العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-10-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

الثورة السورية والمسار التفاوضي.. حوار الأشلاء (1/4) .. أسامة أبو زيد

العربي الجديد

الخميس 5/10/2017

(1) 

مع بدء وصول طلائع قوات الاحتلال الفرنسي إلى دمشق، قرر العقيد يوسف العظمة، مع عدد من رفاقه، خوض معركة استقلال الوطن، فكانت معركة ميسلون التي استشهد فيها العظمة ورفاقه. وفي الوقت نفسه، رفض بطريرك الروم وسائر المشرق، غريغوريوس حداد، طلب القائد الفرنسي غورو في لقاء بينهما، بينما كان بعض مؤيدي صبحي بركات الذي عينه الانتداب رئيسا لحكومة سورية يضعون أنفسهم مكان البغال التي تسحب عربة غورو، تعبيرا منهم عن الترحاب الحار بقوات الانتداب الفرنسي، وعن "الواقعية السياسية" التي تستند إلى قاعدة "العين لا تقاوم المخرز". اليوم، بعد مئة عام، لا يزال اسم معركة ميسلون خالدا، ويعيش يوسف العظمة ورفاقه الأبطال في جوارح السوريين، على اختلاف طوائفهم واحدا من رموز الاستقلال، بينما إذا سئل سوريون كثيرون عن معرفتهم بصبحي بركات ربما لن يذكره أحد.

 

(2)

في إبريل/ نيسان 2011، وبعد أحداث الجمعة العظيمة التي التهبت فيها شوارع محافظات سورية، باحتجاجات مدنية سلمية تطالب برحيل الأسد ونظامه الأمني، بدأ النظام يطلق مبادرات الحوار السوري، محاولا احتواء ثورة السوريين، ثورة ملايين من الشباب الطامح إلى بلد متطور حر وكريم، وثورة المظلومين المقهورين على الجلاد، وثورة من ابتدأوا الكفاح قبل آذار بعشرات السنين، وقضوا في معتقلات الأسد الأب سنين طويلة، ليخرجوا إلى الحرية، بعد تنصيب الأسد الابن على كرسي الدم. وقد حدثني الأستاذ جورج صبرة أنه، قبيل إطلاق سراحه من سجن القلعة التابع للمخابرات العسكرية في دمشق، كانت مخابرات الأسد قد أتت بعشرات من شباب كفرسوسة ودوما كانت قد اعتقلتهم بسبب المظاهرات. نادى أحدهم، وهو مضرج بدمائه نتيجة التعذيب الوحشي، جورج صبرة قائلاً: أستاذ جورج دير بالك... لا حوار مع الأسد.

في يوم السبت 21/5/2011، تلقيت اتصالا من يحيى شربجي، أبلغني فيه أن قيادات بعثية في مدينة داريا طلبت منه أن يحضر ناشطين من داريا إلى لقاء في مقر اتحاد الفلاحين في 

"العالم يستثمر قبول السوريين مبدأ المفاوضات بدفعهم إلى التنازل عن جذر القضية، وهو رحيل الأسد" المدينة بين وجهاء داريا ومسؤولين من نظام الأسد، لحل قضية المعتقلين والمداهمات الأمنية. وبعد اجتماع مطول في أحد بساتين داريا مع مجموعة من نشطاء داريا، بينهم يحيى وغياث مطر وإسلام دباس ومجد خولاني، قررنا حضور الاجتماع بوفد من خمسة أشخاص، كنت أحدهم. وتم اللقاء في اليوم التالي، وكان الضابط الدمشقي في القصر الجمهوري، حسام سكر، ممثل الأسد. وبعد سرد طويل من الأكاذيب، مغلف بوعيد مفاده بأن الجيش الذي دخل درعا بإمكانه متى شاء دخول داريا، أنهى سكر حديثه بدعوتنا إلى زيارة بشار في قصره، لبحث طموحات شباب داريا.

من دون مداولات أو بحث، كان جوابنا أن داريا ليس فيها مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، وأن مشكلتها هي ما يجري بحق أهلنا في حوران وبانياس، وأنه لا داعي لحوار أو لقاء حتى ينفذ مطلب الأهل هناك. وأرفقنا الجواب بأسطوانة ليزرية تتضمن فيديو لاقتحام المخابرات الجوية مدينة داريا يوم جمعة أزادي وعملية قتل الشهيد أحمد زهير العزب وإطلاق النار المباشر على المتظاهرين.

انتهى اللقاء بابتسامة باردة من سكر الذي دهم هو وزملاؤه، بعد أيام، منازلنا واقتادونا جميعا إلى مطار المزة.. ولا يزال الرفاق كلهم في السجن، بينما خرجت على قدميً، وخرج غياث مطر جثة.

 

(3)

على وقع المظاهرات الثائرة من حوران، وصولا إلى داريا والمعضمية والميدان وكفرسوسة إلى جوبر والغوطة الشرقية إلى حمص وبانياس وإدلب وجبل الزاوية وجبلة الأدهمية. وعلى وقع زج مئات من شباب سورية ورجالها وأطفالها في أقبية السجون، وتسبيح كثيرين من خطباء المساجد والكنائس بحمد بشار، أطلق النظام مؤتمر الحوار مع المعارضة في فندق سميراميس في دمشق، وطغت فيه شعارات "البعث" بأبدية حكم الأسد، وتم فيه الاعتداء على من رفع صوته بتبني مطلب المتظاهرين بإسقاط النظام، واعتقل بعده من شاركوا في المؤتمر من أصحاب القضية الثورية.

في الثامن من يوليو/ تموز 2011، قرّر الشعب السوري أن يرد على دعوات الأسد ومخابراته إلى الحوار السوري السوري، حيث ارتفعت أصوات مئات آلاف المتظاهرين في حماة ودير الزور والقامشلي ودمشق وحمص ودرعا وريف دمشق، تحت شعار: "لا حوار مع الأسد". وعلى الرغم من حملة أمنية دموية، شنها الأمن الأسدي، استشهد فيها أكثر من 26 متظاهراً من أبناء حماة التي كان قد وصل إليها السفيران الأميركي والفرنسي، خرجت واحدة من أكبر المظاهرات هناك على ضفاف العاصي، لتعلن بصوت هادر قرار كل السوريين من أقصى جنوب حوران إلى أقصى شمال دير الزور والقامشلي: بدكم بشار؟... لا والله. بدكم إيران ؟… لا والله.

في أثناء وجودي في سجن المخابرات الجوية في بداية إبريل/ نيسان 2011، كانت المخابرات الجوية، وقبل إخلاء سبيل أي معتقل، تتأكد من عدم وجود علامات تعذيب شديد

"الوحشية التي أمعن النظام بإنزالها بالشعب السوري، قابلها إمعان من المجتمع الدولي بتجاهل الجرائم تارة، وبالتسليم بها تارة أخرى"  على جسمه. وكان واضحاً أنهم مازالوا يجهلون طبيعة الرد الدولي على مجريات الأحداث في سورية. أخلي سبيلي بعد أيام من الاعتقال. وبعد أقل من شهرين، اعتقلت للمرة الثالثة التي طالت حتى منتصف 2012، وكانت أيضا في المخابرات الجوية. والعلامة الفارقة أن التعذيب يفوق ما شهدته سابقا بمراحل مهولة، وكان من الطبيعي أن يقتل أي معتقل تحت التعذيب، بل شهدت تعذيب أحد علماء الشام، وكان يتجاوز السبعين عاما، حتى فارق الحياة نازفاً.. سألت نفسي: ما الذي تغير خارج السجن حتى صاروا بهذه الشراسة واللامبالاة بأرواح المعتقلين؟

وجدت إجابتي عندما خرجت: ما حصل باختصار أن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أندرياس فوغ راسموسن، صرح ثلاث مرات بأن لا نية للحلف للتدخل في سورية. ما حصل أن سفراء ولجان مراقبة أممية وعربية دخلت إلى المدن، وشهدت سحل المتظاهرين، وخرجت وكأن على رؤوسها الطير من دون أي إجراء. ما حصل أن سفراء ست دول، بينهم سفير أميركا، زاروا عزاء ناشط سلمي بارز في داريا، هو غياث مطر، وشهدوا اقتحام الأمن مكان العزاء في أثناء مغادرتهم، من دون أي حراك. ما حصل أنهم شهدوا أقبح مجزرة في العصر الحديث بحق المدنيين القاطنين بجوار أقدم عاصمة في التاريخ، واكتفوا بسرقة جزء من سلاح الجريمة، وتركوا البقية للمجرم، ليستمر بالعربدة على شعبه، ويستمروا هم في لعبة الأعمى.. والضحية. ما حصل أنهم قالوا له: اقتل اقتل اقتل، وسنبذل جهدنا في ألا نرى جرائمك والأدلة عليها. سنكذب على الضحايا بالتحقيقات وعدم كفاية الأدلة، ونتحجج باستعمال روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، ونبرر مشاركتنا في قتلهم بمحاربة الاٍرهاب. .. اقتل، إننا معك من القاتلين.

عمليّاً، تولى المجتمع الدولي مهمة تحديد حجم القتل المسموح به ووسائله، ولا يعنيني كضحية البحث في أن ذلك متعمّد أم غير متعمد.

.. بعد وصول جثمان غياث مطر الذي اهتزت داريا لاستشهاده، وكان منكلا به من عناصر مدير إدارة المخابرات الجوية، جميل حسن، إلى منزل أهله، أرسل النظام تعزيزات أمنية وعسكرية ضخمة، لمنع تشييع الشهيد الذي اقتصر على أهل الشهيد فقط، لتبقى قوات الأمن محاصرة خيمة العزاء التي وصل إليها سفراء خمس دول، بينهم سفراء أميركا وفرنسا وألمانيا، سريعاً ما تبدل طغيان عناصر الأمن إلى خوف، فمنهم من اختبأ في حاوية القمامة، ومنهم من اختبأ تحت السيارات، فقط حتى لا يرى سفراء دول عظمى جرائمهم التي وصلت إلى حد التضييق على خيمة عزاء. لم يدم ذلك الخوف طويلاً، فمع مغادرة السفراء، عادت قوات الأمن لتقتحم العزاء، وتعتقل أقارب للشهيد، وناشطين ما زالوا في سجون الأسد، وليس معلوما ما إذا كانوا من بين من صوّرهم سيزر أم ما زالوا أحياء في قبور المخابرات. وقد قال لي أحد أقارب من اعتقلوا ذلك اليوم: ما الفائدة من زيارة السفراء سوى أن من تم اعتقالهم اتهموا بالتخابر مع جهات أجنبية، وهذه الجهات الأجنبية (العظمى) لم تستطع أن تنجد الثورة، ولا حتى أنجدت من جرّت عليهم حقداً إضافيا لحقد النظام على كل منطقة ثائرة، بل حتى عجزت الدول التي حضر سفراؤها إلى العزاء عن أن تخرج معتقلاً واحداً؟

في القانون، ليست الجريمة فقط هي عندما تقدم على فعل يخالف القانون. الجريمة تكون أحيانا بامتناعك عن القيام بواجباتٍ يفرضها القانون ومبادئ الإنسانية... هكذا قتلنا العالم، وترك دمنا المستباح لسلاح الأسد وحلفائه.

هذه الوحشية التي أمعن النظام في إنزالها بأبناء الشعب السوري، قابلها إمعان من المجتمع الدولي بتجاهل الجرائم تارة، وبالتسليم بها تارة أخرى، مع قليل من التنديد والشجب. ولكن بالقدر الذي لا يؤثر على سير الجرائم، وفق مسار يحقق المآل المطلوب في إضعاف المعارضة قبيل إطلاق مفاوضات جنيف، وتحويل الحرب في سورية من حرب ضد الاستبداد والدكتاتورية إلى حربٍ ضد الإرهاب، ما أدى إلى بروز اتفاقيات هدنة وتهدئة في عدة مناطق وتهجير قسري في مناطق أخرى.

 

(4)

بدأت مرحلة جديدة من الصراع، تصاعدت فيها حدة جرائم الأسد بحق المناطق الثائرة، لتصل إلى ذروة وحشيتها بارتكاب مجازر الذبح ‏بالسكاكين، في كل من ريف حماة وحمص ودير

"الخط الأحمر الذي ‏رسمه أوباما كان هامشاً واسعاً للقتل وأدواته المرّخص للأسد استعمالها" الزور، وصولاً إلى مجزرة الكيميائي في الغوطة، إلى إطباق الحصار على مناطق حمص ‏وريفها وريف دمشق، ووضع المدنيين فيها بين خياري الموت جوعا أو الموت بقصف البراميل والكيميائي.

لعل أخطر الرسائل الدولية على الشعب السوري، وأكثرها خدمة لمشروع قتل السوريين الذي قاده الأسد، الخط الأحمر الذي ‏رسمه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، والذي كان في حقيقة الأمر هامشاً واسعاً للقتل وأدواته المرّخص للأسد استعمالها. وعندما تجاوز ‏الأسد ذلك الهامش بمجزرةٍ تعد من أكبر مجازر القرن الواحد والعشرين، اكتفى أوباما بسحب سلاح الجريمة، في تأكيدٍ منه أنه في وسعك القتل كيفما شئت، وقدر ما شئت، لكن لا تتجاوز قائمة أدوات القتل المحدّدة.

وعلى الرغم من استمرار فارق التسليح والدعم بين ما قدمه حلفاء الأسد للمجرم، بالمقارنة مع ما قدمه حلفاء الثورة لأصحاب القضية الحق، وتراجع دول كثيرة عن مواقفها الداعمة لقضية الشعب السوري في تغيير ديمقراطي، وتحقيق سورية مدنية ديمقراطية تعددية، ودخول روسيا وإيران وخليط إجرامي من مليشيات طائفية متعدّدة الجنسيات، في مقدمتها تنظيم حزب الله، على الرغم من ذلك كله، استمرت عمليات الثوار في المقاومة والتصدي ومعارك التحرير والدفاع، الأمر الذي دفع الأسد وحلفاءه إلى بدء استراتيجية تدمير المدن السورية فوق رؤوس أهلها، وإطباق الحصار الكامل عليها، لدفع الثوار وإجبارهم على الانسحاب منها.

 

(5)

طموح الثورة في إسقاط الأسد، وإحداث التغيير الحقيقي في نظام الحكم، وتحقيق الحرية والعدالة لكل السوريين من خلال حكومة ديمقراطية، لم ولن يكون محلا للتفاوض، لكن بعد أن واجه الشعب الثائر، وحيداً طوال سنين، المذبحة الأكثر دمويةً في القرن الواحد والعشرين، انخرطت المعارضة السياسية والعسكرية في مسارات تفاوض تنظر إليها على أنها بشأن كيفية رحيل الأسد، بما يؤمن تحقيق هذه الغاية مع أقل قدر ممكن من الخسائر، لكن الواضح أن العالم يستثمر قبول السوريين مبدأ المفاوضات بدفعهم إلى التنازل عن جذر القضية، وهو رحيل الأسد. وربما سيجد كثيرون في الموت خياراً أكثر منطقية، وربما سيجد آخرون من حملة الهمّ الوطني في الهزيمة خياراً.. لكن بالتأكيد لن تكون الخيانة خيار أي ثائر.

