العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 09-02-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بلطجة دولية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 1/2/2020

أخيرا، باض الديك، وأعلن الرئيس الأميركي، ترامب، خطته لضم بقية فلسطين إلى إسرائيل التي خلع عليها، كعادته في المبالغة، إسم "صفقة القرن".

بعد حروب خاضها الصهاينة ضد عالم الفساد والاستبداد الرسمي العربي، من دون أن يُهزموا في أيٍّ منها. وبعد تصريحات إرييل شارون عام 1982، إن جيش إسرائيل يستطع شن أي حرب بين أفريقيا جنوب الصحراء وباكستان وكسبها، يتقدّم ترامب بـ "خطة سلام" مبنيّة، من أول إلى آخر حرف فيها، على "أمن إسرائيل"، الذي لا يمكنه التساهل فيه، كما قال للصحافيين بحضور نتنياهو، احتفالا بتسليمه بقية فلسطين، والحجة أمن إسرائيل التي لا يوجد من يهدّدها، بعد أن دمرت الولايات المتحدة وروسيا وإيران العالم العربي، ودعت جميع القرارات الدولية إلى تسويةٍ سلميةٍ تنهي الحروب ضدها، وتضمن أمن من يُبدي ترامب الخوف عليه، ليستمر في المهمة التي كمنت وراء تأسيس دولته، وتقوم على تشتيت شعب فلسطين، وسلبه حقوقه، وأولها حقه في أن يكون له وجود وطني، يؤهله لاستعادة دولته، كما كانت قائمة في ظل الانتداب البريطاني بين عامي 1917 و1948، ودمرتها الحركة الصهيونية، بإشراف بريطاني وأميركي. وانتقلت بعد تدميرها إلى تدمير الجوار العربي الذي ابتلي بنُظُمٍ ساعدتها على إنجاز مهمتها بأيسر السبل، ومن دون صعوباتٍ تذكر.

لمّ الذين خطّطوا لإقامة كيان أجنبي مسلح حتى الأنياب، في المركز الاستراتيجي الأهم في الوطن العربي، من استطاعوا لمّهم من يهود العالم في فلسطين بحجة أمنهم الذي لم يهدّده الفلسطينيون، بل النازيون، وأقاموا دولة عنصرية وسط العرب، بحجة حماية أمنها منهم، مع الاعتراف بأنهم متخلفون وعاجزون عن تحدّيها، كما أكدت حروبٌ هزمتهم فيها خلال ساعات أو أيام. وبحجّة أمن إسرائيل، تم تعطيل جميع القرارات الدولية بشأن حل سلمي في فلسطين، بما فيها قرار التقسيم الذي منح الفلسطينيين 46% من وطنهم، لكن الصهاينة احتلوا 24% منها، ومنعوا إقامة الدولة الفلسطينية فيها، بذريعة أمنهم، وها هو ترامب يهبهم من 30% إلى 40% من المساحة المتبقية، وتقدر بـ 22% فقط، ويحيطهم بمناطق إسرائيلية تفصل فلسطين عن وطنها العربي عموما، والأردن خصوصا، كما يمنحهم المستوطنات والقدس وحوض الأردن، ويترك قيام الدولة الفلسطينية، القائمة قانونيا وشرعيا منذ قرار التقسيم عام 1947، لمفاوضات "مباشرة" ستجري بعد أربعة أعوام تحت إشراف أميركي، في ظل ميزان القوى الإسرائيلي، المتفوق بنسبة مليون بالمائة على الفلسطينيين، وليس لتطبيق قراراتٍ دوليةٍ من غير الجائز التفاوض عليها، ما دام تنفيذها لا يحتاج إلى موافقة إسرائيلية، وإلا قبل المجتمع الدولي إخضاع إرادته لإرادة الصهاينة وترامب، بدل اعتبار أي طرفٍ يعطّلها خارجا على الشرعية الدولية ومارقا، بما في ذلك إسرائيل التي لم تهبط بقفةٍ من السماء، وتشبه ذئبا يزعم أنه بحاجة إلى حمايةٍ من حمامة سلام تريد التهامه.

تنضوي "صفعة القرن"، كما سماها الرئيس محمود عباس بحق، في سياق مشروعٍ بلفور من جهة، وتكسير المنطقة بفوضى واشنطن الخلاقة من جهةٍ أخرى، وتعتبر بهذا المعنى ضد الشعوب العربية أيضا التي يبدو أن واشنطن ترى في تدمير ثوراتها، وتشتيتها على الطريقة الفلسطينية، البيئة الضرورية للهجوم على ما بقي من حقوقٍ ووجود لشعب فلسطين في ما بقي من وطنه، وهذا ما يجعل الردّ على ترامب قضية شعبية عربية بامتياز، ويؤكّد أن نضال شعب فلسطين من أجل دولته المستقلة، ونضال الشعوب العربية لاستعادة حريتها وأوطانها، وللتخلص من الفساد والاستبداد، هما، منذ ثورة الربيع العربي، نضال واحد على جبهتي صهاينة الخارج والداخل، وخطوة على طريق الانضمام الآتي إلى فلسطين وشعبها، لحماية دولتها من بلطجة ترامب وأمن إسرائيل.

===========================

موقفنا: وزارة الدفاع الروسية : تعلن مطار دمشق الدولي غير آمن ...

زهير سالم

مركز الشرق العربي

8/ 2/ 2020

أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية الجنرال " إيغور كوناشينكوف " أول أمس مطار دمشق الدولي مطارا غير آمن بالنسبة للطيران المدني "

وأعلن الجنرال ايغور أن طائرة روسية من طراز " إيرباص - 320" على متنها 172 راكبا مدنيا اضطرت إلى تغيير مسارها والهبوط في مطار حميميم نتيجة للاشتباكات بين الطيران الصهيوني - وصواريخ الأسد المضادة ، والتي جرت على تخوم مطار دمشق منذ يومين..

إن مثل هذا الإعلان يأتي ، ولاشك ، خارج سياق العلاقة بين المحتل الروسي والزمرة والأسدية . ولا شك أن مثل هذا التصريح لا يخدم مصالح هذه الزمرة التي تزعم أن الوضع الأمني في سورية أصبح " قمرة وربيع " كما تقول ..

التصريح نفسه يؤكد مع ما تحاول موسكو إشاعته عن دمشق غير الآمنة ، حيث فسر أحد المعلقين الروس على زيارة بوتين المفاجئة والقصيرة لدمشق بأن الوضع هناك غير آمن !!

في الحقيقة لا بد لنا من تأمل أكبر في حقيقة المصلحة الروسية من ترويج مثل هذه الفكرة وتأكيدها . وإذا كان مطار دمشق الدولي غير آمن لطيارة مدنية كما تؤكد وزارة الدفاع الروسية ، فكيف تكون سورية كلها آمنة لعودة المهجرين كما تؤكد وزارة الخارجية ؟! كلام له خبء ..

إن إعلان مطار دمشق الدولي مطارا غير آمن وربط ذلك بالتهديد الصهيوني ، حيث تعيش سورية كلها تحت هذا التهديد بما فيه " الرئيس السوري !!" نفسه - مع الاعتذار على التوصيف - يعني أن تأمين هذا المطار مما لايملكه بشار الأسد على المدى المنظور. بطريقة معلنة تستطيع هذه الزمرة أن تجاهر بها ..

ثم الانعكاسات السياسية والأمنية والاقتصادية لمثل هذا الإعلان ، لو أخذ على محمل الجد ستكون سلبية جدا . وأهمها امتناع شركات الطيران العالمية عن الهبوط في مطار دمشق ، وهذا يتنافى مع المحاولات الروسية المزعومة إعادة إدماج الزمرة الأسدية مع المنظومة العالمية ، الأمر الذي أعلن بومبيو منذ أيام معارضته ؛ فهل هناك توافق روسي - أمريكي حول الموضوع بعيد المدى ؟!

ربما تكون الحقيقة التي يمكن أن يهمس بها السوريون للسوريين أن المقصود الخفي من إعلان الناطق باسم الدفاع الروسي هو تسويغ هبوط طائرة الإيرباص في مطار حميميم دون مطار دمشق ، ولعل الطائرة كانت تحمل ما لا يرغب الروسي أن يطلع عليها من مطار دمشق أحد ..بل ربما الهدف الأبعد أن تتخذ موسكو قرارا باعتماد مطار حميميم مطارا عسكريا ومدنيا ...

فلا يحتاج روسي يريد أن يدخل إلى سورية إلى إحم ولا دستور ..

البيت بيتكم . ولا يستأذن الرجل على زوجته ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

هكذا بدأ تدمير المنطقة قبل عشرين عاماً تمهيداً لصفقة القرن

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 1/2/2020

قبل أن نتحدث عن صفقة القرن يجب أن نتحدث عن توقيتها. لماذا جاءت الآن وليس من قبل، مع أنها مطبوخة منذ أكثر من عشرين سنة حسب خبر أوردته صحيفة «القدس العربي» قبل عقدين من الزمان، ففي ذلك الوقت نشرت الصحيفة ما أسمته «النص الحرفي لوثيقة بيلين- أبو مازن حول الحل النهائي». وبموجبها تكون «القدس في أبو ديس والعيزرية، والأماكن المقدسة تحت السيادة الإسرائيلية في إطار صيغة الفاتيكان…المستوطنات الكبرى باقية…فترة اختبار نوايا لعشرين عاماً…والدولة المستقلة منزوعة السلاح…إلغاء الأونروا واستبدالها بهيئة جديدة لاستيعاب النازحين وتوطين اللاجئين في مكان إقامتهم ودون صخب». تصوروا أن الكثير من بنود الصفقة التي أعلنها ترامب ونتنياهو موضوعة منذ أمد بعيد، وكل ما فعلته الإدارة الأمريكية الترامبية أنها اختارت الوقت المناسب للإعلان عنها. لماذا الآن إذاً؟

لا يمكن تمرير تلك الصفقات التاريخية الكبرى قبل الآن، فلا بد من توفير الظروف السياسية والتاريخية قبل تمريرها. وقبل أن نصل إلى صفقة القرن علينا أن نعود إلى الوراء عشرين عاماً كي نرى الأحداث التي مهدت للصفقة وجعلتها الآن تبدو ناضجة لتبينها والمصادقة عليها. عندما بدأ يوسي بيلين أحد كبار رجال الدولة في إسرائيل في ذلك الوقت يتفاوض مع محمود عباس مهندس اتفاقية أوسلو والشخص الثاني بعد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، كانت أمريكا قد بدأت بتنفيذ مخطط كبير في الشرق الأوسط تمهيداً للوصول إلى صفقة القرن. قبل ثلاثين عاماً تم توريط النظام العراقي بقيادة صدام حسين في غزو الكويت ثم محاصرة العراق تمهيداً لغزوه لاحقاً وتجريده من سلاحه وقوته وتفكيك جيشه وتحويله إلى مستعمرة إيرانية بضوء أخضر أمريكي. لقد غدا العراق بعد الغزو في عام 2003 بلا حول ولا قوة وصار مضرباً للمثل في الفقر والضياع والفوضى، بعد أن كان يشكل قوة لا يستهان بها في مواجهة إسرائيل. ويذكر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن الذي قاد عملية غزو العراق وقتها أنه اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الحين آرييل شارون وقال له حرفياً»: أبشرك بأن الخطر العراقي على إسرائيل قد انتهى بعد أن دخلت القوات الأمريكية إلى منطقة الأنبار غرب العراق». قد يقول البعض إن العراق لم يكن يشكل أي خطر على إسرائيل في أي وقت. وهذا طبعاً نوع من التحليل الصبياني، فلا شك أن الجيوش العربية لم تفكر يوماً بتهديد إسرائيل في ظل قيادة صدام حسين أو حافظ الأسد أو غيرهما، لكنها كانت بكل الأحوال جيوشاً يمكن استخدامها ذات يوم لخوض المعارك، بغض النظر عن تقاعسها في تلك الفترة عن مواجهة إسرائيل. صحيح أن معظم الزعماء العرب في تلك الفترة كانوا في الجيبين الأمريكي والإسرائيلي، لكن هذا لا ينفي أنه كان هناك جيش عراقي خاض حرباً ضد إيران لثمان سنوات ولم ينهزم فيها. وهذا بحد ذاته يشكل أكبر تهديد بعيد المدى لإسرائيل، وبالتالي كان لا بد من تدميره والتخلص من خطره المستقبلي حتى لو لم يظهر خطره إلا بعد خمسين أو حتى مائة عام.

