العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-11-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إسرائيل ونظام دمشق من النبذ إلى التطبيع

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 5/11/2020

يبدو كأن هناك سباقاً عربياً على التطبيع مع كل من إسرائيل ونظام الأسد الكيماوي، فيما يسمح بإقامة المقارنة بين المنبوذين المذكورين، كما بملاحظة أن الدول المتسابقة على خطي التطبيع هذين هي نفسها تقريباً. فبعدما انطلقت رسمياً عمليات التطبيع بين كل من الإمارات والبحرين من جهة إسرائيل من جهة أخرى، ولحقت بهما السودان مؤخراً، تم تعيين سفير لسلطنة عمان في دمشق.

ومن المتوقع أن تنضم دول عربية جديدة إلى عملية التطبيع مع إسرائيل وفقاً لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهناك توقعات قوية بأن المملكة السعودية هي الدولة الأبرز المرشحة للتطبيع مع إسرائيل في الفترة القادمة، وما قد يعنيه ذلك من زخم من شأنه أن يسمح لدول عربية أخرى بتمرير العملية بسهولة أكبر.

نظام دمشق الكيماوي بدوره أخذ يخرج من عزلته العربية ببطء ولكن بثبات. وقبل عامين فتحت دولة الإمارات سفارتها في دمشق ثم تراجعت عن ذلك بضغوط من واشنطن، وقام الرئيس السوداني المخلوع بزيارة إلى دمشق، في سابقة كانت الأولى في نوعها، قبيل الثورة الشعبية التي ستطيح به بعد أسابيع قليلة من تلك الزيارة. وليس خافياً على أحد أن المحور السعودي ـ الإماراتي ـ المصري يتواصل مع النظام ومتحمس لتطبيع العلاقات معه ولإعادته إلى الجامعة العربية من منطلق مواجهة النفوذ التركي في شمال سوريا، و«انتزاع النظام» من الإيرانيين. أحبطت الإدارة الأمريكية هذا الحماس فتم تعليق عمليات التطبيع العربية معه إلى حين.

أما الآن فالإدارة الأمريكية نفسها قد تورطت في شبه تطبيع مع النظام، بزيارة مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى إلى دمشق للتفاوض معه حول إطلاق سراح أسيرين أمريكيين في قبضة أجهزته منذ سنوات. تلك الزيارة التي كان من المفترض أن تبقى سرية، كشف عنها النظام لأنها شكلت اختراقاً كبيراً، من وجهة نظره، على طريق استعادة شرعيته في نظر القوة الدولية الأعظم. لا قيمة لفشل مفاوضات استعادة الأسيرين بالقياس إلى مجرد حدوث تلك المفاوضات فيما يمكن لإعلام النظام أو حزب الله أن يعتبره انتصاراً، فقد قطع الأمريكيون آلاف الأميال «ليحظوا» بلقاء المسؤولين السوريين، في حين أن الرئيس الروسي بوتين يستدعي الأسد كلما تطلب الأمر ذلك، فيشحنه إلى موسكو أو سوتشي أو إحدى القواعد العسكرية الروسية على الأراضي السورية. ليس هذا وحسب، بل إن الأسد قد رفض الطلب الأمريكي ورد المبعوثين على أعقابهما خاليي الوفاض، و«اشترط خروج القوات الأمريكية من سوريا ورفع العقوبات عنها ثمناً لإطلاق سراح الأسيرين»! حسب وسائل إعلام.

إذا كان من مغزى لهذا الصمت الأسدي أمام مسار التطبيع مع إسرائيل، فهو حاجته هو نفسه للتطبيع وفك العزلة الذي يحتمل أنه يرى مفتاحه في يد واشنطن وتل أبيب والمحور الخليجي

يذكرنا هذا الحدث بعقد الثمانينيات حين كان الأمريكيون والأوروبيون يزورون دمشق للتفاوض مع حافظ الأسد على إطلاق رهائن غربيين في يد منظمات مجهولة في لبنان، من المعروف أنها منظمات وهمية للتغطية على عملاء المخابرات السورية. وفي هذا ارتكاسة كبيرة نحو التفاوض مع إرهابيين، ورأس الإرهاب في دمشق، وتقديم تنازلات لهم مقابل إطلاق سراح رهائن. هذا هو الدور الأثير على قلب نظام الأسد، يبدو أن الوريث بشار ربما يستعيده من إرث أبيه إذا تكررت محاولات مماثلة من الولايات المتحدة أو دول أخرى. ولا يستبعد أن يلجأ النظام، أو أذرعه الاستخباراتية في لبنان، في الفترة القادمة، إلى اختطاف أجانب لابتزاز دولهم بالطريقة نفسها، فيتحول من مشكلة إلى حل.

كان لافتاً للانتباه أن نظام الأسد لم يمارس جعجعته المعتادة ضد الدول العربية التي دخلت مسار التطبيع مع إسرائيل. لنتذكر، للمقارنة، كيف تمت محاصرة مصر بعد توقيع الرئيس الأسبق أنور السادات معاهدة السلام مع إسرائيل في العام 1979، وكان نظام الأسد هو من قاد الحملة العربية ضد الرئيس المصري، وكيف تمت محاربة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بعد توقيع معاهدة أوسلو في العام 1993. وعموماً كان نظام دمشق سباقاً دائماً في مواجهة أي اتصالات عربية مع إسرائيل، على الأقل على مستوى الإدانات اللفظية. أما أن يلزم الصمت أمام الاختراق الكبير الذي حدث في تطبيعي الإمارات والبحرين، ثم السودان، فهذه سابقة. أما صمته عن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، فهو الأكثر لفتاً للانتباه إذا قارناه برفضه الصاخب للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان من طرف واحد في ربيع العام 1998، واعتباره «مؤامرة إسرائيلية» ضد سوريا! وشعاره الشهير «وحدة المسارين السوري واللبناني».

إذا كان من مغزى لهذا الصمت الأسدي أمام مسار التطبيع مع إسرائيل، فهو حاجته هو نفسه للتطبيع وفك العزلة الذي يحتمل أنه يرى مفتاحه في يد واشنطن وتل أبيب والمحور الخليجي، أي عناصر «صفقة القرن» الكوشنرية بالذات، بما في ذلك الحكومة السودانية المدعومة سعودياً.

اهتم محللون غربيون بمقابلة بشار الأسد الأخيرة مع إحدى وسائل الإعلام الروسية التي أجاب خلالها عن سؤال يتعلق بالسلام مع إسرائيل، فقال إن شرطه الوحيد هو استعادة الأراضي السورية المحتلة. هذا الموقف ليس جديداً بل هو نفسه منذ آخر مفاوضات جرت بين النظام وإسرائيل في العام 2000 في مدينة شيبردز تاون برعاية أمريكية. ربما توقيت تصريح الأسد هو المهم في سياق تسارع عمليات التطبيع العربية مع إسرائيل، وبالنظر إلى عزلة النظام ووضعه الداخلي الصعب.

من هذا المنظور سيكون احتمال فوز ترامب بولاية رئاسية ثانية خبراً سيئاً للسوريين، لأنه لا يستبعد عن ترامب أن يشتري «عملية سلام» سورية ـ إسرائيلية برعاية أمريكية مقابل إعادة تأهيل النظام وفك عزلته عربياً ودولياً. أما هل يقبل النظام بدخول هذه العملية المفترضة أم لا، فهذا يتوقف على إيران التي ستكون لها شروطها. وفي جميع الأحوال فإن «عملية السلام» لا تعني السلام كما رأينا في مسار أوسلو على الخط الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

كاتب سوري

=========================

موقفنا : إيران تعزز نفوذها في سورية وتخترق المجتمع السوري .. براءة ... واعتذار

زهير سالم

مركز الشرق العربي

7/ 11 / 2020

وحتى يكون كل شيء واضحا فإن فرصة إيران في الهيمنة والنفوذ في سورية ، ظلت متوفرة في عهدي أوباما وترامب ، وعلى مدى السنوات العشر على السواء . كل السباب الترامبي لإيران ، لم يكن بسبب نفوذها في سورية . وبقي سباب ترامب سبابا وأودت إيران في سورية بالإبل ..

وما سأورده في هذا الايجاز ، مختصر عن تقرير صادر عن " المجلس الأطلسي" Atlantic council

وهي مؤسسة بحثية ، غير ربحية ، مؤثرة في مجال الشؤون الدولية . تأسست عام 1961 .وتوفر المؤسسة منتدى للسياسيين ورجال الأعمال ولمفكرين عالميين . وتدير المؤسسة عشر مراكز إقليمية حول العالم ، وبرامج وظيفية ، تتعلق بالأمن الدولي ، والازدهار الاقتصادي العالمي . ويقع مقر المؤسسة الرئيسي في واشنطن .

وعنوان الدراسة " إيران تعزز مواقعها في سورية عبر إنشاء شبكات أمنية خاصة. "

 وتذكر الدراسة بعض طرائق إيران في تعزيز وجودها في سورية منذ 2017 ، بمعنى منذ عهد ترمب الذي أسمعنا كثيرا من الجعجعة ، ولم نر في عهده طِحنا . أهم الوسائل التي تركز عليها الدراسة :

أولا - اختراق إيران للجيش السوري ، وطبعا كان ذلك يتم باستلحاق بعض وحداته ، على خلفيات متعددة . أو شراء بعض قادته وضباطه بطرق الشراء المختلفة . ويجب أن لا ننسى أن المدعو " رستم غزالة " قد قتل بالطريقة البشعة التي قتل بها ، حين اصطدم ببعض الضباط المنخرطين في المشروع الإيراني .

ثانيا - التركيز على رجال الأعمال السوريين ، ومنذ البداية تحالف الفساد مع الاستبداد في سورية . فحين يحظى رجال الأعمال بالتسهيلات ، وبالصفقات وبالحماية والغطاء يكونون بلا شك جسرا مزيتا لعبور ما شاء المحتلون من عقائد وأفكار ..قاتلهم الله أنى يؤفكون !!

ثالثا - تشير الدراسة إلى تشكيل ميليشيات متعددة لخدمة النفوذ الإيراني ، منها ميليشيات قوامها من السنة ، ويتنوع حديث الدراسة في هذا الميدان ..ولا بد أن ننوه أن حالة الفقر المدقع التي يعيشها السوريون ستكون مدخلا سهلا لطالبي الارتزاق ..

تتحدث الدراسة عن تحالف إيران مع بعض العشائر عن طريق شيوخها ، وتجنيدهم وتجنيدها في المشروع الإيراني . كما تتحدث عن تشكيل ميليشيات تحت إمرة إيرانية خالصة وعناوين وطنية مثل " قوات الدفاع الوطني " " قوات الدفاع المحلي" وكذا تجنيد الشيعة من السوريين من أبناء الأقلية القليلة . كما تستعين إيران بالميلشيات الشيعية متعددة الجنسيات من الزينبيين والفاطميين وفصائل الحشد الشعبي .

تشرح الدراسة أن كل هذه المسميات تعمل تحت إمرة الحرس الثوري الإيراني . وينفق عليها من ميزانيته ، وأن راتب الأفغاني أو الباكستاني في سورية من 400 - 500 دولار ، وراتب المرتزق السوري 100 دولار فقط . وأن هؤلاء يخضعون لدورات تدريبية على السلاح الخفيف مدتها 45 يوما وعلى الأسلحة الأخرى لمدة ستة أشهر ..

رابعا - تشكيل شركات أمنية خاصة في سورية ، تابعة للحرس الثوري الإيراني ذات مهمة مزدوجة أمنية استخبارية وعسكرية ، تعمل في خدمة مشروع تشييع السوريين ، وتغيير هوية المجتمع السوري ، وهي تقدم كاسحة ألغام أمام كل من يتصدى للمشروع ، ومزيتة تزيت طريق كل من يرضى ..

هذه العناوين الرئيسة التي ذكرتها الدراسة الأطلسية ، ولو أردنا أن نضيف من واقع الأرض السورية ، لذكرنا الكثير ، ولعل أخطر ما غفلت عنه الدراسة وقد ذكرت تحالف المشروع الإيراني مع بعض رجال الأعمال السوريين هو ذكر تحالف الرافضة مع أصحاب العمائم المزيفة من العملاء السوريين بعضهم تحت شعار حب آل البيت ، وبعضهم تحت شعار الانسياق مع " ولي الأمر " بل ربما نضيف إلى هؤلاء بعض أصحاب العمائم الذين يديرون ظهرهم للمشهد ، ويشتغلون في فضاء هذه الفتنة بغير شغل ..دون أن ننسى أيضا تحالف المحتلين الإيرانيين مع بعض المرجعيات الأقلوية في تحالف التحريض على الإسلام والمسلمين ..

اللهم إنا نبرأ إليك من فعل قوم ونعتذر إليك من فعل آخرين ..

__________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

السلطة والاستخبارات السورية

حسين عبد العزيز

سوريا تي في

الخميس 5/11/2020

ما هي طبيعة العلاقة التي تجمع الأجهزة الأمنية فيما بينها؟ ومن هم المسؤولون عن وضع المخططات والاستراتيجيات والأساليب؟ وما هي الحدود الفاصلة بين ما هو منظم وما هو عشوائي؟

يحاول كتاب "السلطة والاستخبارات السورية" الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من رواية تفاصيل العقد الأول من حكم بشار الأسد، بدءا من العلاقات اللبنانية السورية، مرورا بدور سوريا في حرب يوليو 2006، ووصولا إلى تحول الثورة السلمية إلى حرب أهلية.

لا يقدم المؤلف قراءة تحليلية للوضع في سوريا، فهذه ليست من مهامه، جل تركيزه ينحصر في متابعة المتغيرات الحاصلة في السلطة من عام 2000 إلى  عام 2010، لا سيما على مستوى توزيع السلطات في المؤسسات العسكرية والأمنية والحزبية والسياسية.

بناء التسلطية

يقسم المؤلف تاريخ الجمهورية السورية إلى ثلاث مراحل: الجمهورية الأولي تمتد من عام 1946 إلى 1958 (عام الوحدة السورية المصرية)، في حين امتدت الجمهورية الثانية من عام 1958 إلى 1963 (عام استلام البعث للسلطة)، أما الجمهورية الثالثة فتمتد من عام 1963 حتى الآن.

يعطي الدستور السوري الذي صدر عام 1973 صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية الذي يشغل أيضا منصب الأمين العام لحزب البعث الذي يعطيه الدستور في مادته الثامنة الحق في قيادة الدولة والمجتمع، إضافة إلى جمعه منصبي القائد العام للجيش والقوات المسلحة ورئاسة القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.

إن إحدى السمات الرئيسية التي وسمت النظام السوري مع ولادة الجمهورية الثالثة وفق المؤلف هي تمركز السلطة في أيدي نخبة ذات أصول عسكرية ريفية، إلى أن استطاع حافظ الأسد تركيز السلطة بشكل هرمي حاد تلعب فيه البيروقراطية دورا حاسما في إلغاء الدور التنافسي التعددي.

