العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-04-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

جيوبوليتيك الصراع في الشرق السوري

عماد غليون

حرية برس

الخميس 4/4/2019

لا يشكل إعلان التحالف الدولي الانتصار النهائي على تنظيم داعش في معقله الأخير جيب الباغوز سوى انتقال الصراع  في سورية إلى حلقة وأشكال جديدة؛ ولن يتضح مصير مناطق الشمال والشمال الشرقي الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية قبل انكشاف توجهات العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية المتشابكة.

طغى على احتفالية الباغوز الخطاب القومي الكردي وسط تغييب تام للرموز الوطنية السورية؛ وجرى التركيز فيها على  مناطق الإدارة الذاتية والدعوة لإجراء انتخابات فيها؛ ولم يطرح فيها انفصال ما يسمى إقليم غرب كردستان بقصد الابتعاد عن توجيه استفزازات مباشرة لتركيا.

تندرج معادلة الجيوبوليتيك في الشرق السوري في إطار الحالة السورية المعقدة ككل؛ من حيث غلبة التدخلات  الخارجية وطغيانها على عوامل القوة والتأثير الداخلية.

على الصعيد الداخلي؛ فقدت كافة الأطراف السورية القدرة والفعالية في توجيه الملف السوري وبالتالي فشلت في تحقيق الأجندة الوطنية أو حتى مصالحها الفئوية؛ فقد بات نظام الأسد خاضعاً للسيطرة الروسية الإيرانية المباشرة رغم حصوله على مكاسب ميدانية كبيرة في الآونة الأخيرة؛ لكنه خسر السيادة الوطنية لصالح القوات والقواعد العسكرية   المنتشرة على طول الأراضي السورية بحجة حماية النظام؛ وفي المقابل تراجعت المعارضة السياسية وفقدت نقاط قوتها وحرية قرارها لصالح الدول الداعمة وتحولت لهيئات مشتتة غير فاعلة؛ وما تبقى من فصائل المعارضة العسكرية  باتت تتبع  للقيادة التركية في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون؛ أو تقع  تحت سيطرة  هيئة تحرير الشام في إدلب وما حولها والتي تحاول من خلال اتفاقية خفض التصعيد تثبيت وجودها وتلافي تعرضها لحرب روسية ضارية ضدها عبر إبرام  تفاهمات مع الأتراك؛ أما قوات سورية الديمقراطية فهي تستمد قوتها من دعم قوات التحالف الدولي بعد قيامها بقتال داعش تحت إمرة التحالف؛ وهي تستشعر خطر انسحاب تلك القوات الذي سيجعلها مكشوفة دون غطاء؛ وقد اتضح ذلك بالفعل عند إعلان الانسحاب الأمريكي الذي جرى تأجيله ثم تعديله؛ ومشكلة قوات سورية الديمقراطية أنها لا تتمتع بحاضنة شعبية اجتماعية واسعة حتى في بعض الأوساط الكردية؛ إضافة إلى أنها تتعرض لعداء مبطن واسع من عشائر عربية قد ينقلب ضدها في مقاومة ضارية.

في التداخلات الخارجية لملف الشرق السوري؛ يبرز أولاً التحالف الدولي الذي أعلن منذ البداية أهدافه في الحرب على داعش؛ لكنه لا يزال يرغب في استغلال الملف الكردي لابتزاز تركيا وممارسة ضغوط عليها لإبعادها عن التسلح من روسيا أو التحالف معها؛ ويتلقى التحالف مساندة إقليمية واضحة حيث تلقى حملته التمويل من السعودية والإمارات  بحجة إبعاد تركيا عن المحور الإيراني.

دعمت روسيا الأكراد ثم تخلت عنهم لصالح اتفاق مع تركيا؛ وأتاحت لتركيا التقدم في مناطق كردية مهمة في الشمال خاصة عفرين وأعزاز الأمر الذي قوض مشروع التقسيم الكردي؛ وبالمقابل تخلت تركيا لها عن مناطق مهمة واقعة تحت سيطرة المعارضة في حلب وغيرها؛ وقد تكون عودة مناطق الشمال الشرقي لحضن النظام حلاً جيداً تقبله تركيا باعتباره يعزز سلطات النظام ويدعم وجهة نظر روسيا ودعواتها في إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والتطبيع مع النظام بالضرورة.

ليس من المتوقع أن تتخلى إيران بسهولة عن تواجدها الذي بات قوياً في سورية؛ وهي تتغلغل بشكل واسع عن طريق نشر التشيع وتشكيل ميليشيات محلية طائفية متعاونة معها؛ وهي تتجنب الوقوع في صدام مباشر مع “إسرائيل” ولا تقوم  بالرد على هجماتها المتكررة على قواعدها ومستودعاتها؛ وتريد إيران الحصول على خط إمداد بري مفتوح من الشرق باتجاه العراق وإيران ولا تسعى للاحتكاك المباشر أو التصادم مع قوات سورية الديمقراطية.

تبقى “إسرائيل” هي اللاعب الأخطر والمستفيد الأول من الملف  السوري؛ بعد تدمير قدرات وإمكانيات الجيش السوري  والبنية التحتية وتحويل سورية إلى دولة فاشلة؛ حصلت على هدية ترامب الاعتراف بسيادتها على الجولان المحتل؛ ولا تخفي اسرائيل دعمها الأكراد ومشاريعهم الانفصالية التي تخدم توجهاتها بتفتيت دول المنطقة.

لن تقبل تركيا استمرار تواجد ميليشيات كردية على حدودها الجنوبية تقوم بتهديد أمنها القومي؛ ورغم أنها مستعدة لخوض حرب ضد قوات سورية الديمقراطية لكنها تدرك أن ذلك قد يجرها لمواجهات مباشرة مع القوات الأمريكية والفرنسية؛ ولن تنفعها  أي مقايضة جديدة مع الروس حتى لو تعلق الأمر بإدلب؛ ويشعر الرئيس التركي أردوغان بالحرج الشديد من تراجعه المتكرر عن بدء عملية عسكرية خشية الوقوع في أزمة خارجية تلقي بتداعياتها على الداخل التركي.

