العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-10-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

روسيا ومأزق اللاجئين السوريين

بشير البكر

العربي الجديد

الخميس 4/10/2018

تحدّثت وسائل الإعلام الروسية، في الآونة الأخيرة، عن عودة 1،2 مليون لاجئ سوري منذ حصول التدخل العسكري الروسي المباشر إلى جانب نظام بشار الأسد الذي كان على وشك السقوط. وأثار العدد استغراب أوساطٍ دوليةٍ على صلةٍ بمتابعة هذا الملف الذي يقدّم إحصائيات موثقة لعدد اللاجئين السوريين في دول الجوار، والذي يقدّر بحوالي 5،6 ملايين، منهم قرابة 3،5 في تركيا عاد منهم خلال العام الماضي نحو 50 ألفا نحو مناطق "درع الفرات" في صورة أساسية، وذلك لأسبابٍ تتعلق بتوفر الأمن وغياب سلطة النظام، ويأتي بعد ذلك العائدون من الأردن، وهم قرابة 15 ألفا، ولبنان أقل من ألف.

لروسيا مصلحة أساسية في عودة اللاجئين السوريين، وإذا لم يتم ذلك، لا سبيل أمامها لإقناع الدول الكبرى، وبعض دول المنطقة للمشاركة في إعادة الإعمار في سورية. ومن دون هذه الورقة، سيبقى كل في مكانه وعلى حاله، ولن تتمكّن موسكو من التقدم إلى الأمام خطوة واحدة، خصوصا أنها غير قادرة ماليا على القيام بالمهمة وحدها، بسبب الكلفة العالية التي تحتاج مئات مليارات الدولارات.

وتبحث روسيا من خلال إعادة الإعمار عن تعويض جزءٍ من خسائرها الاقتصادية في سورية، وإطلاق ورشة دولية تبث الحياة في بنية النظام الذي صار على الأرض منذ عدة سنوات، ولم تعد لديها القدرة على الحركة، وإنْ لم تتمكّن روسيا من إقناع الدول الكبرى المانحة، فإن مشروعها سوف يمضي إلى طريقٍ مسدود، وهذا ما تدركه الأطراف الغربية، الولايات المتحدة وأوروبا، وهي تساوم موسكو عليه، وتضع شرط مشاركتها في التمويل إطلاق عملية سياسية على أسسٍ تحدّد مستقبل الأسد وبقاءه في السلطة مدة محدّدة دستوريا.

ومع أن ورقة اللاجئين ذات قيمة عالية لروسيا، فإنها لا تفعل بما فيه الكفاية، من أجل توظيفها على نحو مناسب، وهي تبدو إلى اليوم كأنها تعمل وفق رؤية النظام لهذا الملف الذي يعد أحد أكثر الملفات خطورةً في المسألة السورية. وليس سرا أن النظام يريد عودة لاجئين لا يشكلون له صداعا، ويخدمون أهدافه القريبة والبعيدة، ومن دون ضماناتٍ قانونيةٍ أو سياسية، وهو بذلك لا يتحمّل أي نوع من المسؤولية عن الحرب التي شنها سبع سنوات ضد الشعب السوري، وقد تصرف النظام على هذا الأساس بخصوص اللاجئين الذين عادوا إلى المناطق التي يسيطر عليها، ومثال ذلك الذين عادوا من لبنان ضمن تسوياتٍ مسبقة، لكن النظام أعاد اعتقال الشباب، ووجّه كثيرين منهم إلى الحرب على الجبهات لقتال المعارضة المسلحة، الأمر الذي لم يشجّع أحدا على العودة، على الرغم من الضغوط التي يتعرّض لها اللاجئون في لبنان والأردن، وهم يفضلون الحياة القاسية والعنصرية على العودة إلى مناطقهم للعيش في ظل النظام.

يخاف النظام والروس وإيران من عودة كثيفة للاجئين، حيث تترتب على ذلك وقائع جديدة على الآرض، يمكن أن تهزّ المعادلات التي تم فرضها بالقوة المسلحة على الصعيد الديمغرافي، ورسم خريطة طائفية جديدة. وإذا اقترنت العودة بضمانات أمنية وسياسية، فإن النظام والروس والإيرانيين لن يكون في وسعهم التحكّم بمسار التطورات، وهنا العقدة الأساسية في ظل التصلب الغربي، وإصرار بلدان ذات ثقل مالي كبير، ومستقبلة أساسية للاجئين، مثل ألمانيا على الضمانات الأمنية والسياسية، فهي، من جهةٍ، لا تستطيع أن تضغط على اللاجئين بالعودة من دون ضمانات، ومن جهة ثانيةٍ، ليست معنيةً بتمويل مشروع روسيا في سورية، وهذا ما تبلّغه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أخيرا.

ورقة اللاجئين من أخطر الأوراق للضغط على الروس. ولذا على المجتمع الدولي توظيفها على نحو سليم، من أجل إنتاج عملية سياسية تحت إشراف دولي.

==========================

موقفنا : كيف نرد على ترامب وكيف سيرد ترامب علينا

زهير سالم

٦/١٠/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

لا بد لصاحب القضية أن يمتلك بوصلته البيولوجية الجوانية التي لا تتأثر بالعوامل الخارجية ولا بالأعاصير والأمطار ودرجة الحرارة واتجاهات الريح أو الرياح .

إن التفوهات المستفزة والمستخفة بالقانون الدولي وببعض دولنا العربية لا يجوز أن يستخدمها بَعضُنَا في إطار المناكفات البينية مهما بلغ عمقها واستحقاقها . إن عبارات ترامب المستنكرة والمدانة بحق بَعضُنَا هي عبارات موجهة لنا كلنا . وحين يوجه ترامب الإهانة لرجل من قومنا فهذا لا يعني أن رأيه أو موقفه من بني عمه أفضل . وعلى هذا الأساس يجب أن نتفق نحن أبناء الأمة شعوبا وحكاما على رفضها وإدانتها ؛ وليس التملح بها في تثريب بَعضُنَا على بعض .

إن المؤسس أو المكمل الحقيقي لعبارة ادفعوا نحن نحميكم هو قول ترامب لشعوبنا في العراق وفِي مصر وفِي الشام كل الشام : اخضعوا فنحن نملك أمركم . ثم كان ما كان من أمر الانقلاب في مصر والقدس والأونروا في فلسطين وتسليط الأوباش على السوريين والعراقيين..

المعركة واحدة اليوم مع الدولة سين وغدا مع كاف ومع قاف .

قلنا لها: قفوا، قالت :قافُ.

ولن تمنعنا الأخطاء والخطايا التي تظل ترتكبها بعض الحكومات والمملَكين والمرأسين من الانحياز إلى الحق الذي هو جزء من حقيقتنا ونحن الذين قال أولنا :

نحمي حقيقتنا ...

وبعض القوم يسقط بين بينا.

ظللنا في قطرنا السوري ننظر إلى كل عدوان صهيوني على أي مرفق من الأرض السورية على انه عدوان مستنكر ومدان. وسنظل نفعل ذلك مهما تقلبت بِنَا الأيام . ولن نحسب العدو صديقا ولا البعيد قريبا ليتقون فيما يتقولون تقلبات الزمان. ومع موقفنا الصريح والواضح والذي لا لَبْس فيه بإنكار تفوهات ترامب بحق العربية السعودية وباقي دول الخليج؛ نقول إن ابتزازات ترامب ليست كلمات يرد عليها بكلمات كما يدندن البعض. إنها رسائل معبرة وكشف للمستور تبجح به أحمق يحب التبجح على مذهب أبي نواس : ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر .

هي رسائل تقتضي جوابا ذَا أناة يضع حدا لسياسات التدلية بالغرور، والإمساك بمفاصل القوة الحقيقية، والكف عن عملية نشر جذع الشجرة التي يجلسون على أغصانها ويأكلون من ثمارها .

ومن يجعل الضرغام بازا لصيده

تصيده الضرغام فيمـن تصـيدا

يجب أن نرد على ترامب بأناقة وحكمة ووقار وعمل ونتوقع انه سيرد علينا عن طريق الولي الفقيه وبشار الأسد والحوثي وحسن نصر الله والسيسي وكل الأدوات التي ظن بعضهم أنه يستطيع أن يحل محلها.

ــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

الروس لإسرائيل: الأمر لنا في سورية

دلال البزري

العربي الجديد

الخميس 4/10/2018

لصبر الروس حدود. هم يستعجلون "الحل السياسي" في سورية بكل الطرق، ولكنهم لم يفلحوا حتى الآن. في إدلب، حاولوا أيضاً استعجال الضربات العسكرية، وإعادة بسط "القوات الشرعية" للنظام، كما فعلوا في حلب والغوطة ودرعا. وهنا أيضاً أحبِطوا، ولو مؤقتاً. هم يقودون في سورية إراداتٍ متضاربة، يلتفّون أحيانا، يناورون، يسقطون القنابل فوق الرؤوس السورية، يأخذون بخاطر الإيرانيين والأتراك والإسرائيليين، بنسبٍ متفاوتة. ويتضايقون، ينْذرون، يرفعون العصا.. ولكن "الجحود الإسرائيلي" لا يناسب تماماً طموحهم بتولّي الشأن السوري من ألفه إلى يائه، فكانت الفرصة الثمينة التي لا تعوّض: إسقاط طائرة روسية بنيرانٍ، اختلفت الروايات على مصدرها، لكن القرار الروسي الأعلى، أي العسكري في حالتنا، ارتأى أنها إسرائيلية، بعدما كان رئيس روسيا، بوتين، قد برّأ ذمّة إسرائيل، ونسبَ الحادث إلى "سلسلة مصادفات مأساوية"، فكان القرار العسكري بتزويد نظام بشار، الواقع أصلاً السلطة الروسية، بصواريخ إس - 300 المتقدمة، كان طالبَ بها منذ أربعة أعوام ولم يُستجب. والناطق باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينوكوف، خفّف من وطأة هذه "الهدية"، بالإعلان أنه "تم سحب التشكيلات الموالية لإيران مع أسلحتها الثقيلة من مرتفعات الجولان، حتى مسافةٍ آمنة بالنسبة لإسرائيل، أكثر من 140 كلم تجاه الشرق في سورية". فيما وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، خصّص للخبر المفرح بإعلان آخر: من أن "الهدية" هذه ستضمن "الإدارة المركزية لجميع الدفاعات الجوية السورية"؛ أي إدارة روسية.

طبعاً، لا يمكن مقارنة ردة الفعل هذه بتلك التي أعقبت إسقاط طائرة روسية منذ ثلاثة أعوام

"الروس، الأقوى من جميع المتدخلين على الأرض السورية، باتوا على ثباتٍ في سيطرتهم العسكرية"  على يد القوات التركية. وقتها، قاطعت روسيا تركيا سياحياً، وقطعت هيئة الأركان الروسية جميع اتصالاتها العسكرية مع الجانب التركي، وأعلنت عن اتخاذها إجراءاتٍ عسكريةً في ساحل اللاذقية لتعزيز دفاعها الجوي، ونشرت منظومة إس 400 في قاعدة حميميم.. فتركيا ليست إسرائيل؛ لا هي دولة نووية، ولا الأتراك ذوو الأصول الروسية لهم حصّة في القرار الإسرائيلي، ولا يضاهى ثقلها العسكري بذاك الذي تتمتع به إسرائيل. حتى بوتين نفسه، في أول رد فعل له على إسقاط طائرته، قارن بين ردّتَي الفعل، وبرّر "اللطف" الروسي مع الإسرائيليين، بأن الأتراك يومها أسقطوا طائرته عن "سابق تصوّر وتصميم"؛ هذا قبل أن تغلب السردية العسكرية الجازمة بمسؤولية إسرائيل في إسقاط الطائرة الروسية أخيرا.

