العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-08-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سورية في قلب الحرب الحضارية… الخفية .. برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 3/8/2016

ما يجري في المشرق العربي، وفي سورية خصوصاً، من استهتارٍ مستمرٍ بالقيم والأعراف والمواثيق الإنسانية، وتهديمٍ منقطع النظير للمدن التاريخية على رؤوس سكّانها، وفرض حصار الجوع وتشريد ملايين البشر، مع بقاء المجتمع الدولي ومنظماته القانونية والإنسانية مكتوفة اليدين، أو عاجزةً عن القيام بأي عملٍ لوقف المجازر الشنيعة، ودفع الأطراف نحو حل سياسي، في وقتٍ تحتفظ فيه أكبرها بقواعد عسكرية وقوات وأساطيل جوية جاهزة للتدخّل، وتتدخل بالفعل في أكثر من مكان. لكن، ليس حيث ينبغي التدخل، ما يجري يشكّل حدثاً غير مسبوق في تاريخ العالم الحديث. وهو حدث لا يمكن من أجل تفسيره الاقتصار على أدوات التحليل التقليدية للصراعات السياسية أو للثورات الاجتماعية، أو حتى لحروب التوسع الإقليمي والنفوذ الدولي. ويحتاج فهمه، في نظري، إلى إطار نظري أشمل، يتعلق بتفسير أو تحليل ديناميات نشوء المدنيات المختلفة وصراعها وتوسعها واندثارها.

أفول الشرق

والمقصود، في حالتنا، المواجهة التاريخية المستمرة منذ قرون، بين عالم الغرب الصاعد وعالم المتوسط المشرقي الذي أفل نجمه، بعد أن تربّع على قمة الهيمنة القارية قروناً طويلة سابقة. وليس المقصود بالغرب، هنا، منطقة جغرافية، وإنما دائرة جيوسياسية، تطور داخله عبر الزمن نمط حياة وأسلوب في النظر والعمل والإدارة والحكم والإنتاج، يشمل بلاداً وشعوباً وثقافاتٍ عديدة. وهذا ما نعنيه أيضاً بالشرق الذي يشمل دائرة جيوسياسية متوسطية، تبلورت فيها عبر العصور علاقات خاصة، ونمط تفكير وحياة تناقلتها امبرطوريات تاريخية عديدة، وشكلت هويةً مدنيةً تتجاوز التنوعات الثقافية، هي ما نسميها المدنية الشرقية المتوسطية، والتي ورثتها آخر الامبرطوريات الإسلامية فاحتفظت بتسميتها.

كلنا نعرف أن أوروبا، قبل أن تخرج من بربريتها، وتقيم صرح حضارةٍ لامعة غيرت معالم الحضارة الإنسانية، وتتحول إلى منارة للمجتمعات الأخرى، عاشت قروناً طويلةً تحت الهيمنة الفكرية والسياسية والعسكرية للامبرطوريات التي نشأت وترعرعت في المشرق، الذي شكّل منذ أقدم العصور مهداً لحضارةٍ كونية، ومرجعاً لمدنيةٍ عظيمةٍ، تعدّدت منابعها الثقافية والسياسية، وكوّنت، مع الزمن، دائرةً مشتركةً لتداول الأفكار وتبادل السلع والبضائع، قرّبت بين توجهات أفرادها وأنماط سلوكهم وتفكيرهم، في ما وراء تعدّد الأديان والثقافات والدول أيضاً. وصبّت في هذه الدائرة الجهود التاريخية لشعوب بلاد الرافدين، ووادي النيل واليونان والرومان والسوريين القدماء وسكان فارس واليمن والجزيرة العربية والكرد، وأخيراً الترك العثمانيين الذين أنشأوا واحدةً من أكبر الامبرطوريات، متعدّدة الأقوام والمذاهب والثقافات والأديان، عابرة للقارات، بسطت سيطرتها على المتوسط وهيمنتها القارية قرابة خمسة قرون.

وفي الصراع ضد هذه المدنية “الإسلامية”، وريثة امبرطوريات المشرق التي امتدّ نفوذها من إسبانيا إلى الهند والصين، وجمعت بين قومياتٍ وثقافاتٍ وأديانٍ ونحلٍ لا تُحصى، ولدت أوروبا الحديثة، وتشكّلت في مواكبتها الديناميات الفكرية والسياسية والجيوسياسية الجديدة التي قامت عليها المدنية الغربية التي انتقل إليها مركز إنتاج الحضارة وازدهارها، العلمي والمادّي، بشكلٍ مضطرد منذ القرن السابع عشر الميلادي. ولم يُتح لهذه المدنية الغربية الجديدة أن تستقرّ وتضمن تفوقها وهيمنتها العالمية إلا على أشلاء المدنيات السابقة، التي أسدل عليها سيف الحركة الاستعمارية الستار وحطم توازناتها، في الصين والهند وإفريقيا. وكانت معركتها الأقسى والأطول تلك التي خاضتها ضد المدنية الإسلامية لتفكيك مراكز هيمنتها العالمية : في الأندلس الأوروبية، وفي آسيا المغولية، وأخيراً ضد الدولة العثمانية التي بقيت تشكّل قوة عسكرية ضاربة في أوروبا نفسها حتى القرن الثامن عشر. فقد تم طرد المسلمين العرب والبربر طرداً كاملاً من إسبانيا وقتل من قتل وأجبر من بقي منهم على الانسلاخ عن جلده ودينه منذ عام 1492. وفي آسيا، حلت الملكة فيكتوريا إمبرطورةً على الهند محل السلطان محمد بهادر شاه عام1857. وفي المتوسط، دامت معركة تفكيك الإمبرطورية العثمانية وتحطيمها القرن التاسع عشر بأكمله، قبل توزع أملاكها بين الدول الأوروبية.

وعلى الرغم من أن مخطط تقسيم تركيا لم ينجح بسبب شراسة المقاومة الوطنية التركية بقيادة مصطفى كمال، إلا أن الحرب الغربية لا تزال مستمرة، ليس في سبيل السيطرة على موارد المنطقة المادية واللامادية، والتحكم بطرق المواصلات الدولية التي تحتل موقع القلب منها فحسب، وإنما، أكثر من ذلك، بهدف منعها من التعاون وتوحيد جهودها أو إعادة تجميع أطراف الدائرة الجيوسياسية المتوسطية ومخاطر بناء قوة استراتيجية، عسكرية وسياسية وأيديولوجية، يمكن أن تهدّد مستقبلاً الغرب، أو تخلّ بالتوازنات الجيوستراتيجية القائمة، أو تعمل على إعادة تدوير الموارد الحضارية، أو تغير في معادلات القوة الشاملة على أعتاب المواجهة الحاسمة للغرب مع المدنية الآسيوية الصاعدة. وفي اعتقادي، من الصعب تفسير مجموعة كبيرة من التطورات التي شهدتها هذه المنطقة، والمسار الذي اتخذته نزاعات سياسية وإقليمية عديدة، وحيز الهمجية والتوحش والعنف المسموح فيه، وغياب أي جهودٍ دوليةٍ جديةٍ لدعم الحلول السياسية، خارج سياق هذه الحرب أو المواجهة الكبرى، أو بتجاهل إكراهاتها. وأقرب مثال على ذلك المصير الذي آلت إليه ثورات الربيع العربي التي شكّلت الحدث الأبرز في تاريخ تطور شعوب المنطقة، وفي مقدمها مصير الثورة السورية النازفة منذ أكثر من خمس سنوات.

إجهاض الثورات وتحطيم الدول وتقسيم الشعوب

هكذا، لم ينشئ الغرب إسرائيل، ويجعل منها قوة إقليمية رئيسية، وربما الأولى اليوم في المنطقة، حباً باليهود أو شفقة عليهم، أو تكفيراً عن المحارق النازية وسياساته اللاسامية، ولا أطلق يد السفاح بشار الأسد في شعبه، يستبيح دماءه، ويجوّع أطفاله، ويدمر حضارته، ويهجّر الملايين من أبنائه، ولم يغضّ النظر عن استخدامه الأسلحة الكيماوية وتلك المحرّمة دولياً لتدمير المدن وترويع المدنيين وإفراغ البلاد من أكثر سكانها ضماناً لحقوق الأقليات، علويين ومسيحيين ودروزاً وإسماعيليين وسريان، ولم يزوّد قوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي “البايادي” (الكردي) بأفضل الأسلحة، ويكرس أسطوله الحربي لدعم تقدمها حبّاً بالأكراد أو تعويضاً لهم عن معاناتهم التاريخية.

وبالمثل، لم يسمح لطهران الخمينية أن ترسل حرسها الثوري ومليشياتها الطائفية لتحكم العراق وتتحكّم به، وتحوله إلى خرابٍ ومرتع للحروب الطائفية وحروب التطهير العرقية والمذهبية، وهو أغنى دول المنطقة وأكثرها ثروةً، ولا غض النظر عن عبور مليشياتها المذهبية المتوحشة نهر الفرات وبادية الشام حتى حدود المتوسط لدعم نظام الأسد المسخ الذي لا يتردّد في قتل شعبه وتشريده للاحتفاظ بالحكم، حباً بالشيعة أو تأثراً باستشهاد الحسين. تماماً كما أن غض النظر عن عمليات الإبادة الجماعية المنظمة في أكبر المدن السورية، وتشريد ملايين السوريين والعراقيين، وإطلاق يد المنظمات الإرهابية الدولية في المناطق السورية والعراقية لم يأت كرهاً بالسنة، أو انتقاماً منهم. فليس لدين الضحايا ومذاهبهم أي قيمةٍ في ذاتها بمنظور هذه المواجهة، وإنما ينبع استهداف مجتمعاتهم وتفتيتها لما يمثلونه، بامتدادهم على اتساع الرقعة المتوسطية، وهيمنتهم العددية، من إمكانات واحتمالات لإعادة حبال التواصل والتفاعل وإعادة التجميع والتوحيد للشتات المتوسطي الراهن، كما أظهرت ذلك خلال العقود الطويلة الماضية حركات الصراع من أجل وحدة المنطقة، سواء أتت في شكل وحدة قومية أو دينية.

كل هذه الخطط جزء من سياسة الحفاظ على الوضع الاستثنائي الهامشي للمشرق، ومنع نشوء قوة استراتيجية في المتوسط تهدّد الأمن الأوروبي الغربي، وتعدل في التوازنات ودورات التبادل، وتعيد توجيه الموارد والمكتسبات الحضارية وتوزيعها. والسبيل الرئيسي لتحقيق ذلك هو إبقاؤه تحت المراقبة، وفي قفصٍ من حديد، وإجهاض حركاته وتحييد شعوبه والقضاء، بشكل منتظم، على أي قوةٍ ناشئةٍ، من المحتمل أن تتحوّل إلى مركز قوة استراتيجية. وهذا الضغط الاستراتيجي الهائل والمستمر عقوداً على مجتمعات المشرق، وحرمانها من أي فرصةٍ للانعتاق والتقدّم هو العامل الأكبر والأشمل، في دفعها نحو الاضطراب وعدم الاستقرار بما يثيره من التهاباتٍ وتوتراتٍ دائمةٍ واختلالاتٍ وتأزماتٍ، تقوّض أي أسسٍ ثابتةٍ وسليمةٍ لاستقرار الدولة والحياة السياسية والأمنية والثقافية، وتحول حياة شعوبه وأفراده إلى سلسلةٍ لا تنقطع من الأزمات والنزاعات.

وما من شك في أنه، بنتيجة هذه المواجهة التاريخية التي خسرتها، تحوّلت منطقة المشرق التي كانت مقر مدنيةٍ مزدهرةٍ وجامعة، وأحد مراكز الحضارة الرئيسية في العالم، قروناً طويلة، إلى مسرحٍ للخراب والدمار والفوضى. وهي لا تزال تتراجع باستمرار، وتخسر على كل الأصعدة، الداخلية والخارجية، وتكاد لا تحقق أي إنجاز، حتى فقدت شعوبها أو هي في طريقها إلى أن تفقد جميع آمالها، وتغرق في اليأس والإحباط، بينما تحولت أوروبا المجاورة التي كانت تسبح في فوضى الصراعات الدموية الدينية والقومية حتى منتصف القرن الماضي إلى مركز الثقل الرئيسي، وموطن المدنية ومنتج الحضارة.

في مواجهة سياسات العزل والتهميش والحصار

منذ تبني الرئيس الأميركي، باراك أوباما، سياسة النأي بالنفس عن مشكلات المشرق والشرق الأوسط، بعد فشله المدوّي في إقناع إسرائيل بمشروع حل الدولتين الذي وعد به حلفاءه العرب، ولد اقتناع واسع في الرأي العام الدولي، الرسمي والشعبي، أن المشرق منطقةُ زلازل واضطرابات وعدم استقرار، لا أمل في علاجها. ومن الأفضل تركها لمصيرها. والحقيقة عكس ذلك تماماً، فليس هناك منطقة دمرت تدخلات الغرب أسس استقرارها وتوازناتها النفسية والدينية والسياسية والأمنية في العصر الراهن، وقضى تلاعب المؤسسات والأجهزة الأمنية الغربية بمؤسساتها وقياداتها على مستقبل تنميتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، كما حصل لهذه المنطقة المنكوبة من العالم، حتى أصبحت تحتكر اليوم أغلب الجهد الدولي الأمني والإغاثي والدبلوماسي.

وما يجري في المنطقة، اليوم، بعكس الادعاء السائد، هو أكبر تدخل دولي مشترك، حصل في بلد واحد وفي الوقت نفسه، في أي عصر، حيث تشارك 62 دولة رسمياً، بجيوشها وأساطيلها، بالإضافة إلى عشرات، وربما مئات، المليشيات من كل المذاهب والجنسيات، في عملية إخصاء استراتيجي طويل المدى، يهدف إلى استبدال الدولة والأمة والثقافة والمدنية والحضارة والفكرة الإنسانية، بزعماء مليشيات ومجالس عشائر وحشود شعبية وطوائف وقوميات ميكروسكوبية ومظالم وانتماءات وولاءات وعصبيات وعداوات أبدية. ولا يتردّد التحالف الدولي الذي سلم قيادته للثلاثي، الأميركي الروسي الإسرائيلي، غير المسبوق في العصر الحديث خارج المنطقة، في سبيل تحقيق هدفه من استخدام نار الإرهاب الكاوية التي تحولت منظماتها في أشهر قليلة، وبقدرة قادر، إلى جيوش وممالك وإمارات جبارة، تهدد المنطقة والعالم. وللهدف نفسه، يصر القادة الغربيون، كما يصر الإعلام على تسميتها بالإسلامية، حتى صار كثيرون يعتبرونها ممثلةً للمسلمين السنة عامة، وناطقة باسمهم.

وما من شك في أن اندلاع الثورات العربية في العقد الثاني من هذا القرن، ومشهد ملايين العرب المتجمعين في الساحات والمطالبين بحقوقهم، وفي مقدمها حقهم في المشاركة في القرار والحكم، قد قرع ناقوس الخطر بالنسبة لجميع القوى الخائفة من يقظة الشرق العربي. وكان القبول بمثل هذه المطالب يعني تلقائياً انهيار استراتيجية الغرب، للإبقاء على سيطرته الإقليمية، والتي كانت تعتمد، بشكل رئيسي، على تعاون النظم والنخب التابعة، وأحياناً العميلة. ولذلك، بعكس المظاهر، لم يتردّد الغرب السياسي، لحظةً، في اتخاذ قرار قيادة الثورة المضادّة لمواجهة خطر انتصار الشعوب، وعندما أبدى تفهماً وأظهر تأييده للثورة، كان هدفه الالتفاف عليها، واختراقها من الداخل، لإعادة توجيهها وضبطها. لكنه سرعان ما نظم عملية الانقضاض عليها، بالتحالف مع القوى التابعة له، وروح الانتهازية وغياب الثقة بالذات، وتغذية الأوهام عند كثيرين من أعضاء النخب المعارضة والمعارضات السياسية.

يتركّز الجهد العسكري والسياسي الغربي الراهن، من أجل إجهاض ما حققته المنطقة ومجتمعاتها من نمو في العقود الماضية، بعد حروب السبعينات، وإرجاعها قرناً إلى الوراء، كما وعد زعماء التدخل الأميركي في العراق سابقاً، على عدة أهداف: تحطيم الدولة المركزية الوطنية، أو تلك التي فشل في السيطرة عليها والتحكم بها من خلال النخب الموالية والتابعة له، وإطلاق دينامية حرب دينية شيعية سنية، ستشل المنطقة عقوداً طويلة مقبلة، وتقطع عليها، بسبب العداوات والأحقاد، أي أمل في استعادة وحدتها، والتعاون في ما بينها للوصول إلى بناء دائرة جيوسياسية واقتصادية وثقافية مستقلة ومستقرة وفاعلة، وفتح ملفات المنطقة القومية المعلقة، وفي مقدمها قضية القومية الكردية. لكن، ليس وحدها. وترميم النخبة التابعة التي فقدت سمعتها، وبان تهافتها، وإعادة الرهان على القوى الانقلابية العسكرية، والتعاون معها، وتقوية أجهزة القمع الاستخباراتية التقليدية، والتنسيق معها بشكل كامل.

في هذا السياق، يندرج أيضاً تشجيع الولايات المتحدة وحلفائها العراق، في التسعينات من القرن الماضي، على شنّ الحرب على إيران، بعد سقوط النظام الشاهنشاهي، لإطلاق دورة عنف وحروب إقليمية جديدة. وللغرض نفسه، صمم جورج بوش الابن وحلفاؤه التدخل العسكري في العراق عام 2003، لينهي وجود الدولة العراقية المركزية، ويرعى عملية تقسيم البلاد وتدمير وحدتها القومية والدينية ومؤسسات الدولة الحديثة، ويقضي على أي احتمالٍ لاستعادة العراق هويته، وولادة قوة استراتيجية وازنة فيه. وهو الغرض نفسه الذي أوحى للرئيس أوباما، ولحلفائه، بعدم التدخل لفرض الحلّ السياسي في سورية، والحيلولة دون تطوّر الصراع نحو الحرب الأهلية والحروب بالوكالة، وانتشار منظمات الإرهاب الدولية، وخطر إشعال حرب سنية شيعية إقليمية، تقضي على كل ما أنجزته المجتمعات خلال القرنين الماضيين، وتعيدها إلى القرون الوسطى. وأكبر دليل على ذلك إطلاق يد الروس والإيرانيين والأسد تقريباً من دون قيود أو حتى انتقاد، والتهاون في وقف الانتهاكات اللامسبوقة لمواثيق الحرب، وغضّ النظر عن تعميم سياسة التجويع والتشريد والقتل العشوائي، فالمقصود تمديد أجل الحرب إلى أن يقتنع السوريون، كما اقتنع العراقيون، بالطريقة نفسها، من قبل، باستحالة الحفاظ على دولتهم المركزية، ويقبلون التقسيم، على أسسٍ طائفيةٍ وإتنية، تحت غلالةٍ خادعةٍ من الفيدرالية الكاذبة. ولا يتردّد قادة روسيا، في حماسهم لانتزاع الزعامة في الحرب الحضارية ضد الإسلام والمسلمين، في الإعلان صراحةً عن استحالة القبول بهيمنةٍ سنيةٍ في سورية، وربط السلام فيها بتحقيق التوازن الطائفي. ما يعني، أحد أمرين: إما تعميم عمليات التهجير القسري للمسلمين حتى تقل نسبتهم على عدد السكان الكلي، أو تشجيع حروب التطهير المذهبي، حتى يتحقق رسم حدود آمنةٍ وقويةٍ للدول الجديدة التي تهدف، باسم حماية الأقليات الاتنية والطائفية، للحيلولة دون نشوء دول قوية.

وفي هذا السياق أيضاً، تصبّ مجموعة الأبحاث النظرية والإعلامية الغربية المتزايدة التي تريد أن تقنع العرب والمسلمين من سكان المنطقة بتناقض فكرة الدولة المركزية مع التقاليد والثقافة والبنية الاجتماعية العربية والهوية الإسلامية، وتشجعهم على رؤية الحل لمشكلاتهم السياسية في العودة إلى الدول الإتنية والطائفية الصغيرة، بدل الاستمرار في الكفاح من أجل دول مدنية ديمقراطية حرة. ومن الواضح أن مثل هذه الدول التي لم يعد لها أي حظٍ في البقاء في عالم اليوم بمواردها الذاتية، سوف تتحوّل إلى ذئابٍ على بعضها، لاحتكار الموارد المحدودة في المنطقة ووضع اليد عليها، كالنفط والغاز والماء، أو سوف تجد نفسها مضطرةً للعمل مباشرةً في خدمة الدول والاستراتيجيات الدولية الأمنية والهيمنية لتأمين مورد رزقها وحماية نفسها من الدول الأقوى القريبة والعدوة. ويجد هدف تحطيم الدولة المركزية، كما حصل في الحالة العراقية، هوىً خاصاً لدى إسرائيل التي تمثل، في معركة تقويض قدرة شعوب المنطقة على الاستقلال والتحرّر وبناء قوة استراتيجية تحفظ أمنها وحقوقها، قاعدة متقدمة عظيمة الأهمية، ورأس رمحٍ لا يعوّض بالنسبة لعموم الغرب. وتجد تل أبيب، في دورها الجديد والثمين هذا، فرصتها التاريخية لتطبيع وضعها الاستثنائي داخل هذه المدنية الغربية، والتعامل معها وداخلها كقوة مستقلة وند، بعد أن بقيت، عقوداً سابقة طويلة، عالة عليها.

