العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-12-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

فشل الأمم المتحدة المزمن في حل الصراعات.. الأزمة السورية نموذجاً

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 4/12/2019

كتب الكثير ليس عن فشل الأمم المتحدة في حل الصراعات في إفريقيا وآسيا فحسب وإنما عن تورطها بشكل مباشر في عدم منع جرائم الإبادة كما جرى في سربرينتشا في البوسنة والهرسك أو روندا بما يرقى إلى مرتبة التواطؤ أو المشاركة، وقد فتحت الكثير من التحقيقات الدولية والوطنية حول هذه الحوادث لكن التحقيقات كلها انتهت إلى حصانة الأمم المتحدة من المسؤولية عن الجرائم التي يرتكبها موظفوها وأن كل ما يمكن أن يحدث هو أن تفتح الأمم المتحدة ذاتها تحقيقا داخليا وهو التحقيق ذاته الذي غالبا ما ينتهي إلى الأدراج المغلقة.

ولا يبدو دور الأمم المتحدة في سوريا مختلفاً كثيراً فمسؤولية البعثة الأممية في عدم حماية المدنيين السوريين من الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد منذ عام 2011 بحقهم وخاصة في حالة حمص التي تورطت الأمم المتحدة فيها حيث رعت اتفاقا داخليا مع نظام ألأسد أدى إلى تهجير عدد كبير من المدنيين لم يتمكنوا من اليوم من العودة إلى بيوتهم، فضلا عن تصفية نظام ألأسد لعدد من المدنيين من حي الوعر في حمص الذين وعدتهم الأمم المتحدة بالحماية لكنها لم تستطع أبدا القيام بأي شي يتعلق بذلك.

لقد بدأ حصار الحكومة السورية لحي الوعر في مدينة حمص في أكتوبر/تشرين الأول 2013، في الوقت الذي كانت فيه جماعات المعارضة المسلحة في مدينة حمص في محور القتال مع الحكومة. وقُيّدت حركة الغالبية العظمى من سكان حي الوعر الذين كان عددهم ُيَقَّدر بما بين 70000 و100000 شخص، كما قُيّدت إمكانيات الحصول على الغذاء، والدواء، والوقود. وحتى الطلبة والموظفون الحكوميون الذين ُسِمَح لهم بالخروج من الحي والدخول إليه كانوا ً كثيرا ما يتعرضون للمضايقات عند نقاط التفتيش، وكذلك للاحتجاز في بعض الأحيان. ُوشِّدَد الحصار  تدريجيا، ولا سيما في عام 2016 الذي مُنع خلاله دخول الخبز  تماما، وهو ما دفع السكان المحاصرين إلى طحن الحبوب التي كانوا يتلقونها في حصص المعونة لصنع الخبز، وهو الغذاء الأساسي. وانتهى الأمر بسكان حي الوعر إلى الاعتماد الكثيف على شحنات المعونة التي تصلهم بشكل متقطع وتعجز عن تلبية حاجات السكان، ففي شباط / فبراير 2014 تم تهجير نحو 3 آلاف من المدنيين والمقاتلين من مدينة حمص إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية في تلك الفترة في الشمال وهي عملية التهجير الأولى والأخيرة التي تتم تحت إشراف الأمم المتحدة.

في شباط 2014 تم تهجير نحو 3 آلاف من المدنيين والمقاتلين من مدينة حمص إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية في تلك الفترة في الشمال وهي عملية التهجير الأولى والأخيرة التي تتم تحت إشراف الأمم المتحدة.

أدت هذه المفاوضات للاتفاق على نقل المقاتلين والمدنيين الذين تبقوا إلى خارج مدينة حمص. في الفترة ما بين 7-9 شباط 2014، بدأ إخلاء المنطقة المحاصرة في وسط المدينة خلال سلسلة نقل إجباري للسكان. حيث أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل) صدر في حزيران 2014 أن هناك 100 شخص فقط لم يتم تهجيرهم. على الرغم من أنها سميت أحيانا "عمليات إجلاء"، إلا أن هذا النوع من الصفقات هو في واقع الأمر عمليات استسلام قسرية تجرى بالإكراه، حيث لا يكون أمام السكان المحاصرين سوى الاستسلام أو الموت. وبوجود مراقبين للأمم المتحدة، تم تعبئة المقاتلين والمدنيين في باصات خضر حكومية (أصبحت فيما بعد رمزاً لعمليات التهجير القسري في كل المدن السورية) ونقلهم إلى الوعر أو إلى الريف الشمالي لحمص.

لقد أثارت مشاركة الأمم المتحدة في اتفاقية حمص والتهجير القسري للسكان جدلاً كبيراً. حيث واجهت الأمم المتحدة انتقادات خاصة لفشلها في حماية أولئك الذين أجبروا على المغادرة في ظل الاتفاقية، حيث إن حكومة النظام اعتقلت المئات ممن تم إخلاؤهم أثناء "فحصهم" وأشارت التقارير إلى أنه تم تعذيب بعض هؤلاء الأشخاص وقتلهم.

وكنتيجة مباشرة لهذا السيناريو، وضعت مفوضية شؤون اللاجئين وثيقة "المعايير الدنيا للمشاركة في عمليات الإجلاء الإنساني المشترك بني الوكالات" وذلك محاولة لضمان التزام جهود وكالات الأمم المتحدة المستقبلية بالقوانين الإنسانية الدولية وقوانين حقوق الإنسان. وكما يضيف تقرير منظمة "مراقبة الحصار"، فلسوء الحظ لم تتضمن الوثيقة سوى القليل من المبادئ التوجيهية العملية للوضع المعقد في سوريا وفشلت في تحسين ممارسة عمليات الانتقال القسري وإجراء تغييرات ملحوظة في دور وكالات الأمم المتحدة في هذه العمليات. كان أحدث الأمثلة ما جرى في شرقي حلب في عام 2016 والذي يماثل تماما ما حصل في حمص قبل عامين.

وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة الحصار في سوريا بأنه "يُنفّذ بطريقة منسقة ومخطط لها ودون رحمة، وهو يهدف إلى إرغام السكان، بشكل جماعي، على الاستسلام أو التعرض للتضوّر جوعاً.

وينطبق الأمر ذاته على مناطق الحصار المختلفة التي حاصرها النظام منذ عام 2012 وحتى عام 2016، حيث استخدم الحصار في الحرب السورية بوصفه سلاح حرب، وقد وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة الحصار في سوريا بأنه "يُنفّذ بطريقة منسقة ومخطط لها ودون رحمة، وهو يهدف إلى إرغام السكان، بشكل جماعي، على الاستسلام أو التعرض للتضوّر جوعاً. وقد أدى الحرمان من الغذاء والمياه والكهرباء والدواء إلى سوء التغذية وحدوث وفيات في أوساط الفئات الضعيفة، مثل المسنين والرضع وصغار الأطفال والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة. وتعرضت المجتمعات المحلية المحاصرة، التي ظلت عالقة من دون الحصول على الضروريات الأساسية وفي ظل الخوف الدائم من القتل على أيدي القناصة أو بسبب عمليات القصف، للصدمات النفسية الحادة واليأس الشديد".

كما تعرض السكان المدنيون في المناطق المحاصرة في نواحي البلد للتطويق والحصار والمنع من المغادرة والقصف دون تمييز والقتل والتجويع ومنعوا بصورة روتينية عن الإجلاء الطبي وتوصيل المواد الغذائية الحيوية والمواد الصحية وغير ذلك من الإمدادات الجوهرية - وكل ذلك في محاولة لفرض استسلام هؤلاء “الذين يحكمون” أو يسيطرون على المناطق التي يعيش فيها السكان المحاصرون. فمع أواخر عام 2012 تحول الحصار إلى استراتيجية للحكومة وفق الشعار الذي كتبه جنود جيش النظام على أكثر من جدار "الجوع أو الركوع" من أجل فرض حصار طويل الأمد ودخلت هذه الاستراتيجية حيز التنفيذ بالكامل في عام 2013. ومنذ ذلك الحين أصبحت كوسيلة تم توظيفها بشكل منتظم في جميع نواحي البلاد كوسيلة من وسائل العقاب الجماعي.

===========================

موقفنا : المعارضة السورية بين المنصات الدستورية والجبهة الوطنية التقدمية ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

5/ 12 / 2019

وأظن أن بوتين في هذه تتلمذ على يد حافظ الأسد واستفاد منه ومن خبرته . ذلك أن .. حافظ الأسد ومنذ 1970 ، أي منذ ما سماه الحركة التصحيحية بدأ في بناء " ديكور " متكامل للدولة الديموقراطية في سورية . بدأ بمجلس شعب معين ، ودستور مؤقت ، ثم دستور دائم في 1973 ثم انتخابات نيابية لمجلس الشعب ... وسالت ديموقراطية البعث سمنا وعسلا على السوريين حتى أصبح من حق المواطن في منبج والباب أن ينتخب ممثله من عفرين واعزاز والعكس على العكس ..

وكان الأهم في " الديكور " الديموقراطي الأسدي أن حافظ الأسد لم ينس أن الدولة الديموقراطية تحتاج إلى أمرين : إلى معارضة ، وتعددية حزبية فلم يغب عن عقله الديناميكي شيء من ذلك . لا ندري هل كان ذلك من إبداعه الشخصي أو أن معلما علمه !! فلجأ منذ 1972 إلى ما سماه " الجبهة الوطنية التقدمية " وهي جبهة عريضة جدا تضم ممثلي سبع أحزاب في سورية الكلمات المفتاحية في عناوينها " اتحاد - اشتراكي - عربي - وحدوي "

وكانت هذه الأحزاب في جملتها تجمعات عائلية أو بلدية ، تشكل في حياة السوريين مجموعة من البقع المحدودة أو الحصيات الصغيرة التي غالبا ما عدت عليها عوامل الحت والتعرية ..

كان الحزب الشيوعي السوري مثلا الحزب الأكثر عقائدية والأكثر صلابة ، ولاسيما في سني عز الاتحاد السوفياتي " البرجينيفي " . وربما أفيد جيل المتأخرين نبذة صغيرة عن حياة هذا الحزب كأنموذج لأحزاب الجبهة العتيدة

 كان خالد بكداش هو الزعيم التاريخي للحزب وقد ظل لفترة طويلة مرابطا في موسكو، ثم عاد ليكون وجناحه في هذه الرابطة ثم آلت زعامة هذا الجناح بعد وفاة خالد بكداش إلى السيدة وصال حرم السيد خالد ، ثم منها إلى السيد قدري جميل صهر السيدة وصال ، والذي هو اليوم صاحب منصة موسكو كما هو صاحب جناح في الجبهة الوطنية التقدمية.

وكان الجناح الثاني من الحزب لصاحبه " يوسف فيصل .." قد حجز مقعدا هو الأخر في الجبهة .. فكان الحزب الشيوعي بجناحيه ممثلا فيها .

 ولأن غمط الناس في شرعنا من الكبائر فقد انشق عن الحزب جناح ثالث " المكتب السياسي " بزعامة المناضل رياض الترك وظل معارضا للنظام . ودخل وأتباعه السجون والمعتقلات .