المهم أن تسليم صواريخ إس - 300 إلى بشّار، عقابا لإسرائيل على "إسقاط الطائرة الروسية"، يدخل ضمن منطق الحسابات الجيوسياسية التي باتت سورية تلخص مسرحها. وقوام هذه الحسابات أن الروس، الأقوى من جميع المتدخلين على الأرض السورية، باتوا على ثباتٍ في سيطرتهم العسكرية، يعطون هنا لإيران، هناك لتركيا، والأكثر لإسرائيل. سكوتهم الصارخ عن مئات الضربات الجوية التي قادتها القوات الإسرائيلية ضد مخازن (أو قوافل) السلاح الإيرانية، أو الحزبلهية، لا ينقصه دليل. ولكن الإسرائيليين، باعتيادهم على استباحة الأجواء المشرقية، لم يفهموا حتى الآن أنهم لم يعودوا الأقوى في المنطقة، ولا هم بمستقلي القرار بحروبهم. "جحودهم" تجاه الروس هو الترجمة الصريحة لهذا الغرور العسكري. وروسيا، مثل غيرها من أية قوة متحقِّقة على الأرض، تمكّنت من فرض "هيبتها" على الجميع. دلّلت إسرائيل بما تسمح بها قوتها هذه. ولكن إسرائيل لا يمكن أن تتمادى هكذا، كأنها في موقع الندّية مع الروس، المستعجلين، والمحبطين من عدم نجاح حلهم السياسي، بعد "الحل" العسكري. فصرخوا بوجه الإسرائيليين، بانضباط عسكري صارم: "في سورية، الأمر لنا..". كل حركةٍ ستكون تحت قيادتنا، باشراف عسكريينا وصواريخنا. هذا ما فعلوه مع الأتراك في عملية "تأجيل" الضربة أو "إلغائها" على إدلب، على الرغم من ألمهم بعدم تنفيذ هجومهم عليها، وفرحتهم بتعثّر الأتراك في تنفيذ البند المتعلق بالتنظيمات الإرهابية. بإشرافهم، يشارك عسكريوهم العسكر الأتراك في "حراسة" نقاط التماس بين أهالي إدلب وقوات بشّار. على الأرض، لم يَعُد الإيرانيون هم الملوك وحدهم. بين الجولان جنوباً وإدلب شمالاً، تتمدّد الشرطة العسكرية الروسية، وتأمر أيضاً.

وفي هذه الأثناء، يحتفل الممانعون بـ"الهدية" الروسية إلى بشّار بصفتها "تعزيز القدرات الدفاعية السورية"، وبأوهام "سيطرة السوريين أنفسهم على المنظومات الدفاعية"، أو صواريخ ستكون وظيفتها "أداة بناء قدرات الجيش السوري"، وبأن "الهدية" تصبّ "في مصلحة المقاومة"؛ فالممانعون دائماً منتصرون.

في مقابل تواضع الممانعين، انظر إلى إسرائيل، الخاسرة بالتأكيد بعد إسقاط الطائرة الروسية، تتباكى عند الأميركيين، وتطلب منهم دعمهم، فيتجاوبون، بتصريحاتٍ متعاطفةٍ، تنبىء بالمزيد. والآن، فهم نتنياهو ربما الموضوع، واستوعب الصفعة، فأعلن، في مؤتمر صحافي صاخب، 

"على الأرض، لم يَعُد الإيرانيون هم الملوك وحدهم. بين الجولان جنوباً وإدلب شمالاً، تتمدّد الشرطة العسكرية الروسية، وتأمر أيضاً" منذ يومين في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن لحزب الله ثلاثة مخازن أسلحة: في منطقة الأوزاعي، وتحت مدينة كميل شمعون الرياضية، وفي موقعٍ ثالثٍ محاذٍ لمطار بيروت؛ وكلها نقاط في قلب العاصمة بيروت. وكأنه يبتزّ: أما وأن يديه قد كُتِّفتا في سورية، فيمكنه أن يطاول قلب العاصمة بيروت؛ أي الدولة اللبنانية بأسرها، وليس فقط حزب الله، كما لمح سابقاً، هو وكبار ضباطه. وهو هنا، بإعلانه عن وجود الصواريخ، لا يفعل سوى ما يردّده حسن نصر الله ومعه أنصاره بأن صواريخ حزبه صارت أدقّ وأكثر عدداً، وفي وسعها أن تفعل كذا وكيت في العمق الإسرائيلي؛ مذكّرا بصدّام حسين، عشية الغزو الأميركي للعراق (2003)، الذي كان ينفخ صدره اعتزازا بقوته العسكرية الكاذبة.

أما الملعب الثاني، أصل الموضوع كله، فهو الفلسطينيون. "صفقة القرن" (أو العصر) يمكن أن تمرَّر تعويضا مجزيا لإسرائيل عن تحولها إلى قوة ثانية في سورية بإمرة الروس. والأميركيون، الضبابيون في سورية، الواضحون في إسرائيل، جاهزون لصفقتهم، متحمّسون لإحالتها الحقوق الفلسطينية إلى أدراج النسيان. ولكن، بما أنهم لم يعودوا وسيطاً "عادلاً ونزيهاً" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبما أن الرئيس الأميركي أخرج نفسه من الشرق الأوسط، فقد تتحوّل "صفقة القرن" إلى عملية حسابية روسية، تحتل فيها روسيا مكانة "الوسيط العادل والنزيه"، فتبسط مزيدا من النفوذ الروسي في المنطقة. وساعتها، سوف يغرف الروس من تاريخهم السوفياتي المجيد تراث "صداقتهم للشعوب" و"مقارعتهم الإمبريالية"، فيزوّدوا جوقاتهم بالتهليل اللازم لتمكّنهم من تقرير مصير المشرق بأسره.

==========================


سوريا والاستراتيجية الدولية لحرف البوصلة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 3/10/2018

استطاعت العصابة الطائفية في دمشق تعميم استراتيجيتها التي أتقنتها طوال اغتصابها السلطة في سوريا منذ نصف قرن، استطاعت صرف الأنظار وحرفها عن المشكلة الحقيقية والجوهرية التي يئن تحتها الشعب السوري، فالوحدة والحرية والاشتراكية، معززة بشعارات الكذب في الصمود والتصدي، فالمقاومة والممانعة، وما أن اندلعت الثورة السورية حتى بدأ العالم كله يستنسخ استراتيجية حرف الأنظار هذه بعيداً عن المشكلة الحقيقية، وهي مشكلة وجود العصابة الطائفية المتحكمة ليس برقاب الشعب السوري وإنما بالمنطقة كلها، فكان الحديث عن الدستور، وعن انتقال وهمي للسلطة، وعن التدخل الإيراني والروسي ومقاومتهما، وكأن الشعب السوري انتفض من أجل أوهام وأكاذيب، وليس من أجل قلع سرطان فتك بجسده على مدى عقود، وهو يؤكد ما نقله معارضون التقوا الروس منذ بداية الثورة السورية من أن نظام الأسد كنز استراتيجي، وأن كل الأموال العربية لا تفي قيمة هذا النظام.

جاءت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا وحديثه أن الأسد تحول إلى جثة ولا يمكن النفخ فيه، ليؤكد أن استراتيجية حرف الأنظار والأكاذيب متواصلة، وربما تفيد هذه الاستراتيجية على المدى القصير، ولكن التاريخ لن يرحم كل الذين وقفوا مع العصابة الطائفية سراً وعلناً، وانتظروا طوال هذه الفترة الطويلة من تدمير سوريا وشعبها، فالجثة التي يتحدث عنها المسؤول الأميركي غدت جثة سوريا نفسها، وحديثهم عن طرد الاحتلالين الإيراني والروسي من سوريا كان بالإمكان منعهما من الدخول منذ اليوم الأول، أما أن يتم السماح لهما بتدمير الشام وحضارتها وشعبها، ثم بعد كل هذا يتحدث البعض عن مقاومتهم لهذه الاحتلالات، غير آبهين بكل تلك المجازر والمآسي والمجازر، فتلك مهزلة المهازل.

كأن الشعب السوري الذي انتفض لثماني سنوات، انتفض من أجل دستور وليس من أجل من يطبق هذا الدستور ويقف عليه، وكأن الشعب السوري الذي قدم الملايين من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمشردين كان يقدمهم من أجل دستور لا يغني ولا يسمن من جوع، وتتعدد أساليب حرف بوصلة الثورة السورية، بحسب مصالح الدول والجهات المعادية للثورة، فالبعض يرى في داعش المشكلة، والآخر يرى في جماعات متشددة بشكل عام المشكلة، وثالث يرى في كل من رفع السلاح ضد العصابة الطائفية، وآخر يرى المشكلة في الاحتلال الروسي والإيراني، وهكذا يبقى الشعب السوري هو الضحية وهو الذي يدفع الثمن الباهظ والخطير من دمه وتاريخه وحاضره ومستقبله، ولا يعرف هؤلاء أن المشكلة في عصابة مجرمة أهلكت الحرث والنسل، وهي المرض، وغيرها العرض.

جذر المشكلة وأساسها في الشام هو وجود عصابة طائفية مجرمة، وليس في إقامة مناطق عازلة من أرض دفع الشعب السوري خيرة أبنائه من أجل تحريرها، فبعد أن عجزت العصابة الطائفية، ومعها سدنتها المحتلون، عن السيطرة عليها يقومون بقضمها رويداً رويداً، ولكن لكل أجل كتاب، وكتاب الثورة السورية سيأتي أجله، وأجل الثورات على مدى الزمان والمكان هو الانتصار والفوز الكبير، طال الزمن أو قصر، فذاك سفر الثورات الذي سجله لنا التاريخ القريب والبعيد، وإن غداً لناظره قريب.;

==========================

في مغزى التصعيد الروسي مع إسرائيل

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 3/10/2018

لم تلجأ موسكو إلى تصعيد الخلاف مع إسرائيل بسبب إسقاط الدفاعات الجوية السورية الطائرة الروسية "إيل 20"، بل لأسباب بعيدة عن ذلك كليا. لجأت إلى التصعيد ردا على المناخ الدولي المضاد لتوجهاتها السياسية والعسكرية؛ والذي عبّر عن نفسه برفض تصوّراتها للتعاطي مع ثلاث قضايا سورية: عودة اللاجئين، إعادة الإعمار، إطلاق عملية عسكرية ضد مناطق سيطرة المعارضة المسلحة في محافظة إدلب وريفي حلب وحماة، كانت اعتبرت تمريرها مؤشّرا على اعتراف القوى الإقليمية والدولية بحقها في صياغة الحل الذي تراه للملف السوري. وهذا، بالإضافة إلى وجود مؤشّراتٍ على احتمال انفجار حربٍ واسعةٍ بين الولايات المتحدة وإيران في سورية، آيته تواتر الضربات الإسرائيلية في الأسبوعين الماضيين، وضربتها أخيرا في حديقة قاعدة حميميم الأمامية، سينهي مفاعيل المكاسب العسكرية التي حققتها في حمص والغوطة الشرقية ومحيط العاصمة الجنوبي ومحافظتي درعا والقنيطرة.

أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن جملة إجراءات: تسليم النظام السوري بطاريات صواريخ إس - 300، الحديث عن أربع مجموعات، حوالي مائة صاروخ، تغطي الأرض السورية، إنشاء نظام إدارة موحّدة لقوى الدفاع الجوي ووسائله في جميع أنحاء سورية؛ بما في ذلك وسائل الحرب الإلكترونية، ووسائل إطلاق النار؛ بإنشاء نقطة قيادة مركزية موحّدة، سيتعرف جيش النظام من خلالها على الهدف. وفي الوقت نفسه، سيتأكّد الروس من هوية الطائرات المغيرة، ويؤكّدون لقوات النظام لمن تعود، لخصمٍ أو لصديق، وهذا يثير مخاوف جدية بشأن احتمال صدام مباشر روسي إسرائيلي، نشر أجهزة تشويش كهرومغناطيسية على طول الساحل السوري في شرق المتوسط، أجهزة متطوّرة قادرة على تعطيل كل أنظمة التحكّم في الطائرات والسفن الحربية والأقمار الاصطناعية؛ كما التشويش على الاتصالات بتردّدات على الموجات القصيرة والترددات العالية.

ويحدّ نشر صواريخ إس - 300 من حرية حركة الطائرات الإسرائيلية فوق الأرض السورية. ونشر أجهزة تشويش كهرومغناطيسية على طول الساحل السوري في شرق المتوسط رسالة إلى الولايات المتحدة، والدول التي شاركت سفنها وطائراتها في الغارات الصاروخية على سورية 

"اعتبر محللون الغارة الإسرائيلية في اللاذقية استفزازا متعمّدا من أجل كشف الأوراق" في إبريل/ نيسان الماضي، ردّا، كما قالت في حينه، على استخدام بشار الأسد الأسلحة الكيميائية ضد المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية؛ والتي عادت إلى التهديد بردٍّ أشدّ على أي هجوم كيميائي، ينفذه النظام في إدلب وريفي حلب وحماة، عكست الإجراءات توجّها روسيا لتسخين المناخ المحلي والإقليمي والدولي، في محاولةٍ لحفظ ماء وجهها، بعد الانتكاسات في القضايا الثلاث المشار إليها أعلاه، ولاستعادة الردع في مواجهة من رفض أو تحفّظ على تصوّراتها إزاء هذه القضايا، واستدراج عروض ومواقف تفاوضية، أميركية خصوصا، كان لافتا تفاعلها السريع والايجابي مع تعليق وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، على قرار تسليم النظام السوري صواريخ إس – 300، إنه في انتظار لقاء نظيره الروسي، سيرغي لافروف، على هامش مداولات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، للإعراب عن قلق الولايات المتحدة بشأن نية روسيا نقل منظومات إس - 300 إلى سورية. وردّ نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، بأن بلاده مستعدّة لبحث كل المواضيع المتعلقة بالوضع في سورية وفي أي مكان آخر مع الولايات المتحدة. واستدرك"لكن نسعى إلى مناقشةٍ مثمرة، وعلى زملائنا الأميركيين ترك محاولات تقديم مقارباتهم وآرائهم الشخصية على أنها الوحيدة الممكنة والمقبولة". ودعا المسؤولين الأميركيين إلى تقييم الخطوات الروسية، سواء تعلق الأمر بـ الـ إس – 300، أو أي مسائل أخرى، بقدرٍ أكبر من الواقعية والاتزان والحيادية، جعل هذا التفاعل مصير الأزمة الروسية - الإسرائيلية جزءا من العلاقات الروسية الأميركية، وفق قول محلل سياسي روسي. وجدّد ريابكوف دعوة موسكو إلى الولايات المتحدة لتوحيد الجهود في محاربة الإرهاب في سورية، وفي منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

لم تكتف موسكو بالإعلان عن الإجراءات العسكرية التي ستتخذها حماية لجنودها، وفق تصريحات مسؤوليها، بل مرّرت معلوماتٍ عن حجم الوجود العسكري الإيراني على الأرض السورية؛ ونوعية الأسلحة المتطوّرة التي تمتلكها القوات الإيرانية أو الموالية لإيران، قدرات صاروخية بعيدة المدى ودقيقة، وتبريرها هذا الوجود. قال وزير الخارجية، سيرغي لافروف، ردّا على المطالبة بانسحاب إيران من سورية، إن بلاده لا ترى أن إيران تشكل تهديداً إرهابياً في سورية. وقد دفع هذا محللين أميركيين إلى القول "إن تسليم الدفاع الجوي الروسي صواريخ إس - 300 لسورية يهدد بتوسيع الحرب"، وملاحظتهم "أن التسليم يشير إلى ميل الجيش الروسي إلى الوقوف مع إيران ضد إسرائيل". ودفع معلقا إسرائيليا إلى القول "إن هذا هو السبب في أن القيادة الإسرائيلية، السياسية والعسكرية، لن تتنازل قط عن التكتيك الذي اتبعته حتى الآن في المواجهة النشطة لطهران وحلفائها في سورية ولبنان". ويفسّر إلى حد بعيد لماذا تعمّدت إسرائيل قصف موقع في اللاذقية، حيث قاعدة حميميم الجوية الروسية، فقد جاء القصف للتعبير عن احتجاجها على سماح روسيا لإيران بإقامة صناعةٍ عسكريةٍ في منطقةٍ خاضعةٍ

"وجود مؤشّراتٍ على احتمال انفجار حربٍ واسعةٍ بين الولايات المتحدة وإيران في سورية" لسيطرةٍ روسيةٍ مطلقة، كانت قبلها قد عبّرت عن تحفظها على إعلانات موسكو سحب القوات الإيرانية والموالية لإيران، بعيدا عن خط وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل، تعدّدت إعلاناتها، وتغيرت المسافات التي أعلنت خلوها من القوات الإيرانية والحليفة لإيران، حيث تراوحت بين 40 و140 كلم. اعتبر محللون الغارة الإسرائيلية في اللاذقية استفزازا متعمّدا من أجل كشف الأوراق، والدفع نحو مواجهةٍ أشمل مع إيران بمشاركة الولايات المتحدة، عبر مواصلة هجماتها الهادفة إلى تقليص الوجود الإيراني في سورية، حتى لو قادت إلى صدامٍ مع القوات الروسية.

تباينت تقديرات المحللين للتصعيد الروسي بين من رأى أن إسقاط الطائرة الروسية سيجعل روسيا تناور من أجل قبض ثمن جنودها القتلى من سورية وإيران وإسرائيل؛ وهذا قد يدفعها إلى التخلي تدريجياً عن إستراتيجيتها المحايدة بالنسبة للصراع بين محور النظام وإيران وحزب الله من جهة وإسرائيل من الجهة الثانية. وفي حال تخلت عن هذه الإستراتيجية، سوف يظهر ذلك عسكريا في التزامها بالكامل بتقديم جميع عناصر النجاح الفنية والتقنية لمنظومة إس – 300، بِمَا يشمل توفير الحماية أيضاً للمقرّات الإيرانية والتابعة لحزب الله في سورية، وبين من رأى أنها دخلت بهذا التحرّك في مغامرةٍ ضخمةٍ في سورية، فهي تعزّز، بشكل كبير، شكل نهاية الحرب الأهلية التي مضى عليها سبع سنوات، لكنها قد تقود إلى صراعٍ أوسع، إذا حدث صدام في المجال الجوي السوري، نتيجة مقاومة فعالة ضد الاختراقات الإسرائيلية المتكرّرة.

==========================


مزاد بيع سورية وشعبها

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 1/10/2018

تتقاسم الدول المتدخلة في الصراع على سورية مع النظام والفصائل المتطرّفة مسؤولية استمرار الحرب القائمة، وهمجيّتها، وتشعبها باتجاهات عديدة، وتحويل الصراع من سياسي سوري - سوري، بشعارات الحرية والمواطنة والحقوق المتساوية، إلى صراع عسكري بين النظام ومعارضته (المغيّبة حالياً) التي حملت السلاح دفاعاً عن حق الحياة، إلى صراع مسلح بقيادةٍ خارجيةٍ هدفه النفوذ الميداني، والسلطوي، وتقوده دول تمويل الأطراف المحلية المتحاربة، على الجانبين نظاماً وفصائل، ويمتد ليصبح حرباً مباشرةً بين الدول ذاتها، بأدواتها المحلية المسلحة، أو بأدواتها الدبلوماسية التي تدير حربها داخل قاعات التفاوض، وعلى خريطة سورية، ومستقبل السوريين.

وبينما تتجاهل كل الأطراف المتصارعة إرادة السوريين، وتعمل على تدمير ما تبقّى من حاضرهم ومستقبل أولادهم، فإن ثمّة من يساعدهم في ذلك من السوريين الذين أصبحوا جزءاً مبرّراً لصفقات بيع سورية، وتحت شعارين متضاربين: النظام للحفاظ على سوريته التي يدعوها "سورية الأسد"، المرهونة للاحتلالين الإيراني والروسي، والمعارضات للحفاظ على موطئ قدم للدول التي ترعاها، وبالتالي تحتل من خلالها مساحات داخل سورية، في الشمال، والشرق منها.

"تتجاهل كل الأطراف المتصارعة إرادة السوريين، وتعمل على تدمير ما تبقّى من حاضرهم ومستقبل أولادهم"

وبينما يدافع كل طرف من السوريين عن مشروعية هذه الدولة أو تلك في التحاصص على سورية، يغرق الشعب السوري على ضفتي الصراع في مآسيه المصنّعة دولياً، سواء بقهره بقتل أولاده، وتدمير بنيته التحتية، أو بحصاره الاقتصادي الذي تصدّره الدول الصديقة للمعارضة، تحت بند العقوبات، لتتلقفه الدول الخصم لها، والمساندة للنظام السوري، فيطبق هذا النظام الخناق على السوريين في الداخل من خلالها، ويضعهم تحت تهديد الجوع والفقر الذي يرونه أقل بؤساً من قتلهم واعتقالهم، أو تشريدهم نازحين أو لاجئين.

حقيقة الأمر أن خيارات السوريين ما بعد الثورة ليست محصورةً فقط بين "معارضة ونظام"، أو حتى في التيار الصامت بشقيه، المغلوب على أمره بفعل القهر والخوف، وهم يشكلون الأكثرية الحقيقية داخل سورية، أو الانتهازي الذي ينتظر فرصة ميل كفّة الميزان الرابح ليترنّح باتجاهها، وهؤلاء ليسوا من حصة النظام فقط، بل هم أكثرية على الطرف الآخر تحت مسمّيات "وطنية"، وتجمّعات وأحياناً "منظمات مدنيّة"، فثمّة تقسيماتٌ جديدة ألزمنا (بضم أولها) بها، بفعل تعدّد كيانات المعارضة "المفبركة"، والفصائل المسلحة المرتهنة، وهيمنتها على واقع سورية من جهة المعارضة.

