العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-07-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

نعم… اللبنانيون يتناقصون والعنجريون يخطفون لبنان كله .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 6/7/2017

"على أثر العملية الأمنية الإستباقية التي نفّذتها وحدات الجيش في مخيمات عرسال والتي أسفرت عن مقتل أربعة إنتحاريّين كانوا يعدّون لعمليات أمنية في الداخل اللبناني، تمّ توقيف عددٍ من المطلوبين المتورّطين في التخطيط والإعداد للعمليات المذكورة، ولدى الكشف الطبّي المعتاد الذي يجريه الجسم الطبّي في الجيش بإشراف القضاء المختص، تبيّن أنّ عدداً منهم يعاني مشاكل صحية مزمنة قد تفاعلت نتيجة الأحوال المناخية، وقد أخضع هؤلاء فور نقلهم للمعاينة الطبيّة في المستشفيات لمعالجتهم قبل بدء التحقيق معهم، لكن ظروفهم الصحية قد ساءت وأدّت إلى وفاة كل من السوريين: مصطفى عبد الكريم عبسه، خالد حسين المليص، أنس حسين الحسيكي، وعثمان مرعي المليص، وقد وضع الأطباء الشرعيّون تقاريرهم حول أسباب الوفاة وعلى الفور بادرت قيادة الجيش إلى إخضاع الموقوفين الآخرين للكشف الطبّي للتأكّد من عدم وجود حالات مماثلة تستدعي نقلها إلى المستشفيات، وللتأكّد عمّا إذا كان بعضهم قد تناول عقاقير سامّة تشكل خطراً على حياتهم".

النص أعلاه هو بيان لقيادة الجيش اللبناني الذي يدافع عن ممارساته لبنانيون منحازون سلفاً لروايته عن "ملحمة" مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال. هذا بحد ذاته أمر محزن. محزن أن يتضامن مطلق مدني لبناني مع جيش بلده في عملية تستهدف مدنيين داخل البلد، حتى لو كان هؤلاء اللاجئون السوريون (!) اعتادوا هذه المعاملة المشينة في بلدهم الأصلي على يد شبيحة النظام الكيماوي وشبيحة حزب الله الإيراني في لبنان. محزن أن يتم تبرير هذه الفظاعات المصورة و"المسربة" من أجل تأديب اللبنانيين أيضاً، إضافة إلى تطفيش اللاجئين السوريين، بذريعة لم تعد تثير إلا الغثيان، وهي ذريعة الإرهاب وداعش والتكفيريين (كذا). وقد تناسى هؤلاء المتضامنين مع جيشهم "البطل" المستأسد على الفئة الأكثر ضعفاً وهشاشة في لبنان اليوم، أن حزب الله الإرهابي الشريك في حكومة البلد، قد برر دخوله الحرب السورية بذرائع أبرزها قتال "التكفيريين" على الأرض السورية، بدلاً من انتظارهم في لبنان. فلا يخجلون اليوم من ترديد ذريعة جيشهم المقدام في استباحة مخيم لاجئين جلهم ممن شارك حزبهم الإلهي في طردهم من بيوتهم في سوريا، تلك الذريعة القائلة إن هناك انتحاريين كانوا يعدون لعمليات إرهابية في لبنان، من غير أن يضعوا موضع الشك كل هذه الرواية الركيكة على شاكلة بيان الجيش الذي "يخشى" على الموقوفين من تسميمهم لأنفسهم (!) بعدما قتل أربعة منهم بواسطة "التغير المناخي"! وهذا لعمري سلاح جديد يضاف إلى ترسانة مبتكرة تضم فيما تضم: البراميل المتفجرة ومادة الكلور السامة والألغام البحرية وسلاح الدمار الشامل المتمثل بأرواح إجرامية تسمى الشبيحة وماكينة كذب جبارة، في "جيش وحدة المسارين" الشهير.

إنه حقاً جيش واحد في بلدين، زينت بساطيره العسكرية رؤوس عاشقيه وعاشقاته في سوريا وتونس، بانتظار النسخة اللبنانية التي لم تظهر صورها بعد، لكنها ربما "قيد التحميض" وبالألوان.

هناك انتهاكات قام بها الجيش في المخيم المنكوب؟ الإرهابيون هم الذين فجروا أنفسهم وعائلاتهم داخل المخيم! والجيش اللبناني تعرض للاعتداء! ومن حقه أن يدافع عن نفسه! حقاً يعجز اللسان والعقل أمام هذا الدرك الذي بلغه بعض اللبنانيين. تقول لهم إن عشرة لاجئين سوريين قتلوا تحت التعذيب على يد جيش "وحدة المسار والمصير"، فيقول لك بكل نباهة وحذاقة: أين دليلك؟ وما هي مصادرك؟ ثم إن الجيش له الحق في التحقيق مع المشتبه بهم لانتزاع معلومات منهم حول الشبكات الإرهابية التي تخطط لقتل اللبنانيين! فهو يستبق الأمور، حتى إذا أتيته بالدليل القاطع وزودته بمصادرك التي لا يرقى إليها شك، يكون قد رد عليك سلفاً بأن للجيش الحق في "استجواب" الموقوفين. فإذا ماتوا "تحت الاستجواب" جاؤوك بخبر "التغيرات المناخية" التي قتلت أولئك الإرهابيين المحتملين، واستبقوا الأمر مرة أخرى في تبرير قتل من لم يقتلوا بعد "تحت الاستجواب" بالقول إنهم تناولوا مواداً سامة تشكل خطراً على حياتهم، على رغم كل فحوصات "الطاقم الطبي" لأجسامهم ودمائهم للتأكد من خلوها من تلك المواد السامة.

ونحن نعرف أن المواد السامة المقصودة في بيان الجيش ليست مواداً طارئة على دماء أولئك اللاجئين السوريين، بل هي جزء أصيل من دمهم ورثوه عن أجدادهم وصولاً إلى أول شقاق في تاريخ الإسلام بين سنة وشيعة، تكفيريين و"تنويريين"، إرهابيين و"مسالمين"، مذهبيين و"علمانيين"… هذا الدم الفاسد هو سبب تهجيرهم أصلاً من القصير ويبرود وغيرها من الأراضي السورية على يد الميليشيا العلمانية التنويرية المسالمة لحزب الله الإيراني في لبنان. وها هو"جيش وحدة المسارين" يكمل ما بدأه هذا الحزب في سوريا، فيتوغل في الدم السوري الرخيص بحثاً عن السموم التكفيرية التي، للمصادفة، لا تقتل إلا أصحابها. قامت جريدة النهار اللبنانية، قبل أيام من "ملحمة" الجيش اللبناني البطولية بقصفها التمهيدي، فحذرت من "تناقص" اللبنانيين و"تزايد" السوريين في لبنان، في صدى تافه للذعر الإسرائيلي التقليدي من خصوبة الإنجاب لدى الفلسطينيين مقابل "التناقص المطرد" لنسبة اليهود في إسرائيل. اللبنانيون يتناقصون فعلاً، ولكن ليس بسبب تزايد اللاجئين السوريين، بل بسبب تحول لبنانيين كثيرين إلى سوريين أسديين.

حيفي على لبنان، وكل التضامن مع اللبنانيين الأصيلين ممن يعرفون عن قرب ما معنى عنجر والعنجرية، أس كل إرهاب وتكفير ووضاعة. فهؤلاء مثقفون محترمون أفراد متفرقون بلا سند من طائفة أو"دولة" فرض عليهم الصمت تحت شعار أن "الجيش خط أحمر". و"من لا تعجبه ممارسات الجيش فليرحل!" هكذا غرد ابن عنجر البار. وبيت القصيد في كل هذه الفضيحة مطالبة "الدولة" اللبنانية التي خطفوها، هم أنفسهم، بالتنسيق مع نظام البراميل والكيماوي من أجل إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

أما نحن السوريين، فلن نطالب شيئاً غير موجود بإعادة وحوش حزب الله من جبهات القتال على أرضنا إلى لبنان. فحساب هؤلاء في سوريا، يدفعونه اليوم، وسيدفعونه غداً.

========================

بوتين والخريطة الصعبة .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 6/7/2017

يجلس فلاديمير فلاديميروفيتش على كرسي مكتبه المذهب في قصر الكرملين، وأمامه خريطة للعالم مكتظة بالدوائر الحمر والزرق التي تحدد مناطق النفوذ الروسية والأميركية، وتتقاطع خصوصاً في الشرق الأوسط، وتتداخل كثيراً في شرق أوروبا. يطرق العقيد السابق في الاستخبارات مفكراً كيف يمكنه معالجة الخلل الفادح وجعل اللون الأحمر طاغياً، أو على الأقل مساوياً للأزرق "اليانكي".

"حليفه" المفترض في البيت الأبيض الذي يلتقيه غداً للمرة الأولى، يواجه صعوبات متزايدة وأزمة ثقة بخياراته، قد تفضي في أقل تعديل الى حصاره وفرض رقابة على قراراته، مثلما فعل مجلس الشيوخ أخيراً عندما ألزمه بالرجوع إليه قبل التفكير في أي تخفيف للعقوبات على روسيا، فيما لا يملك في مواجهة الإنهيار المريع في شعبيته، سوى "تغريدات" يستنجد بها لمقاومة ماكينة إعلامية جبارة تعمل بلا كلل للنيل منه، بعدما تحدّاها وقرر تجاوزها.

اللقاء يعقد على أرض ألمانيا (الغربية سابقاً) التي طالما راقبها بوتين من وراء الجدار الذي انهار وجرف معه خزانة ملفاته. وعلى عادة ضباط الاستخبارات، ظن "صاحب" الكرملين أن بإمكانه التلاعب بالأميركيين "السذج"، قبل أن يتبيّن أن الخندق الذي حفره أوباما أعمق مما كان يتصور. تدخله في خصوصياتهم أيقظ مناعة الأميركيين، ورفع العداء لروسيا الى درجة تدعو للترحم على "الحرب الباردة". خسر بوتين الولايات المتحدة، ولم يربح ترامب بعد.

حلفاؤه الآخرون ليسوا من طينة القادة الذين يحلم بهم. غارقون في الفساد الذي أوصلهم الى حكم الجمهوريات السوفياتية السابقة. مشغولون بتحويل انفسهم الى ما يشبه الآلهة، وبنقل ثروات دولهم الى حساباتهم الخاصة، وتمهيد الطريق أمام ورثتهم. لا يمكنه الركون إليهم. فضمائرهم الخارجة من وراء "الستار الحديد" مطاطة، يسهل جذبها بعروض لا تقدر دولته شبه المفلسة على مضاهاتها. كلما استمال أحدهم او أخضعه، قفز آخر الى "حلف الأعداء" والمناورات المقلقة عند الحدود. مشكلته أن أرضه منبسطة كالكف وعاصمته منكشفة، على عكس البرّ الأميركي المطمئنّ الى حماية المحيطين الأطلسي والهادئ.

أما شركاء بوتين في مقاومة نفوذ واشنطن المتأرجح في شرق المتوسط، فلا يستطيع منحهم ثقته إلا في حدود ضيقة جداً، بعدما تأكد أن الإنقلاب متأصل في حمضهم النووي. الإيرانيون مثلاً، يستفيدون منه الى أقصى الحدود ويدفعونه الى خوض معاركهم في سورية، حيث لا يسددون ديناً قبل أن يقبضوه سلفاً أكثر من مرة. يمنحونه هيبة موقتة باتخاذ القرارات، بينما يعملون على الأرض لتطويق أي تفاهم يصبو إليه مع غيرهم. لا يمكنه التخلي عنهم لأنه يشعر بنفسه دخيلاً على منطقة مدججة بالطوائف، تستعصي على معايير التحالفات الطبيعية، وتغصّ بنظريات المؤامرة والحبكات البوليسية.

بشار الأسد خذله أكثر من مرة بقدرته العجيبة على ارتكاب الأخطاء المحرجة في السياسة والقتال. بالكاد ينقذه من ورطة حتى يسقط في أخرى، ويضطر الى استدعائه، إما الى إحدى قاعدتيه في سورية أو الى موسكو، قبل أن يتولى "التنظيف" من ورائه. فالسلاح الكيماوي لا ينضب في ترسانته، ولا قدرة على ضبط ولعه باستخدامه، مستجلباً، على الضد من رغبة موسكو، احتمالات "التأديب" الأميركية.

الأتراك المتقلبون يصافحونه بيد ويطعنونه بالثانية. يستخدمون سورية وكُردها مثقالاً للموازنة بينه وبين الأميركيين وابتزازهم، ويتأرجحون بالأسد بين الدعوة الى الرحيل وبين التغاضي. يستسهلون الانتقال بين ضفتي البوسفور كلما شعروا بالضيق من الامتثال لشروط لا تعترف بقدرتهم على استعادة مجد انقضى مع هزيمتين عالميتين. تركيا، العقدة التاريخية التي ورثها من أجداده القياصرة، لا تزال قادرة على تفكيك أحلامه.

لكن الفارق المحرج في ألوان الدوائر لا يشغل الرجل عن هدف تمديد ولايته، مع ما يستدعيه ذلك من عرض عضلات لإسكات المستنكرين. فسياسة العالم تخضع لأمزجة قادته، ومن المهم أن يبقى لـ "عموم الروسيا" زعيم أوحد.

========================

بوتين والأسد علاقة إلى الأبد .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 5/7/2017

درجت مستويات السلطة والديبلوماسية في روسيا على إبلاغ من تلتقيهم، من النظراء العرب والأوروبيين، أن مصير بشار الأسد لا يعنيها، وانها إنما تقاتل في سورية كي لا تتحوّل إلى بلد فاشل آخر، بالإشارة إلى ليبيا التي قتل رأس النظام فيها فذهبت البلاد إلى فوضى مديدة.

ومع ان حكام روسيا يرغبون في تحويل مقتل القذافي إلى عقدة تلازم السياسات الغربية وتكبح مبادراتها في المنطقة، فإن من الطبيعي أن أي مسؤول دولي سيشعر بالرهبة والإحراج في نقاش إزاحة الأسد عن الحكم، فلا أحد يمكنه أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن هدم الدول وإيقاعها في الفوضى، وبخاصة إذا جلب له محدثه الروسي الأمثلة عن فشل البدائل التي يجري تصنيعها سريعاً وعلى نار حامية، كما حصل في العراق سابقاً وليبيا لاحقاً.

وإذا أرفقت روسيا روايتها تلك بأن الأولوية الآن في سورية هي لإنهاء الأزمة وهزيمة الإرهاب وإعادة الاستقرار، فإن الطرف المقابل يصبح مربكاً ويشعر أنه مثالي وساذج لأنه لم يكن لديه أكثر من موقف إنساني متعاطف مع قتلى نظام الأسد وبعض شعارات عن الحرية والديموقراطية، وتلك على رغم نبلها إلا أنها لا تضمن الاستقرار للدول والمجتمعات ولا تدير مؤسسات للحكم، عندها يتجرأ الروسي ويطرح مقولته الأثيرة إن الأسد لا يستهدف الآخرين وليست لديه مشاكل مع العالم الخارجي.

يظهر الجانب التقني من الموقف الروسي وجود طرف دولي مسؤول يفكر من خارج الصندوق وبما يليق بالواقعية السياسية أن تكون، ويكشف ظاهريا عن رؤية إستراتيجية عميقة تقوم على ما هو أبعد من الانفعال بالأحداث اليومية والصور الناتجة منها ولا تتأثر بعواطف الكره والمحبة التي تشوّه المواقف السياسية وتؤثر في القرارات الصادرة عنها، لكن هل الموقف هو هكذا بالفعل؟

على رغم ادعاء روسيا ذلك إلا أنها ديبلوماسياً وإعلامياً تستخدم بكثافة مواقف عاطفية للدفاع عن الأسد، فكم من مرّة وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الثوّار بـ "آكلي الأكباد" تعليقاً على حادثة فردية، ولم يتردّد وزير خارجيته في وصف "الخوذ البيض" بالمشعوذين، بل إن روسيا دافعت عن جرائم الأسد الكيماوية في شكل مبتذل ولا يليق بديبلوماسية بلد يعتبر أحد الدول الخمس المسؤولة عن الأمن والسلم الدولي، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل مارست سياسة الأرض المحروقة تجاه البيئات الحاضنة للمعارضة السورية، وقد ذكر تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان ان روسيا قتلت خلال حملتها في سورية حوالى ثلاثة عشر ألف شخص، منهم ألف وثلاثمئة طفل دون سن الثامنة عشرة، وثماني مئة امرأة، وأكثر من نصف عدد القتلى من المدنيين العزل.

وقد أثبتت روسيا انها مستعدّة للذهاب أبعد من ذلك من أجل حماية الأسد وتثبيته، وكل ما تمارسه موسكو من ادعاءات الحياد والحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها ليس سوى تقية، الهدف منها الحصول على مساحات زمنية وسكوت دولي يتيح لها تدمير كل أشكال المعارضة والمقاومة للأسد، ليبقى هو ونظامه من دون ادنى تغيير أو مشاركة في الحكم، ولا شك في أن روسيا تصدق في جزء من روايتها من أنها لا تفعل ذلك محبة بالأسد، لكن ما لم يقله أحد من المسؤولين الروس عن الأسباب الخفية هو جوهر الحكاية ومحتواها.

