العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-06-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حرب 67: روايات النصر/ الهزيمة السورية

أنس أزرق

العربي الجديد

الخميس 4/6/2020

هناك الكثير من التحليل والنقاش السياسي حول نتائج حرب يونيو/حزيران 1967 على الجبهة السورية، ولكن من النادر أن تقع على ما يؤرخ مجريات هذه الحرب وتفاصيلها.

لقد كُتب الكثير، ولا سيما من معارضي النظام بعد استتباب الحكم لحافظ الأسد، ومنهم من كان في قيادة الحزب والدولة أثناء حرب يونيو/حزيران 1967 على الجبهة السورية، عن بيع الجولان وبيان تسليمه الموقّع من وزير الدفاع حافظ الأسد، الذي أعلن سقوط القنيطرة قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها، وعن دور حزب البعث وقيادة الجيش في هذه الصفقة، ولكن تفاصيل الميدان بقيت مكتومة ومبثوثة هنا وهناك.

أبرز ما نجده كتاب "سقوط الجولان" لمؤلفه خليل مصطفى، وهو ضابط سوري شغل موقع رئيس الاستطلاع العسكري في الجولان لمدة خمس سنوات وسُرّح من الجيش بعد انقلاب البعث في 8 مارس/آذار 1963، وانتهى، بعد خطفه من لبنان، مسجوناً في زنزانات حافظ الأسد إلى أن مات بسبب هذا الكتاب.

سنجد فصلا أيضاً في كتاب "مسيرة تحرير الجولان" للعميد رزق إلياس، والذي شارك في حرب 67 برتبة نقيب قائداً لكتيبة 102 استطلاع، في منطقة خان أرنبة شرق القنيطرة، كاحتياط مضاد للإنزالات الجوية المعادية. وهو يعكس وجهة نظر من بقي مع حافظ الأسد، ويتناول ما جرى سريعاً ومن دون خوض في التفاصيل.

ما سنجده أيضاً بعض شهادات موجزة كشهادة وزير الإعلام أثناء الحرب، محمد الزعبي، والمتركزة حول بيان 66، وشهادة أخرى لمروان حبش، عضو القيادة القُطرية، قبل انقلاب حافظ الأسد، في كتابه المخطوط "البعث وثورة آذار".

وأما أبرز ما كُتب في التحليل السياسي والمراجعة النقدية، فهو ما كتبه سامي الجندي؛ سواء في كتابه المهم "البعث" أو كتابه الآخر "أتحدى وأتهم".

كتاب "سقوط الجولان": ما جرى لم يكن حربا وإنما مؤامرة متقنة وجريمة مدبرة أعدت على سنوات

تتأتى قيمة كتاب "سقوط الجولان" من نشره خطة العمليات الموضوعة عام 1961، وكشفه لتحصينات الجبهة وتموضع القوات العسكرية، مما يجعل سقوط مرتفعات الجولان بسبب جغرافيتها مع وجود هذه القوات والتحصينات أمراً صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، ولذا يرى أن ما جرى "لم يكن حربا وإنما مؤامرة متقنة وجريمة مدبرة أعدت على سنوات".

وهذه الجريمة، برأيه، نُفذت على قسمين: قبل تسليم الجولان ومنذ بداية الانقلابات العسكرية، ولاسيما انقلاب 8 آذار 1963. والقسم الثاني في 5 حزيران 1967، وانتهى بالبيان 66 معلنا سقوط الجولان.

وفي التحضير لتسليم الجولان، يتحدث المؤلف عن إضعاف الجيش السوري وتحويله إلى "جيش مراهقين" بسلسلة انقلابات بلغت عشرة انقلابات، فضلاً عن حركات تمرد وعصيان كثيرة "تم خلالها إقصاء وتصفية الكثير من كوادر وضباط الجيش، بلغت ذروتها مع انقلاب آذار؛ حيث سُرح أكثر من ألفي ضابط ضمن سلسلة طويلة جدا من قرارات التسريح والسجن والمحاكمة والإعدام والقتل سراً، شملت أكثر من 85 بالمائة من ضباط وعناصر الجيش. ورُقي الكثير من ضباط الصف إلى ضباط، وتم تشكيل وحدات طائفية". كما تم ترفيع الكثير من الضباط البعثيين دونما تأهيل، كما حصل مع أحمد سويداني وصلاح جديد وحافظ الأسد، حين رُفّعوا من رتبة مقدم إلى لواء.

ويتابع المؤلف "كان الجيش عشية الحرب في أسوأ حال عرفها منذ إعادة تشكيله عام 1955. وكان الجنود بلا طعام، لأنه تم سحب أطعمة الطوارئ قبل الحرب بحجة تبديلها.

أما أثناء التنفيذ، فيتحدث عن عدم الالتزام بخطة العمليات، حيث "أوامر الدفاع في الجبهة لا تتيح الانسحاب بأي شكل".

يسرد المؤلف خطة العمليات التي لم يتم الالتزام بها خلال الحرب، كما لم يتم إعلان التعبئة العامة.

كانت الجبهة محصّنة بشكل ممتاز "كل شبر من أرضها مضروب بالنيران، وكل ثغرة بين موقعين دفاعيين محمية بالألغام". وكانت خطة العمليات تقضي بأن "النيران محضرة لتنفذ من قبل أنساق متتابعة من القوات، مضافا إليها نيران المدفعية من كل عيار ومن كل المستويات، ونيران الصواريخ ونيران الطيران.. والهجمات المعاكسة والملاغم".

لم تنسف هذه الملاغم نهائيا، مما كان سيعيق الهجوم الإسرائيلي، حيث الطرق والمحاور في الجبهة قليلة والأراضي شديدة الوعورة.

وكانت الجبهة محمية بالملاجئ أيضا، ومنها ملاجئ تقي نسبيا من القصف الذري المحدود والكيميائي، وقد طورت منذ عام 1958 على يد الخبراء السوفييت.

يوميات الحرب

يبدأ المؤلف القسم الثاني من كتابه بإيراد تصريح لوزير الدفاع حافظ الأسد لجريدة الثورة في 20 مايو/أيار عام 1967، قال فيه: "إن الوقت قد حان لخوض معركة فلسطين، وإن القوات السورية أصبحت جاهزة ومستعدة، ليس فقط لرد العدوان الإسرائيلي، وإنما للمبادرة لعملية التحرير ونسف الوجود الصهيوني... إننا أخذنا بعين الاعتبار تدخّل الأسطول الأميركي السادس".

الاثنين 5 حزيران: لم تحرك القوات السورية على الجبهة ساكنا، وقام الطيران بقصف مواقع في فلسطين المحتلة.

الثلاثاء 6 حزيران: قامت المدفعية السورية بقصف غزير استمر أيام 6 و7 و8، حتى بدا للناظرين أن "شريط المستعمرات المقابل للجبهة قد غطي بالقنابل وشوهدت الحرائق تتصاعد لمدة خمسة أيام".

أعطيت بعض الوحدات أوامر الهجوم، ومنها احتلال مدينة صفد، وبالفعل قامت وحدات الهندسة بتركيب الجسور فوق نهر الأردن، إلا أن الطيران المعادي قام بقصف هذه القوات 14 ساعة متواصلة، مما أدى إلى سحق هذا "الهجوم الفاشل" قبل بدئه.

احتلال صفد اقتصر على "تصوير مشاهد تلفزيونية للدخول إلى مستعمرة شرياشوف التي فُرغت مسبقا من قاطنيها".

رفض المقدم عزت جديد، قائد اللواء المدرع 44، التقدم والقتال مؤْثراً الانسحاب إلى دمشق دفاعا عنها بعد اتصالات مع صلاح جديد وحافظ الأسد.

لم يظهر الطيران في سماء المعركة، واكتفى بطلعات فوق سماء فلسطين المحتلة وقصف بعض المواقع.

أعلنت إذاعة دمشق إسقاط أكثر من 150 طائرة، في حين صرح العدو أن سورية خسرت نصف طائراتها المائة.

وزير الخارجية إبراهيم ماخوس قال للسفراء المعتمدين في دمشق: "إن طائرات إنكليزية هي التي تقصف مواقعنا، ولكن المعارك تسير لصالحنا".

الأربعاء 7 حزيران:

أذاع راديو دمشق في الثالثة صباحا أنه من المتوقع أن تصل القوات السورية إلى صفد لتلتقي بالقوات الأردنية الزاحفة.

مساء بدأ هروب القادة، فهرب اللواء أحمد سويداني، رئيس الأركان، عن طريق نوى، وكذلك قائد الجبهة العقيد أحمد المير على ظهر حمار، لأن الطيران الإسرائيلي كان يقصف أي مركبة. وحين اتصل به بعض ضباطه، أجاب: "أنا لست قائد الجبهة، اتصلوا بوزير الدفاع". ولما اتصلوا بوزير الدفاع حافظ الأسد، أجاب بأنه قد أخذ علما بالوضع واتخذ ما يلزم.

بقيت الإذاعة تعلن عن إسقاط طائرات إسرائيلية، في حين أعلن متحدث رسمي إسرائيلي أن القوات السورية تنسحب الآن باتجاه دمشق.

الجمعة 9 حزيران:

تمكنت القوات الإسرائيلية من اختراق الجبهة السورية في القطاعين الأوسط والشمالي.

وافقت سورية على وقف إطلاق النار، ولكنها أوضحت أن إسرائيل لا تلتزم بذلك، وناشد مندوب سورية في الأمم المتحدة جورج طعمة منع إسرائيل من غزو سورية.

السبت 10 حزيران:

أذيع حوالي 9:30 صباحا البيان 66 بتوقيع وزير الدفاع حافظ الأسد، والذي يقول إن القوات الإسرائيلية استولت على مدينة القنيطرة، في حين أن المؤلف وغيره يؤكدون أن القوات الإسرائيلية لم تدخل القنيطرة إلا بعد حوالي 17 ساعة من إذاعة البيان.

بعد ساعات من إذاعة البيان 66 صدر بيان عسكري آخر أن القتال ما يزال يدور على أطراف القنيطرة.

وصلت القوات الإسرائيلية إلى سعسع، على بعد 36 كلم من دمشق.

هروب كتائب الرائد رئيف علواني والنقيب رفعت الأسد تجاه دمشق.

تُرك كل شيء في المدينة والجبهة غنيمةً للعدو، من مستودعات السلاح إلى أموال البلدية وفرع البنك الحكومي الوحيد في المدينة.

غادرت قيادة الحزب والدولة دمشق إلى حمص.

الأحد 11 حزيران:

أصدر وزير الدفاع بيانا قال فيه: "إن القوى غير المتكافئة بيننا وبين العدو الثلاثي وخاصة الطيران الغزير، مكّن العدو من اختراق خط دفاعنا الأول في القطاع الشمالي في محاولة لتطويق قواتنا. ولقد قاومت قطعاتنا هذه الخطة بوعي وأحبطتها، ولم تمكن العدو من تنفيذ خطته، وقاتل جنودنا قوات العدوان الثلاثي المتفوقة ببسالة لم يشهد لها مثيل. وهم يتمركزون الآن في خط الدفاع الثاني، متحفزين لاستعادة كل شبر من أرض الوطن".

الاثنين - الثلاثاء 12-13 حزيران

الخطاب الرسمي السوري أن سورية حققت انتصارا بعدم سقوط نظامها التقدمي.

وزير الاعلام محمد الزعبي: خسرت سورية 20 ضابطا و125 جنديا، وجُرح ما يقارب 900 عسكري ومدني، ونزوح حوالي 45 ألفا من السكان.

أسرت إسرائيل 5499 عربيا، منهم 333 أسيرا سوريا، في حين أسر العرب 16 جندياً، منهم طيار واحد في سورية.

لم يسمح محافظ القنيطرة عبد الحليم خدام قبل الحرب وأثناءها للمدنيين بمغادرة البلد، مهددا إياهم بالإعدام، في حين قام بترحيل عائلات البعثيين قبل أسبوعين من الحرب.

رسم تاريخ سورية

لا تنتهي الأسئلة حول هزيمة 1967 على الجبهة السورية، لأنها رسمت تاريخ سورية لعقود طويلة. وبسبب نتائجها وملابساتها استولى حافظ الأسد على السلطة، ومن ثم قام بتوريث ابنه.

ما زالت الكثير من التفاصيل ضائعة، ومنها لماذا أصدر حافظ الأسد البيان 66؟ ولماذا أعقبه ببيان ثان؟ لماذا سكت عنه رفاقه في الحزب والدولة واكتفوا بالسكوت أو الهمس؟ هل ترك ضباط الجبهة أوراقا أو شهادات مثل السويداني والمير وعلي أصلان الذي كان قائد اللواء 8 مشاة في القطاع الأوسط، ونشأت حبش رئيس قسم الاستطلاع، وهو شقيق مروان حبش عضو القيادة القُطرية أيام الحرب، واللواء عواد باغي نائب رئيس الأركان والعميد عبد الرزاق دردري مدير العمليات غيرهم؟ ما دور قيادة 23 شباط في ذلك، ومنهم رئيس الدولة نور الدين الأتاسي ورئيس الوزراء يوسف زعين والأمين القُطري اللواء صلاح جديد وغيرهم؟

هل شكلت لجنة تحقيق مدنية أو عسكرية أو حزبية؟

قيل الكثير من نقاشات وخصومات حزبية انتهت بانقلاب الأسد على رفاقه، ولكنّ أحدا لم يكشف ما جرى حتى الآن.

===========================

موقفنا : في سورية الثورة ...

زهير سالم

مركز الشرق العربي

٧/ ٦ / ٢٠٢٠

لماذا لم تنتظم لآلئ العلمانيين ، والليبراليين ، والقوميين ، في عقود أو في عناقيد ...؟!

سؤال مازال يفرض نفسه على الساحة السورية منذ مطلع هذه الثورة المباركة .

لماذا استطاع عفلق والبيطار والحوراني وأنطون سعادة وغيرهم ما لم يستطعه الأساتذة الثوريون منذ انطلاقة الثورة حتى اليوم ؟!

وبعد إعلان دمشق الذي صهره حر المِحنة ، لم تشهد الساحة السورية تجمعا موازيا ، أو مكافئا ؛ على قواعد أوسع أو أضيق .

ويبقى في أذهاننا في عصر الثورة عنوان ما سمي بالمنبر الديمقراطي ، الذي سررنا به أياما ، ثم قيل : عنقود وانفرط ..

عند بائع الفاكهة في بيئتنا تخسر حبات العنب المتساقطة من عناقيدها تسعة أعشار قيمتها ، وأحيانا تكون حبات الفراطة مثل حبات الملبس زهوا وجمالا وتماسكا ولكنها ، تظل تسمى فراطة عنب .

للحياة الفردية مباهجها ، وللحياة الجماعية أعباؤها . ولا يشترط أن تكون واسطة العقد حتى تنتظم في العقد .

