العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-07-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ترتيبات عسكرية وسياسية تركية مرتقبة بخصوص إدلب

أمين العاصي

العربي الجديد

الخميس 4/7/2019

تتكثف الجهود الإقليمية والدولية من أجل حسم مصير محافظة إدلب ومحيطها، والذي لا يزال معلقاً باتفاقات وتفاهمات تركية روسية، أثبتت التطورات الأخيرة أنه لا يعوّل عليها في تهدئة دائمة بانتظار حل سياسي شامل للقضية السورية. وأثبت اتفاق سوتشي، المبرم بين أنقرة وموسكو في سبتمبر/ أيلول الماضي، عدم جدواه، حيث تجاوزه الروس أنفسهم، متهمين الأتراك بعدم تنفيذ كل بنوده، خصوصاً لجهة القضاء على "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) وفتح الطرق الدولية.

في المقابل تعتبر تركيا إدلب جزءاً من أمنها القومي، مشيرة إلى أنها لن تتهاون على الإطلاق في هذه المسألة. ومن هنا جاء دعمها الكبير لفصائل المعارضة السورية لصد الهجوم الواسع النطاق الذي شنته قوات النظام، بضوء أخضر روسي، وبمساعدة من المقاتلات الروسية التي حاولت فتح ثغرة يمكن لقوات النظام النفاذ منها إلى عمق إدلب، لكنها فشلت في ذلك. ومنح الصمود الكبير لفصائل المعارضة السورية، في وجه الحملة العسكرية التي شنها النظام السوري بمساندة روسية على مناطق إدلب ومحيطها بهدف إخضاعها، أنقرة الفرصة للعودة بقوة إلى الملف السوري، خصوصاً في شمال غربي سورية، حيث اقتنع الروس أنه ليس بإمكانهم إخضاع هذه المنطقة كما فعلوا في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة في جنوب ووسط سورية.

ويبدو بحسب ما أكدت معلومات متقاطعة، حصلت عليها "العربي الجديد"، من أكثر من مصدر سوري، أن الأتراك بصدد التحضير لترتيبات عسكرية وسياسية للتعامل مع ملف محافظة إدلب، بحيث تضاف إلى منطقة "غصن الزيتون"، التي تضم مدينة عفرين وريفها، إضافة إلى منطقة "درع الفرات" في ريف حلب الشمالي، واللتين باتتا منطقتي نفوذ تركي بلا منازع. ويطرح هذا التوجه معضلة "هيئة تحرير الشام" وضرورة حلها لسحب الذريعة الروسية لاستمرار القصف على شمال غربي سورية بحجة محاربة الإرهاب، والذي يستهدف في المقدمة فصائل المعارضة السورية والمدنيين. وفي هذا الصدد، قالت مصادر مطلعة في المعارضة السورية، لـ"العربي الجديد"، إن الجانب التركي أبلغ شخصيات في الائتلاف الوطني السوري والحكومة السورية المؤقتة أن هناك ترتيبات سياسية وعسكرية وشيكة تخصّ محافظة إدلب وعليهم الاستعداد لهذه المرحلة. وأضافت "أخبرونا (الأتراك) أن مسألة هيئة تحرير الشام ستحل أواخر هذا العام، سلماً أو حرباً، بحيث لن يكون هناك فصيل متشدد يشكل مصدر قلق إقليمي ودولي في شمال غربي سورية، وأن الحكومة السورية المؤقتة سيكون لها الدور الكبير في إدارة المنطقة". وتابعت المصادر "ستستلم الحكومة المؤقتة المعابر الحدودية بين سورية وتركيا، ومن العوائد المالية لهذه المعابر سيتم تقديم الخدمات الرئيسية لسكان المنطقة". ووفق المصادر فإن الجانب التركي سيوكل لنائب والي هاتاي التركية مهمة الإشراف الإداري والخدماتي لمحافظة إدلب ومحيطها حتى نضوج الحل السياسي الشامل للقضية السورية، على أن يتولّى "الجيش الوطني"، التابع للمعارضة السورية، المهمتين العسكرية والأمنية.

ولا تبدو مهمة الأتراك سهلة في نسج خيوط حل يُجنّب منطقة شمال غربي سورية الخيارات الصعبة، لكن السخط الشعبي على "هيئة تحرير الشام" ربما يساعد الأتراك في تفكيكها بهدوء ومن دون تدخل عسكري كبير ربما يجر المنطقة إلى اقتتال دموي. وأكدت مصادر محلية، لـ"العربي الجديد"، أن "هيئة تحرير الشام" في إدلب "لم تعد كما كانت من حيث القوة والنفوذ"، مضيفة "أسهمت الانشقاقات والخلافات داخل كوادرها في إضعافها، فضلاً عن أن سياساتها المتشددة، وتدخلها في كل شاردة وواردة في الحياة العامة، أفقدها رصيدها الشعبي". وأشارت المصادر إلى أن الدور الكبير الذي أدته فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" و"جيش العزة" في التصدي لقوات النظام في ريف حماة الشمالي، أكد قدرة المعارضة السورية المسلحة على ملء أي فراغ يمكن أن يتركه اختفاء "الهيئة". وقالت إن "هجوم النظام على ريف حماة الشمالي أعاد ثقة الشارع السوري المعارض بالجيش السوري الحر الذي أثبت أنه قادر على حماية المدنيين والتصدي لأي هجوم من قبل قوات النظام والمليشيات التابعة لها".

وتعدّ محافظة إدلب المعقل البارز للمعارضة السورية المسلحة، التي لطالما صرّح قادة بارزون فيها أنه لا يمكن التفريط به بأي حال من الأحوال، لأن التراجع يعني نهاية الثورة السورية وترسيخ النظام الحالي في السلطة. ومن هنا كان الصمود الكبير للفصائل المقاتلة في ريف حماة الشمالي وفي ريف اللاذقية الشمالي، إذ تدرك هذه الفصائل أنه لم يعد أمامها إلا مقاومة مليشيات النظام ومنعها من اختراق الجبهات في المنطقتين حتى لا يسقط الشمال الغربي كله بيد النظام، مع ما يحمل ذلك من أزمات إنسانية كبرى وعمليات انتقام واسعة النطاق من قبل مليشيات النظام بحق نحو 4 ملايين مدني. كما كان الروس يسعون إلى دفع فصائل المعارضة السورية لإجراء عمليات تسوية و"مصالحة" على غرار جنوب سورية وريف دمشق وريف حمص من خلال الضغط العسكري الكبير، لكنهم فشلوا في ذلك.

وأكد مصدر في الائتلاف الوطني السوري، لـ"العربي الجديد"، أن الروس كانوا ينوون اقتحام كامل الشمال الغربي من سورية لحسم الصراع لصالح نظام بشار الأسد "لكن الصمود الأسطوري لفصائل الجيش السوري الحر أفشل المخطط الروسي". وأضاف "كانت هناك إرادة تركية أميركية مشتركة لإفشال الاستراتيجية الروسية في محافظة إدلب ومحيطها. وضع الروس ثقلهم في المعركة، لكنهم اكتشفوا أن قوات النظام متهالكة، ولا تستطيع التقدم على الأرض رغم القصف المتوحش من المقاتلات الروسية". وبيّن أن "الروس، كما يبدو، اقتنعوا أنهم غير قادرين على التعامل مع ملف إدلب من دون الأتراك، ومن هنا أتت موافقتهم على عقد قمة رباعية أخرى للتداول حول إدلب، تضم روسيا وتركيا وإيران وفرنسا". وأكد المصدر أن هناك بالفعل نيّة تركية لحسم مصير إدلب بشكل نهائي من خلال تفعيل دور الحكومة السورية المؤقتة وإنهاء دور ما يسمى بـ"حكومة الإنقاذ" التابعة إلى "هيئة تحرير الشام"، ومن هنا جاء اختيار رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق عبد الرحمن مصطفى رئيساً للحكومة المؤقتة. وأضاف "يحظى الرجل بدعم تركي كبير، فضلاً عن كونه يمتلك الخبرة الإدارية التي تخوله التعامل مع الموقف في شمال غربي سورية". واعترف المصدر أن تحقيق هذه الرؤية "شائك ومعقد"، موضحاً أنه يحتاج إلى الكثير من العمل والجهد.

من جهته، أكد قائد حركة "الوطن" المعارضة العميد فاتح حسون، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه ومنذ قمة سوتشي حول إدلب، والتي نتج عنها اتفاق يحمل اسم المدينة الروسية، "يتم العمل على موضوع حل هيئة تحرير الشام"، مضيفاً "لكنه لم يتقدم بخطوات ثابتة بسبب التصعيد الروسي". وتابع "من صالح محافظة إدلب ومحيطها حل الهيئة حتى لا تتكرر المجازر التي حدثت في الرقة والباغوز في ريف دير الزور الشرقي".

===========================

موقفنا : أكبر شحنة مخدرات تضبط حول العالم أسدية .. هل التحالف مع مافيا المخدرات العالمية من أسرار قوة الأسد ؟!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

6/7/ 2019

حرب الأفيون ..

يثير عنوان " حرب الأفيون " في سجلات التاريخ الدبلوماسي كثيرا من الذكريات والصور الرعيبة للحرب الهمجية المسعورة التي قادتها بريطانيا العظمى ضد امبراطورية الصين في حربين متتاليتين ، في القرن التاسع عشر وتحديدا بين العامين 1840 - 1860 .

في إشارات موجزة يمكن أن نذكر بعنوانين رئيسيين خاضت بريطانيا العظمى حربها تحتهما : حرية التجارة العالمية - وحرية انتشار المسيحية . كم أنت مظلومة أيتها الجميلة التي اسمها حرية ؟! ربما تاريخ هذه الحرب يستحق منا وقفة أطول للتأمل بمعنى " التاريخ يعيد نفسه " فيما يجري علينا في عالمنا العربي بشكل عام وفي سورية بشكل خاص .

ونعود إلى ما أعلنت عنه الشرطة اليونانية وتناقلته وكالات الأنباء الأوربية عن ضبط كمية من حبوب المخدرات قادمة من سورية في ميناء بيريوس قرب العاصمة اليونانية أثينا في 19 / 6/ 2019 أي منذ خمسة عشر يوما .

وإليكم بعض التفاصيل ..

تنقل الوكالات معلوماتها عن إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية في اليونان " ستافروس توبداكيس" وقام أكثر من عشرين ضابطا مختصا من الأمن اليوناني مع الكلاب المدربة في تتبع خيوط الشحنة حتى تم ضبطها ..

تشكل الشحنة المضبوطة والمحملة في ثلاث حاويات بين شحنات من ألواح الخشب أكبر كمية مخابرات يتم ضبطها حول العالم في تاريخ تعقب المخدرات . وهذا الوصف - أكبر شحنة تضبط حول العالم - معتمد من شبكة أخبار روسيا اليوم المدافعة بشراسة عن زمرة الأسد .

أخفى المهربون الأسديون 33 مليون حبة كبتاغون وسط كميات من الأخشاب . خرجت الشحنة من موانئ الأسد قاصدة الصين . والتساؤل هل كانت الصين هي المحطة الأخيرة يبقى السؤال مفتوحا ؟!

تبلغ القيمة التجارية للشحنة مليار يورو . ويبلغ وزنها 5،3 طن .

وكانت السلطات اليونانية قد ضبطت في شهر 12/ 2018 أي منذ سبعة أشهر كمية أخرى من حبوب الكبتاغون والحشيش قادمة من ميناء اللاذقية .

تؤكد التقارير أن زراعة المخدرات وتصنيعها والاتجار فيها يتم عبر شراكة استراتيجية بين الطائفيين الأسديين والحزبللاويين ..

والكبتاغون مادة كيمائية " فينيثايلين " مادة منشطة تعمل على زيادة أداء الجسم ، وتنبيهه ، وتقلل من القلق ، وتضعف النشاط الجنسي ، والشهية للطعام . تم تصنيفها ضمن العقاقير الخطرة 1986 من قبل المنظمات الأممية المختصة..

وبقي أن نقول :

لقد ظلت حرب الأفيون درسا عمليا للعصابة الأسدية منذ أول يوم وصلت فيه إلى الحكم . وكل الذين يقرؤون مقالتي هذه من الرقباء يعرفون ماذا أقول . يعرفون كيف كان حافظ الأسد يرهق ويبتز دول الخليج العربي والدول الأوربية بعصابات تهريب المخدرات التي كان يحركها حول العالم .

افتحوا الأرشيف وأتحداهم أن يفعلوا ، ولأن الذي يريد منهم لا يقدر ، والذي يقدر لا يريد . والملفات حاضرة والأسماء شاهدة .

نتحدث كثيرا محقين عن التحالف الاستراتيجي بين الأسدي والصهيوني ، ولكن إلى أي مدى نستطيع أن نتحدث عن التحالف بين الأسدي والمافيوي العالمي . الشركات متعددة الجنسيات . ممثلة في وراثة " شركة الهند الشرقية " التي أدارت أقسى الحروب على الصينيين من أجل توفير الفضة البريطانية ؟!

لقد كان هرتزل ولاشك خطيرا وقاسيا ولكن "شايلوك" بكل تأكيد هو الأقسى . شايلوك هو الذي ما زال يقتل في سورية ولا يبالي ..

من حق أن نتساءل ونحن نتابع العالم يحارب الإرهاب المحدود الذي يقتل الأفراد ما باله يصمت عن الإرهاب الذي يفتك بالمجتمعات ويدمر بنيتها وأصحاب القرار فيه يعلمون ..

كل الإحصاءات تقول : إن أفغانستان " طالبان " - وهذا ليس ترويجا لطالبان - كانت أكثر نظافة من المخدرات من أفغانستان أمريكا ووكلائها هناك ، أي سر وراء هذا..؟!

وحين أقرأ أن حبوب الكبتاغون من مادة" فينيثايلين" منشطة مثبطة مدمرة أتساءل هل يتم تصديره إلى الصين بعلم الحكومة الصينية ، هل الحكومة الصينية جزء من مخطط زيادة الأداء وإضعاف الشهية والشهوة ، ولذا تظل تصوت في دعم العصابة الأسدية..؟!

لك الله يا سورية في أيدي أي المجرمين أنت أسيرة ؟!

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

أمن إسرائيل أولاً

  بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 4/7/2019

لم يتسرب شيء ذو قيمة من اجتماع القدس الثلاثي، الذي ضم مستشاري الأمن القومي لكل من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل. ما تم تداوله هو عبارة عن تخمينات قائمة على الأجندات المعلنة للدول الثلاث، بشأن سوريا بصورة خاصة، وإن كان الأمر يتجاوزها إلى مجمل الشؤون الإقليمية، كالتوتر الأمريكي ـ الإيراني وما يسمى بـ«صفقة القرن» الخاصة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وغيرها. غير أن «تحديد ملامح مستقبل سوريا»، حسب نتنياهو، ربما كان موضوع التداول الرئيسي بين المجتمعين. ومن الخطأ التسرع باستنتاج أن الاجتماع لم يحقق أي تفاهمات بين أطرافه. ينبغي انتظار الأيام والأشهر المقبلة لمعرفة ما قد يكون الاجتماع حققه.

هذا الاجتماع غير المسبوق بما يشبهه، قد يكون بمثابة «منصة» ثالثة، بعد جنيف وأستانة ـ سوتشي، للتفكير في مصير «سوريا الأسد» وسوريا بالمطلق على حد سواء. وفضلاً عن إيران المستهدفة أمريكياً، يُخرج اجتماع القدس الثلاثي تركيا من المعادلة، في وقت تضغط فيه السعودية لضم وفد كردي إلى «هيئة المفاوضات» المقيمة في الرياض، في حين تسعى واشنطن إلى إعلان موت مسار أستانة. وتبقى روسيا، بوصفها الوصية على «سوريا الأسد»، عنصراً مشتركاً بين مسار أستانة الماضي نحو نهايته واجتماع القدس المرشح، ليكون المسار البديل الذي يقرر مصير سوريا وفقاً لمبدأ «أمن إسرائيل أولاً».

وحده هذا المبدأ هو ما قد يفسر موافقة كل من واشنطن وموسكو على عقد هذا الاجتماع، وفي القدس بالذات، بما يمنح إسرائيل دوراً مفتاحياً في تحديد ما يجب أن يكون، وما لا يجب، في سوريا، بعد انتهاء الصراع فيها وعليها ومن حولها. كما تعني هذه الموافقة أن كلاً من روسيا والولايات المتحدة متفقتان على أولوية أمن إسرائيل في أي تسوية للصراع السوري، بصرف النظر عن خلافاتهما في جميع الأمور الأخرى. يمكننا أن نفترض، من غير أن نكون مغرقين في الخيال، أن عبارة أمن إسرائيل الفضفاضة يمكن أن تشمل اشتراطات من نوع حجم الجيش المسموح بإنشائه في سوريا، ونوع وحجم تسليحه، وربما شفافيته وقابليته للمراقبة والمساءلة، وخريطة انتشاره على الأراضي السورية، بما في ذلك الحد الأقصى من الاقتراب المسموح به من حدود إسرائيل، وغير ذلك مما «قد يهدد أمن إسرائيل»!

عبارة أمن إسرائيل الفضفاضة يمكن أن تشمل اشتراطات من نوع حجم الجيش المسموح بإنشائه في سوريا، ونوع وحجم تسليحه، وربما شفافيته وقابليته للمراقبة والمساءلة

غير أنه لا يمكن للمجتمعين في القدس التفكير بمصير سوريا، بعيداً عن التفكير في مصير إيران في سوريا، وبخاصة في جو التوتر القائم في الخليج بعد إسقاط الإيرانيين للطائرة الأمريكية المسيرة، وفي ظل الهدف الأمريكي ـ الإسرائيلي المعلن بخصوص إخراج القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من سوريا. ومن المحتمل أن يكون التباحث شمل أيضاً إخراج القوات التركية من الشمال، وإن كان هذا أقل إلحاحاً من الهدف الأول. فعلاقات القيادة التركية ليست بخير مع كل من واشنطن وموسكو وتل أبيب، بل إن انعقاد اجتماع القدس، بحد ذاته، هو تهميش مباشر للدور التركي في سوريا ومصيرها.

ربما هذا ما يفسر مسارعة الرئيس أردوغان إلى البدء باتصالاته لتأمين عقد اجتماع جديد لثلاثي أستانة (روسيا وإيران وتركيا)، في إسطنبول بالذات، ولاجتماع «رباعي إسطنبول» المكون من تركيا وروسيا وفرنسا وألمانيا، الذي عقد أول اجتماع له خريف العام الماضي، في أقرب وقت. ذلك أن مجرد عقد أحد أو كلا الاجتماعين، في إسطنبول، من شأنه أن يشكل رداً دبلوماسياً على اجتماع القدس، وبخاصة أن كلتا «مجموعتي العمل» خاليتان من الدور الأمريكي المربك لتركيا. فالخلاف المستعصي بين واشنطن وأنقرة في سوريا، هو العلاقة التحالفية بين الأمريكيين وقوات «قسد» بمكونها الكردي الذي يلامس العصب التركي عارياً.