ويتابع زيادة الحديث عن سياق الانتقال من التعددية إلى التسلطية، بالوقوف على الهجرة الكبيرة التي حدثت من الريف إلى المدينة، وما تبعها من انخراط في مؤسسات الدولة لا سيما الجيش الذي يتطلب مؤهلات تعليمية وعملية أقل، وكان من نتيجة ذلك أن ترييف المدينة أدى تدريجيا إلى ترييف السلطة، وهو ما قاد في النهاية إلى تحطيم التقاليد القانونية التي أرستها النخبة الحضرية التي استلمت السلطة بعد الاستقلال.

فمع تسلم البعث للسلطة كان واضحا صعود اللجنة العسكرية داخل جهاز الحزب، وحاول الأسد مع وصوله إلى السلطة توسيع قاعدة المساندة السياسية عبر بناء هياكل مؤسسية هدفها النهائي وفق المؤلف ترسيخ النظام الذي يكون فيه الأسد رأس الهرم، أما أضلاعه الثلاثة التي تنتهي إليه فهي: الإدارة الحكومية، الحزب، الجيش وأجهزة الأمن التي أصبح لها اليد الطولى على كافة المؤسسات.

وراثة سوريا من الأب إلى الابن

بدأ حافظ الأسد في عاميه الأخيرين ترتيب مسألة خلافته، فأصدر عام 1998 مرسوما أحيل بموجبه العماد حكمت الشهابي إلى التقاعد وتسلم نائبه العماد علي أصلان رئاسة هيئة الأركان، وهو من المقربين جدا لبشار الأسد، وجرى إنهاء خدمة اللواء بشير النجار من إدارة الاستخبارات العامة، وفي الوقت نفسه رقي أربعة ضباط من رتبة لواء إلى رتبة عماد، وهم: عبد الرحمن الصياد، علي حبيب، توفيق جلول، فاروق عيسى إبراهيم.

واستكمل الأسد تغييراته الأمنية بإحالة اللواء محمد ناصيف رئيس فرع الأمن الداخلي التابع لإدارة الاستخبارات العامة إلى التقاعد عام 1999، لكن جرى تعيينه فيما بعد معاونا لمدير إدارة الاستخبارات العامة اللواء علي حورية، وأحيل مدير إدارة الاستخبارات الجوية اللواء محمد الخولي إلى التقاعد عام 1999، كما أقصي العماد علي دوبا من رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية، وعين اللواء حسن خليل بدلا عنه، ثم تسلم اللواء آصف شوكت فرع أمن القوات في الاستخبارات العسكرية -الفرع الأكثر نفوذا في الشعبة- كما تمت ترقية بهجت سليمان من رتبة عميد إلى رتبة لواء وتسليمه فرع الأمن الداخلي.

استتبع الأسد عملية إقالة بارونات النظام بتغيير حكومة محمود الزعبي وتكليف محمد مصطفى ميرو رئاسة الحكومة عام 2000، مصحوبة بقرار الإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين، على أن الخطوة الأهم التي كان يجري الإعداد لها هي عقد المؤتمر القُطري التاسع في 17 يونيو/حزيران 2000 الذي توقع البعض أن يتسلم بشار الأسد منصبا في القيادة القُطرية لحزب البعث، لكن حافظ الأسد توفي قبل أسبوع من انعقاد المؤتمر.

في أثناء ذلك، بدأ بشار الأسد عام 1999 القيام بجولات رسمية وعلنية حظيت بتغطية إعلامية كبيرة من الصحافة الرسمية، دون أن يكون قد تبوأ أي منصب رسمي، وتسلم الملف اللبناني الذي سحب من يد عبد الحليم خدام.

وبموازاة هذه الترتيبات رقي الأسد إلى رتبة عقيد ركن، وجرى توجيه رسالة واضحة إلى منافسه عمه رفعت الأسد عن طريق إزالة ميناء له في طرطوس، والإعلان عن تقديمه للمحاكمة في حال عودته إلى سوريا.

فور وفاة حافظ الأسد أجرى وزير الدفاع العماد مصطفى طلاس الترتيبات اللازمة لانتقال السلطة، ولعب اللواء آصف شوكت دورا هاما لتأمين الدعم الكافي عسكريا، وكذلك المقدم ماهر الأسد في الفرقة الرابعة ذات المهمات الخاصة.

ترك بشار الأسد المؤسسات البيروقراطية على حالها مع تغييرات بسيطة، حيث أدخل إلى الجبهة الوطنية بعض الأحزاب الهامشية مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب العمل الوطني والاتحاد الاشتراكي والاتحاد العربي الديمقراطي.

صعود المعارضة

 الحديث عن المجتمع السوري: الدولة والسلطة السياسية، لا يستقيم دون الحديث عن المعارضة فيه، فالمجتمع السوري كقوة سياسية لم يكن خاليا من كل الأطياف السياسية.

وما إن حصل الجلاء حتى وبدأت القوى السياسية بمحاولة إثبات وجودها وفاعليتها السياسية عبر أدوات السلطة الديمقراطية في البرلمان والوزارات المتعاقبة، وكانت الأحزاب الليبرالية حاضرة بقوة في البداية، ولكنها سرعان ما بدأت تنسحب من الفاعلية السياسية وعجزت عن مواكبة المتغيرات وحاجات المجتمع السوري الجديد وعجزت عن تلبيتها، فبقيت سلطة مدنية واستمر الريف مهمشا وفقيرا، وهي بالأصل أحزاب نخبة لا بنية حزبية تنظيمية ومؤسسة على طريقة الأحزاب العقائدية لها، ولذلك سرعان ما انحسرت كأحزاب واستمرت كرموز ستنسحب من الصورة بشكل أولي مع الوحدة مع مصر 1958، وتنسحب بشكل نهائي من السياسة السورية بعد إسقاط الانفصال 1963.

تسلم البعث السلطة في سورية عبر انقلاب 1963، وعمل على فرض أجندته الكاملة في المجتمع كثورة، وعنى هذا اقصاء كل القوى السياسية الأخرى من الحكم وبأشكال مختلفة، ففي البداية من 1963 إلى 1970 مر الحكم بخلافات داخلية في البعث وتصفيات أدت أخيرا وصول حافظ الأسد للسلطة حاكما مطلقا لسورية.

لم تستسلم كثير من الأحزاب السياسية وسرعان ما توصلت بعد مراجعات فكرية لضرورة الحكم الديمقراطي بعدما ظهر من سيطرة حافظ الأسد وعصابته على الدولة والمجتمع.

لكن الأسد ثبت حكمه وزج بكثير من المعارضين بالسجون، وما أن حل عقد الثمانينيات حتى أزيحت حركة الإخوان المسلمين من المشهد السياسي، وكذلك أغلب كوادر الأحزاب المعارضة المرتبطة بـ "التجمع الوطني الديمقراطي" وخارجه ممن تتبنى الخيار الوطني الديمقراطي.

ولم يتغير الوضع السياسي في التسعينيات، فقد كان وجود المعارضة شبه معدوم، لكن مع وصول بشار الأسد إلى الحكم، تلقف المجتمع السوري والنشطاء السياسيين والمثقفين ورموز مجتمعه المدني الفرصة، وبدأت تعبيرات المجتمع المدني من خلال بيانات المثقفين.

يتساءل المؤلف هنا عن أسباب تسامح السلطات مع هذه النشاطات في البداية ثم الانقلاب عليها، ويذهب إلى أن الغاية الوحيدة من ذلك هي تمرير انتقال السلطة بشكل سلس وهادئ عبر إعطاء شرعية داخلية وخارجية لآلية انتقال السلطة.

بعد سنوات من اغتيال ربيع دمشق، بدأ المثقفون الناشطون التفكير بضرورة الانتقال من المعارضة المطلبية إلى شكل من أشكال العمل السياسي المنظم، فكان إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي الذي ضم شخصيات قومية ويسارية وليبرالية وكردية وآشورية وإسلامية، في أكتوبر / تشرين الأول عام 2005.

الإخوان المسلمون والديمقراطية

حاولت السلطة السيطرة بقوة على منصب مفتي الجمهورية، وبعد وفاة الشيخ أحمد كفتارو عينت أحمد حسون في المنصب كاسرة تقليدا يقضي باختيار مفتي البلاد من العائلات الدمشقية التقليدية، غير أن حسون فقد مصداقيته عند كثير من السوريين بسبب تملقه للنظام، كما فعل عندما وصف انتخاب الرئيس بشار الأسد بأنه بيعة شبيهة ببيعة الرسول.

ينحصر الحضور الديني في سوريا في شقين، تعليمي ودعوي، وكلاهما يخضعان لوزارة الأوقاف التي يجري تعيين وزيرها بدقة وعناية فائقتين، فبعد وفاة عبد المجيد الطرابلسي الذي كان سابقا أحد ناشطي الإخوان ومن زعمائهم الراديكاليين، جرى تعيين نمط من وزراء تكنوقراط أكثر من كونهم ذوي مرجعية دينية أو فقهية مؤثرة داخل المجتمع.

ومع ذلك اتسعت في سوريا خلال العقدين الأخيرين المدارس والمعاهد الشرعية، وعندما حاولت الحكومة تنظيم التعليم الشرعي عام 2006 عبر إجبار طلابه إكمال مرحلة التعليم الأساسي كشرط لدخول المعاهد الدينية، جرى احتجاج من قبل علماء الدين على هذه الخطوة، فوقع 39 منهم رسالة للأسد يتهمون وزارة التربية بوضع خطة تآمرية لتجفيف روافد الثانويات الشرعية، ولمح العلماء في الرسالة إلى الحوزات الشيعية التي تتجاهل تعليمات وزارة التربية بهذا الخصوص.

لقد أصبح الدين جزءا من إستراتيجية البعث لضمان بقائه في السلطة، وعلى الرغم من عدم وجود خطاب سياسي مواز يحاول استثمار الدين بشكل صريح كما حصل في أكثر من بلد عربي، فإن المواقف والتصريحات السياسية للأسد وبعض المسؤولين أصبحت تأخذ طابعا أيديولوجيا صريحا من استثمار المشاعر الدينية.

ويمكن القول والكلام للمؤلف إن هذا الخطاب أدى إلى عودة المظاهر الدينية بقوة إلى المجتمع السوري المغيب عن السياسة.

=========================

بشار يشجع مَن اليوم؟

عمر قدور

المدن

الاربعاء 4/11/2020

لا ندري ما إذا كان بشار الأسد سيتابع باهتمام أخبار هذا اليوم الانتخابي الأمريكي. نفترض أنه يفعل ذلك لأسباب عديدة، في مقدمها وقوع جزء من الأراضي السورية تحت النفوذ المباشر للقوات الأمريكية. هذه القوات تمنعه عن جزء معتبر من ثروة البلد النفطية والزراعية، وأتت العقوبات الأمريكية بموجب قانون قيصر لتُحكِم الحصار الاقتصادي، ولتظهر العقوبات الغربية السابقة كلها كعتب رقيق ليس إلا. 

في وسع بشار الأسد القول، كما صرح بذلك مراراً، أن لا أهمية يوليها للرئيس الأمريكي الذي ينفذ سياسة "دولة عميقة" لا تتبدل. في وسعه الحديث، وقد كرر ذلك، عن مؤامرة أمريكية لإطاحته من منصبه، على الرغم من أن واشنطن لم تطرح تنحيه كهدف لها، بل منعت الأسلحة النوعية عن الفصائل التي كانت تستطيع في وقت مضى إسقاطه بالقوة. في وسعه أيضاً، وفقاً لفلكلور الممانعة، اعتبار السياسة الخارجية الأمريكية تابعة لتل أبيب، لكن الأخيرة كما نعلم أرسلت إشارات قوية تحبّذ بقاءه في السلطة بشرط ابتعاده عن طهران.  

إننا، بخلاف عدم الاكتراث الذي تتعمد سلطة الأسد إظهاره، نعتقد أن رئيسها لا بد أن يتابع انتخابات اليوم، إن لم يكن بدوافع شكلية من قبيل احتلاله منصب الرئاسة حتى الآن فبدافع الفضول على الأقل. ثم إننا لا نستطيع استبعاد ما هو شخصي، فأحد المتنافسَين "ترامب" كان قد وصفه بالحيوان بسبب استخدامه السلاح الكيماوي، بينما كان المتنافس الآخر "بايدن" نائباً للرئيس الذي تخلى عن خطه الأحمر الشهير المتعلق باستخدام السلاح الكيماوي، بل نائباً للرئيس الذي شهد عهده السياسات التي ساهمت بشكل أساسي في إيصال الوضع السوري إلى ما هو عليه الآن، بما في ذلك الموافقة على تدخل طهران ثم موسكو للإبقاء على بشار. 

بتجاوز الاعتبارات المتعلقة شكلياً بمنصبه، نفترض أن يكون بشار مهتماً بمجريات انتخابات الرئاسة الأمريكية لتأثيرها على علاقة واشنطن بكل من موسكو وطهران، وبالتبعية تأثير ذلك على الوضع السوري. من الواضح جداً أن طهران تفضّل نجاح بايدن الذي يعدِها باسترجاع مكاسب الاتفاق النووي، حتى لو اقتضت تجديد الاتفاق تفاهمات إضافية لا يُتوقع أن تتشدد إدارته في تحديدها. موسكو، التي لم يتسرب عنها موقف صريح، متهمة منذ الانتخابات الماضية بالتدخل لصالح ترامب، والتحقيقات الأمريكية في الدور الروسي منعت ترامب من تطوير العلاقة معها على النحو الذي كان يريده. في حال نجاحه، سيكون ترامب أكثر حرية في سياساته الخارجية، ومن دون حسابات تخص الترشح للرئاسة مرة أخرى، وربما رغم ضغوط من صقور حزبه سيكون قادراً على مد يده إلى بوتين في ملفات ليست ذات حساسية داخلية عالية مثل الملف السوري.

لا ننسى أن ترامب كان يريد مغادرة سوريا معلناً الانتصار النهائي على داعش الذي كان سبباً في قدوم القوات الأمريكية، لكنه أيضاً أعلن أثناء حملته الانتخابية الحالية عن اقتراح له بقتل بشار الأسد "في الرد على هجمات كيماوية"، حيث رفض وزير دفاعه آنذاك الفكرة. ميزة ترامب، التي يروق له شخصياً الترويج لها، إتيانه بما هو غير متوقع، ومفاجآته قد تصب في صالح الأسد، مثلما قد تأتي لغير صالحه كما تشتهي المعارضة التي تخشى أن يكون بايدن نسخة باهتة من أوباما. المراهنة على ترامب فيها ما فيها من المقامرة، وتتطلب من بشار أن يكون بقلب وعقل روسيين!

