العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-08-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ما بين الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 5/8/2021

كم يشعر المواطن العربي اليوم بالألم وهو يشاهد تونس وقد بدأت بحث خطاها نحو مباركة انقلاب الرئيس سعيد على البرلمان والدستور والعملية الديمقراطية برمتها، بالنسبة للعرب بدت تونس التجربة الديمقراطية الوحيدة التي أفلتت من مصير الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية، لكن الحلف العربي المناهض لثورات الربيع العربي أبى إلا أن يضمها إلى سلسلة الإخفاقات المتتابعة.

وهكذا يبدو مصير الربيع العربي متراوحا بين الحروب الأهلية أو الانقلابات العسكرية، وأن خيار التحول الديمقراطي لا يبدو أنه قادر على الصمود في منطقة عربية تعصف بها الانقلابات وتزدهر فيها المخابرات العسكرية والأمنية وغيرها.

فشلت معظم دول الربيع كمصر وسوريا وليبيا واليمن في إنجاز عملية التحول السياسي باتجاه بناء نظام ديمقراطي وليبرالي

فاليمن انضمت إلى ليبيا وسوريا بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في عام 2015 وبذلك تكون دول الربيع قد انتهت إلى حروب أهلية مستعرة لا تعرف لها نهاية وتجلب معها دمارا اقتصاديا وتنمويا كاملاً، ثم مصر حيث انقلب السيسي على الرئيس المنتخب ديمقراطيا ليصبح رئيسا مدى الحياة تماما كما كان قبله حسني مبارك.

بعد أكثر من عشر سنوات من بداية شرارة الربيع العربي فشلت معظم دول الربيع كمصر وسوريا وليبيا واليمن في إنجاز عملية التحول السياسي باتجاه بناء نظام ديمقراطي وليبرالي يحقق تطلعات الشباب الذي كان في طليعة المظاهرات المليونية الحاشدة التي ملأت شوارع العواصم العربية، لماذا فشل التحول الديمقراطي في هذه الدول رغم نجاح عملية التحول في مناطق أخرى من العالم كدول أوروبا الشرقية في التسعينيات من القرن الماضي، وأميركا اللاتينية في الثمانينات من القرن الماضي.

لماذا فشلت دول الربيع في التحول من أنظمة عسكرية أو تسلطية إلى أنظمة ديمقراطية وبدلا من ذلك تكاد الدول جميعها تسقط إن لم تكن قد سقطت بالفعل في براثن حرب أهلية من الصعب التكهن بنهايتها أو مخرجاتها التي ستؤول إليها، هل ستعيد هذه الدول إلى أفخاخ حكم عسكري كما في مصر، أو ستتحول هذه الدول اليمن وسوريا وليبيا إلى دول فاشلة تعمها الفوضى وغياب كامل لمؤسسات الدولة.

في الحقيقة هناك عدة أسباب تفسر هذا الفشل وتدل عليه، وهذه الأسباب لا تنبع أبدا من خصوصية المنطقة العربية وعدم تشابهها مع مناطق أخرى من العالم وإنما تنبع تماماً من مقومات الدولة العربية الحديثة التي حكمت في تلك البلدان.

كان ستيفن ليفتسكي قد ميز في كتابه الشهير "التسلطية التنافسية" بين أنواع مختلفة من الأنظمة التسلطية التي تحكم حول العالم، فهناك أنظمة تسلطية لكنها تتيح حدا أدنى من التنافسية في الانتخابات ووسائل الإعلام والتعددية الحزبية، ربما يتم تزوير نتائج الانتخابات، أو يتعرض المعارضون السياسيون لاعتقال دائم ومستمر، لكن هناك درجة من الليبرالية في التعامل مع المعارضة وفي إدارة المشهد السياسي، وهناك أنظمة تسلطية أطلق عليها لقب "مهيمنة" أي أن نتائج الانتخابات إن كان فيها انتخابات تكون معروفة مسبقا، ولا وجود للتعددية الحزبية أو الإعلامية فيها، في النموذج الأول من الأنظمة التسلطية التنافسية تكون احتمالية التحول باتجاه نظام ديمقراطي أعلى بكثير، في حين تكون احتمالية تحول هذا النوع من الأنظمة التسلطية المهيمنة إلى نظام ديمقراطي ضعيف للغاية، حتى ولو حدث التحول فإنه قد يقود إلى نموذج من اللااستقرار في النظام السياسي أو العودة باتجاه الحكم العسكري.

ربما تصح نظرية ليفتسكي هنا على الربيع العربي، فشكل الأنظمة التسلطية التي حكمت في كل من سوريا وليبيا تعد النموذج الأكثر انغلاقا وشمولية في المنطقة العربية وربما العالم باستثناء كوريا الشمالية، أما اليمن ومصر فشكل النظام التسلطي في عهدي صالح ومبارك كان تسلطيا وتنافسيا بكل تأكيد مقارنة مع سوريا وليبيا، لكنه في الوقت نفسه أخذ سمات عائلية وكان خيار التوريث واردا لولا اندلاع الثورة، كما أنه امتد لعقود طويلة وبالتالي كان متجها باتجاه تحلل مؤسسات الدولة وأخذها طابعا زبائنيا وعائليا وهو بالتالي يفتح الباب باتجاه إضعاف المؤسسات وتقوية الشبكات ذات المصالح الخاصة داخل الدولة وخارجها التي تجعل من وظيفتها استمرار النظام الحاكم بأي شكل من الأشكال ولو على حساب المصالح الوطنية العليا التي غالبا ما تختفي، أو بالأصح تصبح محل وجهات نظر متباينة حولها، وتسود وجهة نظر العائلة الحاكمة في تحديدها لمعنى المصالح القومية العليا.

العامل الأخير الذي لعب دورا في فشل عملية التحول في دول الربيع العربي هو الافتقاد إلى مؤسسات إقليمية تقود أو على الأقل ترعى عملية التحول

وهكذا اصطدمت الثورات العربية بشكل قوي بهياكل مستبدة تعود إلى الأنظمة السابقة مع عدم رغبتها في التحول نحو دمقرطة المؤسسات وإدارة عملية التحول بذاتها كما جرى في مناطق أخرى من العالم كأوروبا الشرقية، بالعكس لعبت هذه الهياكل دورا تدميريا ليس في عرقلة عملية التحول فحسب وإنما في تدميرها عبر المساعدة في خلق منظمات عسكرية غير حكومية كما حدث مع داعش في سوريا والعراق، وحزب الله في سوريا ولبنان والعراق، والحوثيين في اليمن، كل هذه الهياكل العسكرية تم تشكيلها بشكل مباشر أو غير مباشر على يد هياكل الأنظمة السياسية السابقة بهدف عرقلة عملية التحول والانتقال، ولذلك انتقلت كل هذه البلدان إلى مرحلة من الفوضى العسكرية وليس السياسية فحسب وهذا ما يفتح الباب واسعا لدخول هذه البلدان إلى الحرب الأهلية لتفتيت بناها الاجتماعية الضعيفة أصلا والمكونة من انتماءات قبلية وطائفية ما قبل دولتية.

العامل الأخير الذي لعب دورا في فشل عملية التحول في دول الربيع العربي هو الافتقاد إلى مؤسسات إقليمية تقود أو على الأقل ترعى عملية التحول كما جرى مع الاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية، فجامعة الدول العربية مؤسسة تقليدية لا تحكمها مؤسسات ديمقراطية أو قانونية وهي أصلا ليست معنية بدفع هذه الأمور فضلا عن فرضها كوقائع سياسية على الأرض وبالتالي تركت كل بلد من بلدان الربيع العربي يأخذ مسارا خاصا وربما كانت تونس استثناء له مقوماته الخاصة التي ربما نتحدث عنها فيما بعد، بينما تبقى دول الربيع العربي الأخرى كسوريا وليبيا واليمن ومصر كي تمر عملية التحول عبر التجريب بالنسبة لنخبها السياسية المعارضة وتكون أكثر صعوبة في تردد المجتمع الدولي في دعم عملية التحول السياسي حتى سمح لعملية التحول هذه أن تنزلق إلى صراع مسلح وربما حرب أهلية، وللأسف تبدو الحقيقة المرة اليوم أن الحرب الأهلية هي الخلف الطبيعي لطبيعة الأنظمة التسلطية التي حكمت بلداننا العربية لعقود طويلة من الزمن.

=========================

وجهة نظر : يصادف غدا 9/ 8 .. اليوم العالمي للسكان الأصليين !! فمن هم السكان الأصليون في وطننا سورية .. وفي الشام الكبير ؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

8/ 8/ 2021

وفي الديموغرافيا السورية القائمة، اندمجت الأعراق والثقافات والعقائد، فكان هذا السواد العام العربي في ثقافته، المسلم في عقيدته، اندمج كل ذلك اندماجا تم بغير إكراه، ولا إلجاء ، وإنما جاء متجاوبا مع حركة التاريخ في لولبيتها الصاعدة في النمو والارتقاء ..

وإن المؤامرة الدولية المتواطئة التي تحاول اليوم بكل السبل الإكراهية والعنفية، مستعينة بآلة الحرب الروسية والأمريكية والأذرع الإيرانية والانعزالية والأسدية لتطهير سورية من سكانها " الأصليين " الحقيقيين، كل هذا يشكل خرقا عمليا لإعلانات الأمم المتحدة، ولثقافات التواد والتعايش والتفاهم والتناغم ..!!

كل كتب التاريخ البشري والتاريخ الحضاري تشهد أن الوجود الروماني في سورية كان وجود سيطرة واستعمار ,,يوم طوقت روما بعسكرها دول البحر المتوسط بسوار ، ولسنا بصدد تقويم تلك الفترة من التاريخ ، ولكن هرقل لا يستطيع أن يدعي أننا يوم أخرجناه من أرضنا أخرجناه من وطنه الأصلي ..,

كل كتب التاريخ البشر والحضاري تشهد أن أصول شعوب شرق المتوسط في جملتها يعود إلى جزيرة العرب من حيث جاء الفينيقيون والكنعانيون والآراميون والعموريون ..

الحقيقة التاريخية المطلقة والحاسمة تشهد أن عمر المسيحية في سورية والعالم أسبق من عمر الإسلام فقط بسبعة قرون ، الإسلام والمسيحية في سورية دين ، والدين ثقافة، ولا يستطيع شقيق أسبق أن يغمط حق الشقيق الذي يليه ، سبق زمني بسبعة قرون فقط، وما أقصره من فارق بين أخوين، لا يسمح لسابق أن يستطيل أو يدعي على لاحق ..والحق الذي نقول: لا ينكر سابق حق لا حق بادعاء السبق، ولا ينكر لاحق حق سابق بادعاء الكثرة أو الفضل. نحن السواد العام خاطبنا كل صاحب دين مختلف من قبل ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ )

بكل الموضوعوية والثقة نقول في البوتقة السورية المتمثلة في السواد السكاني السوري، الذي يتآمر عليه لافروف وبلينكن وخمنئي وبشار الأسد وسواهم .. انصهر الأقوام وتلاقحت الحضارات وكان هذا المزيج الرائع الذي ما زلنا نمثله بكل مقلماته وسردياته ..نحن " الصاية البلورية " و " الصاية الباذنجانية" ومن لم يعجبه قلم من لحمة أو سداة فليشرب البحر ..