وكذا بقية الأحزاب التي كانت في أصلها تجمعات محدودة وصغيرة وتعرضت مع صغرها إلى التشقق والتمزق لتبقى غالبا إرث أفراد .

المهم فيما نحن فيه والذي دعانا لاستحضار كل هذا هو أن حافظ الأسد كان كلما زاره زائر في سورية وذكره بقيم الديموقراطية ... يجيب عندنا ديموقراطية كاملة عندنا دستور ومجلس شعب . فإذا ذُكر بالمعارضة كركن ركين في الحياة الديموقراطية ، يقول : نحن عندنا معارضة وطنية متمثلة بالجبهة الوطنية التقدمية. فإذا ذكر بالتعددية الحزبية ، قال : نحن عندنا سبعة أحزاب عاملة في سورية لها برامجها وتمتلك صحفها . أتذكر

وهكذا استكملت الحياة الديموقراطية في سورية وانغلقت دائرتها على مدى نصف قرن .

حين أتابع اليوم لعبة بوتين في حكاية المنصات أشعر أنني أمام التجربة نفسها . وعلى الطريقة نفسها . بل أشعر أن أكثر من حزب في الجبهة الوطنية التقدمية قد حجزوا مقاعدهم كمعارضين " شرسين " على المنصة البوتينية الموحدة . وأكثرهم على منصة المنصات ، وإن شئتم أن أعد عددت ..

وما يزال بوتين يردد ، حل سياسي . ومنصات تمثل كل شرائح الشعب السوري . ودستور وطني . وانتخابات حرة بإشراف دولي ..

وما حدا أحسن من حدا .. مع الاعتذار لكل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية القائم منها والحصيد .

5/ 12 / 2019

__________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

التجهيل.. براميل موقوتة في الشمال المحرر

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 4/12/2019

أظهر مقطع فيديو قصير أعدّه ناشطون سوريّون في الشمال المحرر، حجم الكارثة السورية التي تنتظر الأجيال الراهنة والمستقبلية، وتنتظر العالم كله بتقاعده وتخليه عن مسؤولياته في توفير أدنى مقومات التعليم لنصف مليون طالب في الشمال المحرر، يسكنه أكثر من أربعة ملايين شخص رفضوا أن يعيشوا في جمهورية العبيد المحتلة من قبل احتلالات متعددة، استجدتها العصابة الطائفية على مدى عقد من ثورة الشعب السوري المطالب بالحرية.

مقطع الفيديو وجّه سؤالاً لعدد من الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم العاشرة، فيما إذا كانوا يقرؤون كلمة «الله» التي كُتبت أمامهم على كرتونة بسيطة، فكانت المفاجأة، أن لا أحد استطاع قراءتها، يحدث هذا مع وقف الاتحاد الأوروبي تمويل التعليم في الشمال المحرر، مما سيزيد المعاناة، وسيفرّخ واقع الجهل والتجهيل هذا مستقبلاً مظلماً وخطيراً، ليس للسوريين فحسب، وإنما لدول الجوار وما وراءهم من الدول التي تنظر إلى المأساة على أنها سورية، بينما في حقيقتها وجوهرها ومآلاتها مأساة ومرثاة إنسانية وعالمية، ما دامت مثل هذه الأمراض تنتشر وتتفشى عالمياً كالطاعون والكوليرا وغيرها من الأمراض السارية المعدية.

آلاف المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية مهددة بالإغلاق والتوقف، وتزداد المعاناة مع اقتراب فصل الشتاء وصعوبة حصول هذه المدارس التي قد تنجح لسبب أو لآخر في فتح أبوابها بتوفير مادة المازوت للتدفئة، حيث الجو القارس المعروف في الشمال المحرر، وتتضاعف المعاناة مع ندرة المازوت وارتفاع سعره، والليرة السورية تهوي أكثر فأكثر، مما يهدد المناطق السورية المحتلة الخاضعة لسيطرة العصابة الطائفية وسدنتها المحتلين، بانتفاضة جوعى كما يتوقع البعض بدت معالمها بدعوة بعض الصفحات الموالية للنظام إلى مظاهرات احتجاجية على تدهور الوضع المعيشي، ومقاطع فيديو لفنان موالٍ للنظام، وهو يبكي لافتقاره إلى عشر ليرات فقط منذ ثلاثة أيام يشتري بها خبزاً، يسد جوعه، بينما العشر ليرات اليوم لا تعادل نصف سنت أميركي أو أقل.

بعض البلدات السورية المحررة لجأت إلى حلّ إسعافي بسيط، هو سعيها إلى جمع ما يمكن جمعه على حساب حياتها المعيشية القاسية لاستئناف عمل المدارس، فنجح بعضها ولكن ربما يتم إغلاقها بعد شهر أو أكثر، خصوصاً وأن المعلمين قبلوا بنصف الراتب، وهو ما يعادل خمسين دولاراً، على أمل أن تتواصل العملية التعليمية بدعم غيرهم، ويجنّب ذلك العائلات مزيداً من الضغوط النفسية والاجتماعية بضياع أوقاتهم وإحساسهم بضياع مستقبلهم.

الشمال المحرر أطلق دعوات ومناشدات وحملات داخلية وعالمية من أجل دعم تمويل التعليم، وناشد الجميع الاتحاد الأوروبي استئناف تمويله، لا سيما وأن الجهل والتجهيل سينتج جيلاً خطره على غير السوريين ربما أكثر من خطره على السوريين، ونحن نرى كيف يستقطب التشدد والتعصب والإرهاب الفارغين والجهلة، الذين تغذيهم أفعال وممارسات من قتلهم وخذلهم وأوقف الدعم عنهم، فقتل أهلهم وشردهم وسجنهم، ومعهم قتله هو نفسه بطرده عن ساحة الاندماج المجتمعي، أنقذوا التعليم في الشمال المحرر، بل أنقذوا أنفسكم، فما هو غير ملح اليوم ولا عاجل، سيكون إسعافياً لكم ولغيركم غداً، وكما قيل «درهم وقاية خير من قنطار علاج».

===========================

توافق وافتراق في ثورات الجيران

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 3/12/2019

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي، بل بدء الاستعداد لجولة جديدة من صراع، يتصاعد لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تتفاقم يوماً بعد يوم، وقد أثبت نظام الملالي، أنه لا حلول عنده للمشاكل القائمة في الواقع سوى الدم، والدم لن يورث إلا الدم، كما هو شائع.

وإذا كانت إيران ستمضي نحو بدء جولة جديدة في مسارها نحو التغيير، فإن لبنان والعراق مستمران في خوض ثورتهما وسط أمل متناقض لدى الجمهور والسلطة. إذ تسعى ثورة اللبنانيين وأشقائهم العراقيين إلى إسقاط النظام الحاكم، وتغيير النخبة الطافية على سطح الحياة ولا سيما السياسية، فيما تسعى السلطة في البلدين إلى وأد الثورة، وتصفية حراكها ومحركيها عبر إجراءات، تراهن في أحد حدودها على القيام بتغييرات إصلاحية شكلية في النظام، وترى في مستوى آخر، أن الحل في الذهاب إلى الحد الأقصى الممكن من العنف لوقف الثورة، وإعادة الناس إلى حظيرة النظام القائم.

وسط الثورة التي انخرط بها اللبنانيون والعراقيون حتى آذانهم، ومع اقتراب ثورة السوريين من ذكراها العاشرة وسط الكارثة التي أغرقهم بها نظام الأسد وحلفاؤه، قد يكون من المفيد التوقف عن بعض نقاط التقاطع والتمايز في التجارب الثلاث، التي لا شك أن لها جذورا وأسبابا عميقة، تتجاوز ما يظهر على سطح الأحداث.

شكلت الترديات الاقتصادية والمعيشية السبب الرئيسي لبدء حركة الاحتجاجات في لبنان والعراق.

ورغم أن أحوال السوريين، لم تكن أحسن من الناحيتين الاقتصادية والمعيشية، فإن الاحتجاجات السورية انطلقت سواء في دمشق أو درعا في مواجهة انتهاك أجهزة النظام لكرامة السوريين، وقد درجوا في حياتهم العامة على الاهتمام أكثر بالجوانب السياسية.

وشكل الشباب من الجنسين العنصر الرئيسي في فعاليات الحراك الشعبي في لبنان وسوريا والعراق على التوالي، وفي الوقت الذي عزل اللبنانيون والعراقيون الجماعات السياسية وقياداتهم عن حراكهم، دون أن يطلقوا حتى اللحظة قيادات معلنة لحراكهم، فإن النشطاء السوريين تشاركوا العمل مع معارضين مستقلين وقادة في أحزاب المعارضة لإبراز قيادة للحراك السوري، لعبت القوى الخارجية الدور الأساسي في تكوين تعبيراتها السياسية - التنظيمية.

ومنذ البداية، كان القاسم المشترك للحالات الثلاث، اتخاذ الحراك طابعاً سلمياً، ثم تعمم وانتشرت فعالياته في مختلف المناطق، وفق ترتيب أوضحه في لبنان ثم في العراق وسوريا، ولهذا أسباب لعل الأهم فيها اختلاف طبيعة الأنظمة في البلدان الثلاثة، كما كانت مشاركة الفعاليات الثقافية والفنية في الحراك واحدة من القواسم المشتركة، التي سعت في أحد تجسيداتها لتحويل الحراك الشعبي إلى احتفاليات.

والاختلاف القائم في طبيعة الأنظمة الثلاثة، حيث نظام ديكتاتوري في سوريا، وشكلان لنظام ديمقراطي تمثيلي في لبنان والعراق، فإن قمع المظاهرات والاعتصامات، كان مباشراً وسريعاً وأكثر حدة في الحالة السورية، بخلاف ما ظهر في لبنان والعراق اللذين يشار فيهما إلى دور محدود للجيش وقوى الأمن، ويجري التركيز على طرف ثالث، يقوم بعمليات القمع والإرهاب ضد المتظاهرين والمعتصمين، فيشار إلى أنصار حزب الله وحركة أمل في لبنان، ويلمح إلى دور المخابرات الإيرانية وبعض ميليشياتها في العراق، ويحظى الأمر في الحالتين بتواطؤ ظاهر من جانب النظام الحاكم.

إن استمرار الحراك وتصعيده وإخراجه من دوائر التبعية في البلدين، حوله إلى ثورة عامة، ووسط فشل النظام و«الطرف الثالث» في لجم الثورة، سعى نظاما بيروت وبغداد إلى أطروحات هدفها استيعاب الثورة، فتم إطلاق أطروحات إصلاحية تحافظ على جوهر النظام ومنها محاسبة الفاسدين وتشكيل حكومة جديدة، تخلف حكومتي الحريري وعبد المهدي، وإعلان بغداد اعتزام البرلمان العراقي إطلاق مبادرة وطنية للتعاطي مع مطالبات المحتجين المطالبين برحيل الحكومة ومحاربة الفساد، ومثلها الإعلان في لبنان عن مسودة ورقة إصلاحية لرئيس الوزراء سعد الحريري بهدف تهدئة غضب الشارع ووقف الاحتجاجات، غير أن ما جرى طرحه، كان أعجز من أن يمثل استجابة لمطالب الثائرين وطموحاتهم للانعتاق من نخبة فاسدة وغير قادرة على إدارة البلاد، وإقامة نظام جديد، وقد بدا هذا النسق من تطور أحداث لبنان والعراق مختلفاً عما شهده النسق ذاته في سوريا، إذ أصر النظام فيها منذ البداية على رفض أي إجراءات إصلاحية، أو محاسبة المرتكبين من فاسدين وقتلة، وفي حالات محدودة أصدر بعض القوانين، فجاءت بعكس مطالب السوريين ومنها قانونا الإعلام ومكافحة الإرهاب.