للخروج من حالات التصادم الداخلي والخارجي في ملف الشرق السوري يمكن توقع حلّ يضمن الحد الأدنى من مصالح كافة الأطراف الفاعلة؛ وتبدو ملامح الحل في قبول تركيا والنظام إعادة تفعيل اتفاقية أضنة عام 1998 وإجراء تعديلات عليها؛ وقد جرت بالفعل اتصالات بين النظام وتركيا لهذه الغاية؛ ويلي ذلك عودة مناطق سورية الديمقراطية  إلى سيطرة النظام مع استمرار الإدارة الذاتية بصلاحيات فيدرالية واسعة وهو ما يلبي تطلعات الأكراد؛ ويلقى ذلك بالتأكيد تأييداً قوياً من روسيا وإيران؛ ويشكل موقف دول التحالف بيضة القبان ولا يمكن تصور حلّ بدون إغلاق دول الناتو ملفات الضغط على تركيا والتي يبدو أنها قد تتصاعد انطلاقاً من الشرق السوري باتجاه أنقرة؛ وتبقى قوى المعارضة والثورة السورية الغائب الأكبر عن دائرة القرار والفعل.

===========================

موقفنا: كتب عن انتصاراتنا الخفية ... لنعززها ونكرسها

زهير سالم

7/ 4 / 2019

مركز الشرق العربي

وربما أكتب لكم تحت هذا العنوان الكثير . وأعتبر الكتابة تحت هذا العنوان واجب الوقت ؛ لمواجهة مد مشيعي الهزيمة والمنهزمين ، القارعين على طبول اليأس ، المبشرين بالليل الطويل .

لقد تحصل ما يقرب من عشرة ملايين سوري في كل أطراف العالم على تجربة فريدة في الإدراك والوعي والأمن والحرية وتحمل المسئولية ولو الفردية .

صحيح أن الذين في المخيمات يخافون البرد والجوع ولكنهم لم يعودوا يخافون " طائرات بوتين ولا ضباع الولي الفقيه ولا براميل بشار الأسد ولا رجال عصاباته ومخابراته " .

عشرة ملايين سوري تحرروا من هاجس " الجدران لها آذان " . وكلهم في مهاجرهم يتكلم ويرفع صوته . بعضهم ينتقد حتى الدول التي تستضيفه ، ويسمع الفرنسي ينتقد بل يسخر من رئيسه ، والبريطاني يتملح بالحديث عن حكومته والألماني والسويدي والدانمركي وحتى في دول الجوار الثلاثة وأنعم ..سورية وحدها كانت وما زالت مملكة الخوف ..وعليها هذه المملكة تم الانتصار.

عندما كنا صغارا كنا نخاف الدخول إلى الغرف المظلمة . يوما بعد يوم كبرنا . وهذا ما حدث مع السوريين اليوم كلهم كبروا . وكل واحد في الأرض التي قسم له أن يعيش تجربتها كانت له تجربة أن الظلام لا يخيف . ولو لم تكن الخيم في عرسال أو في الركبان أو في المفرق أو في المخيمات التركية أكثر أمنا ولا أريد أن أزيد لما التصق بها اللاجئون ..

عشرة ملايين سوري خرجوا من سورية بعقول وقلوب ونفوس وسيعود إليها من سيعود خلقا آخر . وإذا كان الوطن رحم كما يقولون فليس من المعقول أن يعود وليد إلى الرحم الذي خرج منه بالطريقة التي ينصحون . بل لعله من رحمة الله بنا أن ذاكرتنا لم تسجل تقلبنا في الأصلاب والأرحام !! يتساءل البعض بسذاجة : كم كان الرحم دافئا ؟ كم كان الرحم آمنا ؟ ويجيبه عالم البيولوجيا بتفصيل أكثر عن عالم كان ...تصوره لنا اليوم التكنولوجيا بما يثير فينا العجب وأشياء أخرى كثيرة منها الغثيان.

والعشرة ملايين إنسان من المهجرين السوريين سيكونون بلا شك ..أومن سيعود أو من سيعاد منهم أو من سيبقى منهم جسرا للعبور إلى سورية جديدة ..سورية التي يغلب تجانسها الطبعي تجانسها المطبع على الطريقة الأسدية ، لتكون سورية كما يجب أن تكون .

عشرة ملايين سوري قد خاضوا تجربة فريدة في معان كثيرة أجملها ذواق طعم الحرية ، وطعم المسئولية ، وطعم الأمن والأمان ..

بعض الناس يظن أن باعث الخوف في سورية فقط هو رجل المخابرات وانك إذا ابتعدت عن السياسة بعدت عن الشر وغنيت !! وينسون خوف البائع السوري من رجل التموين ؟ وخوف السائق السوري من شرطي السير؟ وخوف القادم السوري من رجل الجمارك ؟ وأخوف الصناعي السوري من شريك الفيفتي وليس الففتين ولا الفايف ..

لا أعلم لماذا يسكت المحللون السياسيون ودارسو الظواهر الاجتماعية عن دراسة المخرجات الموضوعية لمثل هذه المدخلات .. ولماذا يغطون على حجم المتغيرات والتداعيات ؟!

ومن حق أن يذكرنا بعضهم بما عاناه هؤلاء اللاجئون أحيانا من معاناة يومية ، من ضنك ومن قسوة ومن عذاب ومن تمييز سلبي ، ومن دروس قاسية ..

ولهؤلاء نقول : إن الباحثين عن الحقيقة لا يختبئون وراء أسمال الإنكار . إن تجربة الاغتراب برمتها تجربة ثرة غنية متعددة الوجوه والانعكاسات والتداعيات وهذا حق لا شك فيه ولا ريب ..

نزعم موقنين : أن هؤلاء المغتربين من سيعود منهم إلى وطنه سيعود أرقى وعيا ، وأصلب عودا ، وأشد مراسا ، وأغنى تجربة ، وأدرى بما يأتي وما يدع ,,

وأن من سيعود منهم إلى وطنه فسيعود وقد خبر من المجتمع الدولي ما خبر ، وقد عرف من المجتمع السوري ما عرف ، ومن الشعارات ما ينفع منها وما يضر ..

هذا الاغتراب هو انتصار بل هو دورة واقعية حية على معاني الحرية والمسئولية يكسبها كل من عاشها كل بطريقته ..

انتصار خفي يحتاج لتعظيمه وتكريسه إلى ريادة الرواد لتعزيزه وتكريس المعاني الإيجابية منه وفيه ..

