنقابي عند أعضاء الرابطة، وسط ضعف وتدني مستويات العمل الجماعي عندهم وفي وعي السوريين عموماً، وزاد على ما سبق في أسباب ما يحدث صراع على استقلالية الرابطة في علاقاتها مع مكونات سياسية سورية من جهة؛ وربطها بعلاقات مع دول متدخلة بالقضية السورية من جهة أخرى، ثم أضيفت تفاصيل وحيثيات ووقائع عن قصد وعن غير قصد، بنوايا سيئة وأخرى حسنة إلى مسائل الخلاف الأساسية، فأخذت الأمور أشكالها الأكثر تعقيداً، وصار علاجها أكثر صعوبة، مما قد يسبب تفكيك الرابطة، إذا لم يحدث ما يشبه المعجزة، ويدخل الفعالون والمشاركون في أزمة الرابطة بوابة حل للمشكلات، ويعالجوها بصورة تجنب الرابطة التفكك، وتستعيدها إلى أعضائها ومهامها مجدداً. 

وقد يكون من باب المساعدة في استعادة الرابطة إلى وضعها الطبيعي إلقاء نظرة سريعة على واقع الاصطفافات داخل الرابطة؛ حيث ينقسم الأعضاء إلى ثلاثة أقسام تكاد تكون متقاربة في عددها أو في نسبتها من الأعضاء؛ القسم الأول هم المنخرطون في صراعات الرابطة؛ وفيهم فريقان: فريق يؤازر ما تبقى من المكتب التنفيذي، وفريق يدعو إلى حجب الثقة، وفي كل واحد من الفريقين أشخاص من ذوي الرؤوس الحامية الراغبين في إلحاق الهزيمة بالفريق الآخر أياً كانت الوسيلة ومهما كانت النتائج، وإنْ كان بعضهم لا يتصور أن النتائج قد تودي بالرابطة كلها، ويحيط بهؤلاء على الجانبين مؤيدون وأنصار، أسمح لنفسي بالقول إن حضورهم في الصراع سوف يغيب إذا توقف تحريض قادتهم وسكتت أصواتهم لسبب ما، ومنه الوصول إلى تسوية في خلافات الرابطة؛ الأمر الذي قد يكون عاملاً إيجابياً كامناً في واقع أزمة الرابطة. 

القسم أو الثلث الثاني من الأعضاء، قسم ميال إلى معالجة مشكلات الرابطة والخلاص من سلوك "القيل والقال"؛ على حد وصف أحد الزملاء، ودفع الرابطة نحو العمل على مهامها في رعاية شؤون أعضائها وحماية مصالحهم وتحسين أوضاعهم سواء من خلال التدريب ورفع القدرات المهنية بحيث يتحولون إلى قوة عمل منافسة في سوق العمل، ومن خلال السعي نحو مشاريع تشغيلية، يمكن أن تقدم كثيراً من فرص العمل لأعضاء الرابطة ومن هم خارجها، وقد سمعت وناقشت مع أعضاء من هؤلاء في أوقات متعددة مثل تلك الأفكار، التي تجعل منهم أكثر الأعضاء حملاً لهموم الرابطة وزملائهم فيها، ليس لجهة تفكيرهم في حل المشكلات الماثلة، بل بفتح أفق أوسع في تحسين أوضاع أعضاء الرابطة، الذي لا بد من أن يعكس إيجاباً، ويتحسن معه وضع الرابطة، وتتعزز مكانتها في المستويات المختلفة وتأثيرها في حياة السوريين. 

ويتألف القسم الثالث من أعضاء الرابطة من الصامتين، وهو أمر لا يعني عدم المبالاة - وقد تكون هناك قلة من هؤلاء - بل إن الصمت يعود لأسباب مختلفة؛ منها عدم الرغبة في الدخول على خط الخلافات والغرق فيها، ومنها انشغال البعض الشديد بمشكلات أكثر تأثيراً بالنسبة له، وفي كل الأحوال؛ فإن مثل هذه الحالة أمر طبيعي في منظمات المجتمع المدني، وفي النقابات بشكل خاص؛ لأن الأمور تترك، على الأكثر، للناشطين ذوي الإمكانات والقدرات الأكبر. 

واقع المشكلات المحيطة بالرابطة يعطي صوراً متناقضة، وغالبها سلبي، عن الرابطة وقسم رئيسي من الصحافيين السوريين، في وقت يعرف فيه الجميع أن ثمة حاجة، بل ضرورة، متزايدة لدور إيجابي للرابطة وللصحافيين أيضاً في ظل ما يحيط بالسوريين وقضيتهم من أوضاع صعبة، ومأساوية وصلت إلى حد الكارثة، الأهم في خلاصاتها استمرار الصراع المسلح حيث لا حل، بل تواصل مسار القتل والتدمير والتهجير الذي تتابعه قوى الأمر الواقع، واستمرار وقائع الانقسام السوري سياسياً وبشرياً وجغرافياً، وتكريس كيانات يحلم بعض صناعها بتحويلها إلى كيانات نهائية، ويجري غض النظر عن قضايا مهمة وملحة أو تجاهلها، مثل قضية المعتقلين والمختفين قسراً، وقضية عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم وأملاكهم، ووقف سياسة إفقار وتجويع السوريين، وكلها قضايا تحتاج إلى جهد وطاقة الصحافيين السوريين لبيان خطرها وإعادة تقديمها إلى الرأي العام وتحشيده من أجل معالجتها بما يخدم القضية السورية، بعد كل ما لحق بها من تأثيرات سلبية في الأعوام الأخيرة، جعلتها تتراجع في سلم الاهتمامات الدولية والإقليمية. 

إن انقسامات الصحافيين وانشغالاتهم بالصراعات في الرابطة؛ وعوامل أخرى، منعت تحشيد جهودهم في خدمة القضية السورية على النحو المنظم والمجدي في آن معاً، لكن صورة التقصير العام الذي بلغ مستوى الفشل في موضوعات وأماكن كثيرة، لم تمنع صحافيين سوريين من تقديم جهود استثنائية في موضوعات وأماكن مختلفة، لعل بين أبرزها ما يفعله صحافيو الداخل السوري في تغطية الأحداث ومتابعتها رغم كل الظروف الصعبة السائدة في مناطق سيطرة نظام الأسد والمناطق الخارجة عن سيطرته في شمال شرقي سوريا حيث تسيطر "قوات سوريا الديمقراطية (قسد)" التي تدعمها الولايات المتحدة، أو في الشمال الغربي حيث تتقاسم السيطرة هناك تركيا والميليشيات الحليفة لها من جهة؛ و"هيئة تحرير الشام" وشقيقاتها من جماعات التطرف مثل "حراس الدين" وغيرها، من جهة أخرى، وتتشارك سلطات الأمر الواقع جميعها في اضطهاد الصحافيين، مما جعل سوريا تحتل للعام الثاني على التوالي المركز الـ 174 من أصل 180 بلداً، حسب التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2020. وحسب كثير من التقارير، فإن أكثر الانتهاكات، خصوصاً ضد النساء، حدثت في مناطق سيطرة جماعات التطرف، لكنها جميعاً لم تمنع الصحافيين هناك من حمل عبء مهنتهم معظم الوقت وفي أغلب المناطق والموضوعات، وكان أحد تعبيرات ذلك فوز الصحافية السورية يقين بيدو بجائزة الشجاعة الصحافية من "المؤسسة الدولية للإعلام النسائي" مؤخراً لدورها في تغطية الأحداث، خصوصاً الغارات الجوية والهجمات على إدلب. 

وإذا كانت صعوبات الوضع في الداخل، لم تمنع العمل الصحافي والتميز فيه هناك، فإن أوضاع الشتات الصعبة، لم تمنع نشاطات ومساهمات مميزة في العمل الصحافي السوري، لعل أحد تعبيراتها البارزة ما قامت به الصحافية والحقوقية وفاء مصطفى، التي ألقت مداخلة أمام مجلس الأمن الدولي أواخر يوليو (تموز) الماضي، تناولت واحداً من أكثر الموضوعات حساسية في القضية السورية، وهو موضوع المعتقلين، وركزت فيه على ما يحيط بأوضاعهم من تغطية متعمدة، وما يرتكب في حقهم من جرائم؛ بينها القتل تحت التعذيب وإساءة المعاملة، وسوء الأوضاع الصحية والمعيشية، والتي يتشاركها النظام مع الجماعات المسلحة الأخرى، وطالبت مجلس الأمن الدولي بتحمل مسؤولياته في معالجة موضوع المعتقلين. 

لقد آن للصحافيين السوريين في ظل ما يحيط بقضيتهم من ظروف واحتمالات، وما يحيط بصورهم من تناقض، والمكانة التي تتمتع بها مهنتهم ومسؤوليتهم، أن يعيدوا ترتيب أوضاعهم وأولوياتهم، وأن يوحدوا صفوفهم، وأن ينخرطوا في نشاط عملي مكثف وفعال لدعم ومعالجة القضايا والموضوعات ذات الأهمية في مستوياتها المختلفة، خصوصاً أن الترديات وصلت إلى عمق بيتهم، واستقرت في نقابتهم التي ينبغي ألا يكون هناك خلاف فيها وعليها. 

=========================== 

موقفنا : في " الوطنلوية "

زهير سالم

مركز الشرق العربي

9/ 8 / 2020

في مطلع ثمانينات القرن الماضي أتيح لي أن أزور الفريق " أمين الحافظ " مع مجموعة من السوريين ، كان بي شغف لألتقي به ، فقط لأسمع منه كيف أسلموا رقاب مجتمعنا لهؤلاء الذين ما زالوا يفظّعون ويفعلون بنا الأفاعيل !!!.. جلسنا في مجلسه نستمع إليه كتلاميذ ، لمدة ثلاث ساعات ، نتدخل بين الفينة والفينة بسؤال من كلمات طلبا للتوضيح : كيف ؟! وهو يتكلم ويتكلم ويتكلم بطريقته المعهودة . وربما استمع إلى منطقه بعضكم يوم قدم حلقات : شاهد العصر . لأختصر عليكم الحديث لم أسمع في حديثه إلى أي جواب مقنع ، أو كلام يستقيم مع مقتضيات : العقل والسياسة والوطنية الحقة ..