إن مسار التوافق والافتراق في التجربة السورية مع تجربتي لبنان والعراق، أمر طبيعي، وطبيعي مثله أن يكون هناك توافقات وافتراقات بين تجربتي لبنان والعراق رغم التشابه بين البلدين والظروف المحيطة بهما ولا سيما علاقات النظام في البلدين مع نظام الملالي في إيران، وكلها بين عوامل جعلت الثورة في البلدين تأخذ اتجاهاً مختلفاَ في أمرين أولهما:

الخروج من إسار الطائفية. ففي البلدين برهنت الثورة بالوقائع والشعارات أنها خارج الاصطفافات الطائفية والدينية، وأنها بعيدة عن أطروحات الإسلام السياسي في شقيه السني والشيعي على السواء، وذهاب أطروحاتها باتجاه دولة مدنية حديثة، وبصورة عامة فقد عانى السوريون في هذا كثيرا، فدخل كثير منهم تحت تأثير عوامل محلية وإقليمية بوابة الإسلام السياسي بما فيها الجماعات الإرهابية المتطرفة والاصطفافات الطائفية، التي أساءت للثورة، وأدَّت إلى انحسارها، وعززت مواقع خصومها.

والأمر الثاني المختلف فيما تبنته الثورة في لبنان والعراق، هو الاعتراض على النفوذ والدور الإيراني المتصاعد في البلدين، وهو أمر تغاضى عنه السوريون وتجاهلوه في بداية ثورتهم، وغالباً من باب التكتيك السياسي خاصة أن إيران، لم تكن كشَّرت عن أنيابها، وأرسلت ميليشياتها وقواتها للقتال إلى جانب النظام، وإذا كان من الصحيح أن ثمة اختلافا بين تعبيرات الرفض العراقي واللبناني لإيران، حيث يذهب الأول مباشرة وبكل حدة، فيما يناور الثاني، لكنه يطرح الموضوع بشكل واضح.

تستحق دوائر التوافق والافتراق في ثورات الجيران التوقف عندها والتأمل في محتوياتها واتجاهات تطورها اللاحق، إن لم يكن من أجل ما سبق وإعادة تقييمه، فعلى الأقل من أجل ما يأتي من أحداث.

===========================

"الثوابت الوطنية" لنظام الاستبداد

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 2/12/2019

لن أكتب شيئاً ههنا لا يعرفه صاحب ضمير وأخلاق، أو من يُعمِلَ عقله قليلاً. في الجولة الثانية للجنة الدستورية، تقدم رئيس وفد النظام، الذي تبدل اسمه مرات ابتداءً من "الوفد المدعوم من النظام" وصولاً إلى "الوفد الوطني، ببيان تشبيحي سمّاه "جدول أعمال"؛ وكان عنوانه: "الثوابت الوطنية"؛ ثم سمّاها "الركائز الوطنية"؛ وطلب فيه ممن تدرج تسميتهم من "الطرف الآخر" وصولاً إلى "الوفد التركي" أن يُثبتوا وطنيتهم عبر "محاربة الاٍرهاب"، و"إدانة الاحتلال التركي" و"رفع العقوبات عن سوريا".

بداية الثوابت الوطنية هي ما يصوّت عليه ويقره الشعب برضاه. وكل مادة في دستور بلد، لا بد من اعتبارها ثابتاً وطنياً. وبما أن من يقر، ومن يصوت، ومن يقرر طبيعة هذه "الثوابت"، التي تقدم بها وفد نظام الأسد، هو سلطة استبدادية لا تكترث ولا تقيم وزناً لرأي أو صوت شعب، بدليل أنها قتلته واعتقلته وشرّدته بدم بارد ودون وجل أو خشية أو حساب؛ فأي "ثابت" هو ثابتها حصرياً، ولا علاقة للشعب فيه.

ثانياً: الحديث في الثوابت، وخاصة إذا كانت استنسابية وتخدم حصراً سلطة ما، وليست إلا مسائل سياسية خارج ولاية أو صلاحيات اللجنة الدستورية حسب القواعد الإجرائية المتفق عليها؛ فلا يكون استخدامها إلا من باب المزايدة، والتعطيل، وتضييع الوقت، والتصرف بلا مسؤولية تجاه سوريا وشعبها. وإذا ما دخلنا في ثنايا تلك الثوابت، نجد أن النظام سيفتح على نفسه أبواب جهنم؛ وبودنا أن نفتحها عليه؛ لكنها ليست موادَّ أو مضامين لجدول أعمال؛ وما مكانها اللجنة الدستورية.

الحديث في الثوابت، وخاصة إذا كانت استنسابية وتخدم حصراً سلطة ما، وليست إلا مسائل سياسية خارج ولاية أو صلاحيات اللجنة الدستورية حسب القواعد الإجرائية المتفق عليها؛ فلا يكون استخدامها إلا من باب المزايدة، والتعطيل

أول هذه "الثوابت" هو إدانة الاٍرهاب؛ وفِي هذا المجال هناك سلة قائمة بذاتها في القرار الدولي 2254؛ ومَن أصرّ على اعتبارها كذلك في مفاوضات جنيف السابقة كان الجعفري رئيس وفد النظام حينها. وعندما طلب المبعوث السابق فتح تلك السلة، اقلع الجعفري عن الفكرة، وفي تلك الجولة كان هذا بالذات ما سمعه المبعوث الجديد من وفد المعارضة؛ بأن لهذه السلة مكانها في المسار السياسي؛ وأن هيئة التفاوض جاهزة لمناقشة هذه المسألة؛ فطرح ذلك على الوفد "المدعوم من النظام"؛ ولكن الوفد تملص من ذلك. وإذا ما أردنا الدخول في هذا "الثابت" فلا بد أن النظام سيسمع مرافعات، ويرى وثائق عن البراميل والكيماوي والمجازر والعنقودي والارتباط مع داعش والتشريد والاعتقال وسيزر وأفران صيدنايا و و و . وقلنا للمبعوث الدولي إن مكان هذا في مسار آخر؛ ونحن هنا لنكتب دستوراً لسوريا.

"الثابت" الثاني الذي لم يتجرأ وفد النظام أن يقدمه صراحة كجزء من جدول الأعمال - لمعرفته التامة بأن ذلك خارج ولاية اللجنة وليس من مهامها - بل سرّبته وسائل إعلامه، ويتمثل بإدانة الاحتلال التركي.

أولاً لا يريد سوري حقيقي قدماً احتلالية على أرضه. وإن تذرّع النظام بأن ميليشيا حزب الله والحرس الثوري الإيراني والتدخل الروسي كانوا بطلب من "الشرعية"، فالحجة ساقطة بنفس المعيار؛ فمن يقتل مَن يدعي حمايتهم، يفقد شرعيته. ثانياً، لم ينسَ أحد بعد اتفاق أضنة، الذي وقّع عليه النظام؛ وبموجبه يحق لتركيا الدخول وملاحقة "الإرهابيين"، ولكيلومترات. وثالثاً عندما يقول وزير خارجية روسيا إن النظام وافق على الاتفاق، وعندما تسأل محطة RT  الروسية رأي رئيس النظام عن الاتفاق الروسي - التركي بخصوص الدخول التركي، ويقول إن "الاتفاق جيد"؛ فهل يُطلَب منه أيضاً أن يلتزم بهذا الثابت.

لم ينسَ أحد بعد اتفاق أضنة، الذي وقّع عليه النظام؛ وبموجبه يحق لتركيا الدخول وملاحقة "الإرهابيين"، ولكيلومترات

كان الثابت الثالث للوفد "المدعوم من النظام" هو المطالبة برفع العقوبات. أولاً، هذه العقوبات تم فرضها بسبب ممارسات النظام، ولم تأت من فراغ، أو كجزء من المؤامرة، كما يدعي. ثانياً، الجهات التي فرضتها لا تنفك عن القول بأن الدخول في العملية السياسية بشكل حقيقي كفيل برفعها. ومن هنا فإن ما يتسبب باستمرار هذه العقوبات هو سلوك النظام واستمراره بتعطيل العملية السياسية.

وأخيراً، من نافلة القول أن المتضرر من هذه العقوبات هو الشعب السوري لا النظام الذي يعيش مرفهاً، وهكذا يتحول الشعب السوري إلى رهينة للنظام للتباكي عليها وضحية لابتزازه ولتلك العقوبات. هذه العقوبات يجب أن تُرفع؛ ولكن لا يمكن اعتبارها ثابتاً وطنياً، ومادة لدستور سوريا المستقبلي؛ فهي تزول بزوال ألاعيب نظام الاستبداد بها.

أهم ثابت وطني في سوريا هو الحرية، حرية الإنسان وحرية الوطن. هكذا تكون سوريا وطناً ودولة، لا مزرعة فيها عبيد وأقنان. ثوابتها الوطنية العدل والقانون والمواطنة المتساوية. ثوابتها ما يختاره شعبها بحرية ومسؤولية وحكم رشيد صادق شفاف. ثوابتها قضاء حر نزيه. ثوابتها إطلاق سراح معتقليها ووقف تدميرها وعدم بيعها أو تأجيرها من أجل البقاء في السلطة. ثوابتها تضميد الجراح الروحية لأهل الشهداء واليتامى والثكالى. ثوابتها استعادة خيراتها المنهوبة. ثوابتها مواد دستور لا تسمح بعودة أو تكرار مأساتها.

===========================

ثورتا لبنان والعراق لا تشبهان الثورة السورية

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 2/12/2019

يتحسر سوريون معارضون على ما آلت إليه ثورتهم من خراب وهم يتابعون تطورات الثورتين في البلدين الجارين، لبنان والعراق، وفي بالهم الفترة الأولى السلمية للثورة السورية التي يعتبرون أنها كانت مماثلة لما يحدث الآن. صحيح أن حكام العراق قد أغرقوا ثورة الشعب بالدم في أكثر من مدينة، وأن شبيحة حركة أمل وحزب الله هاجموا جمهور الثورة في لبنان في مواقع عدة، لكن ذلك في نظر السوريين يبقى دون مستوى القمع الذي واجهته ثورتهم السلمية منذ البداية، الأمر الذي سمح باستمرار التظاهرات السلمية في العراق ولبنان، بزخم متصاعد، على رغم التدخلات القمعية التي حدثت.