هذا حديث الانتصار الخفي في عقول وقلوب من سيعودون . أما الذين سيبقى الوطن في قلوبهم وقلوب أجيالهم فسيكون لهم شأن آخر ، وعليهم واجبات أخرى في صنع الانتصار القادم العظيم ..

وأعجب وتعجبون ..

ـــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

هل انتهت الحرب في سوريا؟

هدى أبو نبوت

حرية برس

الاربعاء 3/4/2019

سوريا إلى أين؟ سوريا التي تعيش منذ العام 2011 مرحلة تاريخية تطمح إلى الانعتاق السياسي والاجتماعي، متأثرة بحلم الربيع العربي الكبير، أصابت شعبها عدوى الحرية والكرامة التي حرمت منها أجيال عديدة منذ استلام حافظ الأسد للسلطة، لم يكن تغيير نظام الحكم ما يسيطر على ذهن السوريين في ذلك الوقت بل كل ما أرادوه هو أن يرفعوا أصواتهم، يسبوا ويلعنوا ويقولوا لا حتى لو كان اعتراضاً على ارتفاع ثمن جرزة البقدونس، لا أحد يعلم كيف كنا نعيش، لا أحد يتوقع حجم الذل المتواري بسبب الخوف، من كان يستطيع المرور بأحد الساحات والوقوف دقيقة واحدة متأملاً أحد تماثيل حافظ الأسد؟

الثورة بحد ذاتها كانت معجزة حقيقية، ولكن لم تكن الهدف بل كانت وسيلة لنا كسوريين لنعرف أن هناك عوالم أخرى يمكن أن نجرب العيش فيها بدون حافظ وبشار الأسد، كل ما أردناه هو حق التجربة ولم نكن حالمين لدرجة أننا كنا متأكدين من النجاح بل كنا نعلم علم اليقين ماذا يمكن أن تفعل هذه العائلة التي اختصرت سوريا بـ(سوريا الأسد)، وتحول اليقين إلى واقع ولكن حتى نكون منصفين لم نتوقع أن يكون الواقع بهذا السوء ودفع هذه الفاتورة الخيالية، دون أن ننجح في تغيير شيء واحد في سوريا وليس النظام السياسي فقط، فها هو النظام يعلن النصر وكثير من دول العالم تحاول أن تجد طريقة لإعادة تأهيله من جديد، ولكن هل انتهت الحرب في سوريا بالفعل؟

في “سوريا الأسد”، أعلن النظام أن المؤامرة الكونية ضده انتهت وأنه أحبط كل المحاولات التي تهدف إلى تقسيم سوريا وأنه خاض الحرب ضد كل دول العالم … وأنه انتصر. بعد خلو البلاد من نصف سكانها، بين الداخل الغير خاضع لسيطرة النظام حتى الآن، محافظة إدلب وريف حلب، والرقة وديرالزور، وهي تشكل مايقارب ثلث سوريا، ويسكنها أكثر من 6 ملايين مواطن، وأكثر منهم خارج سوريا في المخيمات أو دول اللجوء.

رغم ذلك هو انتصر؛ لأنه ما زال يملك السلطة في سوريا ووهب من يعيش فيها صفة الاصطفاء حيث أعطاهم شرف الانتماء والوطنية ووصم الملايين المتبقين بالخونة والإرهابيين والمرتزقة، فمن سيهتم بمصير إرهابيين؟ ومن تابع ردة فعل السوريين على نتائج المعركة التي خاضها التحالف مع قسد لإنهاء داعش، لاحظ بكل دقة كيف استطاع النظام وصم مناطق بعينها بالإرهاب، فقط لأنها خضعت تحت سلطة فصيل أو تنظيم ما، دون التمييز بحق المدنيين والنساء والأطفال الذين ذاقوا الويلات من قصف النظام سابقا وجحيم التحالف لاحقاً.

هو أعلن نهاية الحرب، فقد تخلص من خلال التسويات من سلاح الفصائل وهجر كل من يرفض العودة إلى حضن الوطن إلى خارج اسوار سوريا الأسد، واحتفظ بحق الرد بما يخص سوريا الخاصة به.

ولكن تلك التي تخلى عنها حافظ الأسد (الجولان) لا يعرف عنها شيئاً ولا تعنيه، صورة المنسف من تراب الجولان يجتمع عليه محافظ ونائب محافظ وبعض أعضاء حزب البعث يصفقون ويرفعون صوتهم بعبارات التصدي والصمود تحت قيادة السيادة الحكيمة كافية لمحو توقيع ترامب بضم الجولان إلى الأرضي الإسرائيلية وإعادة الوضع كما كان في السابق، حتى يبقى هناك حجة للتشبيح اللفظي كما فعل علي الديك في البرنامج الذي بثته mtv، ويهدي دريد لحام ولاية كاليفورنيا الامريكية إلى المكسيك في سكيتش ساخر يختصر انفصال النظام ومؤيديه عن الواقع، ويثبت للسوريين جميعا مرة أخرى أن بقاء هذا النظام يوازي فناء سوريا، فكيف سيكون حاضراً في قضية الجولان المعلقة من عشرات السنين دون أن يحرك ساكنا، وهو لم يتحرك في معارك الشمال الشرقي الآنية للقضاء على فلول التنظيم الذي تغنى سنوات طويلة بمحاربته، مستغلا فظائع داعش بحق السوريين ليمارس بحق كل معارضيه ماهو أبشع وأفظع، ورغم أن رحى حرب أخرى كانت تدور بين قوات التحالف وقسد من جهة وبقايا (داعش) من جهة أخرى، وامتلاء المخيمات بآلاف المدنيين المشردين من نتائج هذه الحرب في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة تحت سلطة قسد، وأخبار الباغوز التي ملأت الشاشات والانتصار الساحق الماحق الذي أعلنته قوات قسد بنهاية الحقبة السوداء التي لوثت تراب سوريا، ولكنه بكل صفاقة كان غائباً تماماً عن هذه الأحداث في نهايتها، فهذه الأرض برأيه لم تعد تنتمي لسوريا، وهو من بداية الثورة استغنى عنها لصالح داعش وقرر شطبها من سوريا الأسد.