قضيت عمرا من قبل ، وكلما التقيت مع إخوة لنا عرب أو مسلمين أشرح وقع المأساة ، هذا قبل 2011 . . كل البعيدين عن المشهد السوري بعد أن يعرفوا الخارطة الديموغرافية للشعب السوري ، تتحول نظرة التعاطف عندهم إلى نظرة إشفاق ، أستحيي أن أسميها نظرة ازدراء . شيخ سياسي ثمانيني عربي قال : ظنناكم أقلية في الشام جئتمونا تطلبون النصرة لننصركم ، وأما والأمر كما ذكرت فإنكم تستحقون ما يجري عليكم . وحالتكم ليس لها سابقة ، لا في عالم الاجتماع ، ولا في عالم السياسة..

المنطق " الوطني - الغوغائي " الذي كان يحدثنا به الفريق " أمين الحافظ " ما زال سائدا مع الأسف عند السواد العام من النخب السورية المسيطرة ثقافيا وفكريا . وما زال البعض يحمل علينا سوط الإرهاب " الوطنلوي " والذي يعني أن الوطنية تعني أن تكون تحت نير كل الأقليات وأن تخشع في كل المذابح .. وأن تنحني حتى يكون ظهرك مع جذعك زاوية قائمة ، أمام كل القامات الوطنية من الهويات الأرفع ، وإلا فأنت رجعي طائفي متعصب عديم الوطنية ..

لتكون وطنيا يجب أن تعلي كل الهويات الفرعية إلا هويتك ، وأن ترفع باحترام كل الأجندات . ويجب تنسى حليب أمك التي أرضعتك .. وأن تتسامح في كل شيء ربك ودينك ولغتك وبعد أن غيروا اسم البلد سيشترطون علينا في اسم الولد .. وإن غدا لناظره قريب .

ومجرد أن تقول تعالوا يا قوم إلى الكلمة السواء والمجتمع السواء ، فأنت طائفي زنيم وأنت عدو الوطن والوطنية .. ويتربصون بنا عن يمين وشمال وكم فينا من سماعين لهم . وإن يقولوا تعجبهم أقوالهم ، وما زالوا يتحفوننا بها ساعة بعد ساعة .

يشترط عليك الوطنليون أن تقر بطريقة صريحة أو مبطنة بقانون الامتيازات ، ورحم الله السلطان سليمان القانوني فقد كان أول من أقر قانون الامتيازات .. القانون الذي كان يعني بعض التسهيلات الاقتصادية للفرنساويين وأصبح يعني " امتياز الأقلية على الأكثرية "

 في سوريتنا الحاضرة امتلكت كل الأقليات على كل الخلفيات ، امتيازاتها على الأكثرية في كل شيء ، في كل شيء ، في كل شيء .. ولو شئتم لعددت. لا أنسى أنني يوم تخرجت من الجامعة وكنت الأول على دفعتي ، واغتصب مقعدي في البعثة الجامعية ابن أقلية ناجح بدرجة مشحوط . كانت كل مؤهلاته انه ابن أقلية !!!

نعرف حقوقنا . ونعرف لماذا ثار شعبنا ، ولن نقبل أن نخدع من جديد ، ولن تضيع دماء الشهداء هدرا لا نريد ظلما لأحد وننادي بالعدل للجميع ومستعدون لنحتكم مع الجميع إلى قواعد الحق والعدل والصدق ..

ولمعرفة ماذا كان وكيف كان فنحن مستعدون للاحتكام إلى الإحصاء فالأرقام شفافة وليست تكذب ولا تحابي . وعلى قاعدة النسبة والتناسب ظلت أكثريتنا في وطننا الأوفر حظا في الظلم في القتل والسجن والمصادرة . وعلى القاعدة نفسها ظلت أكثريتنا في وطننا الأقل حظا في السلطة والفرصة والثروة .

وحين يتحدث المتحدثون عن مجتمع مدني موحد فعلى أصحاب الأجندات الوطنلوية أن يبلعوا أجنداتهم . ونحن أول من يدعو إلى المجتمع المدني الموحد وإلى صندوق الاقتراع الوطني والمدني . وعلى الذين يقبلون به أن يكفوا عن الازدواج . وأن لا يقولوا مجتمع مدني موحد ثم يتحدثون عن أكثرية وأقلية . وأن يقولوا مجتمع مدني موحد ثم يطالبوا بكوتا ، وأن يقولوا مجتمع مدني موحد ثم يطالبوا بمواد فوق دستورية، فصندوق الاقتراع إما أن يكون وطنيا مدنيا . أو تُفرض عليه شروط ، فإذا فرضت عليه شروط ؛ فأول الشروط هي شروط الأكثرين الذين استبيحت دماؤهم وأعراضهم وأموالهم على مدى أكثر من نصف قرن ..

أسوأ ما في الأمر أن محامي الدفاع عن هؤلاء الوطنلويين هم تلاميذ صغار في مدرسة الفريق الركن " أمين الحافظ " دعاء ورغاء ومكاء وتصدية ..

وما نزل سوط الظلم على ظهر سوري إلا كان على غوغاء الوطنلوية من وزره نصيب.

____________

*مدير مركز الشرق العربي

===============================

سوريا فوبيا 

رشا الأطرش 

المدن 

الاربعاء 5/8/2020 

"سوريافوبيا: الخوف من قضاء بقية الحياة في سوريا. فبعد ثماني سنوات من الانحطاط، الفساد، والدمار، بسبب الحرب الأهلية السورية، طوّر السوريون من مواليد الألفية الثالثة، شكلاً فريداً من أشكال القلق الجماعي، والذي اشتقّ نوعاً جديداً من أنواع الفوبيا (الرُّهاب) يُشار إليه اليوم بتسمية سوريافوبيا". 

نُشر هذا التعريف في موقع Urban Dictionary (القاموس الحضري)، العام الماضي، لكنه عاد الآن، وبلا مقدمات معروفة، إلى التداول في مواقع التواصل الاجتماعي. لعل أحدهم عاود اكتشافه بالصدفة، وشاركه، فجدّد انتشاره. الأمر الذي قد يسبغ على المصطلح وزناً إضافياً، إذ يُظهر أنه وجد صدى ما لدى المعنيين به ولفيفهم، أنه لاقى تماهياً، أو فضولاً وتساؤلات في أقل تقدير. ولعل سوريين كثر أدركوا، ببساطة الوقوع على الكلمة في خلال تصفّحهم الالكتروني الروتيني، أن هناك إسماً لتلك الحالات التي تتمكن أحياناً من جُمَلهم العصبية وكُتلهم النفسية العميقة. وأن مَن يعانيها ليس وحده، وليس استثناء. بل إنه "رُهاب" يكاد يكون "وطنياً"، أو أحد أكثر المشاعر والأفكار وطنية، من بين ما يتشاركونه أو يقسّمهم. 

لا هيئة تحرير، ولا لُغويين، ولا ناشرين متخصصين يقررون الكلمات والمصطلحات المُدرجة في "القاموس الحضري". فالمنصة الالكترونية التي انطلقت العام 1999 انتمت إلى موجة crowdsourcing، أو المعلومات/المعطيات التي يستقيها الجمهور من الجمهور، حيث يضطلع المستخدمون أنفسهم بكتابة التعريفات وتحريرها والتصويت على جودتها. أي أنه، نوعاً ما، قرين "ويكيبيديا" وأشباهه من المواقع. لكن "القاموس الحضري" ذهب خطوة أبعد. إذ بدا، مع الوقت، مُجنَّداً لإعادة الاعتبار للتعابير التي تفرزها الحياة اليومية والثقافة الشعبية. ثقافة الشارع، لا سيما المدينية، وثقافة الميديا التعددية، والكلمات العامية التي لا تدين بالولاء للغة الرسمية الرصينة المكرّسة بالمعاجم التقليدية، بل تتمرّد عليها وتحاول مجاورتها إن لم تسعَ إلى تهشيمها الرمزي. محررو الموقع أرادوه حرّاً من كهنة اللغة وحرّاس المعاني، مفتوحاً، كما الانترنت التي كانت، في لحظة إطلاق "القاموس"، لا تزال في بدايات انتشارها والعالم يستكشف سحرها. 

وبمرور السنوات، يبدو أن نبرة تهكمية ساخرة سادت في "القاموس"، وكأن محرريه فرغوا من كسر كل محرّمات اللغة المصون، وانتقلوا إلى اختراع تعابير وكلمات للتباري في النكتة والهزء. وراحوا يخترعون أيضاً، على ما يبدو، تسميات جديدة، لمشاعر وحالات نفسية لم يلتفت إليها العِلم أو المتخصصون حتى الآن، سواء على مستوى التشخيص التقني أو اللغوي. وهذا ما يعتبر فتحاً مستمراً، وكوّة متزايدة الاتساع في جدار القوالب وعلب المفاهيم، رغم الفوضى والمغالطات التي يمكن أن تنتج عن مدوّنة كلمات وتعريفات مفتوحة للجميع. فهذه أضرار جانبية حتمية للانترنت ومختلف شبكاتها الاجتماعية، والجميع بات متآلفاً معها وواعياً لسبل التعامل معها. 

وفي كمالة تعريف "سوريافوبيا" في Urban Dictionary أن "الشباب من مواليد الألفية الثالثة، يفزعهم احتمال أنهم سيقضون بقية حياتهم في بلد غارق في قذارته. وعوارض هذه الفوبيا تتضمن قلقاً شديداً وخوفاً من عدم التمكن من مغادرة سوريا لبدء حياة أفضل في مكان آخر، أو الخوف من أن يُجبر مَن غادر على العودة. ومن العوارض المثيرة للاهتمام أيضاً، والتي لوحظت لدى آلاف السوريين، خصوصاً أولئك الذي نجحوا في ترك البلاد، كابوس ليلي متكرر، وفيه يرى الحالم نفسه في سوريا مجدداً، وكأنه لم يغادرها. وهذه الأحلام وُصفت بأنها كوابيس مؤججة للاضطرابات، مخيفة، ورهيبة". 

إنها الكوابيس التي تتردد "حكاياتها" ومشهدياتها المرعبة بين السوريين. وغالباً ما يمتزج فيها الحنين بالرعب، بمأزق ما يقع فيها الحالم في الأمكنة التي تضم ذكرياته وصوره مع أهل وأصدقاء. وغالباً هو عالق في محنة، أو هارب أو مهرِّب لأحبّتة من خطر محدق: ملاحقة الأمن، الاعتقال، التعذيب، الاغتصاب، القتل، القصف والقنص... هي الكوابيس ونوازع القلق التي تمظهرت بوضوح، خلال السنوات القليلة الماضية، في الفنون التشكيلية والسينمائية والموسيقية والروائية. 