========================

إيران تدفع باتجاه الحرب على الأكراد .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 5/10/2017

تتواتر الأخبار عن حشود عسكرية عند حدود إقليم كردستان العراق من كل جوانبه، في إيران وتركيا والعراق، وعن مناورات مشتركة تجريها جيوش هذه الدول، وكذلك الأنباء عن استعدادات تتخذها ميليشيات عراقية موالية لإيران بقيادة «الحرس الثوري»، بما يثير الشك في رغبة هذه الدول في الحوار مع الأكراد أصلاً، ويوحي بأن الاستفتاء شكّل الذريعة المناسبة لتصفية حساباتها مع الإقليم.

وتتصرف أنقرة وطهران وبغداد، كأنها تناست الخلافات وتضارب المصالح والتنافس على النفوذ بينها، و «توحدت» ضد «العدو الكردي» المشترك، وأنها وضعت تبايناتها على الرف، موقتاً بالطبع، إلى حين الانتهاء من «التهديد» الذي تمثله نتائج الاستفتاء على الاستقلال. وهي في هذا تخوض «مزايدة» على من يرفع الصوت أعلى، ومن يهدد بتدابير أقسى ومن يحشد أكثر.

لكن ثمة فوارق واضحة في دوافع وأهداف الأطراف الثلاثة. فالتركي ينطلق من حجة دائمة تقوم على أولوية الأمن القومي ووحدة الأراضي التركية وأهمية الحرب المتقطعة التي يخوضها، لإخضاع أكراد الداخل وردع أكراد الخارج، في تثبيت هذين الأمن والوحدة، ويؤكد أن لديه مخاوف مبرّرة من امتداد مفاعيل استقلال أكراد العراق إلى مناطقه الجنوبية الشرقية، بما ينهي حال الاستقرار النسبي السائدة هناك.

ويمكن القول إن مشروعية ذرائع تركيا مشكوك فيها، لأنها تنطلق أساساً من خلل تاريخي في التعامل مع الأكراد بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية، ممنوع عليهم التعبير عن قوميتهم أو التحدث بلغتهم، على رغم التصحيح الشكلي والجزئي عام 1991، عندما سمحت باستخدام اللغة الكردية في شكل محدود. لكن التوجّس من الأكراد بقي قائماً والطوق الأمني مفعّلاً والحصار السياسي مشدّداً.

ولأن أكراد العراق يدركون عمق هواجس الأتراك واستخداماتها الداخلية، بادروا إلى نزع الذرائع من يد أنقرة، فساندوها في الحد من خطر «حزب العمال» على جيشها، ونسجوا علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية مطمئنة معها. وهم كانوا يخدمون بالطبع مصالحهم، لا سيما بعد تدهور علاقتهم ببغداد في السنوات الأخيرة. غير أن السند التركي بقي واهياً، ورهن التقلبات السياسية الداخلية والصراعات بين أجنحة الحزب الحاكم في أنقرة.

ومع ذلك فإن الأتراك قد يحسبون ألف حساب، قبل أن يقدموا على عمل عسكري، فهم يعرفون أن الحرب مع الأكراد لن تكون نزهة، حتى لو كانوا يتفوقّون عدداً وعدة، لكن قواتهم لن تصمد أمام حرب عصابات يتقنها البيشمركة، وسيدفعون غالياً ثمن احتلال أي جزء من أرض الإقليم. ويدركون أيضاً أن الخيار العسكري سيفتح عليهم أبواباً مغلقة، ويحرّك أكراد تركيا الذين ينتظرون الفرصة للانتفاض وانتزاع حقوق إضافية.

أما بالنسبة إلى إيران، فلم يشكّل الأكراد العراقيون يوماً تهديداً أمنياً لها، ولم يبادروها بالعداء، باستثناء أنهم أدركوا بعيد الغزو الأميركي في 2003، أن الطريقة التي تدير بها واشنطن الأمور في بغداد تعزّز دور حلفاء إيران على حساب العرب السنة، وتزيد إلى حد كبير نفوذ طهران في بلاد الرافدين. وعندما حاولوا النأي بأنفسهم عن المعادلة الجديدة والسعي نحو حكم ذاتي واسع، تمهيداً لاستقلال لاحق، وُوجهوا بعداء واضح من إيران التي تريد وضع اليد على العراق كاملاً، وشهدوا محاولات إيرانية لشقّ صفوفهم عبر تأليب معارضي قيادة الإقليم وتسليح جماعات موالية لهم في المناطق المحاذية لحدودهم.

واليوم تضغط إيران بقوة على حكومة بغداد، وتدفع في اتجاه تشديد مواقفها من الاستفتاء الكردي ومنعها من أي مساومة أو مهادنة، وتلجأ إلى حلفائها الآخرين في «التحالف الشيعي»، للمزايدة على العبادي ودفعه نحو الخيار العسكري، فيما تحضّر في الوقت نفسه ميليشيا «الحشد الشعبي» للحرب.

وبالتأكيد، لا ضيرَ على إيران من حرب جديدة في العراق، طالما أن الذين يتقاتلون هم العراقيون والأكراد. وهي فعلت الأمر نفسه في سورية حيث تقاتل باللبنانيين والأفغان والباكستانيين، والسوريين بالطبع

========================

الشام .. مستنقع روسيا المقبل .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 4/10/2017

تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة الخسائر الروسية في الشام، والتي كان غالبيتها على أيدي تنظيم الدولة ثم على أيدي هيئة تحرير الشام، لكن الضربة الكبيرة التي تتحدث عنها أوساط مطلعة كانت باستهداف تنظيم الدولة لغرفة العمليات الروسية في دير الزور مما أسفر عن مقتل ضباط روس كبار وهو ما عرقل كل خطط الروس في المنطقة الشرقية وقطع صلاتهم مع ضباط العصابة الأسدية في المنطقة مما تسبب في خلخلة الصفوف استغله تنظيم الدولة بسلسلة عمليات هدفت إلى ضرب باصات للمليشيات الطائفية والأسدية عائدة من دير الزور باتجاه حمص فكانت الخسارة ضخمة بلغت أكثر من 200 قتيل وأسير بينهم ضباط كبار...

بموازاة ذلك كانت هيئة تحرير الشام قد أوقفت عملياتها في الريف الحموي لكن لا تزال مسار العملية ونتائجها غامضة بالنسبة للكثيرين إلاّ أن البعض تحدث عن اقتراب الهيئة يومها من غرفة عمليات روسيا في الريف الحموي ولو تمكنت من ضربها كما فعل تنظيم الدولة بدير الزور لانهارت خطوط العصابة الطائفية وداعميها المحتلين كما حصل في دير الزور والبادية..

ومع النزيف البشري الروسي في الشام يتصاعد النزيف المالي حيث بلغت كلفة العمليات العسكرية الروسية بحسب مصادر رسمية روسية أكثر من ثلاثة مليارات دولار سنوياً وهو رقم يُرهق الموازنة الروسية، ولذا لجأت إلى سياسة خفض التصعيد من أجل هزيمة الثوار، لكن تبين لها عدم نجاعة هذه الاستراتيجية فعادت إلى التصعيد من جديد الأمر الذي سيُنعش روح الثورة مجدداً وينقل المعركة إلى حرب تحرير شعبية وحرب عصابات تستنزف الاحتلال الروسي قبل غيره..

ويُعتقد أن التدخل الروسي العسكري المباشر في المعارك يأتي بعد النزيف الكبير الذي وقع للقوات الطائفية الأسدية خلال السنوات الماضية، فبحسب صحيفة الديلي تلغراف فإن حجم مقاتلي الطائفة العلوية يصل إلى ربع مليون، قتل ثلثهم وجرح ثلثهم على شكل إعاقات دائمة، وبقي الثلث، ولذا نرى معظم موظفي الخدمة المدنية في حمص والساحل من النساء، وكان ناشطون للثورة وثقوا مقتل 73 ضابطا علويا خلال التسع الأشهر الماضية..

التباين بين الاستراتيجيتين الروسية والأمريكية في الشام ربما يوفر فرصة للمستفيدين من هذه الخلافات، لاسيما إذا أُضيف إليهما الصحوة الكردية نحو تأسيس دولة لهم في العراق، الأمر الذي قد يوفر على أهل السنة بالمنطقة مؤونة الوقوف بوجه المليشيات الطائفية المدعومة من الاحتلال لانشغالها بالصراع مع الكرد، وهو الأمر الذي سيُكسب الثورة في الشام وحتى تنظيم الدولة في العراق والشام زخماً بتحييد الفصائل الكردية المتفرغة الآن لقتاله.

تصريحات صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي مهدداً حكومة بغداد بأن البرزاني لن يكون لوحده في المعركة، تؤكد أن الطاولة ستنقلب على المليشيات الطائفية وحكومة بغداد إن اندلعت المواجهة مما سيجعل الثورة الشامية أحد أكبر المستفيدين ولعل هذا ما يفسر مسارعة العصابة الأسدية لفتح حوار مع الأكراد في شمال سوريا..

الواضح أن الروس دخلوا مستنقعاً ليس شامياً فقط وإنما قد يكون مصيدة أمريكية وإيرانية، فما حصل للجنرال الروسي قائد غرفة عمليات دير الزور كأرفع رتبة يقتل خلال الاحتلال الروسي للشام يشير إلى ذلك،لاسيما وأن التلميحات الروسية تحدثت في البداية عن تورط أميركي بقتله ولكن إعلانهم عن مقتله بقذيفة هاون قد يكون بدد هذا الاتهام كون الإصابة بقذيفة هاون بحاجة لدقة في التصويب مما يتطلب تورط من يعرف بتحركاته، وهذا لا يعلمه إلا حلفاء النظام، خصوصاً وأن مليشيات النمر هي من تتولى حماية غرفة عمليات دير الزور التي يقودها، ولذا جاء توجيه الاتهام الإسرائيلي للإيرانيين، متوقعين أن تندلع صدامات بينهما بعد القضاء على داعش ..;

========================

خيارات السوريين بين جنيف وأستانا .. محمود عثمان

عربي 21

الثلاثاء 3/10/2017

منذ تدخلهم العسكري في سوريا، اعتمد الروس استراتيجية ذات محورين متوازيين؛ الأول يقضي بفرض الحل العسكري على الأرض مهما كلف الثمن، من خلال البطش واستخدام القوة المفرط، باتباع سياسة الأرض المحروقة، على طريقة جروزني، دون مراعاة للمبادئ والأخلاق والقوانين والأعراف الدولية.. استخدمت القوات الروسية خلال عامين من تدخلها العسكري في سورية كل ما في جعبتها من أسلحة الفتك والقتل والتدمير، ولم تتورع عن ارتكاب المجازر، الواحدة تلو الأخرى. فقداستهدفت القوات الروسية جميع فصائل الجيش الحر. حتى فصائل المعارضة المعتدلة التي شاركت في مؤتمر أستانا الذي أطلقته روسيا نفسها، لم تسلم من قصف الروس.

لم يستثن الروس من قصفهم وتدميرهم سوى تنظيم داعش وجبهة النصرة. أما السوريون المدنيون العزل؛ فقد كانوا أول أهدافهم. وكذلك المدارس والمساجد والمستشفيات؛ استهدفها الطيران الحربي الروسي عمدا وعن سابق إصرار. الأفظع من ذلك أنهم – الروس- طلبوا من الأمم المتحدة إحداثيات المستشفيات بحجة تجنب قصفها أثناء المعارك، لكنهم قاموا بتدميرها في اليوم التالي لحصولهم على مواقعها!

الشبكة السورية لحقوق الإنسان؛ أكدت في تقرير صدر عنها الجمعة 29 أيلول/ سبتمبر، أن طيران الأسد وطيران روسيا استهدفا من خلال 714 غارة جوية، بينها 13 برميلا متفجرا، منشآت حيوية وطبية، ومراكز للدفاع المدني ومدارس ومراكز خدمية مدنية في إدلب وريفها بالفترة ما بين 19 وحتى 27 أيلول/ سبتمبر الحالي. ووثقت الشبكة في تقريرها 46 حالة اعتداء على مراكز حيوية في إدلب وريفها من قبل نظام الأسد وروسيا، وأوضحت أن الطيران الروسي استهدف بشكل مقصود 12 مركزا للدفاع المدني وثماني منشآت طبية، ودمر أربع سيارات إسعاف، كما قصف خمس مدارس ومسجدا ومخيما للاجئين في ريف إدلب. وأوضحت الشبكة، أن نظام الأسد قصف بالطيران الحربي والصواريخ أربعة مراكز للدفاع المدني بريف إدلب خلال العشرة أيام الماضية، ومنشأتين طبيتين وسيارة إسعاف، كما دمر جزءا من مسجد ومدرسة، واستهدف في غارة جوية مخيما للاجئين.

المحور الثاني للاستراتيجية الروسية ذو بعد سياسي، يعتمد على سحب البساط القانوني من تحت مفاوضات جنيف، وإحلال مفاوضات أستانا مكانها، بالرغم مما قيل عن مفاوضات أستانا أنها فنية، وأن هدفها مراقبة وقف العمليات القتالية فقط!

مقابل ذلك، يكتفي أصدقاءالشعب السوري، وعلى رأسهم الأمريكان، بتقديم النصائح وحث المعارضة على التعاطي الإيجابي مع الروس، والتعامل معهم كأمر واقع، بكونهم المسيطرين عسكريا، ولأن المعطيات على الأرض تغيرت!

الأمريكان، وبعد أن قطعوا جميع أنواع الدعم العسكري عن جميع فصائل الجيش الحر، مشغولون فقط بالحرب على تنظيم داعش، ولا يرون في سورية شريكا سوى صالح مسلم وحزبه الانفصالي، pyd، وقوات "سوريا الديمقراطية".

على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي عقد مؤخرا في واشنطن، ومن خلال لقاءات قيادة المعارضة السورية مع شتى الأطراف، ركز الأمريكان على نقطتين أساسيتين: الأولى هزيمة تنظيم داعش، والثانية تقليص النفوذ الايراني، وإخراج إيران من سوريا خاوية اليدين! طبعا مع تفهمهم لخيبة الأمل التي يعيشها السوريون بسبب وعود المسؤولين الأمريكان التي لم تنفذ!

تلك هي أقوال الأمريكان.. لكن لا أحد في إدارة الرئيس ترامب يشرح أو يوضح كيفية هزيمة داعش، وطريقة تقليص النفوذ الإيراني. تنظيم داعش ما زال قويا وقادرا على القيام بعمليات كر وفر، واستعادة بعض المناطق التي يخسرها أو ينسحب منها، بالرغم من مرور ثلاثة أعوام على التدخل العسكري الأمريكي والتحالف الدولي! كما أن الإيرانيين في مواقعهم، ولم يتعرضوا لأي عمل أمريكي يضايقهم أو يحد من تحركاتهم، لا في سوريا ولا العراق ولا اليمن ولا حتى في لبنان!