وفي سوريا الأسد، انتقل النظام بسرعة البرق من مرحلة الانتصار إلى مرحلة الإعمار، وكان في أحلى حلة تماماً كما هو متوقع منه، فالتفت للاهتمام بالمواطنين السوريين الذين اصطفاهم لينعموا بانتمائهم إليه، طوابير من الناس تصطف لتحصل على الغاز والمازوت لم تشهدها سوريا حتى في أحلك ظروف الحرب قسوة، انقطاعات جديدة وطويلة لشبكة الكهرباء والماء غير مبررة وغير مفهومة، لم يعد في جعبة النظام من حجج يلصقها بالمعارضة عن مسؤوليتهم الكاملة في قطع الكهرباء والماء عن المواطنين، فأصبح يتحدث وزير الكهرباء بكل عنجهية عن خطته لمواجهة مشاكل انقطاع الكهرباء بتلقي مساعدات من المستخدمين السوريين بتقنين استخدام الكهرباء والاعتماد على البدائل (الليدات) كحل عملي لمواجهة الأزمة، وأصبح كل إعلامي موالٍ يفكر بانتقاد الفساد وتغاضي الحكومات عن مشاكل الشعب وتركهم يغرقون في الفقر والجهل يتوارى في السجون دون تهم تماماً كما تعامل مع المعارضين سابقاً، متجاهلا كل سنوات التشبيح الإعلامي الذي قدموه هؤلاء الاعلاميين لتلميع صورة النظام في عيون مواليه.

ولم يكتف النظام بإعلان النصر، بل أعلن عودة الأمن والأمان إلى ربوع سوريا الأسد، وأظهر جموع السوريين يهرعون إلى الساحات للاحتفال بإعادة تنصيب تماثيل حافظ الأسد من جديد في الساحات، وسط حفلات دبكة ورقص وغناء احتفالاً بهذه الإنجازات، لا يهم إن كانت الليرة السورية في الحضيض، والأسعار تحلق في السماء، والشعب يرزح تحت خط الفقر، ويعاني كل يوم لتأمين الطعام لمن تبقى من عائلته، لا يهم إن تحول أطفال دمشق إلى مشردين، تغزو فيديوهات إدمانهم على مادة الشعلة منصات التواصل الاجتماعي، لأنهم ليسوا من سوريا الأسد فهم على لسان وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ظاهرة جديدة غزت دمشق الياسمين من الريف، ويستحقون ما يحدث لهم كما صرح مجلس الشعب فهم أولاد مسلحين حتى لو كانوا موتى ويرقدون تحت التراب، وأما أخبار الانتحارات بالجملة المتنقلة من طرطوس إلى اللاذقية وحمص ودمشق بطرق مختلفة ولأسباب متشابهة تختزل بالفقر وضيق الحال، فهذه الحوادث لا ترقى لإصدار بيان بحقها لأنها مجرد تصرفات فردية لأشخاص يعانون من أمراض نفسية لا يجوز تلطيخ صورة سوريا الأسد بها وتداول أخبارها.

هناك واقع مزرٍ بل مخيف وأكثر من مرعب يحاول النظام وكل داعميه ويشترك معهم المجتمع الدولي في الترويج له في المرحلة الراهنة، أن المشكلة الأهم تم حلها وهي إنهاء الحرب، لا توجد طائرات تحوم ولا قنابل ومعارك جانبية لقد انتهت الحرب، فيجب الانتقال إلى مراحل أخرى لحل الصراع، ولكن الجميع يعلمون تماماً أن الرماد الذي لا يخمد هو بمثابة حرب جديدة، غير متوقعة وغير محمودة العواقب، كنا نظن أن ما عشناه خلال الحرب هو الجحيم ولكن حتى الجحيم له درجات وكل الخوف ألا يكون العالم قد فهم حتى الآن أن القضية السورية لم تنته بنهاية الحرب وأن أبواباً جديدة للجحيم قد تفتح عاجلاً أم آجلاً، إذا لم يلتفت المجتمع الدولي إلى الكوارث الحقيقية التي خلفها هذا الصراع، وأن الحل مستحيل ببقاء الحال على ما هو عليه وبقاء النظام بالصورة ذاتها وكأن تاريخ آذار 2011 لم يكن، فعليهم أن يستعدوا للأسوء الذي لا نستطيع نحن السوريين توقع ماهيته.

===========================


المعارضة السورية.. عروض مجّانية

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 3/4/2019

أطلقت جهات سياسية سورية معارِضة أخيراً مبادرات لحلّ الصراع في سورية، انطوى بعضها على عروضٍ "مرنة"، أمل تجسير الهوة مع النظام ورعاته الإقليميين والدوليين؛ وفتح باب للولوج في عمليةٍ سياسيةٍ مثمرة، متجاهلةً ألف باء المفاوضات السياسية ومستدعياتها، إنْ على صعيد طبيعة العرض السياسي وتوقيته، والحسابات المرتبطة به، أو على مستوى ترك مجالٍ للمناورة والمساومة خلال مراحل التفاوض، كي لا تقع أسيرة فرضياتها وسقوفها، وتجد نفسها في موقف المستسلم أو الرافض، وهو في الحالتين غير ملائم لقوى تريد تحقيق أهدافها. يستدعي تقديم عرض سياسي، منطقي وعملي، إجراء حساباتٍ دقيقةٍ ومركبة، تتناول عناصر المشهد السياسي بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية، وتقدير موقف لميزان القوى والمصالح؛ يحصر القوى ومصالحها وشروط قبولها عقد صفقة، والتوقيت المناسب لتقديم العرض، قبل صياغته، وتحديد عناصره وآليات تنفيذه بمراحلها وحدودها في الزمان والمكان وسقوفها الدنيا والعليا مع التحوّط للمناورات، والاحتفاظ بأوراق تفاوضيةٍ لاستخدامها في اللحظة المناسبة خلال مراحل التفاوض أو التنفيذ.

عرف تاريخ الصراعات والعلاقات الدولية نشوء مناهج وقواعد لإدارة تفاوض ناجح، لعل أشهرها ذاك المسمّى "المباراة" الذي يقوم على ممارسة عملية تفاوضٍ افتراضية، إذ يقوم أشخاص ذوو خبرة بتجسيد مواقف الأصدقاء والخصوم، وتسجيل المواقف المحتملة، والردود عليها، ووضع تصورات وسيناريوهات للاحتمالات التي استنتجت خلال "المباراة"، يزوّد بها الفريق المفاوض عند انطلاق المفاوضات الفعلية.