في برنامج بايدن الانتخابي هناك بضع كلمات عن الشأن السوري، لا تتعدى العموميات ولا تنطوي على أي نهج جديد أو وعدٍ به، بخلاف هيلاري كلينتون التي لوّحت بحملتها الانتخابية قبل أربع سنوات بسياسات حازمة تجاه الأسد. غياب الشأن السوري قد نجد تفسيره باعتباره تفصيلاً ضمن المفاوضات المرتقبة مع طهران، تماماً على غرار ما تعامل معه أوباما. مشاركة الأخير النشطة في حملة نائبه السابق، بعكس البرود الذي أبداه إزاء حملة هيلاري، تشجع على الاعتقاد بأن عهد بايدن سيكون استئنافاً واستعادة لسياسات أوباما، بما فيها التفهم الذي أبداه الأخير للتدخل العسكري الروسي في سوريا. 

لن يأتي بايدن، في حال فوزه، حاملاً ثأر هيلاري بسبب التدخل الروسي السابق لمصلحة ترامب. السياسات الأمريكية لا توضع بهذه الطريقة، واستخدام الموضوع الروسي للاستهلاك المحلي والضغط به على ترامب من قبل الديموقراطيين شأن والسياسة التي سيتبنونها في الرئاسة شأن آخر. وجود قوات البلدين في حيز جغرافي ضيق من سوريا سيحافظ على التنسيق بينهما، ولا يُستبعد أن يستجر المستوى العسكري تنسيقاً يذكّر باجتماعات لافروف-كيري، وخروجهما من الاجتماعات المغلقة ضاحكين أو متشابكي الأيدي. لقد اشتكى ترامب مراراً من أن سلفه أوباما قد خلّف له وضعاً يصعب تغييره في سوريا، ومآخذ الديموقراطيين على سياسة ترامب السورية لم تنتبه يوماً إلى معاناة السوريين عموماً أو إلى ضرورة التغيير السياسي، لقد انصبت في معظمها على ما يرونه محاباة لأردوغان وخذلاناً للقوات الكردية الحليفة في الحرب على داعش. 

بعبارة أخرى، لا يُستبعد أيضاً، ضمن الود المفقود بين الديموقراطيين وأردوغان، أن تستفيد موسكو بالسيطرة على مناطق خاضعة للنفوذ التركي حالياً بضوء أخضر أو بعدم اكتراث من رئاسة ديموقراطية مقبلة. أيضاً، في أيام لها أفضل من هذه، أطلق أوباما على المعارضة السورية أوصافاً مهينة، بعضها على الأقل لتبرير سياساته. لم تكن المعارضة آنذاك مرتمية كلياً في الحضن التركي، والعامل الأخير سيُفقدها فرصة التواصل الإيجابي مع الإدارة إذا فاز بايدن، وحتى القسم الأصغر منها الدائر في الفلك السعودي قد لا تكون له أية حظوة في واشنطن، لأن الغالبية الديموقراطية في الكونغرس الحالي هاجمت مراراً الحرارة التي تربط ترامب بالمملكة، بل طالبت بالضغط على الرياض في العديد من القضايا بما يشبه انقلاباً على السياسة والتحالف التقليديين. 

خسارة ترامب لن تنعكس تغيراً سريعاً، فبين يوم الانتخابات وتنصيب الرئيس الجديد ما يزيد على شهرين ونصف، والمئة يوم الأولى للرئيس الجديد تكون مكرسة للأولويات الداخلية وترتيب أركان إدارته. خسارة ترامب، والأجواء الموحية بنزاعات قضائية شرسة في حال تقارب أصوات المرشحين، تنذران بغياب الفاعلية الأمريكية واستغلال الغياب من قبل موسكو في سوريا، خاصة بعد تزايد الملفات الخلافية بينها وبين أنقرة. هذا مكسب صغير قد يتحقق لبشار الأسد في الوقت الضائع، لكن لا يُستهان به في خارطة نفوذ لم تعد تحتمل سوى ربح أو خسارة قطعة صغيرة هنا أو هناك.

في إطار المعلن، لن تكون هناك سياسة ديموقراطية إزاء بشار أقسى من سياسة ترامب، بل قد يستفيد من رغبة الديموقراطيين في التفاوض مع طهران لتحسين تموضعه بينها وبين موسكو، وامتلاك قدرة أفضل على اللعب بين طرفي الوصاية. لا نعلم من سيشجع بشار في انتخابات اليوم، فهو لا يواجه خسارة مؤلمة إذا فاز أيّ من المرشحين. ربما يكون حاله شبيهاً بكثر لجهة وجوده على مقاعد المتفرجين، إلا أنه لا يشاطر وعي نسبة كبيرة منهم ترى الخسارة في فوز الشعبويين أو في فوز ليبرالية انتهت إلى مرشح يخطئ في اسم منافسه.

=========================

عودة اللاجئين والمأزق الروسي

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 2/11/2020

يقدر عدد اللاجئين السوريين في العالم بنحو عشرة ملايين نسمة. وتضم بلدان الجوار السوري وحدها قرابة ستة ملايين منهم، بينهم أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون في تركيا وحدها، وفي بلدان الخليج العربي الستة، التي تعتبر السوريين «مقيمين»، ما يقارب مليوناً ونصف المليون نسمة، يقيم القسم الأكبر منهم في المملكة العربية السعودية والإمارات، ويتوزع في بلدان الاتحاد الأوروبي نحو مليون ونصف المليون لاجئ سوري، القسم الرئيسي منهم في ألمانيا، التي قارب عددهم فيها المليون نسمة بمن فيهم الأشخاص المشمولون بلم الشمل.

وتبين الأرقام السابقة الأهمية المتعددة الجوانب في قضية اللاجئين السوريين بالنسبة للأطراف المعنية بالقضية السورية والمتدخلين فيها على السواء. وباستثناء أهمية القضية من الناحية الإنسانية، فكل منهم يراها مهمة من زاوية مصالحه. فعودة اللاجئين السوريين بالنسبة لدول الجوار، تكمن في تخفيف ما تمثله هذه القضية من ضغوطات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية على أوضاعها المرتبكة بشكل عام، وبالخصوص في تركيا ولبنان والأردن، كما أن عودة اللاجئين، ستخفف من مسؤوليات ومساهمات الدول، التي تقدم مساعدات مادية وعينية دعماً عبر المنظمات الدولية أو مباشرة من أجل تحسين حياة اللاجئين، وتخفيف معاناتهم في بلدان اللجوء، كما أن «عودة اللاجئين»، تعني بالنسبة لدول تشكل نقطة جذب للمهاجرين مثل بلدان غرب وشمال أوروبا، وقف هجرة اللاجئين إليها، وتخفيف أعداد اللاجئين السوريين فيها بـ«إعادة» بعضهم إلى سوريا في إطار عودة اللاجئين، إذا تمت، كما أن «عودة اللاجئين» إلى بلادهم من شأنها التخفيف من خطر الإرهاب في العالم، وهي مقولة أشاعتها وروّجت لها دول وأوساط سياسية واجتماعية في بلدان اللجوء لرغبات وأهداف سياسية، ووظفت في خدمتها الإعلام ومراكز بحث دولية عبر ربط قضية اللاجئين بـ«الإرهاب».

ومما لا شك فيه أن «عودة اللاجئين» تمثل فكرة جيدة وعملية في سياق الحل السوري ومطلوبة من جانب أغلب الأطراف المعنية، وذات أهمية كبيرة في موضوعات القضية السورية، لأنها يمكن أن تكون إحدى بوابات الحل. لكن القضية يمكن أن تتحول في اتجاهات مختلفة عما سبق كله، وهذا هو واقع الحال في الرؤية الروسية لقضية اللاجئين وعودتهم. إذ يطرحها الروس بعيداً عن كل ما سبق، والسبب في ذلك اختلاف سياق موقفهم في الصراع السوري عن غيرهم، حيث إنهم القاطرة، التي تجر جهود الحفاظ على النظام الحالي والإبقاء على بشار الأسد في موقع الرئاسة بخلاف الشائع والمعروف في الموقف الدولي الذي وإنْ أحاطت الالتباسات باجتماعه وتفاعله الجدي والإيجابي مع القضية السورية، فإن موقفه من النظام ورئيسه، والميل إلى تغييرهما، لا جدال فيه بعد كل ما ارتكبه من جرائم، وما مثله من تحديات للعالم وأخطار عليه، يصعب تجاهلها، والتعامل مجدداً مع من قاموا بها.

إن الجوهري في الاختلاف الروسي حول عودة اللاجئين، يظهر في الأهداف المختلفة عن كل الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بالموضوع، حيث تستخدم روسيا وتوظف أهداف تلك الأطراف من أجل تحقيق أهدافها وأهداف حلفائها، وفي المقدمة إعادة تسويق نظام الأسد، وتطبيع علاقاته الدولية، واستعمال عودة اللاجئين مدخلاً في قضية إعادة الإعمار، التي سيكون حلفها مع إيران ونظام الأسد أكبر المستفيدين سياسياً واقتصادياً منها في الظروف الراهنة.

وفي خلال السنوات الأربع الماضية ووسط شكاوى لبنانية وأردنية، مما يضيفه وجود اللاجئين السوريين من أعباء على البلدين، سعت موسكو عبر اتصالات فردية معهما، ومشاورات مع بلدان في الإقليم والعالم للدفع نحو عودة اللاجئين ولو تحت الضغوط، كما حدث في لبنان من جانب «حزب الله» والجيش والأمن العام اللبناني، لكن من دون نتائج جدية، ليس فقط بسبب الظروف المعيشية والمادية المحيطة بكل تردياتها، بل أيضاً نتيجة موقف نظام الأسد من تلك العودة، سواء لجهة فرض الحصول على موافقات مسبقة لكل من يرغب في العودة، ورفض وصول اللاجئين إلى بلداتهم وبيوتهم، بل إلى أماكن يحددها النظام، وفوق ما تقدم إخضاع العائدين لابتزاز وتدخلات الأجهزة الأمنية والميليشيات التابعة للنظام وحلفائه.

غير أن فشل موسكو في تحقيق تقدم في موضوع عودة اللاجئين مع لبنان والأردن، لم يمنعها من الذهاب نحو توسيع جهودها في المحيط الدولي، خصوصاً أنها أجبرت نظام الأسد على إعلان موافقة لانعقاد مؤتمر دولي يبحث في عودة اللاجئين السوريين في دمشق يومي 11 - 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، رغم ما هو معروف من معارضة النظام لعودتهم، ومعروف أيضاً دوره في عمليات تهجيرهم، خصوصاً وسط استذكار مقولة رأس النظام حول المجتمع المتجانس الذي حققه بعد قتل من تم قتله، وترحيل من جرى ترحيله.

وكما في المرة الماضية، فقد اصطدمت المساعي الروسية برفض دولي وإقليمي واسع للفكرة، لأن جوهرها تهرب روسي من استحقاقات عودة اللاجئين، التي تعني في أولى بديهياتها، إجبار نظام الأسد على تغيير الظروف الدافعة لخروجهم من بلدهم، وهي ظروف سياسية وأمنية، لم تتغير، وإنما زادت تردياً وتدهوراً، خصوصاً في ظل الكارثة الاقتصادية والمعيشية السائدة في البلاد نتيجة سياسات النظام، بالتزامن مع انتشار وباء «كوفيد - 19»، وسط انهيار شامل للنظام الصحي في سوريا.

ولاحظت أغلب الحكومات التي تواصل معها الروس، أن الهدف الرئيسي لجهود موسكو ليس معالجة عودة اللاجئين، وإنما استخدامها مجرد واجهة لفتح بوابة البحث في إعادة إعمار سوريا، وتقديم مساعدات لها تحت سيطرة نظام الأسد، وهي فكرة كررت أغلب الدول المعنية رفضها مجردة عن فكرة الحل السياسي، حيث تم ربط إعادة الإعمار وتقديم المساعدات ببدء خطوات عملية من جانب نظام الأسد الخاضع لموسكو في عملية التسوية السياسية، وأعتقد أن تلك الدول، إن لم تكن قد أخبرت الروس علانية، فإنها فكرت أنها في ظروف «كوفيد - 19» وما يتركه من آثار اقتصادية عليها، لن تقدم أموالاً لإعادة إعمار سوريا تحت سلطة نظام الأسد، خصوصاً أنها تعرف أن تلك الأموال سيتشارك في الاستيلاء عليها النظام والإيرانيون والروس، ولن يستفيد منها السوريون إلا القليل، على نحو ما يحدث في المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة، وينهبها نظام الأسد، ويوزع قسمها الأكبر على مرتزقته ومؤيديه.

إن المأزق الروسي في سوريا، لا يكمن في همجيته ودمويته فحسب، ولا في أكاذيبه التي لا تتوقف، وأيضاً في محاولاته استغباء العالم، لكن المشكلة في أن العالم أو الفاعلين فيه، يقبلون تلك اللعبة الروسية!

=========================

هل تفتح هولندا باب محاكمة نظام الأسد؟

عمر كوش

سوريا تي في

الاثنين 2/11/2020

اتخذت هولندا، مؤخراً، خطوة أولى باتجاه مساءلة نظام الأسد على جرائمه بحق السوريين، عبر توجيه مذكرة دبلوماسية إليه، تتهمه بانتهاك اتفاقية الأمم المتحدة المناهضة للتعذيب، وتطالبه بوقف انتهاكاته والتهديد بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية. واستندت في ذلك إلى وجود ما يكفي من الأدلة والبراهين القاطعة على انتهاكات نظام الأسد حقوق الإنسان، وخاصة باستخدامه التعذيب.

وتعدّ الخطوة الهولندية الأولى من نوعها، على المستوى القانوني والسياسي، ضد نظام الأسد، كونها على الأقل تُعيد تسليط الضوء على جرائم نظام الأسد. ولا شك في أنها خطوة مهمة يمكنها أن تفتح الطريق أمام رفع قضايا دولية لمحاكمة بشار الأسد ونظامه على الجرائم الممنهجة، التي ارتكبها ضد السوريين منذ اندلاع الثورة السورية في منتصف آذار/ مارس 2011، لذلك تنتظر دعماً دولياً، وخاصة على مستوى دول الاتحاد الأوروبي.   

غير أن لجوء هولندا إلى محكمة لاهاي التابعة للأمم المتحدة، والمختصة بالنظر في القضايا الخلافية بين الدول، جاء بالاستناد إلى أن كلا من هولندا وسوريا وقعتا على الاتفاقية الأممية المناهضة للتعذيب، لذلك سلكت الطريق الدبلوماسي الطويل مع نظام الأسد، في انتظار حلّ القضية الخلافية بينهما، بمعنى أن المدخل هو قضية قانونية خلافية، تستوجب استنفاذ كل السبل الدبلوماسية لحلّها قبل أن تعرض على محكمة العدل الدولية، الأمر الذي يطرح أسئلة عديدة

قد تكون خلفية الخطوة الهولندية هي تأكيد التزام هولندي وأوروبي بقيم ومبادئ حقوق الإنسان العالمية، لكنْ سوريون كثر يرون أن الخطوة هي نوع من ذرّ الرماد في العيون

حول جدوى الخطوة الهولندية ومداها وتأثيرها، وإمكانية إدراجها في باب الضغوط السياسية على نظام الأسد لدفعه إلى تقديم تنازلات والانخراط في تسويات سياسية، وعن مغزى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية وليس إلى محكمة الجنايات الدولية الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب.