ورغم إشكاليات الصواب السياسي في الغرب، والتي زادتها تمدداً واستعصاءً السياقاتُ الأميركية في عهد دونالد ترامب، وخصوصاً مقتل المواطن الإفريقي الأميركي جورج فلويد، إضافة إلى تجدد حركة "مي تو" وتفرعاتها، فإن الاعتذار المبطن الذي أعلنه موقع Urban Dictionary مؤخراً عن أي إساءة ربما تسببت بها السخرية الطاغية لمستخدمين ملوّني البشرة أو نساء أو مثليي ومتحوّلي الجنس، هذا الاعتذار والوعد بمزيد من الحذر (الرقابة) لم يبدُ ذا دلالة او اتصال بمنشور "سوريافوبيا" الموجود في الموقع منذ أكثر من سنة، لا من جهة القائمين على القاموس نفسه، ولا من جهة المستخدمين السوريين الذين دوَّن بعضهم في الموقع اعتراضه على تنميطات أخرى لها علاقة بتعريف "العربي" أو "السوري"، لا سيما في ما يتعلق بالإرهاب أو التشدد الإسلامي. 

وكأن تعبير "سوريافوبيا" حاز قبولاً مُعتبراً. عبَّر عن شيء ما، موجود، لكنه ظلّ طويلاً بلا اسم. والاسم ليس بالتفصيل الهيّن. الاسم يقول لك أن كوابيسك ليست من صنعك وليست فرديتك، بل هي الدلالة على أنك أسير ماكينة الضحية التي صنعها نظام فتّاك. يقول إن قلقك الدائم من عدم القدرة على الرحيل عن وطنك، أو من أن تُجبر على العودة إليه بعدما نجحت في الفرار، هذا القلق ليس مرضك، ليس ضعفك، وليس جُبنك. هذا القلق ليس تناقضاً بين حبّك للمكان الذي فيه ولدت وكبرت وكوّنتَ حياة كاملة، وبين رعبك من البقاء فيه ومن ألا تسنح لك فرصة الهروب منه. بل هو ظاهرة، حالة تستدعي التعاضد. والتعاضد ملامح متوافرة، ولو بمشاركة التعريف في صفحات السوريين وتحويله خبراً في منابر إعلامية سورية. ولو بمجرد أن تعرف أن ثمة من صَفَن قليلاً واجترح التسمية وفسّرها في موقع مفتوح، كاسر للسائد، متجرّئ باليومي والبشري والعادي على نظام اللغة الحديدي. 

=========================== 

إنهم يسرقون النفط السوري 

بشير البكر 

سوريا تي في 

الاربعاء 5/8/2020 

اتفاق الإدارة الذاتية الكردية وشركة نفط أميركية في نهاية الأسبوع الماضي محطة جديدة من فصول سرقة النفط السوري. وكشف موقع المونيتور الأميركي عن صفقة تمت بين قائد قوات قسد مظلوم عبدي وشركة نفط أميركية (Delta Crescent Energy L L C) بعلم البيت الأبيض، وبوساطة من السيناتور ليندسي غراهام المقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وقال الموقع إن الاتفاق ينص على إعادة تأهيل آبار النفط في منطقة الجزيرة وتسويق الإنتاج. وذكرت مصادر في واشنطن أن الشركة هي فرع من شركة إماراتية، وهي متعددة الجنسيات ولها فروع في عدد من الدول الأجنبية، وتنشط في إقليم كردستان العراق، وقام عبدي بزيارة إلى هناك بهدف الاطلاع على أعمالها. 

ومن المعروف أن النظام السوري سلم حقول رميلان عام 2011 إلى حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، مخافة أن تقع في يد فصائل المعارضة بعد أن تراجعت سلطاته بفضل الحراك الشعبي. وفضلت دمشق أن يؤول النفط إلى جهة غير المعارضة، ووفق حسابات رأس النظام بشار الأسد، فإن هذا الإجراء يحرم أعداءه من مصدر تمويل رئيسي. ومنذ ذلك الحين ليس هناك أي معلومات غير المتداولة، وهي أن داعش استغلت بعض حقول النفط والغاز، والقسم الآخر استغلته قسد التي صارت تسيطر على مجمل الثروة النفطية والغازية بعد رحيل داعش. وسرت معلومات أن قسد تصدر قسما من الإنتاج إلى الخارج مباشرة، والقسم الباقي تقوم بإرساله إلى مناطق سيطرة النظام من أجل تكريره، وهذا القسم يتم اقتسامه بين الطرفين. وتتولى عملية النقل بواسطة الصهاريج شركة القاطرجي الموالية للنظام. 

وتتضارب الروايات والأرقام حول كمية الإنتاج والعائدات التي تؤول للإدارة الذاتية في الوقت الراهن، ولكنها في جميع الأحوال لا تصل إلى نفس الكمية التي كان يتم إنتاجها قبل الثورة وتتراوح بين 300 ألف إلى 350 ألف برميل يوميا. والسبب في ذلك الأضرار التي لحقت ببعض الآبار والحقول من جراء الحرب والاستغلال التعسفي والبدائي الذي ألحق ضررا كبيرا بالبيئة والصحة العامة. 

والسؤال الأساسي اليوم هو، هل يحق للإدارة الذاتية أن تتصرف بجزء من الثروات السيادية السورية، والتعاقد مع شركات على استغلال النفط حتى لو أمنت لها إدارة ترامب الغطاء؟ وفي جميع الأحوال يبقى الغطاء الأميركي ليس رسميا، وهو مرتبط بالإدارة الحالية، ويمكن له أن يرحل معها في حال خسرت الانتخابات القادمة في تشرين الثاني المقبل. ومن المتداول أن عمليات تحديث واستثمار حقول النفط قد بدأت بشكل مبكر، ولكن إدارة ترامب لم تنخرط فيها، ولولا التأثير الذي مارسه غراهام على ترامب ما كان لها أن تتم، وهناك معلومات من مصادر في واشنطن تقول إن غراهام هو من أقنع ترامب بإبقاء القوات الأميركية من أجل حراسة حقول النفط، الأمر الذي يمكن أن تلغيه السلطات التشريعية الأميركية، عندما تتيقن بأنه ليس هناك مصلحة اقتصادية أو سياسية للولايات المتحدة. 

كانت واشنطن تعمل جاهدة لمنع وقوع حقول النفط تحت سيطرة النظام والروس، وها هي تساند عملية استغلاله من طرف قسد، وهذا أمر غير مفهوم خصوصا أنه ليس هناك أي أرقام معلنة عن كمية النفط التي صدرتها وأين ذهبت عائداتها؟ وما يضاعف من خطورة المسألة أنها تأتي في ظل إصرار الإدارة الأميركية على تطبيق قانون قيصر. وهناك مسألة تثار منذ استيلاء الإدارة الذاتية على النفط وهي مسألة صرف العائدات. ويشكو أهل الجزيرة من تراجع الخدمات والبنى التحتية. وثمة اتهامات توجه للإدارة بأنها تسخر القسم الأكبر من العائدات من أجل دعم حزب العمال الكردستاني. 

تبدو الأوراق مختلطة، إلا أنه من الواضح أن الثروة النفطية السورية منهوبة ولا يستفيد منها الشعب السوري، مثلما كان عليه الحال في فترة حكم حافظ الأسد، ومن بعدها نجله الذي اكتفى بإصدار بيان هزيل، ولم يصدر عنه موقف على مستوى الحدث، ما يطرح أسئلة كثيرة حول السبب ودوره وحصته من الصفقة. 

=========================== 

هل ما زال إنقاذ سورية ممكناً؟ 

مروان قبلان 

العربي الجديد 

الاربعاء 5/8/2020 

تثير الاتفاقية التي أقرّتها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بين شركة دلتا كريسنت إينرجي وقائد مليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، لاستثمار النفط في مناطق شرق الفرات، مخاوف سوريين كثيرين على اختلاف توجهاتهم، فقد تمثل الخطوة مدخلا لتكريس أمر واقع، شبيهٍ بما أقامته واشنطن شمال العراق بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، وإنْ كانت نتائجها أكثر مدعاةً للقلق في الحالة السورية، لماذا؟ لأن العراق، وعلى الرغم من أنه خاض منذ عام 1980، خمس حروب: مع إيران (1980 - 1988) حرب الكويت (1990- 1991) والغزو الأميركي (2003) الذي فكّك مؤسسات الدولة، والحرب الأهلية (2006 - 2008) والحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (2014 - 2017)، وفوقها الحصار الطويل (1991 - 2003) إلا أنه ظل مع ذلك متماسكا، غير مهدّد ببقائه ووجوده كيانا سياسيا، وفق الحدود التي نشأ عليها بعد إعلان المملكة العراقية عام 1921. وحتى محاولة الاستفتاء على الاستقلال التي أجراها إقليم كردستان عام 2017 باءت بالفشل، على الرغم من تصويت أغلبية السكان لصالحها، ودعم دول عربية وإسرائيل لها. في سورية، يبدو الوضع مختلفا، فالدمار الذي لحق بالبلاد، سواء على الصعيد المادي أو على صعيد النسيج المجتمعي، وتقاسم السيطرة على الأرض بين قوى خارجية، مباشرة أو عن طريق أمراء حرب ومليشيات، وإنشاء سلطات موازية، فضلا عن تحلل مؤسسات الدولة التي يقبض عليها النظام، وانهيار سيطرتها الأمنية والاقتصادية، حتى في مناطق حكمها، أدّى ذلك كله إلى تهشيم الدولة السورية، وتغيير معالمها بعمق. هذا يعني أن الصراع الذي بدأ، بشأن نظام الحكم وشكله وممارساته ومصادر شرعيته، قد انتقل إلى مرحلةٍ باتت فيها الدولة نفسها، بوصفها كيانا سياسيا، محل تساؤل، ما يمهد لظهور كانتونات، وتعدد سلطات، يحاول كل منها أن يحظى بمصدرٍ من مصادر الشرعية، وتعد اتفاقية النفط المشار إليها دليلا على هذه النقلة الخطيرة في الوضع السوري. 

