العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 08-04-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ترامب وقرار الانسحاب من سورية .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 5/4/2018

شكل إعلان الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من سورية و «ترك الآخرين إدارة الأمور هناك»، خلال تجمع انتخابي في ولاية أوهايو، مفاجأة ليس للسوريين فقط وإنما لوزراتي الخارجية والدفاع الأميركيتين نفسيهما، ولذلك صرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية أن ليس لديها علم بهذا القرار ورفضت التعليق على تصريحات ترامب في شأن سورية.

ويعد الإعلان مناقضاً تماماً لما أعلنه وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس من بقاء القوات الأميركية في سورية والتي يبلغ قوامها حوالى 2000 جندي لمنع ظهور منظمة إرهابية جديدة شبيهة بـ «داعش» ولضمان لعب دور الاستقرار في سورية، وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي السابق تيلرسون في جامعة ستانفورد يوم الأربعاء 17 كانون الثاني (يناير) الماضي عبر تقديم ما سمّاه سياسة الولايات المتحدة الجديدة تجاه سورية حيث أكد حينها أن الولايات المتحدة لن تسحب وجودها العسكري من سورية، فهو كما ذكر في خطابه أن الولايات المتحدة تعلمت من درس العراق أن الانسحاب المبكر قبل وجود حكومة شرعية ومستقرة قد يدفع البلد إلى الفوضى واللااستقرار ويمكّن جماعات أصولية ومتطرفة من استغلال الوضع وبناء موطئ قدم لها هناك بعدما جرى في عام 2013 عندما تمكنت داعش من استغلال انسحاب القوات الأميركية في العراق وإعلان خلافتها المزعومة من الموصل التي سيطرت عليها خلال وقت قصير جداً.

إذاً، يمكن القول أن وزارة الخارجية الأميركية أرادت تأكيد موقفها في شأن عدم انسحاب قواتها من شمال شرقي سورية والقواعد العسكرية التي ساعدت من خلالها قوات سورية الديموقراطية في القضاء على داعش حتى الوصول إلى الرقة التي باتت اليوم تحت سيطرة مطلقة لما يسمى المجلس المحلي المدني الذي تسيطر على قراراته قوات الحماية الكردية والتي تبدو اليوم تحت ضغط شديد بسبب العملية العسكرية التركية لطردها من مدينة منبج بعد طردها من عفرين.

ومن أهداف القوات الأميركية في سورية ضمان تحقيق الاستقرار والضغط على نظام الأسد لتطبيق قرار مجلس الأمن 2254 بحيث يقود إلى سورية تحت قيادة جديدة ما بعد الأسد. والأهم القضاء على التأثير الإيراني في سورية، عبر القضاء على الوجود الإيراني هناك.

لفهم طبيعة تصريحات ترامب علينا أن نعود إلى كتاب «النار والغضب» للصحافي مايكل وولف الذي كشف ما يجري داخل إدارة ترامب خلال السنة الأولى، والأهم انه كشف في فصله الرابع عشر كيف اتخذ ترامب القرار بقصف مطار الشعيرات بعد استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي في خان شيحون في إدلب. يذكر وولف أن قصف خان شيحون كان أول حدث خارجي يبرز امام رئاسة ترامب. حيث كما هو معروف تتشكّل معظم الرئاسات بالأزمات الخارجية، ويُعد أكثر أدوار الرئاسة أهمّية إبداء ردّ الفعل على الحوادث الخارجية.

لقد استخدمت الأسلحة الكيماوية من قبل بشار الأسد أكثر من مرة، وكان الرئيس باراك أوباما قد اعلن أن استخدام السلاح الكيماوي خط أحمر، لكنه لم يفعل شيئاً عند استخدام نظام الأسد للسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية في آب (أغسطس) 2013. يضيف وولف أن «غالبية إدارة ترامب مستعدة لتوقّع ردّ فعل الرئيس، أو ما إذا كان سيبدي ردّ فعل أصلًا. ولم يستطع أحد تحديد مدى أهمية هذه الأسلحة بالنسبة إلى ترامب». يضيف «بحلول منتصف صباح الرابع من نيسان(أبريل)، عقد اجتماع لإحاطة الرئيس بالهجوم الكيميائي. رأى الرئيس ودائرته المقربة من مجلس الأمن القومي - وبينهم ابنته إيفانكا - أن الهجوم فرصة مباشرة لتسجيل اعتراض أخلاقي. كان الحادث جليًا: مرة أخرى انتهكت حكومة بشار الأسد القانون الدولي باستخدام أسلحة كيميائية. كان هناك فيديو يوثق الهجوم، واتفاق بين أجهزة الاستخبارات على مسؤولية الأسد. الوضع السياسي كان مواتيًا: فشل باراك أوباما في الرد عند مواجهة هجوم كيميائي سوري، والآن بإمكان ترامب الرد. أما الخطورة فكانت ضئيلة فالرد سيكون محدودًا. أضف إلى ذلك أن الإدارة ستبدو كأنّها وقفت في وجه الروس وحلفاء الأسد غير الفعّالين في سورية، الأمر الذي سيسجّل لمصلحة ترامب محليًّا.

مع انقضاء اليوم، كانت إيفانكا ودينا باول نائبة مستشار الأمن القومي للشؤون الإستراتيجية منشغلتين بإقناع الرئيس بإبداء رد فعل ليس أقل من عقوبات أو إدانة كاملة لاستخدام الأسلحة الكيميائية أو السيناريو الأفضل: الرد العسكري. كان المستشار جاريد كوشنر يشتكي لإيفانكا عدم تجاوب الرئيس، وبدا واضحًا له ولمستشار الأمن القومي مكماستر أن ترامب منزعج من الحاجة إلى التفكير في الهجوم أكثر من انزعاجه من الهجوم نفسه. أدركت إيفانكا وباول أن الطريقة الوحيدة لإقناع ترامب بالنظر في المسألة هي من خلال الصور لرفضه وحتى انزعاجه من الجداول والوثائق التي يتبادلها مسؤولو الإدارة في العادة، فأعدّتا عرضًا مرئيًا يُظهر أطفال خان شيخون والزّبد يخرج من أفواههم. نجح العرض وأصيب ترامب بالذهول وبدا له أنّه لا يمكن تصور عدم صدور رد فعل من الولايات المتحدة وبات منفتحًا على جميع الخيارات العسكرية.

وفي 5 نيسان، أحاط الجنرال مكماستر ترامب بالوضع في سورية، وبيّن له أنّ هناك خيارات عدة متاحة أمام الإدارة، وكالعادة أثقل مكماستر ترامب بالتفاصيل، ليظنّ الرئيس أنّه يتم التلاعب به. في النهار التالي، وفي طريقه للقاء الرئيس الصيني في منتجعه «مارالاغو» بولاية فلوريدا على متن الطائرة الرئاسية، عقد ترامب لقاءً لمجلس الأمن القومي في شأن الرد على الهجوم بالأسلحة الكيميائية. كان القرار قد اتُّخِذ في شأن إطلاق الجيش الأميركي صواريخ توماهوك باتجاه قاعدة الشعيرات الجوية التابعة لنظام الأسد. أمر ترامب من طائرته بأن يتم الهجوم في اليوم التالي. وفي أثناء لقاء ترامب مع الرئيس الصيني تم الهجوم على قاعدة الشعيرات. كانت لحظة سعيدة أسرّ فيها ترامب لأحد ضيوفه: «هذه واحدة كبيرة». فريق الأمن القومي بدا مرتاحًا بصورة نادرة؛ فالرئيس الأهوج وغير المتوقع بدا متوقعًا وطيّعًا.

المهم، في هذا الوصف الدقيق لما جرى داخل إدارة ترامب هو ان «ترامب كان منزعجًا من الحاجة إلى التفكير في الهجوم أكثر من انزعاجه من الهجوم نفسه» ولذلك علينا أن نتوقع دوماً ردود فعل عسكرية غير متسقة مع السياسة الخارجية طالما بقي ترامب في الرئاسة وفي البيت الأبيض.

==========================

موقفنا : توصيف سياسي : سورية وشعبها تحت حكم المتغلبين .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

4 / 3 / 2018

ومصطلح " متغلب " مصطلح شرعي ، يوصف به الحاكم أو صاحب السلطة الذي وصل إلى الحكم والسلطة بالقوة ، وليس عن شورى واختيار من المحكومين .

في كتابه الغياثي ينقل الإمام الجويني ( الإجماع ) أي إجماع علماء الأمة على أن (الأمة) مصدر الولايات . وقوله مصدر الولايات أي أنها صاحبة الأمر بتعيين الخليفة أو السلطان أو الرئيس أو الأمير ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، ومن يليه من الولاة ، حسب تراتيب لتحديد سبل الاختيار .

لا أحد على الأرض السورية اليوم يمارس السلطة يصدر عن إرادة حرة واختيار نزيه.

ووصف ( المتغلب ) في الأصل يدل على ثلمة في الأهلية الشرعية الأصلية ، ولا يدل على مدح أو ذم في السياسات الفرعية. فقد يكون المتغلب عاقلا .. عادلا ..أو قويا .. أو كريما كما كان فرسان المماليك وغيرهم في تاريخ الأمة كثير، وقد يكون طاغية مجرما زنديقا ، لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة كما هو متغلب سورية الأول اليوم..

الذي نريد أن نضعه بين قوسي التوضيح أن سورية كلها اليوم تحت حكم المتغلبين . المتغلب الأول في سورية اليوم هو المجرم بشار الأسد وعصابته وزبانيته والحاطبين في حباله فبشار الأسد وأبوه من قبله سطوا على حكم سورية بانقلاب عسكري ، ولن تغر باحث عن حقيقة ، الطقوس الخلبية ، ولا الادعاءات العريضة عن دولة ودستور وقانون وديمقراطية . سورية الأسد كانت مقطوعة لنزوة دبابة حافظ الأسد سنة 1970 ، وما تزال تلك النزوة تفرض نفسها على السوريين حتى اليوم .

الفقهاء المسلمون منذ القديم ، وخوفا من الأسوأ ، قرروا قواعد وأحكام للتعامل مع المتغلب ، وعلى هذه القواعد يفتي اليوم الحسونيون ، متجاوزين حقيقة أن هناك محاولة جادة وصادقة للتخلص من المتغلب ، وهي جديرة بالدعم والتأييد ..

على الطرف الآخر ، وفي المناطق المحررة ، حيث سيطرت فصائل بمسميات وعناوين مختلفة ، و تعبيرات متعددة تحاول في أغلبها الانتماء إلى الدين والشريعة وقال الله قال الرسول ؛ يسيطر أيضا متغلبون .

متغلبون بحقيقة أنهم ما جاؤوا عن شورى واختيار من المحكومين . وأمام هذه الحقيقة يجب أن نوضح أمرين مهمين :

الأول : أن دعم هؤلاء وتأييدهم إنما يتم على خلفية أنهم ناتج محاولة جادة للتخلص من المتغلب الأول ، وأن هؤلاء المتغلبون الجدد إنما يمثلون مرحلة انتقالية ، سيصير شعب سورية من ورائها إلى التخلص من حكم التغلب والمتغلبين أجمعين ، وإلى صيغة من الحكم الرشيد تحقق العدل والمساواة والأمن والاستقرار . وأن أي عقبة يمكن أن تقف في وجه هذا المشروع ( مشروع سورية الدولة والشورى والعدل ) يجب أن تظل في قوس مشروع التغيير إلى الأصلح الذي لا يتوقف أبدا في مسيرة بناء للأوطان ، كما تخوضها كل الشعوب .

والأمر الثاني : أن أكثر القائمين على هذه الفصائل ، ممن يمتلكون النوايا الحسنة ، والإرادات الطيبة ؛ لا يملكون المشروع الكلي ، أو التصور الكلي لبناء دولة بالمعنى الذي يريده الأكثرون .

في حكاية عمرو بن معدي كرب الزبيدي ، يوم أراد سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، أن ينفل مقاتلي القادسية نفلا إضافيا على ما يحفظون من القرآن ، أن عمرا قال : أسلمت والتحقت بالجهاد ، فلم يكن معه من القرآن إلا قليل . والشاهد أنه لا يرتبط جهاد المجاهد وبطولاته بعلمه وحفظه وإدراكه ، إذ لا ترابط بين هذا وذاك ، كما لا ترابط بين الفقه والعلم واللحية والقرطة والقصيرة !!

ثم لقد كانت هذه الفصائل ، وقياداتها ، منذ الأيام الأولى للثورة المباركة ، هدفا للمستهدفين ، ومحلا لاختراق المخترقين . ولا أحد يستطيع أن يزعم أن كل محاولات أعدائنا باءت بالخيبة والإخفاق ، كما أننا يجب أن نخشى في الوقت نفسه من التعميم ..

والرسالة التي نريد الخلوص إليها من هذا التوصيف ..

إلى القائمين على المناطق المحررة من قادة فصائل ومجالس شرعية ..

لستم ( أئمة ) بالمعنى السياسي للكلمة ، وأنتم لا تمتلكون صلاحيات الإمام ، وإنما أنتم رجال سلطة ( الأمر الواقع ) آل إليكم أمر هذه المناطق بحكم تغلبكم ، فاتقوا الله في أنفسكم ، واتقوا الله فيمن حولكم ، حملتم أمانة عظيمة فاعقدوا نيتكم أن تؤدوا الأمانة عند أول فرصة لأصحابها . احملوا شفقة عمر ورحمة عمر وجنبوا أنفسكم درته إلا فيما لا بد منه من رد صائل ووضع حد لعدوان معتدٍ أثيم ....

وإلى أبناء سورية الأحرار الأباة ..

كلنا بتنا يدرك الفرق بين العيش في ظل العبودية ( تحت سطوة أجهزة بشار ) وظل الحرية والكرامة الإنسانية ، لا نريد أن نزعم أن ما يجري في المناطق المحررة نقي كله . وأنه يصدر عن المشروع الذي حلمنا به كله ، نعلم جميعا أن هناك تجاوزات، ولكننا ندرك أن هذه التجاوزات تصدر أحيانا عن قصور، وأحيانا عن غفلة ، وأحيانا عن سوء تقدير ، أو قلة فقه ؛ والأهم والأخطر أن منها ما يصدر عن اختراق يمثله حامل السيف وحامل السوط . كل السياط التي تنزل على أجساد أهلينا في زنازين بشار الأسد لم يشهر صورتها أحد كما أشهرت صورة حامل السوط في تلك المناطق يجلد ظهر أحد المواطنين . حتى في الجرائم الجنائية يميز القانون الجرائم التي تصدر عن الإصرار مع العمد والترصد ، فيما يسمى النية الجرمية ، كما هو الحال عند عصابة بشار ..

في سورية ثورة وطنية ، تسير نحو مشروع وطني ، وكل التجاوزات التي تتم في المناطق المحررة ، والتي يتداولها المتداولون ..

لا تمثل الإسلام ، ولا شريعته ، ولا دعاته ولا المشروع الوطني . إنها مخرج طبيعي - وإن استنكرناه - للحظة الحرجة التي ساق المجتمع الدولي وبشار الأسد سورية إليها ..

ولنعلي الصوت جميعا : لا لدولة المتغلب ، ولا لحكم المتغلبين ..

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ !!

4 / 3 / 2018

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

 

==========================

حنين فرنسي إلى مستعمرتها السابقة؟ .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 5/4/2018

بصورة متزامنة أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته في سحب قواته من سوريا «في أسرع وقت»، واستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في قصر الإليزيه، وفداً يمثل «قوات سوريا الديمقراطية»، أواخر شهر آذار/مارس الماضي.

وقال ماكرون، في أعقاب استقباله للوفد، إنه يرغب في القيام بوساطة سياسية بين تركيا و«القوات الديمقراطية» التي ـ بالمصادفة ـ شكلت حزباً سياسياً يمثلها باسم «حزب سوريا المستقبل»! ردة الفعل التركية كانت صاخبة، كالعادة، وتولاها كل من رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه والناطق باسم الرئاسة على التوالي. فقد رفضوا جميعاً، بنبرة خلت من أي دبلوماسية، اقتراح ماكرون، وقالوا إنه يحسن به أن يشاركنا في حربنا على المنظمات الإرهابية، لا أن يعرض وساطة بيننا وبين الإرهابيين، معتبرين بذلك «قوات سوريا الديمقراطية» ككل منظمة إرهابية، لا مكونها الكردي الغالب (وحدات حماية الشعب) فقط، على ما دأب الخطاب الرسمي التركي سابقاً.

ولكن ما الذي دار في اجتماع الإيليزيه حقاً بين الرئيس الفرنسي ووفد «قسد»؟

تعتمد التسريبات التي تلت الاجتماع على أقوال أعضاء في الوفد، وهي شحيحة على أي حال. لكن أهمية الاجتماع تكمن في أنه اعتراف سياسي بقوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى أن توقيت الاجتماع مع إعلان الرئيس الأمريكي نيته سحب القوات الأمريكية من سوريا، يمنحه أهمية من حيث كونه مؤشراً أولياً لاستمرار الدعم الدولي لمناطق شرق الفرات. هل وعد الرئيس الفرنسي الوفد بشيء ملموس؟ يقول رودار خليل، الناطق باسم «قسد» الذي كان ضمن الوفد، إن ماكرون لم يقدم وعوداً بدعم قسد، بل تحدث، بكلام عام، عن نية فرنسا في تعزيز مشاركتها في التحالف الدولي لمحاربة داعش.

ذكرت بعض الأخبار الميدانية أن آليات عسكرية فرنسية وصلت، في الأيام التي تلت الاجتماع، إلى مدينة منبج التي يهدد الرئيس التركي بالتوسع نحوها منذ بعض الوقت، بموازاة تعزيزات أمريكية أيضاً لقواتها في المدينة المذكورة التي تسيطر عليها قوات قسد منذ تحريرها من مقاتلي داعش.

ترى ما الذي دفع الرئيس الفرنسي إلى طرح وساطته بين تركيا وقسد، وهو يعرف مسبقاً، ولا بد، بردة الفعل التركية المحتملة التي لم تخرج عن السياق المألوف للتصريحات التركية منذ بدء اجتياح منطقة عفرين؟

قالت المصادر الأمريكية إن الرئيس ترامب طرح على نظيره الفرنسي، في المكالمة الهاتفية التي سبقت اجتماع الاليزيه مع وفد قسد، ضرورة تعزيز العمل مع تركيا في الملف السوري. فإذا كانت عقدة الخلافات الأمريكية مع تركيا تتمثل في تحالف الأمريكيين مع القوات الكردية تحت مظلة قسد، يكون اقتراح ماكرون بهدف تذليل هذه العقبة بحل وسط يرضي تركيا ولا يبيع مصير القوات الكردية معاً. وهو ما يمكن الوصول إليه ـ في ظن ماكرون ـ بمحادثات بين الطرفين. لكن ردة الفعل التركية ـ غير المفاجئة ـ أطلقت النار على الاقتراح في مهده. لنا أن نستنتج، إذن، أن الاقتراح كان أصلاً لـ«تبرئة الذمة» قبل الخطوة التالية التي قد تتمثل، إذا كان ماكرون، وبالتنسيق مع الأمريكيين، جاداً في دعم قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة أي محاولة تركية للتمدد نحو منبج أو المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات، في حال قرر ترامب فعلاً سحب قواته.

الواقع أن الانسحاب الأمريكي من سوريا لن يكون «وشيكا» كما قال ترامب، بل يتطلب الأمر استراتيجية انسحاب قد تمتد زمنياً لفترة لا يمكن التنبؤ بها، كما أنه مرتبط بعوامل تقع خارج الإرادة الأمريكية، كخطط الروس والإيرانيين والأتراك والإسرائيليين بشأن ملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة، أو عودة داعش إلى النشاط الحربي، كما لاحظنا في الأيام القليلة الماضية قرب دير الزور. إضافة إلى مقاومة متوقعة من وزارة الدفاع الأمريكية لأي قرار ارتجالي بالانسحاب من طرف واحد، أي بدون إجراء أي مقايضات أو ترتيبات بشأنه مع الخصوم والحلفاء.

هل يمكن لفرنسا أن تحل محل الأمريكيين في دعم قوات قسد وضمناً القوات الكردية وممثلها السياسي «حزب الاتحاد الديمقراطي»؟ أم أن المرحلة القادمة ستدفع بالحزب الكردي إلى الخلف، ليتصدر الواجهة «حزب سوريا المستقبل» المؤسس حديثاً، بما يذلل الاعتراض التركي على أي تمثيل سياسي للكرد في مباحثات التسوية؟ هي أسئلة مطروحة للمستقبل، ولن تحددها نوايا هذا الطرف أو ذاك من القوى الفاعلة، بقدر ما تحددها موازين القوى السيالة التي تأتي كل يوم بجديد.

ومن حيث المبدأ، لا تملك فرنسا، بصورة منفردة، إمكانيات الولايات المتحدة لملء الفراغ الذي سينجم من انسحاب أمريكي محتمل. الأقرب إلى المنطق هو أن تسعى فرنسا ماكرون إلى التفاهم مع الروس بشأن التمثيل الكردي في أي مباحثات للتسوية السياسية، وهو ما يريده الروس أيضاً، على أي حال، على رغم اعتراض شريكهم التركي في ثلاثي آستانة.

ما يمكن لماكرون عمله، ميدانياً، هو كما نسب إليه تماماً: تعزيز المشاركة الفرنسية في التحالف الدولي، لكي يكون لفرنسا كلمة بشأن تقرير مستقبل سوريا. ومدخله الوحيد إلى ذلك هو العلاقة مع القوات الكردية.

الواقع أنه بعد تقاسم روسيا وإيران وتركيا لتركة النظام الأسدي، وهو أمر تحقق إلى حد بعيد، بعد سقوط الغوطة الشرقية والمصير المماثل الذي ينتظر الجيوب الأخرى المتبقية، لن يبقى للدول الغربية أي موطئ قدم على الأراضي السورية، إلا المناطق الواقعة حالياً تحت سيطرة قسد مع مظلة التحالف الدولي.

غير أن صراحة ترامب الفجة في مطالبة دول خليجية بتمويل بقاء القوات الأمريكية في سوريا، في اتساق مع شخصيته التجارية، قد تعني أن التلويح بالانسحاب لا يعدو كونه ابتزازاً، ليس فقط لدول قد ترغب ببقاء القوات الأمريكية، بل حتى لروسيا التي سيربكها الانسحاب، لأن من شأنه أن يطيل أمد الحرب ويضع أهدافاً جديدة أمامها، وهي المستعجلة لإيجاد مخرج سياسي ينهي الحرب.

==========================

من دمشق.. من قلب نابض .. دلال البزري

العربي الجديد

الخميس 5/4/2018

هذه مقاطع من رسالة وصلت إلي من صديقة دمشقية، اسمها نجوى. كتبَتها في عزّ معركة الغوطة الشرقية:

(...) لا جديد تحت سماء دمشق، سوى الأخبار التي تتابعينها لا شك... الأوضاع تزداد سوءاً. (...) إن أكبر كذبة هي الهدنة، المعركة محتدمة لا تهدأ ليل نهار. أخبرتني السيدة التي تأتي إلينا أسبوعياً لتنظيف المنزل أن زوجها، وهو موظف بسيط طلبوه على قائمة الإحتياط في الخدمة العسكرية، إذ إن الدولة طلبت من عمر 30 - 40 للالتحاق، وشمل هذا حتى من كان قد أدى الخدمة العسكرية.. قالت لنا السيدة إن زوجها كان يدفع للضابط المسؤول عنه 160 ألف ليرة شهرياً كي يدعه مع عائلته بدمشق، على أن يلتحق في أوقات التفتيش التي سيخبره بها! ولما سألتَها من أين تأتون بهذا المبلغ الكبير، قالت إن راتب زوجها من الدولة هو 45 ألف ليرة، والدولة أضافت 15 ألفا على الراتب لمن يلتحق بالخدمة العسكرية، وأنها كانت تكدح، هي وزوجها، طوال الشهر لتأمين 100 ألف، بحيث يأخذ الضابط 160 ألفا! وتتابع السيدة، ما حصل أنه ومنذ بداية عام 2018 أخبر هذا الضابط زوجها بأنه لم يعُد بإمكانه التستّر عليه، وذلك إثر إقالة وزير الدفاع بعد فضيحة تقاضيه رشاوى هو وكبار ضباطه من أجل إعفاء أشخاص أو التغاضي عن آخرين في موضوع الخدمة العسكرية.. هكذا التحق زوجها بقطعة عسكرية على طريق دمشق - درعا، وتقول إنها شعرت بالسعادة لأن المنطقة شبه آمنة.. ولكن فرحتها لم تكتمل، إذ تمّ أمر التحاق الفرقة التابعة لزوجها بالكتائب التي تقاتل في الغوطة، إلى جانب الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، وكتائب حزب الله والروس الذين يقودون المعركة..

قبل أسبوعين، وبعد توسّلات كثيرة، سمح الضابط لزوجها بإجازة 24 ساعة، بعد أن رجاه أن يرى زوجته وأولاده، لأنه يخشى أن يموت في معركة الغوطة.. وهكذا قضى معهم يوماً كاملاً وعاد للالتحاق، وأخبرها أن أكثر ما يعذّبه هو إطلاق النار على الناس الأبرياء.. كما قال إن 

"مقاطع من رسالة من صديقة دمشقية كتبَتها في عزّ معركة الغوطة الشرقية" كل ما يقوله الإعلام عن المعابر الآمنة كذب، وإن النظام يقتل الشبان ويرسل كبار السن والأطفال إلى إدلب، وهناك أعداد قليلة جداً عبرت فعلاً إلى أماكن إيواء في العاصمة.. وإنه تجري مفاوضات من أجل أن يخرج المسلحون بأموالهم، التي تفوق الآن 80 مليون دولار.. ثروة كبيرة كانت المعارضة المسلحة تدفع منها الرواتب للناس الذين يعيشون تحت سيطرتها في الحصار، مقابل أن يعملوا معها في حمل السلاح أو حفر الأنفاق وغير ذلك، وإن الجنود والضباط على حواجز النظام كانوا يتقاضون أموالاً طائلة للسماح للأغذية والأموال والسلاح بالدخول إلى الغوطة! إضافة إلى ما يتم تسريبه عبر الأنفاق.

البارحة توالت القذائف في مختلف المناطق في العاصمة، محيط دار الأوبرا كان مستهدفاً بشكل كبير، منذ العاشرة والنصف بدأت القذائف بالتساقط، مكتبي القريب من النافذة تصل إليه الأصوات مروّعة. ابتعدت عن مكان جلوسي قرب النافذة، ثم لم ألبث أن هربت من المكتب إلى البهو. موظفة في دار الأوبرا سارعت إلى الخروج، خوفاً من ازدياد التصعيد. ولكن للأسف ما إن خطت نحو الباب الرئيسي، وقبل الوصول إلى سيارتها، سقطت قذيفة إلى جانبها وأدت إلى مقتلها، ولم يتمكّن الأطباء من إسعافها. وصل إلينا الخبر، ونحن محبوسون داخل مبنى مؤسستنا، المجاور لدار الأوبرا. حينها لم يعُد أحد يجرؤ على الخروج، خصوصاً أن القذائف كانت تزداد، كل ربع أو نصف ساعة قذيفة.. اتصلتُ بحرس الدار فنصحوني بعدم المغادرة، إلا عندما يحلّ الظلام، إذ قد تتوقف القذائف حينها.

مررتُ بمكتب رئيس دائرتنا فوجدتُ الباب مفتوحاً، وقد خرج الرئيس إلى حرم المؤسسة ليهدىء من روع الموظفين الصغار الذين تركوا القاعات المكشوفة، وتجمعوا في النقطة التي اعتقدوا أنها الأكثر أمناً، وهي "الكوريدور" الرئيسي.. عند عودته، دخلتُ معه المكتب، كانت الشاشة الضخمة في مكتبه مفتوحةً على برامج الفضائية السورية، ويا للمفارقة، في خضم الكارثة، وبينما كانت القذائف تنهمر من كل حدبٍ وصوب، كان مراسل الفضائية يقف كل مرة في أحد شوارع العاصمة، يستوقف الناس عنوة، بينما هم يسرعون الخطى، أو يلوذون بالفرار بسياراتهم، يستوقفهم ليسألهم رأيهم بما يجري! والمساكين، يقولون والرعب بادٍ على وجوههم، إنهم صامدون، ويناشدون الدولة بالقضاء على الإرهابيين في الغوطة بأسرع وقت ممكن. رجل تبدو سيماء الغباء على وجهه، قال للمذيع إنه يريد أن يأخذ صورة "سيلفي" مع القذائف، فأجابه المذيع الذي كان ينافسه بالغباء: "والله فكرة لم تخطر في بالي، خليني أنا كمان آخد سيلفي"!.

ماذا أقول لك.. القصف لا يهدأ، وتحليق الطيران لا يهدأ.. والمدفعية لا تهدأ.. حتى عندما أعلنوا عن وقف إطلاق النار، التزموا بذلك ثلاثة أيام من التاسعة صباحاً حتى الثانية.. قبل التاسعة نستيقظ فجراً على هدير الطيران والقصف، يتصرفون كالحريص على وقته، فالوقت من ذهب! كمن يريد أن يستغل كل دقيقة، أن لا يوفّر لحظة قتل واحدة، كمن يريد أن يلحق إنجاز ما يريد، وقد تداركه الوقت. بعد هذه الأيام الثلاثة، عادت المعارك كما كانت، لا زمن لها. النظام هو من يرمينا بالقذائف، وليس "كتيبة نساء الغوطة" كما تم الترويج من أجهزة إعلامه، النظام هو الذي يقتلنا ليبرّر دخوله إلى الغوطة، وهناك من صدّق الكذبة. والكل يسارع بالقول، نرجو من الدولة أن تسارع للحسم في الغوطة والقضاء على الإرهابيين! يا لهول المنظر، القذائف قتلت مدنيين على الرصيف، ومنها ما وقع فوق تاكسي.. كنت أفكّر لماذا لم تقع القذيفة ولا مرة على حرس دار الأوبرا، بينما سقطت وقتلت أكثر من مرة الموظفين المارّين بالقرب من هؤلاء الحرس. لماذا لم تقع القذائف على حرس مبنى الإذاعة والتلفزيون الذي يبعد عنا بضعة أمتار، أو على استوديوهات المبنى؟ أو على "مكتبة الأسد" أو فندق الشيراتون وهذه الأبنية لا يفصلها عنا سوى أمتار قليلة.. القذائف تقتلنا وكأن من يطلقها يرانا...

يومياً أمرّ من المكان نفسه الذي شهد سقوط القذائف من دار الأوبرا إلى عملي. هل أنا شجاعة، (...)، أم متهوّرة، أم أن الحياة و الموت أصبحا سيان عندي؟ أم أنني بحاجة إلى فترةٍ أتمكّن من خلالها من تقييم ما أفعل؟ لا أدري.. أواصل البقاء والعمل لأنني أؤمن بأن لا دور لي خارج المكان، ما زلتُ أؤمن أننا نبتدع حياتنا، نخترعها، كي لا نموت بسبب الواقع. لم أغيّر من برنامجي اليومي، لأنني أكره أن أشارك في تعليق نعوتي. إنه نداء الهاوية، إذ يحدث أن نقوم بعمل أو نخوض تجربة عيش ونحن متيقّنون بأنها سوف تقودنا إلى الهلاك، نسير وأعيننا مفتوحة، بكامل وعينا ويقظتنا نحوها، هو نداء الهاوية، فيه سرّ الوجود والعدم.. أعيش في قلب دمشق، ليس بعيداً عن المكان الأكثر دموية، عن جبل قاسيون، حيث ترتكز المدفعيات التي تطلق صواريخها باتجاه الغوطة الشرقية.. نشعر بارتجاج المنزل والأرض تحتنا فور خروج الصاروخ من فوهة المدفعية، نرى تصاعد الدخان، وتغزونا رائحة الشظايا، وربما رائحة الدماء، دماء جثث لا نراها، في الوقت الذي تتساقط فيه قذائف عشوائية تائهة، هجوم الهاون العشوائي والقذائف الصاروخية، يرعبنا من موت بمحض الصدفة. ماذا أنتظر سوى الموت.. وذاك اليوم الذي يتراجع في ذاكرتي المضرّجة بالدم (...).

المعركة تحرمنا من النوم. أريد أن أنام فقط، أكاد أنهار من قلة النوم، أعود طفلة صغيرة،

"لماذا لم تقع القذائف على حرس مبنى الإذاعة والتلفزيون الذي يبعد عنا بضعة أمتار؟" أتذكّر عندما كنتُ أستنجد صائحة من كوابيسي الرهيبة، كيف كانت أمي تهرع لإيقاظي وهي تقول: لا تخافي أنا هنا.. اليوم أفكّر كم نحن بحاجة كلنا إلى من يهرع لإيقاظنا من هذا الكابوس الجاثم، ويهدْهِدنا قائلاً: لا تخافوا، أنا هنا.. نجلس ونترقب صوت المدفعية أو الانفجار أو القذيفة الصاروخية التالية، أربعة، خمسة.. عشرة حتى الآن.. لا يهم الرقم. لم يعد للأرقام أهمية.. فقدتْ قيمتها، وصوت المدفعية والهاون يضرب في الروح، وراء جدار الصدر تماماً. أكتب لك على إيقاع ثلاثي القتل المتناغم: الطيران- المدفعية - الصواريخ.. أفضل حلّ لمعادلة الموت اليومي المحتمل هو أن نعتبر أنفسنا ضيوفاً على هذه الحياة. هل الموت مباشرة إثر قذيفة أو غيرها هو الأفضل والأريح من الموت الذي نعيشه مئات المرات...؟ ولدنا مرة واحدة، ونألف أن نموت أكثر من مرة في ثنائية البيت والطريق.