ون المؤامرة على المسلمين العرب السنة في سورية اليوم هي مؤامرة قبيحة على كل السوريين ، ومدمرة لكل السوريين ، وهي بتعريف الأمم المتحدة اليوم المؤمراة في سورية على السكان الأصليين ..!!

مؤامرة على الإسلام والمسيحية معا، مؤامرة على كل الحضارات وةالثقافات التي مرت من منها والتي تجذرت هنا ..

نحن العرب ونحن الآراميون والآشوريون والسريان والعموريون والفينيقيون والكنعانيون. ونحن العرب ونحن الكرد والتركمان والشركس وكل من وفد فاندمج ..

"نحن" بدلالتها الجامعة هذه سكان الأرض وأصحابها الشرعيون، والهوامش الباقية فينا ،على رحب وسعة منا، دليل على صدق دعوانا ..

والمندمجون فينا من كل هؤلاء أكثر من كل الهوامش التي باسمها اليوم يقتلوننا ويخططون لاستئصالنا ...يشهد لذلك أسماء مدننا وبلداتنا وقرانا وحدثتكم من قبل عن ثرى " عفرين " الحزين ..

نحن سكان سورية الأصليون ..لا ندّعي، ولا ننفي، ولا نعرف الاستكبار العنصري، ونظل نتشارك " خبز البنين " مع كل البشر، لم نؤمن يوما كما يدعون أن في بني البشر بنين، وكلابا ..!!

برئ سيدنا المسيح من قولهم للمرأة الكنعانية " لا يحسن أن نلقي خبز البنين للكلاب " ليبقى خبزنا، رغيفنا وناننا ، مبسوط ومبذولا لكل الجائعين..

 نحن أبناء الأرض الأصليين يعذب ربنا امرأة بالنار في هرة حبستها، ويغفر ربُنا لمومس إثمها في كلب من عطش تسقيه ..

هؤلاء نحن أصحاب الأرض المباركة الأصليين وبأخلاقنا هذه سوف ننتصر على كل أصحاب ثقافات الكراهية والحقد من جميع الشانئين ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

سوريا القريبة... كيان واحد أم كيانات؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 4/8/2021

عندما يفكر السوريون في مستقبل بلدهم، فإن غالبيتهم لا ترى في المستقبل إلا كياناً سورياً واحداً. ويتوزع أصحاب هذه الرؤية على مختلف مكونات الجماعة الوطنية السورية، فتجد لها أنصاراً في أوساط المجموعات العرقية والدينية والمذهبية، ويستند أغلب هؤلاء في رؤيتهم إلى الماضي القريب، ومنه عام 2011 عندما كانت سوريا كياناً واحداً بسلطة واحدة وعلم واحد، قبل أن تنفجر مع بدء حرب النظام على المطالبين بالتغيير واستبدال مستقبلات أولادهم وبلادهم نحو مزيد من الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وقادت الحرب إلى تصاعد العنف السوري، لا سيما بعد التدخلات الإقليمية والدولية، خصوصاً التي شجعت على الحرب مباشرة أو بطريقة غير مباشرة.

ولا يشكل تعوّد السوريين على الانتماء إلى كيان واحد وعلم واحد وسلطة واحدة سبباً وحيداً في ذهاب أكثرهم نحو كيان واحد في المستقبل؛ بل هو بين أسباب أخرى؛ منها التاريخ والمصالح والثقافة؛ بما فيها الثقافة السياسية وتعبيراتها التنظيمية، التي تتبنى الرؤية ذاتها، وإن ألحقتها بتفاصيل، فإن الأخيرة لا تحمل دلالات مناقضة لفكرة الكيان الواحد، وقد سارت الأنظمة السياسية التي حكمت البلاد بعد الاستقلال على الخط ذاته رغم ما بينها من اختلافات، حيث شددت على فكرة الكيان الواحد.

ورغم أن نظام البعث في ظل حكم الأسد؛ الأب والابن، لم يخرج نظرياً عن فكرة الكيان الواحد، فإنه أعطاه صفة ترتبط به، فأطلق على سوريا اسم «سوريا الأسد»، وخلق فيها نظاماً استبدادياً يعتمد أقصى درجات القوة والإخضاع في التعامل مع السوريين، وأدار البلاد وفق سياسة طائفية، تتحكم في مكونات الجماعة الوطنية، وتدير الصراعات معها وبينها بما يحافظ على النظام، ويحولها عاملاً مفجراً في حال التمرد عليه، وهي السياسة التي أكدتها تطورات الصراع السوري في السنوات العشر الماضية، لا سيما في أمرين كان لهما تأثير حاسم؛ أولهما عسكرة الصراع، والدفع بالجميع إلى ساحات القتال، وثانيهما تعميق العصبيات الطائفية والدينية والقومية، ودفع توترها إلى أقصى الحدود.

وللحق؛ فإن أطرافاً كثيرة؛ ومن منطلقات متعددة ومتناقضة أحياناً، تناغمت وتفاعلت مع سياسات النظام، فصبت في صالح تلك السياسة، خصوصاً ما قام به حلفاء الأسد من الروس والإيرانيين والميليشيات التي استجرّوها للقتال في سوريا، وكذلك حال أغلب ما قامت به قوى إقليمية ودولية محسوبة في جملة أصدقاء الشعب السوري؛ منها الولايات المتحدة وتركيا، ثم جماعات التطرف والإرهاب ومنها «داعش» و«النصرة»، والتشكيلات المسلحة ذات التوجهات الإسلامية المحسوبة على المعارضة. وكان في نتائج ما جرى أن تكرست في سوريا سلطات أمر واقع؛ أبرزها ثلاث؛ أولاها سلطة شمال شرقي سوريا، وتسيطر على أجزاء من محافظات الحسكة ودير الزور والرقة وحلب، وتقودها «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» ونواتها الأساسية «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)» الحائز الحماية والرعاية الأميركية. والقوة الثانية في سلطات الأمر الواقع هي منطقة شمال غربي سوريا، وتشمل أجزاءً من محافظات حلب والرقة وإدلب واللاذقية، وتديرها القوات التركية مباشرة في مناطق انتشارها، أو بطريقة غير مباشرة سواء عبر حلفائها التابعين لـ«الائتلاف الوطني» والحكومة السورية المؤقتة والتشكيلات المسلحة المحسوبة على المعارضة، وعبر «هيئة تحرير الشام» الوجه العلني لـ«جبهة النصرة» وحكومة الإنقاذ التابعة لها.

ثالث سلطات الأمر الواقع سلطة الأسد، ويمتد حيز سيطرتها شاملاً جنوب ووسط البلاد إلى حلب؛ بما فيه الساحل. وسيطرة نظام الأسد في هذه المنطقة محدودة، حيث يتشارك فيها الروس والإيرانيون والميليشيات الشيعية التابعة لإيران.

إن الملامح الأساسية لسلطات الأمر الواقع تبدو في اعتمادها الكلي على حليف خارجي يحفظ وجودها، ويقدم لها أشكالاً متعددة من الدعم؛ بما فيه قوات مسلحة تتبع الدولة الداعمة، وتعتمد في الداخل على ميليشيات وأجهزة محلية لها ارتباط عميق ومعلن بالوجود الأجنبي. وتعاني السلطات الثلاث من ضعف سيطرتها بصورة أو بأخرى على مناطقها، مما يسمح بظهور ونشاطات «داعش» في كل المناطق حسب ما تعلنه سلطاتها بين وقت وآخر. كما يعاني سكان المناطق الثلاث من تدهور الحالة الأمنية، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وسوء الإدارة والفساد.

إن الوقائع التي تعيش سلطات الأمر الواقع في ظلها تؤكد استحالة تحول أي منها إلى كيان سياسي، وهو أمر ينطبق بصورة بديهية على منطقتي شرق الفرات وشمال غربي سوريا، بل إن الداعمين الأميركيين والأتراك يراهنون أكثر على تسوية باتجاه كيان سوري واحد، أكثر مما يراهنون؛ من موقعين مختلفين، على كيانين وثيقَي الصلة بهما في شمال سوريا.

ولا يشكل نظام الأسد بوضعه الحالي حالة مختلفة كثيراً عن حالتي شرق الفرات وشمال غربي سوريا، رغم استناده إلى ثلاث نقاط تساعد ليكون الكيان السوري المأمول، وهي: الإرث الموروث للكيان السوري، وما يبذله الروس من جهود استثنائية لإعادة تطبيع علاقاته الإقليمية والدولية، والاعتراف الدولي الذي لا يزال يحتفظ به في الهيئات الدولية. لكن هذه النقاط غير كافية لتجاوز ما صارت إليه أوضاع النظام من تدهور، وما تسببت فيه سياساته وممارساته من جرائم لا يمكن الإفلات منها.

إن الخصوصيات المحيطة بالقضية السورية، لا سيما بسلطات الأمر الواقع الحالية، تؤكد صعوبة تكريس كيانات سياسية بوصفه بين خيارات أو احتمالات الحل السوري، مما يجعل الأمور تتجه إلى كيان سوري واحد. ومما يدعم هذا الاحتمال أن القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في سوريا تعارض فكرة كيانات جديدة في المنطقة، سواء أجاءت هذه الكيانات من تقسيم كيانات تعاني من صراع عنيف كما الحالة السورية، أم تعاني من أزمات بنيوية نتيجة تكوين جماعتها الوطنية وانقساماتها الحادة كما هو وضع لبنان والعراق. وقد يكون وضع إقليم كردستان العراق مثالاً لما هو عليه الرفض الإقليمي والدولي لانتقال الإقليم في استفتاء عام 2017 إلى دولة معلنة بعد سنوات طويلة من كونه دولة في الواقع، حيث جرى إفشال استفتاء عام 2017 ضمن تواطؤ شاركت فيه وقادته الولايات المتحدة، التي لطالما عدّها الأكراد حليفاً قوياً ومؤيداً لهم.

بقي أن نقول إن سلطات الأمر الواقع ستظل قائمة حتى حدوث توافق إقليمي - دولي على الحل في سوريا، عندها سيجد الفرقاء الصيغة الفضلى للدمج بين تلك السلطات، أو إقرار شكل تفاعلي بينها سيؤدي عبر فترة انتقالية إلى ولادة كيان سوري واحد وجديد، وهو، في كل الأحوال، لن يكون واحداً من سلطات الأمر الواقع الحالية، ولن يكون نظامَ الأسد أو شبيهاً به، فهذا فات أوانه.

=========================

يد واحدة من أجل سوريا

سالم المسلط

القدس العربي

الاربعاء 4/8/2021

مرت الثورة السورية بمجموعة من المنعطفات الخطيرة خلال السنوات العشر الماضية، وتمكنت قوى الثورة الشعبية والسياسية والعسكرية من التعامل مع هذه المنعطفات بنجاح في بعض الأحيان وبقدر من الصمود في أحيان أخرى.

واليوم نحتاج إلى نقلة نوعية حقيقية في العمل الثوري خاصة فيما يتعلق بتعزيز فرص التعاون والجهد المشترك وتطوير العمل المؤسسي.