الأمريكان ليس لديهم أية نية أو رؤية للحل السياسي في سوريا، ودول الاتحاد الأوروبي هي الأخرى في حالة انتظار وترقب. أما المعارضة السورية فهي أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بمؤتمر أستانا بالشروط الروسية، وبمؤتمر جنيف بالشروط الأمريكية، بالرغم من مخرجات كلا المؤتمرين التي باتت تشترط بقاء بشار الأسد في السلطة خلال المرحلة الانتقالية على الأقل، وترحيل مصيره النهائي إلى مجريات المفاوضات بين النظام والمعارضة، وهذا معناه الاستسلام وإعلان الهزيمة بالنسبة للمعارضة.. أو الخيار الآخر باستبعاد المعارضة من العملية برمتها إن هي رفضت الانصياع للشروط السابقة، عبر إنهاء عملية جنيف السياسية، والتحول إلى عملية أستانا التي تعني الحسم عسكريا على الطريقة الروسية.

الحقيقة المرة أن المعارضة السورية بشقيها، السياسي والعسكري، بغض النظر عن الأسباب المؤدية، مفككة ومتفرقة وضعيفة وعاجزة، ولا تملك أدوات التمرد أو المناورة، خصوصا بعد انشغال الأشقاء والأصدقاء كل بهمه.

المعارضة السياسية تعاني من ازدواجية الرأس وتداخل الصلاحيات بين الائتلاف الوطني والهيئة العليا للمفاوضات. كلاهما يعاني من مشاكل بنيوية لم يتمكنا على مدار السنوات الماضية من إصلاحها أو تخطيها. أما المعارضة العسكرية فليست أحسن حالا، حيث فشلت فصائل الجيش الحر في تشكيل رئاسة أركان أو قيادة عسكرية موحدة. بلا التوحد والاندماج، المنطق البسيط يقضي باستحالة صمود مجموعة فصائل متفرقة – إن لم نقل متناحرة - أمام جيوش الروس والإيرانيين.

الروس والأمريكان والأمم المتحدة شرعوا بالتعاطي مع المسألة السورية من منظور أن الحرب العسكرية في سوريا قد انتهت أو شارفت على النهاية. بناء على المعطيات الجديدة، أصبحت المعارضة السورية أمام تحديات مصيرية صعبة للغاية. إذ لا خيار أمامها سوى تطوير استراتيجيات مواجهة جديدة مختلفة تماما عن الأساليب السابقة في المواجهة. وهذا يقتضي عسكريا التخفف من مسؤولية، وأثقال وتبعات وأعباء، الحفاظ على مناطق جغرافية واسعة، والتحول للمواجهة المرنة من خلال تكتيكات الكر والفر واستنزاف الخصوم من خلال حرب تحرر ثورية طويلة الأمد. وسياسيا، الذهاب حتى نهاية المطاف في المفاوضات السياسية من خلال عملية جنيف، وعدم ترك الساحة للروس والنظام والايرانيين ليعلنوا أن لا شريك في العملية السياسية.

========================

من يكبح نفوذ إيران في سوريا؟ .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 3/10/2017

عندما يجري الحديث عن النفوذ الإيراني في سوريا، لا بد من التوقف عند مسار العلاقات التي نسجت منذ أواخر السبعينات بين نظام الأسد في سوريا ونظام الملالي في إيران. ومنذ ذلك الوقت دخلت علاقات الطرفين مساراً يجمع مصالح الطرفين، ويوحدها، رغم كل ما يقال من تباين بينهما في التوجهات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت الحرب العراقية - الإيرانية فرصة توثيق العلاقات وتطويرها؛ إذ وقف نظام الأسد إلى جانب نظام الملالي في الحرب، وقدم كل مساعدة سياسية وعسكرية ممكنة، وقدم الإيرانيون مساعدات مهمة ولا سيما في الجانبين المالي والنفطي، وفي خلفية هذا المشهد، بدأت إيران بتأسيس نفوذ آيديولوجي سياسي وطائفي لأهداف استراتيجية وسياسية، فأخذت تبني أول مرتكزات علاقاتها بنخبة النظام وشقيقتها الموجودة على أطرافه من رجال المال والأعمال والفعاليات الثقافية والشعبية، وبدأت مسيرة الاهتمام بمراكز التشيع ونشر ثقافته، وصولاً إلى بدء عمليات تشييع في أوساط السوريين.

وتواصل نمو النفوذ الإيراني في سوريا، رغم ما واجهه من مشاكل وتحديات، لكنه وفي السنوات العشر الأولى من عهد الأسد الابن، حقق قفزة أكبر. فقد انتقل النفوذ من الدائرة السياسية - الثقافية إلى الدائرة الاقتصادية، بحيث دخلت إيران إلى الأوسع في ميدان التعاون الاقتصادي مع النظام ونخبته، فتم إنشاء عشرات الشركات، وزاد حجم الاستثمارات الإيرانية في سوريا بالتوازي مع تصعيد العلاقات السياسية والثقافية، والتي كانت تمثل طموحات لإيران في الواقع السوري، وكثيراً ما عبر عنها المسؤولون الإيرانيون بشكل علني ومستمر.

ثم جاء اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد، ليفتح أمام النفوذ الإيراني أوسع الأبواب، حيث اصطفت إيران إلى جانب نظام الأسد في مواجهة ثورة السوريين، فصعدت أنشطتها السياسية والثقافية والاقتصادية، وسياسة التشييع، وجرت خلفها الطائفة الشيعية السورية، قبل أن تتقدم إلى مناطق نفوذ داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية من خلال ما قدمته وميليشياتها الطائفية من دعم لنظام الأسد في مواجهة ثورة السوريين وجماعات المعارضة المسلحة، التي اعتبرتها إيران جماعات إرهابية تكفيرية متطابقة في هذا الوصف مع نظام الأسد، وبفعل ما قامت به إيران في هذا الجانب من إرسال الميليشيات إلى القوات الإيرانية والخبراء الأمنيين، أصبحت القوة الحاسمة في توجهات النظام وقراراته السياسية والميدانية. وهذا هو جوهر النفوذ الإيراني، وقد صارت له تعبيرات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية قائمة على الأرض.

وبدا من الطبيعي، أن يترك تصاعد نفوذ طهران في سوريا مخاوف وقلقاً عند قوى محلية وإقليمية ودولية، لا تتوافق معه، وهذا أمر طبيعي في ظل تناقضات تلك القوى وخلافاتها مع استراتيجية إيران وسياساتها السورية، خصوصاً أن إيران بسيطرتها على القرار السوري، أكملت خط نفوذها الواصل من طهران إلى لبنان على شاطئ المتوسط مروراً بالعراق وسوريا.

غير أن تناقضات تلك القوى وخلافاتها مع نفوذ إيران، لم تجد لها طريقاً عملياً للتعبير عنها. فالمخاوف السورية التي تمثلها المعارضة كانت ضعيفة، وغالباً ما تم دمجها بالموقف من نظام الأسد، وقول إن النفوذ الإيراني سوف يرحل مع سقوط النظام، وكانت البلدان العربية وتركيا قريبة من رؤية المعارضة في هذا الجانب، وزادت عليه محاولات للتفاهم مع إيران بالسكوت عن تنامي نفوذه أحياناً، أو بمحاولات رشوته من خلال علاقات اقتصادية معه، ولم تعطِ البلدان الغربية بما فيها واشنطن الموضوع أهميته، بل إنها عقدت مع نظام الملالي الاتفاق النووي في 2015 في ذروة تصاعد نفوذ إيران في سوريا، فيما كانت ترى روسيا التي تعتبر حليف إيران ونظام الأسد في سوريا، أن نفوذ إيران تحت السيطرة، لأن إيران وافقت بحماس على الحضور العسكري الروسي إلى سوريا أواخر العام 2015 خوفاً من سقوط نظام الأسد.

وسط هذا النسق من السياسات، خفت أو توارت المخاوف من نفوذ إيران في سوريا، خصوصاً في ظل ثلاث من الحقائق؛ الأولى الربط الأميركي للمخاوف مع شعار الحرب على الإرهاب وأساسه الحرب على «داعش»، وأنه بعد نهاية تلك الحرب، ستباشر الولايات المتحدة مواجهة النفوذ الإيراني والجماعات المرتبطة بها ومنها «حزب الله»، والحقيقة الثانية جهد أميركي - روسي لتطمين إسرائيل وبدرجة أقل الأردن، في أن نفوذ إيران و«حزب الله»، لن يشكل خطراً عليهما، والثالثة جهود روسيا لربط تركيا ضمن الاتفاق الروسي - الإيراني - التركي الموقع في موسكو عام 2016، والذي رسم توافقاً ثلاثياً، استَتبع تقارباً تركياً إيرانياً، ولدت على أساسه توافقات سياسية واتفاقات عسكرية بين الجانبين حول سوريا.

خلاصة الأمر في كبح النفوذ الإيراني في سوريا، أنه لا جهود جدية في هذا السياق، وأن كل ما يتم القيام به، هو تمرير لوقت يتعاظم فيه نفوذ طهران خصوصاً في ظل تمدد وانتشار قوات الأسد بمشاركة إيران وميليشياتها في معظم المناطق، وبدعم من القوات الروسية، مما يعني أن مواجهة هذا النفوذ، لا يمكن أن تتم إلا من خلال مواجهة عسكرية مكلفة، وغير مطروحة حالياً، مما يجعل الإمكانية قائمة فقط عبر حل سياسي دولي، تتم فيه عملية انتقال سياسي، تغير موازين القوى وبالنتيجة تبدل من نفوذ إيران في سوريا.

========================

جنيف بطعم أستانة .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 3/10/2017

يخفف مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، في إحاطته المقدمة أخيرا إلى مجلس الأمن الدولي، في 27 سبتمبر/أيلول، من فداحة الواقع السوري، خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر سبتمبر/أيلول الفائت، إذ يقارن على ما يبدو عدد الضحايا الذين يسقطون في المناطق التي فتحت روسيا والنظام السوري وإيران النار عليها أخيرا (ريف دمشق وإدلب وحماة وحوران)، بعدد ثابت كانت تحدثه هجمات هذه القوى المتحالفة ضد مناطق حاضنة للشعب المعارض للنظام السوري، متناسياً أن هذه المناطق يجب أن تحظى بالأمان الكامل الموعود من اتفاقات خفض التصعيد، واتفاقات مؤتمر أستانة، خلال جولاته الست الماضية، والتي تضمنها وترعاها وتتوسط خلالها القوتان الرئيستان في عمليات القصف الوحشي على سورية، إيران وروسيا.

وعلى الرغم من أن دي ميستورا استخدم صيغة الفعل المبني للمجهول "يُزعم"، في إشارته إلى ضرب المدنيين والبنية التحتية والمرافق الصحية، في إحاطته في مجلس الأمن، وقوله إن "الضربات الجوية هي الأولى منذ إبريل/نيسان لإدلب وحماة"، لتجنب الحديث عن الفاعل في القصف الجوي، إلا أنه استخدم الصيغة القطعية للتعريف بالفاعل في الحديث عن قصف المدن الخاضعة لسيطرة النظام، حيث قال: "فضلاً عن قصف المعارضة الشديد لبلدات مدنية خاضعة

"ربما لم يعد يجدي نفعاً التذكير بأن الذهاب إلى جنيف بات للتوافق على منتجات أستانة والاتفاقات فوق التفاوضية التي جرت في الأردن والقاهرة وجنيف" لسيطرة الحكومة في حماة واللاذقية"، ولم يكن دي ميستورا وحيداً في محاولة حماية الفاعل في تدمير البنى التحتية، حيث شارك مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سورية، يان إيغلاند، المبعوث الأممي، أسلوبَ التعتيم اللغوي على الفاعل "إنه ليس واضحاً من نفذ هذه الهجمات على إدلب"، معتبراً أنها، أي الهجمات، "جزء من نهج متصاعد ضد شرايين الحياة الإنسانية".

يبدو أن دي ميستورا يملك أجهزة رصد تتابع أعمال المعارضة القتالية، فيما لا يمكنه فعل ذلك مع القوة الروسية التي لا تخفي أنها تقصف إدلب، مبررة ذلك بأنها "تستهدف المسلحين وعتادهم". وعلى الرغم من أن هذا الاستهداف لا يبرر قتل نحو 150 مدنياً، وتدمير المنشآت الحيوية، لكنها ليست المرة الأولى التي تلجأ موسكو إلى نقض اتفاقياتها، وقصف المناطق المتفق على خفض التصعيد فيها، بهدف "تنظيف" هذه المناطق من كل آثار الحياة الطبيعية فيها، كما حدث في حلب، واستلامها خاليةً من المعارضة بكل أشكالها، سياسية وعسكرية، أو في أحسن الأحوال أن تكون هذه المناطق مكسورة ومهيأة لقبول الإدارة الجديدة التي تتهيأ روسيا لإنشائها، بالشراكة مع الضامنين لاجتماعات أستانة، تركيا وإيران.

جبهة النصرة، أو هيئة تحرير الشام حسب تسميتها، شريك فاعل في إدارة الصراع في المناطق المختلف على تبعيتها للضامن "الأستاني"، حيث تهيئ هذه الجهة الظروف المقنعة للمجتمع الدولي بقبول التدخل الروسي، واستفراده في حربه على المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، بغطاء أنه يمارس حربه المشروعة ضد الإرهاب (القاعدة)، لكن تبرير ضرب المدن تحت هذه الذرائع، وتجاهل الوسيط الدولي للخروق التي ترتكبها روسيا ذاتها في إحاطته، والالتفات عن الدور السوري للفصائل في التعامل مع ملف "النصرة"، يفيد بأن ثمة اتفاقات غير معلنة بين الضامنين الثلاثة لاجتماعات أستانة، ولعلّ هذه الاتفاقات هي التي أتاحت لموسكو فتح النار من جديد في مناطق خفض التصعيد، والذهاب إلى فرض حلول تتناسب وأطماعها:

أولاً، سواء في بسط سيطرة النظام على كامل المدن والمناطق، خصوصا ذات الطابع الاقتصادي، ومنها ما يدور اليوم من خلاف حول معبر نصيب، في المنطقة الجنوبية درعا، حيث قدرت وارداته في عام 2010 بما يقرب من ملياري دولار، ومحاولة الهيمنة الكاملة عليه، تحت التهديد الروسي ومساندته قوات النظام التي تلوّح بشن هجوم ساحق على فصائل المعارضة، على الرغم من أنها واقعة ضمن مناطق خفض التصعيد. ويأتي ذلك ضمن رؤية روسيا التي تفاوض المعارضة في الأردن، وتعتبر أن كل من وقّع معها اتفاق خفض التصعيد ملزم بالحل الذي تفرضه، لسورية المنزوعة المقاومة والمعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، ما بعد مناطق خفض التصعيد. ومن هنا، يأتي الشك أن ما تردد على لسان المندوب الروسي في "أستانة 6" أن المرحلة اللاحقة ستكون الحرب على من هم ضد الحكومة السورية. وعلى الرغم من نفيه من موسكو، إلا أن ما يحدث في إدلب من قصف على الفصائل نفسها التي حضرت "أستانة" يجعل من ذلك النفي مجرد حالة إعلامية ليس أكثر.