 

لا يمكن تمرير تلك الصفقات التاريخية الكبرى قبل الآن، فلا بد من توفير الظروف السياسية والتاريخية قبل تمريرها. وقبل أن نصل إلى صفقة القرن علينا أن نعود إلى الوراء عشرين عاماً كي نرى الأحداث التي مهدت للصفقة وجعلتها الآن تبدو ناضجة لتبينها والمصادقة عليها

 

راح العراق، وبعد ذلك كان لا بد من تدمير بلد عربي آخر مجاور لإسرائيل ونزع قوته وإنهاك جيشه وتدمير مقدراته وتهجير شعبه وإعادته كما العراق خمسين عاماً إلى الوراء وربما أكثر. لا نقول هنا إن الثورة السورية التي اندلعت عام 2011 كانت مؤامرة على سوريا، بل كان هناك وقتها ألف سبب وسبب يدفع السوريين للثورة على النظام الفاشي الذي كان يحرم الشعب من أبسط حقوقه الإنسانية. لكن ضباع العالم أجهضوا ثورة الشعب بعد أشهر قليلة على اندلاعها وحولوها إلى أكبر عملية تدمير وتهجير في القرن الحادي والعشرين. بدل أن يدعم ضباع العالم الثورة استغلوها لتحقيق مخططاتهم القديمة، فحولوا سوريا إلى ساحة حرب للقاصي والداني، مما أدى إلى تهجير نصف الشعب السوري، وتدمير البنية التحتية لسوريا، واستنزاف الجيش السوري الذي استخدموه بطريقة خبيثة وقذرة في عملية التدمير والتهجير، فخسر معظم قوته البشرية، واستنزف ترسانته العسكرية التي ساهمت إسرائيل في تدميرها وما زالت.

لا شك أن البعض سيتساءل: ومتى كان جيش الأسد يشكل خطراً على إسرائيل؟ ألم يكن مجرد كلب حراسة للحدود الإسرائيلية منذ حرب تشرين التحريكية؟ الجواب نعم. لم يكن هذا الجيش يشكل أي خطر على إسرائيل خلال تلك الفترة، لكنه كالجيش العراقي كان جيشاً كامل الأوصاف، وكان يمكن استغلاله بشكل فعال ووطني في ظل أي نظام وطني لاحقاً، ولهذا كان لا بد من تدميره واستنزافه بأيدي النظام ذاته. وهذا ما حصل، فلم يدمر هذا الجيش سوريا ويشرد شعبها فحسب، بل عمل أيضاً على تدمير نفسه بنفسه. وهل تريد إسرائيل أكثر من ذلك حتى لو كان خطر هذا الجيش عليها مؤجلاً لمائة عام قادمة؟

أما لبنان فقد تحول إلى مستعمرة إيرانية هدفها الأساسي حماية حدود إسرائيل. وقد كانت حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله مجرد بروفة لتثبيت حزب الله حامياً للحدود الإسرائيلية. وقد انتهى الدعم اللبناني الحزب اللاتي للفصائل الفلسطينية منذ 2006. أما الشعارات الإعلامية للحزب في دعم المقاومة الفلسطينية فهي للاستهلاك اللفظي لا أكثر ولا أقل، بدليل أن حسن نصر الله قال عام 2008 بعد أن اتهموه بدعم فصائل فلسطينية قصفت الحدود الإسرائيلية بصواريخ من لبنان، قال: «هذه اتهامات شيطانية، ولا علاقة لنا بهذا الحادث لا من قريب ولا من بعيد». بعبارة أخرى تبرأ نصر الله تماماً منذ ذلك الحين من أي محاولة لتهديد الحدود الإسرائيلية.

هذا على صعيد دول الطوق المجاورة لإسرائيل. أما الدول العربية الأخرى، وخاصة دول الخليج فقد أصبحت تتوسل التطبيع مع إسرائيل، لا بل إن بعضها صار يتباهى بالتقرب من تل أبيب، بحيث أعلنت إسرائيل قبل أيام أنه صار بإمكان أي إسرائيلي أن يزور السعودية بدون أي موافقات. وفيما يخص مصر فهي خارج المواجهة أصلاً بفعل معاهدة السلام مع إسرائيل. أما الدول العربية الأخرى فقد صار لديها قضايا أكثر خطورة من القضية الفلسطينية كالقضية السورية والعراقية واللبنانية والليبية واليمنية والسودانية والحبل على الجرار. لقد باتت القضية الفلسطينية بالنسبة للقضايا الأخرى مجرد لعب عيال. فقط قارنوا بين الجحيم السوري واليمني والليبي والعراقي بالوضع الفلسطيني، وستجدون أن العرب أصبحوا يترحمون على القضية الفلسطينية مقارنة بكوارثهم الجديدة. ولا ننسى أن روسيا ترعى الآن من وراء الكواليس اتفاق سلام بين النظام السوري وإسرائيل.

هل هناك وقت أفضل من هذا الوقت للإعلان الأمريكي والإسرائيلي عن صفقة القرن؟

===========================

العرب وسوريا

د. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 1/2/2020

ما زلت أطالب بدور عربي في القضية السورية، وهو لا يتعارض مع تدويلها بعد أن صارت ساحة صراع عالمي، لكنها تبقى قضية عربية بامتياز، ومحاولة إخراجها من فضائها العربي كارثة كبرى للأمة، وربما قال قائل (وهل هناك أمة للعرب بعد أن تمزقت عراها، ووهنت قواها؟). وأقول: أثبت العرب أنهم قوة كامنة كبرى منذ أن هبت الشعوب العربية من غفوتها، وانتفضت من تحت رماد السنين، تجأر بصوت واحد يتردد صداه في أرجاء الكون، تطالب بحريتها، فإذا العالم كله يخشى الصدى، ويسارع لإطفاء جذوته، ولئن كانت هناك دول تعاطفت مع مطالب العرب بالحرية والديموقراطية فإن بعضها الآخر خشي أن تفقد السيطرة على أهم بقاع الأرض، التي هي مركز التواصل بين القارات والأمم، ووجدنا من سارع لإجهاض نهوض العرب بعدما عجزوا عن تصدير ثورتهم التي سموها (إسلامية)، رغم أنها انطلقت في بدايتها ثورة ديمقراطية صرفة، لكن الغارقين في غياهب التاريخ اختطفوها وجاؤوا بعقائد غير قابلة للتصدير، وقد فاجأتها مطالب العرب بحكم رشيد غير طائفي أو عرقي أو إثني، فخشيت أن ينهض العرب في المنطقة، وأن يستعيدوا حضورهم الذي فقدوه على مدى قرون اعتلى فيها صهوة الأمة العربية أخلاط من شعوب شتى اعتنقت الإسلام، وحكمت باسمه، واختلط الصالح بالطالح.

ولئن كان الفكر القومي قد خسر جولاته في سوريا ومصر والعراق ولبنان بعد الهزائم والنكسات، فإن هذا لا يعني أن يفقد العرب هويتهم وانتماءاتهم، وما يزال العالم كله يرانا أمة بينما بات فينا من يريد التخلص من هويته، وقد يمتلك جنسية أخرى لكنه لن يملك هويتها.

إن انكفاء العرب عن موقع قيادي في القضية السورية مكّن إيران من الظهور العلني ممثلة للنظام، وجعل تركيا واجهة للمعارضة، ولست أتجاهل موقف المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية في السعي الدؤوب لإنجاز الحل السياسي، لكن دولاً عظمى عطلت هذا المسار، وجعلته تزجية للوقت حتى يتمكن النظام من فرض الحل العسكري الذي مضى فيه من بداية الأحداث رافضاً كل الحلول السياسية، مما يستدعي أن يعود الموقف العربي لإيجاد مخرج من الأزمة الراهنة التي عطلت مسار هيئة التفاوض بعد تراجع النظام السوري عن متابعة عمل اللجنة الدستورية التي ولدت ميتة لأن بنيتها مفككة، وغير قادرة على الوصول إلى حل قابل للنفاذ.

وما يحدث في الشمال السوري اليوم وبخاصة في إدلب وأريافها يستدعي تدخلاً عربياً يستنهض الموقف الدولي، فليس من المعقول أن يحاصَرَ نحوُ أربعة ملايين مواطن سوري باتوا هائمين على وجوههم في العراء، يفترشون الوحل وهم بلا غطاء أو غذاء أو دواء، وبلا أي شرط إنساني للبقاء، وجلُّهم أطفال ونساء، والعالم كله يتفرج، وقد باتوا الدريئة التي تحتمي خلفها عصابات سيطرت على إدلب ومحيطها، ولابد أنها وجدت دعماً يمكنها من هذا الاستعصاء.

إنني أدعو العرب جميعاً إلى سعي دولي كثيف لاقتراح حلول سريعة لإنقاذ الموقف في إدلب وفي الشمال السوري كله، وإلى حض الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، لإيجاد مخرج غير الموت المحقق والتشريد.

إنني أدرك أن بعض الدول العربية منشغلة اليوم بقضاياها المحلية، لكن تداعيات القضية السورية مستقبلاً ستنعكس على الجميع.

===========================

دمشق تهمل «نصيحة دستورية» من موسكو وتقضم إدلب بـ«دعم جوي روسي»

لندن: إبراهيم حميدي

الشرق الاوسط

السبت 1/2/2020

لم تسمع دمشق لـ«نصائح» موسكو إزاء تحريك اللجنة الدستورية. موسكو انسحبت وراء «نصائح» دمشق لـ«تحرير» إدلب. المبعوث الأممي غير بيدرسن لم يسمع من وزير الخارجية السوري وليد المعلم ما كان يعتقد أنه سيسمعه بعد محادثاته مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. لكن، سير العمليات في شمال غربي سوريا هو تطبيق لما يريده ويقوله وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو.