وكان من جميل ما حفظت :

صدر المجالس حيث حلّ لبيبها

فكن اللبيبَ وأنت صدرُ المجلس

العمل السياسي عمل جماعي . كل التجارب العالمية من حولنا تتحدث عن أحزاب أو كتل تحكم . حتى ماكرون الذي قفز إلى الرئاسة الفرنسية من خلفية " غير " بدأ بتشكيل تجمع جديد .

هذا الانتقاد للحياة العامة السورية ليس سلبيا ، هذا الانتقاد لوضع لبنة في إطارها الوطني الإيجابي .

ولئن ينجح في سورية أي فريق وطني ثوري " غير " خير من أن نخسر جميعا . كما هو واقع الأمر يوما . حتى في الطريق إلى حبل المشنقة يتدافعون .

ونعود للسؤال لماذا ؟!

لماذا لم نشهد في سورية تجمعات أو تكتلات أو أحزابا حقيقية تحمل مشروعات وطنية متكاملة لسورية قومية ؟ أو علمانية ؟أو ليبرالية ؟!

وأول إيجابية لهذا ، أن تشعر هذه الشخصيات الوطنية ، ببعض القوة ، التي تقنعها عن تهوين أمر الآخرين .

ويمتلئ الانسان بالثقة عندما يتكلم بلغة " نحن " وليس بلغة " أنا "

وبدلا من أن يظل الإنسان يندد بدبس غيره الحامض ، ينشغل بالتسويق لقرص عسله : بشهده يا عسل .

ليسمح لي أصدقائي من القوميين والعلمانيين والليبراليين ؛ فإن ضريبة العيش الجماعي ليست سهلة . حتى الأشقاء في البيت الواحد عندما يغيب والدهم يتناقضون . لا أحد يستطيع أن ينفي التناقض عن حياة الناس . " جهنم هي الآخر " كذا يقول جان بول سارتر .

ولكن للخروج من درك النار الأسفل " تحت نير بشار الأسد " ضريبة أن يصبر بَعضُنَا على بعض ولو حتى حين .

في القرآن الكريم ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ) آية نستطيع أن ننزلها على كل الأبعاض ؟ وفيه " وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض " فلم تخل حياة جماعية من بغي .

غياب التجمعات المتناظرة ، وإن لم تكن متكافئة ، يقنع أصحاب هذه التجمعات بأنهم أصحاب مشروع ، وأن لهم ببعضهم قوة ، وأن عملهم الأساس الإقناع بمشروعهم ، وليس التنديد بمشروعات الآخرين .

كموقف أبوي نحب لكل الأفراد الصغار أن يكبروا ، ونهمس في آذانهم : تحطيم الآخرين لا يكبر أحدا ، ومن يريد الارتفاع على أنقاض الآخرين يظل ملتصقا بالأرض .

وكموقف وطني نحب لكل من يبشر بمشروع عدل ومساواة وكرامة أن يتقدم . ولن يتقدم من كان سهمه الأول في اتجاه رديفه الذي يليه .

في صفنا الوطني مشكلة مجتمعية لا تخفى . وعندما أرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن ، لم يأمّر أحدهما على الآخر ، بل نصحهما بالقول : تطاوعا ولا تختلفا . ففي الإدارات والقيادات الجماعية غنى ..

وعندما يشعر الأفراد بوحدانيتهم إزاء تجمع كبير يصبح وسواسهم القهري في محاربة هذا التنظيم

أيها الرفاق .. أيها الزملاء .. أيها الأصدقاء توحدوا واجتمعوا وتعاونوا لينتصر مشروع العدل والمساواة في وطننا . والساحة بحاجة إلى جهدكم الإيجابي في البناء وفِي الهدم على محور الجهد الرئيس .

وأنا رجل يُؤْمِن أن كل ما دون العدل والمساواة تفصيل ..

يتحدث الكثيرون عن إخفاق من يسمونهم "الإسلاميين " وليس المقام لمناقشة ذاك .

ولكن لو كان لغيرهم مشروع غير التخويف منهم لكانت سورية اليوم بألف خير .

ولو انتظموا في عقد أو في عنقود ثم اتفقوا على مشروع ثم بشروا به لعلهم كانوا يفلحون

آخر ما أنهي به : أن النيل من الآخرين بحق أو بباطل ليس مشروعا ..

وقد أكثرت وأنا أنقل لأهل الإسلام أن لعن إبليس ليس عبادة .

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

فوضى الفصائل السورية

بشير البكر

سوريا تي في

الاربعاء 3/6/2020

لم يعد الوضع مقبولا في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتي تنتشر فيها الفصائل المسلحة في محافظة إدلب ودرع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام.

وتعيش هذه المناطق حالة من الفلتان الأمني والتجاوزات ضد السكان. ولا يمر يوم من دون انتهاكات يدفع ضريبتها المدنيون. وتتنوع الانتهاكات. منها الاعتقالات والمحاكمات الصورية وزج المواطنين في السجون الخاصة، وكم الأفواه، وفرض أنظمة قمعية تستهدف الناشطين والنساء. ولا يقف الأمر عند هذا الحد فهناك الحروب بين الفصائل التي صارت تتكرر على نحو شبه يومي في وسط المدنيين، ومن ثم هناك تعديات الفصائل على السكان وعلى أرزاقهم وبيوتهم وحرياتهم. وكل هذه المظاهر تندرج تحت ما يُسمى ممارسات أمراء الحرب.

يعيش المواطن السوري في هذه المناطق وضعا مزريا فهو ضحية لتجاوزات الفصائل من جهة، وحرب النظام وروسيا وإيران التي هجرت الملايين من بيوتهم، من جهة ثانية. هذا بالإضافة إلى الوضع المعيشي السيء والغلاء الفاحش. وباتت الغالبية العظمى من الناس لا تقدر على تأمين خبزها اليومي، ولا تحصل على الحد الأدنى من حصة الصحة والتعليم والنظافة، وهناك أكثر من مليون يعيشون في مخيمات عشوائية تفتقر لأبسط شروط الحياة، ويعز فيها حتى الماء الصالح للشرب.

ويبدو من متابعة دقيقة للوضع أن صبر الناس على هذه الفصائل قد نفد، وفي حال لم تتحرك تركيا والائتلاف لضبط الوضع وإنهاء الفلتان، فإن النتائج سوف تكون سلبية جدا، وستذهب الأوضاع نحو مزيد من الـتأزم وهذا سوف يقود إلى الانفجار في منطقة مكتظة بالبشر والسلاح، ومثال ذلك ما حصل الأسبوع الماضي حين اعتدى فصيل "الحمزات" على مهجرين من الغوطة الشرقية، وكادت تحصل مذبحة لولا تدخل الجيش الوطني.

ومن دون شك هناك مصلحة أساسية للنظام في اللعب على الاستقرار في هذه المناطق، وكلما اهتز الوضع  كسب النظام. وتحدثت أنقرة أكثر من مرة عن أعمال تخريب قام بها حزب العمال الكردستاني. وفي ذات الوقت تؤكد المعارضة معلومات بأن النظام يقوم بالتخريب، ومن غير المستبعد مسؤوليته عن إرسال المفخخات إلى هذه المناطق، الأمر الذي يضاعف مسؤولية تركيا وهيئات المعارضة السورية من أجل السهر على أمن هذه المناطق وتحصينها بوجه مخربي الداخل قبل الخارج.

وإزاء هذا الوضع المزري هناك عدة ملاحظات يمكن تسجيلها هنا: الأولى هي أن كافة الفصائل التي ترتكب الانتهاكات تنتشر في المناطق التي تقع ضمن مناطق النفوذ التركي، والتي توجد فيها قوات تركية وأخرى من الجيش الوطني التابع للحكومة السورية المؤقتة التي تعد جزءا من الائتلاف الوطني. والملاحظة الثانية هي أن غالبية الفصائل تتبع ما يسمى الجيش الوطني، باستثناء هيئة تحرير الشام، التي تقيم ما يشبه إمارة خاصة لها في محافظة ادلب، وتتصرف كدولة مستقلة.

وأما الملاحظة الثالثة فهي، أن معظم هذه الفصائل أبعد ما تكون عن أهداف الثورة السورية، ومن خلال التدقيق في تركيبتها، يتبين أن حمل البندقية في هذه المناطق صار وظيفة تدر دخلا أفضل من بقية الوظائف، وليس من أجل الدفاع عن الشعب كما حصل في الأيام الأولى للثورة.

ما يحتاجه السوريون في هذه المناطق هو الخلاص من هذه الفصائل بأي شكل من الأشكال، وتقع المسؤولية الأولى على الدولة التركية صاحبة التأثير والنفوذ والتمويل، في وضع حد لأعمال التجاوزات والاعتداءات على المدنيين، وتدمير ما تبقى من روح ثورية ضد النظام السوري. وحتى تثبت تركيا جدية في مواجهة العبث بمصير هذه المناطق، فإنها مدعوة كخطوة أولى إلى وقف كافة المسؤولين عن هذه الأعمال وإبعادهم عن المنطقة نهائيا. والمسؤولية الثانية تقع على الائتلاف والحكومة المؤقتة ووزارة الدفاع للتصرف بحزم من أجل الضرب بيد من حديد على الزعران الذين حولوا حياة الناس إلى جحيم، وعلى وزارة الدفاع التعاون مع تركيا لإنجاز هذه المهمة الصعبة. وتقع المسؤولية الثالثة على وسائل الإعلام المعارضة أو المحسوبة على خط المعارضة لفضح التجاوزات والتنديد بمرتكبيها.

===========================

مدن الشام فارغة وأهلها يرقبونها من خيامهم

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 3/6/2020

لم تكن لتتخيل عائشة وفاطمة وأحمد للحظة أن يحلّ بهم ما حلّ في أول عيد يمضونه خارج البيت الذي ضمهم لسنوات، فجأة وجدوا أنفسهم في خيام رثّة على الطريق الرئيسي الواصل بين اللاذقية وحلب، ليرقبوا من بعيد مدينتهم الجميلة سراقب وبيوتهم الأجمل فيها، لطالما كانت العائلة من الأب والجد يروون لهم ذكرياتهم في بيوتهم العربية التي تحفّها أشجار الزيتون والبرتقال والليمون، قبل أن يخلدوا إلى نومهم، ها هي البيوت يشير إليها أخوهم الأكبر وهي التي لا تبعد الآن سوى كيلو مترات عنهم، مثل عائشة وفاطمة وأحمد تجمع عشرات الآلاف ليلة العيد على الطريق الرئيسي هذا، يرقبون دورهم، بعضهم يرقبه بالعين المجردة، والبعض الآخر أحضر مناظيره التي يحتفظ بها كثيرون، ليقرّوا أعينهم بمرابع الطفولة والصبا، فقد غدت كالمفاتيح التي خرج بها اللاجئ الفلسطيني عام 1948 أمام بني صهيون.

لقد غدا الأوتوستراد الرئيسي اليوم ماركة مسجلة لدوريات مشتركة تركية مع روسيا، في غياب أي حركة للبشر، بينما تقطعت السبل بين جنوب الطريق وشماله، وكأنه خط سايكس بيكو يُرسم من جديد، والأصعب من ذلك كله هو خشية من هم جنوب الطريق من أن يتوجب عليهم بعد فترة الهجرة والشتات، إن تم ضم مناطقهم للعصابة الطائفية المدعومة من الاحتلال الروسي، فكما خرج أهالي معرة النعمان وخان شيخون وسراقب وغيرها مصوّتين بأقدامهم، سيخرج هؤلاء إن اقتحم النظام وسدنته من المحتلين مدنهم وقراهم، ومثل هذا التفريغ السكاني الرهيب الذي يحصل لمدن سنّية عريقة في الشام بصمت وتواطؤ دولي غير مسبوق.

أكثر من مليون ونصف المليون تركوا مدنهم وقراهم بحجة فتح الأوتوسترادات أثناء الحملة الأخيرة، فهل هذه الأوتوسترادات لخدمة البشر، أم لخدمة دوريات عسكرية تضم سيارات وعربات ودبابات، لكن ما يؤلم أكثر بالنسبة للمشردين الساكنين في خيام رثة، أن أنيسهم فيها غدا العقارب والأفاعي، فيومياً يقتل ساكنو الخيام أفاعي وعقارب غدت كوابيس حقيقية لأطفال يعيشون في خيام بعيداً عن أبسط متطلبات واحتياجات البشر.

ومع هذه الحياة الرهيبة التي يعيشها المشردون في الخيام والمخيمات، تردهم الأنباء عن قيام الطائفية تحت سمع العالم وبصره بنهب بيوتهم وسرقتها وتعفيشها، بالإضافة إلى نهب مساجدهم كما حصل في مسجد كفر نبل الكبير، حيث انتزعوا حديد سقف المسجد، فضلاً عن أثاثه، ثم دمروه تماماً، وعلى بعد منه تم تدمير ضريح الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ونبشه، في سابقة خطيرة لم تعهد من قبل في العصر الحديث، بينما كان ينبغي أن تتخذ منظمة اليونسكو موقفاً تجاه المكانين.

أما قبور شهداء الثورة السورية في المناطق التي احتلتها العصابات الطائفية في حريتان وسراقب وخان السبل ومعرة النعمان وغيرها فقد تم تكسير شواهدها، والعبث بها، ووصل الأمر بطريقة لم يتخيلها بشر، أن استخرج أحدهم جمجمة شهيد ليعبث بها وسط قهقهات وضحكات من أحاطوا به من الشبيحة والطائفيين وهم يدخنون الأرجيلة.

تعود عائشة وفاطمة وأحمد إلى مخيمهم بعد يوم من المفترض أن يكون عيداً، لكنه تحول إلى يوم حزن وخوف وقلق من المستقبل، فقد جمعهم الأوتوستراد الدولي، لكنه أوتوستراد لم يعُد لهم، ولم يعُد لساكني المخيمات، فهذا الأوتوستراد هو الذي اقتلعهم من أرضهم، وها هم اليوم لا يعودون إليه إلا للمظاهرات والاحتجاجات، إن نجحوا في الوصول إليه، لقد بات لعنة لا نعمة لهم.

===========================

هل أدار بوتين للأسد ظهر المِجَنّ؟

آلان حسن

العربي الجديد

الاربعاء 3/6/2020

عديدة هي المحطات المفصلية التي مرت بها فصول الحرب السورية منذ العام 2011، وقد شكّلت مواقف روسيا الاتحادية أحد أهم فصول المحطات تلك، بدءاً من استخدامها، وحليفتها الصين، الفيتو المزدوج الأول في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2011، ضد قرار صاغته وتقدمت به إلى مجلس الأمن، الدول الغربية، ويدعو إلى إدانة الحكومة السورية، وفرض عقوبات عليها، مروراً بالسعي الخليجي المستميت لإرضاء الكرملين مالياً، وعقد صفقة معه مقابل التخلي عن حليفه السوري، وليس انتهاءً بالتدخل العسكري الروسي لصالح الحكومة السورية في سبتمبر/ أيلول 2015.