تلعب مؤسسة الائتلاف الوطني في هذه المرحلة دوراً ذا أهمية حاسمة، يصعب التخلي عنه أو التفريط به، فواجبنا وواجب جميع أصحاب الرأي والفكر أن يتكتلوا حول هذه المؤسسة، وأن يدعموها بكل ما هو ممكن، من خلال المساهمة الفعلية في عملها، أو من خلال تصويب ونقد وتوجيه هذا العمل بشكل يساهم في تحقيق مصلحة الشعب السوري الحقيقية وتعزيز تمثيله داخل هذه المؤسسة.

 

الإرادة الشعبية السورية

واجبنا أن نكون أكثر يقظة وحرصاً في تمثيل الإرادة الشعبية السورية، فرغم أن هناك أصواتاً عالية نسمعها باستمرار، إلا أن هناك أصواتاً خافتة لا نسمعها بوضوح، وهي في الواقع تملأ خلفية المشهد كله، لكن الضجيج العالي يغطي عليها فلا تظهر في الواجهة، ولا تلتقطها الآذان.

هذه الأصوات يجب أن تُسمع، ويجب أن تحضر إلى الساحة وتطرح نفسها، وسيكون الفيصل في أي رأي أو توجه هو مبادئ الثورة السورية وتطلعاتها.

فإذا ما وضعنا مبادئ ثورتنا كأساس وكمحدد للطريق فلن يكون هناك مجال للتفرق بعد ذلك، يجب أن ندرك أن من أخطر العناصر التي تفرق بيننا عدم القدرة على إدارة التصورات والاختلافات في الآراء التي نحملها، والغرق في الدفاع عن مواقف مسبقة تجاه بعضنا بعضاً.

 

العمل الجماعي

إن العمل الجماعي والمشترك لا يعني أن تذوب كل الفروق والاختلافات بيننا وإنما أن نتمكن من توظيف هذه الظروف والاختلافات بأفضل طريقة ممكنة. نحن جميعاً بحاجة إلى جهود الجميع، بحاجة إلى مشاركة الجميع، بحاجة إلى العمل المشترك، ومد الجسور بيننا.

الشعب السوري يحتاجنا جميعاً، يحتاج إلى من يعمل على ضمان مصالح الشعب والثورة واتخاذ قرارات صعبة.

السوريون غاضبون من نتيجة السنوات العشر الماضية، ومن مجتمع دولي غارق في التخاذل والتسويف والتلكؤ والشلل.

يشعر السوريون بخيبة أمل كبيرة من الواقع الذي وصلت إليه الأوضاع في سوريا، وهم محقون في ذلك. لكن القوى السياسية يجب أن تدرك أن الطريق الوحيد لتصحيح الأوضاع يستند إلى خطط الإصلاح والبناء، وليس من خلال الهدم والتفريق!

من المؤكد أن النظام لم يتمكن من تحقيق ما هدف إليه، ورغم حصوله على دعم عسكري ودبلوماسي غير محدود من روسيا وإيران، إلا أنه ما زال عاجزاً عن تحقيق أي من مخططاته ما يعني أن دورنا ما يزال محورياً ورئيسياً ومصيرياً.

اليوم لا بد من تفعيل محركات المجتمع السوري “المدنية والأهلية والاجتماعية”، لما في ذلك من أثر كبير على دعم المؤسسة السياسية المتمثلة بالائتلاف الوطني، وتوجيهها والارتباط معها وتقوية دورها على المستوى الدولي.

نأمل من كل الأطراف والقوى السورية أن تساعد في توجيه طاقات المجتمع نحو مجالات فعالة، بما في ذلك تشجيع الشباب على متابعة طريق التعليم، والانخراط في العمل الجماعي وصولاً إلى المشاركة السياسية.

جهود الشعب السوري، والجاليات السورية والمهجرين السوريين حول العالم، هي جهود مهمة ومؤثرة، سواء جاءت بالتنسيق مع قوى الثورة الفعلية، أو كانت جهوداً مستقلة تدعم الثورة السورية وتعيد بناء الضغوط المتعلقة بتفعيل الدور الدولي في الملف السوري عبر بناء حراك شعبي في المجتمعات التي يعيشون فيها.

 

الأولوية القصوى

لقد كانت الثورة بمبادئها وأهدافها عصب الحياة لكل إنسان سوري حر طوال شهور طويلة، ونأمل اليوم أن نجد الوسائل الكفيلة بإحياء هذه الروح، وإعادتها إلى دائرة الأولوية القصوى، وأن تعود تلك الروح إلى حياتنا اليومية على كل المستويات.

جيل جديد من أبناء سوريا، في الداخل والخارج، في المدن والمخيمات، في المناطق المحررة وفي بلدان اللجوء، بات اليوم جزءاً من هذه الثورة، وشريكاً في مستقبلها، ومن واجبنا أن ننقل إرث ثورتنا وأخلاقياتها ومثلها إلى هذا الجيل ليكون شريكاً حقيقياً في الدفاع عنها وحمل مشعلها.

إن الالتزام بمبادئ الثورة يعني سلوكاً عملياً ينسجم مع القانون وحقوق الإنسان ومبادئ حرية الرأي والتعبير، سلوك يؤمن بالمواطنة دون أي تمييز أو تجاوز، ويدرك أن حرية الرأي والتعبير تقف عند حدود القانون.

نجدد دعوتنا لجميع الشخصيات الفكرية والثقافية في سوريا إلى فتح حوارات مجتمعية جادة تتناول مبادئ الثورة ومعانيها والسبل الكفيلة بخدمة هذا الوطن والمساهمة في توجيه الطاقات بأفضل الوسائل والطرق الممكنة، وتجنب الوقوع في فخ الطائفية والتفرقة والنزعات الفوضوية والعبثية.

لا يمكن للشعب السوري أن يسمح باستغلال المبادئ العظيمة والقيم المشرفة التي قدّم السوريون من أجلها أعظم التضحيات، أو السكوت عن توظيفها بشكل لا ينسجم مع مبادئ الثورة، سواء جرى ذلك عن جهل أو عن قصد.

إن أي انتهاك لهذه المبادئ، وعلى رأسها المواطنة، هو سلوك مرفوض ومدان ويتسبب في ضرر حقيقي بالثورة والمجتمع.

مستقبل ثورتنا ووطننا مرتبط بمدى تكاتفنا وفعاليتنا، النظام يزداد تفككاً وهشاشة وفساداً، قدرنا أن نتابع هذا الطريق مهما تعددت المنعطفات وجسمت التحديات، علينا أن نكون يداً واحدة من أجل سوريا، ومن أجل تحقيق النصر والحرية والعدالة والدولة المدنية الديمقراطية، علينا إعادة المركزية لثورتنا ومبادئها وتطلعاتها، في سيادة الشعب السوري على ثورته ومصير بلده.

 

رئيس الائتلاف الوطني السوري

=========================

قصة الجنوب و"الخطر القادم منَ الشمال"

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 2/8/2021

لن أذهب بعيداً بتاريخ منطقتنا الأهم والأكثر مفصليّة في جيواستراتيجية العالم؛ ولكن عندما تمّ تقسيمها، وزرعُ علة في فلسطين تحلُّ للغرب مشكلته اليهودية، وتكون ثكنة متقدمة تحرص على بقاء المنطقة ضعيفة ومبعثرة ومتخلفة ومنهوبة الخيرات -  يتحكّم بمصير شعبها العظيم أدوات عميلة مرتبطة بهذا الغرب ومحميّة من قبله - لم يأخذ هذا الغرب بعين الاعتبار التواصل البشري، والانفتاح العالمي، وانتشار المعرفة، وتوق الإنسان إلى الحرية والوعي والانعتاق؛ وأن التخطيطات، والحسابات، والاستبداد، وأدوات ظبط سلوك الجماهير وإخضاعها أمور  ليست منزَّلة.

تبديد مخاوف "بنغوريون"

وفي هذا السياق، لم تكن مخاوف "بنغوريون" على إسرائيل في غير مكانها، عندما كَتَب في مذكراته إن "الخطر على الكيان يأتي من الشمال" - بحكم وجود الأسطول الأميركي السادس في المتوسط غرباً؛ وحاجز سيناء الطبيعي جنوباً؛ ومنطقة عازلة شرقاً، يُحْرَصُ دوماً على إنهاكها وتفريغ الكيان من أهله، بترحيلهم إليها. فقبل اكتمال عقدين من عُمْرِ الكيان الصهيوني، بدّد "حافظ الأسد" لـ "بنغوريون" مخاوفه، مقابل سلطة أبدية على سوريا قلب القضية النابض؛ فكان تحييد خطر الجولان شمالاً. وبقي الجنوب اللبناني الذي أصبح أكثر خطراً على الكيان بحكم وجود المقاومة الفلسطينية، وتحالفها مع مد وطني لبناني وعربي، بعد اتفاق القاهرة 1970. وهنا استمرت مهمة "حافظ الأسد"، فكان تعميد رئاسته وتثبيتها، بعد حرب 1973، وانطلاق مهمته الجديدة لاحقا في الخلاص من المقاومة الفلسطينية والمد الوطني العربي في لبنان. وابتدأ من تل الزعتر، مروراً بقيام إسرائيل ذاتها بغزو لبنان، وتغيير إسرائيل لتعهيد حماية الحدود الشمالية "لأنطون لحد وسعد حداد"، وصولاً إلى استرداد الأسد للتعهد عبر ميليشيات "حزب الله"، بالتنسيق مع ملالي إيران، إثر قيام "ثورتهم" "الإسلامية"؛ استمرّت إراحة "بنغوريون".

إسرائيل وانتفاضة السوريين

وبالعودة إلى وعي الشعوب وانتفاضتها وتوقها للحرية والانعتاق، بداية العقد الثاني من هذا القرن؛ كان الحرص شديداً ألا يصل ذلك إلى سوريا؛ ولكنه وصل بأعجوبة. راق إسرائيل شعار "نظام الأسد أو نحرق البلد" لمواجهة الثورة السورية؛ وسعت بصمت إلى قتل ثورة السوريين عبر تشجيع وحشية "النظام"، والسكوت على دخول حزب الله- رغم إشهارها العداء له- ثم تدخل إيران، وصولاً إلى تدخل دولة عظمى- كان لإسرائيل يد بتدخلها. كان استهداف إسرائيل لمواقع إيرانية في سوريا ملفتاً؛ وكانت غايته لكل متبصر واضحة؛ إنه محاولة إقناع العالم بأن العداء قائم بين الكيان الصهيوني وإيران "قائدة المقاومة والممانعة"؛ وكان التموضع الأهم بالنسبة لإيران أيضاً قريباً جداً من منطقة "خطر بنغوريون". وبحجة إيران، وتضخيم خطر وجودها في تلك المنطقة بالذات، يكون إفراغها وتحويلها إلى منطقة عازلة (buffer zone)؛ ومن هنا أخذ اتفاق التهدئة في الجنوب2018 الوجود الإيراني بعين الاعتبار؛ فكان الحديث بأبعاده- رغبة بتضخيم خطره- ليكون هو ذاته المنطقة العازلة الحامية لشمال الكيان؛ لإتمام المهمة القديمة، وتجديدها لمعالجة "الخطر القادم من الشمال".