بذلك، هدف توجيه دعوة لأعضاء اللجنة الدستورية إلى جنيف منتصف الشهر الجاري بات على المحك. وهدف استمرار العمليات العسكرية في إدلب بات في المقدمة. وبينهما، يتعزز موقف الدول الغربية الداعية إلى تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» على دمشق لانتزاع تنازلات من موسكو من جهة وتتعمق الأزمة الاقتصادية السورية من جهة ثانية وتزيد معاناة السوريين بدرجات سواء النازحين في الشمال أو القاطنين في مناطق الحكومة من جهة ثالثة.

في التفاصيل، استضافت لندن وبروكسل الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس اجتماعات أميركية وأوروبية وعربية حول سوريا بالتزامن مع محادثات بيدرسن في دمشق وجلسة مجلس الأمن الأربعاء وسير العمليات العسكرية بين ريفي حلب وإدلب، فكانت المناقشات متداخلة ومتشابكة، خلاصتها:

قبل أن يذهب المبعوث الأممي إلى دمشق، زار موسكو والتقى شويغو ولافروف. الهدف كان إقناع الحكومة السورية بضرورة «التعامل الإيجابي» مع أعمال اللجنة الدستورية بعد فشل الجولة الثانية من اجتماعاتها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) (الماضي) بحيث يحصل اتفاق على جدول الأعمال لتمهيد الطريق أمام الدعوة إلى اجتماع جديد منتصف الشهر الجاري باعتبار أن بيدرسن قال بوضوح، بأنه لا دعوة لاجتماع جديد للجنة ما لم يحصل اتفاق على جدول الأعمال.

بمجرد ما غادر المبعوث الأممي موسكو توجه مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف إلى دمشق وعقد اجتماعا مع الرئيس بشار الأسد لـ«إجراء مناقشة تفصيلية للوضع في سوريا وحولها» حيث تطرق إلى «العملية السياسية وتم التأكيد على دعم الجانبين لعمل لجنة مناقشة الدستور بعيداً عن أي تدخل خارجي أو تسييس تمارسه بعض الأطراف يمكن أن يتسبب بتعطيل عملها أو وضع المعوقات أمام استمرار اجتماعاتها».

الاعتقاد الملفوف بالأمل، أن «نصيحة» الوفد الروسي للجانب السوري، كانت بالتحرك في ملف العملية السياسية لأسباب، هي: إعطاء غطاء للعمليات العسكرية في إدلب، زرع الشقاق في جبهة الدول الغربية ونزغ الذرائع، تعزيز نيات دول عربية للتطبيع مع دمشق.

حاملاً تفاؤله وانطباعات «روسية»، التقى بيدرسن المعلم الأربعاء الماضي. رسمياً، ذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن «اللقاء بحث الجوانب المتعلقة بالعملية السياسية وأهمية بذل كل الجهود الممكنة وتقديم الدعم اللازم لتحقيق التقدم المنشود، ولإنجاح هذه العملية تحقيقاً لمصلحة الشعب السوري، وبحيث يكون كل ما ينتج عنها هو بقرار سوري - سوري، مع التأكيد على وجوب احترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها». وأكد الجانبان على «أهمية التزام قواعد وإجراءات عمل لجنة مناقشة الدستور للحفاظ على قرارها السوري المستقل دون أي تدخل خارجي من أي جهة كانت».

فك شيفرة القاموس السوري، يعني ذلك أن اللجنة الدستورية هي «كيان سيادي» لا يمكن للحكومة أن تتدخل في عملها. بمجرد جرى الاتفاق بين دمشق واللاعبين الآخرين على قائمة اللجنة الدستورية الـ150 و«قواعد العمل الإجرائية»، فإن اللجنة باتت «كيانا سياديا مستقلاً».

ماذا يعني ذلك؟ أن يكون النقاش بين بيدرسن باعتباره «ميسرا» لأعمال اللجنة ورئيس «الوفد المدعوم من الحكومة» أو «الوفد الوطني» أحمد الكزبري للاتفاق على جدول الأعمال. «النصائح» الروسية لم تترجم في موقف الكزبري. هو، لا يزال متمسكا بموقفه الذي أعلنه في الجولة الثانية من أعمال اللجنة الدستورية بين 25 و29 نوفمبر. أي، لا بد أن يوافق وفد «هيئة التفاوض السورية» المعارض على «المرتكزات الوطنية» الأربعة: «احترام والتزام السيادة الوطنية، مكافحة الإرهاب، إدانة الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي، إدانة العقوبات الغربية على سوريا».

كان وفد «هيئة التفاوض» بدأ الجولة الثانية باقتراح جدول أعمال، تضمن «مناقشة مقدمة الدستور ومناقشة المبادئ الأساسية والدولة» ثم عدل مقترحاته بما في ذلك مناقشة «المرتكزات في سياق دستوري». وفي ختام الجولة في 28 نوفمبر، قدم وفد «الهيئة» اقتراح أن يقوم «كل وفد بمناقشة ما يريد دون أجندة» ثم رد الكزبري بمقترحين: «البدء بمناقشة الركائز الوطنية بهدف التوصل إلى أرضية مشتركة، دخول كل الوفود إلى قاعة الاجتماعات وأن يبدأ كل وفد نقاش ما يراه مناسباً».

المفاجأة للبعض خصوصاً المتفائلين، أن موقف الكزبري في دمشق قبل أيام لم يختلف عن موقفه نهاية نوفمبر بعد «وعود روسية بتحريك موقف الحكومة». قراءة موسكو بما في ذلك بعض الدبلوماسيين الروس، لهذا الموقف هو أن دمشق «عنيدة أكثر مما نظن وأن هناك حدودا للنفوذ الروسي على دمشق». لكن دبلوماسيين زاروا العاصمة السورية يشيرون إلى أن الجمود هو مزيج من أمرين: «عناد دمشق خصوصاً مع المكاسب العسكرية الأخيرة وتمسكها بأولوياتها والجمع بين موقفي حليفيها: موسكو وطهران من جهة وخيبة موسكو لأن الدول الغربية لم تتحرك إيجاباً بعد انعقاد اللجنة الدستورية في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) ولم تخفف العقوبات بل زادتها».

كان بيدرسن ودول أوروبية بين المتحمسين لمقاربة «خطوة مقابل خطوة»، أي تقديم دول غربية «حوافز» لكل خطوة إيجابية تقدم عليها موسكو التي راهنت أيضا على «عودة سوريا إلى العائلة العربية». وجرى بناء على ذلك تجميد فرض دول أوروبية عقوبات على رجال أعمال سوريين بعد انعقاد اللجنة الدستورية في نهاية أكتوبر. لكن فشل الجولة الثانية في نهاية نوفمبر، وضع مقاربة «خطوة مقابل خطوة» في مهب الريح. ولا شك أن فشل زيارة بيدرسن إلى دمشق الأربعاء واستمرار العمليات العسكرية سيدعم موقف دول أوروبية المتشددة للاقتراب أكثر من موقف واشنطن الداعية إلى «الضغط الأقصى» على دمشق كما هو الحال مع طهران.

عليه، خلال اجتماعات لندن يومي الاثنين والثلاثاء، دفع الوفد الأميركي لتوحيد الموقف الأوروبي للمضي وراء موقفها باتخاذ «أشد الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية» ضد دمشق وفرض عقوبات اقتصادية ضد رجال أعمال وكيانات في دمشق؛ ذلك أن الجانب الأميركي يرى أن «قانون قيصر» سهّل عملية فرض العقوبات داخل المؤسسات الأميركية؛ حيث إن واشنطن بصدد إصدار قائمة جديدة لفرض عقوبات على رجال أعمال سوريين. ويعتقد مسؤولون أميركيون أن «نتائج العقوبات ستظهر أكثر بتعميق الأزمة الاقتصادية في سوريا في المستقبل القريب، إضافة إلى أثر أزمة لبنان». واستبقت بروكسل وصول المبعوث الأميركي، بإقرار ممثلي الدول الأوروبية الاثنين الماضي مسودة قائمة ضمت ثمانية أسماء من رجال الأعمال وكيانين في دمشق، على أن يصدرها وزراء الخارجية الأوروبيون خلال اجتماعهم المقبل.

عليه، تدل إشارات صادرة من دمشق وموسكو وعواصم غربية، أن المرحلة المقبلة مقبلة على «مكاسرة»: دمشق تمضي بغطاء روسي في قضم إدلب قطعة بعد قطعة تمهيدا لـ«التفرغ» لمقارعة الأميركيين وحلفائهم شرق الفرات ثم الاستفراد بالأكراد. واشنطن تمضي لـفرض «ضغط أقصى» وقضم الموقف الأوروبي دولة بعد دولة للاستفراد وتزعم بالتفاوض مع موسكو. وبين المعركتين، ستزيد الأزمة الاقتصادية ومعاناة السوريين وتزيد التساؤلات: هل موسكو تريد وقادرة على الضغط على دمشق لحل سياسي وتنازلات إقليمية تخص دور طهران؟

===========================


صراع الفيلة من إدلب إلى أطراف حلب

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 3/2/2020

منذ انهيار الهدنة الهشة التي أعلنها الرئيسان الروسي والتركي، في 12 كانون الثاني الفائت، في منطقة خفض التصعيد الخاضعة نظرياً لاتفاق سوتشي الروسي – التركي (أيلول 2018) ترتفع وتيرة التوتر السياسي بين موسكو وأنقرة باطراد. وبلغ الأمر بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن قال إن مسار أستانة في طريقه إلى الانتهاء. وتتهم أنقرة موسكو بالإخلال بالاتفاق، في حين تتهم موسكو أنقرة بعدم الوفاء بالتزاماتها وفقاً للاتفاق نفسه.

في هذا الإطار واصلت ميليشيات النظام الكيماوي تقدمها، خلال الأيام القليلة الأخيرة، فاستولت على معرة النعمان، وتتجه الآن نحو سراقب، وهما مدينتان رئيسيتان على الطريق الدولي حلب – دمشق، ذلك الطريق الذي كان من المفترض أن يتم تأمينه وفتحه وفقاً لاتفاق سوتشي، وفشلت تركيا في تنفيذ ذلك كما تقول موسكو التي قررت تحقيق هذا الهدف بالقوة، أي بالقصف المتواصل وتهجير السكان وصولاً إلى احتلال المناطق الواقعة على طرفي الطريق.