ثانياً، في إعلان صريح أنها اليوم صاحبة اليد العليا في توزيع الغنائم على الجهات المشاركة في الصراع الدولي على سورية، بعد انحسار الدور الأميركي في مهمة قتال "داعش" وحماية ذراعها العسكرية (قوات سورية الديمقراطية) في المنطقة، وهو ما يفسر خلط الأوراق من جديد، وإعادة توزيع خريطة الحضور الإيراني والتركي، بعيداً عن الإرادة الأميركية التي صرحت مرات عن ضرورة إخراج المليشيات الإيرانية من سورية، وعدم السماح لها بالوصول إلى المنافذ الحدودية، سواء مع العراق أو الأردن، في حين أن وصول قوات النظام إلى دير

"يبدو أن دي ميستورا يملك أجهزة رصد تتابع أعمال المعارضة القتالية، فيما لا يمكنه فعل ذلك مع القوة الروسية التي لا تخفي أنها تقصف إدلب" الزور يعني الوجود الإيراني في هذه المناطق التي كان يعتقد أنها خط أحمر، لا يسمح لإيران بالوصول إلى حدوده، في وقتٍ تظهر جلياً آثار الخطوات الإيرانية ما بعد تلك الخطوط في الشمال والجنوب.

يبدد دي ميستورا مخاوف المتشائمين بإعلانه عن موعد الجولة الجديدة من جنيف المقرر بعد نحو شهر. وعلى المعارضة أن تلتزم "رغبة النظام" خلال هذا الوقت، لأنه يريدها أن تجلس مقابلة له وهي موحدة، كما أوضح المبعوث الأممي الذي يأمل فعلياً ذلك، بيد أن دي ميستورا الذي أشار إلى وجود آلاف الأسر السورية التي تعاني من غياب أقاربهم، وعدم معرفة مصائرهم، لم يطلب من النظام المسؤول الأول عن الاعتقالات أن يحضر إلى جنيف. وهو كما تريده المعارضة متخففٌ من ملف المعتقلين، وقد أفرج عنهم، وهو أمر لا يحتاج إلى قراراتٍ مشتركة، بل إلى إرادة النظام في عمليةٍ سياسيةٍ تؤسس لحكم ذي مصداقية وشامل للجميع على الصعيدين، المحلي والمركزي، وهذه إشارة ذكية ومبطنة لدي ميستورا عن أن الحكم الذي يتحدث عنه هو أقرب إلى الفيدرالية منه إلى المركزية.

ربما لم يعد يجدي نفعاً التذكير بأن الذهاب إلى جنيف بات للتوافق على منتجات أستانة والاتفاقات فوق التفاوضية التي جرت في الأردن والقاهرة وجنيف، وهي منتجات جعلت كل الأطراف السورية على قائمة الخاسرين، ووحدها موسكو تنظر بإعجاب إلى نجاحاتها التي ستبارك لها الأطراف السورية عليها في جنيف المقبلة، مروراً كما تظن روسيا بمؤتمر الرياض 2 الذي سيغير المرجعية السياسية، لتكون على مقاس صانع "أستانة"، وهو ما تبشر به تصريحات قيادة المعارضة التي تراجعت عن شرط رحيل الأسد، لتوضح أنها "تتحدث فقط عن ضمانات رحيله فيما بعد، لأن ما تخشاه أن يبقى إلى ما بعد المرحلة الانتقالية، وينتقم من السوريين المخالفين".

========================

مؤتمر الرياض-٢: نحو صراع سلمي .. لؤي حسين

الحياة

الثلاثاء 3/10/2017

لا يزال الكلام عن مؤتمر للمعارضة السورية في إطار الهمس، يدور خلف أبواب مغلقة لم تُفتح بعد. وقد يكون السبب في ذلك أن هذا المؤتمر لا يمتلك حتى الآن سوى عنوان غير مُقرّ بعد هو: «مؤتمر الرياض-٢» (بغضّ النظر عما إذا كان سيعقد في الرياض أم في مدينة أخرى). فلم يتمكن العنوان من القبض على مضمون أو هدف يمكن الجَهر به، فدواعيه حتى اللحظة دواعٍ دولية وليست سورية. وهي تتأتى من رغبة بعض الأطراف الدولية في إعادة نظْم تراتب الدول المعنية وفق وزنها في الموضوع السوري وفق متغيرات حديثة قد لا تكون وقعت ضمن السياقات السورية.

إعادة رسم التراتبية الدولية في الموضوع السوري أمر في غاية الأهمية، إنْ كان على الصعيد الدولي أو على الصعيد المحلي، أي على صعيد حل الأزمة السورية. غير أن تحقيق هذا الرسم ليس بالأمر السهل، كما يظن بعضهم. فتحقيقه سيكون ثوباً فضفاضاً جداً على مؤتمر للمعارضة. فهو يحتاج إلى منصة دولية، كما كانت الحال في اجتماعات فيينا، التي شكلت «المجموعة الدولية لدعم سورية»، والتي أسفر عنها تكليف السعودية بعقد مؤتمر للمعارضة بهدف إصدار بيان يتضمن الموافقة على المفاوضات مع النظام، ويتم فيه اختيار وفد مفاوض.

لكن ربما الآن، ولعدم وجود منصة دولية، إضافة الى الغياب الأميركي عن «الطاولة» السورية، سيكون مؤتمر المعارضة المنصة الوحيدة التي عليها التنطح لإنجاز هذا الاستحقاق الدولي، على أن يكون ذلك في شكل مبطن. وهذا على رغم أن ذلك سيكون محفوفاً بعدد من مهاوي الانزلاق نحو مواقع لا تكون في مصلحة دعاة المؤتمر الدوليين.

وهذا لأن الحضور الدولي في المؤتمر سيكون مستتراً خلف نوعية المجموعات والشخصيات السورية المشاركة. فثقل الدول سيكون بمقدار عديد المشاركين مِن الذين تحت رعايتها وتمويلها. ومع ذلك، فإن الحضور لا يمكن أن يكون «عينك عينك» وفق الحصص الدولية، بل يجب أن تتم الدعوات وفق دواعٍ سورية، ووفق برنامج العمل الذي سيسير المؤتمر وفق بنوده، ووفق المستجدات التي ستقوم عليها رؤية المؤتمر، ووفق المخرَجات التي سيناط بالمؤتمرين إقرارها.

متغيرات أساسية كبرى حصلت في الواقع السوري لا يمكن بأي حال تجاهلها حين الإعداد لهذا المؤتمر. إذ لا يمكن تصور أن يتم عقده وفق آليات انعقاد «مؤتمر الرياض» الماضي. فالظروف الحالية مختلفة جذرياً عن الظروف السابقة. فعلى الصعيد الدولي، كانت الولايات المتحدة، في ذاك الحين، تتربع على رأس طاولة الموضوع السوري على رغم جلوس روسيا إلى جوارها. أما الآن فهي بعيدة كل البعد من موقعها هذا الذي تبوأته روسيا من دون شريك أو منازع. وبابتعاد واشنطن أنجرت خلفها «تابعاتها» من عواصم أوروبا الغربية. أما إقليمياً فازدادت حدة الخلافات (إن جاز لنا الاكتفاء بتسميتها خلافات) بين غالبية الدول المحيطة بسورية.

لكن الأهم هو المتغيرات التي حصلت داخل الحدود السورية، ميدانياً أو حتى دولياً. هذه المتغيرات التي تجعل المشهد السوري مختلفاً كلياً عما كان عليه زمن انعقاد «مؤتمر الرياض» السابق. إذ يبدو الآن أن الصورة لا تمت بصلة إلى ما كانت عليه في ذاك الحين. فحينذاك كان المشهد مقسوماً بين النظام وبين ما كان يسمى «الثورة». وميدانياً لم يكن للنظام ولا لحلفائه الغلبة على مساحات شاسعة من البلاد. أما الآن فالصورة على النقيض تماماً من ذلك.

النقطة الفصل بين زمني المؤتمرين، السابق والقادم، هي معركة حلب. تضاف إليها سيطرة قوات النظام، مدعومة من روسيا وإيران و «حزب الله»، على الغالبية العظمى من ريف دمشق وضواحيها، وكذلك على مساحات شاسعة من أرياف البلاد، ما يجعل النظام في مأمن شبه تام من خطر السقوط.

نقطة أخرى فاصلة أيضاً هي التوافقات الدولية على جعل مواجهة «داعش» والقضاء عليه أولوية تفوق جميع الأولويات الأخرى. أي أولوية نحّت مواجهة النظام ورئيسه لمصلحة مواجهة «داعش» التي تتطلب في الكثير من المواضع السورية أن تضع الدول كتفها بكتف قوات النظام لمقاتلة «داعش».

هذه المتغيرات ستفرض نفسها بقوة على مؤتمر المعارضة القادم منذ مرحلة الإعداد له وصولاً إلى مخرجاته. فالانقلاب الميداني العسكري الذي حصل في البلاد منذ انتهاء معركة حلب ألغى من معادلة الصراع في سورية أموراً عدة رئيسية. فمحلياً: ألغى فكرة تنحية بشار الأسد إلا بعملية انتخابية. وبالتالي ألغى أي دور فاعل لمن بقي من المجموعات المسلحة، التي هي في أغلبها الغالب مجموعات جهادية. ودولياً: ألغى أي فكرة بإضعاف روسيا على الساحة الدولية من خلال مواجهتها على الأراضي السورية. وألغى أية فكرة لإخراج إيران من الساحة السورية. بل بات دور الدولتين، روسيا وإيران، مكرساً في شكل شرعي على الأرض السورية.

بناء على هذا، سيكون من السذاجة التفكير في أنه من الممكن عقد مؤتمر للمعارضة يكون قادراً على نيل شرعية دولية إذا سار وفق «مؤتمر الرياض» الماضي. فقد سيطر على أجواء ذاك المؤتمر الخطاب «الثوري-الجهادي» نتيجة الظروف الدولية والميدانية آنذاك، ونتيجة الحضور الكبير للجهاديين، أو الناطقين بأيديولوجيتهم، ومواليهم من كارهي الأسد، وممالئيهم اللاهثين خلف أي «قرص» في أي «عرس» وسماسرة المال السياسي والمال التمويلي للمجموعات المسلحة، الذي شكل الغالبية الساحقة من المشاركين. وقد حضر الجهاديون يومذاك بالأصالة عن أنفسهم، كأحرار الشام وجيش الإسلام و «الإخوان المسلمين» وغيرهم، وبعضهم، بل بعض الشخصيات «الديموقراطية» الذين يعتبرون، كما «قوى الثورة والمعارضة»، أن النصرة هي واحدة من أهم قوى الثورة الرئيسية، حضروا بالوكالة عن النصرة. بل حتى «داعش» كان يوجد الكثير من المشاركين ممن يجد أن محاربته كفر.

القوى الجهادية والعنفية باتت بضاعة حقبة أفلَتْ ولم يبق منها سوى ذكراها. فقد تمت الإطاحة بها بهزيمتها في معركة حلب وما تلاها من هزائم على طول البلاد وعرضها. إضافة لاستنكاف الدول عن تقديم الدعم المالي واللوجيستي والمعنوي لها. فضلاً عن اتفاقيات خفض التوتر التي أخرجت المجموعات المسلحة كلياً من العملية السياسية مقابل الحفاظ على حياة عناصرها.

كل هذا يؤدي إلى أنه لم يعد من الممكن اعتبار قوى الإسلام السياسي، ابتداء من «الإخوان المسلمين» وليس انتهاء بالنصرة، صالحة بأي شكل من الأشكال لأن تكون شريكاً أساسياً، ولا حتى ثانوياً، على طاولة المعارضة السورية. فجميعها تقبل العنف الجهادي. هذا الجهاد الذي يشكل الحجر الأساس في الذهنية الإرهابية. لقد انتهت المرحلة العنفية التي أعطت لهذه القوى موقع الصدارة في «الدار» السياسية. وقد تبيّن الآن، بصريح القول والرؤية، أن السلاح والعنف ليسا من الأدوات الصالحة البتة في الدفاع عن حقوق السوريين ولا في إقرار حرية أفرادهم وبالتأكيد ليسا من أدوات بناء نظام ديموقراطي.

إن كان لمؤتمر المعارضة القادم أن يُعقد فلا بد له أن يتخطى الأهداف والشعارات الديماغوجية، كاعتماد القوة في إسقاط النظام وتنحية رئيسه، ويستبدلها بشعارات مثل «إزالة النظام الاستبدادي بطريقة آمنة وسلمية» ومواجهة كل القوى الطغيانية كـ «داعش» والنصرة وغيرهما. ويقصي عن حلّته الجديدة القوى والبرامج والأدوات التي اعتمدت سابقاً الطروحات العنفية. فقد باتت هذه الأطراف الآن خالية الوفاض بعد أن خسرت «سلتها» الجهادية التي وضعت فيها كل «بيضها» حين اختارت السلاح والعنف سبيلاً وحيداً لمواجهة النظام، وخوّنت كل من قال باعتماد الوسائل والأدوات السلمية. لقد خسرت مكانتها السياسية التي كسبتها سابقاً بتبنيها عنف المجموعات «الجهادية» المسلحة واعتباره عملاً ثورياً، خسرتها بعد هزيمة «جهادييها» وبعد تكريس هزيمتهم في اتفاقات خفض التوتر «الآستانية».

بتكثيف شديد: انتهى الصراع المسلح، الأسد باق لأن الإطاحة به غير ممكنة إلا بالوسائل الديموقراطية، ممنوع إسقاط النظام بقوة السلاح. إذاً، السبيل المتاح الآن هو الصراع السلمي. وهذا لا يُختصَر إطلاقاً بمباحثات جنيف، فهذا المسار أصبح مادة إعلامية فقط.

هذا الصراع السلمي يحتاج من مؤتمر المعارضة القادم أن يكون مؤتمره هو: أن يضع له رؤية واضحة لكيفية التعامل مع الاستحقاقات والتحديات المصيرية التي تواجه السوريين، ومن بينها، وفي مقدمها، إزالة النظام الاستبدادي، ومكافحة الإرهاب عبر اجتثاث الذهنية الجهادية نهائياً من الذهنية الإسلامية السورية، وأن يحدد أدوات تحقيق هذه الرؤية، وأن يوصّف طبيعة القوى القادرة على حمل هذه المهمة على أنها القوى العلمانية الحداثية الديموقراطية السلمية، التي لا يشوبها أي فكر قومجي أو ديني أو طائفي أو عنفي. وأن تكون مخرجاته، أي شروط التسوية مع النظام هي إقرار الحريات العامة والفردية، وحماية هذه الحريات بسلطة قضائية مستقلة بدلاً من الاشتراط الساذج لرحيل الأسد.