راهنت المعارضة السورية على إحداث تغيير ما في الموقف الروسي، مستندة إلى أمثلة متشابهة، كانت موسكو تعارض الرغبات الغربية في المنطقة، وتضطر، في نهاية المطاف، إلى القبول بما تمليه هذه الدول، في مقابل مكاسب قليلة تتناسب والوزن النوعي الروسي في السياسة الدولية آنذاك، لكن روسيا بوتين غير تلك التي عرف عنها في الحقبة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990، فروسيا اليوم تمسك بخيوط ملفات عديدة في المنطقة والعالم، وتقيم تحالفات استراتيجية مع أقطاب اقتصادية وعسكرية، تجعل من ليّ ذراعها مهمةً أشبه بالمستحيلة.

أعطى التدخل العسكري الروسي في سورية فرصة للحكومة السورية، كي تتنفس الصعداء، بعد سلسلة هزائم على يد المعارضة المدعومة من محور الدول الخليجية وتركيا، إضافة إلى دعم واشنطن وباريس، ضد الجيش السوري الذي يسانده كل من إيران وفصائل موالية لها.

تدرك دمشق أن الدفاع الروسي المستميت عنها نابعٌ من مصلحة استراتيجية روسية، تهدف إلى البقاء في المياه الدافئة في البحر المتوسط، والحفاظ على الوجود العسكري الوحيد لها في منطقة الشرق الأوسط، في مقابل سيطرة الولايات المتحدة على كبريات الدول النفطية في المنطقة. وقد ساهم التشبيك الروسي مع الدول المؤثرة في الملف السوري في طمأنة هواجس الحكومة السورية من جهة متانة موقف موسكو من قضية البقاء في سورية، الأمر الذي ساعدها على الاستفادة من هامش مناورةٍ أوجدته لنفسها في مسار الأحداث في سورية، وإيجاد نوع من التوازن بين الحليفين اللدودين، موسكو وطهران.

منّت المعارضة السورية نفسها بتحول الخلافات الروسية الإيرانية في سورية إلى خصام ينتهي 

"يبدو الرهان على تغير الموقف الرسمي الروسي من القيادة السورية محض خيال"بتحول موقف موسكو إلى الضفة المقابلة، والبحث عن بدائل عن النظام الحاكم، وإيجاد توافقات معها على مستقبل سورية بدون أي وجود أو تدخل إيراني في مستقبل سورية.

وليست سياسة المواءمة التي تتبعها الحكومة السورية في إدارة الاختلافات بين حليفيها الرئيسيين، مهمة سهلة، فواضح أن روسيا الاتحادية قد أعطت تعهداً إلى الدول الفاعلة في المشهد السوري، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والعربية السعودية، وكذلك إسرائيل، بالحد من النفوذ الإيراني المتعاظم داخل سورية، وإبعاد أي سطوة من طهران داخل منظومة الحكم السورية، مقابل قبول تلك الدول بشرط خروج كل القوى الأجنبية التي دخلت الأراضي السورية بعد عام 2011 ، أي استثناء روسيا من هذه الدعوة، وهو ما أكد عليه المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري في تصريحات صحافية قبل أيام.

وتبدي موسكو انزعاجاً من خروق من الحكومة السورية لتفاهماتها مع أنقرة في ظل مسار أستانة العسكري، خصوصاً في محافظة إدلب، حيث تتقاطع مصالح دمشق مع بعض الدول الخليجية، وخصوصا كلاً من الإمارات والسعودية في تشتيت قوة تركيا، التي تحارب، أصالة وبوكلائها، في كل من ليبيا وسورية. وتعارض المصالح الاقتصادية بين وكلاء موسكو وطهران داخل أركان السلطة في سورية من العوامل التي ساهمت في زيادة الشقاق بين الرؤيتين الروسية والرسمية السورية في مقاربة الأولى سبل حل الأزمة السورية، وهو ما يمكن استشفافه من تناول وسائل إعلام روسية مستقبل العلاقة مع القيادة السورية، والتشكيك بقدرة بشار الأسد على قيادة البلاد في المستقبل، في ظل الفساد المستشري داخل كل مناحي البلاد، والخلافات بين السلطة وأقطاب الاقتصاد، وفي مقدمتهم رجل الأعمال المتنفذ، رامي مخلوف الذي بات مطالَباً بالتخلي عن جزء من إمبراطوريته الاقتصادية التي بناها بتزاوج المال والسلطة، والحملات الرسمية السورية ضد عدد من كبار أصحاب رؤوس الأموال المقربين من السلطة، في ما وُصِف بـ "ريتز كارلتون" سوري، على غرار ما فعله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعدد كبير من أفراد العائلة المالكة في محاولة استخلاص جزء من ثرواتهم لصالح أركان العرش السعودي.

يبدو الرهان على تغير الموقف الرسمي الروسي من القيادة السورية محض خيال في ظل تشابك 

"حرص الروسي على عدم إعطاء المعارضة أي نصر معنوي"العلاقات بين الرئيسين، بوتين والأسد، ورمزية الرئيس السوري بالنسبة لمواليه، والحرص الروسي على عدم إعطاء معارضيه أي نصر معنوي فيما لو نُحّي الأسد عن مستقبل سورية، وبالتالي فإن التفسير الأكثر عملانية لحملة الضغوط الروسية إنما هي للضغط على القيادة السورية للتخلص من حالة التردد تجاه أخذ موقف حاسم من قضية النفوذ الإيراني في سورية، وهي رسالة شديدة اللهجة إلى الأسد أنّ عليه أخذ القرار المنتظر منه، وأن التأجيل يعني زيادة الضغوط إلى درجات أكبر، خصوصاً أن البلاد باتت على أعتاب انهيار اقتصادي كبير، وخصوصا بعد أزمة جائحة كورونا، ووباء مفاعيل قانون قيصر الذي سيبدأ تطبيقه الشهر المقبل.

===========================

{قانون قيصر} والمشهد السوري

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 3/6/2020

يبدأ بعد أيام العمل بقانون قيصر لحماية المدنيين السوريين لعام 2019 الذي وقعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2019، بعد أن وافق على مشروع القانون أكثرية أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس الأميركي، في خطوة كرست رغبة مشتركة لدى النواب لإحداث تحول في سياسة حكومتهم في الملف السوري وحوله.

القانون المستند إلى جرائم قتل المدنيين تحت التعذيب كما هو معروف، يتضمن فرض عقوبات أولها يطال كيانات وأفراداً في نظام الأسد، وثانيها يصيب المتعاملين بطريقة أو بأخرى مع النظام بادئاً بمن يشاركونه، وصولاً إلى من يقدمون له مساعدات أو دعماً مالياً أو تقنياً أو عسكرياً أو خدمات، مما يعني أن العقوبات سوف تطال دولاً وهيئات ومنظمات وشركات وأفراد، لكن أهم من ستصيبه المروحة الواسعة من العقوبات روسيا وإيران الغارقتين في العلاقة مع النظام.

وتراهن الإدارة الأميركية على تطبيق العقوبات لإحداث تحولات سياسية في القضية السورية، وهو ما أشار إليه السفير الأميركي المتابع للملف السوري جيمس جيفري بتأكيد أن العقوبات ستدفع النظام للذهاب إلى حل سياسي في سوريا، يستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي 2254. انطلاقاً من الوقائع القائمة حالياً عبر دعم وقف إطلاق النار في إدلب، ودفع اللجنة الدستورية للمضي في عملها، وتمهيد الطريق لانتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة. والتي يتطلع الأميركيون، أن لا يكون بشار الأسد بنتيجتها في الرئاسة السورية.

وللحقيقة، فإن هناك انقساماً في تقدير النتيجة العملية لما تمثله تطبيقات قانون قيصر من تطور في السياسة الأميركية حيال القضية السورية. فقسم رئيس من السوريين ومتابعي الملف السوري، يبالغون بما يمكن أن تحمله تلك التطبيقات مستندين إلى ما يتضمنه القانون في محتوياته ودلالاته، وما حظي به من اهتمام المشرعين والرئيس ورجالات الإدارة، ويضيفون إلى ذلك، أن القانون يفتح باب تعامل أميركي أكثر جدية في القضية السورية بعيدا عن أي إعاقات يملكها الروس وحلفاؤهم الصينيون في مجلس الأمن للاعتراض بالفيتو على أي قرار دولي يخص القضية السورية أو يتصل بها، وهو أمر لا يملكه أحد بصدد تطبيقات قانون قيصر الذي لا شك أنه سيوقع عقوبات بداعمي نظام الأسد والمتعاملين معه من دول وكيانات وأفراد، مما سيدفع كثيرين للسعي نحو التفاهم مع الأميركيين في القضية السورية وحولها، وبالتالي إحداث تحولات في المشهد السوري، تكسر صورته الراهنة، إن لم نقل بأنها سوف تبدله نحو الأفضل.

غير أن فريقاً آخر من السوريين ومتابعين للقضية السورية، يبدون تفاؤلاً أقل بما يمكن أن تفعله عقوبات قانون قيصر، ويرون أنها مجرد إضافة جديدة لسيرة أميركية طويلة من عقوبات، دأبت الولايات المتحدة بفرضها على دول وكيانات وأفراد كثيرين في العالم من بينها الأطراف الحاضرة والمتدخلة في القضية السورية وفي مقدمتها نظام الأسد وروسيا وإيران، ويشدد هؤلاء على أن إيران ونظام الأسد خاضعان للعقوبات الأميركية منذ أربعة عقود، وبدل أن يسقط أي منهما، فإنه تابع سياساته مظهراً المزيد من التشدد، ويتوقف هؤلاء عند عقوبات فرضها الأميركيون على إيران وبدل أن تتوقف عن ذلك، فقد أصبحت داعمة للإرهاب على نطاق أوسع، وتمارس إرهاب الدولة. ويضيف أصحاب هذا الموقف إلى ما سبق قوله، أن الدول التي تتعرض لعقوبات مثل روسيا وإيران وسوريا بنت سياستها وعلاقاتها على أساس تلك العقوبات، وعملت على سياسات البدائل سواء في علاقاتها الدولية أو في سياساتها الداخلية، الأمر الذي فتح بوابات تطور في مجالات معينة، كما حدث في المشروعين النووي والصاروخي الإيرانيين اللذين تأسسا وتطورا في ظل العقوبات، كما خاضت في ظل العقوبات حرب الثماني سنوات ضد العراق، وخاض نظام الأسد وإلى جانبه إيران وروسيا الحرب على السوريين في السنوات التسع الماضية، مما يجعل هذا الفريق من متابعي القضية السورية، يؤكدون أن احتمالات التأثير الإيجابي لقانون قيصر في الملف السوري طبقاً لما هو معروف وشائع في نظام العقوبات الأميركية سيكون محدوداً، وأن نتائجه السلبية سوف تظهر على الشعوب لا على الأنظمة التي ستجد بوابات هروب وتجاوز للعقوبات، وهو ما سوف تفعله بعض الشركات والأفراد أيضاً.

إن الأطراف التي يمكن أن تصيبها عقوبات قانون قيصر، سوف تسعى قدر إمكانها وعبر كل الطرق ومنها التخفي والكذب والغش، حتى لا تقع عليها العقوبات بشكل أو بآخر، وهو أمر بديهي، وهي ستسعى للتهرب من العقوبات، طالما أمكن ذلك، وجميعها بدأت موجة إعلامية - دعاوية ضد عقوبات قيصر بإعلان رفض العقوبات وعدم شرعيتها، ووصفتها بأنها تندرج في إطار سياسة عدوانية، وأنها لن تكون ذات جدوى وستفشل، وقد ظهرت الموجة عند الإيرانيين ونظام الأسد في خطوة استباقية لبدء تنفيذ قانون قيصر.

وسط كل الوقائع، التي تحمل وتؤشر إلى تناقضات حول النتائج المرتقبة لقانون قيصر، فإنه لا يمكن التسليم بعدم تأثير العقوبات على المشهد السوري الحالي نظراً للبيئة الدولية المحيطة، ولحالة الأطراف ذات العلاقة المتردية وخاصة إيران ونظام الأسد، التي باتت غارقة في أزمات سياسية وانهيارات اقتصادية واجتماعية عميقة، بالتزامن مع تصاعد في رغبة واشنطن وإسرائيل لإخراج إيران من سوريا، ولجم تمددها على الخط الواصل بين طهران والبحر المتوسط، الأمر الذي يعطي واشنطن فرصة تأثير يمكن أن يتصاعد إذا شددت الأخيرة من سياساتها وعقوباتها لتغيير المشهد السوري، خاصة أن موسكو لن تمانع التبدلات في سوريا، طالما تم الاحتفاظ بدورها الذي لا تمانعه واشنطن، وتوافق عليه إسرائيل.

===========================

نوايا روسيّة جديدة في سوريا

علي حسين باكير

سوريا تي في

الثلاثاء 2/6/2020

في ٢٥ مايو الماضي، عيّن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سفير موسكو لدى دمشق، ألكسندر يفيموف، ممثلا رئاسياً خاصاً لتطوير العلاقات الروسية مع سوريا. بعدها بعدّة أيام فقط، وقّع بوتين مرسوماً فوّض فيه وزارتي الدفاع والخارجية بإجراء مفاوضات مع نظام الأسد وذلك بغية تسليم العسكريين الروس منشآت إضافية وتوسيع سيطرتهم البحرية في سوريا على أن تكون هذه الترتيبات الجديدة مكمّلة للاتفاقية التي تمّ عقدها في آب ٢٠١٥ وتمّ بموجبها فرض سيطرة روسيا على مناطق حيوية استراتيجية ونشر قواتها فيها لعقود قادمة دون تكاليف مادية على الجانب الروسي.

وتزامناً مع الإجراء الأخير، نشرت وكالة أنباء نظام الأسد (سانا) خبراً قالت فيه إنّ النظام تسلّم دفعة من طائرات "ميغ-٢٩" الحربية من روسيا. وأشارت مواقع تابعة للنظام أنّ المقاتلات المحدّثة أكثر تطوراً من نسختها القديمة، وأنّ تسليمها للجانب السوري يأتي في إطار التعاون العسكري بين الطرفين وأنّ استخدامها لإجراء مناوبات دوريّة في الأجواء السورية سيتم بشكل مباشر بدءاً من الأول من حزيران.

وتثير هذه القرارات سلسلة من التساؤلات حول الغاية الحقيقية منها، فتطوير العلاقات الروسية-السورية لا يحتاج إلى ترفيع السفير إلى درجة ممثّل رئاسي، ومن المفترض أنّ مهام السفير تتضمن ذلك بكل الأحوال. لكن حتى إذا افترضنا أنّ هذه المهمّة تتطلّب مبعوثاً رئاسياً خاصّاً، فإنّ لموسكو مبعوثين رئاسيين لسوريا غير ذلك الذي تمّ تعيينه مؤخراً!