من المحتمل أن تركيا لم تحصل في مباحثاتها مع الروس، الشهر الماضي، على ما تريد، فكان قرارها تصعيداً عسكرياً في مواجهة زحف ميليشيات النظام وقضمها المزيد من المناطق، وما رافق ذلك من تهجير للسكان المدنيين في أكبر موجة نزوح شهدتها المنطقة منذ نيسان 2019. لا نعرف ما الذي طلبته تركيا من روسيا بالضبط، مقابل التخلي عن منطقة خفض التصعيد، وهناك تكهنات تتحدث عن مطالبة تركيا بشريط حدودي شمال محافظة إدلب، على غرار المناطق الحدودية الأخرى التي غزتها القوات التركية في السنوات السابقة.

وهكذا انتقلت الصدامات إلى مناطق جديدة فيما يمكن تسميته بصراع روسي – تركي مصغر داخل إطار التعاون بينهما في مسار أستانة، صراع يستهدف فرض الإرادة على الشريك اللدود بالقوة. فإضافة إلى ريفي حلب الغربي والجنوبي اللذين تعرضا لقصف جوي مكثف من الطيران الروسي والأسدي، انتقل الصراع الساخن إلى مدينة الباب التي قصفت فيها طائرات روسية سوق الهال القديم وجامعين قامت تركيا ببناء أحدهما. هذا تطور خارج المألوف بالنظر إلى أن المدينة المستهدفة تقع ضمن إطار منطقة "درع الفرات" التركية منذ العام 2016. هذه أول مرة تقصف فيها طائرات روسية "منطقة تركية" في شمال حلب. كما تحدثت أخبار غير مؤكدة، في وسائل إعلام تركية، عن قصف طائرة تركية لمواقع لميليشيات الأسد غربي مدينة حلب الذي يشهد اشتباكات ساخنة منذ يومين. قد يكون هذا التفصيل الأخير مفبركاً، ولكن مجرد فبركة خبر من هذا النوع هي مؤشر قوي على مدى التوتر بين الروس والأتراك.

من المحتمل أن أحد أسباب التوتر الروسي – التركي هو رغبة روسية في إرضاء أصدقاء جدد يتمثلون في دول عربية إضافة إلى إسرائيل

من السذاجة بمكان توقع إنجازات ميدانية لمصلحة الفصائل على حساب قوات النظام، في أرياف حلب وإدلب. ما يجري هو معركة وظيفية تريد تركيا بواسطتها فرض بعض الشروط على روسيا. قد يتعلق الأمر بمنطقة نفوذ جديدة على الشريط الحدودي شمال محافظة إدلب، بما يخلق اتصالاً برياً يمتد من ريف حلب الشمالي، ومنطقة عفرين، وصولاً إلى أبعد ما يمكن غرباً. وقد يتعلق الأمر بالوضع في ليبيا، حيث باتت تركيا وروسيا على طرفي خط الصراع، هناك أيضاً، أي بين حكومة طرابلس المدعومة من تركيا وقوات حفتر المدعومة من روسيا. وأخيراً قد تتضمن المطالب التركية من روسيا أيضاً ضمان عدم مشاركة "مجلس سوريا الديموقراطية" (الإطار السياسي لقوات سوريا الديموقراطية) في أي مسار سياسي. وقد كان هذا المطلب متحققاً طوال السنوات الماضية، فبقي حزب الاتحاد الديموقراطي خارج مسار جنيف، وخارج مسار اللجنة الدستورية، بضغط من أنقرة على مختلف القوى الفاعلة في الملف السوري. غير أن تعاوناً مستجداً بين قوات روسية وقوات سوريا الديموقراطية في مناطق واقعة شرق نهر الفرات، وأخباراً تتحدث عن استعدادات جارية لدى "مسد" للمشاركة في العملية السياسية بدعم من روسيا، جعلت بدن تركيا يقشعر خشية تحقق ذلك. ومن المحتمل أن تدعم روسيا، في الفترة القريبة القادمة، إدخال "مسد" في المسار السياسي لإرضاء شركاء جدد، السعودية ومصر والإمارات، وهي دول تخاصم الحكومة التركية بشدة ولا تتوقف وسائل إعلامها عن الهجوم على القيادة التركية. وقد يمكن إضافة إسرائيل أيضاً التي شارك بوتين في إحيائها ذكرى المحرقة اليهودية. ليس من قبيل "حكي الجرائد" أن تنشر إحدى الصحف الإسرائيلية، قبل أسبوعين، مقالةً تشبّه رئيس جهاز المخابرات القومية التركي هاكان فيدان بقائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني الذي اغتالته طائرة أميركية مسيرة أوائل شهر كانون الثاني الماضي، فتقول إنه بعد مقتل السليماني "ينبغي تركيز الاهتمام على هاكان فيدان"! باعتبار أن سليماني كان رأس حربة التوسع الإيراني في المنطقة، وفيدان "مهندس التوسع الامبراطوري العثماني المستجد". من المحتمل إذن أن أحد أسباب التوتر الروسي – التركي هو رغبة روسية في إرضاء أصدقاء جدد يتمثلون في الدول العربية المذكورة إضافة إلى إسرائيل. هذا إضافة إلى أن الجهة التي تدعمها موسكو في الصراع الليبي، أي قوات حفتر، مدعومة أساساً من الإمارات ومصر.

من المبكر الحديث عن قطيعة روسية – تركية كاملة، فحجم المصالح الاقتصادية والتجارية بين البلدين لا يسمح بافتراض مماثل. والمرجح أن ينتهي "الكباش" الجاري حالياً في الشمال السوري إلى توافقات جديدة بين بوتين وأردوغان.    

===========================

قضية حقوق ومحاسبة لا قضية جغرافيا

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 3/2/2020

بفعل الطائرات الروسية ومرتزقة "فاغنر"، وميليشيات إيران، وبقايا "حماة الديار"، سيطر نظام الأسد على حمص وحلب والغوطة والجنوب؛ والآن، سينال "شرف" تدمير منطقة إدلب و"تحريرها" من أهلها، وممن تم تهجيرهم إليها بعد تدمير مناطقهم.

يعرف مَن ساهم بسيطرة النظام على تلك المناطق (وخاصة روسيا) أن النظام يحتاج إلى /مَن/ و /ما/ يحكمه، وإلى إمكانيات تمكّنه من الحكم: هذه الـ /مَن/ رافضة له، إنها مُنهكة اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً بفضل حصاره، وبسبب استبداد الجولاني الذي زرعه بين ظهرانيها؛ والــ /ما/ مدمرة بفعل مئات أصناف الأسلحة التي جرّبها بوتين في تلك المناطق؛ أما إمكانيات إدارة تلك المناطق فهي غير متوفرة، حيث لم يعد الروسي أو الإيراني يؤمنها، ولا العقوبات يمكن أن ترتفع في ظل هكذا إجرام.

تأتي خطوة النظام الأخيرة هذه في ظل شبه صمت عالمي، وكأن هناك اتفاقاً خفياً بإنهاء الجانب العسكري للقضية السورية، والولوج في العملية السياسية. وهنا يعتقد النظام واهماً أنه بسيطرته العسكرية، سيكون التملّص من أي عملية سياسية يمكن أن تخلخل كيانه؛ وأن بإمكانه من خلال سيطرته العسكرية أن يتدبر أموره: فالعقوبات ستُرفَع، واللاجئون سيعودون، وإعادة الإعمار ستنطلق، والإصلاحات الدستورية ستتم.

عودة السوريين وهمٌ يحاول النظام -مدعوماً بدعاية روسية قوية- بيعه للعالم، فالنظام الذي أخرج السوريين من بيوتهم، لا يريدهم أن يعودوا إليها؛ وخاصة أنه يلاحقهم بطائراته أحيانا إلى مخيماتهم في الداخل السوري. إضافة إلى أن تلك البيوت لم تعد قابلة للعودة أساساً. فما لم يُدَمّر، تعرّض لعبث ميليشياته الإجرامية. حتى وإن عادوا رغم كل ذلك، فالنظام يريد عودتهم أذلاّء تحت حذائه العسكري. أما عن "إعادة الإعمار"، فالعالم يعرف أن مَن دمّر البشر والحجر، يستحيل أن يكون جاداً في إعادة الإعمار؛ إلا من أجل الحصول على عقود ينهبها لذاته ولحماته الروس الأكثر حماساً لإعادة الإعمار. ومن هنا، وفي ظل هذه المعادلة العبثية الوقحة، لا يمكن لمَن فرض العقوبات، للأسباب أعلاه، أن يرفعها.

مقابل تجاوب العالم مع الروس في قضيتي رفع العقوبات وعودة اللاجئين (طبعاً لمصالحهم الخاصة وعقودهم المافياوية)، وبعد "إنجازاتهم" العسكرية، يقدم الروس وعداً بـ "إصلاحات دستورية" يسعون إلى "إقناع" النظام بها من خلال دفعه للانخراط بعمل اللجنة الدستورية. ومن هنا نرى أنه بعد جهد جهيد، استقبلت موسكو المبعوث الدولي "بيدرسون". وللزيادة في دراما "جهودها" في الموضوع أوفدت إلى دمشق سياسيين روسييّن كبيرين كي يتعطّف وليد المعلم ويقبل استقبال المبعوث الدولي. تم الاستقبال؛ ولكن في موعد تقديمه إحاطة لمجلس الأمن.

المفارقة العجيبة أن النظام -حتى بعد تدخل الموفدين الروسيين- (ولا ندري إن كان بالتنسيق معهما) قد بقي متمترساً عند نقطة تعطيله للجولة الأخيرة للجنة الدستورية، والمتمثلة بامتحان وطنية ثلثي أعضاء اللجنة الدستورية؛ حيث أبلغ المبعوث الدولي أن "جدول الأعمال" الذي يطلبه لبدء جولة جديدة من عمل اللجنة الدستورية، هو "الثوابت الوطنية". وهذه "الأسس أو الثوابت الوطنية" هي / رفع العقوبات - إدانة الاحتلال التركي والأميركي- وسيادة سوريا/ معتبراً ذلك "الأسس الوطنية للإصلاح الدستوري".

إن محاكمة هذا النظام المجرم ومن يدعمه يجب أن تكون البند الأوحد على جدول أعمال الأمم المتحدة

رغم أن كل كلمة في الدستور يجب أن تكون أساساً أو ثابتاً وطنياً، إلا أن تلك الاشتراطات لا علاقة لها بمناقشة الدستور أو الإصلاح الدستوري؛ وما هي إلا من عقابيل ما صنعته يد النظام بسوريا وأهلها. هو من جلب الاحتلالات، وتسبب بفرض العقوبات، وجعل سيادة سوريا في مهب الريح. ولا تنفعه الأكاذيب والمزايدات. وإذا كان موقف المعارضة، الذي رفض الدخول إلى الجلسات؛ وجدول أعمال النظام "فحص وطنيتهم"، بالقبول بهكذا جدول أعمال، والولوج في العملية - كما يريدها النظام وروسيا من خلفه - فبئس هكذا موقف، سيمقته شعب سوريا، الذي يفكر بجدول أعمال فيه فقط إطلاق سراح المعتقلين. ولو كان هناك احترام حقيقي لحقوق الإنسان في هذا العالم، فإن محاكمة هذا النظام المجرم ومن يدعمه يجب أن تكون البند الأوحد على جدول أعمال الأمم المتحدة.