غير أن التشابه يتوقف هنا، لتبرز الاختلافات التي تزداد أهميتها كلما حافظت الثورتان على صمودهما وزخمهما. الاختلاف الأبرز، في ظني، هو في تجاوز الثورتين في العراق ولبنان الحواجز الطائفية نحو حالة وطنية غير مسبوقة في تاريخ البلدين. من هنا جذرية الثورتين بالقياس إلى الثورة السورية. الحق أن هذه مفارقة غريبة: السوريون لم يعيشوا في السابق حالة طائفية بمعنى تقاسم السلطة بين الطوائف بمعيار حجمها النسبي كما هي الحال في كل من لبنان – منذ الاستقلال – والعراق منذ سقوط نظام صدام حسين في العام 2003. ومع ذلك فشلت الثورة السورية في تشكيل حالة وطنية عابرة للمكونات، على رغم ادعائها أن "الشعب السوري واحد!". في حين أن العراقيين واللبنانيين المقسمين سلفاً ورسمياً إلى مكونات تمكنوا من تجاوز الحالة الطائفية وأطلقوا ثورتهم كثورة وطنية عامة.

يمكن تفسير الحالة السورية بأن الخطاب السائد في الثورة السورية قد خضع لأكذوبة النظام الخاصة بـ"الوحدة الوطنية"، فأنكر وجود تباينات طائفية وثقافية وإثنية في المجتمع السوري

وبالقياس إلى لبنان، يعتبر هذا إنجازاً كبيراً بسبب تقدم الوطنية العراقية لدى غالبية شيعية على ولاء الأحزاب الشيعية للسياسة الإيرانية. أما في لبنان فالمشاركة الشيعية في ثورة الشعب لا يمكن تجاهلها، لكن عقبة "الثنائي الشيعي" أمل وحزب الله، ما زالت حائلاً دون انخراط واسع النطاق في الثورة. من الصعب التكهن الآن بمدى الانفكاك المحتمل عن الثنائي المذكور في الأسابيع المقبلة، لكن الحركة والحزب هما الآن في موقف دفاعي، ويعملان بكامل طاقتيهما لشد العصب الطائفي بغاية إفشال الثورة.

الثورة السورية فشلت في استقطاب بيئات اجتماعية واسعة من الأقليات الدينية والمذهبية، فاقتصر أمر المشاركة على أفراد معدودين منها، كما فشلت في تطوير برنامج يستوعب المكون الكردي الذي سيزداد ابتعاداً باطراد نحو أجندة مختلفة. لا يتعلق الأمر، في هذا التوصيف، بمحاكمة تبحث عن المسؤولية فيما حدث، بل بالنتائج التي وصلت إليها الأمور. يميل السوريون، عموماً، إلى التبرير وإلقاء المسؤولية على الآخرين، سوريين أو "مجتمع دولي" أو دول إقليمية أو غير ذلك من التبريرات التي لا تنفع في حل المشكلات الواقعية بل تزيدها تفاقماً. 

ثمة فارق آخر بين الثورتين العراقية واللبنانية من جهة، والسورية من جهة ثانية، هو غياب احتمال الأسلمة عن أفقهما، أقصد احتمال صعود الجهادية السنية إلى صدارة الحراك. ففي العراق شكلت تجربة "دولة داعش" الإسلامية رضة كبيرة في المجتمع السني بما يستبعد تكرار التجربة في أشكال تنظيمية جديدة. أما في لبنان، فالحالة الجهادية ضعيفة أصلاً ولا يمكنها أن تلاقي قبولاً واسعاً في البيئة السنية المدينية، ناهيكم عن التوازنات الطائفية المختلفة إلى درجة كبيرة عما في العراق أو سوريا. بما لا يسمح بهذا الاحتمال.

وإذا كان الكرد في العراق بعيدين عن الحراك الثوري، فالوضع الدستوري للإقليم يتيح إخراجهم من معادلات الصراع من غير أن يؤثر ذلك على حصائله المحتملة. أما في لبنان فما زال الخطر الأكبر على مستقبل الحراك الثوري هو التبعية المطلقة لحزب الله لأجندة إيران بقيادتها المأزومة، من غير أن يمنع ذلك انشقاقات واسعة محتملة من جمهور الحزب واتجاهها إلى الانضمام إلى ثورة الشعب كلما حققت هذه نجاحات وصمدت.

ثمة فارق آخر بين الثورتين العراقية واللبنانية من جهة، والسورية من جهة ثانية، هو غياب احتمال الأسلمة عن أفقهما، أقصد احتمال صعود الجهادية السنية إلى صدارة الحراك

بالنسبة للسوريين المقهورين بما آلت إليه ثورتهم، لا يكفي الفرح بثورتي البلدين الجارين باعتبارهما نوعاً من "عودة الحق إلى أصحابه" أي إثباتاً متأخراً لمشروعية ثورتهم قبل تحولاتها المأساوية، بل يمكنهم أن يستفيدوا من درس الثورتين الأهم: تشكيل الحالة الوطنية العابرة للهويات، واستبعاد الإسلامية بمختلف أشكالها.

الشروط السورية القاسية من احتلالات أجنبية، وتبعية الأطر العسكرية والسياسية لدول، وخروج ثلث السكان من الأراضي السورية، وإرث ثقيل من الدم والدمار، وإفلات مصير البلد من يد أبنائه... كل ذلك لا يدعو للتفاؤل بإمكانية الاستفادة من دروس الموجة الثانية للثورات العربية، لأن ذلك يتطلب استعادة الثورة كما في سنتها الأولى أولاً، وتفادي المنزلقات اللاحقة بعد ذلك.

ولكن، بالمقابل، خصوم الثورة أيضاً ليسوا في أفضل حالاتهم. النظام أولاً هو في حالة موت سريري، قاعدته الموالية تكبدت خسائر كبيرة جداً من غير أن يلوح في الأفق أي أمل في حياة طبيعية بعد "النصر" على الشعب. إيران في أخطر أزمة تمر بها منذ الحرب العراقية – الإيرانية، سواء في الداخل أو في امتداداتها الإمبراطورية، إضافة إلى الضغوط الغربية الكبيرة. وإذا كانت روسيا مسيطرة على التطورات الميدانية إلى حد كبير، فهي غير مؤهلة لتطبيع الوضع في سوريا وأول شروطها إعادة الإعمار بفرض أن الصراع العسكري سينتهي.

يحتاج السوريون إلى ابتكار وسائل جديدة من أجل استعادة الأمل، من خلال تجاوز ما تم تجريبه وفشله. من كان يتصور، قبل شهرين فقط، أن يسقط اللبنانيون الانقسام التقليدي بين 8 و14 آذار؟ من كان يتصور أن ينطلق الحراك الثوري الجديد في العراق متجاوزاً الانقسام السني – الشيعي؟

===========================

أطوار الحيوية السورية: من الاستقلال حتى الثورة

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 2/12/2019

ترتبط موجات التغيير الكبرى في الكيان السوري، وفق الشكل الذي استقر عليه عند الاستقلال، بحوامل مناطقية وطائفية وطبقية عريضة، حملت إلى السلطة وإلى واجهة المجتمع، في تعريف الذات الوطنية والسياسات الخارجية للدولة والإعلام والتعليم وسواها، بنى فكرية وآيديولوجية تنسجم مع تطلعات هذه الحواضن الاجتماعية، والتي تباينت، بطرق جذرية تقريباً، وفق موجات ثلاث:

المدن وأعيانها

منذ بزوغ ما يسمى بحركة النهضة العربية، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، تشكّلت هذه النزعة الإصلاحية في أوساط النخب، كما هو معروف. فهم من أتيحت لهم فرص التعليم، في الأستانة أو أوروبا أو في المؤسسات السورية الوليدة، مما فتح أمامهم فرص الترقي الوظيفي والاجتماعي والسياسي والعسكري، وجعلهم الحامل الطبيعي والوحيد للتطلعات المحلية والوطنية والعربية في مواجهة العثمانيين ثم التركية الاتحادية ثم الانتداب الفرنسي.ومن المعروف أيضاً أن هذه الشريحة/الطبقة لم تنس، أثناء سعيها للاستقلال و«جهادها الوطني»، التعبير عن رؤاها ومصالحها التي تمثلت في مزيج من الليبرالية المحافظة والعناية بمشروع التحديث وبناء الدولة وفق علاقة «سمحة» بين القطاعين العام والخاص، فضلاً عن التطلعات القومية الوردية ومركزية قضية فلسطين التي تزامنت ولادتها مع تحرر سوريا من الاستعمار وإنشاء جيشها الوطني.

ستزاحم المؤسسة العسكرية نخب أعيان المدن، من مرتدي البدلات البيضاء، في ما يعدّ العصر الذهبي للأخيرين أثناء عقد الخمسينات. وحالما قررت الطبقة الشائخة من الديمقراطيين تسليم البلاد لعسكر مجاور، بالوحدة مع مصر، حتى أخذ ضباط «الإقليم الشمالي» بالتململ، متأهبين للانتفاض ضد الوحدة ثم للانقضاض على تركة العهد الليبرالي الذي كان قد احتل المشهد العام لعقود، سياسيين ورواداً في الرواية والشعر والفنون... إلخ.

لم تكن الستينات فاتحة استيلاء حزب البعث على السلطة فحسب، في ما عرف بثورة آذار، بل كان أيضاً العقد الذي شهد وفيات طبيعية لعدد لافت من رجالات العهد الذي أطيح به ورموزه. وكأن ذلك علامة على اهتراء مشروع واندلاع آخر.

الأقليات الإسلامية

طول عقود ماضية كان الريف بالمرصاد. لم يكتفِ، وما كان له أن يكتفي، بنموذج فلاح الغوطة الذي يقدّم لأعيان «الشام» ما يلزمهم من ثمار للمربيات وأنواع المنتجات الحيوانية لتزين مائدة فطورهم العامرة. كان قد ورث أشكالاً مزمنة متعددة من المظالم لم يكن من المتوقع أن يحلها وجود بعض كبار ملاك الأراضي في نخبة الحكم، فهم أساساً جزء من المشكلة بوصفهم إقطاعيين. ومن جهة أخرى كان التعليم بدأ يصل إلى الأرياف التي أخذت تفيض كذلك هجرة إلى المدن وإقامة فيها وتردداً إليها، وخاصة إلى كلياتها العسكرية التي ستحمل أبناء الفئة/الطبقة الجديدة إلى السلطة، مدعومين ببناء سياسي حزبي أمّنه البعث الاشتراكي.

قيل الكثير عن صراعات أجنحة الجيش التي اتسمت بتطبّق المنابت المناطقية على نزوعات آيديولوجية ضمن تكتل، وشرح عديدون ظروف غلبة الضباط المتحدرين من أقليات إسلامية (علويين ودروزاً وإسماعيليين) على حكم البعث في الستينات، وصولاً إلى ما يُنظر إليه على أنه «التصفيات النهائية» بين العلويين، التي قادت حافظ الأسد إلى السلطة في ما عُرف بالحركة التصحيحية عام 1970.

بالمعنى الذي نقصده هنا لتصدّر الموجة لا نقتصر على الأبطال السلبيين أو الإيجابيين للمرحلة، ولا على ممثليها الرئيسيين، بل نشمل كثيراً من الفاعلين الثانويين وقطاعاً كبيراً من حشد الكومبارس. ولهذا نضم حتى المهزومين في الصراعات الداخلية، طالما حُفظت لهم أدوار شراكة جزئية في السلطات العسكرية والأمنية والإدارية، والأهم من ذلك ما دام النظام يعبّر عن مصالحهم الجماعية والطبقية، ويسير بالبلاد في الفضاء الثقافي العام الذي يؤمنون به.