والحال أن اجتماع القدس مهم لأنه يضم الأمريكيين، مقابل تراجع أهمية مسار أستانة بسبب غيابهم الذي يعطل أي تقدم عليه. أما «رباعي إسطنبول» المطعم بالأوروبيين، فهو أصلاً غير مرشح ليضيف أي وزن إلى المطالب التركية في سوريا، ويفرغه الحضور الروسي من أي مضمون خاص، بل يجعله مجرد منتدى للتباحث حول مشكلات اللاجئين وإعادة الإعمار، بعيداً عن أي دور سياسي للأوروبيين في تحديد مصير سوريا.

بالمقابل، تضغط إدارة الرئيس ترامب على الدول الأوروبية، فرنسا وبريطانيا وألمانيا بصورة خاصة، للمساهمة عسكرياً ومالياً في تثبيت الوضع القائم شرق نهر الفرات، فيما يتعارض والطموحات التركية بشأن تلك المنطقة المحاذية لحدودها الجنوبية.

في نظرة إجمالية للحراك الدبلوماسي النشط في الإقليم، من اجتماع المنامة إلى اجتماع القدس إلى اللقاءات على هامش قمة العشرين في أوساكا، يمكن القول إن مصير الإقليم، وضمناً مصير سوريا، يرسم ببطء وعلى نار هادئة، بعكس النار الكاوية التي تحرق السوريين. وليس ثمة في الأفق ما قد ينبئ بفصل الصراع السوري عن الصراعات الإقليمية، بما قد يسرّع من إيجاد تسوية ما للصراع السوري.

كاتب سوري

===========================


موسكو ولعبة المسارات

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 3/7/2019

بعيداً عن أهدافها الاستراتيجية الكبرى، مثّلت الساحة السورية فرصةً مهمة لموسكو، لا فقط لعرض جيل جديد من الأسلحة والمعدّات القتالية وتجريبه من أجل تسويقها وبيعها (ارتفعت مبيعات الأسلحة الروسية بعد التدخل في سورية بنسبة 30%)، إنما مثلت أيضاً مناسبة لإظهار مهاراتها في السياسة والدبلوماسية. وبمقدار ما كشفت سورية عن مستوى العنف الذي يمكن أن تستخدمه روسيا لتحقيق غاياتها، كشفت في المقابل عن قدر هائل من الانتهازية والقدرة على المراوغة واقتناص الفرص. لقد انتظرت موسكو أكثر من أربعة أعوام للتدخل عسكرياً في سورية، ولم تفعل حتى تأكدت يقيناً من انعدام أي حافزٍ أو اهتمامٍ لدى واشنطن، بنتيجة الصراع فيها، كما انتظرت حتى جاءتها إيران تطلب مساعدتها، بعد أن يئست من قدرتها على إنقاذ استثماراتها السورية. بعد ذلك، سلّفت موسكو الرئيس التركي أردوغان، موقفاً مهماً خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، وتزعم مصادر أنها هي من أطلعه عليها قبل ساعات فقط من وقوعها، ما حدا بالمتآمرين إلى تسريع تنفيذها قبل اكتمال عناصر نجاحها. من هذه النقطة بدأت موسكو بتنفيذ خطة سحب تركيا بعيداً عن واشنطن، فأغرتها بعملية درع الفرات التي أمّنت بها منطقتها الحدودية الممتدة بين جرابلس وأعزاز، وأقنعتها بدخول مسار أستانة بعد اتفاق حلب، وضمت إليه إيران، حتى لا تخرب عليها، قبل أن تخترع قصة "مناطق خفض التصعيد"، التي مكّنتها من تجميد الصراع بين النظام والمعارضة طوال عام 2017، والتفرغ للسباق مع الأميركيين على وراثة مناطق سيطرة تنظيم "داعش"، لتعود عام 2018 وتحسم الصراع مع المعارضة في "مناطق خفض التصعيد".

لنحو عامين، تمكّنت روسيا باقتدار من إدارة علاقاتها بشريكيها في مسار أستانة، فكانت تلعب على تناقضاتهما حيناً، وتستثمر في تخوفاتهما المشتركة من السياسات الأميركية حيناً آخر، تستخدم إيران وجنودها في الحرب والقتال، وتلجأ إلى تركيا وأدواتها في السياسة والمفاوضات، بحسب الحاجة. ولكن هذا المسار يوشك أن يستنفد أغراضه الآن، مع تزايد التناقضات في الرؤى والمصالح بين أعضائه، من جهة، واختلاف متطلبات المرحلة المقبلة من جهة ثانية، التي يرى الرئيس بوتين أنها تحتاج إلى مال كثير، وقليل من الحرب والمفاوضات، حتى يتمكّن من قطف النتائج السياسية والاقتصادية لمغامرته السورية. تركيا وإيران لا تملكان المال، ولا التأثير الكافي لمحض الشرعية للمسار الذي يوشك أن يطلقه، وصولاً إلى انتخابات 2021 الرئاسية في سورية. من هنا جاء قرار فتح مسار جديد ينطلق من القدس، بشركاء مختلفين (أميركا وإسرائيل).

طرأت فكرة المسار الجديد لرسم خريطة المصالح في سورية، خلال زيارة بنيامين نتنياهو موسكو مطلع إبريل/ نيسان الماضي، التي أنهت توتراً في العلاقة بين الطرفين استمر ستة أشهر، بعد أن تسببت إسرائيل في إسقاط طائرة الإليوشن الروسية فوق الساحل السوري، خلال اشتباك وقع في واحد من اعتداءاتها المتكررة على الأراضي السورية في سبتمبر/ أيلول 2018، وقتل فيها نحو عشرين عسكرياً روسياً. اختلفت المصادر بشأن صاحب فكرة إطلاق مسار ثلاثي، يجمع مستشاري الأمن القومي في روسيا وأميركا وإسرائيل، ويعمل آلية دائمة للتوصل إلى تفاهمات في الوضع السوري، بوتين أم نتنياهو... بغض النظر، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى أداء دور عراب العلاقات الروسية - الأميركية، لترتيب الوضع في سورية، ومنها إلى بقية المنطقة، أخذاً بالاعتبار مصالحها. في حين يريد بوتين أن تؤدي إسرائيل دور الجسر في العلاقة مع واشنطن التي تزداد حاجة موسكو لها لبلوغ خط النهاية في سورية، والحصول على إقرار رسمي منها بنفوذها ومصالحها في المنطقة. حتى يحصل ذلك، يريد ترامب ونتنياهو مساعدة بوتين في إخراج إيران من سورية، والحفاظ على مكاسب الكرد في الشرق السوري، واحتواء الطموحات التركية في الشمال. يريد بوتين من واشنطن، في المقابل، "السماح" للدول العربية، الخليجية خصوصاً، بتطبيع العلاقات مع دمشق، وتمويل إعادة الإعمار، لتصبح المعادلة على الشكل التالي: يبيع بوتين الإيرانيين والأتراك لصالح الأميركيين والإسرائيليين، إذا حصل على التمويل العربي المناسب لمشاريع إعادة إعمار سورية. المفارقة أنه في أستانة، غاب العرب، وتركوا سورية نهباً لمشاريع الآخرين. وفي القدس، حضر الدور العربي، إنما من خارج القاعة، وممولاً مشاريع الآخرين!

===========================


القصف الإسرائيلي على سورية: رسائل جديدة للإيرانيين

أمين العاصي

العربي الجديد

الثلاثاء 2/7/2019

لم تكد تمضي أيام قليلة على انتهاء اجتماع أمني ثلاثي جمع روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة في القدس المحتلة، حتى عاود الطيران الإسرائيلي استهداف مواقع عسكرية لقوات النظام السوري، يُعتقد أنها تحوّلت إلى نقاط تمركز لمليشيات يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني، في رسالة واضحة من تل أبيب لطهران مفادها أنه من غير المقبول ترسيخ وجودها العسكري في جنوب ووسط سورية.

وتضاربت الأنباء حول عدد القتلى في القصف الجوي بعشرات الصواريخ الموجهة من الطيران الإسرائيلي، فجر أمس الإثنين، على العديد من المواقع العسكرية التابعة للنظام في ريف دمشق وحمص. وأكدت وسائل إعلام تابعة للنظام مقتل أربعة مدنيين في محيط دمشق، مضيفة أن بعض الأشخاص أصيبوا في الضربات الإسرائيلية، في حين أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 6 مدنيين، بينهم 3 أطفال وامرأة، قرب منطقة صحنايا بريف العاصمة دمشق و9 مسلحين من المليشيات الموالية للنظام السوري نتيجة قيام طائرات وبوارج إسرائيلية باستهداف مواقع تابعة لجيش النظام والمليشيات الإيرانية و"حزب الله" اللبناني ضمن ريفي حمص ودمشق.

وأشار المرصد السوري إلى أن ما لا يقل عن 10 أهداف تم استهدافها في محيط العاصمة دمشق، وهي الفرقة الأولى بمنطقة الكسوة، جنوب العاصمة، ومقرات للحرس الثوري الإيراني في اللواء 91 جنوب دمشق أيضاً، ومركز البحوث العلمية في جمرايا بريف دمشق والبساتين الواصلة بين جديدة عرطوز وصحنايا بريف دمشق. كما طاول القصف الإسرائيلي مواقع عسكرية تابعة لـ"حزب الله" اللبناني في جرود بلدتي قارة وفليطة في القلمون الغربي. وأشار المرصد إلى أن الغارات أدت إلى اندلاع حرائق ضخمة نتيجة انفجار مستودعات للذخيرة، مرجحاً مقتل وإصابة عدد من عناصر "حزب الله". كما أكد استهداف الطائرات الإسرائيلية مركز البحوث العلمية في قرية أم حارتين بريف حمص الغربي، ومطار عسكري بريف حمص الجنوبي، يضم عناصر من "حزب الله" ومليشيات إيرانية.

من جانبها، ذكرت وكالة أنباء النظام الرسمية "سانا" أن "الدفاعات الجوية التابعة للجيش تصدت لصواريخ في محيط دمشق وحمص وأسقطت تسعة منها". وذكرت مصادر إعلامية معارضة أن انفجارات، وصفتها بـ"الضخمة"، هزت مقرات "الفرقة 18" في ريف حمص، وسط البلاد، مشيرة إلى أن دفاعات النظام السوري الجوية في منطقة مسكنة، جنوب غرب حمص، أطلقت عدة صواريخ مضادة. وقالت "شبكة صوت العاصمة" إن قصفاً صاروخياً استهدف الفرقة الأولى التابعة لقوات بشار الأسد في محيط الكسوة بثلاث غارات جويّة، يُعتقد أنها إسرائيلية. كما طاولت الغارات مواقع عسكرية لـ"حزب الله" في جرود بلدتي قارة وفليطة في القلمون الغربي، أدت إلى اندلاع حرائق نتيجة انفجار مستودعات للذخيرة. وأضافت الشبكة أن قصفاً استهدف أيضاً "اللواء 91" التابع للفرقة الأولى بغارة جويّة. كما استهدفت غارة أخرى بساتين جديدة عرطوز، غربي العاصمة دمشق، بالتزامن مع إطلاق صواريخ مضادة من ثكنات "سرايا الصراع" و"الفوج 100" في ريف دمشق الغربي.

إلى ذلك، أعلنت وزارة خارجية قبرص التركية غير المعترف بها دولياً إلا من قبل أنقرة، أن صاروخاً من منظومة الدفاع الجوي التابعة للنظام السوري سقط في قبرص بعدما أخطأ هدفه، فجر أمس الاثنين. وبحسب نائب رئيس حكومة قبرص التركية، فإن الصاروخ الذي سقط من منظومة الدفاع الجوي "أس 200"، الروسية الصنع، التابعة للنظام السوري. ورفض الجيش الإسرائيلي التعقيب على التقارير الإعلامية بشأن القصف على أهداف في محيط دمشق وحمص، في استمرار للنهج الإسرائيلي بعدم الإعلان رسمياً أو تبني اعتداءات على سورية وأهداف إيرانية أو تابعة لمليشيات موالية لإيران. ولا يمكن عزل ما جرى في ريفي دمشق وحمص عن القمة الثلاثية لمستشاري الأمن القومي لكل من إسرائيل مئير بن شبات، وروسيا نيكولاي باتروشيف، والولايات المتحدة جون بولتون، الأسبوع الماضي في القدس المحتلة. وكرر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، خلال كلمته عند افتتاح اللقاء، أن إسرائيل لن تقبل بتموضع إيران في سورية. وأعلن، في وقت لاحق، أن هناك إجماعاً على إخراج القوات الإيرانية من سورية، وأن الخلاف هو حول الطريقة.

ومن الواضح أن موسكو وواشنطن متفقتان على ضمان أمن إسرائيل، عبر الإقرار بسيادتها على الجولان السوري المحتل، وتزويدها بأحدث الأسلحة، والسماح لها بالعمل بحرية في الأجواء السورية لضرب أي أهداف تعتقد تل أبيب أنها تشكل خطراً على أمنها. لكن الكاتب المختص بالشأن الروسي طه عبد الواحد يرى، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "لا يمكن القول إن الغارات الإسرائيلية جاءت نتيجة الاجتماع، بمعنى أنه تم الاتفاق خلاله بشكل مباشر وواضح مع الروس على أن إسرائيل ستواصل القصف"، مضيفاً "روسيا ليست مرتاحة للقصف الإسرائيلي لأنه يحرجها أمام حلفائها". ويعتقد عبد الواحد أن الغارات الإسرائيلية "مؤشر على فشل اجتماع القدس الثلاثي في تحقيق تقدم بشأن آليات مشتركة مع دور روسي لإنهاء الوجود الإيراني في المنطقة، لذلك تواصل إسرائيل القصف، وهو ما أعلنت عنه على لسان نتنياهو خلال محادثات القدس وفي أعقابها". ونفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أمس الاثنين، وجود صلة بين محادثات الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب وموضوع الغارات على سورية. وأشار إلى عدم امتلاكه المعلومات الكافية حول الحادث، موصياً بالتوجه إلى العسكريين كونهم يملكون معلومات أدق حول الهجوم.

ومن الواضح أن القصف الإسرائيلي طاول العديد من المواقع التي سبق وتعرضت لقصف مماثل، خصوصاً مقرات الفرقة الأولى في محيط مدينة الكسوة، جنوب دمشق، والتي يُعتقد أن الإيرانيين حولوها، خلال سنوات الصراع، إلى نقطة تمركز رئيسية لهم في جنوب سورية، وهو ما يعتبر مصدر قلق دائم لإسرائيل تحاول تبديده من خلال الضربات المتلاحقة. ولطالما تعرض مركز البحوث العلمية في جمرايا بريف دمشق لقصف إسرائيلي خلال السنوات الثماني الماضية، حيث يعد هذا المكان هدفاً دائماً للطيران الإسرائيلي.

من جهته، يرى المحلل العسكري السوري العميد أحمد رحال، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الغارات الإسرائيلية على مواقع لقوات النظام "لم تعد مفاجئة بل باتت حدثاً عادياً"، مضيفاً "لكن هناك مستجدان، الأول أن الضربات جاءت عقب اجتماع القدس الثلاثي الأمني، والثاني أنه بات من الواضح أن لدى إسرائيل قناعة كاملة أن إيران تغلغلت بمفاصل الدولة السورية، ومن ضمنها وزارة الدفاع، بحيث أصبحت كل مراكز التصنيع العسكري والبحوث العلمية، إضافة للثكنات والقواعد الجوية تحت تصرف الإيرانيين، ومن ثم قصف أي موقع تابع لنظام بشار الأسد يعني قصف الإيرانيين". ويوضح رحال أن الطيران الإسرائيلي "يقصف المراكز الأكثر أهمية"، مضيفاً أن "الهدف الأبرز الذي قُصف فجر الإثنين غربي مدينة حمص، قرب بحيرة قطنية. هناك في هذا الموقع منشأة كيميائية، حيث يبدو أن الإيرانيين بصدد تطوير أسلحة كيميائية". ويشير رحال إلى أنه من اللافت استخدام إسرائيل للبوارج والزوارق البحرية العسكرية في القصف. ويبيّن أن غارات فجر الإثنين تعد استمراراً لمهمة إسرائيلية لضرب مواقع تابعة لـ"حزب الله" وإيران و"هذا ما يفسر انسحاب الأخير من محيط العاصمة السورية دمشق باتجاه القلمون الغربي لأنه لا يتحمل الخسائر الكبيرة".

===========================


شاهد عيان على ثورة حلب

حسام جزماتي

سوريا تي في

الاثنين 1/7/2019

تراجعتُ لأكون في مؤخرة المظاهرة كي أستطيع أن أصوّر قبل أن يبدأ هجوم الأمن والشبيحة. الأعداد بدأت بالتزايد على نحو كبير لنصل إلى أكثر من مئتي شخص خلال ثوان معدودة. وبدأ الصوت يهز الجامعة:

            «الله، سورية، حرية وبس».

بدأت بتسجيل الفيديو لأفاجأ بشخص يهجم عليّ من الخلف ويمسكني من ذراعي بشدة ويصرخ:

            «طب الموبايل، طب الموبايل»!

في كتابه «هذه ثورتي» يقدّم محمد جلال يوميات الاحتجاجات في مدينة حلب كما شارك فيها منذ البداية. تأتي أهمية هذا النوع من الشهادات من أنها مادة خام لتوثيق الأحداث وحفظها ودراستها. وتنبع متعتها من حرارة الصدق البادية في الوصف التسجيلي للوقائع، والمشاعر المصاحبة لها، ورصد تطور وعي ثلة من الشباب الجامعيين ومحيطهم.

حين اندلعت الثورة كان «بطل» هذه اليوميات طالباً في كلية الحقوق، وموظفاً بدوام ليلي في إحدى الدوائر الحكومية. كان متأقلماً مع وضع البلد الفاسد كما أورثه إياه الأهل الذين أرضعوا أبناءهم الذل والخوف، لكن بارقة الربيع العربي أشعلت في صدره ما لم يكن يألفه من قبل، رغبة عارمة في الحلم والتمرد أخذ يشاركها مع قلة مقرّبة من الأصدقاء.

كانت التجربة الأولى للثلة على الحرية في الجامع الأموي الكبير، يوم 25 آذار 2011 الذي أطلق عليه اسم «جمعة العزة». ورغم أن محاولة التظاهر

تملكت الثورة قلب محمد ورفاقه. كانوا كمن يعيش قصة حبه الأولى. وصار البحث عن المظاهرات هاجساً يومياً

هذه أجهضت بسرعة إلا أنها خلفت لدى الكاتب نشوة لا توصف، بالإضافة إلى تسجيل فيديو بدا غنيمة ثمينة رغم أنه لم يتجاوز نصف دقيقة. وكان نشره معضلة حقيقية مع ضعف الخبرة والخوف من الرقابة، لكن مشاهدته على القنوات أخيراً كانت مكافأة كبيرة.