أخيراً، إذا كان هذا النظام ومن يدعمه يعتقدون أن القضية السورية هي مسألة سيطرة على الجغرافيا، أو قضية سياسية بين "معارضة" و "نظام"، وأن مَن يمتلك الشرعية هو النظام، فهم واهمون جداً. إنها قضية حقوقية بامتياز. إنها قضية محاسبة ومحاكمة عصابة إجرامية سطت على الدولة السورية، وأخذتها رهينة، وشردت شعبها، واعتقلت أبناءها، مدعومة بعصابات وميليشيات قوامها طائرات سوخوي، وقتلة، وفيتو في مجلس الأمن.

في ظل كل ذلك، تبقى مسألة واحدة؛ وفيها جوهر الخلاص من هذا الوباء وهذه المأساة، وهي أن يقف السوريون على هذه الحقائق، ويعيدوا إطلاق ثورتهم متبرئين من "القاعدة" و "داعش"- أدوات النظام وأعوانه - واضعين نصب عقولهم وأعينهم سوريا لكل مواطنيها تحت سيادة القانون.

===========================

ماذا وراء تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في سوريا؟

إبراهيم العلبي  

تي ار تي عربي

الثلاثاء 4/2/2020

ما إن أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، سحبَ قوات بلاده من سوريا، مع انطلاق عملية "نبع السلام" التركية شمال سوريا 9 أكتوبر الماضي، حتى عادت هذه القوات إلى العديد من تلك القواعد، بعد انتهاء العملية التركية، تحت ذريعة حماية الآبار والمنشآت النفطية.

وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني، وافق ترمب على "توسيع المهمة العسكرية الأمريكية" لحماية حقول النفط في شمال شرق سوريا، حسب وكالة “أسوشيتد برس"، التي قالت إن قرار ترامب أتى عقب اجتماع عَقَده مع مسؤولين في وزارة الدفاع.

ومنذ ذلك الحين، قامت القوات الأمريكية المتمركزة شمال شرقي سوريا بتعزيز وجودها وإرسال تعزيزات لوجستية ومعدات عسكرية، كما قامت بإنشاء نقاط تمركز جديدة لها في العمق، بعيداً عن آبار النفط التي شكّلت الذريعة المعلنة لبقاء هذه القوات.

نشاط عسكري متزايد

وزاد نشاط القوات الأمريكية في المنطقة خلال الأسابيع القليلة الماضية، لا سيما في شهر يناير/كانون الثاني الجاري، وعززت من انتشارها بعيداً عن المهام التي حددت لها في وقت سابق، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التحول وأهدافه، بل وأغراض الحضور العسكري الأمريكي في سوريا بشكل عام، لا سيما أن هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها البيت الأبيض قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا، لتَؤول الأمور لاحقاً إلى زيادة عددية ونوعية.

وأحدث ما سُجّل على صعيد نشاط القوات الأمريكية في سوريا، قيام هذه القوات بشراء قطعة أرض في تل براك في محافظة الحسكة، بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي من أجل إقامة قاعدة عسكرية جديدة في المنطقة، حسب وسائل إعلام محلية.

وتزامنت هذه الخطوة مع وصول تعزيزات عسكرية جديدة من معبر سيمالكا الحدودي مع العراق الذي يسيطر عليه تنظيم YPG الإرهابي، قادمة إلى قاعدة تل بيدر واستراحة الوزير بريف الحسكة.

وخلال الأسبوعين الماضيين كثفت القوات الأمريكية دورياتها المشتركة مع مسلحي YPG الإرهابي على طريق M4 الدولية التي تربط بين بلدة تل تمر والقامشلي في محافظة الحسكة. ونتيجة لهذه الدوريات، وقعت احتكاكات بين دوريات أمريكية وأخرى روسية لأربع مرات على الأقل، دون أن تسفر عن صدام بين الطرفين.

وفي ظلّ هذه التطورات، أعلن البنتاغون إعادة تفعيل عمليات مكافحة الإرهاب في سوريا "بعد توقف مؤقت"، وذلك على لسان الجنرال كينيث ماكنزي قائد القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية.

وفي حديث الجنرال إلى صحيفة واشنطن بوست، رفض تحديد مدة بقاء القوات الأمريكية في سوريا، قائلاً: "أنا بصراحة لا أعرف كم من الوقت سنبقى هنا، وليس لديّ أي تعليمات سوى مواصلة العمل مع شركائنا هنا".

ويتناقض هذا التصريح وهذا النشاط العسكري الموسع مع قرار الانسحاب المعلن من قبل البيت الأبيض والبنتاغون إبان عملية "نبع السلام"، وحتى مع الإعلان لاحقاً عن إبقاء وجود "مخفض" للقوات تقتصر مهمتها على حماية آبار النفط فقط.

التهديد الإيراني بعد مقتل سليماني

لا يمكن النظر إلى الخطوات العسكرية الأمريكية في سوريا بمعزل عن السياق الإقليمي. إذ إن تزايد النشاط العسكري الأمريكي يأتي بعد فترة وجيزة من تصاعد احتمالات اندلاع حرب إقليمية، بعد وصول التوتر إلى ذروته بين الولايات المتحدة وإيران مع اغتيال واشنطن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وما ترتب على ذلك من تدهور لعلاقة واشنطن مع بغداد وطلب الأخيرة سحب القوات الأمريكية من العراق.

المحلّل السياسي والخبير في السياسات الأمريكية، عبد الرحمن السراج، يعتقد أن ما يحصل هو "إعادة توزيع للقوات الأمريكية بين سوريا والعراق، خاصة بعد إضافة مهمة جديدة للقوات الأمريكية في البلدين منذ قتل سليماني، وهي حماية نفسها".

ويرى "السراج" في حديث مع TRT عربي أنه رغم تقلص الوجود الأمريكي في سوريا، إلا أنه ربما يترسخ أكثر من حيث النوعية، مشيراً في هذا الصدد إلى تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" التي رافقت إلى جانب "واشنطن بوست" الجنرال كينيث مكنزي قائد القيادة المركزية الأمريكية في جولته شرق سوريا، كشف عن أن القوات الأمريكية حوّلت بيوتاً قديمة قرب دير الزور إلى ثكنات ومراكز عمليات عالية التقنية.

ويجمع المراقبون على أنه ثمة خلاف بين الرئيس ترمب والبنتاغون في شؤون كثيرة، وعلى رأسها مسألة الانسحاب أو البقاء في سوريا.

"قرار قتل سليماني يدل على تجاوز ترمب للمؤسسة العسكرية الأمريكية، ولكن تظل هناك مرونة بين الطرفين بدلالة التسوية بينهما في سوريا مثلاً بعد أن تراجع ترمب عن الانسحاب، لكنه في الوقت نفسه سحب أكثر من ألف جندي. وأي استفزاز جديد من إيران يُقرّب بين ترمب والمؤسسة العسكرية أكثر"، يقول الخبير في السياسات الأمريكية عبد الرحمن السراج.

ما هدف الوجود الأمريكي في سوريا؟

أرسِلت أولى طلائع القوات الأمريكية إلى سوريا عام 2014 تحت مظلة الحرب على تنظيم داعش، غداة إعلان الأخير عن خلافته المزعومة، ولاحقاً جرى تأطير هذا الوجود الذي بدأ بعشرات الجنود ووصل إلى ألفين على الأقل في السنوات التالية في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.

وعلى الرغم من هذا الهدف المعلن فقد كانت الأهداف الأخرى، حسب مراقبين، أن واشنطن تحاول من خلال حضورها العسكري في سوريا أن تملك أوراق قوة للتأثير على مصير العملية السياسية في سوريا، وليس الدفع الجاد نحو حلّ سياسي ووقف المجازر بحق المدنيين.

ومن خلال الدعم الذي أغدقت به على تنظيم PKK الإرهابي، لم تقضِ واشنطن على بيئة الإرهاب التي نما فيها تنظيم داعش، بل عززتها عبر السماح لتنظيم YPG بالتمدد إلى مناطق جديدة في سوريا ومنحه السيطرة على منابع النفط، حتى في المناطق التي تسود فيها غالبية عربية، ما يعني فتح الباب أمام النعرات والاحتكاكات العرقية والقومية، وإثارة الفتن بين مكونات الشعب السورية.

وبالإضافة إلى دعم مشروع انفصالي قائم على التطهير العرقي، عمدت واشنطن إلى تحويل سوريا لساحة مواجهة ساخنة، تصفي فيها حساباتها مع قوى إقليمية مثل إيران وروسيا.

"أمريكا طوال السنوات التسع الماضية، كانت تصافح المعارضة بيد وتطعنهم باليد الأخرى"، هكذا لخص الباحث والمستشار السياسي، باسل الحاج جاسم السياسة الأمريكية في سوريا خلال سنوات الصراع.

وأضاف، في حديث مع TRT عربي، أن "واشنطن استغلت ما يجري في سوريا، وتقاطع ما تريده مع مشروع انفصالي عرقي داخل أراضي الجمهورية العربية السورية لمصلحتها"، معتبراً أن "ظهور داعش بالنسبة لهم كان الجوكر الذي جعل ذلك المشروع الانفصالي الاستيطاني يدخل حيز التنفيذ".

وتساءل الحاج جاسم: "بماذا نفسر صمت واشنطن عن تهجير مئات الآلاف من العرب، هذا إذا لم يتجاوز العدد مليوناً وأكثر، من مناطق يشكلون فيها أغلبية مثل الحسكة والرقة وريف دير الزور وهدم بلدات وقرى عربية بأكملها وتسويتها بالأرض وتهجير أهلها في شمال وشرق سوريا؟ ولا أحد يتحدث عن مصير هؤلاء".

ورأى أن "واشنطن تعول على عامل الوقت واستمرار الخلاف العربي- العربي في الداخل السوري، من أجل ظهور واقع جديد يغيّر وجه سوريا ويهدد دول الجوار لاحقاً وصولاً إلى روسيا"

===========================


صورة سوريا الغائمة في تقاطع الحرائق

 موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 5/2/2020

في مارس/آذار الماضي، قال تقرير لمجموعة الأزمات الدولية أنه «لا يشكل تجنب مواجهة عسكرية كارثية في إدلب، واحتواء مسلحي المنطقة حلاً دائماً. لكن حتى الآن، يشكل ذلك أفضل خيار متوفر يحمي حياة السكان». وكل الأخبار والصور التي تأتينا من هناك حالياً، تعبّر بقوة عن أن هنالك عدم مبالاة وبروداً قاتلاً في موقف القوى الفاعلة على الأرض، أمام الأخطار الهائلة على حياة السكان، التي رأينا الكثير منها، وما زالت مفتوحة على احتمالات أسوأ بكثير مما حدث .