أو ربما أنّ ما تريد موسكو إيصاله من خلال هذه القرار هو أنّه بات لديها مندوب سام في سوريا

ما الغرض من هذه الحركة إذاً؟ من الممكن فهم الأمر من زاوية أخرى على أنّه تخويل -ربما- للمبعوث الجديد بالتوقيع على أي اتفاقات جديدة تكرّس سيطرة موسكو على المناطق و/أو الموارد الاستراتيجية السورية باسم روسيا بدلاً عن الرئيس بوتين، أو ربما أنّ ما تريد موسكو إيصاله من خلال هذه القرار هو أنّه بات لديها مندوب سام في سوريا.

ويُعطي الكشف عن المرسوم الذي يخوّل موسكو الاستيلاء رسمياً على المزيد من الموارد السورية مصداقية للحملة الإعلامية التي شنّتها روسيا الشهر الماضي ضد رأس النظام السوري، متّهمة إياه بالفساد، وفُهم منها في حينه وجود امتعاض روسي ومطالبة بالمزيد من المكاسب كثمن لتدخّلها العسكري لإنقاذ الأسد في العام ٢٠١٥.

وإن أنكرت أطراف عدّة هذه الحملة في حينها، فقد باتت أهدافها واضحة الأن مع الإجراءات المتّخذة في هذا الصدد. ومن شأن هذه الخطوات أن تزيد من نفوذ روسيا في سوريا بشكل هائل ليس على مستوى سيطرتها وتوسيع رقعة نفوذها المباشر فقط، إنما على الأسد نفسه الذي يخضع لتجاذب روسي-إيراني ثنائي.

هناك من يربط أيضاً بين ترفيع السفير الروسي في سوريا ليصبح بمثابة الحاكم الحقيقي باسم روسيا هناك، وبين وظيفته السابقة كسفير مفوّض فوق العادة في الإمارات، وتزايد انفتاح أبو ظبي مؤخراً على نظام الأسد وتقاطع المصالح بينهما في عدد من القضايا من بينها المسألة الليبية، حيث تلعب روسيا دوراً متزايداً هناك منذ ما يزيد على عام.

وبموازاة هذا التقاطع في المصالح، هناك تقاطع مصالح آخر بين موسكو وأبو ظبي في ليبيا حيث يُعتقد أنّ تمويل العمليات العسكرية الروسية هناك يتم من خلال الإمارات. ولأنّ روسيا تريد أن تتملّص من مسؤوليتها الرسمية عن انخراطها في الملف الليبي، فإنّها ستعتمد بشكل أكبر على دور الأسد في ليبيا.

مثل هذا الأمر سيساعد على تملّص روسيا بشكل دائم من تحمّل المسؤولية المباشرة، وقد يقوّي أيضاً من العلاقة بين الأسد والإمارات، وهي علاقة قد لا ينظر لها الجانب الروسي بشكل سلبي بالضرورة خاصّة أنها قد تفتح أبواباً بشأن مساهمة الإمارات في عملية إعادة الإعمار وهي عمليّة يأمل الجانب الروسي أن تخفّف من الأعباء عليه في سوريا.

الهدف النهائي من هذه الحركة استخدام المقاتلات الروسية في ليبيا بشكل شرعي على أن يتم نسبتها إلى نظام الأسد في حال اكتشافها

من الممكن ربط مثل هذا التصوّر كذلك مع التطوّر الأخير الذي كشف عنه نظام الأسد والمتمثل بتسليمه مقاتلات (ميغ-٢٩)، إذ يُعتقد أنّ الهدف النهائي من هذه الحركة استخدام المقاتلات الروسية في ليبيا بشكل شرعي على أن يتم نسبتها إلى نظام الأسد في حال اكتشافها بذريعة أنّ الأخير مرتبط باتفاقات مع حفتر ليبيا وأنّ موسكو لا علاقة أو دور لها في الموضوع.

يأتي مثل هذا التطوّر بعد أن كشفت الولايات المتّحدة مؤخراً عن تهريب روسيا مقاتلات عبر إيران وسوريا إلى ليبيا وتسليمها لقوات حفتر بعد أن تمّ طلاؤها لإخفاء العلامات الروسية عليها في قاعدة حميميم الجوية في سوريا.

ماذا يعني كل ذلك؟ يعني أنّ روسيا أصبحت أقوى في سوريا، لكنّ هذه القوّة هي نقطة ضعفها التي تجعلها تغرق في مأزق لا أفق له حتى الآن. أمّا النقطة الثانية، فهي أنّ النظام السوري تمزّقه الديون الثقيلة لتدخّلات روسيا وإيران. الأسد شخصياً أصبح مديناً لأكثر من سيّد، ومن شبه المستحيل أن يستمر مثل هذا الوضع إلى ما شاء الله لا سيما في ظل ازدياد الضغوط الاقتصادية والخلافات الداخلية أيضا بين أقطاب النظام. المثير للاهتمام أنّ الربط بين الأسد وحفتر والذي قصد منه في البداية تقوية الرجلين قد ينتهي بنتيجة عكسية، فهزائم حفتر قد تزيد من ضعف نظام الأسد لاحقاً.

===========================

ربيع الاستقلال السوري القصير وشتاء الاستبداد الأسدي الطويل

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 2/6/2020

شهدت المرحلة التي تلت الاستقلال في سورية حياة سياسية نشطة، وعرفت النظام البرلماني الحر. وتم التوافق على دستور عصري، وفق مقاييس تلك المرحلة، راعى الخصوصية السورية، غير أن تلك المرحلة أجهضت بسلسلة من الانقلابات العسكرية التي كانت نتيجة التفاعل بين المخططات الدولية والنزعة المغامراتية الشخصية لدى بعض العسكريين. وأخيراً سيطر حزب البعث على الحكم في سورية، متسلحاً بالأيديولوجية القومية - الاشتراكية، وذلك بعد تجربتي الوحدة مع مصر (1958 - 1961) والانفصال عنها في 1961. وإذا أخذنا المسافة الزمنية بين عامي الاستقلال 1946 وانقلاب حزب البعث 1963 نجدها مسافة زمنية قصيرة جداً في عمر الدول (في حدود 17 عاماً)، فهي أقل، على سبيل المثال، من الفترة التي قضاها بشار الأسد في حكم البلد منذ عام 2000.

أما المسافة الزمنية بين انقلاب "البعث" وسيطرة حزب حافظ الأسد على مقاليد الحكم السوري فهي جد قصيرة، سبعة أعوام، كانت متخمة بالصراعات بين مختلف القادة الحزبيين الذين كانوا في الوقت نفسه قادة الدولة والجيش. وقد بذل حافظ الأسد، في السنوات الأولى من حكمه، جهوداً لافتة على المستويين، الداخلي والإقليمي، وحتى على المستوى الدولي، لاستمرار حكمه، فأسس الجبهة الوطنية التقدمية التي تمكّن من خلالها من تدجين الأحزاب المعارضة، خصوصا الحزب الشيوعي، وتمكّن من الحد من نفوذه الشعبي بين طلبة الجامعات والجيش. كما نجح حافظ الأسد في استمالة تجار المدن، خصوصا في دمشق وحلب، ونسج علاقات متينة مع المؤسسات الدينية الرسمية، خصوصا السنية منها. وفي الوقت ذاته، سوّق نفسه بطلاً للتحرير بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، واستعادة القنيطرة بموجب اتفاقية فك الارتباط مع إسرائيل.

وقرّر حافظ الأسد الحسم العسكري مع القوى الإسلامية، ومع الإخوان المسلمين تحديداً،

"ما بين الاستقلال وانقلاب حزب البعث 17 عاماً، هي أقل من الفترة التي قضاها بشار الأسد في حكم البلد منذ عام 2000" والأجنحة المحسوبة عليهم في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. وكان الصراع في جوهره على السلطة، أما الأيديولوجيا التعبوية التي اعتمدها كل طرف، فقد كانت عابرة للحدود السورية. اعتمدت السلطة الأيديولوجيا القومية العلمانية، واعتمد الطرف الآخر الأيديولوجيا الدينية المشوبة بنكهةٍ قومية. وفي خضم الصراع العنيف بين الطرفين، التزم معظم السوريين الصمت، لأن الطرف الآخر المبشر بالأيديولوجيا الدينية لم يكن يطرح ما يطمئن، بل اتخذ الصراع طابعاً طائفياً أثار هواجس الناس، الأمر الذي كان لمصلحة السلطة.

وبعد حسم الصراع لصالح حافظ الأسد الذي مارس بطشاً غير مسبوق في تاريخ البلاد ضد الإسلاميين، وارتكب المجازر في مدينة حماه التي تعرّضت للتدمير، أصبح المذكور الحاكم المطلق في أمره، واستطاع، بفعل استخدامه الذكي الأوراق الإقليمية، سواء اللبنانية أم الفلسطينية والعراقية، وحتى الكردية، من أداء دور إقليمي، خصوصا بعد خروج مصر من المعادلة العربية في مواجهة إسرائيل، وبعد التخلص من وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

استغل حافظ الأسد ظروف الحرب العراقية الإيرانية (19801988)، فبدأ بنسج العلاقات مع النظام الإيراني الجديد الذي كان يرى فيه عوناً له لمواجهة خصمه اللدود صدام حسين الذي كان يمثل التهديد المستمر على نظامه، لا سيما أنهما كانا يتقاسمان الأيديولوجيا القومية ذاتها، والتوجه العلماني البراغماتي ذاته، بل الحزب نفسه، هذا إلى جانب القدرة على توظيف التنظيمات المتطرّفة. ومن ثم جاءت حرب تحرير الكويت (19901991) التي وفرت فرصة ذهبية لنظام حافظ الأسد، فالحرب كانت بداية النهاية لنظام صدام حسين. كما كانت مناسبة مكّنت الأسد من بناء علاقاتٍ أعمق مع الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما في 

"استغل حافظ الأسد ظروف الحرب العراقية الإيرانية (19801988)، فبدأ بنسج العلاقات مع النظام الإيراني الجديد"أجواء بواكير انهيار الإمبراطورية السوفييتية.

لقد وظف حافظ الأسد مشروعه الإقليمي لتعزيز نظام حكمه العائلي، واستغل الطائفة أداة لضبط الأوضاع على المستوى الأمني القمعي في جميع المناطق السورية. كما استخدم الشعارات القومية بغرض إيهام غالبية السوريين وتضليلهم. ولم يسع إلى إنجاز المشروع الوطني السوري على أساس احترام الحقوق والخصوصيات والمشاركة العادلة في الإدارة والثروات، فهو كان على يقين بأن مشروعا كهذا يتعارض بالمطلق مع مشروعه العائلي التسلطي الذي حرص على استمراريته عبر التوريث الذي فرضه على رموز الحزب والدولة عبر الضباط الموالين المرتبطين به عضوياً. وبغرض السيطرة، شجع الأسد إثارة النزعات المذهبية والقومية، وحتى الجهوية المناطقية. وعوضاً عن النهوض بالريف، من خلال مشاريع تنموية، عمد إلى أسلوب ترييف المدن الكبيرة، خصوصا دمشق التي كان يدرك تماماً أن السيطرة عليها تعني السيطرة على سورية كلها. وقد أخذ عنه نجله بشار هذا الدرس، وطبّقه منذ بدايات الثورة السورية. إذ ركز على الاحتفاظ بدمشق، حتى ولو اضطر للانسحاب من معظم المناطق السورية. وكان غرضه إبعاد دمشق، وبأي ثمن، عن الثورة، وقد استند في ذلك إلى أجهزته القمعية، وإلى شبكة العلاقات الزبائنية الواسعة مع رجال الأعمال الدمشقيين ورجال الدين القريبين أو المقرّبين من النظام.

ما يخرج السوريين من الدوامة التي تطحنهم راهناً، وينقذ بلادهم من مشاريع النفوذ، وربما التقسيم، هو مشروع وطني محوره حيادية الدولة، فالدولة جهاز إداري من مصلحة الجميع أن 

"استغل حافظ الأسد الطائفة أداة لضبط الأوضاع على المستوى الأمني القمعي في جميع المناطق السورية"تكون في منأى عن الأيديولوجيات المبنية على الهويات القومية أو الدينية أو المذهبية، حتى يشعر الجميع بأنها تخصهم، لا تتعامل معهم بعقلية تمييزية، بل تطبق القانون على الجميع، وتحرص على طمأنة الجميع. تعمل على حل المشكلات، والنهوض بكل المناطق عن طريق توفير فرص التعليم والعمل وتأمين الخدمات؛ ومعالجة القضايا الخلافية وفق آلية دستورية قانونية، تقرها مؤسسات منتخبة.

ولعله من نافل الأمور هنا الإشارة إلى أن مبدأ حيادية الدولة لا ينفي حقيقة أن غالبية السوريين هم من العرب السنّة. وأن سورية ترتبط بعلاقات تاريخية اجتماعية اقتصادية ثقافية مع محيطها العربي. نحن لا نشكك في الواقع القائم، بل ندعو إلى البناء عليه، والاستفادة من علاقة سورية مع محيطها العربي والكردي والتركي، لصالح المشروع الوطني الذي أساسه تعزيز الثقة بين السوريين، بممارسات واقعية ملموسة، وذلك لن يكون من دون ترميم النسيج المجتمعي السوري الذي أنهكته عقود من سياسات وممارسات حكم مستبد فاسد مفسد. وقد بلغت هذه الممارسات ذروتها السلبية مع بدايات انطلاقة الثورة السورية، وما زالت مستمرة، فقد أدخل نظام حكم العائلة القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها إلى جانب مليشيات حزب العمال الكردستاني والقوات الروسية إلى سورية بغرض حماية نفسه. كما مهد الطريق أمام دخول الفصائل الإسلامية المتطرفة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة. بل أسهم في تشكيلها، وتبادل الأدوار معها من أجل إقناع السوريين والرأي العام الدولي بأن ما يجري في البلاد إنما هو صراع بين نظام علماني حامٍ للأقليات وإرهابيين، "حاضنتهم الأغلبية السنية".

ما نحتاج إليه هو الاستفادة من روابط السوريين وانتماءاتهم ووضعها في خدمة المصلحة السورية، وذلك ضمن إطار مشروع وطني واقعي، يركز على سورية الوطن، ويأخذ بالاعتبار أهمية الأمن والاستقرار في المنطقة، وحل جميع المشكلات الداخلية والإقليمية بالحوار والتفاهم وعلى أساس تبادل المصالح، ولنا في تجربة سويسرا مثال رائد، فقد استطاع هذا البلد الصغير المحافظة على استقلاله، وحقق قفزات اقتصادية نوعية. ولم تكن الانتماءات القومية والدينية المتباينة مشكلة له في يوم ما، بل استطاع التوفيق بين جميع مكوناته على أساس احترام الحقوق والخصوصيات، والتزام التوجه العقلاني في التعامل مع الدول الكبرى المتاخمة له ( ألمانيا، فرنسا، إيطاليا)، التي لم تستغل ورقة السويسريين الذين يشاركون معها في الانتماء القومي أو المذهبي.