وعلى الجانب الآخر، يستكين النظام السوري مقابل بقائه في السلطة لاحتلالين: روسي مقبول دولياً، ويتوفر له الغطاء الشرعي من أصدقاء الشعب السوري، والصحيح "أصدقاء قادة الكيانات المعارضة"، حتى لا نظلم السوريين الذين يدفعون أثمان مواقفهم من النظام، من فقر وفقدان فرص التعليم لأولادهم، وانعدام مقوّمات الحياة الكريمة التي خرجوا من أجلها، في مخيمات النزوح، وبعض بلاد اللجوء. واحتلال إيراني مرفوض داخلياً ودولياً، حيث يعلم السوريون مخاطر انتشار أيدلوجيته الطائفية التوسّعية التي يحاول فرضها عليهم، وهو محاصر أميركياً، ومعاقب اقتصاديا، لكنه مبارك من سلطة حكم الواقع (النظام).

وبهذا، على أي الجانبين مال السوري وقع ضحية استلاب مصيره، وحدّدت دول الاحتلال التي يرفع بعض السوريين "المتبرّعين بحريتهم" على الضفتين، شعارات النصر والترحيب والتهليل لاحتلالات سورية من الدول، بتقسيماتها وتبعياتها الدولية، وحيث يجتهد النظام بتوصيفات قوات الاحتلال التركي والفرنسي والأميركي، متجاهلاً الروسي والإيراني (وزير الخارجية وليد المعلم في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، 29/9). وتبارك فصائل المعارضة ما ينتقده النظام من احتلالات وتعدّيات، في مشهدٍ ينعكس على مصير سورية المستقبل الذي تتبرع كل من هذه الدول في رسمه على مقاس مصالحها، وأهدافها المستقبلية.

وبين ما ينتجه النظام من خطاب ضد معارضيه وما تعيشه كيانات المعارضة من استسلامات قدرية لجهة داعميها، يعيش السوريون، على ضفتي الصراع (على ضفافه، في تعبير أدقّ) حالة العوز السياسي، والاقتصادي، والتعليمي، والأمان الاجتماعي، ويتحملون أعباء الحرب بمنعكساتها التدميرية المادية والمعنوية، ويزيد عليها تهليل الضحايا أنفسهم لما أصاب بعضهم بعضاً من فقر وحرمان، نتيجة واقع اقتصادي نال من الشعب، داخل سورية وفي مناطق نزوحه القريبة منها، وليس من النظام، ودفع ثمنه أهلنا المرابطون في بيوتهم، دفاعا عن حقهم في سوريتهم، وليس بهدف موالاة النظام، أو الوقوف ضد الثورة.

واليوم في خضم اختصار مفاعيل منتجات الثورة إلى "لجنة دستورية"، ستنهي مع أول اجتماع لها كل الكيانات المشكلة منها لجهة المعارضة، ويتقاسم ولاءها الدول التي شكلتها، ويقع على عاتق أعضائها، المختارين، التوقيع على مزاد تضمين "سورية" لمن يملك الحصة الأوفر من

"لا سيادة وطنية في ظل الاحتلالات، بطلب من النظام أو من دونه، ولا مقاومة وطنية في ظل الارتهانات" الضحايا، ما يجعلنا أمام أسئلةٍ مؤلمةٍ بخصوص هذه اللجنة بكل تبعياتها: ماذا بقي للسوريين كي يساوموا أو يراهنوا عليه في هذا المزاد، فلا سيادة وطنية في ظل الاحتلالات، سواء كانت بطلب من النظام أو من دونه، ولا مقاومة وطنية في ظل الارتهانات، فصائلية كانت أو سياسية؟ وهل تستطيع الأطراف المتناحرة إنتاج وثيقة متماسكة في ظل خلافات جوهرية حول أساسيات إنشاء ومراحل عمل اللجنة وتمثيلها؟ ومن منّا يثق بأن العناوين البرّاقة التي تطرحها الوثائق الأميركية المسرّبة (مع أهمية ما ورد فيها من مبادئ تحدد ملامح الحكومة المقبولة، دولياً، وإقليمياً، وداخلياً، ومداعبتها أحلام السوريين في دستور يضمن حقوقهم ومستقبلهم)، يمكن ترجمتها على أرض الواقع، في ظل التعثر القائم في تفاهمات محوري الصراع الحقيقي في سورية، وهما الولايات المتحدة الأميركية وروسيا؟

وبينما يتجاوز الخلاف بين الدول على شكل الخريطة السياسية لسورية، تعمل كل الاحتلالات القائمة، سواء التي جاءت بإرادة النظام، أو مساندة لمعارضاته على اختلاف أهدافها وأيدولوجياتها وأدواتها، أو كانت فوق إرادتيهما، على ما هو أخطر من تقسيماتٍ إداريةٍ حدودية لسورية الجديدة، بتقسيماتٍ ديمغرافيةٍ وأيدولوجية مذهبية، تجعل من الصراع العسكري الذي استغرق سنواتٍ في البحث عن قنوات توقيفه، ولم تنجح، حتى اللحظة، أي جهود دولية في ذلك، يمتد ليكون بؤرة الصراع القادم لما بعد الحرب على السلطة، ليصبح صراعاً أهلياً ومذهبياً يعيد سورية (بحضارتها البشرية قبل الحالية) إلى ما قبل الدولة المدنية، ويغرقها في بحر من أسواق النخاسة السياسية

==========================

كعكة بوتين ومخبز نتنياهو

صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 30/9/2018

أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرصاً متبادلاً على ترك التراشق اللفظي إلى رجال الصف الثاني، على مستوى وزيري الدفاع، بصدد إسقاط الطائرة الروسية «إيل ـ 20» في سماء اللاذقية؛ وذلك لأنّ التراشق الآخر، والأهمّ، توجّب أن يجري على صعيد أوسع، جيو ــ سياسي، بعيد عن العدسات والتصريحات الطنانة. ما يجمع بينهما، شخصياً في الواقع وقبل المصالح المشتركة، أكبر من أن تمسّ بنيانه واقعة واحدة تكدست فيها «سلسلة حوادث مأساوية وقعت بالصدفة»، حسب تعبير بوتين.

ذلك لا يعني أنّ «القيصر» المعاصر يمكن أن يبتلع المهانة العسكرية دون ردّ عسكري الطابع، حتى إذا كانت المضادات سوفييتية الصنع (صواريخ «سام» الشهيرة، دون سواها) هي التي أسقطت شقيقتها طائرة الاستطلاع السوفييتية، ولكن بإدارة ضباط النظام السوري ذاته الذي تدخل بوتين لإنقاذه من السقوط. ولهذا، ولأننا في روسيا ما بعد طيّ صفحة الاتحاد السوفييتي، سوف يتمثل الردّ في تزويد النظام بالجيل الأحدث من الصواريخ ذاتها التي ابتدأت تطويرها معامل الدفاع السوفييتية، سنة 1979. في عبارة أخرى، هذا استئناف بوسائل التكنولوجيا العسكرية لحروب التسلح (الباردة غالباً، الساخنة نادراً) التي انخرطت فيها واشنطن وموسكو طيلة عقود: الطائرة التي سقطت، بصاروخ سوفييتي الصنع، كانت سوفييتية الصنع أيضاً؛ والطائرة الإسرائيلية التي تسترت خلفها (حسب رواية وزارة الدفاع الروسية)، وتسببت في إسقاطها، كانت من طراز «إف ــ 16» أمريكية الصنع.

أمريكا المعاصرة والاتحاد السوفييتي المندثر، إذن، وعلى نحو يجبّ المسميات الجديدة لأنها نافلة على أرض الواقع، من جهة؛ ولأنّ بوتين يستأنف سياسة حول دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تنشقّ كثيراً عن الموقف السوفييتي الإجمالي، منذ أن حظيت موسكو بموقع الدولة الأولى التي تعترف بالدويلة الصهيونية في مجلس الأمن الدولي سنة 1948، من جهة ثانية. والفارق الأبرز، اليوم، تمثّله هذه العلاقات الشخصية الدافئة التي تجمع «القيصر» مع «بيبي»، وما أسفرت عنه من لائحة «خدمات جليلة» قدمتها القوات الروسية المحتلة في سوريا، خلال صولات وجولات المقاتلات الإسرائيلية في الأجواء السورية. لكنه فارق متعدد الأطراف في واقع الأمر، لا لأيّ اعتبار آخر سوى أنّ أمن دولة الاحتلال مسألة مقدسة لا نظر فيها ولا مساس بها، ودونها خرط مزيد من القتاد مع الولايات المتحدة، خاصة في عهد الإدارة الحالية.

والحال أنّ إعلان نتنياهو، شخصياً هذه المرّة وليس بلسان وزير دفاعه أفيغدور ليبرمان، أنّ المقاتلات الإسرائيلية سوف تواصل عملياتها في سائر الأجواء السورية، وكلما اقتضت الحاجة، أمر لا يرقى إليه الشك؛ ليس لأنّ هذه المقاتلات تستهين بصواريخ «إس ــ 300» الجديدة، أو تمتلك وسائل التشويش عليها وتفاديها؛ بل ببساطة لأنّ الصواريخ سوف تظلّ، أغلب الظن، تحت أمرة ضباط روس، لديهم أوامر مشددة بتجنّب الاحتكاك مع الطيران الإسرائيلي، وعدم إعادة إنتاج «سلسلة حوادث مأساوية» جديدة. الأساس في التعاقد هو موافقة بوتين، شخصياً وخلال لقاءات متعددة مع نتنياهو، على أنّ الوجود العسكري الإيراني في سوريا لن يكون على حساب أمن دولة الاحتلال، ولن يشكل ترسانة الباحة الخلفية لتسليح «حزب الله»؛ فضلاً عن غبطة الكرملين، الضمنية، بكلّ ما يُقعد إيران في سوريا، لصالح المشروع الروسي في البلد.

ومنذ أن تدخل بوتين في سوريا، قبل ثلاث سنوات، كان المبدأ الناظم هو سعي موسكو إلى ترتيب تشغيل المخبز الكفيل بإنضاج كعكعة يتوجب أن يلتهمها الكرملين، منفرداً كلما أمكن ذلك، أو مع حصص ضئيلة يجري توزيعها على الآخرين، لكلّ حسب جهده وحضوره وأوراقه في الساحة؛ بما في ذلك إشراك دولة الاحتلال في تنظيف المخبز بين حين وآخر. فما همّ، في نهاية المطاف، أن تسقط طائرة استطلاع، بنيران صديقة، ضمن عملية إسرائيلية متفق على مبدأ تنفيذها العامّ… ما دامت تُضاف تلقائياً إلى نفقات إعداد الكعكة!

==========================

هل ينجح اتفاق سوتشي؟

رياض نعسان أغا

الاتحاد

السبت 29/9/2018

كانت البشرية تخشى وقوع كارثة إنسانية كبرى في إدلب، وكان الموعد المتوقع لبدء هجوم يشارك فيه نظام الأسد وروسيا وإيران هو شهر سبتمبر الحالي، ليعلن النظام انتصاراً كاسحاً، وليعاقب الشعب السوري الثائر ضده، وبخاصة أولئك الذين رفضوا الاستسلام له تحت لافتة (المصالحات) وفضلوا التهجير القسري إلى إدلب، التي تجمّع فيها مئات الآلاف من المعارضين العسكريين والمدنيين، وقد أجل النظام موعد تصفيتهم حتى ينتهي من الغوطة وريف حمص وحوران، وقد بدأ الإعداد لاجتياح إدلب في شهر يوليو الماضي، وكان ذلك إيذاناً بمواجهة عسكرية تحتاج إلى تدخل روسي وإيراني كبير لأن النظام بقواه العسكرية المنهكة لا يستطيع الاقتراب من إدلب في حرب مواجهة، لكنه يعتمد على سياسة الأرض المحروقة التي اعتمدها الروس في إسقاط كل المناطق التي عاد إليها النظام منتصراً بفضل همجية القصف الجوي.