تملكت الثورة قلب محمد ورفاقه. كانوا كمن يعيش قصة حبه الأولى. وصار البحث عن المظاهرات هاجساً يومياً. وكان هذا محبِطاً في مدينة غصّت بصور رموز النظام وعلَمه في مختلف الأماكن العامة والخاصة وعلى السيارات، وخرجت الكثير من مسيراتها عفوياً، مما أدخل اليأس في نفوس الشباب المتحمس للثورة الذين وجدوا ضالتهم في احتجاجات الجامعة التي تركز فيها الحراك، حتى امتدت المظاهرات بالتدريج إلى أحياء باب الحديد وصلاح الدين وسيف الدولة وطريق الباب وسواها، وإن لم تصل أبداً إلى زخم المظاهرات العملاقة الموازية في مدن أخرى. كان حراك حلب يأتي متأخراً على الدوام، ويظهر هزيلاً بالمقارنة مع سواه، رغم الجهود الكبيرة التي بذلها الناشطون لاستنهاض السكان وتحريضهم.

لم يكن هذا الحماس ليمر دون إثارة الشبهات التي أدت إلى استدعاء محمد وأحد زملائه في العمل إلى الفرقة الحزبية. ورغم انضمام عنصر في جهاز أمن الدولة إلى الجلسة إلا أن ذلك لم يكن مقلقاً للشاب بقدر معرفته أن أمين الفرقة صديق لأحد أقاربه، مما يعني أن ما جرى سيصل إلى والده الذي كان يراقب بقلق شديد وعدم رضا انخراط ولديه في هذا «العلاك» الذي كان، بالنسبة إليه، لعباً مع الشيطان لن تقتصر عواقبه على مرتكبيه بل ستمتد إلى أسرهم وأقاربهم، كما حدث في الثمانينات وعهود الرعب اللاحقة.

والحق أن تلك المخاوف لن تتأخر كثيراً. إذ سيُعتقل زكريا، ابن عم المؤلف، في إحدى مظاهرات «بركان حلب» في نهاية حزيران. وسيثير ذلك صدمة في العائلة والقرية التي تنحدر منها. إذ إن والد زكريا عميد طيار، وفرع العائلة هذا يعمل معظم أفراده في «الدولة»، فكيف يجرؤ أبناؤهم على معارضتها؟!!

سيخرج ابن العم بعد مدة قصيرة، ليصبح بطلاً في نظر الشبان الثائرين من العائلة، رغم أنهم سيتعرضون للتضييق الشديد من أهاليهم الذين لم يرغبوا أن يصبحوا في وضع العميد الذي استدعي، بسبب ابنه، إلى فرع المخابرات الجوية وصار من الضباط المشكوك في أمرهم.

سيطال الاعتقال محمد، كاتب يومياتنا، في آب/ رمضان من العام نفسه. وهنا ستتاح له الفرصة لوصف الاستجواب وتفتيش الكمبيوتر في فرع الأمن العسكري، ثم الاحتجاز وسط زحام المعتقلين في فرع الأمن الجنائي لإعادة التحقيق بالاستناد إلى ما كان قد نشره على صفحته على فيسبوك، وأخيراً الإيداع في سجن حلب المركزي بالمسلمية. وتسمح هذه التنقلات للمؤلف بتقديم صور غنية ومتنوعة عن معتقلي التظاهر من حلب وريفها ومن صودف وجوده من المحافظات الأخرى، وطرق التعامل معهم، وإجراءات التقاضي التي كانت روتينية وسهلة العواقب بالقياس إلى ما هو معروف عن النظام قبل ذلك وبعده.

إثر شهر من الاعتقال خرج محمد واستأنف حياته السابقة بسرعة. لكنه لم يشارك في أي نشاط ثوري لمدة طويلة، نتيجة مزيج من الخوف والرغبة في استعادة

بدا واضحاً أن «بركان حلب» سينفجر في وجه النظام أخيراً، ولو بعد سنة من موعده. لكن هذا الحراك السلمي المتنامي لم يُغطّ إعلامياً بالدرجة الكافية

ثقة والده المفقودة، مع استمراره في متابعة أخبار الثورة التي كانت تتحول إلى مسلحة كتطور حتمي فرضته الظروف في أماكن مختلفة من البلاد، بعد أن كان هذا الخيار مرفوضاً لدى معظم الثوار في البداية.

أما حلب فوجدها على حالها السابق الذي لم يشعر بالتغير، بحسب الكاتب، إلا مع الأشهر الأولى من عام 2012، عندما أخذت المظاهرات زخماً جديداً، ولا سيما في مناسبات تشييع شهداء المظاهرات السلمية، بالتوازي مع حراك يومي متعدد المواقع في الجامعة لم تستطع قوات الأمن أن تقف في طريقه. بدا واضحاً أن «بركان حلب» سينفجر في وجه النظام أخيراً، ولو بعد سنة من موعده. لكن هذا الحراك السلمي المتنامي لم يُغطّ إعلامياً بالدرجة الكافية بعد أن كانت مدن ومناطق أخرى صارت على خط النار والقصف والمواجهات، التي ستصل إلى حلب نفسها مع دخول الجيش الحر إليها منتصف ذلك العام.

لا يبدو الكاتب ممتناً كثيراً لعسكر الثورة، منذ استيلاء ثلاثة مسلحين على سيارة عمه العميد وبطاقته كضابط ومسدسه الحربي، إلى خطف العم ذاته لحمله على الانشقاق أو دفع فدية، مروراً باغتيال عميد آخر في الطريق، هو والد أحد رفاقه من أفراد المجموعة المعارضة للنظام والمتعاطفة مع الجيش الحر. في اليوم نفسه سيخرج محمد جلال من تعزية ابن العميد لمواساة صديق مشترك كان شقيقه قد وجد للتو مقتولاً على يد الأمن أو الشبيحة، وعلى جسده آثار تعذيب وحشي.

أما على صعيد حلب فيرى الكتاب أن تأثير الدخول العسكري إلى أحيائها كان كارثياً، لأنه استبق تطوراً كانت المدينة في طور خوضه كي تثور بالكامل خلال أشهر قليلة، وتنتفض ضد السلطة بعد أن تمرّ بكافة المراحل الثورية وتأخذ وقتها حتى تصل إلى الكفاح المسلح، لئلا تبدو عملية تحريرها وكأنها احتلال لإحدى قواعد النظام، خاصة وأنها جرت على يد مقاتلين غالبيتهم العظمى من خارج المدينة.

تختلف وجهات النظر، وهذا طبيعي. ومن المستحيل، تقريباً، التكهن الجاد في مآل الاحتمالات الأخرى للأحداث العاصفة. غير أن المؤكد هو أن هذا الكتاب شهادة موسعة وهامة ودقيقة يجب أن ترفدها عشرات الشهادات التي ستشكل معاً، بتقاطعها ومقارنتها وتكاملها، الصورة الأقرب للتاريخ الحقيقي.

===========================

ثلاثة وحوش، رابعهم إيران يريدون حلاً لسوريا!

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 1/7/2019

"جميع القوات الأجنبية التي دخلت سوريا يجب أن تخرج منها" هذا الكلام ليس لي، ولا هو للأمم المتحدة، وليس لنظام الاستبداد الذي تسبّب بجلب او دعوة تلك القوات، بل لـ "بنيامين نتنياهو"، رئيس وزراء إسرائيل، الذي يحتل "جيش دفاعه" أرضاً سوريةً: الجولان العربي السوري. نتنياهو قال ذلك في سياق الاجتماع الثلاثي الذي عُقد في القدس يوم الخامس والعشرين من حزيران لمناقشة "حل في سوريا".

بداية، إذا اعتقد نتنياهو أن قرار ضم الجولان، وقرار ترمب أسرلتها يجعلاها تختلف عن الأرض السورية التي دخلتها قوات أجنبية، فيكون واهما ابن واهم، حتى لو أبرز نتنياهو وثائق ببيع الجولان لإسرائيل من قبل مواطن سوري برتبة وزير دفاع أو رئيس، فذلك باطل لأنه لا يحق لمواطن أن يبيع أرض غيره، حتى ولو كان بتلك القوة؛ تماما كما لا يحق لرئيس دولة أخرى /ترمب/ أن يضع توقيعه المشؤوم على ورقة تقول بضم تلك الأرض لغير أهلها ... هذه حقوق شخصية ووطنية، ولا شرعة يمكن أن تخترقها أو تسقطها.

من ناحية أخرى، كان المُعْلَن في ذلك اللقاء إزاحة قوى الاحتلال عن كاهل سوريا، ولكن ذلك المُعْلَن كان منافيا للعقل والمنطق؛ فلولا هذا الثلاثي والجهة الرابعة التي يسعى لإخراجها: "إيران"، لما استمر النزيف السوري كل هذه السنين، ولما استمرت المأساة السورية كل هذا الوقت.

المختصون بالسياسة البهلوانية يمكن أن يروا في الذي جاء على لسان نتنياهو كلاماً يُستفاد منه بإخراج تلك القوى؛ وللجولان وقت لاحق؛ لكن هل يمكن أن تكون عبارة كهذه إلا انتقائية وغير صادقة؟! فَلَو كان نتنياهو لا يريدهم، لما دخلوا أساسا؛ ولكنه وجد التركيز العالمي منسجما مع توجهه، فساق بهذا التوجه إلى نهايته؛ فالمخلوق مأزوم؛ والسجن ينتظره لفساده؛ ولا ينقذه إلا توسيع بيكار التدخل. وامتداد المأساة السورية عائد إلى ربط مصير نظام الأسد بأمن إسرائيل؛ ولولا ذلك لحلت الأزمة السورية منذ زمن.

جذور المأساة السورية في فلسطين التي تتربع عليها الصهيونية بدعم من أمريكا وروسيا ذاتها؛ وأزمة السوريين مع هذا الثلاثي ذاته الذي "يريد حل مشكلتنا الآن"؛ وما استخدام هذا الثلاثي ذاته لإيران، إلا لأنها صاحبة مشروع توسعي خبيث تخدم مصالحه في النهاية.

اللقاء ذاته لم يكن أساساً إلا للتوتر القائم بين واشنطن وموسكو؛ ليس على الأرض السورية بل نتيجة ملفات أخرى تتمثل بمد موسكو عنقها أكثر من المساحة المحددة لها، ولسوء تصرفها في المفهوم الأمريكي: من قصة القرم التي لا تزال ماثلة، مروراً بـ“جورجيا" وقصة الصواريخ إلى فنزويلا، والحبل على الجرار ربما.

ترى موسكو أن مجرد الجلوس الأمريكي معها، وعلى أي مستوى، هو اعتراف بفاعليتها ومكانتها العالمية

من جانبها، ترى موسكو أن مجرد الجلوس الأمريكي معها، وعلى أي مستوى، هو اعتراف بفاعليتها ومكانتها العالمية. نتنياهو ومن زاوية زعرنته وغروره وإجرامه، يعتبر نفسه قد دخل التاريخ كمستضيف للقوتين الأعظم عالمياً: صديقته التاريخية، وصديقته الخفية المتمثلة ببوتين وعصابته الحاكمة في موسكو.

لم تصدر عبارة إعلامية عن ذلك الاجتماع الثلاثي إلا وكانت مفردة "سوريا" حاضرة فيها؛ والكل صرّح بأنه يريد سورية آمنة سيدة مستقلة؛ ولكن الغريب أن الكل يعرف بداخله أن سورية لا يمكن أن تحظى بأي من ذلك بوجود منظومة الاستبداد، واستمرار دعمهم لتلك المنظومة. فهم، إضافة إلى إيران- التي يسعون لإخراجها- المتسببون بحرمان سوريا من الأمان والسيادة والاستقلال.

لقد اجتمعوا، وكل جهة لها جدول أعمالها المتناقض مع جدول الآخر إلى درجة العداء. روسيا تريد التوسط لإيران عند أمريكا وإسرائيل، وتريد إثبات وجود إيران الشرعي على الأرض السورية، كي تبرر وجودها ذاتها. هي تفعل ذلك، وكأن كلاً من أمريكا وإسرائيل أولياء أمر سوريا. روسيا من جانبها، تقدّم نفسها كصاحبة القوة في الجو بطائراتها وصواريخها، وبامتلاك ورقة مصير بشار الأسد وبعض ضباطه. وأمريكا تمسك بالروح الاقتصادية السورية وحارس صنبور إعادة الإعمار وناظم أي احتمالية إعادة تأهيل للنظام. وإسرائيل من جانبها، "الجارة" وصاحبة أوراق الابتزاز القادرة على نسف أي حل لا يروقها.

هؤلاء "يريدون أن يجدوا حلاً لسوريا". والمأساة الحقيقية أن الحل فعلاً بيدهم، لأننا نعيش في عالم يحكمه قانون القوة لا قوة القانون. هؤلاء يريدون ترتيب وتنضيد صفحات وفصول المأساة السورية، يريدون تثبيت تفكيكهم وسحقهم واستعبادهم للمنطقة العربية بفعل إسرائيلي وإيراني ميداني (وكل منهما يأخذ من الآخر ذريعة لـ “مقاومته وممانعته") وبلطجية روسية، تعتبر أن حقها أن تكون قوة عالمية، وهناك من يحاول أن يحرمها هذا الحق؛ وكل ذلك برعاية عليا أمريكية. وهكذا يتم حسم القصة الفلسطينية نهائياً؛ وإلحاق القضية السورية بها. ومن هنا نلحظ ذلك التواقت بين اجتماع البحرين والاجتماع في القدس.

هذا ليس "مؤامرة دولية أو عالمية" في الخفاء؛ إنه فعل علني؛ ولكن لا يُكتب له النجاح دون أرضية أو بيئة مناسبة تمكنه من التحقق، وعلى رأسها توفر حالة استبدادية تمارسها منظومات قمعية إجرامية. فمنظومة الأسد الاستبدادية كانت المثال الصارخ والوصفة الأنجح والأنجع لتحقق هذا المخطط العلني. من هنا قالت تلك المنظومة الاستبدادية إن هناك مؤامرة دولية على سوريا. نعم هناك مؤامرة أو مخطط، ولكنه علني- ليس على سوريا فحسب- وإنما على كل المنطقة؛ وكانت منظومة الأسد الاستبدادية الإجرامية على رأس أدواته.

ومن هنا فإن تفكيك هذه المنظومة والخلاص منها هو الأساس في سحب أحد أهم صواعق تلك المؤامرة أو ذلك المخطط. هذا الذي يُخرج إيران من سوريا، وهو الذي يسحب من يد مخلوق كنتنياهو أن يكون مضيفاً لـ "حل في سوريا"، وهو الذي يعيد الصهاينة إلى عصابة احتلال على الأرض الفلسطينية؛ وهو الذي يعيد الحياة لأرض عربية مستباحة للاستبداد برعاية استعمارية. لا بد من يقظة حقيقية ومشروع يبقينا حالة فاعلة قوية على خريطة العالم.

===========================


خريف الثورة المضادة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاثنين 1/7/2019

شكّل انتصار الحكومة الشرعية الليبية على ميليشيات المتمرد حفتر في غريان القاعدة العسكرية الأهم، ضربة قاصمة للمتمردين ولمعسكر الثورة المضادة، فبعد أن كانت الميليشيات المتمردة تحظى بدعم إقليمي ودولي مخيف، تجلى ذلك بحجم ونوعية الصواريخ الأميركية المتطورة التي بحوزتها بعد الهزيمة، كانت الدول الداعمة لها في الإمارات ومصر وفرنسا وغيرها تواصل سياسة استهداف الربيع العربي وثوراته في ليبيا وغير ليبيا، لكن بالمقابل كانت الهزائم لمعسكر الثورة المضادة تترى في جبهات عدة، بحيث اتسع الخَرْق على الراقع.

إذن جاء انتصار الثورة الليبية في غريان دفعة معنوية قوية لكل أنصار الربيع العربي، بالمقابل وعلى الضفة الأخرى كان الصمود والثبات الرهيب لأكثر من شهرين متتابعين يتواصل في وجه الميليشيات الأسدية الطائفية وسدنتها المتعاونين معها، وهو ما أربك معسكر الثورة المضادة، فدفع وكلاءه في سوريا إلى استهداف النقطة التركية في ريف حماة، وهو ما أسفر عن استشهاد جنديين تركيين وجرح آخرين، ليدفع بذلك تركيا إلى الدخول على الخط من خلال استهداف الميليشيات الطائفية، ولكن الكثيرين يرون أن الرد التركي الحقيقي ليس بالانجرار إلى المصيدة التي يريدها وكلاء سوريا وذيولها للقوات التركية، بحيث تبدأ حرب شاملة بين الطرفين، وإنما الرد التركي الحقيقي والعملي والفاعل ينبغي برفع وتيرة دعم ثوار الشمال بأسلحة نوعية ومعلومات أمنية تقلب الطاولة على الميليشيات العسكرية، ويجنب تركيا كلفة المواجهة المباشرة بشرياً ومادياً.

أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في الإمارات -وهو من تقود بلاده لواء الثورة المضادة في العالم العربي- دعا على الفور بعد الهزيمة في غريان إلى عملية سياسية وسلمية في ليبيا، والعجيب أن الذي كان يعلن عن دعم حفتر قبل أيام لمواجهة الإرهابيين، يدعو اليوم إلى الحوار معهم والدخول في عملية سياسية سلمية معهم، كل هذا يأتي بعد أن تم تكسير رأس المجرم حفتر الذي لم يدع أحداً من القتلة إلّا وتعاون معه بمن فيهم عصابات الدواعش في ليبيا، من أجل نزع شرعية الثورة السلمية المدنية عنها، وقد أتى هذا أيضاً بعد تداعي معسكر الثورة المضادة في مواجهة ما يجري من ثورات عربية شبيهة في الجزائر والسودان، وخروج مظاهرات بعشرات الآلاف في الجزائر والمغرب تهتف لا إله إلا الله والسيسي عدو الله، وهو الأمر الذي يعني أن كل ما فعله معسكر الثورة المضادة على مدى سنوات يتبخر الآن، بل وتنفجر الثورات العربية في مناطق جديدة، مما يزيد من جغرافية الثورة العربية وربيعها، وتتقلص معها جغرافية الثورة المضادة، التي تعيش خريفها الحقيقي، بينما ربيع الثورة العربية يزدهر وينمو ويترعرع... إنها عجلة التاريخ التي لن تتوقف، وليس بمقدور أحد محاربة طواحين الهواء.