ختاماً، الأمل أن يكون مؤتمر المعارضة القادم مؤتمراً سورياً باعتراف دولي، قدر الإمكان، لا أن يكون مؤتمراً دولياً بحشو سوري. وأن يراعي حال الخلافات الإقليمية، كي لا يتسبب في انقسام الصف المعارض، «المهلهل» أصلاً، إلى خندقين متحاربين من حيث الشرعية الدولية التي يكسبها كل منهما. ولا أن يكون مؤتمراً هزيلاً، سخيفاً، تكون الغاية منه مجرد استبدال «الهيئة العليا للمفاوضات» أو توسعتها التي لن تنجيها من فشلها الذي كان متوقعاً لها منذ تشكيلها.

========================

أستانة 6: توزيع مناطق النفوذ وتجميد أحادي ومتاهة ملف اللاجئين

ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 2/10/2017

ما يزيد عن أربعمئة قتيل سقطوا نتيجة القصف الهمجي الذي نفذته الطائرات الروسية على مناطق سورية متعددة، معظمها إن لم نقل جميعها تقع ضمن مناطق خفض التصعيد «المزعومة» التي استنبتتها موسكو وشركاؤها في الأستانة .

لا نذكر هذه الأرقام بدافع الإستغراب أو الاستنكار رغم أن الموضوع أكبر من الإدانة والاستنكار لكن نطرحه لندلل على أن هذا الاستهداف والتصعيد في القتل والتهجير واستهداف المشافي وتجمعات النازحين،هي المخرجات الحقيقية لحوار أستانة 6.

بعيداً عما اتفقت عليه موسكو وحلفاؤها رسميا في الأستانة، دعونا نعود إلى النقاط الأهم التي جاءت على لسان مندوب موسكو» ألكسندر لافرنتييف» في تصريحات صحافية، في ختام محادثات الأستانة، أن عملية «الفصل «بين المعارضة السورية البناءة والإرهابيين لم « تكتمل» بعد، داعياً المعارضة إلى التحلي بمواقف بناءة والتخلي عن طرح مطالب مستحيلة التنفيذ، ومنها فكرة إنشاء «جيش وطني»، باعتبار أن الهدف منه يكمن في مواصلة الجهود لإسقاط تنظيم الأسد. وفي تصريحات أخرى لمسؤولين روس قالوا فيها أن الخطوة التالية ستكون محاربة كل الفصائل التي تدعو لإسقاط تنظيم الأسد.

من هنا علينا أن نفهم وندرك سبب التصعيد الروسي الأخير وحجم التوحش الذي حملته الطائرات الروسية الاستراتيجية.

 

«مخرجات الأستانة الحقيقية»

 

كما توقعنا، استمرت روسيا في دعم تكتيكها ضمن استراتيجة أكبر، تقسيم الثورة السورية إلى ثلاثة أقسام معارضة سياسية تعيش في المنفى عملت على تهميشها، فصائل مسلحة مدجنة تقبل بما يحيكه النساج ال إيران ي وتبتلع ما يقدمه الطباخ الروسي، ومعارضة متطرفة يجب القضاء عليها. وأوجدت شرخاً كبيراً بين هذه الفئات الثلاث حتى يسهل عليها القيادة والسيطرة.

لو تدبرنا بعناية ما تمخض عنه أستانة»6»من نتائج سنختصرها بـ : التجميد لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد، مقابل عدم حرق وتدمير مناطق تخفيف التصعيد. ستة أشهرهي الفرصة التي منحتها موسكو لنفسها للقضاء على الثورة السورية وفي حال الفشل تمدد لنفسها.

لاحظوا أن موسكو لم تطرح التجميد الثنائي كما فعلت الصين بموضوع كوريا الشمالية وتبنتـه لاحقاً موسكو، الأمر الذي رفضته مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن واعتبرته بالسخيف، وقال عنه دولاند ترامب إنه من غير المعقول يطلب منا أن نجمد أنشطتنا في الوقت الذي يطور فيه العدو «كوريا الشمالية» المزيد من الأسلحة. بيت القصيد الذي ترفض الفصائل المشاركة في الأستانة أن تفهمه.

التجميد مقابل التجميد الذي طرحته موسكو بخصوص كوريا الشمالية ورفضته واشنطن، عادت لطرحه على الفصائل السورية المشاركة في الأستانة ولكن الطرح الروسي «التجميد» ليس مقابل التجميد بل من أجل أن لا تقتلوا جميعكم ومن ثم قتلتهم كما هو حاصل، ولم تفرض الأمر ذاته على ميليشيا تنظيم الأسد والعصابات متعددة الجنسيات الداعمة له، ولا يطبق الأمر ذاته» التجميد»على المنظمات الإرهابية الكردية الذراع العسكري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي المتطرف.

 

اتفاق تخفيف التصعيد

 

فرض على الفصائل الثورية تجميد نقاط قتالها مع تنظيم الأسد ومع الميليشيات الانفصالية الكردية. وسمح هذا التجميد» تخفيض التوتر» لميليشيا الأسد أن تنقل قواتها من الجبهات المجمدة إلى جبهات جديدة في ظل الاستنزاف الكبير الذي تعاني منه تلك الميليشيا من اتساع مساحة الجبهات ونقص عدد مقاتليها وطول طرق الامداد وعدم تأمينها،الأمرالذي سهل وساهم بسيطرة تنظيم دمشق على مزيد من الأراضي الخارجة عن سيطرته.

الأمر الثاني الذي علينا ان ندركه دون لبس أن إيران حصلت على مباركة دولية واعتراف رسمي بوجودها في سوريا باعتبارها طرفاً ضامناً ومراقباً لمناطق «التجميد» تخفيف التوتر، ولزيادة في الشعر بيت ربما تنشر قواتها للفصل بين القوات، وللمراقبة.

«أستانة 6» تعد «المسمار الأخير الذي دق في نعش الفصائل الثورية المعارضة بعد أن استطاعت موسكو تقسيمها إلى سياسية وعسكرية، والعسكرية قسمتها ايضاً إلى اقسام . معتدلة، أقل اعتدالاً ،متشددة، إرهابية.

الجولة السادسة لأستانة، كان هدفها الرئيسي توزيع الكعكة السورية ووضع خرائط مناطق نفوذ الأطراف الدولية والإقليمية أمريكا «الميليشيات الكردية» وروسيا، في المقام الأول، و إيران « حزب الله» وتركيا.

هذا ليس استنتاجاً بل حقيقة تعززها التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة السورية، مثل الحديث حول صفقة بين إيران وتركيا لتبادل الاعتراف بنفوذ كل منهما، إيران ، جنوب دمشق، مقابل مناطق نفوذ تركية في محافظة إدلب، الأمر الذي اكدته نتائج استانا ستة. فضلا عن التصريحات الروسية المتباهية بسيطرة الأسد على أغلب المناطق السورية.

أستانة، تجاهل ملف المعتقلين وادخاله في متاهة لا متناهية من تشكيل لجان تبحث عن سبل الإفراج عنهم بعد أن يتم التأكد من أو ضاعهم وإيجاد الآليات المناسبة والقنوات المتخصصة لمناقشة أنجع السبل الكفيلة بالوصل لمعرفة هل هم معتقلون أم مختطفون أم مفقودون أم أنهم «دواعش» أو من أصحاب الفكر المتطرف، والمباحثات في هذا المقام ستستمر دون كلل أوملل.

 

أمريكا ضمنت مصالحها

 

واشنطن عملت في الفترة الأخيرة على ضمان مصالحها في سوريا خاصة في الشمال والبادية السورية، بإنشاء المطارات والقواعد، وتدعيم الوجود الكردي عسكريا، ما سمح لهم بالتقدم ضد تنظيم الدولة في الرقة ودير الزور.

بالعودة إلى إيران ، منذ أعلنت واشنطن موافقتها على اتفاق «خفض التوتر»، جنوب غرب سوريا بالتوافق مع الروس، فإنها عمليا قد وافقت وشرعت الوجود ال إيران ي على بعد 40 كم من الحدود الفلسطينية والأردنية، الأمر الذي لم يرق لنتنياهو.

 

مزيد من إضعاف المعارضة

 

نعتقد أن الهدف الأخير لجولة محادثات الأستانة حول وضع خرائط مناطق تخفيف التوتر، والحديث حول محاولة التوصل لرقابة مشتركة بين الدول الضامنة الثلاث في إدلب، يأتي لتعزيز إضعاف وضع المعارضة السورية خاصة العسكرية، بفصلها عن المعارضة السياسية وبفرض التجميد الأحادي عليها.

وهذا ما يمكن قرأته في طلب الأردن من الجيش الحر تسليم معبر نصيب لتنظيم الأسد، وهو ايضاً احد مفرزات مناطق تخفيض التصعيد.

 

أستانة 6، تكريس بقاء الأسد

 

نتوقع أن تكون الخطوة التالية بعد تقسيم الغنيمة السورية في «أستانة 6»هي الذهاب لعقد جولة جديدة من مباحثات جنيف. وسيتم الإعداد لتلك الجولة من خلال مؤتمر ثان للمعارضة في الرياض.

في حال فشل مؤتمر الرياض في تشكيل وفد واحد للمعارضة يمثلها في جنيف، فإن القوى الدولية ستستبعد الفصائل المعارضة التي تعترض على مخرجات الأستانة والتوافق الروسي الدولي على مخرجات الحل النهائي في سوريا بالقراءة الروسية.

قبل السؤال عن توقعاتنا لجولة جنيف المقبلة، المتوقع أن تكون تكريسا لبقاء الأسد، وتقنين تقسيم النفوذ بين القوى الدولية. الفئات السورية التي ستعترض على المخطط الروسي ستجد نفسها خارج اللعبة الدولية على سوريا، أو سيكون مصيرها يشابه مصير فصيلي «أحمد العبدو» و»أسود الشرقية»، أو مصير فصيل «حركة شباب السنة» التابعة لفصائل الجبهة الجنوبية العاملة جنوب سوريا، الذي اتهمته المتحدثة باسم الخارجية الروسية، «ماريا زاخاروفا» أن فصيل «شباب السنة» التابع للجيش السوري الحر، يملك عدة صواريخ تحمل رؤوساً مزودة بمواد سامة .

إعلان ترامب وقف المساعدات العسكرية للجيش الحر، والضغوطات الأردنية على الفصائل المسلحة في البادية بالانسحاب إلى الأردن وتسليم معبر نصيب لتنظيم الأسد كل هذه المؤشرات تصب في بركة واحدة تعزيز بقاء الأسد، بالتعبير الروسي الانتقال لمحرحلة القضاء على الفصائل التي تنادي باسقاطه.

 

كاتب وباحث سوري

========================

من نتائج الاستفتاء الكردي .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 1/10/2017

تدخل المنطقة في طور جديد من صراعاتها، يقول متخوفون من نتائجه إنه سيضيف إلى صراعاتها المذهبية روافد إثنية وقومية وعرقية، ستنقل أزمتها المستفحلة إلى مرحلة تفوق، في ضراوتها وتعقيداتها، كل ما عاشته إلى اليوم. إذا صح هذا، وجدنا أنفسنا أمام حقبة من التصعيد، ستقذف الكرد إلى حمأة صراع محلي/إقليمي/ دولي، ستنخرط فيه شعوب منطقة الشرق الأوسط ومكوناتها، من عرب وكرد وترك وفرس، ستكون نتائجه ضروريةً لإخضاعها لحال دولية مأزومة، ومفعمة بالتوتر والخطر، ستترك آثارها عليها، وتنتج نمطا مختلفا عن العلاقات، التي ورثتها من تاريخ إقامها الإسلام خلاله على الإخاء والسلام. وتمزقها اليوم مذاهبها إلى حدٍّ تصير معه خطرا على أمن وسلام عالم حالت مشكلاته دون إيقاف المجزرة الأسدية ضد شعب سورية، وعطلت النظام الدولي قبل أن يسير نحو الانهيار، مع بروز نمط من القيادات، كالرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، يعتمد القوة بدل القانون والقيم الناظمة للعلاقات الدولية أداة لتحقيق مصالحه، أعاد العالم إلى العصر الاستعماري من بوابة الاحتلال الصهيوني فلسطين والجولان، والإيراني والروسي سورية، والصراع الشيعي المنظم، والموجه إيرانيا، ضد بقية المسلمين، بما يحدثه من فوضى تشحن المجتمع الدولي بصراعاتٍ فالتةٍ من عقالها، تطيح المعايير والقيم التي بلورها العالم، لتنظيم علاقاته بعد عام 1945.

ثمّة تسوية تاريخية جديدة تنتظر منطقتنا، ستعيد توزيع جغرافيتها ودولها على مكوناتٍ تضمها اليوم شعوبها، ربما تكون قد بدأت مع انسلاخ الكرد عن بلدانهم الراهنة عبر فعل رمزي، هو الاستفتاء الانفصالي لكرد العراق، الذي يكاد يكون مؤكدا أن خطوة انفصالية مماثلة ستعقبة لدى كرد سورية، بعد أن يستكملوا انسلاخهم عن شعبها، ووضع أيديهم على مساحةٍ تضمن معاشهم من أرضها، ومغادرة مناطق انتشارهم إلى ما يسمونها "كردستان الغربية"، والتي إن امتدت إلى ساحل المتوسط عبر إدلب وريف اللاذقية وصلت دولة الكرد بالعالم. بعد الاستفتاء، سيتحول ما كان يسمى "الإقليم" إلى مركز قيادي لكرد إيران وتركيا أيضا، من أسباب نجاحه جر البلدين إلى حال تتيح لكردهما الانفكاك عنهما، من الضروري أن تكون صراعاتها أشد ضراوة واتساعا من الصراع الدائر منذ أعوام في سورية والعراق، لما لها من دور في بروز العامل الكردي عاملا مستقلا عنهما، ورسم حدودهم بالدم الذي طالب به الزعيم الكردي، مسعود البارزاني، ذات يوم، وحان وقته.

بالسيطرة على الظاهرة الإرهابية، وبروز المسألة الكردية من خلال الاستفتاء في العراق،

"ثمّة تسوية تاريخية جديدة تنتظر منطقتنا، ستعيد توزيع جغرافيتها ودولها" وتحول الكرد إلى قطب مواز للنظام في سورية، يحتل تدريجيا محل الثورة في المعادلة الداخلية، ويحتل مساحة شاسعة من سورية، تنتج معظم محاصيلها الزراعية ونفطها، وتضم مدنا تاريخية وكبيرة، كالرقة ودير الزور والميادين والبوكمال والحسكة والقامشلي وتل أبيض، ستعود إلى الصراعات هويتها الأصيلة، كصراعات تدور بين شعوب المنطقة التاريخية، ولا بد أن تقتصر عليها، بذلك كله ستحتل الورقة الكردية أهمية متعاظمة من الآن فصاعدا فيها، من أجل دفع الطرفين، التركي والإيراني، إلى انخراط متعاظم فيها. ولا يعني هذا أن الصراع سيدور حول الكرد وحدهم، وإن كانوا الطرف الأكثر استعدادا لأن يزج بهم اليوم فيه.