التخبط في رمال متحركة

على الرغم من هذه الخسارة الاستراتيجية التاريخية التي منيت بها، والإخفاقات المتكرّرة التي عرفتها في كل الميادين، العلمية والسياسية والاقتصادية والأمنية، اتسمت استجابات شعوب المشرق لهذه التحدّيات، منذ الكارثة الاستعمارية الأولى، بردود الأفعال والمقاومات المتبعثرة والمتقطعة، وافتقرت، ولا تزال، للرؤية البعيدة العالية، وللاستراتيجية الشاملة. وتتخذ ردود أفعالها اليوم، بصورةٍ أوضح، شكل التشنجات والتهجمات الفردية والجماعية، وزيادة الرهان على العنف اللفظي والمادي الأعمى الذي يضرّ المشرقيين، أكثر مما يضرّ خصومهم، ويعمّق قطيعتهم مع العالم الذي يحتجون على عدم تعاونه وتهميشه لهم، ويزيد من استفزاز قواه العدوانية الموجهة لقهرهم.

والحال، لا يمكن لمثل هذا العنف وردود الفعل التي تسم استجاباتنا لتحدّي العزل والتهميش والإفقار، وما يرتبط به من فساد نخبة مارقة واستبدادها، أن يقدّم أي حلٍّ، أو مخرجٍ من الحصار المضروب بالفعل على المشرق، عربياً وتركياً وفارسياً معاً. لكنه يفاقم من مشكلاتنا المتراكمة، الوطنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ويهدّد بخسارتنا جميع ما بقي لنا من رهاناتٍ، ويدفع بنا إلى مزيدٍ من الانحدار نحو الهاوية. وإذا ساهمت أعمال العنف الأعمى التي آلت إليها ردود أفعالنا، حتى في صراعاتنا الداخلية، بحيث لم يعد هناك أي شعورٍ بالمسؤولية تجاه المدنيين والأبرياء، حتى الأطفال والنساء والشيوخ، في “فشّ قهرنا” أو التنفيس عن كربنا، وهو تعويض عاطفي رخيص، لا جدوى منه، فلن تقدم لنا أي أمل أو عزاء. بالعكس، وظيفتها الرئيسية أن تخفي عنا بؤس نخبنا وقياداتنا وقصور تفكيرها وافتقارها رؤيةً متسقةً واستراتيجيةً فعالة لمواجهة التحدّيات التاريخية، وبالتالي، منعنا من البحث عن قيادةٍ جديدةٍ فاعلة، تستطيع أن تساعدنا على وضع حد لتاريخ التراجع والهزيمة والنكبات المتكرّرة التي أصبحت الإنجاز التاريخي الوحيد لنا. والمقصود هنا القيادة التاريخية التي تتجاوز فكرة الشخص أو الأشخاص القادرين على اتخاذ القرار، وتعني الرؤية الواضحة للواقع، وتعيين الأهداف الصحيحة والوسائل الناجعة، كما تعني العثور على الصيغة العملية القادرة على توحيد القوى، وتجميع الأفراد والجماعات في مسارٍ واحدٍ للعبور نحو الضفة الأخرى، والانتقال من العبودية إلى الحرية.

ليس رد الفعل سياسةً ناجعة، وإنما هو الضمانة للذهاب بأسرع وقت إلى الكارثة. ومن الأفضل لنا، وكما ينبغي للسجين في رمالٍ متحركة، عندما لا يكون الطريق واضحاً أمامنا، أفضل أن نتوقف عن السير، ونفكّر وننظر حولنا، ونوفر جهودنا لمرحلةٍ مقبلة، من أن نستمرّ في تقديم مزيد من التضحيات الضائعة.

========================

موقفنا : مهداة إلى طبقة العبيد السوريين .. سود أمريكيون ناضلوا ضد إخوانهم السود مؤيدين العبودية والتمييز .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

6 / 8 / 2016

قديما شرع القرآن الكريم للعبيد التحرر ولم يفرض التحرير (( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا )) .

تستمع بعض النفوس بالعبودية ، وترتاح إليها ، وتتمسك بها ، وتدعو إليها، وما تزال تجمل العيش في فيئها وضوئها ومخملها ، كما تسمعونهم أو تقرؤونهم يتحدثون أو يكتبون ..

يحكون عن طيور يفتح لها باب القفص فلا تخرج منه ، وإن خرجت منه عادت مسرورة إليه لا تفرق بين الوكن والقفص ولا بين العود والغصن . هل هذا بعض ما نشاهد ونعايش ونسمع ونرى من قوم همل أو مغرورين.

ومهما أكدنا عن شعبنا السوري الحر الأبي بوضاءة إيمانه ، وسمو معدنه ، وعظمة أمسه ؛ فإنه لا يجوز أن يريبنا ما نرى في بعض ترسبات تاريخه من تقلبات من العبيد ، والعبودية ليست لونا ، ولا سوادا أو بياضا، بل هي خلق وهمة لأفراد ما زالوا يحلمون بالنير يكدن على رقابهم ، وبالسوط يلهب وجوههم وأدبارهم . ما زالوا يجدون لطقوس العبودية التي يعشقون مدخلات ومخرجات وفذلكات وفلسفات مرة تحت عناوين خوف الفتنة ، وأخرى تحت عناوين ( حب الوطن ) وثالثة تحت عناوين هجاء الخشن في ثياب التحرر والمحررين والتغزل بالمخمل في أهداب ثوب المحتلين والمستعبدين.

ما نجده في تاريخ ثورتنا وقد تطاول بها الزمان ، وما نعايشه من بعض من يحسب على شعبنا ، وهو شعب الخيار عن الخيار عن الخيار ، لا يجوز أن يحبطنا ، ولا أن يدخل الوهن والشك إلى قلوبنا ؛ بل يجب أن نواجه كل ما نعاينه ونعايشه بقول الله تعالى (( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ )) وما يزيدنا إلا إيمانا وتثبيتا ..

ليس عجبا أن نجد مثقفين سوريين، ويزعمون أنهم متحضرون ، يدافعون عن العبودية وهم قد كانوا بعض أدوات النخاس . وحلبوا ضرع العبودية فدر عليهم الكثير. ولا عجب أن نجد من يزعم أنه ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين ، يمجد جلاديه ويتهم محرريه ، ويلعن من يحاول أن يرفع النير عن كاهله ، وهو قد أدمن الكدنة ، وتعود الخافضتين على عينيه فلا يرى إلا طريق المستعبد والمعلف والعليق ...

قد ينقضي عجبنا مما نعايشه ونراه ونسمعه ونقرؤه من جيل هؤلاء المستعبدين حين نستعيد تجربة التحرر من العبودية أولا ومن التمييز العنصري ثانيا في الولايات المتحدة الأمريكية ، التي ما انتصرت على العبودية والتمييز إلا منذ زمن قريب .

ربما نختصر فنقول : لقد تزامن تحرر الولايات الأمريكية من نظام التمييز العنصري في عصر الرئيس جونسون سنة 1964 مع فرض هذا النظام البشع على السوريين سنة 1963 ، ثم ليكرس بشكل أكثر صرامة وبشاعة وعتوا في تشرين الثاني عام 1970 .

نعم لقد فرض على سورية والسوريين منذ ذلك التاريخ نظام تمييز عنصري بشع ومقيت ، ولا يتسع مقال لندخل في توضيح معالمه بالتفاصيل ، وإنما نتحدى كل الذين يماروننا فيه ، أن يقبلوا بشهادة الرقم الشفاف في سجلات الإحصاء الحر النزيه ، ليتبينوا عن السلطة و الثروة والفرصة كيف توزعت بين السادة وخدمهم ثم العبيد .

فتحوا منذ أيام على صفحات التواصل خبر الخطيئة الكبيرة التي ارتكبت في مدرسة المدفعية في حلب سنة 1979 . وكلهم ذابوا إنسانية ووطنية في الدفاع عن المجرمين . المجرمون الحقيقيون ليسوا هم القاتلين ولا المقتولين ، وإنما المجرمون الحقيقيون هم الذين حشروا في دورة عسكرية يفترض أنها في كلية وطنية تخدم جيشا وطنيا 90 % من طلاب الضباط من طائفة صغيرة سيطر عليها وأدارها المجرمون الطائفيون العنصريون . لقد عميت أبصار أدعياء الوطنية والإنسانية هؤلاء وهم يدّعون العلم والثقافة والعصرنة والتنوير أن يروا الحقيقة كاملة ، وأن يحيطوا بالواقعة من كل أطرافها ، وأن يشيروا إلى الجريمة الحقيقية والمجرم الفاعل لا الضحايا المنفعلين ...

ونعود إلى معركة تحرر الزنوج الأمريكيين ، من قانون العبودية أولا ، ومن قوانين الفصل ( الأبارتيد ) العنصرية ثانيا . لنقول إن العجيب الغريب الذي نتابع مثله اليوم في الساحة السورية أنه كما كان بين المناضلين السود أمثال مالكولم اكس ، ومارتن كينغ فقد كان منهم لفيف غير قليل يدافعون عن حق ( الأنكلو ساكسون ) في الاستعباد وفي السخرة وفي الاستعلاء وفي الانفراد والتميز . أمر واحد لم يدعه الأنكلو ساكسون حقا ، ولم يروجه لهم أنصارهم السود في ذلك التاريخ : الأنكلو ساكسون على كل قسوتهم لم يدّعوا لا ربوبية ولا ألوهية كما يدّعي الطائفيون العنصريون في سورية وكما يروج لهم عبيدهم الذين ارتكسوا عن مرتبة العبيد .

وكان في السود الموالين للعنصرية والعنصريين في الولايات المتحدة أدوات قتل وإرهاب ، وكان فيهم مخبرون وجلاوزة ، وكان فيهم فوق ذلك والأغرب من كل ذلك ( فلاسفة ) يفلسفون للعنصرية ويسوغون حق الرجل الأبيض في السيطرة والتسلط والاستعلاء ، ويظلون يرددون مشيرين إلى إخوانهم الذين خرجوا لتحريرهم : انظروا إلى هؤلاء الهمج الرعاع المتخلفين وانظروا إلى هذا الأبيض الناعم الرقيق الأنيق ...

منطق حين نسمعه ونقرؤه اليوم من رواد العنصرية ودعاتها والمروجين لها ، وحين نتابعه على صفحات المبشرين بالعبودية فيجب أن نعلم أن وراءه سرا لا يخفى على بصير ...

فقد كانت أمنية ( الزنجي الحقير ) الذي يتصدى بصلف وعنجهية لأخيه ( الزنجي الإنسان ) أن ينقله سيده من الخدمة في الحقل إلى الخدمة في البيت ، فهؤلاء العبيد سودا كانوا أو بيضا قد رسموا لعبوديتهم سماء وقنعوا أن يكونوا فيها نجوما وليس للعبودية سماء أيها العبيد...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

حلب بين تيمورلنك وتيمورلنك .. عمر قدور

المدن

الاربعاء 3/8/2016

على الأرجح هي براءة اختراع تُسجل لحلب “المحاصرة” في موضوع إحراق إطارات السيارات للتعمية على طيران النظام، بينما كان مقاتلو مناطق الحصار ومقاتلو جيش الفتح من الجهة المقابلة يشنون هجوماً واسعاً على تحصينات ميليشيات حزب الله والحرس الثوري والنظام. الأمر الأهم هنا لا يتعلق بالفاعلية العسكرية لإحراق الإطارات، بقدر ما يتعلق بتضامن الأهالي مع المقاتلين، ويزيد من أهمية هذا العامل ما يُعرف أصلاً عن عدم تورع الطيران الروسي وطيران النظام عن القصف العشوائي، ما يعني استعداد أولئك المدنيين للتضحية بأنفسهم فداءً لمدينتهم ولمساعدة المقاتلين الذين يدافعون عنها. من الجهة الأخرى، قبل يومين من إطلاق الدخان الأسود، تناقلت وسائل الإعلام احتفالات موالي النظام في حلب بإحكام الحصار على الجزء المحرر منها، وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي تحريض أولئك الموالين على إبادة المناطق المحاصرة وعدم إبداء أي قدر من الرحمة تجاه أهاليها، وهي رسالة يُفهم منها عزم النظام على الاستمرار بمخطط الإبادة المنهجية. لكن عجلة الاحتفالات تعثرت، ومساء الهجوم على مواقع النظام بادرت مذيعة من مذيعات النظام، سبق أن اشتُهرت بأخذ صور سيلفي مع قتلى من قوات المعارضة، إلى حضّ الموالين على الدفاع عن حلب، ولم تستثنِ استغاثتُها الأطفال في عمر العشر سنوات الذين دعتهم إلى حمل السلاح. الثابت، مرة أخرى، في هذه التقلبات السريعة أن النظام ساقط فعلياً، ولولا القوى المحتلة الحليفة، وأيضاً لولا الرعاية الدولية، لكان قد انهار منذ زمن طويل. فالهجوم الحالي لا يملك أصلاً عنصر المباغتة، وقبل أيام نبّه ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن من يدبّر هجوماً واسعاً بغية فك الحصار لا يعلن عنه مسبقاً، وأكثر من ذلك لا يعلن عن خطته العامة المقسمة على مراحل. فأن تسقط تحصينات ميليشيات حزب الله والحرس الثوري والميليشيات العراقية، المدعومة بغرفة عمليات روسية، مؤشر يدل على عجز تلك القوى مجتمعة حالما يُتاح للجهة المقابلة دعم معقول لا يصل إلى عتبة التكافؤ في النوع والكم، ويُعوَّض شحّه بإرادة المقاتلين من أبناء الأرض. لكن الحصافة تقتضي عدم الانسياق وراء أوهام إسقاط النظام كلياً في حلب، فمثل هذه الخطوة دونها إرادة دولية حازمة، وقدرة على ترجمتها بوقف إمدادات الفصائل المقاتلة وقت الحاجة. نجاح جيش الفتح في فك الحصار من جهتي الغرب والجنوب يعني عملياً محاصرة النظام في بقعة محدودة جداً من حلب، وبالتالي انقلاب الموازين حتى في اتجاه الريف الشمالي والعودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل سنتين من الآن. عملياً، هذا يعني إنهاء مفاعيل الاحتلال الروسي، وهو قرار لا يُتوقع الشروع به من قبل إدارة أوباما في أشهرها الأخيرة. لذا قد يكون الهجوم الحالي ورقة ضغط على القوى المحتلة من أجل إجبارها على تقديم تنازلات سياسية، أو إنسانية تخص القسم المحاصر من حلب، بمعنى عقد صفقة تخفف من وطأة الحصار دون فكه. في كل الأحوال، لأسباب تتعلق بالداعمين الكبار تأخر هذا الهجوم، وكان من الأجدى القيام به قبل حصار القسم المحرر من حلب. هذا التحفظ لا يلغي آثاره الإيجابية، إذا أدى إلى التخفيف عن حوالي 300 ألف مدني محاصر، ولا يلغي بخاصة ما أثبته أهالي تلك المناطق من تلاحم مع مقاتليهم، التلاحم الذي ينبغي فهمه على الصعيد الدولي بعدم استعدادهم للعودة إلى حكم الأسد على رغم الإبادة المنهجية التي هدفت إلى تركيعهم خلال سنوات. ولا بأس في القول بأن حلب ليست واحدة، أو القول بوجود موالين للنظام فيها، فهذا الانقسام ينبغي تحري أسبابه بدل تجاهله، أو رميه على بعض الأقليات فيها. بل هو انقسام يلغي الفكرة القديمة التي أشاعها النظام عن حلب كمدينة مُحافَظة فحسب، فالأحياء التي يسيطر عليها النظام فيها ما هو محافظ وما هو غير محافظ، وكذلك هي الأحياء التي خرجت عن سيطرة النظام. أما القسمة “الطبقية”، حيث يسيطر النظام على السكان الأكثر ثراء، فهي قسمة متوقعة لسببين، أولهما وجود شريحة مستفيدة أصلاً من النظام، وهي شريحة مختلفة تماماً عن البرجوازية التقليدية التي حطمها حكم البعث، وثانيهما عامل الخوف لدى شرائح أخرى رأت الدمار الذي ألحقه النظام بالمناطق المحررة. يُضاف إلى ما سبق أخطر ما ينبغي تلافيه، وهو قيام فصيل محسوب على المعارضة بقصف عشوائي بما يُسمى مدفع جهنم لمناطق سيطرة النظام، ووقوع ضحايا مدنيين جراءه، فمسؤولية من يقاتل النظام مستمرة في التأكيد على الإبقاء عليه وحده مع حلفائه في مرتبة من يستهدف المدنيين أو لا يكترث بحيواتهم. الحق أنه انقسام غير استثنائي، بما فيه النعرة التي يحملها بعض أبناء المدينة إزاء ريفها، إذ يمكن ملاحظة مثل هذا “الفلكلور” عند معظم الشعوب، بشرط عدم الاستثمار فيه سياسياً كما فعل ويفعل النظام وموالوه. ومن الضروري ملاحظة أن هذه النعرة هي من جانب واحد، فحين كانت مناطق سيطرة النظام تحت الحصار لم تُمنع عنها المواد الغذائية، وعندما قام فصيل بإغلاق المعبر بين الطرفين قوبل بالمظاهرات وبحملة إعلامية اضطرته إلى العودة عن قرار الإغلاق. قد يكون ضرورياً التنويه بأن أحياء كاملة تسيطر عليها المعارضة سكانها من أبناء المدينة القدماء، لتبديد تلك الصورة عن الانقسام بين المدينة والريف. ومع أن التاريخ لا يشفع لأحد، إلا أن أبناء حلب يسترجعون دائماً حادثتين بالغتي الأهمية في سرديتهم عن مدينتهم، الأخيرة منهما في عام 1822 عندما ضربها الزلزال الكبير وأدى إلى هلاك ودمار ما يقرب نصفها، ثم أعيد بناؤها. أما الأقدم فهي الكارثة التي حلت بالمدينة بعد مقاومة عنيفة أبدتها إزاء التتار بقيادة تيمورلنك؛ يقارن أهالي حلب ما حل بمدينتهم وما حل بدمشق التي فتحت أبوابها لتيمورلنك، فاستباحها أيضاً، ليستخلصوا تطابق النتائج مع الدرس المستفاد مما قبلها.

========================

حلب والتراث العالمي! .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 3/8/2016

تطفح الأحداث المأساوية في مدينة حلب، والتي تعود في وجودها إلى خمس عشرة سنة، فيومياً نسمع عن أحداث عظمى لا تطيح بالبشر فحسب، وإنما تطول التاريخ ذاته، تاريخ هؤلاء البشر، فالمسألة تتصل بالتحرش حتى الموت والاجتثاث التاريخي لمدينة ليست هي تراث السوريين العرب فحسب، بل تتصل كذلك بمعلم تاريخي عالمي يخص الإنسانية كلها، أما المفارقة الفاقعة فتتجسد في أن مَنْ يوجه سهامه الدموية إلى المدينة تلك، يفعل ذلك باسم الحضارة، وبالانطلاق من القرن الـ21.

تباً للحروب التي تُسقط رموز الحضارات ومَن يبدعها ويقف وراءها من البشر، والحق أن الحروب بالمنظور النفسي حالة من الحماقة المركبة تمحق أصحابها في حالات كثيرة، وكذلك المجتمعات التي تحترق بها، إضافة إلى مجتمعات أخرى قريبة أو بعيدة، أما من يشعلها افتئاتاً وظلماً فيجد نفسه أمام خراب يحصد ثماره مصالح ملوثة دنيئة. إن أصحاب هذه الثنائية بين المال والمصالح لا يأتون من الغيب، بل من طبقات وفئات اجتماعية لا تعيش إلا على حساب «الموت»، ويظهر من مراحل التاريخ المنصرمة أن الموت يبدو بصفته مُنتجاً لكل أو معظم المظلومين من البؤساء والمقهورين، بحيث يمكن القول بأن التاريخ العالمي إنما هو تاريخ هؤلاء، وأولئك الحاصدين مرارة الحياة، ما جعل بعض المؤرخين يقسمون ذاك التاريخ إلى مرحلتين: مرحلة الإنسان الوحشي ومرحلة الإنسان الإنساني.

إن ذلك كله جعل مؤرخين وباحثين ينحون نحو إدانة التاريخ العربي الذي دخل مرحلة «الحضارة» التي تعني أن «الإنسان العاقل» الذي جسد بداية إنساننا، إنما هو مَن تيقن استحداث الموت للآخرين، ما يعني أن الوحش هو الكائن المسالم والجدير بالقواعد والاحترام، ذلك لأنه لا يؤذي كائناً، إلا إذا فقد إمكانية تأمين طعامه، هكذا كان رواد النزوع الإنساني السلمي في تاريخنا، وازداد هذا النزوع في حالات الإخفاق البشري، بعد أن اندلعت ثورات قدمت نفسها على أنها «خاتمة الأحزان»، كما حدث مثلاً مع ثورة القرامطة والثورة الاشتراكية في روسيا، لكن بعد سقوط هاتين الأخيرتين وغيرهما في تاريخ الشعوب، عاد البشر للتساؤل فيما إذا كانت نشأة التاريخ الجديد «الحضاري» حالة من حالات «لوثة عقلية».

ويلاحظ أن تلك «اللوثة» تعمقت مع جرائم تجاوزت أعظم الحالمين بـ«إنسان عاقل كوني»، فهل من منفذ لنا إذا قلنا إن ذلك كله إن هو إلا أمثلة منفردة تزيح من الساحة أحلام نشوء إنسان يحافظ على إنسانيته بالتآخي مع «الآخر»!.

ما يحدث من الفظائع على أيدي سوريين، وآخرين أغراب، في حلب، يقدم أمثلة فاجعة على التهام المدن، أما مسوغ ذلك فيتمثل في استراتيجية لتقسيم سوريا. قد نقول إنها استراتيجية لا مستقبل لها، وإن حققت تقدماً أو آخر، ونحن نجد أنفسنا هنا أمام مثال تاريخي هو أن الوطن السوري واجه الاستعمار الفرنسي بكل جدارة، هذه الجدارة تأتي من صلب تاريخ هذا الوطن، وتتمثل في أن أجداده القريبين الممتدين في كل النسيج الاجتماعي المكوّن له.. كان الإجماع بينهم قوياً بما يكفي.