ولم تظهر حماسة إيران لاقتحام إدلب في قمة طهران التي عقدت في السابع من سبتمبر الحالي، فالإيرانيون يعرفون أن الروس سيشاركون بالصواريخ والطائرات فقط، وأن عليهم هم أن يواجهوا في الحرب البرية، وهم يدركون أنها لن تكون حرباً سهلة، وهم يعرفون أن حجم قوات النظام لا يكفي للسيطرة على الأرض التي تضاهي مساحة لبنان. والروس يدركون أن حرب إدلب ستكون مكلفة جداً في عدد الضحايا من المدنيين، فالقصف الجوي لا يفرق بين مدني وعسكري، ولا بين معتدل وإرهابي، ويبدو أن الروس وهم يقتربون من نهاية الحرب في سوريا يريدون الخروج منها منتصرين على الإرهاب لتسويغ دخولهم، وليس على أشلاء مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ من المدنيين، بحيث تبقى أيديهم تقطر دماً في ذاكرة البشرية، وأمامهم خصوم يتربصون، وللأسف لم يكن حجم الضحايا المتوقع هو مصدر الحذر الدولي، بمقدار ما كان الخوف من مواجهة موجات نزوح وهجرة جديدة عبر تركيا إلى أوروبا، ولم يكن مستبعداً أن يصل عدد الهاربين من الموت إلى أكثر من مليوني إنسان، زيادة على ملايين السوريين الذين هربوا في سنوات الجمر السابقة، وكانت تركيا بوصفها المنفذ الوحيد جغرافياً مضطرة بأن تسمح للملايين أن يعبروا أرضها وأن تفتح لهم منافذ الهجرة حيث يشاؤون، ولن تكون الأمم المتحدة قادرة على مواجهة هذا العبء الضخم، لذلك جاء اتفاق سوتشي حلاً إنقاذياً، ويبدو أن روسيا قبلت به لتفادي هذه التداعيات، ولاسيما أن الولايات المتحدة خرجت من حالة التخلي السابقة، وبدأت تطلق التصريحات النارية التي تحذر من استخدام الكيماوي ومن الإضرار بالمدنيين، وأيدها موقف دولي.

لقد جاء الاتفاق حسب رؤية تركية وموافقة روسية، وصمت إيراني، معلناً العزم على إقامة منطقة آمنة (طالما دعت إليها تركيا لحل مشكلة ملايين اللاجئين السوريين في أراضيها) ولنزع السلاح الثقيل في المنطقة، وإيجاد طرق ممكنة لإنهاء وجود التنظيمات الإرهابية، وكان أهم ما في الاتفاق أنه يعيد لبيان جنيف والقرارات الدولية حضوراً قانونياً كان يختفي عبر المراوغات التي مكنت النظام من التهرب من أي استحقاق سياسي.

وأهم ما في هذا الاتفاق أنه يجعل إيران خارج مشهد الحسم السياسي النهائي في جنيف، ويتعامل مع الداعين لتقسيم سوريا معاملته مع الإرهابيين، ويحمّل المجتمع الشعبي المحلي مسؤوليات ملء الفراغ السياسي والإداري.

إن الضامن الوحيد لنجاح هذه الاتفاقية هو الجدية في التوجه إلى الحل النهائي، والذي نصر على أن يتم عبر تنفيذ دقيق لتراتبية القرار 2254، حيث يكون البدء بتنفيذ البنود الفوق - تفاوضية وأهمها إطلاق فوري لسراح المعتقلين، وتشكيل هيئة حكم انتقالي تقوم بتشكيل حكومة تشاركية، وتضع إعلاناً دستورياً، وتشكل جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، وتؤسس لمجلس عسكري مشترك، وتعيد هيكلة الجيش وأجهزة الأمن، وتبدأ مرحلة العدالة الانتقالية وتدعو لانتخابات برلمانية ثم رئاسية، ولذلك أعتقد أن البدء بالدستور وبعده الانتخابات بقيادة النظام نفسه ستكون ملهاة مأساوية جديدة، واستدامة للصراع، وليس علاجاً ناجحاً أن يغلق المعالج جرحاً على ما فيه من عفن.

==========================

في فضيلة الحكمة وضبط النفس

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 29/9/2018

مع النكسة التي أصابت أحلام يقظة نظام الأسد، بعد اتفاق إدلب الذي حرمه مما كان يعتقد أنه النصر الأخير على المعارضة، يعود جيشه الإلكتروني الذي جهد، في السنوات السبع، لتحويل الكارثة/ الجريمة التي ارتكبها بحق سورية وشعبها إلى نصر مؤزر وهزيمة للمعارضة، يعود إلى الخطوط الأمامية. وهو يحاول البناء على مشاعر القلق واليأس والإحباط التي أصابت بالفعل قطاعات واسعة من الشباب الذي شارك في الثورة. ومن خلال تسريب ما يشاء من المعلومات الصحيحة والمليئة بالدسائس والاختلاقات في الوقت نفسه، لتغذية حملة تشهيرٍ وتخوينٍ متبادلة داخل صفوف المعارضة، أول من يتلقّفها تلك العناصر المحبطة التي بقيت تشعر بأنها لم تأخذ نصيبها من "عوائد" الثورة المادية أو المعنوية، أو لم يسمح لها بأن تلعب فيها الدور القيادي الذي كانت تطمح إليه. يحصل هذا في وقتٍ فتح اتفاق إدلب، واستعادة التظاهرات الشعبية حيويتها على نطاق واسع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتبدل الملحوظ في المقاربة الأميركية للأوضاع السورية، خصوصا في ما يتعلق بالوجود العسكري الطاغي لطهران التي كانت الموجه الفعلي للأحداث المأساوية التي عرفتها سورية، آفاقا جديدة أمام المعارضة التي بقيت مغلقة سنوات طويلة سابقة.

يجب أن نعرف أن ما تسرّبه أجهزة الحرب النفسية لدفع المعارضة إلى تهشيم نفسها، حتى لا تستعيد أنفاسها، وحتى يحسم الأمر لصالح الأسد، فيه وقائع صحيحة، لكنّ فيه أيضا وأساسا 

"لم يكن النظام في سورية في أي فترة سابقة أكثر إشرافا على الهلاك مما هو عليه اليوم" دسائس وسموما تريد أن تستفيد من مناخ الخسارة الذي بعثته استعادة مليشيات النظام المتعدّدة الجنسيات معظم الأراضي المحرّرة لسلطتها، أو لسلطة الانتداب الروسي، من أجل تحويله إلى شعور عميق بالانكسار، ودفع المناضلين والجمهور السوري الواسع الذي سار في مسيرات الثورة ومظاهراتها، وضحّى بالأبناء والأشقاء أو الأصدقاء، وخسر الكثير، واضطر أكثره للجوء إلى البلدان الأجنبية، أو النزوح داخل البلاد والعيش تحت الخيام، إلى التسليم النهائي بالهزيمة والاستسلام للأمر الواقع.

وليس الهدف من ذلك إقناع هذا الجمهور بعدم عدالة قضيته، أو دفعه إلى الاعتراف بعدم صواب مشاركته في الثورة، فمن المستحيل للمرء الذي أظهر من الشجاعة والإقدام ما أظهره الشباب السوري في السنوات الماضية، وقدّم أغلى التضحيات، وغامر بحياته، أنه لم يكن على حقّ، أو أن الثورة كانت بالفعل مؤامرة خارجية، أو تمرّدا إرهابيا، أو خرافةً خدع بها نتيجة الدعاية الأجنبية. ما يريده النظام من تسريباته المدروسة هو نقل الحرب من ميدانها الحقيقي، أي ميدان الصراع بين شعب حر ونظام جائر وظالم وعديم الإنسانية، إلى ميدان الصراع داخل صفوف قوى الثورة والمعارضة على تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الخسارة، وتوجيههم نحو البحث عن كبش فداءٍ من داخلهم يوجهون إليه سهامهم، بدل الاستمرار في تنظيم المقاومة ضد سياسة فرض الأمر الواقع التي يسعى إليها الروس، ومن ورائهم المجتمع الدولي الذي يريد هو أيضا أن يغطّي فشله في الوفاء بالتزاماته السياسية والقانونية، وتركه الشعب السوري يصارع الموت وحده، كما فعل في بدايات القرن الماضي مع ضحايا المحارق النازية، قبل أن يعلن ندمه عليها.

قبل أن تتعالى النداءات لتشكيل "محاكم التفتيش"، والبحث في ضمير كل فرد، وفي سبب انتمائه للثورة، والإعداد لمحاسبة المقصرين أو الفاسدين الذين ساهموا بالفعل، وهم كثر أيضا، في تقويض جهود السوريين للتحرّر من نظام العبودية، أود أن أقول لثوار وسائط التواصل الاجتماعي التي يخطئ من يستهين بتأثيرها اليوم إن الصراع في سورية والمنطقة العربية بأكملها لم ينته، ولا يزال مبكرا جدا الانتقال إلى مرحلة تصفية الحسابات الداخلية، كما يريد الروس والنظام منا، حتى يدمّروا كل ما أنتجه الكفاح المشترك للثائرين من رصيد معنوي وتفاهم وثقة بالنفس، ويقضوا على أي احتمالٍ لتشكيل معارضة ديمقراطية قوية في المستقبل، وينجحوا في مشروعهم الهزيل لإعادة ترتيب أوراق النظام الهالك، وتأهيله من جديد، قبل السعي إلى إقناع الدول المتردّدة بالمشاركة في إعادة الإعمار وتقاسم الغنائم والمنافع في ما بينها. وهي تحتاج اليوم أكثر من أي فترة سابقة لتشويه صورة الثورة والمعارضة، ولذريعة انعدام البديل.

لن ننجح في إعادة بناء معارضة ديمقراطية قوية ومتماسكة ومتضامنة، من دون مراجعة عميقة ومؤلمة لتجربتنا السابقة. هذا أمر لا ينبغي تجاهله، وهو يشكل، في نظري، أولوية، والمدخل لأي إعادة إعمار سياسي ومعنوي مطلوب، وسابق على أي إعمار مادي. ولا يمكن أن ننجح في القيام بهذه المراجعة، إذا أسسناها على الأهواء وروح الغل والانتقام من الأشخاص، مهما كانت أخطاؤهم بل خطاياهم كبيرة وفاقعة. بالعكس، ذلك يهدّدنا بأن لا نرى من جبل الجليد إلا قمته الظاهرة، ونهرب، في البحث عن الحل، إلى آلية اختلاق أكباش الفداء التقليدية والعتيقة، بدل أن نجتهد لندخل في عمق المشكلات التي يطرحها الواقع الموضوعي، وننجح في فهمها وتحليلها ومعالجتها. في هذه المراجعة، أقل ما يفيدنا هو الرهان على مشاعرنا الشخصية تجاه الآخرين، والاستسلام باسم الصراحة للتعبير عن مشاعر الكراهية، وتغذية الأحقاد الشخصية. باختصار، لا تستدعي المراجعة تهشيم الأفراد والكشف عن مثالبهم. واختلاق القصص والروايات لتشويه سمعتهم أو الحكم عليهم، وإدانتهم على الشبهة، وإنما التحقق من الأخطاء التي ارتكبوها في أفعالهم وممارساتهم، والتدقيق فيها ومعرفة أسبابها، إذا ما كانت راجعةً إلى عوامل شخصية أو موضوعية، وإذا ما كان مرتكبها فعل ذلك خدمةً لمصالح شخصية، على حساب المصلحة العامة، أو لسوء تقدير وجهل بالمسائل، أو لنقص في الخبرة السياسية. ولا يكفي في ذلك النقل عن فلان أو فلان، أو الأخذ بمقالاتٍ أو منشوراتٍ ذاتية، غالبا ما يكون الغرض منها تصفية حسابات شخصية.