عندما خرج السوريون، أو جزء كبير منهم، عام 2011 لإطلاق ثورتهم المؤجلة (يمكن القول نظريا على الأقل، إنه كان ممكنا أن تحدث بالتزامن مع ثورات أوروبا الشرقية، لولا أن جاء حبل النجاة من أكثر مكان غير متوقع، العراق بغزوه الكويت عام 1990، فساهم في كسر جدران العزلة التي كان يعيشها النظام في دمشق، ففتح له أبواب واشنطن، وخزائن الخليج لقاء مشاركته في حرب تحرير الكويت، ثم في مسيرة السلام)، عندما خرجوا إذا كان هدفهم هو استعادة الدولة من قبضة نظام حوّلها إلى أداة للسيطرة على المجتمع، وقمع طموحاته وتطلعاته في الحرية والمواطنة ودولة القانون. لا شك أن كثيرين لم يكن لديهم، ولم تتكوّن لديهم بعد ذلك، القدرة على التمييز بين السلطة والدولة، نظرا إلى التماهي الشديد بين الاثنين في الحالة السورية. لكن الأكيد أن أحدا لم يخرج طلبا لإسقاط الدولة، أو تغيير ملامحها، أو إعادة تعريفها كيانا سياسيا قانونيا موحدا، من خلال أطروحات كالفيدرالية واللامركزية، أو ربط أجزاء منها بدول الجوار، وغير ذلك مما قد يؤدي يقينا إلى تحلل سورية، وظهور كيانات وهويات تحت - وطنية. خرج السوريون، إذا شئنا استعارة التشبيه الذي يستخدمه المنظّرون الغربيون للتمييز بين السلطة والدولة، لتغيير السائق، ووضع قواعد متفق عليها للقيادة، وليس لتفكيك المركبة، والظفر بأجزاء منها. 

أما وقد صرنا إلى هنا، فلا بد من مشروع يوقف الانهيار. كيف يمكن لنا، نحن السوريين، أن نقبل بعد مائة عام على قيام الدولة السورية، تلك التي كنا نصمها بأنها صنيعة التجزئة الاستعمارية، ونعدها أقل كثيرا من طموحاتنا، بالفشل في الحفاظ عليها، أو السماح بتفكيكها، إلى ما هو دون سايكس بيكو؟ كيف نقبل بعد أن صدّعنا رؤوس العرب أكثر من قرن بأفكار القومية العربية وإقامة كيان عربي موحد، بالفشل في إنتاج هوية وطنية سورية صغيرة والحفاظ عليها؟ كيف لنا، نحن الجيل الراهن، أن نقبل بالمسؤولية التاريخية عن ضياع وطن وانهيار أمة؟ لا بد لذلك من استعادة وعينا الوطني، واسترداد الإرادة التي استلبتها تبعيتنا للدول والمعسكرات، وتضافر جهود الجميع لإنقاذ وطنٍ ما زال ممكنا إنقاذه، ولتكن اتفاقية النفط بمثابة جرس إنذار يحفّزنا بهذا الاتجاه. 

=========================== 

سورية .. سجال نمطي ضارّ 

علي العبدالله 

العربي الجديد 

الاربعاء 5/8/2020 

أثار الإعلان عن قيام تحالف سياسي جديد في منطقة شرق الفرات في سورية، تحت اسم "جبهة السلام والحرية"، ضم كل من "المجلس الوطني الكردي في سوريا" و"المنظمة الآثورية الديمقراطية" و"تيار الغد السوري" و"المجلس العربي في الجزيرة والفرات"، ردود فعل عصبية، وتقويمات متسرعة، واتهامات سياسية خلفيتها ثوابت سياسية ومواقف نمطية. وجاءت معظم ردود الفعل هذه من قوى وشخصيات عربية استفزّها قول الرؤية السياسية "إن سورية دولة متعدّدة القوميات والثقافات والأديان"؛ واعترافها الدستوري بهوية الشعب الكردي القومية، وتحديدها هدفها: بناء نظام ديمقراطي تعدّدي لامركزي. 

ذهب بعض معارضي "الرؤية" إلى اعتبارها دعوة انفصالية، و"تقسيم سورية إلى شعوب وأقاليم"، و"تعمّق الشرخ والانقسام بين مكونات الشعب السوري"، كما في بيان "هيئة القانونيين السوريين". وذهب بعض آخر إلى اعتبارها دعوة "منحرفة ومشبوهة"، ومدخلا إلى نظام محاصصة إثنية وطائفية، واعتبار ما ورد في الرؤية السياسية عن تعدّد قومي في سورية اختلاقا لمسألة جديدة، وفق ما نقله موقع بلدي نيوز يوم 29/7/2020 عن الباحث مهند الكاطع. وذهب بعض ثالث إلى اعتبارها دعوة انفصالية، فقد اعتبر رئيس المجلس المركزي للكتلة الوطنية الديمقراطية، مروان الأطرش، في تعليق له جبهة السلام والحرية "قسد جديدة" (قوات سوريا الديمقراطية)، وبالتالي "تجربة انفصالية". ورفض هذا، ودعا إلى مشروع وطني مضاد بقوله: "المشروع الوطني المضاد يكمن في العمل على أن تكون سورية دولة موحدة بسيطة، وألا يسمح ببلقنة سورية أو لبننتها بديمقراطية توافقية تستدعي تمثيلا للمكونات، فهذه مشروعات تنهي سورية الدولة؛ وليس النظام الذي دمّر الدولة"، موقع رسالة بوست: 29/7/2020، في حين اعتبر الباحث مخلص الصيادي "في تحليل القوى المكونة لهذه الجبهة لا نرى فعلا إلا المشروع السياسي الانفصالي الكردي، والباقي مجرّد تزيين وتحسين لهذه الصورة، وفي هذا المشروع لا نرى أيضا إلا الظلال الكثيفة لحزب العمال الكردستاني الكردي، ولو بأسماء متعدّدة". ورد على "الرؤية" بطرح معايير ومحددات لسورية التي يريدها، وقال إن "سوريا وطن واحد موحد، لكل أهله، وهي غير قابلة للتجزئة أو التقسيم"، "فإن سوريا لا تحتمل أي تقسيم إداري ذي صبغة سياسية أو عرقية أو مذهبية أو دينية"، و"الدولة السورية المبتغاة دولة واحدة تتمثل وحدتها في وحدة السلطة، ووحدة الجيش ووحدة أجهزة الأمن الرئيسية، ووحدة المجلس التشريعي، ووحدة التمثيل الخارجي، ووحدة العلم، ووحدة النشيد الوطني"، (مقالة "تعليقًا عل بيان تأسيس جبهة السلام والحرية"، موقع ملتقى العروبيين بتاريخ 30/7/2020). 

معظم ما جاء في الرؤية السياسية لجبهة السلام والحرية قديم ومطروح في وثائق المعارضات السورية وتصوراتها 

مشكلة الملاحظات والتحفظات والاعتراضات السياسية والفكرية أعلاه ليست في طرحها أو تبنّيها، فهذا حق مشروع لكل قوة أو إنسان، وإنما في طبيعة تعاطيها مع المواقف والأفكار المختلفة، مشكلتها في طبيعة النقد، في ارتكاز النقد على قراءة هذه المواقف والأفكار وتفسيرها وتأويلها ونقدها بدلالة هذا القراءة والتفسير والتأويل الموجّه، فبيان "هيئة القانونيين السوريين" رفض ودان "الرؤية"، بعدما اعتبرها دعوة "انفصالية". لم تحترم "الهيئة" خلفيتها القانونية التي تقرّ بحسم وجزم أن اللامركزية لا تعني الانفصال أو تقسيم سورية إلى شعوب، إنها نظام سياسي معروف وشائع في عدد من الدول، قائم على توزيع السلطات بين المركز والأقاليم، بحيث تشارك الأقاليم في القرار السياسي والاقتصادي الوطني. وكان حسن عبد العظيم، وهو محام قديم وقدير، قد وقع في المطب القانوني نفسه، عندما اعتبر في تعليقه على مبادرة "إعلان سورية الاتحادية" دعوة إلى تقسيم سورية، وشبّهها بما فعله الانتداب الفرنسي على سورية في عشرينيات القرن الماضي، بتحويلها إلى خمس دول، لم يلحظ الفارق بين إقامة دول وإقامة أقاليم في دولة؛ كما في النظام الاتحادي.  

تنطبق الملاحظة أعلاه على رأي الكاطع الذي اعتبر اللامركزية مدخلا لنظام محاصصة إثنية وطائفية؛ مع أن الفارق بينهما واضح وصارخ، وأن العمدة في تجنب المحاصصة مرتبط بطبيعة العقد الاجتماعي الذي يرتكز النظام السياسي عليه؛ بغض النظر مركزيا كان أو لامركزيا. واللامركزية المطروحة مجرّد دعوة يتوجب إقرارها، وتحديد طبيعتها والقانون الناظم لاشتغالها عبر مفاوضاتٍ سورية ــ سورية تحدد العقد الاجتماعي وطبيعة النظام، وتضمين ذلك كله في دستورٍ يقرّه مؤتمر وطني جامع واستفتاء شعبي، والذي أنكر وجود تعدّد قومي في سورية مع أنه قائم وملموس. وتنطبق الملاحظة كذلك على رأيي مروان الأطرش ومخلص الصيادي، لانطلاقهما من فكرة مسبقة: "الانفصالية الكردية" و"تقسيم سورية"، والرد بالرفض والإدانة من دون تدقيق في الفكرة وقابليتها. لم يلتفتا إلى معنى اللامركزية ونماذجها والقوانين الناظمة لعملها، والبحث في مدى صلاحيتها لإدارة الدولة والمجتمع السوريين. إنها الانفصالية المرذولة والمرفوضة؛ وكفى الله المؤمنين شر القتال. قال الصيادي: "لا ندري ماذا يعني وجوب إقرار الدستور الجديد بأن سوريا دولة متعدّدة القوميات والثقافات والأديان، وبالتالي يجب أن تكون متعدّدة اللغات، وكيف يمكن البحث عن حل ديمقراطي وطني لهذا التعدّد وفق القوانين الدولية، وهل هناك دولة في العالم يمكن أن نتخذها نموذجا لهذا القول، هل ألمانيا أو تركيا، أو إسبانيا، أو فرنسا، أو روسيا، أو الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى هي كذلك؟". لم يكلف نفسه عناء البحث عن نماذج سياسية قائمة تعتمد لامركزية إدارية ولغوية في آن، ولو بحث لكان وجدها في بلجيكا وسويسرا، ولم ير في قيام "الجبهة" إلا اصطناع واقع "كما تم اصطناع "قسد"، و"مسد" (مجلس سوريا الديمقراطي). وهو يستهدف تمرير غايات الانفصالية الكردية، بثوب فضفاض، وهذا أمر لا يجوز أن يمر، ولا يجوز القبول به تحت أي اعتبار". لم يسأل نفسه، مجرّد سؤال، عن طبيعة الدولة اللامركزية، وهل هي دولة موحدة أم مقسمة، وهل تتعارض اللامركزية مع المواطنة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، علما أن دعوة الدولة الاتحادية ليست جديدة، هي مطلب تقليدي للأحزاب الكردية المنخرطة في "المجلس الوطني الكردي". ثم ما مدى دقة قوله "السوريون جزء من محيطهم، وهويتهم جزء من هوية محيطهم. ومحيطهم، وتاريخهم، وبيئتهم، وثقافتهم، وعطاؤهم، ومساهمتهم في البناء الحضاري المستمر منذ 1400 سنة على الأقل، جرى كله في الإطار العربي الإسلامي، هذه هي هوية المجتمع السوري"، ألم تتغير هذه المعطيات، هل المحيط قبل الحرب العالمية الأولى مثل المحيط بعدها؟ ألم تنهر السلطنة العثمانية، وتنته دولة المسلمين المشتركة، وتنخرط شعوبها في توجهات قومية؟ ألم ينشأ محيط جديد بقيام الكيانات السياسية الجديدة، محيط عربي، ومحيط شرق أوسطي، ومحيط إسلامي؟ 