ولكن، رغم المخاطر التي تعصف بإدلب، وريف حلب الغربي والجنوبي، والضحايا وقوافل الرحيل العاجل بعشرات الآلاف الذي علّق على صوره الفاجعة، أحد كبار لصوص النظام في الشمال السوري قائلاً: «إدلب الخضراء تتطهر من قذارة البيئة الحاضنة للإرهاب، التي قررت الهروب إلى تركيا.. مخيمات النجاسة تليق بكم». رغم ذلك، تغيب صورة سوريا عن الأضواء بشكل لافت، وتخيّم على مجازرها ونزوح أهلها غيمةٌ ثقيلة قاسية.

كانت القضية السورية وتضحيات السوريين، قد تركت بصماتها العميقة على المنطقة كلها، فاستفادت الشعوب، في دعم وتقويم طموحاتها، واستفادت القوى الرجعية الطائفية النهّابة من تلك البصمات، وما تعنيه أيضاً في إعادة تمركز وتجميع وتسليح قواها.

في العراق مثلاً، حدّد الشبان موقعهم وأهدافهم واستراتيجيتهم بدقة وتجديدٍ وجرأة: هم مظلومون من قبل نظام فاسد حتى العظم، ابتلع المسؤولون فيه ثروات البلاد، وتركوها في حالة حرمان وخراب لا يليق بالغنى المعروف عن البلاد، وكان الجشع والشراهة شاملين ومتوافقاً عليهما. وصاغت تلك النخبة من الفاسدين نظاماً انتخابياً، ووقائع معقدة صعبة على الاختراق ومحاولات الإصلاح، وحمت ذلك كله بميليشيات نمت وتوسعت تحت غطاء محاربة إرهاب «داعش»، وفي ذلك كله كانت أذرع إيران تتغلغل عميقاً، وتقوم بالسيطرة على المفاصل المهمة، مستفيدةً من تلك الأرضية أيضاً في تعبيد وتشغيل طريق دمشق لنقل المقاتلين والعتاد والدعاة. فحملت انتفاضة العراقيين شعارات التغيير، وإنهاء الفساد وتشكيلة الأحزاب الفاسدة (رسمياً: ضاعت على العراق بالفساد 500 مليار دولار) والنظام الانتخابي السيئ، في حراك سلميّ مصمم على سلميته وعناده وشجاعته معاً. ذلك درس من ثورة شباب سوريا في عامها الأول، ظهر مع بعض إيقاعاته في بغداد والناصرية والبصرة والنجف وكل مكان. وحفظت القوى المضادة «درسها السوري» أيضاً، فاشتغلت على القوة والعنف، واغتالت زهرة الناشطين وما زالت، وحرضت على إنعاش الطائفية، والتفّت على الموضوع، وأخذت تضيع الوقت، ريثما تنبت نباتات سامة مختلفة.. حوّلت «التقية» أيضاً إلى كذبٍ صريح مجرّد في استراتيجيتها.

وفي لبنان، كانت الآثار السورية قد تعرضت لنكسة قوية في السابق، إلا في مجال الفساد، واستمرار الدور الأسود الذي يلعبه حزب الله، أو إيران عموماً. ولكن ذلك تعرض لارتداد مهم مع «التسوية» التي حملتها الانتخابات النيابية والرئاسية الماضية، وضمن حزب الله لنفسه مركزاً قيادياً يحكم فيه من وراء ستار، ومن أمامه أحياناً؛ وابتدأ «اللبنانيون- السوريون» بالظهور على السطح، وإعادة ترتيب أوضاعهم، وعاد بعض أهم رجالهم على الإطلاق إلى الواجهة السياسية. وأمام تفاقم الحالة المعيشية والفساد، انتفض اللبنانيون، وتغيّرت الصورة، حتى ابتدأ الجميع بتملّق الحراك وادّعاء ملكيته جزئياً أو كلياً. رفع اللبنانيون شعارات سلمية أيضاً، بالتركيز على الفساد وسوء الأحوال المعيشية، وعمومية الحراك خارج الطوائف، وبشكل جامع لها محصّن ضد الفرقة والتفريق، وقاموا من جهة أخرى بتحييد مسألة اللاجئين السوريين، لقطع الطريق على الطرف الآخر، والإصرار على حكومة من المستقلين خارج النخبة السياسية المعروفة، وعلى برنامج إصلاحي جذري، حصين على الاحتيال والتفخيخ المعتادين.

كذلك ظهرت البصمات السورية الأخرى، وبشكل أكثر صراحة ووضوحاً، ليس من طريق جبران باسيل وحسن نصرالله وحدهما، بل كذلك من خلال تقدم «السوريين» ليلعبوا دوراً مهما للمرة الأولى منذ زمن في تشكيل حكومة حسان دياب العتيدة. ظهرت البصمات السوداء كذلك في طريقة وخبرات استدراج المنتفضين للعنف، وأيضاً في الإرهاب المقنّع الذي يمارس وظيفته بالحرائق والقمع السافر وتفريق الناس، بالترغيب والترهيب، وبالخداع أيضاً. كلّ ذلك، والسوريون في لبنان وكلّ مكان، يضعون أيديهم على قلوبهم، من الحرص والرجاء والخوف، وخشية التأثير السالب على قضيتهم وحالهم.

كانت القضية السورية وتضحيات السوريين، قد تركت بصماتها العميقة على المنطقة كلها، فاستفادت الشعوب، في دعم وتقويم طموحاتها

بعد سيطرة النظام من جديد على مدينة حلب في أواخر عام 2016، ابتدأ مسار آستانة بتحقيق شطره العميق، الذي يربط بين الدول الثلاث المعنية به، وفي سبتمبر/أيلول2017 ظهرت الصورة التاريخية التي تجمع كلاً من رؤساء روسيا وتركيا وإيران وقد اشتبكت أيديهم معلنين ما سُمّي باتفاق خفض التصعيد. وبعد ذلك بقليل: في يناير/كانون الثاني 2018 ابتدأت عملية غصن الزيتون، التي اجتاحت فيها تركيا منطقة عفرين الكردية شمال غرب سوريا، وفي فبراير/شباط قام النظام تحت غطاء روسي بإطلاق قذائف الغاز السام على دوما، لتستسلم القوى المسيطرة في الغوطة الشرقية بعدها كما هو متوقع، ثم انتهى وجود المعارضة المسلحة شمال حمص في مايو/أيار، وتمّت المصالحة بعد تفاوض بين الروس والمعارضة في درعا، لتنتهي بذلك ثلاث مناطق من الأربع التي كان اتفاق خفض التصعيد المزعوم، يهدف إلى تهدئتها بسلام. ولتبقى إدلب وحدها من بين «مناطق خفض التصعيد» بعد ذلك مكشوفةً على احتمالات العواصف، ضمن سياقها المعقد والصعب.

منذ فترة ليست بالقصيرة قبل ذللك الاتفاق، ظهر الاهتمام التركي مركزاً على الخطر الكردي على الأمن القومي، وتراجع الاهتمام بالقضية السورية، بعد فشل المعارضة بتحقيق مكاسب جوهرية تعد بقيام نظام «صديق» في دمشق، ليصبح الهم الكردي وحده محط ذلك الاهتمام وتلك المتابعة، مع الانشغال أيضاً بمسألة اللاجئين، من حيث المبدأ والحمولة والمخاطر اللاحقة على الحاضر الانتخابي والاقتصادي والأيديولوجي، وعلى المستقبل عموماً. أما تركيا وروسيا، فتنشغلان بالقضية السورية على هواهما المشترك، أو هوى كل منهما على انفراد، مع هارموني غامض الملامح. قال أردوغان للصحافيين الذين يرافقونه على الطائرة منذ أيام: «في حال التزمت روسيا باتفاقي سوتشي وأستانة، فإن تركيا سوف تواصل الالتزام بهما. روسيا لم تلتزم حتى الآن بالاتفاقيتين. لم يبق شيء اسمه مسار أستانة. نقول للروس: أوقفوا هذه الهجمات، وإلا فإن صبرنا بدأ ينفد، وسنقوم بما يلزم».

حققت تركيا ما تريد تحقيقه في الشمال شرقه وغربه، وكذلك فعلت روسيا، خصوصاً في الغرب في الساحل وعلى سفح الجبل، وبانتظار استقرار الحال وتكريس الحصاد، هنالك مشاغل أخرى معقدة للطرفين، مع عجز عن مواجهة مشكلة إدلب بشكل حاسم، واكتفاء لم تتبلور عوامله الضامنة بتسهيل فتح طريق دمشق- حلب. وما يجرى على الأرض شمالاً في إدلب وحلب فظيع ومريع، تتقطع له قلوب السوريين على أخوتهم، لا يملكون من الوقود ما ينقلهم وأطفالهم إلى أرض أكثر ثباتاً وأماناً، وأقرب إلى الحدود التركية الموصدة. وما يجري هنالك كفيل بتوليد الإرهاب لأكثر من جيلٍ واحدٍ في الزمن المقبل. في ظلال تلك المأساة الخانقة، وضياع سوريا وزلازل المنطقة، التي خلقت معادلة جديدة بهمة الأسد وشركاه و»خصومه»، تقدم ترامب بما يراه صفقة القرن، مستفيداً وصهره من كلّ خبرتهما الطويلة في بناء وتجارة العقارات، وسمسرة العقارات!

===========================

العنصرية والسوريون في أوروبا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 5/2/2020

يشتكي السوريون في أوروبا من العنصرية، وقد سمعت وعايشت هذه الشكاوى مراراً وتكراراً في السنوات الثلاث الأخيرة، التي تنقلت خلالها للإقامة في ألمانيا وبريطانيا، وجزئياً في فرنسا، والتقيت خلالها عشرات من أشخاص يعيشون في بلدان أوروبية أخرى ممن سردوا قصصاً وحوادث ذات طابع عنصري.

أشكال العنصرية التي يواجهها السوريون في أوروبا متعددة، شكلها الأول هو اعتراض على وجودهم، كما في سؤال: لماذا أنت هنا؟ أو في سؤال: لمَ لا تذهب إلى بلدك؟ وقد يذهب الاعتراض على وجود السوريون إلى مستوى المطالبة بترحيل اللاجئين، في دلالة الاعتراض على وجودهم الجماعي، وهذه المطالبة تتعدى مطالب الأشخاص الفردية في الشارع أو في مكان العمل، لتظهر مطلباً جماعياً يُطرح في وسائل الإعلام، بل مسؤولون سياسيون وأعضاء في برلمانيات وطنية أو محلية، وقادة أحزاب وجماعات يمنية، يجهرون ويناقشون في مؤسساتهم موضوع ترحيل اللاجئين السوريين أو يَعدون بترحيلهم في المستقبل.