قد تكون خلفية الخطوة الهولندية هي تأكيد التزام هولندي وأوروبي بقيم ومبادئ حقوق الإنسان العالمية، لكن سوريون كثر يرون أن الخطوة هي نوع من ذرّ الرماد في العيون، لأن جرائم نظام الأسد بحق السوريين ترقى إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية حسب تقارير الأمم المتحدة، وبالتالي فإنهم يشككون في قدرة محكمة العدل في لاهاي على محاسبة النظام لنيل ما يستحقه من عقوبات على جرائمه التي ارتكبها بحق الشعب السوري طيلة عشر سنوات. والمفترض هو أن يمثل رموز النظام أمام محكمة الجزاء الدولية في لاهاي المختصة بمحاكمة مجرمي الحرب، تحقيقاً للعدالة واحتراماً لأرواح الضحايا وعذابات أهلهم وذويهم، لكنهم ظلوا بعيدين عن المساءلات والمحاكمات، وتحت حماية روسيا التي قامت بتعطيل كل السبل المؤدية إلى محاكمتهم في المحاكم الدولية عبر مجلس الأمن الدولي، بالرغم من أن هيئات أممية ودولية وثّقت ارتكاباتهم وجرائمهم، وجمعت دلائل وقرائن عديدة تثبت إدانتهم، لذا ربما اضطرت الحكومة الهولندية إلى سلوك طريق تمكنها من تفادي الفيتو الروسي.

وفيما لاقت الخطوة الهولندية ترحيب عدد كبير من منظمات المجتمع المدني السورية، التي طالبت بضرورة دعم الدول لهذه الخطوة واتخاذ خطوات مماثلة، إلا بعض المنظمات الحقوقية السورية اعتبرتها بعيدة عن مطالب الشعب السوري والضحايا بالعدالة، وأنها محاولة لستر عورة الدول التي تسكت عن جرائم نظام الأسد منذ عشر سنوات. يضاف إلى ذلك شعور سوريين كثر بالخذلان واليأس من تعامل الساسة الغربيين مع الكارثة السورية، لأنهم لم يفعلوا شيئاً حيال إيقافها. كما لم يبذلوا جهوداً من أجل تشكيل محكمة دولية خاصة بسوريا للنظر في جرائم النظام، وخاصة مجزرة الكيماوي في غوطتي دمشق في الحادي والعشرين من شهر آب/ أغسطس 2015، إذ بدلاً من معاقبة النظام على هذه الجريمة البشعة، اتبع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، نهجاً من المقايضة عبر تسليم النظام المجرم مخزونه من المواد الكيمياوية، مقابل الإفلات من العقاب على الجريمة التي ارتكبها، الأمر الذي جعل النظام يتمادى في جرائمه ضد غالبية السوريين.

وليست الحكومة الهولندية بحاجة إلى أدلة وإثباتات على قيام النظام الأسد بممارسة التعذيب داخل زنازينه ومعتقلاته، بل يكفيها الاستناد إلى صور "قيصر" العسكري المنشق عن جيش النظام في منتصف 2013، الذي تمكن من تهريب نحو 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل مدني سوري قضوا تحت التعذيب والتجويع داخل سجون النظام. كما أن لجنة العدالة والمساءلة الدولية نجحت في تهريب 600 ألف وثيقة، تدين نظام الأسد، وتوثق عمليات التعذيب والقتل الممنهج داخل أقبية أجهزة النظام وجيشه، تنفيذاً لأوامر عليا، موقعة على الأرجح من طرف بشار الأسد.

والمأمول هو أن يبنى على الخطوة الهولندية ما يمكن أن يفتح الباب أمام محاكمات دولية لنظام الأسد على جرائمه وانتهاكاته، التي لا تنحصر في جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والاختفاء القسري والاعتقال غير القانوني، وكلها يدخل ضمن تعريف نظام روما الأساسي للجرائم ضد الإنسانية، التي يحددها في مجموعة من الأعمال التي ترتكب في شكل هجوم ممنهج أو عام يستهدف مجموعة من السكان المدنيين بطريقة مباشرة. إضافة إلى جرائم أخرى ارتكبها النظام بحق غالبية السوريين، وتعتبر من أشكال جرائم الإبادة الجماعية، من خلال منعه دخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المدنية التي حاصرها لسنوات، وتندرج ضمن ما نص عليه نظام روما، الذي اعتبر جريمة حرب كل عمل يفضي إلى حرمان السكان المدنيين من الحصول على الطعام والدواء.

ولن يغادر الأمل الضحايا وذويهم في أن يمثل رموز النظام أمام المحاكم الدولية، كي تأخذ العدالة معنى عالمياً متجدداً، يتجسد في ملاحقة مجرمي الحرب في سوريا، سواء تعلق الأمر بجرائم راهنة أو قديمة أو بجرائم الأمس القريب، وكي يؤسس مساراً كونياً للجريمة ضد الإنسانية، وللتوبة والاعتراف بالذنب والتكفير عن الخطيئة، ويرسي مفهوم التدخل الإنساني الذي تحتاج إليه سوريا.

=========================

عندما يستحسن كُرد سورية بايدن

آلان حسن

العربي الجديد

الاثنين 2/11/2020

ربما من أكثر المُفارقات غرابة أنّ شعوب دول عديدة تنتظر نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية بشكل يوازي، وأحياناً يفوق، الناخب الأميركي، ويراهنون عليها لحل أزماتهم، متناسين أن الرئيس الأميركي يتمّ انتخابه بناءً على مصالح الأميركيين في الداخل قبل أيّ أمرٍ آخر، لكنهم يمنّون أنفسهم بأن تكون السياسات الخارجية لواشنطن هي الفيصل في الفوز بقيادة البيت الأبيض، على الرغم من حدوث العكس في كل مرة.

انضم كُرد سورية أيضاً إلى قافلة المراهنين على هوية الرئيس الأميركي، بخلاف ما كان عليه وضعهم قبل العام 2011، ذلك أن جلّ طموحهم آنذاك كان تحسين أوضاعهم الداخلية مع الحكومة السورية، ولكنّ الحال تغيرت كثيراً، وبالتحديد بعد إنشاء التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2014 والمعارك المشتركة مع القوات الكردية للسيطرة على كوباني (عين العرب) ومنبج وتل أبيض والرقة ودير الزور، فالسياسة الأميركية الخارجية باتت تعني كرد سورية بشكل كبير، وبات الموقف الأميركي من مناطق شرق الفرات الأكثر تأثيراً في مستقبل المنطقة التي تسيطر عليها عسكرياً قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسياسياً حزب الاتحاد الديمقراطي.واشنطن كانت واضحة مع الكرد منذ البداية: التحالف عسكريّ بحت، والوجود الأميركي مرتبط بالهزيمة النهائية لتنظيم الدولة الإسلامية، وبالوصول إلى حل سياسيّ

دخل الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلى أوار الحرب السورية، عقب مقتل الصحافي الأميركي، جيمس فولي، عام 2014، ودعمت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وحدات حماية الشعب (الكُردية) في حربها لاستعادة كوباني من التنظيم المتطرّف، وكانت بداية لتحالف عسكري ما زال قائماً، من دون أن يرافقه أيّ اعتراف سياسي بالإدارة الذاتية المعلنة منذ 2014. راهن الكُرد على استنساخ تجربة الدعم الأميركي لكُرد العراق الذين دعمتهم واشنطن ضد حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، لكن الحال السورية مختلفة، فواشنطن كانت واضحة مع الكرد منذ البداية: التحالف عسكريّ بحت، والوجود الأميركي مرتبط بالهزيمة النهائية ل "الدولة الإسلامية"، وبالوصول إلى حل سياسيّ وفق قرار مجلس الأمن 2254، بما يضمن خروج كل القوى الأجنبية، ومنها القوات الأميركية، وبقاء القوات الروسية قوة أجنبية وحيدة في سورية.

سابقا، راهن ساسة الكُرد على ترامب بشكل مطلق، وأحرقوا السفن مع روسيا الاتحادية، وكان أن "سقطت عفرين"، حيث ظلت واشنطن مكتوفة اليدين إزاء الصفقة الروسية التركية

لم يكن ذلك كله كافياً ليصل الساسة الكُرد إلى قناعة أن واشنطن لن تصبح حاملاً للاعتراف بالإدارة الذاتية، وبقي الرهان على الرئيس الأميركي الذي سيخلف أوباما في سدة الحكم، وكان الرئيس ذاك هو دونالد ترامب. راهن عليه ساسة الكُرد بشكل مطلق، وأحرقوا السفن مع روسيا الاتحادية، وكان أن "سقطت عفرين"، حيث ظلت واشنطن مكتوفة اليدين إزاء الصفقة الروسية التركية التي أخلّت موسكو بموجبها نقاطها العسكرية، تمهيداً لدخول القوات التركية وفصائل سورية موالية لها.

وعلى الرغم من ذلك، بقي الرهان على الأميركيين في شرق الفرات، وحملت الجولات المكوكية للمبعوث الأميركي الخاص لسورية، جيمس جيفري، لعقد اتفاق بين تركيا و"قسد" أملاً بإنهاء التهديدات التركية المتكررة باجتياح مناطق الإدارة الذاتية، وتكون بداية اعتراف سياسي بها. وفي سبيل ذلك، أخلت قوات سورية الديمقراطية مواقعها في المناطق الحدودية مع تركيا، والواقعة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، وسيّرت مع القوات التركية دورياتٍ مشتركة في تلك المنطقة، لكن ذلك لم يمنع الولايات المتحدة من إخلاء قواعدها، وإعطاء الضوء الأخضر لأنقرة لاجتياح المنطقة عام 2019. 

تبدو سياسة الرهان المطلق على واشنطن خطيرة للغاية

كان الرئيس ترامب واضحاً بدرجة أكبر من سابقيه، وأعلن عن نيته الانسحاب من سورية في مناسبتين، وأن البقاء في سورية لا يشكل له أيّ أهمية، فهي بلاد الرمال والموت، بتعبيره، وبأن كلفة وجوده اقتصادياً لا تشجعه على البقاء، ولكن يبدو أن ذلك أيضاً لم يكن كافياً لقادة الكُرد بأن يصلوا إلى قناعةٍ بأن الوجود الأميركي بات في نهاياته. وعلى الرغم من ذلك، بقي الرهان على تغيير ما في موقف ترامب، إلى أن انسحبت القوات الأميركية في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وأعطت إشارة البدء للجيش التركي والفصائل السورية الموالية له باجتياح منطقتي رأس العين وتل أبيض، وتهديده بالسيطرة على كل مناطق "الإدارة".

لم يمنع ذلك كله قوات سورية الديمقراطية وممثلها السياسي، مجلس سورية الديمقراطية، من الاستمرار بالمطالبة ببقاء الجنود الأميركيين فيما تبقى من شرق الفرات، وكان القرار الأميركي بإبقاء عدد من الجنود في المناطق النفطية وحسب، وبقي التعويل الكُردي على بقاء دائم للقوات الأميركية قائماً، على الرغم من أن جيمس جيفري، وخلال ندوة معهد هدسون في مايو/ أيار من العام 2020 لخّص مهمته بـ "تحويل سورية إلى مستنقع لروسيا".

يعول قادة الكُرد الآن على فوز جو بايدن، الذي عارض قرار سحب القوات الأميركية من شرق الفرات، واعتبره خيانة للكُرد، وكذلك وصف الرئيس التركي بالمستبد، وانتقد سياسته تجاه الكُرد. وتنفس الساسة الكُرد الصعداء، حين أعلن الرئيس ترامب تمديد حالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بالأوضاع في سورية إلى ما بعد 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، سنة كاملة، ومذ ذاك ارتفعت نبرة رفض الوجود الروسي في شرق الفرات بشكل كبير، وأثر ذلك على الاحتجاجات الشعبية ضد محاولات القوات الروسية إنشاء قواعد عسكرية في ديريك، أقصى الشمال الشرقي لسورية.

تبدو سياسة الرهان المطلق على واشنطن خطيرة للغاية، فالرئيس ترامب يحتفظ بعلاقات وطيدة مع تركيا ورئيسها أردوغان الذي يسعى بكل ما أوتي من عزم أن يقضي على أي مشروع سوري يكون للكُرد فيه دور في إدارته، وهو ما تجلى في المناطق التي سيطر عليها، ويشكل الكُرد فيها غالبية السكان، بالإضافة لانفتاحه (أي ترامب) على إمكانية مد جسور للعلاقات مع الحكومة السورية، مثلما حدث، أخيرا، في زيارة مسؤولين أميركيين إلى دمشق، وبالتالي فاحتمال عقد صفقة ما، تكون شرق الفرات ضحيتها، ليس مستبعدا. وكذلك، أعلن المرشح الديمقراطي بايدن أنه حريص على إعادة الصفقة النووية مع إيران، ومنفتح على إعادة التواصل مع طهران، وهو ما قد يفتح باب المخاوف من صفقة أميركية إيرانية تكون المنطقة جزءاً منها، وهو ما قد يشكل نهاية مطلقة للإدارة الذاتية.

=========================

ماذا عن إنشاء منظمة إقليمية أمنية في الشرق الأوسط كوسيلة للتفاهمات؟

راغدة درغام

النهار

الاحد 1/11/2020

لافتٌ اندفاع أكثر من جبهة ودولة نحو صياغة نظام أمني جديد لمنطقة الخليج والشرق الأوسط يضم إيران وإسرائيل وتركيا والدول العربية. لافت من ناحية التوقيت وهوية الذين يدفعون الآن نحو مثل هذه البُنية الأمنية وكذلك لجهة الرسائل المُبطّنة التي ترافق هذه الأفكار والمقترحات وتوحي باستعداد طهران للانضمام الى هذه الهيكلية إنما بتدريجية ومن دون إسرائيل في المرحلة الأولى.