الجنى المؤقت والحسابات البعيدة

قد يكون الجنى الإسرائيلي كبيراً مما حدث في سوريا، ولكن استراتيجياً لا بد أن إسرائيل والغرب يحسبون ألف حساب لتغيّر حقيقي في معادلة البقاء والأمن الاستراتيجي؛ فها هي معادلة الأمس المريحة تتبخر، والتعهد الأسدي بحماية "الشمال" استراتيجياً وتاريخياً يشهد نهايته؛ وكل المحاولات المستميتة للإبقاء على المنظومة الأسدية تتلاشى. ما يحدث ليس إلا محاولات بائسة مفلسة لإعادة معادلة الأمس بأمن "الشمال". حتى محاولات بوتين المستميتة لطلب ود الغرب عبر إسداء الخدمة الأجَلّ للكيان الصهيوني تصطدم بالمزاحمة على تعهد الحماية مع الملالي الخبثاء المزاودين بالمقاومة.

منطقة عازلة

 أضحت محاولات الحماية تتركز على خلق منطقة عازلة شمال الكيان، لتشمل القنيطرة ودرعا والسويداء. من هنا، ومؤخراً، يكشف السر تهديد ذلك الجنرال الروسي الغبي لأهل درعا بأنه سيفلت عليهم قطعان الميليشيات الإيرانية، ومن هنا التهديد لأهل السويداء بداعش، ومَن هنا شيطنة الجنوب السوري بإفقاره وإذلاله وتخريب نسيجه الاجتماعي بمخدرات إيران وعمليات الخطف، ومَن هنا تنافُر ُوتزاحمُ المتحالفين الإيرانيين والروس ومحاولات إثبات مَن له اليد العليا عبر منع الروس للغطاء الجوي لإظهار هشاشة ميليشيات الأسد وخامنئي في الجنوب. ومن هنا- فوق كل ذلك- أنه عندما تم اتفاق 2018، في الجنوب، كان بين الروس والأميركان بتنسيق إسرائيلي أردني؛ ولم يكن على طريقة ثلاثي "أستانا" بما يُسمى "خفض التصعيد". وهنا اتضح أن الجميع يقدم أوراق اعتماده لإسرائيل أولاً ولأميركا ثانياً.

دوام الحال من المحال

قد يسأل المرء ها هنا: وهل إسرائيل- بعد كل هذه القوة العسكرية الضاربة وقدراتها الجوية والتقنية لتهديد أي نقطة في محيطها، وتراكض البعض على التطبيع معها- تخشى أحداً أو تحتاج إلى مناطق عازلة إضافية؟ والجواب، نعم تخشى، وتخاف أيضاً. فالقانون الطبيعي والبشري يقول /دوام الحال من المحال/؛ وخاصة إذا كان قائماً على خطيئة أو زيف وتزييف. رحم الله الدكتور حيدر عبد الشافي؛ الذي قال لي في التسعينيات (في أثناء المفاوضات العربية-الإسرائيلية في واشنطن) إن رئيس الوفد الإسرائيلي سأله في أثناء تفاوضهما: "أو تعتقد أننا نتفاوض معكم الآن، لأننا نخشاكم؟ بإمكاننا هزيمة أية قوة عربية بأبسط مما تتصور. إننا نتفاوض معكم الآن، ونفكر لخمسين عام قادمة. فلسنا متأكدين ما سيحدث بعدها. اتفاقنا معكم قد يضمن هذه الفترة".

فتح دفاتر الذاكرة

تعرف إسرائيل ومَن وراءَها أن السوريين- جذوة هذه المنطقة وروحها وقلبها النابض، وهم المشَرّبون بقناعة أن فلسطين قطعة من كرامتهم- سيعودون إلى فتح دفاتر وسجلاّت ما حل بهم، ومَن كان وراءه: ابتداءً مِن ارتياح إسرائيل لشعار "الأسد أو نحرق البلد"، وتشجيعه، إلى استدعاء إجرام خامنئي وبوتين بحقهم وحق بلدهم، وصولاً إلى تفاني الجميع بخلق منطقة عازلة منهكة مدمرة في شمال الكيان.

قدسية صمود الجنوب

من هنا قدسية صمود الجنوب، من هنا قداسة وشرف ما يقوم به شباب حوران، من هنا صبرهم على الحصار والقصف والاختراقات بكل أشكالها، من هنا يتحتم على كل سوري يحترم نفسه ووطنه وعرضه وكرامته- أكان مع منظومة الأسد أو ضدها- أن يقف في وجه هكذا مخطط، أن يقف مع حوران نبع انتفاضة الحرية والكرامة.

مَن شرب البحر، لا يغص بالساقية

قضية السوريين ليست فقط مسألة تمرير خطوط غاز، ولا هي مقاومة إرهاب، ولا هي موضة تغيير، ولا اختراق أو حفاظ على القانون الدولي أو حق الشعوب أو الحؤول دون تغيير نظام بالقوة، ولا هي قصة معابر، ولا هي داعش والجولاني وبوتين وخامنئي والأسد، وإعادة إعمار، ولجوء، وأكثر من مليون شهيد ومعتقل؛ إنها شيء من كل هذا يدور في فلك الصراع على الشرق الأوسط ؛ وفي بوابة القارات الثلاث بالذات، وفي مفتاح حربة الغرب وثكنته المتقدمة شرق المتوسط "إسرائيل" وحالها وجودياً. من هنا ثورة سوريا ستغيّر التاريخ عاجلاً أم آجلاً. أيها السوريون مَن شرب البحر، لا يغص بالساقية. الذاكرة السورية ستحمل كل ما جرى؛ الواقع وتطوره يقول بأن القرارات الدولية تحفظ حق السوريين في الجولان، وجنوبهم لهم؛ والاستبداد إلى زوال. نريد العودة إلى الحياة وبناء مستقبل حر آمن كريم تحت مبدأ: Live and let live/ / "لنعش وندع الآخرين يعيشوا".

=========================

قراءة في خلفيات مغامرة النظام الأخيرة في درعا

حسان الأسود

سوريا تي في

الاثنين 2/8/2021

بات مقطوعاً فيه أنّ درعا هي مهد الثورة وشرارتها الأولى، وقد بقيت حتى اللحظة الحامل الأقوى لشعلتها. من ينظر إلى هذه المحافظة بمركزها الإداري المتمثل بمدينة درعا وبمدنها الكبرى وقراها المختلفة، يرى بيارق لم تُنكّس ومشاعل لم تنطفئ، يرى حُلماً لم يخمد وتوقاً للحريّة لم يخبُ، يرى نساءً ورجالاً لم يستكينوا للذلّ والهوان، يرى مستقبل سوريا المناهض للديكتاتورية الطامح للتغيير.

مرّت الثورة السوريّة بأطوار مختلفة، ودرعا كانت جزءًا من كلّ سوري، لم تكن استثناءً ولم تكن أسطورة، لكنّها كانت على الدوام مميّزة بشيء يخصّها. لن نتكلّم في هذا المقال إلا على السنوات الثلاث الأخيرة من عمر الثورة هناك. أي من تاريخ استعادة النظام السيطرة بشكل نهائي على كامل المنطقة الجنوبية، حتى نصل إلى لحظة المغامرة الأخيرة التي أقدم عليها النظام في محاولة اقتحام البلدة القديمة المعروفة بدرعا البلد.

التفاهمات والانهيار

تتويجاً للتفاهمات التي جرت بين وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، التي بدأت في موسكو في ديسمبر 2015، وانتهت بالاتفاق في مايو 2016 في جنيف، تم التخلي عن دعم فصائل المنطقة الجنوبية عام 2018 وإبلاغ قادة الجبهة الجنوبية بذلك. بمساعدة الطائرات الروسية تم شن حرب خسر بموجبها ثوار حوران والقنيطرة كامل الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها لأعوام خلت. هنا يجب ملاحظة أنّ السبب الوحيد لهذا النصر الذي حققته قوات النظام، كان الدعم الجوي الهائل للقوات الروسية، حيث لم تتوقف طائرات سلاح الجو الروسي عن التحليق في أجواء الجنوب على مدار أيام الحرب كاملة، ولم يكن بإمكان أيّة قوّة محليّة الصمود أمام هذه القدرة النارية الهائلة، المدعومة باستطلاع فائق التطوّر وتشويش إلكتروني رهيب لا يتناسب وقدرات المقاتلين على الجهة المقابلة.

قبل الحرب كانت هناك مفاوضات جرت في الأردن بين ضبّاط من الجيش والمخابرات الروسية وقادة الفصائل المسلحة، بموجبها عرض الروس عليهم (عدم دخول الجيش والأمن إلى مناطق سيطرة الفصائل، دخول الشرطة العسكرية الروسية فقط، منع التهجير وإعادة المهجّرين إلى مدنهم وقراهم، تسوية وضع جميع المطلوبين، إخراج المعتقلين الذين اعتقلوا في مناطق النظام، تسليم المعابر الحدودية بحيث يكون فيها موظفون مدنيون سوريون بحماية روسية لمدّة سنة، دخول مؤسسات الدولة المدنية للمناطق التي تحت سيطرة الفصائل، تعاون الفصائل المسلّحة مع القيادة الروسية لقتال داعش والنصرة والميليشيات غير السورية لإرساء الأمن والاستقرار، عدم سوق أي شخص للخدمة الإلزامية بجيش النظام لمدة ثلاث سنوات، تسوية وضع الضباط المنشقين، دخول المنظمات الدولية للإغاثة والخدمات الطبية والسماح بعودة اللاجئين الموجودين في المملكة الأردنية الهاشمية).

بعد مداولات كثيرة ومشاورات طويلة وشاقّة، وافق قادة الفصائل على هذا العرض، لكنّ غرفة العمليات المركزية وبتأثير الفصائل ذات التوجه الديني رفضت ذلك، وفرضت قرارها على الجميع بخطاب شعبوي عالي النبرة استخدم أسلوب المزاودات الجوفاء وتخوين الموافقين على العرض، وأصدرت هذه اللجنة المركزيّة بياناً حماسياً مصوّراً تعلن فيه استعدادها للمواجهة.

بدأت الحرب، وكان دور الطائرات الروسية حاسماً في تقدّم قوات النظام. هنا يجب ملاحظة أنّ الطائرات الروسية لم تتدخّل سابقاً في معارك النظام مع الثوار قبل هذه اللحظة، باستثناء مشاركة واحدة في معركة الشيخ مسكين حسب إفادات مؤكدة من أحد الأكاديميين الثقات من أبناء المنطقة. أثناء المعارك جرت مفاوضات بين عدد من قادة الفصائل والمدنيين من جهة، وبين ممثلة النظام كنانة حويجة بحضور الضباط الروس. كانت أول جولة على حاجز خربة غزالة، وجرت الجولات التالية في قلعة بصرى الشام. في النهاية تمّ الاتفاق على إيقاف الحرب ضمن شروط معينة يلتزم بها كلا الجانبين بضمانة الروس، وتنفيذاً لهذا الاتفاق سلمت الفصائل أسلحتها الثقيلة والمتوسطة كلها، ولم يعد هناك أية فصائل مسلحة في درعا بدءاً من صيف عام 2018، وهذا يعني أنّ الفصائل نفّذت جميع ما تعهّدت به في الاتفاق من بنود، يستثنى من ذلك فصيل شباب السنّة بقيادة السيد أحمد العودة، الذي احتفظ ببعض عتاده وأصبح تابعاً للفيلق الخامس المدعوم من روسيا ضمن مسمّى اللواء الثامن.