===========================

الدمار ليس الخيار الوحيد لمستقبل الشرق الأوسط

 برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 1/7/2019

لن تستطيع إيران، مهما حاولت، أن تحول حلمها إلى واقع. ولن تسمح الدول الغربية التي كانت تعتبر المشرق العربي منطقة نفوذ حصري لها، إلى وقت قريب، لطهران أن تعيد تركيب المنطقة من حولها، وهي التي قسمتها عمداً منذ زوال السلطنة العثمانية، وعملت المستحيل، وخاضت حروباً عديدة للمحافظة على هذا التقسيم، ولا أن تقيم، إلى جانب أوروبا وفي شرقها، إمبراطورية كبرى جديدة، تحمل هوية دينية وثقافية مختلفة، تبدو أكثر فأكثر معاديةً للغرب. ليس هذا الموقف الغربي وليد الحقبة الراهنة، ولا هو موجهٌ ضد إيران، والقومية الفارسية خصوصاً، ولا يرجع كما يفكر كثيرون منا اليوم إلى حرص الغرب على أمن اسرائيل، ومشروعها الاستيطاني والتوسعي معا، فقد برز واضحا منذ القرن التاسع عشر، عندما أجهضت القوى الكبرى الأوروبية مشروع إعادة تجديد السلطنة العثمانية انطلاقا من قاهرة محمد علي، قبل أن تقضي على الدولة المصرية الجديدة التي حاول الأخير أن يرسي قواعدها، ويتحوّل إلى شريكٍ للغرب في الهيمنة على شرق المتوسط.

وبرز بشكل واضح أيضا عندما دفنت هذه القوى نفسها حلم المملكة العربية الواحدة التي نادى بها العرب، أو بالأحرى الشريف حسين، ممثلا لتحالف الأرستقراطية القبلية والدينية الحجازية مع البرجوازية التجارية الجديدة الصاعدة في سورية الطبيعية، أو بلاد الشام، في بدايات القرن العشرين، ففرض على أصحاب هذا المشروع العربي الذي لم يكن له منافس في ذلك الوقت، مشروع سايكس بيكو الذي جزّأ سورية الطبيعية ذاتها إلى دويلاتٍ صغيرة، لا تملك وسائل تأسيس دول، ولا الارتقاء بدورها والوفاء بالتزاماتها.

وكان من المفترض أن تخضع المناطق الأخرى المشرقية للمصير ذاته، لو لم يسعفها الحظ بوجود موارد قوة مهمة وقيادة سياسية قوية، نجحت في وأد التدخل الغربي، كما حصل في تركيا التي تحول بمناسبتها كمال أتاتورك إلى أسطورة، ولقب أتاتورك (أبو الأتراك)، أو دعوة عصبية قبلية وثورة دينية عميقة الجذور في بقاع نجد الواسعة حسمت الأمر لصالحها، وفرضت على الغرب التعاون معها، كما حصل في الجزيرة العربية من خلال تحالف السعوديين والحركة الوهابية.

وهذا ما حصل أيضا لمشروع الوحدة العربية الذي قاده في الخمسينيات والستينيات من القرن ذاته الزعيم القومي جمال عبد الناصر الذي تمتع بشعبيةٍ لا تُجارى في كل بلدان المشرق، فقد نظر إليه الغرب بسبب نزعته التوحيدية أنه هتلر العصر، وعامله باعتباره عدواً له، ينبغي بكل الوسائل إسقاطه، ولم يهدأ باله، قبل أن يحقق هدفه بالفعل، وينهي حلم الاتحاد العربي الذي رمز إليه. كان هذا هدف العدوان الثلاثي الإسرائيلي البريطاني الفرنسي في 1956، ولم ينجح الرئيس المصري في تجاوز نتائجه العسكرية إلا بما تمتع به من قاعدة شعبية وقوة خطابية على مستوى البلاد العربية، بالإضافة إلى استفادته من موقف واشنطن المستقل، في ذلك الوقت، عن موقف القوى الأوروبية الاستعمارية الآفلة. واستمر الغرب بعد ذلك، بما فيه واشنطن، في تعقب أخطائه، في اليمن وفي إدارة الإقليم السوري، حتى نجح في تفكيك الوحدة السورية المصرية من جديد، مستخدماً نقمة القوى الاجتماعية المحافظة الانفصالية في المرحلة الأولى، ثم قوى اليسار البعثية والشيوعية المزاودة على الناصرية، والمدعومة غربياً، بهدف تقويض الدعوة القومية العربية الشعبية من الداخل، إلى أن أمكن إسقاطها سياسياً في حرب عام 1967 وهزيمة الناصرية وتفويض حكم سورية إلى سلطة عسكرية انفصالية طفولية، قبل

"حرب التحالف الأسدي الإيراني الروسي، سحقت ثورة آذار 2011، وانتهت بالبلاد إلى الدمار المادي والبشري شبه الشاملين" دخولها منذ 1970 تحت سلطة نظام الأسد العائلي والقبلي معاً، لتتحوّل سورية بعد ذلك إلى ملكية وراثية مطلقة، لا يحد سلطات رئيسها شيء، قائمة على القهر والفساد غير المسبوقيْن، لتدخل البلاد في سلسلة من الانفجارات والنزاعات الأهلية، ختمتها حرب التحالف الأسدي الإيراني الروسي، لسحق ثورة آذار 2011، وانتهت بالبلاد إلى الدمار المادي والبشري شبه الشاملين.

تكرّرت العملية ذاتها في مواجهة مشروع صدام حسين والبعث العراقي الذي حاول أن يوظف ثروات العراق الهائلة في مشروع إقامة مركز اقليمي للتقدم العلمي والتقني، يمكن أن يشكل، كما فعلت بروسيا بيسمارك في ألمانيا التاسع عشر، نقطة جذب للبلدان الأخرى. ولم تكتف الدول الغربية بسحق الجيوش العراقية، ولكنها قوّضت الدولة ذاتها، وحلت مؤسساتها جميعاً، بما فيها الثقافية، لتجعلها قاعاً صفصفاً، وتمزّقها أشلاء، كما يمزق الوحش المفترس فريسته. كما لم يخف قادة الحملة على العراق هدفهم من تحطيم العراق حتى لا يكون قطب جذب للدول العربية، وهو ما صرح به رئيس المفوضية الأوروبية، جاك دولور، في ذلك الوقت، ولا طمعهم في السطو على ثرواته المادية، مما لا يستحي من التذكير به الرئيس الأميركي الحالي، دونالد ترامب، بمناسبة ومن دون مناسبة، فكانت الحرب التي أعلنت على العراق مختلفةً عن 

"رأى أوباما أن سلوك إيران واستراتيجيتها "عقلانية" في مقابل انعدام العقلانية والاتساق في ردود العرب وسياساتهم" الحروب التي سبقتها كلها، لأنها لم تكن تهدف إلى هزيمة العراق العسكرية، وإسقاط نظامه السياسي، ولكنها تعمدت، كما صرح المسؤولون الأميركيون، أن تعيد العراق إلى ما قبل حقبة الثورة الصناعية على سبيل الانتقام من طموحاته السيادية، وتلقين درس أخير للعرب والمشرقيين، بعد أن كان الغرب قد استخدم جيشه ونظامه لكسر شوكة الثورة الإيرانية التي برزت في الأفق تحدّيا جديدا للغرب أيضاً.

قد تعتقد القيادة الإيرانية التي تسمم نفسها بالأيديولوجيا الدينية أن الوضع مختلفٌ بالنسبة لها، وأن ما عجز عنه الأولون تستطيع هي أن تحققه بفضل ما تمثله من قوة استثنائية مادية وعسكرية وروحية، ووشائج القربى الثقافية والسياسية التي كانت تجمعها، كما تعتقد، مع الغربيين خلال زمن طويل، والدور الذي يمكن أن تلعبه في محاصرة بلدان المشرق العربي وتركيا والمشاركة في تنفيذ الخطط الغربية أيضا، وكذلك بسبب انعدام أسباب العداء القومي الذي يشعر به العرب تجاه إسرائيل، واستعدادها للتعامل معها، والتعاون لدرء مخاطر الهجومات العربية الراهنة المتجسّدة فيما يسمونه "الإرهاب السني"، والقادمة المحتملة بسبب تنامي قدرات الشعوب العربية. وقد نظر الغرب بالفعل إلى إيران، منذ القديم، بعيون إيجابية وميزها عن العرب، وقارن الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، في أثناء ولايته السياسية بين سلوك إيران واستراتيجيتها "العقلانية" التي يمكن المراهنة على التعامل معها في مقابل انعدام العقلانية والاتساق في ردود العرب وسياساتهم، وأمل بالفعل أن يجعل منها بتوقيعه الاتفاقية النووية شريكا في ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، في مواجهة الأزمة العميقة التي تعيشها دول المشرق العربي. وتراهن طهران أيضا على ما تملكه من قوة نفوذ وموارد

"الغرب حريصٌ على أن يستخدم الصراع العربي الفارسي لاستهلاك طاقة الشعوب المشرقية" طبيعية وكوادر علمية، لتوسيع دائرة المصالح المشتركة مع الغرب، وربما إرساء شراكة جديدة مفيدة للطرفين، تضمن للغرب، إلى جانب إسرائيل، دولة قوية تعمل، كما فعل الشاه من قبل، شرطيا للخليج والمتوسط، وتحاصر نتائج الفوضى العربية. وهي لا تكفّ عن استخدام الكليشيهات القديمة الراسخة في المخيلة الغربية وإحيائها لتصوير العرب قبائل وعشائر وجماعات بدوية متنافرة ومتناحرة، عاجزة عن بناء الدولة، وإقامة نظام سياسي بالمعنى الحقيقي للكلمة. يساعدها في ذلك الانحطاط الذي لا سابق له في النخب السياسية والاجتماعية التي أنتجتها عقود طويلة من حكم الاستبداد، وتعليق القانون في معظم الدول العربية، وهيمنة الثقافة الخليجية منذ عقود على فضاء الثقافة العربية، أو بالأحرى المشرقية. ولكن الرهان الحقيقي لطهران في كسب ود الغربيين، على الرغم من تحدّيهم لانتزاع موقع سيادي منهم، هو ما يعتقدون أنهم يقدّمونه بحروبهم الإقليمية الراهنة من خدمة جانبية من خلال زعزعتهم الكيانات العربية، ودفعها إلى الالتحاق أكثر بالدول الغربية وإسرائيل، للحصول على الحماية التي يفتقدون إليها، حتى إن أحد المعلقين وصف إيران الراهنة بالدجاجة التي تبيض ذهبا للغرب بدفع العرب، ودول الخليج خصوصا، إلى وضع جميع بيضاتها في سلة الولايات المتحدة، وإسرائيل أيضا.

ولكن إذا كان من الصحيح أن الغرب حريصٌ على أن يستخدم الصراع العربي الفارسي لاستهلاك طاقة الشعوب المشرقية وإضعافها جميعا للاستمرار في السيطرة على مقدّراتها 

"قضى الغرب على دولة محمد علي باشا الذي أراد أن يتحوّل إلى شريكٍ للغرب في الهيمنة على شرق المتوسط" وثرواتها معا، وهو لا يشك في أن إيران تدفع العرب، بشكل أكبر، نحو الاحتماء به، كما أنه على ثقةٍ من أن لا شيء يحول دون إيجاد أرضية مشتركة للعمل معها في المستقبل، كما كان عليه الحال قبل الثورة الإسلامية، إلا أنه لا يزال يرفض بروز قوة استراتيجية في شرق المتوسط، تتحكم بمصائر دول عديدة، وتضعها تحت جناحها، بصرف النظر عن قومية من يمسك بقيادتها أو دينه، فهو لم يمنعها عن المصريين في التاسع عشر كرها بديانتهم، ولا في القرن العشرين عداء لقوميتهم، ولا عن العراقيين أو غيرهم احتقارا لتراثهم وتاريخهم. لقد وقف ضد الجميع لأنه لا يريد لأحد غيره أن يتحكّم ببوابة آسيا وأفريقيا، ومضائقها ومعابرها البرية والبحرية وموقعها الاستراتيجي الدقيق. وهو يرحب بإيران قوية ومزدهرة من دون شك، ويرحب باستخدامها لتقويض أي قوة عربية، أو غير عربية، يمكن أن تبرز أيضا وتتحدّى سيطرته التاريخية، ولكن بشرط أن تبقى ضمن حدودها وقدراتها الذاتية، ولا تتحوّل إلى قوة لا يمكن السيطرة عليها، وتستطيع أن تفرض أجندتها على المنطقة، ويضطر الغرب إلى التفاوض معها على مصالحه الاستراتيجية الإقليمية أو إلى تحمل ابتزازها. وما كان محرّما منذ القرن التاسع عشر لوراثة السلطنة العثمانية أصبح محرّما بشكل أكبر اليوم، بسبب ما أخذت تحتله المنطقة منذ عقود من موقع مركزي في ميدان الطاقة وأسواق المال والمواصلات العالمية، وما أصبح التزاماً تاريخياً للغرب بوجود إسرائيل وحرصه، بما في ذلك الدول التي لا توافق على سياسة تل أبيب الاستيطانية، على ألا يسمح ببروز أي قوةٍ استراتيجيةٍ تهدّد التفوق الإسرائيلي وهيمنتها العسكرية، أو تضعفها على دول المنطقة مجتمعة، مهما كان الثمن، ومهما فعلت وانتهكت من حقوق الإنسان.

2)

ولكن في الوقت نفسه، لن تستطيع الولايات المتحدة أن تقضي على نفوذ إيران، وتحرمها من وزنها الاستراتيجي، مهما فعلت أيضا. وإذا لم يكن من الصعب عليها سحقها من الناحية العسكرية فإن احتواء آثار هذا السحق ستكون وبالا على المنطقة، وسوف تتحمل، هي وحلفاؤها، جزءا من هذه النتائج، أيضا. وقد خسرت واشنطن جميع الحروب التي خاضتها، وكان لها السبق العسكري فيها، إنما من دون أي مشروع سياسي بديل، كما حصل في فيتنام وأفغانستان وفي العراق ليس من زمن بعيد. بل ليس من المبالغة القول إن إيران الاشكالية التي تسعى الولايات المتحدة اليوم إلى درء مخاطر توسعها وتطلعاتها العسكرية هي النتاج المباشر لسياسات العزل والحصار والاحتواء الأميركية التي اتبعتها واشنطن منذ الثورة الإيرانية، وفي المحصلة لسياسات ايران التوسعية التي تحاول أن تفكّ العزلة المفروضة عليها بتهديد المصالح الأميركية المتجسدة في ضمان الأمن والاستقرار في المشرق، حفاظا على تفوق إسرائيل والتحكم بسوق النفط وسياساتها، والحيلولة دون قيام أي تحالف سياسي، أو حتى تعاون اقتصادي يخرج بلدان المنطقة من الدوران في حلقة التخلف المفرغة.

ولذلك لن يكون هناك حل للمشكلة الإيرانية من دون حل شامل للمسألة المشرقية بأكملها، وهي

"ليس من الممكن ترك إيران تتابع سياسة تفكيك المنطقة، وتدمير شروط وجودها السياسية والاقتصادية"

المشكلة التي نجمت عن تضافر ثلاثة إخفاقات تاريخية لمجتمعاتها، ليست هي ذاتها مستقلةً عن خيارات السياسة والاستراتيجية الغربية: حماية البلاد من الاعتداءات الأجنبية والحفاظ على الأمن والسلامة الوطنيين. بناء دولة القانون والمواطنة وتلبية تطلع الأفراد إلى المشاركة في الحياة السياسية وتحمل قسطهم من المسؤولية في إدارة بلدانهم ودولهم. التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج إليها جميع المجتمعات لإيجاد فرص العمل، وإدماج الشباب في مجتمعاتهم، وبالتالي ضمان السلام الأهلي والحد من استخدام العنف، واللجوء إلى الحكومات العسكرية والأحكام العرفية. ونتيجة هذه الإخفاقات التاريخية الثلاث، أصبحت اليوم واضحة ومعروفة، وهي الحرب الدائمة الأهلية والإقليمية، والعجز عن بناء استراتيجية وطنية ناجعة اقتصادية، وأمنية، واستمرار الاعتماد على الغرب، والمراهنة على حمايته الخارجية بالنسبة لمعظم الدول القائمة، وانتشار نظم الاستبداد والحكم بالقوة والقهر والإرهاب، وتخليدها في بيئةٍ تزداد فقرا سياسيا باضطراد. وأخيرا سيطرة نمط من اقتصاد الريع والتوزيع والاستهلاك وتصدير الرساميل إلى الخارج، بدل بناء اقتصاد الإنتاج المولد لفرص العمل، وطبقة اجتماعية سائدة وحاكمة يحرّكها التنافس على جمع الثروة وتبذيرها، من دون أي اعتبار لحاجات السكان الاقتصادية والاجتماعية، وأحوالهم وحقوقهم السياسية والمدنية.

ليس من الممكن ترك إيران تتابع سياسة تفكيك المنطقة، وتدمير شروط وجودها السياسية والاقتصادية، لتحول شبابها إلى بيادق في مليشيات بدائية، تعيش على الكفاف في حروبٍ قرسطية وحشية، ولا نهاية لها، وتقويض الدولة وحكم القانون. ولكن الحل لا يأتي، ولن يأتي من التدمير المنظم لأي قوة صاعدة، وتكسير قوائم البلدان القائمة، واحدتها بعد الأخرى، وتحويل المشرق إلى مجتمعات معاقة وعاجزة وغير قادرة على القيام بأود أبنائها. والاستمرار في هذه الاستراتيجية سوف يجعل من منطقةٍ تحوي أكثر من نصف مليار من البشر مستنقعا آسنا صالحا لإنتاج جميع الوحوش والأفاعي والحشرات الضارّة لشعوب المنطقة، وشعوب العالم أجمع. وترك المنطقة لنفسها بعد أن دمرت جميع عناصر تفاهمها وثقتها المتبادلة، أو إدارتها بالحروب والنزاعات، لاستنفاذ طاقاتها وتحييدها على أمل الاحتفاظ بالسيطرة المباشرة عليها، سواء كان السبب السعي وراء مصالح استراتيجية أو الخوف من الارهاب أو عدم الثقة بالاسلام أو تثبيت اللاجئين المحتملين في أرضهم، او محاصرة الشعوب التي انحلت عقدتها وتفكّكت

"الترجمة الحقيقية لهذه الفوضى المنظمة هي إخراج المنطقة وشعوبها ودولها من دائرة الاتفاقات الدولية"

وتشتت شملها، واحتواء غليانها بالطرق البدائية والنظم الارهابية، لن ينتج سوى المزيد من التدهور في شروط الحياة المدنية والاجتماعية، ومن ورائه المزيد من التطرف والعنف والإرهاب.