الدول الخليجية التي وقّعت الاتفاقيات مع إسرائيل كانت قد أوضحت منذ زمن أن سياستها الإقليمية هي نزع الفتيل de-escalation، وهو التعبير الذي استخدمه وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات أنور قرقاش في شهر أيار (مايو) الماضي أثناء مشاركته في الحلقة المستديرة الافتراضية الأولى لقمة بيروت انستيتيوت في أبو ظبي. هذه السياسة شملت إيران قبل أن تشمل إسرائيل. طهران سبق وطرحت مفهومها للنظام الأمني الإقليمي الجديد والقائم عملياً على تفكيك مجلس التعاون للدول الخليجية العربية GCC ليحلّ مكانه هيكل أمني إقليمي يضم الدول الخليجية العربية الست – السعودية والإمارات والكويت وعمان وقطر والبحرين – مع إيران والعراق. لم يلقَ هذا الطرح اندفاع الدول الخليجية العربية لأسباب عديدة أبرزها، أولاً عدم الاستعداد لتفكيك مجلس التعاون، وثانياً، الاقتناع بأن طهران تنوي الهيمنة على القرار في هذه البنية البديلة. ثم أتت موسكو بفكرة نظام أمني جديد طرحته الأسبوع الماضي مجدداً أمام مجلس الأمن الدولي لاقى معارضة أميركية صريحة انطلاقاً من اعتباره تمريراً لإيران وقفزاً على ما تطالبها به إدارة ترامب. 

 بالرغم من كل هذا، لافتٌ الاندفاع الى إنشاء منظومة أمنية إقليمية تضم الأضداد في زمن تمسّك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمشروع "الإخوان المسلمين" واستعادة المجد العثماني. لافتٌ في مرحلة استيلاء "الحرس الثوري" على السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورة غير مسبوقة. ولافت لأنه يأتي بتزامن مع تطبيع دول عربية عدة علاقاتها مع إسرائيل في الوقت الذي تحذف فيه السلطة الفلسطينية نفسها عن ايقاع الحوادث. ولافتٌ لأن الدول العربية نفسها ما زالت مشرذمة ومشتّتة في خلافاتها العميقة.

أثناء الحلقة الافتراضية الأخيرة لقمة بيروت انستيتيوت في أبو ظبي، تعمّد تيري رود لارسن طرح الفكرة وهو المعروف بأدواره العديدة في الشرق الأوسط، من اتفاقيات أوسلو الى المفاوضات على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ومعروف أيضاً بانتقاداته اللاذعة لإيران.

قال لارسن، إن "الشرق الأوسط هي المنطقة الوحيدة في العالم التي ليس فيها منظمة إقليمية تضم جميع بلدان المنطقة، الأصدقاء والأعداء" وحيث "لا توجد منظمة تضم كل العرب وتركيا وإيران وإسرائيل". وأضاف، أن "علينا أن نصنع طاولة واحدة يجلس اليها الجميع"، وزاد: "إنْ لم يفعلوا، ستعمّ الفوضى العامة والفوضى السياسية في الشرق الأوسط وستعاني أوروبا أكثر من غيرها نتيجة ذلك. فرجاءً، اجلسوا الى الطاولة". قال إن سياسة "الكرسي الفارغة" أثبتت عقمها واعتبر أن "الحدث الأكثر إيجابية هو إقامة الإمارات والبحرين والسودان علاقات مع إسرائيل. إنما علينا أن نخلق طاولة يجلس اليها الجميع – الأتراك والإيرانيون والإسرائيليون والعرب، وإلاّ ستستمر منطقة الشرق الأوسط في الأزمات". وقال أيضاً انه "تحدّث مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الذي أكد له أن إيران جاهزة للدخول في مثل هذه المنظمة إنما، من دون إسرائيل". وهنا اللغز. لغز اندفاع رود لارسن لتسويق الفكرة بدون إسرائيل ما لم يكن تلقى تطمينات إيرانية بالتدريجية. 

الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، أكد أنه كان صاحب فكرة مماثلة وموسّعة طرحها أثناء القمة العربية في سرت عام 2010 حيث قدّم رسمياً اقتراح "الجوار العربي" في جلسة مغلقة لاقت اعتراض كل من الرئيس المصري حينها حسني مبارك والعاهل السعودي الملك عبدالله لأنه طرحها "من دون إخطار مسبق" ولاعتبارها "تحركاً مبكراً"، بحسب قوله. تلك الفكرة شملت 40 دولة ممتدة من الجوار في غرب آسيا، أي إيران وتركيا وإسرائيل، والحزام الذي يضم دول الساحل والصحراء، وكذلك القرن الأفريقي، قال موسى. وأضاف أن المعادلة هي "الصلح أولاً ثم التنظيم الاقليمي كإطار للتفاهم؟ أو انشاء نظام اقليمي كوسيلة للتفاهم؟".

السؤال في غاية الأهمية. والجواب في منتهى التعقيد. فبين كل اللاعبين في منطقة الشرق الأوسط والخليج نوع ما من العلاقات مهما بدا العداء قاطعاً. قصة إيران – كونترا فضحت البُعد الإسرائيلي في العلاقة الأميركية - الإيرانية. أذربيجان تُعرّي عمق التعاون بين تركيا وإسرائيل. القيادة الفلسطينية ضمنت لنفسها موقع قدم في فلسطين عندما فاوضت إسرائيل سراً في أوسلو. فالقصص عديدة.

 ادوارد لوتواك مؤرخ واستراتيجي ومستشار حكومي تعاقدي أميركي شارك في الحلقة الافتراضية سويةً مع السير جيريمي غرينستوك ووزير الخارجية اللبناني الأسبق ناصيف حتي، وفي رأيه أن توصية رود لارسن "يمكن اعتبارها خيالاً في الماضي، انما لم يعد هذا هو الحال". لوتواك لا يتوقف عند ما يسمّيه بعراقيل القادة على نسق عرقلة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان ومشاريع إحياء "العثمانية الجديدة التي بدأت بالتدهور شأنها شأن الدعم المحلي لأردوغان الذي سيُرحَّله في الانتخابات المقبلة". التمييز بين القادة وبين الدولة مهم جداً "تركيا ستبقى دولة فائقة الأهميّة" قال لوتواك "إنما ليس الدولة التي تخوض المغامرات أينما كان. ستبقى دولة مهمّة وستستمر في ثقلها في اطار الموازين مع إيران". ورأيه أن "في تركيا عدد كبير من المثقفين وهم لن يسمحوا باستمرار المسلسل الطويل soap opera لمشروع أردوغان بالعثمانية الجديدة".

ماذا عن الشعب الإيراني؟ هل هو غير جاهز أو عاجز عن ايقاف مسيرة المغامرات الإقليمية التي تخوضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بموجب عقيدة وعقائدية مترسّخة في وجودية النظام؟ لن يكون في الإمكان إنشاء الية بنيوية أو هيكلية أمنية إقليمية في الشرق الأوسط، طالما إيران وتركيا تتخذان التوسّع أساساً لمغامراتهما في الجغرافيا العربية. لا منطق في طرح الفكرة ما لم تكن الحسابات قائمة على رحيل أردوغان عن السلطة في تركيا وعلى إحداث تغيير جذري في فكر وعقيدة ومشاريع قيادات الجمهورية الإسلامية الإيرانية. والأمران ليسا بديهيين.

 ثم ماذا عن العرب وإسرائيل؟ لن يكون هناك سلام عربي - إسرائيلي شامل إذا أحبطت إسرائيل، نتيجة عقائديتها، إقامة الدولة الفلسطينية وإذا افترضت أن هوية الدولة اليهودية تُعطيها حق معالجة مشكلتها الديموغرافية على مزاجها.

هنا يعود السؤال المهم الذي طرحه عمرو موسى: الصلح أولاً ثم التنظيم الإقليمي كإطار للتفاوض؟ أو إنشاء نظام إقليمي كوسيلة للتفاهم؟ قد يكون من السابق لأوانه الإجابة القاطعة، إنما يبدو أن ما يحدث في الفلك الديبلوماسي والجغرافي – السياسي يرجّح بدء التهيئة لإقامة هيكلية إقليمية تدريجية في ضمّها دول الشرق الأوسط بصورة جديدة وغير معتادة.

ناصيف حتي يرى أن "الخطر في الشرق الأوسط هو استخدام هويات عابرة للقوميات، سواء كانت طائفية أو عرقية أو دينية أو غيرها من أجل منح أنفسنا الحق في التحدّث عن الحكومات على رأس الحكومات الأخرى. لقد رأينا هذه الممارسة من قِبَل تركيا وإيران وآخرين في المنطقة". وأضاف: "نحن في حاجة الى تطبيع العلاقات من أجل اقامة علاقات بين الدول ومن ثم معرفة كيفية إدارة النزاعات وكيفية البناء على التعاون". جيريمي غرينستوك الذي مثّل بريطانيا كسفير في الأمم المتحدة وكمبعوث الى العراق يرى أن "لا مجال للتحرك في موعد قريب الى البحث في مسألة إنشاء منظمة أمن وتعاون في الشرق الأوسط كتلك التي في أوروبا... فالحياة والنزاعات كما هي بالغة الجروح المفتوحة بما لا يسمح بحدوث ذلك قريباً".

روسيا تبدو واثقة من طروحاتها حول إنشاء منظمة للأمن والتعاون في منطقة الخليج تشمل إضافة الى دول الخليج الست وإيران، روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وأطراف أخرى كمراقبين - ولذلك توجّهت بها الى مجلس الأمن في جلسة ترأسها وزير الخارجية سيرغي لافروف تسويقاً للفكرة. أثناء الجلسة رفضت السفيرة الأميركية كيللي كرافت الفكرة الروسية وخاطبت لافروف قائلةً: "أقدّر تركيز روسيا اليوم على أمن الخليج. لكن، مع الاحترام، أنا لا أتفق مع الحل الذي اقترحته. فالمجتمع الدولي لا يحتاج الى آلية أخرى لتعزيز أمن الخليج. ولدى مجلس الأمن الأدوات تحت تصرّفه لمحاسبة إيران. وببساطة علينا أن نقرر أن نفعل ذلك".

كثير يعتمد على نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. فإذا استمر دونالد ترامب في الرئاسة، الأرجح أن تنطلق آلية التطبيع بين العرب وإسرائيل لتتوسّع بعضويتها ولكي يقوم نوعٌ من الوزن الأمني الذي تأخذه إيران وتركيا في الحساب. أما إذا فاز جو بايدن بالرئاسة، فسيطرأ تغيير على الأولويات، ولن يكون الأمن الإقليمي في الخليج والشرق الأوسط في الطليعة.

=========================

التراجع التركي في إدلب

عبسي سميسم

العربي الجديد

الاحد 1/11/2020

لا يزال الوضع الميداني في شمال غرب سورية ينذر بتجدد معارك تقود فيها روسيا قوات النظام لتحقيق مزيد من التقدم في محافظة إدلب، والسيطرة على ما تبقى من مناطق جنوب الطريق الدولي "أم 4" الذي يربط الساحل السوري بحلب. أمّا فصائل المعارضة الموجودة في إدلب، والقوات التركية التي يفوق تعدادها هناك تعداد قوات النظام، فلم تبد أي ردة فعل جدية تجاه الاستفزازات التي تقوم بها كل من طائرات روسيا والنظام في عمق المحافظة، متجاوزةً اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمته أنقرة وموسكو في مارس/آذار الماضي. ولعل أحدث الجرائم كانت باستهداف طائرات النظام المدنيين في مدينة أريحا جنوب إدلب يوم الخميس الماضي، وسبقها استهداف الطائرات الروسية معسكر تدريب للفصيل الأقرب لتركيا "فيلق الشام"، وارتكاب مجزرة بحق عناصره بالقرب من الحدود التركية، الأمر الذي فسره المراقبون على أنه الرسالة الأقوى على الإطلاق من قبل روسيا لتركيا، منذ بداية اتفاق وقف إطلاق النار.

وجاء ردّ فصائل المعارضة على هذا الاستهداف دون مستوى الضربة التي تلقتها، فيما لم يقم الجانب التركي بأي ردة فعل تتناسب مع هذا الاستفزاز، وإنما قامت القوات التركية بسحب نقاط المراقبة التي كانت أنشأتها في عمق محافظة إدلب، وحوصرت من قبل قوات النظام.

ولكن على الرغم من كل التحليلات التي تقول إنّ سحب نقاط المراقبة التركية المحاصرة هو جزء من استعدادات أنقرة للرد بشكل حاسم على أي محاولة تقدم جدية للنظام بشكل مريح، من دون الوقوع تحت عبء نقاط محاصرة يمكن استهدافها بسهولة، إلا أنّ توقيت سحب تلك النقاط، التي أصرت تركيا على إبقائها طوال الفترة السابقة، كونها ترسم خط الاشتباك الذي تطالب قوات النظام بالتراجع إليه، والقيام بسحب تلك النقاط عقب تلقّي أهم الفصائل التي تدعمها ضربة موجعة، يمكن قراءته على أنه تراجع من قبل تركيا. كما أنه استجابة للرسالة التي وجهتها لها موسكو، خصوصاً أنّ روسية كانت طالبت تركيا بتقليص نقاطها العسكرية في إدلب، ولا سيما تلك التي تقع جنوب طريق "أم 4".

ويبقى تراجع تركيا في محافظة إدلب، على الرغم من كل التعزيزات التي أرسلتها إلى المنطقة، وعلى الرغم من امتلاكها حاضنا شعبيا يدعمها وموقعا جغرافيا يساعدها، غير مبرر ما لم تكن هناك توافقات مع الدول الفاعلة بالشأن السوري، لها أفضلية ضمن حسابات تركيا لأمنها القومي. 

=========================

ترامب وبايدن.. وجهات نظر متباينة للعلاقات مع تركيا

ترك برس

الاحد 1/11/2020

بات من الواضح أن ثمة اختلاف كبير في طريقة تعامل كل من الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، ومنافسه جو بايدن في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، فيما يخص العلاقات مع تركيا.

وبحسب تقرير أعدته وكالة الأناضول التركية، تكتسب الانتخابات الرئاسية المزمع إقامتها يوم الثلاثاء المقبل، أهمية كبيرة ليس فقط من ناحية السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، ولكن أيضاً بالنسبة للعلاقات التركية-الأمريكية.

ويتولى ترامب رئاسة الولايات المتحدة منذ 2016 ، وهناك معطيات كثيرة تدل على وجهة نظره إزاء تركيا، حيث تولى البلاد في فترة شهدت فيها العلاقات التركية الأمريكية تقلبات كثيرة.

وبات ترامب رئيساً معروفاً بالنسبة لأنقرة بتصريحاته الإيجابية أو السلبية في أوقات الأزمات بين البلدين، وبالقرارات التي اتخذها والتي أثرت على العلاقات بين البلدين.

من هذه الناحية يصبح من الممكن توقع كيف ستسير العلاقات التركية الأمريكية مع ترامب لأربعة أعوام أخرى.

ومن جهة أخرى فإن بايدن الذي كان نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الفترة من 2008-2016، سياسي يعرف تركيا جيداً، كما يعرف العلاقات التركية-الأمريكية عن كثب.

في المقابل، شكلت بعض تصريحات بايدن مؤخراً علامات استفهام لدى أنقرة، وصلت حد إدانته تركيا.

وفي حال فوز بايدن بالرئاسة، فإن الحكومة التي سيشكلها وخاصة الأسماء التي سيختارها لتولي منصب مستشار الأمن القومي وحقيبتي الدفاع والخارجية، ستكون من أهم المؤشرات على السياسة التي ينوي اتباعها مع تركيا.