هاجر كثير من الكتّاب المؤمنين بالحريات ليحتل مكاتبهم في المؤسسات والصحف الرسمية شعراء يساريون غاضبون يتحدرون من القرية نفسها التي أتى منها الضابط الذي قد يحقق معهم

فقد دفعت سلطة البعث إلى الأمام بالنزوع اليساري الذي صار هوية سوريا السياسية والعامة. ورغم تقادم هذه التوجهات اليسارية والابتعاد عنها بالتدريج عبر العقود، إلا أنها ما زالت الخزانة الآيديولوجية الأساسية التي يمكن السحب منها والاستناد إليها عند الحاجة، حتى وإن حلت روسيا محل الاتحاد السوفييتي، و«المؤامرة الغربية» مكان الإمبريالية، وإسرائيل موضع «الكيان الصهيوني»، واستبدلت المقاومة والممانعة بالكفاح المسلح.

في الهوية العامة أخلى اليسار الحازم مكانه لتقدمية مطاطة. وبالمعنى المخصّص للثقافة هاجر كثير من الكتّاب المؤمنين بالحريات ليحتل مكاتبهم في المؤسسات والصحف الرسمية شعراء يساريون غاضبون يتحدرون من القرية نفسها التي أتى منها الضابط الذي قد يحقق معهم. ومع شيوع عصر الدراما تحوّل نجوم المرحلة للكتابة فيها. وفي بلاد تغلب عليها النزعة المحافظة لم يكن من المألوف رؤية امرأة محجبة في أحد المسلسلات المعاصرة ما لم تكن أماً مكتهلة «درويشة»، تنهض عن السجادة وهي تدعو لابنها الخارج لملاقاة أصحابه في باب توما.

غير أن هذا الحي المختلط، العتيق المحدّث، لم يكن يتسع إلا لعدة آلاف من الشبان السوريين فقط!

أرياف العرب السنّة... والكرد

أخذت بوادر الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي تدخل من جديد في مطلع التسعينات، مع صدور حزمة قوانين استثمارية والإفراج عن عدد معقول من السجناء السياسيين وتخفيف القبضة الحديدية. غير أن الانفراج لم يبدُ قابلاً للتنفس إلا مع وفاة حافظ الأسد عام 2000 واستلام ابنه مصحوباً بوعود وآمال إصلاحية.

في عهد بشار وجدت بقايا الموجتين السابقتين طريقيهما للتشارك. كان أبناء أصحاب المعامل المؤممة والأراضي المستملكة قد رمموا قسطاً كبيراً من أعمال العائلة وبدؤوا يتقدمون فيه بحذر، وبالمقابل كان أولاد كبار مسؤولي البعث قد بلغوا سن الشباب، مدعومين بثروات كبيرة تراكمت من نهب القطاع العام، ومتمتعين بشبكة علاقات عليا تتيح استصدار القوانين والتراخيص والاستثناءات. ولم يكن عقد الزواج المؤقت بحاجة إلا إلى شيخ وشاهدين موثوقين، وتبرع الكثيرون للقيام بذلك.

نهضت المدن الرئيسية بعد ركود الثمانينات الكالح؛ وُقّعت العقود المجزية في دمشق وعمّت الورشات أحياء حلب ونشأت المعامل في ضواحيهما. مر العقد الرخيّ بسرعة؛ أمانةً سوريةً للتنمية وغرفةً لرجال الأعمال الشباب وأخرى لسيدات الأعمال من زوجات أو بنات هؤلاء. قنعت القاعدة العلوية بالحصة الممكنة من مخالفات البناء والتمييز الوظيفي. تأقلمت الأقليات الإسلامية الأخرى مع موقعها في منزلة بين المنزلتين وصبّت جهدها في سيرة عصامية من التعليم لحيازة مراكز وسطى. لكن الاحتقان أخذ يتجمّع في بيئات أخرى، حيث توفز النابض.

منذ التسعينات، ومع الألفية الجديدة بشكل أوضح، بدأت علامات التأهب تظهر في بيئتين متشابهتين متناقضتين، هما الأرياف العربية السنّية من جهة، وعموم الأكراد في أرجاء البلاد المختلفة من جهة أخرى.

لم يشارك الأكراد في مواسم المسلسل السابقة إلا كأفراد كان الكثير منهم يرجع إلى أصول كردية اسمية، مما لا يُشبع النزوع القومي الناهض والمحشو بمظلومية جلية الأركان. أما الأرياف العربية السنّية، وعلى الرغم من أنها أكثرية عددية، فكانت قد عادت من تجربة المشاركة في تركيبة الحكم بخيبة عميقة

في الحقيقة، لم يشارك الأكراد في مواسم المسلسل السابقة إلا كأفراد كان الكثير منهم يرجع إلى أصول كردية اسمية، مما لا يُشبع النزوع القومي الناهض والمحشو بمظلومية جلية الأركان. أما الأرياف العربية السنّية، وعلى الرغم من أنها أكثرية عددية، فكانت قد عادت من تجربة المشاركة في تركيبة الحكم بخيبة عميقة، نتيجة ضعف الوارد المتحصّل بهامشية المراكز الحكومية المحازة والعين المكسورة.

ومنذ سنوات بعيدة يمكن أن تلحظ، في الحياة السورية العامة، ضابطاً سنّياً يشكو قلة قيمته، طالباً ريفياً يحرص على تأمين بعثة دراسية لنيل الدكتوراه، تذمراً من الجفاف وسوء المحاصيل وأسعار البيع الإلزامي للقطاع العام، وأعداداً لا تكاد تنتهي من الرسامين والشعراء الأكراد، بحراك غني من النقاشات والحياة الحزبية. مظلوميات تتراكم يومياً ولا تقتصر على الحسكة ودير الزور والرقة وإدلب وأرياف حلب وحماة ودمشق.

كان ثمة ما يتجمع في الأفق، ولم يكن من المنطقي لهاتين الفئتين الشابتين إلا أن تدخلا المشهد. هذا ما يجب أن نلحظه، إلى جانب عوامل كثيرة، بينما نقرأ ما أتاحته لهما الثورة من قلب الطاولة المترهلة على الجميع، كلٌّ بطريقته.

فما يريده الأكراد يبدأ من نيل الحقوق الثقافية وحرية العمل الحزبي وينتهي بإنشاء دولة مستقلة، مروراً بحلول وسط لامركزية. أما ريفيو المناطق السنّية العربية فيركّزون، فضلاً عن مظالم محلية ووطنية معروفة، على قضايا الهوية ببعديها العربي والإسلامي، مما ينتج نزعة محافظة على الأقل، وربما يدفع إلى سبل متطرفة تتولد عن تفاعل نموذجَي صدام حسين وأسامة بن لادن، وهو ما شهدنا خلطته الانفجارية الأعلى تخصيباً؛ داعش.

أما ريفيو المناطق السنّية العربية فيركّزون، فضلاً عن مظالم محلية ووطنية معروفة، على قضايا الهوية ببعديها العربي والإسلامي، مما ينتج نزعة محافظة على الأقل، وربما يدفع إلى سبل متطرفة تتولد عن تفاعل نموذجَي صدام حسين وأسامة بن لادن

وإن كانت إشراطات الثورة، التي تُعلي بوضوح قيماً ديمقراطية حرة، تحدّ من ذلك.

 احترازات

هذا المقال ليس دقيقاً، ولا يمكن له أن يكون، طالما أنه أناط بنفسه وضع ترسيمة موجاتٍ كبرى تشكلت من عشرات آلاف الأشخاص وذات حواضن مليونية. ومن البديهي أن هذه التيارات الواسعة ليست سبائك صافية من العناصر البشرية والتوجهات الأيديولوجية، لكن القصد هو الطابع الغالب. وتظل الصورة المقدّمة هنا سريعة وانطباعية وغير مكتملة، علّ الفرصة تتاح للعناية بها بشكل أفضل في المستقبل.

===========================

هل بلّغت روسيا الأسد إنتهاء صلاحيته؟

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 1/12/2019

تثير الإطلالات المتواترة لبشار الأسد، على وسائل الإعلام، ومضامين أحاديثه، أسئلة عن الرسائل التي يريد إيصالها، والطرف المقصود بهذه الرسائل، كما يكشف حديثه النزق والمتوتر عن خفايا، ربما لا يعلمها كثيرون، بخصوص مستقبل السلطة في سورية، وهي القضية الأكثر أهمية للأسد من سواها من قضايا سورية الملحّة والعاجلة.

قد يقول قائل إن وضع سورية لا يسرّ صديقا ولا عدوا، وبالتالي من الطبيعي أن شخصاً في موقع بشار أن يكون مهجوساً بمستقبل بلاده التي أنهكتها الحروب ومزّقتها الصراعات، وتتقاسمها مجموعة من الدول، وتجثم على أراضيها جيوش عديدة. ومن الطبيعي أن لا نرى بشار الأسد الذي بات مهمّشاً بدرجة كبيرة من حلفائه وخصومه على السواء مرتاحاً في لقاءاته الإعلامية. ولكن، منذ متى كانت مثل هذه الاعتبارات تشغل بال بشار، وهو المستعد لأقل من هذه الوضعية شرط بقائه في السلطة. وذلك ليس تحليلاً ولا تخمينا، بل هو واقع كشفته طريقة لقاءاته مع الرئيس الروسي بوتين والمرشد الإيراني خامنئي، وأكدته السلطات التي يتمتع بها قائد قاعدة حميميم الذي تولى عقد التسويات والتفاهمات مع الفصائل المسلحة، وأثبتته صولات قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وجولاته على الأرض السورية، من دون حتى تكليف نفسه عناء إخبار الأسد بمخططاته وإستراتيجيته الفعلية في سورية.

لم يعد بشار الأسد يحلم حتى بنموذج التبعية الذي يمثله رئيس الشيشان، رمضان قادريوف، فهذا 

"يعرف بشار أن لروسيا مشروعا عالمياً، وأنها مستعدة لإزاحة أي عقبة تقف في طريقه"لديه على الأقل مكانة خاصة عند بوتين، كما أن الأخير لا يعترف بغيره فاعلاً سياسيا في الشيشان. ولعل النموذج الأكثر قرباً من الأسد "رئيسا" أبخازيا وأستونيا الجنوبية، الموظفان بدرجة واجهات لتبرير الاحتلال الروسي هذه المناطق، واللذان لا يعترف بهما، دبلوماسياً، سوى بشار الأسد، الذي يعاني من بطالةٍ على مستوى اللقاءات والمؤتمرات مع رؤساء الدول الأخرى وملوكها.