تقتضي السياسة والحصافة التوجه نحو حوار وطني شامل، للوصول إلى حلول توافقية حول الملفات الخلافية والعالقة 

بالعودة إلى تشكيل "جبهة السلام والحرية"؛ ورؤيتها السياسية، معظم ما جاء في هذه الرؤية قديم ومطروح في وثائق المعارضات السورية وتصوراتها، بما في ذلك وثائق المعارضة المعترف بها إقليميا ودوليا: الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة والهيئة العليا للمفاوضات، والجديد فيها تركيزها على قضية التعدّد القومي والديني في سورية، والمطالبة بالإقرار بذلك وبالحقوق المترتبة عليها دستوريا، وأنها (الرؤية السياسية) تشكو من تناقضات ونقاط ضعف، لعل أولها التعارض بين المواطنة وحقوق الإنسان والحقوق القومية، فإقرار المواطنة وحقوق الإنسان يلغي الحاجة إلى الإعلان عن حقوق قومية والدعوة إلى الإعتراف بها دستوريا، فالحقوق في دولة المواطنة فردية، وثانيها تمييز الكرد في فقرةٍ تعلن الاعتراف بحقوقهم القومية، فتمييزهم يخلق مشكلةً سياسية، ويستدرج توترات وصراعات بين أطراف الجبهة أنفسهم، فللعرب تطلعاتهم القومية، والمنظمة الآثورية تتحدّث باسم السريان والكلدان الذين ينظرون إلى أنفسهم قومية متميزة وعريقة وصاحبة المنطقة الأصلية، وللتركمان كذلك تطلعات قومية، وبين الجبهة والقوى السياسية خارجها. 

تبقى النقطة المركزية والسؤال الرئيس لماذا تشكّلت "الجبهة"، طالما أنها تعتبر نفسها جزءا من المعارضة الوطنية السورية، ومعظم مكوناتها منخرطة في إطاري المعارضة المعترف بهما: "الائتلاف" و"الهيئة العليا للمفاوضات"، وهل الهدف إيجاد توازن سياسي شرق الفرات، يسمح للمجلس الوطني الكردي تمرير القسم الأكبر من رؤيته السياسية في المفاوضات الكردية الكردية، خصوصا أن مفاوضات تشكيل "الجبهة" بدأت بالتوازي مع المفاوضات الكردية الكردية، وهذا ما التفتت إليه "الإدارة الذاتية"؛ وعبر عنه عضو العلاقات الدبلوماسية في حزب الاتحاد الديمقراطي، دارا مصطفى، بتحذيره في حديثه لـ "باسنيوز" يوم 1/8/2020 من استخدام "المجلس" هذا التشكيل لفرض واقع سياسي جديد لتخريب المحادثات" (يقصد المفاوضات الكردية الكردية)، وتحفّظه على إعلان تشكيل "الجبهة"، بدعوى عدم اتباعها الطرق القانونية، يقصد الحصول على موافقة من مؤسسات "الإدارة الذاتية"، وقول الكاتب الكردي المقرب من "المجلس"، شفان إبراهيم، تعليقا على تشكيل "الجبهة": "هذا الجسم سيعني منافسةً قوية على الصعيد السياسي والتمثيل الشعبي لمكونات شرق الفرات أمام "مجلس سوريا الديمقراطية"، والإدارة الذاتية"، (مآلات جبهة السلام والحرية في شرق الفرات، العربي الجديد: 1/8/2020). هذا كله في لحظة سياسية دقيقة وحساسة آيتها تحرّك أميركي متصاعد لصياغة توازنات جديدة شرق الفرات، أساسها رعاية مفاوضات كردية كردية، والضغط لإخراج كوادر حزب العمال الكردستاني من سورية، وتعزيز دور "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وقائدها مظلوم عبدي على حساب الجناح السياسي "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد)، من خلال توقيعه على الاتفاق النفطي مع شركة أميركية، وهي مهمة من حق السياسيين لا العسكر، وتوسيع دور المكون العربي، ومنحه مكانة مناسبة عبر إصرار وزارة الخارجية الأميركية على الاجتماع برئيس الوزراء السوري المنشق، رياض حجاب، الموجود في الولايات المتحدة لعمل جراحي، والاجتماع حضره المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، السفير جويل رايبورن، ومسؤولون من وزارة الخزانة الأميركية. 

تقتضي السياسة والحصافة التوجه نحو حوار وطني شامل، للوصول إلى حلول توافقية حول الملفات الخلافية والعالقة، ونزع فتيل التوترات والصراعات، لأن الجميع متضرّر وخاسر فيها. 

=========================== 

الأزمات وصناعة القرار 

غازي دحمان 

العربي الجديد 

الثلاثاء  4/8/2020 

يطرح تصاعد الأزمات بشكل متسارع، وخصوصا في منطقتنا العربية، والتي باتت محل اشتباك عالمي وإقليمي، السؤال عن المنهجية التي يتبعها صناع القرار في إدارة هذه الأزمات، سيما وأن بعضها، ليبيا وسورية، بات قريبا من حافّة حرب إقليمية ودولية. في السياسات التقليدية، يتم بناء الإستراتيجيات، انطلاقا من رؤية صناع القرار إلى مصالح بلادهم. وبالدرجة الثانية، قدرتها على تحقيق هذه المصالح، ثم اختيار أفضل الطرق لتحقيق هذه المصالح، عسكرياً أم دبلوماسيا أو اقتصادياً، وليس بالضرورة أن تكون المصالح على شكل مكاسب مباشرة، بل ربما تكون على شكل إبعاد المخاطر، أو حرمان طرفٍ من تحقيق مكاسب قد تخلّ بالتوازنات القائمة. 

وعلى الرغم من وضوح الإستراتيجيات في أحيان كثيرة، إلا أن الإشكالية قد تحصل في اتخاذ القرار وتقرير أي الخيارات أفضل، فقد يحدّد صانع القرار الأهداف بدقة، لكنه يتوه في ترجمته على الأرض، خصوصا أنه دائما ما تواجهه إستراتيجيات ومصالح لأطراف أخرى متضادّة. وفي هذه الحالة، يصبح مطلوباً من صانع القرار إجراء تعديلات هيكلية على إستراتيجيته فهل يستطيع؟ 

تقوم السياسة الكيسنجرية على خليط من العنف والدبلوماسية، بضرب الخصوم في الخواصر الضعيفة، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحةً مع المركز 

تقوم السياسات العالمية في القرن الواحد والعشرين، في أغلبها، على القواعد الكيسنجرية، التي وضعها وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في مطالع سبعينيات القرن الماضي، هنري كيسنجر، والتي هي خليط من العنف والدبلوماسية، وترتكز على ضرب الخصوم في الخواصر الضعيفة، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحةً مع المركز، وقد جرى تطبيق هذه السياسات عبر ضرب ساحات نفوذ الخصم بقوّة، لإضعاف فاعليته وإسقاط أوراق قوته، وفي الوقت نفسه، التفاوض معه، لضبط سلوكه وضمان عدم تهوره ونقله الحرب إلى مستويات خطيرة. 

في القرن الواحد والعشرين، ظهرت روسيا أكثر الفاعلين الدوليين، تطبيقا للسياسات الكيسنجرية، التي أثبتت فشلها، وخصوصا بالنظر لتكاليفها الإنسانية الهائلة، إلا أن روسيا اعتمدتها سياسة رسمية لتطبيق إستراتيجية نهوضها، المتمركزة أصلاً حول الفكرة "المشروع" الأوراسي التي أعاد ألكسندر دوغين إحياءها، وتقع جغرافية المشروع في مناطق بين أوروبا وآسيا تشكل المجال الحيوي للحضارة الروسية، ومن الناحية العملية تستطيع روسيا فرض هيمنتها، بالنظر إلى ضعف القوّة الموجودة في هذه المناطق، وعدم وجود منافسين أقوياء. 

كيف استطاع  جورج بوش تحطيم القوّة العسكرية للعراق في أيام، وبتكاليف ليست عالية، ثم غرق في المستنقع العراقي؟ 

ولكن هذا النمط من السياسات، عدا عن تكاليفه الإنسانية، أثبت على الدوام عجزه عن ابتداع إستراتيجيات خروج من الأزمات، أي كيفية التعامل مع اليوم التالي لانتهاء مهمة ضرب الخصوم. وغالباً ما كانت الخسارات تبدأ عند بدء هذا اليوم، إذ ليس صعباً إضعاف خصم وتحطيم هياكله الضعيفة، لكن ذلك لن يحل المشكلة، لأنه عند هذه اللحظة تبدأ الأطراف الأخرى بتشغيل إستراتيجياتها لدفع الخصم إلى المستنقع الذي يستنزفه ويضعف قواه. 