- محطات من علاقات ترامب مع تركيا

تولى ترامب رئاسة الولايات المتحدة رسميا في 20 يناير/ كانون الثاني 2017، وتعد التصريحات التي أدلى بها وخاصة في الفترات الحساسة مؤشرات مهمة لفهم وجهة نظره تجاه تركيا.

وباستثناء ملف الانسحاب من سوريا وقضية الراهب أندرو برانسون، كانت علاقات ترامب مع تركيا وبخاصة مع الرئيس رجب طيب أردوغان جيدة، وقد حافظ ترامب على ذلك بنسبة كبيرة رغم المناخ المعادي لتركيا السائد في الكونغرس الأمريكي.

مرت فترة رئاسة ترامب في ظل أزمتي صواريخ (إس-400) الروسية، وتنظيم (ي ب ك/ بي كا كا) الإرهابي، وكان ترامب في كلا الملفين على تواصل دائم وقريب مع أردوغان، وأحياناً كان يدلي بتصريحات يقول فيها إن تركيا محقة في موقفها، ليبتعد بذلك عن الأصوات المعادية لتركيا في واشنطن.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، التقى ترامب مع أردوغان في البيت الأبيض، وأكد في تصريحاته خلال اللقاء أن تركيا محقة في موقفها.

-الملف السوري

بمجرد أن وصل ترامب السلطة وجد نفسه مضطراً للتعامل مع مسألة تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، كما ورث التحالف مع تنظيم (ي ب ك/ بي كا كا) الإرهابي من عهد سلفه باراك أوباما.

وكان القضاء على تنظيم داعش الإرهابي في أسرع وقت من ضمن الوعود الانتخابية لترامب وبعد وصوله للسلطة قرر الاستمرار في العلاقات القوية بين البنتاغون وقيادة القوات المركزية وبين تنظيم (ي ب ك/ بي كا كا) الإرهابي في سوريا.

وفي مايو/ أيار 2017، سمح ترامب رسمياً للبنتاغون بتسليح تنظيم (ي ب ك) الإرهابي في سوريا، واستمر الدعم الأمريكي للتنظيم حتى سحب الجنود الأمريكيين من شمالي سوريا.

انتقدت أنقرة تعاون إدارة ترامب مع تنظيم (ي ب ك/ بي كا كا) الإرهابي، كما فعلت قبل ذلك مع إدارة أوباما، وكان إرسال واشنطن مئات الشاحنات المحملة بالسلاح للتنظيم الإرهابي، من أكبر الأزمات في علاقات البلدين.

وعقب اتصال هاتفي بين أردوغان وترامب في 6 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، أعلن ترامب أنه سيسحب جنوده من منطقة العمليات التركية في شمالي سوريا.

لم ترحب المؤسسات في واشنطن بقرار ترامب إضافة إلى استياء الكونغرس من هذا القرار الذي وصفه الكثير من الخبراء بـ"انتصار أردوغان"، وعلى إثر ذلك وفي اليوم التالي صرح ترامب بأنه سيستهدف اقتصاد تركيا إذا تجاوزت الحدود.

وبعد عدة أيام أرسل ترامب خطاباً للرئيس أردوغان، وربما يعد ما جاء بالخطاب أكثر العبارات قسوة ضد تركيا طوال فترة رئاسة ترامب، وقد أعاد الرئيس أردوغان الخطاب المذكور لترامب.

بعدها مباشرة أدلى ترامب بتصريحات تعد اعترافاً مهماً قال فيها إن تنظيم (بي كا كا)، أسوأ من داعش، وإن عناصر (ي ب ك) ليسوا ملائكة.

في الأيام التالية أوضح ترامب أن الجنود الأمريكيين سيذهبون لسوريا لمدة 30 يوماً فقط، وبعد ذلك سيبدأ في سحب الجنود الأمريكيين من سوريا والعراق وأفغانستان.

- مقاربة ترامب لملف (إس-400) 

كان شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس- 400) من أهم الأزمات في العلاقات التركية-الأمريكية خلال فترة حكم ترامب.

وطالب الكونغرس الأمريكي بتطبيق قانون كاتسا (فرض عقوبات على أعداء أمريكا) ضد تركيا، وكان القانون قد دخل حيز التنفيذ بعد توقيعه من قبل الرئيس ترامب في 2 أغسطس/ آب 2017.

إلا أن خطوات الكونغرس سواء بتطبيق قانون "كاتسا" ضد تركيا، أو مشاريع القوانين لفرض عقوبات أخرى، لم تلق دعماً من ترامب.

وخلال لقاء أردوغان وترامب في يونيو/ حزيران 2019، على هامش اجتماعات قمة العشرين، أدلى ترامب بتصريحات مهمة قال فيها إن من حق تركيا شراء منظومة (إس-400)، واتهم إدارة أوباما بعدم بيعها منظومة باتريوت لتركيا.

ومن الواضح أن ترامب يعرقل أي مشروع قرار ضد تركيا يتم تمريره في الكونغرس، كما علق تطبيق عقوبات قانون كاتسا.

- تصريحات ترامب خلال الانتخابات

ومع دخول الولايات المتحدة أجواء الانتخابات خلال العام الأخير، كثف ترامب من تصريحاته التي أكد فيها على علاقاته الجيدة مع تركيا والرئيس أردوغان.

وفي تصريحه الذي قال فيه إن منافسه بايدن لا يمكنه مجابهة القادة البارزين في العالم، أشار ترامب إلى الرئيس التركي أردوغان والروسي بوتين والصيني جينبنغ كمثال على أبرز الزعماء على مستوى العالم.

وخلال الفترة الماضية كثيراً ما أكد ترامب على أهمية إطلاق تركيا سراح الراهب أندرو برانسون بالنسبة له، وكانت قضيته من أشد الأزمات التي حدثت بين أنقرة وواشنطن.

ومن المتوقع أن تكون مكافحة وباء كوفيد-19 والملف الاقتصادي على رأس أولويات ترامب، حال انتخابه رئيساً لولاية ثانية.

ويتوقع أيضاً أن يحافظ على طريقة سير العلاقات مع تركيا التي كان يتبعها على مدار العامين الأخيرين، إضافة إلى اهتمامه بالمنافسة وتصفية الحسابات مع الصين التي اتهمها بأنها مصدر الوباء.

ويرى متابعون أن الحوار بين ترامب وأردوغان سيظل هو المفتاح لحل الأزمات التي تطرأ على علاقات البلدين.

- مواقف بايدن

بدأت العلاقات بين أنقرة وواشنطن بالتراجع في الولاية الثانية للرئيس أوباما بسبب الملف السوري، وتعاون إدارة أوباما مع تنظيم (ي ب ك/ بي كا كا) الإرهابي.

وخلال تلك الفترة كان بايدن على تواصل مستمر مع تركيا والتقى رئيسها أردوغان أكثر من مرة، وقد عُرف بأنه اسم يمثل ظل أوباما.

وخلال لقاء أردوغان وبايدن في أنقرة عقب المحاولة الانقلابية التي نفذتها منظمة غولن الإرهابية في 15 يوليو/ تموز2016، نفى بايدن صحة الادعاءات بعلم واشنطن بمحاولة الانقلاب قبل وقوعها، إلا أن تصريحاته لم تكن مقنعة لأي شخص في تركيا.

- تصريحات بايدن لصحيفة نيويورك تايمز

كانت أكثر تصريحات بايدن إثارة للجدل بخصوص تركيا تلك التي أدلى بها في حوار مع صحيفة نيويورك تايمز في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي.

وقال بايدن إنه ينوي إيصال المعارضة التركية للسلطة عبر الانتخابات، وقد قوبلت هذا التصريحات باستنكار كبير من أنقرة.

كما تحدث بايدن عن عزمه جعل تركيا تدفع الثمن بخصوص شرائها منظومة (إس-400 الروسية)، وتعد هذه التصريحات مؤشراً على أزمة محتملة في العلاقات التركية-الأمريكية في حال انتخابه رئيساً.

كما اتهم بايدن ومرشحته لمنصب نائب الرئيس كامالا هاريسن، تركيا بتأجيج الصراع في قره باغ، عبر إرسال السلاح لأذربيجان.

وكان من الملفت أيضا إدلاء بايدن بتصريحات اتهم فيها تركيا بإثارة التوتر في شرق المتوسط، إضافة إلى تصريحات حول ضرورة تحويل أيا صوفيا متحفاً مرة أخرى.

وفي 10 يوليو/ تموز الماضي، ألغت المحكمة الإدارية العليا التركية، قرار مجلس الوزراء الصادر في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 1934، بتحويل "آيا صوفيا" من جامع إلى متحف، ثم أعلن رئيس الشؤون الدينية التركي علي أرباش، أن الصلوات الخمس ستقام يوميا في الجامع بانتظام، اعتبارا من 24 يوليو.

وعلى الرغم من كل ما سبق يجب الانتظار لرؤية كيفية تحول هذه التصريحات السلبية لبايدن إلى سياسات تجاه تركيا، في حال انتخابه رئيساً للولايات المتحدة.

=========================

روسيا وإعادة اللاجئين السوريين

غازي دحمان

عربي 21

السبت 31/10/2020

عادت روسيا، مرة أخرى، لمعزوفة إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، بعد أن فشلت دعوتها السابقة بشكل ذريع، نتيجة عدم استجابة الأطراف المعنية (الدول المستضيفة للاجئين والدول المطلوب منها تمويل عملية إعادة الأعمار) بسبب عدم تغير الظروف التي تسمح للاجئين بالعودة إلى سوريا، واستمرار سياسات النظام التعسفية تجاه السوريين، وعدم توفر ضمانات تحمي العائدين من بطش النظام، الذي يعتقد أنه انتصر وتحق له ممارسة أشد أنواع الانتقام والبطش بحق معارضيه.

وهكذا، تعمل روسيا على تنظيم مؤتمر لدعم "مبادرتها" وفي دمشق، بحضور ممثلين عن الدول التي يوجد فيها لاجئين سوريين (الأردن ولبنان وتركيا)، وربما دول أخرى توافق على حضور المؤتمر، واحتمال لجوء روسيا إلى حل مشكلة عدم حضور الأطراف المعنية، وخاصة تركيا، إلى دمشق، عبر اختيار مكان أخر للمؤتمر؛ يرجح البعض ان تكون كازاخستان، التي تستضيف اجتماعات مجموعة "أستانا" الخاصة بالأزمة السورية والمتشكّلة من روسيا وإيران وتركيا.

وتطرح الدعوة الروسية في هذا التوقيت العديد من الأسئلة حول مغزاها وأهدافها، ذلك أن النظام الذي يئن تحت وطأة أزمات اقتصادية هائلة، يعجز فيها عن تأمين الخبز والكهرباء ووقود التدفئة في مواجهة شتاء بات على الأبواب، لن يكون قادراً على تلبية حاجات أعداد إضافية بالملايين، كما أن مناطق الغالبية من اللاجئين أصبحت غير قابلة للحياة نتيجة التدمير الهائل الذي طالها؛ من تدمير لهياكل المساكن والبنى التحتية من ماء وكهرباء وصرف صحي وطرقات، فأين سيقيم العائدون؟ فضلاً عن أن نظام الأسد أصدر قانون رقم 10 الذي صادر ممتلكات اللاجئين، ولم تكلف روسيا نفسها عناء حثه على إلغاء القانون وما ترتب عليه كبادرة تشجيع لعودة اللاجئين!

لا شيء ملفت في هذه الدعوة سوى تزامنها مع الانتخابات الأمريكية، وهي الفترة التي تكون فيها الإدارة الامريكية في حالة انكفاء تام عن الاهتمام بما يجري خارج أمريكا، وقد سبق لروسيا استثمار هذه اللحظة، عندما باشرت في تدمير حلب عام 2016 وقلبت المعطيات في الحرب السورية لصالح نظام الأسد والمليشيات الداعمة له.

 روسيا تسعى إلى الاستفادة من المتغيرات الحاصلة في المنطقة لتمرير ما كان صعباً في وقت سابق: إعادة تأهيل الأسد، ودفع الدول إلى تمويل عملية الإعمار لصالح شركاتها

من الواضح أن روسيا تسعى إلى الاستفادة من المتغيرات الحاصلة في المنطقة لتمرير ما كان صعباً في وقت سابق: إعادة تأهيل الأسد، ودفع الدول إلى تمويل عملية الإعمار لصالح شركاتها التي يمتلكها اشخاص مقربون من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن ثم ترسيخ مكاسبها السورية وفرض حل سياسي على مقاسها. وتشكّل عملية إعادة اللاجئين المقدمة لهذا المخطط الروسي الخبيث، أما مرتكزات روسيا ومحركاتها في ذلك فهي:

- استثمار مناخ التطبيع العربي مع إسرائيل والضغط على الدول العربية للتطبيع مع نظام الأسد، فما دامت الدول العربية قد طبعت مع إسرائيل فلن يتسبب لها التطبيع مع الأسد بأي حرج، وإذ تفيد الأنباء المتداولة بأن كتلة المطبعين "الجدد" قد تتجاوز عشر دول،  فإن هذه الكتلة مرشحة للتطبيع مع الأسد، فضلاً عن دول أخرى ربما لا تطبع في الوقت الراهن مع أسرائيل، ولكنها على علاقة جيدة مع نظام الأسد، كالجزائر والعراق ولبنان.

- استثمار النزاع بين تركيا والدول الأوروبية، ومخاوف الأوروبين من لجوء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمعاقبة أوروبا عبر فتح الحدود وتدفق الملايين إلى أوروبا، وخاصة وأن الترتيبات السابقة بين الأوروبين والأتراك بهذا الخصوص ستكون على حافة الخطر في ظل تصاعد النزاع بين الطرفين، الأمر الذي يجعل المبادرة الروسية بخصوص إعادة اللاجئين مغرية للأوروبين.

- استثمار النزاع الديني بين المسلمين وفرنسا، والذي يبدو أنه ينتقل إلى بقية الأرجاء الأوروبية، ويثير مخاوف من حصول صدامات فعلية بين الجاليات المسلمة والحكومات الأوروبية، والتي يبدو أنها في غير وارد التنازل هذه المرة، ولو على سبيل إيجاد تسوية تحفظ كرامة المسلمين في أوروبا. وتشكل الجالية السورية اللاجئة في أوروبا نسبة معتبرة من كتلة اللاجئين، مع أكثر من مليون لاجئ.