ستركز هذه المقالة على عنصر التوقيت في المبادرات التي أعلنت (إعلان مبادئ فوق دستورية، المبادرة الوطنية، الحوار السنّي العلوي، اللامركزية الديمقراطية) ومدى منطقيتها، لجهة محتواها وتوقيتها، وفق معطيات الصراع ببعديه: الصراع في سورية والصراع على 

"الفرصة في الظروف الراهنة معدومة، فالعامل المحلي ما زال يرواح عند خيار النظام وداعميه" سورية، وقدرتها على استدراج عروض من النظام ورعاته.

في قراءة للعوامل المحلية والإقليمية والدولية الراهنة، ولفرص التفاوض على حل سياسي، يمكن القول إن الفرصة في الظروف الراهنة معدومة، فالعامل المحلي ما زال يراوح عند خيار النظام وداعميه، القائم على رفض مطالب المعارضة بتغيير سياسي، والدخول في مرحلةٍ انتقالية، والتمسّك بأولوية السيطرة على جميع الأراضي السورية، بالقوة أو بالمصالحات، والتفاوض على شروط العودة إلى "حضن الوطن"، وعجز قوى المعارضات السياسية والعسكرية، عن إحداث تغييرٍ في ميزان القوى، بحيث تفرض على النظام وحماته الذهاب إلى مفاوضاتٍ جدّية، فالتوازن العسكري في صالحه، ما يجعله غير معني بالتفاوض، "لن تحقّق المعارضة بالسياسة ما عجزت عن تحقيقه في الميدان"، وفق ما يُعلن رجال النظام.

ليس العامل الإقليمي أقلّ استعصاءً من ذلك المحلي، في ضوء تعدّد القوى الإقليمية المنخرطة في الصراع على سورية (إيران، تركيا، إسرائيل، دول عربية، وخصوصاً دول الخليج)، وتناقض مصالحها وخياراتها وصراعاتها البينية، وسعي كل منها إلى تعظيم مكاسبها عبر حسم الصراع على سورية، أو تحقيق نفوذ لتقييد الخصوم وعرقلتهم على أقل تقدير. أضاف قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، إلى المشهد تعقيداً إضافياً، بتعزيز سردية أطراف إقليمية ومحدّداتها في إدارة الصراع، ووضع أطراف أخرى في موقف صعب؛ بنسف سرديتها وانكشاف ضعفها في مواجهة منافسيها. هذا، وبإضافة تقاطع مصالح هذه القوى وتعارضها مع مصالح (وخيارات) القوى الدولية المنخرطة في الصراع (روسيا، والولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، إيطاليا)، ووزن مشاركة كل قوة ودورها، والنفوذ الذي حازته سياسياً وعسكرياً؛ وموقف كل منها من القوى المحلية وخياراتها، يمكن أن نلمس حجم الاستعصاء وتجسيداته من خلال عدد القوى والاشتباكات 

"هنالك اشتباك تركي ــ إيراني على نفوذ كل منهما، واشتباك آخر إسرائيلي ــ إيراني وإسرائيلي ــ تركي على النفوذ في سورية" الحاصلة بينها، والأبعاد التي يضفيها التنافس الروسي ــ الأميركي على هذه الاشتباكات: اشتباك أميركي ــ تركي على خلفية الموقف من دور القوى الكردية الحليفة لواشنطن، ومصير إدارة الحكم الذاتي شرق الفرات، وربط واشنطن انسحاب قواتها بضمان حماية الحلفاء، وتحديد نطاق التدخل التركي؛ والتلويح بالبقاء شرق الفرات بقوةٍ قدرها ألف جندي، ما لم تقبل تركيا بمطالبها. اشتباك روسي ــ تركي على مصير النظام السوري. اشتباك روسي ــ إيراني على حصة كل منهما في سورية (زيارة رئيس النظام طهران وعقد اجتماع قائدي أركان إيران والعراق مع قائد أركان النظام في دمشق، وتلزيم إيران بإدارة ميناء اللاذقية، والدخول في مفاوضات إيرانية عراقية سورية، لفتح طريق بري يربط الدول الثلاث، والعمل على ترتيب زيارة رئيس النظام لبغداد، وردّ روسيا بالتفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو على تشكيل فريق عمل دولي لبحث إبعاد القوات الأجنبية من سورية، وإرسالها وزير دفاعها إلى دمشق لتحذير النظام من الانجرار وراء الرغبات الإيرانية في الهجوم على إدلب وشرق الفرات، والتعبير عن تحفظها على فتح الطريق؛ وتعبيرها عن غضبها، عبر تأييد تظاهرات معارضة في درعا البلد، وإزالة صور رئيس النظام من معبر نصيب وبعض قرى حوران). زاد هذا الاشتباك سعي النظام إلى استثماره (الاشتباك) وابتزاز طرفيه دقة وتعقيداً. ثم هناك اشتباك تركي ــ إيراني على نفوذ كل منهما في سورية، واشتباك آخر إسرائيلي ــ إيراني وإسرائيلي ــ تركي على النفوذ في سورية... إلخ.

العامل الدولي أكثر دقةً وحساسيةً في ضوء امتداداته وحساباته البعيدة والقريبة، إذ جاء الانخراط الروسي السياسي والدبلوماسي والتدخل العسكري المباشر، بالترابط مع اشتباكات أميركية روسية على أكثر من ساحة (تمدّد حلف شمال الأطلسي "الناتو" نحو الحدود الروسية الغربية بضم مزيد من دول أوروبا الشرقية للحلف، ونشر الدرع الصاروخية في رومانيا وبولونيا وجمهورية التشيك وتركيا، وتخزين أسلحة للحلف في دول البلطيق). ردت روسيا، لاعتبارات قومية ومصلحية، أولها الرد على الاستهانة بها وتجاهل مصالحها، وثانيها العمل على استعادة مكانتها ودورها على الصعيدين الإقليمي والدولي، فجاء هجومها على جورجيا عام 2008، واقتطاع أراض منها وإقامة جمهوريتين مستقلتين: أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. تجاهل الغرب تحركها بدعم موجة الثورات في دول أوروبا الشرقية، الثورات الملوّنة وفق موسكو، وضرب مصالحها في ليبيا عبر دعم المعارضة الليبية وإسقاط نظام القذافي، وإسقاط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، حليف موسكو، فردّت بالهجوم على أوكرانيا واقتطاع أراضٍ في شرقها وإقامة جمهوريتين "شعبيتين"، لوهانسك ودونيتسك، يوم 11/5/2014، واحتلال جزيرة القرم وضمها إليها؛ قبل أن تزج قواتها إلى جانب النظام السوري الذي أشرف على الانهيار صيف 2015، ما كان سيؤدي إلى خروجها من البحر الأبيض المتوسط. أصرّت روسيا والغرب على إدارة الملف السوري، وممارسة ضغوط عنيفة وسياسية، عبر تمسك كل منهما (الغرب وروسيا) بتصوره الخاص للحل: مخرجات مؤتمرات جنيف في مواجهة مخرجات مؤتمرات أستانة وسوتشي، واعتبار كل منهما الأخرى عدواً استراتيجياً، فرض عقوبات أميركية شديدة، لا على روسيا فقط، بل على الدول التي تشتري أسلحة روسية.