السؤال هنا: لماذا يفقد صانع القرار نبوغه الذي أظهره في المراحل الأولى ومرونته التي أدار بها برشاقة وبراغماتية عمليات السيطرة والتحكّم، فكيف على سبيل المثال استطاع الرئيس الأميركي، جورج بوش، تحطيم القوّة العسكرية للعراق (الجزء الأصعب من الحرب) في أيام، وبتكاليف ليست عالية، ثم غرق في المستنقع العراقي، ودفع أثماناً بلغت الآلاف من القتلى وترليونات من الدولارات؟ وكيف استطاع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تحييد اللاعبين الإقليميين والدوليين، وضرب فصائل المعارضة، والسيطرة على أغلب مفاصل الأزمة السورية في عام 2016، لكنه حتى نهاية 2020 لا يبدو ثمة أفق لتحقيق انتصار فعلي في سورية؟ 

التفسير المنطقي أن صانع القرار في الغالب يصبح أسيراً لاعتباراتٍ كثيرة، ويصبح خاضعاً لمراكز القوى التنفيذية، ويفقد قدرته على المناورة، وقدرته على التحكّم بمجريات الأحداث. وغالباً ما يصبح ألعوبة بيد الأجهزة الأمنية والعسكرية التي تشرف، بشكل مباشر، على الواقع الميداني، والتي تضطر الأجهزة الدبلوماسية إلى مراعاتها، وتسويق رواياتها عن الحرب، فيصبح صانع القرار واقعاً في كماشة رهيبة، لا تتيح له إمكانية إعادة تقييم موقفه على ضوء التطورات الجارية، والتي قد يراها مضرّة بمشروعه. 

ثم إن الحروب والتدخلات تخلق طبقات من المصالح بين العسكريين والأمنيين والمقاولين الذين يحقّقون مكاسب مادية ومعنوية مباشرة من الحروب والنزاعات التي توضع لها ميزانيات وأموال، تتولى جهات عديدة صرفها، ويستطيع هؤلاء الوصول إلى دماغ صاحب القرار، عبر مستشاريه الذين يعتمد عليهم في اتخاذ قراراته، فيوجهون القرارات صوب الاستمرار في اللعبة القاتلة. 

الحروب والتدخلات تخلق طبقات من المصالح بين العسكريين والأمنيين والمقاولين الذين يحقّقون مكاسب مادية ومعنوية مباشرة من الحروب والنزاعات 

يبدأ التخطيط للحروب والخوض في الأزمات عبر دوائر ضيقة ومحدودة، ولكن عندما تندلع تتوسع دوائر المشاركين في الحرب. وعند هذه النقطة، يفقد صانع القرار قدرته على ضبطها، وأي تعديلٍ في سياساته قد يتطلب إجراء تغييرات هائلة في البنية التي تشكلت في أثناء إدارة الحرب. وربما يبدو الأمر أقل صعوبةً في الدول الديمقراطية التي تتغير فيها الإدارات الحاكمة كل فترة معينة. ولكن في الدول ذات النهج الديكتاتوري، إن إجراء تغييرات جذرية في البنى العسكرية والأمنية والسياسية قد ينتج عنها اختلال في كامل المنظومة، ويؤدي إلى سقوطها. 

وبالتطبيق على الأزمتين، الليبية والسورية، تبدو الأمور سائرة صوب أسوأ الاحتمالات، حيث تتدحرج الأزمات بفعل قوّةٍ تبدو خفية، لكنها مرتبطة بشكل كبير بطبقات المصالح والبنى التي تأسست طوال مرحلة الأزمة، ويبدو الفكاك عنها شبه مستحيل. 

=========================== 

لنسمّي الأمور بمسمياتها 

يحيى العريضي 

سوريا تي في 

الاثنين 3/8/2020 

في الإنكليزية يقولون: "let’s call a spade a spade" لنسمّي الأمور بمسمياتها؛ فالطفل السوري أضحى على بيّنة أن قرار القضية السورية باليد الأميركية -الإسرائيلية؛ وما الجهات الأخرى المتدخلة بالقضية السورية - بما في ذلك روسيا- إلا أدوات تنفيذية - ببعض الصلاحيات- لحماية منظومة الاستبداد. 

بعض السوريين التقطوا هذه المسألة مبكراً؛ فسارعوا للارتماء بالأحضان الإسرائيلية، لينافسوا نظام الاستبداد، وليسحبوا منه هذه الورقة، معتقدين أنه بإمكانهم أن يكونوا البدلاء لمنظومة الأسد في خدمة إسرائيل. لكن هؤلاء أغفلوا أن السادات، عندما قفز إلى إسرائيل، قدّم حيادية أو حتى إلغاء دورها تجاه القضية الفلسطينية والعربية كثمن؛ وأن الأسد الأب بدوره  قدَّم سوريا كقوة ردع للسوريين ولأهل القضية الفلسطينية كثمن. 

نسي من قفز إلى الحضن الإسرائيلي -إما انفصاماً عن الواقع أو غباءً- أن ما بيدهم شيئاً يقدمونه إلا خيبتهم؛ فعادوا-إثر ذلك- ليشوّهوا كل شيء، كي يتوازنوا نفسياً واجتماعياً؛ بعد أن أفسحوا في المجال لمخلوق كـ "إيدي كوهين" أن يكون منظراً لقضيتنا ومستشاراً لها.  

 من جانب آخر، ما من سوريٌ إلا ويرى قضيته السورية الأهم في العالم؛ ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للعالم، وتحديداً للدول والقوى المتدخّلة بالشأن السوري. مستهجَنٌ أيضاً أن يطلب السوري من تلك القوى أن تخلّص بلده وشعبه من منظومة استبدادية ترزح على كاهله لعقود، وجلبت له ولسوريا الويلات خلال تسع سنوات؛ وربما من السذاجة أن يتطلع إلى أميركا أو إسرائيل كمخلص أو منقذ من هذا الوباء الذي حلَّ بسوريا وأهلها؛ عندما تكونا قد ساهمتا بتمدد المأساة السورية، بداية بدفعها لتدخل إيراني وروسي متغاضيةً عن إجرامهما بحق السوريين وبعثرتهم، وتالياً في الحؤول دون تمكُّن السوريين من مقاومة ذلك الوباء.  

والآن، ومع  وصول الأمور إلى خواتيمها، ومع بلوغ مفاعيل شعار: "الأسد أو نحرق البلد" أهدافه؛ حيث انتهى البلد فعلاً؛ فلا يمكن أن يحصل الإسرائيليون والأميركيون وأدواتهم ونظام الاستبداد على الخيارين أو الاحتمالين معاً. يستحيل الحصول على الأسد ونهاية البلد معاً. أي لا وجود للأسد، والبلد منته؛ ولا سوريا تبقى، ببقاء الأسدية. من هنا نشهد تغيُّر طبيعة الأداء الأميركي والإسرائيلي أيضاً. 

لقد بدأ تفكيك منظومة الاستبداد: فبالنسبة للأدوات التي كان دورها حماية النظام، هناك قرار بفكفكتها؛ حيث نشهد استهدافاً لإيران وميليشياتها بشكل شبه يومي 

وبخصوص الخطوات التي يتخذها مديرو العملية، نلحظ أن قانون قيصر الذي مرَّ بإعجوبة في الكونغرس الأميركي- ورغم إحساس بعض السوريين بالامتنان لتمريره في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين- إلا أن أمراً كذلك يبقى أضعف الإيمان تجاه جريمة حرب ارتكبها نظام استبداد قلَّ مثيله في العالم. ولا تستقيم الأمور في الديمقراطية الأقوى في العالم دون اتخاذ موقف تجاه هكذا جريمة ضد الإنسانية. فأين يذهب هؤلاء النواب أمام صرخة التاريخ بعد رؤية 55 ألف صورة موثقة لخمسة وخمسين ألف جريمة تم توثيقها؟!   

 صحيح أن العدالة تسير كالسلحفاة، وفي النهاية تصل. وصحيح أن آخر قائمة في العقوبات حملت رمزية خاصة عندما ذكرت ابن بشار الأسد، لتقول أن لا وجود لبشار الأسد أو لهذه العائلة مكاناً في سوريا الغد، إلا أن تعب السوريين وأوجاعهم تفوق التصوّر البشري، وتنتظر إجراءات أكثر وأشد حسماً. لم يترجَّ السوري أويستجدِ أية إجراءات؛ ولكن طالما أن المسألة حُسِبَت عليه، فلتكن ذات تأثير، وسريعة. هذا هو لسان حال السوريين الذين يدين لهم العالم برمته بكل أنواع الاعتذارات، وخاصة أميركا أوباما، الرئيس المسؤول عن سفك دماء السوريين على يد أصدقائه ملالي طهران، عندما ترك لهم الحبل على الغارب في سوريا. 

 والآن، والانتخابات الأميركية على الأبواب، وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية لا تشكّل اهتمامًا يُذكَر في الانتخابات الأميركية، إلا  أن الارتباط العضوي  لجملة من المسائل  على رأسها إسرائيل والنفط وأمن المنطقة يجعل إغفال الملف السوري عنصر خلل استراتيجي في تلك الانتخابات؛ فمن يكتب النوتة للزمار في البيت الأبيض، يريده أن يعزف اللحن الذي يريد في الشرق الأوسط؛ وبوضوح أكثر، كما ينتظر الملالي رحيل ترامب، ومجيء نسخة أوباما البيضاء"بايدن"، كي تعيد إطلاق يدهم أكثر في سوريا؛ كذلك ينتظر السوريون استمرار ترامب؛ ويريدونه أن يكون أكثر حزماً وحسماً مع مجرمي العصر. 

 لا ينفع السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضية السورية - وخاصة للدولة العميقة- النهج الذي حدده بايدن  كمزيج من الخطوات والتكتيكات الأوبامية والترامبية. الأمور لا تحتمل اللون الرمادي، لقد تمت تسمية الأمور بمسمياتها؛ والأقدر والأصدق والأنسب للتعامل مع الحالة هو ترامب؛ وهكذا سيكون المآل: سوريا ستعود، ولكن مرحلياً وللأسف ستكون شبه محمية أميركية من دون الأسدية. وأول دلائل ذلك ما يجري في الشمال الشرقي السوري. 

=========================== 

عن أدوار المعارضة السورية والنظام 

سميرة المسالمة 

العربي الجديد 

الاثنين 3/8/2020 

تتابع الولايات المتحدة الأميركية لعبة خلط الأوراق في سورية، بإعلانها أخيرا توقيع اتفاقية استثمار النفط في شرق الفرات مع "قوات سوريا الديمقراطية"، وهي إذ لا تأتي بجديد على الواقع السوري المبعثر بين دول الصراع في سورية (روسيا، إيران، تركيا، والولايات المتحدة وإسرائيل)، من حيث أدوار هذه الدول مع الجهات السورية التي تستقوي بها ضد القوى المحلية الأخرى، فإنها (هذه الدول) جميعاً، أجرت تقزيما للهياكل السورية على ضفتي الصراع، وكادت أن تصبح الجهة السورية غير مرئيةٍ إلا من خلال الهامش التي تسمح به الدولة الراعية، في سابقةٍ تاريخيةٍ تصبح من خلالها الفرق المتصارعة داخليا "معرّفةً" بجهة تمويلها الخارجي. 