كان الروس خلال المفاوضات يشددون على عدم التهجير، وحتى أنّ أحد الأشخاص المحسوبين على أحرار الشام كان يطلب باستمرار التهجير، مما أثار حفيظة ممثلة النظام التي قالت له بتهكّم: لا تخف سأنقلك بسيارتي إلى الشمال ما دامت هذه رغبتك. والحقيقة أنّ كثيراً من المدنيين والعسكريين الذين فضّلوا الخروج مع قوافل التهجير كانوا من خيرة الثوار، لكنّ بعضهم كان مطلوباً لأهالي حوران بتهمٍ جنائية وبتجاوزات لا تُغتفر مثل تلك التي كان تحدث فيما كان يُعرف باسم دار العدل.

لم يلتزم نظام الأسد طبعاً بشروط التسوية التي اتفق عليها عبر ممثلته مع قادة الفصائل المسلحة عام 2018، ورغم رعاية الجانب الروسي وضمانته لتنفيذ كلا الطرفين تعهداته، فإنّ مماطلة النظام وتنصّله من جميع تعهداته كانت العنوان الأبرز للأعوام الثلاثة التالية لاتفاق التسوية المذكور.

تعهدات النظام والتزاماته

نتيجة للمفاوضات المذكورة أعلاه، تعهد النظام بما يلي:

عدم سحب مقاتلي المعارضة للخدمة الإلزامية أو خدمة الاحتياط لمدة عامٍ كاملٍ قابلة للتمديد.

تسوية أوضاع الضباط والجنود المنشقين وتسريح من لا يريد العودة منهم للخدمة وبقاؤه حراً في بلده.

إلغاء المطالبات الأمنية على جميع المعارضين والثوار من أبناء المحافظتين.

إطلاق سراح جميع المعتقلين من أبناء المحافظتين وبيان مصير المفقودين.

إعادة الموظفين إلى وظائفهم والسماح لأصحاب المهن الحرة بمزاولة مهنهم مثل المحامين والأطباء والمهندسين...إلخ

إلغاء القيود الأمنية ورفع الحجوزات القضائية وغير القضائية عن أملاك أبناء المحافظتين.

عدم التعرض للمواطنين بالاعتقال والتضييق الأمني ومنع السفر.

لم يطبق النظام أي شيء من هذه التعهدات، ولم يستطع الروس إجباره على ذلك، باستثناء حالات قليلة لإطلاق سراح بعض المعتقلين، أغلبهم ممن اعتقلهم بعد التسويات، وإعادة بعض الموظفين للعمل. ولإيضاح هذه النقطة نورد المقطع التالي من تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان عن جزء من ممارسات النظام خلال الأعوام الثلاثة المذكورة.

(وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 1438 حالة اعتقال بينها 13 طفلاً و21 سيدة تم اعتقالهم من قبل قوات النظام السوري في محافظة درعا منذ تموز 2018 حتى تموز 2021، ومن بين حصيلة المعتقلين 124 شخصاً كانوا عسكريين قبل إجرائهم التسوية لوضعهم الأمني. من بين حالات الاعتقال ما لا يقل عن 837 شخصا ممن أجروا تسوية لأوضاعهم الأمنية. كما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 986 شخصا بينهم 7 أطفال و4 سيدات لايزالون قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري لدى قوات النظام السوري منذ تموز 2018 حتى تموز 2021، تم اعتقالهم في محافظة درعا من بينهم 93 شخصا عسكريا، ومن بينهم 473 شخصا ممن أجروا تسوية لأوضاعهم الأمنية).

سياسة النظام خلال السنوات الثلاث الأخيرة

اتّبع النظام سياسة القضم التدريجي للمناطق، والعمل مع قادتها المحليين بسياسة النفس الطويل لإعادة المنطقة إلى الحظيرة. فاستطاع شراء بعض ضعاف النفوس وتجنيدهم في ميليشياته المحلية من أبناء محافظتي درعا والقنيطرة، وهؤلاء باتوا عصاه الغليظة على رؤوس أهالي المحافظتين.

بسبب ضعف التجربة السياسية والمدنية، وبسبب الظروف الأمنية المتردية التي عززها النظام وحلفاؤه، وبسبب نقص أسباب العيش الطبيعية، لم يستطع قادة الرأي في المنطقة وأصحاب القرار تشكيل أي جسم سياسي أو مدني موحّد، رغم أنّ الروس أرسلوا إليهم أكثر من إشارة بهذا الخصوص، وجلّ ما استطاعوا تشكيله هو ثلاث لجان في ثلاث مناطق هي لجنة درعا البلد، ولجنة المنطقة الغربية (طفس)، ولجنة المنطقة الشرقية (بصرى الشام).

وجد تنسيق بين هذه اللجان في كثير من الحالات والقضايا لكنه كان ضعيفاً جداً وغير مثمر في أغلب الأحيان. من أهمّ أسباب ضعف التنسيق استمرار التنافس القديم بين القادة السابقين الذين بقوا في أماكنهم مع تغيّر صفاتهم. يمكن تسجيل بعض الاختلافات الأيديولوجية أيضاً، حيث يغلب الطابع الديني نوعاً ما على خطاب المسيطرين فعلاً في المنطقة الغربية وجزئياً في درعا البلد، بينما يغلب طابع شبه مناقض في خطاب المسيطرين في المنطقة الشرقية. يضاف إلى ذلك، انعدام الخلفية السياسية لقادة هذه اللجان بالمجمل، واعتدادهم الشديد بأنفسهم لدرجة عدم قبولهم سماع الرأي والمشورة والنصيحة من أهلهم الأكثر خبرة وتجربة ودراية منهم، وبالتأكيد العراقيل والمعوقات التي وضعها النظام أمامهم والتي لا مجال لحصرها وتعدادها. تعامل الجميع مع الأزمات بطريق ردود الأفعال، فلم يكن هناك أي قدرة على التخطيط الاستراتيجي والعمل المنظم الواضح الرؤية والأهداف والآليات.

أسباب التصعيد الأخيرجاءت الأزمة الأخيرة على خلفية إصرار الإيرانيين على تثبيت أقدامهم في الجنوب، ومحاولة إفهام الروس أنهم ليسوا ورقة بأيديهم، وكان هذا واضحاً من خلال استخدام الفرقة الرابعة التي ولاؤها وهواها إيراني بحت. يبدو أنّ النظام أراد إحراج الروس أيضاً بمناسبة مؤتمر عودة اللاجئين - الذي انعقد في دمشق أثناء حصار درعا - ورسالته أنني أسعى لتهجير سكان هذه المدينة، التي ضَمِنَ الروس اتفاقين مع أهاليها قبل ثلاثة أعوام، أثناء فعاليات المؤتمر المذكور. هي محاولة من النظام لكسر هيبة الروس من خلال إظهار عدم قدرتهم على الوفاء بتعهداتهم. من هنا لم يدخل الروس بالمعركة التي بدأها النظام بعد شهر من الحصار والتضييق، ولم يغطوها جوياً.

لا يمكن استبعاد التفاهمات الروسية الأميركية الأخيرة بشأن سوريا والتي نتجت عن اللقاء الأخير بين الرئيسين الأميركي والروسي قبل أسابع في جنيف. لا يمكن كذلك استبعاد ارتدادات زيارة وزير الخارجية الصيني إلى دمشق، ويبدو أنّ الروس أرادو إفهام النظام أنّ قوّتهم الجويّة حصراً هي التي أبقته واقفاً على قدميه، وليس الفيتو الذي لوّح لهم – عن طريق كتابة بعض الشعارات باللغة الصينية عن الصداقة بين الشعبين السوري والصيني، وعلى لسان أحد أبواقه البارزين خالد العبّود - بأنّ حليفه الصيني يملكه. ومن هنا يمكن قراءة زيارة المبعوث الروسي أليكسندر زورين إلى سوريا في العاشر من تموز الماضي أثناء حصار درعا. جاء زورين عبر مطار حميميم، ومرّ بدمشق ولم يلتق أيّ مسؤول سياسي أو أمني بها ألبتة، اجتمع حصراً بالزعيم المحلي في بصرى الشام أحمد العودة.

النهاية المتوقّعة

تدلّ المؤشرات على أرض الواقع - حتى لحظة كتابة هذه الكلمات – أنّ الأمور ذاهبة إلى التهدئة، ورغم التجاوزات الفردية التي يقوم بها عناصر النظام هنا وهناك، ورغم التحشيدات العسكرية المختلفة، فإنّ تصريحات القيادة الروسية في مركز المصالحة من جهة، وما يصدر عن بعض المسؤولين المحليين في أجهزة النظام من جهة ثانية، يؤكد أنّ هذه الجولة ستنتهي عند هذا الحد. يشترط النظام تهجير بعض الأفراد المعروفين بالاسم، وهؤلاء من مصلحة أبناء درعا تهجيرهم قبل النظام، وستسفر الجهود عن ذلك بلا ريب.

الخلاصة

تلقى النظام في حوران درساً قاسياً، وعليه أن يدرك أنّ أهالي المنطقة – كما أهل كل سوريا – لا يريدونه ولن يسكتوا على تجاوزاته أبداً. عقارب الساعة لا تدور إلى الوراء، لقد ولّى زمن الخوف. شوكة النظام كُسرت على ثرى حوران وبأيدي شبابها الأغيار. هبّ الصغير قبل الكبير بحملة تضامن مع أهلهم المحاصرين في درعا البلد منذ اللحظة الأولى. اجتماعات ولقاءات عقدها المجلس السوري للتغيير على مستوى سوريا بأكملها، خاطب بها الجمهور السوري العريض، ونبّه إلى خطورة ما يجري على الأرض. وعندما بدأ هجوم قوات النظام، خرج الثوار من تحت صخور البازلت في كلّ مدينة وقرية ومزرعة في حوران، ولقّنوا النظام وميليشياته درساً لن ينساه أبداً.

والآن، العبرة لجميع السوريين، موالاة وحياديين، ثواراً ومعارضين، لا حول ولا قوّة لهذا النظام إن اتحدنا. علينا فقط أن نعرف كيف نستفيد من الفرص، وعلينا أن نخاطب الدول الفاعلة في الشأن السوري بخطاب المصالح المشتركة، لا بخطاب العاطفة البائسة. الحماسة والنخوة والفزعة تصدّ العدوان وتردع الظالم، لكنّ العقل والفكر والسياسة هي من تحصد النتائج وتحوّلها إلى حقوق مكتسبة ثابتة.

لنُعمل العقل فيما نحن فيه الآن، ولنُنحّ العواطف جانباً، لا مجال اليوم للوهن والتردد والتراجع. اللينُ مطلوب بحيثُ لا نُعصر، والصلابةُ واجبةٌ بحيثُ لا نُكسر.