في هذا السياق يحسن التذكير بالرجال العظماء الذين رفضوا مشاريع التقسيم في حينه، وألحوا على أن ذلك ليس موقفاً سياسياً يمكن نقاشه. كانوا وحدويين دون مساومة مع الأجنبي، فدللوا على أن وطنهم السوري يعادل وجودهم، وقدموا مثالاً على الوفاء للوطن، خصوصاً بعد أن قُدمت إليهم مغريات لمصلحة طوائفهم، لذا كان التحول النوعي هو الإجماع الذي بلوروه بعقلانية ووطنية وبُعد نظر تاريخي، إضافة إلى الوفاء لوطن اكتشف «الأبجدية» اللغوية العقلانية، إذ في الاكتشاف عبروا عن ضمائرهم وأفكارهم ومصالحهم، وعن احترامهم لشعوب الأرض كلها.

وبعد انقضاء عقود على الاستقلال الوطني السوري، يؤسفنا ويؤلمنا القول بأن إنساناً سورياً يسعى لاستبدال جلده بجلد آخر!

--------------------

*أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق

========================

لا جزرة في سورية ولا توبة في اليمن .. زهير قصيباتي

الحياة

الاربعاء 3/8/2016

يباغتنا وزير الخارجية الأميركي جون كيري برياح أمل سيرى ماذا سيفعل خلال ساعات، لتُمطِر برداً وسلاماً على السوريين المنكوبين بنظامهم وإصراره على «الانتصار»، وبإيران التي تراهن على «الخوارق» دفاعاً عن «مصالحها» في سورية، ولا ترى حلاً إلا بسحق المعارضين للرئيس بشار الأسد.

اعترف كيري بعد صحوة مباغتة بأن خريطة الطريق إلى تسوية جنيف، لم يتحقق منها ما يمكن أن يفتح الباب للعملية الانتقالية، فيبرّئ بالتالي إدارة الرئيس باراك أوباما من وصمة التواطؤ، على رغم كل ما شهدته سورية من مجازر وجرائم حرب.

وربما لم يكن مجرد أمنيات، التكهُّن بصفقة ما بين أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقود سورية إلى مرحلة جديدة انطلاقاً من تبريد جبهات القتال، قبل انتخاب الأميركيين رئيساً للولايات المتحدة. لكن إصرار الروس والنظام السوري على خنق المعارضة في حلب، ولو كلّف تدمير ما بقي من المدينة، وقتل آلاف من المحاصرين فيها، يستبعد مراعاة الكرملين الحسابات الانتخابية للديموقراطيين في أميركا. وما دام هناك إعجاب متبادل بين بوتين والمرشّح الجمهوري الجهوري دونالد ترمب، يمكن النظام السوري أن يحلم بـ «خوارق» إيران لضم رجل الأعمال الصاعد إلى سلّم مقاومة «التكفيريين»، ولو كانت بين مشاريعه إثارة فتنة في أميركا ضد كل مسلميها.

رغم كل ذلك، وبعد كوارث الدجل الأميركي في مزاعم دعم واشنطن المعارضة «المعتدلة» في سورية، فلنثق باتكال «المفوض السامي» للأذرع الإيرانية، اللواء قاسم سليماني، على «الأثر الخارق» لـ «لواء فاطميين». نراه جلياً في الأرض المنكوبة بالنظام وحُماته، ونلمسه في «تواضع» حاكم يصر على «نصر» كامل، على رغم تشكيك الأميركيين في عودة سورية.

لدى الروس، لا جزرة للمعارضة السورية، مهما روّج الكرملين لمقولة «الحرب على الإرهاب» وأولويتها. لا جزرة بل مجزرة لا تتوقف، جسدياً معظم ضحاياها مدنيون لإخضاع المقاتلين، وسياسياً لشطب ما أمكن من الرموز المعارضين بتيئيسهم من إمكانات الحل.

وأما «داعش» الذي تمدِّد عمره في العراق، فضائح صفقات وفساد، ستعطّل تعبئة لتحرير الموصل، فهو أبعد ما يكون عن «التوبة»، كحال كل إرهاب. ينطبق ذلك أيضاً على أهداف التنظيم في سورية، حيث كل مجزرة تُحسَب رصيداً في خدمة النظام.

لا جزرة، ولا توبة يمكن أن تخفّفا معاناة السوريين على أيدي جلاّديهم. وإذا كان بديهياً أن أوروبا القلقة ارتبكت أمام ضربات الإرهاب في عواصم ومدن لا تكنّ الودّ للنظام السوري، فانشغلت عن المأساة بالتعبئة الكبرى، وتركيا انهمكت بمطاردة «أشباح» الانقلاب، وتطهير كل الدولة من «سرطان المؤامرة»... فالأكيد في المحصّلة أن الكرملين بات طليقاً، يمارس سياسة الأرض السورية المحروقة، بمَنْ عليها، إلى أن تحين ساعة رسم الخرائط.

كسِب بوتين حصة الأسد على البحر المتوسط، عزّت إيران نفسها بأنها «تشغِّل» الروس لحسابها، وما إن ينكفئوا حتى تقطف نظاماً مهترئاً، لا يقوى على الاستغناء عن مظلتها العسكرية- الأمنية. وهذه بالطبع رؤية لا تتطابق مع رغبات الروس، ولا أطماعهم، في حرب «ناعمة»، القوة العظمى تكتفي فيها بتوجيه نصائح إلى خصم غيّر خريطة أوكرانيا، ويصول ويجول في سورية كأنها مجرد بحيرة على كتف البحر الأسود.

المفارقة أن تعتمد إيران أيضاً نهج التحدّي وتحرّض حلفاءها الحوثيين في اليمن على الاقتداء به، فلا جزرة يقبلون بها لتسهيل التسوية ووقف الحرب، ولا توبة عن حسابات «الربح الصافي»، كل شيء أو لا شيء... ولا رجعة حتى الآن عن استهداف الحدود السعودية، رغم الفارق في ميزان القوة بين جماعة عبدالملك الحوثي وأنصار علي صالح، والتحالف العربي بقيادة المملكة.

يصرّ بوتين على استغلال غياب أي دور غربي فاعل لوقف المآسي في سورية، تصرّ طهران على انتهاز فرص الصمت الأميركي- الغربي السلبي على كل ما يرتكبه الحوثيون في اليمن، تحدّياً لمجلس الأمن ومجلس التعاون الخليجي. ففي ذاك ذروة المسعى إلى تسعير الصراع المذهبي، خدمة لهدف إيران الأول، وهو إشغال السعودية ومحاولة تطويقها، لتقبل التفاوض مع طهران وبشروطها، على قضايا عربية.

من سورية إلى اليمن، المنطقة على عتبة شهور مريرة من الصراع، على قاعدة لا جزرة ولا توبة، ولا عصا لمجلس الأمن لردع التمرُّد على الشرعيات، ولجم أحلام القيصر والمرشد.

========================

جولة صعبة يعيشها السوريون لكنها ليست النهاية .. عبدالباسط سيدا

الحياة

الاربعاء 3/8/2016

تعيش الثورة السورية في أيامنا هذه واحدة من أصعب مراحلها. حلب تتعرض لهجمات مركزة من جانب النظام وحلفائه، وكذلك معظم المناطق في الريف الدمشقي. كما تتعرض المنطقة الجنوبية لضغط كبير، بينما تعيش المناطق الشرقية دوامة حقيقية، نتيجة تبادل الأدوار وتنسيق المواقف بين قوات النظام وأتباعه و «داعش». في المقابل، لم يتمكن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على مدى عامين تقريباً من إنجاز أي تحوّل نوعي على الأرض، وكذلك التدخل الروسي الذي بدأ قبل نحو عام، وأتى صراحة لمنع انهيار النظام.

والتحوّلات التي طرأت على أولويات دول المنطقة الداعمة للفصائل المعارضة حدّت كثيراً من إمكانات هذه القوى، وقدرتها على مواجهة الحلف الداعم للنظام، المتمثّل في القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها بأسمائها المختلفة، فضلاً عن الإسناد الجوي الروسي.

ودفعت هذه المتغيّرات والتطورات بالماكينة الإعلامية الروسية والإيرانية، وتلك التي يتحكّم بها النظام وحزب الله، إلى جانب الطابور الخامس في المعارضة المدّجنة، إلى «التبشير» بقرب القضاء على الثورة، وبالتالي انتصار الحلف الداعم لزمرة الأسد.

وهناك اليوم من يتحدّث عن توافق أميركي - روسي لفرض خطة على السوريين، يكون الأسد جزءاً منها لأمد غير معلوم بعد. غير أن المعطيات والمؤشرات جميعها توحي بأن الإدراة الأميركية تمارس لعبة كسب الوقت، وترك الملف السوري بتعقيداته للإدارة المقبلة. أما الروس، ففي عجلة من أمرهم، يحاولون تغيير الموازين على الأرض لدفع الهيئة العليا للمفاوضات إلى القبول بشروطهم التفاوضية التي يحددونها مستغلين الأوضاع الإقليمية، والسلبية الأميركية، والارتباك الأوروبي، نتيجة العمليات الإرهابية المتوالية في غير دولة أوروبية.

ويُلاحظ أن أوضاع المعارضة السياسية هي الأخرى لا ترتقي إلى مستوى التحديات، فنرى تشتت القوى، وانشغالها بأمور ثانوية، ما يحبط المعنويات، ويدفع بالكثير من المتسلقين والانتهازيين إلى استغلال الوضع. بل هناك من يضع قدماً هنا وقدماً هناك في انتظار تبلور الأمور. لكن على رغم ذلك، هناك تصميم أكيد لدى غالبية السوريين على استحالة التعايش مع زمرة الحكم بعد كل الذي حصل. ويتذكر السوريون جيداً، وباعتزاز، الأشهر الأولى لثورتهم التي شهدت المظاهرات السلمية الضخمة في سائر المدن السورية، والتي كان عمادها الشباب المتعلم من مختلف المكوّنات، وكانت سلمية، تطالب بمستقبل أفضل لسورية.

ونحن هنا لسنا بصدد إجراء مراجعة شاملة لما حصل، وأدى إلى ما نحن فيه راهناً. ما نريد الذهاب إليه أن الشعب السوري بدأ ثورته بإمكانات وخبرات متواضعة، وأفلح في تغيير المواقف المعلنة على الأقل. واليوم، وعلى رغم قساوة كل ما جرى ويجري، يمكننا القول بأن السوريين اكتسبوا خبرات كبرى سياسية وميدانية، ومن المستحيل إعادة هذا الشعب إلى قفص الاستبداد والفساد.

من جهة أخرى، لا بد أن نأخذ في اعتبارنا أن أية خطة يتوصّل إليها الجانبان الأميركي والروسي، لا بد أن تُمرر عبر سوريين يمتلكون قسطاً من الصدقية، وإلا ستظل الأزمة مفتوحة على جميع الاحتمالات، وهذا ما سيعمّق الأزمات في الجوار الإقليمي (لبنان، العراق، تركيا، اليمن...)، إضافةً إلى استمرار موجات اللاجئين، والتهديدات الإرهابية، ما يثير مخاوف المجتمعات الأوروبية، وينذر بأيام سوداء ستواجهها، نتيجة التشابك والتفاعل بين التشدد الديني والتعصّب القومي.

المرحلة صعبة من دون شك، لكن مواجهة التحديات تستوجب الصبر والتحمّل والرؤية الواضحة المطمئنة للسوريين. كما تستوجب التركيز على العامل الذاتي عبر تجاوز الخلافات البينية الهامشية قياساً بالصراع الأساسي مع الزمرة المستبدة ورعاتها. وأمر كهذا القبيل يستلزم التوافق على مشروع وطني لسورية، يطمئن سائر السوريين من دون استثناء، بعيداً من التشدد الديني أو المذهبي أو القومي أو العقائدي.

ومن هنا نرى أن خطوة التقية التي أعلنت عنها جبهة النصرة لا تطمئن، بل تثير المزيد من الهواجس، ما لم تقرن بخطوات أخرى تؤكد حدوث تحوّل نوعي، وليس مجرد تكتيك عابر، تحاشياً لأية ضربات محتملة.

الأمور في سورية لن تحل بتلك السرعة التي يتحدثون عنها، بل ستأخذ وقتاً، من المرجح أن يكون طويلاً بكل أسف. وهذا ما يستدعي الاستفادة من الأخطاء التي كانت، والتركيز على نقاط القوة التي لم تأخذ حقها من الاهتمام: الجاليات، النشاط الميداني بكل جوانبه، النخب الفكرية والإعلامية السورية والعربية المناصرة للشعب السوري الخ...

لقد استخدم رعاة النظام وداعموه كل أوراقهم، وجلبوا كل ميليشياتهم، وتدخلت قوة عظمى كروسيا ضد الشعب السوري. لكن شعبنا قاوم الجميع، وسيقاوم. فهو يدافع عن قضية عادلة، وعن أرضه ومستقبله، فيما الغزاة قدموا بناء على حسابات مصلحية. وقد بلغوا نقطة الذروة في ما يتصل باستعراض قوتهم. لكن المزيد من التحمّل، والمزيد من التعقّل وإعادة ترتيب الصفوف وتنظيفها وتنظيمها، سيقلب موازين القوى عاجلاً أم آجلاً. فما نشهده راهناً عبارة عن جولة من جولات صراع إقليمي- دولي مرشح للمزيد من الاستمرار والتداخل، صراع يتمفصل حول سورية بوصفها مفتاح المنطقة. ومهما حصل فإنه لن يكون في مقدور أي كان أن يفرض على السوريين، إذا التزموا قضيتهم وتكاتفوا ودافعوا عنها كما ينبغي، أي حل لا يضمن مستقبلاً كريماً لأجيالهم المقبلة.

* كاتب وسياسي سوري

========================

الجولاني ومآلات النصرة .. ماجد كيالي

العرب

الثلاثاء 2/8/2016

من الطبيعي أن يثير ظهور أبي محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة وإعلانه فك علاقة جماعته بتنظيم القاعدة وتغيير اسمها، ردود فعل واسعة في أوساط السوريين، ولا سيما في أوساط المعارضة.

لكن هذا الإعلان، الذي حاول البعض الاحتفاء به ومنح جبهة النصرة صكّ براءة من كل ممارساتها التعسّفية ضد السوريين في المناطق التي خضعت لسيطرتها ومن ذلك مقاتلتها لجماعات من الجيش الحر ومحاولتها حرف الثورة عن مسارها لصالح رؤية ضيّقة تتغطى بالدين وتعتبر نفسها وصية على الإسلام والمسلمين، جاء مبتورا وساذجا.

هكذا فمن منطوق الإعلان بدا أن هذا التنظيم مازال يصرّ على تبني ذات المبـادئ المتطـرفة، ومـازال ينتهج القوة لفرض نمط حياة معين على السـوريين، ومازال لا يعتـرف بالثورة السورية ويشتغل على الضد من مبادئها المتعلقـة بالتغيير نحو دولة ديمقراطية مدنية، وبالضد من مؤسساتها وإطاراتها السياسية والعسكرية والمدنية.

أيضا، يفترض أن يفهم هؤلاء أن الجولاني في هذا الإعلان عن تغيير الاسم وفكّ الارتباط، لم يتنازل للشعب السوري وإنما للقوى الكبرى الخارجية، هذا أولا. وثانيا، أنه تنازل في لحظة حصار أهلنا في حلب. والمعنى أنه حتى هذا التراجع المحدود والسطحي يحسب عليه، وليس له، خاصة وأن هذا الأمر لم يحصل نتيجة تولد قناعة ذاتية.

في كل الأحوال فإن هذا التطور يعبّر عن إفلاس وعقم هذه المنظمـات الإرهابية المتطرفة التي ما كان لها أن تتصّدر مشهد الصراع السوري لولا وجـود دول وقـوى تقف وراءها، بالسياسة والإعلام والمال والسلاح، وكلنا نعلم أن الجيش الحر هو الذي حرّر الكثير من المنـاطق في صيف العـام 2012، وأن جبهة النصرة (ثم تنظيم داعش) قضمت هـذه المناطق في ما بعد، بعد أن حاربت الجيش الحر، لأن ثمة دولا وقوى أرادت تحجيم هذا الجيش وتجميده، لأخذ الثورة إلى غير مقاصدها المتعلقة بإنهاء الاستبداد وإقامة دولة وطنية ديمقراطية ومدنية.

ملاحظة أخرى ينبغي الإشارة إليها هنا، أيضا، ومفادها أن اعتقاد البعض بأن جبهة النصرة وأخواتها بمثابة نبت طبيعي للبيئات الشعبية الحاضنة للثورة هو اعتقاد غير دقيق، ويصبّ في الدعاية التي يروّجها النظام، إذ أن نمط التديّن لدى المتدينين السوريين، يتسم بالمرونة والاعتدال وقبول الآخر.

وباختصار فإن هذه المناورة من قبل الجولاني تكشف كم هو متلاعب ومنافق ومستعد للتغيير وجاهز للتكيّف وقابل للخضوع لجبـروت القوة، وهذا كله ليس دليل عقلانية أو واقعية أو مسؤولية، وبالطبع ليس دليـل وطنية، لأن هذه لا يعرفها ولا يعترف بها سوى الجـولاني وأمثاله.

هكذا شهدنا أن الجولاني أو تنظيمه، وصل إلى ما وصل إليه بعد أن فرض هيمنته بالقوة على السوريين في ما اعتبر “مناطق محررة”، وبعد أن قوض صدقية الثورة ونال من شرعيتها ونبل مقاصدها، وبعد أن سقطت داريا وبعد أن تعرضت حلب لحصار مشدد.

هذا هو الجولاني وإلى هنا وصلنا مع هذه الجماعات المتطرفة والمنفصمة عن الواقع والعالم، والتي تدعي الوكالة عن الله، حيث لا يوجد فرق كبير بين داعش والنصرة، فهذه خرجت من رحم تلك، وهذه وتلك تتغذيان من الاستبداد، وهذا بدوره يتغذى من التطرف والإرهاب.

كلمة أخرى، لا بد منها في هذا السياق، وهي أن معظم الدول تلاعبت بثورة السوريين، وأرادت حرفها، بخاصة من خلال تشجيع التحول نحو العمل المسلح.

نعم نظام بشار الأسد هو المسؤول الأول عن كل ما جرى ويجري وسيجري في سوريا، ومعه حليفاه الروسي والإيـراني وميليشيات حزب الله وكتائب أبي الفضل العباس ونجباء والفاطميون، لكن ثمة دولا “صديقة” تتحمل المسؤولية أيضا، تماما كما ثمة معارضة تتحمل قسطا من هذه المسؤولية، وهذا ما يفترض الاعتراف به بجرأة أخلاقية وسياسية، فهل ثمة من يجرؤ؟

هكذا، ليست القصة كشف الجولاني لوجهه ولا تغيير اسم جبهته، المهم هو معرفة مآلات هـذه الجبهـة، والأهـم الكشف عن وجه الدول والقوى التي تقف وراء صعودها غير الطبيعي والوظائف التي أنيطت بها.

========================

خطوة ضرورية ولكنها ليست كافية .. د. أحمد طعمة

ترك برس

الاثنين 1/8/2016

لماذا كان قرار جبهة النصرة فك الارتباط التنظيمي بالقاعدة والتحول إلى مسمى جديد باسم جبهة فتح الشام خطوة ضرورية ولماذا هي ليست كافية ضرورية لمطالب سورية داخلية ولأسباب خارجية، فكثير من الثوار طالب جبهة النصرة ومنذ زمن بعيد بفك الارتباط نهائيا بتنظيم القاعدة وإعادة التموضع سوريًا والتحالف مع الفصائل الاخرى في الجيش الحر بما يخدم مشروع الوطنية السورية والتخلص من الاستبداد والمشاركة بالعملية السياسية المزمعة والمساهمة بإقامة المشروع الوطني المدني الديمقراطي التعددي غير الطائفي القابل للتطبيق، ورغبة من السكان المحليين في مناطق سيطرة النصرة أن يدرؤوا عن أنفسهم شيئا من العذاب.

ولأسباب خارجية تتمثل في الضغوط الناجمة عن الاتفاق الامريكي الروسي الأخير القاضي بإعدام جبهة النصرة وإخراجها نهائيا من المعادلة السياسية في سورية ومحاولة جبهة النصرة الإلتفاف على هذا القرار وكسب الوقت وسحب ذريعة الانتماء للقاعدة.

ربما أقنع البعض قيادة النصرة أن خطوة كهذه قد ينظر اليها بشكل إيجابي أمريكيًا وأن هناك ضمانات دولية بالإعتراف بالجبهة الجديدة والتعاطي معها، وأن هناك سابقة تاريخية عندما انفصل الشيخ شريف شيخ أحمد زعيم حركة الشباب الصومالية بالحركة عن تنظيم القاعدة فاعترف بها دوليا وأزيلت من لوائح الإرهاب وتقبله الأمريكيون بقبول حسن وساعدوه في الوصول الى رئاسة الجمهورية.

الحقيقة أن كل الإجراءات الشكلية التي اتخذتها جبهة النصرة رغم ضرورتها لا تكفي ونستطيع القول إنها لن تغير من الأمر شيئا مالم يعرف السبب الحقيقي الذي من أجله وضعت الولايات المتحدة تنظيم جبهة النصرة عام 2012 في قائمة الإرهاب وأن يعمل التنظيم على إزالة السبب إنها البيعة بلا شك، البيعة التي في عنق كل عضو من اعضاء التنظيم تجاه زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري (إشارة إلى الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الإمام مسلم: من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).

وتنظيم جبهة النصرة بطريقة تفكيره المعتمدة بشكل أساسي على تبني أحاديث صحت عند أشياخ المدرسة السلفية الجهادية خصوصا وعند جمهور علماء المسلمين عمومًا وصعوبة تغيير قناعاتهم بمؤدى هذه الأحاديث، كيف يمكن أن تفك من أعناقهم البيعة التي يرون أن اسلام المرء لا يكتمل إلا بها . هذه المعضلة ان لم تجد حلا فلن يتغير شيء ولن يتغير الموقف الأمريكي الذي يرى أن البيعة أهم وأخطر بكثير من الارتباط التنظيمي.