مع حلول الذكرى السابعة للثورة، ورغم كل ما حصل، لن أفقد إيماني بها، لن أقرّ بالهزيمة، لا.. لم ينتصر النظام ولم ننهزم.. إن أفضل طريقة نحيي فيها ذكرى الثورة هي أن لا ننكأ الجراح.. أن نفهم موقعنا الجديد من الصراع، وقدرتنا على التأثير فيه، المكاشفات والمراجعات الحقيقية، والتفكير بأدوات عمل جديدة، وإنتاج معرفة وخطاب جديد.. أقول هذا ليس بسبب الحال التي وصلنا إليها، بل لأن الأمل هو قوة الضعيف المستعصية على المقايضة! (...)

العصافير التي أصحو على زقزقتها يومياً، والتي لا يمكن أن تخطئ في التوقيت، هذه العصافير تمدّني بالقوة والأمل، نعم هي وحدها تنْتشلني من يأسي وإحباطي ربما. لكنها تلوذ بالصمت، تصمت فجأة عن الكلام والتحليق في هواء الصباح، ما إن تبدأ عاصفة الحديد الطائر وهديرها الفولاذي.. تشابه غير متعادل في الاسم والشكل.. جناحان من حديد، مقابل جناحين من ريش، رأس من حديد وكهرباء، مقابل رأس ومنقار من نشيد، حمولة من صواريخ وبراميل متفجرة، مقابل حبة قمح أو كسرة خبز وقشة! أنظر إلى هذه العصافير.. أتأملها من نافذة غرفتي، وأنا على يقين أنها تكلمني.. تفكّر معي في الحرب، لأن سماءها لم تعُد آمنة! (...)

==========================

عن مصير الغوطة .. رضوان زيادة

العربي الجديد

الخميس 5/4/2018

صور جثث القتلى بالعشرات ممددين على أرض الغوطة  الشرقية لا تجد مكاناً تدفن فيه بكرامة. وصور الدمار الذي أصاب مدن حرستا وحمورية ودوما وغيرها من مدن الغوطة الشرقية تذكّر بصور الدمار في برلين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وصور النازحين الفارّين من أتون الجحيم في الغوطة إلى اللامكان، حيث يحملون معهم قصص الرعب والخوف من المستقبل المجهول. هذه الصور كلها تكثف صورة سورية اليوم، حيث القتل والدمار الجواب الوحيد الذي يمتلكه النظام السوري للحل في سورية، حيث لا معنى لقرارات مجلس الأمن التي لا تنفذ أو تطبق. ولا تشكل كل تلك الإدانات الدولية والأممية لسلوكه في تعامله مع مواطنيه، لا تعني بالنسبة له شيئاً، أو تقف عائقاً أمامه لتحقيق الحل النهائي كما يريده، ومهما كانت التكلفة.

صور الأسد وهو يزور محيط الغوطة، والدمار يحيط به من كل مكان، والجنود الروس يحيطون به من كل جانب، كما اعتاد زيارة كل المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها، من داريا إلى حمص وحلب، تختصر صورة دكتاتور عصري، اختزن قصة نيرون، وهو يشاهد روما تحترق أمامه، لكنه يبدو سعيداً أنه ما زال يحتفظ بكرسيه، وإن كان الكرسي مبني على جماجم مئات آلاف السوريين وعذاباتهم وآلامهم ودموعهم.

تمكّن نظام الأسد تقريبا من السيطرة الكلية على الغوطة الشرقية، بعد تقسيمها إلى ثلاث

"أدرك السكان أن النظام لن يسمح لهم بالحياة ولو كانوا تحت الحصار خمس سنوات" مناطق، عربين وحرستا ودوما، ومع اتفاق إجلاء المقاتلين في عربين وحرستا إلى إدلب، بقيت دوما صامدة في رفض اتفاق التهجير القسري، والذي أصبح في عرف النظام السوري يرادف التهجير الكلي لكل السكان المدنيين إلى مخيمات اللجوء، أو النزوح إلى المدن الأخرى، من دون عودة قريبة أو بعيدة إلى بيوتهم ومدنهم التي هجروا منها. وإلى الآن، لم تشهد أي من مدن داريا أو الزبداني أو مضايا أي عودة لسكانها الذين هجروا منها، حتى بعد سنواتٍ من سيطرة قوات نظام الأسد والمليشيات المتحالفة معها على هذه المناطق. ما يدل على استراتيجية واضحة، يسير فيها نظام الأسد، تقوم على تهجيير المدنيين من كل المناطق المدنية التي خرجت عن سيطرته، من دون وجود أية خطة أو اكتراثٍ بعودة هؤلاء المدنيين إلى مدنهم وبيوتهم. المهم هو السيطرة على هذه الأراضي، مهما كانت التكلفة العسكرية أو المدنية، ولا تبدو الخطة العسكرية المستخدمة مختلفة تماما عن المستخدمة في المدن السابقة، وآخرها حلب في أواخر عام 2016، حيث يجري استهداف المستشفيات أو المراكز الطبية بكثافة هائلة، ما يعني تدمير أي أمل بالحياة أو الشفاء لمن تبقى تحت الحصار، ومن ثم تكثيف الغارات الجوية من دون أي احترام للقانون الإنساني الدولي أو للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبشكل عشوائي، على المدنيين أو المنشآت المدنية، مثل المدارس أو روضات الأطفال، ما يجعل مبدأ استمرارية الحياة بحد ذاته مستحيلا، ويحول الحياة فيها إلى الجحيم بعينه، وهو ما يدفع كل السكان إلى الخروج بأي شكلٍ مع أقرب فرصة تتاح لهم، لأنهم يعرفون أن البقاء يعني خيارا وحيدا هو الموت.

وتفيد المعطيات الأولية، مع غياب كامل للمنظمات الدولية أو المنظمات الحقوقية، بأن أكثر من 1700 مدني فقدوا حياتهم خلال العملية العسكرية السورية – الروسية أخيرا في الغوطة الشرقية خلال أقل من حوالي 45 يوماً.

ومنعت قوات النظام السوري وصول قوافل الإغاثة الإنسانية بشكل كامل، وإنما سمحت لعربات منفردة بالطبع بالدخول للالتفاف على القرارات الدولية، والقول إن النظام السوري لم يسمح 

"لا معنى لقرارات مجلس الأمن التي لا تنفذ أو تطبق" لقوافل الإغاثة الإنسانية الأممية بالدخول، على الرغم من أن النظام يدرك أن هذه السيارات المنفردة لن تسمح لمساعدة أكثر من 400 ألف مدني كانوا في تلك الفترة يقطنون في الغوطة الشرقية، وهو ما أدركه السكان أنه لن يسمح لهم بالحياة، حتى لو كانوا تحت الحصار خمس سنوات ماضية، وأن عليهم الآن القبول بالخيار النهائي، التهجير أو الموت.

لم يتوقع أي شخص موقفا مختلفا من روسيا أو النظام السوري، فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام السوري على مدى السنوات السبع الماضية تجعل أي شخص مدركاً أن لا وجود لفكرة القانون، أو القانون الإنساني الدولي، في قاموس النظام. وبالتالي، لن يتردد في القيام بأي شيء تتيح له السيطرة على ما تبقى من مناطق خارج سيطرته في محيط العاصمة دمشق، لكن ما فوجئ به السوريون هو غياب المحاسبة الدولية لما جرى في الغوطة، على الرغم من صدور عدة قرارات دولية من مجلس الأمن، تلزم نظام الأسد احترام وقف إطلاق النار والسماح بالمساعدات الإنسانية بالدخول إلى الغوطة. خصوصا في ظل الموقف الأميركي، على لسان مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، نيكي هيلي، التي استخدمت لغة قوية للغاية، مهددة باللجوء إلى إجراءات من خارج المجلس، إذا فشل في ضمان تنفيذ القرار الأممي الخاص 2401، والذي صدر في 24 فبراير/ شباط 2018، وألزم "كل الأطراف بوقف الأعمال القتالية، بدون تأخير، 30 يوما متتابعة على الأقل في كل أنحاء سورية، من أجل السماح بإيصال المساعدات والخدمات الإنسانية والإجلاء الطبي بشكل دائم وبدون عوائق، بما يتوافق مع القانون الدولي".

لكن بقي هذا القرار بلا معنى في سماء الغوطة وعلى أرضها، حيث استمرت القذائف والصواريخ تنهمر من السماء، كما بقيت الأرض مفتوحة لتمدد مليشيات الأسد، بهدف السيطرة على ما تبقى من أراضي الغوطة.

===========================

سورية على طريق الجلجلة .. برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 4/4/2018

ما من شك في أن المعارضة السورية المسلحة، أو ما تبقى منها، قد تعرّضت لضربةٍ قوية في غوطة دمشق الشرقية، وأن الروس، ومن ورائهم الإيرانيون، ونكتة دولة الأسد، قد حققوا سبقا مهما في الصراع على تقرير مصير النظام السياسي القادم، وربما مصير سورية ذاتها إذا صحّ ما أعلن عنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من نيته الانسحاب بأسرع ما يمكن من المواجهة الميدانية. ومع ذلك، لا أعتقد أنها تغير كثيرا في معادلة القوة التي رست عليها الأوضاع، منذ تدخل روسيا بسلاحها الجوي ومرتزقتها مباشرة في الحرب، فقد ظهر واضحا منذ ذلك الوقت أن استراتيجية الدفاع الثابت عن المناطق التي كانت في حالة حصار منذ سنتين أو أكثر لم تعد تستطيع أن تقدم مكاسب حقيقية للمعارضة، إن لم تتحول إلى عبء عليها، بسبب ما تكبّده للمدنيين من مشاق ومصائب، وما تعرّضهم له من عذابات. فهي لن تستطيع أن تغير من مجرى الأحداث، وتعيد قلب اتجاه الحرب الذي اتخذ منذ عام 2013 منحى مناقضا لما كانت تأمله المعارضة، في وقتٍ لم تقم فيه هذه المعارضة نفسها بأي جهدٍ لإخراج نفسها من الحصار، ولم تنجح في إحداث أي خرق مهم، يسمح لها بالأمل في الخروج من حالة الحصار، ولا أي تغيير في استراتيجياتها وأساليب عملها وتنظيمها.

كان الأمل الوحيد أن يساعد الصمود في الغوطة، كما الحال في غيرها من المواقع، وما يعنيه من تضحياتٍ بالنسبة للمقاتلين والمدنيين معا، هو أن تدفع نحو مخرجٍ من الحرب عن طريق التسوية السياسية التي تحفظ حياة المقاتلين، وتضمن مستقبل الأهالي المدنيين، لا عن طريق الحسم العسكري. بيد أن تحقيق هذا الهدف المتواضع نفسه كان منوطا باستعادة فصائل المعارضة خطاب الثورة ومشروعها الوطني، أو على الأقل النجاح في تشكيل مجلس قيادة موحدٍّ للقوى المقاتلة، ينسق خططها ويوحد أهدافها. للأسف، ما حصل كان عكس ذلك، فقد تشبثت الفصائل، إلا ما ندر، بتوجهاتها الأيديولوجية التي أفقدتها آخر ورقة سياسية يمكن أن تحث المجتمع الدولي على السعي إلى الحفاظ عليه، واستخدامها ورقةً للضغط من أجل تسوية سياسية.

لا يمكن أن نتذرع هنا بتخاذل المجتمع الدولي، ليس لأن هذا التخاذل لم يحصل، وإنما لأنه كان واضحا كالشمس، منذ قطعت الدول مساعداتها عن معظم الفصائل، حتى من قبل أن يحصل 

"المعارضة السورية في شكلها الراهن وتشظيها الفكري والسياسي والعسكري انتهت" التدخل الروسي المباشر نفسه. كان العمل على تحييد الفصائل الإسلامية، وحرمانها من أي أمل في التقدم، بكل أطيافها، هدفا دوليا مشتركا، أوكلت إلى موسكو مهمة إنجازه بكل الطرق والوسائل، بالتعاون مع المليشيات الممولة من طهران. وعندما أعلنت "داعش" عن قيام دولتها المسخ في مدينة الرّقة، صارت الحرب على الإرهاب محور تحالف دولي شامل، شاركت فيه عشرات الدول، وشكلت في إطاره قوى جديدة بدعم أميركي مباشر، كقوات سورية الديمقراطية، ظهر في البداية على أنه ضد التنظيمات الإرهابية حصرا، "داعش" وجبهة النصرة، وتبين في ما بعد أنه يهدف إلى قطع الطريق على أي احتمال، مهما كان ضئيلا، لتحقيق قوى إسلامية مكاسب جديدة في الصراع.

لكن بعكس المظاهر السطحية، لن يغير انسحاب الفصائل الإسلامية من الغوطة الشرقية في المعادلة السياسية للصراع. وبدل أن يقضي على القضية السورية، أو يهيل التراب عليها، ربما ساعد على تحريرها من الأنقاض التي تراكمت عليها بسبب المواجهة المسلحة واستمرار الحرب. وفي المقابل، أعتقد أن موسكو أضاعت فرصة ثمينة لتحويل الحل في الغوطة الشرقية إلى مدخل أو خطوة أولى على طريق الحل السياسي الشامل، عندما اختارت لمعالجتها الاستمرار في منطق الحسم العسكري، بدل أن تستغلها مقدمة ونموذجا مصغرا لتسويةٍ تعيد شيئا من الثقة للسوريين، وتمهد الجو لإطلاق جولةٍ جديةٍ من مفاوضات التسوية الشاملة. ومؤكدٌ أن تثبيت نظام الأسد الذي جعل منه الروس هدفهم في العلاقة مع المعارضة بكل أطيافها، في الغوطة وغيرها، وهو باختصار نظام الإقصاء الشامل واحتكار السلطة وتحويل الدولة إلى جهاز قمع للمجتمع، ومزرعة خاصة بأصحاب القرار، لا يمكن أن يشكل حافزا للتهدئة، ولا أن يساعد في نزع فتيل النزاع. إنه يعمل بالعكس على تأجيج مشاعر القهر وتعميق الشرخ السياسي والعقائدي، ومشاعر الظلم والمهانة والتهميش التي كانت وراء اندلاع الانتفاضة الشعبية، والتي دفعت قطاعات واسعة من الجمهور السوري أيضا إلى الاستسلام لأوهام الأيدولوجيات الجهادية على مختلف تنويعاتها.

يمكن لطغمة الحكم الضيقة التي فقدت صوابها مرتين، مرة في تحديها إرادة شعبها وتصميمها على إبادة من لا يقبل بها بكل أشكال العنف والدمار، ومرة لاعتقادها اليوم بالنصر، وأن العنف وحده من يحسم الصراع لصالحها، أن تفكّر بتقليد المشروع الإسرائيلي، تجاه سكان البلاد الأصليين، والرهان على نتائج التهجير القسري الواسع النطاق، وتغيير الوقائع الديمغرافية هنا وهناك، مع الاحتفاظ بسياسة القبضة الحديدية التي تبيد أي شكلٍ من الاحتجاج والاعتراض، نظريا كان أو عمليا. لكن ليس من مصلحة موسكو أن تأخذ لحسابها هذه السياسات التي تهدّدها بأن تعيد في سورية التجربة المرّة التي عاشتها في أفغانستان. وفي المقابل، ليس مؤكدا أن تتمكّن موسكو من التفاهم في هذا الموضوع مع طهران، وتصل معها إلى تسويةٍ تسمح بإعادة بناء النظام على أسس أخرى، غير قهر الأغلبية واحتكار السلطة وحكم القوة وغياب القانون، والذي لا يعني التشبث ببشار الأسد رئيسا مجدّدا للبلاد، بعد سبع سنواتٍ من الحرب الدامية، سوى البرهان القاطع تبني هذه الأسس وتعزيزها.

ما من شك في أن المعارضة السورية في شكلها الراهن وتشظيها الفكري والسياسي والعسكري قد انتهت، ولم تعد قادرة على خدمة الثورة وأهدافها، ولن تستطيع استقطاب دعم كثير من 

"لن يغير انسحاب الفصائل الإسلامية من الغوطة الشرقية في المعادلة السياسية للصراع" الجمهور والبقاء. لكن نهايتها، بالطريقة التي حصلت بها، لا تعني نهاية الثورة أو التمرّد أو الاحتجاج، ولن تقضي على شرعية المطالب والتطلعات والحوافز التي دفعت إلى إطلاقها. بالعكس، ستدفع مذلة الخسارة وسياسات الاستئصال والقهر المضاعفة التي ستعبقها على يد طغمة "حاكمة" انتقامية وحاقدة أثبتت، كما لم يحصل لأي شعب، استعدادها للتضحية بشعبها وبلدها وتسليمه لقوى الاحتلال الأجنبي، حتى تحتفظ بكامل احتكارها السلطة وموارد البلاد، ملكا خاصا بها، إلى تفاقم مشاعر الظلم والقهر والاحتقار وتفجير إرادة مقاومة مستمرة، لن تهدأ قبل إسقاط النظام الذي أصبح ملتقى اضطهادين، داخلي وخارجي، اجتماعي ووطني، وغنغرينا في جسم الدولة والمجتمع والبلاد.

ومهما كان الشكل الذي سوف تتخذه المقاومة لنظام الاضطهاد والقهر المزدوج هذا، لا بد أن تستفيد من تجربة السنوات السبع القاسية، ولن تسمح لنفسها بارتكاب أخطائها. باختصار، القضاء على المعارضة لا يعني نهاية الثورة أو الاحتجاج ورفض نظام لم يفقد شرعيته فحسب، ولكنه كشف عن هويته بوصفه نظام احتلال، لا يهمه مصير شعبه، ولا مستقبل مواطنيه، ولا تعنيه في شيء مصالحهم وأمنهم وحياتهم. وما لم يتحقق الانتقال إلى نظامٍ يمثل الناس، ويستوعب الجميع، من دون تمييز، لن يقوم للدولة والسياسة قائمة ولا قوام، سواء بقي الروس وحلفاؤهم أم رحلوا، وسواء بقيت سورية مقسمةً كما هي عليه اليوم إلى مناطق نفوذ دولية، أو توحدت تحت سلطة جائرة جديدة. وسوف تتحول الحرب الطويلة الدامية إلى جولةٍ من حرب طويلة مقبلة.

لن يستفيد من إنكار حقيقة الثورة وشرعية مطالبها أحد. ولن يربح أحد إذا خسر الشعب السوري، ولن يستطيع أحد أن يحكم سورية، أكان طغمة محلية أو وصاية أجنبية، ما لم يعترف بحقوق شعبها ويضع حدا للمظالم التي طاولته خلال العقود الماضية، وبعد سنوات الحرب العدوانية الطويلة والدامية. من دون ذلك، لن تكون سورية وطنا بأي حال، وإنما ساحة مواجهة شاملة ودائمة.

ولن تهزم الثورة بالقضاء على المعارضة، ولا على قواها المسلحة، مع العلم أن الوضع بعيد 

"لا يُخرج المجتمعات من الحرب العلنية والكامنة سوى التفاهم بين أبنائها" جدا عن أن يكون كذلك. لكن المهم أن لا نيأس، ولا ننهزم من الداخل، ولا نعتقد أن النظام وحلفاءه قد ربحوا أي حرب. إنهم يغرقون، وسوف يغرقون أكثر في الوحل الذي صنعوه بدماء السوريين. ينبغي أن يكون لدينا إيمان لا يتزعزع بأن ما قمنا به كان حقا، وأن التضحيات الغزيرة التي قدمناها كانت دفاعا عن حق، وأن الغايات التي ثرنا من أجلها كانت الأشرف والأنبل، وأن غايات خصومنا وأساليبهم كانت مثالا للخسّة والدناءة والشر. فالقتل بالجملة وتدمير البلاد للاحتفاظ بالسلطة الشخصية لا يمكن أن يمثلا هدفا مقبولا، كما لا يمكن للاحتلال الروسي والإيراني، والتغيير السكاني، أن يتحول إلى غاية أو قضية مشروعة بأي صورة كانت.

ينبغي أن ندرك أن الثورة غير الانتفاضة وغير الحرب. إنها مطالب إنسانية وأخلاقية جوهرية، أي قضية، والقضية غير التعبيرات المادية المختلفة عنها. وهي مستمرة بصرف النظر عن أشكالها ما بقيت غاياتها وحوافزها محرّكة للنفوس والعقول، وستبقى راهنةً، طالما لم تتحقق التطلعات الإنسانية وراءها. ومثال فلسطين لا يزال قائما أمامنا، بعد أن تحولت إلى قضيةٍ لا تموت، ولا تنسى بل تصبح هي ذاتها مؤسسا لسياسة وهوية. وحتى الفشل لا يضعف الإيمان بها، لكنه يشكل دافعا للمراجعة وإعادة الكرة في انتفاضات متعاقبة، وأشكال مقاومة متجدّدة. ما يعني أن الصراع لم ينته، وسوف يستمر، لا لأننا نرفض التسليم بحقوقنا، وفي مقدمها حق كل فرد في الكرامة باعتباره إنسانا ومواطنا حرّا فحسب، ولكن، أكثر من ذلك، لأن النظام الذي دخل في نفق مظلم وأدخل البلاد والمجتمع معه فيه لن يستطيع أن يخرج منه، عن طريق الإصرار على الإنكار ورفض الاعتراف بالآخر، أو بالإفراط في العنف واستخدام مزيد منه.

لا يُخرج المجتمعات من الحرب العلنية والكامنة سوى التفاهم بين أبنائها. ولا طريق للوصول إلى التفاهم غير الإقرار بمصالحهم المشروعة، والقبول بالحوار طريقا للوصول إلى توافق سياسي. من دون ذلك، لن يحظى أي سوري بحق المواطنة، ولا بأي وحياة آمنة وسلام حقيقي، لا في سورية الكاملة، ولا في أجزائها المفيدة والزائدة. وفي موضوع هذا التفاهم والحوار والتوافق، لا نزال، بعد الفشل المزدوج للنظام والمعارضة، في بداية الطريق، إن لم نكن على طريق الجلجلة.

==========================

انتهاء «الحل السياسي» في سورية .. لؤي حسين

الحياة

الثلاثاء 4/3/2018

ما عادت لوحة الصراع في سورية تحتاج منا إلى تقديم أدلة لإثبات أن ما اصطُلح على تسميته «الحل السياسي» انتهى. بل إن مسار جنيف، الحامل هذا الحل، بات مسدوداً في شكل تام. فقد انقضت صلاحية الديناميكية الأساسية المحرّكة له، أي القرار الدولي 2254. فاللوحة الصراعية التي انبنى على أساسها تغيرت كلياً، فلم يعد في مقدور الواقع الحالي تقبّل هذا القرار أو استيعابه، أو حتى مجرد النظر فيه.

في هذا الصدد، لا بد من التذكير بأن مسار جنيف «هذا» لم يتمكن منذ تأسيسه، مطلع 2016، أن يتقدم قيد أنملة، بل بقي قابعاً في مكانه كأنه صنم تطوف حوله الخطابات السياسية طوافاً فارغ المعنى، وذلك على رغم ما أظهره من بشائر في أشهره الأولى، والتي ما لبثت أن تلاشت سريعاً حين أظهر طرفا التفاوض عدم رغبتهما في التوصل إلى أي نقطة اتفاق. واستمر كل منهما يراهن على نصر كامل في جبهات القتال، فذهبا كـ «بالغَين راشدَين» إلى المعركة الفاصلة: معركة حلب.

هذه المعركة التي انتصر فيها «محور النظام»، أي داعمي النظام إقليمياً ودولياً مع أدواتهم المحلية على «محور المعارضة»، أي داعمي المعارضة إقليمياً ودوليا مع أدواتهم المحلية.

قلبت نتيجة هذه المعركة قوام لوحة الصراع رأساً على عقب. وهذا ليس لأن «محور النظام» هو الطرف المنتصر، بل لو كان المنتصر هو «محور المعارضة» لكان الأمر سيّان، بل لربما بدا التغيير أوضح. فقد أطاحت هذه المعركة المعادلة المركزية التي ارتكزت عليها جميع مشاريع التسوية منذ بيان جنيف عام 2012 مروراً بقرار مجلس الأمن 2254. هذه المعادلة التي تفترض وجود تكافؤ ميداني بين محورَي الصراع، حتى لو لم يكن هذا التكافؤ قائماً فعلاً في الميدان، كما كانت الحال حين إعلان «بيان جنيف» الذي صاغته «دوله» وفق الخط البياني للمعارك آنذاك، والذي كان يشير بوضوح إلى تقلص مساحات سيطرة النظام يوماً بعد يوم، وفي شكل سريع، لمصلحة المجموعات المناوئة له. فلم تعتمد تلك الدول حينذاك مساحات السيطرة الحقيقية. طبعاً، من دون أن نتجاهل الغَلبة الديبلوماسية في ذلك الحين للدول التي بدأت، حينذاك، لا تتحرّج من تسليح ودعم المجموعات الجهادية التي تريد إسقاط النظام بالقوة والعنف. أما إبان صدور القرار الدولي 2254، فكان ثمة تعادل ما في الميدان بين المحورين.

لا يضير هذه القراءة أو يُضعفها وجود أشخاص أو أطراف أو حتى دول تعتبر أنه ما زال يمكن التعويل على مسار جنيف و «قراره» الدولي لحل الأزمة السورية، وأن معركة حلب ليست فاصلة، بل مجرد معركة ضمن حرب ما زالت مستمرة. فقد عوّل هؤلاء على بقايا مجاهدين متناثرين هنا وهناك، ما زالوا موجودين لسبب أو لآخر، ولكن ليس إطلاقاً لأن وجودهم قائم بسبب أن لهم وزناً في المعادلة السياسية. بل إن كل مَن يزن بقاءهم العسكري بميزان سياسي سيخرج في النهاية خالي الوفاض، كما هو بعضُ حالهم اليوم مع انهيار كل الوجود العسكري الجهادي في الغوطة بعد أيام «فقط» من الحملة العسكرية التي شنها «محور النظام» بقيادة روسية.

ما كانت «الغوطة» بعد «حلب» إلا «تحصيل حاصل» «لا يعوَّل» عليها. وكذلك حال درعا وأريافها، وأرياف حمص وحماة. فجميعها، ومن دون أدنى استثناء، ليست لها أهمية سياسية. أما إدلب فمعدومة المعنى السياسي لأن الجهاديين الموجودين فيها مصنفون وفق الاستخبارات الدولية إرهابيين تجب تصفيتهم، ولن يجدوا دولة تؤازرهم أو تدعمهم؟

بعد «حلب»، والآن بعد «الغوطة» التي أزالت غبش الصورة عن أعين الذين كانوا ما زالوا ينظرون إلى وجود ندّين في اللوحة السورية، بات الواقع يقوم على معادلة «منتصر ومهزوم» بدل معادلة طرفين متعادلين. وما عاد هذا الواقع يمكنه القبول بأي طرح يقوم على مبدأ التكافؤ في الحل، كـ «بيان جنيف» و «القرار 2254» وما يتضمنانه من اصطلاحات مثل «العملية الانتقالية». وهذا يعني بجلاء القول انتهاء مقولة «الحل السياسي» كمصطلح تُقصد به تسوية تشاركية متكافئة بين المعارضة والنظام.

روسيا، الآن، هي المنتصر الأكبر من مجمل هذا الصراع الذي مر بسورية طيلة سبع سنوات. فبعد أن انتصرت على النظام واستحوذت على قراره وأخضعته لإرادتها، بات في مقدورها أن تواجه غريمها الغربي بانتصارها الميداني العميم. ويمكننا في ضوء ذلك أن نجد «بعض» التفسير للهجمة الديبلوماسية الأوسع التي تقوم بها الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة والمتمثلة بطرد العشرات من الديبلوماسيين الروس كرد على الضربة القاضية التي وجهتها إليهم روسيا في معركة الغوطة.

وباعتبار أن المنتصر لا يتقاسم غنائم الحرب مع المهزوم، وبما أن التسوية السياسية من بين هذه الغنائم، فإن «الحل السياسي» بات ملكاً للطرف الروسي يتقاسم بعضه مع حليفه الإيراني ومع شريكه التركي، اللذين يتوافق معهما على التنافر مع الغرب الأوروبي والولايات المتحدة من دون توافق تام على الموقف من النظام. أي بوضوح التعبير: لن يقوم «الحل» المرتقَب على قاعدة التكافؤ والتعادل والقرار الدولي 2254 وبيان جنيف، بل سيكون عبارة عن تسوية المنتصِر يرسمها وفق مصالحه التي قد تتضمن بعض المقايضات مع خصومه الغربيين.

لن تستطيع الجهود الغربية تغيير هذه المعطيات الجديدة حتى لو «رَعَنَتْ» الإدارة الأميركية وقصفت مواقع تابعة لـ «محور النظام» بذريعة استخدام النظام السلاح الكيماوي، كما حصل منذ ما يقرب السنة حين قصفت البحرية الأميركية مطار الشعيرات السوري ردّاً على اتهام النظام بهجوم كيماوي على بلدة خان شيخون. فمثل هذه الضربات لا جدوى سياسية منه لأن النظام ما عاد قائماً كنظام متماسك، بل بات مفتَّتاً إلى ميليشيات نظامية وغير نظامية. بالتالي، قصف واحدة من هذه «الميليشيات» لا يؤثر إطلاقاً في الأجزاء الأخرى المسماة في مجموعها «النظام السوري».

لا بد من الإشارة إلى أنه ما كان يمكن هذه المعارك العسكرية إطاحة العملية السياسية برمتها لولا احتكام طرفي الصراع في شكل كلي منذ البداية إلى التصارع العنفي، متوافقَين على استخدام جميع الوسائل العنفية حتى تحقيق أهدافهما. لهذا، وجدنا أحدهما يرفع شعار «يحرق البلد ولا يتخلى عن الأسد»، والآخر يعتمد شعار «يحرق البلد ولا يقبل ببقاء الأسد». فكان صراعهما هو العنف في مواجهة العنف وليس الحق في مواجهة العنف أو القوة. لذلك، كانا متفقَين ومتعاونَين على تدمير الحقل السياسي عبر إقصاء شخصياته وتخوين أدواته، مقابل تعظيم الشخصيات العسكرية أو المسلحة والتغني بالأدوات العنفية.

فور انتهاء معركة حلب، أسست الدولتان المنتصرتان في الحرب، روسيا وإيران، مع شريكتهما تركيا، «مسار آستانة» الذي حقق نجاحاً ميدانياً وأسّس تكتلاً دولياً جديداً باسم «الدول الضامنة». شكّل هذا التكتل مرجعية ميدانية خارج إطار الأمم المتحدة، بل أمام «عيني» مسار جنيف الأممي الذي فشل في وقف نار بندقية واحدة على الأراضي السورية. لكن «الدول الضامنة» تمكّنت، عبر اشتغال «آستاني» لأكثر من عام، من احتكار غالبية مقومات العنف على الأراضي السورية والسيطرة على غالبية السلاح العامل على الجبهات، ما عدا السلاح الكردي الذي يأتمر بأمر مموله الأميركي. وهذا مكّنها من إحكام السيطرة على اللاعبين كافة في الميدان السوري، وفي مقدمهم النظام الذي أصبح قِياده بيد الطرفين الروسي والإيراني، وما عاد في مقدوره التحرك قيد أنملة من دون أوامر منهما، بل للدقة من دون أوامر تفصيلية من الطرف الروسي الذي وضع يده في شكل تام على القصر الرئاسي السوري وعلى قيادة الأركان السورية التي أصبحت بالمطلق تحت إمرة قاعدة حميميم.

هذا كله، بمجمله وتفاصيله، دفع بروسيا إلى أن تحاول جعل تكتل «الدول الضامنة» مرجعية سياسية جديدة لسورية بديلاً لمرجعية الأمم المتحدة. وهذا ببساطة لأنها مسيطرة في الأولى، لكنها تتشارك مع خصومها في الثانية.

ضمن هذا السياق يمكن أن ننظر إلى مؤتمر سوتشي الذي عقدته روسيا بالتعاون مع شريكتيها تركيا وإيران. ومع أن هذا المؤتمر فشل في تحقيق هذا الهدف، وقد صرّحتُ بذلك خلال مشاركتي به، إلا أنه من المؤكد أن تبقى موسكو تحاول جاهدة تحقيق هذا الهدف، بخاصة الآن بعد معركة الغوطة. وسيكون من المرتقب أن تنجم عن اجتماع قمة «الدول الضامنة» في أنقرة هذا الأسبوع نتائج تدفع في هذا الاتجاه في شكل جلي. أي يمكن بعد هذه القمة أن نلمس لمس اليد وجود مرجعية دولية جديدة اسمها «الدول الضامنة» قادرة على تحريك الركود الآسن الذي تغرق فيه البلاد.

لكن، بغض النظر عن موقفنا السياسي أو الأخلاقي من هذا التكتل الدولي، إلا أنه هو واقعنا الجديد الذي يتوجب علينا العمل للتأثير فيه، لكي تكون آثاره لفائدة سورية والسوريين ومصلحتهم، بدل الاكتفاء بلوم هذه الدولة أو تلك، وبدل التعويل على الولايات المتحدة التي قرر رئيسها تخييب أمل المراهنين عليه ووعد بإخراج قواته من الأراضي السورية «في وقت قريب جداً»، وقرر تجميد الأموال التي كانت بلاده خصصتها لإعادة إعمار مناطق شرق الفرات.