الطرح الروسي تجري صياغته بأسلوب متعال، أسلوب المنتصرين، حيث تطلب من الأطراف الدولية والإقليمية تمويل إعادة اللاجئين، ثم إعادة إعمار ما دمرته الآلة الحربية الروسية، بوصفها أطرافا منهزمة في الحرب

ليس خافياً أن السياسة الروسية في الملف السوري قامت على الابتزاز والرهانات على المتغيرات السياسية، ولا بد أن روسيا تستشعر قدوم متغيرات تتيح لها طرح مشروعها بقوّة في هذه المرحلة دون الخشية من فشل مبادرتها، فهل تنجح روسيا بالفعل في مشروع تأهيل الأسد بذريعة حل مشكلة اللاجئين؟

رغم الأزمات المذكورة، إلا أن تأثيرها في مواقف الأطراف المستهدفة من الدعوة الروسية، لن ينعكس على موقفها من الأسد وراعيته روسيا، ليس انطلاقا من مبادئ أو قيم، بل لأن الطرح الروسي تجري صياغته بأسلوب متعال، أسلوب المنتصرين، حيث تطلب من الأطراف الدولية والإقليمية تمويل إعادة اللاجئين، ثم إعادة إعمار ما دمرته الآلة الحربية الروسية، بوصفها أطرافا منهزمة في الحرب، دون الحصول على أي ضمانات أو مقابل، وهذا ما هو غير ممكن لهذه الأطراف التي باتت تعرف أساليب بوتين وسياساته القائمة على الخديعة والتدليس.

=========================

السوريون والانتخابات الأميركية!

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 31/10/2020

يصح القول إن السواد الأعظم من السوريين لا يكترثون بالانتخابات الأميركية المرتقبة ولا يهتمون بما تثيره من مهاترات وتوقعات، بل لا فارق عندهم بين دونالد ترمب وجو بايدن، إما لأن بعضهم لا يزالون تحت تأثير تعبئة آيديولوجية تسخر من أي خصومة أو خلاف في البيت الأميركي وتعتبره مجرد لعبة أو مسرحية لتبادل الأدوار، وإما لأن بعضهم الآخر عانوا الأمرين من استرخاء البيت البيض المخزي تجاه محنتهم الإنسانية، ومن استهتاره، في ظل الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، بأرواح المدنيين السوريين وبما حل بهم من فظائع ودمار وخراب، وإما لأن غالبيتهم غارقون في لجة مأساتهم ومنشغلون بلملمة جراحهم وتسكين آلامهم وتدبير لقمة عيشهم، سواء أكانوا مهجرين خارج الحدود أم نازحين داخل الوطن أم ممن آثروا البقاء في بيوتهم ويحاولون التكيف مع ظروف أمنية واقتصادية قاسية.

واستدراكاً، ربما لا يمكن أن ترى إلا عند السوريين شيوع تلك الابتسامات الحزينة المفعمة بمرارة عميقة، وهي ترتسم على الوجوه حين يعترضها السؤال عن الانتخابات الأميركية، فأي قيمة لهذا الحدث عند من يكويهم البحث عن أبسط مقومات الحياة؟ أو عند من يقفون يومياً ولساعات، في طوابير طويلة كي يتمكنوا من حيازة بضعة أرغفة من الخبز تقيهم وعائلاتهم من الجوع، أو للحصول على بضعة ليترات من البنزين أو مازوت التدفئة؟ وأي معنى لهذه الانتخابات عند لاجئين أجبروا على العيش في معازل ومخيمات لا تليق بالبشر، وأرغمتهم وطأة الحاجة على التسول أو قبول أعمال وضيعة ومذلة لتأمين قوت يومهم، معرضين أنفسهم لأسوأ أنواع الاستغلال الجسدي وخاصة الأطفال والفتيات؟ أو عند الملايين من أهالي الضحايا ممن أفقدتهم الحرب أحبتهم، وعند مئات الألوف من الجرحى والمشوهين، ومثلهم ممن لا يكلون أو يملون من طرق أي باب لمعرفة مصير أبنائهم وإخوتهم المغيبين في المعتقلات؟!

في المقابل، هو أمر مفهوم أن تكون الأطراف السورية المنخرطة في الصراع الدموي الدائر، هي الأكثر اهتماماً بالعملية الانتخابية الأميركية، وأن يكون كل طرف منها هو الأكثر تحفزاً لترقب نتائجها، متحسباً من تأثيرها على فرص حضوره في المشهد أو على ما حققه من فتات المكاسب والمغانم.

والبداية، من السياسة السلطوية التي لم تخف رغبتها الصريحة في أن يهزم ترمب، صاحب قانون قيصر وتشديد العقوبات الاقتصادية، وحامل لواء محاربة إيران ونفوذها في المنطقة، خشية أن يشكل بقاؤه في البيت الأبيض، ليس فقط انتصاراً صريحاً لنهجه ومواقفه، وإنما أيضاً اعترافاً وتفويضاً من أهل بيته بجدوى استمرار سياسته وبضرورة تشديدها في الإقليم، وهنا، لا غرابة في أن ترى بعض منظّري محور الممانعة وهم يفركون أياديهم فرحاً بعد الإشارات الأولية لاستطلاعات الرأي التي ترجح خسارة ترمب وفوز بايدن، تحدوهم آمال وغالباً أوهام، بأن يحمل الأخير فرصة لتقدم سياسات أميركية من نوع جديد تحمل تعديلاً في سبل التعاطي مع إيران وحلفائها، ما يمنحهم فرصة لالتقاط الأنفاس وربما هامشاً للتفاهمات والمساومات، ويوفر مناخاً يريح النظام السوري ويخفف حدة الحصار والضغوط عليه!

في المقلب الآخر، إذا كان من البديهي ألا يقيم المتطرفون الإسلاميون السوريون وزناً للانتخابات الأميركية، وأن تتجه دعايتهم في مناطق سيطرتهم للاستهزاء بها ورفضها، جملة وتفصيلاً، ما داموا يجمعون على محاربة قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلى تصوير الولايات المتحدة بؤرة للشرور ورأساً للكفر والإلحاد، فإن هذا الجذر الآيديولوجي لم يكن كافياً اليوم للتحكم بخياراتهم ومواقفهم، بل كان تأثيره أضعف مما أملاه عليهم راعيهم وداعمهم، ما يفسر اندفاع بعض أمرائهم وقادتهم لملاقاة تحفظ حكومة أنقرة على مرشح الحزب الديمقراطي الذي دعا للتشدد في التعامل مع دور تركيا في المنطقة، وتالياً ميلهم مع ميلها للرئيس ترمب صاحب فكرة سحب بقايا القوات الأميركية من سوريا، والذي سمح لها ولهم بالتمدد في شمالها، خاصة أنهم لم يترددوا أو يتأخروا في زج الفتية والشبان السوريين المغرر بهم، كوقود لتسعير حروب إردوغان التوسعية، ليس فقط في سوريا، وإنما أيضاً في ليبيا وأذربيجان، والحبل على الجرار.

وبين هذا وذاك، تتباين مواقف النخبة السورية المعارضة من العملية الانتخابية الأميركية، جراء تباين جذورها الآيديولوجية واختلاف اصطفافاتها، فأكثريتها تتمنى نجاح ترمب وهزيمة بايدن، بدافع من استمرار الموقف الأميركي الحاد من النظام وأيضاً من إيران ونفوذها في الإقليم، معولة على ذلك بإفشال رهان حكام دمشق على أي تغيير في واشنطن يمكنه تخفيف الضغوط التي يتعرضون لها ويساعدهم على الإفلات من العقاب ومستلزمات الحل السياسي، لكن ثمة من يحرجه الدفاع عن ذلك الخيار، مرة، بسبب الموقف الروسي الذي يميل أيضاً لبقاء ترمب في الحكم، حتى لو تم تمرير ذلك بالتأكيد على أولوية الخلاص من إيران بصفتها الأكثر شراً وسوءاً، ومرة ثانية، عند بعض المنتمين لجماعة «الإخوان المسلمين» ومن يدور في فلكها، والذين لم ينسوا الباع الطويلة للحزب الديمقراطي في دعم الإسلام السياسي ودوره في المجتمعات العربية، ومرة ثالثة، لتعارض بعض مواقف وممارسات دونالد ترمب مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، سواء عند إعلان تمنعه عن تسليم السلطة في حال خسر الانتخابات، أو لدوره الشعبوي في التمييز بين الأميركيين وتسعير العداء للاجئين وإثارة النعرات الدينية والعنصرية.

أخيراً، وأياً تكن نتائج الانتخابات الأميركية العتيدة، فإنها لن توقف أو تجمد العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام السوري، ما دامت قد أقرت من قبل الكونغرس بمجلسيه، وما دام الرئيس الجديد ملزماً، مهما تكن نياته وتوجهاته، بتنفيذها، كما أنها لن تقدم في المحصلة أي جديد للشعب السوري المنكوب، في ظل استمرار الأسباب التي دفعت بالولايات المتحدة نحو الانكفاء والانشغال بمشكلاتها الداخلية، وآخرها جائحة كورونا، أو باهتمامات عالمية لا قيمة كبيرة للوضع السوري فيها، لكن هذا الحدث كشف مدى هشاشة أطراف الصراع السوري وشدة ارتهانهم للمؤثرات الإقليمية والعالمية، وأثار من جديد أسئلة البحث عن خيارات يمكنها كسر حلقة الاستنقاع والتفسخ، وفتح نافذة أمل لخلاص السوريين من دوام هذا الوجع والتفكك والخراب.

=========================

ترسيم في الجولان وشرق أوسط جديد!

راجح الخوري

الشرق الاوسط

السبت 31/10/2020

قبل عدة أشهر، هبط في مطار دمشق، في نطاق من السرية الكاملة، قائد عسكري أميركي بارز، هو كاش باتل، المسؤول عن مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، وقالت تقارير دبلوماسية عالية يومها إنه أجرى سلسلة من الاجتماعات مع مسؤولين سوريين، ورغم أن هذه التقارير بدت محط تشكيك في حينها، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» نهاية الأسبوع الماضي أن كاش باتل جاء سعياً للإفراج عن أميركيين، هما أوستن تايس الصحافي المستقل الذي اعتقل وهو يغطي القتال عند تخوم حلب، ومجد كمالماز، وهو محلل أميركي سوري أصلاً!

رغم أن هذا الأمر بدا مثيراً للاهتمام، بعد مرور عقد على آخر اتصال معلن بين واشنطن والنظام السوري، بعدما قطعت واشنطن علاقاتها مع دمشق عام 2012 ثم انخرط باراك أوباما ومن بعده دونالد ترمب في التهديد بمعاقبته وتغييره، وصولاً إلى استصدار «قانون قيصر» بداية هذه السنة، فما الذي بدّل الأجواء إلى درجة استئناف الاتصالات ووصول مسؤول أميركي بارز إلى دمشق، وهل القصة تتعلق فقط بإطلاق أسيرين، أم أن الأمر هو بمثابة القسم الصغير جداً الظاهر من جبل جليد تحت سطح محيط من الاتصالات الروسية الأميركية السرية التي لا تتوقف عند العلاقات مع سوريا، بل تتجاوزها إلى ما يتصل بالترتيبات الناشطة لرسم الخرائط السياسية الاستراتيجية في المنطقة، والتي كانت محطتها الأخيرة السودان؟

لفهم ما يجري، ربما يتعين العودة إلى يومي 24 و25 يونيو (حزيران) من العام الماضي، عندما عقد اللقاء الثلاثي الأمني المثير وغير المسبوق في القدس، وجمع سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، ونظيره الأميركي آنذاك جون بولتون، والإسرائيلي مئير بن شبات، يومها قال مدير قسم الصحافة في وزارة الخارجية، أرتيوم كوجين، إن أبرز أهداف اللقاء «البحث عن سبل خطوات عملية مشتركة لتسوية الأزمة في سوريا وفي منطقة الشرق الأوسط بأسرها».

ويبدو أن هذا اللقاء المهم شكّل بداية الطريق إلذى تظهر ملامحه جلية الآن، والذي وصفه رئيس البعثة الأميركية في موسكو أنتوني غوديغري بأنه يبلور نهجاً مشتركاً لمعالجة أزمة المنطقة. ومن هذا المنطلق، هل كان اللقاء في القدس بداية مسار جديد مشترك، يبدو أنه سيشكل رافداً أساسياً يلاقي الترجمة السياسية لـ«صفقة القرن» التي طرحها دونالد ترمب، والتي تلاحقت نتائجها أخيراً عبر المصالحات الإسرائيلية مع دولة الإمارات، والبحرين، وأخيراً السودان، في حين تواترت أنباء عن مفاوضات سرية متواصلة على أعلى المستويات بين موسكو وواشنطن، وأنه تم التوصل إلى اتفاق بخصوص ضرورة فتح مسار التسوية بين سوريا وإسرائيل، وأن دولاً خليجية وعربية تلعب أدواراً مشجعة لدى واشنطن وموسكو لدفع المسار السوري، من منطلق الاقتناع بأن النظام السوري، كما يرى الروس تحديداً، بات أقرب إلى نظرية وزير الخارجية سيرغي لافروف بأنه لا يوجد مخرج أكثر فائدة له من ركوب قطار التطبيع مع إسرائيل، والدليل أن موقفه من قرار الإمارات والبحرين والسودان لم يكن سوى كلام لرفع العتب، والعقدة الوحيدة الصعبة التي سيكون على الأميركيين والروس إيجاد حل لها في إعادة رسم الخريطة السياسية لـ«الشرق الأوسط» هي ترتيب مشكلة الترسيم في هضبة الجولان التي كانت إسرائيل قد ضمتها!

تؤكد التقارير التي ترصد عودة الحراك على خط واشنطن دمشق، بالتفاهم مع موسكو، أن هذا من صلب مناخ التسويات المتصاعد في المنطقة، التي كانت نتيجة تفاهم أميركي روسي استراتيجي يقوم على نظرية أن التنافس الإيراني والتركي على بسط النفوذ والسيطرة على الأوضاع في المنطقة وصل إلى درجة باتت تفرض خلق توازنات جديدة. وفي هذا السياق، كانت زيارة كاش باتل مسؤول الإرهاب في البيت الأبيض إلى دمشق نتيجة مساعٍ روسية مركزة قام بها سيرغي لافروف شخصياً، على خلفية تقاطع مصالح متطابقة بين موسكو ودمشق.

وفي السياق نفسه أيضاً، ليس خافياً أن هناك تقاطع مصالح قوياً بين واشنطن وموسكو ودمشق أيضاً، بمعنى أن النظام السوري الذي يرفض التدخل التركي في إدلب الذي يهدف إلى إقامة حزام أمني، يلتقي مع حرص موسكو، ويرتاح إلى إبعاد الأتراك عن الشمال السوري، وهي التي تقصف جماعات أنقرة في المنطقة، وهو ما يريح أيضاً واشنطن التي تريد وقف العدوان والتهديدات التركية لحلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية» التي اقتربت أخيراً من النظام، وهذا يريح إسرائيل حيال دعم تركيا لحركة «حماس»!