الحلول الإيجابية الواقعية ممكنة، شرط التحرّر من أوهام النزعات العصبوية، وقطع الطريق أمام القوى التي تستغل تلك النزعات لصالح مشاريعها الخاصة، خصوصا تلك العابرة للحدود. وتستوجب عملية التحرر هذه التعامل مع الواقع، وأخذ تناقضات ومآلات عشرة أعوام من التدمير والقتل والتهجير بعين الاعتبار، والتعامل معها بحكمةٍ بعيدة النظر، تنبذ النزعة الانتقامية، وتبعد الأحكام المسبقة السوداوية؛ حكمة تبني على القواسم المشتركة بين السوريين، كل السوريين، من دون تمييز أو استثناء.

===========================

لماذا استطالت النهاية؟

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 1/6/2020

لا حصر للأسباب التي أدت إلى هذا الاستعصاء السوري، وجعلت القضية السورية تطول وتطول، مولّدةً كل هذا الانسداد والمرار؛ علماً أن غيرها من جولات الربيع العربي وصلت إلى نهايات أقل ألماً وضياعاً ودموية في فترة زمنية قياسية.

لم تكن الخصوصية السورية فقط نتاج عبقرية الخبث لحافظ الأسد، حيث جعلها ودائرته الضيقة مزرعة تحمل كنيته قائمةً على جهل وتجهيل وفساد وإفساد ممنهجة، ولا نتيجة يد دموية ديدنها "أحكمها أو أدمّرها" فقط؛ ولا هي نتاج الضخ المالي داخلاً وخارجاً لتمويل آلة القتل والاستبداد فقط؛ بل هي نتاج تضافر كل ذلك مع يد خارجية راقها أن تكون سوريا هكذا؛ لأنها لو كانت دولة حرية وديموقراطية وإدارة خيّرة رشيدة، لتغيّر وجه المنطقة، ولما رأينا إسرائيل تبقى وتتمدد.

وبالعودة إلى الاستعصاء القائم وامتداد الوجع، وانسداد آفاق القضية السورية، لا بد من التركيز على الأسباب الأبرز التي تفرّدت بسوريا. لقد كان توصيف واعتبار ما يحدث في سوريا بالحرب الأهلية “civil war” هو الأخطر. هذا المصطلح لم يُطلق على ما يحدث في أي من دول الربيع العربي. لقد كان موازييك سوريا قومياً وإثنياً ودينياً حاملاً جميلاً للتعايش، لكن عبث نظام الأسد بهذه الرافعة الجميلة- مستغلاً بعض الأصوات الغبية والأخرى الخبيثة ليضرم النار بهذا الحامل- ساهم بتصوير الصراع على أنه طائفي في وقت لم يكن هناك إلا طائفة عصابته وطائفة الشعب. ولو كانت الحرب أهلية - كما تم ترويجه- لانتهت بانتصار أحد الفريقين والتوصل إلى حل سياسي؛ ولكن لم يكن الحسم ممكناً بأي اتجاه، ولم يُسمح به أساساً. وهكذا امتدت المأساة بكل آلامها.

العامل الحاسم الثاني كان مقولة "محاربة الاٍرهاب"، العبارة السحرية ذات الوقع العالمي لتدمير الخصم وتنفيذ مخططات الخبث. لم يلتفت كثيرون إلى مئات الإرهابيين الذين أطلق النظام سراحهم من سجن صيدنايا، وبرمجهم ليكونوا قادة داعش والنصرة؛ ولا لمن أطلق المالكي سراحهم من سجون العراق؛ ولا لعناصر القاعدة الذين أرسلتهم إيران- معقل القاعدة- إلى سوريا. لم ينتبه أحد إلى أن كل جلسة "مفاوضات" في جنيف كانت تُمهَر بعمل إرهابي ينفذه النظام كي يثبّت بأنه يحارب الاٍرهاب. ولكن رغم إرهاب الدولة هذا، فإن ما تمت إشاعته دولياً هو أن النظام يحارب الاٍرهاب. وهكذا أضحى السوريون والعالم أمام المعادلة التالية: [صحيح أن النظام دكتاتوري، إلا أنه يقاوم الاٍرهاب] لتتحقق المعادلة الصفرية، ويستمر الوجع السوري.

زاد في امتداد المأساة أن الصراع في سوريا وعليها لم يعد فقط محلياً بل أصبح صراعاً دولياً بينياً ومتعدد الأطراف. عندما هبّت إيران منذ الساعات الأولى لانتفاضة سوريا للانخراط في الصراع معتبرة إياه الفرصة الذهبية لإنجاز مشروعها في المنطقة العربية كلاعب حاسم الدور في مصير المنطقة؛ وعندما قفزت روسيا بوتين بكل أحمال صراعها ومشكلاتها داخلياً ومع الغرب إلى الساحة السورية كمقرر أول وصاحب كلمة فصل؛ وعندما قُيِّض لإسرائيل فرصة مشاهدة تداعي دولة تاريخية اسمها سوريا، وتحطمها بمباركة نظامها؛ وعندما استشعرت تركيا الخطر الحدودي وتهيؤ الفرصة لسحق ما يهدد أمنها القومي، ويجعلها لاعباً أساسياً في تحديد مصير محيطها؛ وعندما وجدت أميركا أن أعداءها يستنزفون بعضهم بعضاً على الساحة السورية، وهي تتفرج وتشد خيوط اللعبة من الخلف؛ فكيف لصراع دموي تدميري بهذا الشكل أن ينتهي بسرعة، إلا بحصول كل تلك الأطراف على حصصها وتنفيذ مخططاتها المتضاربة و المتصادمة؟!

ثالثة الأثافي كانت حجة "اللا بديل"، وهي ذريعة خبيثة بامتياز؛ فأين تجد روسيا أو إيران أو إسرائيل نظاماً كهذا مستعداً أن يبيع كل شيء للبقاء في السلطة؟! فرغم الموت السريري لتلك المنظومة، فإن رعاتها لا ييأسون من إعادة تكرارها حرصاً على حصصهم. فتراهم ما توقفوا يوماً عن نسف مصداقية المعارضة المعثرة والمتعثرة سلفاً، حيث عملوا على الدوام ضمن حملة منظمة توصل السوريين والعالم إلى الاقتناع بوهم مفاده: أن "النظام والمعارضة أسوأ من بعضهما بعضاً". والأخطر في قضية "اللا بديل" إهانة شعب سوريا؛ وكأن أرحام السوريات قد نضبت، وأن لا حق للسوريين في أن يجدوا من يضع بلدهم على سكة الحياة، لو رفع هؤلاء بلاءهم عنهم.

أحد أهم الأسباب المساهمة بالانسداد السوري، والذي صُمِّمَ ليكون أداةً لكسب الوقت وإطالة عمر النظام هو ذلك الأمر المنطقي والطبيعي والمغري ألا هو "الحل السياسي". حيث تبيّن ألا أحد يريد حلاً سياسياً حقيقيًا في سوريا؛ لأن الحل الحقيقي ينهي النظام ولا أحد يريد نهايته لخدماته "الجليلة". كل الأطراف المنخرطة في الصراع- حتى النظام ومن يدعمه- تحدثت عن حل سياسي، ولكنها مارست الحرب. بتوافق غير معلن للأطراف الخارجية، لم يكن الحسم العسكري، أو انتصار طرف داخلي على آخر ممكناً أو مسموحاً به؛ واستمرت فكرة التلويح بالحل السياسي، الوهم الذي لا يأتي.

لقد كانت قضية الشعب السوري محيّدة تماماً؛ فلا أحد يلتفت إلى أن جوهر الصراع أخلاقي بالدرجة الأولى، وأن الغائب الأساس هو جوهر الصراع بين شعب ينشد الحرية ونظام استبدادي. فليس هناك حرب أهلية، ولا حتى صراع سياسي؛ ولا حرب على الإرهاب، بل صراع ذو طبيعة قانونية أخلاقية بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الأخلاق والرذيلة، بين الحرية والعبودية، بين الجشع والعفة، بين الموزاييك البناء لا الطائفية والاصطفافات المدمرة. لا يطلب السوري عالماً مثالياً بل أبسط الحقوق في عيش حر كريم آمن تحت سيادة قانون تسهر على تطبيقه إدارة رشيدة لا مكان فيه للعصابة الحالية.

والآن، ومع انكشاف طبيعة النظام، وحاله المهلهل، وملفاته الإجرامية؛ وتسرب عفنه الداخلي، وتدميره لسوريا الحاضر والمستقبل؛ ومع الاستعصاء الروسي؛ والإجماع على نبذ إيران؛ ووصول آخرين إلى حالة إشباع من الوجع السوري- هل اقتربت سوريا من نهاية النفق؟! جوابي أقرب إلى "نعم"؛ والسبب أن روسيا تحديداً لا تريد أن تحوّل غنيمة أخذتها رهينة إلى عبء يقتلها، وما تغيُّر استراتيجيتها بالمصافقة على الأسد إلا دليلٌ على ذلك. وهنا يبقى جهد السوريين الأحرار أساسياً في القضية.

===========================

تقدير ثروة الأسد – مخلوف

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاثنين 1/6/2020

طبعا من الصعب تقدير الرقم الحقيقي لثروة مخلوف أو الأسد فكلاهما يعملان بالخفاء وعبر مبدأ الحصول على العمولات الخفية من كل العاملين أو المستثمرين المحليين أو الأجانب حيث لا خيار آخر لدرجة تداول السوريين المثل الشعبي في عام 2007 أن "كل صاحب عمل في سوريا يجب أن يكون مخالف أو مخلوف" فسمعة مخلوف في السيطرة على كل الشركات الأجنبية تحققت عمليا مع تأسيس شركة الشام القابضة التي هي ضمن أكثر من 72 شركة ووكيل سوري تعمل في كل مجالات الحياة المختلفة من الكماليات إلى قطاع العقارات إلى السيارات ورأس مجلس إدارتها في تلك الفترة نبيل الكزبري شريك رامي مخلوف في قطاع الورق.

ومع بداية الثورة السورية أصبح رامي مخلوف هدفا مباشرا للمتظاهرين السلميين الذين طالبوا بمحاسبته وقام البعض بحرق مقارّ شركته سيرتيل في أكثر من مدينة فقام مخلوف بحركة استعراضية عبر مؤتمر صحفي أنه سينسحب من كل شركاته وسيتفرغ لأعمال منظمته الإنسانية البستان، لكن العمل الخيري الذي عناه مخلوف تركز في دعم وتمويل كل ميليشيات الشبيحة والدفاع الوطني المؤسسة على أسس طائفية محضة، وكانت مسؤولة عن قتل وتعذيب الآلاف من المتظاهرين السلميين والمدنيين في كل المدن التي خرجت فيها مظاهرات سلمية تطالب برحيل نظام بشار الأسد، وهو ما لمح إليه رامي مخلوف في الفيديو الأول الذي ظهر به  مخاطبا الرئيس بشار الأسد ومطالبا إياه بالتدخل شخصيا من أجل حل مشكلة الضرائب المفروضة على شركته سيرتيل والمقدرة حسب الهيئة العامة للاتصالات ب 150 مليون دولار، فقد ألمح مخلوف في هذا الفيديو "أننا من دعمنا الأجهزة الأمنية" فكل التمويل بعد انهيار خزينة الدولة والمصرف المركزي كان يأتي بشكل رئيسي من شركات رامي مخلوف التي كانت تمول آلة الحرب على حساب الشعب السوري.

ولذلك فثروة مخلوف هي عمليا ثروة الأسد بدون أية حدود واضحة بينهما، والطريقة الأمثل لتقدير هذه الثروة وكشف هذه العلاقات المتشابكة هي العودة إلى الأوراق التي كشفتها وثائق بنما التي أظهرت تسجيل شركة "Drex Technologies S.A"، التي يمتلكها رامي مخلوف، والتي امتلك عن طريقها 63% من أسهم شركة "سيريتل" للاتصالات (Syriatel )، إذ يمتلك 10% من أسهمها بصفته الشخصية، و63% منها عن طريق شركة "Drex Technologies S.A"، والمسجلة في الجزر العذراء البريطانية وهو ما كان كشفه النائب السابق رياض سيف في عام 2001 من خلال اطلاعه على الوثائق الخاصة لشركة سيرتيل بوصفه عضوا في البرلمان السوري.

وأضافت الوثائق التي كشفتها أوراق بنما أن شركة "Drex Technologies S.A" تمتلك حسابا بنكيا يحوي 2.6 مليون دولار، كما قامت الشركة بفتح حساب بنكي آخر في HSBC في جنيف، وفتح مخلوف، أيضا، حسابات لثلاث شركات يمتلكها، وهي "Lorie Limited" و"Dorling International Limited" و"Ramak Ltd" في بنك HSBC.

وتعامل بنك HSBC مع شركة "Cara Corporation"، والتي يديرها مخلوف، وشركة "Seadale International Corporation" التي يتقاسم ملكيتها مع أخيه حافظ، بالإضافة إلى شركة "Eagle Trading & Contracting Limited" والتي يتقاسم حافظ مخلوف ملكيتها مع شركة "Lane Management LLC".

وقد كانت كل هذه الشركات عبارة عن الباب الخلفي الذي من خلاله حاول رامي مخلوف ومن خلفه الأسد تجنب العقوبات الدولية الأميركية والأوروبية التي فرضت عليهما بوقت مبكر في عام 2011 بعد تورطهما في ارتكاب جرائم القتل والتعذيب والاختفاء القسري خلال السنوات الحرب السورية المستمرة حتى يومنا هذا.

فتكشف كل هذه الوثائق أن رامي وإخوته إيهاب وحافظ مجرد واجهة إدارة عائلة الأسد التي يمكن تقديرها بأكثر من 10 مليارات دولار، عبر حسابات بأسماء وهمية مختلفة في بنوك مختلفة جرى تسجيلها بأسماء مختلفة ويجري الآن الخلاف حول إدارة أصول العائلة ومن الأحق بهذه الإدارة.