ما ينقذ المنطقة ويخرجها من هذا الانحدار نحو الهمجية هو وضع حد لاستراتيجية الفوضى المنظمة التي قامت عليها السياسات الغربية تجاه المنطقة منذ القرن التاسع عشر، والتي أرادت تحطيم كل تعاونٍ بين شعوب المنطقة، بل داخل هذه الشعوب ذاتها، وعزلها واحدتها عن الأخرى واستعداء هؤلاء ضد أولئك، والحيلولة دون أي تفاهم على أي صعيدٍ كان، في سبيل منع ظهور قوة استراتيجية مكان السلطنة العثمانية المتهاوية، تشارك الغرب في سيطرته على المتوسط، وتسمح للمنطقة التي لا تبعد سوى مئات الكيلومترات عن أوروبا أن تعيد توحيد نفسها، وبث الاتساق والانسجام فيما بين شعوبها، وإقامة علاقات تعاون وتبادل للخبرات والكوادر. والنتيجة ما نشهده اليوم: تعميم الحروب وتدهور الاقتصاد في كل مكان، واعتماد المجتمعات في وجودها وتأمين شروط معيشتها على الموارد الريعية النفطية وغيرها، والحرمان من ولوج الثورة الصناعية والتقنية، أي التخلف المركب والبنيوي الذي يهدّد بأوخم العواقب على شعوب المنطقة والعالم.

لم يكن هذا التطور أمرا عفويا ولا طبيعيا، ولا هو نبع من الثقافة أو الدين، ولا حتى من السياسات الفاشلة والفاسدة التي اتبعتها النخب الحاكمة، ولكنه كان بشكل رئيسي نتيجة استراتيجية قديمة ومستمرة منذ عقود طويلة، تبنّتها النخب الغربية وتداولتها، واحدتها بعد الأخرى، منذ انهيار السلطنة العثمانية، ونظرت من خلالها إلى منطقة المشرق وشمال أفريقيا باعتبارها منطقة مخاطر وعداوة تاريخية، ينبغي نزع سيادتها عنها، وإخضاعها لمعالجة طويلة المدى، تقوم على تفجير تناقضاتها والتلاعب بها وتقسيمها ونزع روح السيادة عنها، وإعدام أي نزعة حرية أو تحرّر عند الأفراد فيها، حتى يستسلموا لمصيرهم، ويقبلوا بأن يسلم قادتهم أيضا سيادتهم للقوى الحامية والوصية.

والترجمة الحقيقية لهذه الفوضى المنظمة هي إخراج المنطقة وشعوبها ودولها من دائرة الاتفاقات الدولية، وبناء علاقاتها فيما بينها على أساس القوة والتبعية والعصبية والقرابة أو العداوة، أي على أسسٍ لا علاقة لها بالأسس القانونية التي تضمنها الاتفاقات والمواثيق الدولية، والتي تحكم العلاقات بين الدول عموما على مستوى المعمورة. هنا في المشرق والشرق الأوسط، لا توجد قوانين ولا قواعد ولا برتوكولات ولا عهود ولا اتفقات تضبط سلوك الأطراف، أو تستند إليها لحسم خلافاتها وتنظيم معاملاتها الخاصة والعامة. إرادة الأشخاص والأسر والعشائر والنخب الحاكمة هي القانون، وأهواؤها هي المرجعية الحاكمة وسند القرار. لا توجد سياسة إقليمية تضبط سلوك الدول تجاه بعضها، على أساس مواثيق أو معاهدات، كما لا توجد سياسة وطنية تنظم شؤون الأفراد في علاقتهم بالسلطة وبمؤسساتها على أساس القانون، ولا توجد حتى سلطات محلية تملك الحد الأدنى من المشروعية والالتزام للقيام بواجبات تقديم الخدمات العمومية. هذه هي منطقة الفراغ القانوني والسياسي والأخلاقي التي

"كلما تدهورت شروط حياة مجتمعات الشرق الأوسط ضعفت نوابضها الأخلاقية والمدنية، وتفاقم نزوعها إلى إنتاج السلوكات العنيفة والشاذة"

الذي يطمح فيها كل صاحب قوةٍ إلى تحقيق أهدافه وتطلعاته ب"ذراعه"، وحنكته وقدرته على الاحتيال والانتهاز للفرص، شخصا كان أو مجموعة أو حكومة. ولا مرجعية موحدة تنظم سلوك أحد، وتضمن الحد الأدنى من الاتساق في الحركة العامة للمجتمعات والدول والجماعات.

لن يخرج الشرق الأوسط من محنته تدمير بلدان المنطقة، واحدة بعد الأخرى، كما جرت عليه العادة، ولا تقويض قدراتها السياسية والعسكرية، وحرمان مجتمعاتها من أي تقدّم سياسي وتقني، وإعادة شعوبها إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية. بالعكس، كلما تدهورت شروط حياة هذه المجتعات الاقتصادية والسياسية ضعفت نوابضها الأخلاقية والمدنية، وتفاقم نزوعها إلى إنتاج السلوكات العنيفة والشاذة. لن ينقذ المنطقة، ويحمي المجتمعات الغربية "المتمدنة" من انفجاراتها الداخلية سوى فتح آفاق التقدّم أمامها جميعا، حتى تتمكّن من إنجاز المهام المنوط بكل دولة حديثة مستقرّة، ومرضية لشعبها إنجازها، من تقدّم اقتصادي وتحرّر سياسي وتطور ثقافي وعلمي، أي كل ما حالت السياسات الاستعمارية دونه. ولن يكون ذلك ممكنا مع الاستمرار في إضعاف المنطقة وتفكيكها وتقسيمها، ورعاية نزاعاتها، وتعميق خلافاتها وقتل روح السيادة لدى شعوبها ودولها، وقدرتها بالتالي على عقد اتفاقاتٍ وبناء توافقاتٍ ومعاهدات، وعلى احترامها أيضا. ولا مع الاستمرار في توجيه بلدانها بعضها ضد بعض، واستنزاف طاقاتها في الحروب والنزاعات وحرمانها من أفضليات التعاون والاستفادة من تكامل أسواقها، وتوفير شروط أفضل لتبادل السلع والخدمات المقارنة، وتكوين سوق شرق أوسطية توفر للأجيال الجديدة الفرص التي لا تزال تفتقدها منذ عقود، لتثمير مواهبها وإظهار قدراتها وتحمل مسؤولياتها. وفي هذه الحالة، لن يكون الطلب الرئيس كما هو قائم اليوم في هذه المجتمعات على المليشيات والحشود وتجار الدين والحروب المقدّسة، وإنما على العلماء والتقنيين المتقدّمين والفنانين والمثقفين العضويين والمتنورين.

لا يمكن قلب اتجاه التاريخ، والتحول من بيئة مشرقية منتجة للنزاعات والحروب، ومنشغلة بإعداد المقاتلين والمبشرين الدينيين والمشعوذين، وإرساء حقبة من الاستقرار تفتح أبواب التعاون بين شعوب المنطقة، وتبسط السلام، وتعزّز روح الألفة بين الجميع، من خلال الاعتقاد بإمكانية الاستمرار في فرض الوصاية على الشعوب، أو تقييد حرياتها، أو ضبطها من الخارج عن طريق دعم طغاة دمويين يحكمونها بالحديد والنار، ولن يكون ذلك ممكنا إلى الأبد، ولا من خلال حشد الشباب المهمّشين والمحرومين من أي مستقبلٍ أو أمل أو رجاء وراء حلم استعادة "الامبرطورية" الإسلامية أو القومية، ودولتها القوية والتضحية بالشعوب الصغيرة والضعيفة واستملاك مواردها ونهبها وتهجير سكانها. ولن يكون لذلك سوى نتيجة واحدة، تعميم الدمار والخراب وتهجير القسم الأكثر ديناميكية من سكان المنطقة وشبابها، وفي مقدمتهم كوادرها وعلمائها ومثقفيها، كما هو واضح اليوم في سورية والعراق واليمن وليبيا.

ليس هناك سوى حل واحد، أن توضع تحت سقف المواثيق والاتفاقات الدولية، وتساعد على إحلال فكرة الخضوع للقانون محل الإرادات الشخصية والخاصة التي يسعى كل فردٍ أو طرفٍ إلى فرضها على الآخرين، بوسائل عنفية أو بحيل سياسية ودينية. والعمل على وضع عهد إقليمي يكون بدايةً للاعتراف المتبادل لجميع الدول بسيادتها على أراضيها، وتحريم التوسع بالقوة وعقد العزم على محاربته، وإيجاد الحلول للنزاعات القائمة من خلال مرجعية مواثيق الأمم المتحدة، ووفقا لقراراتها. أي إعادة المنطقة إلى دائرة الشرعية الدولية التي أخرجت منها، لتتحول إلى منطقة سائبة، لا تخضع علاقات الدول والشعوب فيها لأي قانون سوى قانون القوة، ولا تحترم فيها النظم والسلطات أي حقوق أو مواثيق إنسانية تجاه شعوبها. وهي الحالة التي تعكس استمرار السياسات الاستعمارية التقليدية بطرائق أخرى، والتي تستفيد منها القوى الدولية، من أجل العمل خارج إطار القانون الدولي، للاحتفاظ بمصالح خاصة استثنائية، أو لا تتفق مع القوانين الدولية، وكان الفعل الاستعماري نفسه المثال الأبرز لها.

وأعتقد أن البداية للخروج من حالة الهمجية الإقليمية التي دمرت بلدان المنطقة، ودمرت ثقة شعوبها ومستقبله، هو مبادرة حكماء المنطقة، وبعض ممثلي قواها الديمقراطية والمدنية في إقامة "منتدى الشرق الأوسط"، لتعميق الحوار وتداول الرأي والتفكير الجماعي والمشترك في قضايا الأمن والسلام والتعاون، وحل النزاعات بين شعوب المنطقة وجماعاتها القومية والدينية المختلفة. على أمل أن يقود ذلك، في مرحلةٍ تالية، إلى عقد مؤتمر شعوب المشرق للتعاون في إعادة إحياء معنى القانون الدولي والسياسي، وإخراج المنطقة من حالة التسيب القانوني والأخلاقي والسياسي التي تعيشها اليوم، والتي تشجع أي مغامرٍ على وضع وجود الشعوب ومستقبله على كف أهوائه العنيفة والمتضاربة. والهدف الرئيسي لهذا المؤتمر مساعدة الشعوب على التعرّف على بعضها، وإبراز الاعتراف المتبادل بحقوقها وسيادتها على أرضها، وحق كل منها بإدارة شؤونها بشكلٍ مستقل، وفي إطار الالتزام بمبادئ الديمقراطية والمساواة والانتخابات النزيهة العامة.

هذا هو الذي المناخ والإطار الجيوسياسي والسياسي والقانوني الذي يمكن أن يجلب الهدوء والاستقرار والأمان والازدهار والتعاون إلى الشرق الأوسط، ويخرجه من الحروب والنزاعات الداخلية والإقليمية المستمرة منذ عقود. وغير ذلك من الحلول يعني أننا مقبلون على كارثة بيئية وإنسانية، لا تستطيع أوروبا ولا الولايات المتحدة، ولا أي قوى أخرى، احتواء نتائجها عندما ستنفجر في الوقت نفسه القنبلة الاجتماعية والقنبلة القومية والقنبلة الدينية، سواء حصل ذلك في ثيابٍ دينيةٍ ومذهبية، أو في ثياب قومية عنصرية، حيث لا يبقى للجماعات خيار آخر لتأمين ما تعتقد أنه الحد الأدنى من حقها في الحياة سوى نهب الجماعات الأضعف، وافتراسها، أو تشتيت شملها وتدميرها لوراثة مصالحها وممتلكاتها. وفي هذه الحالة، سوف نكون قد دخلنا، إن لم نفعل بعد، في عصر الإبادات الجماعية، وفقدنا أي قدرة على الحفاظ على الحد الأدنى من قيم المدنية والإنسانية الجامعة.

===========================


الصراع على إيران

مروان قبلان

العربي الجديد

الاحد 30/6/2019

يحجب دخان الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران صراعاً أكبر يجري في بنية النظام الدولي بين القوة الكبرى الساعية إلى المحافظة على مكانتها فيه (الولايات المتحدة) وتلك الساعية إلى تغييره (روسيا والصين وإلى حد أقل الهند) وثالثة متضرّرة من سياسات الإدارة الأميركية الحالية (ألمانيا وغيرها). الأزمة التي استجدت أخيراً والتي تبدو محاولة أميركية لاحتواء إيران، ليست، في حقيقتها، سوى بوادر معركة شرسة خرجت إلى العلن، وتوشك أن تجعل من إيران ساحة تنافس كبرى بين القوى الطامحة في النظام الدولي.

تعد إيران من أهم دول المنطقة، وهي تصنّف من بين القوى المتوسطة في النظام الدولي (middle power)، وتأتي في المرتبة 18 بين دول العالم من حيث المساحة ( 1.648 مليون كم2)، وفي المرتبة 17 من حيث عدد السكان المقدر بـ 82 مليون نسمة. ويضفي موقعها الجغرافي الفريد في غرب آسيا بين مثلث قوى صاعد، ممثل في الصين وروسيا والهند، أهمية متزايدة عليها، فضلاً عن امتلاكها احتياطات هائلة من الطاقة (رابع احتياط نفط في العالم والثانية في احتياطات الغاز)، وذلك كله يعزّز اهتمام هذه القوى بها، ويجعل كسبها ضرورة لاكتمال مشاريع صعودها.

ليس التنافس على إيران بالأمر الطارئ أو الجديد، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر صارت إيران، خصوصاً بعد أن خسرت حروبها مع روسيا، وفقدت لها أقاليمها في جنوب القوقاز (أرمينيا – أذربيجان وجورجيا) ساحة صراع رئيسة بين الإمبراطورية البريطانية التي تخشى تمدّد روسيا تجاه الهند، والإمبراطورية الروسية التي كانت تخشى طموحات بريطانيا في آسيا الوسطى، في إطار ما كان يُسمّى حينها بسياسة اللعبة الكبرى. خلال الحرب العالمية الثانية غزت بريطانيا وروسيا إيران وتقاسمتاها، بعد أن كادت تظفر بها ألمانيا، نتيجة تعاطف الشاه رضا بهلوي مع النازية. وقد استقر الأمر في نهاية المطاف للولايات المتحدة التي استأثرت بإيران، وجعلت منها دولة زبائنية(Client State) بعد إطاحة نظام رئيس الوزراء مصدق وإعادة الشاه عام 1953.

على هذه الخلفية، تبنّى آية الله الخميني شعار "لا شرقية ولا غربية"، والذي صار بمثابة عقيدة رسمية للجمهورية التي أنشأها خلال العقود الأربعة الماضية، لكن هذه الحقبة توشك أن تنتهي

"المعركة على إيران في جوهرها معركة على السيادة العالمية، ولذلك ستشتد المنافسة عليها" نتيجة التغير الكبير الذي طرأ في بنية النظام الدولي، خصوصاً خلال العقد الماضي، والمتمثل بصعود الصين السريع وتقاربها المتزايد مع روسيا، وتحدّيهما معاً أسس النظام الليبرالي الدولي ودور أميركا المهيمن فيه. هذا التحول المهم محض إيران وضعاً استثنائياً، وجعل منها بيضة القبان في هذا الصراع الكبير، ما أجّج المنافسة عليها، ومثّل عاملاً حاسماً لجهة إشعال الأزمة الراهنة في الخليج، ما يعني أن هذه الأزمة غير مرتبطة على ما تظهره الوقائع بالديناميات الإقليمية وعلاقات القوة السائدة في المنطقة، على الرغم من أهميتها، بل مرتبطة أكثر بما يجري على المستوى الأعلى في النظام الدولي، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، وروسيا، وإلى حد أقل الهند وألمانيا واليابان.

تتفق النخبة السياسية الحاكمة في واشنطن من الحزبين على أن استعادة إيران إلى المعسكر الأميركي تعد عاملاً حاسماً في تمكين الولايات المتحدة من استرداد زمام المبادرة في علاقاتها بمنافسيها الدوليين، ليس على مستوى منطقتي الخليج والشرق الأوسط فحسب، بل في إطار اللعبة الدولية الكبرى. إذ يؤثر موقع إيران وتموضعها في الصراع الدولي الدائر مباشرة في قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بتقدّمها على الآخرين، وبقائها في قمة هرم النظام الدولي، وكذلك في مساعي الآخرين إزاحتها عنها والصعود إليها. وتدرك الولايات المتحدة أن إيران لعبت دوراً رئيساً في تمكين روسيا، بتكاليف غير كبيرة، من استعادة دورها على الساحة الدولية، من البوابة الشرق أوسطية، فقد استطاعت روسيا أن تمتطي المشروع الإيراني، ومن خلاله حققت زيادةً كبرى في نفوذها الإقليمي في سورية، ولبنان، والعراق، وحتى في اليمن. كما استثمرت روسيا في نفوذها على إيران لتوثيق علاقتها بإسرائيل التي باتت تعتمد على روسيا في احتواء إيران أكثر من اعتمادها على واشنطن.

استعادة إيران، بالنسبة لواشنطن، تعني توجيه ضربة كبيرة لروسيا، ليس على صعيد نفوذها السياسي والدبلوماسي فحسب، إنما أيضاً على صعيد مكانة روسيا في سوق الطاقة الدولية، خصوصاً في أوروبا. وتعد إمدادات الطاقة من أهم أدوات النفوذ الروسي، ومن مظاهر قوتها الرئيسة أيضاً، ولذلك تعد خطوط نقل الطاقة والسيطرة عليها من الموجّهات الكبرى في السياسة الخارجية الروسية، ولعبت دوراً رئيساً في دفع موسكو إلى التدخل في أوكرانيا وسورية، ومحاولة التمدّد إلى لبنان وقبرص واليونان ومصر وإسرائيل. وتعد إيران بديل روسيا الوحيد الممكن بالنسبة لسوق الطاقة الأوروبي، بسبب احتياطات إيران الكبيرة من الغاز والنفط، وقربها من أوروبا، إذ لا يفصل بينهما إلا تركيا، وهي البوابة نفسها التي تعتمدها روسيا أيضاً للوصول إلى السوق الأوروبية عبر خط السيل التركي الذي دشنه بوتين مع أردوغان في ديسمبر/ كانون الأول 2018. ويعد بقاء الوضع الحالي مثالياً بالنسبة لروسيا، أي بقاء إيران تحت الحصار عاجزة عن تصدير نفطها، وغير قادرة على تطوير مواردها من الغاز الطبيعي، وفي حالة عداء أيضاً مع واشنطن. من هنا، ترى واشنطن أن استعادة إيران تمثل ضربة اقتصادية وجيوسياسية كبرى لروسيا، تعيدها إلى حيث كانت دولة إقليمية بطموحات عالمية.