بعد استفتاء الإقليم وانفصال كرده عن العراق، وانضمام كرد سورية المحتمل إلى الدولة الجديدة، ستتقارب تركيا وإيران من بعضهما، وستتحالفان ضد التحدي الكردي داخلهما، وسينشب صراع حاسم بين نهجي البارزاني وحزب العمال الكردستاني، وستشهد علاقات القوى الكردية ظهور مركزين، برؤيتين سياسيتين مختلفتين، سيكون لنهج الدولة أرجحية متزايدة فيها، لكونها ستتولى إدارتهم من موقعها المركزي، ولأن زعيمها البارزاني هو الذي سيكون مسؤولا عن رسم حدود كردستان بالدم، ولن يسمح ببقاء خصوم "العمال الكردستاني" الكرد، وخصوصا في سورية، مجرد جمعيات سياسية لا حول لها ولا طول، تتفرج غاضبة على "وحدات حماية الشعب"، وهي تفرض سيطرتها على ما تسميها "كردستان الغربية"، تلك القطعة من سورية التي يريد "المجلس الوطني الكردي" و"العمال الكردستاني" انتزاعها من وطنها وأهلها. أي أثر سيكون للتحالف الإيراني/ التركي على الدولة الكردية، ولانتقال مركز ثقل القضية الكردية إليها على سياسات الدول الإقليمية، خصوصا وأن قيام كردستان الكبرى يتوقف على سلخ أجزاء منها، وانضمام كردها إلى بؤرتها البارزانية، تحقيقا للمشروع الكردي الزاحف الذي يكيّف أهدافه المرحلية حسب موازين القوى القائمة، فيطالب بالمواطنة المتساوية، حيث لم تنضج بعد شروط فيدرالية تحمل جميع سمات الانفصال. ماذا ستفعل خصوصا تركيا التي كانت لها علاقات ممتازة ومصالح واسعة مع أربيل، وتناقضات عدائية مع حزب العمال الكردستاني، وتجد نفسها اليوم أمام انقلابٍ في مواقف الطرف الصديق، يحمل من المخاطر على دولتها ومجتمعها أضعاف ما يحمله نهج هذا الحزب الذي يرجح أن ينتقل من المطالبة بالإصلاح إلى المطالبة بالانفصال.

ماذا ستفعل أنقرة بعد اليوم بكردها؟ هل ستكتفي بما مارسته من إصلاح كان موضوعه أوضاعهم وعلاقاتها معهم، أم أنها ستبلور سياساتٍ حيالهم، تجعلهم محور أمنها الداخلي وتنميتها، تنطلق من أولويات ذات اعتبارات مغايرة للتي اعتمدتها إلى اليوم، هدفها، بين أشياء أخرى، إقامة شراكة من نمط تفاعلي يمنح الكرد صلاحياتٍ تعزّز ممارستها بنية الدولة، تعيد النظر في توزيع الدخل الوطني وتنميته، وأنماط تقسيمات تركيا الجغرافية وإدارتها، تعوضهم عن الانفصال بدور متزايد في إدارة بلادهم وتقرير شؤونها؟ ألا تتطلب سلامة الدولة التركية العمل بأقصى طاقة لكسب التحدي، ومنه فصل الإقليم عن كرد سورية الذين يلعبون، بدعم أميركي وانخراط كرد أتراك وإيرانيين في الحرب، دورا أكبر بكثير من قدراتهم، أضعف الثورة وعزّز نظام الأسد، الذي يبرّرون بظلمه تطلعاتهم الانفصالية.

سيضيف هذا التحدي الذي ستواجهه تركيا في السنوات المقبلة، إلى متاعبها، تعقيدات إرهابية ومذهبية وقومية ودولية، سيحمل كل واحد منها مخاطر جدية، لا بد أن تضطرها إلى تطوير

"من دون شراكة تركية/ سورية ستواجه الثورة وتركيا تحدياتٍ لم يسبق لهما أن واجهتا ما هو أخطر منه" مواقفها لصد مخاطر تتفاقم وتتوضع أكثر فأكثر داخلها، لن تنجح بعد اليوم في دحرها، من دون تعاون جدي مع السوريين، ومساعدتهم على وقف الحرب ضدهم، بعد تحول "درع الفرات" من حزام أمني إلى مشروع فخ، وتعاظم تنازلاتها الروسية، وفشل سعيها إلى استعادة علاقاتها الجيدة مع أميركا، والمصاعب التي تواجهها قيادتها التركية، ولا يحار مراقبها في إدارة هذه التناقضات، بينما تزداد ضغوط هذه الأطراف عليها، وترى في إيران طرفا يدرك أن تعرّضها لاضطرابات داخلية، يؤذن بوقوع ما يماثلها فيها، بحيث يمكن القول إن أمن تركيا وإيران يتقارب، في كل ما يتعلق بالتحدي الكردي الذي سيتعاظم باضطراد بالنسبة للدولتين، إذا لم ينجحا في احتوائه.

أصر البارزاني على الاستفتاء، ليلاقي تطورات القضية الكردية عامة، وفي سورية خصوصا، وكي يكون هناك دولة/ مركز تتولي إدارتها. سيؤثر هذا التحول في موقف أربيل بصورة ما على دور تركيا في إدلب، ومن الواضح أنه أربك هذا الموقف، بعد أن جعل التحدي الكردي مسألة أمن قومي تركية، وصار صعبا على أنقرة حمل بطيختين كبيرتين بيد واحدة، العراقية منهما ثقيلة جدا ولها منطويات خطيرة متنوعة. وإذا ما تقلص دور تركيا في إدلب، وتاليا سورية، وقع تغيير مفصلي في كل ما يتعلق بموقفي النظام والثورة، سيزيده خطورةً تصدّي روسيا، بمفردها أو بالتعاون مع آخرين، للمهمة التي سيلحق إنجازها عن غير طريق أنقرة ضررا فادحا بتركيا، هو الضربة الخطيرة الثانية، بعد ضربة أربيل.

ماذا سيترتب على انحسار الدور التركي في إدلب، وتاليا سورية، وتقدم الدور الروسي، وخروج منطقة هي أكبر المناطق المحرّرة من أيدي المعارضة؟ ما تفعله روسيا هو تقويض متعمد لدور تركيا السوري، وانقلاب يبدل علاقات أطراف الصراع المحلية والإقليمية والدولية. هل ستقبل تركيا هذه النتائج، وستتمكن من إعادة النظر في حساباتها وأوضاعها، والتعاون مع روسيا التي تضعها أمام واقع يضطرها لقبول دورٍ يختلف عما تم التفاهم عليه في أستانة، علما أن تأخر دخولها إلى إدلب يفتح ثغرة في خاصرتها ستأتيها منها العواصف، وقد تضطرها لقبول ما رفضته إلى اليوم: اقتصار وجودها في سورية على منطقة درع الفرات. ويبقى سؤالان: أي بديل ستبلور تركيا بالتعاون مع إيران والعراق حيال خيار البارزاني، وهل سيسهم في حفظ دورها في سورية الذي يرتبط مصير الثورة اليوم أكثر من أي وقت مضى بوجودها في إدلب وعفرين.

من دون شراكة تركية/ سورية ستواجه الثورة وتركيا تحدياتٍ لم يسبق لهما أن واجهتا ما هو أخطر منه.

========================

الصراع على إيران في واشنطن .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 1/10/2017

منذ عام 2013، وقبل البدء الرسمي للمعركة الأميركية على الرئاسة، كان القلق يتصاعد في الولايات المتحدة وإسرائيل، من نهج الرئيس أوباما في التفاوُض مع إيران لمنعها من إنتاج السلاح النووي. كان اليمين الأميركي وإسرائيل قلقين من قبول إدارة أوباما بالحدّ الأدنى فيما يتصل بمضامين الاتفاق، وبالتعويضات عنه، وبمدته. أما العرب الخليجيون فكانوا قلقين من سياسات أوباما في إعطاء الأولوية المطلقة للاتفاق ذاته، دونما اهتمام بلواحقه ومصاحباته وتداعياته. ومن ذلك المضايقات في مضيق هرمز، وإنتاج الصواريخ البالستية، والتدخلات الإيرانية في الدول العربية في العراق وسوريا واليمن ومحيطها من البحر الأحمر وإلى باب المندب وبحر عُمان وسواحل المحيط الهندي الأُخرى.

إنّ هذه المشكلات جميعاً تعود للبروز على السطح بعدما أعلن الرئيس ترامب عن سياسات إدارته لإعادة النظر في الاتفاق النووي ذاته، ومصاحباته المتصلة برفع العقوبات، كما في الإجراءات العسكرية الإيرانية في البحار، وإنتاج الصواريخ البالستية، والتدخلات الإقليمية لضرب الاستقرار والاستيلاء على الدول وشرذمتها. والذي جرى حتى الآن زيادة العقوبات على إيران وعلى تنظيماتها المسلَّحة مثل «حزب الله». ويناقش الكونغرس المزيد من الإجراءات فيما يتصل بالعقوبات المضاعفة.

الجنرالات الأميركيون، والدول الأوروبية الداخلة في اتفاق 5الاحد 1/10/20171، لا يريدون تعديل الاتفاق أو إلغائه. ودافعهم لذلك أن إيران ما أخلّت حتى الآن ببنود الاتفاق وأن مراقبة أنشطتها جارية من جانب الوكالة الدولية للطاقة، وإذا حدث أي خلل من جانب إيران، في نظر الوكالة، فعندها يمكن جمع اللجنة (ومن أعضائها روسيا والصين)، والنظر في المضي بالاتفاق من عدمه. ولهم في ذلك عدة اعتبارات، أولاها أن التخلي الأميركي عن الاتفاق يبعث على الشك في التزام واشنطن بالاتفاقات الدولية، كما حصل عندما تخلى ترامب عن اتفاق المناخ. والتخلي المنفرد عن الاتفاق لن تكون له تأثيرات كبرى سلبية على إيران إذ يمكن التأمُّل في عقد اتفاق أفضل معها. وسيصبح هذا الموضوع مجالاً لإدخال روسيا على الخط، واعتبار هذا الملف أحد ملفات التحالف بين روسيا وإيران. وبخاصة أن هناك بالفعل نوعاً من التعاون المتزايد بين الدول الثلاث: روسيا وإيران وتركيا في سوريا وفي الملف الكردي. ولن يستطيع الأوروبيون الكبار (إنجلترا وألمانيا وفرنسا) دعم أميركا على هذا الصعيد، لأنهم لا يملكون المسوِّغ لذلك إلا إذا كانت هناك ملاحظات من وكالة الطاقة. ثم إنهم لا يريدون زيادة التعقيدات مع روسيا. ولا إضعاف إمكانيات التعاون المشترك بين الدول الكبرى في الملف النووي لكوريا الشمالية.

وهكذا يرى بعض الجنرالات الأميركيين النافذين في الجيش وفي الإدارة أن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة تقتضي المضي في الاتفاق، والالتفات إلى التداعيات: التحديات الإيرانية في البحار، والتدخلات الإيرانية في الدول العربية، وإنتاج إيران للصواريخ البالستية التي تهدد الأمن الإقليمي.

حتى الآن ما فعلت الولايات المتحدة غير التهديد بالعقوبات وإقرار بعضها. وقد تكون هناك إجراءات عسكرية بحرية لمنع التدخلات الإيرانية لمساعدة الحوثيين في البحر الأحمر وعلى شواطئ الخليج، ومنع تهديد الملاحة الدولية. وتحدتْ الولايات المتحدة إيران في جنوب سوريا إنما بالتعاون مع روسيا والأردن وإسرائيل في دير الزور لجهة شرق الفرات. وقد أثّر ذلك على روسيا وعلى النظام، وأظهرا غضبهما. لكنّ إيران ربحت ولم تخسر هناك. فمليشياتها تقاتل في دير الزور، وقد تدخلت ضامناً لاتفاق خفض التصعيد إلى جانب روسيا وتركيا في إدلب التي تستمر عليها الغارات الروسية رغم الاتفاق. والواضح أن الروس والنظام يحتاجان إلى قوات على الأرض في الشمال والشرق، لذلك أدخلوا الميليشيات الإيرانية معهم، وبخاصة أن منطقة دير الزور قريبة من الحدود العراقية، وتلك الحدود قراها على الجانبين عربية سنية، وبعضها لا يزال «داعش» يسيطر عليه. وتريد إيران والنظام السوري الالتقاء بالجيش العراقي و«الحشد الشعبي» عند الحدود للاستيلاء والتهجير كالعادة!

إلى ماذا يؤول هذا التجاذُب بين الولايات المتحدة وإيران؟ وما هي المديات التي يبلغها؟ ولم يؤثر ذلك على العلاقات الأميركية الروسية بالإيجاب أو بالسلْب؟ ستوضح ذلك كلَّه الأسابيع والشهور القادمة. ويا للعرب!

========================

عن تناول المعارضة السورية القضية الكردية .. ماجد كيالي

الحياة

الاحد 1/10/2017

تثير الانتخابات التي أجريت في مناطق سيطرة «قوات سورية الديموقراطية»، التي يقودها حزب الاتحاد الديموقراطي (الكردي)، أخيراً، والتي يستهدف من خلالها تشكيل «المؤتمر الديموقراطي الشعبي» لفيديرالية شمالي سورية (بداية العام القادم)، ثلاث قضايا: الأولى، تفيد بوجود مسألة كردية في سورية. والثانية، تفيد بوجود مسألة كردية في إطار المعارضة. والثالثة تفيد بضرورة التوافق على شكل سورية المستقبل، لا سيما مضمون نظامها السياسي.

المسألة الأولى معروفة، باعتبارها نتاجاً للسياسات التي انتهجها نظام الاستبداد، الذي يحكم سورية منذ قرابة نصف قرن، كسلطة طاغية، همّشت الدولة، باعتبارها دولة مؤسسات وقانون، ومحت المواطنة، بإنكارها حقوق كل السوريين، انطلاقاً من شعار: «سورية الأسد إلى الأبد»، واعتبارها البلد مزرعة أو ملكية خاصة لتلك العائلة. لذا، فما ينطبق على السوريين هنا ينطبق على كل مكونات الشعب، ويأتي ضمن ذلك التنكّر للأكراد كمواطنين وكجماعة قومية، وطمس هويتهم، وإنكار حقوقهم الفردية والجمعيّة.