===========================

سورية ما بعد الأسد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 1/6/2020

يمثل حكم الأسد الأب والابن في المعادلة السورية حقبة واحدة للنظام الحاكم الحالي في عقوده الخمسة منذ 1970، ثلاثون عاماً لحافظ الأسد وعشرون لوريثه بشار، وهو ما جعل تداخلات المعارضين والمناهضين للرئيسين الأسديين تتماهى مع بعضها، وترصّ صفوفها تحت عباءة الثورة، سواء كانوا من السوريين المنادين بالحرية والديمقراطية والمواطنة، أو من أيديولوجيات متعدّدة، ما وضع الثورة في متاهات الأجندات المختلفة، والمتخالفة فيما بينها، ولاحقاً وضعها في مواجهة بعضها بعضاً، فبعد أن أدركت بعض التنظيمات المسلحة (فصائل "إسلامية" إلى جانب تنظيمي جبهة النصرة وداعش) أن العمل المسلح الذي رافق الثورة مع أعوامها الأولى (الجيش الحر) قد يأخذها إلى مكان آخر، أو يحافظ على الأقل في استمرار شعاراتها الأساسية في الحرية والمواطنة الكاملة، وهو ما من شأنه أن يدعم التعاطف الدولي للعمل على تغيير شكل حكم الأسد وبنيته الحاليين، ويحقق مطالب السوريين، بما لا يتوافق وإرادة هذه التنظيمات في أن يكون كل طرف دخيل منهم هو البديل المحتمل لعائلة الأسد وأدواتها الأمنية، على الأقل في "المناطق المحررة"، بعد ذلك أعلنت هذه التنظيمات المسلحة الحرب على الجيش الحر، واستحوذت على مناطق وجوده، وهو ما كشف أجنداتها، وأجبرها على خلع قناع الثورة، والإعلان عن حقيقتها ومسمياتها وأجنداتها وإماراتها ودولة خلافتها، ما حرّر ثورة 2011 من الارتباط بهم.

ومن ذلك كله نتج المشهد السوري في شكله الداخلي المعقد، والذي هو ظلال أجندات خارجية 

"على المعارضة، أي الكيانات التي تتأهب للفوز بما سينتج من فتات قرار مجلس الأمن 2254 أن تدرك أنها لم تنجح في مقاصدها"غذّت مطامع الحالمين بسلطةٍ بديلة، وتوظيفهم في مد أمد الصراع وتشعيب انعكاساته، لإنتاج ما يمكن تسميتها فوضى المنطقة برمتها، وتجلّى المشهد عموماً في سورية ولبنان وفلسطين وليبيا واليمن، وصولاً إلى تركيا، مع فرق في تمظهراته التي بدأت بانقلاب فاشل، واستمرت بأشكالها الاقتصادية.

وبعد تسع سنوات من الصراع الدائر في سورية وعليها، وعديد التشكيلات المعارضة السياسية، من هيئة التنسيق الوطنية إلى المجلس الوطني إلى هيئة تفاوض "الرياض" مرورا بالائتلاف ومنصات المعارضة، القاهرة وموسكو وغيرهما، من التي طفت على السطح، وقدّمت نفسها ممثلة للمعارضة السورية أمام المجتمع الدولي، يجد السوريون أنفسهم أمام سيناريوهات تغذّيها أمنيات أكثر مما يدعمها الواقع، وترتب تفاصيلها مصالح الدول واتفاقاتهم المشتركة غير عابئين بإرادة السوريين. وتتساوى، في ذلك، كل الأطراف السورية من نظام ومعارضة ودخلاء، مع اختلاف في تحديد المنتصر على الركام السوري، فحيث يعلن النظام انتصاره تتسابق المعارضة في إعلان هزيمته، ما يجعل النقاش في العودة إلى تحديد سمات الواقع الحالي ضرورة لاستعادة واقعيتنا في ثورة تحط رحالها على مواجعها، ونظام يزفّ نبأ موته القريب.

على المعارضة، أي الكيانات التي تتأهب للفوز بما سينتج من فتات قرار مجلس الأمن 2254 أن تدرك أنها لم تنجح في مقاصدها، وأن الثورة في مسارها السياسي هزمت على يد معارضتها قبل هزيمتها على يد النظام، وهذا لا يعني أن الثورة بمعنييها، التاريخي القيمي والمستقبلي، قد انتهت.

والنظام لم ينتصر في هذا الصراع الذي اختاره منذ ما قبل الثورة، وحتى تحول الصراع من داخلي، أي نظام ضد معارضيه، إلى صراع مسلح متعدّد الأجندات، تحول فيه كل السوريين، بما فيهم النظام بجيشه، إلى مجرد أداة تنفيذية لقوى دولية ساندته بطلب منه (إيران وروسيا ومليشيات طائفية عديدة)، ما ينزع عنه صفة المنتصر القادر على فرض شروطه على طرف خاسر.

ومن هنا، نحن إزاء بلد مدمر في بنيته التحتية، ومنزوع السلطة الشرعية، أو على الأقل 

"ينبغي استعادة واقعيتنا في ثورة تحط رحالها على مواجعها، ونظام يزفّ نبأ موته القريب""ناقص السلطة الشرعية"، اعتماداً على وجود قرار يساوي بينه وبين كيان المعارضة الموفد إلى مباحثات جنيف دوليا. وتشوب البلد المشتت سياسياً منازعات مجتمعية وهوياتية، وحتى وجودية، وتحت وصايات دولية عسكرية عديدة من إيران وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وتركيا، وقبلهم جميعا الاحتلال الإسرائيلي.

إذاً في أي سيناريو واقعي يمكن استشرافه لا يمكن تجاهل ما سبق، أو القفز عنه، بمعنى أنه في إيماننا لا يمكن دوام الحال على ما هو عليه، فثمة نهاية لكل شيء، بمعنى أننا قد نكون على مشارف الفصل الأخير من الصراع المسلح الذي يدفع باتجاه البحث عن حل، ليس لإنهاء المأساة السورية الضاغطة، ولا لأن أطراف الصراع انحازوا إلى السلم المتبادل بينهم، بل لأن أدوات الصراع الدولية ترغب في وضع خاتمةٍ تناسبها، لما حمله هذا الصراع من عبء عليها، وحان أوان التخفف منه، وفي ضمنها أو في سياق رغبتها، يأتي الأمر في مصلحة عموم السوريين الذين أنهكتهم الحرب، أي حل يساير مصالح الدول الفاعلة من جهة، ويعيد بناء دولة جديدة بأجندة ووجه ووظيفة إقليمية مغايرة لما كانت عليه في عهدي الأب والأبن الأسديين.

بيد أن ذلك لا يعني بالضرورة رغبة روسيا (اللاعب الأكبر في سورية) إزاحة الأسد بين ليلة وضحاها، كما يراهن بعض المحللين لقراءات قرار تعيين مبعوث خاص رئاسي للرئيس الروسي في دمشق، وسبقتها مقالات النقد في الإعلام الروسي للأسد وزوجته وفساد النخبة 

"تشوب البلد المشتت سياسياً منازعات مجتمعية وهوياتية، وحتى وجودية، وتحت وصايات دولية عسكرية عديدة"الحاكمة في سورية، وتحميلها روايات عن خلاف رئاسي بين فلاديمير بوتين وبشار الأسد، فموسكو تدرك معنى منح الإدارة الأميركية لها كامل الحرية في لعب دور منفرد في سورية، ما يلقي عليها أعباء تنفيذ الحل المتفق عليه دولياً (القرار 2254)، ومن متطلباته الحالية توحيد جبهة النظام الداخلية المهترئة، والتي اتضحت معالمها في الخلافات العائلية بين رامي مخلوف أداة عائلة الأسد الاقتصادية وزوجة بشار الأسد الوجه الأنثوي لحكمه. وعلى ذلك، فإن مرجعية موسكو الحاضرة الآن في دمشق (المبعوث الرئاسي) بشكل دائم هي الأداة في صناعة موقف واحد في سورية من الاتفاقات التي تعقدها روسيا بشأن الملف السوري، والتي تسارع في تنفيذها للتقليل من حجم المنعكسات الكبيرة لقانون قيصر الأميركي. وهذا يعني بالضرورة إعادة الحياة للجنة صياغة الدستور، ومهمتها الانخراط بشكل فعلي ودائم في العملية السياسية في جنيف، وإلغاء المرجعيات الأمنية المتعدّدة التي أعاقت عملها في الجولة السابقة، فالحاجة إلى صياغة دستور جديد يهيئ سورية لمرحلة ما بعد الأسد، لا تعني بالضرورة فقدانه فرصه في المشهد المستقبلي، ولكن المشهد المرسوم لسورية ليس فيه سورية ما قبل 2011، وهي لن تكون سورية التي تحكم تفاصيلها دمشق العاصمة، أي أننا أمام خيارات التسويات الجراحية التي ستحز عميقاً في خريطة سورية الجغرافية والديمغرافية في آن معاً، مما قد يمهد للأسد أن يكون حاضراً في إحدى الزوايا ضمن السيناريو الروسي الذي يوضح معالمه ما سبق وقدموه في مسودة الدستور المطروحة للنقاش. وواقع الحال يوحي بانعدام فرص سورية المركزية، ليس فقط لجهة تعدّد الوصايات الدولية في المناطق الحدودية، ولكن بسبب البنية المجتمعية الممزّقة التي تحتاج أيضاً لإعادة صناعة مادتها الوطنية اللاصقة، وهي قد تمر بمراحل عديدة، قبل أن نتحدث عن مجتمع سوري واحد، وهو ما عمل عليه نظام الأسد من جهة الذي انتهج تأجيج الخلاف الطائفي منذ بدء الثورة، لتمزيق وحدة ضحايا سياساته الأمنية والاقتصادية، والانفراد بها مذهبياً وقومياً ومناطقياً، وفي سياقٍ هو ما اشتغلت عليه فصائل السلاح المشبوهة في مناطق حكمها من جهة ثانية، ما يستدعي وجود لجنة نظام دستورية تحت وصاية روسية، وتقابلها لجنة معارضة دستورية تحت وصاية أممية، تدخل في التفاصيل القانونية والإدارية والمؤسساتية بعيداً عن خطابات الوطنية الزائفة التي نفذت فرصها، وحان أوان سورية ما بعد نظام الأسد شكلاً وبنيةً.

===========================

الأسد/ حفتر: محور “المتعوس وخايب الرجا”

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 31/5/2020

ثمة بُعد في الحرب الأهلية الليبية الراهنة لا تُسلّط عليه أضواء كافية، هو علاقة رأس النظام السوري بشار الأسد مع المشير المتقاعد خليفة حفتر قائد ما يُسمى “الجيش الوطني الليبي”. وابتداءً من مطلع آذار (مارس) الماضي، حين ضغط حفتر على سلطة بنغازي لإعادة افتتاح سفارة ليبية في دمشق ظلت مغلقة منذ 2012، يضطرد التعاون بين النظام السوري وأجهزة حفتر ويتخذ صفة عسكرية أساساً، قوامها إرسال مرتزقة من ميليشيات قريبة من النظام، أو محسوبة على قوات سهيل الحسن تحديداً.

ومشروع المحور هذا يبدأ من قواسم مشتركة تجمع بين شخصيتًي الأسد وحفتر، سواء لجهة جنون العظمة واستسهال التدمير الأقصى للبلد وارتكاب جرائم الحرب، أو لجهة التبعية المطلقة للقوى الخارجية التى ترعى النظام وتسانده وتحمل عبء الإبقاء عليه. الأسد وريث أبيه، والمتابع لنظام الاستبداد والفساد الذي شيدته “الحركة التصحيحية” منذ العام 1970، المرتهن لإيران وميليشياتها المذهبية قبل ارتهانه إلى موسكو؛ وحفتر سليل نظام معمر القذافي وأحد ضباطه السابقين، المتدرّب لاحقاً لدى وكالة المخابرات المركزية، المرتهن اليوم إلى الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا وموسكو.

قاسم مشترك ثانٍ هو الاتفاق على ملاقاة تركيا، العدو المشترك في شمال سوريا وفي جنوب العاصمة الليبية، خاصة بعد أن دخلت أنقرة طرفاً عسكرياً مباشراً في ردع زحف حفتر نحو طرابلس؛ فلم ترسل، بدورها، مرتزقة من فصائل سورية تعمل تحت إشرافها في جبهات “درع الفرات” و”نبع السلام” فحسب؛ بل أرسلت أيضاً طائرات “بيرقدار” المسيّرة التي رجّحت كفة الأجواء الليبية لصالح “حكومة الوفاق” وكبدّت قوات حفتر خسائر فادحة على الأرض، لم تقتصر على سقوط قاعدة الوطية الستراتيجية.

قاسم ثالث هو التطلع إلى أن يكون حفتر بوّابة إعادة تدوير النظام السوري لدى السعودية؛ بعد تطبيع مع نظام عبد الفتاح السيسي، اتخذ طابع الكواليس الخلفية والتعاون العسكري والأمني الوثيق؛ وتطبيع، معلَن هذه المرّة، مع الإمارات والبحرين تمثّل في إعادة افتتاح سفارتًي أبو ظبي والمنامة في دمشق. وهذه بوّابة بدت مشرَعة أصلاً منذ أن اختار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التأكيد على أنّ “بشار باقٍ”، ولكن “من مصلحة بشار ألا يدع الإيرانيين يفعلون ما يريدون”، و”من الأفضل أن يكون نظامه قوياً في سوريا، وهذا الأمر أيضاً سيكون إيجابياً بالنسبة لروسيا”.

موسكو هي القاسم المشترك الرابع، في مستوى التدخل العسكري الروسي المباشر لصالح الأسد وحفتر، وبالتالي خضوع الاثنين لسياسات الكرملين واشتراطاته، فضلاً عن استقبال المئات من مرتزقة مجموعة “فاغنر” الروسية التي لا تخفى صلات صاحبها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصياً. وسوى سلسلة المطامح الروسية المختلفة في سوريا وليبيا، الجيو ــ سياسية والاقتصادية والاستثمارية على المدى البعيد، كانت موسكو تأمل في تحقيق تلك السيطرة الجوية الفريدة التي يمكن أن يؤمّنها القوس المتوسطي الممتدّ من مطار حميميم السوري إلى سواحل بنغازي الليبية.

ورغم هذه القواسم المشتركة الأربعة، وسواها مما هو أدنى مغزى، فإنّ محور الأسد/ حفتر يبدو اليوم في حال من العطالة والرثاثة والكساح، لا تتجلى في أحوال سوريا وليبيا الراهنة فقط، بل كذلك في تحوّلات مواقف الرعاة أنفسهم. ففي جبهة الأسد ثمة اقتصاد منهار أو شبه غائب، وتكالب لضباع الأسد/ مخلوف على ما تبقى من أشلاء النهب، وجيش مقسّم في جسوم إيرانية وروسية وميليشياتية، ونار متقدة تحت الرماد في سائر المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وتقريع مباشر وغير مباشر تمارسه موسكو، وجفاف للقطع الأجنبي كانت إيران سخية في توفيره. وأمّا في جبهة حفتر، فللمرء أن يحدّث ولا حرج: حول التفكك العسكري، والتخبط السياسي، وانقسامات أطراف الشمال، واضطرار الكرملين إلى نشر مقاتلات ميغ ــ 29 لتغطية سحب المرتزقة…

هو، في الخلاصة، مشهد يستدعي منطوق المثل الشعبي المصري الشهير، عن “متعوس” التقى مع “خايب الرجا”؛ فلا الأوّل أفاد، ولا الثاني استفاد!