=========================

«حماة الديار» الذي لسوريا

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاثنين 2/8/2021

«يحيي السوريون اليوم الذكرى السادسة والسبعين لتأسيس الجيش العربي السوري، المدافع الأوحد عن أرضهم وكرامتهم واستقلالهم طيلة عقود لم تهدأ فيها العواصف والمؤامرات، وطعنات القريب والبعيد، فكان الذخيرة التي حمت البلاد وأهلها»؛ هكذا كتبت صحيفة «الوطن» جريدة رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، وتمساح النهب والفساد والإفساد، وصيرفي النظام إلى عهد قريب. وجاء أيضاً: «على طول الجبهة الممتدة من الجنوب حيث العدو الإسرائيلي المتربص والداعم لما تبقى من خلاياه هناك، إلى الشمال حيث المحتل التركي الحالم باستعادة العثمانية البائدة، إلى شرق البلاد وما يخطط له المحتل الأمريكي بمساعدة من أدوات انفصالية وإرهابية، يستكمل الجيش مهمته الوطنية، لتتحرك وحداته حيث تقتضي مصلحة البلاد، وتنجز مهمتها باستعادة الدولة لسلطتها وفقاً للتوقيت المناسب لها».

وأغلب الظنّ أنّ المواطن السوري، من غير أتباع النظام على اختلاف مشاربهم ومصالحهم وطبائع انضوائهم في شبكات السلطة، لم يعد يعبأ حتى بالاستلقاء على ظهره ضحكاً وهو يقرأ هذا الطراز من الابتذال الهابط والتكاذب الفاقع والمخادعة الوقحة؛ مستذكراً، بين عناصر أخرى كثيرة، المواقع الوحيدة في إدلب ودرعا حيث يتشاطر جيش النظام على العزّل واللاجئين والمهجّرين من أبناء سوريا، ومتابعاً لأخبار القصف الإسرائيلي على مطار الضبعة، وقبله عشرات الاعتداءات التي تستهدف مواقع عسكرية للنظام أو لحلفائه من الميليشيات المختلفة، هنا وهناك في عمق الأراضي السورية.

لافت أنّ النشيد ذاته صمد في الوجدان السوري بدرجات عالية ملحوظة، لم يغب عنها حرص السوريين على التمييز بين قِيَم النصّ الوطنية والتاريخية والشعرية والفنية، وبين فصل هذه القيم عن جيش النظام وتنزيهه عن أن يكون نشيداً لميليشيات الـ»خاين يللي بيقتل شعبه»

وتعبير «الجيش العربي السوري» سقط منذ عقود، طيلة معظم سنوات حكم «حزب البعث» لكن بصفة خاصة على امتداد 41 سنة من سلطة آل الأسد، الأب ووريثه الابن، قبل أن يُشيّع التعبير نهائياً إلى سلال مهملات التاريخ مع استدارة الكثير من قطعات هذا الجيش بعيداً عن الجبهة مع الاحتلال الإسرائيلي ونحو محافظات درعا وريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية ودير الزور وسواها؛ ومع زجّ الفرقة الرابعة، التي قودها ماهر الأسد شقيق رأس النظام، وذات التسليح الاستثنائي والامتيازات العالية والتركيب الطائفي، في أولى حروب النظام ضدّ مدينة درعا، آذار (مارس) 2011. وليست، البتة، مفارقة صارخة أنّ هذه الفرقة تخوض اليوم أيضاً أشرس المعارك ضدّ أهل درعا وحوران عموماً، وتفرض واحداً من أقذر أنساق الحصار والقصف والتنكيل، وأن يتسرّب فيديو لأحد ضباط هذه الفرقة يخاطب جنوده هكذا: «إلنا عالم ماتت هون، جايين لناخد بتارنا، جايين لنمسح بكرامتهن الأرض».

وإذْ سقط تعبير «الجيش العربي السوري» فإنّ البديل الأنسب كان «جيش النظام» إذا شاء المنحاز إلى هذا التوصيف أن يقصد البنية السياسية والأمنية والطائفية للجيش المعني؛ أو تعبير «جيش أبو شحاطة» إذا شاء القائل الإشارة إلى المستويات القتالية والتدريبية والمعنوية التي باتت صبغة وحداته القليلة ذات المهامّ العسكرية المهنية. ولطالب الاستزادة أن يسرد سلسلة معطيات عن جيش النظام، باتت مرادفة له ولصيقة به وكلاسيكية على أكثر من نحو: أنه، بالرغم من تبدلات شكلية اقتضتها تقلبات أحوال النظام، أقرب إلى ميليشيات تتابع تقاليد ومواضعات أربعة تشكيلات مركزية («سرايا الدفاع» «الوحدات الخاصة» «الفرقة الرابعة» «الحرس الجمهوري») بدأ بها الأسد الأب وتوارثها الأسد الابن، واحتفظ بعضها باسمه الأصلي أو حاز اسماً آخر؛ من دون أن يتبدل جوهر الوظائف أو تتغير في العمق معطيات البنية والتركيب.

ولأنّ النشيد الوطني السوري «حماة الديار» اقترن تاريخياً بالصورة الأولى للجيش الوطني بعد الاستقلال، وحتى خلال فترة الانقلابات ما قبل استيلاء «البعث» على السلطة في سنة 1963؛ فقد توجّب أن يجد بعض نشطاء انتفاضة 2011 أنّ الواجب يقتضي مراجعة النصّ؛ في ضوء الجرائم التي انساق إليها جيش النظام، وبلغت مستوى المجازر والتصفيات الجماعية. وهكذا قدّمت «فرقة المندسين» نسخة من النشيد تعتمد اللحن ذاته، الذي كان قد وضعه اللبناني محمد فليفل؛ مع تبديل في بعض عبارات الأبيات الأصلية/ التي كتبها الشاعر والسياسي السوري خليل مردم بك. ففي الأصل تقول القصيدة:

«حماة الديار عليك سلام/ أبت أن تذلّ النفوس الكرام

عرين العروبة بيت حرام/ وعرش الشموس حمىً لا يُضام

ربوع الشآم بروج العلا/ تحاكي السماء بعالي السنا»؛

فصارت:

«حماة الديار عليكم سلام/ الشعب يريد إسقاط النظام

دم الشرفاء عليكم حرام/ فهبّوا لنصرة شعب يُضام

ربوع الشآم تعاني الأسى/ وتشكو إلى الله ظلماً قسا»…

لافت، مع ذلك، أنّ النشيد ذاته صمد في الوجدان السوري بدرجات عالية ملحوظة، لم يغب عنها حرص السوريين على التمييز بين قِيَم النصّ الوطنية والتاريخية والشعرية والفنية، وبين فصل هذه القيم عن جيش النظام وتنزيهه عن أن يكون نشيداً لميليشيات الـ»خاين يللي بيقتل شعبه». وحين تعالت أصوات تطالب باستبدال النشيد، على غرار استبدال علم النظام، ساجلت هذه السطور ضدّ المسعى لأنّ النشيد الوطني لأية أمّة هو أيقونة راسخة في الوجدان الشعبي، على نحو قد يبلغ من التجريد مقداراً يستعصي تماماً على أيّة إمكانية لإدخال تبديلات أو تعديلات، وإنْ طفيفة شكلية، أو تجميلية تطويرية، على الأصل.

وبهذا، قد يكون أحد أفضل الردود على تخرصات صحيفة «الوطن» هو إنشاد «حماة الديار» النشيد اللائق بشعبها وبجيشها الوطني الآتي، طال الزمان أم قصر!

=========================

خيارات درعا في السلام والحرب

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 2/8/2021

كشفت أحداث محافظة درعا، المدينة التي انطلقت منها شرارة الثورة السورية (مارس/ آذار 2011) عقم المراهنة على التسويات التي عُقدت في ظل اتفاقات ثلاثي أستانة (روسيا وإيران وتركيا)، المتعلقة بخطط المناطق الأربع منخفضة التصعيد، أو حتى تلك التسويات التي تعهدت بها روسيا أمام الولايات المتحدة، وكانت مدخلاً لها لاستلام الملف السوري كاملاً، وتقديم مشروع حلولها لتسوية الصراع في سورية بين النظام الذي ترعاه مع إيران ليبقى على رأس السلطة في دمشق، والفصائل "المعارضة" في جهات سورية الأربع. ووفق ذلك، كان من المفترض أن تكون تسوية درعا النموذج الحي عن مشروع روسي قابل للتطوير في أكثر من مكان، فيما لو التزم النظام بنوده. إلا أن واقع الأحداث المتلاحقة، بعد اتفاق خفض التصعيد في ريف دمشق وحلب واليوم درعا، يؤكد أن تلك الاتفاقات لم ينجم عنها أي شيء من ذلك، بل أدّت إلى زيادة التصعيد، وزيادة التدخل العسكري الروسي إلى جانب قوات الأسد، بالشكل الذي نتج عنه تمكين النظام من استعادة مناطق عديدة في الجنوب والوسط والشمال، بحيث لم تبق سوى منطقة إدلب خارج ذلك الترتيب، وهذا ليس لمصلحة الشعب السوري وثورته، وإنما بسبب تقاطع المصالح الروسية ـ التركية، إلى جانب مصالح دولية أخرى، معنية بملف القاعدة، وضمن ذلك جبهة النصرة.

النظام يعتبر بنود الاتفاقات مجرّد هدنةٍ مرحليةٍ يتبعها تدخله العسكري، وهو يوضح بصورة قطعية عقم دعوات المصالحة

وفي ما يخصّ درعا، قد يفيد التذكير بأن ما يسمى "خفض التصعيد" فيها حصل بطريقة مختلفة، إذ لم يتم بطريقة الحسم العسكري، كما تم في دمشق وريفها وحلب وريفها، وإنما تم بالوساطة السياسية الدولية، وبرعاية أميركية مباشرة، وتحت نظر إسرائيل، وذلك لما يشكله موقع المنطقة الجنوبية من أهمية، سواء من الناحية الأمنية لإسرائيل، أو لرغبتها بوقف تمدّد إيران في المنطقة تحت مسمى مساندة النظام السوري في حربه على المتمرّدين عليه. ولذلك حظيت المصالحات الروسية على تلك التوافقات الدولية، وعقدت روسيا اتفاقا لفرض نوع من الهدنة بين النظام وفصائل المعارضة في درعا، أدّى إلى استعادة النظام سيطرته خدمياً، مع حفاظ المعارضة على وجودها المدني والمسلح.

وكما في كل تسوية سابقة، سواء برعاية موسكو أو حلف أستانة، فإن النظام يعتبر بنود الاتفاقات مجرّد هدنةٍ مرحليةٍ يتبعها تدخله العسكري، وما يجري اليوم يبين أن ما حدث في اتفاقيات ريف دمشق وحلب وريفها هو نهج النظام في فهم التسويات، وهو يوضح بصورة قطعية عقم دعوات المصالحة، إذ ليست تلك الكلمة من مفردات النظام أو من مصطلحاته، لأن النظام لا يتعاطى ألبتة مع الحلول السياسية، سواء برعاية من حلفائه أو برعاية دولية. إذ اعتمد، منذ البداية، أقصى الحلول الأمنية وأقساها، بكل ما فيها من أهوال، لقمع إرادة التغيير عند الشعب السوري أو لوأدها، ما نجم عنه تشريد الملايين، وقتل مئات الألوف واعتقال عشرات الآلاف.