ولن يقبلوا بمشاركة الجبهة في العملية السياسية في سوريا مستقبلًا رغم أنهم يعرفون أن جهاد النصرة ليس جهادا معولما وأنهم لم يرتكبوا جرائم كبرى تستفز المجتمع السوري بشدة، ما لم تفك البيعة من عنق عناصرها. تقديري أن جبهة النصرة لم تخرج الحدث إخراجًا مناسبًا وكيل المديح للشيخين بن لادن والظواهري لم يكن موفقا لمن أراد الخروج من مأزق عويص واقع فيه والطريقة التي استخدمت لا توحي بانفصال جدي فكري وتنظيمي عن تنظيم القاعدة لا بل تعطي انطباعا أمام المتابع المتحامل أنه أمام مسرحية متفق على كل فصولها.

كما أن ظهور القيادي المصري أحمد سلامة مبروك على يسار أبو محمد الجولاني أعطى انطباعا أن الجبهة ليست في وارد أن تصبح سورية بالكامل قريبا، فضلا عن أن ظهور الشرعي المتشدد أبو عبدالله الشامي (عبد الرحيم عطون) على يمينه بدا كما لو أنه تفسير لسبب تأخر الإعلان عن فك الارتباط بالقاعدة لأسبوعين عن موعده المقرر سابقا وعزو ذلك إلى معركة داخلية بين قادة الجبهة انتهت بتسوية بين تياري الراغبين بالانفكاك الكلي عن القاعدة وخلع البيعة وبين من يعتبر خلع البيعة من المحرمات التي تميت المرء ميتة جاهلية.

هذه التسوية جعلت القرار النهائي مبهما ويستطيع كل طرف أن يفسره كما يشاء، والحقيقة أنه في ظروف استثنائية قاسية تتطلب الوضوح ما كان ينبغي أبدًا أن يظهر القرار حمال أوجه.

كان الأولى أن يشاوروا عددا من القيادات الاسلامية المعتدلة التي لديها الاطلاع الكافي على روح العصر والخبرة في التعامل مع الوضع الدولي المتأزم، وكان ينبغي أن يستفيدوا من تجارب الحركات الاسلامية الأخرى التي تفوقهم قوة ومراسا وما فصل الدعوي عن السياسي في حركة النهضة التونسية عنا ببعيد، وكان ينبغي أن تقدم خطابا تجديديًا فيه الكثير من القواسم المشتركة مع بقية أطياف الشعب السوري بدلا من التأكيد على ثوابتهم السابقة وأن يطرحوا رؤية معتدلة فيما يتعلق بشكل الدولة في سوريا المستقبل يظهر فيها بوضوح أنهم يقبلون ما يقرره الشعب السوري فيما يتعلق بمستقبله وأن يوضحوا بجلاء أنهم سيدعون إلى أفكارهم بكل سلمية وأنهم لن يبسطوا أيديهم في وجه مواطن سوري عارضهم بوجهة نظرهم.

لم تدرك جبهة النصرة حتى الآن أن من أهم معوقات الحل في سوريا عدم ترتيب الأوراق التي ينبغي ترتيبها بعد، وأولها ورقة الإسلام السياسي وأن المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية تعد من وجهة نظر غربية نسفًا لكل عملية سياسية مستقبلية يمكن أن تجري في سوريا والغرب على استعداد لاستمرار الحرب طويلا إذا كان ثمن إيقافها إقامة شرع الله… هذه هي المعادلة المرة وآن الأوان لنفهمها جميعا ولنا في رسول الله أسوة حسنة فهو لم يطبق الشريعة إلا عندما تيسرت كل الظروف المناسبة مترافقة مع رغبة أكيدة من نسبة هائلة من الناس بتطبيقها وهو ما ليس متحققا في الحالة السورية إذ أن نسبة كبيرة من السوريين (وإن كانوا مسلمين في الهوية) تسلك في حياتها سلوكا علمانيًا، والأهم بالنسبة إليها ولآخرين كثر تحقيق دولة مدنية ديمقراطية وليس الاحتكام إلى شريعة وفق تفسير المدرسة السلفية الجهادية.

إن جبهة النصرة بأمس الحاجة إلى تطمين الفصائل الثورية المقاتلة أن خطوتها استراتيجية وليست تكتيكية وأن دعوتها الفصائل للتوحد تتضمن سعيا إلى كلمة سواء وإزالة للضغائن والأحقاد التي رانت على قلوب الكثيرين ولا يتحقق هذا إلا بالإفراج عن مئات السجناء المعتقلين لديها من أبناء الفصائل الوطنية الأخرى الذين لا ذنب لهم إلا أنهم لم يكونوا على تطابق فكري رغم اتفاقهم معها على معظم الأهداف الاستراتيجية للثورة السورية، وتحسين معاملتهم مع المواطنين وأخذهم باللين لا بالقسوة والشدة وعليهم ألا ينسوا أن هذا الشعب المسكين نتاج تربية حزب البعث خمسين عامًا وكم يحتاج الناس من زمن ليغيروا ما بأنفسهم ويصبحوا جاهزين لتقبل فكرة الشريعة وجعلها واقعا معاشا.

عليهم أن يدركوا الوضع الحساس والدقيق الذي تمر به الجمهورية التركية الجارة الشديدة الحرص على نجاح الثورة السورية والداعمة بقوة لمطالب الشعب السوري، فقد نجت من انقلاب عسكري غاشم سامنا خسفًا وأذاقنا مثله في سوريا سوء العذاب، وأن يتوقف بعض آبائهم الروحيين عن بعض التصريحات (نفرح بانتصار أردوغان على الانقلاب الفاشل كفرح المسلمين بنصر الروم على الفرس أيام النبي صلى الله عليه وسلم وكفرح المسلمين بانتصار النجاشي على أحد المنقلبين عليه والديموقراطية كفر بواح… إلخ) المستفزة لجمهور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها المتعاطفين بقوة مع الديمقراطية التركية وانتصارها المذهل.

يبدو شبه واضح أن التطورات الأخيرة في الملف السوري خلال الشهر الماضي تشي بأن ترتيبات ما قد تم التوافق عليها دوليا وأن إخراجها ليس بعيدًا وما الانعطافة التركية وإشاعة المجلس العسكري الأعلى الذي سيحكم البلاد في الفترة الانتقالية والتي لها أصل في اتفاق الإطار الذي قدمه ديمستورا قبل عام والاتفاق الأمريكي الروسي على الاستهداف المزدوج للنصرة وبالتفاصيل إلا قرائن ينبغي على النصرة أن تأخذها بعين الاعتبار. خلاصة القول: قرار جبهة النصرة التحول إلى جبهة فتح الشام والإعلان أن ليس لها ارتباطات خارجية وأن من أهدافها تحقيق العدل بين الناس، كل الناس، خطوة صغيرة في الطريق الصحيح لم تكن لتحصل لولا مراجعات جادة داخلها ولكنها ليست كافية أبدًا في زمن بات ضروريا التغيير فيه بالجوهر لا بالمظهر.

========================

بمناسبة عودة الجولاني، ماذا يريد السوري؟ .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاثنين 1/8/2016

لا ندري إذا كانت عبارة الجولاني بما يخص “النظام” تستحق الوقوف عندها، أم انها مجرد لازمة من لوازم التصريح؛ ولا ندري إن كان أكثر دقة أن نطوّر الجزء الأول من العنوان ليقول ” عودة إلى أحضان الوطن…”؟ الوطن الذي كثّفه بشار الاسد ومن يواليه ويحميه ليكون بحجمه ودمويته.

الأحاديث عن شدة البأس والبطولات والانغماسات ” النصراوية ” بلا حدود، وبححوم لا تقاس؛ ولكن الحديث بعسكرة صرخة اهل سورية وتلبية أمنية النظام بتوفّر من يحمل السلاح ويطغي على صوت وإرادة السوريين، لم يعطَ حقه… . لقد كان آخر اهتمامات حَمَلَة السلاح ما يريده السوريون؛ تماما كما لم يلتفت النظام الى ذلك، ويريد سحق هذا الصوت وإخراسه وتلويثه بالسلاح والدم والقتل.

العودة لم تعد تنفع . لا كانت ما يريده السوري؛ ولا تأتي الآن إلا بعد أن قامت بالمهمة غير المقدسة، لتقوم الآن بمهمة غير مقدسة أخرى تتمثل بتثبيت نظرية النظام، بأن مَن كان يقاومهم إرهابيون؛ وهم مَن دمّر البلاد، وشرّد العباد. ويمكنه أن يقول؛ الآن وبكل جبن، يغيّرون إسمهم، كي لا يتم سحقهم نهائياً.

وبالعودة إلى ما يريده السوري على ضوء تصريح فك الارتباط والشروخات القائمة؛ فما يريده السوري، ربما يكون أصعب سؤال يواجه أي باحث بعد خمس سنين شهد السوري وبلده كل أنواع التبعثر واللامنطق وأصناف كل ما هو غير طبيعي أو إنساني و حتى بشري… بعد أن ضاعت كل المعايير والنواظم والضوابط التي يمكن أن تشكل نقاط هداية أو أسس أو معايير لرصد او قياس أو وصف أو تحليل أو استنتاج لسمات أو طموحات أو ملامح تفكير مجتمع أو كتلة او كتل بشرية تعيش على هذا الكوكب في جغرافية معينة. ماذا أراد السوريون وماذا حصلوا عليه؟ ماذا يريدون ولا بد ان يحصلوا عليه، ليكونوا؟

أول ما قال السوريون، عندما اكتشفوا أن لهم حبال صوتية وحنجرة يمكنها نطق كلمة “حرية” صاحوا: ” الشعب يريد اسقاط النظام” ومعروف ما قصدوا بعبارة “نظام”

مهم جداً أن يحتفظ السوري بتلك الصرخة الأولى إيقونة تسجل تاريخه بعبق العظمة؛ مهم جداً أن يدرك أن كل المواجع والآلام التي أصابته كانت ثمناً لتلك الصرخة الإيقونة.

خمس سنوات ونيّف، وعبور من بقي ومشاهدته لما لم يشاهده أو يشهده التاريخ البشري كفيلة أن تغيّر البشر والحجر، وحتى الشرائع. ولكن الأهم أن الايقونة تعتّقت وصارت حقيقة أزلية وكأنها أحد شرائع الكينونة والوجود. والأهم تطورت، نضجت؛ غبارها حقيقة، تعقيداتها إبداع، مواجعها تصميم، آلامها تحفيز، إحباطاتها إيمان؛ فلن يكون إلا ما يريده السوري، ولو بجزء منه؛ على الأقل لن يعود ما كان.

في آخر التطورات ومع العودة الطارئة للجولاني، لا بد للسوري أن يقول له أين أصبحنا، وما يريده السوري ليس فقط منه بل مِن كل مَن يده بقضيته

نريد لغة سورية- مصطلحات سورية- تفكير سوري- تصرف سوري- أخلاق سورية- زي سوري-

نريد قطيعة مع الثأر- والكره- والتكفير- والاستبداد- والاضطهاد- والقتل- والذبح- وعبادة الفرد- والعيش في القبور-

نريد الطائرة التي تحمينا لا التي تقصفنا. نريد الله الذي نحبه ويحبنا لا الذي يخيفنا أو يرعبنا أحدٌ منه. نريد القائد الإنسان لا القائد الصنم القاتل عندما نقوّمه. نريد مبضع الجراح لاستئصال أوجاعنا لا ساطور الجزار لجز رؤوسنا. نريد الحب والحياة بكرامة، لا الكره والعيش بذل كالموت.

اراد السوري ذلك عندما خرح بداية ويريده وستستمر هي إرادته؛ أعاد الجولاني أم لم يعد، أو فك ارتباطه أو لم يفك.

========================

«النصرة» لم تنفصل عن «القاعدة» .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 1/8/2016

خرج أبو محمد الجولاني زعيم جبهة النصرة في شريط مصور، كاشفًا عن وجهه للمرة الأولى، وكشف عن مشاورات تمت بين الجبهة و«القاعدة»، تم بعدها الاتفاق على فك الارتباط بين الجبهة وتنظيم القاعدة، وأعلن تغيير اسم «النصرة» إلى جبهة «فتح الشام»، وأكد الجولاني، أن الجبهة الجديدة، ملتزمة بأهداف خمسة، تضمنت «العمل على إقامة دين الله وتحكيم شرعه وتحقيق العدل بين كل الناس، والتوحد مع الفصائل المعارضة لرص صفوف المجاهدين ولتحرير أرض الشام والقضاء على النظام وأعوانه، وحماية الجهاد الشامي والاستمرار فيه واعتماد كل الوسائل الشرعية المعينة على ذلك، والسعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وتخفيف معاناتهم، إضافة إلى تحقيق الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس».

الحدث الذي كان متوقعًا، لا يمثل في محتواه عملية فك ارتباط بين جبهة النصرة و«القاعدة»، إلا من الناحية الشكلية من حيث تغيير الاسم، وهو في الجوهر، تأكيد لعلاقات التبعية بين «النصرة» و«القاعدة»، واستمرار تعاونهما الذي بدأ قبل أكثر من خمس سنوات مضت، ظهرت فيها «النصرة» باعتبارها الفرع السوري من «القاعدة»، وهذا ما أكده المضمون العام لحديث الجولاني في الشريط المصور، من حيث تأكيده المشاورات، وتثبيته الأهداف الخمسة، التي أعلنها بوصفها أهدافًا لجبهة «فتح الشام»، وهو الاسم الجديدة لـ«النصرة». وباستثناء محتوى حديث الجولاني في الشريط المصور، فإن الظرف السياسي والميداني المحيط بالحدث، يؤكد من جهة أخرى، أن إعلان فك الارتباط، لا يعدو محاولة للتغلب على التحديات السياسية والعسكرية، التي باتت تواجه «النصرة» في ثلاثة مستويات؛ أولها الاتفاق الروسي - الأميركي، الهادف إلى تشارك الطرفين في الحرب على «داعش» و«النصرة» في آن معًا، باعتبارهما منظمتين إرهابيتين، والثاني واقع العلاقات الإشكالية المستمرة بين الجبهة وجماعات المعارضة السياسية والعسكرية، التي يقع في سياقها تصادم الرؤية السياسية بين الطرفين حول الأهداف والتكتيكات المتصلة بالصراع في سوريا ومستقبله، إضافة إلى الصراعات المتنامية بين «النصرة» وتشكيلات المعارضة السورية المسلحة الموصوفة بـ«المعتدلة»، وخصوصًا في الشمال السوري، وقد تصاعدت هذه الصراعات على نحو خاص في الأشهر الأخيرة، ومنها الصراع بين «النصرة» و«جيش التحرير» الذي له امتدادات خارج إدلب، ولا سيما في حلب وحماة، والأمر الثالث، تمثله الصدامات بين «النصرة» والحراك الشعبي المدني في كثير من مدن محافظة إدلب نتيجة ممارسات الأولى ضد السكان، وتمخض الصراع في هذا الجانب عن إخراج «النصرة» مقاتليها ومقراتها خارج عدد من المدن، كما حدث في مدينة المعرة.

وسط تلك المعطيات يبدو إعلان الجولاني في تحويل «النصرة» من جزء في المنظمة الإرهابية العالمية إلى تنظيم محلي معتدل، غير حقيقي ولا واقعي، ومجرد محاولة للخروج من المأزق السياسي والميداني الذي صارت إليه «النصرة»، وسوف يستمر هذا المأزق، ويتفاقم في مواجهة التنظيم باسمه الجديد. خطوة الجولاني، أثارت لغطًا في أوساط الرأي العام، أكثرية منه لم تجد فيها تبدلاً جوهريًا في طبيعة جبهة النصرة، ولا في سياساتها وممارساتها، بل ولا حتى في علاقاتها بتنظيم القاعدة، إلا من ناحية شكلية، وقلة رأت في إعلان الجولاني، تغييرات، تنقل جبهة النصرة إلى مكانة وسياسة أخريين، وتضعها في خط جديد من الممارسة السياسية والعسكرية.

إن فك الارتباط بين «النصرة» و«القاعدة»، يتطلب خطوات تتجاوز الاعتبارات السابقة إلى إحداث تبدلات جوهرية في طبيعة «النصرة» وسياساتها وممارساتها وعلاقاتها. ولعل الأبرز في موضوعات فك الارتباط، هو تجاوز «النصرة» هدف إقامة دولة إسلامية، الذي لم يكن هدفًا لثورة السوريين على نظام الأسد، وجرى استعماله في إطار «تطيف الثورة»، والانتقال إلى تبني هدف السوريين في دولة ديمقراطية توفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

كما يتطلب فك الارتباط، إجراء تغييرات في مكانة ووجود القيادات والمقاتلين غير السوريين في تنظيمها، وكان لغالبيتهم دور بارز في الارتكابات، التي قامت بها «النصرة» في السابق في تعاملها مع أطراف المعارضة السياسية والعسكرية، وفي تعاملها مع السوريين في الأماكن التي تسيطر عليها، ولا شك أن التغيير في هذا الجانب، ينبغي أن يصيب زعيمها أبو محمد الجولاني، الذي يعتبر رمزًا في تاريخ «النصرة»، على نحو ما هو عليه أبو بكر البغدادي في «داعش».

كما أن من الحق القول إن فك الارتباط، يتطلب من «النصرة» إصدار إعلان، يتضمن نقد سياستها وممارساتها في السنوات الماضية ضد تشكيلات المعارضة المسلحة ورموزها، وكان في عدادها شن عشرات المعارك ضد تشكيلات المعارضة المسلحة، وخصوصًا الجيش الحر، والقيام باغتيال واعتقال وتهجير كثير من ضباط وقيادات تلك التشكيلات. كما أن لا بد لها أن تقوم بنقد سياساتها وممارساتها ضد سكان المناطق التي تسيطر عليها، التي غلب عليها الاضطهاد والإخضاع في المجالات كافة.

إن تبني أهداف الشعب السوري في نظام ديمقراطي بديل، يوفر حرية وعدالة ومساواة، وتحسين علاقات «النصرة» أو خليفتها جبهة «فتح الشام» مع المعارضة السورية السياسية والعسكرية، وطرد المقاتلين الأجانب من صفوفها، بين أهم الخطوات في مسار قرار فك الارتباط بـ«القاعدة»، وما لم يتم ذلك، فكل ما يقال عن فك الارتباط، لا معنى له، وستبقى «النصرة» في حضن «القاعدة»، وستبقى هدفًا للاتفاق الروسي - الأميركي في الحرب على الإرهاب، ولن تجد من يدعمها ويساندها في الفضاء السوري العام.

========================

التانغو الروسي – الأميركي .. نجاتي طيّارة

العربي الجديد

السبت 30/7/2016

في رقصة التانغو الكلاسيكية الرومانسية العتيقة، يُمسك الراقص الرجل بكفّ المرأة المشاركة، ويلف يده حولها باليد الأخرى، وتستمر الخطوات جيئةً وذهاباً، تقدماً وتراجعاً، يجذبها إليه تارة، وتنفر منه أخرى، حتى لا تبقى إلا أناملها بين أصابعه، يدفعها إلى الدوران حوله أو حول نفسها وقد يثنيها أمامه سانداً خصرها بيده. وتستمر الموسيقى ضابطةً إيقاع الخطوات، لكن الزوج الراقص يجد نفسه، أخيراً، في المربع أو الدائرة التي انطلق منها، وتنتهي الرقصة مع توقف الموسيقى وتصفيق الحاضرين، وبنعومةٍ حالمة، يخرج المشاركون بالرقص، مستمتعين سعداء، وتُغلق القاعة أبوابها، مستعدةً لحفلٍ راقص آخر.

كان كلام وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، في مؤتمره الصحافي، قبل أيام، وهو يجيب على أسئلة بشأن سورية، وما اتفق عليه مع مرافقه الوزير الروسي، سيرغي لافروف، في هذا الشأن، كان يوحي برقصة جديدة على أنغام البراميل والقصف وصراخ الأطفال والعائلات التي تبتلعها أنقاض الدمار. تشابك ممتع آخر بين الطرفين، والحديث دائماً عن الحالات الإنسانية التي يصفق لها الحاضرون، من دون أن يروا من نتائجها إلا اللوحة الشديدة السواد.

بعد شهور، أو سنة، أو ربما أكثر من اندلاع الثورة السورية، استطاع السيد الروسي إقناع نظيره الأميركي، بأنه المرافق الذي لن يستطيع الاستغناء عنه في الرقص، على وقع موسيقا القصف والخراب السوري. وهكذا بدأ تبادل الأدوار، فحيناً ينقض الروسي قراراً أممياً، وحيناً آخر، يمتنع الأميركي عن الدعم الأمني للشعب المقهور. يقول كيري إن اتفاقاً حصل بينهما، لكن وزير دفاعه ينقضه، ويعلق كيري بأن المرحلة الانتقالية تُنهي الأسد ونظامه، لكن لافروف الذي يقود الخطوات الراقصة يداور الكلام ويعلكه، وتتعجل يده فتلف كيري دورة جديدة. ويستمر الرقص، وتستمر اللقاءات والمشاورات، ويقفان بثبات في مؤتمراتهما الصحافية، تارة هاشّين باشين يرويان النكات، وأخرى جادّين مختلفين واعدين بجولة أخرى، ثم ينفض الحفل، والقصف يستمر والكوارث تتتالى....والمربع الأول يعود فيتلقفهما من جديد.

من الصعب إحصاء عدد زيارات السيد الأميركي للكرملين، وعدد المؤتمرات التي حضرها الاثنان، وتناوبا على اللف والدوران، وإشاعة أجواء الأمل مرة واليأس أخرى. ومن الصعب عدّ المرات التي تناقضت فيها التصريحات الأميركية بين الحذر من الروس وعدم الثقة بهم وبين اعتبارهم الشركاء الموثوقين في حل الأمور، ومن الصعب عد المرات التي نصح الأميركي الثوار السوريين بالحوار مع الصديق الروسي، وقبول مندوبيه محاورين، وبين الوقوف الحازم برفض أيً منهم الدخول في هيئة المفاوضات، كما تُصر الهيئة عليه. كان فهم العلاقة الروسية – الأميركية الجديدة صعباً على السوريين، بل ربما على دول أوربية مهمة في هذا الشأن، فهم يرون العداء الأميركي في أوكرانيا والصواريخ البالستية المنتشرة حول الحدود الروسية ورفض أي وجود روسي في العراق، ويرون، في الوقت نفسه، الابتسامات المتبادلة في سورية، وتجاهل نهر الدماء البشري الذي ينبع من كل مكان فيها، تصم آذانهم أحاديث الحالة الإنسانية، وترى عيونهم كيف تتحول، في كل ثانيةٍ، إلى حالة متوحشة تفترس الأخضر واليابس بينهم.