ويكشف الاعتراض على وجود اللاجئين السوريين، الأسباب وأغلبها أسباب اقتصادية، التي تتعلق بفرص العمل والضرائب والتقدمات الاجتماعية، لكنّ الأسباب قد تكون في حالات أخرى ناتجة عن آيديولوجيا عنصرية، وهي نزعة تصاعدت في العقود الأخيرة في أغلب بلدان أوروبا، وتفاقمت مع تصاعد الأزمة الاقتصادية، مما يؤشر على نحو تقريبي إلى هوية الغالبية من رافضي اللاجئين، وأكثرهم من غير السكان الأصليين وبعض هؤلاء من العرب الذين لديهم مشاعر سلبية حيال السوريين، بسبب منافستهم المحتملة في سوق العمل ومنها سوق العمل السوداء، التي تغرق فيها قطاعات من المهاجرين، وقد تكون الأسباب آيديولوجية أو سياسية، وهي أسباب حاضرة في واقع الوجود العربي في أوروبا رغم أن أساسها في عالم غير أوروبي.

الشكل الثاني في العنصرية حيال السوريين، يتجاوز الاعتراض على وجودهم، ليتوقف عند استنكار ما يتصل بهم من مظاهر في الشكل واللباس، وما يظهر من اختلاف في عاداتهم وسلوكياتهم، وتندرج في هذا السياق ملابس النساء خصوصاً غطاء الرأس الذي يبدو علامة فارقة، ويلعب دوراً أساساً في التمييز ضد النساء في مجال العمل، كما أن في حيثيات هذا السياق عادة رفع السوريين أصواتهم في وسائل النقل والمحلات العامة وعند الحديث بالهواتف، وفي سياقها أيضاً الموقف غير الودي من الحيوانات الأليفة وبخاصة الكلاب التي يتجنب السوريون التعامل معها أو يحذرونه بسبب خليط من موانع دينية واستناداً إلى عاداتهم في النظافة.

الشكل الثالث في أشكال العنصرية التي يواجهها السوريون، يتصل بعدم معرفتهم اللغات المحلية بوصفها وسيلة تواصل واتصال مع المجتمع. وإن كان من الصحيح أن المتكلمين بالإنجليزية من اللاجئين يستطيعون أن يتجاوزوا في كثير من الأحيان مشكلة التواصل والاتصال مع الأوروبيين. فإن بعض الأخيرين يصرّون على اللغات المحلية التي لا شك أن كثيراً من السوريين لم يسمعوا بها قبل تغريبتهم، وبعض تلك اللغات لا يتجاوز عدد المتحدثين بها سكان مدينة سورية متوسطة. وتتم ممارسة هذا النوع من العنصرية في أماكن العمل، ويحصل أحياناً في الدوائر الرسمية، وغالبية من يمارس هذا الشكل من السكان الأصليين وأقلهم من أصول مهاجرة.

الشكل الرابع في العنصرية حيال السوريين، يمثله رفض التعامل معهم وخلق صعوبات وذرائع تمنع علاقات طبيعية بين اللاجئين والمواطنين. وأكثر ما يظهر ذلك في العلاقات الثنائية ومنها العلاقات بين الشباب والشابات، والتي تمنع الارتباط والعيش المشترك، وكذلك منها العلاقات بشراكات العمل، كما في العلاقات المتصلة باستئجار السوريين بيوتاً وغرفاً للسكن أو محال تجارية وعقارات، يرغبون في استثمارها. ورغم أن البعض يورد أسباباً «مقبولة» لرفضه التعامل مع لاجئين، فإن آخرين يرفضون بصريح العبارة ومن دون مواربة، وأغلبهم من السكان الأصليين، لكنّ بعضهم من أصول مهاجرة ومنهم عرب، وقد عرفت شخصياً بعض اللبنانيين والسوريين ممن يمارسون العنصرية برفض تأجير ممتلكاتهم لسوريين، والبعض يرفض تشغيلهم في مؤسسات يملكها، وهم لا يعدمون الحجج في تبرير موقفهم.

ولا يحتاج إلى تأكيد أن العنصرية الأوروبية لا تخص في سياساتها وممارساتها السوريين وحدهم. إنما تصيب الآخرين بمن فيهم المهاجرون واللاجئون القدامى. وقد برزت خصوصيتها حيال السوريين نتيجة عوامل وظروف أغلبها يتعلق بالسوريين أنفسهم. ولعل أول هذه العوامل أعدادهم البالغة نحو مليون شخص، والتي بدت كبيرة بالنسبة إلى بعض البلدان الأوروبية، كما في ألمانيا والسويد، لكن العدد قليل إذا قورن بما في تركيا من سوريين وفيها نحو أربع ملايين لاجئ ومساحتها أقل من عُشر مساحة أوروبا البالغة 10 ملايين كم2، وسكانها نحو عُشر السكان البالغ 740 مليوناً، واقتصادها لا يُقارن بالاقتصاد الأوروبي والمصنف بالمرتبة الأولى على قارات العالم الخمس.

إن النظر إلى اللاجئين السوريين في أوروبا لا بد أن يتضمن إشارة إلى أمرين اثنين، أولهما الاختلاف الحضاري والثقافي بين المجموعات الوافدة والمجتمعات المستقبلة (على نحو ما يجري دائماً في بريطانيا) والأمر الآخر يتعلق بجملة ما لحق باللاجئين في بلدهم ودفعهم إلى الخروج منها إلى أوروبا.

ففي الأمر الأول، هناك اختلاف في العادات والتقاليد والإرث الثقافي والحضاري بين اللاجئين وسكان البلدان المستقبلة، وثمة فروق كبيرة بين الطرفين خصوصاً في حال وجود عدد كبير من اللاجئين (ألمانيا 530 ألفاً، والسويد 110 آلاف، والنمسا 50 ألفاً)، مما يجعل الفوارق تظهر داخل المجتمع، وسيشعر السكان الأصليين بأن القادمين يُحدثون تغييراً ملموساً في حياتهم في اتجاهات مختلفة ومستويات متعددة، مما يدفع إلى بروز مخاوف وممارسات عنصرية، وقد تصبح سياسات، لأن السياسة في البلدان الأوروبية في أحد وجوهها من صناعة الجمهور.

أما في الأمر الآخر، فمن المهم الإشارة إلى أن اللاجئين وافدون من بلد يطحنه العنف وإرهاب الدول والجماعات المتطرفة عبر سنوات، وقد هرب هؤلاء من الموت، وتركوا خلفهم كل ما يملكون من عقار ومال ومقتنيات، وجزء منهم خرج دون وثائقه الشخصية والعائلية، بل إن القادمين منهم عبر البحار لم تُتح لهم فرصة المجيء إلا بما عليهم من ثياب، وقد سلبت عصابات الاتجار بالبشر وعصابات اللصوص بعضهم على الطريق القليل مما كان معهم، وحمل أغلبهم، لما تقدم، إرثاً كبيراً من الخوف والألم من جراء ما عاشوا وشاهدوا من أحداث ومجريات خلّفت جروحاً وأمراضاً تحتاج إلى علاجات ووقت طويل لتشفى.

رغم كل ما أحاط ويحيط باللاجئين السوريين في أوروبا فإنهم برهنوا في السنوات التي انقضت على وجودهم هناك، ورغم ما بدا من هنات ومشكلات فإنهم كانوا أقدر مجموعات اللاجئين على التفاعل الإيجابي مع المجتمعات الجديدة، وأكثرهم قدرة على الاندماج عبر تعلم اللغة والدراسة والدخول في سوق العمل، وهذه الخلاصة ليست تقديراً ولا استنتاجاً، بل هي اعتراف رسمي من ألمانيا والسويد، البلدين الذي يضمان أكبر مجموعتين من السوريين في أوروبا، وللأسف فإن الأحاسيس العنصرية في هذين البلدين وغيرهما آخذة في التزايد، مما يتطلب إعادة النظر لا في السياستين الألمانية والسويدية حيال اللاجئين فقط بل في جملة السياسة الأوروبية كلها في هذا الموضوع، لثبوت أن فيها أخطاء ونواقص ينبغي أن تُعالَج.

===========================

موقفنا : كورونا ... ودين ... وسياسة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

7/ 2/ 2020

مات الطبيب الصيني لي ليانغ الذي سبق إلى التحذير العلمي في الوسط العلمي من الفيروس منذ 30 / 12 / 2019 ..أي منذ أربعين يوما تقريبا .

مات بعد أن تعرض للمساءلة وللمحاسبة من حكومته الموقرة لأنه سبق إلى تحذير زملائه الأطباء من الفيروس الذي زعم أنه اكتشف .

وهذه العلاقة الملتبسة بين العلمي والسياسي في القرن الحادي والعشرين !! تؤكد لنا أن عقلية رهبان " محاكم الإكراه - التفتيش " ما تزال تحكم العالم . وما زال العلماء من أمثال غاليلو... ولي ليانغ يُساءلون أو يستتابون . وما زال طلاب الحرية يقتلون أويحرقون كأصحاب الأخدود .

حين أتكلم عن " رهبان محاكم الإكراه -التفتيش " أو عن " ذي نواس " في هذا السياق ، فأنا أتكلم عن العقلية وليس عن الهوية . وهذه حقيقة قد تكون صادمة للكثيرين . " فرسان الإكراه " ؛ الذين وسموا عبر التاريخ بفرسان المعبد ، ربما زورا وبهتانا ، هي الأشد خطرا على إنسانية الإنسان .

 ونكتشف منذ بداية القرن العشرين أن المعابد التي أعلنت الثورة على الله كانت الأخطر !! وكان من بعض آثام هذه المعابد التي أعلنت" موت الله " و" تأليه الإنسان " " الإنسان السوبر " الهولكست النازي بكل هويات ضحاياه . و كان منها ما يجرى على الساحل الشرقي للبحر المتوسط في العشرية الثانية من القرن العشرين .

أعندكم نبأ من الشام وحديثها : يكتب القائد لسيده مبشرا : لقد خاضت خيولنا في دماء المسلمين حتى الركب ، كان هذا في القرن الثالث عشر يا فتى فتأمل .. !!

الهولكست النازي في القرن العشرين قام عليه فريق واحد من فرسان المعبد ، و كان فرسان المعبد قد انشقوا على أنفسهم فراح فريق يحارب ضد فريق . وما جرى ويجري على الشاطئ الشرقي للمتوسط في العشرية الثانية للقرن الحادي والعشرين فقد اتفق عليه فرسان المعبد أجمعون أبتعون أبصعون .. فتصور !!!

وأعود إلى أمر الطبيب الصيني ، وإلى تاريخ 30 / 12 / 2019 . والذي سبق إلى تحذير زملائه عبر رسالة نصية عن اكتشافه سبع إصابات بفيروس هو من فصيلة السارس . وأن عليهم أن يأخذوا الأمر على محمل الجد ..

وتأملت صورة فيروس كروانا فإذا هو تشكل جميل، ولا يشبه ما تقدمه لنا أفلام الخيال العلمي عن الوحوش القادمة من عوالم أخرى ..ولكن هذا الفيروس " الإرهابي" الذي لا تدركه الأبصار المجردة يهز العالم اليوم . ولم يبق بين منظمة الصحة العالمية وبين الإعلان عن الفاشية الوبائية العالمية إلا درجة واحدة . وماذا يمكن أن يكون بعدها، وما هي الإجراءات التي سيتخذها "فرسان المعبد" فيما بينهم لحماية رئاتهم ، من هذا الإرهابي الذي يتحرك بلا جواز سفر، ولا فيزا ، ولا يصده حارس ولا يتحكم به ترامب بتغريدة من تغريداته المستفزة ، وهو إلى ترامب وإلى أمثاله قريب قربه من أي إنسان آخر . وربما عطسة ، غَرِبة ، يعني طائشة تقذف بالفيروس في رئات الكثيرين الذين يظنون أنهم محصنون !!