رئيس «تيّار بناء الدولة»

==========================

تباينات روسية إيرانية في سورية .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 4/3/2018

يمكن الوقوع بين أطراف الأزمة السورية الإقليميين والدوليين على تباينات كبيرة، لكن بينها تقاطعات سياسية. وبين حلفاء المعارضة تفاهمات واسعة، لكن بينهم خلافات عميقة أيضا.

على عكس محور المعارضة، بدا المحور الروسي الإيراني السوري أكثر تماسكا وانضباطا. ولكن مع التدخل العسكري الروسي في سورية بدأت تظهر تباينات بشأن طبيعة الحل، تعكس مصالح كل طرف ورؤيته، استنادا إلى موقعه الجغرافي، ما يدفع إلى القول إن هذا المحور، وإن كان موحدا أمام المخاطر، فإنه متباين بشأن الحلول. ومع كل تقدم عسكري ينجزه المحور الروسي، تطفو تساؤلات عن اليوم التالي الذي تنتهي فيه العمليات العسكرية، وتوضع فيه التسوية على بساط البحث.

ظهرت أولى التباينات بين موسكو وطهران مع الأسابيع الأولى للتدخل العسكري الروسي، عندما بدأ الروس محاولة التفاوض مع الجيش الحر. ثم بدا التباين أكثر مع اختلاف هذا المحور في أولويات الجبهات العسكرية، ففي حين كانت روسيا تركز على ريف حلب الشمالي لحساباتٍ مرتبطة بتركيا، كان النظام يركز على ريف حلب الجنوبي والشرقي لحساباتٍ متعلقةٍ بالمعارضة، بينما أصرت إيران على فتح جبهتي ريفي حلب الجنوبي الغربي وحلب الغربي لحساباتٍ طائفيةٍ متعلقةٍ بكفريا والفوعة في إدلب، ونُبّل والزهراء في حلب. وظهر الخلاف علنا بعد السيطرة على حلب الشرقية، وتحديدا مع عملية إجلاء المدنيين والمسلحين، حيث حاولت إيران عرقلة العملية وقتل المسلحين والمدنيين المشتبه فيهم، ما دفع روسيا إلى التهديد بضرب كل من يطلق النار، في إشارة إلى حليفيها النظام وإيران. على أن التباين بين الجانبين بدأ يأخذ مسارا آخر مع "إعلان موسكو" ومن ثم أستانة؛ فبالنسبة لـ"إعلان موسكو"، يعني وقف إطلاق النار لإيران كبح جماحها العسكري في الشمال الغربي لسورية، ويحول دون استكمالها حماية

"من دون إيران لا يمكن أن تغيّر روسيا الميزان العسكري للصراع بما يخدم في النهاية رؤيتها" الشيعة في حلب، قُبيل الانتقال إلى إدلب، لاستعادة كفريا والفوعة. وبالنسبة لاجتماع أستانة، بدت طهران في قمة غضبها مع إدخال الروس الفصائل المعتدلة بشقيها العلماني والإسلامي في المعادلة العسكرية والسياسية.

ثم انتقل التباين بين طهران وموسكو إلى مستوى آخر، ارتبط، هذه المرة، بصراع النفوذ الجغرافي. وبدا ذلك واضحا في وادي بردى غرب دمشق مع رفض حزب الله وإيران أي تدخل روسي في الصراع القائم هناك. استجاب الروس للإيرانيين، فحيّدوا وادي بردى عن اتفاق الهدنة، لكن هذه النقطة عكست الرؤية الاستراتيجية لكلا الطرفين وحدود الخلافات بينهما. وإذا كانت موسكو قد اعترفت بالمصالح الحيوية لإيران في سورية، فإنها لن تسمح لأصحاب العمائم في طهران بالسيطرة على القرار العسكري السوري. ولذلك بدأ النظام، بطلب روسي صريح، إعادة تشكيل كل القوى شبه العسكرية، وخصوصا "الدفاع الوطني" المشكّل والمدعوم من إيران. وجاء إنشاء "الفيلق الخامس ـ اقتحام" عام 2016 لهذا الغرض، لمنع انتشار السلاح بشكل عشوائي وفوضى أمراء الحرب ووضع الجميع بتصرف الجيش السوري، وبالتالي جعل قراره مرتبطا مباشرة بدمشق وحدها.

والتسوية السياسية عنوان آخر للتباين والاختلاف بين روسيا وإيران، ففي حين تصرح موسكو كثيرا إنها لا تدعم شخص الأسد بقدر ما تدعم الدولة للحيلولة دون انهيارها. وأنها تدعم خطة دولية للتسوية لا تخلو من اختلافات، تبدو إيران حريصةً على عدم إطلاق تصريحاتٍ متعلقة بالتسوية السياسية، لأنها ترفض مبدأ التسوية، وتعتقد أن أي نوعٍ من التسوية، مهما كان بسيطا، سينعكس سلبا عليها استراتيجيا. ظهر ذلك بشأن "مؤتمر الحوار الوطني" في سوتشي، عندما اجتزأت وسائل الإعلام الإيرانية والسورية الرسمية البيان الختامي للمؤتمر، والذي نشرته وزارة الخارجية الروسية، فقد حذفت المقدمة والخاتمة منه، ما يوحي بأن طهران ودمشق غير راضيتين عنه، وهذا ما يفسر تخفيض النظام مستوى تمثيله في المؤتمر.

ومن الخلافات الرئيسية أن إيران والنظام السوري يريدان أن تخضع اللجنة الدستورية، من حيث المرجعية القانونية وآليات العمل واختبار أعضائها، للدستور المقر عام 2012، في حين قبلت موسكو بالشروط الغربية المتمثلة بخضوع اللجنة للأمم المتحدة مقابل حضور مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، إلى سوتشي للمشاركة في المؤتمر. وهذا في غاية الأهمية، فإصرار النظام السوري على اعتبار دستور 2012 المرجعية القانونية / التشريعية يعني أن عمل اللجنة وأهدافها لن يخلّ بالدستور القائم/ الحالي، وإنْ جرى تعديله، لكن خضوع عمل اللجنة الدستورية للأمم المتحدة يعني أن حدود الدستور الجديد ستكون ضمن تسوياتٍ كبرى بين واشنطن وموسكو. وبطبيعة الحال لدى الأخيرة معطيات تجعل موقفها من التسوية لا يتطابق تماما مع دمشق.

من النقاط الخلافية أيضا أن دمشق ترفض خضوع المؤسسات الأمنية لمبادئ سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان بحسب نصوص الدستور والقانون، وتريد أن يكون عملها وفق القانون فقط. وثمة خلافات أخرى لم تظهر بعد.

وأن يعلن علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، إنه لولا بلاده لسقطت الحكومة السورية خلال أسابيع، فهذا يعني أن رسائل سياسية تريد طهران إيصالها إلى دمشق وموسكو. كما يمكن إدراج تصريح مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون العسكرية، اللواء يحيى رحيم صفوي، ضمن هذا السياق "لولا إيران لما تمكّن الروس من عمل شيء"، أو حين طالب النظام بتسديد الفواتير التي دفعتها إيران لبقاء النظام صامدا. ولكن أن تشن إيران هجمات لاذعة على الأسد، وإن في الإعلام، فهذا يتعدّى الترميز السياسي. فقد كتبت صحيفة "قانون" الإيرانية "ندفع ونتحمل ثمن تكلفة هذه الحرب. وفي نهاية الحصاد؛ يجلس آخرون لتقاسم الكعكة على المائدة. ليس هذا عملا شريفا. لذلك علينا أن نأخذ حقنا ونتكلم عنه بصراحة، لأن لدى الشعب الإيراني حصته من هذا النصر في سورية". ثم تساءل موقع "تابناك" التابع للحرس الثوري "من المسؤول عن حذف إيران وإقصائها من عملية إعادة إعمار سورية.. نحن أم بشار الأسد؟". وليست مصادفة أن يتزامن الهجوم الإيراني مع تقارير تؤكد توجه دمشق إلى منح موسكو عقودا كبيرة في ملف إعادة الإعمار، ومنه توقيع وزير الخارجية في النظام السوري، وليد المعلم، مع نائب رئيس الحكومة الروسية، ديميتري روغوزين، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، على بروتوكول للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي التقني، يتناول مشاركة الروس في إعادة الإعمار في سورية.

صحيح أن إيران حصلت على عقود واتفاقيات اقتصادية، تتعلق بمجالات النفط وشبكات الهاتف المحمول والمجالات الزراعية والحيوانية والصناعية، لكن هذه العقود تعتبر بالنسبة لطهران وسيلة لتعويض جزء من خسائر كبيرة تكبدتها في سورية، ووسيلة لاسترجاع القروض التي منحتها طهران للنظام على شكل خطوط ائتمان، وكان آخرها فتح خط ائتمان في 2017 بقيمة ثلاثة مليارات دولار ونصف المليون.

أهم ما يلفت الانتباه في التصريحات الإيرانية أن الحرب الباردة بشأن إعادة الإعمار بدأت مبكرةً بين الحليفين، فالمعارك لم تضع أوزارها، والواقع العسكري قابل للانفجار في أي لحظة مع وجود الأميركيين، ما يعني أن ثمة اختلافات حادة داخل هذا المحور بشأن من يريد الاستئثار بالكعكة السورية. ويعود إعطاء دمشق الأولوية للروس في إعادة الإعمار إلى اعتبارات عدة، أهمها:

"تبدو إيران حريصةً على عدم إطلاق تصريحاتٍ متعلقة بالتسوية السياسية، لأنها ترفض مبدأ التسوية"

حاجة دمشق الملحة لروسيا في المرحلة المقبلة، فبعد اقتراب المعارك من الانتهاء، ينصب اهتمام المجتمع الدولي والولايات المتحدة على التسوية، وتثبيت مناطق النفوذ داخل سورية، وروسيا وحدها القادرة على حماية النظام. وأن طهران ما تزال بحاجة إلى سورية أكثر من حاجة الأخيرة إليها، فسقوط النظام يعني سقوط القوة الإيرانية في المنطقة، بحيث تصبح طهران من دون أية أنياب إقليمية. وأن روسيا يمكن أن تكون بوابة دولية لإعادة الإعمار، فمن خلالها يمكن إجراء تسويات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فيما لا تصلح إيران لذلك. كما أن ضعف الاقتصاد الإيراني وتفشي البيروقراطية يحولان دون تمتع طهران بقدرة على تصدر ملف إعادة الإعمار.

لم يصل التباين بين موسكو وطهران إلى مرحلة الاختلاف الحاد بسبب استمرار المخاطر. ولكن مع اقتراب الأزمة شيئا فشيئا من نهايتها سترتفع وتيرة الخلافات، بسبب الافتراق بين الجانبين حيال صيغة الحل النهائية. ومع ذلك، حدود التلاقي بين الجانبين أكبر بكثير من حدود الاختلاف، وسيظل التعاون الاستراتيجي قائما بينهما، مع محاولة الإيرانيين تعزيز نفوذهم في سورية على ثلاثة مستويات: عسكري/ جغرافي، وسياسي، واقتصادي، استباقا لأي تسويةٍ تضعف نفوذهم.

تستفيد روسيا وإيران من بعضهما؛ فبالنسبة لروسيا لا تشكل سورية مصالح حيوية مباشرة كما الحال مع إيران، لكنها (أي سورية) تشكل ورقةً مهمة لموسكو في ضمان مصالحها العالمية. ومن دون إيران لا يمكن أن تغيّر روسيا الميزان العسكري للصراع بما يخدم في النهاية رؤيتها. وفي المقابل؛ استفادت إيران من روسيا في تغيير الميزان العسكري بعد فشلها خلال السنوات الماضية في إحداث انعطافةٍ عسكرية لصالح النظام، لكن طهران التي تعي ثمن التدخل العسكري الروسي قرّرت دفع الأذى القريب بالأذى البعيد.

==========================

المتساقطون على طريق الثورة .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الثلاثاء 4/3/2018

قرأت مبكراً كتاب الأستاذ فتحي يكن -رحمه الله- «المتساقطون على طريق الدعوة»، وعلق بذهني عنوانه أكثر من مضمونه، وبينما أنا أتابع الثورة الشامية اليوم وهي التي فضحت الجميع -أفراداً وجماعات وأحزاباً ودولاً- تذكّرت ذلك العنوان لأتصرف به بشكل يسير، فأسميت عنوان مقالي «المتساقطون على طريق الثورة»، فقد تساقط الكثير خلال فترة السنوات السبع العجاف الماضية؛ لكن ما أدهشني أخيراً هو السقوط المريع للمفتي الشرعي لـ «فيلق الرحمن» بسام ضفدع وتصالحه مع العصابة الطائفية، وإن كان قد تبيّن أنه متصالح معها منذ البداية وما كان وجوده إلا اختراقاً للثورة، ولكنه لم يدرِ أنه اخترق نفسه، سيذكر ذلك يوم يصدر الناس أشتاتاً...

وعلى طريق التساقط، رأينا انهياراً مدوياً لمن يشيدون بجيش الطائفيين والميليشيات في استباحة وتدمير الغوطة وتهجير أهلها، ولكنهم تناسوا أن ذلك لم يكن له أن يحصل لو لم يستخدم الطائفيون الكيماوي والبراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية لسبع سنوات متتابعة، فضلاً عن دعم جوي وبري روسي منقطع النظير، وفوق هذا دعم من مجلس أمن لم يكن إلا أمناً للمجرمين والقتلة والمحتلين والغزاة، وخوفاً بالمقابل على المدنيين والأحرار المطالبين بجزء يسير من حريتهم وتحررهم من العبودية في قرن العبودية الحادي والعشرين، الذي تتقازم أمامه كل أنواع العبودية في الماضي.

رأينا تصريحاً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وهوينسخ كل ماقيل في الماضي من أن الأسد سيرحل سلماً أو حرباً، وهو ما كان يتحدث به عادل الجبير وزير الخارجية السعودي والجهات الرسمية التي ما فتئت تؤكد في كل مرة على ضرورة رحيل النظام السوري القسري، ولكننا نرى الآن الانقلاب الرهيب على كل هذه الثوابت من طرف كثير من مناصري الثورة السورية؛ إذ يتم الاكتفاء بالتحذير من ألا يكون الأسد دمية، ولا أدري ماذا تبقى للدمية أن تلعب بعد كل ما لعبه خلال السنوات السبع الماضية!

وبين الدول والأفراد نرى السقوط الأخلاقي للكثيرين، ولكن لا تزال الشام وأهلها ثابتين على العهد وراضين بالكفالة الربانية التي محّضهم إياها الله تبارك وتعالى، فرضوا بالقتل والقتال والجراح والاعتقال والتهجير؛ نصرة لثورتهم وأملاً في انتزاع حريتهم المسلوبة منذ أن فرض عليهم المحتل الفرنسي يوم رحيله الطائفيين، من خلال استحداث شبيحة جيش المشرق ليحلوا محل قواته بعد رحيله، فكان العميل والشبيح أجرم من سيده، ونلمس اليوم هذا واضحاً جلياً بالحرص الفرنسي على الحلول محل الأميركيين في الشمال السوري لمواجهة الأتراك، بينما صمت الفرنسيون في أحسن الأحوال على كل جرائم من خلّفوهم يوم رحيلهم عن سوريا عام 1946 من شبيحة ميليشيات طائفية تحت اسم «جيش المشرق».

لن ينسى السوريون أبداً أن ما يمرون به من محنة رهيبة هذه الأيام هي نتاج لما زرعه الاحتلال الفرنسي، ورعايته للجيش الطائفي المجرم الذي تفاوض مع الثوار يومها لعشر سنين من أجل القبول بما يُسمى اليوم «مؤسسة الدولة»، فكان جيشاً لقمع الشعب السوري أولاً وأخيراً، وكأن الدولة ومؤسساتها اختُصرت فقط بالقتلة من الميليشيات الطائفية والأجهزة الأمنية التي كان من ثمارها ما تسرّب من صور وقصص المصور قيصر ومسالخ الأجهزة الأمنية السورية التي ما كان لها أن تتفشى لولا الحصانة الدولية اليومية بحجة حماية مؤسسات الدولة، وهي في واقعها حماية مؤسسات القتل والإجرام والسلخ والتهجير والاقتلاع من الأرض.;

==========================

حين تفشل الثورة تأكل أبناءها .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاثنين 2/4/2018

قديماً قال المناطقة إن كل نتيجة تلزم بالضرورة عن مقدمات لها، ولا يجادل المجادلون في حتمية صحة هذه النظرية أو الافتراض المنطقي في تسلسل الأحداث من الألف إلى الياء، بناء على ما تقدم فإني أشاهد سقوط حوران, وجنوب سوريا, بيد تحالف الشر الذي تقوده موسكو.

كما قرأنا سقوط غوطة دمشق في يبرود والقلمون وداريا ومن قبل في القصير وبابا عمرو في حمص وسط البلاد.

صرخنا حينها بأعلى الصوت ولم نزل نصرخ، صرخات كانت بمثابة إنذار وصيحة تحذير إلى كل الفصائل والتشكيلات الشامية، التي بتنا اليوم عاجزين عن احصائها بأسمائها وتفرعاتها ومشتقاتها. قلنا لهم ولم نزل نعيد التأكيد على ما سبق وأن سيدنا»عليً» قال: ألا إني أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض! ألا وإني وهنت يوم قُتل عثمان!

ومازال البعض منا يعيش هذا المثل أو تلك الحكاية، دون أن يعطف الماضي على الحاضر قبل أن يغلق الدفاتر ويدفن رأسه في الرمال التي خنقته يوم قرر أن يتجاهل دروس التاريخ وأعجبه العيش، بمبدأ أنا ومن بعدي الطوفان ويبحث عن سلامته فقط وينسى أن الطوفان لا يرحم أحدا.

نعم سادتي الكرام، قد سقطت درعا في غوطة دمشق, وسقطت الغوطة الشرقية حين سقطت داريا ومن قبل يبرود وانسحابات جيش الإسلام التكتيكية الشهيرة، وكان قبل ذلك أن سقطوا جميعاً في حمص القديمة وبابا عمرو، وسيستمر سقوطهم مستمر، كما سقطت غرناطة يوم سقوط طليطلة.

لأنهم جميعاً تنازلوا عن المبدأ الرئيسي في البقاء، الوحدة تحت راية واحدة وقيادة موحدة، ومن يتنازل مرة يتنازل في كل مرة، والمنطق يقول،عندما أعطت الفصائل الموافقة على أكل الثور الأبيض أعطت الموافقة على أكلي.

سيخرج علينا أحدهم وربما أكثر من واحد ليعطينا محاضرة في خذلان المجتمع الدولي للثورة السورية الذي بدأت ملامحه عندما تم تدمير حي بابا عمرو على رؤوس قاطنيه وبعده مجزرة الحولة الشهيرة التي استنفر لها العالم ببيانات الشجب والإدانة، و تم ضمها لاحقاً إلى قائمة طويلة من البيانات والتقارير المتراكمة حول انتهاكات حقوق الإنسان التي يمارسها تنظيم الأسد وحلفاؤه في سوريا منذ عقود طوال، ثم يتبع محاضرته بالقول استخدم النظام السلاح الكيميائي في غوطة دمشق ولم يتحرك أحد ضده لمعاقبته بل تم سحب سلاح الجريمة خدمة للكيان الصهيوني، ومنح تنظيم الأسد المجال واسعاً لاستخدام كل أنواع السلاح للفتك بالثوار السوريين, وكل هذا صحيح، ثم يقولون إن احد أهم اسباب ضعف المعارضة عدم رغبة المجتمع الدولي بالتعامل مع الحراك الثوري السوري على أنه ثورة ضد الاستبداد المستدام الذي رسخه تنظيم الأسد، ونقول هذا صحيح، ويأتي آخر ليقول إن الداعمين الدوليين والإقليميين تلاعبوا بالفصائل من خلال الدعم وتجييرهم تلك الفصائل لتحقيق مصالح الداعم أو الممول، ونقول نعم هذا صحيح، ولكن الذي لا يريد أحد الحديث عنه أو الإجابة عليه، السؤال المنطقي، لماذا قبلنا أن يغرر بنا سياسيا وعسكريا من كل تلك الجهات ؟، إين مشروعنا الوطني الثوري، لماذا قبلنا أن يتم استخدامنا في حروب الوكالة.

نعم صحيح كل الثورات تحتاج لداعم دولي، على أن لا يكون على حساب الثورة بالمقام الأول.

لا أحد يقول بعدم نسج علاقات مع أطراف دولية داعمة لكن أن تصبح الغاية تنفيذ أوامر الداعم وتطبيق ما يريده على حساب المصلحة العامة والمصلحة الثورية، هذا ما لا يقبله عقل عاقل ولا المنطق الثوري، وهذه جريمة لا يريد أحد الحديث عنها ومعالجتها، بهدف الارتقاء بالعمل الثوري، والتخلي عن المبدأ السابق أنا ومن بعدي الطوفان.

المبدأ الذي دمر كل أشكال التضامن والتكاتف العسكري على كل الجبهات وهو المبدأ الذي جعلنا نشاهد سقوط بابا عمرو، والرستن تراقب المشهد عن قرب دون أن تحرك ساكنا.

نعم سقطت يبرود في القلمون – حين تم شراء الأصوات في انتخابات الائتلاف الوطني وستستمر بقية المناطق بالسقوط لأنهم قبلوا التحول من الثورة إلى معارضة سياسية قبل أن تصل إلى محطتها الآخيرة وتنجز التغيير الثوري على الواقع بكل مقوماته.

نعم الثورات تسقط في حال لم تحقق أهدافها، ولم تفلح في استئصال الدولة العميقة التي سيطرت على مفاصل البلد.

«الثورة تأكل أبناءها» حين يبدأ التخوين والتشكيك وتنشطر النواة الأولى للثورة وتبدأ المحاصصات السياسية والاقتصادية والتقاتل على المصالح قبل إنجاز المهام االثورية.

للأسف الشديد هذا هو الحاصل اليوم في الثورة السورية حيث تعددت الرايات والألوية والولاءات واختلفت، وأصبحت رهينة الدول الحاكمة أو تبعاً لخياراتها، وتغليب المصلحة الخاصة على العامة.

الثورات تفشل حين لا تستطيع تقديم بديل عن النظام الاستبدادي القائم، من فرض الاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها الثورة، المقصود بالاستقرار هنا الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي، هذا ما فشلت فيه معظم فصائل الثورة في مناطق سيطرتها حيث تعم فوضى السلاح واستغلال التجار والمناوشات الفصائلية والعشائرية.

صحيح أن الثورة لم تمتلك حت الآن رفاهية أن تحكم لكن التجربة الماثلة بين أيدينا في أدلب ومناطق درع الفرات غير مبشرة ولا تدعو للتفاؤل.

لسنا هنا لجلد الذات أو البكاء على اللبن المسكوب لكن جردة حساب لابد منها كي نضع العجلة على المسار الصحيح، بعد كل هذه التضحيات والدماء الزكية التي سفكت من أجل تحقيق أهداف الثورة المتمثلة بالكرامة والعدالة.

المراجعة مطلوبة وضرورية، علم الاستراتيجيات يقول إن الاستراتيجية يجب أن تكون مرنة وقابلة للقياس والتعديل في حال لم تحقق الغرض الذي وضعت من أجله واستبدالها بأخرى أكثر نجاعة.

الذي نطلبه اليوم كما كان في الأمس التوحد والتخلص من منطق القبيلة والقرية والحي والفصيل، المطلوب استراتيجية ثورية وطنية للتغلب على الواقع المأساوي الذي وصلت إليه الثورة بسبب الخلافات والاقتتال خدمة للمصالح الآنية الضيقة وخدمة للمانحين مع تغييب المصلحة الثورية.

بالعودة إلى أول هذه التدوينة وما قاله المناطقة، المقدمات الصحيحة تعطي نتائج صحية، والمقدمات الخاطئة تعطي نتائج سلبية، كانت مقدماتنا في بداية الثورة صحيحة وتماسكنا وحققنا انتصارات، وصلت إلى ساحة العباسيين وأجزاء كبيرة من دمشق العاصمة، ثم بدأنا في الانحدار عندما تحولنا لمعارضة وغلبنا مصالحنا الخاصة، وبدأ البعض يتحدث بصفة رئيس منتخب، أو قائد منتصر يفرض شروطه على الآخرين ورفض منطق التوافق والتكاتف من أجل تحقيق الهدف النهائي الوصول بالثورة إلى شاطئ الأمن والإستقرار فكانت خيبات الأمل وحصد الندامة.

أين هم اليوم من كانوا يخبئون أسلحتهم لمرحلة ما بعد سقوط الأسد، كلهم ذهبوا وتظل الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح أننا فشلنا في أن نتحدث بمنطق الثورة التي تؤدي لتشكيل دولة القانون والمساءلة.

برغم أن معظم التشكيلات الثورية «المسلحة» العاملة ضمن صفوف الثورة تدعي البعد والعمق الإسلامي إلا أنها فشلت في تطبيق الآية القرأنية ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ).

ولتظل نظرية «معن بن زائدة « الخالدة هي الأنجع لمثل وضعنا والتي تقول :

تأبى الرِّماحُ إذا اجتمعنَّ تكسُّراً… وإذا افتــــرقَنّ تكــسّرتْ آحادا.

كاتب وباحث سوري

==========================

حزب سوريا المستقبل.. دلالات وأسئلة .. خورشيد دلي

العربي الجديد

الاحد 1/4/2018

كان لافتا الإعلان في مدينة الرقة السورية عن تأسيس حزب جديد باسم حزب سورية المستقبل قبل أيام، جاء إعلانا حمل معه جملة من الدلالات، لجهة التوقيت والمكان والرسائل والمأمول والأسئلة. مع أن ظاهرة انتشار الأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية والعسكرية في الساحة السورية باتت من أهم مظاهر الأزمة السورية، إلا أن تأسيس حزب سورية المستقبل على أنقاض مدينة الرقة المدمرة، وبحضور نحو ألف شخص، يمثلون معظم مكونات الشعب السوري، أمر مثير، لا سيما لجهة الأسئلة، فالساحة التي عقد فيها المؤتمر هي نفسها التي رفعت فيها صور الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، عقب طرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) منها، والمدينة، الرقة، تقع تحت سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" التي تشكل وحدات حماية الشعب عمادها الأساسي. وعلى الرغم من الحضور الكردي النوعي والكثيف في المؤتمر، إلا أن القاعة التي عقدت فيها الجلسات خلت من أي علم أو شعار أو لغة أو إشارة إلى الكرد ولغتهم، بل ومطالبهم التي رفعوها طوال الفترة الماضية! مع أن ثمة قناعة راسخة لدى الأوساط المطلعة بأن الطرف الكردي، وتحديدا حزب العمال الكردستاني، هو من يقف وراء تأسيس هذا الحزب.

في الأوساط الكردية، ثمّة من يعتقد أن تأسيس هذا الحزب جاء وفقا لرغبة أميركية، لها علاقة بتأسيس تنظيم يحظى بقبول من جميع الأطراف السورية، ولا يثير التوتر مع الدول الإقليمية، 

"تجديد الخطاب الكردي مطلوب، بل وضروري، ولا سيما في هذه المرحلة حيث تظهر بوادر انشقاق كردي – عربي" وتحديدا تركيا التي دخلت في مواجهة مفتوحة مع المشروع الكردي في شمال شرق سورية. ويضيف بعضهم أن هذا الحزب جاء ليكون بديلا عن حزب الاتحاد الديمقراطي، استجابة لظروف المرحلة الجديدة. ولعل هذا ما يوحي به ما جاء في البيان الختامي لمؤتمر الحزب، إذ خلافا لخطاب حزب الاتحاد الديمقراطي، حمّل البيان النظام السوري وحده مسؤولية الأزمة السورية، لاستمراره في نهج العسكرة. وحصر الإرهاب بتنظيمي داعش وجبهة النصرة من دون الإشارة إلى فصائل أخرى، كانت تصنف إرهابية وفق "الاتحاد الديمقراطي" وحركة المجتمع الديمقراطي. ونبه البيان إلى ضرورة إقامة أفضل العلاقات مع الجوار الجغرافي، وحدّد تركيا بالاسم خلافا للخطاب العدائي الحاصل بين تركيا والكرد، لم يشر البيان لا من قريب ولا من بعيد إلى الإدارة الذاتية الكردية أو فيدرالية شمال سورية أو إقليم روج آفا أو الكانتونات والمقاطعات... وغيرها من المصطلحات السياسية التي سادت الخطاب الكردي في السنوات الأخيرة، بل حرص البيان مرارا على الإشارة إلى وحدة الدولة السورية دولة ديمقراطية، لا مركزية، تعدّدية، تقوم على المواطنة والحقوق والواجبات، وذلك كله من خلال التغيير السلمي ومؤتمر جنيف وفقا للقرار الدولي 2254 ودستور جديد.

تجديد الخطاب الكردي مطلوب، بل وضروري، ولا سيما في هذه المرحلة حيث تظهر بوادر انشقاق كردي – عربي. لكن يبقى الأهم كرديا وسوريا كيفية تحويل هذا الخطاب إلى مرجعية سياسية وممارسة عملية، ومفاهيم ثقافية، تصب جميعها في الحالة الوطنية، من دون إنكار الهوية الكردية. وعليه، يضع طمس الهوية الكردية، في مؤتمر انعقد وسط السيطرة الكردية، ما صدر عن المؤتمر في امتحان الاختبار، لا على المدى اللحظي القريب، بل في إطار استراتيجية بعيدة المدى، من خلال جعل هذا الخطاب مسارا فعليا للشعارات التي رفعت، ولعل المسؤولية عن ذلك تتجاوز حزبا بعينه إلى كل الأحزاب والقوى التي ترى نفسها معنيةً بمستقبل سورية.

==========================

استعمار مذهبي يكره البشر .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الجمعة 30/3/2018

ما أن أعلن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أن بلاده "لن تسمح بأي تدخل أجنبي في سورية"، حتى أكد الرئيس، حسن روحاني، تمسكها بما أسماه "الأمن الإقليمي"، القائم في نظره على: اعتبار سورية  جزءا من إيران، تهدد ثورته الأمن الإقليمي، وبالتالي الدولي الذي يعادل، في هذا الفهم، انفراد نظامه بسورية، واعتبار أي وضع آخر تدخلا أجنبيا لن تقبله. هل يشمل الرفض روسيا التي غزت سورية عسكريا، وتعمل للانفراد بالسيطرة عليها؟ وتركيا التي تنشر جيشها شمالها؟ وأميركا التي تحتل 28% من مساحتها؟ ما الذي سيبقى من سورية، إن كانت إيران تريد حقا الانفراد بها، وطرد هذه القوى منها، أو العكس، إن كانت هي تريد إخراج إيران منها؟

يبدو أن "الأمن الإقليمي" لا يتحقق من دون انتشار إيران خارج حدودها، ووضع يدها على جوارها، باعتباره خدمة للأمن والسلام الدوليين، تتفق مع القانون الدولي، وتحصن البلدان التي تحتلها إيران  ضد الصراعات الدولية، وإن حولتها إلى مستعمرات إيرانية، وأفقدت شعوبها الحق في الحرية والاستقلال، فإن قاومت هددت مقاومتها "الأمن الإقليمي"، وغدت شعوبا إرهابية كشعب سورية الذي ينتهك القانون الدولي، ويمارس الإرهاب بثورته، الخارجة عن مألوف الثورات، ولا بد أن تتحمل المسؤولية عن انخراط قوى عديدة في الصراعات التي ترتبت عليها، واضطرت الحرس الثوري وجيش طهران إلى غزوها، لحمايتها ومنع انفراد الأجانب بها، وليس لأي سبب آخر.

ليس التدخل العسكري الإيراني المباشر في العراق وسورية ولبنان واليمن، وغير المباشر في بلدان عربية أخرى، عدواناً استعمارياً تقوم به دولة أجنبية، بل هو تحرك داخل مجال إيران السيادي، هدفه حماية الأمن الإقليمي. لذلك، تنتظر طهران أن يدعم العالم دورها في اليمن، ويساند فتوى المرشد حول إلزام حزب الله بالقتال ضد شعب سورية التكفيري، ومبادرة حسن نصر الله بشأن إيصال "دواعش" عرسال اللبنانية بحافلات مكيفة، ترفرف عليها أعلام حزبه الصفراء إلى مدينة دير الزور في أقصى الشرق السوري، ويرحب بجهود قناصة الحرس الثوري الذين أرسلوا إلى دمشق قبل أسابيع من ثورتها، وقتلوا عشرات الآلاف من مواطنيها المطالبين بالحرية والإصلاح، ويحيي تضحيات حرس طهران، وهم يدافعون عن مرقد زينب في ضاحية دمشق الجنوبية التي كانت ستسبى طوال نيف وألف وأربعة عام، لو لم يبادر حزب الله إلى احتلال المكان. ويساند تطييف نظام العراق السياسي، وتغيير بنيته السكانية ودمجه في نظام فارس الأمني، وسيطرة حزب الله على دولة لبنان ومجتمعه. في أوضاع عبثية، هذه ملامحها، يتعهد روحاني بحرمان هذه البلدان مما سطت إيران عليه: استقلالها وسيادتها، ويعلن تصميمه على مقاتلة شعوبها والقضاء عليها، وطردها من أوطانها، بالتعاون مع حاكم محلي هنا، أو أقلية داخلية متعاونة هناك.