إذ ينقسم النظام بين إيران وروسيا، تنقسم المعارضة أيضاً بين تركيا ومحور الغرب ممثلاً بالولايات المتحدة، مع وجودٍ غير محسوم الموقع (بين معارضة أو نظام) لفرق أو تنظيمات سورية على قائمة التبعية الروسية أو الإيرانية، أو حتى بين محوري الخليج العربي، سيما (السعودية وقطر)، على الرغم من تضاؤل حجم فاعلية التدخل العربي في الصراع السوري خلال السنوات الأخيرة التي روج فيها المجتمع الدولي دورا سعوديا في تشكيل المعارضة، بدءا من مؤتمر الرياض 1 عام 2016 الذي نتج عنه الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية بتشكيلتها الأولى، والثانية بعد مؤتمر الرياض 2 عام 2018، وما حدث بعد ذلك من تشرذمات داخل كيانات المعارضة، وصولاً إلى حالة التصدّع الداخلي التي يعيشها وفد المعارضة وانقسامات بشأن شرعية التمثيل داخله إلى كيانات ومستقلين. 

فوّض النظام السوري كلا من إيران وروسيا إدارة مراكز وموانئ ومؤسسات تمثل شريان الحياة الاقتصادية، بعد أن تصاغر دور وفاعلية جيشه العسكري، ليصبح ملحقا تنفيذيا للعمليات العسكرية التي تجري داخل سورية بقيادة جوية روسية، وأرضية إيرانية، ومن ثم نزعت روسيا عن النظام أي صفةٍ تمثيليةٍ في عمليات التفاوض، سواء مع الأطراف الداخلية المعارضة له، أو مع الدول المتصارعة في سورية وعليها، بدءاً من حليفته إيران التي أصبحت تدور في فلك الوجود الروسي وتختبئ خلفه في أي عمليةٍ سياسيةٍ دولية، ووصولاً إلى التفاهمات الروسية مع كل من تركيا والدول الأوروبية (المانيا، فرنسا، بريطانيا)، والمرحلة الأهم لروسيا كانت بإعادة مقعدها المقابل إلى الولايات المتحدة الأميركية على طاولة المفاوضات، تحت عناوين متغيرة، تارّة لتحريك العملية السياسية، وأخرى لنزع فتيل الاقتتال، وثالثة للبحث في مصير إيران وغيرها. 

فوّض النظام السوري إيران وروسيا إدارة مراكز وموانئ ومؤسسات تمثل شريان الحياة الاقتصادية، بعد أن تصاغر دور وفاعلية جيشه العسكري 

على الجهة المقابلة للنظام، وفي إجراءات متساوقة معه، تم إبعاد التمثيل المعارض الحقيقي، لتضع تركيا نفسها بديلاً عنه، ومقرّراً له ، سواء في العمل العسكري الميداني، أو في المهمة السياسية التفاوضية، وأصبحت كيانات المعارضة (في الشمال وإسطنبول) مرتهنةً للتطورات العسكرية ولمساراتها، وضمناً لمن يقودها. وبذلك أصبحت تركيا هي المعنية أو المقصودة بالحديث عن المعارضة أو التفاوض، ما يعني خلو الساحة من الأطراف السورية لحساب الدول المشغلة لهم، وتماشي "المعارضة" مع النظام في لعب دور "الكومبارس" في القضية السورية. 

ووفق ذلك، نشأ الدور التكاملي بين تركيا وروسيا في تقويض ما يمكن تسميته الحل السياسي الذي تدعو إليه الإدارة الأميركية، مقدمة ضرورية وملزمة لعملية إعادة الإعمار، وهو ما يمكن تسميته الدور المزعج للولايات المتحدة، والذي يعني تفاهماتٍ خارج النص المسموح به أميركياً، ما جعلها تنتقل من دور المراقب لأداء الأطراف، والتحكّم عن بعد في مساحات حركة الممثلين، إلى دور فاعل ومؤثر بدلالات وجودها في المنطقة، ورعايتها ما يمكن تسميته التوافق الكردي - الكردي، ,الذي يعني إرجاع الكرد من حافّة انقسامهم المعلن إلى التجمع حول مصالح اقتصادية، قد تكون مقدمةً لمصالح سياسية قابلة للتفسير في اتجاهات مختلفة: 

- حرمان روسيا وإيران والنظام من عوائد نفط المنطقة، ليس لأهميتها، بل لتضييق الحصار تنفيذا لقانون العقوبات الأميركي (قيصر) على النظام، ما يُلزم كل الأطراف المتضرّرة الإسراع في بدء العملية السياسية المقيدة بشروط أميركية صارمة، سواء في تغيير سلوك النظام السوري مع معارضيه، أو في تعاطيه مع المنظمات الإرهابية والدولة الداعمة لها (إيران). 

المرحلة الأهم لروسيا كانت بإعادة مقعدها المقابل إلى الولايات المتحدة الأميركية على طاولة المفاوضات، تحت عناوين متغيرة 

- سحب البساط من تحت أقدام روسيا بما يتعلق بشق الصف الكردي، واللعب على الخلافات مع المجلس الوطني، واستقطاب "قوات سوريا الديمقراطية" لتكون ذراعا كرديا لروسيا في المنطقة، وعدم استخدامه كنقطة ضغط يمكن تحريكها ضد المصالح التركية عند تعثر مفاوضاتهما المشتركة بما يتعلق بعفرين ومناطق الشمال الشرقي من سورية. 

- هو تصريح أميركي بإعادة تموضعها ليس في حقول النفط، ولكن داخل صفحات أي اتفاق يعقد في المنطقة. وبالتالي، رعايتها "قوات سورية الديمقراطية" اقتصادياً هو مقدمة لرعاية سياسية قادمة، تمثل في أحد وجوهها عناوين عريضة لنوع الحوار الذي يجب أن يدور حول دستور سورية، وشكل الدولة السورية الجديدة، ما يعني فتح الحوار الجدّي مع تركيا من خلال واقعة نفط الكرد، حول مصير الكرد في سورية الجديدة، بما يحمله ذلك من تهديدات من جهة، أو تطميناتٍ من جهة مقابلة، تؤكد أن الكرد جزء من التوليفة السورية، لا يمكن إبعادهم خارج النص الدستوري، إلا إلى كيان مستقل، وهذا ما لا تريده تركيا وتعمل على إبطاله. وهنا يأتي الدور الدبلوماسي التركي في استيعاب أهمية المصالحة الكردية، والدفع بها لإبعاد قيادة القيادة في جبال قنديل عن المنطقة، والتسليم بسوريتها مع تنوع قومياتها. 

مضامين كثيرة في الاتفاق النفطي الموقع مع قائد "قوات سورية الديمقراطية"، مظلوم عبدي،  أخطرها إرادة الإدارة الأميركية توزيع الشرعية بالتساوي بين الأطراف السورية المتصارعة 

يمكن قراءة الاتفاق النفطي الموقع مع قائد "قوات سورية الديمقراطية"، مظلوم عبدي، بلغات عديدة ومضامين كثيرة، أخطرها إرادة الإدارة الأميركية توزيع الشرعية بالتساوي بين الأطراف السورية المتصارعة، لتوقيع عقود خارجية مع الدول، ما يجعل النظام في مأزق، والمعارضة في مأزق، والكرد أمام اختبار قوي يراقبهم شعبهم داخلياً والدول الغربية الداعمة لهم خارجياً، لمعرفة قدرتهم على إدارة توافقاتهم البينية من جهة، والاندماج في مشروع شامل للحل السياسي السوري من صف المعارضة، وليس النظام. 

=========================== 

موقفنا: الجمهورية الفرنسية الخامسة .. بعد أن تخلت الأم الحنون عن دورها في لبنان .. ماذا عن ماكرون !؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

6/ 8 / 2020

في أواخر الخمسينات ، ربما 1958 تأسست ما عرف في التاريخ الفرنسي الجمهورية الخامسة . وهو عنوان يحمل وراءه حجما كبيرا في شكل الحكم ، حصل على يد الرئيس الفرنسي شارل ديغول ، الذي كان الرئيس الفرنسي - الفرنسي ، الأخير . أو الرجل - الرجل . اتفقنا أو اختلفنا معه .

وحين رفض الشعب الفرنسي في أواخر الستينات بعض مقترحاته للإصلاح قدم استقالته للشعب الذي انتخبه وذهب إلى بيته ، كان ذلك على ما أذكر 1969 ..

الذهاب إلى البيت بعد سنين من الخدمة العامة ، وقبل الذهاب إلى القبر ، ليس سيئا إلى هذا الحد . من أجمل ما قال المهلهل لأخيه كليب :

نبئت أن النار بعدك أوقدت  ... واستب بعدك يا كليب المجلس

وتنازعوا أمر كل عظيمـة، لو كنتَ حاضر أمرها لم ينبسـوا

معالم رجولة ديغول لم تكن فقط في موقفه من الاحتلال النازي لبلاده . بل وفي مواطن كثيرة منها استقالته الأخيرة ، ومنها إمضاء عملية الانسحاب من الجزائر ، ومنها موقفه من العدوان الصهيوني سنة 1967 .

بعد ديغول جاء إلى الرئاسة الفرنسية الرئيس بومبيدو حتى 1974 . كل ما أحفظه عنه بين تضاريس السنين أنه كان يحاول أن يكون وفيا لإرث ديغول ولكنه لم يستطع . وفي مثل ديغول تقول العرب : أتعب من جاء بعده ..

وبعد بومبيدو جاء فاليري جيسكار ديستان وحتى 1981 وفي عهده وعهد خليفتيه ميتران حتى 1995 وشيراك حتى 2007 توقفت فرنسة عن لعب دور الأم الحنون لموارنة لبنان .. وتحولت إلى تحالف مباشر مع الأسدين تكرس فيما يبدو حتى اليوم . تذكروا قول ماكرون : بشار الأسد عدو السوريين وليس عدونا ..كلمة موجزة مختصرة ثرية دالة معبرة لقوم يفقهون ..