ولا تقل أهمية إيران بالنسبة للصين عن أهميتها بالنسبة لروسيا، وتمثل مساعي استعادتها إلى دائرة النفوذ الأميركي ضربة قاضية لطموحات الصين العالمية، فالصين التي غدت مصنع 

"يؤثر موقع إيران وتموضعها في الصراع الدولي الدائر مباشرة في قدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بتقدّمها على الآخرين" العالم ترى في إيران محطة وقود رئيسة لمحرّكات صناعتها المتنامية، لا بل يربط استراتيجيون صينيون صعود بلادهم إلى موقع القوى العالمية الكبرى ببقاء إيران حليفاً وبعيدة عن النفوذ الأميركي، الذي يسيطر على طرق نقل الطاقة البحرية، وحتى فرض العقوبات الأميركية أخيراً كانت الصين أهم المشترين للنفط الإيراني، ولشركات الصين النفطية أيضاً استثمارات كبرى في قطاع البتروكيميائيات وشبكات الغاز الطبيعي الإيرانية، وتعد إيران من جهة ثانية جزءاً رئيسياً في مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تنظر لها واشنطن باعتبارها مشروع هيمنة سياسية صينية بغطاء تجاري واستثماري، وسقوطها في دائرة النفوذ الأميركي لن يعطّل فقط الطريق البرية الأهم لهذا المشروع، والتي تمر بألمآتا، بشكيك، سمرقند، دوشانبيه، طهران، اسطنبول، ثم تعرج شمالاً نحو موسكو وتنتهي في روتردام، بل سوف يغلقها تماماً ويقضي على جوهر المشروع الصيني الهادف إلى تجنب الطرق البحرية الذي تسيطر عليه واشنطن.

انسحاب إدارة الرئيس ترامب من الاتفاق النووي، وإعادة العقوبات على إيران، لم يستهدفا مصالح خصومها فحسب، بل قطع الطريق على الحلفاء الطامحين في إيران أيضًا، مثل ألمانيا والهند واليابان، وكانت ألمانيا أولى ضحايا السياسة الجديدة، إذ فقدت برلين، نتيجة العقوبات الأميركية، عقوداً بعشرات مليارات الدولارات، وخسرت نفوذاً سياسياً متصاعداً في إيران، عماده شركاتٍ مثل سيمنس وديملر، وفولكسفاغن، ودويتشه بنك وغيرها، وكانت تعد بإحياء العلاقات التاريخية الممتدة بين البلدين منذ أواخر القرن التاسع عشر. وقد أثرت الضغوط الأميركية على مصالح الهند أيضاً التي تنظر إلى إيران باعتبارها ممرّها الرئيس الذي تستطيع عبره تجاوز الكوريدور الصيني - الباكستاني للوصول إلى أوروبا، لكن واشنطن راعت المصالح الهندية في مواجهة الصين، عندما استبعدت ميناء تشابهار الإيراني الذي بنته الهند، ليكون منافساً لميناء غوادر الباكستاني الذي بنته الصين من نظام العقوبات على إيران.

فوق ذلك، يبدو أن نجاح إيران في اقتناص الفرص والاستثمار في أخطاء الآخرين، لتعزيز نفوذها الإقليمي في المنطقة لفت انتباه القوى الكبرى أكثر إليها، وزاد من التنافس عليها، اعتقاداً بأن موقعها في أي من الاصطفافات التي تتبلور اليوم في النظام الدولي سيؤدي إلى تغييرات كبرى في بنيته وموازين القوى فيه، فمن يكسب إيران يكسب نفوذها الإقليمي أيضاً، كما فعلت روسيا في سورية. وإذا فاز ترامب بها كما يشتهي، من خلال تفاهم معها، أو عبر تغيير نظامها، فهذا يعني أنه وجه ضربة كبرى لمشاريع الصين وروسيا في المنطقة والعالم، واستعاد الهيمنة الأميركية في المنطقة إلى ما كانت عليه قبل غزو العراق، هذا ما حاول أن يفعله الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إنما بطريقة مختلفة، عندما توصل إلى الاتفاق النووي، وبدأ انفتاحاً على إيران، كان يأمل أن يفضي، في نهاية المطاف، إلى تغيير طبيعة العلاقة 

"من يكسب إيران يكسب نفوذها الإقليمي أيضاً" معها، وتحويلها على المدى البعيد إلى حليف يمكن الاعتماد عليه، بعد أن اتضح له "بؤس" العرب والأتراك. وهناك تيار عريض في دوائر الفكر والسياسة في واشنطن ينظر إلى إيران باعتبارها الحصان الرابح في الصراع الدائر في الإقليم، ويرى أن استعادة أميركا علاقتها بها كما كانت عليه أيام الشاه سوف يكون لها تأثير كبير في موازين الصراع مع الكبار الآخرين في النظام الدولي. تدرك الصين وروسيا هذا الأمر جيداً، وتبذلان ما في وسعهما لإفشال مساعي واشنطن تغيير اتجاهات السياسة الإيرانية، سلمًا أو حربًا، هذا يعني أن المعركة على إيران في جوهرها معركة على السيادة العالمية، ولذلك ستشتد المنافسة عليها في قادم الأيام، بغض النظر عمن يمسك بقبضة السلطة في واشنطن، ومواقفه السياسية والحزبية، لكن هذا يعني أيضاً أن على الإيرانيين أن يشدّوا الأحزمة، ويستعدّوا للأسوأ، إذ توشك أن تتحول بلادهم من لاعبٍ إلى ساحة لعبٍ، بعد أن استمرأوا اللعب في ساحات الآخرين.

===========================


الوضع السوري في ظل اللقاءات الأمريكية – الروسية

عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 30/6/2019

شهدت منطقتنا في الآونة الأخيرة جملة من التحركات واللقاءات، وربما التفاهمات التي قد تبدو منفصلة متباعدة، إذا ما تم تناولها في سياقاتها الفرعية، وأُهمل السياق الأوسع والأشمل الذي يجعلها في نهاية المطاف خطوات متكاملة، يتم التوصل إليها بعد مماحكات وضغوط دبلوماسية واقتصادية، وحتى ميدانية عسكرية إذا ما لزم الأمر، بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في مسلسل أحداث المنطقة.

فقبل أيام كان هناك اجتماع أمني رفيع المستوى في القدس الغربية ضم رؤساء مجالس الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا الاتحادية، وإسرائيل (جون بولتون، نيكولاي باتروشيف، مئير بن شبات)، وذلك للتباحث حول الموضوع السوري بصورة أساسية، إلى جانب موضوعات فرعية أخرى.

وبالتزامن مع هذا الاجتماع، كان هناك لقاء “فرصة القرن” على حد تعبير جاريد كوشنر مستشار الرئيس ترامب وصهره في الوقت ذاته، وهو الذي هندس هذا اللقاء، وأشرف عليه في المنامة تحت عنوان: “السلام من أجل الازدهار”. وهو لقاء ربما استلهم الفكرة التي جاء بها الدبلوماسي الفرنسي المعروف جان مونيت، وتبناها وأعلن عنها وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان في منتصف القرن الماضي، وهي الفكرة التي أدت لاحقاً إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي. جوهر تلك الفكرة يقوم على محاولة تجاوز واقع الحروب المدمرة في أوروبا من خلال بوابة الاقتصاد. هذا مع إقرارنا بجملة التمايزات والتباينات بين الواقع الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، والواقع الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط راهناً، والواقع العربي تحديداً. وما يستنتج من هذا هو أن استلهام الفكرة المشار إليها يأتي لتمرير صفقة ما تخص موضوع النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي بإرادة دولية. وهي صفقة تستغل واقع ضعف القوى الإقليمية. هذا بينما كانت الفكرة الأوروبية تستند إلى المصالح الأوروبية ذاتها، وهي المصالح التي عملت من أجلها القوى الأوروبية بنفسها، وهي القوى عينها التي تمكنت من إبعاد مجتمعاتها عن مخاطر الحروب، ونجحت في عملية إعادة بنائها.

وقبل هذين الاجتماعين، كانت هناك لقاءات في لبنان، سواء بين القوى اللبنانية المحلية، أو بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل بصورة غير مباشرة من خلال الوسيط والراعي الأمريكي، وذلك من أجل موضوع ترسيم الحدود بين البلدين.

فالتقارب الحاصل بين تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري، والوطنيين الأحرار بزعامة جبران باسيل يطرح أكثر من تساؤل، ويحتاج إلى أكثر من تفسير. هل هو تقارب محلي تفرضه مستلزمات الوضعية اللبنانية، أم أنه نتيجة لتفاهمات دولية -إقليمية حول لبنان؟ تساؤل لا يمكن فصله عما يجري من لقاءات ومشاورات حول الوضع السوري تحديداً، وحول الصراع المعلن بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران من جهة أخرى، وانعكاسات هذا الصراع على الاصطفافات الإقليمية والأوضاع الداخلية في دول المنطقة، خاصة في كل من لبنان والعراق وسوريا.

فبعد الإعلان عن عمليات التخريب التي طالت ناقلات النفط في منطقة الخليج؛ واستهداف المنشآت النفطية السعودية، وتصاعد وتيرة صواريخ الحوثي الموجهة نحو الأراضي السعودية، إلى جانب إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية، وردود الأفعال التي تراوحت بين الرغبة في التصعيد والدعوة إلى التهدئة، والعودة إلى القنوات الدبلوماسية، والاستمرار في الضغوط الاقتصادية؛ بعد كل هذه المستجدات والتفاعلات، يُلاحظ عودة المبعوث الدولي الخاص بالملف السوري غير بيدرسون إلى الحديث عن إمكانية الانطلاق باللجنة الدستورية كمقدمة للعودة إلى تحريك مسار جنيف للمفاوضات، وذلك بعد التعثر الذي شهده مسار أستانة، خاصة فيما يتصل بموضوع إدلب الذي يبدو أنه ما زال ورقة بيد تركيا لا تريد التنازل عنها للروس وحلفائهم قبل الحصول على ضمانات تخص هواجسها واهتماماتها المتمحورة حول الشمال السوري بصورة عامة. وليس من المستبعد أن يكون هناك تفاهم تركي- أمريكي حول هذا الموضوع رغم كل الخلافات المعلنة بينهما.

فتحريك موضوع اللجنة الدستورية، إذا ما حصل فعلاً، لن يكون بعيداً من الموافقة الروسية التي ستترجم ضغطاً على النظام السوري الموزع بين التوجيهات والأوامر الروسية، من جهة والإيرانية من جهة ثانية، ولكن الموافقة الروسية لن تكون بالمجان، وهذا أمر يدركه الأمريكان تماماً.

وما يلاحظ في الإطار العام، هو أن الجانب الأمريكي يريد التفاهم مع الروس أولاً، لفرض تفاهمات يلوح بها في كل المناسبات على الجانب الإيراني. هذا مع الاستمرار في عملية الضغط على الإيرانيين عبر العقوبات الاقتصادية التي طالت حتى الآن أكثر الشخصيات والمؤسسات الرسمية الإيرانية أهمية وتأثيراً، ومن خلال الحشود العسكرية، سيما البحرية والجوية منها.

وبناء على ما تقدم، يلاحظ أن الجميع في انتظار ترجمة نتائج اللقاء الأمني الثلاثي الرفيع المستوى الذي انعقد في إسرائيل مؤخراً. ومما لا شك فيه أن نتائج ذلك اللقاء، الذي قد يتحول إلى آلية مستمرة، كانت محوراً للمباحثات التي بين بوتين وترامب في قمة العشرين، أوساكا – اليابان، وربما محورا للمباحثات التي كانت بين ترامب وزعماء آخرين.

والسؤال الذي يفرض ذاته هنا هو: هل سيتم التعامل مع كل موضوع من الموضوعات الإقليمية بمفرده، وستتم التفاهمات بين الجانبين الأمريكي والروسي حول كل موضوع بذاته؟ أم أن المسارات ستكون متزامنة، وبالتالي ستكون هناك توافقات حول حزمة أو سلة إقليمية، تشمل سوريا والعراق ولبنان وفلسطين، وستكون هناك عملية إعادة نظر في الأدوار الإقليمية لكل من تركيا ومصر والسعودية وإيران؟

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالمعطيات جميعها توحي بأنها هي المستفيد الأول والأكبر من كل ما جرى في المنطقة حتى الآن. هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار واقع الالتزام المطلق من الجانبين الأمريكي والروسي بأمنها، إلى جانب استعداد الدول الإقليمية المؤثرة للدخول معها في تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة، تفاهمات تأخذ معاييرها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية بعين الاعتبار.

ويبقى السؤال: ماذا عن الموضوع السوري؟ هل سينتظر التوافقات في الملفات الإقليمية الأخرى، وربما الدولية التي تتمحور حولها اهتمامات الأمريكان والروس؟ أم أن التوافق حول إيجاد مخرج له، يراعي حسابات المتفقين بطبيعة الحال، وذلك عبر تشكيل لجنة دستورية شكلية، تنظّم انتخابات صورية، سيكون المدخل لمعالجة الملفات الأخرى؟

تساؤل إشكالي، لا يمكننا تلمّس ملامح جوابه في ظل المعطيات المتوفرة حالياُ. ولكن الأكيد المؤكد هو أن الجانب الأمريكي ما زال في مقدوره حسم الأمور في حال توفر الرغبة والإرادة. ولكن أمريكا في انتظار نفسها، فالحملة الانتخابية بدأت، وقد علمتنا التجارب أن القرارات الحاسمة لا تتخذها الإدارات الأمريكية الساعية من أجل التجديد لذاتها في عام الانتخابات. ولكن الوضع يختلف في حال توقع تلك الإدارات إمكانية الاستفادة من تلك القرارات في طريق السعي نحو هدف التجديد.

كيف سيكون الحال بالنسبة إلى إدارة ترامب؟ الأمور ليست واضحة تماماً، ولكن الخطوات التي أقدمت عليها هذه الإدارة حتى الآن توحي بأنه لن يكون هناك حسم رادع، بل سيكون هناك سعي من أجل بلوغ توافقات تأخذ بعين الاعتبار المصالح الاستراتيجية الأمريكية أولاً.

===========================

اللاجئون السوريون وخطاب الكراهية

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 30/6/2019

ظهرت مواقف لبعض السياسيين اللبنانيين في السنوات القليلة الماضية إزاء قضية اللاجئين السوريين، وهذا بخلاف ما يُفترض أن يكون عليه الموقف في بلد صغير مثل لبنان تحيطه سوريا على امتداد حدوده البرية المفتوحة، ويرتبط سكانه بجيرانهم بعلاقات قربى وتواصل، ومصالح اقتصادية راهنة ومستقبلية، وكله باستثناء أي كلام عن العلاقات التاريخية والثقافية، التي تشد البلدين والشعبين بعضهما إلى بعض. فأزمة اللجوء السوري مصيرها إلى نهاية، لكن الجوار السوري - اللبناني باقٍ شئنا أم أبينا.

سوء هذه المواقف من قضية اللاجئين ممتد في موضوعين أساسيين؛ أولهما خطاب الكراهية ضد اللاجئين، والآخر جملة الممارسات العنصرية التي رسمت حدود التعامل معهم، ووصلت في كثير من الأحيان إلى مستوى الجرائم، التي يحاسب عليها القانون.

ورغم أن خطاب الكراهية والممارسات العنصرية مستمدان بالأساس من موقف سياسي تتبناه أوساط نافذة في السلطة اللبنانية، ترتبط بعلاقات قوية مع نظام الأسد في سوريا، وتنفذ بعض سياساته حيال اللاجئين السوريين في لبنان، فقد أعطت تلك الأوساط خطاب الكراهية والممارسات العنصرية أبعاداً تجاوزت السياسة، ليأخذا أبعاداً اجتماعية وثقافية واقتصادية، ساعدت في تمددهما في أوساط، تجاوزت أنصار نظام الأسد في لبنان والمرتبطين اللبنانيين بعلاقات مصلحية معه.

لقد ركزت تلك الأوساط على إشاعة أن اللاجئين السوريين من بنية اجتماعية متخلفة ومتطرفة وفقيرة وإجرامية، وأنها تشكل تناقضاً متعدد الأوجه مع المجتمع اللبناني، وأضافت ربط الإشاعة حول اللاجئين بعاملين أمني واقتصادي - اجتماعي. فمن ناحية أولى، جرى التركيز على وجود امتدادات لجماعات التطرف والإرهاب خصوصاً «داعش» و«النصرة» في أوساط اللاجئين وفي مخيماتهم، مما يشكل تهديداً أمنياً للوضع اللبناني وللعلاقات القائمة بين تكويناته، ومن الناحية الثانية، تم ربط وجود اللاجئين بما يعانيه اللبنانيون من مشكلات معيشية بينها نقص فرص العمل وتدني الأجور والغلاء ونقص في الخدمات وسوء في أحوال لبنان.

وسط الإشاعة عن التأثيرات السلبية، التي يحملها ويفاقمها وجود اللاجئين، تم تصعيد فكرة أن وجود اللاجئين يمهّد لتغييرات في طبيعة الكيان اللبناني. فيزيد تأثير السوريين فيه وعليه، ويزيد نفوذ المسلمين السنة في مواجهة الوجود المسيحي من جهة والوجود الشيعي من جهة أخرى، وكله سيؤدي إلى تعميق التناقضات والانقسامات الطائفية في لبنان.

ولم تجد إشاعات اللاعبين اللبنانيين رغم هشاشتها وضعفها، مَن يوقفها أو يهزمها، إما عجزاً كما كان حال بعض من مثقفين وصحافيين ورجال سياسة، أو مسايرة للحلفاء، وتجنباً لمواجهة الطيف العنصري المتصاعد، مما أجّج خطاب الكراهية والممارسات العنصرية ضد اللاجئين، خصوصاً بعد دفع الجيش اللبناني والأمن العام إلى مداهمات المخيمات وأماكن انتشار اللاجئين بحثاً عن «مطلوبين» ممن يُعتقد أنهم متطرفون من «داعش» أو «النصرة» أو لا يملكون أوراقاً نظامية، وفي حالات كثيرة تسببت المداهمات باعتقالات غير مبررة، وترحيل آخرين إلى سوريا، بل هذه الممارسات امتدت لتطال ناشطين ولاجئين.

ومما لا شك فيه أن زجّ الجيش والأمن العام اللبناني - بما لهما من رمزية موحدة للاختلاف اللبناني - جعل من قضية اللاجئين السوريين محطّ اهتمام الأكثرية اللبنانية، ودفع نحو تصعيد خطاب الكراهية، ولا شك أن بعض الأحداث الهامشية، وأغلبها مصطنَع، جرى استخدامها في إعطاء مبررات لقسوة الجيش في التعامل مع اللاجئين، واعتبار أكثرية اللبنانيين ذلك سلوكاً طبيعياً يمكن قبوله أو السكوت عنه.

إن بذرة الإشاعات عن اللاجئين السوريين في لبنان كان مصدرها الرئيسي شخصيات لبنانية نافذة في السلطة وفي الجماعات السياسية بينهم رئيس التيار الوطني الحر ووزير خارجية لبنان جبران باسيل. وقد تلقف بعض الإعلام اللبناني الإشاعات، ولعب الدور الأهم في نشرها وتعميمها.