يُطيل السوريون الغارقون بدمائهم التفكير بما يحدث، فلا المقتول عارفٌ لماذا يُقتل، ولا القاتل

"استطاع السيد الروسي إقناع الأميركي بأنه الذي لن يستطيع الاستغناء عنه في الرقص، على وقع موسيقا الخراب السوري" يعرف لماذا يَقتل إلا تنفيذاً للأوامر، فاللغة معدومة بينهما، وآلة القتل وحدها التي تتكلم، وجنيف واحد واثنين وثلاثة وربما أربعة لا يُجيب عن أيٍّ من تساؤلاتهم: متى يتفق الطرفان، وتنتهي القسمة، وتنعم أشلاء الأطفال بالدفن؟ هل هناك وعود بكيان كردي شبه مستقل، أو مستقل، يجري رسمه بالدماء السورية، ولم ينته الرسم بعد؟ هل هناك مطالب مجهولة للنظام العالمي المقترح الذي يعاني من ولادةٍ عسيرة تحتاج عملية قيصرية؟ وهل على الشعب السوري وحده دفع الأثمان الباهظة لإخراجه؟

يصرح السيد الأميركي أن اتفاقاً ما تم بينه وبين السيد الروسي، من أجل التنسيق العسكري والحالات الإنسانية، لكنه لن يُنشر للإعلام أو يعرف أولو الأمر به، إلا بعد تنفيذه، خشية من "بارازيت" الإعلام عليه، وشكاً بمصداقية الروس بتنفيذه. ثم يعلن المبعوث الأممي، دي ميستورا، أن اجتماعاً ما سيعقد الشهر المقبل في جنيف، لتدارس "الأزمة السورية"، لكن السوريين يُدهشون من الوقاحة الروسية، في اتهامهم واتهام حلفائهم، بأنهم أشرار ومنافقون وأوغاد، لأنهم طالبوا بتغيير سلطة الأسد الطاغية الفاسدة، ويُدهشون أكثر لليد الأميركية التي لا تزال تتشبث باليد الروسية في استمرارها لصيقة بيد الوقح الحاقد، لافروف، بعد أن لونته أوصاف السيد الروسي بتلك الصفات! ويستمرون في محاولة فك ألغاز التباعد الروسي في كل مكان من الكرة الأرضية، والتقارب في سوريتهم فقط. أدار السوريون ظهورهم منذ زمن لرقصة التانغو تلك، ولم يعودوا شهوداً لها أو عليها ولم تعد تعنيهم موسيقاها القديمة الهادئة، أو الجديدة الصاخبة. أنزلت كوارثهم، منذ زمن، الستار، وباتوا يرقصون ألماً في مأساتهم ...وستارهم دماؤهم فقط، فهل سيشعر الكومبارس والمصفقون والعازفون بأن عليهم أن ينتهوا من كل ما هم فيه، ملَّت الشعوب من رقصهم، ولا تنتظر منهم إلا ما هو أسوأ. وقد بدأت آذانها تستجيب لطبول الأدغال، كي ترقص على وقعها، فلربما ستجد في وحوش الغابة من يملك إنسانيةً أكثر من راقصي "التانغو" المنافقين.

========================

بعض الأرواح أكثر أهمية من غيرها .. ميسرة بكور

القدس العربي

السبت 30/7/2016

في استخفاف مستنكر بدماء السوريين اكتفى وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتربالقول إن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة» الإسلامية سيحقق في تقارير عن وقوع ضحايا مدنيين في غارة جوية قرب منبج في شمال سوريا.

وفي رواية أشد سخافة المتحدث باسم قوات «التحالف الدولي»، العقيد كريستوفر غارفر: أشار إلى أن «قوات التحالف لم تنفذ هجومها إلا بعد أن تأكدت أن الجميع (في المنطقة المستهدفة) كانوا يحملون سلاحاً، أو أن كلاً منهم يتولى سلاحاً نارياً، أو يبدو مثل تنظيم الدولة».

ما حدث في قرية «توخار كبير» من مجزرة مروعة بحق المدنيين العزل؛ تعبير حقيقي عن وحشية المجتمع الدولي الذي يدعي محاربة الإرهاب المتمثل في جسد تنظيم الدولة الاسلامية وبالمقام نفسه يدعم ويغطي إرهابا أكبر منه وأشد وطأة متمثلاً في جسد وأفكارعصابات سوريا الديمقراطية التي ارتكبت العديد من الانتهاكات بحق المدنيين السوريين في المناطق التي ساعدتهم طائرات التحالف الدولي بالسيطرة عليها والتي ترتقي إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. لكن للأسف أن جميع ذنوب وجرائم العصابات الكُردية مغفورة وتجد من يبررها طالما أنها تغرد تحت جناح أمريكا وحربها على تنظيم الدولة.

عندما أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، استعدادها لاستخدام السلاح النووي حتى لو تسبب هذا في مقتل آلاف من المدنيين،هذا الاستعداد لإستخدام السلاح النووي البريطاني مشهد مصغر عن حقيقة وحشية دول الغرب التي تدعي دعم حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية في الدول النامية.

مذبحة قرية «توخار كبير» الصور الناطقة التي بثتها عدسات الناشطين تفضح أكاذيب الروس والأمريكان بمحاربة الإرهاب، وتشير بكل وضوح إلى أن المشافي والمدارس والمساجد ومحطات المياه وتجمعات النازحين من جنوب سوريا إلى شمالها كانت الهدف الحقيقي للطائرات الروسية الغازية العابرة للحدود، وأن أمريكا في حربها المزعومة على الإرهاب في سوريا أرتكبت العديد من الانتهاكات بحق المدنيين العزل.

في ظل إنشغال العالم بأسره في تطورات الوضع التركي على خلفية المغامرة الاٌنقلابية المكللة بالفشل.

كانت طائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة» ترتكب مذبحة حقيقية في ريف حلب الشمالي راح ضحيتها مئات المدنيين الأبرياء العزل في مدينة منبج وقرية «توخار كبير». دقائق قليلة كانت كافية لتحويل عائلات بأكملها إلى أشلاء بشرية تفوح منها رائحة شواء أطفال ونساء سوريين ممن نزحوا هربا من إرهاب الطائرات والبراميل والشاحنات والكيميائي وقطع الرؤوس. فدفعوا حياتهم ثمناً لمكافحة الإرهاب في دعم الإرهاب.

المذبحة الجريمة المنكرة خططت لها عصابات «سوريا الديمقراطية» الإرهابية الانفصالية المدعومة من أمريكا ودول الغرب.

قررت تلك العصابة، تنفيذ هذه الجريمة على خلفية هزائمها أمام تنظيم الدولة التي تكبدت فيها الميليشيات الكُردية متعددة الجنسيات، ما يزيد على مائتي قتيل من مرتزقتها القتلة المأجورين. وعلى خلفية فشلها في اقتحام مدينة منبج على مدى أربعين يوماً برغم كل الدعم الأمريكي والمستشارين الغربيين.

فكان أن ذكرت وسائل إعلامية مقربة من عصابات سوريا الديمقراطية، هذا الحدث ولكن بروايتها وقالت إن ما يسمى «مجلس منبج العسكري» أحبط هجمات لتنظيم الدولة الإسلامية من ثلاثة محاور، إلى مواقعهم في ريف مدينة منبج بالريف الشمالي الشرقي لمحافظة حلب شمالي سوريا، وعلى قرية عوسجلي الخليل جنوبي منبج، وقرية أم عدسة غربي المدينة». وقتلوا العشرات من عناصر التنظيم على حد ما زعموا.

قام أفراد تلك العصابة المارقة «سوريا الديمقراطية» بإرسال إحداثيات للطائرات الأمريكية من أجل قصفها على أنها تجمعات ومواقع قيادية للتنظيم. لكن ما أن أنجلى غبار العار الأمريكي بحق الإنسانية حتى أتضح أن هذه الاحداثيات كانت لتجمعات مدنية تؤوي نازحين وفارين من إحياء حلب الخاضعة لسيطرة الثوار السوريين ومن بقية مناطق الريف الحلبي، الذين ظنو أن لجوءهم إلى تلك القرى النائية ستنجيهم من حمم وشظايا الحرب الكونية على الإرهاب، فكانوا هدفاً لتك الحرب التي تحالفت فيها أمريكا مع منظمات إرهابية « الحشد الشعبي،سوريا الديمقراطية «من أجل محاربة الإرهاب.

وفي محاولة فاشلة لذرالرماد في العيون وتبرير جريمتها، ذكرت مصادر مقربة من مرتزقة سوريا الديمقراطية المتهمة من قبل منظمات حقوقية دولية بارتكاب جرائم حرب وعصابات مايسمى مجلس منبج العسكري متعدد الجنسيات،نحن لا ننفي سقوط عدد من المدنيين في معاركنا الجارية حالياً ضد الإرهاب، وأضافت أنهم تأكدوا من خلو المنطقه من المدنيين قبل توجيه التحالف لقصفها.

بينما فضح المتحدث باسم قوات «التحالف الدولي»، العقيد كريستوفر هذا كذب عصابات سوريا الديمقراطية وأشار إلى أن الهجوم ضد تنظيم الدولة في منبج تم بناء على معلومات حصل عليها التحالف الدولي من ما يسمى «التحالف العربي السوري»، المنضوي تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية.

ولفت غارفر إلى أن «التحالف العربي السوري» أبلغ قوات التحالف الدولي بوجود موكب كبير لمسلحي تنظيم «الدولة» يستعد لشن هجوم ضد قوات المعارضة السورية في المنطقة.

إلا أن تقارير وردت لاحقاً من مصادر مختلفة تحدثت عن احتمال وجود مدنيين بين مسلحي التنظيم الإرهابي».

مائتا ضحية من المدنيين العزل حصدتهم طائرات مكافحة الإرهاب في ساعة من نهار تماما كما حصدت شاحنة إرهابي نيس أرواح العشرات في ساعة من ليلة رغم أن الضحية في الجريمتين المستنكرتين من البشر لكن في نظام دولي مزدوج المعايير وتتبدل فيه مفاهيم ومعاييرالقيم الإنسانية بين شعب وآخر فإن قتلى «نيس» وجدوا من يبكيهم في وسائل الإعلام ويندد بالعملية الإرهابية المدانة، بينما قتلى «توخار كبير» طويت صفحتهم بانتظار تشكيل لجنة تحقق في أمرهم ربما لا تظهر نتائج تحقيقاتها في هذا القرن وإن ظهرت ربما تظل حبيسة مكاتب التحالف الدولي ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وفي افضل سناريو حديث عن خطأ غير مقصود ربما شعور بالقلق أو الاسف لينتهي الأمر.

مجزرة قرية «توخار كبير»،هي النتيجة الحتمية لتخاذل المجتمع الدولي في دعم حرية الشعب السوري، وهي بالضرورة ناتج طبيعي لاستراتيجية أوباما ومن خلفه الحلفاء الغربيون بالتحالف مع عصابات من المرتزقة والقتلة المأجورين من جنسيات متعددة. لدحر تنظيم الدولة وهي النتيجة المنطقية لتغييب الجيش السوري الحر وتهميش دوره في محاربة كل اشكال الإرهاب بدءًا من ميليشيا الأسد مروراً بالعصابات الكردية انتهاءً بتنظيم «الدولة».

كاتب وباحث سوري

========================

صراع الحضارات: الغرب المسيحي وتركيا المسلمة مثالاً .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 30/7/2016

نخطئ كثيراً أحياناً عندما نحلل العلاقات الاجتماعية والدولية من منظور ماركسي مادي فقط، فقد درج الكثير منا على النظر إلى العلاقات بين الدول على أساس اقتصادي بحت، فأصبحنا لا نرى في العالم سوى المصالح الاقتصادية، وبتنا نعتبر أن العلاقات بين القوى الدولية تقوم بالدرجة الأولى على منافع مادية متناسين أن هناك عوامل أخرى في غاية الأهمية تحكم العلاقات الدولية وطبيعة التحالفات بين بلدان العالم.

صحيح أن الغرب يبدو وكأنه لا يفهم إلا لغة المصالح المادية بحكم تبنيه واعتماده الكامل على المفهوم الرأسمالي المادي. وصحيح أيضاً أنه غالباً من يعمل على تغليب المصلحة المادية على المصالح الأخرى في تعاملاته مع بقية الدول والقوى، ويضرب عرض الحائط بالجوانب الأخلاقية والإنسانية، لكن هذا لا يعني أبداً أن الغرب فقد، أو نسي هويته الثقافية والعقائدية تماماً. لا أبداً، بل عندما يجد الجد نرى أن الغرب يتعصب فجأة لهويته الثقافية والدينية، حتى لو كان غالبية الغربيين أصبحوا ملحدين، ولا يؤم الكنائس في بلد مثل بريطانيا سوى ثلاثة بالمائة أو أقل من السكان.

إن الاستفتاء البريطاني الأخير على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي أظهر بشكل واضح أن البريطانيين مثلاً باتوا يضيقون ذرعاً بالمهاجرين الأجانب، حتى لو كانوا من الأوروبيين المسيحيين، فما بالك لو كانوا من الديانات الأخرى. لقد بات البريطاني العادي يشعر بأن الأوروبي الشرقي القادم من بولندا ورومانيا وبلغاريا يهدد هويته الوطنية والثقافية، ولا بد من يتوقف تدفق المهاجرين الأوربيين الشرقيين. صحيح أن هناك جانباً اقتصادياً للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، على اعتبار أن الأوروبيين الشرقيين باتوا ينتزعون الوظائف من أيدي البريطانيين، وينافسونهم على الخدمات التربوية والصحية والاجتماعية، لكن هناك أيضاً جانباً ثقافياً فاقعاً يقف وراء الانسحاب البريطاني من المجموعة الأوربية.

وإذا كان الأوروبيون المسيحيون يميزون ضد بعضهم البعض ض على أساس عرقي، فلا بد أن يكون لهم موقف من أصحاب الدينات والحضارات الأخرى. صحيح أن نظرية صراع الحضارات التي أطلقها المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون قد اختفت من التداول الإعلامي في السنوات الماضية بعد وفاته، لكنها حية ترزق على أرض الواقع.

وكان هنتنغتون قد تنبأ بحدوث صراعات دينية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي وحتى الكونفوشي الصيني. صحيح أن الغرب احتضن ملايين المسلمين، وأن الإسلام أصبح الدين الثاني في بلد مثل فرنسا، بحيث يزيد عدد المسلمين الآن عن ستة ملايين، إلا أن الفرنسيين باتوا يعبرون عن امتعاضهم من الوجود الإسلامي بشكل صارخ. ويرى البعض أن الأعمال الإرهابية في فرنسا أعمال مدبرة لتشويه سمعة المسلمين والتحريض ضدهم لمغادرة فرنسا.

ولعل صراع الحضارات بين الغرب والإسلام يظهر بأنصع أشكاله في المثال التركي الأوروبي. ويرى كثير من الباحثين أن العداء الغربي المتصاعد لتركيا منذ سنوات هو شكل من أشكال الصراع الحضاري الذي بشر به هنتنغتون. ويعود ذلك إلى القفزات الحضارية الكبيرة التي أنجزتها تركيا منذ وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة. واضح أن الغربيين ليسوا سعداء بظهور نموذج إسلامي حضاري ينافسهم في تركيا، لهذا راحوا يشيطنون الرئيس التركي أردوغان، لا بل وصل بهم الأمر إلى دعم انقلاب عسكري ضد نظامه. وكان الأوروبيون من قبل قد رفضوا رفضاً قاطعاً انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بالرغم من انجازاتها الاقتصادية العملاقة. لاحظوا أن الأوروبيين قبلوا بانضمام دولة أوربية منهارة اقتصادياً كاليونان إلى الاتحاد، بينما رفضوا انضمام تركيا الصاعدة اقتصادياً بسرعة الصاروخ. والسبب كما واضح ثقافي وديني. ليس هناك مانع لدى الاتحاد الأوروبي أن ينفق الميارات على اقتصاد اليونان المتداعي كي تبقى اليونان عضواً في الاتحاد، بينما يرفضون انضمام بلد مسلم مثل تركيا يمكن أن يكون رافداً عظيماً للاقتصاد الأوروبي، خاصة وأن تركيا في عهد أردوغان انتقلت من المرتبة 111 إلى المرتبة السادسة عشرة في الاقتصاد العالمي، بحيث أصبحت من العشرين الأوائل، مع ذلك لم تحظ بشرف القبول في الاتحاد الأوروبي، لأنها ليست مسيحية. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه في بداية المقال من أن التحالفات الدولية هي تحالفات عقائدية حتى لو كان الجانب الاقتصادي يحظى بأهمية كبرى في العلاقات الدولية.

لقد كانت العولمة مجرد كذبة غربية كبرى للهيمنة على الدول الأخرى ونهب ثرواتها وتمييع هوياتها الثقافية، فالغرب يريد أن يغزو العالم أجمع بحجة العولمة، لكنه لا يسمح لأي ثقافة أخرى ان تخترق مجتمعاته، أو حتى أن تبرز على الساحة الدولية. ولنا في المثال التركي عبرة لمن يعتبر.

٭ كاتب وإعلامي سوري

========================

من الغرق في كابول إلى العَوم في دمشق .. مرح البقاعي

الحياة

السبت 30/7/2016

لم تمضِ إلا بعض ساعات على إعلان السكرتير العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتينبرغ، أن «الحلف لا يعتبر روسيا حليفاً استراتيجياً، إلا أنه ليس في حالة حرب باردة معها»، حتى أسرع الرئيس الأسبق، ميخائيل غورباتشوف في التصريح بأن «الحلف الأطلسي يعد العدّة لحرب ساخنة جديدة تخلف الحرب الباردة». تناقض التصريحين السابقين قد لا يشي بنوايا طيبة في كلا المعسكرين، إلا أنه لا ينمّ على كل حال عن احتمال مواجهة حقيقية قد تصل إلى حرب ساخنة، كما أراد غورباتشوف تصويرها، ولو كان الأمر يصل إلى حد الاصطدام الــعسكــري لحدث في مناسبات استفزازية عدة تعمّدت فيها روسيا ليّ ذراع عُصْبة الأطلسي أو إثارة حفيظته في أبسط الأحوال، ابتداءً باحتلالها وضمّها لشبه جزيرة القرم، مروراً بهجوم الانفصاليين الموالين لموسكو على شرق أوكرانيا في ربيع 2014، وصولاً إلى تحليق متكرّر واستفزازي لطائرات روسية فوق سفن حربية للجيش الأميركي في بحر البلطيق.

من نافلة القول إن الموقف الرخو للحلف الأطلسي، على رغم الزخم الإعلامي الذي يروّج عن خطوات صعبة اتخذها الحلف ضد موسكو التي سبق أن ابتلعت جزيرة القرم بين ليلة وضحاها، ثم تمادت في أطماعها التوسعية إلى سورية لتبني قاعدتها العسكرية في منطقة البحر الأبيض المتوسط على الساحل السوري إثر قاعدة البحر الأسود في الجزيرة المحتلة، ذاك الموقف الرخو اخترقته المستشارة الألمانية في تصريحات استباقية قبيل انعقاد قمة الأطلسي، أمام البرلمان الألماني، قالت: «إن سلوك روسيا خلال الأزمة الأوكرانية زعزع حلفاءنا في الشرق إلى حد كبير، فعندما يتم التشكيك بحرمة الحدود وسيادة القانون، فإن الثقة تتراجع».

غياب الثقة بين الأطلسي وروسيا ليس سبباً كافياً ليتمّ الإعلان عن نشر أربع كتائب متعددة الجنسيات في دول البلطيق وبولندا بمحازاة الحدود الروسية مباشرة؛ إلا أن دول الحلف أصبحت تستشعر الخطر الذي يحمله الحلم القيصري التوسعي لفلاديمير بوتين في جولته الجديدة التي قضم فيها جزيرة جارة، وعرّج بجنوده المجنّدة على سورية ليتابع مطامحه في العودة إلى سدّة زعامة العالم من بوابة الحروب المحدودة، لكن الاستثنائية في زمانها ومكانها وأهدافها غير المعلنة. فالمادة الخامسة من معاهدة الناتو، والتي تتعلق بالدفاع المشترك وواجب دول الحلف صد العدوان عن الدول الأعضاء، يتم تفعيلها اليوم من أجل طمأنة الحلفاء في أوروبا الشرقية بأنهم يتمتعون بحماية المظلة الأطلسية من خطر النوايا المبيّتة لموسكو إثر تضخيم عديدها ومقاتليها في غرب الأراضي الروسية.

هذا هو الحال على الحدود الروسية مع دول أوروبا المشرقية، أما إلى الجنوب، وتحديداً في الوجع الحقيقي للروس (السوفيات) المندحرين من أفغانستان، فقد قرر مؤتمر الحلف تمديد مهمة بعثته هناك للعام 2017 والإبقاء على تواجده في أفغانستان بمعدل 12 ألف عنصر. وليست أفغانستان إلا الصورة القديمة الجديدة للصدام بين المعسكرين الشرقي والغربي الذي أدى إلى الغزو العسكري السوفياتي فيها عام 1979، بحجة معاهدة الصداقة والتعاون بين كابول وموسكو، من أجل دحر المعارضة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة والسعودية وباكستان وبريطانيا في ذلك الوقت.