على الرغم من ذلك، هو قانع بهذا الدور الهامشي، ويعرف في قرارة نفسه أن "رئيساً" يظلله رئيس دولة أخرى بحمايته ويسيّر يومياته، ويتكفّل بمتابعة ملفات جمهوريته، لا يستحق مكانة أكبر من التي يمنحها له بوتين، وهو في الحقيقة ليس لديه أدنى اعتراض على ذلك كله، بدليل أنه تنازل عن البلد بأكمله لشركاتٍ يملكها طباخ الرئيس بوتين، ورهن مستقبل سورية عقودا مقبلة للسلطة الروسية. ولم يشكّل هذا الأمر أدنى حساسية له، في حين تقض مضجعه اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، والتي تشكّل مادة غضبه الأساسية في إطلالاته الإعلامية أخيرا؟

يعرف الجميع، بما فيهم المعارضة السورية نفسها، أن اجتماعات اللجنة الدستورية لا تختلف عن اتفاق مناطق خفض التصعيد سيئ الذكر، الغرض منها تقطيع الوقت وإلهاء العالم ومحاولة الإيحاء بأن روسيا تشتغل سياسةً في سورية. وواقع الأمر أن ذلك كله ليس سوى تكتيكات مكشوفة، غرضها تيئيس المعارضة والأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الصراع السوري، ذلك أن روسيا صمّمت هذه اللجنة لتأتي مخرجاتها متوافقةً مع الرؤية الروسية للحل، بعد التفافها على قرار مجلس الأمن 2254 وتجييره لصالح خطتها في سورية.

وما دام الأمر على هذه الشاكلة، وما دام بشار قد تنازل لبوتين عن كامل حقوقه الدستورية والسياسية، لماذا إذاً يصوّب على الخطة الروسية، وفي هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا يرفض الاعتراف حتى بوفده الخاص إلى مباحثات اللجنة الدستورية، بعد أن أمضى حوالي السنتين، وهو يفاوض على كل اسم ضمن هذه اللجنة، حتى أن اللجنة تعطلت عن الانطلاق شهورا عديدة، نتيجة خلاف بشأن اسمين او ثلاثة في قائمة المجتمع المدني!

الواضح أن بشار الأسد، وعبر إطلالته الإعلامية أخيرا، يريد إيصال رسالة إلى شخص واحد، هو فلاديمير بوتين، ربما يريد من تلك الرسالة دفع بوتين إلى طلب لقائه، لينتهز بشار الفرصة للاستفسار عن أمورٍ أخبره بها قائد قاعدة حميميم، أو يستطيع إقناعه بالعدول عن قراراتٍ يجري التحضير لها في الكرملين بخصوص سورية، ذلك أن بوتين لا يلتقي الأسد، ولم يحصل أن التقاه، إلا إذا أراد إستخدامه في توصيل رسائل إلى خصومه الأميركيين، وأصدقائه في إيران وتركيا، لكن بوتين ختم زمن رسائله السورية، بعد توصله إلى تفاهماتٍ نهائيةٍ مع هذه الأطراف. وربما يريد بشار أيضاً إخبار بوتين أنه ما تزال لديه قدرة على إثبات وجوده السياسي، ولو بالتنكّر للوفد التفاوضي الذي يمثله في جنيف، واعتباره وفداً تطوعياً تطوّع عن طيب خاطر ليواجه المعارضة في مفاوضاتٍ سجاليةٍ بشأن الدستور السوري!

يكشف إصرار بشار على الظهور الإعلامي، ورفعه سقف انتقاداته مخرجات الخطة الروسية في سورية، من دون الجرأة عن انتقاد السياسات الروسية بشكل مباشر، وكذلك يكشف تجاهل الروس الرد على كلامه، والاستمرار بمخططهم من دون أي تعديلات، أن الأمور تسير باتجاهٍ يخشاه الأسد، وهو احتمال ذهابهم إلى إخراجه من السلطة. وكان لافتا ما أوردته الصحافة الروسية عن انزعاجها مما اعتبرتها "أحاديث صاخبة" لبشار، بعد أن ذكّرته بأن كل ما تحقّق في سورية، على صعيد استعادة الأرض من المعارضة، هو من صنع روسيا، وليس نتاج بطولاته العسكرية وحنكته السياسية.

يعرف بشار الأسد أن لروسيا مشروعا عالمياً، وأنها مستعدة لإزاحة أي عقبة تقف في طريق هذا المشروع، وانه بعد قبوله كامل شروط اللعبة الروسية، لم يعد يشكل أكثر من براز قط على جانب الطريق.

===========================

تصعيد روسي كبير في إدلب والقطاع الطبي والإنساني يعاني من فقدان المحروقات

منهل باريش

القدس العربي

الاحد 1/12/2019

شن الطيران الروسي وطيران النظام حملة قصف جوي مركز خلال الأسبوعين الماضيين، في محافظة إدلب وجوارها، شمال غرب سوريا. وعلى غرار القصف الذي بدأه النظام قبل هجومه الربيع الماضي، في ريف حماة الشمالي، استهدفت القاذفات الروسية المشافي والمرافق الحيوية.

وفي تحديث لأعداد الضحايا المدنيين نتيجة القصف على مخيم قاح ومشفى التوليد قرب معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، بلغ 16 قتيلا بينهم 7 أطفال وثلاثة نساء و63 جريحاً، إصابة بعضهم حرجة للغاية.

على الصعيد الطبي، أعلنت المشافي والمراكز الطبية في محافظة إدلب وشمال غرب سوريا بشكل عام، حالة الطوارئ القصوى نتيجة النقص الشديد في المشتقات النفطية وخاصة الديزل من الأسواق. وحذر مدير صحة إدلب منذر خليل قائلا “يواجه عدد كبير من المنشآت الطبية خطر التوقف عن العمل، أو العمل بنظام الطوارئ، في الوقت الذي نحتاج فيه زيادة إنتاجية هذه المنشآت وذلك نتيجة حملة القصف الشديدة من قبل النظام والروس التي استهدفت المنشآت الطبية، وبشكل خاص الواقعة جنوب اوتوستراد حلب – اللاذقية” مضيفاً “استهدف القصف 44 منشأة منذ حملة التصعيد الأخيرة في 26 نيسان الماضي وهاجر أكثر من 800 ألف نازح جديد باتجاه الحدود السورية التركية، والذي شكل عبئا كبيرا على المنشآت الموجودة في المنطقة الشمالية”.

وانعكس نقص المحروقات في الشمال السوري على المستشفيات والمرافق الطبية، حيث ارتفع سعر ليتر المازوت ليصل الى 800 ليرة سورية. وتعتمد المستشفيات على المازوت لتشغيل أقسام العمليات والعناية المركزة وحواضن الأطفال ومراكز غسيل الكلى وغيرها من المرافق الصحية المنقذة للحياة.

توقف سيارات الإسعاف عن العمل

وحذرت مديرية صحة إدلب، يوم الخميس، في بيان تلقت “القدس العربي” نسخة منه، من توقف المنشآت الطبية عن الخدمة نتيجة فقدان المحروقات من الأسواق في محافظة إدلب وجوارها شمالي سوريا. وأشارت المديرية إلى أن: “عشرات المشافي والمنشآت الصحية مهددة بالإغلاق وتوقف خدماتها الطبية”. ويصل التهديد الى توقف سيارات الإسعاف عن العمل أيضا وهو ما سيشكل كارثة إنسانية كبيرة. وناشدت صحة إدلب كل المنظمات والمؤسسات والهيئات المعنية من أجل “التدخل الفوري ومنع حدوث كارثة صحية كبيرة”. وارتفع سعر برميل المازوت بنسبة 30 في المئة ووصل إلى 85 ألف ليرة سورية، بعد أن كان 65 ألفا نهاية شهر أيلول/سبتمبر ويعزى ارتفاع أسعار المحروقات في الشمال السوري إلى توقف حركة نقل النفط الخام من مناطق سيطرة “قسد” إلى إدلب بعد إطلاق تركيا لعملية نبع السلام العسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية، 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

وأدانت 89 منظمة مجتمع مدني وإنساني وإغاثي وحقوقي القصف الذي قامت به قوات النظام على مخيم قاح للنازحين، في 20 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ووصفت الهجوم بـ”جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية يتوجب محاسبة مرتكبيها بدون أي تلكؤ أو إبطاء”.

وأشارت المنظمات إلى هجوم النظام السوري وحليفه الروسي-إحدى الدولتين الضامنتين لاتفاقيات خفض التصعيد -65 مرة على 47 مرفقا طبيا يقدم خدمات طبية لما يزيد عن مليون شخص في شمال غرب سوريا. وأدت هذه الاستهدافات “لخروج 24 منها عن الخدمة جزئياً أو كليًاً” وطالبت المنظمات الموقعة ومنها الشبكة السورية لحقوق الإنسان والدفاع المدني السوري وأطباء عبر القارات والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير والمعهد السوري للعدالة والمنتدى السوري ومؤسساته واتحاد منظمات الرعاية والإغاثة الطبية “اوسام” وتجمع المحامين السوريين وتجمع المنظمات الإغاثية السورية وبيتنا سوريا، المجتمع الدولي بإطلاق “آلية تسمح بإنشاء محكمة لمحاسبة مجرمي الحرب في سوريا وتُوقف سياسة الإفلات من العقاب تُحقق في كل جرائم الحرب التي ترتكب ضد المدنيين” وأن تتصدى الدول الفاعلة في الملف السوري لمسؤولياتها الدولية، وعلى رأسها “تركيا والاتحاد الروسي كدول ضامنة لاتفاق خفض التصعيد وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وأن تكون وفية لمواقفها الداعمة للمسار السياسي بأن تؤمن ما هو مطلوب لإنجاحه” وأن تعمل الأمم المتحدة والدول الراعية لاجتماعات اللجنة الدستورية على تنفيذ وقف إطلاق نار فوري وشامل وغير مشروط وغير محدود زمنياً “كخطوة مشروطة لازمة قبل مواصلة اجتماعات هذه اللجنة”. وأدى القصف الجوي للحليفين (النظام السوري وروسيا) الأحد 24 تشرين الثاني/نوفمبر على محطة مياه قرية كفروما في معرة النعمان في محافظة إدلب إلى أضرار مادية كبيرة في المحطة وتوقفها عن العمل وبدون حدوث أضرار بشرية.وتسبب القصف حسب منظمة “بناء” التي أعادت صيانة وتشغيل المحطة، بإحداث أضرار في “غرف المولدات وتعطل المولدة ولوحات التشغيل ومرافق أخرى في المحطة مما أدى إلى خروجها عن الخدمة وحرمان ما يقارب 25.000  نسمة من المياه الصالحة للشرب”. وهو ما يهدد عشرات الآلاف من نقص المياه في ريف معرة النعمان الغربي الذي يعاني أساسا من شح المياه.

في سياق متصل، قال قائد الدفاع المدني في منطقة جسر الشغور أحمد يازجي لـ”القدس العربي” إن “حصيلة القصف في الأسبوعين الأخيرين بلغ 24 غارة جوية من الطيران الحربي الروسي و 4 غارات من طيران النظام بالإضافة لسقوط 4 صواريخ بالستية بينها 3 صواريخ تحمل قنابل عنقودية، كما تم استهداف المنطقة بأكثر من 70 صاروخ راجمة وقذيفة مدفعية”. وأسفر القصف حسب يازجي عن “سقوط شهيد مدني و6 إصابات و4 إصابات بين صفوف عناصر الدفاع المدني” وقتل القصف على منطقة جسر الشغور 8 مدنيين بينهم 4 أطفال واصيب 36 آخرين و11 من فرق الدفاع المدني خلال كامل شهر تشرين الثاني/نوفمبر. وأضاف “تركز القصف على المدارس ومراكز الدفاع المدني، وإزالة الذخائر والمراكز النسائية، والنقاط الطبية وعلى جامع السرايا وكنيسة اللاتين وملعب كرة القدم”.