لم يقف التحدّي الروسي للغرب عند حدود حماية النظام السوري ومنع سقوطه، بل بدأت روسيا 

"أصرّت روسيا والغرب على ممارسة ضغوط عنيفة وسياسية في إدارة الملف السوري، عبر تمسك كل منهما بتصوره الخاص للحل" العمل على تحقيق اختراقات ومكاسب في: مصر (بيع أسلحة ومناورات مشتركة وإقامة مفاعل نووي في منطقة الضبعة)، وليبيا (دعم قوات خليفة حفتر)، والسودان (العمل على إقامة قاعدة بحرية، تجعلها جزءاً من معادلة البحر الأحمر وخليج عدن)، وجمهورية أفريقيا الوسطى (أرسلت مقاتلين من مرتزقة فاغنر لدعم النظام الحاكم ضد معارضيه عام 2017)، وعزمها إقامة مركز خدمات لوجستية في إريتريا، والعمل على دق إسفين بين تركيا، العضو في حلف الناتو، والولايات المتحدة عبر تحقيق بعض طموحات تركيا في سورية (مباركة عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون والتنسيق معها في إدارة ملف إدلب وشرق الفرات وبيعها صواريخ إس 400 بالإضافة إلى مد أنابيب غاز روسية عبر أراضيها، وإقامة مفاعل نووي بقرض طويل الأمد)، والضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من سورية، باعتبار وجود قواتها غير شرعي، وأخيراً الانخراط في الصراع الفنزويلي بدعم بقاء النظام، وإرسال قوات ومساعدات غذائية. كانت دوائر في المعارضة السورية، وما زالت، قد تبنّت تقديراً يربط التدخل الروسي في سورية بموافقة أميركية، وكأن ما يدور بين الدولتين من صراع، مسرحية أو لعب أطفال، لم يميز بين الموافقة وغض النظر لحسابات واعتبارات تكتيكية.

وعليه، يقود كل ما تقدم من معطيات إلى استنتاجٍ رئيس أن هدف الحراك السياسي، الإقليمي والدولي، الراهن، ليس الحل السياسي بل إدارة التناقضات، لمنع صدام كبير بين القوى الإقليمية والدولية على الأرض السورية. ملاحظة إضافية على فحوى المبادرات أن القوى التي تقف وراءها، وهي تسعى إلى إنجاح مبادراتها، قد استنزفت رصيدها التفاوضي، بالتخلي عن سردية المعارضة ومطالبها، وعدم الاحتفاظ بأوراق، ستحتاج إليها خلال مراحل التفاوض.

===========================


مرفأ اللاذقية: رأس حربة إيرانية متقدمة في البحر المتوسط؟

علي حسين باكير

سوريا تي في

الثلاثاء 2/4/2019

ذكرت عدّة مصادر مؤخراً انّ نظام الأسد وافق على اتفاق يقضي بنقل إدارة مرفأ اللاذقية على ساحل البحر المتوسط إلى النظام الإيراني، مشيرةً إلى أنّ التوصّل إلى هذا الاتفاق كان قد تمّ بُعيد الزيارة الجدلية التي قام بها بشّار الأسد إلى طهران نهاية الشهر الماضي برفقة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني. وتدير المرفأ بشكل مشترك حالياً شركة سورية وأخرى فرنسية، حيث من المفترض أن ينتهي عقد التشغيل هذا للمرفأ في نهاية أكتوبر من هذا العام وهو ما يتيح نقله إلى الجانب الإيراني الذي ظل يصّر منذ فترة على ضرورة الحصول على المرفأ. وبالرغم من عدم نشر اسم الشركة الإيرانية التي من المقرر لها إدارته، إلا أنّه من المرجّح أن تكون تابعة للحرس الثوري نظراً للخدمات الاستراتيجية التي من المتوقع أن يؤدّيها المرفأ السوري لإيران.

حصول نظام الملالي على مرفأ اللاذقية يعني أنّ طهران قد نجحت في نهاية المطاف في أن تضع موطئ قدم لها على البحر المتوسط. ويعدّ ذلك تتويجاً للجهود الإيرانية لتوحيد الهلال الشيعي في المنطقة تحت قيادتها. قبل عقد ونصف من الزمان كان يُشار إلى هذا المشروع الذي يضم تحالفاً من الأنظمة والأحزاب الطائفية الموالية للحرس الثوري ونظام ولاية الفقيه في بلاد الشام على أنّه أسطورة، أمّا اليوم فيبدو حقيقةً أكثر من أيّ وقت مضى. وتعمد إيران على ترسيخ قيادتها لهذا المحور من خلال إنشاء شبكة من الميليشيات المسلّحة الموالية لها بالإضافة إلى تأسيس بؤر أيديولوجية تابعة لها في هذه البلدان، وأخيراً تنفيذ بنية تحتية قادرة على ربط هذا التحالف اقتصاديا وتجارياً ببعضه البعض بما يخدم مصالح الجانب الإيراني.