وصول الإشاعات حول اللاجئين إلى هذا المستوى أعطاها فرصة الانتقال إلى الفضاء العام اللبناني خصوصاً في البلديات، التي أخذ بعضها يتفنن في إطلاق المبادرات العنصرية في التعامل مع اللاجئين، في منع إقامتهم في الحدود الإدارية للبلدية أو منع تجولهم في أوقات محددة وغيرها من إجراءات شجعت، بين عوامل أخرى، بعض المرضى على ممارسات وصلت إلى حد الجرائم ضد لاجئين سوريين بينها طرد عائلات من سكنها، وقتْل صبي قهوة لأنه تأخر في تلبية طلب القاتل.

العنصرية ضد اللاجئين السوريين في لبنان تحولت بفعل جهود تشاركية ووسط بيئة محلية وإقليمية ودولية ساكتة أو مسايرة، فبلورت خطاب كراهية واسع الحضور في الواقع اللبناني له امتدادات تتزايد داخل الدولة والمجتمع شمل مؤسسات سياسية بما فيها الأحزاب، الأمر الذي يزيد من تعقيدات قضية اللاجئين في لبنان، ويجعلها جزءاً من الجحيم السوري الذي لا يجد في عالم اليوم مَن يعالجه، ويخرج بالسوريين وبقية العالم منه.

===========================


استهداف المشافي السورية.. والمسؤولية الأممية

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 29/6/2019

بعد أكثر من ستين يوماً على عدوان النظام السوري وسدنته الروس كانت حصيلته تدمير أكثر من 23 منشأة طبية، تعلن الأمم المتحدة -وفي خبر وصفته وسائل الإعلام الدولية بـ «العاجل»- أنها طلبت من روسيا معلومات عن كيفية استخدام إحداثيات المرافق الطبية التي زوّدتها بها المنظمة الدولية في سوريا. إذن، ستون يوماً من استهداف المرافق الطبية التي راح ضحيتها طواقم طبية وجرحى ومدنيون كانت ضرورية حتى تطلب الأمم المتحدة من روسيا -وفي خبر عاجل- كيفية استخدام المعلومات التي زوّدتها بها عن مواقع وإحداثيات المرافق الطبية.

تتذرع الأمم المتحدة بأن تقديم هذه المعلومات مهم لمعرفة من قصف واعتدى على هذه المرافق، بينما العالم كله يعرف أن من لديه الطيران هو المعتدي، ومن ثم فهو الذي يقصف. وثماني سنوات من قصف هذه المرافق كانت كافية للأعمى ليعرف من يفعل ذلك؛ فالأمر ليس بحاجة إلى شرلوك هولمز ليفك تعقيداته وخلفياته. لقد سبق هذا أربع سنوات بالتمام والكمال، حيث تعرضت عشرات المرافق الطبية للقصف الروسي، وتحديداً أيام العدوان الرهيب على حلب عام 2015، وابتلعت الأمم المتحدة -كعادتها- تلك الجرائم الرهيبة دون أن ترفع القضية إلى الجلسات العمومية أو حتى إلى وسائل الإعلام. وقد وثّقت يومها كاميرات المشافي القصف الرهيب، على الرغم بالطبع من تزويد الأمم المتحدة الروس والنظام السوري بإحداثيات المشافي، فكان تزويدهم بهذه المعلومات تسهيلاً للمهمة.

إذن، ما الجديد اليوم حتى يصحو ضمير الأمم المتحدة بعد شهرين على تدمير 23 منشأة طبية في الشمال المحرر؟ وما الجديد والعالم كله يرى استخدام الأسلحة كافة المحرّمة دولياً بحسب تصنيف المنظمة الدولية ذاتها؟ مثل استخدام البراميل المتفجرة التي كان مجلس أمنها الدولي قد حظره تحت البند السابع، ولكن مع هذا واصل النظام ومعه الروس استخدامه واستخدام غيره من الأسلحة المحرّمة دولياً؛ كالقنابل الحارقة، وقنابل النابالم، وحتى الكيماوي المعدّل من الكلور السام الذي أكدت استخدامه المصادر الأميركية والفرنسية في العدوان الأخير. ومع هذا، لم يُتخذ أي عمل ضد المستخدم.

لقد سبق أن صنّف قادة الروس أصحاب الخوذات البيضاء من الدفاع المدني في الشمال المحرر بأنهم «إرهابيون»، وضنّوا على الشعب السوري بوجود فِرَق لإنقاذ ضحاياه وانتشالها بعد أن حوّلوا الجغرافيا السورية اليوم إلى ركام وخراب ودمار، والأخطر من هذا كله استهداف المشافي والمدارس والبنى التحتية من أجل إرغام المدنيين على ترك منازلهم وبلداتهم؛ أملاً في تغيير ديمغرافي يغيّرون من خلاله وجه المنطقة برمتها.

العدوان والإجرام ليس باستهداف المشافي فقط؛ فعلى مدى ثماني سنوات ونحن نرى استهداف المدنيين السوريين وقراهم وبلداتهم، ونرى معه توقّف الأمم المتحدة حتى عن إحصاء قتلى السوريين. ومن ثم، توقّف كثيرون عند آخر إحصاء للأمم المتحدة، والذي كان ربع مليون، وهذا كان قبل أربع سنوات. فالعدوان هو عدوان كلي شامل مستمر ومتواصل، ولا يوجد في الأفق ما يشير إلى رغبتهم في وقفه، والتوقف عنه. وكل الاتفاقيات التي وقّعوها بخفض التصعيد رأينا نتائجها وعواقبها في درعا وريفي دمشق وحمص؛ فقد كانت دماراً وخراباً واستسلاماً. واليوم، جاء الدور لنقض الاتفاقيات التي وقّعوها قبل أن يجف حبرها مع تركيا في الأستانة وسوتشي، فبدؤوا عدوانهم على إدلب، التي كانت لقمة أكبر من أفواههم جميعاً. ولذا، فهم يندحرون على أسوارها بفضل الله أولاً، ثم بفضل تكاتف كل أحرار سوريا الذين هجروا المناطق المحتلة صوب المحرر في أرياف إدلب وحماة والساحل وحلب، وهو ما دفع المحتل وذيله إلى استخدام كل ما لديهم من أسلحة إجرامية على أمل كسر إرادة الشمال المحرر الصامد بفضل الله ثم بجهود أهله وجارته تركيا.

===========================

جني حصاد الفوضى الخلاقة

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 29/6/2019

يحتاج المرء إلى الكثير من السذاجة، كي لا يرى الترابط الوثيق بين مؤتمر البحرين الذي يرى قضية فلسطين تحت حيثية اقتصادية مبنية على التوسع الاستيطاني، ومنع إقامة دولة فلسطينية سيدة ومستقلة، ولقاء القدس (بين مستشاري الأمن القومي لأميركا وروسيا وإسرائيل) الذي يرفض أن يرى المسألة السورية بدلالة الخطر الإيراني على دولة سورية ومجتمعها، ويراها بأعين إسرائيل التي أهدى لها الرئيس الأميركي، ترامب، بالأمس القريب مرتفعات الجولان، بإعلانه الرسمي أنها أرض إسرائيلية. في المنامة والقدس، كانت مصالح إسرائيل حاضرة موضوعا وحيدا للسياسات الدولية تجاه قضيتي فلسطين وسورية. وكان هذا الترابط بين القضيتين خطوة أخرى، شديدة الخطورة، على طريق تصفية القضية الأولى الفلسطينية، والثانية السورية التي لم يقتنع "المجتمع الدولي" بأنها ليست فرعا من الفوضى الخلاقة، بل هي قضية شعب، ومن الضروري إيجاد الحلول لها، في إطار الحرية والديمقراطية الذي ضحّى الشعب السوري بمئات آلافٍ من أبنائه من أجل بلوغه، وصرف العالم النظر عنه. وها هو يلتقي ليتفاوض بشأن مخرجات الصراع السوري النهائية التي تعينت من خلال الفوضى الخلاقة، كما نشرتها واشنطن في المشرق بعد عام 2005، وحربها على العراق، وتعهّدت فيها بتفكيك كيانات المنطقة ودولها "عبر أهوال سيكون من الصعب تصديق وقوعها"، حسب قول مستشارة الأمن القومي الأميركي في رئاسة بوش الابن، كوندوليزا رايس، وبإعادة تركيبها بعد حين، بصيغ تلائم مصالحها في الطور الراهن من الواقع الدولي.

السؤال الآن: هل بلغ التفكيك درجة تحتم إعادة التركيب: بتفاهم أميركي/ روسي/ إسرائيلي، ضمن إطارٍ تتولى واشنطن وتل أبيب فيه رسم صورة نهائية لفلسطين ما بعد كامب ديفيد في ضوء المصالح الصهيونية، وتتكفل روسيا ببلورة صورة سورية ما بعد الحرب، بموافقتهما، بينما تتولى واشنطن أمور العراق والخليج وإيران، بمساعدة موسكو وتل أبيب، على أن تضع طهران أمام خيارين: التفكيك أو إعادة بناء دورها المعادي للعرب، والمشترك بينها وبين إسرائيل؟ أكرّر: ليس مصادفة تزامن لقاءي القدس والبحرين، بل هو وليد نظرةٍ تربط مصير فلسطين وسورية، بما يخدم إسرائيل. وهناك ثلاث ملاحظات في هذا الصدد:

أولا: وضع إعادة تركيب دول المنطقة في خدمة أمن إسرائيل الذي يحتم السماح لها بالتوسع في فلسطين وسورية، بعد أن حاصرت واشنطن والعرب رام الله، وشطرت حركة حماس وطن الفلسطينيين إلى كيانين متعاديين، وفكّكت واشنطن دولتي المشرق، العراق وسورية، بمساعدة إيرانيه وروسية. وصار من الضروري إعادة تركيبهما عبر"صفقة" شاملة، تبيع فلسطين في بازار دولي/ عربي في المنامة، بينما ترى موسكو وواشنطن الاحتلال الإيراني لسورية بأعين إسرائيل، على الرغم من أن طهران لم ترمها بحصاة، بينما دمرت دولة سورية ومجتمعها.

ثانيا: ليس اجتماعا القدس والمنامة معنيين بتطبيق القرارات الدولية الخاصة بحقوق السوريين، أو فلسطين، أو باقتراح قراراتٍ دولية جديدة، ستنال موافقة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، بل عقدا من خارج القانون الدولي، لتحديد حصة إسرائيل من تفكيك المشرق، بحجة إبعاد خطر إيران عنها، مع أن عقد الاجتماع بمبادرة منها منحها حق المشاركة في تقرير صورة النظام السوري القادم، وعلاقاته مع إيران، ومعها.

ثالثا: نحن أمام منصة دولية تقرر مصير بلادنا ومنطقتنا، من خارج بيان ومؤتمر جنيف الذي سيكون في عداد الموتى، إن قرّرت واشنطن استبداله بتفاهمات أستانة أو سوتشي.

هل بدأ باجتماع أمني وآخر بازاري هذه مواصفاتهما، تطبيق "صفقة"، تسلّم بحق موسكو في تقرير مصير سورية، وتطلق يد إسرائيل في فلسطين، في مقابل تعاون الدولتين مع واشنطن في إعادة تركيب ما فكّكته من دول المشرق، وتأسيس نظام إقليمي يملأ الفراغ العربي: إيراني ــ إسرائيلي، يتعاون طرفاه بصورة غير مباشرة ضد الأمة العربية، بإدارة ترامب العليا؟

===========================

هل انتهت الحروب التقليدية؟

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 29/6/2019

يطرح تراجع إدارة الرئيس الأميركي ترامب عن قرار الحرب على إيران، السؤال عما إذا كان زمن الحروب بين الدول، بشكلها التقليدي، انتهى، وأن العالم شهد أخيرا، وسيشهد في المستقبل، ولادة أنماط جديدة من الصراعات، ليس بينها الحرب كما عرفها العالم في التاريخ. بداية، ثمّة عبارة لافتة في حديث ترامب عن مبرّرات تأجيله ضرب إيران، قال "جيشنا أعيد بناؤه حديثاً، إنه جديد"، ولم يوضح المقصود، فهل هو جديد بمعنى أنه جرت إعادة هيكلته وتنظيمه ليتوافق مع معطيات الحروب الجديدة؟ لأن الجيش الأميركي أقدم جيوش العالم، ويعود إلى سنة 1776، ولم يحصل أي قطوع في تاريخ المؤسسة العسكرية الأميركية، ثم إنه لم يغب عن ميادين القتال منذ الحرب العالمية الثانية. بعيداً عن أي تأويل لخطاب ترامب، فقد بدا من التحضيرات العسكرية السابقة التي شهدتها منطقة الخليج أن ثمّة مشكلة عجزت التحليلات عن قراءتها، أو وضعها في سياقها الحقيقي، وهي أن أميركا كانت تسعى إلى تقديم استعراض عسكري، أكثر منها تحضيرات حرب فعلية على إيران، وهو ما أربك كل القراءات التي حاولت تفسير الحركة المرتبكة لأميركا، وردّها إلى أسباب إدارية حيناً، من نوع الخلافات داخل إدارة ترامب بخصوص قرار الحرب، أو لأسباب تقنية من نوع أن مياه الخليج لا تحتمل تحشيد حشودٍ عسكرية كبيرة، أو حتى أسباب سياسية تتعلق بالخوف من أن تؤدي ضربة إيران، وتضعضع نظام الملالي، إلى فوضى في إيران والمنطقة، قد يكون صعبا احتواؤها والسيطرة عليها.

يحيلنا هذا الواقع إلى أن العالم شهد، في العقدين الأخيرين، تغيرات بنيوية هائلة، خصوصا على المستوى الاجتماعي والثقافة السياسية للمجتمعات، ويبدو أنها إحدى نتائج العولمة غير المقصودة، إذ لم تعد الحرب محفزاً للوحدة الوطنية، وحدثاً يُراد منه صيانة الهوية الوطنية كلما أصابها ترهل أو خمول، وقد أدركت الحكومات هذا الأمر، في فشلها بتجييش الأعداد اللازمة لخوض الحروب من أبناء مجتمعاتها، كما أن هذه المجتمعات بدأت تتحسّس من أي خسارة تحصل في هذه الحروب، خصوصا على المستوى البشري، وهو ما كبّل يد الحكومات، لا سيما في العالم المتطوّر. إضافة إلى الخسائر الاقتصادية المحتملة من أي حرب، في أوضاع مأزومة على مستوى العالم، وفي ظل ضغط شعبي كبير على غالبية الحكومات لتحسين الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي فإن الشعوب التي تتدبّر أمور معيشتها بصعوبة بالغة لن تقبل ببساطة جرّها إلى حروب تكون لنتائجها آثار مدمّرة على اقتصاداتها وفرص عملها ومدّخرات مستقبلها.

دفع هذا التغيير الحكومات الطامحة إلى مكاسب جيوسياسية، إلى تغيير أساليب وسياسات إدارة 

"روسيا تعتبر أكثر دولة شنت حروبا خارجية، في العقدين الأخيرين، في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا وسورية" صراعاتها، لذا وجدت، في السنوات الأخيرة، أنماط حروب مختلفة، بعيدة عن الشكل التقليدي، مثل الحروب السيبرانية، والهجينة، واللامتماثلة، لترشيد الإنفاق ما أمكن، وتخفيض نسبة الخسائر البشرية في صفوفها، وحتى الحروب بالوكالة، مع أنها نمط صراعي قديم، إلا أنه تم إدراجه على قائمة هذه الحروب، ويتم تمويله في الغالب من الميزانيات المخصصة للجيوش في حالة السلم، أو يتم البحث عن أطراف إقليمية ذات مصلحة لتمويلها، كما يحصل في الشرق الأوسط، وفي سورية تحديدا.

ويلاحظ أنه في العقدين الأخيرين، لم تقع حرب تقودها دولة ضد دولة أخرى، وعلى الرغم من أن روسيا تعتبر أكثر دولة شنت حروبا خارجية، في العقدين الأخيرين، في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا وسورية، إلا أن هذه الحروب خيضت على أساس أنها ضد جماعات محدّدة، كما في الشيشان وسورية، أو خاضتها أطرافٌ محليةٌ قدمت لها روسيا مساعداتٍ محدّدة، كما في جورجيا وأوكرانيا، وفي كل هذه الحروب لجأ الرئيس الروسي، بوتين، إلى شكل من الحروب الهجينة التي استخدم فيها المرتزقة وأطرافا محلية والضربات الجوية والحروب السيبرانية. وينطبق الأمر على أميركا التي تعلن أنها تدعم أطرافا محلية، خصوصا في الصراعات العراقية والسورية، وأنها لا تحتفظ بأعداد كبيرة من الجنود في هذه المناطق، ويقتصر دور قواتها على التدريب والاستشارة الميدانية.

لا يعني ذلك أن خطر اندلاع صراع في الخليج لم يعد وارداً، ولكن علينا ألا نتوقع أن نشهد حربا تقليدية، وإنما قد تقتصر على ضرباتٍ محدّدة تقوم بها فرق خاصة وبأدوات معينة، بمعنى لن تصل الحرب إلى مواجهة شاملة، ولن يتم زج الجيوش بها. حتى إيران نفسها ستخوض هذا الصراع بفرق خاصة من الحرس الثوري أو وكلائها في المنطقة، وليس بتجييش كامل لقواتها، ودليل ذلك أتها لم تستنفر كامل جيشها، ولم تدع إلى نفير، على الرغم من أن خطر الحرب بات قريباً جداً منها.

ربما تكون حرب العراق آخر الحروب المباشرة بين الدول، ربما بسبب التكاليف العالية للحروب، ولأن المجتمعات بدأت ترفض حروبا لا تستفيد منها سوى قطاعات ونخب معينة. كما أن تداعيات الحروب باتت أوسع من أن يتم حصرها ضمن نطاقات محدّدة، لذا تبحث الأطراف عن بدائل صراعية أقل تكلفة. ولكن متى تنتهي الحروب على الشعوب؟

===========================

استهداف نقطة المراقبة التركية: رسالة روسية قبل لقاء أردوغان - بوتين

أمين العاصي، إسطنبول ــ جابر عمر

العربي الجديد

السبت 29/6/2019

لم تثنِ تحذيرات تركيا قوات النظام السوري عن معاودة استهداف نقطة عسكرية للجيش التركي في ريف حماة الشمالي، أخيراً. ولم يردّ الأتراك على القصف، في محاولة منهم لعدم الانسياق وراء استفزازات قوات النظام، الساعية إلى خلط أوراق الصراع بين الجانبين التركي والروسي حيال مصير شمال غربي سورية. ولكن اللافت أن الاستهداف يأتي قبل لقاء يجمع الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمة العشرين في اليابان، التي تبدأ أعمالها اليوم، الجمعة، وتنتهي غداً السبت. وجددت قوات النظام السوري قصفها لنقطة المراقبة التركية في منطقة شير المغار في ريف حماة الغربي، رغم التحذيرات التي أطلقتها تركيا إثر استهداف أكثر من نقطة تركية خلال الشهر الحالي من قبل هذه القوات. وأكدت مصادر محلية في ريف حماة الشمالي أن "نقطة المراقبة في شير المغار بجبل شحشبو تعرضت، صباح الخميس، لقصف بالمدفعية الثقيلة من جانب قوات النظام، أثناء دخول تعزيزات تركية إلى النقطة المذكورة".