غياب الشعور بالمسؤولية عند كثيرين ممن عمل في صفوفها، وتغليبهم الأهواء الشخصية على التفكير في التحدّيات العملية، كانا السبب الأول في فشل المعارضة السورية، فلا تجعلوا من

"يخطئ من يعتقد

أن الأسد

ربح

الحرب"  غياب الشعور بالمسؤولية في نقد تجربة السوريين الفذّة في الثورة والمعارضة سببا في قتل روح المقاومة والصمود التي نحن أكثر ما نحتاج إليها اليوم، للوقوف على أقدامنا والاستمرار في مقارعة الهمجية. من حق أي سوري وعربي أن يسأل ويستفهم، ويتحقق من الوقائع والأحداث، لكن لا أن يكيل الاتهامات والشتائم المسبقة، ويقرّر وحده، وبمعاييره الخاصة، من دون دلائل ولا براهين، في تقييم جهد الآخرين ومعنى أعمالهم. وفي المقابل، من واجب الذين احتلوا مواقع المسؤولية أن يوضحوا للجمهور برامجهم، وخططهم، وحيثيات اختياراتهم، ومغزى أفعالهم ودوافعها، حتى تسود الشفافية ونرتقي بمستوى المساءلة والمحاسبة إلى حد أدنى من الموضوعية. لقد أظهرت المعارضة السورية، أعني قياداتها، السياسية والعسكرية، فشلا كبيرا، وبالكاد تستحق هذه التسمية أصلا، لأنها ولدت جميعا في الحراك الثوري تقريبا، أو ركبت عليه، ولا تملك أكثرها أي خبرةٍ أو معرفةٍ نظرية أو عملية. لكن هذا لا يعني أن كل من احتل منصبا في قيادة المعارضة كان فاسدا. لا ينبغي أن نسمح لأهوائنا، ولا لغضبنا المشروع، أن يشوّش على هدفنا النبيل، ويشوّه غاية نضال شعبنا الذي فقد الكثير، وضحّى بكل شيء لتغيير الواقع المر والبربري الذي يعيشه. ولنحذر من أن نصب الماء في طواحين أعدائنا. لو بذلنا واحدا بالمائة من الجهد الذي كرّسناه داخل المعارضة، لتشويه صورة كلٍّ منا للآخر وإفشاله، في الاجتهاد لتفهم عمل بعضنا بعضا، والتفاهم بيننا، ونزع فتيل المشاحنة والبغضاء والشك والكراهية المتبادلة، ما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه. ولو قبل الآخرون الذين وقفوا ضد الثورة والمعارضة، تكريس النسبة نفسها من جهدهم لملاقاة شعبهم والتفاهم معه، ما كان أصابهم والبلاد ما أصابها من كارثة. ليس هناك مرشد أسوأ من الاستسلام لمشاعر الضغينة والكراهية في تفتيت وحدة الشعوب، وتقويض مصيرها ومستقبلها.  يخطئ من يعتقد أن الأسد ربح الحرب. نهاية الحرب التي اتخذ وحده قرار شنّها على الشعب لحرمانه من حقوقه وحرياته، لن تفتح آمامه آفاقا جديدة، ولن تكتب له مستقبلا ثانيا، كما يتصوّر بعض الحمقى من أنصاره، بالعكس، إنها تحرّر الشعب من قيوده ومخاوفه، بعد أن حرّره عنف النظام الأعمى من أوهامه. سيجد النظام نفسه من جديد، ودفعة واحدة، أمام الخيار الصعب الذي شنّ الحرب لتجنب مواجهته: حقوق الشعب وحرياته. لذلك لا يجد النظام مخرجا آخر للهرب من استحقاقات الوضع الجديد سوى السعي إلى الاستيطان في الحرب وتأبيدها، 

"أظهرت المعارضة السورية، فشلا كبيرا" وهو يُراهن في ذلك على "داعش" وحلفائه الإيرانيين الذين علقوا مصيرهم بمصيره. وسوف يبحث باستمرار عن الذرائع الجديدة التي يحتاجها، يوما بعد يوم، ليدخل المجتمع السوري في دوامة الصراعات الداخلية، على الهوية والجنسية والتوازنات الطائفية والديمغرافية، وعلى حقوق الملكية العقارية والحقوق الفردية والجماعية والبحث عن لقمة العيش والمأوى والملبس. وهذا هو المغزى العميق لجميع القرارات والمراسيم التي يسنّها في الوقت الحاضر. لكنه لم يعد وحدَه، لم يعد قيصر زمانه. الفارق الوحيد أنه خرج من الحرب التي دمر فيها "بلده" وقتل "شعبه" عاريا من دون أقنعة ولا أصباغ: عصابة قتل فحسب، وما من سوري إلا لديه دين عليه، ويتطلع إلى قصاصه.

أبقوا هدف التغيير ومواجهة نظام الجريمة والحقد دائما أمامكم ومرشدكم، ولا تعتقدوا أن المعركة انتهت، وأن النظام انتصر ولم يبق إلا أن نفتح دفاتر الحسابات، وننقل المعركة إلى داخل صفوفنا. لم يكن النظام في أي فترة سابقة أكثر إشرافا على الهلاك مما هو عليه اليوم، ولم يعد لديه، ولا لدى حماته الروس، الكثير مما يمكن أن يفعلوه من أجل التمديد في أجله. لن يستمر ويمد في عمره إلا إذا قرّرنا نحن بالفعل ذلك، ونقلنا المعركة إلى داخل صفوفنا، وهشّمنا بعضنا بعضا، وشوّهنا صورة كل من عارض أو شارك في المعارضة، بدل أن نركّز الجهد على إعادة بناء صفوفنا للاستمرار في مواجهته، فلن تكون نتيجة ذلك إلا تيئيس الشعب وتكفيره بأي مقاومة قائمة أو قادمة. هذه هي أيضا مسؤولية من يريد الانتقاد والإصلاح، حتى لا يقتل المريض بدل المساعدة على شفائه.

==========================

تنظّموا، تنظّموا، اتّحدوا اتّحدوا

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 29/9/2018

لم ينقص السوريين شيء، في حقبة ثورتهم الأولى، كالتنظيم والوحدة. هذا ما يلاحظه أيضا نشطاء المرحلة الحالية من الثورة، بالسمات التي لم تتوفر لها في القسم الأكبر من مرحلتها الأولى، وأهمها اثنتان:

ـ انفكاك شعبي واسع عن الأسلمة والعسكرة وتنظيماتهما، واستعادة برنامج حقبة التمرّد الثوري الأولى الذي قرن الحرية بالوطنية، كما تتجلى في وحدة الشعب السوري، وهتفت له الملايين، قبل أن يبعدها عنه متأسلمون أخذوها بعيدا عن تطلعاتها، بسبب ضمور وعيها السياسي، وتقليدية تفكيره، واستعداد قطاعاتهم، شعبية واسعة ونخبا هامشيّة، لقبول شعارات شعبوية تُحرز بواسطتها انتصاراتٍ وهميةً، تلبّي حاجتها الشعورية إلى الهروب من هزائم مذلّة، تنوء تحت ثقلها، لأسباب تتعلق تحديدا بدور أوهامها الظافروية في عجزها عن تحقيق انتصاراتٍ تنجزها بالفعل في واقعها. ليس هناك من اليوم فصاعدا مهمة أعظم من استعادة رهان الثورة الأول: الحرية للشعب السوري الواحد من دون زيادات، ومن دون السماح لأحد بخلطه بما ليس منه، أو يتعارض معه.

"سورية بدها حرية والشعب السوري واحد": هذا هو البرنامج الذي ستُهزم الثورة حتما إن تبنّت أي برنامج سواه، والذي يجب أن يستوطن عقولنا قبل ألسنتنا، ونتمسّك به ضد أي طرفٍ يرفضه أو يضع مكانه برنامجا آخر، بالنظر إلى أن الثورة، مطلق ثورة، لا تنتصر، بل تهزم حتما إن كانت ببرنامجين متناقضين، فكيف إذا كان أحدهما مسلحا وبطاشا ويتاجر بالشعب وأهدافه، وحتى كرامته. نحن في بدايةٍ تستهدف كبح الهزائم التي أنزلها هؤلاء بالثورة الوطنية/ الديمقراطية التي لم يكونوا من صنّاعها، لكنهم تسلطوا عليها باسم الجهاد، فلم يخدموا أحدا، في المحصلة النهائية، غير الأسد وعصاباته، بما ارتكبوه من جرائم ضد شعب المناطق التي استولوا عليها، وشنّوه من حرب شعواء على مناوئيهم وخصومهم من أحرار سورية. ومن الضروري من الآن فصاعدا مواجهتهم بقوة الشعب الذي لفظهم بعد تجارب أعوام ستة، ذاق خلالها الأمرّين على أيديهم، وسينتحر إن هو منحهم مجدّدا أي قدر من ثقته، مهما كان زهيدا.

ـ الحماية التي تتيحها تركيا لسوريي الشمال السوري ضد بطش روسيا وإيران والعصابات الأسدية وسواها من المرتزقة، والوقت الذي تمنحهم إياه للتفكير برويةٍ حول سبل سد الثغرات التي شابت ثورتهم في الماضي، والعيوب التي لازمتها، وظلت لصيقةً بها، وفي وسعهم تحريرها منها، في ظل ما هو متاح لهم من حريةٍ نسبيةٍ ضمن مناطقهم الآمنة، وما هو مطلوبٌ من تنظيم أنفسهم في حلقات تتدرج من الأدنى إلى الأعلى، تتولى مهام متكاملة ومتشابكة تحفز عملهم الثوري وتضبط مساراته، وتحشد لكل مرحلةٍ منه ما هو بحاجة إليه من قوى وقدرات، وتضع لها خططا توحّد جهود الفاعلين فيها، بما أن الجانب الأكثر أهمية من التنظيم هو اليوم توحيد العمل والطاقات والدروب المفضية إلى الهدف الموحّد بدوره، وهو انتصار الحرية وزوال الاستبداد بكل صوره وأشكاله، الدهرية منها، وتلك المتسترة بدينٍ تتناقض رحمانيته وإنسانيته مع وحشية اتباعه وحقدهم على الجنس البشري الذي يشاركهم فيه الأسد ونظامه.

للثورات الحيّة، كما للإنسان الحي، سلسلة بدايات يصحّح في التالية منها ما كان قد ارتكبه من أخطاء في سابقاتها. وثورتنا اليوم أمام بداية جديدة، ليس لمن هم في شمال سورية وحدهم، بل للسوريين جميعا، ممن يجب أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية التاريخية التي يلقيها على عاتقهم نزوعهم إلى الحرية، وما قدّمه شعبهم من تضحياتٍ على دربها.