قبل عقد ونصف من الزمان كان يُشار إلى هذا المشروع الذي يضم تحالفاً من الأنظمة والأحزاب الطائفية الموالية للحرس الثوري ونظام ولاية الفقيه في بلاد الشام على أنّه أسطورة

عندما زار الرئيس الإيراني روحاني العراق الشهر الماضي، اقترح رئيس غرفة تجارة إيران إقامة اتفاقية تجارة حرّة بين كل من إيران والعراق وسوريا. التحركات الإيرانية بين دمشق وبغداد بالإضافة إلى بيروت، توحي بأنّ طهران تحاول بالفعل تفعيل الانخراط الاقتصادي لهذه الكيانات لأن من شأن ذلك أن يساعدها اقتصادياً على تجاوز محنتها في ظل العقوبات الأميركية وأن يوفّر لها بدائل إقليمية ما كان لها أن تجدها لولا أنّ هذه البلدان تدور في فلكها. من هذا المنطلق، فإن مرفأ اللاذقية يعدّ دافعاً إضافياً لطهران لمتابعة إنشاء خطّها البري الذي يربط دول الهلال الشيعي ببعضها البعض وذلك بموازاة العمل على خط لسكة الحديد.

وبالعودة إلى مرفأ اللاذقية، فإنّ حقيقة أنّ طهران لم يسبق لها إدارة أي من المرافئ خارج حدودها، فإن هذا يؤكّد على الطابع السياسي للصفقة. ويعتقد أنّ إيران تهدف من خلال وضع يدها على المرفأ السوري إلى تحقيق جملة من الأغراض لعل أهمّها من الناحية السياسية التأكيد على مدى نفوذها وتأثيرها على النظام السوري في ظل الحديث المتنامي عن تزايد النفوذ الروسي على الأسد على حساب النظام الإيراني. اقتصادياً، ستسعى طهران من دون شك إلى استخدام المرفأ للالتفاف على العقوبات الأميركية، ولإتاحة الفرصة لشركاتها للعب دور أوسع ولأخذ الحصة الأكبر كذلك من كعكة عملية إعادة الاعمار في سوريا.

ومن السذاجة بمكان الاعتقاد بأنّ الحرس الثوري الايراني سيدير مرفأ اللاذقية من دون أن يستغله من الناحية العسكرية لتمرير الدعم إلى نظام الأسد وحزب الله أو إلى أي من الميليشيات المستحدثة في سوريا، حيث من المتوقع أن يشكّل المرفأ شرياناً حيوياً لإيران عبر البحر وقد يحدث تحوّلاً نوعياً في الدعم العسكري المقدّم لنظام الأسد ولحزب الله في لبنان. ولهذا السبب بالتحديد، فإنّ هذه الصفقة ستحظى بالكثير من الاهتمام خارج سوريا أيضاً لاسيما من قبل إسرائيل والولايات المتّحدة ووسيا.

من المتوقع أن يشكّل المرفأ شرياناً حيوياً لإيران عبر البحر وقد يحدث تحوّلاً نوعياً في الدعم العسكري المقدّم لنظام الأسد ولحزب الله في لبنان

وتشير بعض المصادر إلى أنّ الجانب الروسي متضايق جداً من هذه الخطوة لاسيما أنّها تأتي بعد حوالي عامين من نجاح موسكو في تعطيل اتفاق كان الأسد ينوي من خلاله تأجير مساحة من الأرض على شاطئ اللاذقية لصالح النظام الإيراني لمدة ٩٩ عاماً ليقوم الأخير بإنشاء وإدارة مرفأ خاص عليها. قيل حينها بأن إيران تخطط لإنشاء مرفأ لتصدير النفط منه على أمل أن يساعد ذلك في ترسيخ وجودها الاقتصادي في سوريا. وتبدو خطوة النظام الحالية التفافاً على الجهد الروسي الذي يسعى إلى احتكار الوجود الاقتصادي والعسكري على الساحل السوري باعتبارها منطقة نفوذ خاصة به. وبهذا المعنى، فإن من شأن هذه الصفقة أنّ تثير التوتر بين الأطراف التي تقدّم نفسها على أنّها حليفة في سوريا، أي بين النظام وروسيا من جهة وبين روسيا وإيران من جهة أخرى.

من المحتمل جداً أيضاً أن يؤدي منح نظام الأسد حق إدارة مرفأ اللاذقية لإيران إلى مزيد من العقوبات الأميركية والدولية عليه لاسيما إذا ما تمّ استخدامه لأغراض الالتفاف على العقوبات، وهو ما سيصعّب من موقف روسيا في هذه الحالة. كما أنّ استخدام المرفأ لأغراض لتأمين أفضلية في المكاسب الاقتصادية المنتظرة يعني أنّه سيكون بمثابة منصّة لمنافسة روسيا في سوريا اقتصادياً، وهو أمر من الصعب أن تقبل موسكو به بعد أن نجحت طهران في إزاحتها وحلّت محلّها كأول شريك اقتصادي لسوريا بواقع ٥ مليار دولار.

من الناحية الأمنيّة، قد يعقّد هذا الاتفاق من حسابات روسيا ويعرّض وجودها في الساحل إلى تهديدات أمنيّة متزايدة لاسيما مع إصرار تل أبيب على استهداف الوجود الإيراني داخل سوريا

من الناحية الأمنيّة، قد يعقّد هذا الاتفاق من حسابات روسيا ويعرّض وجودها في الساحل إلى تهديدات أمنيّة متزايدة لاسيما مع إصرار تل أبيب على استهداف الوجود الإيراني داخل سوريا، وهذا سبب إضافي أيضاً لتبرير الرفض الروسي للوجود الإيراني بجوارها على الساحل السوري، لكن إلى أي مدى ستنجح موسكو مجدداً في تعطيل هذه الصفقة؟ وهل يعكس إصرار الأسد على المضي قدماً فيها تغيّراً في معادلة موازين القوى والعلاقات الحاكمة بين المثلث الأسد والروسي والإيراني؟ أعتقد أنّ مصير الصفقة سيطلعنا على هذه التفاصيل قريبا.

===========================


العقد الوطني الجامع أساس الخلاص السوري.. مشروع مبادرة حالمة

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 2/4/2019

الأزمة السورية معقدة بكل المقاييس، ومرد ذلك إلى عوامل عدة، بعضها يخص البنية المجتمعية السورية، وبعضها له علاقة بالمكانة الجيوسياسية التي تحظى بها سورية، وأهمية موقعها من عملية إعادة ترتيب المعادلات والخرائط الإقليمية والدولية. هذا إلى جانب المدة الطويلة التي ظلّ فيها الاستبداد متحكّماً بمفاصل الدولة والمجتمع، وتمكّن خلالها، وبصورة قصدية مدروسة، من تسطيح العقول والضمائر، وتفكيك الروابط الوطنية، بل ما قبل الوطنية، وحتى الأسرية، بين مختلف مكونات المجتمع السوري. واتخذ من الشعارات القوموية الكبرى، ومزاعم والصمود والتصدّي، والمقاومة والممانعة، أداة للانقضاض على الداخل الوطني، وإرغامه على القبول به، بذريعة استمرارية الأمن والاستقرار والازدهار. ولكن، ما أن اندلعت الثورة السورية نتيجة تراكم السلبيات، وانسداد الآفاق أمام أجيالنا الشابة، حتى ذاب الثلج وبان المرج.