===========================

في الوحل السوري

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 30/5/2020

دار في الأسبوع الأخير حوار صامت بين سوريين وأصحاب أقلام نظيفة عن علاقة روسيا بإيران، ووضع موسكو في سورية. هذه المقالة مكرّسة لوضع روسيا التي يميل كثيرون إلى اعتبارها قوةً يمكنها فعل ما تريده في سورية، لأنها تضع الجميع أمام ميزان قوىً لا يجاريها فيه أحد، لأنها سبقتهم إلى المعركة، وفرضت قانونها عليها، وليس لهم، أو للشعب السوري، غير الرضوخ لإرادتها، ناهيك عن التصدّي لها وإفشال مراميها.

ليس هذا الانطباع صحيحا لأسباب محلية ودولية، أولها تذبذب مواقف النظام الأسدي الذي أنقذته موسكو، وقيل دوما إنه صار كالخاتم في أصبع بوتين، لكنه شاع فجأة أنه يرفض الاستجابة لثلاثة مطالب روسية: الانتقال السياسي، والدستور، وانتخابات الرئاسة، التي التزمت موسكو بتنفيذها، بعد فشل خطتها الأصلية التي أعلنتها بالتزامن مع غزو سورية، وتمثلت في تشكيل حكومة وحدةٍ وطنيةٍ مرجعيتها بشار الأسد، تعني إقامتها نسف بيان جنيف وخطته للحل، وإلا فالسحق والطحن بالقوة الجوفضائية والحل العسكري، الذي توقف من دون رد كل شبر من سورية إلى سفاحها، وها هي تعهدات الرئيس الروسي بوتين المتكرّرة لم تُعده إلى أكثر من 60% منها، بينما أعلن قبول الوجود التركي في إدلب ومنطقتها. ومع أن بوتين لم يعلن عجزه عن إخراج واشنطن من شرق الفرات، فإن معظم السوريين يعرفون أنه عاجز، وعاجز كذلك عن منع إيران من اختراق السلطة والمجتمع، وإتاحة فرص تلاعب ومناورات حقيقية لمن أنقذه الجوفضائيون الروس، وينتظرون أوامر الكرملين ليعلموا ما عليهم فعله، في حال اقتحم اللواء المتقاعد بهجت سليمان قاعدة حميميم ودمرها في نصف ساعة، كما كتب مهدّدا سيد الكرملين، إسهاما متواضعا منه في الحرب الكلامية التي نشبت بالواسطة بين الطرفين، وعلى السيد إيفيموف وقفها لتطوير العلاقات الروسية السورية التي ما كانت بحاجة إلى تطوير، لو كانت موسكو تقرّر في دمشق ما تريد ساعة تريد، ومسيطرةً على الأمور بالقدر الذي أوحت به بهدلة بشار في عقر داره، وكان هدفها، في اعتقادي، إيهام الروس بأن مغامرة " قيصرهم" السورية نجحت وجعلته رئيس أول دولة أجنبية دسها في جيبه الخلفي.

بعد هذه "الإنجازات"، لنمنح الآن علامات لما يستطيعه "القيصر" الخلبي حيال القضايا التالية: إعادة الإعمار = صفر. النفط = صفر. قانون قيصر وتطبيقاته = صفر. المسألة الكردية = حوالي صفر. تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 ببنوده الثلاثة: دوليا = صفر، أسديا من 30% إلى 50%، بما أن موافقة الأسد لا تعني موافقة إيران، وموافقة إيران صعبة المنال. إدلب = صفر، لأن أميركا تعتبر اجتياحها تغييرا في التوازن الاستراتيجي معها في سورية. أما تركيا، فهي خصم وحكم، ولا شيء يعوّض خسارتها وتركها لواشنطن، من أجل ليبيا أيضا.

أخيرا، ماذا لو قال الأميركيون لبوتين: لندع الوضع الراهن على حاله من دون حل، ولتبق في وضعك الجوفضائي، ولتتفضل جنابك بإعادة إعمار مستعمرتك بالتعاون الودّي مع حليفتك المحبة إيران التي تصارعك على السلطة لتقلص حصتك منها، كما على الثروات والجغرافيا والسكان، بينما تنعم بمتاعبك الخاصة ببيع مواد روسيا الخام، وخصوصا نفطها، موردك الرئيس الذي يمكن أن يغريك نقص عائده بالتورّط في المشكلة الليبية، لتضاف إلى "إنجازاتك " السورية التي ما أن أجريت كلمة الانتقال السياسي على لسانك، حتى هدّدك سفاح دمشق الذي أنقذته بتدمير حميميم على رأسك، فإن دبر أفيموف الأمور، وطوّر العلاقات، شمر عن ساعديك وابدأ ببناء ما دمرته، من دون أن تمتلك ما قد يخرجك من عجزك عن القيام بذلك.

ماذا يبقى لك، سيد بوتين، غير المشكلات مع الذي أنقذته، وحلفائك الإيرانيين، وأصدقائك الأتراك، وأوغاد واشنطن؟

===========================

موقفنا : ثورتنا : ليست مشروع نقمة ولا انتقام .. نقطة مفصلية في المشروع الدعوي و الوطني المستقبلي ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

6 /6/ 2020

ومعنى قولنا مفصلية ، أن عليها تتم المواصلة ومن أجلها تتم المفاصلة ..

وخرجت جماهير شعبنا لمنع الظلم والفساد وليس لتداول آلياته . لننبذ عن حياتنا الذين ( يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) وليس ليحتل من يحسب نفسه على هذه الثورة مكانهم . والبشرى في مشروعنا الثوري الوطني لكل مستضعف مظلوم . والنذارة تحت قوس العدالة ، لكل مستقو ظالم .

وثورتنا مشروع عدل وبناء وليست مشروع نقمة وانتقام .

يقولون لك : الحق الكذاب وراء الباب ..

وأقول : لا تسر وراء الكذاب خطوة واحدة ...ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .

ولم تكن دعوة قائدنا الأول دعوة نقمة ولا دعوة انتقام ..

وعلى الرغم من كل ماعاناه سيدنا وقائدنا ومعلمنا رسول الله وأصحابه في دار إقامتهم في مكة ، ثم في دار هجرتهم في المدينة ، لم يكن للانتقام من الظالمين مكان في المشروع المستقبلي لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

في أحايين قليلة غلبت فيها العاطفة البشرية على الشخصية الرسالية ، وصدرت عن الرسول البشر عبارات أو تصرفات ..ف كان التوجيه الرباني العلوي حاضرا ومصححا .

ففي يوم أحد ، يوم وجد الرسول الكريم عمه حمزة قد قُتل ، وتم التمثيل في جسده ؛ فقال : لأمثلنّ في ثلاثين منهم . فجاءه التوجيه ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ ) .

ويوم حادثة بئر معونة ، حيث غدرت بعض القبائل بسبعين من خيرة أصحاب النبي ، فقتلتهم، وظل رسول الله شهرا يقنت بالدعاء على تلك القبائل بما ظلمت ، ويلعن المباشرين للقتل منهم بأسمائهم ، حتى تداركه قول الله تعالى ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) !!

لا أدري لماذا لم يعتبر الفقهاء هذا النص ، عند إقرار المنظومة الأسبوعية التي أقروها في الدعاء على الكافرين . دمر ديارهم ، نكس أعلامهم ، اجعلهم ونساءهم وأولادهم غنيمة للمسلمين !!

ربما كان الثأر ، أو حب الانتقام بعض الغريزة البشرية ، ولكن القرآن الكريم الذي شرع القصاص ندب لناس إلى الصبر والعفو ، ( وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) .

عندما كنا شبابا كان من الكتيبات الصغيرة التي عُلّمناها مرارا عديدة ، كتاب " البناء والهدم في الدعوات " وعلى الرغم مما في عنوان الكتيّب من التوازن ، إلا أن فكرة الهدم ظلت هي الراسخة ، وهي المقدمة . ولعلها للسبق الترتيبي أشغلت عن إعداد مخططات البناء الحق الذي يلي عمليات الهدم . ولعل غياب هذه المخططات ، أو ضبابيتها ، أو الاختلاف عليها ؛ كان سببا من أسباب تأخر أو تعثر عمليات التغيير .

حين تكون عملية الهدم ، أو الانتقام حتى العادل منه ، هي آخر العدد بالنسبة لبعض الناس فعلينا أن ندرك نقطة ضعفنا الأساس . والتي يقذفها بوجوهنا اليوم الكثيرون ، كلما بشرنا بمجتمع عنوانه ( لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ )

كانت الحديبية نقطة التحول الاستراتيجية المهمة في الصراع بين الإسلام والشرك . نزل الرسول صلى الله عليه وسلم حول مكة ، وكان قادرا على اجتياحها ، ولكنه لم يفعل ، لم يفعل لأنه كان صاحب مشروع ، ليس في تلافيفه كسر عظام الناس .. واستغلق فهم هذا على كثير من المسلمين . حتى على عمر التلميذ الذي ظل يتعلم الكثير من مدرسة صاحب الخلق العظيم ...

ثم كانت الجولة الثانية يوم فتح مكة ، يوم النصر العظيم ، بشعاره العظيم " اذهبوا فأنتم الطلقاء " .

إشباع غريزة " النقمة " مهما تكن استحقاقاتها ، ليست مخرجا من حالات الحرج ، والاحتقان ، والتأزم . والقيم الكبرى في فضاءات المشروعات الكبرى . وإقرار هذه الحقيقة في واقع الناس يحتاج إلى الكبار من سراة الناس . المشهد السوري اليوم يحتاج إلى كل هؤلاء ، على اختلاف بينهم ، يحملون تلك القيم ، ويبشرون بها ، ويتصدون للخارجين عليها . ليكون غدنا الأرقى والأجمل ..

كثيرون يعتقدون أن " فعل عدونا بنا تشريع لنا ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ) " وحتى هذه الآية كما يقول كثير من الفقهاء والمفسرين نسخت ، بتحريم المثلة مطلقا في شريعة المسلمين .

 وما يزال بعض الناس يظن أن قوله تعالى ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ) وقوله تعالى ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) نص أنزل في فراغ . وأنه تشريع مطلق مفتوح بلا قيد . وهذا يخرج بالقائلين به عن دائرة الشرع والعقل وحقيقة أن القرآن يفسر بالقرآن .

 لم يعذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد من أصحابه من بعده ،، أحدا من المشركين ، كما عُذب ياسر وبلال ، ولم تعامل امرأة من المشركات كما عوملت سمية أول شهيدة في الإسلام . أو من عجب أن يكون أول شهيد في الإسلام امرأة . وأن أباجهل طعنها بحربة في موضع العفة منها ، على مرأى من الناس ...!!

حين نسمع اليوم على ألسنة الكثير من الذين لا يعلمون ، أغاني الموت والنقمة والثأر، بل حين نقرأ لبعض الأدعياء من المنظرين محاولات يائسة لشرعنة قيمة الثأر ببعدها المقيت ، ينبغي أن نتوقف لنتأمل ، ولنضئ بجد الشارة الحمراء . لا يمكن لنا أن نكون من هذا المشهد بمكان ، لا من قريب ولا من بعيد ، لا من أمام ولا من وراء ، ولا عن يمين ولا عن شمال ..

و هذه الثورة ثورة للحياة ، وثورة للعدل والعدل حق ، وثورة للفضل والفضل لمن سما إليه من العدل أجمل ..

وكان لأحد الرجال الكبار أرض محاددة لأرض لمعاوية ، ومعاوية يومئذ أمير المؤمنين . قالوا واعتدى غلمان رعاة لمعاوية على أرض ذلك الرجل الكبير ، فعاثوا فيها ... فكتب الرجل إلى أمير المؤمنين : إن غلمانك فعلوا بأرضي كذا وكذا ولئن لم تنههم لأفعلنّ وأفعلنّ ..

فرد عليه معاوية . وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا ابن عم ..أرضي وما عليها ومن عليها لك ، فضمها لأرضك ...

واختلف نفر من قريش ، فتحاكموا عند معاوية وهو أمير المؤمنين ، فقال : يا معشر قريش ، هل تريدون أن أفصل بينكم بالحق ، أو بما هو أجمل من الحق ؟ فقالوا : وهل هناك أجمل من الحق ؟! قال نعم : الفضل ...

نريده وطنا للعدل .. ونريد مظلة للعدل تظلل الجميع .

وأنتظر من يقول لي : ولكن ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

هل تغيرت المقاربة الروسية للتسوية السورية؟

برهان غليون

العربي الجديد

السبت 30/5/2020

لم يعد هناك أحد، لا من السوريين ولا من الدول العديدة المتورّطة في المحنة السورية أو المعنية بحلها، يجهل أن سورية تسير بشكل حثيث نحو الانهيار القريب، والغرق في مستنقع من الصعب أن تخرج منه بسهولة، ومن المستحيل أن يستفيد من وصولها إليه أي من الأطراف المشاركة في الصراع، فيها وعليها. ومع أن قلبها لا يزال ينبض، إلا أنها كالمريض المشرف على الموت، توقفت تقريبا جميع وظائف مؤسساتها الحيوية، أو في سبيلها إلى ذلك. لكن كما أثبتت وقائع السنوات التسع الماضية لم يكن أحد من المشاركين في هلاكها يُعنى بالتخفيف عنها أو إرسالها إلى غرفة عناية مشدّدة أو حتى عادية. كان كل طرفٍ ينتظر موتها لينتزع ما يستطيع من أعضائها أو دورها أو مكانتها. وهذا هو الوضع إلى الآن، فلا الأميركيون ولا الإيرانيون ولا الإسرائيليون ولا الأوروبيون والعرب معنيون بإنقاذ ما يمكن إنقاذه منها.

وحدهم الروس يبدون بعض الاهتمام بمآلات الأزمة التي تعيشها، لا حرصا على حقوق الشعب السوري أو وجود سورية ذاتها، وإنما طمعا في ألا تصبح الرهينة التي اختطفوها عبئا عليهم، بدل أن تكون مصدر إثراء لهم بكل المعاني الاقتصادية والسياسية، فهم يضعون التدخل فيها في سياق المشروع الكبير لإعادة التأهيل الجيوسياسي للاتحاد الروسي على المستويين، الإقليمي والدولي، وفي جميع المستويات، في مواجهة سعي الغرب إلى عزله وتهميشه. وما من شك في أن موت الرهينة سيفشل عملية الاختطاف، وستكون عواقبه وخيمة على مشروعهم هذا، فهو لن يحرمهم من "الفدية" الثمينة المنتظرة فحسب، وإنما سوف يجعل تدخلهم، أكثر من ذلك، نقبا على حجر، مع آثارٍ كارثيةٍ على طموحات بوتين القيصرية. من هنا، ينبع اهتمام موسكو، بعد ربح الحرب، وسعيها إلى فك العزلة السورية، ورفع العقوبات المفروضة عليها، وإعلان نهاية الحرب والعمليات العسكرية.