وأكثر ما يخشاه الأطلسيون الجدد هو أن تتكرر لعبة الأطماع السوفياتية الشيوعية البائدة لليونيد بريجنيف لتجد لها موضعاً في العهد الروسي القيصري الجديد لفلاديمير بوتين، على اختلاف المرحلتين في عقيدتهما السياسية لكن باشتراكهما في الأهداف التوسعية، وأن يكون السيناريو الذي أعدّته موسكو لسورية مشابهاً للذي كان لأفغانستان. فالظروف السياسية متقاربة في الحالتين السورية والأفغانية من حيث التدخل الروسي بالسلاح الكامل والثقيل في البلدين وتحت العنوان نفسه و «بطلب من الحكومة الشرعية». وهناك أوجه تشابه أخرى بين الحالتين منها دعم الولايات المتحدة والسعودية للمعارضة السورية في كفاحها الشرعي والعادل الذي يوازي دعمها في السابق للمعارضة الأفغانية ضد الهيمنة السوفياتية، ثم الاحتلال المباشر للبلاد.

فصل المقال يكمن في الموقف الأطلسي الذي ما زال يفتقر إلى المزيد من التمكين، والتفعيل، والتوصيف الواقعي لحجم الأزمة المشتعلة على شواطئ المتوسط، استعداداً لمواجهة الغطرسة الروسية وانتشارها في غير دولة من العالم، الانتشار الذي تحوّل إلى احتلالات حقيقية تمارس فيها قواها العسكرية كل أشكال العنف والتنكيل ضد المدنيين العزل كما هو الحال في سورية. وليس الحوار المرتقب لـ «مجلس الأطلسي - روسيا» بُعيد قمة وارسو سوى قفزة أخرى إلى الوراء لن تخدم قضايا السلام والاستقرار الدوليين، كما يراد بها، بالقدر الذي ستقوي من عضد روسيا وتزيد من كتلة غطرستها في الوقت الذي يزداد الزندُ الأطلسي ارتخاءً. وبينما كان النصيب السوفياتي الغرق ثم الهزيمة في كابول، ربما سيكون القيصر الجديد أكثر حظاً في السباحة والعوم في بحر الدم السوري بغيابٍ مقلق للإرادة السياسية والقوة الرادعة من طرف المعسكر الأطلسي.

* كاتبة سورية

=======================

استعادة الاستقرار والقرار..كيف؟ .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 31-7-2016

المشهور عن الانتخابات الرئاسية الأميركية أنّ موضوعات الاهتمام فيها دائماً هي الموضوعات الداخلية. فإذا عرض أمرٌ خارجيٌّ واضطروا إلى الحديث عنه علَّلوا ذلك بأنه يهدد الأمن القومي الأميركي، والمصالح الاستراتيجية الأميركية. أمّا هذه المرة فالاهتمامات الخارجية تكاد تنافس الاهتمامات الداخلية. وقد دعا ذلك بعض المراقبين إلى القول إنّ الظروف الدولية اليوم بالنسبة إلى الأميركيين، تكاد تُشبه ظروفهم عندما كانوا يقاتلون بفيتنام (1965-1975). وهذا يعني في نظر جوزف ناي الباحث الاقتصادي الأميركي البارز أنّ الرئيس أوباما فشِل في فصل قضايا ومشكلات الداخل عن الخارج. وقضية أوباما الرئيسة هي تجنب إرسال جيوش أميركية إلى الخارج، كما فعل الرئيس بوش الأب، والرئيس بوش الابن. وفي الحالتين فإنّ الأب والابن أرسلا جيوشاً إلى العراق، فكرّرا، في نظر أوباما، التجربة الفاشلة للأميركيين بإرسال الجيوش إلى فيتنام في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

أين ظهر الفشل الأميركي المستجد؟ لقد ظهر أيام الرئيس بوش الابن في الحرب على العراق. أما أيام الرئيس أوباما فقد ظهر في العراق وسوريا، وظهر في حلّ النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وظهر أخيراً في العلاقات مع إيران، وفي العلاقات مع روسيا الاتحادية. وإذا تأملنا الأمر على نحوٍ جادّ فإنّ وجوه الفشل الأميركي هذه، هي وجوه فشلٍ عربية. فكل المشكلات التي ذكرناها (باستثناء مشكلة الغرب مع روسيا في القرم وأوكرانيا) هي مشكلاتٌ عربية أو أنّ لها وجهاً أو بُعْداً عربياً. وإذا كان الغزو الأميركي للعراق عام 2003 يقع في أصل هذه المشكلات؛ فإنه لا ينبغي لنا أن ننسى أنّ جموح صدام حسين بالحرب مع إيران، وباحتلال الكويت، ناجمٌ عن عجز العرب عن ضبط صدّام أو فرض الانضباط عليه، وبخاصةٍ في غزوه الكويت من دون داعٍ أو مسوِّغ.

يضع العرب، مسؤولون ورأي عام، المسؤولية في المخاض الهائل المندلع في ديارهم على عاتق الولايات المتحدة في عهدي بوش وأوباما، وفي عهد بوش الابن على وجه الخصوص. لقد أرادوا ألا يعقد أوباما اتفاقه مع إيران على النووي، إلاّ إذا تعهد الإيرانيون بإيقاف عدوانهم على العرب وبلدانهم ومجتمعاتهم. وأرادوا أن يتدخل أوباما عسكرياً لإسقاط الأسد، أو أن يقدم دعماً حقيقياً إلى المعارضة السورية المسلحة من خلال تركيا وبالتنسيق مع السعودية. وكل هذه الأمور أسباب مباشرة، وكذلك الشأن في التعامل مع الإرهاب. فضعف الدول والمجتمعات واستنزافها بعد غزو العراق، هو الذي ولَّد «النصرة» و«داعش»، وشجّع الإيراني والروسي.. إلخ على التدخل في كل مكانٍ للإفادة من هذا الضعف الذي أحدثه الأميركيون بجيوشهم وسياساتهم.

لكنْ لننظرْ إلى الوجه العربي للمسألة. فالعراق بلدٌ عربي، وسوريا بلد عربي، وكذلك لبنان وليبيا واليمن. وقد انتشر الاضطراب في تلك البلدان نتيجة التدخل الإرهابي أو الإيراني أو الطغيان، وما تدخل من الأميركيين باستثناء العراق. ولذلك إذا كان الأميركيون مسؤولين؛ فإنّ العرب مسؤولون أيضاً، لأنها بلدانهم هم بالدرجة الأولى. وقد تحملت السعودية ودول الخليج المسؤولية في البحرين، وهي تتحملها في اليمن. أما البلدان الأُخرى المضطربة فقد تُركت تحت رحمة الخارج الإيراني والروسي. ذلك أنّ العرب الآخرين لا استطاعوا فعل شيء ولا أرادوا، وقد اعتادوا التدخلات الأجنبية والاستسلام لها في معظم الأحيان في زمن الحكومات العسكرية والأمنية.

ما أُريد التوصل إليه أنّ هناك حاجةً عربيةً هائلة تكاد تكون وجودية لاستعادة الاستقرار والقرار. بل أكاد أقول إنّ الاستقرار لا يكون إلاّ باستعادة استقلالية القرار. والاستقلالية لا تعني إرسال الجيوش إلى كل مكان من أجل فرض أمر واقع، فهذا يكاد يكون مستعصياً في هذا الزمان. وإذا كانت أميركا قد أعرضت، فلا شك أنّ العرب ليسوا أكثر قدرة. ولأنّ الأميركيين قد عجزوا أيضاً دون التوقف عن التدخل بهذا الشكل أو ذاك، فلا مناص من التعاون والتنسيق والشراكة. وهذا الوضع أفضل بكثير من الشكوى الدائمة ولعن الولايات المتحدة ودورانها في سياسات غير مجدية. على العرب التضحية بالأوهام، وعلى الأميركيين اعتماد أخلاق المسؤولية بالفعل، وليس بالقول والدعوى وحسب.

إنها باختصار دعوة إلى التعاون بين العرب والأميركيين في القضايا التي تهم العرب وتهم الأميركيين، ولا يمكن أن ينجح أحد الطرفين من دون الآخر. وكلا الطرفين موجود، لكنه يفتقر إلى الإرادة والفعل. ويا للعرب!

========================

حصار حلب وخداع بشار الأسد وبوتين .. محمود علوش

ترك برس

الاحد 31-7-2016

في أول أيام عيد الفطر المبارك، أعلن النظام السوري على نحو مفاجئ عن هدنة في عموم البلاد لمدة 72 ساعة. وبعد سريان الهدنة المزعومة ببضع ساعات إن لم يكن دقائق، شنّ جيشه مع الميليشيات المتحالفة معه هجومًا على بلدة ميدعا التي تقع في ريف العاصمة دمشق في محاولة لانتزاعها من فصائل المعارضة. وبعد أقل من 24 ساعة من هذا الإعلان، بدأ جيش النظام والميليشيات التي تتشكل من مقاتلي الحرس الثوري الإيراني وفرعه اللبناني حزب الله، هجومًا واسعًَا على مناطق محيطة بطريق الكاستيلو، آخر طرق إمدادات المعارضة إلى الأحياء التي تسيطر عليها في مدينة حلب وأحكم الحصار عليها، وهو أمر سيتسبب بكارثة إنسانية كبيرة تهدد سكان المدينة.

الهجوم الجديد على حلب لا يشكل مفاجئة بطبيعة الحال، فهي ليست المرّة الأولى التي يحاول فيها النظام وحلفاؤه حصار المدينة، وسبق أن جرّبوا ذلك في أبريل/ نيسان الماضي وفشلوا بسبب صمود المعارضة، لكنّه يأتي هذه المرّة بعد الإعلان المزعوم عن الهدنة، وفي ضوء معطيات سياسية برزت خلال الأونة الأخيرة، لا سيما التصريح الغامض للسفير الروسي في دمشق ألكسندر كيشناك، والذي استبعد فيه شن هجوم على حلب والرقة في القريب العاجل، على العكس تماماً من خطاب أمين عام حزب الله حسن نصر الله مؤخرًا، والذي قرع فيه طبول الحرب على حلب، واصفًا إياها بأم المعارك.

الرسائل التي يرسلها نظام الأسد وطهران وموسكو تبدو متناقضة من ناحية الشكل، لكنّها منسّقة وأقرب إلى لعبة تبادل الأدوار بينهم، ولا تعكس على الإطلاق خلافًا بين أطراف المحور الواحد، وبالتحديد بين النظام وإيران من جهة وبين روسيا من جهة ثانية كما ذهبت بعض التحليلات منذ الإعلان المخادع للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مارس/ آذار الماضي عن سحب القوات الروسية المتواجدة في سورية والإبقاء على وجود جوي لمراقبة وقف إطلاق النار الذي تم التوصّل إليه بين موسكو وواشنطن، إذ تشير المعطيات بعد الإعلان الروسي المفخخ إلى أن موسكو أعادت نشر المدفعية الثقيلة في مناطق قرب مدينة حلب واحتفظت بشكل كبير بقدراتها العسكرية في هذا البلد.

من المهم لفت الانتباه إلى أن التصعيد الجديد في حلب يأتي بالتزامن مع المساعي التي يقودها المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا لإعادة استئناف محادثات السلام في جنيف ، وهو تصعيد يتكرر في كل فترة تسبق انعقاد جولة جديدة من المحادثات، ويرمي إلى تحقيق هدفين أساسيين، الأول إنجاز مكاسب ميدانية إضافية من جانب النظام وحلفائه من أجل توظيفها على طاولة المفاوضات، والثاني، وهو الأهم، إفشال أي مسعى جدي لإطلاق عملية سياسية حقيقة، على اعتبار أن المقومات الفعلية لنجاح هذه العملية، وبإقرار الجميع بمن فيهم الروس والإيرانيون، تكمن في جوهرها برحيل الأسد عن السلطة سواء في بداية أي عملية انتقالية أو في نهايتها.

السيناريو نفسه يتكرر اليوم وبنفس الوسائل، فالجولة الأخيرة من المحادثات غير المباشرة بين الأطراف السورية في جنيف، ما كانت لتنهار في نهاية أبريل الماضي لولا التصعيد العسكري الكبير للنظام وبدعم روسيا في شمال البلاد، والذي أدّى حينها الهدف المرجو منه بالدرجة الأولى، وهو إجبار وفد الهيئة العليا للمفاوضات على تعليق مشاركته في المحادثات وإظهاره على أنّه هو من يرفض الحل السياسي. وكان مستغربًا وقتها أن تلجأ الولايات المتحدة الأمريكية إلى ممارسة الضغوط على المعارضة والتلويح بوقف الدعم العسكري الشحيح عن فصائلها العسكرية في حال أصرّت على مقاطعة المحادثات بدلاً من ممارسة هذا الدور على الروس لوقف التصعيد وإنقاذ المحادثات.

من الغرابة أن ينخدع الأمريكيون والعالم مجددًا بالنوايا الروسية المضللة، فواشنطن اليوم تسعى إلى تفاهم جديد مع موسكو يهدف إلى قيام تنسيق استخباراتي بينهما في سورية وتقول إن خطّتها لن تعتمد فقط على الثقة، ما يعني أن استراتيجية الإدارة الأمريكية الفاشلة في إدارة الملف السوري خلال السنوات الخمس الماضية كانت قائمة على “الثقة” وهي بدعة جديدة في العلاقات الدولية. أما الأمم المتحدة التي تطالب بأن يكون لها الإشراف على الممرات الآمنة المزعومة التي أعلن عنها الروس لسكان الأحياء الشرقية الواقعة تحت سيطرة المعارضة في حلب، فهي تعطي الضوء الأخضر للنظام وحلفائه من أجل السيطرة على شرق حلب. مع العلم أن الخطة الروسية وإن بدت في الشكل تهدف إلى حماية المدنيين، لكنّها تهدف إلى ما هو أخطر من ذلك، وتفريغ تلك الأحياء من سكانها تمهيدًا للانقضاض عليها.

قد ينجح الأسد في فرض أمر واقع جديد على خصومه من خلال حصار مدينة حلب، في ظل التواطئ الدولي وبالأخص الأمريكي ضد المعارضة السورية. وهذا النجاح، سيوظفه الروس والإيرانيون من دون شكّ في جولة المحادثات المقبلة في جنيف فيما لو قُدّر لها أن تعقد من جديد، عبر فرض المزيد من الضغوط على المعارضة ودفعها إلى التخلي عن مطلب الانتقال السياسي. والتصعيد الحالي في حلب ليس إلاّ نقطة في بحر الخداع الذي أتقنه النظام السوري وروسيا منذ اليوم الأول للحرب، فيما إيران تبدوا أكثر صراحة في خيار الحسم العسكري.

========================

تساؤلات الظهور المفاجئ .. حسام كنفاني

العربي الجديد

الاحد 31-7-2016

لماذا اختار أبو محمد الجولاني هذا الوقت بالتحديد للكشف عن وجهه؟ وأي وجه هو الذي تعدّ له “جبهة النصرة” سابقاً، و”جبهة فتح الشام” لاحقاً، في مسار عملها على الأرض السورية؟ وماذا يعني فك الارتباط بين الجبهة وتنظيم القاعدة؟

هذه الأسئلة وكثير غيرها لا تزال تدور في أذهان من تابعوا التحولات السريعة على الساحة السورية في الساعات الماضية. تحوّلات لم تعد تدور فقط في الفلك الميداني، والذي يشهد تقهقراً لقوات المعارضة في ظل تقدم قوات روسيا والنظام، بغطاء أميركي بعد التفاهمات التي أبرمها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مع نظيره الأميركي، جون كيري، بل من الواضح أنها دخلت إلى الجانب السياسي، وسط حديثٍ عن صفقاتٍ يجري الإعداد لإخراجها، قد لا يكون ظهور الجولاني، وقرار فك ارتباطه بالقاعدة، في هذا الوقت بعيداً عنها.

في هذا الإطار، يمكن النظر إلى المسارعة الأميركية إلى التأكيد على أن تغيير اسم جبهة النصرة لن يزيلها عن القوائم الأميركية للإرهاب، في إشارةٍ ضمنيةٍ إلى أن التغيير الذي أعلن عنه الجولاني، يصبّ في هذا الاتجاه، ويسعى إلى حفظ مكان للجبهة، بغض النظر عن اسمها، في التركيبة السورية الجديدة. تغيير الاسم وفك الارتباط مع “القاعدة” خطوةٌ أولى في هذا المجال، وخطواتٌ لاحقة ستتبعها للحاق بالمتغيرات السياسية والميدانية في سورية.

الأمر الثاني الملفت في هذا السياق إشارة الجولاني في ظهوره إلى عدم ارتباط الجبهة بأي جهةٍ خارجية. كلام، في بادئ الأمر، يمكن اعتباره إشارةً إلى العلاقة مع تنظيم القاعدة وفك الارتباط به. لكن، يمكن أن يفسر على نحو أوسع، أي أن فك الارتباط لا يقتصر على “القاعدة”، وأصبح شاملاً الأطراف الأخرى التي تربطها علاقة بـ “الجبهة السابقة”. وكأن الجولاني يحاول التلميح، عبر الكلمة المقتضبة التي ألقاها، إلى أن الجبهة باتت منفتحة على ارتباطاتٍ خارجيةٍ جديدة، وباتت متحللةً من كل تحالفاتها السابقة، خدمةً للأهداف التي أعلنها الجولاني في كلمته، وهي “تحقيق الأمن والأمان والاستقرار والحياة الكريمة لعامة الناس، والتوحد مع الفصائل المعارضة لرصّ صفوف المجاهدين، وتحرير أرض الشام، والقضاء على النظام، وأعوانه”.

أيضاً، لا بد أن يحيل ظهور الجولاني وكلامه إلى ما راج سابقاً عن محاولات تلميع جبهة النصرة، وتقديمها طرفاً معتدلاً في المعادلة السياسة السورية، ويمتلك قوةً لا بأس بها على الأرض. هذا الكلام ظهر قبل سنة، ومع ظهور صوتي للجولاني على قناة الجزيرة في مقابلة مع أحمد منصور، وكانت التوقعات حينها بأن يعلن فك الارتباط عن “القاعدة”، في إطار هذه الخطة، غير أن من الواضح أن الأوان، في ذلك الوقت، لم يكن مناسباً لمثل هذه الخطوة، خصوصاً أنه لم تكن هناك ملامح تنبئ بإمكان وصول القطبين الدوليين المؤثرين في سورية، أي الولايات المتحدة وروسيا، إلى ما يشبه التفاهم على مصير النظام ومرحلة سورية الجديدة.

ما كان غير مناسبٍ في السابق لم يعد كذلك اليوم، على الأقل هذا ما يبدو أن “النصرة” أو “فتح الشام” تراه، وهو أيضاً ما بات يمكن استشعاره لدى كل الأطراف السياسية في سورية، الموالية والمعارضة. وما كان غير ذي جدوى في السابق، ربما يرى فيه الجولاني فرصة للحاق بركب المسار الجديد، وإعادة إحياء الفكرة السابقة المتعلقة بتقديم الجبهة شريكاً معتدلاً يمكن الركون إليه. وعلى هذا الأساس، كان لا بد من الظهور المرئي الأول، وعدم الاكتفاء بالرسائل الصوتية. ظهور يقدّم الصورة والصوت لمن يريد أن يكون شريكاً في المرحلة الجديدة.

تخمينات وتحليلات إضافية يمكن أن تُساق في إطار محاولة تفسير ظهور الجولاني وإعلانه المفاجئيْن، وعلى الرغم من أن لا جواب حاسماً يمكن أن يصدر حول هذا الأمر، إلا أن من المؤكد أنه غير اعتباطي، ومرتبط بمشهدٍ جديدٍ يتشكّل في سورية والمنطقة.

========================

علاقات تركيا بسورية .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 31-7-2016

واجهت تركيا، في العامين المنصرمين، مصاعب متنوعة، ردّت عليها بخطوات تصالحية تجاه روسيا وإسرائيل، بعد أن وجدت نفسها في مواجهة مخاطر تخترقها بقوة، وتهدّد بتقويض أمنها، ووحدة دولتها ومجتمعها.

وكانت تركيا، طوال فترة الصراع ضد السوفييت، جزءاً من نظام الأمن الغربي الذي تمتعت بحمايته عسكرياً وسياسياً، لكن مكانتها تراجعت في استراتيجيات الغرب، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبناء البلدان الغربية عامة، وأميركا خصوصاً، بيئة دولية مغايرة للتي أنتجها انقسام العالم إلى معسكرين متصارعين. وقد بدّل هذا التراجع دور مؤسسة أنقرة العسكرية، في حين تغيّرت البيئة العامة التي عمل العسكر في ظلها منذ أتاتورك، بما أحدثه وصول حزب العدالة والتنمية من انقلابٍ واسع في مختلف المجالات، خلال عقد ونصف العقد، عاشت تركيا بفضله تطوراً غير مسبوق، أدى إلى “أوربة” البلاد وعلمنتها، وأطاح دور الجيش حارساً للعلمانية، في حين بدّل سقوط السوفييت وظيفته حارساً للأمن القومي. وكشف إسقاط الطائرة الروسية، في نوفمبر/ تشرين الثاني، كم تغيرت مواقف أميركا وحلف الأطلسي من بلاد “العدالة والتنمية”، وأكد أنه لم يعد في وسعها الاعتماد على حليفيها التاريخيين هذين، بشهادة أوباما عن أردوغان في مقابلته مع الصحافي جولدبرغ التي اعتبره فيها استبدادياً وفاشلاً، وجعله مسؤولاً عن استمرار الحرب في سورية، متناسياً أنه نفسه من منع إقامة منطقة آمنة داخل سورية، كان أردوغان قد كرّر تصميمه على إقامتها، وحدّد مواعيد متتابعة لذلك، رداً على الاستعصاء السوري الذي أنتج آثاراً شديدة الإيذاء في الداخل التركي.