لقد كشفت حادثة مقتل العميل الروسي ألكسندر برفيشيلليني الذي كان يدير ملفات تبييض الأموال بين نظام الأسد والكرملين، والتي كشفت عنها صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، جزءاً من رأس جبل الجليد من تفاصيل علاقة بوتين والأسد، وهي علاقة يتداخل فيها السياسي بالشخصي والعائلي، جزء من هذه العلاقة تديره مؤسسات الدولة الروسية مع نظيرتها في نظام الأسد، وهي علاقات سطحية، أما الجزء الأكبر من هذه العلاقة فهو ما تتم ترتيباته وإدارته في الغرف الخاصة سواء بين اجهزة الاستخبارات أو عبر قنوات تواصل مباشرة بين قصر المهاجرين والكرملين.

لا يتهيب بوتين من كل أشكال الفساد والانحراف في تعامله مع نظام الأسد، وهو تعامل مريح من دون الخوف من تبعات كشفه طالما ان الأسد ونظامه باقيان في السلطة، من هنا لا يبدو غريباً ان طباخ بوتين يحصل على ربع النفط السوري أو ان يجري استخدام نظام الأسد في عمليات تبييض الأموال للنخبة القريبة من بوتين.

هل يكفي ذلك لتفسير التكتيكات الروسية لإبقاء الأسد في السلطة، واطمئنان الأخير إلى انه ليس فقط باقياً في السلطة وإنما لن يتعرض للمحاكمة، ذلك ان بوتين باق في السلطة في روسيا وتأثيراته لن تنحسر حتى أمد بعيد.

يملك بوتين خيارات عديدة للإبقاء على لعبته في الحفاظ على الأسد إلى أبعد مدى، عبر سياسة تفنيد مصادر الخطر التي تواجهه، مثل تدمير البدائل وإلغاء شرعيتها، وخيار تقاسم النفوذ مع أميركا في سورية، وإرضاء إسرائيل من خلال نشر قوّة روسية في جنوب سورية وطمأنة تل أبيب.

لن يتخلى بوتين عن الأسد. ثمّة ملفات كثيرة يراد للزمن ان يدفنها، حتى لو كان الثمن دفن سورية بأكملها، فإما الأسد أو لا أحد.

========================

الآستانة: مشهد الإذلال السوري .. لؤي حسين

الحياة

الثلاثاء 4/7/2017

سورية ليست تحت الانتداب، ولا تحت الوصاية، إنها، حتى اللحظة، دولة مستقلة ذات سيادة وفق التعريف الأممي. لهذا لم يكن مستساغاً من قبل الوجدان الوطني السوري مشهد توقيع اتفاقية "خفض التوتر" أو "خفض التصعيد" الذي قام به، أمام كاميرات الإعلام، نواب وزراء خارجية روسيا وإيران وتركيا، كممثلين عن حكومات بلدانهم. فالواقعة لا تنسجم مع طبيعة الدول ذات السيادة، وهي، على رغم مضمونها الجيد الذي أدى إلى خفض حقيقي في هدر الدم السوري، ذات مشهدية فائقة الدلالة على غياب السيادة الوطنية السورية إلى أجل غير مسمى.

فأن تتفق ثلاث دول، وأن تقوم بتوقيع وثائق رسمية في ما بينها في شكل علني وعلى مرأى العالم أجمع، بل بحضور شهود رسميين كالأمم المتحدة والولايات المتحدة، هذا فضلاً عن حضور أصحاب الشأن، أي الوفدين السوريين اللذين يدّعي كل منهما كاذباً تمثيل الشعب السوري، والذي جيء بهما لاستكمال المشهد التصويري لا أكثر، فهذا المشهد بجميع مقوماته يتخطى حدود اعتباره جارحاً للكرامة السورية ليكون بمثابة إقرار صريح باستئصال السيادة السورية كلياً، هذه السيادة التي كانت القيمة الجامعة الأهم عند السوريين منذ استقلالهم عن المستعمر الفرنسي.

ربما، على الصعيد البراغماتي، كان من الطبيعي اقتصار التوقيع على الأطراف الضامنة فقط من دون الأطراف المحلية التي باتت، كما يعرف الجميع، لا حول لها ولا قوة. فليس أيٍّ منها يمتلك أدنى حدود القرار الذاتي المستقل، بل أمست جميعها مرهونة كلياً بقضها وقضيضها للأطراف الدولية التي ترعاها في شكل كلي، تمويلاً وتسليحاً وإطعاماً وتدريباً وشرعنة. أي، آل تمام الغاية من وجودها مقتصراً على خدمة رعاتها، فتقاتل عنهم ولأجلهم وتقول ما يريدون لها أن تقوله. ولهذا لم يكن من المُحرج إطلاقاً لهذه الأطراف الدولية الراعية أن تضع الوفدين السوريين على الطاولة بقصد الفرجة فقط، فما عاد الأمر يحتاج الى مداراة.

وضوح المشهد كان يفقأ العين. لا يحتمل نقاشاً أو جدالاً. ولا يحتاج إلى تفكير أو تأمل. كما أنه لا يستدعي حججَ وبراهينَ إثبات، بل يكفي النظر إلى شاشة التلفزيون لنرى بكامل الوضوح تغييباً مطلقاً للسيادة السورية. فلم يكن من الممكن رؤية أي نتفةٍ منها في قاعة توقيع الاتفاقية.

لم تكن الآستانة سوى عرض الحالة للعيان، فانتهاء السيادة كان قد تم البت به نهائياً قبل ذلك. ولم يبق سوى إتمام التجاذب الدولي على تقاسم حصص القسمة. فمن العدل أن ينال كلّ من الأطراف الدولية حصة تتناسب وحجم مكانته وسيطرته على ميادين القتال على الأراضي السورية. لكن، وحتى يكون كلامنا موضوعياً، فإن امتلاك الأطراف الدولية هذه الحصص لم يحصل نتيجة انتزاعها لها من الأطراف المحلية، بل إن هذه الأخيرة هي من قدمه طوعاً للأطراف الخارجية في مقابل الاستقواء على الخصم المحلي عبر عمليات مقايضات مشينة، مقايضات لا أرى أن لها أي اسم آخر سوى "الخيانة". والخيانة هنا ليست اتهاماً إطلاقاً، بل توصيف دقيق لما قام به جميع الأطراف المحلية المتقاتلة. فلا أعتقد أنه يوجد صورة أنصع للخيانة من صورة تسليم مفاتيح "المدينة" لجيوش أجنبية في مقابل وهْمِ الحماية من خصم محلي. فالخيانة توصيفاً هي: استحضار قوى الخارج إلى الداخل في مقابل التنازل التام لها عن السيادة الوطنية. فلا ملامة هنا على الأطراف الخارجية إطلاقاً، فقد قايضت ما كان معروضاً في السوق بأبخس الأثمان.

لقد كان السوريون من أكثر شعوب المنطقة تمتعاً بالحس السيادي، بل استمتاعاً بالشعور بسيادتهم الوطنية. فهم لم يروا في حياتهم، قبل الآن، أي قوة عسكرية أجنبية على أراضيهم برضا أو بسكوت سلطاتهم، ولم يصادفوا في حياتهم، منذ الاستقلال، جندياً غير سوري على الأرض السورية تعلو كلمته كلمة الجندي السوري، كما هي الحال اليوم. ولم يشعروا يوماً أنهم في حاجة الى غير جيشهم للحماية من أي قوات عسكرية، حتى لو كان جيشهم عاجزاً عن استعادة أراضيهم التي تحتلها إسرائيل. وهذا إضافة إلى أنهم لم يحتاجوا يوماً الى مال أجنبي لتأمين نفقات معيشتهم، كحالهم اليوم. لقد كانت السيادة/الاستقلال أهم قيمة جامعة لغالبيتهم، حتى أن قسماً كبيراً من شبانهم كان يحتفل طوعاً بيوم الاستقلال باسمه المحلي: "عيد الجلاء".

طبعاً لا يلغي صدقية هذه الصورة شعور بعض السوريين أنه لا نفع من السيادة بعد كل الموت والدمار والخراب والتشرد الذي حلّ بالبلاد. ولا اعتبار قلة منهم أن السيادة هي من عدة وعتاد النظام السوري ذي الطبيعة القومية والعلوية، وبالتالي قد يسعدون لانتهاء هذه السيادة ظناً منهم أنها إضعاف للنظام ونصر لهم. لكن أغلب هؤلاء هم ممن بات يعيش خارج البلاد، أما من بقي داخلها فسيكون لديه انطباع آخر حين سيختبر بجلده وحواسه ذلّ فقدان السيادة. وهو ذل سيكون أقسى من أي إحساس عرفته شعوب دول أخرى في المنطقة غابت عنها سيادتها الوطنية، فبات بعضها يعيش سنوات من دون رئيس للبلاد، وبعضها الآخر تتغيّر إمارة بلاده بهمسة غير مسموعة لدولة نافذة، أو تتم تسمية ولي عهدها خارج عاصمة "العهد"، أو تُقام فيها قواعد عسكرية أجنبية تفوق قوتها قوة العسكر الوطني. ما ينبئ بذلك هو أن الذلّ السوري ابتدأ بالتزام الأطراف السورية المتصارعة بوثائق لم توقّع عليها، وعلى الأغلب لم تطّلع عليها، وقبولها بأن تعلو أعلامَها أعلامُ الدول الراعية، كأميركا وروسيا وتركيا و "حزب الله" (نيابة عن إيران).

السيادة ليست أمراً شكلانياً بسيطاً، وليست أمراً يقبع في حقل العواطف والوجدان، وبالتأكيد ليست تلك العبارات الفارغة التي يبثها التلفزيون الرسمي، أو تلك الكلمات التي يتبجح بها مسؤولو النظام. كذلك ليست هي "المناطحة" الدولية أو "المتانحة" الإقليمية التي يسميها النظام السوري "الممانعة". كما أنها بالتأكيد ليست هدم البلاد وتشريد أهلها بحجة حماية السيادة، كما يفتري النظام السوري. بل هي في الواقع الفعلي حق الشعب في تقرير مصيره بإرادته الحرة، أي حق الناس باختيار "الجنب" الذي يريدون النوم عليه. إنها الحرية العامة، والكرامة العامة. بل هي الأساس الحقيقي الذي تنبني عليه الحرية الفردية والكرامة الشخصية. إذ إن ركناً أساسياً في الحريات الفردية هو المقدرة على الاعتداد بالذات العامة، فجلّ التعبير عن الرأي، أو حتى تكوين الرأي، هو تعبير عن الرأي العام.

فقدان السيادة ليس أمراً مفاجئاً. إنه حال الدول التي تخرج مهزومة من الحروب. فهي تفقد سيادتها لمصلحة المنتصر. وسورية مهزومة في الحرب التي دارت على أرضها منذ ست سنوات، بغض النظر إن كان توصيف هذه الحرب بأنها "حرب الآخرين" على الأرض السورية، أو "حرب النظام على شعبه"، أو "حرب الدولة على الإرهاب"، أو "حرب أهلية"، أو أي تسمية أخرى، فجميعها دروب توصلنا إلى "الطاحون" ذاتها، وهو أن سورية دولة مهزومة لمصلحة عدد من الدول.

إذاً حال سورية والسوريين ليس أمراً فريداً أو بديعاً، فعدد من الدول مرّ بتجربة فقدان السيادة. لكن قلة منها فقط عرف أهلها كيف يبتلعون هذا الذلّ ويهضمونه بطريقة تمكّنهم من النهوض ثانية. وقد يكون مثال ألمانيا واليابان، اللتين تمكنتا من النهوض ثانية بعد فقدانهما المطلق لسيادتهما الوطنية جراء هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية، أفضل مثال يمكننا الاستعانة به على مواجهة مصيرنا هذا.

تجاوز هذه المحنة يتطلب بالتأكيد عدم الأخذ إطلاقاً بالمذهب السخيف الذي اعتمدته السلطة أو المعارضة طيلة سنوات الصراع الماضية، حيث اعتبر الطرفان أن جميع "البلاوي" الناجمة عن صراعهما ستزول تلقائياً ما إن تقع الهزيمة بالطرف الآخر. كما يتطلب منا تعلم "ابتلاع" مرارة طعم فقدان السيادة الوطنية، والبدء بنسيان أمر استعادتها، أو الاكتفاء بالنحيب عليها. وأن نتدرب على التعايش الإيجابي على أن دولتنا "العزيزة" قد تبقى مسلوبة السيادة طيلة الدهر، يتناوب على الإمساك بزمام قرارها السيادي دول منتصرة إقليمياً أو عالمياً.

ربما علينا القبول، موضوعياً، بوجود عدد من الدول الوصية، والعمل ذاتياً على النهوض من جديد لتصبح سورية، ولو بعد حين قد لا يكون قصيراً، دولة مشاركة في الإنتاج العالمي، إن كان هذا الإنتاج معرفياً أو قِيمياً أو علمياً أو ثقافياً أو معرفياً، لا أن تبقى تتسول رعاية خارجية. وذلك لا يكون إلا بالعمل الجاد والمضني على استئصال الأسباب العميقة التي أتاحت للنظام السوري التفريط بالكيان الوطني. فهناك العديد من الأسباب أدت مجتمعة إلى تمكين النظام من جعل الصراع "شوارعياً" بعيداً كل البعد من أن يكون صراعاً سياسياً يمكنه أن يشكل رافعة مثلى لنقل سورية من مصفوفة دول التخلف إلى مسار الانتقال إلى الحداثة.

أعتقد أنه مع انتهاء الصراع المسلح على السلطة بات الدور الآن للنخب المثقفة لتبدأ بإنتاج أسس نظرية معرفية سياسية يمكن التيارات السياسية، على قلّتها الحالية، الاستفادة منها. والاستفادة تكون بمعرفة سُبل القيام بدور ما في عملية إعادة إعمار الفرد السوري ليكون ذاتاً فريدة مستقلة، وإعمار المجتمع السوري ليكون مجتمعاً منتِجاً وليس مجرد تجمّع سكّاني. فبشكل ما يتوجب على النخب الثقافية السورية العمل على نهضة معرفية تكون دليل السوريين في بناء وطن يلائم أحفادهم الأحرار.

========================

العالم العربي القادم أخطر .. غازي دحمان

العربي الجديد

الثلاثاء 4/7/2017

مرّت على العالم العربي، منذ بداية العقد الحالي، تحوّلاتٌ ومتغيراتٌ كثيرةٌ ومتسارعة، دمّرت النظام الإقليمي، وحطّمت الدولة وخلخلت علاقة المكوّنات المحلية ببعضها، ومن المتوقع أن لا يتوقف هذا السياق التحوّلي عند هذا الحد، بل ستبني اتجاهات الأحداث المقبلة مساراتها على هذه اللبنات التي ستشكّل أساسات وقائع الغد ورافعاتها.

أساءت الأنظمة العربية فهم طبيعة هذه المرحلة، وكانت استجابتها للتحديات الناتجة عنها تتطابق تماما مع أنماط إدارة هذه الأنظمة، التقليدية، لسياساتها الداخلية والخارجية عقوداً، والتي تمثلت في ترسيخ التبعية للخارج، باعتبارها وسيلة الدفاع الأكثر إتقاناً من هذه الأنظمة لمواجهة الأزمات التي تعجز عن مواجهتها، أو التكيف مع مقتضياتها.

وكان من نتيجة هذه السياسات تسليم قضايا النظام الإقليمي العربي لفاعلين خارجيين، وفتح المجال للاعبين الإقليميين، ليساهموا في تشكيل مسارات الأزمات، وتجييرها لخدمة مصالحهم الجيوسياسية. وبالتزامن مع ذلك، راح كل طرفٍ يعمل وفق أجندة منفصلة، ورؤية خاصة، للتعامل مع الأزمات الضاربة في عمق النسيج الإقليمي العربي. وفي وقتٍ من المفترض أن يتم فيه تشكيل غرفة عمليات عربية مشتركة لمتابعة الأوضاع، وتكثيف التشاور، ورفع مستويات التنسيق إلى أبعد الحدود، لم يكن العمل العربي المشترك في حدوده الدنيا، كما كان في المرحلة الراهنة، وقد كشفت القمتان العربيتان في نواكشوط والبحر الميت حجم السلبية العربية، وكأن الأزمة تقيم في إقليم آخر غير الإقليم العربي.

ولا تبدو هذه السلبية غريبةً على واقع النظام الإقليمي العربي الراهن، ولا على ظروف

 

مكوناته، فالعالم العربي يعيش مرحلة فراغٍ شاملة، تتمثل في فقدان القائد الإقليمي، دولة أو مجموعة من الدول، لضبط سياساته وتوحيد توجهاته، بالإضافة إلى فقدانه أيديولوجية عربية معاصرة، تحفّز الشعوب العربية، وتجعلها الحاضنة الطبيعية، والحامل الموضوعي للفكرة القومية. وفوق هذا وذاك، غياب المثقف العربي الواعي والمؤمن بقضيته، في زمنٍ تحوّل فيه الاهتمام بالبعد القومي العربي إلى تهمةٍ بالتخلف والرجعية، إن لم يكن تحريضاً على الإرهاب.