العمليات العسكرية مستمرة

وحول الهجوم البري وتصاعد العمليات العسكرية صرح الناطق باسم “الجبهة الوطنية للتحرير” النقيب ناجي مصطفى لـ”القدس العربي” أن “قوات النظام سيطرت على بعض المزارع الصغيرة وقرية المشيرفة في ريف إدلب الشرقي ومنطقة الزرزور في سهل الغاب وما زالت العمليات العسكرية مستمرة لاستعادتها. وصدت قواتنا هجوما كبيرا للنظام في الكابينة غرب جسر الشغور”.

ويتزامن الهجوم الحاصل مع شائعات يطلقها النظام حول إخطار الروس إلى قرب فتح طرق الترانزيت بناء على اتفاق سوتشي بين تركيا وروسيا، في حين لم يجر أي إخطار لفصائل المعارضة من قبل الضامن التركي لأي تحديثات متعلقة بذلك حتى اليوم. وهو ما يعزز فرضية الضغط الإعلامي الذي تتبعه روسيا قبل بدء أي هجوم تشنه، كما حصل في عدة تجارب سابقة سواء في مناطق خفض التصعيد المنهارة أو في ريف حماة الشمالي في عملية الربيع الأخيرة.

في المقابل، فإن القصف الروسي الواسع وترافقه مع اتهامات للدفاع المدني السوري بالتحضير لهجوم كيميائي، يشير إلى قرب معركة قضم جديدة في إدلب ستكون في سهل الغاب أو ريف إدلب الجنوبي، وسيكون محور القضم هو المكان الأسهل لقوات النظام والذي ستتمكن من خلاله من خلخلة خطوط دفاع المعارضة واختراقها بغض النظر عن أهميته الاستراتيجية، على اعتبار أن النظام يسعى الى استعادة السيطرة على كامل المناطق المحررة والتي سيطرت عليها المعارضة. وتشكل عملية القضم هذه ورقة ضغط جديدة على تركيا وفصائل المعارضة من أجل الالتزام باتفاق سوتشي والإسراع في فتح طرق الترانزيت.

===========================

موقفنا : اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا الأسلحة الكيماوية وبشار الأسد وزمرته المدان الأول منذ الحرب العالمية

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3/ 12 / 2019

احتفى العالم منذ أيام / في التاسع والعشرين من تشرين الثاني باليوم العالمي لذكرى ضحايا الأسلحة الكيماوية . وهو اليوم الذي خصصته الوكالة الدولية لحظر الأسلحة الكيمائية للاحتفاء بهؤلاء الضحايا من كل عام .

وإذا كان الحاضرون وعبر " منظمة حظر الأسلحة الكيماوية " قد تذكروا بأسى واحترام مائة ألف إنسان حصدتهم الحرب الكيماوية منذ قرن تقريبا ، أي في الحرب العالمية الأولى . فإن هذا السلاح الفتاك والمتوحش لم يدخل الصراع في الحرب العالمية الثانية أبدا . وظل استخدام هذا السلاح محدودا طوال قرن حتى أعاد استخدامه ثلاثي الشر العالمي بوتين والولي الفقيه وبشار الأسد ضد الأطفال والنساء من مسلمي سورية.

في سورية وثقت اللجان الحقوقية ومنها " الشبكة السورية لحقوق الإنسان " أن بشار الأسد وزمرته وبإشراف حليفيه الروسي والإيراني ، وبتواطئ كل الدول صاحبة النفوذ على مستوى العالم ، قد استخدم السلاح الكيماوي بما فيه السارين والكلور وغازات أخرى قريبا من أربع مائة مرة منذ 2012 حتى الآن ..، وبالضبط حسب توثيق الشبكة المذكورة " 391 " مرة

كان أخطر هذه الهجمات ما جرى في غوطة دمشق شهر 8/ 2013 ثم ما جرى في خان شيخون وغيرها المناطق . وبلغ عدد ضحايا هذه الجريمة آلاف الأشخاص عدد كبير منهم من الأطفال والنساء والضعفاء الأبرياء .

كل هذا استذكره المجتمعون في ذكرى الضحايا من السوريين ولكن يا لها من ذكرى!! ويا له من احتفاء!! إذ حين تحاول بعض الدول اليوم أن تزاود بالحديث أنها تملك أدلة وإثباتات على أن بشار الأسد قد استخدم هذا السلاح مرارا وتكرارا كما ذكرت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية في الاحتفاء المذكور ؛ فإن من أبسط ما توجبه العدالة الإنسانية أن نعيد السؤال : وما نفع الأدلة والإثباتات التي تملكونها ، إن لم تستخدم في الوقت المناسب ، لوقف الجريمة ، والأخذ على يد المحرم ..؟!

هل سيعفي ما يُزعم أنه العالم الحر من مسئوليته ، أن مجرما دوليا اسمه بوتين فاق بجرائمه كل ما ارتكبه من قبل إيفان الرهيب وستالين وهتلر في وقت معا ، وقرر أن يمعن أكثر في حصد أرواح السوريين بكل سلاح يصل إلى يده ، وأن يجعلهم مختبر تجارب لكل أنواع الأسلحة المباحة والمحظورة كما يصرح هو ووزير دفاعه كل مرة ، هل حقا سيعفي هذا كل أصحاب الياقات البيض من مسئولياتهم التاريخية حول ما جرى ويجري على الشعب السوري مع حرب إبادة لا تبقي ولا تذر مع طلوع كل شمس وغروبها وعلى مدى تسعة أعوام متصلة .

على الصعيد الإنساني الشخصي لا ندري إن كان المدعو بارك أوباما ، وكاميرون وشريكه في صنع السياسة البريطانية ، ثم أولاند الفرنسي ، وأتحدث عن بشر مجردين من الألقاب ما زالوا يستشعرون جريمتهم التاريخية بعد مذبحة السارين الصفراء في 21/ 8/ 2013 . المذبح التي جرت مذابح وما تزال .

في فقه شريعتنا الإسلامية أن منع الجريمة ثم وقفها مقدم على معاقبة المجرم . وأن منع الجريمة هو أساس قانون العقوبات " العقوبات روادع قبل الجريمة زواجر بعدها" . إن السياسة التي يتبعها النظام العالمي اليوم في سورية هي : دعه يقتل ، بل مكنه من القتل أكثر ، ثم اجعل الجريمة بعض أدوات الابتزاز في ملفه .. لتدمر هذا الشعب وتفتت هذه الدولة .

تسع سنوات وفي سورية هولكست متمادٍ مستمر ، دون أن يفكر أحد بالأخذ على يد المجرم . أو وقف شلال الدم . لم يدم الهولكست النازي الذي ما زلنا نستنكره وندين مرتكبيه ونتعاطف مع ضحاياه غير أربع سنوات أي نصف ما دام الهولكست الأسدي حتى الآن ، والذي ما يزال مستمرا حتى الآن ، مجازر رواندا على عنفها وفظاعة ما مر فيه مرت خاطفة سريعة ، وكذا ما جرى في البوسنة وغيرها من مآسي الإنسانية العظام ..

وكل الفرق بين الذي جرى على يد النازيين والذي يجري على يد الأسديين هو أن السوريين المستضعفين الفقراء لا يملكون ثروة آل روتشيلد ، ولا ماكينتهم الإعلامية ليوضحوا للعالم أجمع ، وللضمير الإنساني الحي أن ما نزل بهم على يد ثلاثي الشر بوتين والولي الفقيه وبشار الأسد كان الأفظع والأبشع في تاريخ الإنسانية والإنسان .

ومن حق علينا في يوم الاحتفاء بذكرى ضحايا الأسلحة الكيماوية من المستضعفين والأبرياء ..

أن نعلن أولا من منطلق إنساني ومنطلق شرعي إسلامي رفضنا وإدانتنا لكل أنواع الاستخدام لهذه الأسلحة . كما نعلن التزامنا واحترامنا وتضامننا مع كل المواثيق والاتفاقات الدولية التي تدعو إلى تحريم استخدام هذا الأسلحة الفتاكة الرهيبة ..

وأن نعلن ثانيا - براءتنا وإدانتنا لكل ما يحكى عن استخدام بعض المجموعات التي حُسبت زورا على الإسلام وأهله لهذا السلاح ، وفي أي ظرف كان ..

وبالتالي أن نذكر كل أصحاب الضمير الحي حول العالم أن في سورية جريمة مستدامة تقودها كل قوى الشر في العالم يروح ضحيتها مع كل إشراقة شمس العشرات من السوريين الأبرياء ..

ونذكر كل القائمين على ماكينة الإعلام العالمي والعربي ، والذين ما زالوا يعملون منذ أربع سنوات ، على إزواء الخبر السوري ، وأولئك الذين دأبوا كمشاركة منهم في الجريمة الرهيبة على إطلاق الطلقات الخلبية ... أن الله هو الملك الحق العدل .. وأنهم ستكتب شهادتهم ويسألون ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سانحة السقوط المزدوج

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 30/11/2019

ثمّة مسألةٌ على قدر عظيم من الخطورة، يجب ملاحظتها ونحن نقترب من لحظةٍ مفصلية، هي سقوط الطرفين اللذين لعبا دورا متكاملا في حرف ثورة الحرية التي قام بها شعبنا السوري عن هدفها، واستبدله أولهما، نظام الإجرام الأسدي، بحلٍّ عسكري، رفض مطالبة السوريين بالحرية والإصلاح، ووافق جيشُه الطائفي على تنفيذه، وشن حربا شعواء على الشعب الثائر، التقى معه الطرف الثاني، المتأسلم/ المتعسكر والإرهابي، في منتصف الطريق، وتكفّل بتقويض الثورة في مناطق سيطرته، وألغى حراكها السلمي/ المدني، واستبدله بحلٍّ عسكري دعمته الأسدية، لما وجدته في خياره من اتفاقٍ معها على ضرب ثورة الحرية، والقضاء على طابعها المجتمعي وسلميتها، الذي أجهز الطرفان عليه بالسلاح.

واليوم، ولم يبق من الإرهاب غير جبهة النصرة وبعض شراذمها، يبدو أن صراع "العدوين" المتكافلين المتضامنين انتهى إلى عكس ما يدّعيانه كلاهما: الأول، الأسد، من انتصار بالشراكة مع قوة عظمي دولية هي روسيا، وأخرى إقليمية هي إيران، والثاني، جبهة النصرة، من جهاد مقدّس تشارك فيه قوى خفية لا تُهزم.