وتم تفويض " حافظ الأسد " بالمفهوم الطائفي ، وعن طريقه من ثم حزب الله بلعب دور بيضة القبان في التحكم بلبنان ..

وحلت ميليشيا حزب الله التي صنعت على عين الصهيوني والأمريكي محل ميليشيا مجموعة انطون لحد " العميل " الوصف الذي أصبح لازما لكثرة ما سمعناه . لم نسأل أنفسنا يوما لمصلحة من تم بيع هذه الميليشيا ؟ ومن باع ومن اشترى ؟! .

ومن قبل هذا بأكثر من عقد شعر المسيحيون عموما والموارنة خصوصا ، أنهم تم بيعهم لحافظ الأسد ولطائفته ومواليها من اللبنانيين وبثمن بخس . حتى الآن آلاف المفقودين من الموارنة في سجون حافظ وبشار ..لا أحد يريد أن يسأل . بل ورث السؤالَ عنهم بعد أمهاتهم بناتهم ولا من مجيب .

عندما قال بشار الأسد الذي تم استقباله في قصر الإليزية الشيراكي، قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية ، لرفيق الحريري : نحن نكسر في لبنان أكبر رأس ، كان يعي ما يقول . لم تكن الرؤوس التي أطاح بها حافظ وبشار الأسد في لبنان رؤوسا إسلامية سنية فقط ، فمن كمال جنبلاط إلى رينية معوض وبشير الجميل وبقية الرؤوس فعلا كان المنجل الأسدي الطائفي ذو الحدين يحصد .. وكان الهدف من عملية تكسير الرؤوس أن لا يبقى في لبنان رأس ..

لقد أربكت السياسة الفرنسية بتخليها عن حلفائها التقليدين المحللين السياسيين لعقد من الزمان . ودفع الكثير من الأطراف ثمن التغيير المفاجئ في الاستراتيجية الفرنسية.

ففي فرنسة " العلمانية " تقدم العداء للإسلام على الولاء للمسيحية . فحسب تعبير جاك شيراك : قمع الأصولية الإسلامية في المنطقة يستحق التضحية ببعض المصالح هنا وهناك . ومن هنا فإن حافظ الأسد يستحق المراهنة عليه ، وهكذا كان .. ويعتقدون بعد ما حصل في سورية وفي لبنان أنهم كسبوا الرهان .

وحتى بعد اغتيال الحريري سارع الرئيس الفرنسي الهش ساركوزي إلى إلقاء حبل الخلاص لبشار الأسد ، تولى ملفه من بوش الابن ، وأعاد استقباله بالإليزية على الطريقة نفسها التي استقبله بها شيراك ..

واليوم ومع الموعد المحدد للنطق بالحكم الدولي في تحديد المسئولية في مقتل الحريري ..

ومع اعتقاد واضعي الاستراتيجيات العالمية أن الدور الوظيفي لإيران وحزب الله يجب أن يوضع تحت السيطرة ..

وأن مهمة الثأر من مسلمي المنطقة قد بلغت مداها في هذا الدور التاريخي ..

ومع التفجير في مطار بيروت ، الذي يعلم الجميع ، مدخله ومخرجه ، حتى نتساءل : عمّ يتساءلون ؟!

وأخيرا ومع زيارة ماكرون للبنان ...

هل انتهت مهمة القمع ودور القامعين ..

هل ستستعيد فرنسة العلمانية دور لويس التاسع الكاثوليكي كما استعاد بوتين دوره الأرثوذكسي ..؟!

هل لبنان الماروني سيكون أرحم بشعب لبنان وشعوب المنطقة من لبنان المتويلي ..

أسئلة تظل مفتوحة لمن يريد أن يعتبر ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================== 

لماذا ما زال الديني ينتصر على الوطني والقومي عند العرب؟ 

 د. فيصل القاسم 

القدس العربي 

الاثنين 3/8/2020 

لم تتشدق أنظمة سياسية عبر التاريخ بالقومية والوطنية كما تشدقت بعض الأنظمة العربية وخاصة القومجية منها كالناصريين والبعثيين والقوميين والعروبيين الذين رفعوا شعارات عريضة جداً بحجة توحيد الأمة العربية، لكن تلك الأنظمة القميئة فشلت حتى في توحيد البلدان التي حكمتها، فما بالك أن تجمع العرب تحت لواء واحد. 

ولنا في الأنظمة التي حكمت سوريا والعراق واليمن وليبيا أمثلة فاقعة ومقززة، ففي سوريا مثلاً تسلق حافظ الأسد وشركاه على ظهر حزب البعث ذي الأهداف الوحدوية المزعومة، ورفع شعارات قومية وعروبية لكنه في الحقيقة كان طائفياً وأقلوياً ومعادياً للعرب والعروبة أكثر من الشعوبيين أنفسهم. ولا شك أنه تلظى بالجدار العروبي كي يحمي نفسه داخلياً خاصة وأنه كان ينتمي إلى أقلية معادية للمسلمين الذين كانوا يشكلون غالبية الشعب السوري، فكيف يحرف أنظار الشعب عن هويته الحقيقية ويتلاعب بالأكثرية إلا بالتشدق بالشعار القومي العروبي الهلامي الفضفاض؟ 

لقد رفع نظام الأسد منذ وصوله إلى السلطة شعاراً قومياً، بينما حكم سوريا عبر عصابة طائفية استأثرت بمفاصل الدولة الأساسية كالجيش والأمن، وحيّدت الأكثرية وهمشتها، فيما كان يتاجر بالمشاعر الوطنية والقومية وهو أبعد ما يكون عن العروبة والقومية والإسلام. وفي الوقت الذي كان يرفع فيه شعارات عروبية قومية كان يدق الأسافين بين الطوائف والمذاهب في سوريا، لا بل كان يزرع الفتن داخل الطائفة الواحدة. لهذا السبب كما سنرى لاحقاً فشل المشروع البعثي الوحدوي المزعوم ليس على المستوى العربي فقط، بل داخل سوريا نفسها بعد أن زرع فيها ألف لغم ولغم طائفي ومذهبي وعرقي مما جعلها تنفجر شر انفجار بعد عقود من القمع والدجل والكذب والتدليس والخداع. 

وحتى في العراق البعثي، ظلت البلاد محكومة على أسس قبلية وعشائرية ومذهبية رغم الشعارات القومجية البراقة، بحيث كانت قابلة للانفجار في اللحظة التي ارتخت فيها قبضة النظام. وحدث ولا حرج عن اليمن في عهد القومجي الهالك علي عبد الله صالح الذي زرع كل بذور التشرذم والانقسام داخل البلاد وجهزها للتشظي الذي نراه اليوم على أسس مذهبية وقبلية ومناطقية وحزبية. 

فشل القومجيون وأصحاب الشعارات الوطنية الصارخة في بناء دول وطنية، فما بالك أن يوحدوا العالم العربي المتشرذم 

أما القذافي الذي لم يكتف برفع شعارات الوحدة العربية، بل رفع لاحقاً شعارات توحيد أفريقيا، فقد ترك بلداً ممزقاً قائماً على عصبيات قبلية تتقاتل اليوم في طول البلاد وعرضها. 

باختصار لقد فشل القومجيون وأصحاب الشعارات الوطنية الصارخة في بناء دول وطنية، فما بالك أن يوحدوا العالم العربي المتشرذم. لا عجب أن نرى الآن أن شعوباً عربية كثيرة كفرت بالعروبة والقومية، وعادت إلى الرابط الديني ظناً منها أنه الأفضل، مع العلم أن كل الأنظمة التي ترفع شعارات دينية لا تختلف كثيراً عن الأنظمة القومجية، فهذا يتاجر بالمشاعر القومية وذاك بالمشاعر الدينية لأهدافه الخاصة. 

لاحظوا الآن أن الحوثيين في اليمن مثلاً انسلخوا من انتمائهم اليمني وصاروا مجرد مريدين للولي الفقيه الإيراني، وتحولوا إلى مجرد أدوات فارسية في بلدهم على أسس مذهبية صارخة، ولا مانع عندهم من الانضواء تحت لواء الدولة الفارسية، مع أن الإيراني يتلاعب بمشاعر الشيعة العرب لمصالحه القومية والتوسعية بالدرجة الأولى. لقد استجار الحوثي بالديني من القومي. 

وفي سوريا الآن نجد أن الغالبية العظمى من السوريين وخاصة في الشمال قد كفرت بالوطنية السورية لما فعل بها آل الأسد على مدى عقود، وهم الآن يفضلون العيش تحت لواء الجار التركي المسلم على العيش في دولة سورية وطنية، ولا مانع لديهم أن تعود سوريا إلى كنف الدولة العثمانية تحت راية الإسلام، مع العلم أن التركي مهما كان متعاوناً مع السوريين فهو ليس جمعية خيرية، وله مصالحه القومية، وهو كغيره من القوى المتصارعة على الأرض السورية يحاول أن يقتطع حصته من الفريسة، خاصة وأنه يرتبط بسوريا بحدود تقارب التسعمائة كيلو متر. 

والأمر نفسه يحدث الآن في ليبيا، فبعد أن عانى الليبيون الأمرين تحت النظام القومجي القذافي الأرعن، ها هم بعض الليبيين الآن يرحبون بالتركي المسلم كما رحب به من قبل أسلافهم أيام العثمانيين. وفي آخر استفتاء عام أجريته على موقع "تويتر" شارك فيه حوالي عشرة آلاف شخص، عبر أكثر من ثلاثة وسبعين بالمائة من المشاركين عن رغبتهم بالعيش تحت الحكم التركي. 

لقد كفرت الشعوب بالانتماءات الوطنية المحلية وعاد بها الحنين إلى الخلافة الإسلامية. ولو دخلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي لوجدت الكثير من العرب يدافع عن الوجود الإيراني والتركي في بلادنا بحماس منقطع النظير من منطلق ديني ومذهبي، وربما نكاية بالقومجيين والعربجيين. ومن الملفت الآن أنك إذا أردت أن تغزو بلداً عربياً بسهولة وتفوز بتأييد الأهالي بسرعة، فقط قل لهم: "أنا أخوكم في الدين".. بهذا الشعار تستطيع أن تسيطر وتستعمر وتنهب وتسلب وسط تصفيق المغفلين. لقد فشلت الدول العربية في بناء هويات وانتماءات وطنية، فظل الانتماء الديني هو الأقوى، وصار من السهل على كل من يرفع شعاراً دينياً أن يغزو أي بلد عربي وسط ترحيب "المؤمنين". 

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com