أما المسألة الثانية، فتفيد بوجود «مسألة كردية» في المعارضة، أيضاً، تبعاً لمسائل عدة، أولاها، افتقاد معظم كيانات المعارضة، السياسية والعسكرية، لا سيما كيانها الرسمي (الائتلاف)، لتصورات مناسبة أو لمقاربة سياسية في شأن كيفية حل المسألة القومية في سورية، ضمن قصور رؤاها في شأن سورية المستقبل. وثانيتها، التعامل مع المسألة الكردية بطريقة جزئية أو إنكارية، إن باعتبار الأمر يتعلق بحقوق المواطنين فقط، مغطية ذلك بطرحها فكرة دولة مواطنين مدنية وديموقراطية، علماً أن حتى هذه الفكرة ما زالت مشوّشة، بل وموضع تساؤل لدى بعض أوساط المعارضة، بحكم ضعف إدراكات هذه الأوساط لمعنى ومكانة المواطنة في فكرها السياسي، في ما يتعلق بالكرد فقط وحتى في ما يتعلق بالمواطنين العرب السوريين ذاتهم. أو بنفي وجود مسألة كردية، مع حظر طرح هكذا قضية، إن باعتبار الكرد، كجماعة، ليس لهم حق في سورية، كأنهم هبطوا بالبراشوت وكأن لا تاريخ ولا ثقافة لهم في المنطقة، أو تحّسباً لما يعتقد أنه محاولة لتقسيم سورية، في رؤية ساذجة، تنطوي على إعلاء شأن تقسيم الأرض والاستهانة بتقسيم المجتمع، أي من دون إدراك أن لا وحدة لأرض أو لنظام سياسي من دون وحدة المجتمع، الذي يتكوّن من مواطنين أفراد، على تنوعهم وتعدديتهم، الإثنية والدينية والثقافية واللغوية.

وينطوي ضمن ذلك، أيضاً، الحديث عن حقوق تاريخية ووافدين في قرون ماضية، كأن القوميات أو الأوطان هي تنزيل سماوي، من الأبد إلى الأبد، وليست معطى تاريخياً حديثاً، وهنا يبدو مناهضو سايكس - بيكو بوصفهم أكثر المؤمنين بهذه الاتفاقية، التي رسمت حدود معظم بلدان المشرق العربي مطلع القرن الماضي. وثالثتها، تتأتى من ضعف تمثيل الأكراد في كيانات المعارضة الرسمية، إذ إن كيانهم الأكبر، والأكثر نفوذاً (حزب الاتحاد الوطني)، الذي أضحى يسيطر على حوالى 20 في المئة من سورية، مع قوات كبيرة، ما زال خارج حسابات المعارضة، التي تعتبره خصماً وربما حليفاً للنظام، في نظرة قاصرة، ناجمة عن ضعف حساسية بعض أوساطها لمكونات الشعب السوري، وحاجاتها، وأولوياتها. ورابعتها، تنبع من التعامل مع المسألة الكردية وفقاً لحسابات إقليمية خارجية، وليس باعتبارها مسألة وطنية سورية، وتخصّ التحول الوطني والديموقراطي في سورية. وخامستها، تلاحظ من تعامل معظم أوساط المعارضة وفقاً لمعايير مزدوجة، إذ يتم السكوت عن الرايات الخاصة لمعظم الفصائل العسكرية الإسلامية، وممارساتها الهيمنية على السوريين في المناطق التي تسيطر عليها، وضمن ذلك فرض تصوراتها الأيديولوجية المتطرفة عن الإسلام بالعسف والإكراه، في حين يتم توجيه اللوم والإدانة لمواقف وممارسات «قسد» وحزب الاتحاد الوطني، الذي يقودها.

ومعلوم أن هذا السكوت يشمل حتى «جبهة النصرة»، التي ظلت بعض أوساط المعارضة تجاملها، مع أنها لا تحسب نفسها على المعارضة، وعلى رغم أنها ركّزت على تصفية الجيش الحر، وتطفيش النشطاء السياسيين، ومعاداة مقاصد الثورة الأساسية (الحرية والمواطنة والديموقراطية)، ما أضر بالثورة وبالشعب وبالتيارات الإسلامية المدنية والمعتدلة، مقدمة خدمة للنظام، الذي ظل يروج لاعتبار أن الأمر يتعلق بالصراع ضد الإرهاب والجماعات الدينية المتطرفة.

أخيراً، المسألة الثالثة، المتمثلة في افتقاد معظم أوساط المعارضة لرؤية جمعية بخصوص سورية المستقبل، ومضمون نظامها السياسي، فهذه ظهرت بعد إزاحة المقاصد الأساسية للثورة (التي ذكرناها)، وتصدر الجماعات المسلحة المتغطّية بالإسلام، مع خطاباتها السياسية المتطرفة والمتعصبة. وقد نجم عن ذلك أن هذه الأوساط نظرت بطريقة عدائية لنشوء الإدارات الذاتية في المناطق التي سيطرت عليها «قوات حماية الشعب» الكردية، وفيما بعد قوات سورية الديموقراطية، مع أنها سكتت عن تدهور الأحوال في «المناطق المحررة» الأخرى، كما تعاطت مع بعض أطروحات حزب الاتحاد الوطني باعتبارها تصدر عن جهة عدوة، ومؤامرة تستهدف تقسيم سورية.

فمع كل ملاحظاتنا، وإدانتنا، للممارسات التعسفية التي انتهجتها القوات التابعة لهذا الحزب ضد الأكراد والعرب، في المناطق الخاضعة لها، وتحفظاتنا على السياسات الإقصائية والهيمنية التي انتهجها الحزب المذكور، وتعامله كجزء من المسألة الكردية في تركيا، وكامتداد لحزب العمال الديموقراطي، فإن كل ذلك لا يمنع المعارضة من بناء سياسات تأخذ في اعتبارها المسألة الكردية في سورية، وتوق الكرد للخلاص من الاستبداد، ومن عمليات المحو القومي، والتعبير عن ذاتهم كشعب، وكجزء من أمة أكبر. كما أن ذلك لا يمنع من البناء على بعض المواقف والممارسات التي ينادي بها هذا الحزب، الذي يدعو لبناء دولة واحدة ديموقراطية وفيديرالية. وفي الواقع، فإن النظرة القاصرة والساذجة لطرح الفيديرالية، القائمة على أساس جغرافي (ليس إثنياً أو طائفياً)، واعتبارها دلالة على التقسيم، أو مؤامرة خارجية، تتناسى أن أهم دول العالم فيديرالية، وأن الحكم المركزي صنو الاستبداد، أو يفضي إليه، وأن وحدة المجتمع، المؤلف من مواطنين مختلفين، هو الذي يعزز وحدة الأرض والدولة، وليس العكس.

المعنى أن قصور رؤية المعارضة للمسألة الكردية ناجم عن قصور رؤيتها لسورية المستقبل ولشكل نظامها السياسي، وبالعكس، لذا لابد من استعادة مقاصد الثورة الأساسية، وهذا لا يتأتّى إلا برؤية وطنية جمعية تتأسس على دولة مواطنين أحرار ومتساوين ودولة ذات نظام فيديرالي وديموقراطي.

========================

أفكار تراود لاجئاً ينوي العودة إلى الوطن .. أكرم البني

الحياة

الاحد 1/10/2017

على رغم أنني لم أهتم طيلة حياتي بالسياسة ولم أتعاطف مع أية جماعة معارضة، لا أعرف لم اعتبرت نفسي أحد المعنيين بعبارة «لا عودة لهم الى الوطن» التي صارت تتكرر على لسان غير مسؤول سوري في نشوة «انتصاراته»، متوعداً ومقرراً مصير ملايين اللاجئين الهاربين من جحيم الفتك والخراب، مثلما قرر بعنفه وتنكيله مصيرهم كمشردين في بقاع الأرض. ربما يكون السبب شعوري بأني مدان سلطوياً على مغادرة البلاد قبل أن يكتمل حصار مدينتي وتتلقى نصيبها من القصف والتدمير، وربما لأن ذاكرتي استحضرت من الماضي قصصاً وحكايات عن قهر وإذلال طاول أناساً عاديين لمجرد أنهم امتعضوا أو لم يظهروا تأييداً صريحاً لسياسات النظام وممارساته، فكيف الحال وقد وصل الاستقطاب بعد سنوات من صراع دام وحاقد إلى الحد الأقصى؟ ما يعني أن «حفلات السؤال والجواب» لدى الفروع الأمنية ستكون مفتوحة على أسوأ الاحتمالات، ما أن تطأ قدماي أرض الوطن.

حنيني إلى الوطن لا يزال يصطدم بالسؤال المحذر لجارتنا الوفية حين استشعرت رغبة زوجتي في العودة: إلى أين تعودين، هل مسك الجنون؟! قبل أن تبدي أسفها لإخبارنا بأنهم استولوا على بيتنا، وأن أحد ضباط الحاجز القريب حضر مع عناصره ليلاً واقتحم المنزل، وأنه زجرهم عندما سألوه عن السبب، قبل أن يجيب بحدة، أنه إجراء موقت، واعداً بما يشبه التهديد بتسوية الأمر مع صاحب البيت متى يعود... والأنكى حين أضافت أن هذا التصرف لا يتعلق بمنزلنا فقط بل بغالبية المنازل التي هجرها أصحابها أو نزحوا عنها لحماية أنفسهم من طيش المعارك المحتدمة، وأنه ليس ثمة ما يضمن، بمجرد عودتهم، استرداد بيوتهم، ومثالها جارنا الطبيب الذي عاد وطالب بمنزله، ولجأ الى ما تيسر له من المؤسسات والمراجع، ولكنه لم يصل إلى نتيجة سوى تهديد صريح من الساكن الجديد بأنه لن يفقد بيته فقط إن استمر في مطالبته وإنما حياته وحياة أولاده أيضاً، مجبراً إياه، كي يشرع مصادرة البيت، على توقيع عقد إيجار لعشر سنوات لقاء مبلغ زهيد.

والحال، لا يخفى على أحد أن الاستيلاء على كل ما يقع تحت اليد من بيوت وممتلكات بات عرفاً سائداً عند أصحاب «الانتصار الكبير» بينما ينتظر الويل والثبور وعظائم الأمور كل من يحاول استرداد حقه ويتجرأ على المطالبة بأملاكه، وخاصة في المناطق التي شهدت حصارات طويلة، والأخطر حين تكون ثمة نيات مبيتة لجماعات مذهبية معينة للاستيلاء على أحياء وبلدات تهمها دينياً وأمنياً، لنشهد مخططاً بات يعرف بالتغيير الديموغرافي يجري على قدم وساق، لخلق تجانس سكاني من النمط المذهبي ذاته يعتمد عليه لتعزيز السيطرة.

وما شغل تفكيري أكثر تلك الأخبار التي وصلت عن أحوال أبناء الأقليات التي هادنت أو ساندت سياسات السلطة خوفاً من سيطرة الإسلاميين المتشددين على مقاليد الحكم، وفحواها أن النظام وأعوانه لا يضيعون فرصة «لتمنينها» عن دورهم في حمايتها وتخليصها من براثن التطرف الجهادي، وتالياً لامتصاص عافيتها ولابتزازها بأموالها وممتلكاتها وكرامتها.

وزاد الطين بلة الجدل الصاخب حول إقرار المناهج التعليمية الجديدة، وتلك المطالبات التي تصر على شطب أسماء كل المبدعين السوريين المهاجرين أو المعارضين منها، من رواة وشعراء ومسرحيين وفنانين، بما في ذلك منع إدراج أية معلومة من إبداعاتهم، وحتى تخوين كل مدرس يقوم بذلك، ما أثار السؤال عن حقيقة التحصيل العلمي والمعرفي الذي ينتظر أطفالي حين تُحشى أدمغتهم بمنظومة فكرية متجانسة يسعى النظام الى تكريسها، وحين يحرمون من الاطلاع على إنتاج شخصيات إبداعية أنجبها وطنهم وتغّيبت، ليس لشيء، سوى لأن حسها الإنساني المرهف حضها على إعلان موقف رافض للعنف والتدمير ويدعو لاحترام حيوات البشر وحقوقهم.

ومن الأفكار التي تراودني يبقى الهاجس الأكبر هو مستقبل البلاد التي سأعود إليها، فإذا كان حافز الثورة هو تردي الوضعين الاقتصادي والمعيشي، فالوضع اليوم أكثر سوءاً وتردياً بكثير، وإن كان رداً على واقع قائم على القهر والقمع والتميز والفساد، فإن الراهن بعد مقتل مئات آلاف البشر واعتقال وتغييب مثلهم وتشريد ملايين السوريين، هو أكثر حدة، بل ازداد سفوراً مع توهم النظام بأنه قد انتصر، ومع بنية سلطوية لن تستطيع أن تحكم بعد ما ارتكبته إلا بتشديد القهر والإرهاب وهدر حقوق البشر، ما يعني أن الأسباب التي أدّت إلى اندلاع الثورة لا تزال قائمة إن لم نقل إنّها تفاقمت أكثر، وأن فترة الهدوء الراهنة لن تدوم بل يرجح أن تشهد البلاد، في وقت ليس بعيد، صوراً من الرفض والتمرد أكثر وضوحاً وجدوى.

قبضة أمنية أكثر شراسةً وقسوة... تعزيز السيطرة المتخلفة الطائفية والمذهبية على مفاصل الدولة والحياة... استمرار تدهور الأوضاع الخدمية والصحية وغلاء فاحش يترك غالبية الناس في حالة عوز شديد أو شبه جياع...، هي عناوين ما ينتظر بلاداً غارقة في أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة وتتنازعها قوى خارجية عديدة يزيد صراعها على النفوذ من تهتك البنية الوطنية، ما يكرس الانقسامات المجتمعية والمذهبية ويسعر اندفاع الشباب المتضرر والناقم نحو العصبية والتطرف.

وإذ تطمئنني، بعد سنوات الفتك والتنكيل، حقيقة أن سورية لن تعود إلى ما كانت عليه قبل آذار (مارس) 2011، وأن منطق التسلط والقهر بات مرذولاً عند غالبية السوريين، وأن إيمانهم بحقوقهم بات أوضح، فما يقلقني أن النظام الذي يتوهم الانتصار صار أبعد من الحلول السياسية وأشد تمسكاً بخيار العنف والغلبة، وأن ثمة مرحلة سوداء ستشهدها البلاد يحاول فيها أصحاب ذاك الانتصار المزعوم تأديب الشعب السوري الذي تجرأ وثار، كما استباحة كل شيء لتكريس سلطتهم وامتيازاتهم.

========================

هل تقسيم بلاد الربيع العربي هو الحل؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 30/9/2017

بلادنا تحصد الآن ما زرعه نظام الطوائف والمذاهب والأقليات والعصابات والعشائر والقبائل والأحزاب العنصرية والميليشياوية من قنابل موقوتة بدأت تنفجر الآن على شكل انفصال وتقسيم وتشرذم وتشظ وصراعات أهلية. الكل يريد أن يستقل وينفصل الأنظمة الحاكمة. لكن هذا ليس حلاً، فلا يمكن لبلادنا المنكوبة أن تنهض ثانية إلا بأنظمة حكم حديثة، وبعقلية الدولة حصراً. ولا ننسى أن أهم اختراع إنساني على مدى القرون الماضية هو «الدولة»، فهو أفضل اختراع لإدارة شؤون البشر، وخاصة المختلفين طائفياً وعرقياً ومذهبياً وعنصرياً وقبائلياً.