لا ينتهك ملالي إيران سيادة الدول باحتلالها، ولا يدوسون حقوق مواطنيها بقتلهم، ولا يتناقض قيامهم باستعمار شعب آخر مع تنصيب أنفسهم ناطقين باسمه ومدافعين عنه. ومن يستمع إلى تصريحات خامنئي وروحاني يعتقد أنهما مفوضان ساميان، كلفتهما الأمم المتحدة بتولي شؤون السوريين وإدارتها بالنيابة عنهم.

هذا زمن عودة إلى نوعٍ من أحط أنواع الاستعمار وأشرسها، يتولاه ملالي يعتبرون كل ما يصدر عنهم إلهيا، على الرغم من أن ممارساتهم تجافي كل ما هو إنساني وحر في تراث الإنسانية وتاريخها، وتناهض يقظة تاريخية تعيشها شعوب منطقتنا، مدارها حرية إنسانها وحقوق مواطنها. هذا النمط من الاستعمار المذهبي سيقضي على منطقتنا وشعوبها، إذا لم يتحد العالم، ويبادر للقضاء عليه.

========================

رماد الديكتاتوريات حين يُذرّ في العيون .. مرح البقاعي

الحياة

الجمعة 30/3/2018

بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لسقوط نظام صدام حسين في العراق، وخلال اللقاء الصحافي الدوري للناطقة الرسمية باسم الخارجية الأميركية، هيذر ناورت، سألها أحد الصحافيين إذا ما كانت الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب سوف تعتذر لشعب العراق عن الحرب التي شنتها على بلادهم، بما أن بعض من اختلق معلومات غير دقيقة لتبرير الدخول إلى العراق هم الآن ضمن هذه الإدارة؟

واعتمد الصحافي في سؤاله على تصريح الناطقة الرسمية للبيت الأبيض، سارة ساندرز، رداً على سؤال حول شرعية إعادة انتخاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث قالت ما مفاده إن الولايات المتحدة لا تملي على الدول الأخرى كيف تعمل. وقد تساءل الصحافي ما إذا كان تغيير النظام في العراق بالقوة يقع في دائرة ما تحدثت عنه ساندرز من التدخل في عمل الدول الأخرى!

بغض النظر عن إجابة ناورت، وما إذا كانت مقنعة أم لا، فإن السؤال الذي يتكرر في الشارع الأميركي في الذكرى الـ15 لحرب العراق هو حول شرعية هذه الحرب أيضاً. كما أن الشعار الذي رفعه الرئيس ترامب «أميركا أولاً» قد أثار حالة شعبية تتمسك بكل ما هو قومي أميركي مبتعدة شيئاً فشيئاً من ميدان التأثير والفعل في الساحة الدولية، إلا في حدود ما يهدد الأمن القومي الأميركي.

وقد تمدد هذا الانكفاء الأميركي عن الساحة الدولية خلال فترتي حكم باراك أوباما وحتى اليوم في السنة الأولى من إدارة ترامب. فلم تشهد السنوات الثماني من حكم أوباما أحداثاً دولية كبرى باستثناء الانسحاب الأميركي من العراق في ليل، والتوقيع على الاتفاق النوري الإيراني السيّئ السمعة، وهو في موضع جدل كبير اليوم ضمن أروقة الكونغرس الأميركي والبيت الأبيض والبنتاغون.

أما في السنة الأولى من عهد ترامب وحكم الجمهوريين، فكانت ضربة مطار الشعيرات «الرمزية» للنظام السوري الحدث الأمضى تأثيراً للولايات المتحدة في الموضوع السوري الذي يشكّل منذ سنوات الاهتمام والشغل الشاغل للمجتمع الدولي والاقليمي حكوماتٍ وشعوباً ومنظمات دولية.

وقد خرجت علينا صحيفة «واشنطن بوست» مؤخراً بمقال أثار العديد من ردود الأفعال في الأوساط المتابعة للشأن السوري في الولايات المتحدة، وبين أطراف المعارضة أيضاً. فقد كتب ماكس بوت في مقالة له تحت عنوان «لإنقاذ السوريين دعوا الأسد يفوز»، يدعو فيها ‏الولايات المتحدة إلى ترك بشار الأسد يفوز بالحرب، وبالسرعة الممكنة، لأن المعارضة لا يمكن أن تربح الحرب أمام قوات روسيا وإيران.

يقول ماكس بوت: «في 2012، انضممت إلى العديد من الأصوات التي كانت تدعو إلى قيام الولايات المتحدة بفرض منطقة حظر جوي لوقف وابل البراميل المتفجرة البربرية للأسد، وتقديم المساعدات للجيش السوري الحر للإطاحة به وبنظامه. ولو استمع الرئيس الأسبق أوباما لندائنا لكان من الممكن تفادي كارثة استراتيجية وإنسانية وقعت على سورية وأهلها». ويتابع: «وعلى رغم اعتقادي بأنني كنت على حق قبل سنوات ست، إلا أنني لا أستطيع تبنّي نفس الموقف اليوم، لا سيما بعد انخراط روسيا في الحرب منذ 2015. فالولايات المتحدة لن تستطيع مهاجمة الطائرات الروسية من دون المخاطرة بوقوعها في حرب مباشرة معها».

جاء الرد على هذا المقال سريعاً، ومن البيت الأميركي نفسه، ومن أحد أبرز الدبلوماسيين الذين اطلعوا بالملف السوري خلال تولي هيلاري كلينتون منصب رأس الديبلوماسية الأميركية، وهو السفير فريد هوف. نشر هوف مقالاً جوابياً في مركز البحوث «مجلس الأطلسي» قال فيه ساخراً من طرح بوت: «أنت تطلب من أميركا أن تترك الأسد يفوز بالحرب! لا عليك، فأميركا لا تعيق بأي حال تقدّم بشار الأسد عسكرياً. وأنت يا سيد بوت إنما تحاول دفع باب هو مخلوع أصلاً وبلا مفاصل... فمنذ تجاوز بشار الأسد كل الخطوط الحمر التي وضعها أوباما، ازدادت ثقته في قدرته على ارتكاب كل أنواع المجازر ضد السوريين من دون خوف من رد فعل أميركي يتجاوز الخطابات الغاضبة في الأمم المتحدة، طالما أنه لا يلجأ الى استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين».

اليوم، ينظر السوريون بعين الترقب إلى التغييرات السياسية التي أجراها الرئيس الأميركي في إدارته وتعيين شخص حازم على رأس الديبلوماسية الأميركية هو مايك بومبيو، وكذلك السفير جون بولتون مستشاراً للأمن القومي بدلاً من سلفه الجنرال ماكماستر. بولتون صاحب المواقف القوية والرؤية الثاقبة لضرورة إيقاف شرور إيران - حليفة الأسد - وتجفيف تمويلها للإرهاب العابر للحدود. ويعتقد السوريون بأن هذه التغييرات ستجلب بعض العدالة والإنصاف إلى السوريين الذين يعانون من تغول الميليشيات الإيرانية عليهم وعلى أرضهم.

فصل المقال في السؤال عما إذا كانت أميركا ستعتذر لبغداد عن إسقاطها الديكتاتور في 2003، وإشعالها حرباً طويلة الأمد لم تخمد حرائقها حتى اليوم، هو أن تكرّ سبحة اعتذاراتها للديكتاتوريات التي أفلتت من العقاب الشعبي بقدرة قادر. فهل لدى إدارة ترامب الحربية الجديدة قول آخر؟!

* كاتبة سورية

========================

الإبادة السورية المسماة إدارة أزمة .. غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 31/3/2018

وحتى إذا بقيت الغوطة قرب دمشق خارج سيطرة النظام، فذلك لن يغير شيئا في المعادلة السورية، مثلما أن سيطرة نظام الأسد على غالبية سورية لن يغير شيئا، والمعارضة، ومنذ سنوات خرجت من كونها مصدر خطر على النظام، بعد أن تحوّلت المسألة السورية برمتها إلى شأن إقليمي دولي.

قبل سنوات من عملية اجتياح الغوطة، جرى إخراج المعارضة السورية من معادلة الصراع في سورية، بتوافقٍ ضمني بين عواصم القرار الدولي، وتم تجميد وضعها السياسي، ولم يصر إلى تطويره إلى درجة اعتمادها ممثلاً نهائيا للشعب السوري، وبالتالي التنسيق معها لترتيب السياقات ولزوميات إدارة المراحل المقبلة.

وبالتزامن، جرى تجميد وضعها العسكري، وتحديد سقف فعاليتها، بحيث لا يتجاوز عملها إطار المناوشة في سياق تراجعي، بدأ في حمص ولم ينتهِ بعد، وتحوّلت مع الزمن إلى مجموعات حراسةٍ لمناطق مشتتة من دون رؤية إستراتيجية.

ليس ما جرى مؤامرةً دولية، على ما يحلو لبعضهم تصويره، لكنه تطبيق لتقديرات دوائر القرار في مراكز القرار الدولية بضرورة إيجاد توازن معين في بيئةٍ يملك عنها أصحاب تلك التقديرات تصوراتٍ نمطية وقوالب معرفية جاهزة، بعضها تشكّل من مرحلة الاستعمار وبعضها الآخر من تجارب قريبة في المنطقة.

هي في الأغلب خلطةٌ من الخوف من سيطرة الإسلامويين على السلطة والقلق بشأن مصير

"الأزمة السورية تنتظرها جولات من الصراع، لتحديد مواقع أطراف اللعبة وحدودها" الأقليات والرعب على مصير إسرائيل وسواها، وحصل أن الثورة، وبالمعطيات التي صدرتها، عملت على ترسيخ تلك الرؤى والتصورات، وإزاحة كل ما من شأنه ترجيح بدائل تصورية عنها.

هذا الكلام أصبح الآن من تاريخ الحدث السوري، بيد أنه لم يجد في الوسط أطرافا قادرة على وعيه. والغالب أن الأمور كانت قد خرجت عن قدرة أي طرفٍ على تعديله، وخصوصا أنه لم يتأخر الوقت طويلا قبل أن يجد اللاعبون أنفسهم يدورون في فلك قوى إقليمية ودولية، سيطرت على الملعب، وبدأت بتصميم اللعبة بما يتطابق ومصالحها.

على ذلك، يصح بدرجة كبيرة ربط اللعبة بإدارة دولية، والتوازن المشار إليه هنا ليس سوى توازنٍ بين هذه القوى، لأن اللاعبين المحليين استنزفوا ولم يعد بإمكان أي منهما، لا من حيث القدرة ولا من حيث الموارد، على إدارة البلاد السورية.

بيد أن ذلك وضع سورية في مأزق خطير، ذلك أن الأطراف الدولية، لا اليوم ولا في المستقبل القريب، كان، أو سيكون، لديها مقاربة موحّدة لإخراج سورية من الأزمة، وبدلاً من إدارة الأزمة، وصولاً إلى إنتاج تسويات تضع حداً للصراع، دخلت أطراف اللعبة جميعها في صراعاتٍ مع اللاعبين المحليين، كناية عن الصراع فيما بينها، كما ترجمت صراعاتها على شكل نزاعاتٍ على مناطق جغرافية، بعينها لأغراض إستراتيجية او اقتصادية.

وهذا ما يجعل الإدارة الدولية والإقليمية لسورية مختلفة عن أي تجربةٍ سابقةٍ شبيهة بهذه الحالة، سواء في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، أو في الجزيرة الكورية، منتصف خمسينيات القرن الماضي، حيث إن إدارة هاتين المنطقتين خضعت لتوافقات وتفاهمات حدّدت من خلالها أطراف اللعبة، أميركا والاتحاد السوفييتي، مجال سيطرة كل طرف وحدودها، وكان جدار برلين شاهداً على هذا التوافق.

في سورية، لا تزال المسألة قيد التشكّل، ولم يجر بعد توضيح المجالات، وثمّة تداخلات تبرز

"ليس مصادفةً ولا مبالغةً اعتبار مندوبي مجلس الأمن أن سورية باتت عاراً على المجلس" المشكلات بشأنها بين حين وآخر، وقد تحوّلت إلى عناوين لصراعات محتملة، مثل مناطق شرق الفرات، وبعضها دخل في طور ترتيبات الحرب، كما في جنوب سورية، حيث تنذر هذه المنطقة بإمكانية حصول تطورات خطيرة على مستوى حرب إقليمية.

يعني ذلك أن الأزمة السورية تنتظرها جولات من الصراع، لتحديد مواقع أطراف اللعبة وحدودها، وتنطوي كل جولة من هذه الصراعات على إمكانية تحويل مواقع جديدة "مدن وأرياف" إلى قائمة الدمار المفتوحة. وأن سورية تحولت إلى ساحة حروب مفتوحة، وكل منطقة مؤهلة لنوع من الصراعات ولاعبين مختلفين، فصراع الجنوب ليس بالضرورة أن يؤثر في صراع الشمال، والعكس صحيح.

صحيح أن الصراع المباشر بين روسيا وأميركا ممنوع، أو أنه تحت السيطرة، غير أن ذلك لا يمكن الارتكاز عليه منطلقا لصناعة التسوية في سورية. وبالعكس، فإن ترجمات التوافق على عدم الصراع بين اللاعبين الكبار نجدها في حروب الإبادة التي تشنها روسيا في الغوطة الشرقية وفي إدلب وأرياف حماة، على اعتبار أن هذه المناطق تدخل في حيز حصتها السورية حيث لا توجد قواعد لعبة تحدّد طبيعة السلوك الروسي سوى ما تحدّده روسيا نفسها.

لن تغير سيطرة منظومة الأسد شيئاً مهماً في وضع سورية، لأن الأسد ومنظومته ليسا أكثر من واجهة، تستثمر روسيا وإيران دموية هذه المنظومة، لمواجهة خصومهما الدوليين والإقليميين، في عملية ليست أكثر من عملية إبادة، يطلقون عليها مسمياتٍ من نوع صراع أو إدارة أزمة!

وليس مصادفةً ولا مبالغةً اعتبار مندوبي مجلس الأمن أن سورية باتت عاراً على المجلس، ليس لما تشكّله من إخفاق في عمله والمؤسسات الدولية، وإنما للانحطاط الذي وصل إليه العقل السياسي المعاصر، حينما قبِل أن يتحوّل شعبٌ برمته إلى مجرد مجال لاختبار فعالية الأسلحة وقياس قدرة النظام الدولي على استيعاب السياسات المارقة لأعضائه، وتصوير ذلك على أنه إدارة عمليات التوازن في هذا النظام.

==========================

موقفنا : فرنسة ماكرون، في سياق دورها التاريخي المريب ترث دور الأمريكيين في دعم الإرهاب وحماية الإرهابيين في سورية .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

31 / 3 / 2018

في الذاكرة السورية ، بعيدة وقريبة ، غصص من السياسات الفرنسية التي اتسمت عبر تاريخها الطويل بالعدوان المؤسس على كراهية الإنسان.

ذكريات الحروب الصليبية ، التي تولى كبرها مع الكنيسة الكاثوليكية الفرنسيون ، إلى جانب غزو نابليون إلى بلادنا كل ذلك تأسس على ركام من ثقافة (بطرس الناسك) وشركاه من الرهبان الجوالين ، الذين كانوا يسيرون بين الجماهير بصورة ( السوري ) ، في هيئة عربي يبول على قبر المسيح.

لاشك أيضا أن المتبقي في ذاكرة الفرنسيين عن شعب هذا الإقليم صورة مليكه لويس التاسع منذ القرن الثالث عشر ، يقبع في قيده ذليلا مهانا في دار ابن لقمان ، بعد معركة المنصورة الشهيرة . أو صورة الامبراطور الفرنسي العظيم ، ترده عكا المدينة السورية العظيمة على أعقابه في واحدة من أكبر هزائمه في التاريخ !!

وفي حين يتذكر السوريون غورو وإنذاره الشهير ، وإصراره على اقتحام الشام ، رغم قبول حكومة فيصل ذلك الإنذار المقيت ، يعود السوريون للنفخ في رماد معركة ميسلون ، وبطلهم يوسف العظمة مع المستجيبين له من الأحرار الأبطال، ليستمروا في التغني :

كم لنا من ميسلون نفضت ..عن جناحيها غبار التعب

وفي الوقت الذي يرد غورو على ميسلون بركلة من قدم وحشية لضريح البطل صلاح الدين ( ها قد عدنا ..) ؛ يجيب السوريو بثورة كبرى تشتعل على كل الأرض السورية من جبل الزاوية إلى جبل العرب إلى الغوطة البهية إسوارة دمشق الخضراء .

ويمكر الفرنسيون ، فيكون ( جيش الشرق ) بتركيبته المريبة إحدى أكبر حلقات مكرهم المريب . وكلما خطر لبعض السوريين أن يفتحوا صفحة جديدة مع شركائهم ، على الضفة الأخرى من المتوسط ، الماء الذي يلعب فيه أطفال سوريون وفرنسيون عند الأصيل في وقت واحد ؛ كان الحاضر الأول في السياسة الفرنسية ثقافة : بطرس الناسك ، وليس الثورة الفرنسية ، وشخص لويس التاسع الغازي ، وسطوة بونابرت الامبراطور المتعجرف ، وركلة غورو على ضريح بطل طواه الثرى منذ ألف عام ..

وفي غبار كل هذا التاريخ تقفز الذاكرة السورية اليوم ، وهي تتأمل حصاد جيش الشرق الفرنسي وليس السوري ، قتلا واغتصابا وتدميرا، إلى عام 2006 ، يوم أقدمت العصابة الأمنية لجيش الشرق الفرنسي، على اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري ، وغضب العالم يومها غضبة صادقة للأخذ على يد المجرم القاتل ومحاسبته بعد أن خرج من لبنان هاربا لا يلوي على شيء ؛ وكيف تعهد الرئيس ( الفرنسي ) ساركوزي ، للرئيس الأمريكي بوش الابن ، بإعادة تأهيل القاتل المجرم ، وكيف دعاه إلى الإليزية ، ومنحه قبلة الحياة التي كان فيها من الغدر والخسة أكثر مما في قبلة يهوذا الخائن المرتد اللئيم .

من أقرب محطات إظهار العداوة والبغضاء الفرنسية في تاريخ العلاقة مع الشعب السوري تصريح ماكرون ( بشار الأسد عدو الشعب السوري وليس عدونا ) في كلام عدواني مستفز ترفضه القيم الأخلاقية والثقافة الإنسانية والأعراف والقوانين الدولية ؛ حتى علق المعلقون : أي قزم احتل كرسي القيادة في فرنسة الحرية والتنوير ؟!

وبعدُ ..

كان كل ما مرّ مدخلا تاريخيا يكشف أساسات الدور الغربي عموما والدور الفرنسي خصوصا في المذبحة التي نفذت على الشعب السوري.

ولقد لفت أنظار المتابعين منذ نحو اسبوع تحرك الاتحاد الأوربي لمد جزرته أمام صانع القرار التركي ، ليشاغله عن الدور الإيجابي الذي بات يقوم به لحماية أمنه القومي ، مما يتضمن حماية بعض امن الجغرافيا والديموغرافيا السوريَين .

كما لفت سمع المتابعين تصريح شارد ندّ عن الرئيس الأمريكي ترامب، ظنوه عابرا ، يوصي الرئيس الفرنسي ماكرون ، بتفهم مخاوف الأتراك في الشمال السوري .

لتتكشف اللعبة منذ مساء الأربعاء 28 / 3 / 2018 عن حلقة جديدة في المكر السيء بسورية جغرافيتها ، وهويتها ، وإنسانها ، وحاضرها ، ومستقبلها ..

* ماكرون ، المشارك في التحالف الأمريكي لما يسمى الحرب على الإرهاب في سورية ، يستقبل الخميس / 29 / 3 / ممثلين لإرهابيين يضمرون الشر لسورية والسوريين ، كل ما يميز هؤلاء الإرهابيين ، عن إرهابيي داعش أنهم يستهدفون سورية والسوريين . وأنهم يتحالفون مع المحتلين الأمريكيين ...

* ثم ، ماكرون الذي لا يرى في مجرم الحرب بشار الأسد عدوا ، يعلن استعداده لتكريس عصابات الإرهابيين من جماعة البي واي دي وصيا على الأرض والشعب في الشمال السوري ، وبتبني مصالحة مزعومة بين هؤلاء الإرهابيين وبين الدولة التركية ..

* وفي الوقت الذي أعلن فيه ترامب عن رغبته العاجلة في سحب قواته من سورية بادره ماكرون في تكامل مدبر ومتفق عليه مسبقا إلى استعداده إلى تعزيز قواته ضمن تحالف محاربة الإرهاب في الشمال السوري ، متناسيا إن الإرهاب لا يُحارب بالإرهاب ..

* وأبشع ما في الأمر وأنكره وأكثره فظاعة وتوحشا نشر صحيفة لوموند ، كبرى الصحف الفرنسية ، مقالا مشتركا خاض فيه العديد من الشخصيات الفنية والعلمية والفكرية والسياسية وفي مقدمتهم وزير الخارجية الفرنسية السابق كوشنير يدعون فيه الرئيس الفرنسي ألا يسكت على حرب الإبادة التي ينتهجها الاحتلال التركي بحق ( الشعب الكردي ) مؤكدين أن فرنسة قادرة على وقف سياسة تركية الامبريالية ..

* المقال الجريمة ، والمقال الاعتراف ، والمقال الإفك والافتراء ..أما الجريمة فهو في الاشتراك في لعبة دولية قذرة ، أخذ الرئيس ماكرون على نفسه حق القيام به باستكمال الجريمة الأسدية ضد شعب حر ، خرج ينشد الحرية والكرامة الإنسانية .

أما الاعتراف فهو اعتراف هذه النخبة الفرنسية المأجورة – ونحن أعلم بمن دفع أجرها ، أن فرنسة قادرة على وقف حرب الإبادة ، والسياسات الامبريالية ؛ ليصفعهم سؤال سبع سنوات من الهولكست المستدام ، ولم تتحرك فرنسة الحرية والأنوار لتضع حدا لجريمة ، ما زالت ترتكب ضد الأطفال الأبرياء .

أما المقال الإفك والافتراء ، فإن أعمى البصر والبصيرة من يعمى عن الجريمة النكر على أرض الغوطة ، ويزعم أن في عفرين ، التي خرجت من حرب تحريرها أشبه بعروس مزهوة ، حرب إبادة !! ..حفظ الله عفرين ، وإنسانها وعمرانها .

ولقد كان موقف الحكومة التركية واعيا ومدركا لأبعاد الفخ (الأمريكي – الفرنسي) بأبعاده ، وتداعياته . وهو موقف يستحق من القوى والهيئات السورية التأييد والتشجيع والتعاون حتى تسقط المؤامرة التي يعمل عليها جميع الشركاء متوافقين ومتشاكسين.

* ولا بد لنا كقوى ثورة سورية ومعارضة سورية أن نعلن رفضنا وتنديدنا بالسياسة الفرنسية التي أسس لها بطرس الناسك ولويس التاسع والتي كان من أبرز تجلياتها قدم غور الهمجية ، وجيش الشرق ومقولة ماكرون : بشار الأسد عدو الشعب السوري ، وليس عدونا ..ثم هذا التحالف الجديد مع الإرهابيين بزعم حرب الإرهابيين !!

31 / 3 / 2018

_______________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

في عوامل الحرب الأخيرة على الغوطة .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 31/3/2018

يخطئ كل من يتصور، أنه كان بالإمكان، أن تنتصر الغوطة الشرقية في الحرب، التي شنت عليها في الأسابيع الأخيرة. فثمة معطيات واقعية، تؤشر إلى ما صار إليه وضع الغوطة، التي لم يبقَ منها إلا جزر، تقاوم الهجوم الكاسح الذي تنفذه قوة واسعة من نظام الأسد وإيران مدعومة بالطيران الحربي الروسي.

الأساس العسكري للحرب الأخيرة، هو اختلال ميزان القوى لصالح النظام وحلفائه الذي يسجل تفوقاً كاسحاً للحلف بين أبرز تجلياته اختلال يتعلق بالعدد والتسليح والذخائر والإمكانات الاحتياطية ومنها الإمداد بالموارد البشرية والمادية، بل إن اختلال موازين القوى، يدعمه اختلال سياسي في البيئة المحيطة بطرفي الصراع، والذي يبين أن التشكيلات المسلحة في الغوطة، كانت وحيدة، ليس من سند لها في المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، فيما كان تحالف نظام الأسد المحلي/ الإقليمي والدولي مدعوماً من أنصار له علناً وسراً من جهة، ومن جهة أخرى مسكوت عن أهدافه وجرائمه من أغلبية الدول ومن منظمات دولية وإقليمية ومن الرأي العام الذي لم يفعل شيئاً إزاء حرب إبادة الغوطة ببشرها وبكل مظاهر الحياة فيها.

للأسباب السابقة، يبدو ما حصل في الغوطة أمراً متوقعاً، ومرتقباً حدوثه، خاصة أن الغوطة محاصرة من خمس سنوات، وذات مساحة محدودة، وفيها عدد قليل من مقاتلين لديهم قدرات تسليحية قليلة في السلاح والذخيرة، وتكاد خطوط إمدادهم البشري والمادي تكون مغلقة، ولا حلفاء وداعمين حقيقيين لهم، فيما المجتمع الدولي والرأي العام مشغولان بهاجس «محاربة الإرهاب».

وإذا كانت كل المعطيات السابقة ليست جديدة، فإن الحرب على الغوطة بنتائجها الحالية، كان يمكن أن تنفذ في وقت سابق، لكنها لم تتم، وجرى اختيار الوقت الحالي لتنفيذها، وهذا هو الأمر الجوهري الذي يفترض أن نتوقف عنده للاستفادة منه في حروب مقبلة، سيشنها تحالف النظام في وقت قريب في أرياف حمص وحماة وصولاً إلى حرب في إدلب، لا تبدو بعيدة زمنياً.

إن الأهم في حرب النظام وحلفائه على الغوطة، يكمن في ثلاثة عوامل؛ أولها الحاجة إلى حسم الصراع في محيط دمشق الأقرب، واسترجاع سلطة النظام على منطقة الأقرب فيها لا يتجاوز بعده عن قلب دمشق ثلاثة كيلومترات، وأعني حي جوبر الدمشقي، وأبعدها عشرون كيلومتراً في الهيجانة على تخوم البادية، الأمر الذي سيحسم سيطرة نظام الأسد وحلفائه على دمشق ومحيطها، وجعله في مكانة أفضل في مؤشرات استقرار النظام وقوته.

والعامل الثاني الاستفادة من التداعيات السلبية، التي رسمتها تجربة سيطرة التشكيلات المسلحة على مناطق الغوطة من جهة وعلى دمشق من جهة أخرى، حيث أثبتت في هذه التجربة عجزها عن إدارة موحدة ومتماسكة، تلبي حتى الحدود الدنيا من حاجة السكان، بل الأمر كان أسوأ وخصوصاً لجهة غياب أي برنامج عمل موحد تنموي/ نهضوي، واستبدال عملية إحكام القبضة على المجتمع وفعالياته المدنية والثورية به وسط ميل نحو التطرف والتشدد، والانخراط في تنافس وتقاتل بين التشكيلات المسلحة وداخلها، وكله يضاف إلى فكرة قصف أحياء العاصمة دمشق، التي التقطها النظام، وأخذ يمارسها بوحشية شديدة، كما دعت حاجته لتأليب الدمشقيين والرأي العام ضد الغوطة وتشكيلاتها ممهداً للحرب على الغوطة وتدميرها وقتل وترحيل الباقين من سكانها.

العامل الثالث، هو اختبار موقف المجتمع الدولي والرأي العام العالمي من حرب إجرامية محدودة، تستخدم فيها كل الأسلحة والذخائر الممنوعة بما فيها الأسلحة الكيماوية والنابالم، وارتكاب جرائم الإبادة والمجازر الجماعية، وصولاً إلى تهجير الناجين من الحرب إلى مناطق ستكون هدفاً لاحقاً لحروب أكثر اتساعاً ودموية على نحو ما يتوقع أن تكون عليه الحرب في أرياف حمص وحماة، وفي إدلب.

وكما هو واضح، فإن الحرب على الغوطة، ليست مجرد حرب، بل هي تجربة للنظام وحلفائه، وهي أيضاً نهاية تجربة في منطقة من أهم المناطق التي خرجت مبكراً عن سيطرة النظام، وفي كل الحالات، فإنها ينبغي أن توضع على طاولة قراءة وتدقيق واستخلاص من جانب المعارضة السورية، وخصوصاً التشكيلات المسلحة الموجودة في المناطق التي ما زالت خارج سيطرة النظام سواء في الجنوب أو في الوسط والشمال.

==========================

روسيا ومعركة دمشق وغوطتها .. عمار ديوب

العربي الجديد

الخميس 29/3/2018

تأخرَ التدخل العسكري الروسي (2015) عن التدخل الأميركي عبر التحالف الدولي ضد الإرهاب (داعش) في 2014. كان تدخلا دبلوماسيّاً قبل ذلك ومنذ 2011، ويتطابق مع سياسات روسيا في اجتثاث الثورات في محيطها الأوراسي وعالمياً، ولتحقيق مصالحها الدولية. جاء التدخل الروسي بطلبٍ إيراني، أي بسبب إخفاق ايران والنظام  في مواجهة الثورة الشعبية، واحتمال سقوطه وطرد إيران. وبالتالي، تشكّل ترابطٌ عميق مع إيران، وأصبحتا متحالفتين في سورية؛ فإيران من دون الروس ستفشل، والروس، وبسبب فوبيا أفغانستان، مضطرون إلى استخدام المليشيات الإيرانية الطائفية كقواتٍ بريّة. تركت أميركا الوضع السوري يستنقع، وتدخلت لمعركة خاصة فيها، وتتعلق بضبط التطورات الإقليمية بمختلف أشكالها، وهي ضد الثورة، حيث لم تتدخل لدعمها، وسمحت للنظام بقمعها وبتمدّد "داعش" عبر العراق. وبالتالي، هنا تدخل عالمي لأكبر دولتين في سورية، وهذا يفرض تحديد النفوذ لكلتيهما، وكذلك لبقية الدول المتدخلة بالشأن السوري، ومنها تركيا وإيران والخليج وإسرائيل وسواها.

تُركت الغوطة الشرقية لفصائلها الإسلامية من 2014 إلى 2018، وفي إطار تلك الفترة، أوجدت روسيا تحالفاً مع تركيا أيضاً، وتمّ نتيجة هذا التحالف تدمير كل من حلب الشمالية وتحجيم إدلب وريف حماة والرقة ودير الزور، وضبط فصائل درعا بشكل كامل، وتهميش فصائل حمص. وبالتالي، لم يعد هناك تهديدٌ حقيقي لروسيا التي جاءت لعدة أشهر، وها هي تقترب من عامها الثالث، وعقدت اتفاقياتٍ مع النظام أقرب إلى السياسات الاحتلالية. حددت أميركا بدورها مناطق نفوذها، وتحاول تركيا الاستفادة من التحالف مع روسيا، لفرض مناطق نفوذها كما جرى مع عفرين أخيراً، وتحتك مع روسيا ذاتها أو أميركا أو إيران لتوسيع هذا النفوذ، ورسمه بشكل نهائي، وهذا يتضمن إنهاء أي مشروع كردي كبير في سورية، والسيطرة على مناطق واسعة. الدولة التي تجد نفسها خاسرة هي إيران، فهي تسيطر على بعض 

"بانتهاء موضوع الغوطة، يكتمل أكثر فأكثر رسم مناطق النفوذ في سورية" المناطق، لكنها مرفوضة أميركياً وإسرائيلياً، وسوريًّا هناك نقمة شديدة ضدّها. يهمنا معركة الغوطة، فهي المدخل إلى العاصمة. وبالتالي، يجب إحكام السيطرة عليها، وتدمير كل إمكانية لتجدّد الصراع فيها، وهذا ما يوضح الصمت الدولي الكبير عما حدث في الغوطة الشرقية. الحرب الروسية ضد الغوطة تخضع لمساومات، فتركيا سيطرت على عفرين قبالة ذلك، ويحاول الأميركان رسم نفوذها بشكل كلّي، وربط التنف بالحسكة ووصولاً إلى القلمون الشرقي، كما تحاول حاليا.

أمام درعا المشمولة باتفاقية خفض التوتر، احتمالان: أن تستمر منطقة نفوذ لأميركا وإسرائيل كما هو الحال، أو أن تخضع للنظام مجدّداً. وفي هذا ليس مسموحاً لإيران الاقتراب من حدود "إسرائيل"، وهذا ثمنه سيدفع حينما يتقرّر مصير العاصمة بالتحديد؛ فأميركا التي أوقفت الإمداد العسكري منذ أكثر من عامين منعت فصائل درعا من القيام بأيّة معارك لتخفيف الضغط عن الغوطة، أي أنّها ساندت روسيا في الغوطة.