ونشر ناشطون محليون صوراً تظهر لحظة سقوط القذائف على التعزيزات العسكرية التي وصلت إلى نقطة شير المغار بريف حماة الغربي. وكشفت مصادر أن "النقطة التركية في شير المغار تضم أكثر من 100 جندي من الجيش التركي، بينهم ضباط وقوات خاصة (كوماندوز)، إضافةً إلى عتاد عسكري وعشرات الآليات المصفحة ودبابات". وذكرت وكالة "الأناضول" التركية الرسمية للأنباء أن "قوات النظام السوري استهدفت، الخميس، محيط نقطة المراقبة التركية رقم (10)"، مشيرة إلى أن "الهجوم أسفر عن أضرار مادية". وذكر "مركز حماة الإعلامي" أنه "سقطت حوالي 12 قذيفة مدفعية من حواجز النظام المتمركزة في تمانعة الغاب والكريم، على رتل للقوات التركية أثناء خروجها من النقطة التركية بعد تبديل العناصر والآليات"، لافتاً إلى أنه "لم تحدث أضرار بالآليات العسكرية التي تابعت خروجها من النقطة باتجاه الشمال".

واستهداف أمس هو الرابع الذي طاول النقطة المذكورة، إذ سبق لقوات النظام أن قصفت هذه النقطة في إبريل/ نيسان، ومايو/ أيار الماضيين، ويونيو/ حزيران الحالي، في خضمّ تصعيد كبير بدأته وسيطرت من خلاله على نحو 18 بلدة وقرية وموقعاً، إلا أنها تعرضت بعد ذلك لخسائر فادحة في أكثر من هجوم معاكس قامت به فصائل المعارضة السورية.

في السياق، اعتبرت مصادر عسكرية ودبلوماسية تركية، وأخرى دبلوماسية، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "القصف هو بمثابة استمرار للرسائل الروسية لتركيا حول ضرورة تقديم تنازلات في منطقة جنوب إدلب، وشمال حماة، التي تعرضت للقصف". وشدّدت على أن "تركيا ستواصل سياسة ضبط النفس وعدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع النظام من أجل استيعاب الأمر، خصوصاً أن المفاوضات حالياً بين روسيا وتركيا لم تصل لتوافق، وتنتظر لقاء أردوغان ـ بوتين". وأشارت المصادر التركية إلى أن "التفاهم في هذه المنطقة بحاجة لتنازلات مشتركة"، لم تكشف عنها، ولكنها لمّحت إلى إمكانية عقد صفقة ما بين جنوب إدلب وتل رفعت، في ظلّ الإصرار الروسي على إبقاء مطاري حماة وحميميم بعيدين عن مرمى نيران فصائل المعارضة. وهو سبب استمرار الخروق الروسية.

واستغربت المصادر التركية "إصرار الجانب الروسي على ممارسة الضغوط على تركيا في هذه الفترة التي تشهد مواجهة أنقرة للغرب على خلفية شراء صواريخ أس 400 وما ينطوي عليه ذلك من تقارب تركي روسي، ما يتطلب من موسكو مراعاة هذا الظرف وعدم استغلاله للضغط أكثر على أنقرة في إدلب".

ويأتي استهداف النقطة التركية قبل أيام من لقاء قمة يجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية. وفي تصريحات صحافية أدلى بها الرئيس التركي قبيل القمة، أشار إلى أن "النظام السوري يتصرف بلا رحمة في إدلب، وأن نقاط المراقبة التركية الـ12 هناك تتعرض بين الحين والآخر إلى تحرشات". وأضاف: "لا نريد أن يحدث أي أمر لتلك النقاط، ولكن نرغب في أن تسير الأمور كما هو مخطط لها ووفقاً للوعود المقطوعة، فمحاوِرنا هو روسيا، وننسق معها عبر التشاور، سواء على مستوى وزارتي الدفاع أو الخارجية أو الاستخبارات". وعلى الرغم من أن شمال غربي سورية لا يزال محكوماً باتفاق سوتشي المبرم بين الجانبين التركي والروسي في سبتمبر/ أيلول الماضي، وأُقيمت من خلاله منطقة منزوعة السلاح الثقيل في محيط إدلب، إلا أن التصعيد الكبير الذي بدأه النظام أواخر إبريل الماضي بمساعدة الطيران الروسي، باعد بين الروس والأتراك. ورفضت تركيا أكثر من مرة طلباً روسياً بتعديل الخرائط المتفق عليها سابقاً، بحيث تبقى المناطق الجديدة التي سيطر عليها النظام خلال التصعيد الأخير تحت سلطته. وأصرّت أنقرة على انسحاب قوات النظام إلى النقاط المحددة وفق اتفاق خفض التصعيد، قبل التحدث باتفاق جديد لوقف إطلاق النار. ولم يتجاوب الأتراك مع مسعى روسي لوقف إطلاق النار في منتصف الشهر الحالي وفق خارطة السيطرة الراهنة. واعتبرت فصائل المعارضة السورية المرتبطة بالجيش التركي إعلان الهدنة من جانب واحد "خديعة روسية لتجميع القوات والاستعداد لشن هجمات جديدة".

من جهته، أكد المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسن، أمس، أنه يسعى "لتحقيق تفاهم أعمق بين روسيا والولايات المتحدة لدفع عملية السلام السورية". وأضاف في تصريحات صحافية في مدينة جنيف السويسرية، أنه يريد "جمع مجموعة من الدول المؤثرة لدعم عملية السلام، منها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ومجموعتان من الدول النشطة سياسياً في سورية".

===========================

موقفنا : ما وراء تمسك الصهيوني بالأسدي وإعلان اعتراضه على الصفوي !؟

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3/ 7/ 2019

يكاد يمر عقد على انطلاقة الثورة السورية المباركة ، وقد تكشف خلاله الكثير من عورات السياسات والمواقف الدولية ،  وعلم الجميع بما لا يدع مجالا للشك أن المصلحة الصهيونية فيما يجري على الأرض السورية كانت دائما هي الأولى على الأجندتين الأمريكية - الروسية ، بل على الأجندة الدولية والإقليمية  أجمع.

يتذكر السوريون مقالة ابن خال الرئيس ، وسورية  بلد محكوم بابن الخال وابن الخالة ،  مخاطبا الصهاينة : أمن بأمن . وقد رأي الجميع بالدليل القاطع والبرهان الساطع حجم  وفاء الصهاينة للمقولة التي تبرأ منها ظرفيا كثير من أتباع الأسديين .

ويعلم كل ملم بقوانين السياسة علم يقين أنه ما كان للميليشيات الطائفية الصفوية أن تعقد راياتها ، تحت عنوان " يا لثارات الحسين " وأن تتحرك في الجغرافيا الفسيحة حول العالم عبر أفغانستان وباكستان وإيران والعراق ولبنان لتتجمع كجيوش خراب على القتل والتدمير لولا ضوء أخضر أولي من الكيان الصهيوني ومن ثم من الولايات المتحدة وكل الشركاء .

وحين نسمع اليوم نتنياهو ومن ثم ترامب يظل يدندن حول وجود الميليشيات الصفوية في سورية ، من حقنا أن نتساءل : أين كانت المخاوف الصهيونية الحقيقة ، يوم كان صوت الثورة هادرا ، فأعطي كل هؤلاء المجرمون الفرصة والدور للتصدي لها وقتل وتهجير السوريين الأحرار ؟!

ورغم كل شيء ومع كل شيء فقد بدا واضحا وجليا بعد اللقاء الأمني الثلاثي الذي عقد في القدس في 26/ 6/ 2019 بين الصهاينة والروس والأمريكيين أن التوافق قد تم على أمور كثيرة في مستقبل سورية ، وهو ما عبر عنه رئيس الموساد الصهيوني بالأمس عن اقتراب الإعلان عن ترتيبات الحل في سورية .. وكان من أهم ما تم التوافق عليه في هذا المؤتمر : التمسك ببشار الأسد واستبعاد إيران من المشهد السوري ، وهي ثنائية تستحق التفكير وإعادة التقدير فلماذا ؟!

والذي يبدو للمتأمل أن جوهر الموقف الصهيوني والموقفين الأمريكي والروسي المتوافقين معه يكمن في عملية دعائية " تجميلية " للدور الصفوي الإيراني  بعيدة المدى .

ولنعترف توضيحا للفرق

أن التعويل الصهيوني على الدور الوظيفي الأسدي هو تعويل ظرفي ، لم يعد نتنياهو يشعر بالحرج بعد اليوم أن يصف بشار الأسد متحببا إليه غائظا للشعب السوري بقوله " بشار الأسد والينا على دمشق " أو"  بشار الأسد حاكمنا العسكري في سورية " أو "بشار الأسد مندوبنا السامي في سورية " . بشار الأسد بالنسبة للصهاينة أصبح مثل الورقة المحروقة ، وهم مستعدون أن يفرضوا رمادها على سورية والسوريين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ..

أما إيران الصفوية ، أما الملالي من أصحاب المشروع الصفوي ، المشتق في أصوله وفروعه وغاياته وأهدافه ووسائله وأساليبه من المشروع الصهيوني ، فما يزال الكيان الصهيوني محتاجا إليهم ، وما يزال مشروع الاستكبار العالمي محتاجا إليهم ، وما يزال الدور الوظيفي القذر المناط بهم مفتوحا على كل المنطقة العربية ..ومن هنا فهم ما يزالون بحاجة إلى هذا المكياج الذي يظن البعض أنه يمكن أن يستر السوأة ، مكياج ضجيج الحرب الأمريكية بجهام سحابها وخلب برقها ورعودها ، وهم بحاجة إلى بعض ماء لغسل الدماء عن أيديهم ومن هنا جاء التظاهر بالعداوة الصهيونية المتبادلة بين شركاء المشروع الواحد ، المشروع المتفق على التقتيل والتهجير والتدمير .

" إن كل مياه البحار لن تغسل الدماء عن أيدي الطغاة " قاعدة شكسبير وأضيف ولا مياه المعمودية نفسها ..

وإذا سمعت من يتحدث عن عداوة صهيونية - صفوية ، فتذكر الحكمة القديمة : لا تصدق ما لا يكون أن يكون ..وعند ابن سبأ خبرهم اليقين ...

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

تفاقم معاناة اللاجئين السوريين في لبنان

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 29/6/2019

ابتعد «أحمد» عن الحاجز الأمني، بينما كانت النيران تلتهم بقايا خيمته المهدمة، قالوا إن السلطة العليا قررت إزالة خيامهم لأسباب أمنية واقتصادية. أمسك جيداً بيد طفلته الصغيرة، وسارع الخطى وهو يشيح بوجهه، كي يخفي دمعتَي قهر بدأتا، رغماً عنه، تنفران من عينيه. كان السؤال الأقسى الذي يقلقه: أين يذهب الآن؟ وكيف يوفر مأوى جديداً لزوجته وطفلتيه؟ هو يرغب حقاً في الخلاص مما صار يسمى عند اللاجئين السوريين «جحيم لبنان»، ويريد العودة إلى أرضه وقريته؛ لكن ليس الأمر خياراً اليوم، وهو المتيقن أن العودة إلى مناطق السلطة تعني تسليم نفسه لجحيم أشد هولاً، وغالباً لموت محقق بعد تنكيل وتعذيب، والأمر ذاته في الذهاب إلى إدلب وأرياف حماة وحلب، فالنازحون هناك يهربون من وطأة الحياة التي يفرضها الإسلامويون المتشددون، ومن أتون القصف السلطوي المستمر بالبراميل المتفجرة.

صحيح أن الحرب انحسرت وباتت تقتصر على جبهات معدودة؛ لكن ليس هناك أمان أبداً. انظر ماذا يفعلون برجال المصالحات التي عقدت، يسأل بتوجس، أليس مصيرهم هو الخطف والتغييب والاغتيال؟ قد يقول قائل إن هناك من في السلطة لا يريد المصالحة والتسوية؛ لكن من في السلطة السورية يريد المصالحة والتسوية؟! ها هي مفاوضات جنيف عالقة منذ سنوات، لم يبق عند المعارضة ما تتنازل عنه لقاء حل سياسي هزيل يرفضه نظام يتوغل أكثر فأكثر في القتل والتدمير، ولا هم له سوى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه.

اعترف بأنني شاركت في كثير من المظاهرات السلمية، وكنت أشتعل حماسة وأنا أردد مع الجموع شعار «حرية حرية»؛ لكني رفضت بشدة حمل السلاح. لم تكن بنيتي الأخلاقية تسمح، فكيف وأنا معلم مدرسة، ألقن الأطفال محبة الآخر وعدم إيذائه. سارعت للابتعاد، واخترت لبنان وجهتي عندما اشتدت المعارك، وغدت قريتي خط تماس بين المتحاربين، فأنا أعرف هذا البلد جيداً، وقد زرته مراراً للمشاركة في ورشات عمل تعنى بتنمية المجتمع المدني، وكنت واثقاً بأن ثمة أصدقاء ومعارف لا يزالون يتذكرونني، ويمكنهم مساعدتي.

لا تسألني عن اللبنانيين - يقاطعك بحزم - هم مثلنا، فيهم الصالح ومنهم الطالح، لكن من يقف معنا اليوم ويخفف من محنتنا ومعاناتنا باتوا قلة، وغالبيتهم من النخبة المثقفة المرتبطة بهموم الإنسان، أو التي عانت من زمن الوصاية السورية. هل لاحظت كم هو ضئيل عدد المشاركين في اعتصام وسط بيروت الأخير، وبدا الصوت ضعيفاً لإدانة تصريحات بعض المسؤولين الذين يفتنهم التفوق الجيني، ويتاجرون بـ«بعبع» التوطين، ويستسهلون تسعير العداء والحقد والكراهية ضد اللاجئين؟! نعم، كان المعتصمون قلة، لكن ما قاموا به يلقى كل الاحترام من جموع السوريين، يمدهم بالقوة؛ لأنهم أكدوا أن مأساتنا كشعبين واحدة، وجوهرها سيطرة طغمة أنانية، فاسدة وعنصرية وشعبوية على مصيرنا ومقدراتنا، ولأنهم لم يقفوا عند مساوئ اللجوء السوري والأعباء التي يخلفها على مجتمع مأزوم اقتصادياً كلبنان؛ بل يثيرون وجهه الإيجابي، إنْ في تحسين الإنتاج وحركة الأسواق، وإنْ بتدفق الأموال السورية إلى البنوك اللبنانية، واستثمارها في قطاعات اقتصادية، وإنْ بحجم المساعدات التي حصلت عليها الحكومة اللبنانية لتمكينها من احتواء اللاجئين.

لقد رفضت المشاركة في مقاطعة البضائع اللبنانية، التي دعا إليها منشور وُزع منذ أيام، لا أعتبر ذلك توجهاً صائباً، يجب ألا نرد على الأذية بأذية، فأصحاب المحلات الصغيرة من اللبنانيين هم مثلنا، لهم عائلات وأطفال يعولونهم، ونعاني معاً من ارتفاع تكاليف الحياة اليومية وشح الخدمات. لا ذنب لهم فيما نحن فيه؛ بل من يعادوننا معروفون، منهم من ذهبوا بأسلحتهم إلى المدن السورية المتمردة كي يخضعوها ويقتلوا خيرة شبابها وكفاءاتها، ولديّ حكايات مؤلمة عما فعلته ميليشيا «حزب الله» هناك، ومنهم من يؤيدون النظام السوري ويشجعون على تطبيع العلاقات معه، ويضغطون لترحيل اللاجئين، ضاربين عرض الحائط بالمعايير الأممية لعودتهم الطوعية والآمنة من دون قسر أو إكراه، ومنهم من سال لعابه لجني أرباح مما تسمى «إعادة الإعمار» أو كان همه الرئيس ابتزاز المجتمع الدولي والبلدان العربية، في قضية اللاجئين، علاوة على ابتزاز اللاجئين أنفسهم، ومنهم ديماغوجيون وشعبويون يخوضون معاركهم السياسية والانتخابية عبر التلاعب على محنتنا، يحاولون الهروب من معالجة الأسباب الحقيقية لأزمات مجتمعهم، وتغطية امتيازاتهم وفسادهم عبر تأجيج العنصرية اللبنانية، وإثارة غرائز السكان المعوزين ضد اللاجئين السوريين، باعتبارهم أساس الداء والبلاء، وتحميلهم أوزار الفوضى والفساد والتردي الاقتصادي والاجتماعي والأمني، وحتى تلوث الهواء وأزمة القمامة.

يعيد إمساك يد طفلته الصغيرة بقوة، يحاول الحد من حركة رأسها الصغير الذي لا يهدأ وهي تنظر نحو البعيد، يتمعن في ساعته، ويعيد التأكد من الوقت... لقد تأخرت زوجته، يأمل ألا تكون قد تعرضت للأذى، فهي تعمل خادمة لدى أسرة ميسورة في القرية المجاورة. صار قلقه يزداد عليها بعد قرارات منع تجول السوريين مساءً. لا يزال يتذكر ما حل منذ أيام بأحد اللاجئين الذي تعرض لضرب مبرح بذريعة خرق منع التجول. تُرك على قارعة الطريق حتى صباح اليوم التالي، لم يسمحوا لأحد بإسعافه أو نقله إلى بيته، فهل من هدف وراء هذا الحقد والقسوة سوى الإمعان في إرهابنا وإجبارنا على الرحيل؟!

يتابع، والألم يخنق صوته، لقد تواترت الضربات الغادرة علينا من كل اتجاه، لتمعن في إذلالنا واضطهادنا، ولمَ لا، ما دام العالم كله قد خذلنا وأظهر عجزاً وربما تواطؤاً في وقف العنف المتمادي وحماية المدنيين، وتركنا لقمة سائغة أمام أشنع وسائل الفتك والتنكيل، وما دام يجري على قدم وساق التوظيف المغرض والمبالغة في تعميم مسلكيات بعض اللاجئين غير المنضبطة أو المسيئة للقانون، وتحميلنا مسؤولية كل اندفاعة إسلاموية إرهابية فوق الأراضي اللبنانية، لكون كتلتنا الرئيسة تنتمي إلى مذهب تلاحقه أينما حل لعنة الإرهاب. والأنكى، ما دام النظام السوري ذاته، أساس تفاقم محنتنا ومعاناتنا، يأبى الاعتراف بوجودنا، ويجاهر بلا حياء، بأن لا مكان لنا أو حقوق في مجتمعه المتجانس!

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com