نتيجة هذا الوضع الذي ساهمت الأنظمة العربية بقسط كبير في صناعته، خسر النظام الإقليمي العربي ومكوناته جميع مساحات الأمان التي طالما شكّلت عنصر حمايةٍ لدوله وأنظمته. وعلى الرغم من هشاشة هذا النظام، إلا أنه شكّل، على مدار عقود، مساحة أمان، ولم يكن اللاعبون الخارجيون يتوقعون ردود فعل أطرافه بالبساطة والخفة الحاصلة هذه الأيام. كما أن الشعوب التي جرى سحقها وإخراجها من المعادلة كانت مساحة أمانٍ، يجري أخذها في الاعتبار. بالإضافة إلى ذلك، انعكست هذه التحولات على باقي عناصر القوة، خصوصا القوة المالية التي أصبحت بلا قيمة، ولا تكفي لحماية رؤوس الأنظمة، أما القوّة الدبلوماسية فتحوّلت إلى شيءٍ مضحك، في ظل عدم استنادها إلى عناصر قوةٍ ترفدها وتعزّز مواقفها.

الناظر إلى خريطة العالم العربي اليوم، والمطّلع على تفاصيل التحولات التي جرت لدوله وشعوبه، والتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة به، يرعبه حجم الخطر الذي يقيم في جنبات هذا العالم، مع استمرار قادته وصنّاع قراره في ممارسة ألاعيبهم السلطوية العتيقة، وكأن كل شيءٍ على ما يرام، لا بل وكأن الأمن والاستقرار فائضان عن الحاجة، إلى درجةٍ تدفع نخب السلطة إلى البحث عمّا تشغل نفسها به.

لا ينتبه أحدٌ من صناع القرار إلى أن عامل الزمن بات يشكل عنصر خطر، وأن التغيرات التي تحصل في الجوار الإقليمي ليست سوى عمليات هدمٍ وتحطيمٍ للهيكل الذي يشكل القشرة

 

الحامية، وليست سوى مسألة وقت، حتى تُصاب مكونات الإطار العربي بأعطابٍ يستحيل إصلاحها. كما لا ينتبه أحدٌ إلى أن الوقت الذي أتيح للأنظمة سابقاً لم يعد متاحاً، ففي ظل مناخات الفوضى، لم يعد الأمر يحتاج أكثر من بعض اضطراباتٍ محلية هنا وهناك، حتى يجري أقلمة المسألة وتدويلها، ثم تشغيل الأطراف المحلية وكلاء للاعبين الخارجيين.

لم يقرأ حكماء العرب ما حصل في سورية والعراق بالشكل الصحيح. اختلفت تفسيراتهم، كما مواقفهم، تجاه الوقائع في البلدين، وإذا كان الوقت قد فات لتوحيد قراءتهم، وتصحيح مواقفهم مما حصل، فإن ما يجب التنبّه له جيداً طبيعة الحلول التي تطرحها البيئتان، الإقليمية والدولية، لأزمات هذين البلدين، والتي تقع غالباً بين تحويلهما إلى طرقٍ وموانئ وقواعد عسكرية للاعبين الخارجيين، أو إعادة تشكيلهما على أسسٍ طائفيةٍ وعرقية، وتقسيمهما على هذا الأساس، ما يعني أنه، حتى حالة الاستعمار التقليدية التي عرفتها البلدان العربية أصبحت حلماً صعب المنال، وليس مستبعداً استنساخ هذا الحل، على بقية مكونات النظام العربي الأخرى، خصوصا أنها ليست أكثر مناعةً من سورية والعراق، ولا أقل إثارة للأطماع.

يخسر العالم العربي، كل يوم، مساحات أمانٍ جديدة من رصيده. ومع كل مساحة مفتقدة، تتوسع دوائر الخطر المرتسمة، لتحاصر صناع القرار، وتدفعهم إما إلى زيادة الطلب على التبعية، أو البحث عن أدوار قذرة للقيام بها لإشعار اللاعبين الخارجيين بأهمية وجودهم. وفي الحالات جميعها، تجري التضحية بالثروات والشعوب، لإبقاء معادلة حماية الأنظمة في إطار دائرةٍ لا يبدو أن كسرها ممكنٌ، في حين أن دينامية الخطر مستمرة في الاشتغال صوب تفكيك الدول، وجلب المستعمر.

=========================

ماذا لو بقيَ ((نظام الأسد)) .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاثنين 3/7/2017

ماذا لو بقي ((نظام الأسد)) ؟ ماذا سيحل بسوريا والشعب السوريِّ؟

سؤالان طرحْتُهما عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي. وجاءت الإجابات الكثيرة والمتباينة من أناس مشتتين مختلفين ومتباعدين، ليسوا باحثين أو متخصصين بالشأن السياسي. لكنَّهم أجابوا جميعاً كأم حزينة مكلومة القلب على ابنتها سورية.

لقد عرف جميع المجيبين الجلَّادَ، وخبروا طبائع الاستبداد، ومنهم من اكتوى بنار ظلمه أو اصطلى بقهر جلاديه وجلاوزته، وكلُّهم عاش – أو قرأ على الأقل – في ظلِّ نظام لم تشهد البشرية مثيلاً له في صلفه وجبروته وحقده، نظام مستعد لفعل أي شيء مهما كان إجرامياً أو فظيعاً كي يحافظ على وجوده.

 إنَّه نظام مستبد لم يعرف في يوم من الأيام الصفح والتسامح، ولم ير في المواطنين سوى ((رعية ورعاع))، أو جراثيم، ولم يعتد منهم سوى الخضوع والخنوع والخوف والطاعة المطلقة؛ إنَّه نظام لا يحتمل أي خروج عليه، ولا يحتمل سماع كلمة ((لا)). وإن تجرأ أن يفعلها أحد ما فعليه أن يتوقع أقصى العقوبات؛ وقد يكون أهونها الموت. ومن هنا، كان لصرخات السوريين المنادية بالحرية والكرامة هذه التكلفة الباهظة.

 فما المُتَوقَّع، إن بقي؟

 تحول “النظام” إلى ميليشيا انتقام

 سيكون النظام أكثرجنوناً وعنفاً، وأشدَّ فتكاً وانتقاماً ممَّا هو عليه الآن، وسيصفي حساباته مع معارضيه؛ بذريعة محاربة جيوب الإرهاب، وسيتحول القتل والتصفية الجسدية إلى سياسة يوميَّة ممنهجة. أمَّا الفساد الإداريُّ والاجتماعيُّ الشامل فسيكون نمط حياة. وسيتلازم هذا الأمر مع انتشار عصابات القتل والتعفيش والتهجير باسم مكافحة الإرهاب. وسيزج النظام بمعارضيه الذين لم يصفِّهم جسدياً بالسجون، وسيفعِّل عمل المحاكم الميدانية إلى الحدِّ الأقصى؛ وستشهد البلاد مليون مفقود جديد سيكونون مجهولي المصير، ينوسون بين مقابر النظام وسجونه وأقبيته.

 ستقوم أذرع النظام السرطانية بشنِّ حملات تصفية تطال كبار المنشقين والمعارضين، وستتفاقم أوضاع السوريين في الداخل وفي بلدان اللجوء، وستستمر معاناة المهجرين لسنوات قادمة، وسيبقون في أماكن لجوئهم خائفين من استمرار البقاء، مذعورين من العودة ومواجهة مصير الاعتقال أو القتل؛ وسيساهم ذلك كلُّه بإحداث التغيير الديموغرافي المنشود، عبر تهجير المواطنين وتوطين الميليشيات الأجنبية وسورنتها، وهنا تأتي القرارات الخبيثة التي لا تتفتق عنها أذهان الشياطين أنفسهم كقرار تغيير البطاقات الشخصيَّة (الهوية) الذي سيحرم السوريين الذي غادروا البلاد وتجرؤوا على قول ((لا)) للنظام من حقهم بالجنسية السورية.

 هزيمة الحرية والعدالة والمساواة

 سيزداد الفقير فقراً والثري ثراءً، ويزداد الفساد الأخلاقي والخراب الاجتماعي. وسيتفشى الجهل وتنتشر الأميَّة بأنواعها كافَّة، وستتغير قناعات الناس ومعاييرهم الأخلاقية والقيميَّة، وستنهار الثوابت الأخلاقية والمجتمعية والمعايير الوطنية، وتتحوّل سوريا في نهاية المطاف إلى دولة فاشلة على جميع المستويات وبكل ما للكلمة من معنى.

 إذا بقي ((النظام الأسدي)) فهذا يعني أنه انتصر على أعدائه من طالبي الحرية والعدالة والمساواة بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم. وسيزيده هذا الانتصار ثقةً بنفسه وبالمعادلات الإقليمية التي أثبت من خلالها أنه اللاعب الماهر والوحيد في سوريا؛ ولذلك سيمارس أشد انواع الدكتاتورية التي عرفتها البشرية على الإطلاق؛ وسوف يتحول الشعب السوري إلى قطيع تحكمه الأسرة الأسديَّة مئات السنيين دون أن تقوم له قائمة.

 وهكذا ستكون الشعارات الإنسانية وحقوق الإنسان و المساواة والعدالة ومحاسبة مجرمي الحرب من قبل دول العالم الأول مجرد خزعبلات وظواهر صوتيَّة. وهنا سيعترف العالم أجمع بهذا النظام وتتصالح جميع الأنظمة العربية والإسلامية والعالمية معه مبررةً فعلتها بأنها تقوم بذلك من أجل مصلحة الشعب السوري الذي تركته يُقتل ويُهجر عدة سنوات.

 لا يُستبعد أن يلجأ الكثير من أفراد الشعب السوري لتغيير مذهبهم والتحول نحو التشيّع أو التعلون لحماية مصالحهم وخوفاً على ذراريهم. بالمختصر سيكون هناك تأجيل لأي مشروع وطني سوري لأجيال قادمة ما يفضي إلى قتل أي أمل عربي بالحرية.

 ))نظام)) في ظل الاحتلالات

 إذا كان بقاء النظام نتيجة انتصار عسكري ساحق مع حلفائه؛ فستكون النتيجة تغول الطغمه الحاكمة ومزيد من التشريد والقتل للحاضنة الاجتماعيه للثورة؛ أما اذا كان بقاؤه نتيجه تسوية بين الروس والأمريكان واللاعبين الإقليميين الآخرين، فعندها سيتم تقليم أظافره وأنيابه وتحويل منصب الرئيس إلى منصب فخري مجرد من الصلاحيه لمده معينه بانتظار إعداد البديل. وهكذا لن يكون له قرار أو رأي في مستقبل سوريا. وستكون القرارت بيد الجهات الخارجية التى حافظت على بقائه.

 سيكون الاحتلال روسياً بالدرجة الأولى ويكون له اليد العليا عسكرياً وأمنياً؛ ويمكن أن يتمدد سياسياً أيضاً. أما الاحتلال الإيراني فسيتمدد دعوياً لنشر التشييع، واقتصادياً بحكم استثماراته المزمنة، وستزداد سلطة عملاء إيران في سورية أمام ضعف سلطة الشبيحة الأسديين؛ وسيحدث كثير من التصفيات البينيَّة نظراً إلى اختلاف التوجهات والعقائد والمصالح. وستتحول سوريا ((الدولة)) بالمختصر إلى معسكر ومقر لمخابرات إيران وروسيا، يُنطلق منه لتقويض الاستقرار في المنطقة، ولا يُستبعد أن تتصارع هذه الضباع مع بعضها ومع ما تبقى من هياكل الدولة البائسة.

 أما الأمريكيون فسيسيطرون على الموارد النفطية، وخاصة في الشمال والشمال الشرقي.

 بقاء النظام يعني بداية نجاح المشروع الفارسي في منطقة الشرق الأوسط مما سيفضي إلى سيطرة كاملة لإيران على العراق والبحرين وبداية اهتزاز الحكم في الأردن و السعودية؛ وبعد ذلك تقسيم السعودية واليمن وتحريك ورقة الأكراد في تركيا تمهيدا لحكم ذاتي لهم؛ وبعد ذلك يبدأ الصراع الإسرائيلي الفارسي على منطقة الشرق الأوسط؛ و يصبح العرب تابعين لإحدى الدولتين.

 وفي أسوأ السيناريوهات التي يمتزج فيها الاحتلال مع التقسيم، ستتحوّل سوريا إلى كانتونات أو مناطق نفوذ وسيطرة طائفية وإثنية تابعة إقليمياً ودولياً ؛ وستزداد الحرائق في المنطقة و تتغير الحدود والخرائط. وهذا يجر المجتمع الدولي إلى خيارين أحلاهما مر؛ إما إبقاء بشار إلى فترة أطول، أو تقسيم سوريا إلى كنتونات متصارعة. والأخطر في هذا الأمر على المستوى الوطني هو أن النظام سيسعى إلى التقارب ودون مواربة مع الكيان الصهيوني، ما يعني بقاء الجولان السوري المحتل بيد إسرائيل، هذا إن لم تتمدد إسرائيل خارج الجولان قبل ذلك.

 سيناريوهات متفائلة، وأخرى ((متشائلة((

 يرى البعض أن بقاء ((النظام الأسدي)) مستحيل، حتى ولو حاربت إلى جانبه أميركا وإسرائيل علناً، لأنَّ بقاءه عكس تطور البشر وعكس منطق الثورات من بداية الخلق والطبيعة؛ فهو سقط مع أول قطرة دم سورية عام 2011؛ ومن هنا يصعُب تَخَيُّل بقائه حتى في الأحلام؛ وما من مصلحة لأحد – حتى داعميه – في بقائه؛ فما هو إلا جثة تتقاذفها شواطئ المصالح الدولية؛ حيث أضحى بقاؤه ورحيله سواء.

 وباختصار؛ حتى إذا بقي النظام فلن يكون كما كان قبل الثورة، فقد كسر السوريون حاجز الخوف، وأصبحت أجهزة النظام مقلمة الأظافر مثلومة المخالب.

 وترى فئة ثانية أن الثورة ستعود إلى الانفجار بطريقة مغايرة لما حدث؛ وقد تكون ثورته أكثر حدة لعدم إمكانبة استمرار الوضع الذي ستحاول تكريسه الدول المحتلة. وقد تتحول الى مقاومة شعبية تستمر حتى إسقاطه بأشكال مختلفة. هكذا ثورة أو مقاومة شعبية ستكون شامله في كل ربوع سوريا بسبب الجوع والفقر والسرقه والفساد والقتل؛ وستبدأ هذه المرة من مناطق النظام بحيث تخرج المظاهرات، وتستمر، ولا تهدأ حتى سقوطه النهائي.

 وترى فئة ثالثة أنَّ النظام في حال بقائه سيكون تحت إشراف دولي، وستُطرد إيران والميليشيات الشيعية من سوريا بأوامر دولية تحت اسم ((الإرهاب عابر الحدود)) وسيحاول ((الحُكم الدولي “الأممي”)) إقامة شكل ما من الديموقراطية كما كان الأمر زمان الحكم الفرنسي؛ وستترك له، كرئيس للميليشيا مهمة التخلص من العصابات عابرة الحدود؛ وستعيش سورية حياة بليدة خالية من الأمل والأفراح والانتصارات؛ وسيعيش الأسد ما تبقى له من سنوات حكمه تحت تهديد الإحالة الى المحكمة الجنائية الدولية.

 وترى فئة رابعة أن النظام سيكون كذئب مفترس بجلد حمل، وسيحاول أن يغيّر سلوكه نظرياً فقط لاستمالة الفئة الصامته، وسيحاول أن يتقرب من الشعب، وسيسعى إلى نيل تأييد الأنظمة العربية. وسيتخلص في الوقت نفسه من كلِّ من يعتقد أنَّه عارضه أو سوف يعارضه؛ ولكن من غير المعقول أن من قتل الشعب ودمر البلد يستطيع أن يحكم البلد وهو يعلم علم اليقين أن الحجر والشجر والبشر ستنتقم ممن كان سبباً في دمار البلاد والعباد، ولن يستطيع النوم من الخوف.

 وترى فئة خامسة أنَّ مصيره كمصير نظام ((مجيب الرحمن)) في أفغانستان زمن الاحتلال السوفييتي؛ فنظام الأسد سلّم أعز ما يملكه الإنسان ((وطنه)) إلى كل شذاذ الافاق والانتهازيين في العالم وعلى رأسهم الدب الروسي المريض سياسيا واستراتيجيا؛ والذي يبحث عن مخرج من تخلفه الحضاري والإنساني من الباب الأوكراني ومن النافذه السوريه وباللعب على حبال المنطقه ومنها تركيا وإسرائيل منشئاً قواعد للاحتلال وليس آخرها القاعدة بالقرب من دمشق. ولكن هذا الدب الروسي سيخرج هو ونجيب الرحمن الجديد من سوريا، ولن يفعلوا شيئا الا كسب الوقت فقط؛ لأن النهايه لكل خائن معلومة. أما المستعمر الثاني الذي سينتهي من جذوره فهو إيران الفارسية الطائفية التي تقوم على حقد عنصري وفئوي ديني بغيض مرفوض من كل العالم فمشروعه الخبيث للتمدد – طبعا بمساعدة ومباركة إسرائيلية – بدأ بالانحسار. وأصبح النظام أمام خيار صعب؛ ستنتهي سلطته البغيضة، ويقوم نظام علماني فدرالي – ومن بعده كذلك العراق – وسيكون الانفراج في هذين البلدين بداية ولادة شرق أوسط جديد.