بـ"تشليح" فصائل الغوطة "الإسلامية" من أسلحتها، وتخميد أي صراع فيها، تكون أكبر قوة مناهضة للنظام ولروسيا وإيران قد خرجت عن الصراع المسلح. وبالتالي، يصبح الكلام عن حل عسكري أو حل سياسي لاغيا، فما سيقرّر مستقبل سورية يكون قد حُسم لصالح السياسي، ولكن أيّ سياسيٍّ هذا؟

بانتهاء موضوع الغوطة، يكتمل أكثر فأكثر رسم مناطق النفوذ، أي يصبح البلد محتلاً بشكل شبه كامل لعدة احتلالات. وبالتالي، سيتشكل نظام سياسي يضمن مصالح هذه الاحتلالات، أي أن النقاش الذي يقول إن النظام انتصر خاطئ؛ فمن انتصر هي الاحتلالات، والنظام أو بقايا الفصائل سيعملان وفقاً لمشيئة هذه الاحتلالات. وباستخدام الأخيرة العنف المطلق لسحق الثورة، تكون قد قدمت تحذيراً مسبقاً لأية حركات وطنية مناهضة لها في المستقبل. طبعاً الصمت الدولي عن تهجير مناطق الثورات، ومنذ 2012 يوضح السياسات الاستعمارية ضد الثورات الشعبية، وتفكيك أية روابط مجتمعية، وتعميق الفجوات بينها لصالح تثمير الهويات الطائفية والقبلية والاثنية والصراعات القومية، كما الحال بين الكرد والعرب وسواهما.

تتعلق عمليات التهجير في سورية، بدءاً من القصير إلى حمص والزبداني وسواها، بسياسات إيرانية، يراد منها إحلال سكان شيعة موالية لها مقابل سكانها السنة. ولكن ذلك مختلف عن سياسات روسيا التي تريد إبقاء قسم من السكان لاستخدامهم فزاعة ضد الوجود الإيراني، حينما تحصل الصفقات الدولية بخصوص الحل السياسي؛ عدم تهجير كل سكان الغوطة يأتي في إطار المصلحة الروسية بالتحديد.

التدمير الواسع وتفكيك روابط الكتل السكانية في كل مناطق الثورة هو من أجل إعطاء دروس للسوريين وللعالم، أن أية ثورات مستقبلية ستُواجه بهذه الخيارات: تدمير، قتل، تهجير، وتخريب كل شكل مستقر لحياتهم؛ هذه سياسة روسية وأميركية بشكل أساسي. ولنلاحظ مصير الرقة وكوباني ودير الزور، ومناطق كثيرة تحت هذين الاحتلالين خصوصا.

يمكن اعتبار معركة الغوطة من أواخر المعارك الكبيرة في سورية، وسيُحسم أمر بقية المناطق، 

"كل النقاش الدولي المرافق لمعركة الغوطة كان ستاراً للتغطية على الانتهاء منها" كريف حمص الشمالي أو إدلب وبقية الريف الحلبي والحموي، في إطار الصفقات بين روسيا وتركيا وإيران، وربما هذا سيكون من أوراق النقاش في مؤتمرات الدول الضامنة، روسيا وتركيا وإيران، وكذلك بما يخص مؤتمري أستانة وسوتشي.

يمكن إضافة أن كل النقاش الدولي المرافق لمعركة الغوطة كان ستاراً للتغطية على الانتهاء منها، وربما تَضمنَ صفقاتٍ سريّة لما يليها. وهنا لا معنى للنقاش السوري الذي يؤكد على ضرورة التدخل الأممي، كما دعا برهان غليون، أخيرا في مقاله في "العربي الجديد" "حان الوقت لمبادرة أممية لإنهاء المحنة السورية " (21/3/2018)، الهيئات الدولية من مجلس أمن دولي وهيئة أمم متحدة وسواهما، فهي هيئات مُصادَرة بسبب الخلافات الروسية الأميركية، وتؤشر الأجواء إلى ضعفٍ شديد في الدور العالمي لهذه الهيئات، والتي أصبحت مجريات النقاش فيها مهزلة كاملة كما يحصل بخصوص الشأن السوري.

==========================

الهزيمة السورية .. أنس نادر

العربي الجديد

الخميس 29/3/2018

ماذا بعد هذا الدمار الوحشي؟ ماذا بعد هذا التغول الأممي وتغطرس القدر على أحلام الشعوب، وعلى نحيب الأصوات المسافرة عبر أدراج هذا الفزع المقدس؟

أصبحت سورية الآن أمام ساحة سياسية وثقافية مختلفة، وأجنبية الكيان، عن ما خبرته بعصرها الحديث. ثقافات وأطماع سياسية دخيلة على ثقافتها وأعرافها وتقاليد شعبها وموروثهم السياسي والثقافي والاقتصادي، فبعد سيطرة النظام السوري وحلفائه على الغوطة، أصبحنا أمام نهاية موشكة، وواضحة المعالم، إلى حد ما للمآلات السياسية ومناطق النفوذ والسيطرة للقوى المستثمرة في الصراع، فالغوطة الدمشقية كانت الثمن الباهظ الذي دفعه النظام للدعم الإيراني، منذ بداية الاحتجاجات الشعبية التي شهدها ضده.

سيكون هذا الحزام المحيط بدمشق مثل الأصفاد التي تقيّد القرار السياسي والاقتصادي لدمشق لاحقا، كما أنّ النفوذ الإيراني على الأرض السورية سيمتد عبر الجنوب الغربي لدمشق وصولا إلى لبنان، ويتحكّم أيضا بالتواترات السياسية هناك، إذ سيشمل هذا الطوق المحيط بعنق دمشق، من الريف الشرقي إلى جنوب دمشق أيضا، وصولا إلى الغوطة الغربية وسفوح جبال القلمون المطلة على لبنان، الأمر الذي سيؤمن فضاءً واسعا لحرية الحركة الميدانية بين الدولتين، ويقوّي الانغماس الإيراني فيهما. وبهذا ستكون إيران قبضت ثمنا باهظا ماديا واقتصاديا وسياسيا، يرضي حجم تضحياتها الكبيرة من أجل الإبقاء على النظام بدمشق.

وبالنسبة لتركيا، فقد أخذت الضوء الأخضر بالإستيلاء على مناطق أقصى الشمال السوري، وتوسيع نطاق نفوذها على حدودها مع سورية، في مقابل الصمت والحياد لما جرى في الغوطة، من خلال تفاهمات مع الروس والأميركيين، بما يضمن مصالح هذه الأطراف.

وبالنسبة للاعبين الكبار، تتمسك الولايات المتحدة كالعادة بالمصادر الإقتصادية المباشرة لنفوذها، وبرعاية طرف عرقي أقلوي، متباين الثقافة عن الحاضنة الأم، ويعاني أساسا من قضية وجودية وانتمائية، ليذكرنا هذا المشهد بالإقليم الكردي في العراق، على الرغم من التفرد الأميركي إلى حد ما، وتباين طبيعة الصراع هناك. رسخت روسيا أيضا قواعدها العسكرية ومنافذها البحرية على البحر المتوسط في الساحل السوري، وأرست موطئ قدم راسخ في الشرق الأوسط، وعادت إلى الساحة العالمية كمحور عالمي مواجها للولايات المتحدة والغرب الأوروبي.

أما النظام فسيحكم شعبه بالوصاية، وسيكون وصيا مطيعا للمصالح التي استثمرت في حربه ضد شعبه وتمسكه بالسلطة وإصراره على تدمير البلد لتكون مشروعا مغريا لإعادة التكوين الإقتصادي والسياسي فيها، ووجهة ملفتة للتنافس الدولي في استيلاء كل منهم على مناطق نفوذه الجديده لما تستحوذه هذه البقعة من الأرض من حساسية وقضايا تاريخية وسياسية لا تزال عالقة.

هذا المآل المؤلم الذي حصل للشعب السوري في أرضه وبيته وأفكاره وأحلامه، مزّق آمال الجميع وأصابنا بالخذلان والإحباط والعجز، وكان بمثابة هزيمة لقضية نبيلة، ما كان يمكن لأحد أن يتخيل فشلها، فرمزيتها تتجاوز إقصاء نظام فاسد عن الحكم، إلى مطالب أخلاقية وإنسانية وحقوقية يظنها الجميع من أبجديات حقوق الإنسان في العالم المتحضر، وإنّ تخلّي العالم عن قضية بهذه الحجم، ومأساة بهذا القدر من الترويع، يلف العالم أجمع بخذلان تعتصر له القلوب، بأنّ هذه الحضارة الإنسانية بكل منجزاتها الثقافية لا تزال ترزح تحت نظام سياسي عالمي، لا مكان للرحمة فيه، عندما يخرج من إطار كونه شعارات إنسانية للتبرج التاريخي والتزيين الثقافي لعار وإخفاقات المجتمع الإنساني، مع الاحترام للمؤسسات والمنظمات الإنسانية العالمية التي لا تستطيع بالواقع سوى البكاء على الجرح والخجل من كل هذا الإمتهان الأخلاقي للبشر، فإن صوت المصالح الدولية للدول الكبرى يعلو على صوت جميع المنظمات الحقوقية، ويحول هذه المنظمات إلى عيادات تجميل قام هو نفسه بتشويه ضحاياها.

==========================

ما بعد عفرين… سيناريو الهجوم المباغت .. آلان حسن

القدس العربي

الخميس 29/3/2018

بعد أن بسط الجيش التركيّ وحلفاؤه من المعارضة السوريّة المسلحة سيطرتهم على مدينة عفرين شمال غرب سوريا، وذلك بعد سنوات من حكم وحدات حماية الشعب (الكُرديّة) لها، فقد آنَ الأوان لفتح صفحة ما بعد عملية «غصن الزيتون»، فالحرب التي استمرت قرابة الشهرين لم تكن سوى بداية بنك أهداف الحكومة التركيّة.

التفاهمات الدوليّة التي سبقت بدء «العملية» كانت قد أنهت نتيجة المعركة قبل بدايتها، فجولات «أستانه» المتكررة بين كُلّ من روسيا وتركيا وإيران وضعت النقاط على حروف الكثير من مناطق الاشتباك بين أطراف الحرب السوريّة التي لم يكن للسوريّ فيها سوى القتل والتشريد.

تنازلات «مؤلمة» من جميع الأطراف رسمتْ خريطة تحالفات جديدة لم يكن بالإمكان تخيّلها في السنوات الأولى للأزمة السوريّة الممتدة منذ آذار/مارس العام 2011.

تركيا التي أسقطتْ مقاتلة السوخوي الروسيّة في أواخر العام 2015 أصبحتْ الآن الشريك فوق العادة لكل قرارات موسكو المتعلقة بمناطق التوتر بين حلفاء الطرفين في الأرض السوريّة.

وإيران التي جاهرت بالعداء لأنقرة هي اليوم تنسق مواقفها لتصل إلى حدّ التطابق مع الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان، والذي كان يتّهم طهران بأنّها سبب بلاء الشرق الأوسط عبر دعمها لحركات إسلاميّة شيعيّة، وسعيها لإنشاء هلال شيعيّ.

ولكن ما التالي؟

تركيا تعيش نشوة الانتصار في عفرين فهي كسبت مرتين، أولها بدقّ إسفين في حلم كرد سوريا بإنشاء إقليم فيدراليّ متصل، يمتدّ من ديريك (المالكية) شرقاً إلى عفرين غرباً، وربما كان الطموح أنْ يصل إلى البحر المتوسط ليصبح كياناً قابلاً للحياة.

وثانيها هو ضرب عدوّه الرئيسيّ حزب العمال الكردستانيّ، والذي يخوض معه صراعاً دموياً منذ ثمانينيات القرن الماضي، ويعتقل زعيمه عبد الله أوجلان الذي يقضي حكماً بالسجن المؤبد داخل سجن مرمرة الواقع في جزيرة إيمرالي.

الأتراك يتهمون حزب الاتحاد الديمقراطيّ بأنّه الفرع السوريّ للـ «العمال الكردستاني»، وبالتالي يعتبرون السيطرة على عفرين هي ضربة للمشروع الأوجلاني ككل.

الهدف التالي سيكون مدينة منبج، وهي منطقة التواجد الأمريكيّ الوحيدة في غرب الفرات، وتسعى أنقرة بكل ما لها من تأثير لإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة لإخراج مقاتلي «الوحدات» منها، واقترحت مؤخراً أن تكون الإدارة العسكريّة مشتركة بينهما. وهي بذلك تريد أن يكون الاتفاق تمهيداً لاتفاقات لاحقة تتعلّق بشرق نهر الفرات.

وكانت قد أعلنت عن الصيغة النهائيّة لما أسمته اتفاقاً منجزاً، لكن تغيير وزير الخارجيّة الأمريكيّة أجّلَ من ظهوره للعلن.

لكنّ الأكيد هو إنّ الهدف التركيّ لن يقف عند هذا الحدّ، فالقيادة التركيّة أعلنت غير مرّة أنّها ستطرد مقاتلي وحدات حماية الشعب من غرب الفرات وشرقها، كما تهدف إلى تحطيم صورة المقاتل الكرديّ الموسوم بالشجاعة وذلك خلال سنوات قتاله تنظيم «الدولة الإسلاميّة» (داعش) وحتى انتزاع عاصمتهم الرقة.

وقد تشكل الأهميّة الاستثنائية للحرب الكرديّة التركيّة في عفرين سبباً إضافياً لمقاتلي «الوحدات» للانتقال من حالة الدفاع المنظّم عن المدينة إلى الهجوم المباغت في أماكن متعددة، وعدم التسليم بالهزيمة الكاملة.

مصير سكان عفرين ربما يكون أهمّ القضايا وسيبنى عليه مصير المدينة التي آوَت آلاف النازحين من مناطق الصراع السوريّة القريبة منها؛ ومع حالات التوحّش التي رافقت دخول الكثير من القرى والبلدات، والهجرة الكبيرة التي تلت تلك الممارسات سيكون مصير هؤلاء مجهولاً.

عفرين تضمّ خليطاً إثنيّاً ودينيّاً وطائفيّاً كبيراً، من علويين إلى موارنة وإيزيديين، وغيرهم، وبعد انتشار عدد من المقاطع المصوّرة التي تبيّن تمثيل عدد من عناصر المعارضة السوريّة المسلحة بجثث مقاتلي «الوحدات» والاستهزاء بمعتقدات الكثيرين منهم يكون التخوّف كبيراً على مستقبل هذه الأقليّات، وعلى مستقبل النازحين منهم، وكل ما مِن شأنه تغيير التركيبة السكانيّة لهذه المناطق.

الصفقات التي عُقدت بين القوى المتصارعة في الأزمة السوريّة غالباً ما نتج عنها تغيير كبير في الخارطة الميدانيّة، كالتي حدثت أواخر العام 2016 حين قايضت روسيا وتركيا ما بين مدينة حلب لتكون من حصّة الحكومة السوريّة، وبين مدن جرابلس والباب والراعي، أي ما اصطلح على تسميتها بمناطق «درع الفرات» حين سيطر الجيش التركي وحلفاؤه من المعارضة السوريّة المسلحة على هذه المناطق، قاطعة الطريق على «قوات سوريا الديمقراطيّة» لربط إقليمي كوباني (عين العرب) وعفرين.

وكذلك الصفقة الجديدة بين موسكو وأنقرة، والتي تخلّت بموجبها أنقرة عن دعمها للفصائل المسلحة المقاتلة في الغوطة الشرقية، مقابل دعم روسيّ لعمليتها العسكريّة في عفرين والمسماة «غصن الزيتون».

وفي كل الصفقات التي تمّت، والتي ستتمّ، يكون السوريّ وحده الذي يدفع ثمن حرب الآخرين على أرضه، وتُستخدّم قضيته العادلة في المحافل الدوليّة فقط حين يريد الآخرون تحقيق مصالحهم في بلده.

كاتب سوري

==========================

حروب التغيير الديموغرافي في سوريا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 29/3/2018

ما بدأ في بلدة القصير على الحدود اللبنانية، في ربيع 2013، تحول، بمرور السنوات إلى سياسة منهجية لم تعد خافية على أحد، ولا لمزاعم «محاربة الإرهاب» أن تغطي عليها، وأصبحت قوافل الباصات الخضراء الشهيرة رمزاً لإفراغ سوريا من «وزن ديموغرافي زائد» يعكر صفو «المجتمع المتجانس» الذي يحلم به بشار الكيماوي وقاعدته الاجتماعية المتجانسة. وهو الأمر الذي فشلت دولة إسرائيل في تحقيقه بالتخلص من فلسطينييها ـ أصحاب الأرض الأصليين ـ للوصول إلى «الدولة اليهودية» الصافية المأمولة لدى الإسرائيليين الأشد تطرفاً.

فهل ينجح نظام الأسد الكيماوي فيما فشلت فيه شقيقتها اليهودية؟ هذا سؤال للمستقبل، يتوقف الجواب عليه على تحولات سيالة يشهدها الميدان السوري والمناخ الدولي غير المستقر معاً.

كان الكاتب الأردني المرحوم ناهض حتر سباقاً وفصيحاً في تعبيره عن الرغبة في إفراغ سوريا من كم سكاني بلا فائدة وصفه بأنه «غير قابل للتعددية الحضارية» الموجودة في سوريا حسب زعمه، تلك «الزيادة» التي تم التخلص منها بالتهجير، بواقع نحو سبعة ملايين لاجئ تشتتوا بين دول الجوار والدول الأبعد في أوروبا وكندا، ومثلهم أولئك المهجرون داخل سوريا. المقالة التي ورد فيها هذا الكلام لم تحتملها جريدة الأخبار اللبنانية الممولة من إيران، فكفت قلمه المسموم عن الكتابة فيها بسبب فضائحية النفس الطائفي الأقلوي المبثوث فيها. مع العلم أن حزب الله الذي تنطق جريدة الأخبار بلسان حاله كان رأس الحربة في معركة القصير، كما في المعارك الأخرى التي سلكت المسار نفسه: حصار خانق، تجويع، قصف يومي، وصولاً إلى استسلام الفصائل المسلحة المتمركزة في المدينة أو البلدة، ثم ترحيل السكان المدنيين مع المقاتلين في الباصات الخضراء. فالحزب الطائفي الذي يتباهى بشيعيته كما بولائه لإيران، مارس التغيير الديموغرافي عملياً، لكنه لا يريد أن يقر علناً بهدفه هذا، أو أن يتحدث أحد عن ذلك. لذلك تعامل مع حالة الكاتب الأردني الممانع كما لو كان «مجنون القرية» الذي تبرأ الحزب من فصاحته الطائفية الفاضحة.

صحيح أن الشيعة في سوريا أقلية ميكروسكوبية بالمعيار العددي والنسبي، وفشلت إيران في تكبيرها عبر حملات التشييع مدفوعة الثمن، طوال سنوات ما قبل الثورة والحرب، ولا يمكنها الآن أيضاً الوصول إلى الهدف ذاته مهما بلغت حملة تجنيس شيعة متعددي الجنسية، إيرانيين وأفغان وباكستانيين ولبنانيين وعراقيين (لا نعرف، بعد، حجم هذا التجنيس)، وتوطينهم في مناطق أفرغت من سكانها، وعلى رغم تشكيل «حزب الله سوري» يقاتل في مختلف المناطق.. لكن الرهان الإيراني يتجاوز هذا الاستبدال الطائفي المباشر إلى التعويل على ما يفعله غيرها أيضاً. وهنا لا بد من الحديث عن عمليات تغيير ديموغرافي في الشمال بعيداً عن سيطرة النظام الكيماوي وحلفائه من قوات الأممية الشيعية.

فقد مارست «وحدات حماية الشعب» الكردية عمليات تهجير قسري لسكان قرى عربية في مناطق الجزيرة وتل أبيض وريف حلب الشمالي، ولم تسمح بعودتهم إلى بيوتهم بذرائع مختلفة. والآن تمارس تركيا والفصائل الإسلامية الملتحقة بها التهجير نفسه لسكان منطقة عفرين الذين تبدو فرص عودتهم إلى قراهم ضئيلة إلى الآن. فالمسؤولون الأتراك يتحدثون عن نسب المكونات العرقية في عفرين بصورة بعيدة عن الواقع، بما يقلل من نسبة الأكثرية الكردية الساحقة بالمقارنة مع العرب، ويضيفون التركمان غير الموجودين أصلاً في منطقة عفرين. وهذا مما يثير مخاوف جدية من النوايا التركية بشأن مصير عفرين وسكانها.

تتضافر عمليات التهجير المذكورة هذه مع التهجير الأول الذي يقوم به النظام والقوات الشيعية، لتنتج نوعاً من تطبيع التغيير الديموغرافي وإضفاء «مشروعية» متبادلة في نظر كل جماعة ومؤيديها، من جهة أولى، ولخلق توازنات ديموغرافية نسبية لمصلحة إيران.

وعلى أي حال لا تحتاج إيران لتحويل الشيعة في سوريا إلى أكثرية مستحيلة، بل يكفيها تحجيم الأكثرية العددية السنية مقابل مجموع الأقليات الدينية والمذهبية، إضافة إلى الكرد وأقليات عرقية أخرى، وهو هدف قد تحقق إلى حد كبير بالنظر إلى أن الغالبية الساحقة ممن فروا خارج البلاد هم من العرب السنة.

أضف إلى ذلك أن هناك نسبة كبيرة من السنة المتبقين الموالين للنظام ممن لا يشوشون التجانس السياسي، وهو التجانس الوحيد المطلوب من النظام على أي حال، بسبب استحالة إحداث تجانس طائفي في بلد متنوع كسوريا.

تهجير أهالي الغوطة الشرقية شكل نوعاً من الذروة في الخط الصاعد لسياسة التغيير الديموغرافي، بمشاركة نشطة من روسيا التي كان لقصف طائراتها دور رئيسي في كسر مقاومة الفصائل والأهالي معاً. وذلك بسبب عدم اكتراث الأمريكيين و«المجتمع الدولي» بهذه المنطقة الملاصقة للعاصمة. في حين تتغير حسابات الدول المنخرطة في الصراعات على الأرض السورية في مناطق أخرى. فمحافظة إدلب التي كثرت التكهنات بشأنها، بات لتركيا فيها نقاط مراقبة في إطار «منطقة خفض تصعيد» بما يعني أن لها كلمة في تحديد مصيرها. فإذا انفتحت الشهية الروسية، بعد اجتياح الغوطة الشرقية، على «انتصارات» إضافية، وبخاصة أن جبهة النصرة المجمع دولياً على تصنيفها في خانة المنظمات الإرهابية هي القوة الأكبر هناك، سيكون على موسكو إقناع أنقرة بإنهاء كل الفصائل المسلحة في إدلب، أو ينتهي «تحالف آستانة» إلى التفكك، في حال قدم الأمريكيون حوافز مرضية لتركيا على حساب «قوات الحماية» الكردية. وهذه احتمالات لا يمكن استبعادها بالنظر إلى اضطراب موازين القوى وأهواء الدول الفاعلة، وبصورة خاصة ما تشهده الإدارة الأمريكية من تغيرات كبيرة باتجاه تدعيم مواقع الصقور ضد إيران، وبالنظر إلى العزلة المتفاقمة التي باتت تحكم الطوق على روسيا بوتين بعد فضيحة مقتل العميل المزدوج سيرغي سكريبال وابنته.

ويمكن الحديث عن المنطقة الجنوبية أيضاً التي يحميها من الأحلام الإيرانية ـ الأسدية بشأن التجانس، فيتو إسرائيلي ـ أمريكي ـ أردني لا تنقصه الأنياب.

٭ كاتب سوري

==========================

المعارضة السورية عند مفترق طرق .. رضوان زيادة

الحياة

الخميس 29/3/2018

تعرضت الهيئة العليا للمفاوضات المشكلة في عام 2015 لانتقادات كثيرة من الناشطين السوريين، بسبب عدم فاعليتها وعدم قدرتها على التأثير في الأحداث السورية بخاصة على صعيد وقف تدهور المعارضة منذ هزيمة حلب الشرقية في العام 2016، وبسبب غياب الآلية الضرورية للمحاسبة من ضمن الهيئة. غالباً ما كان مصير هذه الأصوات التجاهل أو الصمت على أحسن الأحوال، وتتالت خسائر المعارضة السورية في داريا وحمص والغوطة الشرقية والتي أعقبتها انسحابات متتالية للمعارضة المسلحة من المناطق التي سيطرت عليها على مدى سنوات إلى الشمال السوري، طبعاً التقدم العسكري للنظام لم يكن ليتحقق لولا وجود القدرة النارية الهائلة للسلاح الجوي الروسي بالإضافة إلى التخلي تماماً عن قانون الحرب من القوات الروسية والنظامية السورية لجهة استخدام الأسلحة المحرمة دولياً من مثل القنابل العنقودية واستهداف المدنيين بكثافة والبراميل المتفجرة بشكل عشوائي، ما جعل المعارضة تفضل خيار الانسحاب لحفاظ أرواح المدنيين بدل التمسك بالأرض.

بموازاة ذلك، كانت مفاوضات جنيف وآستانة تعقد من دون نتائج تذكر. فريق الهيئة العليا للمفاوضات هو الذي كان يشرف على المفاوضات في جنيف، وقد تعرض هذا الوفد لانتقادات من جانب روسيا بسبب رفضه المشاركة في محادثات آستانة وتمسكه برحيل الأسد والتفاوض حول المرحلة الانتقالية كأساس لقرار مجلس الأمن 2254، لكن روسيا وجهت انتقادات علنية لرئيس الهيئة واعتبرت أنه من «المتشددين» وأنه يضع شروطاً مسبقة للتفاوض.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن الهيئة مُشكّلة من مكونات سياسية كالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي يعمل من إسطنبول وهيئة التنسيق التي مقرها القاهرة؛ وعليه، فتوسيع الهيئة العليا للمفاوضات يجب أن يتم بالاستشارة مع هذه المكونات.

لم يكن النظام السوري في يوم من الأيام جاداً في الدخول في عملية المفاوضات أو الوصول إلى مخرجات تبنى على المفاوضات السياسية في جنيف. بالنسبة إليه، لم تكن تعني المفاوضات سوى فرصة لتلميع وإعادة تأهيل النظام دولياً وفي الوقت ذاته كسب الوقت بهدف تغيير الوقائع على الأرض وهو ما حدث تماماً.

ففي كل جولة من المفاوضات يتحجج النظام بحجج واهية من أجل تجنب أو رفض الدخول في مفاوضات جادة بشأن تنفيذ القرار 2254، ففي الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف تحجج النظام ببيان مؤتمر الرياض2 الذي طالب «مواربة» برحيل بشار الأسد برفض القبول بمفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة السورية الذي انبثق عن مؤتمر الرياض2.

الجولة السابعة استمرت على مدى جولتين، تأخر وفد النظام السوري حتى وصل إلى جنيف وقطع الجولة الأولى عائداً إلى دمشق بحجة إجراء مشاورات وكلها تظهر مناورات صغيرة، بهدف إفراغ المفاوضات من معناها وإنهاء الثقة نهائياً بقدرة المفاوضات في جنيف في الوصول إلى حل للأزمة في سورية؛ فما زال النظام السوري يحتفظ بتصور بقدرته على إنهاء الحرب والعودة إلى حكم سورية كما كانت قبل بداية الثورة السورية، من دون حد أدنى بالاكتراث بمصير مئات الألوف من المعتقلين السياسيين أو الملايين من المهجرين واللاجئين الذين فروا من أتون الحرب السورية ويعيشون أوضاعاً صعبة للغاية لاسيما في لبنان والأردن وغيرها من بلدان اللجوء.

أعتقد اليوم، مع سيطرة النظام السوري بشكل كامل على الغوطة الشرقية أن فكرة المفاوضات انتهت عملياً، فالنظام الذي لم يكن مستعداً للمفاوضات خلال لحظات ضعفه، لن يقبل بالمفاوضات الآن وهو يشعر بالنصر الفارغ بعد الغوطة، لا سيما أن روسيا ستمثل حماية دائمة له في مجلس الأمن وفي كل المحافل الدولية، تحميه من أية محاسبة دولية ممكنة، وهو ما يضع المعارضة السورية أمام مفترق صعب يقوم أولاً على تحدي بناء قدراتها الذاتية وتدعيم وحدة صفوفها وبناء خطها السياسي وتدعيم علاقاتها مع حلفائها الإقليميين والدوليين، تبدو هذه الأجندة مكثفة للغاية لكنها في الوقت نفسه تبدو الأجندة الوحيدة التي ربما تمكن السوريين من امتلاك مستقبلهم، فبناء وحدة المعارضة سياسياً بعد الهزائم العسكرية يعد من أهم الأولويات التي تمنع الأسد من تحقيق «النصر الوهمي»؛ فهو لن يتمكن من إعادة سيادة أراضيها ولن يتمكن من إعادة إعمارها، وأمام هذه الشروط يجب أن تكون المعارضة قادرة على تقديم بدائل للشعب السوري، وتقديم بدائل سياسية تخدم مصالحها وتعيد توحيد صفوفها.

الأبشع من الهزيمة هو قبولها والقبول النفسي بنتائجها، ولذلك أمام الذين هزموا نفسياً من المعارضة السورية أن ينسحبوا فطريق النضال طويل، وربما تكون الهزيمة العسكرية أقساها لكنها لم ولن تكون نهاية الطريق، فالثورة السورية ولدت في أظرف الصعوب وستبقى الطريق الوحيد لتغيير نظام حكم يعتقد أنه يمكنه من استمرار حكم السوريين بالقسوة والعنف والقتل والتدمير، يستحق السوريون نظاماً أفضل، وهو لن يتحقق من دون أن تقدم المعارضة خيارات أفضل وعلى رأس هذه الخيارات أن تقنع السوريين والعالم بأنها تستطيع توحيد صفوفها من دون أجندات خارجية، وأنها تستطيع العمل معاً لإخراج السوريين من أصعب اللحظات في تاريخهم الحديث، فلا أقسى من أن يفقد الإنسان الأمل بالحياة ، ويصبح له الموت أكثر راحة وأماناً من العيش على سطح الأرض، ليست هذه سورية التي نحلم بها، وليست هذه سورية التي ننتسب إليها.

==========================

سورية تحت حكم الشركات .. غازي دحمان

الحياة

الاربعاء 28/3/2018

يتوزع النفوذ والسيطرة في سورية بين أربع دول، روسيا وإيران وتركيا وأميركا، بالإضافة إلى جمهورية الأسد، التي لا تزال لها السيطرة على جيوب عقارية، داخل العاصمة وبعض مراكز المدن، وتستكمل الحرب مسارها لانتزاع ما تبقى من حيوزات تحت يد الجماعات الأهلية، أو القوى المحلية التي صعدت على سطح الحدث في سنوات الصراع الأخيرة.

ليس خافياً أن المحرك الأساس للصراع الدائر بين الأطراف المختلفة صراع على كسب مزيد من النفوذ، أو صراع يروم تثبيت مناطق النفوذ، ما يحيل الصراع إلى صراع على الحصص المحصلة، أو التي تتوقع الأطراف تحصيلها، ويجعل من الأكلاف التي تدفعها هذه الأطراف استثمارات مستقبلية في هذا الصراع.

من الطبيعي أن يأخذ الصراع في هذه المرحلة شكلاً عسكرياً صرفاً، ذلك أنه ما زال في مرحلة المنافسة الساخنة، مرحلة رسم الخرائط وتحديد الحدود والفواصل، وهذه يتم رسمها بأدوات عسكرية، جيوش وأسلحة، الأدوات الخشنة التي تمهد الأرضية والمناخ اللازم لنزول الأدوات الناعمة، الشركات الاقتصادية، وربما مراكز بحوث ودراسات انتروبولوجية لترويض السكان المحليين وتطويعهم.

وتكاد روسيا، بحكم نظامها السياسي والاقتصادي الهجين، تكون أكثر الأطراف انكشافاً في اللعبة السورية، ومنذ البداية كشفت موسكو أنها حوّلت سورية إلى معرض كبير لعرض أسلحتها المختلفة بغرض رفع أسهم شركاتها في سوق السلاح العالمية، في ظل منافسة شديدة بعد تكييفات أجرتها شركات السلاح مع أنماط الحروب الجديدة، الجيل الرابع، قطعتها الحرب السورية ذات الطبيعة الأقرب للحروب الكلاسيكية، وما أثارته من احتمالات حصول حروب إقليمية على هامشها تستلزم نمط الأسلحة الروسية الثقيلة.

وتخطط روسيا لاستكمال مسار منافعها السورية من خلال حصولها على حصة في عمليات تنقيب واستكشاف الغاز على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، في لبنان وإسرائيل وقبرص ومصر، من خلال شركة غاز بروم، التي تسعى إلى احتكار إنتاج وتصدير الغاز في القوس الممتد من وسط وغرب أسيا وصولاً إلى المتوسط، وربما هذا ما يفسر استخواذ روسيا على الجزء الساحلي في سورية.

ويدخل دور الشركات الروسية في الحرب السورية من خلال تفاصيل أصغر من تلك التي يمكن أن نطلق عليها سياسات استراتيجية بعيدة المدى، السلاح والغاز، ذلك أن المرتزقة الروس، الذين يشكلون عنصراً فاعلاً في الحرب السورية، يتبعون شركة «فاغنر» الخاصة، المملوكة لصديق بوتين» يفغيني بريغوجين « أو طباخه، ويشير اهتمام هذا الأخير بمجريات الحرب السورية وتأثيراته فيها إلى دور اقتصادي أبعد من شركة «فاغنر».