==========================

في الصراع الطائفي القاتل والمقتول قتيل

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 29/9/2018

دعونا نعترف أن سرطان الطائفية كامن في العديد من البلدان العربية ذات التعدد الديني والمذهبي منذ أكثر من قرن. وهو يضرب جذوره عميقاً في التاريخ، ويعود إلى الفترة التي تلت وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا بالنسبة للصراع بين الشيعة والسنة الذي ما زال يفتك بالمسلمين حتى هذه اللحظة، وزاد خطره بعد الثورات إثر تدخل إيران المذهبي الشنيع في المنطقة وظهور جماعات دينية سنية متطرفة كالقاعدة وداعش والنصرة وغيرها. أما بالنسبة للتمييز بين الطوائف فقد بدأ بشكل صارخ بعد كتابات ابن تيمية الذي حرض الأكثرية على كل الطوائف والأقليات. ومنذ ذلك الحين وكثيرون من أتباع «شيخ الإسلام» يطبقون تحريضه الفاشي ضد الآخرين بحق أو بغير حق. والساحة الآن مليئة بملايين المسلمين الذين ما زالوا متشبثين بأقوال ابن تيمية كما لو أنه أحد المرسلين الذي لا يأتيه الباطل لا من خلفه ولا من بين يديه.

وبينما اتحد الأوروبيون فيما بينهم وأصبحوا كياناً واحداً من خمس وعشرين دولة شهدت فيما بينها حروباً طاحنة حرقت الأخضر واليابس، وسحقت ملايين البشر وخاصة فيما يسمى بحرب الثلاثين عاماً بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا، إلا أن الكثير من المسلمين ما زالوا يعملون بتعاليم ابن تيمية في نظرتهم لكل المذاهب والطوائف التي تعيش في المنطقة، كما لو كانت عدوهم اللدود. لم يتعلم هؤلاء لا من الأوروبيين الذين دفنوا صراعاتهم الدينية، وتربعوا على عرش الحضارة الحديثة، ولا من الصينيين الذين ليس لديهم دين أصلاً. لقد أصبحت الصين ثاني أقوى قوة اقتصادية بعد أمريكا، مع أن أكثر من تسعين بالمائة من الصينيين بلا دين، بينما ما زال المسلمون الذين يعبدون إرشادات ابن تيمية ليل نهار يقبعون في ذيل الأمم اقتصادياً وتكنولوجياً وحضارياً.

لا شك أن الآخرين الطامعين بثروات العرب والمسلمين وببلادهم التي تقع في قلب العالم سعيدون جداً بهذا الصراع الإسلامي الإسلامي، ولا شك أنهم عملوا ويعملون على تعميق الشروخ بين المذاهب الإسلامية من جهة، وخاصة بين الشيعة والسنة، وبين المسلمين وبقية الأقليات من جهة أخرى. وقد استغل ضباع العالم وكلابه الثورات العربية وحولوها إلى حروب أهلية وطائفية ودينية، بدل أن يعملوا على نقل الشعوب العربية من تحت ربقة الظلم والطغيان إلى فضاء الديمقراطية كما فعلوا مع الأوروبيين الشرقيين. وقد لاحظنا كيف تحول العراق وسوريا واليمن إلى ساحات دموية لتصفية الحسابات المذهبية والطائفية بين سكان تلك البلدان، ففي العراق صار الصراع الأبرز بين الشيعة والسنة. وقد لعب الغزو الأمريكي دوراً محورياً في تغذية هذا الصراع لنهب خيرات بلاد الرافدين وترك سكانه يذبحون بعضهم البعض على الهوية الطائفية.

وفي سوريا بدل أن تنتقل البلاد إلى حياة سياسية جديدة بعيداً عن الديكتاتورية الأمنية والعسكرية، تحول الصراع إلى صراع طائفي بغيض لم يجلب للسوريين سوى الدمار والخراب والتهجير. فإذا كان النظام يقاتل من منطلق طائفي كما يتهمه معارضوه، فلا شك أن المجاميع الإرهابية الإسلامية المتطرفة رفعت بدورها شعارات دينية مقيتة، لا بل إنها أطلقت على نفسها أسماء دينية كانت الغاية منها تنفير كل من هو ليس مسلماً في المنطقة واستعداءه، وبذلك جعلت بقية الأقليات تقف مضطرة في المعسكر الآخر خوفاً من الهجمة الدينية المتطرفة التي اجتاحت سوريا وغيرها. وقد شاهدنا ما فعل مغول العصر الدواعش في السويداء السورية قبل فترة وجيزة، حيث دخلوا عشرات البيوت ونحروا سكانها الأبرياء وخطفواعشرات النساء بطريقة وحشية، مما زاد في حدة الصراع الطائفي في سوريا المنكوبة.

لقد درج كثيرون في السنوات الماضية على إلصاق تهمة الطائفية حصراً بالأقليات. لكن هل الأكثرية يا ترى سويسرية وديمقراطية في نظرتها إلى الآخرين في المنطقة؟ أليس ما فعله الدواعش مثالاً صارخاً على الفكر التكفيري الذي يغذي هؤلاء الهمجيين؟

لا شك أن الأكثرية المسلمة تضررت كثيراً في المنطقة وتشرد الملايين منها، لكن أليست الجماعات المقاتلة باسمها في غاية الطائفية مع الآخرين؟ ألا تعتبر تلك الجماعات بقية الأقليات على أنها كافرة وجديرة بالاستئصال؟ ألا ينظر عتاة المتطرفين إلى العلويين والدروز والمسيحيين والاسماعيليين والشيعة على أنهم مرتدون. ألم يقاتلوهم على أساس طائفي أيضاً؟

كثيرون من أبناء الأقليات تضامن وتعاطف ووقف مع الأكثرية المسلمة في المنطقة لما عانته من دمار وقتل وتهجير بسبب الجماعات التكفيرية الظلامية التي زعم تمثيلها، وواجه الأنظمة، لكن في اللحظة التي يوجه فيها هؤلاء المتعاطفون معها نقداً بسيطاً لتلك الجماعات، تلجأ فوراً إلى وصفهم بالنصيريين والدروز والكفار.

طالما أنت معهم مائة بالمائة فأنت كافر مقبول يغضون الطرف عنك مرحلياً، وفي اللحظة التي تنتقدهم فيها نقداً بسيطاً تصبح فوراً كافراً جديراً بالسحق والذبح. وإذا كان بعض أبناء الطوائف طائفياً فعلاً، فمن الذي يجب أن يستوعب الآخر، الأقليات الصغيرة أم الأكثرية؟

لماذا لم يتعلم الجميع من محنة لبنان التي استمرت ستة عشر عاماً، وذبحت الطوائف بعضها بعضاً على أساس ديني ومذهبي وطائفي؟ ماذا كسب اللبنانبون من حربهم؟ هل قضى المسلمون على المسيحيين؟ هل قضى الدروز على الشيعة؟ هل قضى الشيعة على السنة؟ هل قضى الموارنة على الدروز؟ لا أبداً، بل عادوا ليتعايشوا مع بعضهم البعض. لا يمكن مطلقاً أن يتمكن طرف من القضاء على طرف آخر في هذه المنطقة ذات التركيب الفسيفسائي. ورغم كل ما حصل في سوريا من معارك طائفية ومن تحريض وتجييش مذهبي وطائفي من الجميع، فلم ينتصر أحد، ولا بد أن يعيد الجميع النظر في مواقفهم المتشجنة وغيرالعاقلة، ولا بد من العودة عن الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الجميع، ففي النهاية لا بد من التعايش بين كل مكونات سوريا وغيرها. فليكن الدين لله والوطن للجميع، ومن لا يتعلم من تجاربه الفاشلة، سيكررها مرات ومرات بنفس الأسلوب الفاشل والقاتل. وقد صدق الكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي عندما قال: «في كل صراع هناك قاتل ومقتول إلا في الصراع الطائفي، فهما قتيلان».

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

موقفنا : ترامب رجل بوتين الأول في البيت الأبيض والعالم

زهير سالم

5/ 10 / 2018

مركز الشرق العربي

قُتل الخراصون ، فما نكتبه هنا ليس تخرصا ولا ظنا ولا وهما ولا تتبعا لأخبار مخبرين ولا لتقارير صحفيين ، بل هو اعتبار عملي لثمرات السياسات الترامبية في فضاء العلاقات الدولية ونتائجها وآثارها وانعكاساتها .

ولن نتحدث هنا عن " سوريتنا الجميلة " التي تركها ترامب إلى بوتين لقمة سائغة بإنسانها وعمرانها وحضارتها وقيمتها الاستراتيجية . والتي سمح له بحماقته وتغاضيه أن يحولها كلها إلى قاعدة روسية عسكرية متقدمة كما إلى قاعدة جيوسياسية ، ومركز من مراكز القيادة والسيطرة والتأثير في المنطقة والعالم ؛ لن نتحدث عن سوريتنا الجميلة لكثرة ما آذتنا أحاديث المتفيقهين ، بأن الشرق الأوسط ، ومنه سوريتنا ، فقد أولويته أو بريقه بالنسبة لأمريكا وأوباما وترامب ، وأن السياسة الأمريكية في هذا الزمان منصرفة للاهتمام بالماردين ، المارد الذي يتململ ، والمارد رغم أنفه ، اليابان والصين ..

ولنعد إلى أدلة الدعوى بأن العميل السري السابق بوتين استطاع أن يوظف السمسار الكبير ترامب في مشروعه عبر صفقة شارك فيها الأول في إيصال الثاني إلى بيضوي البيت الأبيض مقابل خدمات متفق عليها ، ما يزال المحققون الأمريكيون تائهين في تتبع ملتوياتها ..

يحكون عن عالم ترويض الفيلة ، أن المروضين يتبادلون على عملية الترويض المروض ذي اللباس الأبيض والآخر ذي اللباس الأحمر . في القسمة الحالية بين بوتين وترامب اختار الأخير لنفسه الثوب الأحمر ليروض العالم أجمع لمصلحة بوتين الدكتور جيكل الوقور الحكيم ..

ومن أحب فليتتبع سياسات ترامب مع السوريين والعراقيين والفلسطينيين ومع دول الخليج العربي ثم مع الأتراك ومع دول الناتو والاتحاد الأوربي ، ثم مع الصين واليابان ثم مع المؤسسات والمنظمات الدولية السياسية والحقوقية ..ليدرك كيف أن هذا السمسار النابذ يدفع كل دول العالم إلى حضن بوتين دفعا ..

ترامب كرس بسياساته سيطرة بوتين على سورية ..

ترامب بحماقته وأد دور الولايات المتحدة في ملف القضية الفلسطينية ، وأسقط عنها دور الوسيط .

ترامب ما زال يحرج دول الخليج العربي بخطابه المستفز المستعلن ويدفعها دفعا للبحث عن مظلات آمنة روسية وصينية ..

ترامب مكن بوتين من اختراق جدار الناتو والقفز من فوق رأس الأتراك إلى المياه الدافئة ، وكرس سياسات سلفه باستبدال الحليف الدولة بالحليف العصابة ..ولأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية تدخل علاقة تركية مع الناتو ومع الولايات المتحدة بشكل خاص في هذا النفق الخطير . ..