 أمَّا الفئة الأخيرة التي تنطلق من نظرة شديدة التشاؤم، فإنها ترى أنَّ سمات النظام الإجرامية وقسوته الممزوجة بنزعة انتقامية حاقدة أصبحت أمراً يعرفه القاصي والداني، وكذك الشأن بالنسبة إلى عنجهيته وصلفه واستعلائه واحتقاره للشعب، وعدم استعداده لأي تنازل مهما كان ضئيلا… بل إن الجميع يعرف أن هذا النظام إذا ما اضطُر إلى تنازل ما، فإنَّه سيتحيّن الفرصة ليعود ويبطش من جديد بمن أجبره على ذلك كاشفاً عن حقده الشديد وقسوته؛ وهو إن بقي سيعمل – على الصعيد الداخلي – على تطويع الشعب وبناء جدار الخوف المهدوم، وسيسعى إلى إنقاص أعداد الأكثرية المذهبية تدريجياً، وسيضاعف الجهود المبذولة لنشر المذهب الشيعي في أوساط السنة. وسيحاول – على المستوى الإقليمي والدولي- أن يبني حلفاً استراتيجياً يضمُّ روسيا وإيران والعراق وسوريا ولبنان، وسيكون الهدف الأسمى لهذا الحلف زعزعة الاستقرار وإلحاق الأذية بدول مجلس التعاون الخليجي وتعريضها للاضطرابات العنيفة، وقد ينجح في ذلك، ومن المحتمل أن يتعرض بعض هذه الدول للتفكك، وسيصبح الأردن في هذه الحالة وكأنه ممسوك من رقبته. أما تركيا فسيسودها التوتر والقلاقل وتصبح قابلة للانفجار في أي وقت. وسيتم التنسيق مع إسرائيل برعاية العراب الروسي. وسيكتفي الأمريكان بإلقاء المواعظ والخطابات في المنابر الدولية، لكنَّهم سيحصلون على أموال طائلة لقاء ذلك، وستستمر لوبياتهم بإمساك خيوط اللعبة والتحكم بها عن بعد.

المقال القادم يرصد المساهمات المتعلّقة بما يجب فعله للحؤول دون بقائه.

========================

الثورة الشامية إذ تنتصر للجغرافيا .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاحد 2/7/2017

إلى قبل اندلاع ثورة الشام العظيمة، كانت كل الأقلام ومراكز الدراسات والأبحاث تتحدث عن نهاية عصر الجغرافيا والحدود، وانفتاح الأسواق العالمية وسط اندياح عولمة كل شيء من الاقتصاد إلى السياسة إلى الاجتماع والتقاليد والغذاء وكل شيء، وكتب بعضهم مستعجلاً نهاية التاريخ، وتسابق جيلنا وجيل من بعدنا للالتحاق بكليات العولمة والحاسوب والسياسة والعلاقات الدولية ووو، أملاً في أن يحجز له مقعداً في عالم العولمة الجديد الذي كان أشبه بالعالم الافتراضي، بعد أن اكتشف كثيرون حقيقته وكنهه، لكن لا أعتقد أن أحداً يومها فكّر مجرد تفكير في أن يلتحق بكلية الجغرافيا.

وحين أقلب نظري بين قادة إسلاميين وغير إسلاميين ممن تخرجوا من كلية الجغرافيا، لا أذكر أحداً منهم إلا زعيم الجماعة الإسلامية السابق والراحل قاضي حسين أحمد، وكم كانت فجأتي حين علمت بذلك.

اليوم ومع الأحداث الشامية وتكالب الغرب والشرق على كيلومترات مربعة محدودة في حلب وشمالها وصحراء تدمر، أو الجزيرة السورية وفي الغوطة ودرعا وغيرها، ندرك تماماً أهمية الجغرافيا.

فما يجري في التنف اليوم ربما يؤشر -كما تتحدث بعض دوائر الاستخبارات والبحث لحرب عالمية ثالثة- في ظل قطع الطريق الاستراتيجي لإيران من الموصل وتلعفر باتجاه مناطق الأكراد فحلب فالمتوسط، وذلك بعد الزواج الكاثوليكي بين الأميركيين وغلاة الكرد، ونشر قواعد أميركية في طريق التمدد الإيراني، الأمر الذي ألجأهم للتوجه إلى طريق آخر ممتد من البوكمال باتجاه صحراء التنف فحمص فالساحل السوري، ولكن نشر قاعدة أميركية - بريطانية في التنف حال دون ذلك.

الأمر الذي يبدد كل أعداد القتلى والجرحى والخسائر الإيرانية في الشام، التي أرادتها ممراً بينها في طهران والعراق إلى لبنان فالمتوسط.

لعل من محاسن الصدف أن أقرأ هذه الأيام كتاب انتقام الجغرافيا للكاتب الرائع روبرت كابلان، الذي ركز فيه على أهمية الشام والعراق في الحروب التاريخية، والتي أدت إلى قيام حضارات وإمبراطوريات، ليتعزز لدي قناعة بأن الجغرافيا اليوم هي من سيحدد مصير وتوجه الدول بل وتوجه العالم كله.

فهنا في الشام كانت الوصية النبوية الأولى لأصحابه بالتوجه إليها، فكان أن عقد الراية لأسامة بن زيد حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن قبل قال -عليه الصلاة والسلام-: "بينما أنا نائم وإذا بعمود الكتاب قد انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن في الشام" أو كما قال -عليه السلام-، وهو دليل على توجيه أصحابه إلى الشام، وهي الدورة الحضارية التي فهمها من بعده صحابته، ثم فهمها الصلاحيون "صلاح الدين الأيوبي" والزنكيون والمماليك والعثمانيون من بعد.

لقد حرص الاستعمار بكافة أشكاله وألوانه -على مدى عقود بعد سقوط الخلافة العثمانية- على زرع كيانات أقلوية حاكمة مجرمة، لفصل تركيا عن العالم العربي، وجعل من سوريا سلطة أقلوية عازلة فاصلة على غرار جيش لحد، وهو ما حصل لهم على مدى عقود، ولذا فهم يسعون لتدمير كل شيء يحول دون وصل العالم العربي بتركيا، ما دامت بوابة الطرفين دمشق بعبقرية جغرافيتها المعروفة، وبتاريخها الأصيل، وبعراقة حكمها لأضخم إمبراطورية في التاريخ وهي الإمبراطورية الأموية.

يفاجئ البعض منها السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد ولم يفاجئنا بالقول، إن التمدد الإيراني في الصحراء السورية وتدمر أصبح واقعاً لا يمكن التصدي له.

ويبشرنا بنهاية أليمة للوجود الأميركي في الصحراء، شبيهة بنهاية قواتهم في بيروت عام 1983، يوم انسحبوا بعد تفجيرات المارينز على يد حزب الله، ويبشرنا أيضاً أن الوقت تأخر كثيراً على الأميركيين للتصدي للتمدد الإيراني، ويسعى إلى الاعتذار بطريقة صبيانية أنه لم يكن يتوقع تدخلاً إيرانياً ولا من حزب الله لدعم قوات بشار ضد الثورة السورية، في الوقت الذي كان يتابع هو وإدارته دبيب فرد واحد ينتمي لتنظيم الدولة أو للأحزاب الإسلامية حتى المعتدلة منها، ويريد أن يقنعنا بأنه لم يكن لديه معلومات عن هذا الحزب المرتبط بإيران وغيره.

الجغرافيا هي عقدة العقد، وهي التي تستطيع من خلالها فهم التاريخ والسياسة، ومن خلالها تصل الحدود وتنقل الأفكار والبضائع والدمار والخراب، تماماً كما تنقل الإعمار والتنمية، ولكن شتان بين هذا وذاك، لكن من يقوم على وصل الجغرافيا اليوم من الغزاة والمحتلين شعارهم مغولي تتري.;

========================

الدول المضطربة.. وما بعد "داعش"! .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 2/7/2017

كان الرئيس باراك أوباما يرى أنّ مشكلات "داعش" و"القاعدة" في سوريا والعراق، ستستمر لثلاثين عاماً أو أكثر، وهذه إساءة تقدير كبيرة من جانب الدولة الأعظم بأجهزتها الفائقة الدقة والفعالية! فالأجهزة الفائقة هذه ما استطاعت تأمين الانتخابات الرئاسية في مواجهة القرصنة الروسية، وقبل ذلك في مواجهة ويكليكس وملحقاتها. وقبل هذا وذاك في مسألة غزو أفغانستان والعراق، فقد فشل الغزوان بمنظور التأمين وإعادة بناء الدولة، والآن تتواصل "طالبان" مع إيران وروسيا لزيادة حظوظها في إعادة السيطرة على البلاد. أما في العراق فإنّ "التمرد السني"، بالتعبير الأميركي، والذي بدأ عام 2004، ما تزال أشكاله تتعدد وتتفاقم وفي وجه ثلاثة تحديات: الأميركي والإيراني والشيعية الحاكمة بالعراق.

وعلى أي حال فإن الفشل الأميركي لا يزوّدنا بأي تعزية، لأن بلداننا هي مسارح وساحات النجاح أو الفشل الأميركي. "داعش" يوشك أن ينتهي في العراق وسوريا قبل نهاية عام 2017 وليس بعد ثلاثين عاماً. وقد تبقى هناك بعض العمليات الإرهابية، لكن أسطورة "الدولة" انتهت أو أوشكت. وإذا قلنا إن الدور الرئيس في إنهاء "داعش" و"القاعدة"، كان وما يزال للولايات المتحدة، فإن الشركاء على الأرض ما كانوا ولن يكونوا الشعوب المُصابة، بل الروس والإيرانيون والأتراك والإسرائيليون.. وأخيراً العرب دولاً، والعرب مجموعات ومجتمعات محلية مصابة ومهجَّرة ومدمرة تحت رحمة الميليشيات الإيرانية والحرس الثوري والحكومات الطائفية في سوريا والعراق.

ما الذي يحصل الآن للتفكير في المستقبل القريب بعد "داعش" و"القاعدة"؟ الطريف أنه بالنسبة لسوريا ليس هناك شيء في هذا الاتجاه يستحق الذكر. بدليل أنه حتى الدستور السوري العتيد تجري مناقشته في أستانا، بينما الذي كان مفروضاً أن يجري ذلك في المفاوضات السياسية في جنيف، بينما تكون أستانا للمسائل العسكرية والأمنية والتفكير في الوقف التدريجي لإطلاق النار!

كيف سيدار البلد بعد نهاية الحرب، والتي ستنتهي هذا العام؟ في العراق يقولون إنّ عندهم دستوراً وبرلماناً، وقضاءً مستقلاً، وحكومةً معترفاً بها. لكن ثلث العراق مخرَّب، وهناك خمسة ملايين مهجر، فمن سينتخب في العراق عام 2018؟ إنما قبل ذلك، ماذا سيحدث بعد الاستفتاء الكردي؟ لقد حقق "داعش" والإيرانيون إنجازاً هائلاً لصالح إلغاء الدور الوطني للعرب السنة. بيد أنّ توازن الرعب بين تركيا وإيران والحماية الأميركية، حفظ الأكراد، ويشجعهم على الانفصال بدولةٍ مستقلة، وهكذا فالمشكلة الكردية، وتوترات الحدود مع تركيا، كُلُّ ذلك يجعل من "الحل الوطني" ضعيفاً أو مستحيلاً. ويوشك نوري المالكي أن يعلن مثل نتنياهو في فلسطين: ليس لنا شريك يمكن التفاوض معه!

والوضع في سوريا أصعب، فالمتدخلون أكثر، وهم على تعددهم ليس بينهم فريق قوي يمثل شريحةً واسعةً من العرب السنة الذين هم أكثر الشعب السوري! في العراق هناك فريق سني مشرذم وضعيف لكنه ضمن النظام وفي البرلمان والحكومة والمؤسسات. أما في سوريا فهناك حالة إلغاء كامل بالداخل، ويتجه الروس إلى سحب الاعتراف بالهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل المعارضة السياسية السورية. عند الروس والنظام السوري والإيرانيين تصور إعادة الوضع إلى ما كان عليه عام 2010، والأسد هو الرئيس، بيد أنّ الروس والميليشيات الإيرانية هي المسيطرة على الأرض. وإذا كانت هناك فكرة لانتخابات في سوريا عام 2019، فنصف الشعب السوري سيكونون غائبين. والغائبون (كما في حالة إسرائيل مع الفلسطينيين) لا حقوق لهم!

والوضع في ليبيا أفضل بسبب وجود شرعيتين وليس شرعيةً واحدة: واحدة دولية في المجلس الرئاسي، وأُخرى في الشرق بحكم وجود البرلمان المنتخب. وهكذا يمكن التفكير في حل إذا تعاون العرب من أنصار الشرعيتين أو إحداهما من أجل التوفيق. وقد يكون تعيين غسّان سلامة مبعوثاً أممياً، وهو المعروف بخبرته في الأزمات والمفاوضات، وسيلة معينة على الحل.

والوضع في اليمن قد يكون أفضل حتى من الوضع في ليبيا، وذلك لوجود خريطة مستقرة للحل واستعادة الشرعية، فالانقلاب تضاءلت حظوظه، وإذا أمكن سد أبواب الإمدادات من ميناء الحديدة عنه، لا يبقى ما يمكن له الاستناد إليه. إنما الخشية أنّ الانفصاليين الجنوبيين لا يريدون حتى الانتظار لحين سقوط الانقلاب. وهذه شرذمةٌ وسط الجوع والكوليرا وخراب الدولة وانقسام الجيش!

الصعوبات كثيرة في دول الاضطراب، وقد تبعث على اليأس، لكنّ الذين نجوا منا من حروب إيران وتركيا والروس والأميركان، يمكن أن يشاركوا إخوانهم المصابين في التفكير بما بعد الاضطراب.

========================

وزير الدفاع السوري ما بعد الأخير .. عمر قدور

الحياة

الاحد 2/7/2017

غداة انقلابه عام 1970، أتى حافظ الأسد برئيس اتحاد الطلبة آنذاك متعب شنان، وعيّنه وزيراً للدفاع، وأتى بنقيب المعلمين أحمد الخطيب وعينه رئيساً للجمهورية، بينما تسلم هو رئاسة الحكومة الموقتة بضعة أشهر قبل تسلمه الرئاسة رسمياً. أول وزير دفاع في عهده لم يكن عسكرياً، ولم يكن من رجالات السياسة أو رجالات البعث المعروفين، وكان مفهوماً أن الأسد يريد بقاء المنصب شاغراً عملياً ليبقى هو على رأس الوزارة التي أدار منها الانقلاب على رفاقه.

وزير دفاع الأسد الأشهر كان مصطفى طلاس، الذي توفي في باريس قبل أسبوع، فهو بقي في المنصب 32 عاماً بدءاً من 1972. ووفاته حازت اهتماماً واسعاً في الأوساط السورية، للدور الذي يُعزى إليه في تثبيت حكم الأسد أو التغطية عليه، وأيضاً لما يشوب سيرته من طرائف جعلته موضع تندر أو سخرية. فالراحل كان الوحيد المستعد للإفصاح علناً عن بعض ما يتحرج باقي المسؤولين في قوله، مثل تصريحه لمجلة "دير شبيغل" الشهير بأنه مع حافظ الأسد وأن باقي الطاقم حصلوا على السلطة بالبارودة، ومن يريد أخذها فليأتِ ببارودة أقوى. أو من نوع إطلاق نعوت مشينة على مارغريت ثاتشر إثر اتهام نظام الأسد بالضلوع في تفجيرات لوكربي، بما في ذلك تلميحه في مقال (نشرته آنذاك جريدة تشرين الرسمية) إلى خلوات خاصة تجمعها برونالد ريغان! وصولاً إلى تجرّئه في مذكراته على الحديث عن صلابة رأس حافظ الأسد، إذ كان ينطح زملاءه في الكلية العسكرية، حيث أدت ذكريات من هذا النوع إلى سحب المذكرات من الأسواق.

صورة طلاس لدى عموم السوريين أو متابعي الشأن السوري أنه كان وزيراً شكلياً للدفاع، فيما يرى قسم لا يُستهان به أنه كان مجرد واجهة سنيّة لجيش يسيطر عليه فعلياً ضباط علويون. في الحالتين، بتركيز على الجانب الطائفي أو من دونه، لا تقدم هذه الرواية المبسّطة معرفة جيدة عن مشروع حافظ الأسد الذي كان طلاس شريكاً كاملاً فيه، بما في ذلك قبوله لنفسه تلك الصورة المتهافتة لمنصبه، بل مبالغته فيها أحياناً.

يجوز وصف طلاس بأنه كان وزير الدفاع السوري ما بعد الأخير، إذا قلنا إن آخر وزير دفاع فعلي كان حافظ الأسد نفسه. فالأخير كان مثلاً يملك صلاحية الأمر بانسحاب القوات السورية من قسم كبير من الأراضي المحتلة عام 1967 قبل تعرضها لأي خطر، على ما ترويه وثائق إسرائيلية سرية كُشف عنها مؤخراً، والأهم أنه كان آخر وزير دفاع يسيطر على الجيش، ويستطيع من خلال سيطرته عليه تنفيذ انقلاب سلس وناجح. هذه الناحية تحديداً كانت الشغل الشاغل لحافظ الأسد، ولهذا السبب أتى بأول خلف له من خارج الشخصيات العسكرية أو المدنية ذات الوزن.