وعلى رغم محاولة إيران تغليف تدخلها في سورية بأغطية أيديولوجية، كالمقاومة وحتى نشر التشيع، إلا أن الجزء المهم من انخراطها تموله شركات الحرس الثوري «شركة خاتم الأنبياء»، كما أن العملية مرتبطة ببعد اقتصادي تعبر عنه مراكز القوى التي تستفيد بشكل مباشر من عمليات الصرف تمويل الجهد الحربي في سورية، حتى حزب الله لم يعدم الوسائل الاقتصادية من خلال زراعة الحشيش واستثمار سورية كمنفذ لتجارته مع دول الجوار، بل حتى بيع منتجاته في سورية نفسها التي تحولت إلى سوق لبيع المخدرات.

أما أميركا وتركيا، فهما دولتان خبيرتان بالاستثمارات وعمل شركاتهما خارج الحدود، وإذا ما استقرت الأمور وانتهت الدولتان من ترتيب الأمور في المناطق التي تسيطران عليها، فالمؤكد انهما ستوكلان الجزء الأكبر من إدارة عملياتهما إلى شركات خاصة، أقله لخبرة هذه في إدارة الموارد وضبط النفقات أكثر من الجهات الحكومية.

ولا شك في أن مشروع إعادة الإعمار، سيفرض بقوة منطق سيطرة الشركات وتحكمها في سورية، إذ بعد التوافقات الأولية بشأن الدستور وتركيبة النظام السياسي، من المتوقع أن تنسحب السياسة بثقلها الحالي، لمصلحة الحسابات الاقتصادية البحتة، حيث سيكون لرأسمال والجهات التي تديره الكلمة العليا في تقرير شكل سورية المستقبلية، بما فيه نمط الحياة وطبيعة النخبة الحاكمة وعلاقة الفئات الاجتماعية ببعضها، والمؤكد أن يتم تشكيل هذا الواقع في كل جزء حسب طبيعة الجهة المسيطرة.

على كل حال، هذا الواقع ليس بعيداً من السياق الذي كانت تتشكل فيه سورية بعد عام 2000، فمنذ ذلك الحين شهدت البلاد تحوّلات في طبيعة النخبة الحاكمة وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وباتت الشركات عناوين لرجال الحكم والفئات الجديدة الصاعدة، وتغيّر العلاقة بين النظام والفئات الاجتماعية، وبعد أن كانت شرعية النظام متأسسة على علاقته بـ «طبقات» العمال والفلاحين بدرجة أساسية، تركزت اهتماماته على دمشق وحلب، بوصفهما مركز للشركات الكبرى، التي أصبحت بدورها وكيلة لشركات خارجية أكبر أو مرتبطة بها.

انتهى حكم الشركات من العالم مع نهاية المد الاستعماري، وكانت بداياته قد تأسست في غرة القرن السابع عشر مع شركات الهند الشرقية البريطانية والهولندية، بهدف احتكار التجارة مع آسيا، مستغلة وجود دولة رخوة في تلك المناطق ونخب سياسية ممزقة لا تملك مشروعاً وطنياً واضحاً، تماماً بما يشبه الوضع الحالي للنخبة السياسية السورية، حكام ومعارضة.

غير أن تطبيقات حكم الشركات في سورية تأخذ طابعاً أقسى وأقل احتراماً للادمية الإنسانية من الوضع الذي كان عليه سكان جزر المالاوي والهند تحت حكم الشركات البريطانية والهولندية، فقد كانوا بطريقة او اخرى أحد مكونات نظام الحكم من خلال الإحتفاظ بدورهم كمنتجن للتوابل ودورهم في تحديد أسعارها، ما جعل لهم حقوق مطلبية كانت تضطر الشركات إلى تلبيتها مرغمة، اما في سورية فإن الوضع لا يشبهه سوى حالة سكان الكاميرون الذين أوقعهم حظهم العاثر على طريق إنبوب النفط النيجيري ما أدى إلى اقتلاعهم بعيداً من مناطقهم.

==========================

دروس من الحرب السورية .. سلمان مصالحة

الحياة

الاربعاء 28/3/2018

هل هنالك من عبر يخرج بها المتمعّن في الحرب الأهلية الطاحنة التي ضربت سورية في الأعوام الأخيرة؟ إنّه سؤال مؤرّق ومقلق لأنّ الذي انكشف على الملأ هو طرف واحد فقط من جبل الجليد الذي بقي جلّه خافياً عن الأنظار في أعماق معتمة.

لا مناص من الحديث عن كلّ شيء بصراحة. إنّ مواصلة السلوك كالنعام ودسّ الرأس في الرمال لا يمكن أن يصلا بنا إلى حسن المآل أو راحة البال.

طوال هذه الأعوام التي انصرمت على المذبحة السورية، خرج الكثيرون في بلاد العرب بمقولات متعارضة ومتناقضة في آن. لقد كشفت المذبحة السورية عن اصطفافات عربية هي أبعد ما تكون من الأخلاق. وخلال كلّ هذه الأعوام لم يكن الإنسان في مركز هذه المواقف المتناقضة، وإنّما جنحت الأطراف السورية ومن ورائها الأطراف العربية والدولية إلى الاصطفاف مع جمهرة أصحاب المصالح المتناقضة.

لنترك جانباً الآن القوى العظمى البعيدة والقوى الإقليمية القريبة التي لعبت أدواراً خبيثة في صبّ الزيت على نار هذه الحرب التي أكلت الأخضر واليابس. كلّ هذه القوى قد تُبدّل مواقفها من النقيض إلى النقيض إذا رأت حاجة إلى ذلك، فلا يُسيّرها سوى مصالحها وهي لا تأبه بأيّ حال لمصائر البشر في هذا البلد المنكوب.

إنّ ما يهمّنا في هذه العجالة هو النّظر إلى طبيعة هذا الكيان السوري الذي وصل إلى هذا الدرك، وعلى جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية، وفوق كلّ ذلك الأخلاقية. والأسئلة التي لا مناص من طرحها على الملأ هي: ما هي الأسس السياسية والاجتماعية التي انبنى عليها بنيان هذا الكيان؟ وهل هنالك من تربة ثقافية واجتماعية رفدت فروع هذه الشجرة بسموم كامنة في ثقافة هذا المشرق فأوصلتها إلى اليبس والانهيار؟

لأجل استجلاء بعض الخطوط العريضة لهذا الوباء الذي ينخر في عظام هذا المشرق، يكفي أن ننظر في هذه الانزياحات الديموغرافية التي تجرى على الساحة السورية علانية. من الواضح أنّ الحرب الأهلية السورية التي نشبت في البدء كانتفاضة شعبيّة تنشد الحريّة وضدّ حكم الاستبداد الذي أطبق عقوداً على البلد، سرعان ما تحوّلت إلى عصبيّات طائفيّة عابرة للحدود.

ما كانت هذه الانتفاضة الشعبيّة لتصل إلى هذا الطريق المسدود لولا طبيعة هذه السلطة الحاكمة والمستبدّة بهذا البلد منذ عقود. فطبيعة هذا الحكم لم تكن في يوم من الأيّام طبيعة وطنيّة جامعة أطياف البشر الذين يقطنون هذا البلد. ولأنّ السلطة البعثية سقطت في براثن الطائفيّة منذ تولّي حافظ الأسد مقاليد الحكم في سورية وتجذيره هذه الطبيعة، فقد وضع الأسس منذ ذلك الوقت لعملية توريث الحكم مستقبلاً. والتوريث لا يمكن أن يكون بأيّ حال وطنيّاً، فالتوريث قبليّ أوّلاً وقبل كلّ شيء وطائفيّ ثانياً.

وعلى هذه الخلفيّة، فمن منظور سلطة من هذا النوع فإنّ أيّ حراك شعبيّ ومهما كان ذا صبغة وطنيّة، فهو يُشكّل خطراً على السلطة والحاكم. هكذا كانت الأرضيّة مهيّأة للجنوح إلى البطش وارتكاب المجازر. إنّ أبرز وأبشع ما يمثّل هذه السلطة هو شعارات مثل: «الأسد إلى الأبد» أو «الأسد أو نحرق البلد». أي إنّ الشعارات لم تكن وطنيّة، بل شعارت قبليّة محضة، وطائفيّة في نهاية المطاف.

لولا وجود هذه الجذور الطائفيّة في هذا البلد لما استطاعت الدول الأخرى أن تتلاعب بمصير البشر فيه. لو كان هنالك بنيان وطني قويّ لما استطاعت القوى الخارجية صبّ كلّ هذا الزيت على النار الطائفيّة الملتهبة فيه. وبكلام آخر، لم يُفلح هذا النّظام المستبدّ في أن يخلق شعباً سوريّاً عابراً للطوائف. والحقيقة التي أراها أقرب إلى الصواب، هي أنّ هذا النّظام لم يرغب أصلاً في خلق شعب وكيان مبنيّ على أسس وطنيّة، لأنّ الأساس الوطني للبنيان سيدفعه إلى نهايته عاجلاً أم آجلاً. هكذا أوصل هذا النظام البلد إلى ما هو عليه في هذه الأيام.

إنّ الخراب العمراني والإنساني الذي ضرب هذا البلد هو جزء من مخطّط سلطوي يهدف إلى إجراء زحزحة ديموغرافية وجغرافية فيه بغية الوصول إلى «تجانس» مجتمعي. لقد كشف الأسد عن هذا الوجه في تصريحاته: «خسرنا خيرة شبابنا وبنية تحتية... صحيح. لكننا بالمقابل ربحنا مجتمعاً أكثر صحة وأكثر تجانساً بالمعنى الحقيقي... هذا التجانس هو أساس الوحدة الوطنية، تجانس العقائد، تجانس الأفكار، التقاليد، العادات».

والمعنى الأبعد لتصريحات الأسد هو أنّ هذا المجتمع في هذا البلد لم يكن في الماضي متجانساً أبداً. إنّ انعدام التجانُس هو الجذور الطائفية التي نخرت هذا البلد وأوصلته إلى هذا الخراب. إنّ «التجانس» الطائفي في العقائد والتقاليد والعادات هو ما يُسيّر هذا المشرق بأسره، وليس سورية وحدها.

والسؤال الذي لا يني يؤرّق هو: هل بوسع مجتمعاتنا في هذا المشرق أن تشقّ طريقها للخروج من هذه الحلقة المفرغة؟ وللإجابة عن هذا السؤال، نحن في حاجة أوّلاً أن نسلك طريق التصارُح إذ إنّها الطريق الوحيدة التي تُفضي إلى التصالُح.

==========================

سورية "المحرّرة" أرضاً والمشتتة شعباً .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الثلاثاء 27/3/2018

ترفرف فوق الأراضي السورية أعلام الدول المتصارعة عليها، في إعلان صريح عن فشل المنظومة الدولية في حماية السلم والأمن الدوليين، واحترام استقلال الدول وسيادتها. وفي حربه على الشعب السوري، كان النظام هو المبادر إلى فتح البلاد أمام التدخلات الإيرانية ومليشياتها متعددة الجنسيات، منذ بداية انطلاق الثورة عام 2011، ثم التدخلات الروسية، وقواتها الجوية، بشكل معلن عام 2015، ما فتح المجال لتدخلاتٍ عديدة، منها أميركية مع قوات التحالف أو بغطائها، ثم تركية بقواتها العسكرية النظامية، وهو ما حول أصحاب هذه التدخلات من قوى داعمة لأطراف الصراع المحلي إلى قوى مهيمنة أيضاً، بفعل الصراع على النفوذ داخل الحدود السورية، وهو ما تسبب في ذوبان الخط الفاصل بين الحرب بالوكالة، عبر الفصائل المدعومة من هذه الجهات، والحرب المباشرة بين الأطراف الدولية المتصارعة على سورية، مع الإبقاء على العنصر المحلي السوري بشقيه (معارضة ونظام) طرفا ضامنا لجنسية ضحايا الحروب ذات الأهداف المتنوعة والمتضاربة.

وبينما تنقسم سورية جغرافياً إلى مناطق نفوذ للقوى الدولية، ينقسم الشعب السوري أيضاً، بين مؤيد لاحتلال ومناهض للآخر، وفق الأعلام المرافقة للعلم الذي ينتمي إليه السوريون، بين الأحمر الذي حافظ عليه النظام رمزا له، ولمؤيديه، وهو العلم المعترف به في المحافل الدولية، وعلم الاستقلال الأخضر الذي ارتأت المعارضة الوقوف خلفه رمزا لكفاحها ضد النظام. وما بين العلمين ولدت رايات كثيرة من الأسود إلى تدرجاته المختلفة، ضمن ما تسمى رايات الفصائل الإسلامية التي اختارت، منذ بداية تشكيلها، الافتراق عن علم الثورة شكلاً، كما كان ذلك أيضاً في مضمون رسائلها وسعيها إلى سورية مختلفة، عن سورية التي انطلقت تحت شعاراتها ثورة الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية.

"بينما اتخذت إيران وروسيا شرعية حربهما من وجود النظام طرفا في الحرب على الغوطة، كذلك فعلت تركيا، بمشاركة فصائل محسوبة على المعارضة"

ومن هنا، بدأت بوادر "الانقسام" قبل "التقسيم" بين مؤيد هذه الراية ومخالف لها، وبين الرايات المتنوعة في مواجهة علم الثورة وشعاراتها، ما أنتج بيئةً مؤهلةً لإنتاج الخلافات المؤدلجة، وتحميل المدنيين في مناطق نفوذ هذه الفصائل منعكسات خلافاتهم البينية تارة، (ولعل ما حدث في الغوطة بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام والخسائر الكبيرة التي نتجت عن صراعهم البيني خير دليل على ذلك). وتارة أخرى، تحمّلت البيئة المدنية في مناطق المعارضة المواجهات الفصائلية مع النظام، التي نتج عنها في مناطق كثيرة حملات تهجير للأهالي، في نهاية صراعات دامية دفع النظام كل قواه لكسبها، بالتعاون مع حليفتيه، إيران وروسيا، ثم وفي ثالثةٍ ما نتج عن تفاهماتٍ منفصلةٍ وفرديةٍ وبعيدةٍ عن مسار التفاوض السياسي، مع القوى الدولية، ومنها روسيا، ما سهل على الأخيرة طريقها لشق الصف بين الفصائل المؤدلجة المسلحة المحسوبة على المعارضة وفصائل الجيش الحر من ناحية، وبين المعارضة السياسية التي كانت تتبنّى العمل المسلح واحدا من أدواتها، وبين تلك الفصائل التي اختارت مساراً تفاوضياً منفصلاً تحت مسمى "أستانة".

على الرغم من أن ابتداع روسيا مسار أستانة الذي خصص لاتفاقات وقف إطلاق النار ومحاربة الإرهاب، كان هدفه، منذ البداية، تقويض عملية التفاوض في جنيف، وسحب البساط من تحت المجتمع الدولي الراعي لها، لتتولى الدول الراعية أستانة (روسيا، إيران، تركيا) إدارة الصراع في سورية، وليس تقويضه، أو إنهاءه، من دون أن يعني ذلك تحرّر هذه الدول من إعطاء الولايات المتحدة الأميركية ما تريده من نفوذ في المناطق التي حددتها، مكانا لوجود قواتها أو الفصائل المدعومة منها في شرق سورية وجنوبها. ومنذ البداية، رسمت موسكو، راعية المسار، ملامح "سيناريوهات" للحل المستقبلي للصراع، ليس بين تفاصيلها ما يفضي إلى إسقاط الأسد، ما يعني أن المتوافقين من الدول، ومن هو ضمن منظومتهم التمويلية من الفصائل المسلحة، سيكونون خارج مواجهات المعارضة مع النظام، المتعلقة بهذا البند الذي تراه موسكو غير منطقي، بينما ترفضه إيران كلياً، وكانت تعتبره تركيا قبل أستانة وما جرى في ظلها أساس عملية الانتقال في سورية.

أي أن السوريين اليوم يواجهون تحديات التقسيم أرضاً والانقسام شعباً، حيث تفرض عليهم قوى التصارع واقعاً جغرافياً جديداً، إذ تحتل إيران قرار عاصمتهم ووسط بلادهم، وتقيم روسيا قواعدها في شريطهم الساحلي، والولايات المتحدة الأميركية في شرق البلاد (جنوب الرّقة حتى حدود العراق) وجنوبها (درعا وريفها الموازي للحدود الفلسطينية)، ويمتد نفوذ تركيا على الحدود الشمالية (غرب الفرات) بعمق يتجاوز عشرين كيلومترا في بعض المناطق إلى مئة كيلو متر في ريف حلب، لتشكل كياناً متصلا على طول الحدود السورية التركية، من غرب الفرات حتى إدلب شرق سكة القطار، وريف حماة من سهل الفرات حتى القوس الممتد من جبل التركمان قلعة المضيق حتى سلحب صوران سراقب، وصولا حتى تلة العيس في ريف حلب الغربي، ما يعنيه ذلك من فرض هذه الوقائع التي يمكن تسميتها "تملك بوضع اليد"، أي بانتشار القوات العسكرية لهذا البلد أو ذاك، أو حسب ما سميت اتفاقات "مناطق خفض التصعيد"، على الواقع السكاني وانقساماته البينية، ليصبح العامل الأساسي التقوقع خلف انتماءاتهم القومية (عرب، كرد، تركمان وغيرهم ) والإيديولوجية والتبعية الفصائلية، ما يفيد بقدرة هذا الصراع على تتويج آخر مراحله بتقسيم السوريين، وإعادة تموضعهم في جبهاتٍ متضادة مع بعضها، تزيد من خسائرهم وتعمق الحدود الفاصلة بينهم على أساس مذهبي من جهة، وتبعي لحزبي (البعث كنظام، وأحزاب أخوة المنهج وما هو في سياقها ممن يمتلك القدرات المسلحة كمعارضة) من جهة ثانية، وقومي من جهة ثالثة.

طرحت المعارك التي خاضتها الدول الثلاث الضامنة خفض التصعيد في سورية مفاهيم جديدة للولاء والتقوقع خلف شعارات الحرب ضد الإرهاب، بحيث اعتبرها النظام فرصة للانقضاض على المعارضة، بشقيها المدني والمسلح، واستجمع قواه من خلال الاتفاقات التي عقدت تحت مظلة أستانة مع فصائل المعارضة التي التزمت وقف القتال، لتوفير بيئة صالحة للتفاوض

"تحمّلت البيئة المدنية في مناطق المعارضة المواجهات الفصائلية مع النظام، التي نتج عنها في مناطق كثيرة حملات تهجير للأهالي" السياسي، بينما أطلقت يد الدول، الراعية لوقف إطلاق النار، لخوض حروبها ضد من تعتبرهم "إرهابيين". ووفقاً لمنطق النظام وحلفائه، فإن كل من يرفع الصوت والسلاح بوجه النظام يمكن ملاحقته تحت التسمية نفسها، ما أفقد المعارضة قدرتها على الدفاع، ومنح النظام رخصة متابعة حربه لاسترداد ما خسره من نفوذٍ على مناطق عديدة، منها الغوطة.

ولم تتأخر تركيا عن قراءة مضامين اتفاقات أستانة، وفقاً لتصنيفاتها للقوات الكردية التي تهيمن على عفرين ومنبج، لتحذو حذو روسيا وإيران، وتباشر حربها ضد من تصنفهم على قوائمها إرهابيين. وبينما اتخذت إيران وروسيا شرعية حربهما من وجود النظام طرفا في الحرب على الغوطة، كذلك فعلت تركيا، بمشاركة فصائل محسوبة على المعارضة، ما هيأ الفرصة لتبادل أدوار الصمت بين شركاء أستانة وإنجاز ما سميت استعادة تحرير الأراضي بالنسبة للشركاء جميعهم.

ومن هنا، يمكن أن يكون السؤال إذا استطاعت الدول "تحرير" الأراضي من "أعداء الدول"، فكيف يمكنها جمع ما تشتت من أهالي تلك "المحرّرة"، ضمن ما تسمى الدولة الواحدة، في ظل تعدّد المحرّرين (بكسر الراء)، واختلاف مصالحهم مع بعضهم، ومع أصحاب الأراضي المحرّرة أنفسهم؟

==========================

مواجهة جديدة بأساليب قديمة .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الثلاثاء 27/3/2018

يتعسر التغيير لمشكلات وقضايا جديدة في حياة المجتمع العربي بسبب استخدام وسائل وأدوات قديمة ومتقادمة، ما ينتج حالة من المفارقة، التي تنتج بدورها حالات تعبر عن الاضطراب والندم والدخول في وضعيات معقدة وأخرى تحمل طابع المفارقة أو الشعور بالفشل والضعف والخذي، إضافة إلى التحدي بدرجة أو بأخرى، ولعل ذلك تعبير عن ضآلة الثقة بالنفس والشعور بالاستصغار لإمكانات أبواب التحدي والخروج من «إنسداد الأفق». ولعلّ ذلك وغيره يظهر خصوصاً في مراحل الانتقال وضآلة التجربة الذاتية. وعموماً قد نرى مثل تلك المواقف في المراحل الأولى من دخول تجربة أو أخرى في المجتمعات العربية الراهنة. وهذه الحالة لعلنا نلاحظ حضورها وتأثيراتها المختلفة والضعيفة، غالباً بسبب عمرها القصير والمصاعب الجمّة التي تحيط بها، والتي منها مقاومة فئات مجتمعية لها، جهلاً أو شعوراً بمساس مصالحها سلباً وبدرجة أو بأخرى إذا هيمنت تلك المواقف في المجتمع، وخصوصاً في مواقع العمل، وكذلك في مواقع التعلم.

وفي تلك الأحوال قد تقع حركات اجتماعية أو انقلابات عسكرية تهدف إلى إعادة النظر في ذلك. وهذا ما شاهدناه سابقاً ونشاهده راهناً، في بلدان عربية متعددة وربما آخذة في التكاثر، ما يجعلنا نظل متمركزين في رؤية الأحداث العظمى والوسطى والصغرى فيها.

بل إن المرحلة التي نعيشها راهناً والتي نواجه مظاهرها الصغرى والخفيفة والخطيرة، تجعلنا نقرر بأن هذه المرحلة بمظاهرها هذه قد تدخل في سياق الأخطار العظمى في المنطقة العربية، وأيضاً في العالم. وإذا دققنا في تلك الأخطار العظمى، سنرى أنها تحمل طابعاً حاسماً: الانتقال من مراحل ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي قد تضعنا أمام خيارات عظمى لم تأخذ أصداءها حتى حينه: فشل الحرب العالمية الثانية، وسقوط الاتحاد السوفييتي. لقد جاء سقوط الاتحاد السوفييتي بمثابة الوجه الآخر لظهور البديل في الاتحاد السوفييتي، هذا البديل الذي استطاع أن يفيد بدوره عالم ما بعد ذلك السقوط في «العالم الثالث» خصوصاً، وفي نشأة الاضطراب العالمي بما في ذلك في الشرق الأوسط تحديداً.

وقد راح ذلك يحدث وفاقاً مع تفجير الأحداث الكبرى والصغرى في هذا الشرق، ومن ذلك محاولة تغيير النسيج الطائفي بالتوافق مع الأحداث المعيشة في سوريا والعراق واليمن وباقي أقطار العالم العربي، مع إعادة بناء إيديولوجيات هذا البناء الأخير؛ ومع تغيير الإيديولوجية الأثنية والعرقية.

وهذا الأمر الأخير يعرفه جيداً كما يعمل بمقتضاه من يعمل في سوريا على إنهاء الطائفة السُنية وأيضاً في العراق وغيرها؛ مع إعادة خلخلة النسيج الاجتماعي والثقافي لمن تبقى من البلدان العربية. وفي هذا كله وبالتوافق معه، تجري عملية أخرى متوافقة مع تلك، وتقوم على استخدام جرأة واستفزاز كبيرين وخطيرين من عملية تهجير سكانية واسعة وآخذة في الاتساع، لأعداد كبيرة من حقل سكاني إلى حقل سكاني آخر.

وتحضرني واقعة راحت تحدث منذ سنوات، ربما منذ سنة 2011، حين أعلن السيد حسن نصر الله عن تدخله العسكري المسلح في سوريا، ومن ثم في إرساله قوات عسكرية «شيعية إيرانية وأخرى لبنانية وغيرها من المناطق الشيعية». وفي سياق ذلك أعلن أنه فعل ذلك في سبيل الدفاع عن المقدسات «الشيعية».

وتوافقاً مع ذلك وغيره من الأحداث، أحدث الرئيس بوتين اتفاقيتين «في حميميم وطرطوس» يمتلك بمقتضاهما الحق في امتلاك ما يأتيه منهما من المنتجات الأساسية. وفي هذا وذاك لا حقّ لأحد، بالمعنى القانوني، أي تدخل في هذين الاتفاقين «الأول 49 سنة والثاني خمس عشرة سنة». كما تبرز الولايات المتحدة الأميركية وإيران لتطالبا بحقيهما في هذين الاتفاقين، إضافة إلى إيران، وربما كذلك تركيا وغيرهما..، بحيث يمكن القول بأن «حساباً تدقيقياً» من المصالح راح يعلن عن نفسه وعن ضرورته.

هكذا، رحنا نبحث عن سوريا، لنجدها تحولت إلى «حصص» للأطراف المتعددة؛ مع الإشارة إلى أن «الباب» ظل مفتوحاً أمام من يبحث عن حصته؛ سواء انتماء الأطراف إلى هذا الحيز أو ذاك. فأصحاب الدار مغلوب على أمرهم، إضافة إلى أنهم يتقاتلون إلى أن يتغلب طرف منهم على نحو حاسم، فإذ ذاك، يصبح الصراع في أوجه، يبحث عن الأقوى والأكثر فاعلية وعزماً على الانتصار.

إن سوريا تمثل ورقة محروقة في ساحة الاقتتال، بحيث إن من ينتصر في هذه المعركة، ينتصر على الجميع، أي مع الجميع، ذلك أن هؤلاء الجميع هم من يمتلك شبراً أو آخر من التركة «الضحية».

==========================

الصور القادمة من الغوطة وما بعدها .. سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الاثنين 26/3/2018

ما حصل في سورية، وعلى الصعيد المجتمعي، هو تكريس الشعور لدى كل جماعة من الأطراف المتناحرة بأن لديها الملكية الحصرية للقانون الأخلاقي والضمير، التي تؤهلها لأن تحكم بأنها الصح المطلق والخير المطلق والوطنية الكاملة، وبالتالي حيازتها مبرّر استخدام العنف، بكل أشكاله ودرجاته تجاه الآخر الذي يخالف ناموسها ومنظومتها القيمية. وفي المحصلة، كان الجميع يضحّون بالأبرياء. صراع على السلطة والحيازة والنفوذ حولوه في الوعي الجمعي إلى صراع قيم وشريعة حياة.

وقع السوريون بين قدَرين، كل منهما غاشمٌ ولا يرحم، نظام قمعي عنيف، وفصائل مواجهة له تسلحت، وارتهنت مثلما ارتهن النظام إلى جهات خارجية، فقضوا على حلم الشعب في الحرية والعدالة والمساواة وصون الكرامة قبل كل شيء، ولم يقدموا صورة بديلة للمستقبل، فضاع المعنى، بل قُصف أي معنى، ولم يبقَ شعار على الشعب أن يلهث خلفه غير إسقاط النظام، متعامين عن حقيقةٍ جليةٍ ساطعةٍ أنهم ساهموا في مباركة النظام وتأييده من غالبية العالم.

قدّم هذا الشعب الضحية الكثير مرغمًا، إذ من قال إن هذا هو شكل ثورته المنشودة؟ من يتابع الانتقام الهمجي من الغوطة، والصور والمشاهد الحية من قلب الحدث، يعرف أي قدر واجه هؤلاء السوريون اليتامى المكشوفون على كل شرور العالم، مشاهد تفوق الواقع وتربك الخيال، مشاهد تدفع العقل إلى الجنون، والضمير إلى النزيف. كان هؤلاء السوريون البسطاء أناسًا يعيشون كما باقي خلق الله، لهم بيوتهم وأراضيهم وأشغالهم وأسرهم وأحلامهم وطموحاتهم، لم يسألهم أحد، مثلما لم يُسأل أي من السوريين، إن كانوا يريدون ثورة على شكل هذه الحرب اللئيمة، بل انقضوا على حلمهم بتغيير حياتهم، وأوهموهم بأن الثورة تتحقق بالنموذج الذي فرضوه، ولم يكونوا أرحم من النظام. وجرفت الثورة بشكلها الذي أجبرت عليه هؤلاء الناس إلى أتونها، كثير منهم لم يختاروا حياتهم بعدها، بل صاروا مجبرين على حياةٍ يفرضها السلاح ومنطق القوة، فالقول في سورية صار للسلاح منذ زمن بعيد، منذ أسرع الحراك إلى الانسلاخ عن سلميته والتسلح لمواجهة عنف النظام.

"وقع السوريون بين قدَرين، كل منهما غاشمٌ ولا يرحم، نظام قمعي عنيف، وفصائل مواجهة له تسلحت، وارتهنت مثلما ارتهن النظام إلى جهات خارجية"

رأينا صورا ومشاهد كثيرة، ربما مشاهد الدمار والأجساد المقطعة واللحم المحترق أو المشرشر، والأطفال المعفّرة وجوههم فاقدة الحياة للتو، بالدم والتراب، لم تعد صورا ذكية، لها القدرة نفسها التي كانت للصور الأولى، فقد مضغتها وعلكتها سنوات الحرب من كثرة الموت السوري وتعدّد أشكاله. لكن هناك صور ومشاهد تعرض مواقف معينة، تحمل بعدًا رمزيًا كبيرًا تبارى الأطراف الضالعون في إحداث المأساة في إشهارها، كان هناك رعبٌ ضد رعب وتبادل للموت، يشهد عليه القصف المتبادل بين النظام والفصائل المسلحة على المدنيين بين الغوطة وباقي أحياء دمشق، كباب توما أو سوق حي كشكول أخيرا. صارت الصورة المتوفرة بشكل لحظي بفضل التقنيات الحديثة جزءًا من الرعب، من الفوضى، من التهتك الأخلاقي.

أب يصرخ أمام شاشة جوّال يصوّره بأن ليس لديه ما يطعم أسرته، فكيلو السكر بخمسة عشر ألفًا، والشاي بخمسين، ورغيف الخبز الواحد بمائتين وخمسين، وغيرها وغيرها من بديهيات العيش. أب في شتاء دمشق القارس يمزّق أغطية الأسرة، ليحرقها ويطبخوا ويتدفأوا عليها، يطبخوا مما تبقى لديهم من خزين الحبوب اليابسة، ثم يختنق صوته بالبكاء، بكاؤه يجرح في الصميم. فعلى الرغم من الحصار، كانت هناك أنفاق يمر منها السلاح والسلع، لكن تجار الحروب وتجار الدم يتاجرون بالأرواح لتحصيل المال، ويمارسون البلطجة حدّ القتل لتطويع الإرادات.

رجل آخر يصرخ: ما عاد بدنا حرية.. من يلومه؟ ما نفع الحرية إذا كانت الحياة على مشارف الموت؟ وفي الضفة الأخرى، هناك إعلام النظام، أو الإعلام الموالي الذي ينقل مشاهد خروج المدنيين، هل كل ما عبر عنه الخارجون كان تحت ضغط القوة والتهديد من النظام؟ لا أظن، وهذا ليس شهادة براءة أو حسن سلوك للنظام، لكنه انطباع عاطفي تلقّى أقوال أولئك الناس على أنها صادقة، أقله في لحظتها. قال كثيرون إن المسلحين هتكوا حياتهم، وإنهم يأخذون أولادهم إلى القتال بالإكراه. ومنهم من قال إن أبناءه الفتيان من عمر الخمسة عشر لم يسمحوا له بالخروج، بل ومنهم من دعا، من قلب مفجوع، على المقاتلين الذين ساموهم الذل والجوع والهوان. ليس هذا الكلام مستغربا، فمنذ أسابيع قليلة، صرح سياسي معارض في موقع مسؤولية على إحدى الشاشات الناشطة في الشأن السوري، بأنهم لو سمحوا بخروج المدنيين سينفرد النظام وحلفاؤه بالثوار. إذن، كان المدنيون دروعًا بشرية. والنتيجة السافرة أن السوريين في هذه الحرب يمارسون إرهابًا ضد بعضهم بعضا.

تصير الصورة المتوفرة بشكل لحظي بفضل التقنيات الحديثة جزءًا من الرعب، من الفوضى، من التهتك الأخلاقي. وإذ يقول أندريه غازو: "ليس هنالك من صورة بريئة" فإن الصورة لا تنقل الحقائق، وإنما المعرفة عن هذه الحقائق، المعرفة التي تحدّدها إيديولوجيا من يلتقط الصورة ويوظفها.