حسّن فشل الانقلاب بصورة جدية وضع تركيا دولةً، ووضع رئيسها أردوغان خصوصاً، وعلاقاتها الروسية/ الإسرائيلية المتجدّدة في سياقٍ تأكد معه أنها شريك قوي يصعب الاستغناء عنه. ويفسر هذا مسارعة موسكو وتل أبيب إلى تسوية خلافاتهما مع حكومتها، فروسيا كانت بحاجةٍ إلى كسر الحصار الاقتصادي الغربي، بفتح أسواقها من جديد أمام رجال الأعمال والتجار وأصحاب الرساميل الأتراك، بينما رأت تل أبيب في علاقاتها مع أنقرة تكريساً لتفوقها الإقليمي الذي أنتجه تدمير النظام الأسدي سورية وقتل شعبها وتهجيره، وطياً لخلافها مع دولةٍ قويةٍ ومزدهرة، يمكن أن يتعبها طويلاً الخلاف معها.

تعزّز التحسّن في وضع تركيا الخارجي الذي أنتجته المصالحة مع روسيا وإسرائيل، بفضل نجاح الديمقراطية في إفشال الانقلاب، وما ظهر من إجماع وطني/ شعبي حول الشرعية الحكومية التي وقفت معها قوى البلاد وأحزابها، ودعمها الشعب، عرفاناً منه بما أنجز في ظلها من تقدّم واستقرار، بزعامة أردوغان، السياسي الذي جعله التفاف الشعب حوله زعيماً وطنياً، وأباً ثانياً للأمة، مثل أتاتورك. وأمدَّ فشل الانقلاب أردوغان بقدر من القوة لم يسبق له أن امتلكه. لذلك، لن يتّخذ قراره السوري في ظرفٍ كالذي قرّر فيه استعادة علاقاته مع روسيا وإسرائيل. ولن يكون مضطراً للقيام بخطواتٍ تجاه النظام الأسدي، كالتي قام بها حيال موسكو وتل أبيب، بل لن يكون تنظيم علاقات بلاده مع سورية، على الأرجح، أولويةً ملحةً له، بما أن أولويته ترتيب أوضاع وطنه الداخلية التي كشف الانقلاب عيوبها وثغراتها، سيتطلب التخلص منها وقتاً. ويرجّح أن تعفيه ترتيبات الداخل من اتخاذ قرارٍ سريع تجاه سورية، علماً أنه لن يقتصر بالضرورة على النظام، ما دامت تركيا لا تعتبر نظام الأسد مساوياً لسورية، ولا ترى في تحسين علاقاتها مع سورية تقديم تنازلاتٍ للأسد تمسّ مكانتها الخاصة لدى أنقرة. وسيتعزّز الاحتمال إذا نجح أردوغان في إعادة تعريف علاقات بلاده مع أميركا وحلف الأطلسي، استناداً إلى موقعه الجديد زعيماً سينقل مركز القوة الداخلي من المؤسسة العسكرية إلى المؤسسة السياسية التي صار قائدها ورمزها، وغدا صعباً إجباره على تقديم تنازلاتٍ للأسد ونظامه، أو إكراهه على إعطاء الأولوية لتنازلاتٍ كهذه لن تعود عليه بأية فائدة، في ظل استبعاد أن يساوي بين سورية ونظامٍ وصف رئيسه بالقاتل، بعد إفشال الانقلاب.

وعلى العموم، يبقى أردوغان أحد أكثر داعمي الشعب السوري صلابةً، ويرجّح أن يعبر القرار الذي سيتخذه يوماً عن موقفه الحقيقي الذي أستبعد كثيراً أن يتغيّر حيال شرعية الثورة، وحق سورية في الحرية والكرامة.

========================

موقفنا : حول تصريح مدير وكالة المخابرات الأمريكية : سورية قد لا تبقى موحدة .. أيها السوريون هذا ما يريدونه لكم فانظروا ماذا تريدون لأنفسكم .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

31 / 7 / 2016

ليست المرة الأولى التي يطلق فيها مسئول أمريكي مثل هذه التفوهات . فقد سبقه إلى ذلك مسئولون عديدون ، ورجال رأي وصحفيون أطلقوا مثل بالونات الاختبار هذه في مناسبات عديدة .

وانضم إلى ذلك من قبل أيضا مسئولون روس وفي مقدمتهم لافروف وزير الخارجية الذي أطلق منذ أشهر أكثر من تصريح على هذا الطريق. طريق تقسيم سورية إلى كانتونات وليس إلى دويلات ، فهل سورية بحجمها الحالي المجزوء إلا دويلة في أفق ما كانت عليه أيام شامها الكبير .

وحديث التقسيم في سورية ، حديث جد وليس بالهزل ، يتسلل مرة بعد مرة في إطار المؤامرة الدولية الكونية المحبوكة على الشعب السوري . وحديث المؤامرة هذا يؤكد لكل السوريين كذب الادعاءات التي ظل يطلقها كل الذين كانوا يحضرون مؤتمرات ( أصدقاء الشعب السوري ) في أطوارها المختلفة والتي كانت في كل مرة تنص على ثابت : وحدة سورية أرضا وشعبا .

لا يخفى على سوري راشد أن تراخي المجتمع الدولي ، في الأخذ على أيدي القتلة المجرمين في سورية من عصابة الأسد ، والذين ظلوا على مدى خمس سنوات يرتكبون جرائمهم مع حلفائهم خارج إطار القانون الدولي ، والقيم الإنسانية ؛ إنما كان وفق مخطط لاستنزاف سورية ، وهدر إمكاناتها ن وتمزيق إطارها المجتمعي ، تمهيدا لإضعافها وتحويلها إلى دولة فاشلة كما صرح يوما الأخضر الإبراهيمي ، أو غلى تقسيمها كما يتحدث هؤلاء المتآمرون اليوم ..

في المعلن السياسي العام لا أحد في سورية يجهر بالمطالبة بالتقسيم ، لا احد من قبل المعارضين والثوار ، ولا أحد من بقايا من يسمى بالنظام، ثم ولا أحد من الفصائل الكردية التي لا تفتأ تكرر أن مطلبها حالة من الحكم المحلي في ظل حالة من الفيدارلية يتم التوافق عليها ؛ فلمصلحة من ؟ وباسم من ؟ يتطوع الروس والأمريكيون بتقديم ( التقسيم حلا ) ، لا يسعى إليه أحد ولا يطالب به من السوريين أحد ،أم أن وراء الأكمة ما وراءها ، وأن بعض هؤلاء الذين يعلنون التمسك بوحدة سورية جهارا يعملون من تحت الطاولة ، لصياغة البدائل والإعداد للمؤامرات .

منذ يومين كان ( علي السعيدي ) ممثل المرشد الأعلى خمنئي لدى الحرس الثوري الإيراني يعلن عن خطوط إيران الحمراء في سورية فيقول إن وحدة سورية خط أحمر ، وإن بشار الأسد خط أحمر ، والمعادلة الصعبة عند هؤلاء إذا لم يمكنهم الحفاظ على هذين الخطين ، ووُضعوا في خيار بين وحدة سورية وبقاء بشار .

 إن المعلوم للجميع إن معادلة هؤلاء ولفيفهم إما أن تكون سورية موحدة ، وفي جيبهم وتحت هيمنتهم ونفوذهم وسلطانهم ، وإما أن يذهبوا إلى تقسيم يؤمنون فيه لأنفسهم دائرة السيطرة التي يحلمون بها ، وإن اختلفوا في تصور حدود ما أطلقوا عليه تسمية ( سورية المفيدة ) لتطلعاتهم ومخططاتهم ...

قلنا إن الحديث عن التقسيم ليس جديدا على الساحة السورية ، بعد الأحاديث الكذاب عن التمسك بوحدة سورية أرضا وشعبا .

ومنذ أكثر من عام تابعنا حديثا مريضا عن سورية المفيدة ، مع إيماننا أن كل موضع شبر من الأرض السورية هي بؤبؤ عين كل السوريين : سهلا وجبلا ، رملا وزرعا ..

ومنذ ذلك الوقت بدأ الروس والأمريكيون والإيرانيون والأسديون ينسقون معا لكانتون ( دمشق – حمص – الساحل ) يتمسك به الإيرانيون ، في مقابل كانتون ( حمص - الساحل ) يقنع به الأسديون إلى جانب كانتون آخر في الشرق والشمال الشرقي يحلم به الأكراد الذين قد يرفضوا أصلا وصف سوريين ...

كانتونات الخطة ( ب ) هذه هي التي يتحدث عنها مدير وكالة المخابرات الأمريكية . والتي يأتي احتلال حلب اليوم خطوة على طريق تنفيذها. هل اقترب موعدها ؟!

ما فتئ وزير الخارجية الأمريكية يحذر زميله الروسي من السماح للروس باحتلال حلب . فإذا انكشف التوافق الروسي – الأمريكي عن خدعة ، فإن الأمريكيين قد يقطعون تنسيقهم مع الروس ، ويذهبون في طريقهم إلى مشروع الكانتونات التي سترقص دولة بني صهيون .

ما كشف عنه مدير وكالة المخابرات الأمريكية ليس جديدا ، بل هو تأكيد على خيار سبق أن تحدث عنه المتحدثون ..

ومثل مدير المخابرات الأمريكية لا ينطق عن عبث ، ولا يسرب مثل هذه المعلومة ، إلا ولديه من المعلومات والمخططات والأدوات ما يكفي ليضع هذا الذي نسميه ( مؤامرة ) ونوسعه هجاء موضع التنفيذ .

وهذا التسريب ، يفرض على قوى المعارضة السورية بكل تلافيفها تحديا جديدا ، عليهم أن يستعدوا لإحباطه .

قد يكون من السهل علي أن أكتب لكم هنا نشجب ونستنكر ونرفض وندد كما قال كثير غيري على الهواء ، ولكن هذا الشجب والتنديد والإدانة لا يكفي . ما يقتضيه الموقف ، بحق للذين اندفعوا ليتصدروا ، أن يأخذوا الأمر بجد ، وأن يجدوا في دراسة التحدي بتبعاته ، وأن يضعوا الخطط والبدائل لإحباط المؤامرة المدمرة لسورية الدولة والوطن والإنسان ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

=======================

جذور خطابية للتوحش في سورية .. ياسين الحاج صالح

الجمهورية

الاحد 31-7-2016

تتناول هذه المقالة العلاقة بين تمثيل السوريين في الخطابات والمناهج وأنماط الكتابة الخاصة بالشأن السوري، وبين تمثيلهم السياسي في الحقبة الأسدية من تاريخ سورية. القضية التي أدافع عنها هي أن الحجب الكتابي والخطابي للسوريين أسهم في تعزيز حجبهم السياسي والتقليل من قيمة حياتهم، وأن الحجب أو التغييب السياسي سهّل لكُتّاب ومنتجي خطابات اغتيابَ عموم السوريين والنيل من اعتبارهم وتغييبهم من النص. أنوِّه إلى أني أترجمُ l’invisibilite’ بالانحجاب1، وهذا مُدركٌ يُحيل إلى حجب النساء أو عزلهن وراء حجاب يفصلهن عن الحياة العامة، وأستفيدُ من استعارة الحجاب للقول إن الحجب السياسي عبر إلغاء المساحات العامة أو استيلاء الدولة الأسدية عليها بالقوة، وما يقترن بالإلغاء والاستيلاء من حدٍّ من الاختلاط والتعارف بين السكان، ودفعهم إلى النطاقات الخاصة بفعل اقتران المساحات العامة بالانكشاف والخوف والإذلال، ثم تدني الثقة بين الأفراد والجماعات (بفعل الخوف، كما بفعل الاغتياب الذي تمارسه أجهزة الحكم نفسها بحق قطاعات من السكان)، كل ذلك أهّل ظروفاً أنسب لحجب النساء وتعزيز سلطة الأب عائلياً، والأدوار الاجتماعية المحافظة.

وأجدُ كلمة توحش أنسب لوصف أنماط العنف الممارسة في سورية، عنف الأسديين وشركائهم الطائفيين، ثم عنف داعش وجهاديين آخرين، ثم العنف البهيمي الروسي الذي يُصَبُّ على حلب اليوم. ومُدرك التوحش الذي روجه منظرٌ جهادي، أبو بكر ناجي، في كرّاسه إدارة التوحش هو أنسبُ لأغراض هذا النص، بفعل تقابله مع التأنسن الذي سيجري الكلام عليه في الختام.

خطابات

لوقتٍ طويل كان يجري تمثيل الشؤون السورية من قبل وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث وقطاعٍ من الكتاب السوريين بالذات عبر خطابين أساسيين: الخطاب الجيوسياسي، والخطاب الثقافوي، وبعد الثورة دخلَ التداولَ خطابٌ ثالث، الخطاب الإنسانوي.

خطاب جيوسياسي:

الخطاب الجيوسياسي متمركز حول السياسة العليا high politics، ويتكلم على دول وعواصم، ورؤساء وملوك، ووزارات خارجية ودفاع، وعلاقات بين الدول وموقع جغرافي وقوات مسلحة. الدوالّ المتواترة هنا هي سورية، الأسد، دمشق، وحفنة ضئيلة من مساعدين سياسيين، ودوماً في سياقات تتكرر فيها مفردات مثل إسرائيل ولبنان والعراق والسعودية وإيران وتركيا، و«الشرق الأوسط»، وطبعاً واشنطن وموسكو والرياض وطهران وأنقرة والقاهرة… إلخ.

ولد هذا الخطاب مع ظهور الدول القومية المحاربة في أوروبا، وهو يحولُ بفعل تكوينه بالذات دون رؤية الاجتماعي واليومي/ الطبقات والشرائح الاجتماعية، النساء والرجال، المدن والبلدات والأرياف، التعليم والصحة والسكن وشروط الحياة المادية، إقامة السكان وهجرتهم، السجون والتعذيب وأوضاع الحريات العامة، درجات التقارب أو التباعد بين السكان، … إلخ. كل شيء مهم تقريباً.

وليست الجيوسياسة في «سورية الأسد» خطاباً بين خطابات، إنها كل السياسة، وكل خطاب الدولة. وسورية وفقاً للخطاب الجيوسياسي صندوقٌ مغلق، محتوياته غير مرئية. وينسب هذا الصندوق إلى الحاكم الأسدي، ويسمى فعلاً «سورية الأسد».

وللتدليل على الفاعلية التغييبية لهذا الخطاب، نذكر أنه فقط بعد الثورة السورية صرنا نسمع بأسماء بلدات ومدن كانت مغمورة مثل سورية كلها، وظهر عدد كبير من الأشخاص، النساء والرجال، الذين لهم صوتٌ ورأيٌ شخصي، فضلاً عن حركات وتجمعات كثيرة ومتنوعة. الصندوق انفتح، وظهر تعدد سورية المقموع. وجزاءُ هذا التمرد هو القتل والتدمير المستمر منذ خمس سنوات بغرض إرجاع الجميع إلى الصندوق.

ومن تنويعات هذا الخطاب ما يُعرف باسم الممانعة، وهي شكلٌ واهنٌ من أشكال القوميةِ العربية ونزعةِ مناهضة الامبريالية، منفصلٌ عن أي أبعاد اجتماعية وثقافية تحررية، ودون أي عمق شعبي. الممانعة مركب إيديولوجي سياسي نخبوي وفوقي، يتيح عزل السكان المحليين عن العالم بزعم مواجهة أعداء خارجيين، دون انخراطٍ شخصيٍ أو جمعيٍ للممانعين في مواجهة هؤلاء الأعداء الخارجيين.

والخطاب الرسمي للدول الأسدية طول عقود حكمها هو أقرب إلى التنويعة الممانعة للخطاب الجيوسياسي، الذي يُبقي عموم السكان غير مرئيين.

خطاب ثقافوي:

الخطاب الثاني هو الخطاب الثقافوي المتمركز حول «الثقافة» مفهومةً كذهنيات أو كـ«عقل»، أي تعريف السكان بما يفترض أنه يخصهم ويميزهم من عتاد ثقافي موروث، مختزل غالباً إلى الدين. هذا الخطاب نظرةٌ من فوق ومن خارج إلى السكان، تختزلهم إلى مجموعات إثنية ودينية ومذهبية. تتواتر هنا مفردات مثل إسلام ومسيحية مثلاً، سنة وعلويين وشيعة، عرب وكرد، طوائف، أكثرية وأقليات، وكذلك الاستخدام الرمزي لمدركات مثل حداثة وعقلانية وعلمانية، ومثل إسلام وأصولية وظلامية وما شابه. أعني بالاستخدام الرمزي تَحوّلَ وظيفة هذه المدركات من شرحِ واقعٍ إلى تعريفِ المتكلمين، أي قيامها بوظيفة الهوية.

ويعتني الخطاب الثقافوي بالرؤوس مفصولة عن الأجساد، مع تعريف الرؤوس ذاتها تعريفاً ثقافوياً يعزلها عن العيش في عالم دنيوي متغير، بحيث تبدو بعض الرؤوس محشوةً بشيءٍ خَطِرٍ اسمه الإسلام، وبعضها حشواتها من نوعٍ أفضل وممتنعة على الانفجار مثل سابقتها، هذا بينما تُهمل أيضاً الشروط السياسية والاقتصادية والأوضاع الاجتماعية.

المنبعُ الأول لهذا الخطاب هو قوميو الغرب الذين يميلون إلى تعريف الغرب ذاته تعريفاً ماهوياً وثقافوياً، وإلى اشتقاق الحداثة من أصول مسيحية (وبعد الحرب العالمية الثانية، أصول يهودية مسيحية) أقدم. وتعتنق هذا الخطاب لدينا نخبٌ اجتماعية وسياسية وثقافية صاحبة امتيازات، تشكل بصورة ما استمراراً لشريحة المحميين المتسعة بين حقبة التنظيمات العثمانية وصولاً إلى الاستعمار الأوربي المباشر. والتقاءُ وقائع الطبقة والطائفة في شريحة المحميين واقعةٌ مستمرةٌ بين الزمنين.

تتصل بهذا الخطاب نزعة الإسلاموفوبيا العابرة للحدود، وتتصل به أيضاً مستمرات تاريخية من نوع «حقوق الأقليات» و«حماية الأقليات»، ومعلومٌ أنها كانت من عناوين التدخل الأوروبي منذ منتصف القرن التاسع عشر في منطقتنا.

ولافتٌ أن روسيا، وهي في طورها بعد الشيوعي غير منتجة لخطابات ومناهج معلومة في شؤون العالم المعاصر، طليعية في الترويج للصيغ الأكثر فظاظة من الخطاب الثقافوي الإسلاموفوبي. ومعلومٌ أن لقب رجل أوروبا المريض أطلقه قيصر روسيا نيكولاي الأول على السلطنة العثمانية عام 1853.

وتقع قضايا «الإرهاب الإسلامي» عند نقطة تقاطع الخطابين الجيوسياسي والثقافوي.

في تشكله الراهن، الخطاب الجيوسياسي يستبطن مركزية الغرب العالمية، كمعسكر سياسي حضاري مسيطر، وكمنتج أكبر لهذا الخطاب (وغيره)، ومركزية الدولة خارج الغرب، ومنه بخاصة إقليمنا الشرق أوسطي الذي ينضح اسمه بالذات بالجيوسياسة.

والخطاب الثقافوي متمركز حول الغرب كـ«حضارة»، وهذا مفهوم يتيح تعمية الفوارق بين الغرب الماهوي (مسيحي أو يهودي مسيحي) وبين الغرب الوجودي، إن جاز التعبير، الذي يمكن تعريفه بالليبرالية والديمقراطية والعلمانية، والإنسانيات. لكن لدينا تنويعات منتشرة للخطاب الثقافوي، متمركزة حول الدين، الإسلام، وكانت في موقعٍ مهيمنٍ فعلاً في ربع القرن السابق للثورات العربية، ويبدو أنها عائدة اليوم بقوة مع تحطم الثورات وصعود الجهادية. وهي منهجُ تفكيرٍ اختزالي يفسّر المجتمع والسياسة بالثقافة والذهنيات، مع إعطاء الدين موقعاً مركزياً في تشكيل الثقافة والذهنيات.

وينطوي الخطاب الثقافوي الغربي حول مجتمعاتنا على تراتبٍ مضمرٍ للجماعات، مُعرّفةً بثقافتها بدلالة قربها وبعدها من الغرب، فيكون غير المسلمين أقربَ وأولى بالحماية من المسلمين، وغير العرب مقربين أكثر من العرب، وغير السنيين أولى بالرعاية من السنيين. وقلما يختلف الأمر عند الثقافويين المحليين.

والواقع أن الخطاب الثقافوي خطاب جيوثقافي في كل حال، إن في صيغة «صراع الحضارات» أو في صيغة «دار الحرب» و«دار الإسلام» الإسلامية، أو هو يضمر تصورات جيوثقافية عند عموم الثقافويين العلمانيين في بلداننا. كان المرحوم جورج طرابيشي على سبيل المثال يعترض مُحقاً في ثمانينات القرن العشرين على «ثقفنة الصراع» مع الغرب، هذا قبل أن ينتقل هو نفسه في تسعينات القرن وما بعد إلى الإلحاح بشدة على «ثقفنة الصراع» من أجل الديمقراطية، وهو ما يحقن نزعته الثقافوية ببعد جيوثقافي يدعو للتأمل.

وفيما يخص ثنائية دار الحرب/ دار الإسلام الخاصة بالإسلاميين، يتطابق هنا الجيوسياسي بالجيوثقافي، وهذا بقدرِ ما إن الثقافي، وفي حقيقة الأمر الديني، يتطابق مع السياسي في تفكير الإسلاميين. والإضافة الجيوسياسية التي تولدت في الإطار السلفي الجهادي منذ تسعينات القرن السابق تتصل بثنائية أخرى: العدو القريب (نظم الحكم في بلدان إسلامية) والعدو البعيد (الغرب مفكراً فيه كمعسكر صليبي يهودي). ومن أساسيات النظرة الإسلامية إلى العالم التي لم يجر تحديها في أي وقت، تعريفُ المجتمعات بأديانها التي لا تتغير، واختزالُ الأفراد والمنظمات إلى عقائدهم التي يُنظر إليها كأديان أيضاً. وهو ما يقترن في كل حال بالنظر إلى مجتمعاتنا المعاصرة كمجتمعات إسلامية جوهرياً، الأمر الذي ينفي التعدد فيها، وينفي تاريخها الحديث، والقديم أيضاً، ويؤسس لحكم الإسلاميين حصراً. هذه الثابتة غير المنازَعة تسهل تطابق الجيوثقافي مع الجيوسياسي في عوالم الإسلاميين.