على أية حال، فإن الاشتباكات الواسعة، والحامية، والدامية، التي حصلت وتحصل في درعا وريفها تؤكد أن ملف الصراع السوري، الذي لاقى نوعا من التهدئة، يمكن ببساطةٍ معاودة إشعاله، إنْ بحكم تفاعلات داخلية، أو بحكم تفاعلاتٍ خارجية، وأن منطقة إدلب التي تعيش على رماد تحته جمر ليست وحدها من ينذر بهذا الخطر القادم من الأسد، هذا مع علمنا أن ثمّة منطقة ثالثة، وهي شمال شرق سورية، أي غرب الفرات، قابلة للانفجار أيضاً. وعليه، فإن أيام التهدئة التي عاشتها سورية قبيل الانتخابات الرئاسية، وما جرى من مقاطعات شعبية لتلك الفعالية في درعا ومناطق أخرى، سيردّ عليها النظام حيث يستطيع ويتمكّن من ذلك، مع دراسة توازنات مصالحه وتقاطعاتها مع حلفائه من جهة، وبين حلفائه والأطراف الدولية المتدخلة في الملف السوري من جهة مقابلة.

من غير المعروف مدى رضى روسيا عن تملص النظام من المصالحات التي عقدتها، ومن غير المعروف ما إذا كانت تصرّفات النظام ناشئة عن تنسيق معها

وفصل القول، إذا كانت منطقة الشمال السوري ذات حساسية تركية، ومنطقة شرقي الفرات ذات حساسية أميركية (وعربية وكردية) فإن منطقة الجنوب على غايةٍ في الأهمية، وهي عرفت كذلك تاريخيا، فهي منطقة ذات حساسية إسرائيلية وأردنية (وأميركية وروسية أيضا). لذا من الصعب التكهن بطبيعة التداعيات التي قد تنشأ عن تطيير المصالحات التي اشتغلت عليها روسيا، مع وجود ثقلٍ مؤثر فيها للقوى الشعبية الثائرة ضد النظام، وفصائلها العسكرية المحلية. وحتى تاريخه، من غير المعروف مدى رضى روسيا عن تملص النظام من المصالحات التي عقدتها، وأدّت إلى تهدئة هذه الجبهة. ومن غير المعروف ما إذا كانت تصرّفات النظام ناشئة عن تنسيق مع روسيا، أم عن تبرّم الأسد من الاتفاقات التي عقدتها حليفته، وقلصت من صلاحياته، وقيدت بها مؤسسات النظام، وبخاصة الأمنية منها، في تعاملها مع الشعب. لذا في كل الحالات، ثمّة وضع جديد قد ينشأ نتيجة الصدامات المباشرة في تلك المنطقة بين النظام والمعارضة، وثمّة درس جديد لكيانات المعارضة بأن الذهاب إلى التفاوض مع النظام تحت مساراتٍ جانبية، ومنها أستانة، لا يخفّض فقط سقف الطموح، بل يلغي كل الحقوق مع جفاف حبره على الورق.

درعا اليوم وحيدة في مواجهة قصف النظام، تعتمد في صمودها على وحدتها الداخلية، كأهالٍ راغبين في تحقيق السلام لأبنائهم، واستمرار عملية استعادة بنيتهم التحتية بتعاضدهم ومن أموالهم، ودعم المغتربين منهم، وهم يقرأون من كتاب الحرية الذي كتبوه معاً في 18 مارس/ آذار 2011، ما يعني أن السلام ليس نقيضاً لحفظ كرامتهم، سواء كان خيارهم البقاء في بيوتهم، أو القبول بالتهجير الجماعي الذي تفرضه حرب النظام الغاشمة عليهم، ومع أي خيار لهم سيكونون قد قدّموا نموذجاً سوريّاً مشرّفاً عن الدفاع عن خيارات السلام التي تحفظ كرامات الناس وحقوقها.

=========================

الجولاني والوضع في إدلب

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 1/8/2021

ليس لدى زعيم تنظيم "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقا) أبو محمد الجولاني من يخاطبه سوى الإعلام. وعمل في العام الأخير على دخول تجربة التواصل مع وسائل الإعلام بقوة، ولذلك صار يكثر من ظهوره في المنطقة التي يسيطر عليها في محافظة إدلب. وفي كل مرة أراد أن يوصل رسالة عبر الإعلام مهد لها على الأرض من خلال وسائل البروباغندا المعهودة، والتي تقوم على خداع الرأي العام من أجل تمرير هدف معين، مثل تقديم صورة الرجل المسالم عن نفسه، وأن تنظيمه لا يمثل أي تهديد للولايات المتحدة وأوروبا. وفي وسع الجولاني أن يقول عن نفسه ما يشاء، وأن تصدق أميركا وأوروبا أقواله أو لا تأخذها على محمل الجد، وتنظر إليها بريبة، وتعتبرها أفعالا انتهازية هدفها كسب الثقة من أجل بناء علاقة تفتح أبواب التفاهم والعمل المشترك، إلا أن الأجهزة الغربية التي يتواصل معها زعيم "هيئة تحرير الشام" ليست بلا حضور على الأرض السورية السائبة، ويمكن ببساطة فحص الخطاب الذي يبيعه الجولاني من خلال وسائل الإعلام، والتأكد من أن هدفه هو تعزيز النظام الأمني الذي أقامه كسلطة أمر واقع على هذا الجزء من الأرض السورية، مستفيدا من الخدمات التي قدمها تنظيمه لأطراف عدة، بما فيها النظام السوري الذي اخترق "جبهة النصرة"، مثلما فعل مع داعش وبقية التشكيلات العسكرية والسياسية من دون استثناء.

تتعرض قرى في جبل الزاوية إلى قصف يومي، ولا يرد تنظيم الجولاني على مصدر النيران بقذيفة واحدة، مع أن هذه القرى واقعة في نطاق المناطق التي يمارس فيها نفوذه

الرسائل التي يوجهها الجولاني إلى الداخل والخارج لا تعني السوريين، بغض النظر عن صدقيتها من عدمه. ومصدر عدم الثقة بـ "هيئة تحرير الشام" وزعيمها هو التجربة المريرة منذ عدة سنوات والمسافة الكبيرة بين الخطاب والممارسة، والناس يحكمون اليوم على الأفعال، ولكثرة ما عانوا ودفعوا من الأثمان الباهظة ما عادوا يقفون عند الوعود، بل يطلبون من الجولاني وغيره من الذين يحملون السلاح باسم الثورة أن يحموا المدنيين العزل، الذين يتعرضون للمجازر التي يرتكبها النظام وروسيا وميليشيات إيران الطائفية، وعلى سبيل المثال تتعرض قرى في جبل الزاوية إلى قصف يومي، ولا يرد تنظيم الجولاني على مصدر النيران بقذيفة واحدة، مع أن هذه القرى واقعة في نطاق المناطق التي يمارس فيها نفوذه، وهناك 35 قرية يسكنها 50 ألفا مهددة بالتهجير بسبب القصف اليومي، وقضى 83 مدنياً بينهم 24 طفلاً و16 امرأة، بأكثر من 287 هجوماً لقوات نظام الأسد وروسيا على مناطق سيطرة المعارضة في شمال غربي سوريا، منذ بداية حزيران الماضي حتى 21 من تموز الماضي.

كل خطابات الجولاني المتكررة، ومنها الأخير الذي استعرض فيه عضلاته العسكرية تأتي لتغطي على واقع مأساوي يعيشه السوريون

تتعرض مناطق من محافظة إدلب وريفي حلب وحماة إلى اعتداءات مستمرة، ويقف الجولاني متفرجا، بل يخرج على الملأ ليعلن من دون أن يرف له جفن أن عملية عسكرية واسعة في إدلب غير واردة، لأنه هو من يمتلك قرار الحرب والسلم، ولديه من الأسلحة ما يشكل مفاجأة كبيرة، ولا يريد الرد على قصف المدنيين لأنه لا يود الكشف عن هذه الأسلحة، وما إلى ذلك من الكلام المستهلك. وكل خطابات الجولاني المتكررة، ومنها الأخير الذي استعرض فيه عضلاته العسكرية تأتي لتغطي على واقع مأساوي يعيشه السوريون، ويدفعون ثمنه بسبب هذا التنظيم الذي يسيطر على محافظة إدلب، ويقيم فيها سلطة بكامل الصلاحيات، ولا يختلف في سلوكه وتصرفاته عن النظام السوري، همه الوحيد بقاء النظام فقط، في حين أنه يشكل ذريعة بيد روسيا وإيران لمواصلة حرب التهجير المتواصلة ضد الشعب السوري، و يستمر على هذا النهج منذ معركة حلب في صيف عام 2016، والتي انتهت إلى تهجير أهالي شرقي حلب وبعض أريافها ليدخلها النظام والإيرانيون، وينسحب الجولاني إلى إدلب التي يحكمها ولا يدافع عنها.

=========================

وجهة نظر : سؤال يجب أن يجيب عليه كل سوري ..كيف تنظر إلى الدور الروسي في سورية؟؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

5/ 8/ 2021

وعن نفسي أجيب ..

- جسد الدور الروسي في سورية، شكلا من أبشع أشكال الاحتلال، احتلال فاق ببشاعته كل أشكال الاستعمار القديم . وكبل الدولة السورية بمعاهدات واتفاقات بعيدة المدى، ستجعل كل الشعب السوري يدفع ضريبتها على مدى عقود . احتلال عسكري، وسيطرة سياسية واقتصادية ..

- جعل الاحتلال الروسي من سورية ميدانا لتجربة أسلحته الاستراتيجية على مدى سبع سنوات، وتباهى بذلك عسكريوه وسياسيوه. في تصريحات مشهورة محفوظة..لا يجوز أن تغيب عن عقول السوريين وقلوبهم ..

-كان الدور الروسي في سورية دورا عدوانيا عنصريا طائفيا، اصطف مع الظالم المستبد ضد إرادة شعب خرج يطالب بالعدل وبالحرية ..وعبر عن عنصريته وطائفيته بتصريحات مباشرة لا تقبل التأويل ولا التجميل!! سنحفظها كما حفظنا مقولة الجنرال الفرنسي" ها قد عدنا يا صلاح الدين" والجنرال الانكليزي" اليوم انتهت الحروب الصليبية"

-شكلت السياسة الروسية في سورية الغطاء العملي العسكري والسياسي والدبلوماسي - من خلال قرارات الفيتو - ؛ لكل الجرائم التي ارتكبها بشار الأسد وداعموه من الميليشيات الطائفية... ومن هنا فإن كل الجرائم التي وقعت وما تزال تقع في عهد الأسد، في سجونه وفي فضاءاته هي عمليا جرائم روسية، تتم برضا الروس وموافقتهم. وكل القتل وكل التعذيب وكل التهجير وكل السرقات والمصادرات وكل التجويع والإفقار .. الذي تم على الأرض السورية، كان بفعل الروس أو تحت غطائهم وموافقتهم.

- من موقع القوة المتغطرسة نكَل الروسي بكل الاتفاقات والمصالحات التي زعموا أنهم عقدوها من خلال اتفاقات أستانا وتشوسي وما زالوا يعملون على المحور الجرمي نفسه مستهترين بكل القيم الإنسانية والحقوقية ..حتى ينطبق عليهم قول الله تعالى أنهم " لا عهد لهم " وهذا ما يجب أن يظل حاضرا فلا يغيب عن ذهن سوري.