لقد كان طلاس شريكاً تاماً في تفريغ منصبه من أي معنى جدي له، وتطلب هذا تفريغ الجيش نفــسه من المعنى المتعارف عليه في الجيوش ذات التسلسل الهرمي. ما حدث وفق منهج متماسك منذ انقلاب الأسد يفسر السهولة التي سيُقاد فيها الجيش مرةً إلى سحق التمرد "الإخواني" مع سحق مدينة حماة بأكملها، ومرة أخرى إلى تدمير وسحق البلد كله بعد اندلاع الثورة. المسألة لم تكن في الإتيان بشخص يرتضي أن يكون واجهة لمنصب، هي في تحطيم المؤسسة ذاتها برضا وتعاون من هو نظرياً في رأس الهرم منها.

كان شقيق حافظ الأسد رفعت، أيام كان الأول وزيراً للدفاع، قد أصبح قائداً لما يُعرف باسم سرايا الدفاع التي ورثت مهام الحرس القومي في حماية النظام، وكان صديق حافظ الأسد علي حيدر يرأس قوات النخبة المعروفة بالوحدات الخاصة، وفي السبعينات أُسِّس لواحد من ضباط بيت الأسد تشكيل يسمى سرايا الصراع، بينما كان يصعد نجم شفيق فياض قائد الفرقة الثالثة للمهام الخاصة أيضاً. في الواقع كان الجيش برمته يتحول إلى إقطاعيات عسكرية، يرتبط قائد كل منها مباشرة بشخص حافظ الأسد.

وظيفة تلك الإقطاعيات كانت واضحة لجهة حراسة نظام الأسد أولاً وأخيراً، وهذه "العقيدة القتالية" لم تكن سراً، بل كان منتسبو قوات النخبة تلك يُدربون على الطاعة المطلقة لقادة إقطاعياتهم، وعلى تقديس شخص الأسد بدرجات متفاوتة تكشف على مستوى تذلل أولئك القادة أمام رئيسهم. وحدهم منتسبو إقطاعية رفعت الأسد كانوا يكرسون تقديسهم لشخصه، باعتباره شقيق الرئيس ووريثه المنتظر، لتُحلّ الإقطاعية بعد تنحيته لمصلحة الابن باسل، ويُدعّم الحرس الجمهوري كقوة نخبة جديدة مع الفرقة الرابعة بقيادة فعلية من ماهر الأسد. تلك التربية العسكرية القائمة على التضحية بالذات تفسّر أيضاً حجم الخسائر البشرية الهائلة التي منيت بها قوات الأسد في جميع المعارك الداخلية والخارجية، إذ غالباً كان يُزجّ بالعناصر في مواجهات مكلفة بشرياً، وغير متوقعة من الخصم لهذا السبب، كأن يُقتحم حقل ألغام معروف من دون كاسحة ألغام كما حدث في إحدى المعارك في لبنان.

إلى جانب تلك الميليشيات، قوّى حافظ الأسد حضور المخابرات العسكرية لتكون عيناً إضافية على الجيش، وقوّى فرعاً مستقلاً هو المخابرات الجوية في دلالة على الأهمية التي يوليها لسلاح الطيران. وكما هو معلوم تداخلت صلاحيات هذه الأجهزة في شكل يؤدي إلى تنافسها لمصلحته، ولم توفّر عسكرياً أو مدنياً من قمعها.

هذا التاريخ، الذي كان مصطفى طلاس شريكاً فيه، لا يصحّ فيه التوقف عند سردية الواجهة السنية لتحكّم علويّ، لأنه تحت يافطة التآمر الطائفي يُغطى على تحولات أعمق أصابت المؤسسة العسكرية. استرجاعه سيكون مفيداً لفهم انكشاف البنية الصلبة للنظام منذ اندلاع الثورة عما تبقى من تلك الميليشيات فقط، ومن ثم تشكيل ميليشيات جديدة تحت مسميات مختلفة. ليست إيران من أدخل فكرة الميليشيات كما يُشاع الآن، وليست روسيا من يحارب هذا الطابع الميليشياوي، فهي أيضاً ماضية في تأسيس ميليشياتها الخاصة في سورية. ثمة نهج عمره نصف قرن يستحق أن يُسمى باسمه، وألا تكون المراهنة مستقبلاً على تعديل الميزان الطائفي، بل على التخلص نهائياً من كذبة كبرى اسمها الجيش السوري.

==============================

لنخرج من الفصائلية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 1/7/2017

تضم الفصائلية معظم الأطراف العسكرية والسياسية التي تقاتل النظام الأسدي أو تعارضه، ويطالب خلق كثيرون (بينهم كاتب هذا النص) بالتخلي عنها منذ سنوات، علما أنه لم يسبق لأحد، على حد علمي، أن أدرج التمثيلات السياسية تحت حيثية الفصائلية، على الرغم من أنها تحمل صفاتها وتبزّها في الخطورة، بسبب قدرتها على تحديد سلوك الفاعلين في المجال العام.

إذا كانت الفصائلية العسكرية تعلن عن نفسها بفخر، فإن الفصائلية السياسية ترفض أن يُحكم عليها انطلاقا من واقع عجزها السياسي، وعزلتها التنظيمية عن الشعب، وتريد من السوريين أن يروها بدلالة طابعها التمثيلي حاضنةً وطنية تجمعهم، وأن يتجاهلوا فصائليتها، المسجلة في تمسّك مكوناتها بهوياتها الجزئية والمتنافرة التي تحول بينها وبين الاندماج في كيانٍ نوعيٍّ موحد، تختلف صفاته عن صفات أيّ مكونٍ منضو فيه، هو بالفعل والقول حاضنةٌ تمثيلية حقيقية، تنظيمية وسياسية، يُخرج تكوّنها ونشاطها مكوناتها الداخلية من هزالها، فترى نفسها بدلالته "ائتلافا" هو حاضنة جامعة، وليست تجميعية فقط، تفضل الاندماج فيه على التمسّك بخصوصياتها الضيقة، وبحال التراصف مع الآخرين التي أقلمت نفسها معها، على الرغم من أنها لا تسمح لها بغير حدٍّ أدنى من التفاعل الإيجابي معهم منتمين إلى مكونات متفرقة. ومع "الائتلاف" حالة يحول طابعها التجميعي، المفعم بالانقسامات والشقاق، من دون ممارسة وظيفتها القيادية المطلوبة، ويلغي دورها جسماً يفعّل أنشطة معظم السوريين، ونضالاتهم ومقاومتهم، ويحصره في الاكتفاء بسياساتٍ ومواقف تمليها توازناته الداخلية الصراعية الجوهر، والتي تسهم في كبح قدرته على بلورة برامج وخطط تكفل تفوّق الثورة على النظام، عبر تفعيل طاقات السوريات والسوريين الهائلة.

مثلما أثبتت الفصائلية العسكرية فشلها، وقادت في الأعوام الأخيرة إلى تراجع ميداني على أكثر من جبهة، وانخرطت أطرافٌ عديدةٌ من تنظيماتها في اقتتالٍ سفكت خلاله دماء الشعب، وحقنت دماء النظام وحلفائه ومرتزقته، كما عقدت صفقاتٍ خرجت على الوطنية السورية، مثل صفقة حلب، كذلك أثبتت الفصائلية السياسية فشلها وعجزها عن استباق التطورات، ومواكبة الوقائع، واتخاذ مواقف منسّقة ومترابطة، ترجمت خططا وبرامج وممارساتٍ منسجمة، أخضعت الجزئي والخاص للجامع والمشترك، باقتصار العمل الوطني على الفصائلية السياسية والعسكرية، عجز عن إصلاح الأعطاب الهيكلية التي تعصف بجسد المعارضة، لاستحالة أن يكون هو سليما، بينما يرزحان هما تحت وطأة عيوب وأمراض هيكلية متنوعة، يفتقران إلى القدرة على معالجتها بما يتوفر لهما من أدوات وعقليات فصائلية، هي أبرز علامات مرضهما العضال التي أدخلتهما في طور احتضار متقدم، نجاتهما في تصديهما لسببه: أي للفصائلية نمط تنظيم سياسي/ عسكري، عاجز عن مواجهة النظام وحلفائه، أخفق في الدفاع عن حياة الشعب وحقوقه، ناهيك عن إحراز انتصار يطيح السلطة التي تبيده، يأخذ سورية إلى بديله الديمقراطي، بأهميته الوجودية التي تجعله أكثر بكثير من مجرد خيار أو نظام سياسي.

لم يكن إفلاس الفصائلية مباغتاً. لو أن عقلا استراتيجيا وعقلانيا في صراع السوريين مع النظام، لقاومت أغلبيتهم الأخذ بالفصائلية، ولبنوا تنظيما جامعا كمنظمة التحرير الفلسطينية، يدير تنوّعهم التنظيمي بكيفياتٍ تحول دون اشتغاله في إطار فصائلي تمزيقي، أو كجبهة التحرير الوطني الجزائرية التي رفضت التنوع التنظيمي، واعتمدت مركزيةً صارمةً في القيادة، لا يعترض أحد على قراراتها. بما أن الفصائلية واقع لا سبيل إلى القفز عنه، فإن إدارة تنظيماتها بأساليب منظمة التحرير تغدو مهمة إنقاذية ثورية، لا تعلو عليها اليوم مهمة أخرى. وإذا كان بعض قادة الفصائل يتمسّكون بها، بذريعة نجاحها خلال مراحل الثورة الأولى، فإن هؤلاء يتعامون عن حقيقة أن الفصائلية لو كانت ناجحةً لما بقي النظام إلى اليوم، ولما تسارع سقوط الثورة في العامين الأخيرين، بينما أخذ هو يستعيد توازنه. ولما ظهرت تنظيماتٌ ارهابيةٌ فصائليةٌ عملت لصالحه، ولما تمكّن الأسديون من شن حربٍ متحركةٍ أشبه بحرب العصابات ضد شعب سورية، بينما تلقت الفصائل ضرباتٍ موجعة جدا، من دون أن تتمكّن طوال أعوام القتال الستة من تنظيم وشن هجوم استراتيجي واحد، موحد ومنسق، على المستوى الوطني.

لم يعد مقبولا اقتصار دور الفصائلية على الدفاع عن مصالح قادتها. لهذا، تحديدا، يجب التخلي عنها والانتقال إلى أشكال تنظيمية أعلى وأفعل، يتوقف اليوم مصير السوريين على إيجادها، أقله للرد بنجاعةٍ على وضعهم تحت إشراف دولي.

========================

السوري ومنفاه القسري .. ميسون شقير

العربي الجديد

السبت 1/7/2017

منذ بدايات القرن العشرين، اعتُبر النفي العقوبة الثانية بعد الإعدام، واعتبر أشد قسوة على الروح الإنسانية من عقوبة السجن مدى الحياة، ومن عقوبة السجن مع الأعمال الشاقة. إذ يعتبر علماء النفس وعلماء المجتمع أن اجتثاث الإنسان من بيئته ووضعه قسريا في بيئة جديدة بالكامل، قريبة عليه في تفاصيلها، المكان والمناخ والثقافة، عقوبة. والأهم هو اللغة، وطبيعة الحياة، ولعل هذا كله كان في وسع الذات البشرية أن تتحمله، لكن ما يجعل الذات البشرية تشعر بذلك الشعور القاسي القاتل من حالة عدم الأمان، ومن حالة السقوط في هوّة الغربة، والاغتراب، هو الوجود في مكان لا يعترف بك وبذاكرتك، هو هذا التحول من كائن له مقوماته الزمنية، من ماض وحاضر ومستقبل، إلى كائن وحيد بدون ماض، ولا حاضر، ولا أي احتمال لمستقبل، بل على العكس، هو انعدام لكل الأزمنة، وضياع حقيقي لمقومات الشخصية، ومقومات الهوية.

عرف التاريخ البشري حالات نفي كثيرة، بدأت مع بدايات الحضارات البشرية، إذ استخدمت إمبراطوريات في العصور القديمة، مثل ممالك آشور وبابل وروما، التهجير القسري الشامل لشعوب كاملة، وذلك عقوبةً لتمرّدها، وذلك من منطلق الاعتقاد بأن الشعب المهجّر من أرضه سيتفكّك ويزول. وبالفعل، لم تصمد غالبية الشعوب أمام التهجير، وقد استمرت آلية التهجير والنفي، وصولا إلى العصور الحديثة، وكان أشهرها حالات نفي رؤساء، أو ملوك، أو زعماء ثورات، أو زعماء سياسيين. فقد جرى تهجير نابليون إلى جزيرة ألبا، ومن ثم إلى سانت هيلينا. وتأسست أستراليا منذ البداية مستوطنة عقابية للإمبراطورية البريطانية تنفي إليها من يعارضها، أو من يتمرد عليها. ومعظم هؤلاء المنفيين قتلهم المنفى، بعد أن عمر في أرواحهم حالاتٍ من القهر والوجع لا تحتمل، معلقين على جدران المنافي، بلا لون، ولا انتماء، ولا انسجام، كأشجارٍ اقتُلعت من تربتها وغُرزت في أراضٍ أخرى، وكان لابد لها أن تذبل وتنكسر، وتصفرّ ثم تهوي.

وبعد ذلك، بدأت الحكومات الدكتاتورية في العالم اتباع الأسلوب نفسه، ولكن بطريقة أكثر قسوة ووحشية، لهشاشتها، ولرعبها الدائم من ثورات شعوبها عليها، فقد قام الدكتاتور جوزيف ستالين بتهجير شعوب بأكملها إلى سيبيريا، واستخدمت حكومة ألمانيا النازية مبدأ التهجير الشعبي القسري.

تمّت، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، المصادقة على ميثاق جنيف الرابع الذي يحظر طرد السكان المقيمين في أراض محتلة. واعترفت كل الدول به، ووقّعت عليه، وهذا ما أنتج هبوطا حادا في حالات التهجير إلى بلدانٍ أخرى. كما أقرّت منظمة العفو الدولية، تماشياً مع القانون الدولي، معارضتها كل حالات النفي القسري، وهو ما عرّفته بأنه عندما تُجبر حكومة ما أفراداً على مغادرة بلدهم، بسبب معتقداتهم السياسية أو الدينية أو غيرها من المعتقدات النابعة من ضمائرهم، أو بسبب أصلهم العرقي أو جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو أصلهم القومي أو الاجتماعي، ثم تمنعهم من العودة. لذا اعترفت "العفو الدولية" بحق الذين يتم نفيهم قسراً بالعودة إلى ديارهم. اعتمادا على القانون الدولي، بصرف النظر عن الظروف التي تم فيها نفي الأشخاص. وكما أن من المبادئ المهمة لحقوق الإنسان، المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حق العودة، إذ تنص المادة 13 على أنه "يحق لكل فرد أن يغادر أية بلد، بما في ذلك بلده، كما يحق له العودة إليها". وفي المادة 14 لا يجوز حرمان أي شخصٍ بصورة تعسفية من حق الدخول إلى بلاده."

اليوم، وبعد مرور كل تلك السنوات على إعلان حقوق الإنسان، وبعد محاولات البشرية في قطع أشواط طويلة لجعل الإنسان يعيش ضمن شروطٍ من الحياة الكريمة، يمارس النظام السوري آلية التفكير نفسها التي مارستها الدكتاتوريات، منذ أكثر من مائة عام، وبوحشيةٍ لم يعرف لها التاريخ الحديث مشابها. وأمام كل أنظار العالم الذي يتشدّق بتقدّمه التكنولوجي، وبتقدّم عالم الميديا والصورة والتواصل والسرعة، يهجّر النظام السوري ما يزيد عن نصف سكان أقدم وأعرق بلد في المنجز الحضاري البشري، وينفيهم نفيا قسريا، ويوزّعهم على كل خريطة العالم، ثم، بكل وقاحة، ينشر فيديو لزيارة سخيفة يقوم بها مع عائلته إلى بيت ريفي بسيط في ريف حماه، ويخلع حذاءه في تمثيلية فاشلة، ناسيا أنه داس بقدميه وبالحذاء المخابراتي العسكري القذر على كل ما صنعه العالم من قوانين وحقوق. وأنه في اللحظة التي دخل فيها هذا البيت، ترك مئات الآلاف من السوريين بيوتهم قسرا، ومضوا إلى منافيهم الباردة البعيدة، وهم يردّدون ما قاله محمود درويش:

قُلْ للغياب: نَقَصتني / وأنا حضرتُ.. لأُكملَكْ.

========================

شروط إنجاح مسار أستانة السوري .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

السبت 1/7/2017

لم يعد السوريون يعوّلون كثيراً على أرقام الجولات التفاوضية وتزايدها المستمر، سواء التي تعقد في جنيف أو أستانة، أو في أماكن لا يتم الإعلان عنها، وتمرّر فيها القرارات الفعلية التي يعمل كل الأطراف المعنيين في الصراع السوري على ترجمتها عبر الاتفاقات، أو التمهيد لها ضمن معارك التصريحات الإعلامية المتبادلة. ولعل دخول مباحثات "أستانة"، المخصّصة لمناقشة الأوضاع الميدانية والصراع المسلح والإرهاب، جولتها الخامسة، وسط مزيدٍ من التصعيد العسكري في مناطق عديدة في سورية هو أحد تلك التقديمات المتبعة منذ ما يزيد عن خمس سنوات، بدءاً من جولة جنيف 1 في 2012.