ما يُغفله الخطابان الجيوسياسي والثقافوي، فضلاً عن سِيَرِ الناس وصورهم وتحولاتهم وحياتهم اليومية وأوضاعهم الاجتماعية، هو أيضاً قضايا القيم: العدالة والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية والاحترام. أعني بخاصة الاحترام الجمعي. الخطاب الإسلامي الذي يعرف الناس بأديانهم ويجعل منهم عينات على نماذج غير متغيرة يؤسس بالقدر نفسه لتحويل مجتمعاتنا إلى صناديق مغلقة، لا تفرّدَ فيها ولا شخصيات مميزة ولا تيارات فكر وصراع فكري وسياسي، ولا «أصالة» شخصية أو جمعية من أي نوع. وهو خطابٌ لا يظهر احتراماً قطّ حيال أي غير مسلمين، هذا حين لا تجاهر تنويعات له بالكراهية وإيجاب الكراهية حيال جميع غير المسلمين. وفي جميع صيغه، الخطاب الثقافوي خطاب احتقار وكراهية وقلة احترام، ومقاومةُ العنصرية ليس فقط لا تقوم على هذا الخطاب، بل إنها مشروطةٌ بالأحرى بتقويضه بجميع تنويعاته، الغربية والعربية، الإسلامية والعلمانية.

خطاب إنسانوي:

وفي سنوات ما بعد الثورة السورية أخذ في الرواج خطاب إنسانوي، يفكر في السوريين كلاجئين ومهجرين، وبصورة أعم كضحايا. يجري الكلام هنا على أعداد القتلى والمصابين واللاجئين خارج البلد والنازحين داخله، وربما البيوت والمدارس والمشافي المدمرة. هذا الخطاب الذي تروجه منظمات حقوق الإنسان مبنيٌ منهجياً على إغفال الأبعاد السياسية والاجتماعية للصراع السوري، وإنكار الولاية السياسية political agency للسوريين. وهو ما يبقى صحيحاً حتى في خطاب منظمات حقوق الإنسان السورية، ما كان ينفرد عن ذلك إلا خطاب «مركز توثيق الانتهاكات» بفضل رزان زيتونة التي جعلت من حقوق الإنسان فكرة ثورية، بصيرةً سياسياً، متوجهةً نحو العاديين من الناس، ومسكونة بسيَرهم ومِحَن حياتهم.

ويبقى إغفال الجذور السياسية والاجتماعية للصراع السوري ثابتاً حين يشمل الخطاب الإنسانوي باهتمامه انتهاكات وجرائم داعش أو التشكيلات العسكرية المقاومة للنظام، أو جماعة بي واي دي القومية الكردية.

ويشارك الخطاب الإنسانوي الخطابين الجيوسياسي والثقافوي في كونه خطابا خالياً من البشر. يجري الاستناد إلى قصص شخصية أحياناً، لكن ينظر إلى المعنيين كضحايا بحاجة إلى عون، كأمثلة على أوضاع إنسانية سيئة، كان يمكن أن نرى مثلها لو كان البلد المعنى أصيب بزلزال أو بجفاف.

ليس الخطاب الإنسانوي من جذور التوحش، لكنه لا يصلح، رغم اسمه، للتأنسن ومقاومة التوحش. وهذا بالضبط بسبب تكتمه المنهجي على الصفة السياسية لصراعنا، وتخاذله السياسي عموماً. ليس فقط لم يسهم الخطاب الإنسانوي في حماية الناس في سورية، ولكنه بدا داجناً جداً في عالم «الحرب ضد الإرهاب»، وغير مؤهل لتسجيل اعتراض قوي على هذا المنهج في السياسة الدولية. وليس هناك منظمة حقوقية دولية واحدة قالت كلاماً واضحاً عن حق السلفيين الجهاديين، بمن فيهم الدواعش، في العدالة، أو اعترضت على أن تكون الإبادة هي وحدها النهج المعتمد في التعامل معهم، أو دعت إلى تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة الدواعش والقاعديين. يستحق السلفيون الجهاديون الكارهون للعالم والعاملون على تدميره أن يسحقوا سياسياً، لكن من أجل ذلك بالذات يلزم فتح أفقٍ للعدالة في الصراع معهم، على المستويات المحلية وعلى المستوى العالمي. من شأن ذلك أن يخلخل تمركز مواجهة الإرهاب حول «بنى أمنية تحتية» لا يقدم القائمون عليها كشف حساب من أي نوع أمام المتأثرين بتلك المواجهة، وأن ينقلها إلى نطاق العدالة والحقوق، والسياسة. وإذ يخفف ذلك الاستقطاب بين «نحن وهم» وينشط المشترط العالمي المتصل بالحقوق والعدالة، فإنه يسهم في تخفيف التوتر في العالم والنزعات التفاصلية (سيد قطب) التي تناسب الجهاديين أكثر من غيرهم. الجهاديون ظاهرة حربية، وأجواء الحرب العالمية هي الأنسب لهم. والوقت متأخرٌ منذ الآن لرفع الصوت ضد قصر النظر السياسي والأخلاقي هذا.

فكرة حقوق الإنسان مرشحة لفقدان كرامتها نهائياً في هذا الامتحان العالمي.

منهج إدارة الأزمات

ويفاقمُ انحجابَ السوريين المنهجُ المعتمدُ للتعامل مع صراعات المنطقة، ومنها الصراع السوري اليوم، منهجُ إدارة الأزمات، الذي يُحيّد قضايا القيم دوماً، ويعمل على إخماد الأزمات ومحاصرتها ومنع تفجرها، وليس على البحث عن حلول اجتماعية وسياسية، وعالمية، حقيقية لها. وهذا النمط من المعالجة، عملية جنيف مثلاً، يبقى الأزمات ومنابعها حيّة قابلة للتفجر في كل وقت، والبلد المعني أو الإقليم مريضاً لا يموت ولا يشفى. والخاصية الثانية لهذا المنهج، بعد تحييد قضايا القيم، أنه ينظر إلى الصراعات في منطقتنا على أنها شجارات بين أولاد أشقياء غير عقلانيين، ليس لأي منهم قضية عادلة، وينبغي ضبط منازعاتهم من قبل أقوياء العالم وعقلانييه، أي نخب السلطة في دول الغرب القوية، وبالاعتماد على الأقلِّ لاعقلانيةً بين هؤلاء الأشقياء. ويصادفُ دوماً أن يكون الأقل لاعقلانية هو نخب الحكم في بلداننا التي تدير «الدولة»، وبخاصة «بنياتها التحتية الأمنية» بتعبير هيلاري كلنتون في مذكراتها كوزيرة خارجية (2014). قد يكون مديرو البنية التحتية هؤلاء قساة متوحشين، فاسدين وقتلة، لكنهم معروفون من قبل القوى النافذة، منضبطون، ويمكن توقع تصرفاتهم حيالها. إنهم الشيطان الذينعرفه ونعرف أنه لا يقتل غير محكوميه وأمثالهم من الضعفاء، والمفضل لذلك بالذات على شيطان لا نعرفه يحصل أن يقتل بعض الأقوياء أيضاً. ولا يمسّ هذا المنهج حقيقة أن الكل شياطين، وأن قضايا العدل والعقل والسياسة ليست من مفردات عالمهم.

منهج إدارة الأزمات منحازٌ تكوينياً للشياطين المعروفة ضد المجتمعات المجهولة والمزدراة، وهو في الإقليم الشرق أوسطي منحازٌ تكوينياً لإسرائيل التي تشغل موقعا أسدياً حيال الفلسطينيين، وفي «الشرق الأوسط» عموماً، مثلما يشغل الأسديون موقعاً إسرائيلياً حيال السوريين والفلسطينيين السوريين. لكن مع فارقٍ مهم: في التزام مديري الأزمات بإسرائيل بعد قيمي قوي، بوصفها قوة خيرة، فيما لا يعدو النظام الأسدي كونه الشيطان الذي نعرفه، نحتقره لكن نحميه، وبخاصة «البنية التحتية الأمنية» تبعه.

وليس في انفصالٍ عن مضمرات منهج إدارة الأزمة من لاعقلانية أصيلة لأطراف الصراع ومن تهميش قضايا القيم، تحضرُ تلك اللازمة المكرورة في تصريحات مسؤولين غربيين وصحفيين عن أن الصراع السوري COMPLICATED (معقد). يُضمر هذا الحكم انفصالاً نفسياً عن وضع مختلط يصعب فهمه، ويتضمن أن الجميع سيئون، لكن بعضهم أقل سوءً، وخطرهم أصغر، مثل بشار الأسد، وآخرون أسوأ وخطرهم أكبر مثل داعش، والباقون أقرب إلى الأسوأ والأخطر. وما يغفله اجترار القول بأن الصراع السوري «كمبلكيتد» هو أن الأمر لا يتعلق بتكوين معقد من تلقاء ذاته، بل إن هناك عملية تعقيد وخلط أوراق اجتهدت من أجلها الدولة الأسدية، وكان للأميركيين دور كبير في تغذيتها طوال الوقت. وإذ يغفل الحكم بالتعقيد الجذر البسيط للصراع: هناك قاتلٌ عام، بَدَرَ بقتل محكوميه الثائرين، وهو مستمرٌ في قتلهم منذ ما يقترب من خمسة أعوام ونصف، لا يمهد إلا لحلول معقدة، لا تطوي صفحة كريهة، ولا تعالج مشكلة مزمنة معالجةً قريبةً من العدل، ولا تتيح بداية جديدة. وفي هذا ما يبقي الأزمة بخير، وما يبقى مديريها في موقعٍ لا يُستغنى عنه من أجل المزيد من إدارتها.

كتابة غير مسكونة

وتتلقى الخطابات الجيوسياسية والثقافوية والإنسانوية، ومنهج إدارة الأزمات، رفداً من نمطٍ كتابيٍ شاع في سورية في الحقبة الأسدية، الكتابة غير المسكونة، التي تخلو من سِيَرِ البشر ومساراتهم ووجوههم وحكاياتهم، ومن تفاصيل الحياة، ومن الأمثلة من الواقع العياني ومن الإحالة إلى شهادات وتجارب ووقائع محلية، ومن الانكباب على أي سجلات واقعية في أي شأن من شؤون الناس: الفقر، الجوع، السجن، الموت، الهجرة، التشرد، المرض، تراكم الثروات، أوضاع النساء، الدين والتدين، الخروج من الدين، المخابرات، المذابح، الموت، التعفيش والسرقة، التفكير، الحب، الفن، الإنتاج الثقافي، إلخ.

يقتصر النمط الكتابي السائد على دوال مجردة مثل العلمانية والحداثة والعقل، ومثل الإسلام والأصولية، والإرهاب، والاستبداد. أدونيس هو المثال المعروف أكثر من غيره لهذه الكتابة التي تكرر قول الأشياء ذاتها ألف مرة، بدل تناول ألف شأن لم يجر التطرق لها في أي وقت. يمكن وصفه بأنه الحاجب الثقافي العام للأسدية لأنه يقول أشياء كثيرة عن شيء واحد: رؤوس المحكومين، كيلا يقول شيئاً واحداً مهماً عن «الكرسي» الحاكم و«الرئيس المنتخب».

كان الحاجب منصباً مهماً في الدول الإسلامية المبكرة، على نحو وثيق الارتباط بظهور السلطة الامبراطورية المنفصلة عن السكان وخوف الحاكمين من المحكومين. والحاجب الثقافي يقوم بدور لا يقل أهمية، يُكمِّل وظيفة الحجب الأمني ويعززه، يغتاب المغيبين بالقوة. فمثلما يحجب الحاجب الخليفة عن الناس، يقوم الحاجب الثقافي بحجب «الكرسي» عن المساءلة العامة، وجرِّ النقاش طوال الوقت باتجاهات أخرى. الرجل الذي لم يلحظ واقعة التوريث يوماً، ولا خطاب «البيعة» و«تجديد البيعة» و«الأبد» و«الفتنة»، و«سيد الوطن» و«الأب القائد»، ولم يكتب نصاً واحداً مخصصاً لنقد الدولة الأسدية وإدانة ممارساتها، وكتبَ بالمقابل ما لا يحصى من نصوصٍ للتعريض بمعارضي النظام قبل الثورة، فضلاً عن التشكيك بالثورة منذ البداية، مع المثابرة على تحويل النقاش بثبات نحو «الإسلام» و«العرب»، يعرض بسالةً لافتةً في وظيفة الحاجب العام. وهو يدرج اعتراضه على الحجاب (غطاء الرأس) في سياق يسكت كلياً على الحجب والتحجيب السياسي المديد للسوريين.

هذه الكتابة حجاب هي ذاتها، تخفي ولا تظهر، تعمي ولا توضح، تتكتم ولا تفصح، تطرد الناس من النص وتحرمهم من التمثيل فيه كما يطردهم نظام السلالة الأسدية من الفضاء العام ويمنعهم من إسماع أصواتهم وتمثيل أنفسهم. إنها استمرارٌ للتغييب السياسي لعموم السكان عبر اغتيابهم والتقليل من شأنهم. الحاجب العام مجرد مثال، أتكلم عليه لأنه معروف في الغرب، إنه «مفرد بصيغة الجمع»، استعارة لوظيفة الحجابة، المكرسة لحماية «الخليفة» من «الرعاع». والاحتفاء بالحاجب العام في دوائر غربية مؤشرٌ في تصوري على رجحانٍ متزايدٍ للغرب الماهوي على حساب الغرب الوجودي.

التغييب والاغتياب

هذه الخطابات التي تجعل السوريين غير مرئيين تسهل التخلص منهم والتوحش في معاملتهم: اعتقال وتعذيب وحصار وتجويع وصناعة قتل ومذابح وتدمير بيئات الحياة. من قُتلوا ويقتلون في مواقع ومذابح سوف يُعيي عدَّها المؤرخون، من قتلتهم البراميل المتفجرة والطيران الأسدي والروسي، والسلاح الكيميائي، والميليشيات الإيرانية واللبنانية والعراقية، كانوا قد اغتيبوا مراراً وتكراراً، وندرَ أن تسنت لهم فرصةٌ للكلامِ أو وصلِ كلامهم المنابرَ الأشهر، ونُزعت عنهم الصفة الإنسانية عبر الخطابات والمناهج المشار إليها، ما حال دون نيلهم التعاطف، وجعل موتهم أقل أهمية بكثير من موت غيرهم، في الغرب طبعاً، ومن المحميين أيضاً. وهذا سهّل عمل التوحش الأسدي إلى أقصى حد، وهو مشروع قتل مزدهر يعمل بأقصى طاقته منذ نحو 2000 يوم، ولا يواجه باعتراضٍ عالميٍ مهم. ولم تعد تجري حتى تغطية إعلامية لموت السوريين. بعد نزع إنسانيتهم خطابياً يبدو نزع إنسانيتهم سياسياً وموتهم ذاته شأناً قليل الأهمية.

وفي المجمل، يبدو القتل الإبادي الواسع النطاق استئنافاً للتغييب السياسي، سهل من أمره الاغتياب الخطابي. تغييبٌ سياسي فاغتيابٌ ثقافي فغيابٌ نهائي، هذه سيرة مختصرة لمعظم شهداء الثورة السورية.

وظاهرٌ أن الجماعة الأكثر تعرضاً للانكشاف ورفع الحمايات الرمزية والأخلاقية عنها بفعل هذه الخطابات والمناهج هي الأكثرية العربية المسلمة السنية. وكي نتبين الأثر الإجرامي لهذه المناهج والخطابات يكفي التذكير بالهوجة العالمية وقت انتزعت تشكيلات عسكرية مقاتلة للدولة الأسدية، وقتياً، بلدة كسب من يد النظام عام 2014، أو وقت معركة عين العرب/ كوباني، بالمقارنة مع ما جرى في عشرات المواقع في البلد على مدى السنوات الماضية.

هذا سهّل على الإسلاميين، السلفيين بخاصة، توليد سردية مظلومية تحول بينهم وبين الإحساس بغيرهم، وتغنيهم عن تطوير ضمير شخصي، والاستغناء عنه بضمير خارجي، المفتي أو «الشرعي». وهو ما عززته الخطابات الإسلامية النازعة لإنسانية البشر بدورها، العلويون بخاصة على يد الجهاديين. من قتلهم الإسلاميون كانوا جردوا من الحمايات الفكرية والخطابية لحياتهم عبر خطاب جيوسياسي- جيوثقافي تحقيري، ينظر إليهم كعلمانيين أو مرتدين أو «صحوات»، كائنات مباحة في ملحمة موت كبرى، لا قيمة فيها لحياة البشر. والقصد أنه لا يمكن للسكوت على نزع إنسانية قطاعٍ من السكان أن يحمي إنسانية قطاع آخر. نازعو الإنسانية ينزعون إنسانيتهم هم بينما هم ينزعون إنسانية غيرهم، ويمهدون لنازعين آخرين حين تتاحُ الفرصة.

لقد مهد حجب السوريين الأسدي السبيل أمام حجبهم الإسلامي، الأمر الذي يسوغ حجب التعاطف معهم أو رفع عتبته، ما يسهل التنكيل بهم، فندخل في دائرة مغلقة. الحجب الإسلامي لا يقتصر على إسدال اللباس أو الحجاب الشرعي على أجساد النساء فقط، وإنما كذلك عبر صيغة متشددة من التنميط التي تردُّ السكان إلى عينات متماثلة على مثال واحد.

وما كان لتوحش داعش، في رأيي، أن يكون ممكناً لولا التوحش المهول لدولة الأسديين في سورية (وقبلها توحش نظام صدام حسين). إن كان يمكن للأسديين قتل الناس تحت التعذيب وفي المذابح بهذه الكثافة، فبأي وجه يُستهول توحش الدواعش وأشباههم؟ بالمقابل وسَّعت داعش هوامش حرية الأسديين وطبّعتهم أمام عالمٍ راغبٍ في تطبيعهم. وهما معاً يوسعان هامش حرية كل المتشوقين للقتل في كل مكان من العالم، وهم كثيرون.

وبصورة عامة يبدو أن الإسلاميين يشكلون استمراراً للحجب الأسدي بوسائل أخرى، وعلى أرضية فكرية مغايرة، ولهم منذ الآن حُجّابُهم الشرعيون وأجهزة الحجب الخاصة بهم.

معرفة مقاتلة

لا يتولد التوحش من الخطابات، لكن الخطابات يمكن أن تسلط الضوء على التوحش وممارسيه، فتحفز إلى مقاومته، أو بالعكس تسدل عليه حجاباً فتجعل ضحاياه غير مرئيين، أو تضيء التوحش إضاءة انتقائية فتبرز جرائم وتحجب جرائم، وتضخم أخطاراً وتهون من أخطار، وتجعل حياة البعض ثمينة وحياة بعضٍ آخر لا قيمة لها. هذه الانتقائية هي الأشيع، وتبدو في سبيلها إلى ازدهارٍ أشد مع موجة الهجمات الإرهابية في بلدان أوربية متعددة.

في مواجهة الخطابات والمناهج والكتابة الاختزالية، لا نحتاج إلى ابتكار فريد جداً لمقاربة سورية والسوريين: الإنسانيات بما فيها الأدب، والعلوم الاجتماعية، توفر أدوات تقبل التطوير لتفكير السوريين وتعبيرهم، وللتفكير فيهم والتعبير في شأنهم. تطورت الإنسانيات كمناهج علمانية لنزع الحجب عن وجه الإنسان وكيانه، مناهج للرؤية وللأنسنة. أي أيضاً لمواجهة التوحش، ورؤية الإنسان في بيئاته واجتماعه وإنتاجه، كائناً يغير ويتغير، ويتأنسن.

يمكننا ويتعين علينا أن ننتفض على حُجُب الامتثال، والتفكير التطبيقي الكسول، لنُسهم في تطوير هذه المناهج من أجل نزعٍ أكثر جذرية للحجب، ورؤية أفضل. أن نقاوم أيضاً ضروباً إدارية من المعرفة، تلتزم بمواثيق للصواب سابقة للتجربة، للصراع وللمعاناة البشرية. ولا يكف أصحابها عن إعطاء توجيهاتهم عن بعد عن كيف ينبغي التفكير والعمل. مقاولو المعرفة ذوو الأيدي المعقمة، هؤلاء يشبهون أنفسهم قبل الصراع وأثناءه وبعده، الثورات الصراعات تجري في عالم آخر. وبالمناسبة، ليس «علم» الإسلاميين غير ضرب من معرفة إدارية تطبيقية، مكفولة الصلاحية دوماً في نظر معتنقيها الفرحين بما لديهم.

في مواجهة المعرفة المقاوِلة، المنشغلة بإثبات صلاحيتها الذاتية لكل زمان ومكان، ندافع عن معرفة مقاتلة، منخرطة في الصراع التحرري، منتبهة إلى الوقائع ولا تكفّ عن توسيع نطاق ما يمكن أن يُقال ويُفكَّرَ فيه، وعاملة على استكشاف تصورات جيدة للإنسان والحياة، والانفلات من أسر التقليد.

ورهانها في كل حال هو نزع الحجاب عن وجه السلطة، والخروج من وراء الحجاب أو الانعتاق العام.

الحجاب استعارة كبرى لعالمنا الاجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر، السوريون والعرب والمسلمون المعاصرون، يلتقي فيه حجب النساء وعزلهن عن الحياة العامة، مع التضليل والخطابات الحاجبة أو الانتقائية، ومع الحجب السياسي لعموم السكان. إنه رمز للتمييز الجنسي، وللتضليل الإيديولوجي، وللطغيان السياسي. ولذلك يمكن لنزع الحجاب أن يكون عنواناً للعمل التحرري، لانعتاق النساء، لكشف التدليس والتزوير، وللانعتاق السياسي والاجتماعي العام.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com