البعض يرى أن الحل في سوريا والعراق وليبيا واليمن والصومال وغيره يكمن في تقسيم البلاد، أو الطلاق بين مكوناتها الطائفية والمذهبية والقومية. وهذا ليس حلاً، بل إمعان في التشظي والتشرذم والتقوقع، بل يخدم استراتيجية من حكمنا بعقلية العصابات. فالكيانات الحديثة ليست كيانات قزمية ضيقة، بل تكتلات ضخمة. فلا محل من الإعراب للكيانات الصغيرة في عالم العملاقة والاتحادات الكبرى. حتى الدول الحقيقية لم تعد قادرة على الصمود في هذا العالم العملاقي، فكيف بدول الطوائف والقبائل والعشائر والعصابات. لاحظوا أنه حتى الدول الغربية الحقيقية انضوت تحت لواء الاتحاد الأوروبي، مع العلم أنها تمتلك كل مقومات الدول الحقيقية، مع ذلك آثرت التكتل تحت لواء تجمعات أضخم وأكبر. فكيف إذاً يطالب البعض في بلادنا المتشظية بتشكيل دول قزمية على أسس طائفية ومذهبية وقومية ضيقة، أو على أساس استئصال الطرف المعارض طائفة كانت أو قبيلة أو مذهباً دينياً؟

الحل في كل البلدان المنكوبة بالصراعات الداخلية لا يكمن في استئصال طرف لآخر، ولا في الطلاق بين الطوائف والمذاهب والأعراق، بل في تحقيق المواطنة الحقيقية، بحيث يصبح الجميع مواطنين متساوين، وليس طائفيين أو مذهبيين أو عشائريين أو قبليين أو عنصريين متناحرين. فإذا تحققت المواطنة لن يعود أحد يتمترس وراء طائفته أو مذهبه أو عرقه، بل تذوب الفروق المذهبية والعشائرية والقبلية والطائفية والمناطقية في مبدأ المواطنة. وهذه عملية قد تبدو صعبة وغير سريعة، لكن إذا توفر العزم والإرادة لدى النخب الحاكمة ستتحقق المواطنة بسرعة بعد الثورات. لكن طالما الأنظمة تتصرف بالبلاد كمزارع خاصة، وتفضل عشيرتها أو طائفتها أو قبيلتها أو جماعتها على بقية الطوائف والمذاهب والجماعات، فاعلم أن الشعب سيتصرف بنفس الطريقة. سيتقوقع على نفسه، وسيتمترس وراء انتماءاته الضيقة تماماً كما يفعل الحاكم الطائفي أو القبلي أو العشائري أو العنصري أو الأمني. بعبارة أخرى، فإن سبب المصيبة في بلادنا هم الحكام، لأنهم القدوة. فعندما يتصرف الحاكم على أساس وطني عام، سيحذو الجميع حذوه. وعندما يهتم بطائفته ويعطيها أعلى المناصب، ويرمي بالفتات لبقية الشعب، فيصبح الجميع يعمل بمبدأ: «كل مين إيدو إلو». إذاً المشكلة في النظام.

أمريكا مثلاً عبارة عن شركة مساهمة وليست أمة، لأنها مزيج غريب عجيب من الملل والنحل والطوائف والأعراق والقوميات والأعراق المختلفة، لكن لا أحد يتمترس وراء عرقه أو طائفته في أمريكا، لأن انتماءه الضيق ذاب في المواطنة. فالجميع ينظر إلى نفسه في أمريكا والغرب المتطور كمواطن، وليس كمسيحي بروتستانتي أو كاثوليكي أو انجليكاني أو كمسلم أو يهودي أو بوذي أو شيعي أو سني أو درزي. لماذا؟ لأنه يحصل على حقوقه كباقي مكونات المجتمع.

إن أول شيء يجب فعله في بلادنا المنقسمة على نفسها البدء فوراً في تحقيق مبدأ المواطنة. نعلم أن ذلك ضرب من الأحلام في الوقت الحالي. لكن صدقوني، فقد مرت الأمم المتقدمة بمرحلة التناحر الداخلي قبلنا، وخسرت الملايين من شعوبها جراء التطاحن والاقتتال والحروب الأهلية، لكنها عادت، وبنت دولة المواطنة لتصبح في المقدمة سياسياً وصناعياً وثقافياً واجتماعياً. عندما يصبح لدينا حكام وطنيون يفكرون بالوطن، لا بالطائفة أو العصابة أو الجهاز الأمني، عندئذ ستختفي صراعاتنا وثوراتنا. لاحظوا أن البلدان التي بنت دولة المواطنة لم تشهد ثورات ولا صراعات داخلية منذ زمن بعيد. وقد زاد تماسكها الداخلي بعد الحرب العالمية الثانية.

لا مكان لدولة العصابة أو الطائفة أو القبيلة أو القوم أو الدين أو العراق أو الجيش أو الأمن بعد اليوم. وكل من يحاول إعادة تأهيلها فهو يؤسس لحروب وصراعات أهلية جديدة تمتد لعشرات السنين. لا تعيدوا تأهيل حكم العصابات نرجوكم.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

========================

سوريا الموحدة.. أرضاً وشعباً .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

السبت 30/9/2017

ازدادت المضاربات على سوريا الوطن وعلى أهلها، فيتدخل الأغراب وغيرهم في تحديد هذا الوطن راهناً ومستقبلاً وفي تحديد مصائره التاريخية. إنه «القصعة»، التي يتقاتل عليها الروس والإيرانيون والأميركيون والأكراد وغيرهم ممن يحسبون الشعوب والأوطان سلعاً في أسواق النخاسة. لقد عشتم تجارب مريرة في تاريخكم القريب والبعيد جدير بكم ألا تنسوها وألا تتعاملوا معها بمثابة مسائل ذهبت مع الريح. لا تنسوا أنكم دفعتم الغالي والنفيس في سبيل طرد الفرنسيين المستعمرين من بلادكم!

وبالأساس، ليس من طبائع الشعوب أن ترمي تاريخها إلى وراء ظهورها، وحين يبدو أن الأمر حدث، أي حصل في أوقات سابقة قريبة وما يزال يحدث، حيث تقوم قوى عسكرية أجنبية بإدخال مجموعات بشرية غريبة إلى مناطق ومدن سورية بهدف توطينها -دونما حق- في حاراتها وبيوتها، بعد تهجير سكانها الأصليين إلى ما لا يرغبون فيه من «أوطان مزعومة». إن ذلك يمثل خرقاً للمنظومات الأخلاقية والإنسانية والقانونية، التي ترى في الأوطان مآلات للبشر وعناوين كرامة وأوطاناً وحضارة لهم. ومن هنا جاء تصنيف الشعوب مطابقاً لتلك العناوين وغيرها من التعبيرات، التي استخدمها البشر ليعبروا بها عن كرامتهم وقيمهم التي حققوها على مدى مراحلهم التاريخية المديدة.

وتعاظم الأمر إلى مدى أصبح الوطن هوية البشر وعنوان نموهم وحضارتهم ومنبع ذكرياتهم وآمالهم وآلامهم. ولذلك، اعتبرت عمليات التهجير القسري من الأوطان عملية إجرامية حسب كثير من الشرائع والقواعد القانونية الدولية والمحلية.

أما الشيء الملفت لاهتمام كل سوري، فهو أن تاريخ بلاده القريب، سوريا، وصل إلى ما وصل إليه من استقلال وطني عام 1945، حين أرغمت فرنسا الاستعمارية على الخروج من سوريا، فكانت بدايتها إذن حين استقلت، وأصبح قرارها السياسي والعسكري والاقتصادي الاجتماعي... إلخ، بأيدي أبنائها ورهن جهود شعبها. وجدير بالذكر أن زعماء سوريين في طليعة من وقف في وجه فرنسا ويداً بيد مع شعبهم السوري. وقد انتموا إلى طوائف متعددة ضمن الشعب السوري.

أما على الصعيد الشعبي العام، فحدث ولا حرج. لقد كان ثمة حدث لن أنساه طوال العمر، ذلك أن والدي الراحل كان يعمل في القضاء السوري- الحمصي، حين سمعت من أصدقاء لي في المدرسة، أن أب أحدهم توفي، وعلم أهله بعد ذلك أن هنالك وصيّاً قد وُظّف عليهم -وهم الصغار مع أب قد مات وأم عاجزة عن الإعالة. وفي البيت بعد عودتي إليه، علمتُ أن «الوصي» هو والدي! أما المسألة التي شغلتني في ذلك العمر المدرسي، فهي السؤال التالي: كيف يكون مسلم وصياً على عائلة مسيحية؟

إن محاولة زعزعة البنية الديموغرافية السورية لن تثمر، ولكنها يمكن أن تكلف الشعب السوري مزيداً من المرارة وتدمير بنية سوريا. ومن طرائف الموقف أن ثمة نشيداً معروفاً في سوريا ومنتشراً بكثافة، هو بعنوان: سوريا يا حبيبتي، أعدت لي كرامتي!

إن ما كنّا نراه مناسباً في الاعتبارين الوطني والعقلاني، إنما هو هو المحافظة على كرامة السوريين واحترامها، والبدء بحل سياسي عقلاني وطني. أما غير ذلك، فيمكن أن يكون ثمنه غالياً جداً، ومكلفاً بما لا يمكن حسبانه، في حالة كثر فيها أولئك الذين يطالبون بـ «أدوارهم وحصصهم» في اللعبة الخطيرة، فهذه إن قيدت أكثر فأكثر وحتى النهايات، التي يخطط لها في رؤوس أولئك، فسيتعين على سوريا الحبيبة أن تدفع أثمانها المفتوحة. ولنجعل ذلك مناسبة للاستجابة لضرورات إصلاح وطني يحقق العدالة والديموقراطية وكل ما يحافظ على الحبيبة سوريا بأيدي أهلها.

-----------------

* أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق

========================

ضعنا وضاعت هويتنا السورية .. هنادي الخطيب

الحياة

السبت 30/9/2017

لا تكفي اليوم صفة «سوري» للتعريف بأي شخص يحمل جواز السفر الأزرق الصادر عن النظام السوري والمعترف به عالمياً. حتى سنتين توجب إلحاق كلمة سوري بـ «عربي، كردي، علوي، سني، درزي، إسماعيلي، آشوري، مسيحي»، ولكن اليوم حتى اللاحقة التي تدل على الدين والطائفة لم تعد كافية، ما يعني أن الهوية السورية بدأت بالضياع بين متناقضات عاشها الشعب وسيعيشها إن لم يحدد معنى الهوية السورية.

أنا سوري معارض، أنا سوري مؤيد، أنا سوري إسلامي، أنا سوري أقلوي، أنا سوري محايد، أنا سوري مغترب، أنا سوري الداخل، وأنا سوري لا أقبل بأي سوري آخر، ربما يكون هذا التوصيف الأخير هو الأدق هذه الأيام.

قبل أيام قتلت الدكتورة عروبة بركات وابنتها حلا بركات في جريمة قتل بشعة في منزلهما بإسطنبول، فماذا كان رد الفعل السوري؟

المواقع والصفحات المؤيدة للنظام غابت تماماً عن الحادثة، لم تنقل الخبر ولم تحاول نعي القتيلتين، وإحداهما لا يتجاوز عمرها الـ22 سنة، ربما لم يعتبر أي مؤيد لنظام الأسد أنه معني بجريمة قتل لسوريتين في إسطنبول في ظروف غامضة، خصوصاً أنهما معارضتان. وبالطبع لا يشعر السوري المعارض بأي عتب، فالحادثة لو كانت معكوسة لتكرر المشهد في الاتجاه الآخر.

المشكلة الحقيقية جاءت على الضفة الثانية، الضفة المعارضة، إذ على رغم أن نعي عروبة وحلا جاء كثيفاً وغزيراً ويحمل ما يحمل من الحزن والصدمة، فإنه تحول تدريجياً إلى «شو» إعلامي فايسبوكي، فنسي الجميع جوهر الحزن: مقتل امرأتين بطريقة أقل ما يقال فيها إنها صادمة، وانشغلوا بكتابة الشهادة تلو الشهادة، خصوصاً منهم حاملي صفة «صحافي»، ودخل الجميع في سباق محموم لإثبات العلاقة الوطيدة مع عروبة أو ابنتها، وإلى كتابة شهادات منقولة عن لسانهما، لا يعلم سوى الله مدى صحتها.

وكما اعتاد أقطاب ونشطاء معظمهم من المعارضة، خصوصاً التي تتخذ من إسطنبول مركزاً لها، بدأ رمي سهام الاتهامات على النظام، لمجرد أن أخت عروبة وخالة حلا، كتبت اتهاماً مباشراً للنظام، ولم ينتبه المتهِمون (وربما لم يريدوا أن ينتبهوا) إلى أن الأخت قد تكون في حالة نفسية شديدة الحزن. وتبنت المواقع الإخبارية الاتهام، وتم تثبيته في كل خبر نُشر.

دعونا نتذكر مشكلة السوريين الحقيقية مع نظام الأسد منذ 50 عاماً، والتي يمكن تلخيصها باتهامه إسرائيل بكل الجرائم في العالم، ولا نحتاج لكثير من المنطق لنعرف أن معظم تلك الجرائم من صنع النظام نفسه. لكن النظام الديكتاتوري يدرك تماماً أن أنجع وسائل التخلص من الخصوم والأعداء، هي في استغلال كون العدو شريراً، فيمكن تلبيسه أي جريمة، يريد دفعها عن نفسه. فهل هذا ما نمارسه اليوم، بإلصاق كل التهم به قبل أن يجف الدم، وقبل أن يتم التحقيق؟

النظام عدو السوريين الأول، ولا خلاف على ذلك، وهو أيضاً المسؤول الأول عن كل قطرة دم سورية تُراق، حتى لو كان القاتل صاروخاً روسياً أو أميركياً، وحتى لو رمى القنبلة عنصر من داعش أو حزب الله أو النصرة. لكن الأكيد أيضاً أن أعداء السوريين والمستهترين بحياتهم باتوا كثيرين، الأمر الذي يجب أن ندركه ونتعامل على أساسه. فتحميل المسؤولية الكبرى للنظام الأسدي لا يعني إغماض العيون عن جرائم وتجاوزات ترتكب بحقنا من قبل آخرين.

عروبة وحلا بركات قتلتا في إسطنبول، والسرد أعلاه لا يعني أن ما حدث بعد وفاتهما من أخطاء واستهتار منا كسوريين حيال بعضنا، حدث مصادفة، أو نتيجة هفوات. فهو يكاد يصبح سمة عامة نستخدمها لكثرة ما مات منا، ولاكتشافنا أن ظهورنا الإعلامي والفايسبوكي والتلفزيوني سيعود علينا بالفائدة ولو بعد حين.

رحم الله عروبة وحلا، مع غيابهما وقتلهما الذي جاء بعد عدة حوادث اغتيال وقتل لصحافيين سوريين بقينا بعدها في مكاننا نراقب مصوري السيلفي وراشقي الاتهامات الطائفية، ومؤرشفي الشهادات التي ربما لم تكن لتُكتب لولا غياب أشخاصها.

إن أضعف الوفاء لعروبة وحلا، هو انتظار نتائج التحقيقات التركية، لكي نعلي الصوت في وجه من قتلهما، بريئتين مطرودتين من بيتهما وبلدهما مثل ملايين السوريين.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com