وعلى الرغم من قناعة كل الأطراف أنه ما من حلول قادمة قريبة من دون أن تصل كل من الدولتين الكبريين، أي روسيا والولايات المتحدة، إلى تصوّر واضح بشأن الصفقة النهائية لمنطقة الشرق الأوسط عموماً، وسورية خصوصا، إلا أن ذلك لا يعني أن مباحثات أستانة التي تدعمها روسيا، بالتعاون مع إيران وتركيا، تجري بعيداً كلياً عن إرادة الإدارة الأميركية التي تتّخذ موقع المراقب فيها لغايات كثيرة، منها دفع كل الأطراف إلى مزيدٍ من التورّط في حرب استنزاف لطاقاتها العسكرية والاقتصادية من جهة، ولعلاقات هذه الأطراف الديبلوماسية مع محيطها المحلي والإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، يمكن أن نفهم، أيضاً، إصرار روسيا على عقد جولة جديدة في أستانة، حيث إن دوراً فعلياً لهذه المباحثات تعوّل عليه موسكو في إدارة الصراع، ليصبح أكثر تكيّفاً مع الظرف الدولي، ما يسمح ببدء مشاوراتٍ سياسيةٍ تمهد لتقاسم النفوذ، وفق خطةٍ تقوم على شرعنة الوجود العسكري للأطراف الفاعلة، تحت مسمياتٍ جديدة، منها ما يتم تداوله باسم قوات "مراقبة" أو قوات "ضمان وقف إطلاق النار"، وكل هذا يمكنه أن يقود إلى المرحلة التي يتم الحديث عنها، والمتعلقة بإنشاء "مناطق آمنة" لن تكون من دون المرور فعليا بمرحلة وقف إطلاق النار، والذي يعني مناطق "خفض التصعيد"، وصولاً إلى المناطق الآمنة والعبور باتجاه الحل السياسي الذي تغيب معالمه اليوم عن جنيف، على الرغم من الجولات السبع الماضيات.

وتجتهد الديبلوماسية الروسية في تسويق عملها، بالتأكيد على اتفاق "خفض التصعيد"، ورسم خارطة جديدة لخطوط التماس، والالتزام بها من الطرفين (الأطراف)، نظاماً ومعارضة، وذلك للحؤول دون دخولها معارك جديدة، تلزمها التدخل والإخلال بدورها لمصلحة مساندة النظام السوري، ما يعني فقدان مصداقية دورها دولة ضامنة لوقف إطلاق النار، ليس فقط أمام دولٍ حليفةٍ مشاركة في الاتفاق، مثل تركيا. ولكن لإثبات أن يدها هي العليا في الشأن السوري أمام واشنطن، لزيادة حصتها في أي تفاهماتٍ جديدةٍ بين الدولتين، سواء في الملف السوري، مستقلا، أو بمبادلته بملفاتٍ خارجية، كالعقوبات الأميركية والأوروبية والدرع الصاروخي وأسعار النفط وطريق الغاز.

إلى ذلك، ولإنجاح مهمتها في بلورة اتفاقٍ قابل للتنفيذ، وليس للتهليل الإعلامي، وكسب مزيد من الوقت، على حساب دماء السوريين، لابد لروسيا أن تكون مستعدةً لتنفيذ مطالب مثل: أن تتعهد بسحب (وتجميع) المليشيات الأجنبية عن خط الجبهة، وإفساح المجال فقط لقوات حكومية شرطية، على أن تكون هي القوة التنفيذية في المناطق التابعة للنظام، مع توفير نقاط مراقبة تتبع للقوات الروسية، تكون هي الضامنة لتنفيذ الاتفاق كاملا. كذلك وقف أي طلعات جوية للنظام فوق المناطق غير التابعة لسيطرته، والأهم أن يضمن الاتفاق عدم تجاوز أطراف الصراع خط وقف إطلاق النار والخطوط الأخرى المتفق عليها، أي منع استغلال الاتفاق لكسب النظام، أو أيٍّ من داعميه أراضي جديدة، على حساب التزام فصائل المعارضة بالاتفاق.

من كل ما تقدّم، يمكن استنتاج أن روسيا أمام فرصةٍ حقيقيةٍ قد تمكّنها من العودة إلى واجهة العمل الديبلوماسي من جديد، على الرغم مما ارتكبته من جرائم بحق السوريين، قبل توقيعها على اتفاق مناطق "خفض التصعيد"، وبعده. ومثال ذلك ما يحدث في درعا من معارك، يحلّق فيها طيرانها، إلى جانب طيران النظام، ليسقط ضحاياه، من مدنيين ونساء وأطفال، وصل عددهم إلى حوالي مئة خلال الشهر الماضي، ما أحرج ممثلي الجنوب في مؤتمر أستانة، مع أن هذا لم ولن يمنع من تبقّى من الوفود من المشاركة.

من جهة أخرى، باتت فصائل المعارضة، مع هذا الدور الروسي المتناقض، أمام تساؤلاتٍ كثيرة، منها كيف يمكن أن يكون لها دورها ورأيها في ظل انقساماتها واختلاف أولوياتها، إنْ في خصوص المشاركة في مسار "أستانة" من عدمه؟ أو في خصوص كيفية التعامل مع الدور الروسي متعدّد الوجوه والوظائف؟

========================

رجالات سورية : العلامة الدمشقي الشيخ محب الدين الخطيب .. محمد فاروق الإمام

هو محب الدين بن أبي الفتح بن عبد القادر بن صالح بن عبد الرحيم بن محمد الخطيب، أصل أسرته من بغداد من ذرية الشيخ عبد القادر الجيلاني. هاجرت أسرته إلى (حماة) في بلاد الشام، ونزح فرع منها إلى قرية (عذراء) وفريق إلى دمشق.

ولد العلامة محب الدين الخطيب في (حي القيمريّة) بدمشق في رجب من سنة (1303هـ/نيسان 1886م).

 أبوه الشيخ أبو الفتح الخطيب من رجالات دمشق، كان أمين دار الكتب الظاهرية، تولّى التدريس والوعظ في الجامع الأموي، له عدّة مصنفات: "مختصر تاريخ ابن عساكر" و"مختصر تيسير الطالب"، و"شرح للعوامل".

أمّه: السيدة آسيا بنت محمد الجلاد، والدها من ملاكي الأراضي الزراعيّة بدمشق.

نشأ محب الدين الخطيب في هذه الأسرة الكريمة ذات الدين، والخلق، والعلم، فقد كانت أمه صالحة ذات فضل، توفيت -رحمها الله- في الفلاة بين مكة والمدينة بريح السموم، وهي راجعة من فريضة الحج في ركب المحمل الشامي، وكان محب الدين صغيراً في حجرها ساعة موتها.

كفله والده ليعوضه حنان الأم، وعند رجوعه إلى دمشق من رحلة الحج ألحقه والده وهو في السابعة بمدرسة الترقي النموذجيّة، وحصل منها على شهادة إتمام المرحلة الابتدائيّة بدرجة جيد جداً، ثمّ التحق بمدرسة مكتب عنبر، وبعد سنة توفي والده.

رأت أسرته أن يترك المدرسة، فتركها ولازم العلماء، وكان في هذه الفترة الشيخ طاهر الجزائري مشرفاً على المكتبات والمدارس في بلاد الشام غائباً عن دمشق، فلمّا عاد - وكانت بينه وبين أبي الفتح الخطيب صلة ومودة وإخاء - علم بموت والد محب الدين فاحتواه، وعطف عليه، ووجهه نحو العلم لينهل منه، ويتضلّع من مشاربه، وغرس فيه:

1- حب قراءة التراث العربي الإسلامي.

2- بث فيه حب الدعوة إلى الله.

3- حرّضه على إيقاظ العرب ليقووا على حمل رسالة الإسلام، فهم مادة الإسلام.

ولذلك كان يقول العلامة محب الدين الخطيب: "من هذا الشيخ عرفت إسلامي وعروبتي".

وسعى شيخه الجزائري ليخلف محب الدين أباه في دار الكتب الظاهريّة على أن ينوب عنه من يقوم بها حتى يبلغ سن الرشد، وفي فترة الانتظار كان:

1- ينتقي لتلميذه محب الدين الخطيب مخطوطات من تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية وأضرابه فيكلّفه بنسخها.

وانتفع محب الدين بهذا العمل من ناحيتين:

أ- توسعت ثقافته العلميّة، وترسخ في العلم وبخاصّة انتفاعه بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته السلفيّة، فاستفاد بذلك اطلاعاً على الإسلام المصفّى من البدع والخرافات والأوهام.

ب- أشغل وقته وانتفع بأجرة النسخ.

2- وجه الشيخ الجزائري تلميذه للالتحاق مرة ثانية بمكتب عنبر.

3- أوصاه بالتردد على العلماء: أحمد النويلاتي، وجمال الدين القاسمي، ومحمد علي مسلم، حيث كانت لهم غرف في مدرسة عبد الله باشا العظم في هذه الفترة المبكرة تفتحت آفاق التفكير العلمي عند محب الدين الخطيب، وانتفع بما تلقاه في المدرسة من علوم كونيّة، وأضاف إليها مطالعاته المتواصلة في دار الكتب الظاهريّة، واطلاعه على المجلات الكبرى في عصره: المقتطف، والهلال، والضياء.

وفي هذه الفترة كان يبث أفكار شيخه الجزائري، ويكتب المقالات العلميّة والقطع الأدبيّة التي يعربها من التركيّة، ويرسل بها إلى صحيفة "ثمرات الزمان" في بيروت.

بعد أن أنهى الخطيب دراسته الثانويّة عام 1906م في بيروت، انتقل إلى عاصمة الخلافة: "إسلامبول" المعروفة يومئذٍ بـ"الآستانة"، وهي "القسطنطينيّة" والتحق بكليتي الآداب والحقوق.

نزل هناك في حي يكثر فيه أبناء العرب وطلاب العلم، ورأى هناك أمراً عجباً: الطلاب العرب يجهلون قواعد لغتهم، وإملاءها، وآدابها، ويتكلّمون بينهم برطانة الترك، فانتخب الشيخ محب الدين الخطيب من الشباب العرب طائفة أقنعها بوجوب تعلّم لسان العرب، واتفق مع صديقه الأمير عارف الشهابي أن يقوما على تعليم هؤلاء الشباب العرب لغتهم، وبعد فترة أسسوا "جمعية النهضة العربيّة"، وكان صديقه العلامة الأستاذ محمد كرد علي يرسل إليهم الصحف بالبريد.

شعر الأتراك الاتحاديّون الذين انقلبوا على الخلافة العثمانيّة بكيد من يهود الدونمة، وأبقوا للخليفة الاسم ولهم الرسم، شعروا بنشاط "جمعيّة النهضة العربيّة" فداهموا غرفة الشيخ محب الدين الخطيب، ووجدوا فيها أوراقاً وصحفاً عربيّة، وكاد الشيخ أن يهلك لولا أنّ الله قيّض له رجلاً كانت تربطه بأسرته روابط قويّة.

اشتدت الرقابة الاتحاديّة على الشيخ فغادر (الآستانة) بعد الانتهاء من السنة الثالثة إلى دمشق.

اختير الشيخ للعمل في اليمن وانتقل إليها، ومرّ أثناء ذلك بمصر حيث التقى بشيخه طاهر الجزائري وصديقه محمد كرد علي، واتصل -أيضاً- بأعلام الفكر والأدب.

ولمّا وصل إلى اليمن اتصل بشوقي مؤيد العظم قائد الحديدة: الفرقة الرابعة عشر في الجيش العثماني.

لمّا أعلن الدستور العثماني سنة 1908م رجع إلى دمشق، وأصبح يطالب مع إخوانه هناك بحقوق العرب التي تنكرت لها حركة التتريك، وفي هذه الرحلة شارك في تحرير جريدة هزلية "كار الخرج"، فانتبهت السلطات الحكوميّة للجريدة، فسافر الشيخ إلى بيروت، فأمرت الحكومة بملاحقته، فانتقل إلى القاهرة وهناك شارك في جريدة "المؤيد"، وفي سنة 1913م أسس الشيخ محمد رشيد رضا مدرسة الدعوة والإرشاد فدرس فيها الشيخ محب الدين.

وعندما قامت الحرب الكونيّة الأولى وأعلنت الثورة العربيّة الكبرى طلبه الشريف الحسين بن علي برقياً فسافر إلى مكة فأسس المطبعة الأميريّة، وأصدر جريدة "القبلة" الناطقة باسم حكومة الحجاز، وكان الشريف حسين يستشيره في كثير من الأمور الخارجيّة مع الشيخ كامل القصاب.

ولمّا دخل العرب دمشق عام 1918م بقيادة الأمير فيصل عاد الشيخ محب الدين الخطيب، وأنيط به إدارة وتحرير الجريدة الرسميّة للحكومة باسم "العاصمة".

ولمّا دخل الفرنسيون عام 1920م دمشق غادر الشيخ محب الدين إلى مصر واستقرّ في القاهرة حيث عمل في تحرير جريدة "الأهرام" خمس سنوات، وهناك أسس المكتبة السلفيّة ومطبعتها، حيث قام بطباعة الكتب السلفيّة، ونشر كثيراً منها، وأصدر "مجلة الزهراء"، وهي مجلة أدبيّة اجتماعيّة دامت خمس سنين، ثمّ أسس جريدة "الفتح"، ثمّ تولّى تحرير مجلة "الأزهر" ست سنوات، ثمّ ساهم في إنشاء جمعية الشبان المسلمين في القاهرة.

وقد أحدث قيام جمعية الشبان المسلمين في القاهرة ردة فعل شديدة لدى دعاة الإلحاد والعلمانيين والمبشرين، فتربصوا به حتى وجهوا أنظار النيابة العامّة إلى مقال كتبه بعنوان: "الحرية في بلاد الأطفال" نال فيه من كمال أتاتورك فقبض عليه وحكم عليه بالسجن لمدة شهر.

جهوده وجهاده وآثاره العلميّة:

1- ضد المبشرين البروتستانت:

نشر في مجلة "المؤيد" كثيراً من أعمال المبشرين البروتستانت نقلاً عن مجلتهم "مجلة العالم الإسلامي" الفرنسيّة، وفضح ما يراد بالمسلمين من حشر على أيديهم وعقولهم الملوثة، فكان من نتاج ذلك "الغارة على العالم الإسلامي" الذي كان له دوي في العالم الإسلامي.

2- ضد الصهيونيّة:

كان الشيخ من أوائل العلماء الذين تنبّهوا لأخطار الصهيونيّة، وحذروا منها، وكشفوا الغطاء عن حقائقها وأسرارها، ومحاولة اليهود في الوصول إلى فلسطين عام 1844م ومطالبتهم لمحمد علي باشا بفلسطين، وما كان بينهم وبين السلطان عبد الحميد سنة 1902م، ومقالاته في الفتح شاهد صدق على ذلك.

3- جهاده ضد المستعمر الفرنسي:

كان الشيخ محب الدين الخطيب مشرف اللجان التي تشكلت لجمع المال من أجل المجاهدين الذين يستعدون لملاقاة الفرنسيين الغزاة في ميسلون قرب دمشق.

4- ضد الحركات الباطنيّة:

استطاع الروافض أن يرسلوا أحدهم "محمد التقي" إلى مصر وتحت شعار التقريب أنشأ داراً وأصدر مجلة واستأجر شقة في الزمالك وكانت الأموال تنفق دون حساب وتشكك المخلصون من علماء أهل السنة الذين خدعوا ابتداء بشعارات براقة وبدأوا يتركونها ويبعدون عنها ويحذرون منها.

قال الشيخ محب الدين الخطيب: "انفض المسلمون جميعاً من حول دار التخريب التي كانت تسمى دار التقريب ومضى عليها زمن طويل والرياح تصفر في غرفها الخالية تنعى من استأجرها"، ثم يذكر أنه لم يبق متعلقاً بعضويتها إلا بعض المنتفعين مادياً في ولاء انتمائهم إلى هذه الدار، وأن العلماء المخلصين من أهل السنة انكشف لهم المستور من حقيقة دين الرافضة، ودعوة التقريب التي يريدها الرافضة، فانفضوا عن الدار وعن الألاعيب التي يراد إشراكهم في تمثيلها، ثم يقول: فلم يبق موضع عجب إلا استمرار النشر الخادع في تلك المجلة ولعل القائمين يضعون لها حداً.

وهذه المجلة رسالة الإسلام توقفت في (17رمضان 1392هـ/25 تشرين الأول 1972م) وهو العدد(60).

ولما شعر الروافض بفشلها ويئِسوا من نجاحها أنشأوا داراً لنشر عقيدة الروافض بين أهل السنة في مصر وهي تمارس نشاطها تحت اسم جمعية أهل البيت.

وقد صنف الشيخ محب الدين الخطيب كتابه الفذ:" الخطوط العريضة لدين الاثنى عشرية" وبين فيه كذبهم على الله وعلى رسوله وعلى كتابه وعلى آل البيت الطاهرين.

ولا يزال هذا الكتاب على صغر حجمه أصدق وثيقة في بيان دين الشيعة الاثني عشرية وأنه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، بل وجد الرفض والتآمر على الإسلام والمسلمين والعمالة لأعداء الدين.