وكذلك، بمعنى أن النظام السوري بدا منزعجاً ويضيق عملياً من توسيع هيمنة إيران وميليشياتها على المقدرات والمناطق السورية، وخصوصاً المحيطة بدمشق، فهي كما تريد رفع اليد التركية عن الشمال، تريد تخفيف القبضة الإيرانية في الداخل، وهو ما يتلاقى مع مصالح موسكو، التي لا تريد شريكاً مضارباً في سوريا، وكذلك مع سياسة أميركا المعادية للنظام الإيراني.

هنا يبدو الحديث عن أن زيارة باتل هي لإطلاق أسيرين، مجرد تفصيل في موازاة أهداف استراتيجية لإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة، ومن الضروري ملاحظة الانفتاح الإماراتي حيال دمشق قبل وبعد التفاهم مع إسرائيل، وإذا كان اللواء عباس إبراهيم يتحرك بين دمشق وواشنطن على خط الأسرى، فمن الواضح تقريباً أن سيرغي لافروف يتقاسم الأدوار مع مايك بومبيو في إعادة رسم الخريطة السياسية الاستراتيجية للمنطقة التي لم يعد من المقبول أن تشكل ساحة صراع عنفي بين إيران وتركيا وإسرائيل.

في هذا السياق مع الإعلان عن اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يصل لافروف في وقت لاحق إلى دمشق للبحث في الشروط والمطالب السورية والترتيبات التي تضمن بدء مفاوضات تضمن ترسيماً عادلاً للحدود مع إسرائيل التي ضمت الجولان، وكذلك ترسيم حدود سوريا مع لبنان، بما يؤدي إلى استعادة مزارع شبعا عبر مفاوضات الترسيم، التي يفترض أن تشمل أيضاً كل الحدود اللبنانية السورية، فهل هذا يعني أن نقطة زيت المصالحات مع إسرائيل التي تتفشى شمالاً، تتفشى جنوباً إلى ما بعد السودان؟

لكي تكتمل ملامح التطورات يجب التوقف ملياً أمام المساعي المصرية المتصاعدة لإعادة سوريا إلى العائلة العربية، وعدم تركها للتنازع التركي الإيراني، وهنا تشير التقارير إلى أن مصر تجتهد للملمة الصف العربي وقيام جبهة جديدة، تضم مصر والسعودية والأردن والعراق وسوريا ولبنان، كل ذلك بهدف قيام شرق أوسط جديد، ينتشل الدول العربية من التنازع العثماني والفارسي.

=========================

موقفنا : مؤتمر عودة اللاجئين : دمشق 11- 12 / 11 ، عجب

زهير سالم

مركز الشرق العربي

4/ 11/ 2020

بعد غزوه العراق بأسابيع قليلة ، وقف جورج بوش الابن في شهر 5/ 2003 على ظهر حاملة الطائرات الأمريكية " ابراهام لنكولن" ليعلن انتصاره في العراق ..كان ذاك إعلان إعلامي ساذج وفج . قتلت الولايات المتحدة الرئيس العراقي صدام حسين ، لا حقت أوراق اللعب الخمسة والخمسين ، أباحت دماء ملايين العراقيين تحت مسمى " العرب السنة " الهوية المحكومة بالإستئصال ، ذبحا واعتقالا وتشريدا ، ومع كل ذلك كان إعلان جورج بوش للانتصار في العراق صبيانيا وساذجا ؛ وحتى اليوم لا تزال الولايات المتحدة ، عالقة في العراق ، تتجرع كأس السم كما تجرعها عميلها " الخميني" من قبل وهاهي تجلس للتفاوض المباشر مع عدوها المر " حركة طالبان "

بعد عشر سنوات تقريبا من التجربة الأمريكية في العراق ، جاء الروس إلى سورية ، ليكملوا المهمة نفسها ، ضد الهوية نفسها " العرب السنة " وفي هذا كان لافروف أكثر جرأة ووضوحا من بريمر ، حين أطلق تصريحاته عارية بدون حياء .

لا أملك أرشيفا لأوثق لكم كم مرة وقف بوتين كما وقف بوش من قبل ليعلن انتصاره في سورية ..وسأعتمد على ذاكرة حية لرجل تجاوز السبعين . أول ما جاء بوتين إلى سورية مستمدا البركة من البطرك الأرثوذكسي أعلن في تصريح موثق ومؤرخ أن مهمته في سورية تحتاج إلى ثلاثة أشهر فقط ..ثم سمعناه بعد شهر واحد فقط يعلن الانتصار . ثم أعلن انتصارا آخر بعد ثلاثة أشهر ومدد المهمة من ثلاثة أشهر إلى سنة فقط . ثم أعلن انتصارا آخر بعد سنة ، ثم انفرطت حبات العداد فلم يعد أحد قادرا على العد ، ولاسيما حينما نجاوز بين المرات التي أعلن فيها بوتين الانتصار على الشعب السوري ، أو الانتصار على ما يسميه الإرهاب الملعون متسابقا في ادعاء النصر عليه مع توأميه أوباما أو ترامب ..

في الخلاصة أن الرئيس بوتين ووزير خارجيته لافروف ثقل معهم عيار الفودكا مع بداية 2018 ، وخرجا على العالم بخطة عمل جديدة ، موجزها : انتصرنا وانتهى كل شيء ، وليس أمام العالم اليوم إلا التعاون معنا ومع تابعنا "ماتي " : في إعادة اللاجئين ، وإعادة الإعمار ..

وطاف لافروف يومها العالم العربي ، ودول الاتحاد الأوربي وكان كل المعنيين يجلسون معه على استحياء ، ويشمون منه على بعد أمتار رائحة عيار الفودكا الثقيل ..

ثم ماتت الفكرة ، أو ربما طويت حتى حين ، ومنذ أيام ، في أواخر الشهر الماضي في التحديد كان وفد من الخارجية والدفاع الروسيتين برئاسة نائب الرئيس بوتين ، يزوران لبنان والأردن ، البلدان الجاران ومن البلدان الأكثر تضررا من ثقل عملية اللجوء ، لإقناعهما كما يقول الروس بالمشاركة العملية مؤتمر تدعو إليه روسية وبشار الأسد حول عودة اللاجئين السوريين... ويعقد في دمشق . ثم ليخرج علينا وليد المعلم يؤكد الدعوة نفسها ، ويعلن عن تحديد موعد للمؤتمر القادم في 11 - 12 تشرين الثاني الجاري ..

والذي لا يريد أن يعلمه بوتين ولا كل المتواطئين معه أن سورية التي كانت على مدى عقود وطنا للخوف فصدرت للعالم على مدى نصف قرن ملايين اللاجئين قد أصبحت بفضل وجودهم وسياساتهم وتحكم الفاسدين فيها وطنا للخوف والجوع ، وهي بهذين العاملين ستشهد خلال الأعوام القادمة حركة لجوء أكبر وأكبر وأكبر..

يقول القرآن الكريم في وصف أقوام ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) أوليس هذا الوصف حقيق بمن يرون حجم النخر في الواقع العام في سورية ، الواقع الأمني والسياسي والاقتصادي ، ثم يجعلون كل ذلك وراءهم ظهريا ، ويتحدثون عن مشروع عودة أو إعادة اللاجئين ..فإلى أين يعودون ؟!

ألا يسأل بوتين ومستشاروه السياسيون والعسكريون والاجتماعيون .. إلى أين يمكن أن يعود المواطن السوري المهاجر ؟؟؟ إلى الخوف والتصفية والاعتقال والابتزاز أو إلى الجوع .. والغلاء والوباء ؟!!!

أي أنموذج سيء قدم الروس في مناطق خفض التصعيد ، وقادة المصالحات ، وقد صفي أكثرهم ، حتى يعتبر المواطن السوري ، الذي ما أخرجه من موطنه إلا الخوف !! أن الروسي يمكن أن يكون العدو الذي يتميز على صنوه الأسد بقليل من المصداقية ..!!

إن حركة اللجوء في جوهرها تعبير إنساني عن نزوعة الفرد إلى الأمن والأمان ، ومهما يكن حجم التهديد الذي يتوقعه الإنسان في الخروج إلى المجهول فإنه يبقى قادرا بغريزته البدائية على التمييز بين خطر ما هو فيه والخطر الذي يتهدده. حتى الذئبة في البراري تخاف على صغارها . حقيقة ساذجة نحتاج أن نذكر بها صناع سياسة في دولة عظمى اسمها روسية ، ونحن في القرن الحادي والعشرين .

حركة اللجوء في جوهرها تعبير إنساني ، ولكن هذا التعبير الإنساني يختلط دائما بدافعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي ... فهل فكر الروس يوما بمثل هذا ..وكيف يزيلون الأسباب والموانع والدوافع ليغير محور الحركة اتجاهه .

كيف يعود اللاجئون والطيران الروسي لا يزال كل يوم يقتل . وحسب الصحف الروسية نفسها إذا غضب بوتين من السياسة التركية في أذربيجان رد بقتل السوريين في ريف إدلب أو في ريف حلب ..!!

إعادة اللاجئين مكرهين تحت سلطة جلادهم ، ليقتلهم أو يسجنهم جريمة أخرى ستضاف إلى جرائم الروس وشركائهم حول العالم ..

وعودة السوريين الطوعية إلى بلادهم مطلب لهم ، حين يقوم في سورية ظل دولة يحمي ولا يقتل ، يجمع ولا يفرق ، وعلى أول طائرة يمكن أكثر اللاجئين هناك ..

وفي الوقت نفسه سنستمر بتوجيه الشكر والتقدير والعرفان للكل الدول والشعوب التي آوت ونصرت ، والتي آوت وأيدت ولو بشطر كلمة ..نقدر الجميل ونعترف بالفضل لأهله ..

ونقول لبوتين : وبينك وبين إعلان الانتصار ليل طويل ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

دعوة إلى العمل

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 31/10/2020

واهم من يعتقد أن الديمقراطيين يستطيعون، بمفردهم، إسقاط النظام الأسدي السوري، والنظم الأسدية الأخرى في وطن العرب الفسيح. وأشد وهما من يخال إن الإسلاميين يستطيعون، من دون عونٍ من أي طرف آخر، إطاحة الأسدية السورية وشبيهاتها العربيات، أو أن العالم سيسمح لهم بالاستيلاء على سورية وإقامة نظام إسلامي، سيكون بالضرورة نظاما تعبويا/ تحشيديا، سيمثل، كالنظام الديمقراطي، خطرا على إسرائيل ونظم الخليج.

إذا كان هناك ما نتعلمه من تجربتنا السورية، فهو حتمية التخلي عن هذين الوهمين، وضرورة العمل لبناء ميزان قوى داخلي، يقنع العالم بخيار التغيير المطلوب لسورية، مع العلم أننا لن نمتلكه، إن اقتصر على الديمقراطيين من جهة والإسلاميين من جهةٍ أخرى، ولم يضمّهما توافق تاريخي يفتتح السوريون بواسطته مرحلة ميثاقية من وجود دولتهم ومجتمعهم، ويطووا صفحة التناحر الديمقراطي الإسلامي، الذي ألحق ضررا فادحا بشعبهم قبل ثورته وبعدها، وهي التي تلاشت أو كادت، بسبب ما ترتب من تباين وخلافاتٍ مضمرةٍ وصريحةٍ على رهاناتهما المتعارضة، فإنْ لم يسارعا إلى معالجتها بصراحة ومسؤولية، ويصلا إلى توافقاتٍ حقيقيةٍ وملزمةٍ تتكفل بإزالتها، ظلت الأسدية قادرةً على كسر شوكتهما في ظل استمرار الفرقة بينهما، التي تحبط سعي أيٍّ منهما لإسقاط الأسدية، وإزاحة غريمه من الساحة في آن معا، وهذا استحالة يصاب من يعمل لتخطيها بالفشل والخسران، ولنا في فشل بعض الرهانات المتأسلمة عليه ما يكفي من عِبر!

السؤال الآن: لماذا لا تسارع نخبنا الديمقراطية والإسلامية إلى الخروج من شرانقها الخانقة، فتضع خلافاتها جانبا، وتتوافق على رؤيةٍ مشتركةٍ تستهدف إخراجها من نومها السياسي الشتوى، وإمدادها بما تحتاج إليه من وعي تشاركي، وردود فاعلة وواقعية على استبداد قاتل، يتلاعب بما تُنتجه انقساماتها بينها، لطالما مكّنته من شطرها إلى فئاتٍ متناحرة، حالت دون خروجها من عجزها الذي ساهم بدوره في الحؤول دون بلورة خطط وبرامج تنهض، بواسطتها، قيادة ثورية مشتركة، يجمعها هدف التخلص من الأسدية خيارا استراتيجيا يؤجل ما بينها من تبايناتٍ حول نمط حكم سورية القادمة، ويكبح ما بدا من ميلٍ إلى تباين دربيهما، واتساع الهوة بينهما، التي تناقضت نتائجها أشد التناقض مع تضحيات الشعب والمستوى الثوري الفريد الذي أبداه خلال حرب النظام ضده من جهة، وافتقاره إلى قيادة موحدة من جهة أخرى، خدم غيابها العدو الأسدي، وأدّى إلى نقيض ما راهنت الثورة عليه، وانخراط نخبها في صراعاتٍ حلت تدريجيا محل تناقضها العدائي مع الأسدية، وساهمت من جانبها بتشتيت صفوفها وقدراتها، وتبديد فرص بلوغ الحرية هدفا جامعا للسوريين. 

من دون توافق تاريخي بين التيارين الديمقراطي والإسلامي، سنستمر في خوض معاركنا بأفكارٍ وممارساتٍ أدى فشلها بالأمس غير البعيد إلى سقوط العرب تحت الاستعمار، وقاد تجدّدها، بعد انهيار الرهان القومي الوحدوي، إلى إقصاء البديل الديمقراطي، على الرغم من إعلان قطاعات واسعة من التيار الإسلامي أنه خيارها، لكنها تقفز عن استحالة إسقاط الأسدية بجهودها المنفردة، مثلما تقفز قطاعاتٌ من التيار الديمقراطي، بدورها، عن استحالة إسقاط الاستبداد بقواها الذاتية وحدها. ومع ذلك، يتجاهل الطرفان هذه الحقيقية التي تفقأ العين، ويغلّبان خلافاتهما على أولوية هدفٍ يزعمان أنه هدفهما، فلا عجب إن بدّد موقفهما المشترك، أحدهما من الآخر، قواهما، وأصابهما باليأس، وأسلمهما للتخبط والارتجال، ولعب دوره في تهاوي تمرّد ثوري كان قابلا للترقية إلى ثورة، بعملهما المشترك، وما يستند إليه من توافق تاريخي، ووحدة شعبية، وقيادة ثورية. 

يقول الحكيم الصيني صن تسو: إذا لم تكن قادرا على هزيمة عدوك، يكون عليك منعه من هزيمتك. إلى متى نتخلّى عن تغليب ما يوحّدنا على ما يفرّقنا، وما من شأنه إنزال الهزيمة بعدونا، بدل مساعدته على إنزال الهزيمة بنا؟!

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com