"كان هناك رعبٌ ضد رعب وتبادل للموت، يشهد عليه القصف المتبادل بين النظام والفصائل المسلحة على المدنيين بين الغوطة وباقي أحياء دمشق"

ما مارسه كل الأطراف في سورية أفعال تتجاوز الأخلاق. كل حرب هي غير أخلاقية، بل هي، منذ البداية، ومهما ادّعت الأحقية، تضمر في باطنها إماتة الأخلاق والضمير كي تظفر بالفوز. والحرب حتمًا نتيجة أو امتداد للغياب السياسي، خصوصا أن هذا الغياب حاضر بجدارة في سورية، والرعب صار في كل مكان بسبب العنف المؤسسي والذهني والجسدي والنفسي. لسان حال كل طرف يقول: نحن الأقوى، ومع هذا صرنا ضحايا ومستهدفين من قوى تدعم العمالة والمتآمرين علينا. ونحن الوطن وحماة الوطن، فمن حقنا أن ننتقم لأننا مستهدفون وضحايا، ونستعمل كل أشكال العنف. ومن هذا العنف، ذلك النمط الخبيث، العنف الناعم الذي يدّعي النبل والشهامة، كما مشهد أحد أعضاء مجلس الشعب، وهو يوزع زجاجات الماء والسندويشات على المدنيين الخارجين من الغوطة، يساومهم على عطشهم وجوعهم، يمد الزجاجة وهو في الأعلى، يمدّها من فوق الرؤوس الحاملة عيونًا لا يمكن تفسير نظراتها والأيدي الممدودة في لحظةٍ زمنيةٍ تختصر تاريخًا بحاله، ويأمرهم بأن يردّدوا بالروح بالدم نفديك يا بشار. فأي كرمٍ وأية كرامةٍ هذه التي تحملها تلك المشهدية؟ أي انتصارٍ قائم على المساومة على العيش والكرامة؟ يمكن للمنتصر أن يلمّع انتصاره قليلاً في اللحظة الأخيرة، لكن سلوكًا كهذا ينتهك المعاني الأخلاقية، ولا يمكن أن يحرز الفوز والتعاطف حتى أمام مناصريه.

في مرايا بورخيس، تُطرد الشعوب المهزومة إلى ما خلف المرايا، وتفرض عليها القوة المنتصرة، قوة الإمبراطورية، أن تعكس صورة المنتصرين، لكن الحال لا يبقى على وضعه مع الوقت، فهذه الشعوب المطرودة المقهورة تستعيد وعيها ذاتها، وتحطم المرايا، وتخرج منها منطلقة لمحاربة الإمبراطورية. ولن يكون الشعب السوري استثناءً، فهذا منطق الأشياء، وسيكسر المرايا كلها، مرايا المستبدّين القدامى والحديثين، الطغاة الذين سرقوا ماضيه، والذين يسرقون حاضره ومستقبله.

==========================

عن فرص بوتين وانتصاراته السورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 25/3/2018

كما قال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في حديث مع جنرالاته، عقب قيام الجيش الروسي بمناورةٍ، ختمها قبل يوم من إعلانه غزو سورية رسميا، ومرابطة قواته في مطار حميميم. وقال جنرال كبير في جيشه، في حديث تلفزيوني، إن سورية ستحتل مكانة فريدة في رؤية بلاده، تعتبرها "مركزها الجيوسياسي" في المنطقة العربية، بل وفي العالم بأسره، بعد تراجع موقع روسيا الدولي إلى حد الانعدام التام عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وزواله من الوجود. قال بوتين إنه يدخل إلى سورية، لكي يقفز منها، في طورٍ تالٍ، إلى البلدان العربية الأخرى التي كان للاتحاد السوفييتي نفوذ وحضور فيها. ومع أنه أرسل، بالتلازم مع غزو سورية، جنرالات روسا إلى العراق والأردن، للتباحث بشأن إقامة نظام أمن إقليمي مشترك معها، فإن هذا المشروع طوي بعد مسارعة رئيس أركان القوات الأميركية إلى البلدين، وإعلانه من بغداد رفضهما مغادرة التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن للحرب ضد الإرهاب، ودعوته روسيا إلى الانخراط في التحالف، إن كانت تريد حقا المشاركة في هذه الحرب.

ركز بوتين جهوده على ترسيخ وجود روسيا في سورية، وعلى انفرادها بها قوة تقرّر مواقع الآخرين ومصالحهم فيها، تمهيدا لاستئناف سعيه إلى استعادة نفوذ روسيا في البلدان العربية من قاعدةٍ صلبة، يمثلها تعاونه مع جيش إيران البري في الحرب على سورية، ومع تركيا على سياساتٍ تبعدها عن واشنطن في القضية الكردية خصوصا، انطلاقا من اعتراف في الكرملين بأنها مسألة "أمن قومي"، لا تستطيع تركيا التساهل فيها، إن وسعت موسكو الهوة بين أنقرة وواشنطن أحدثت خرقا استراتيجيا في جدار حلف شمال الأطلسي الذي يطوقها، ويشعرها بالتطويق والاختناق.

لم تكتف واشنطن بإرسال رئيس أركان جيوشها إلى بغداد وعمان، لمنعهما من مجاراة موسكو

"توشك واشنطن أن تستغل وضعها السوري القوي، كي ترد على إيران" في مشروعها، بل بادرت إلى إرسال عسكرها إلى شمال سورية، حيث تحتل اليوم 28% من مجمل مساحة سورية، من دون أن تخسر جنديا واحدا، بنت فيها، منذ عامين، قاعدة آمنة بمعونة حزب العمال الكردستاني، تتوفر لها جميع المزايا التي كانت قد دفعتها إلى غزو العراق واحتلاله عام 2003، وفي مقدمها موقعها الاستراتيجي الفريد بالنسبة لاستراتيجيتها الدولية التي تعتبرها أفضل تعويض عن العراق، باعتباره موقعا وصفه بريجنسكي، مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي، بأنه "درة العالم الاستراتيجية" التي يجب احتلالها لإحكام سيطرة واشنطن على المجال الأوراسي، بوصفها أول قوة في التاريخ، تمسك به من خارجه. هذا البديل الاستراتيجي للعراق الذي شرعنت واشنطن غزوه مع الغزو الروسي لسورية يطل على تركيا وإيران، ويشرف على الخليج وشرق المتوسط، فضلا عن الأردن وفلسطين ووسط سورية، فإذا أضفنا إلى ذلك انتشار جيش واشنطن في التنف والأردن، ودور إسرائيل في الصراع السوري، وتذكّرنا أن منطقة الجزيرة تخلو من أي قوى معادية لأميركا، بينما تخوض روسيا معارك يومية ضد السوريين، وتبقي عساكرها عرضةً لأخطار شتى، إذا ما قرّر طرف ما مساعدتهم على مواجهتها بأسلحة حديثة، كما حدث بواسطة الهجوم بالطائرات بلا طيار على قاعدة حميميم مرفأ طرطوس، حيث خسر الروس عتادا بمئات ملايين الدولارات، وعددا من جنودهم وضباطهم، بضربة نفذتها طائراتٌ لا يتجاوز ثمنها عشرة آلاف دولار، كشفت كم هو الوجود الروسي هش سياسيا وعسكريا في سورية، حيث لم تتمكن موسكو بعد من وضع نهايةٍ للحرب الدائرة فيها، المفتوحة في الوقت نفسه، على احتمالاتٍ يصعب عليها التحكم بمساراتها في عالمٍ يضج بصراعات سلبية متفاقمة، ونزاعات عدائية متنوعة الأشكال، تغادر دوله الكبرى العولمة التي كان تفرض عليها الانفتاح بعضها على بعض، والتفاعل بإيجابية، وتنخرط في أجواء تدور حول مصالح قومية ضيقة، يتبناها ساستها بعيدا عن أي تفاهمات، وخارج أية اتفاقيات أو معاهدات سابقة، ويستبدل ما سبق التوافق عليه بنهج يستند على القوة وسيلة لتحقيق الأهداف والمصالح، كما هو ملحوظ منذ أعوام في سياسات روسيا بصورة خاصة، ومنذ وصل دونالد ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة.

مثلما تتعاون روسيا مع إيران وتركيا لتوطيد أقدامها في سورية، وتستقوي بالبلدين على واشنطن، يبدو أنها قررت أيضا التعاون مع بكين والدول الأوروبية العازفة عن تأييد سياسات ترامب، كي تنتزع مواقع دولية، تمكنها من الحصول على تحقيق انتشار عالمي، إلى جانب الانتشار الإقليمي، والحصول على اعتراف البيت الأبيض بها قوة عالمية ثانية في نظام جديد، ينتجه فشل القطب الأميركي الأوحد في حل مشكلات عالم ما بعد السوفييت، من الضروري إدارته بتضافر جهود الدول الكبرى مع الجهود الروسية عالميا وإقليميا، بما يفضي إلى إخراج روسيا من عزلتها أولا، وتخفيض اعتمادها على القوة وسيلة دبلوماسية ثانيا، وإنجاز تفاهم معها بشأن سورية وأوكرانيا وجورجيا ثالثا، وبناء نظام عالمي تحتل واشنطن قمته من دون أن تكون قطبه الوحيد، أو الطرف الذي ينفرد بتسوية مشكلاته، رابعا. فهل ستنجح موسكو في تحصين موقعها داخل سورية وتوسيع وجودها في المنطقة، بينما تكتفي واشنطن باحتلال الموقع الاستراتيجي الذي طالما قاتلت في العراق لاحتلال ما يماثله، وتترك للروس التوسع في المنطقة وفق الخطة البوتينية، أم أن البيت الأبيض سيستغل انشغال الكرملين بالصراع مع السوريين، ليغرقه في مزيدٍ منه، بينما يتفاهم وزير خارجيته، مايك بومبيو، مع تركيا على صفقة حول الكرد، تمنع التوصل إلى حل خاص بها، لا يكون جزءا من الحل السوري العام، والبعيد، وتدعم حربها الوشيكة ضد حزب العمال الكردستاني في العراق، حيث قرّرت خوض مواجهة حاسمة، كما تقول علامات كثيرة. وماذا ستفعل روسيا غير الإمعان في التخبط المفعم بالإرباك، في حال قرّرت أميركا بدء عمليتها الموعودة لـ "إخراج إيران من المشرق بدءا من سورية"، كما يعد ترامب، بتأييد من بومبيو وجون بولتون، مستشاره الجديد لشؤون الأمن القومي؟ هل 

"ماذا ستفعل روسيا غير الإمعان في التخبط المفعم بالإرباك، في حال قرّرت أميركا بدء عمليتها الموعودة لـ "إخراج إيران من المشرق بدءا من سورية؟" سيكون هذا الاحتمال واقعيا خلال الفترة المقبلة التي حدد ترامب بدايتها في أوائل مايو/أيار المقبل، عندما ستقرر أوروبا بطلب منه موقفها الأخير من الاتفاق النووي مع إيران، وتشير دلائل متعددة إلى أنها ستقبل جوانب من وجهات نظره حوله، وموقفه حيال برنامج طهران الصاروخي، وقد تقبل خطته لمواجهة احتلال وتهديد طهران للبلدان المجاورة لها؟ أية قيمة ستبقى لانتصارات الروس الراهنة في سورية، وهل ستكون حقا نهائية وحاسمة، في حال فتحت معركة الوجود الإيراني في سورية التي ستضعهم أمام خياراتٍ تتحدى مخططهم، وقدراتهم، في حال قررت واشنطن تحييدهم، أو الرد على دعمهم إيران، من خلال إمداد السوريين بسلاح حديث، يعيد استخدامه تسعير نيران ثورة يحاولون اليوم إخمادها، في بؤرها المتفرّقة الراهنة، لكن لهيبها سيظل تحت الرماد، ويمكن أن يتأجج من جديد، ويغدو عامّا وشاملا في ظل التطورات التي تتخلق اليوم، ويرجّح أن تتسارع بعد مايو/أيار في ظل الاستعدادات الجارية، لتقرّر ما سيترتب على الصراع السوري من نتائج، وما إذا كان التصور الذي وضعه الروس للاستئثار بالغنيمة الأكبر في سورية هو الذي سيطبق على الأرض، أو أنه سيشهد تعديلات ستأخذه إلى نتائج أكثر تواضعا بكثير مما يريده بوتين؟

توشك واشنطن أن تستغل وضعها السوري القوي، كي ترد على إيران، باعتبارها طرفا إقليميا يحتل بلادنا، ارتبط به نجاح روسيا في تفادي انخراط وحدات كبيرة من جيشها البري في الحرب. هذا الرد إن حدث، بدل معنى ما يجري اليوم على الأرض السورية، وأفرغ انتصارات الروس والإيرانيين من مضمونها، وفتح الباب أمام تصحيح جدي للسياسات الكارثية التي اتبعتها المعارضة والفصائل في السنوات الماضية، على الصعيدين العسكري والسياسي، وأسهمت في إنقاذ النظام، على الرغم من صدق ونزاهة من ضحوا بأنفسهم من أجل ثورةٍ خذلها قادتهم، بجهلهم وأنانيتهم وضمور وعيهم الوطني، وما جبلوا عليه من نزوعٍ إلى التسلط والبهورة. تقترب سورية، بجميع مكوناتها، من لحظة مفصلية، سيتقرّر مصيرها بعدها، لن يكون فيها أي نفع للسوريين، إن استمر وضعهم الحالي على ما هو عليه.

========================

الغرب يشحذ قرون بوتين الناطحة .. صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 25/3/2018

حتى إذا شاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ــ من باب كسر الرتابة وإضفاء التنويع، مثلاً ــ طيّ صفحة «الديمقراطية التبادلية» الدورية التي جمعته مع رئيس وزرائه المزمن دميتري مدفيديف، كما تردد بعض التقارير الصحفية؛ فإنّ قلّة قليلة من مراقبي الشأن الروسي سوف يباغتهم القرار. لا مفاجآت، البتة كما يتوجب التشديد، في دورة بوتين الرابعة والأخيرة؛ أو، بالأحرى، لا طارئ على أحوال قصر الكرملين يمكن أن يدخل تحت توصيف المفاجئ!

ثمة، مع ذلك، طرافة خاصة في قراءة طبائع العلاقات بين الاتحاد الروسي، أو روسيا بوتين الراهنة على وجه التحديد، من جهة؛ ودول الـG7، أي أمريكا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وكندا، من جهة ثانية. الأبرز في ذلك الملفّ قد يكون تهافت هذه الدول على توفير أفضل ما يتوفر من عناصر مختلفة، سياسية واقتصادية وتسلّحية، كفيلة بتمكين بوتين من التبجح أمام الشارع الروسي الشعبي بمقارعة الغرب، من موقع الخضم المكافئ؛ الأمر الذي يحرّك لواعج الحنين إلى أزمنة الحرب الباردة، حين كانت روسيا تُسمى الاتحاد السوفييتي، وكان أحد زعمائها (نيكيتا خروتشوف مثلاً) لا يجد أيّ حرج في قرع منبر الأمم المتحدة بحذائه!

هذه سلوكيات طافحة بقِيَم رمزية من طراز يتجاوز اتفاق المواطن الروسي أو اختلافه مع إيديولوجيا الدولة، شيوعياً كان نظامها أم شبه ليبرالي/ شبه رأسمالي، ليستقرّ في الباطن العميق من مشاعر الاعتزاز الوطني والانحياز القومي. هذا ما يكون في بال بوتين حين يزفّ إلى الروس خبر نجاح الصناعة الحربية الروسية في إطلاق صواريخ مجنحة تحمل قواعد نووية، أو تصنيع صواريخ قادرة على تجاوز كل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، أو تصميم أسلحة ستراتيجية لا تتبع مساراً بالستياً مما يجعلها قادرة على اختراق جميع أنظمة الدفاع الصاروخي، أو التوصّل إلى سلاح «فرط صوتي». وليس غريباً، ضمن سياقات مماثلة، أن يرى المواطن الروسي في اتهام أجهزة الاستخبارات الروسية بتسميم العميل المزدوج سيرغي سكريبال وابنته، مفخرة لـ«روسيا الأمّ»، قبل أن يكون «ضربة معلّم» تُسجّل لصالح حاكم الكرملين.

وهذه حال تحجب عن المواطن الروسي المعاصر بصيرة التفكير المعمق بأنّ روسيا بوتين الراهنة، وتلك التي حكمها طيلة 18 سنة، ليست الاتحاد السوفييتي الذي ساد خلال عقود الحرب الباردة، ويصعب أن تكون استئنافاً لأعراف تلك الحقبة. كذلك سوف تتعطل مَلَكة المواطن إياه في إدراك عشرات الأسباب التي لم تجعل من الثنائي بوتين/ مدفيديف بديلاً عن خروتشوف/ بريجنيف مثلاً، إزاء أيّ من معطيات التناطح الساخنة اليوم مع أمريكا والغرب عموماً؛ في القرم وأوكرانيا وسوريا، وفي ملفات مثل الصناعة الحربية وسوق النفط العالمية وانتشار الأسلحة النووية وسواها.

في عبارة أخرى، يجوز القول إنّ أمريكا (هذه التي يترأسها دونالد ترامب بصفة خاصة)، والديمقراطيات الغربية الكبرى، هي بمثابة ناخب خارجي غير مباشر، صوّت مراراً لصالح أمثولة بوتين على امتداد تجربة «الديمقراطية التبادلية» الدورية مع مدفيديف من جهة أولى؛ وأنّ هذا الناخب الخارجي سعيد ضمناً بأفعال بوتين التي تتخذ صفة الخصومة مع الغرب، لأنها في المنعرجات الكبرى تخدم مصالح الطرفين على حدّ سواء، من جهة ثانية.

كيف يُنسى ضجيج موسكو وعجيجها، قبيل الموافقة في مجلس الأمن الدولي على التدخل العسكري الأطلسي في ليبيا المعاصرة؟ أو، قبله، الموقف الروسي من غزو العراق سنة 2003؟ ومَن الذي يزعم، حقاً، أنّ أمثلة استخدام موسكو حقّ النقض في مجلس الأمن لتعطيل قرارات أممية ضد نظام بشار الأسد لم تكن، أيضاً، تطابق رغبات الغرب غير المعلَنة؟ وفي نهاية المطاف، هل تسبب هذا التناطح مع الغرب في ثلم قرون بوتين الناطحة، أم ساهم في شحذها أكثر؟

========================

صناعة السياسة بين سطوة قوانين الاجتماع وقوة العجز البشري! .. وائل مرزا

المدينة

الاحد 25/3/2018

سؤالٌ يستحق التكرار والإعادة.. وإذ يمكن للإجابات أن تتعدد، يظل أقواها كامناً فيما يُسمى في علوم الاجتماع بصناعة السياسات العامة (Public Policy) . ليس لهذا علاقة بنوعية النظام السياسي. وسواء كان الأمر يتعلق برجل السياسة في أمريكا أو أوروبا أو آسيا أو الوطن العربي، فإن التحدي يبقى نفسه، تختلف طبيعته ويزداد صعوبةً في ظروفنا المعروفة.. لكن التحدي يبقى أكبر من تصور الكثيرين، وهو يتطلب مقادير جمة من التفكير والدراسة، خاصة في عالمنا العربي.

تدخل في هذا الإطار حتميةُ أخذ دروس التاريخ بعين الاعتبار، ومعها، كمقدمات لصناعة القرار، القوةُ الكامنة في قوانين الاجتماع البشري.. دون أن ننسى قوةً خفيةً ومُخيفة في الوقت نفسه: القوة التي تنبع من شعور العجز لدى الجماهير.

فعلى مدى التاريخ، تبدو مقولة رئيس الوزراء البريطاني الداهية، ونستون تشرشل، قابلةً للتطبيق: «هناك دائماً من يرفضون التعلم من التاريخ.. ومشكلة هؤلاء أن لعنة إعادة (أخطائه) ستصاحبهم على الدوام».

قد يكون التاريخ معرضَ المستحيلات بين حين وآخر، بمعنى إمكانية حصول أي شيءٍ فيه، وخاصةً من تلك الأحداث التي لا يتوقع البشر رؤيتها. لكنه غالباً مصنوعٌ من وقائع كبرى حصلت كنتيجةٍ طبيعية لسريان قوانين الاجتماع البشري، وسَطوتها القاهرة أحياناً.

من هنا، تصبح الحسابات الدقيقة مطلوبةً بإلحاح في صناعة السياسة، لتجنب تأثير تلك القوانين، والسلبي منها تحديداً، في حال اختلال التوازنات الحساسة، جداً أحياناً، في أحشاء الواقع الاجتماعي بمكوناته الثقافية والاقتصادية. وتزداد الحاجة لذلك عندما تحدث نقلةٌ في تلك الصناعة، تتصف بقوتها وجِدّتها وسرعتها، في كل مجال.

هنا تحديداً، تخاطبنا مارغريت مكميلان، أستاذة التاريخ بجامعة أكسفورد، بمقولةٍ مُعبّرة باتت مشهورةً في دوائر علم التاريخ: «يمكن لنا أن نتعلم من التاريخ، لكن من الممكن أيضاً أن نقع في مأزق حين نختار، بشكلٍ انتقائي، شواهد وأدلة من الماضي، تُبررُ ما قررناهُ ابتداءً».

وفي قوانين الاجتماع البشري ماهو لينٌ ومرن، لكن فيها أيضاً ما يكون صلباً وقابلاً للكسر، بما يُذكّرُنا بما يُسمى أيضاً في علم الاجتماع بـ»قانون فود - Fudd’s law» الذي يؤكد بأنه: «بإمكانك أن تدفع شيئاً ما بقوةٍ كافية، وسنضمن لك أنه سيؤول للسقوط».

والحقيقة أن تكرار هذه المقولات نفسها في هذا المقال هدفٌ بحد ذاته، لأنها تُعبر عن شيوع القواعد التي تنطوي عليها، ما يؤكد بدوره خطورة التعامل معها.

ثمة قوىً في هذا العالم، تبدو كثيرة، لا تريد خيراً ببلاد العرب، شرقاً وغرباً. وهي لن تتردد في اقتناص كل فرصةٍ في الواقع العربي لصب الزيت على النار كما يُقال في أمثالنا. خاصةً في ما يتعلق بتأجيج الغليان الجماهيري في كل مكانٍ يمكن أن يحدث فيه هذا الأمر. تَعلمُ هذه القوى أن ثمة نوعاً غريباً من القوة ينبع من العجز البشري.. وهو نوعٌ يجدر الانتباه إليه في العالم العربي تحديداً هذه الأيام.

لا يمكن للعجز مثلاً أن يتجلّى في مشهدٍ أكثر من أن يحرق الإنسان نفسه.. هذا ما فعله مواطنٌ في بقعة نائية من جنوب تونس منذ سنوات. لكن قوة العجز تجلّت بدورها في الأحداث التي فجّرتها تلك الممارسة.

والعجز شعورٌ هائلٌ ومدمِّر.. وحين لا يُعالج بالطريقة المناسبة، فإن نهايته تكون دوماً إلى الانتحار.. وهذا الانتحار إما أن يكون ذاتياً مقصوراً على النفس، أو يكون انفجارياً على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي) المعروفة، وبشكلٍ يعبّر، بقسوة، عن ذلك الشوق الكامن في الأعماق للتغيير، والمتداخل مع شعورٍ فظيعٍ بالافتقار لأي طريقةٍ من طرق التغيير، اللهم سوى التغيير عبر إلغاء هذا الوجود الذي يصعب فيه التغيير. أي عبر إنهاء وجود العاجز ووجود الآخر كلياً. وفي الحالتين، يعاني المجتمع الذي توجد فيه هذه الظواهر من آثارها بشكلٍ مؤلم، وعلى جميع المستويات.

لكن المشكلة تفرض نفسها نهاية المطاف.. فإذا ما عمّ الشعور بالعجز في أي مجتمع، فإنه يُولّدُ قوةً عشوائية وفوضوية ضخمة لا يمكن أن تقف في وجهها أي قوة، ويخلق واقعاً معقداً لا يمكن التعامل معه أبداً بعقلية إدارة الأزمات.

يبدو طبيعياً، لهذا، أن نختم الحديث بمقولة إدواردو غاليانو، الروائي والأديب والصحافي الشهير في الأورغواي وأمريكا اللاتينية، قال فيها: «لن تسمع التاريخ أبداً وهو يخاطبك بعبارة: إلى اللقاء. وإنما سيقول على الدوام: أراك لاحقاً»

========================

الذكرى السابعة والثورة لن تموت .. حسين خطيب

العربي الجديد

السبت 24/3/2018

لم تكن الثورة السورية عسكرية في البدء. كانت تطالب بالحرية وبوطن يحمل على عاتقه هموم السوريين وأوجاعهم. هذه بضع أحلام ترسخت في عقول الثوار. وعقب تدخلات النظام العسكرية، واقتحامه مدنا وبلدات خرجت تطالب بالحرية، كان لا بد من ظهور قوة عسكرية، تدافع عن السوريين، وتؤمن حقوقهم وتحافظ على أرضهم من انتهاك الأعداء.

في السنة الأولى للثورة، كانت الحرية ترفرف على أبواب السوريين، قبل اندلاع المواجهات العسكرية، التي أجبرت المعارضة على ترك الحراك السلمي، والتوجه إلى الحراك العسكري، إذ لم يكتف النظام بحقده، بل توسع بانتهاكاته في السنة الثانية من الثورة السورية، إذ دمر وفتك بآلاته العسكرية الأبنية السكنية وقتل السوريين بجنوده وشبيحته.

وصلت الثورة السورية، في إحدى مراحلها، إلى مكاسب كبيرة جداً، ولم يرض هذا الأمر حلفاء نظام الأسد، إذ توسعت مناطق المعارضة في كل البقاع السورية، وكانت مناطق النظام تضيق أكثر فأكثر، وكان لا بد للأسد أن يستدعي قتلة بدم بارد، قتلة استباحوا دم الشعب السوري، وذلك حين استنجد بمليشيا حزب الله اللبناني الذي حطم الثورة في القصير، ثم بمليشيات إيرانية وأفغانية وأخرى عراقية، يدافعون، كما يدعون، عن مقام السيدة زينب في دمشق، على الرغم من أن آلاتهم العسكرية وصلت إلى حلب في الشمال السوري وغيرها من المناطق.. تعدّدت الحجج والغرض واحد، وهو القضاء على ثورة شعب دفع الغالي والنفيس ثمن حرية طالب بها.

الحقد الذي انتهجه النظام السوري من خلال آلته التدميرية لم يكن أمرا سهلا على السوريين الذين توقعوا رداً غير هذا، إذ استعان نظام الأسد بالروس الذين جرّبوا جميع معداتهم العسكرية على رؤوس السوريين، والذين استباحوا دم السوريين خلال صمت عالمي ودولي وعربي إسلامي، إذ لم يبقوا حجراً على آخر، ولا عائلة سلمت من تهجير ونزوح وتشريد وقتل وفقدان أب أو أخ أو أم.

خسرت الثورة في الأعوام الماضية أعداداً هائلة من الثوار والمدنيين في ظل تحالف دولي استباح الدم السوري بشكل بارد، وانتشر القتل في كل البقاع السورية، والألم يزداد بالجرح السوري.

لا يمكننا القول إن الثورة انتهت، فحرية السوريين ما زالت تحلّق في نفوسهم لأن طموحهم إسقاط حكم الذي قتل آلاف السوريين وشرد الملايين خارج البلاد، رغم الخسارات المتتالية.

منذ عام ونيف، خسرت المعارضة حلب، بعد حصار دام شهورا، وقتل وتجويع وقصف وتدمير انتهجته الطائرات الروسية على أحياء المدينة ومليشيات شيعية من جنسيات مختلفة، قتلت أحلام كثيرين ودمرتها، لكن قلب السوريين ما زال يفيض بالحرية وينبض بعبق النصر.

في السنة السابعة، تزيد الأوجاع والحرية تضيق على السوريين ومناطق الأحرار تصغر أكثر فأكثر، واليوم نودع غوطتنا التي سكبنا من أجلها الغالي والنفيس. ست سنوات من الحصار والغوطة صابرة، على الرغم من القتل والتدمير والتجويع.

لا لم نخسر، نحن السوريون، لكننا تعلمنا من جديد أن ليس لنا ناصر إلا الله، وما زال الإصرار يحيك أملنا بنصر يغيّر المستحيل، لا بد لكل ثورة من تضحية، والخسارة اليوم هي النصر غداً، فالتغيرات تلوح بالأفق، نحو جيل سيبنى على الحرية ويقضي على الفساد الذي حل بالمجتمع والنظام وغيره، لم يكن هدف الثورة إلا حرية وبضع مطالب جوبهت بمذبحة بشعة بحق السوريين، لكننا سنبني جيلاً يحقق لنا ما خسرناه خلال السنوات الماضية.

لن نحيد ولن تموت ثورة كرامة، سيسقط الأسد مهما طال حكمه، ولن نرضى بحاكم أذل السوريين، ولن ننسى جرحانا وشهداءنا ومعتقلينا.

الثورة مستمرة وعبق الحرية يفيض عطره على كل سوري بذل دمه فداء لشعبٍ نادى بالكرامة والديموقراطية.

==========================

شعب الجبارين .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 24/3/2018

هذا الوصف استخدمه الرئيس الشهيد ياسر عرفات مرات متكررة، وهو يتحدث عن نضال شعب فلسطين، وأمثولته التي أقنعت مظلومين كثيرين في العالم بقدرة شعبٍ صغيرٍ على خوض صراع مديد من أجل تحرير وطنه، على الرغم من تفوق عدوه العسكري الساحق عليه، وخوضه معارك عديدة كسبها، بيد أنه ظل عاجزا عن انتزاع وطنه من شعبه الذي استحق لقب "شعب الجبارين" بجدارة، بالنظر إلى طول أمد الصراع الذي خاضه، ومواقف العرب والعالم السلبية أو المعادية له التي فشلت في كبح إصراره على طلب حقه، وجعله يستسلم للكوارث والخيبات التي واكبت تاريخه الحديث.

في الذكرى السابعة للانفجار السياسي/ الاجتماعي الهائل الذي تعيشه سورية منذ أواسط مارس/ آذار عام 2011، يستحق السوريون، إناثا وذكورا، أن نطلق عليهم لقب "شعب الجبارين"، ليس فقط لأنهم يستقوون بمبدأ الحرية السامي، في صراعهم ضد نظامٍ هو نفيها المطلق، وإنما لأنهم يواجهون أيضا القوى التي انقضت عليهم بعد ثورتهم، وأرسلت عشرات الآلاف من المرتزقة لقتلهم وإطفاء روح الحرية في صدورهم، ويصمدون كما لم يتوقع أحد في وجه جيوش وأسلحة تدفقت من إيران وروسيا خارجيا، وتنظيمات مذهبية/ إرهابية خارجية وداخلية إرهابية، اعتبرت الحرية كفرا يستحق أتباعه القتل، ورفضت القول بوجود شعب سوري واحد، وأنكرت أن تكون الجماعات المتعايشة في بلادنا شعبا واحدا، وجعلتها أقلياتٍ وطوائف شاركت النظام الأسدي في اضطهاد "أهل السنة والجماعة" قبل الثورة، والقضاء عليهم بعدها.

صمد الشعب، بعد نيف وأربعين عاما، من استبداد شمولي وحرمان من ـأبسط حقوقه، وعندما نزل إلى الشوارع مطالبا بالحرية من نظام أنتج واقعا عاكس وعوده البرّاقة، وفقد مصادر شرعيته السياسية والوطنية، ولم يبق له من سند غير العنف، بعد أن حول بشار الأسد سانحة الإصلاح الإنقاذية إلى لعبة لفظية سخيفة، وحين نبهته التظاهرات الأولى إلى خطورة استهانته بالمأزق السلطوي، كشف عما في سلطته من طائفية، ولدى نظامه من احتياط مذهبي/ إرهابي أطلقه من سجونه، فتسلط بعض الوقت على ثورة عفوية، غابت عنها طوال أعوامها السبعة البرامج والخطط والقيادة الموحدة، لكن سطوتها كانت قصيرة العمر، بسبب توطّنها في مناطق الثورة وابتعادها عن مناطق النظام، وقضائها المنظم على الجيش الحر، وحامله المجتمعي ورهان الحرية والشعب الواحد. تمرّد السوريون، واستمروا في تمردهم، على الرغم من عجز نخبهم عن بناء قيادة موحدة وثورية، وعن تحاشي الفوضى والتبعثر والخلافات، وتمسّكوا برفض الأسدية، وقاتلوا أكبر قوة إقليمية وثاني قوة دولية، لاقتناعم بأن توقفهم عن المقاومة لن يصحح أخطاء المعارضة وعيوبها، بل سيضع حدا نهائيا للثورة، وستكون نهايتهم المفجعة كشعب.

يضيع هذا الجانب من الثورة، غالبا، في الحديث عن عيوب المعارضة، كأن الثورة كانت في الأصل ثورتها، وليست ثورة "شعب الجبارين" الذي لم يترك العالم المعادي له وسيلة إيجابية إلا واستخدمها لكسر مقاومته، والعالم الذي يدّعي صداقته موقفا سلبيا، إلا واتخذه لكسر روحه المعنوية وتصميمه على مواصلة معركته من أجل حريته التي يعي، بفطرته، أنه سيمضي زمن طويل قبل أن تُتاح له فرصة القيام بثورة أخرى، إذا تخلى عنها أو عن مشروع حريته المتماهي معها، وأن سورية لن تكون بعدها ما كانته قبلها، هذا إن بقيت هناك بلاد تحمل هذا الاسم الجميل.

يغلط من يتجاهل دور الشعب في الثورة، ويكتفي في الحكم عليها من خلال دور ائتلاف قوى الثورة والمعارضة وهيئة التفاوض العليا والفصائل. الثورة السورية فعل تاريخي نادر المثال، يجسد تصميم شعب مضطهد على نيل حريته التي تؤكد تضحياته اليومية أنها تساوي في قيمتها وجوده.

==========================

لا البداية ولا النهاية في الغوطة .. يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 24/3/2018

لم تبدأ القصة السورية في الغوطة، ولم يبدأ الانتقام والكره والبشاعة فيها؛ لقد بدأ في سجن تدمر، وفي تدمير حماة، وفي الخوف المزروع في نفس السوري عقوداً. بدأ في بيع القضية الفلسطينية وفي تدمير لبنان وأي صوتٍ حرّ فيه؛ بدأ في المساهمة الكبرى بشرذمة الأمة العربية؛ بدأ في العمالة للمحتل الأميركي للعراق، وقبله في دعم إيران للتغول في النسيج العربي.