أين هو اليوم النظام الأسدي؟ أين يوجد، وهل بقي كما كان عليه قبل الثورة التي يدّعي أنه هزمها، وهشّمته هشيما، حتى لم يبق له مؤسسه أو جيش أو اقتصاد أو خدمات أو علاقات مع أي طرف داخلي وخارجي أو موارد وطنية أو نقود، واستسلم تماما لعجزه عن تدبير كيلو سكر للأسرة في الشهر، وأصابه اليأس من استعادة أوضاعه السابقة، فتفرّغ لنهب شعبٍ بقي في مناطقه، ولم يترك له قدرةً حتى على المشي، بسبب ما ناله من التجويع والإذلال والتخويف والتعذيب والقتل؟ على من وماذا يمون الأسد الذي حارب شعبه من أجل كرسيٍّ سحبه من تحته الروس والإيرانيون، بينما أخذ يوقّع صكوك تسليمهما سرّا وطنا وشعبا وموارد، علّهما يشفعان له ويبقيانه في موقعه الذي لم يعد موجودا في دولةٍ أسديةٍ لم تعد قائمة؟ أما شريكه في قتل الثورة، عنيت جبهة النصرة، فهي تعيش بالقسر والإكراه، وسط شعب يكرهها ويرى فيها أسدية متأسلمة، تعرّضهم لصنوفٍ من البطش والفتك، تماثل ما يتعرّض له إخوتهم في ظل أسدية الحرب والقتل الدمشقية. وليس سرّا أن معادلة التنافي المتبادل بين الأسدية والشعب تنطبق اليوم على الشعب وجبهة النصرة، وأن اهل المناطق الخاضعة لها يرون فيها احتلالا من الباطن، يعمل في إطار المشروع الأسدي، ولا يختلف مصيره عنه، فهو يعيش أيامه الأخيرة.

تهاوى الطرفان المؤدلجان اللذان مثّل أحدهما إرهاب الدولة، والآخر إرهاب المذهبية، وتعاونا ضد ثورة الحرية، الأمر الذي يطرح السؤال: إذا كانت هزيمتهما حتمية، ألا يلزمنا تهالكهما بإعادة إحياء ثورة الحرية، السلمية والمدنية، الحية في ضمائر شعبنا في كل شبرٍ من أرض سورية، والتي يردّد في كل تظاهرةٍ تمنعها جبهة النصرة أو تنتقم من القائمين بها: سورية بدها حرية، والشعب السوري واحد؟ ألم يحن الوقت لاستيقاظ النخب من نومها المديد، ولتوحيد صفوفها حول ما لا تختلف عليه، لتسريع عودتنا إلى ثورتنا الأولى التي يتهاوى عدوّاها الرئيسان، ويوشكان أن يلفظا أنفاسهما الأخيرة، ولا بد لتلاشيهما من أن يعيد إحياءها خيارا مجتمعيا وطنيا لشعبٍ دفع ثمنها غاليا، على يد مجرمي السلطة والإرهاب. ومن غير المقبول أن يفضي استمرار تغييبه، في الظرف الجديد، إلى خروجه صفر اليدين من أنبل ثورةٍ يمكن لشعب آن يقوم بها، بما قدّمه السوريون لها من تضحيات؟

تتخلق شروط نهوض ثوري في لبنان والعراق، يحمل بصماتٍ من بدايات ثورة الحرية في سورية، ويدفعنا دفعا نحو استئنافها وتجديد حراكها، السلمي/ المدني، لإزالة ما بقي من وسخ الأسدية والإرهاب من حياة شعبنا ووطننا.

===========================

تدهور الاقتصاد السوري... أسباب ونتائج!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 30/11/2019

ليس غريباً ما تشهده الليرة السورية اليوم من تراجع متسارع أمام العملات الأجنبية، حيث تجاوز سعر صرف الدولار الواحد 750 ليرة، وليس غريباً أن يصدر النظام، في الوقت ذاته، مرسوماً بزيادة 20 ألف ليرة (نحو 27 دولاراً) على رواتب المدنيين والعسكريين، في محاولةٍ لتنشيط حركة السوق والقدرة الشرائية وتخفيف ما يعتمل في نفوس المعوزين من غضب ونقمة، ولكن الغريب هو إصرار السلطة السورية على الترويج لأوهامها في ربط ما يحصل بمؤامرة كونية للنيل من موقفها الممانع، وبالعقوبات الاقتصادية الغربية التي فُرضت عليها، وبما تعدّه حملات إعلامية خارجية مضللة تزعزع الثقة بالليرة والاقتصاد وتشجع هجرة الاستثمارات ورؤوس الأموال، بما هو إصرار، كعادتها، على تجاهل ما صنعته أياديها، وإنكار الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا التدهور الاقتصادي غير المسبوق...

أولاً، تجاهل ما خلفه العنف السلطوي المفرط واستباحة مختلف وسائل الفتك والتنكيل من تدمير لأجزاء كبيرة من البنية التحتية الضرورية لأي عملية إنتاجية، ومن تخريب مساحات واسعة صالحة للزراعة وتعطيل العديد من المنشآت الصناعية والقدرة على استثمار الثروة النفطية، وتدمير قطاع السياحة وتهجير ملايين السوريين من أصحاب الكفاءات العلمية والمهنية.

ثانياً، أن رفض المعالجة السياسية والإصرار على الخيار الأمني والاستمرار بتوجيه مختلف موارد البلاد لاستجرار السلاح ولتغطية تكاليف العمليات العسكرية، أفضى لاستنزاف خزينة الدولة من العملات الصعبة، وتحجيم الدخل القومي بشكل كبير جداً بخسارة الكثير من مصادره التجارية والزراعية والصناعية والباطنية.

ثالثاً، حين تحتل سوريا المرتبة 178 عالمياً ضمن قائمة أسوأ الدول في الفساد، ولا تترك خلفها سوى الصومال، وحين تتضاعف أرقام ودائع أهم ضباط ورجالات النظام في بنوك سويسرا والإمارات وروسيا، وحين يتسع دور السوق السوداء برعاية مسؤولين كبار وأمراء الحرب وتجارها، وميليشيا «حزب الله» اللبناني و«الحرس الثوري» الإيراني، وتغدو متحكمة إلى حد كبير، ليس فقط في سوق القطع الأجنبية بل في حاجات المواطنين الأساسية، حينها يمكن تقدير الآلية التي تُنهب من خلالها أموال السوريين وثرواتهم، ويمكن الاستنتاج أن زيادة الأجور المتواضعة لن تعوض الخسارة الناجمة عن الفساد وتراجع قيمة الليرة وجنون الأسعار، ولن تنتشل العاملين في الدولة من مستنقع الفقر والحرمان، فكيف الحال مع العاملين خارج مؤسسات الدولة وملايين العاطلين عن العمل!

رابعاً، صحيح أن العقوبات الاقتصادية الغربية لعبت دوراً مهماً في مفاقمة أزمة الاقتصاد السوري، لكن العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران لعبت دوراً أكثر أهمية، فقد كان النظام السوري مطمئناً للدعم الإيراني ومعتمداً عليه لتخفيف مصاعبه الاقتصادية، لكن بعد أن رزحت طهران في العامين الأخيرين تحت وطأة حصار اقتصادي دولي كبير، لم تعد تستطيع تحمل تكاليف هذا الدعم، فاقتصرت مساعداتها على إمدادات النفط وبعض التوريدات العسكرية.

خامساً، هروب رؤوس الأموال، ليس فقط بسبب مناخ الحرب وتردي الوضع الأمني، وإنما بسبب انتشار مرعب لظاهرة الابتزاز المالي، إنْ بعمليات الخطف والمبادلة، وإنْ بفرض إتاوات عند الحواجز على الأشخاص الذين يعبرون من منطقة إلى أخرى وعلى السيارات المحملة بمنتجات زراعية وصناعية، وإنْ بإجبار التجار والمستثمرين على دفع مخصص شهري لمركز أمني أو عسكري يدّعي حمايتهم، فمثلاً بلغ حجم رؤوس الأموال السورية المهاجرة إلى تركيا ومصر والأردن ولبنان، ما يقارب 35,7 مليار دولار باعتراف حكومات هذه الدول، عداكم عن رؤوس أموال وُظفت بالتشارك مع مستثمرين أجانب، وعن أموال مهاجرين سوريين استُثمرت لإنشاء مشاريع صغيرة في ألمانيا وكندا.

والحال، أنه على الرغم من تغير خريطة الصراع وتقدم قوات النظام في حربها ضد فصائل المعارضة المسلحة ومحاصرتها في مدينة إدلب وأريافها، فإن الرياح الاقتصادية لم تجرِ وفق ما تشتهيه سفن النظام، بل قادت السوريين من سيئ إلى أسوأ، لتتفاقم أزمتهم المعيشية وخسائرهم الاقتصادية مع كل يوم جديد.

تقول التقارير الأممية، إن نسبة البطالة ارتفعت إلى 78% وثمة نحو تسعة ملايين سوري عاطل عن العمل، بينما ازدادت الأسعار بشكل عام بين 2011 و2019 نحو 14 ضعفاً، كما أن الاقتصاد السوري خسر 226 مليار دولار من إجمالي الناتج المحلي وهو ما يعادل أربعة أضعاف إجمالي الناتج المحلي عام 2010، فضلاً عن دمار 7% من المساكن والمباني والمنشآت العامة كلياً و20% جزئياً.

وتضيف تقديرات الأمم المتحدة أن سوريا تحتاج إلى 250 مليار دولار لإعادة الإعمار، وأن معدلات الفقر والعوز المالي ارتفعت بشكل حادّ من 33% إلى 80% وصار أكثر من نصف المجتمع، أي ما ينوف على 12 مليون سوري، بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية المختلفة، كالغذاء والمياه والمأوى والصحة والتعليم، وباتت العائلة السورية، المكونة من 6 أفراد، بحاجة إلى دخل شهري يقارب 300 ألف ليرة سورية أي ما يعادل اليوم 400 دولار، لتوفير أهم المستلزمات والحاجات المعيشية.

إن النتائج المأساوية الذي خلّفها الصراع الدموي، واستمرار سلطة لا تزال مطمئنة لانعدام أي رد فعل عالمي جدي ضد عنفها المفرط، لا يثيران التفاؤل بانتفاضة شعبية سورية ضد الجوع والفساد أسوةً بما يحصل في لبنان والعراق وإيران، ولا يشجعان على القول بأن تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي سوف يغيّر المشهد ويقرّب النظام من سقوط عجزت عنه الوسائل السياسية والعسكرية، بل ما يمكن قوله إن هذا التدهور يكشف مدى العجز والارتهان الذي وصل إليه النظام، والكوارث التي ألحقها وسيلحقها بالبلاد ومقدراتها، كي يحافظ على سلطته وامتيازاته، ويفضح وجوه الفساد والاستئثار واللصوصية التي يستخدمها رجالاته في إدارة الاقتصاد ولإعادة إنتاج هيمنتهم وامتيازاتهم، والأهم أنه يُظهر حقيقة أنْ لا مستقبل للسوريين من دون تغيير جذري في نظام الحكم وأساليبه، من دون التمسك بحل سياسي يستند إلى العدالة الانتقالية كخطة طريق واجبة لخلاص مجتمع طحنته الحرب الأهلية ومثقل بتركة من الانتهاكات والجرائم والظلم، وبغير ذلك لا يمكن توفير المناخ المشجع للبدء بإعادة الإعمار وبعودة ملايين السوريين إلى وطنهم، وقطع الطريق على أطراف خارجية تتطلع بنهمٍ للسيطرة على مقدرات البلاد ومستقبل شعبها.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com