بعد ثلاث وثمانين سنة قضاها في البحث، والتحرير، والتأليف، والدفاع عن الإسلام ضد المستشرقين، والمنصرين، والروافض، والعلمانيين توفي رحمه الله يوم 22 شوَّال سنة 1389هـ/ 30 كانون الأول 1969م, بمستشفى الكاتب بالدقي في مصر بعد إجراء عمليَّة جراحيَّة, وبعد أن أمضى حياة مليئة بالعمل والنَّشاط.

ولقد ترك محب الدين الخطيب آثارًا عظيمة تدل على عبقريته وموسوعيته كما قال أنور الجندي: وبالجملة فإنَّ السيد محب الدين الخطيب وآثاره تعد رصيدًا ضخمًا في تراثنا العربي، وفكرنا الإسلامي، وقد أضاف إضافات بناءة، وقدم إجابات عميقة، وزوايا جديدة لمفاهيم الثقافة العربيَّة وقيمها الأساسيَّة، منها: توضيح الجامع الصحيح للإمام البخاري – شرح صغير، والحديقة – 14 جزءًا – مجموعة أدبيَّة وحكم، والخطوط العريضة التي قام عليها دين الشيعة الاثني عشريَّة، ومع الرعيل الأول – عرض وتحليل لحياة الرسول مع أصحابه، و من الإسلام إلى الإيمان – حقائق عن الفرقة الصوفيَّة التيجانيَّة، وحملة رسالة الإسلام الأولون، والإسلام دعوة الحقِّ والخير، وذو النورين عثمان بن عفان، و الجيل المثالي، ومراسلات بينه وبين الأمير شكيب أرسلان، بلغت ألف رسالة.

=============================

سبقهم البعثيون !؟ .. أحداث لا تُنسى !؟ .. يحيى حاج يحيى

أحد الأصدقاء يحذر المسلمين في بريطانيا من تكرار عمليات الدعس التي تتكرر على أيدي المتطرفين ضد المهاجرين !؟

وللذكرى فقدشهدت مثل هذه العمليات القذرة وأنا طالب في المرحلة الثانوية في الستينيات في مدرسة المأمون بحلب ، إذ تجمع الطلاب أمام باب المدرسة احتجاجاًعلى البعث ، وهتفوا بهتافات معادية له ، وعجز الرفاق والمخابرات باللباس المدني عن تفريقهم ، فحضرت سيارات الجيب ، وبدأت بحركات بهلوانية تخترق صفوفهم إلى أن استطاعت ذلك ، وكانت النتيجة دعس رجل طاعن في السن كان قادماً إلى مغسلة للثياب ، ولم يستطع أحد إسعافه وإنقاذه !؟ تماماً كما فعلوا مع العلامة الفاضل أبو الخير زين العابدين للتخلص منه بمحاولة دعسه ، ولكن الله سلّم ، وكانت الإصابة في رجله !؟ وحدثني أحد الأصدقاء عن قتل عسكري في مطار حماة بعد انتفاضة ١٩٦٥ ، في مسيرة للمجرمين داخل المطار دعساً بالأقدام لكونه حموياً من أسرة معارضة !؟

هانت دماؤنا في بلادنا على أيدي حاكمينا المتسلطين ، فهانت في نظر الآخرين في ديار الهجرة !؟

===========================

آذار وبحار الدم الحلقة (12) .. توجهات الحزب الاشتراكية .. محمد فاروق الإمام

يلاحظ بوضوح أن سياسة سورية البعثية أخذت تتطور بصورة سريعة، على الصعيد الداخلي والعربي في ثلاثة اتجاهات:

1-النهج الاشتراكي.

2-الوحدة السورية العراقية.

3-القضية الفلسطينية.

بعد حصول القطيعة بين البعث السوري وبين الناصريين، اتجه نظام البعث في سورية، في نهج اقتصادي-اجتماعي، أطلق عليه اسم (الاشتراكية). وأول المؤشرات لهذا الاتجاه هو نشر الإصلاح الزراعي في حزيران 1963م، والذي بموجبه حددت الملكية بين (15 و40) هكتاراً من الأراضي المروية وبين (80 و 100) من الأراضي غير المروية.

لقد تصدرت نشرات وصحف البعث مقالات حول إظهار الفرق بين الخطوات الجذرية (لإصلاحهم الزراعي) وبين الخطوات التي طبقت في سورية في عهد الوحدة. في آب من نفس العام كتبت جريدة الحزب أن الاشتراكية، بعد انسحاب عبد الناصر من الوحدة الثلاثية، يجب أن تصبح الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى الوحدة العربية. و(الطريق الاشتراكي) هذا، إنما هو أحسن السبل لإقامة الحواجز في وجه (الديكتاتورية الفردية).

أما بالنسبة للنقطة الثانية فقد أعلن المسؤولون البعثيون في مناسبات عديدة منذ نجاح حركتهم العسكرية في 8 آذار، عن تضامن وتقارب (الثورتين) البعثيتين في دمشق وفي بغداد. وذلك بهدف الوقوف ومجابهة الضغوطات المستمرة للقوى الناصرية على الصعيد الداخلي أو العربي.

بعد انسحاب مصر من ميثاق 17 نيسان، كتبت جريدة الحزب في هذا السياق قائلة: (على المسؤولين في سورية أن يسعوا إلى توثيق العلاقات الاقتصادية بين سورية والعراق.. وإزالة كل العقبات التي تقف حجر عثرة أمام قيام وحدة اقتصادية بين البلدين).

وبالفعل فقد تم في أيلول 1963م، توقيع اتفاقيات ثنائية اقتصادية وثقافية. وبعد مضي شهر، في تشرين الأول، أعلن عن توحيد القوات العسكرية بين سورية والعراق. وأنشئ لهذا الغرض (مجلس الدفاع الأعلى) مركزه دمشق، وسمي اللواء صالح مهدي عماش وزير الدفاع في الحكومة العراقية، في منصب القائد الأعلى للجيش الموحد.

أما بالنسبة لسياسة البعث السوري تجاه القضية الفلسطينية فقد التزم مع البعث العراقي في شهر أيلول، بأن يعدَّ العدة لتحرير فلسطين العربية من الصهيونية وأن يساعد الفلسطينيين لتكوين (جيش التحرير الوطني) - ومن هنا بدأت مأساة الفلسطينيين على يد البعث بعد وضع يده كوصياً على القضية الفلسطينية - على نسق (جيش التحرير الوطني الجزائري).

يتبع

=============================

آذار وبحار الدم (الحلقة 13) .. انعقاد المؤتمر القومي السادس لحزب البعث وسط تناقضات سياسية وإيديولوجية وتنظيمية .. محمد فاروق الإمام

بعد أن استلم حزب البعث السلطة في سورية، وجد نفسه في وضع معقد ومتناقض إلى ابعد حدود التعقيد والتناقض.. وإذا نظرنا إلى ما يجري في الداخل، فإنه سيتضح لنا أنَّ حكم الحزب في الحقيقة إنما هو اسميّ. وأن السلطة الحقيقية، سلطة التقرير، فقد تمركزت تدريجياً في أيدي العسكريين.

وبما أن الحزب كحزب لم يكن لديه قيادة مركزية كفؤة وقوية، فإنه لم يستطع أن يقيم استراتيجية وتكتيكاً واضحين تمام الوضوح، أو صياغة برنامج سياسي تفصيلي موحد، فقد نجح من غير شك في إبعاد الخصوم، ثم الحلفاء الواحد بعد الآخر في مدة وجيزة. إلا أن (العدو الداخلي) أخذ يظهر على أنه الأكثر خطورة في المدى البعيد.

في هذه الظروف انعقد المؤتمر القومي السادس في دمشق من 5إلى 23 تشرين الأول 1963م. وبلغ عدد المشتركين فيه (73) عضواً، يمثلون الحزب في العالم العربي، ولكن المندوبين العراقيين والسوريين واللبنانيين كانوا يكونون الغالبية العظمى بين الحاضرين. ولقد كان هذا المؤتمر في نظر البعثيين انعطافاً تاريخياً في حياة حركة البعث، حيث وجهت انتقادات في غاية العنف لسياسة الحزب العامة وإيديولوجيته وإلى مجموعة كتاباته السابقة. (تشدد إحدى التوصيات التي أقرها المؤتمر، على أهمية إعادة النظر في كل ما كتب، سواء ما نشر منه داخل الحزب أو خارجه، على ضوء ما يقرر الآن في مؤتمرنا القومي، لجعله منسجماً مع التطورات الفكرية الجديدة). أنظر مقررات المؤتمر القومي السادس-القيادة القومية-ص(60).

لقد طفت على السطح وانفجرت طوال انعقاد المؤتمر، التناقضات الداخلية، السياسية والإيديولوجية والتنظيمية. وكان الجو العام متوتراً إلى أبعد حدود التوتر. وتركزت المناقشات والمداخلات الطويلة كلها تقريباً حول (التقرير العقائدي). (كتب هذا التقرير بصيغته الأصلية ياسين الحافظ الماركسي الاتجاه من سورية، وقد انتسب إلى حزب البعث بعد وصوله إلى السلطة) هذا التقرير، أوجد تيارين متصارعين داخل حزب البعث السوري لأول مرة وجهاً لوجه في مؤتمر عام.

الأول: وهو يمثل الأكثرية، ويضم معظم المندوبين العراقيين والسوريين.. ويتمتع بتأييد القيادات القطرية وقواعد الحزب في العراق وفي سورية وفي لبنان أو في أي مكان آخر، ويحمل لواءه (علي صالح السعدي). والتيار الثاني: يمثل اتجاه القيادة القومية وأمينها العام ميشيل عفلق، وكل التأكيدات تشير، بالفعل إلى أن ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وشبلي العيسمي، قد أبدوا معارضة قطعية للتقرير واعتبروه انحرافاً عن الخط السياسي والمبادئ الإيديولوجية للحزب.

لقد ركّزَ عفلق خلال المناقشات في المؤتمر على نقطتين أساسيتين: الأولى كان يحذر أعضاء المؤتمر من تغلغل الشيوعيين في الحزب الذين يهددونه من الداخل سياسياً وإيديولوجياً - وهذا تلميح واضح لوجود ياسين الحافظ الشيوعي عضواً فاعلاً في المؤتمر على الصعيد الفكري - ومن جهة ثانية، فقد شن عفلق هجوماً مضاداً ضد المتطرفين، مذكراً بنضال البعث في الماضي من أجل توضيح وبلورة أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية.

أما فيما يتعلق بأعضاء اللجنة العسكرية الذين اشتركوا في هذا المؤتمر، فإن موقفهم ظاهرياً كان موقف المتفرج أمام الصراع بين التيارات القطرية والقيادة القومية - يستثنى من ذلك اللواء محمد عمران الذي كان يدعم خط القيادة القومية في مواقفه - فهم لم يشتركوا عادة في المناقشات أو إلقاء الكلمات أو المداخلات. وذلك في السر ووراء الستار، كان همهم الأكبر ينحصر في أن يكونوا محور الرحى للسلطة والمرجع السياسي لها. فقد كانوا ينظرون بعين الرضى والسرور، للهجوم اللاذع والعنيف الذي كان يوجه من قبل البعثيين المتطرفين، إلى ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار على وجه الخصوص. وإذا كان هناك بعض الضباط البعثيين الذين كانوا لا يتأخرون في دفع وتشجيع التيار السعدي في خطه السياسي المتطرف، فإنهم لا يفعلون ذلك انطلاقاً من مواقف يسارية واضحة التحديد، وإنما لاعتبارات تكتيكية، حتى يضعفوا موقف القيادة القومية داخل المؤتمر. (يؤكد ياسين الحافظ، أن اللواء أمين الحافظ واللواء محمد عمران واللواء صلاح جديد، كانوا ضمنياً أو ظاهرياً ضد التقرير العقائدي، في حين أن عبد الكريم الجندي وسليم حاطوم وحمد عبيد، لم يتوانوا في السر في بذل تأييدهم ودعمهم لبعض البعثيين اليساريين، خاصة علي صالح السعدي. أما فيما يتعلق بنور الدين الأتاسي وإبراهيم ماخوس، فيظهر أنهما كانا من معارضي الاتجاه المتطرف والتقرير العقائدي، دون أن يدافعا مع ذلك عن اتجاه القياد القومية. أما بعض قياديي البعث العراقي، خاصة جواد وطالب شبيب، فيبدو أن موقفهم هو موقف المعارض للتيار اليساري وللتقرير العقائدي معاً).

يتبع

=============================

آذار وبحار الدم الحلقة (14) .. عفلق والبيطار يرفضان تدخل الجيش في شؤون السلطة المدنية .. محمد فاروق الإمام

لقد كان الأمين العام للحزب ميشيل عفلق ورئيس الحكومة صلاح الدين البيطار وأنصارهما داخل الحزب يتصلبون في مواجهة تدخل العسكريين في شؤون السلطة المدنية..وبالتالي كانوا عقبة كأداء في سبيل سيطرة الضباط الكاملة على الحكم والحزب معاً في سورية.

وهنا لابد من التنويه إلى أن العسكريين ولأول مرة في تاريخ الحزب.. قد اشتركوا في مؤتمر قومي وكونوا قوة خفية ضاغطة لا يستهان بها في سير أعمال المؤتمر ونتائجه. لهذا فإنهم أدخلوا أسلوباً ونمطاً جديداً وغريباً في العمل الحزبي. فهم يناقشون، فيما بينهم، وخارج المؤتمر، شتى القضايا المطروحة على بساط البحث، خاصة القضايا التي تخصهم بالدرجة الأولى. وبعد أن يعبر كل ضابط منهم عن رأيه ووجهة نظره بحرية كاملة، تؤخذ القرارات، بأغلبية الأصوات، وتلتزم الأقلية برأي الأكثرية. وعند حضورهم المؤتمر، فإنهم يدلون بأصواتهم ويقفون موقفاً موحداً كتكتل واحد، بغض النظر عن رأيهم ووجهات نظرهم الشخصية. وهذا يعني، بتعبير آخر، أن الضباط البعثيين السوريين كونوا عملياً حزباً خاصاً بهم داخل حزب البعث السوري يخدم أغراضه وأجندته.

بعد أن تأكد للجنة العسكرية أن هناك تأييداً قوياً للقيادة القومية من بعض العناصر المهمة، وخاصة في القيادة العراقية، أمثال اللواء أحمد حسن البكر واللواء صالح مهدي عماش، لذلك رأى أغلبية أعضاء اللجنة أنه من الضروري تعديل موقفهم العدائي للقيادة القومية والتخفيف من تشجيعهم الضمني لتكتل السعدي. غير أنهم وجدوا أن حلقة الضعف في القيادة القومية تكمن في شخص صلاح الدين البيطار فركزوا على مهاجمته. وبالفعل فقد أخفق البيطار في انتخابات القيادة القومية الجديد التي شكلت على النحو التالي: (ميشيل عفلق أميناً عاماً، وأمين الحافظ، وصلاح جديد، وحمودي الشوفي - سوريون - وعلي صالح السعدي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، وأحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش - عراقيون - وجبران مجدلاني، وخالد العلي - لبنانيان - ومنيف الرزاز وأسعد عكا - أردنيان. ولكن منصب الأمين العام الذي عاد وشغله عفلق اعتبر في تلك الظروف منصباً (رمزياً). يقول ميشيل عفلق في هذا الخصوص: (لم تكن لدي النية حتى قبل انعقاد المؤتمر القومي السادس في ترشيح نفسي لانتخابات القيادة القومية، لأنني سأُستغل كستار لا أكثر).

لقد أكد المؤتمر السادس عند مناقشة قضايا الحزب التنظيمية بشكل عام، على أهمية المحافظة على مبدأ القيادة الجماعية والمركزية الديمقراطية. وحدد في نفس الوقت صلاحيات القيادة القطرية والقيادة القومية وعلاقة كل منهما بالأخرى وبالحكم.

(فالقيادة القطرية - طالما أن الحزب حاكم في القطر - هي التي تضع الخطط المرحلية التفصيلية وتشرف على تنفيذها وتنفيذ البرامج التي تقرها القيادة القومية، وتكون هي المراقبة لتصرفات الحكم، أي أن الحكم مسؤول أمامها). و(للقيادة القومية حق الإشراف والتوجيه على القيادة القطرية ولها الرأي الأول على مستوى التخطيط العام وعلى مستوى التشريع والسياسة العليا. أما في الأمور الأخرى فلا يجوز ذلك حتى لا تصبح القيادة القومية هي أيضاً قيادة القطر..).

وعليه فإن ضعف القيادة القومية وعجزها وتركيبها المتناقض أدى إلى نتيجة جعل القيادة القطرية، السلطة الفعلية والأولى في نظام البعث، ولها الكلمة الأولى في تسمية أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة وأعضاء الحكومة.كما أعلن المؤتمر القومي السادس في بيانه أنه: (أولى عناية خاصة للتثقيف العقائدي الإيديولوجي في الجيش.. وأكد حق العناصر العسكرية في ممارسة حقوقهم السياسية كاملة.. واعتبر المؤتمر دمج الطلائع الثورية العسكرية والمدنية دمجاً عضوياً هو الوسيلة لخلق تفاعل إيديولوجي بينهما…).