أمام فيروس كورونا الذي غدا التهديد والهاجس والمقدم في نشرات الأخبار لنا ثلاث كلمات : الأولى أن لا نجعل مَثَل العبرة مادة للجاج ..

القرآن الكريم يخبرنا عن مثل البعوضة فما فوقها ، وترْكُ ما فوقها مفتوحا ، باب من أبواب الإعجاز ، ما فوقها في العظم والكبر، أو ما فوقها في الضعف والدقة والصغر؟؟!! ، فتأمل يا رعاك الله

قال القرآن الكريم عن البعوضة المثل : يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا . يقول أحدنا كورونا جند من جنود الله ، وما يعلم جنود ربك إلا هو !! ويرد عليه الآخر بما تعودنا أن نسمع فلا نستمر في اللجاجة واللدد .. فإن هذا لا يفيد

آمر آخر - ونحن نسأل الله اللطف بعباده - وإذا كانت كورونا قد أصابت وأهلكت الآلاف من البشر في نحو شهر ؛ فلا تحسبن أن تسارعها سيظل ثابتا ؛ إن لم يوفق العلماء إلى لجام يلجم الوحش الإرهابي الحقيقي الذي بات يهدد العقول والقلوب . الوصية حول العالم اليوم أينما كنت : لا تخرج من بيتك إلا لحاجة ، ولا تتغشّ المحافل العامة إلا لضرورة !! أقول إن تسارع انتشار الفيروس ستتحكم بها قواعد التتالي الرياضي 2..4..8..16..32 .، وربما 2 10 20 40 .وسيظل التسارع متصاعدا يوما بعد يوم.

فهل ستوقف شركات الطيران رحلاتها ، وتغلق أسواق الأعمال والأموال أبوابها وفي عصر السرعة يتسارع كل شيء ..!!!

وأمر ثالث أو رابع الطبيب الصيني الذي سبق إلى اكتشاف كورونا ، والذي سبق إلى تحذير زملائه الأطباء في رسالة خاصة منه ، والذي مات من الفيروس ؛ هل كان في حقيقة الأمر يشتغل عليه ؟! هل كان يشتغل عليه فانفلت منه كما في كل الأفلام ؟!! فأسرع إلى تحذير زملائه ، وأسرعت حكومته إلى مساءلته وعقوبته لأنه يكشف سرا من أسرار دولته ..

هل في مئات الأسلحة الاستراتيجية التي أعلن شويغو أنه جربها في أديم الشعب السوري نوع من هذا الكورونا المزخرف الجميل ؟!

سؤال كبير يفرضه العقل ، والبحث العلمي ولا يجيب عليه بحسم إلا من تعلمون وعلينا أن ننتظر فرسان المعبد حين يختلفون ,,,,,,

وكلمة أخيرة ..

وحين يجد كل البشر في العمل على حماية بلدانهم وشعوبهم وأنفسهم من الإرهابي كرونا الذي يَرى ولا يُرى يجد بشار الأسد في تدمير سورية وتقتيل وتهجير شعبها وكل فرسان المعبد يشدون على يديه مهنئين ..

( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ )

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

العلاقة التركية ـ الروسية واختبار الدم

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 6/2/2020

شكّل مقتل ثمانية جنود أتراك، بالقرب من مدينة سراقب في محافظة إدلب السورية، بقذائف مدفعية ميليشيات النظام الكيماوي، صدمة في الرأي العام، لم تكف الهجمات الانتقامية التي قالت وزارة الدفاع التركية إنها أدت إلى «تحييد» ما بين 25 ـ 35 عنصراً من قوات النظام لتجاوزها. كذا لم تفعل زيادة هذا العدد المفترض إلى 70 ـ 75 على لسان الرئيس أردوغان، قبيل رحلته إلى أوكرانيا التي بينها وبين روسيا ما صنع الحدّاد منذ إلحاق الأخيرة لشبه جزيرة القرم، وتكرار الرئيس التركي للموقف الرافض لأنقرة لهذا الإلحاق.

وبدلاً من اتخاذ القيادة الروسية موقفاً متضامناً مع شريكتها في مسار أستانة، في أعقاب مقتل الجنود الأتراك على يد ميليشيات تابعها الكيماوي، أو موقفاً وسطياً بالحد الأدنى، انشغل المسؤولون الروس بتكذيب الرواية التركية حول الرد الانتقامي على ميليشيات الأسد، ليقولوا إن الطيران التركي لم يتجاوز الخط الحدودي وإن القصف المدفعي التركي لم يؤد إلى خسائر بشرية في صفوف ميليشيات النظام. بل إنهم برروا هجمات النظام على القافلة العسكرية التركية التي كانت متجهة إلى سراقب لوضع حد لتقدم قوات النظام، بالقول إن الجانب التركي لم يبلغهم مسبقاً بمسار القافلة، في حين كانت وزارة الدفاع التركية قد أكدت أنها أعطت الشريك الروسي إحداثيات خط سيرها بصورة مسبقة. ونشرت وسائل إعلام روسية خبراً لم تؤكده مصادر رسمية حول مقتل أربعة جنود من القوات الخاصة الروسية، في الأول من شهر شباط/فبراير، في منطقة لم تحددها شمالي مدينة حلب، وذلك حين انفجر لغم بسيارتهم وسارعت عناصر مسلحة (معارضة) إلى قتل الجنود الروس الذين جرحوا في انفجار اللغم. ونشرت مواقع روسية أسماء الجنود الأربعة وصورهم. من المحتمل، إذن، أن مقتل الجنود الأتراك، في اليوم التالي، جاء بتوجيه روسي انتقاماً لمقتل جنودها الأربعة. أضف إلى ذلك قيام طائرة حربية روسية بقصف مركز مدينة الباب، شمال شرق حلب، المحسوبة ضمن إطار منطقة النفوذ العسكري التركي في عملية «درع الفرات» في سابقة هي الأولى من نوعها هناك. هذا ما يفسر عدم إدانة الروس لاستهداف القافلة العسكرية التركية من قبل مدفعية حليفهم الكيماوي، ولمجمل تصريحاتهم في تكذيب التصريحات التركية بشأن الرد الانتقامي التركي على قوات النظام.

 

تستمر المعارك في ريفي إدلب وحلب، بانتظار لقاء جديد بين الرئيسين الروسي والتركي لوضع أساس لتفاهمات جديدة ستكون مؤقتة أيضاً إلى أن تتغير موازين القوة فترسو على وضع نهائي

 

وعموماً ارتفعت وتيرة التصعيد في التصريحات التركية الموجهة ضد روسيا، بما في ذلك تصريحات أردوغان بالذات، مقابل برودة أعصاب القتلة التي اتسمت بها الردود الروسية عليها، بما يليق بشخصية الرئيس الروسي. لكن عاصفة التصعيد الميداني توقفت بالنسبة للاستهداف (المتبادل؟) بين الجيش التركي وميليشيات النظام على ما تظهر تطورات اليومين الماضيين، بموازاة استمرار قصف طيران النظام لمناطق متعددة في ريفي إدلب وحلب الغربي، وكأن التوتر التركي ـ الروسي وضع بين قوسين، بعد المكالمة الهاتفية بين أردوغان وبوتين الأربعاء.

وسبق للرئيس التركي أن أعطى إشارة قوية لتهدئة التوتر مع روسيا، في تصريحات أدلى بها في الطائرة التي أعادته من أوكرانيا إلى تركيا. فبناء على سؤال لإحدى الصحافيات المرافقات، قال أردوغان إن العلاقات التركية الروسية متعددة المستويات، ولن تتأثر بالتوتر الذي حدث بعد مقتل الجنود الأتراك. فتحدث، في هذا الإطار، عن المفاعل النووي الذي تبنيه روسيا في تركيا، والمهندسين الأتراك الذين يتلقون تدريباتهم في روسيا، وصواريخ إس 400، وخط نقل الغاز المسمى بـ«التيار التركي» لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، إضافة إلى استيراد قسم كبير من حاجة السوق التركية للغاز الروسي، والعلاقات التجارية النشطة بين البلدين، واستمرار السياح الروس في احتلال المرتبة الأولى في حجم سوق السياحة التركية. وكأن أردوغان أراد، من خلال هذا الكلام، أن يرد على موجة الاستياء من روسيا التي أعقبت مقتل الجنود الأتراك في الرأي العام التركي، كما على دعوات البعض إلى مراجعة العلاقة غير المتكافئة مع روسيا على حساب العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

الواقع أن الشراكة الروسية – التركية في الصراع السوري، لم تخرج يوماً من دائرة النقاش العام، فكان هناك تيار معارض يدافع عن وجوب التمسك بموقع تركيا في التحالف الغربي، مقابل «تيار روسي» يدفع باتجاه القطيعة مع الغرب تحت شعار «العداء للامبريالية» الذي يجمع تحت مظلته يساريين وقوميين وإسلاميين، وإقامة تحالف استراتيجي مع روسيا (وإيران)، من أبرز الدعاة إلى إعادة التموضع الاستراتيجية هذه اليساري الماوي السابق دوغو بيرنجك رئيس «حزب الوطن» (حزب العمال التركي سابقاً). الغريب أن هذا الحزب الهامشي الذي طالما فشل في إدخال نائب واحد إلى البرلمان في جميع الدورات الانتخابية التي شارك فيها، يلعب دوراً سياسياً يفوق حجمه بأضعاف مضاعفة. فهو يرى في نفسه ممثل «الدولة» (أو ما يسمى في الأدبيات التركية بالدولة العميقة) أو صاحبها والمدافع عنها في مواجهة «السلطة» التي تتعاقب عليها مختلف الأحزاب والتيارات، أو بالتحالف معها حين يحدث التطابق بين سياساتها و«المبادئ القارة للدولة». لذلك نرى الآن تحالفاً غير معلن بين هذا الحزب وحكومة الرئيس أردوغان.

لم تحل المكالمة الهاتفية بين أردوغان وبوتين مشكلة الخلافات بشأن وضع إدلب، وربما بشأن منطقة «نبع السلام» أيضاً. فهنا وهناك لم تحقق تركيا الأهداف التي غزت قواتها الأراضي السورية من أجل تحقيقها. لذلك تستمر المعارك في ريفي إدلب وحلب، بانتظار لقاء جديد بين الرئيسين الروسي والتركي لوضع أساس لتفاهمات جديدة ستكون مؤقتة أيضاً إلى أن تتغير موازين القوة فترسو على وضع نهائي.

-------

كاتب سوري

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com