في هذا السياق، بدأت في الأسابيع القليلة الأخيرة تتواتر الأنباء عن احتمال أن يكون الروس قد 

"تتواتر الأنباء عن احتمال أن الروس قبلوا أو أنهم على استعداد للقبول بالتضحية بالأسد من أجل فك العزلة السورية"قبلوا أو أنهم على استعداد للقبول بالتضحية بالأسد من أجل فك العزلة السورية، والفوز أخيرا بالجائزة الإضافية التي لا يزالون ينتظرونها منذ تسع سنوات، أي تكريس دور موسكو قوة كبرى شريكة في تقرير المصائر العالمية، وقيادة عملية إعادة الإعمار التي تكتسب قيمةً استثنائية اليوم في سياق الجائحة الصحية وآثارها الاقتصادية الكارثية. ومما عزّز من الاعتقاد بصحة هذه الأخبار أنها انطلقت بالأصل من الصحافة والمؤسسات العلمية السياسية الروسية، قبل أن تصبح موضوعا للتداول في الصحافة المعارضة السورية، ثم في الصحافة العالمية بأكملها.

(2)

لكن إذا كان من مصلحة الروس، حتى لا يكونوا الخاسر الأكبر من الحرب السورية المتعدّدة الأطراف والرهانات، البحث عن مخرج، ومخرج "مشرّف" يضمن لهم تحقيق رهاناتهم الرئيسية، للأزمة السورية، قبل أن تنفجر كالدمل المتقيح في وجوههم، ويفقدوا كل شيء، إلا أنني لا أعتقد أنهم وجدوا السبيل السالك والسليم للوصول إلى أهدافهم بعد. وما كان يحول منذ سنوات دون التوصل إلى حل لما أصبحت تسمّى الأزمة السورية لم يتغير، أعني التوصل إلى تسويةٍ ترضي جميع الفرقاء، وتحقق للمشاركين الإقليميين والدوليين جزءا مهما أو أساسيا من رهاناتهم، ولا يبدو كذلك أنهم نجحوا في وضع قاعدةٍ مقبولةٍ لتقاسم الغنيمة فيما بينهم، فما الذي تغير إذن، حتى تبدو الأمور أكثر قربا من الحل مما كانت عليه في السابق؟

أعتقد أن ما يثير الأمل عند السوريين اليوم هو ما يبدو من تغيّر في المقاربة الروسية بخصوص الحل السياسي، أو التسوية التي تعنى بالتوفيق بين مصالح الدول المعنية والمشاركة لا بالمصالح السورية، حتى لو أنها يمكن أن تنعكس بفوائد جانبية عليهم، فحتى وقت قريب، وخلال السنوات التسع الماضية سعى الروس إلى أن يجعلوا من إشراك بعض الدول في القضاء على الثورة الشعبية عربونا لإقامة حلف دولي جديد مناوئ للهيمنة الغربية التي أظهرت ضعفا لافتا، وبدت مترنّحة في العقدين الأخيرين. وكان جوهر عمل هذا الحلف الجديد الذي ضم روسيا وإيران والصين ومجموعة البريكس فرض الأمر الواقع على المجتمع الدولي عموما في سورية، من خلال التمسّك بمبدأ عدم السماح بتغيير الأنظمة القائمة بالقوة، شعبيةً كانت هذه القوة أم عسكرية، مستفيدا من الإخفاقات التي شهدتها التدخلات العسكرية السابقة في أفغانستان والعراق وليبيا. ومن هنا، أصبح الدفاع عن وجود الأسد وشرعية حكمه، نوعا من التابو أو المحرّم الذي لا ينبغي لأحد أن يمسّه، والنظر إلى الجهود التي تهدف إلى تغيير نظامه، بالقوة أو بالحوار والتفاوض، تعبيرا عن المؤامرة "الكونية" التي يحيكها الغرب لتقويض سيادة الدول واستقلالها واستقرار النظام الدولي القائم.

هكذا لم يعد الأسد ذاك الرئيس الصغير الأحمق الذي يدفع ببلاده نحو الكارثة، وإنما حجر الرحى في استراتيجية دولية شاملة، تريد أن تفرض نفسها في مواجهة استراتيجية السيطرة الغربية،

"لا يزال من المبكر لنا أن "نضع أقدامنا في ماء بارد"، أو كما كانت تقول بثينة شعبان "خلصت" والأميركية خصوصا، التي تستسهل تغيير النظم والرؤساء وتقود عملياته. ومن هذا المنطلق، وضعت موسكو وبكين، العضوان الدائمان في مجلس الأمن، نفسيهما في خدمة الدفاع عن الأسد ورد الهجوم عليه من أي طرف جاء، وشل مجلس الأمن وتحييد منظمة الأمم المتحدة في المسألة السورية كليا، وتسويد صفحة الحراك الشعبي السوري، وخلطه بالتآمر الغربي والإرهاب والطائفية، تماما كما كانت تردد آلة الأسد الإعلامية والسياسية. وهكذا عطلت جميع المبادرات الدولية والداخلية، ولم يقبل لا حوار في الداخل، ولا تفاوض مع المعارضة، ولا من باب أولى الاعتراف بالفصائل المسلحة بوصفها جزءا من المعارضة، وتم تعطيل القرارات الدولية علنا وجمعا، حتى وصل الأمر إلى عدم السماح للجنة التحقيق الدولية حول استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية في البحث عن المسؤولين عن جريمة الحرب السافرة هذه. هكذا تحول شعار الأسد أو نحرق البلد من شعار "سوري" لأنصار الأسد والنظام إلى شعار روسي: تثبيت الأسد أو نحرق البلد.

لكن صمود السوريين البطولي خلال السنوات التسع الماضية، وإصرارهم على إسقاط النظام، مهما عظم الثمن، ونجاحهم في تحطيم آلته الحربية بالفعل من جهة، وتمسّك الأمم المتحدة بقرارات مجلس الأمن الداعية إلى حل سياسي، وتسوية تقوم على حوار ومفاوضات بين السوريين أنفسهم، من جهة ثانية، والتزام أكثر الدول بالعقوبات التي أقرّها مجلس الأمن على الدول الثلاث، ورفضهم التسليم بالأمر الواقع والتغطية على مسؤولية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها مليشيات النظام، لم يترك للروس وحلفائهم أي أملٍ في إعادة بث الحياة في نظامٍ يتهاوى، ويأكل بعضه بعضا. ولا شك في أن أولوية معركة روسيا للتموضع الجيوستراتيجي العالمي قد تراجعت إلى الصف الثاني أمام مواجهة الأزمة الصحية والاقتصادية والمالية التي تفاقمت بانتشار وباء كورونا، والتي زادت من أهمية التعاون والتفاهم الدوليين في حل المشكلات الكونية الطارئة. هكذا وجد الروس أنفسهم أمام خيارين: تغيير مقاربتهم للتسوية الدولية حول سورية، أو المغامرة بالغرق في مستنقع الحرب والفوضى المعمّمة في سورية وخسارة رهاناتهم.

من الممكن معاينة هذا التغير في تبدل الأولويات والتحالفات الروسية في الأشهر القليلة الماضية، فعلى غير عادتهم، أيد الروس تثبيت وقف إطلاق النار في الشمال السوري، ضد رغبة طهران ودمشق، كما أبدوا استعدادا واضحا للتعاون مع واشنطن، أتاح لهم إقامة قواعد عسكرية لهم لأول مرة شرق الفرات. ويمكن القول إن الروس اليوم أقرب إلى أنقرة والتعاون معها في سورية منهم إلى إيران التي لم يخفوا تفاهمهم مع إسرائيل على تقليم أظافرها. وفي سياق البحث هذا عن تسويةٍ تضمن لهم مصالح الدولة المنتدبة في سورية، تبدلت تصريحات المسؤولين الروس بخصوص الحوار والتفاوض، وتكاد تصريحات لافروف العدوانية والاستفزازية للأميركيين والثوار السوريين معا، تختفي أمام تسريبات الصحافة الروسية والإشارات التي لا تخطئ إلى استعداد موسكو للتفاوض على رئاسة الأسد. وفي كل الحسابات، لم يعد لبقاء الأسد أو ذهابه المعنى نفسه لدى الروس اليوم، وحتى لدى الأطراف الأخرى، بما فيها السوريون، فالجو السائد يشير إلى تهيؤ الجميع للخروج من الحقبة الماضية السائرة نحو التعفن، بكل ما كانت تمثله من مؤسسات، وفي مقدمها مؤسسة الرئاسة السورية، وما تحمله من معاني. أصبح الأسد منذ الآن، قبل أن يترك منصبه، وفي نظر جميع الأطراف، من الماضي.

(3)

ما تغير إذن في الأشهر الأخيرة، وهو مهم في مسار تطور البحث عن حل للمقتلة السورية، هو 

"أولوية معركة روسيا للتموضع الجيوستراتيجي العالمي قد تراجعت إلى الصف الثاني أمام مواجهة الأزمة الصحية والاقتصادية والمالية التي تفاقمت بانتشار وباء كورونا"تخلي روسيا عن المقاربة السياسية التي تقوم على التمسّك بأي ثمن بالأسد لتحييد التدخلات الدولية الموازية أو المضادة، وإحكام الطوق على الرهينة، وتعزيز الحلف الثلاثي الذي ضمن اختطافها، والبحث عن مقاربةٍ جديدةٍ لا تعتبر الحفاظ على الأسد، وبالتالي الدفاع عن شرعية حكمه وإعادة تأهيله شرطا للحل السياسي المحتمل، أو حتى جزءا منه. وما من شك أن هذا التغيير في المقاربة الروسية التي عبرت عنه التسريبات الصحافية من جهة، ومنه تغير أسلوب التعامل مع الأسد نفسه، وآخر معالمه البارزة تعيين ممثل شخصي للرئيس بوتين في سورية، يمكن أن يقوم بدور الوصاية على الأسد وشلته الحاكمة نفسها، أكثر منه دور وصاية على سورية، يفتح فرصا جديدة للنقاش والحوار مع الأطراف الأخرى، لأنه يترك للجميع، بمن فيهم السوريون أنفسهم، هامش حركةٍ يمكن السعي فيه إلى تطوير أفكار واقتراحات للحل، أو حتى توسيع هامش الحركة هذا، وربما إنتاج صيغ مبدعة جديدة غير صيغة فرض الأمر الواقع التي سادت حتى وقت قريب. وهو يضمر أيضا تخفيضا في مستوى طموح موسكو بقيادة تحالف دولي مضاد للتحالف الغربي، بمقدار ما يلزمها بتقديم التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة على ترسيخ التحالف والتضامن مع إيران وأعداء واشنطن في سورية والمنطقة المشرقية. ولهذا، تبدو تصريحات المسؤولين الأميركيين أكثر إيجابية بكثير مما كانت عليه تجاه الروس، حتى وصل الأمر بجيمس جيفري، إلى القول إن جميع القوى الأجنبية سوف تخرج من سورية بعد التسوية، بما فيها القوات الأميركية، ولن يبقى فيها سوى القوات الروسية. وما من شك في أن وقف إطلاق النار الذي تحقق في الأشهر القليلة الماضية في شمال غربي البلاد، بالتفاهم مع أنقرة، كان ثمرة هذا التعاون الروسي الأميركي ولو أن أنقرة كانت الموقعة والمشرفة عليه. فتركيا تبقى في المحصلة، على الرغم من خلافاتها في الحسابات الاستراتيجية العالمية مع الغرب، شريكة له إن لم تكن جزءا منه.

هكذا بعد أن كان الإصرار على وجود الأسد الورقة الرابحة في يد موسكو خلال السنوات التسع 

"ليس الأسد نفسه سوى السدادة التي ما إن تنتزع من مكانها حتى تنفر إلى السطح مياه المجارير القذرة المتراكمة منذ عقود"الماضية. وبالتلويح الدائم بها، والإصرار على تأكيد شرعية الأسد وحقه في البقاء في السلطة، وترشيح نفسه لأي ولايةٍ قادمة، عطلت روسيا قرارات الأمم المتحدة جميعا، ومعها أي تسوية سياسية في سورية، وبقاء الأسد يعني استمرار نظامه، أصبح الآن التخلي عن الأسد، أو الإعلان عن الاستعداد للتخلي عنه، هو الورقة الأهم في الاستراتيجية الروسية للخروج من المستنقع السوري الآسن. وربما يصبح بعد فترة، إذا لم تنجح في تسويق ترحيله، إلى عبء مكلف وعقبة في طريق التوصل إلى تسوية روسية دولية، بدل أن يكون ورقة ضغط رابحة.

هل يعني ذلك أن الأمور استوت، كما نقول بالعامية، وإن طبخة التسوية للحرب السورية الإقليمية والدولية قد وضعت على نار حامية، ولم يبق لنا إلا انتظار الحل؟

سوف أحاول في مقال قادم أن أقول لماذا لا يزال من المبكر لنا أن "نضع أقدامنا في ماء بارد"، أو تردد كما كانت تفعل بثينة شعبان "خلصت"، فلا يكفي الاستعداد الروسي للبحث في حل، حتى يصبح الحل جاهزا. ينبغي أن نعرف فيما إذا طرأت تغيرات إيجابية أيضا في هذا السياق على مقاربات الأطراف الأخرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وإسرائيل وتركيا وإيران، وما هي مشاريعها المقبلة لسورية، وهل تتفق مع الرؤية الروسية لما بعد الأسد، وهل لديها الاستعداد للمساهمة في بناء "السلام الروسي" في سورية. ثم إنه لا ينبغي علينا الاستهتار بالإرث الثقيل الكارثي لحكم الأسد الطويل، فليس الأسد نفسه سوى السدادة التي ما إن تنتزع من مكانها حتى تنفر إلى السطح مياه المجارير القذرة المتراكمة منذ عقود، وتفوح الروائح الكريهة الصعبة الاحتمال. وما لم يكن لدى موسكو الاستعداد والوسائل لمعالجة هذه المياه القذرة، والكثير من المعقمات والكمّامات، سوف تجد نفسها غارقةً، من رأسها حتى أخمص قدميها، في مستنقعها الآسن. لكن ما هو أهم من ذلك هو تلمس فيما إذا كان تغيّر المقاربة الروسية يفتح للمعارضة والنشطاء السوريين آفاقا ما لاستعادة روح العمل والمبادرة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com