تمثل الدور الروسي في سورية بدور الرئيس الروسي بوتين الذي استخف أكثر من مرة بسورية الدولة والرئيس " حتى يجره عسكري روسي من طرفه" ، والحكومة حتى أجلس وزير الدفاع " السوري ألأسدي" على الكرسي الواطئ، وزار بوتين سورية من غير إخطار ، وتجول فيها من غير مرافقة .

وتمثل الدور الروسي في سورية ثم بوزير الخارجية لافروف، ووزير الدفاع شويغو ، والقيادات العسكرية والطائرات الحربية والميليشيات الروسية متعددة الوجوه وفي أدناها مرتبة عصابات " الفاغنر".

وآخر أعمدة الاحتلال الروسي لسورية كان البطريرك الروسي الأرثوذكسي الذي بارك الحرب على سورية " كيريل " ويقولون في النصرانية ، في البدء كانت الكلمة. ولعلنا نقول وفي البدء كان كيريل ..

وإذا أردنا أن نجمل القول في الدور الروسي في سورية، فنستطيع أن نقول لقد كان الروس في سورية "هم العدو " لعموم الدولة والشعب السوري وفي كل الميادين العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية ..

وفرض الروس على الشعب السورية حربا صفرية لا مقاربات فيها. وكل ما يحكى عن المقاربات الروسية في سورية: حديث خرافة ، وسمادير حالمين أو نائمين..

موقفنا : ونحن شعب صاحب حق ، ومصرون على نصرته بكل الوسائل، ومن أقرب السبل، نرفض المعارك الصفرية أن تفرض علينا، ولا نخوض معاركنا اليومية من منطلق صفري، وذلك مما تعلمناه من سنة ( دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ).

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

في الحاجة السورية إلى مركزية مضادة

راتب شعبو

العربي الجديد

الاحد 1/8/2021

الحقيقة التي نتعثر بها دائماً، ولا نرغب برؤيتها، أنّ العمل السياسي المنظم للنضال ضد سلطات مستبدّة وشديدة المركزية يحتاج إلى تنظيمات سياسية شديدة المركزية بدورها... نظرة سريعة إلى الواقع السوري اليوم، بعد الصراع الدامي الذي قُدمت فيه تضحياتٌ هائلة، تظهر أنّ القوى الوحيدة التي ثبتت على الأرض، وحازت مكاسب فعلية، هي شديدة المركزية، والتي يحوز مركز القرار فيها على سلطةٍ لا تُنازَع، فيما تهمّشت أو تلاشت القوى التي قامت على أساس ديمقراطي داخلي، وخلت من سلطةٍ مركزيةٍ راسخةٍ وقادرةٍ على ضبط الجسد التنظيمي.

لم يقطف السوريون ثمرة مفيدة من بروز القوى شديدة المركزية التي واجهت نظام الأسد، وتمكّنت في المرحلة التي تلت الثورة السورية. السبب أنّ هذه القوى استبدلت السياسة بالجغرافيا، فبدلاً من أن تتصارع على أرضٍ واحدةٍ وتحدّ، على نحو متبادل، من احتكار السلطة، استقلت كل منها على أرض، وحافظت كل منها على سلطتها المحتكرة. أي أنّ النظام الأسدي (المحتكر الأول) اشترى استمرار احتكاره للسلطة بالتخلي عن أجزاء من الأرض السورية، ارتضتها السلطات المستجدّة، وأقامت كلٌّ منها "دولتها" عليها. هكذا تحوّل الصراع السوري إلى صراع خارجي، أي صراع بين سلطاتٍ لكلّ منها مجال جغرافي مستقل عن الأخرى، بشكلٍ جعل الصراع نفسه مستقلاً عن البعد الديمقراطي.

المفارقة التي يُشار هنا إليها تقول إنّ التنظيم الذي يحترم المبدأ الديمقراطي، في ظروف نضالٍ ضد سلطة مستبدّة وراسخة، غالباً ما ينتهي إلى الفشل، نظراً إلى هشاشة مثل هذا التنظيم أمام صلابة "تنظيم" السلطة المستبدّة. هكذا يبدو أنّ النضال لكسر احتكار سلطةٍ يحتاج سلطةً مضادّة مُحتَكَرة. على هذا، يبدو كما لو أنّ النضال الديمقراطي يحتاج إلى تنظيم ديكتاتوري، أو أنّ الاستبداد يُواجَه باستبداد مضاد. وهو ما يثير حيرة (وسخط) المتطلعين إلى الخلاص من الاستبداد السياسي المزمن في بلدانهم، فمن الطبيعي أنّ هؤلاء لا يتقبلون أيّ سلوك ديكتاتوري في تنظيماتٍ تقول إنّها تواجه الديكتاتورية، في وقتٍ تتطلّب فيه مجريات النضال الفعلي، تنظيمات مركزية و"احتكار" للتمثيل، أي يتطلّب نوعاً من الديكتاتورية التنظيمية. الثائرون ضد سلطةٍ مستبدّة يريدون تنظيم نضالهم بآلياتٍ ديمقراطيةٍ يؤمنون بها، ويتطلعون، في الوقت نفسه، إلى الفاعلية والتأثير في مواجهة السلطة المستبدة. والحقيقة أنّ في هذا جمع لما لا يُجمع. فاعلية التنظيم تحتاج إلى سلطة مركزية حاسمة.

يمكن النظر إلى تعدّدية المعارضة أنّها ملمح ديمقراطي، وهذا صحيح، إلّا أنّ من الصحيح أيضاً أنّ هذا الملمح كان من أسباب ضعف أداء المعارضة وتشتت قوتها

حيازة سلطة مركزية حاسمة لا تأتي بقرار. لكي يحوز مركز ما على سلطةٍ حاسمةٍ لا تُنازَع، ولكي يحتكر التمثيل، لا يكفيه التوافق الطوعي على سلطته (إذا سلّمنا بإمكانية مثل هذا الرضا العام الذي تعكسه أكثرية انتخابية مثلاً)، فهذا التوافق يبقى عرضةً للعرقلة وللاهتزاز والتفتّت، مع تقلب الظروف والمعطيات في النضال السياسي، ويبقى تحت ضغط النزوعات الشخصية المتباينة أو الميول الزعامية المنافسة .. إلخ. يحتاج المركز السياسي المسيطر وصاحب القرار إلى ما هو أهم من التوافق، إنّه يحتاج وسائل جذب وردع. ينطبق هذا على التشكيلات الكبرى (دول مستبدّة) كما على التشكيلات الأقل تعقيداً (جماعة أو حزب سياسي). بكلام آخر، يحتاج النضال السياسي ضد سلطات مستبدّة (شديدة المركزية ولا تعترف بحقوق الآخرين)، لكي يستطيع التأثير، إلى سلطةٍ تمثل الحقوق المسلوبة، لكنّها مشابهة في المركزية. يصحّ هذا أكثر كلما كانت السلطة التي يجرى النضال ضدها أكثر استبداداً. إذا صحّ ما سبق، فإنّه يدلّ على صعوبةٍ بالغة، فمن أين لتنظيم "معارض" أن يحوز التماسك التنظيمي المطلوب؟ والأهم، هل يمكن لتنظيم "ديكتاتوري" أن يكون وسيلةً ديمقراطية، وأن يبقى وفياً للحقوق المسلوبة التي يمثلها؟

خلال العقد المنصرم، كانت المعارضة السورية متعدّدة العناوين، على طول الخط، في حين بقي لنظام الأسد عنوان واحد. أي كان النظام بمركزية ثابتة (هناك مركز قادر على إدارة وحسم صراعات المراكز الأخرى داخل النظام)، فيما كانت التنظيمات المعارضة متعدّدة المراكز، الأمر الذي يتضمّن التنافر والصراع الخفي أو المعلن بين هذه المراكز، وهو ما كشفته شهادات فاعلين كثيرين في مختلف مؤسسات المعارضة.

التنظيم الذي يحترم المبدأ الديمقراطي، في ظروف نضالٍ ضد سلطة مستبدّة وراسخة، غالباً ما ينتهي إلى الفشل

يمكن النظر إلى تعدّدية المعارضة على أنّها ملمح ديمقراطي، وهذا صحيح، إلّا أنّ من الصحيح أيضاً أنّ هذا الملمح كان من أسباب ضعف أداء المعارضة وتشتت قوتها، أو بكلمة أخرى كان من أسباب الفشل. وبالمعنى نفسه، كانت القوى التي تحمل راية الديمقراطية، تعاني من مشكلة داخلية، أساسها التوتر بين الفكرة الديمقراطية (المبادئ الديمقراطية) والمهمة الديمقراطية (كسر احتكار السلطة السياسية). تدفع الأولى إلى إعلاء المبادئ الديمقراطية واحترامها داخل التنظيم وخارجه. والثانية تدفع إلى تقوية الذات في مواجهة السلطة المستبدّة. تقوية الذات تتطلب، كما بيّنت التجربة السورية، تجميد الفكرة الديمقراطية لصالح مركزيةٍ شديدة وحاسمة. غير أنّ المركزية التي تقوم على الثقة أو التفويض الواسع تبقى، مع ذلك، أضعف من المركزية التي تقوم على الجمع بين القسر والترغيب، ذلك حين تكون لدى المركز المخوّل وسائل ترغيب وترهيب... وفي السلطة الأسدية، كان هناك دائماً الإغراء الذي توفره الامتيازات ويوفره الفساد، وكان هناك القسر الذي توفره أجهزة الأمن أو الجيش عند الضرورة.

يتفكك لغز المفارقة المذكورة بين المهمة والوسيلة، المهمة الديمقراطية والوسيلة الديكتاتورية، إذا لاحظنا ضرورة التمييز بين مرحلتين: كسر احتكار السلطة والتأسيس الديمقراطي. تحتاج المرحلة الأولى إلى تنظيم مركزي مسنود شعبياً (هذا بحد ذاته تحدٍّ كبير، ويصبح أكبر كلما طال أمد النضال، ذلك أنّ الجمهور الثائر ضد الاستبداد سوف يرفض المركزية الشديدة في التنظيم). وتحتاج المرحلة الثانية توافق القوى وتعدّد المراكز والاحتكام المشترك إلى نظام إدارة سياسية يشمل الجميع (وهذا أيضاً تحدٍّ آخر، ذلك أنّ انكسار السلطة المستبدّة يمكن أن يفجّر صراعات جديدة على السلطة، ما يضع المجتمع أمام احتمال بروز قوة قادرة على الحسم، وذات شعبية منشؤها رغبة الخلاص من الفوضى، وبالتالي أمام احتمال استبداد جديد، أو الدخول في مرحلة صراعات مدمرة طويلة كما شهدنا في اليمن وليبيا).

الخلط بين المرحلتين المذكورتين يعيق عملية تفكيك احتكار السلطة. لكنّ السؤال الصعب: كيف يمكن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة؟ بكلام آخر، كيف يمكن كسر مركزية السلطة التي استطاعت كسر مركزية سلطة النظام المستبد؟

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com