تتجاوز مشاهد الغوطة نكبة الـ 1948، وما ارتكبته إسرائيل في دير ياسين، وإجرام آخرين في تل الزعتر؛ وتتجاوز الجولان وسيناء عام 1967. إنه الانتقام؛ إنها النكبة، إنها الكارثة الأخلاقية. والغاية تدمير إرادة شعب نشد الحرية، ولا بد من حصاره بالموت والإذلال والتهجير.

لندن وباريس ولينينغراد نالت أوسمة بطولة، وما كانت قد حُوصرت وقُصفت كما غوطة دمشق. خلال بضعة أسابيع تناوبت على الغوطة، وعلى مدار الساعة، أكثر من 1600 طلعة جوية؛ وتلقت الغوطة في جسدها أكثر من 23000 قذيفة هاون وأكثر من 3300 صاروخ أرض - أرض. غزاها أكثر من عشرين ألف مرتزق ميليشاوي مقاتل. إضافة إلى ذلك كله، كانت هناك حربٌ نفسية دعائية تيئيسية إحباطية يشترك فيها ما يُسمى "الجيش الإلكتروني" ومحطات إذاعة وتلفزيون أسدية إيرانية روسية وغربية وعربية ومُرجفين محسوبين على الثورة.

مع ذلك كله، لن تكون الغوطة نهاية المطاف مع منظومة الاستبداد، ولا نهاية ثورة هي الأنبل

"سقوط ثورة سورية سيسقط العالم، وانتصارها سيغيّره حتماً، ويجعله عالماً يستحقه الإنسان" في تاريخ البشرية. قلائل جداً الذين توقعوا أصلاً أن تقوم ثورة في سورية؛ لن تبقي عالمنا كما هو، عندما تنجح. هي ثورة كَثُر أعداؤها، وكانوا الأشرس والأكثر إجراماً؛ وكثُر أصدقاؤها، وكانوا للأسف الأضعف والأشد مرارةً بخبثهم من أعدائها. عندما التصقت بها أميركا خسرت نصف مصداقيتها كثورة، فأميركا في أذهان الناس لا تصادق شعباً، بل منظومات عميلة تشغّلها. ذلك أعطى منظومة الاستبداد في دمشق ذريعة جبارة بأن ما يحدث مؤامرة، فأميركا، كما صدّرت منظومة الاستبداد في دمشق، صديقة إسرائيل وحاميتها، تتآمر على نظام "المقاومة والممانعة" الذي يقف في وجه إسرائيل.

لن تكون الغوطة، ولا غيرها، نهاية المطاف أو الثورة مع منظومة الاستبداد ومن يدعمها؛ فهم الأقوى عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وعلاقاتياً؛ لكنهم المهزومون، لأنهم الأضعف حقاً وحقيقةً وقيماً وأخلاقاً وإرادة وتصميماً، ولهذا ثورة سورية منتصرة حتماً، ولو طال الزمن.

سمعنا في الغوطة الشرقية رجلاً يهتف: "ما عاد بدنا حرية". على الرغم من أن انتفاضة سورية كانت صرخة حياة تبحث عن الحرية، إلا أن هناك ﺭﻤا من رأى أن السوريين أخطأوا عندما حلموا بالحرية، واعتقدوا أن جيش "حماة الديار" لن يقتلهم، وﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺭﺃﺎً ﻋﺎﺎً ﻋﺮﺑﻴﺎً ﻭﺩﻭﻟﻴﺎً ﻳﺪﻗﻀﻴﺔﺣﺮﻳﺘﻬ. ولكن رسالة هذا السوري من الغوطة ترسل أهم الرسائل في الثورة السورية. إنها تثبت، بدايةً، أن ثورة سورية هي من أجل الحرية، وهناك من يقتل السوريين بسبب ذلك. ولهذا، يأتي بكل صنوف المرتزقة وقوى الاحتلال لقتل هذه الصرخة تحديداً؛ وها هم العزل المدنيون السوريون الذين يريدون الحرية يضعون مطلبهم المقدّس جانباً، فقط كي يبقيهم المحتل على قيد الحياة؛ لكن صرختهم للحرية تسكن خالدة في عقولهم وأرواحهم، ولا تلغيها قوة مهما استشرست؛ وما طلبهم البقاء على قيد الحياة إلا للحفاظ عليها.

لا يستطيع نظام الأسد أن يدّعي البطولة أو الانتصار. إن هتاف ذلك الرجل، وصورة ذلك 

"ﻟﻴ ﺤﻴﺤﺎً ﺍﻟﻘﻝ إﻬﺎﺣﺮﺏ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻓﻲ ﺳﻮﺭية، ﻷﻥﺍﻤﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻫ ﺣﺮﺏ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻌ ﺍﻟﺴﺭﻱ" الطفل الذي فقد أهله في الغوطة؛ والذي وضعت مليشيات الاحتلال الأسدي صورة لرئيسها بيده هي التي تهزمهم. ذلك الطفل لا يتصرف بحرية أو براءة، تماماً كما ذلك الرجل؛ إنهما يتصرّفان بانكسار يعيشانه، عندما يكونان محاطين بالموت وانكسار الروح؛ لكنهما سبقا منظومة الاستبداد وداعميها بأشواط في مواجهة الصعاب والصلابة والأخلاق، وفوق ذلك في النضج الذي تولده الحرية. لقد عاشا خارج سجن منظومة الاستبداد ست سنوات حرّة محرّرة من عبودية الرعب؛ فكان صمودهما وصمود الغوطة الأسطوري؛ الأمر الذي ينطبق على أهل سورية داخلاً وخارجاً؛ وهذه قيم لا يعرفها الطغاة.

ما يفعله الطغاة ليس بطولة. وليس تصوير رئيس نظام، يقود سيارته ويهذر بالبطولة في مكان يحيطه الدمار، انتصاراً. فهو ﻌﺒﻪ ﻭﺤﺘﻘه، ويسلّم ﻼﺩﻩ ﻟﻠﻤﺤﺘﻠﻴ. ولا يستطيع عاقل أن يستوعب كيف تخرُجُ من مخلوقٍ بهذا السجل الإجرامي عبارة "حماية المدنيين"؛ والعالم يرى دم المدنيين أنفسهم يُستباح في لحظة الكلام؛ ويرى ويتابع ذلك القابع في مجلس الأمن لحماية استباحة الدم السوري في الغوطة وغيرها؛ ويرى ويسمع "نخوات" الدول الأعضاء (الأصدقاء) حول بشاعة الأفعال، ولا يحرّك ساكناً أو متحركاً. ﻟﻴ ﺤﻴﺤﺎً ﺍﻟﻘﻝ إﻬﺎﺣﺮﺏ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻓﻲ ﺳﻮﺭية، ﻷﻥﺍﻤﻬﺎ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻫ ﺣﺮﺏ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﻌ ﺍﻟﺴﺭﻱ؛ لسان حال أولئك يقول عن ثورة سورية: ليتك لم تكوني!

أخيراً؛ على الرغم من اليأس والانكسار والتيه، وعلى الرغم من عجز اللغة عن التقاط ما يحدث، إلا أن المشهد يشي بعلامات حياة لا يمكن لقوة أن تطفئها. صحيح أن هناك في سورية مَن لم يشبع أو يمل بعد من ذبح السوريين، وسفك دمهم وأرواحهم، وخصوصاً روح ذلك الطفل حامل صورة البشاعة؛ لكن سقوط ثورة سورية سيسقط العالم، وانتصارها سيغيّره حتماً، ويجعله عالماً يستحقه الإنسان.

==========================

سوريا تتناهشها الضباع! .. د.خالص جلبي

الاتحاد

السبت 24/3/2018

في عالم الغابة تقضي عائلة الأسد على الفريسة بخنقها أولا قبل التهامها. وهكذا تعدو اللبوة خلف الجاموس ثم تنقض على عنقه حتى يسلم الأنفاس. الضباع تختصر العملية بافتراس الضحية وهي على قيد الحياة. ما يحدث في سوريا اليوم هو افتراسها من تسعة ضباع تنهش لحمها. وفي تحليل لـ«كريستوف رويتر»، الألماني المتابع للحرب السورية، نجده يعطي لكل ضبع رقماً حتى وصل إلى الرقم تسعة. لكنه يبتدئ مقالته بتساؤل مضحك: ما الذي جمع بين مزوِّر العملة والروسي القوزاقي والأكراد شبيحة نظام الأسد؟ فالأول مطارد بتهمة قتل في بلد، وبتزوير وثائق في بلد آخر، وهو مزور العملة السورية ذات الألف ليرة، لكن النظام السوري عفا عنه وأمده بمال من أجل تعاونه في قتل شباب الثورة. أما الروسي القوزاقي فهو الذي أعلن عن نفسه حاملا سيفه مع نياشين على صدره، وخلفه مجموعة من القتلة باسم فرقة «فاجنر».

لكن ما الذي حدث حتى تصاعدت حدة القتال مؤخراً؟ السر هو رائحة الغاز والبترول، فإلى الشرق من دير الزور رائحة الحقل النفطي هناك جذبت القوى المتصارعة بعد هزيمة «داعش». وهكذا، وبمساعدة من أميركا، تمدد الأكراد على طول نهر الفرات شرقاً يطمحون لبناء دولة خرافية. وقد أرعبت الأتراكَ خططُ الأميركيين مع الأكراد لتفتيت تركيا، فسارعوا لقطع الطريق على كردستان!

والآن جاءت التسوية بين الضباع لقسمة الجثة السورية. الأكراد، ومن أجل الزحف إلى غرب الفرات لقتال الأتراك في عفرين، سوف ينسحبون من مناطق الغاز، فيدخل إليها شبيحة الأسد. مقابل هذا يفتح النظام طريقاً لنقل مئات المقاتلين الأكراد إلى عفرين عبر المناطق الخاضعة له. الروس من جانبهم سيغلقون المجال الجوي لتمكين المقاتلين الأكراد من التدفق. هكذا اتفقت الضباع. لكن ما حدث كان شيئاً آخر، فقد قام النظام بفتح الطريق لالتحاق الأكراد بجبهة عفرين، بيد أن الذين تدفقوا كانوا مقاتلي القوزاقي من فرقة «فاجنر». لكن مع وصولهم إلى حقل الغاز كانت القاذفات الأميركية تستقبلهم فتحصد منهم المئات حرقاً. ثم يفتح الروس المجال الجوي في وجه المقاتلات التركية لتحصد المقاتلين الأكراد القادمين. والسؤال ما الذي جرى؟ وكيف اختلطت الأوراق وانتشر الغدر بين الضباع المتقاتلة على الجثة السورية؟

حسب قانون الغاب فإن النهش حسب العضلات وليس الاتفاقيات، فهذا هو قانون الغابة المعمول به في العالم حالياً. روسيا قالت إن المرتزقة لم يأخذوا ترخيصهم للدخول. والبنتاجون لا يهمه أي اتفاق، بل المهم لديه هو حقل الغاز، والتمكين للأكراد أو الضحك عليهم أيضاً، وهذه قضية معروفة منذ أيام الملا مصطفى البارزاني.

والآن نأتي إلى الخريطة لنرى الأكراد وقد التهموا ثلث سوريا، والأتراك يلتهمون عفرين بالاتفاق مع الفرس والروس الذين التهموا دمشق، والروس يلتهمون الساحل السوري بعد حلم طويل بالوصول إلى المياه الدافئة، وقد مكنهم بشار الأسد من ذلك من أجل السلطة. ولا ننسى «الجيش السوري الحر» و«داعش» وعشرات الفصائل المتناحرة، خاصة في ادلب، وهو ما يذكّر باقتتال المجاهدين الأفغان الذين زعم أحد المشايخ أن الملائكة كانت ترافقهم، ثم اختفت فجأة ليسود قانون الغاب، حيث الكل يقتل الكل، كما كان حال الحرب اللبنانية.

الخلاصة التي ينتهي إليها «كريستوف رويتر» أن ما يحدث هو اقتتال للقوى الغريبة على الأرض السورية، وأن هناك احتمال حدوث تصدع في خطوط القتال، يتبعه اشتباك أميركي روسي. وكل احتمال وارد طالما كان قانون الغابة سائداً والضباع تنهش والأسود تفترس والدب الروسي يزمجر.

==========================

من المنتصر في سوريا؟ .. رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 24/3/2018

تحول المطالبون بالحرية والكرامة في سوريا إلى ضحايا، وتحولت سوريا إلى ساحة صراعات دولية، بدأتها إيران حين خشيت أن تفلت سوريا ولبنان من يدها إذا وصل الشعب السوري إلى السلطة، لذلك سارعت بإرسال ميليشيات «حزب الله»، ثم تدخلت بكل قواها العسكرية، لتدافع عن مشروعها الفارسي الذي يتستر بعباءة الممانعة والمقاومة وتحرير فلسطين، وهو متجه إلى حلب وإدلب وسواهما من محافظات سوريا، وتزامن العدوان الإيراني الطائفي مع الدعم العسكري الروسي، ولم تستطع تلك القوى من كسر إرادة السوريين، فدخلت روسيا ساحة المعركة عام 2015 بكل ما تملك من قوى، وهي في الحقيقة وجدت في سوريا فرصتها لإعلان عودتها بقوة إلى الساحة الدولية، وبدأت تدق بعنف على الطاولة الأوروبية التي اتخذت مع أميركا قرارات بمعاقبة روسيا بعد استيلائها على القرم، ولكن سيمفروبل (المسجد الأبيض)، باتت مقر أسطول روسيا على شاطىء البحر الأسود رغماً عن أوروبا وأميركا، ثم وجدت روسيا الفرصة في سوريا لمزيد من التحدي لتفاجئ العالم بمقر آخر لأسطولها في طرطوس على شاطئ المتوسط، واتخذت من مطارات سوريا، وأبرزها (حميميم) قواعد عسكرية لأسطولها الجوي، وبشكل علمي استولت روسيا مع إيران على سوريا كلها، ما فتح شهية الآخرين للإسراع بالاستيلاء على حصص أو قواعد كي لا يخرجوا من الساحة.

لم تكن أوروبا قادرة على مواجهة التحدي الروسي، ولم تستطع الخروج من العباءة الأميركية الفضفاضة، ولم تستطع الصمت أمام شعوبها، لكن جل ما فعلته بعض دولها كان في استقبال أفواج اللاجئين والهاربين، لكن أوروبا بقيت تدور في الفلك الأميركي، وتعيش موقفاً مضطرباً كالذي حدث حين أعلنت فرنسا وبريطانيا وأميركا شن حرب على النظام السوري إثر استخدامه الأسلحة الكيميائية في الغوطة في شهر أغسطس عام 2013 ولكن روسيا وإسرائيل تمكنتا من إيجاد مخرج هو الاكتفاء بتسليم السلاح الكيماوي وإعفاء القاتل من المحاسبة، واتجهت أوروبا وأميركا لمحاربة الإرهاب وتغيرت مواقفها المعادية للنظام، وأيدت الحل السياسي معه وفرضته على المعارضة في القرار 2254 بقرار من مجلس الأمن، ولكنها عجزت عن مواجهة سلسة «الفيتو» الروسي الذي عطل مجلس الأمن رغم أن الروس هم من صاغوا القرار، وقد وصل ضعف مجلس الأمن إلى أدنى مستوياته حين عجز عن إيقاف الهجوم الوحشي على سكان الغوطة، واستمر النظام في القصف والتدمير غير عابىء بالمواقف الدولية.

النظام ملأه شعور بالنصر، حين تمكن من تدمير الغوطة كما دمر ريف دمشق، وحمص ودرعا وريف إدلب وحماه، ثم حلب التي اعتبر تدميرها انتصاراً ساحقاً على شعبه، والمعارضة العسكرية لم تنتصر أيضاً، فقد تمزقت بتمزق ولاءاتها وداعميها، وكثير منها وقع في فخ خطير حين رفع شعارات الخلافة الإسلامية واستجاب للاستفزاز الشيعي والفارسي، وبدأ يحلم بدولة دينية سنية، ما جعل الرأي العام الدولي مضطرباً في اتخاذ موقف رغم معرفته بأن الجيش الحر المنادي بالديموقراطية هو أول من حارب «داعش»، وأن تنظيم «النصرة»، هو أول من قاتل «الجيش الحر» بعد أن تمكن من ثلتي مساحة سوريا.

لم ينتصر أحد في سوريا، فقد خسر النظام شعبه ومدن سوريا وحولها دماراً، ولن يستطيع الاستمرار في حكم الجثث والموتى بلا قبور، وخسر الشعب أبناءه وأسره على الضفتين، وبات جله مشرداً في أصقاع الأرض، وليس سهلاً أن تستعاد اللحمة الوطنية السورية، وخسرت روسيا مكانتها، وخسرت إيران الأمتين العربية والإسلامية معاً، ونبذها المجتمع الدولي كله، واعتبرها مصدر الشر في البشرية، وخسرت الولايات المتحدة كونها قطباً قادراً على قيادة العالم، وخسرت أوروبا حضورها التقليدي في الشرق الأوسط.. وخسر مجلس الأمن مصداقيته، وللأسف حتى الآن يبدو أن الرابح الوحيد هو التوحش الذي تقوده مافيات تسيطر على مقدرات الشعوب، وتدعي الشرعية للتغطية على كونها مارقة.

=========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (52) .. تدمير حماة واستباحتها من قبل قوات النظام .. محمد فاروق الإمام

بعد حصار السلطة لمدينة حماة، بهدف إخراج المقاتلين من مخابئهم بعد أن علمت بقوتهم هناك، عمدت السلطة للاعتقالات والتعذيب الجماعي للإمساك بالخيوط التي يمكن أن توصلها للتنظيم العسكري، وفعلاً توصلت بعد شهرين لمعرفة معظم القواعد واعتقال عدد من المقاتلين غير المكشوفين، فباشرت بمداهمة هذه القواعد ونسفها على رؤوس المدنيين لمجرد احتمال وجود مسلحين، وقامت بأعمال عشوائية من التمشيط دفعت معها المقاتلين وقيادتهم لقرارهم الاضطراري بالصدام، لذلك قرروا المجابهة حتى لا يكون قتلهم مجاناً، وحتى يتركوا مجالاً أمام الجيش للانشقاق إن كان هناك شيء من هذا سيحصل. وهكذا قررت قيادة المقاتلين وعلى رأسها (عمر جواد) الصدام العلني في 25 كانون الثاني عام 1982م. ثم جاء نزول عدنان عقلة غير المتوقع، وما كان من تدارس الأمر بينهما قرر فيه عدنان الخروج لاستنفار شبابه للمشاركة في الصدام بعدما وعده العراقيون بالدعم، فوعده أبو بكر بتأخير الانفجار ما أمكن لفتح المجال أمام إخوة الخارج للمشاركة في هذا الصدام.

في اليوم الثاني من شباط عام 1982م قامت مجموعة من الوحدات الخاصة التابعة للعقيد علي حيدر بالتوجه لمداهمة قاعدة أبي بكر القيادية، وعلم بذلك أبو بكر عبر التصنت على أجهزة الإرسال، فنصب الكمائن للمجموعة المداهمة فأبادها عن بكرة أبيها، وابتدأ المقاتلون خطة سيطرتهم على المدينة، ومع الصباح توجه أبو بكر إلى المسجد وأعلن عبر مكبرات الصوت الانتفاضة المسلحة، ووزع كميات كبيرة من الأسلحة على الأهالي، وقام المقاتلون بالسيطرة على المدينة، ودارت معارك ضارية وعنيفة بين المقاتلين والوحدات الخاصة والحزبيين، تم على إثرها تنظيف المدينة من كل عناصر السلطة والحزب، وتمت للمقاتلين السيطرة الكاملة عليها. في حين أغلق الجيش بدباباته ومجنزراته وراجمات صواريخه المنافذ المؤدية إلى المدينة، ومنع الخروج أو الدخول منها وإليها، وفرض حصاراً شديداً حولها وعلى تخومها.

قامت السلطة بعد ذلك بمحاولات إنزال جوي للوحدات الخاصة ولسرايا الدفاع التي كان يقودها العقيد رفعت الأسد شقيق الرئيس حافظ الأسد فوق بعض الأماكن من المدينة، إلا أن المقاتلين تمكنوا من إبادة تلك المجموعات، فيما أخفقت كل محاولات الجيش المحاصر للمدينة من اقتحامها بالمدرعات في عدد من المحاور، التي كان المقاتلون يتصيدونها ويعطبونها ويمنعونها من التقدم، حيث كان المقاتلون لها بالمرصاد، وبقي المقاتلون يسيطرون على المدينة دون وجود لأي نوع من أجهزة السلطة فيها.

ثم قرر المقاتلون بعد تضييق الخناق عليهم الانسحاب إلى الأحياء القديمة حيث يسهل الدفاع عنها لصعوبة تحرك الآليات في أزقتها الضيقة. وحافظ المقاتلون على سيطرتهم على عدد كبير من أحياء حماة رغم شح ما تبقى معهم من ذخائر وخاصة المضادة للدروع.. واستمر قصف المدينة العشوائي من قبل السلطة بالمدفعية والهاونات والدبابات وراجمات الصواريخ نحو عشرة أيام دون توقف ليلاً ونهاراً، قتل خلالها القائد (أبو بكر – عمر جواد) القائد الميداني للطليعة بقذيفة مدفع هاون في اليوم الثامن للمعارك، وتولى القيادة نائبه (أبو عارف – مسعف البارودي) وبقي يقاوم حتى أصيب هو الآخر وقتل.

اقتصر القتال في الأيام الأخيرة من المعارك على الأحياء المتفرقة بالمدينة، وألقى معظم المدنيين الذين بقوا على قيد الحياة أسلحتهم كي لا يثبت عليهم تهمة المقاومة، وهكذا انتهى كل شكل من أشكال المقاومة بعد حوالي ثمانية عشر يوماً من انفجار الأحداث، لم تتمكن السلطة بكل ما لديها من قوة من دخول المناطق التي كان المقاتلون ومناصريهم يسيطرون عليها في تلك الأيام الملتهبة.

ولم تدخل قوات الجيش إلى المدينة إلا بعد أن سوت معظم أحياءها بالأرض، ولم ينجو من القصف دور العبادة من مساجد وكنائس، وقيل إن نصف المدينة قد أتي عليها تدميراً وخراباً، وما تبقى لم يكن سالماً تماماً، وقد تكبد المدنيون خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، حيث بلغ عدد القتلى نحو خمس وثلاثين ألفاً والآلاف من الجرحى.

وبعد أن تبين للعقيد رفعت الأسد خلو المدينة من المقاتلين والمقاومين أمر سراياه باستباحتها لثلاثة أيام لم يتركوا فيها شيء يمكن حمله أو سلبه ونهبه، في حين قامت بعض الفرق الأخرى باعتقال كل من وصلت إليه يدها من رجال وشباب وحتى النساء والشيوخ والأطفال. وجرت عمليات قتل لأسر بأكملها، وقدر عدد من تمكن من الفرار من المدينة بنحو ثلاثمائة ألف هاموا على وجوههم في المناطق السورية أو خارج البلاد.

يتبع

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (51) .. استفزاز التنظيم في حماة والإعلان عن النفير .. محمد فاروق الإمام

اتبعت الأجهزة الأمنية السورية ما يعرف في أساليب مكافحة حرب العصابات بـ(استفزاز العصابيين) وقد أنهكت هذه الاستراتيجية تنظيم الطليعة في حماة تماماً، وكشفت معظم قواعده، وباتت قاعدته القيادية المركزية مرشحة في كل لحظة للانكشاف والسقوط. من هنا أخذ عمر جواد (أبو بكر) القائد الميداني للتنظيم يخطط للمواجهة وإعلان النفير. وكان ذلك يعني أنه قد وقع تماماً في فخ خطة (استفزاز العصابيين) التي تستهدف أساساً إخراج (العصابي) من مكمنه، فالقاعدة هي أن العصابات المحاصرة تخسر دوماً معركة المواجهة والدفاع المتمركز في منطقة محدودة.

عرفت الأجهزة الأمنية السورية بقرار عمر جواد بالنفير، ففاجأته بسحب جميع الوحدات العسكرية يوم 31 كانون الثاني من المدينة إلى خارجها بشكل تام، فأخلت مدينة حماة لعمر جواد الذي لم يدرك أن هذا الانسحاب كان جزءاً مما يسمى في حرب العصابات بـ(شبكة العنكبوت).

ويتلخص هذا المفهوم بتشكيل أطواق متتالية، ثم الاصطدام عبر مفارز بقواعد العصابيين و(استفزازهم) للخروج من مكامنهم إلى حرب مكشوفة، يكونون فيها مطوقين تماما، ويبدو أن هذا ما حدث.

القيادة الميدانية تدعو أهل حماة للجهاد

داهمت الأجهزة الأمنية القاعدة القيادية المركزية وأرغمتها على المجابهة، مما أدى، وفق الرواية الأمنية السورية شبه الرسمية، إلى تسبيق عمر جواد لساعة الصفر بيومين.

أمام مهاجمة الأجهزة الأمنية لقاعدة القيادة دعا عمر جواد أهل حماة في ظهر يوم 2 شباط عام 1982م من خلال مكبرات الصوت في المساجد إلى الجهاد، وأوهم الناس بأن كافة المدن السورية سقطت بيد (المجاهدين) ما عدا حماة.

وهكذا وقعت المدينة في الفخ الذي نصبته أجهزة الأمن، فتقاطر الشباب على المراكز التي حددها عمر جواد لاستلام السلاح الذي وزعه بسخاء لكثرته. وتوهمت القيادة الميدانية أنها ربحت المعركة، وأن النصر بات قاب قوسين أو أدنى، بعد أن خلت لها مدينة حماة وسيطرت عليها بشكل تام من 2 شباط إلى 12 منه عام 1982م. وكانت المجابهة الدامية بين (كليشنكوف) عمر جواد و(دبابة وراجمة ومدفع وطائرات السلطة) ولتُذبح المدينة من الوريد إلى الوريد بحماقة القيادة الميدانية وغفلتها، وبعنجهية صقور السلطة بعيداً عن العقل والنظر إلى التداعيات والعواقب.

يتبع

==========================

أضواء على ظلمات حزب البعث النصيري في ذكرى تأسيسه !؟ .. يحيى حاج يحيى

-- يقول الأستاذ مطاع الصفدي في كتابه ( حزب البعث ) ص٣٤٠ : الانتماء الطائفي كان أهم المقاييس للحصول على الترقيات والوظائف الهامة بالمؤسسات الحكومية تحت حكم البعث في سورية !؟

-- ويقول سامي الجندي ، وهو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب البعث ، وأصبح وزيراً للإعلام في الوزارة التي تشكلت عقب انقلاب ٨مارس ( اذار) ١٩٦٣ مباشرة : بعد ثلاثة أيام من دخولي الوزارة جاء الرفاق يطالبون بعملية تنظيف واسعة ..... كان مقياس نجاح الوزير تحدده قوائم التسريحات ، فالحزبيون وأقرباؤهم وبنو عشاىرهم جاؤوا يطالبون بحقوق النضال والقربى !؟

-- ويقول طلال أبو عسلي في مقابلة مع صحيفة النهار اللبنانية ١٥أيلول ١٩٦٦ : إن التسلط العلوي شمل كل المستويات لدرجة أنك ترى المرأة العلوية تتصرف وكأنها هي السلطة !؟ والانقسام قاىم في الجيش لدرجة الاقتتال في آية لحظة ، وأن هذا سيكون رداً طبيعياً على التكتل العلوي المنتحل صفة الحزب !؟

-- ويقول منيف الرزاز الأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث في عام ١٩٦٥ و ١٩٦٦ ، في كتابه التجربة المرة ، ص١٥٩ : إن روائح التكتل الطائفي المقصود بدأت تفوح ، وبدأ الحديث عنها أول الأمر همساً ، ثم بدأت الأصوات في الارتفاع حين ظهرت بوادر مادية تسند الاتهام ( بأن في صراعهم على السلطة استغل العسكريون الروابط الطائفية بشكل يهدف للتسبب في نتائج سلبية للسنيين بالذات !؟

-- ويقول سعيد بن ناصر الغامدي في كتابه ( حزب البعث : تاريخه وعقائده ) ص١١٢ : يقول حزب البعث إن الإسلام ورسوله وشخصياته البارزة إنما هم شكل من أشكال القومية العربية ، وأن العروبة هي ديننا نحن العرب من مسلمين وغيرهم !؟

** وأقول :

ومن هنا قال شاعرهم :

آمنت بالبعث رباً لاشريك ٓله  /  وبالعروبة ديناً ماله ثاني ؟!

وحتى هذا المعبود كان ستاراً لباطنية خبيثة ظهرت في تحالفهم القائم مع الفرس الصفويين !؟

-- ويقول الدكتور منير محمد الغضبان في كتابه ( الحركات القومية الحديثة ) ص ٤٤ : إن ادعاء بعض الحزبيين أن قوميتهم لا تتعارض مع الدين هو ادعاء في غير محله ، إذ أنهم جعلوا القومية عقيدة وخط حياة تحكمهم في كل الجوانب التشريعية في الاقتصاد والحكم والسياسة والقضاء ، وتركوا الدين يمثل جانب العلاقة بين الإنسان وربه !؟

** وأقول : هذا إذا تركوه !؟ وقد كشفت الوثائق بعد تحرير إدلب عن تقارير للمخبرين يسجلون فيها أسماء  المصلين الذين يؤدون صلاة الفجر في المسجد !؟

-- وقد قرأت في كتاب الهالك زكي الأرسوزي أحد مفكري البعث ( الأعمال الكاملة لزكي الأرسوزي - طبع ونشر وزارة الثقافة السورية ، الجزء الثاني ) يقول الهالك : قلت للمستشار الفرنسي لماذا تميزون في المعاملة بين المسيحيين والعلويين ؟ مع أن جيش الشرق ( الذي أنشأته فرنسا المستعمرة ) يقوم أكثره على أكتاف العلويين !؟ 

** أقول : إن فرنسا شأنها كأي مستعمر يحتقر العملاء !؟ ولكن لايستغني عنهم ، فقد هيأتهم بدءاً من تغيير الاسم ( النصيريين ) إلى العلويين !؟ ودفعهم للبقاء في الجيش بعد خروجها !؟ ومجيء وزيري خارجية فرنسا وبريطانية إلى دمشق للتأكد من تمكن بشار من الحكم ، وكان تصريحهما الشهير : لقد تم انتقال السلطة لبشار بسلاسة !؟

==========================

شهداء الدفاع المدني ! .. يحيى حاج يحيى

إلى الأحبة الشهداء من رجال الدفاع المدني الذين اغتالتهم يد النذالة والخيانة والجريمة في سرمين  في ذكرى استشهادهم !؟

داوى  الجراح فمن يداوي iiجرحه      وتـجشّم  الأهـوال غـير iiمبالي
سـاحاتُه  لـيست حـديقة iiراحة      لـكـنها  الإنـقاذُ مِـن iiأهـوال
وهـو  الـمغيثُ إذا دهتْكم iiغارةٌ      يـمضي بـجرأة صادقِ استبسال
عيناه لم تغمضْ ، ويحذر مِن أذى      لـو  حـلّ فـي الأبناء iiوالأطفال
ولـكم تـعرّض للحتوف iiمصابراً      لـم يـشكُ مـن تعب لكم iiوكلال
أفـحين أغـمضها لراحة iiجسمه      قـد  هـدّه تـعبٌ مـن iiالتجوال
جـازاه أهـلُ نـذالة بـرصاصة      فـي  الـرأس غدراً فِعلة iiالأنذال
يـومٌ كـيوم ( معونة ) نأسى iiله      ونـظلُّ  نـبكيهم مـدى iiالأجيال
صـدقوا الإله فكان ِغايةُ iiصدقهم      نـيْل الـرضا بالفعل ، لا iiالأقوال
لـو  عُـدّتِ الأبـطالُ كانوا iiأوّلاً      وكـذا تـكون بـطولةُ iiالأبـطال
كـانوا  مـعاً يتسابقون إلى iiالفدا      وهـنا  مـعاً فـي ساحة iiالآجال

** بئر معونة : سرية من أربعين  صحابياً من الدعاة والقرّاء غدر بهم المشركون عند بئر معونة ، فقُتلوا إلا واحداً ،  شُفي من جراحه. ، ثم استشهد في إحدى الغزوات !

ظل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على قاتليهم بالاسم ، شهراً في كل صلواته ؛حتى الصلوات السرية !

==========================

من روائع حضارتنا في الحرب .. يحيى حاج يحيى

من روائع  حضارتنا في الحرب يامجرمي العالم ،  الذين جاؤوا لقتلنا في الشام  من الشرق والغرب !؟ وسكت القريب والبعيد  عنهم ،  فلا نامت أعين الجبناء والعملاء والدخلاء !؟ 

أوصى أبو بكر جيش أسامة فقال:

 (يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني:

1- لا تخونوا ...

2- ولا تَغُلُّوا ...

3- ولا تغدروا ...

4- ولا تمثلوا ...

5- ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة ...

6- ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ...

7- ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة ...

8- وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ...

9- وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا فاذكروا اسم اللّه عليها ...

10- وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقاً ...

اندفعوا باسم الله

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com