ومن أعاد تقويم خطاب ترامب لحلفائه من دول الناتو يدرك أن سمسار البازار لا يفرق كثيرا بين الزبون التجاري في سوق العرض والطلب وبين الحليف الاستراتيجي على منصات قيادة العالم ..وهذه دول الاتحاد الأوربي اليوم مجتمعة ومتفرقة تسعى لإيجاد بدائل لها غير مركنها التاريخي التقليدي منذ الحرب العالمية الثانية ..

ترامب يصعد حربه الاقتصادية مع الصين وعليها ..وتبادله هي الأخرى تصعيدا بتصعيد

ترامب يغضب اليابانيين ويستفزهم ..

ترامب الذي عجز عن إدارة عمليات تنمية حقيقية في الولايات المتحدة يحاول أن يستر عجزه بابتزاز دول العالم من جهة ، وبتقليص التزامات الولايات المتحدة السياسية والإنسانية والحقوقية من جهة أخرى ، يتجاهل التزامات الولايات المتحدة بل ويرفضها ويضعفها فالعشرة دولارات بالنسبة إليه يجب أن تبقى أمريكية وفي الجيب الأمريكي . حتى التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة أخضعه ترامب لعملية ابتزاز معلنة مكشوفة .. بطريقة تتجاهل مكانة الدولة الكبرى وحقيقة المطلوب منها .

في الحركة المتناوبة بين السمسار وبين العميل السري ، الأول ينبذ والثاني يجذب وهكذا نجد اليوم توجها مفتوحا لجميع دول العالم ابتداء من الصين واليابان ودول الاتحاد الأوربي بمن فيها المملكة المتحدة وانتهاء بدول الخمس مائة مليار لإعادة التوازن لاستقرارها الأمني ...

وهذا يعني أن تستعيد روسية مكانة قطب " ملجأ " يلجأ إليه كل المتضررين من سياسة السمسار الأحمق ، فهل كان رجل الاستخبارات الروسي ينتظر من الرجل الذي أوصله إلى البيت الأبيض أكثر مما قدمه له ترامب على طبقه الذهبي ..؟!

ــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

الأسد وإعادة الإعمار سلاحا التغيير في سورية

سميرة المسالمة

الحياة

السبت 29/9/2018

تحدد الولايات المتحدة الأميركية عملية الانتقال من سورية «الحالية» إلى سورية «مختلفة» بإجراءات ليس من بينها إلزام الأسد على الرحيل، وإن كان رحيله يسبب سعادة للأميركيين، وهو شرط السلام الدائم الذي رفعه الرئيس التركي، إلا أن هذا، أي «مصير الأسد شأن يقرره السوريون أنفسهم» ما يمكن أن يبشر باقتراب السوريين «كشعب» من امتلاك فرصة الاختيار، وتحديد مآلات المرشحين عبر الانتخابات «الحرة»، ويفترض بذلك أن يأتي في سياق عملية إصلاحية ينص عليها الدستور الجديد، شرط أن يؤمن السوريون به ليكون سبيلهم إلى الخلاص من الأسد، أو القبول «به» باعتباره «المنتصر» ديمقراطياً، لقيادة حكومة سورية نحو المواصفات التي حددها جيمس جيفري المبعوث الأميركي إلى سورية، وهي تتلخص: بأنها حكومة لا تهدد شعبها أو جيرانها، ولا تستخدم السلاح الكيماوي ضد معارضيها، ولا توفر لإيران منصة لإطلاق الصواريخ على إسرائيل وتضمن محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب.

وعلى رغم أن كل بند مما ذكره المبعوث الأميركي في حديثه إلى «الشرق الأوسط» (26/9) هو بمثابة تهديد كامل الأركان للأسد، كنظام، وكرئيس، حيث تقر الولايات المتحدة بأنه المسؤول عن تنفيذ هجوم كيماوي على دوما في نيسان 2018، ما أسفر عنه ضربات تأديبية ثلاثية (أميركية- بريطانية- فرنسية) ضده، وسبق ذلك استخدام الكيماوي في خان شيخون قبل عام تقريباً، ما أدى أيضاً سابقاً إلى ردة فعل أميركية بضرب مطار الشـــعيرات، ما يعني أن الشرط في عدم استخدام الكيماوي هو بمثابة الفخ المؤجل للنـــظام، والذي يمكن اللجوء إليه كسلاح فعال عند تعثر المفاوضات لمحاصرة روسيا وإجبارها الأسد على المضي بعملية سياسية وفق الشروط الأممية، والتي سعى النظام السوري إلى تعطيلها مراراً بدعم كامل من حليفته إيران، وبحماية روسية في الأروقة الدولية.

ويأتي في السياق ذاته وفي توقيت لافت للنظر، ما لوحت فيه الجولة الرابعة من المرافعات النهائية في المحكمة الدولية في لاهاي الخاصة باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري منتصف هذا الشهر، حول تحميل حزب الله، والنظام السوري من خلفه، المسؤولية في هذه الجريمة، ما يعني زيادة عملية الافتراق بين مواصفات النظام السوري كحكومة حالية متهمة وبين شرط أن تكون مقبولة دولياً، لا تهدد جيرانها، أي أننا أمام جملة أحداث مرتبطة ببعضها وتقود إلى إحكام الضغط على روسيا من خلال فرد أوراق الإدانات الدولية للنظام السوري، سواء بعملياته خارج سورية أو داخلها من خلال ملف المعتقلين.

وبالنظر إلى «المبادئ» الأميركية التي تمهد لحل سياسي دائم، وتنقل سورية من إطار الدولة المنعزلة دبلوماسياً والمفلسة اقتصادياً، إلى المعترف بها دولياً كدولة عادية، فإن ثمة انفراجات عملت عليها موسكو خلال اجتماعاتها مع الجانب الأميركي، وهي ذاتها التي منحتها الغطاء للاستمرار بعملياتها العسكرية، لإنهاء ملف المعارضة المسلحة، وسط صمت أميركي ملحوظ، ولكنه مرهون ومقيد «بعدم استخدام السلاح الكيماوي فقط».

ما يعني في الوقت ذاته أنه فرصة متاحة للنظام السوري في حال أعلن بداية عن قطيعته مع السياسات الإيرانية، وترحيل أدواتها العسكرية (كحزب الله والمليشيات الطائفية) خارج حدوده، وهو الأمر الذي أعلنته روسيا بالنيابة عن النظام بتصريحها عقب عملية إسقاط طائرتها (أيل 20) عن ابتعاد إيران عن الحدود مع إسرائيل بمسافة 140 كلم، ما يمكن إدراجه ضمن سياق تنفيذ مرحلي للإرادة الأميركية- الإسرائيلية في سورية.

أي أن الحل السياسي الذي أصبح الطريق إليه ممهداً وفق وجهة النظر الأميركية، عبر عمليات التسوية التي عقدتها روسيا، وآخرها اتفاق إدلب بين روسيا وتركيا، ووفر فرصة «الاستقرار العسكري النسبي» أو الآني الذي يسمح بالذهاب إلى عملية سياسية، أصبحت مقتصرة على تعديلات أو إصلاحات دستورية، تقوم بها لجنة متوافق عليها دولياً بإسم السوريين من طرفي النزاع المعارضة والنظام، ويمكن من خلالها الوصول إلى سورية جديدة قائمة على المبادئ التي اعتمدتها «اللاورقة»، أو وثيقة المجموعة المصغرة لدعم سورية (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن ومصر).

وحيث تجدد الدول دعمها للعملية السياسية، فإنها تشدد على ربط ذلك بعملية المساهمة في إعادة الإعمار، وتؤكد على توضيح مسار هذه العملية من خلال التعديلات الدستورية، أو إنتاج دستور جديد، يتم خلاله اختصار صلاحيات الرئيس، وتوزيعها على البرلمان والحكومة، وضمان استقلال القضاء ومؤسسات الحكومة المركزية والإقليمية على أساس مناطقي، ما يعني هدم شكل الدولة الشديد المركزية السابق، والانتقال إلى شكل جديد يسقط معه تلقائياً نظام الحكم القائم، وتعزز العملية الانتخابية وفق قانون جديد يزيل القيود عن الترشيحات، ويمكن اللاجئين والنازحين من عمليتي الترشيح والانتخاب، ما يهدد فعلياً قوة الأسد الحالية بالهيمنة على مضمون العملية الانتخابية، وتسييرها وفق منهجية إرادة القوى الأمنية الاستبدادية المتعارف عليها لعقود طويلة.

إلا أن ما يمكن السؤال عنه اليوم في ظل استفراد روسيا في العمل الميداني ضمن مناطق النظام والتسويات، يكمن حول من يحمي التعديلات الدستورية، ويمنحها آليات تنفيذية تمكنها من إجراء عملية التغيير في شكل الدولة وأدواتها؟ فحيث لا يوجد نص دستوري «حالي» يبرر الجرائم المرتكبة ضد السوريين، على يد أجهزة الأمن والجيش وآلته العسكرية، فإن ثمة قوانين ومراسيم أتاحت لهذه «المؤسسات» فرصة النجاة من المحاسبة والمحاكمة، ما يعني أن الحاجة التي تسبق التعديل الدستوري هي: بوجود أدوات حيادية (قوة تنفيذية) لتطبيق الدستور، ما ينتج تساؤلات عديدة منها:

هل روسيا الموجودة عسكرياً بقرار من النظام، وباعتراف دولي، هي الجهة المعتمدة أميركياً في هذه المهمة شديدة التعقيد، (كون روسيا هي الداعم الرئيسي للنظام السوري الحالي)، والذي حال دون تحميله أي عقوبات ملزمة على ما سبق من أعمال، انفردت الولايات المتحدة وشريكتيها بريطانيا وفرنسا بتجريمها، واتخاذ العقوبات اللازمة حيالها؟

وهل خروج إيران «الشكلي» من سوريا من دون اعتماد مبدأ مراجعة عمليات هيمنتها الاقتصادية من خلال العقود الموقعة مع النظام، يمكن السوريين من عملية بناء سورية الجديدة التي لن تكون منصة لإيران لاحقاً؟

وهل يكفي تلازم شرط إعادة الإعمار بوجود عملية سياسية لا يتم التراجع عنها، لإلزام روسيا بتطبيق القرارات الدولية ومنها القرار 2254؟

إن التزامن بين تشديد الحملات والعقوبات الاقتصادية على إيران، وما نتج عنه من انهيارات في اقتصادها، وتأزم الوضع الداخلي للنظام الإيراني مع معارضيه، يسهل على روسيا عملية إقصاء إيران من شراكتها في سورية، كما يفتح شهية موسكو على تسريع خطوات الحل السياسي لتجاوز العقوبات المفروضة عليها، وفتح صفحة جديدة في علاقاتها الدولية، في حال رغبت فعلياً في استعادة دورها الدولي، على رغم حالة الفوضى السياسية والعسكرية التي نجمت عن إسقاط طائرتها في اللاذقية، إلا أن ذلك سيضعها في مواجهة مع النظام الذي يرى في العملية السياسية وفق الرؤية المطروحة ما يهدد فرص نجاته، وحفاظه على نسب تصويتية تمكنه من الاستمرار في حكم سورية، حتى ضمن إقليم ما يمكن تسميته «سورية المفيدة».

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com