نستنتج من بيان المؤتمر القومي السادس رفض مبدأ إبعاد العسكريين عن الأمور السياسية، وصادق بالتالي على تدخل الضباط رسمياً في الشؤون العامة. وهو شيء لم يكن إلا تثبيتاً لأمر واقع منذ فترة زمنية طويلة. وأن توسيع صلاحيات القيادة القطرية خاصة في سورية، سيؤدي حتماً إلى دفع وضع السلطة بين يدي الضباط وأعضاء اللجنة العسكرية.

لقد كان المؤتمر القطري السادس مسرحاً لصراع مفتوح بين ما يسمى بالاتجاه اليساري المتطرف.. وبين ما يسمى بالاتجاه القومي الذي يخوض المعركة من مواقع دفاعية. ولكن في الحقيقة.. فإن هذه المجابهة تخفي صراعاً رهيباً من أجل الاستئثار بالحكم.. وهذا الصراع خاضه العسكريون لحسابهم الخاص. والجميع كانوا يعتقدون أن المؤتمرات الحزبية غير قادرة على حل التناقض.. وأن الحل لا يمكن أ يأتي إلا بالتآمر.. لا من وراء ظهر الجماهير فحسب بل من وراء ظهر القواعد الحزبية أيضاً. كانت مشكلة السلطة هي التي تشغل بال الطرفين. (وعلى هذا الأساس فإن القيادة القومية التي انتخبت جاءت هجينة متناقضة.. حيث لعبت التكتكة في الكواليس دوراً أساسياً في انتقاء أعضائها).

تمت في المؤتمر الموافقة على التقرير العقائدي الذي قدمه ياسين الحافظ لذلك لابد لنا أن نلقي الضوء على النقاط الرئيسية في هذا التقرير. وهو ينقسم إلى ثلاثة فصول كبيرة تتعلق بالوحدة العربية والديمقراطية الشعبية والاشتراكية.

يتبع

=============================

إبادة شعب بين غفلة أمة وتآمر دولي !؟ .. إلى من يهمه الأمر ! وهو غير مهتم له !؟ .. يحيى حاج يحيى

إلى المسلمين أولا ً : هدم نظام بشار آسد (٢٠٠٠) مسجد في سورية تفجيراً وقصفاً حتى الآن !؟

وإلى المسيحيين في العالم : أصبحت أربعون كنيسة ركاماً ، وللذكرى هدم النظام عام ١٩٨٢ في مذبحة حماة أربع كنائس وثمانين مسجداً !؟

وإلى المنظمات التي تعتني بالتعليم ، فجّر النظام الفاجر (٣٨٠٠ ) مدرسة ، وهناك أكثر من مليوني طفل سوري خارج التعليم !؟

وإلى المنظمات التي تعتني بالصحة : هدم جيش التخلف الطائفي نصف المستشفيات ، ومعظم المراكز الصحية في سورية !؟ وقتل عدداً كبيراً من الأطباء والممرضين والكوادر الطبية !؟

وإلى الحقوقيين الأحرار والقضاة الشرفاء ، مع استمرار قمع الحريات ، فقد أقدمت عصابة البعث الطائفي على قتل وسجن وتصفية عشرات العشرات من المحامين ، ويزيد عدد المفقودين منهم على (٣٨٠ ) محامياً !؟

وإلى المهتمين بحقوق الإنسان ، بلغ عدد ضحايا الإجرام تحت القصف والراجمات وغارات الطيران والقنابل بأنواعها (٢٨٠ ) ألف شهيد !؟

وإلى المهتمين بحقوق المرأة والطفل مايزال عدد القتلى على يد عصابة النظام في ازدياد ، وقد وصل إلى (٣٥ ) ألف امرأة وطفل !؟

وإلى المهتمين برعاية الطفولة ، تجاوز عدد الأيتام ( ٧٥٠ ) ألف يتيم !؟

و ليس أخيراً : إلى أهل النخوة والحمية من العرب والمسلمين ، وإلى المدافعين عن كرامة المرأة ، وصلت حالات الاغتصاب التي صارت جزءاً من سياسة النظام النصيري المتعفن في قمع الشعب السوري إلى (٨٠٠٠) حالة ،مع الأخذ بعين الاعتبار أننا في مجتمع شرقي يعتبر التبليغ عن ذلك فضيحة ، فهناك حالات خطف واغتصاب مسكوت عنها !؟

*** معظم هذه الأرقام ذكرها الأستاذ الحقوقي هيثم المالح في مقابلة سابقة مع صحيفة الشرق الأوسط

========================

كتاب : سورية ... شرعنة الجريمة !؟ .. تأليف الأستاذ : هيثم المالح .. عرض : يحيى حاج يحيى

يُكتفى في سورية أن تقول: شيخ الحقوقيين، ليعرف السامع أنك تقصد الأستاذ هيثم المالح الذي اعتقل أكثر من مرة وقضى سنوات في سجون حزب البعث؟!

وكانت إحداها في 2009، وله من العمر 78 عاما...بدأ محاميا و عمل قاضيا وشارك في النشاط السياسي منذ عام 1951، واهتم بحقوق الإنسان مدافعا عنها ومشاركا في تأسيس جمعيات تعنى بشأنها، ومنح جوائز عدة منها: جائزة الكرامة للمدافعين عن حقوق الإنسان! و أما الكتاب الذي نحن بصدده فذكر في إحدى مقدماته: بأن احترام الإنسان مشكلة متأصلة في نفسه، لا يستطيع الانفكاك عنها على الرغم من كبر سنه وشيخوخته، التي من المفروض أن تدفعه باتجاه آخر، هو اتجاه الراحة أو الاعتكاف بين أشيائه وكتبه الخاصة.

فتؤكد أن أمثاله لا يستطيعون الابتعاد عن ساحة حقوق الإنسان بإغماض العيون ، و سد الآذان! كيف يكون هذا ، و بلده سورية جعل الخاطفون لها و المتسلطون عليها جعلوا من الجريمة و للجريمة قانونا ينظمها و تشريعا يحميها ؟!!

و قد بسط ذلك في ستة فصول ، حمل الفصل الأول عنوان [حالة الطوارئ و أثرها على حقوق الإنسان] مؤكدا أن معظم العالم العربي تهيمن عليه حالة الطوارئ ، سواء أكانت معلنة أم غير معلنة ! و هي عبء ثقيل على الإدارة و المواطن ، ترهقهما معا و تكلف الوطن نفقات طائلة غير ذات مردود ، و يختار المؤلف تعريفا جامعا لها بأنها : [ نظام استثنائي شرطي مبرر بفكرة الخطر المحيق بالكيان الوطني يسوغ اتخاذ تدبير أو تدابير قانونية مخصصة لحماية البلاد ، كلا أو جزءا ضد الأخطار الناجمة عن عدوان مسلح داخلي أو خارجي ، يمكن التوصل إلى إقامته بنقل صلاحيات المدنية إلى السلطات العسكرية.

ثم يقدم لمحة تاريخية عن هذه الحالة في سورية خلال العهود التي مرت بها إلى انقلاب البعث

مفندا اتخاذ مثل هذه الإجراءات ، و أنه ليس هناك أسباب موجبة ، و لذا فإن حالة الطوارئ تعتبر غير نافذة واقعيا و دستوريا ، و قد انقضت بفعل الزمن و بفعل الدستور مما يستتبع عدم قانونية كافة القرارات الصادرة بالاستناد إليها ، و خاصة أوامر الاعتقال دون محاكمة ، لأن ما بني على باطل فهو باطل ، و برغم أن العديد من الدراسات و المذكرات قد قدمت إلى القضاء في هذا الموضوع ، إلا أن أي محكمة لم تجرؤ حتى الآن للتصدي لهذا الموضوع ، و أن تقول رأيها فيه بصوره واضحة جلية ؟!!

ثم يوضح الآثار السلبية لحالة الطوارئ على حقوق الإنسان فإذا هي تجرد الإنسان حتى من إنسانيته ، و تحجب عنه ما من حقوق، وتوجد أوضاعا تجعله مجرد رقم، وتهدر القواعد القانونية العادية و تطبق قواعد خاصة بالعسكريين ؟!

و مما زاد الأمر سوءا صدور مرسوم تشريعي برقم 32 لعام 1980 ، بسط صلاحيات المحاكم الميدانية العسكرية لمحاكمة المدنيين و قد تم إعدام آلاف المواطنين في السجون دون أن يتوفر لهم الحد الأدنى من الضمانات في محاكمة عادلة و حتى دون استجواب في حدود القانون ؟!

و يُـلحق المؤلف بهذا الفصل ملحقات تضم بعض القرارات بدءا من عام 1958 و ما ترتب عليها من انتهاك لحقوق المواطن ، و اعتداء على الحريات العامة و تضييق على حقوق الإنسان .

وفي الفصل الثاني (القانون ضد العدالة: القانون 49 لعام 1980) المعروف بقانون إعدام الإخوان المسلمين، والذي قدمه حافظ الأسد لمجلس الشعب لإقراره، وفيه اتجه النظام لشرعنة العنف ضد المواطنين...ثم يفند المؤلف حيثيات القانون، وبطلانه وأنه مخالف للمعاهدات الدولية وأنه لا يمت للدستور و القوانين ولا لأي عرف قانوني بصلة ولم يؤخذ فيه رأي المحكمة الدستورية، وكان على السلطات أن تقدم مشروع قانون إلى مجلس الشعب من مادة واحدة ليصار إلى إلغائه؟! واقترح المؤلف أن يكون كالتالي:القانون رقم....يلغي القانون 49 لعام 1980 وما استتبعه من آثار، و أنه على السلطات المعنية أن تبحث بعد ذلك التعويض عمن أصابهم ضرر نتيجة هذا القانون الآثم ؟

و في الفصل الثالث [ من التعذيب إلى منع التعذيب ]

يذكر المؤلف نص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب الذي صار ظاهرة مألوفة و أحيانا سائدة في المجتمعات و خصوصا المتخلفة منها ، حيث يحكم الاستبداد و غياب القانون ، و يتضح من تعريف فعل التعذيب أنه لم يعد مقتصرا على الأذى الجسدي الذي يلحق بالضحية، وإنما تعداه ليشمل الأذى العقلي أو النفسي أيضا ، و يذكر أن من الممارسات التي تعتبر من أفعال التعذيب [ التخويف – الحرمان الحسي ] ثم يستعرض المؤلف التعذيب عبر التاريخ ، و يبين حكم الإسلام في ممارسة التعذيب و تحريمه في قول الرسول الأعظم : [ إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا ]

و يتوقف المؤلف عند التعذيب في القرن العشرين و معاناة الشعوب من ممارسيه ، حتى علت الأصوات باستنكاره و تتويج ذلك باتفاقية مناهضة التعذيب من قبل منظمة الأمم المتحدة بقرارها 39 ، 46 ، في

 10 /12/1984 ، و التي جرى تطبيقها في عام 1986 ثم ينتقل إلى ما عاناه الشعب السوري من ويلات التعذيب

بين 1980 - 1990 و أوجزها في :

1 – التعذيب الجسدي و أدواته - الكرسي الألماني – الضرب بالكبلات – الوضع في الدولاب – صعقات الكهرباء – بساط الريح – الحرق بالسجائر لمواضع مختلفة من الجسم – الضرب و الركل و الصفع – الجلد على أسفل القدمين – التعذيب بالمياه – التعذيب بسلم الجزار – الفسخ – الشبح – الضرب بالبلطة – المثقب الكهربائي – الإجبار على أكل الطعام الكريه – الأفعال المنافية للآداب – التغذية الرديئة ]

و يتبع ذلك التعذيب العقلي [ الحبس الانفرادي – اكتظاظ المهاجع بالسجناء – حجب مظاهر الحياة في الأقبية

و تستوقفنا في هذا الفصل فقرة : أسباب ظاهرة التعذيب و جذورها [ التي تنطبق على وضع النظام السوري مع جميع طبقات الشعب ]

و يوجزها المؤلف : في 1 – الاستبداد السياسي

2 – عدم احترام الإنسان و حقوقه 3 – عدم الاعتراف بحق الاختلاف بالرأي 4 – عدم احترام حق الحياة و ما هو من مستلزماته و متمماته 5 – سيطرة فئة ضيقة فاسدة على المجتمع و تحكمها فيه 6 – انعدام المساواة أمام القانون و انعدام تكافؤ الفرص 7 – وجود نصوص قانونية تحمي ممارسي التعذيب من الملاحقة القضائية 8 – بسط صلاحيات القضاء العسكري و الاستثنائي لمحاكمة المدنيين

ثم يطرح المؤلف سؤالا : كيف يمكن أن نحول دون التعذيب و يجيب بأن التشريع هو الخطوة الأولى مستعرضا نصوص الدستور السوري الصادر عام 1973 و يعقب عليها و قد داستها أحذية عساكر النظام قبل أن يجف حبرها قائلا : لو نظرنا في هذه النصوص السابقة لحسبنا أنفسنا في عالم مثالي ، إلا أن الواقع المعاصر يتناقض تماما معها ، فضلا عن التشريعات العديدة التي تتناقض مع الدستور ، و التي لم يجر إلغاؤها حتى ساعة كتابة هذه الكلمات ، و هي تعتبر بحق من الفوضى التشريعية في البلاد . بل إن نصوصا عديدة تعلو في واقع الأمر على الدستور ، و منها :أ- حالة الطوارئ التي أعلنت في عام 1963 بالاستناد إلى قانون الطوارئ ، و هي ترخي بظلالها على سائر التشريعات ب – نصوص أخرى تبيح التعذيب حتى القتل كما في المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1969الخاص بإحداث جهاز أمن الدولة ؟!

ج – مخالفة مواد الدستور بخرقه بإصدار قانون 49 لعام 1980 الذي أصدره مجلس الشعب و أعطى مفعولا رجعيا عكس ما تنص عليه المادة 30

و في الفصل الرابع [ القضاء في سوريا ] يبين المؤلف : أن القضاء هو الحصن الحصين لحماية الأمة و أفرادها ، بعضهم بمواجهة البعض الآخر ، أو بمواجهة السلطة و بقدر ما يكون القضاء قويا مستقلا راسخا تكون حريات الناس و أموالهم و أرواحهم و أعراضهم مصونة محصنة كريمة ، و يستعرض المؤلف في هذا الفصل السلطة القضائية بموجب المرسوم التشريعي رقم 96 لعام 1961، ويتعرض لحصانة القاضي ثم للسلطة القضائية واستقلالها عن السلطة التشريعية، ثم استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية ثم يتحدث عن القضاء العسكري المنظم بالمرسوم التشريعي رقم 61 تاريخ 27/2/1950

ويركز على المحاكم الميدانية العسكرية بعد وصول حزب البعث إلى السلطة، وإصدار مرسوم تشريعي يعفي العاملين في هذه الإدارة من الجرائم التي يرتكبونها في أثناء تنفيذ المهمات الموكولة إليهم! ثم يستمر الحديث عن تشكيل محكمة أمن الدولة والمحكمة الدستورية وتشكيلها ومع كل هذه التشكيلات فإن الواقع يقول: إن معظم أجهزة الدولة ترفض تنفيذ الأحكام القضائية، وهي تستند إلى اجتهادات صدرت عن إدارة التشريع التابعة لوزارة العدل؟! مما يدل على انهيار القضاء انهياراً كاملاً في سورية، وأن ثمة اغتيالاً تشريعياً منظماً لهذا الجهاز القضائي الهام، الذي ساد الجهل وتغلغل الفساد في جميع مفاصله مما أضحى معه أن يكون دمية يأتمر بأوامر الأجهزة الأمنية والسلطات العليا؟!

وفي الفصل الخامس (الجريمة والعقاب) يتبين أن حزب البعث الذي خطف السلطة واستولى عليها بالقوة يقع عمله تحت المواد 291 و293 و294 و296 من قانون العقوبات السوري وأن ما اتخذه مجلسه الوطني الذي أعطى لنفسه حق التشريع وإصدار القوانين، من مثل إعلان حالة الطوارئ كان باطلاً خارجاً عن مفهوم الشرعية ويتنافى مع الدستور ومع القوانين المحلية الأخرى ومع الاتفاقيات الدولية والعهود الخاصة بحقوق الإنسان كما يتعارض مع مصلحة المواطنين، ويضرب المؤلف مثالاً آخر لشرعنة الجريمة التي يمارسها النظام وحزبه كما في القانون 49 لعام 1980 الذي أقره مجلس الشعب والمقدم من حافظ الأسد بإعدام كل منتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومخالفة هذا القانون للدستور ولقانون العقوبات وللمعاهدات الدولية.

وفي فصل الختام (الخداع) يتحدث المؤلف عن اندلاع الاحتجاجات ووعود النظام الكاذبة بالإصلاحات وإصدار مرسوم بإلغاء حالة الطوارئ – المنقضية في الواقع – وإلغاء محكمة أمن الدولة العليا التي طالما أزهقت أرواح الآلاف ويبين أن النظام الخادع يعطي ما يتصور أنه إصلاح بيد، ويأخذ بالأخرى كما في إعطاء الصلاحية للضابطة العدلية بمباشرة التحقيق و التوقيف لأسبوع ، الغاية منه احتجاز الناس دون مذكرة قضائية ، للإبقاء على الأوضاع السيئة كما هي دون تعديل .. أو التعديل للأسوأ !؟

============================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com