وبعد إخفاق محاولات عدة للوصول إلى حل وطني في بداية الثورة، تم تعريب القضية، غير أن ترهّل النظام العربي الرسمي من جهة، والخلافات والاستقطابات البينية من جهة ثانية، منعا الوصول إلى حل عربي، كان من شأنه تجنيب السوريين خسائر كثيرة على صعيد الأرواح والممتلكات والمشكلات المجتمعية.

وكانت مرحلة التدويل التي تشكل، في بداياتها، انطباعٌ زائف، مفاده بأن الحل سيكون سريعاً، الأمر الذي كنا نأمل منه أن يقلل من سفك الدماء والآلام، غير أن ما حصل هو العكس تماماً، فها هي ثمانية أعوام مرّت، والجرح السوري النازف ما زال مفتوحاً.

اجتماعات كثيرة إقليمية ودولية عقدت للبحث في الموضوع السوري، وجولات عدة من

"استمرار حالة مناطق النفوذ سيؤدي إلى التقاء المصالح والأهواء بين بعض السوريين والدول التي تتقاسم تلك المناطق" المفاوضات غير المباشرة أجريت بين النظام والمعارضة في مختلف المراحل. ندواتٌ وورشاتٌ ولقاءاتٌ تحت عناوين متنوعة نُظمت بين السوريين من مختلف التوجهات والانتماءات، بصورة علنية وسرية، في أماكن عديدة في العالم، إلا أن ذلك كله لم يؤد حتى الآن إلى نتيجة. بل على النقيض من ذلك، ازدادات التدخلات الدولية والإقليمية، ودخلت القوات الإيرانية مع المليشيات التابعة لها إلى الساحة السورية. كما دخلت القوات الروسية، والأميركية مع حليفاتها الغربية، ومن ثم دخلت القوات التركية. هذا إلى جانب دخول المليشيات والمرتزقة، وأصحاب المشاريع الأيديولوجية والعقد النفسية الذين وجدوا في الجغرافيا السورية فسحةً لتجسيد المتخيّل من ماضٍ إشكالي لم يعرفوه بأبعاده الحقيقية المختلفة، نتيجة فقدان الملكة النقدية لديهم، وعجزهم عن التفكير المنطقي السليم.

وكان من نتائج ذلك كله خروج زمام المبادرة من أيدي السوريين، سواء من جهة النظام أو من جهة المعارضة، فالنظام، بعد إصراره على المضي في طريق مواجهة مطالب السوريين المشروعة بالحديد والنار، تحوّل، مع الوقت، إلى مجرد أداة بيد الإيرانيين والروس، وواجهة لشرعنة اللامشرعن غير القابل للشرعنة. ولم يعد، في مقدوره، طرح مبادرة إنقاذية واقعية مسؤولة، مبادرة من شأنها إقناع السوريين بجدية الطرح، والرغبة الحقيقية في الوصول إلى حلٍّ مقبول وطنياً. بل كل ما سمعناه، ونسمعه، لا يتجاوز نطاق التخوين والتشفّي، والاستقواء بالآخرين على السوريين.

هذا في حين أن المعارضة الرسمية قد تحولت، هي الأخرى، لا سيما بعد عمليات القص واللصق والتدجين والتهجين، إلى مجرد واجهةٍ للأجندات، عاجزة عن التصرّف بحرية، وغير قادرة على إقناع السوريين بتمثيلها لهم، الأمر الذي يُصادر على إمكانية تقديم أي مبادرة جريئة، ناضجة، مسؤولة، ترتقي فوق الحساسيات والحسابات الفرعية التي لا تتقاطع مع النظرة الوطنية العامة التي لا بد أن تأخذ في اعتبارها ضرورة فهم هواجس سائر السوريين، والعمل على طمأنتهم جميعاً من دون أي استثناء.

ولتجاوز هذه الوضعية، كانت اجتماعات واتصالات كثيرة بين السوريين من مختلف الاتجاهات والمكونات، ولكن ذلك كله لم يؤد إلى المطلوب حتى الآن، إلا أن ما طرح، ويطرح، في مختلف اللقاءات، يشكل مادة يمكن الاستفادة منها، والبناء عليها، عبر تطويرها وتدوير زواياها الحادّة إذا صح التعبير.

والمبادرة التي طرحها أخيرا الشيخ معاذ الخطيب بصورة فردية تدخل، هي الأخرى، ضمن نطاق ما قُدم، ويقدّم، حتى الآن من مشاريع حل. وهي مبادرةٌ تستوقف، بإيجابياتها وسلبياتها، وتؤكد أهمية البحث عن مخرج. هذا بغض النظر عما إذا كنا نوافق الخطيب أو نخالفه فيما ذهب إليه في سياق تشخيصه أسباب المشكلة، واعتقاده بإمكانية مخاطبة الجانب الخير في 

"هل ستتحول إرادة العودة السورية والحق المشروع إلى مجرد حلم شبيهٍ بالذي يلوذ به فلسطينيو الشتات؟" الحاكم، والتأثير فيه، هذا على الرغم من الشك في وجود هذا الجانب أصلاً بعد كل هذا القتل والتهجير والتدمير.

الوضعية السورية، كما سلف، معقدة، والمحنة عصية على أي توصيف. والمشكلات المجتمعية التي تنتظر السوريين، سواء ما يتصل منها بالنسيج المجتمعي السوري، أو تلك التي تنتظرهم على مستوى الأفراد والجماعات والجهات، كثيرة وجسيمة، خصوصا في ظل استمرارية حالة مناطق النفوذ التي ستؤدي، في نهاية المطاف، إلى التقاء المصالح والأهواء بين بعض السوريين والدول التي تتقاسم تلك المناطق. ومن يدري، فقد يأتي بعضهم بعد عقود، ما لم تحل القضية السورية، ليحوّل النفوذ إلى صيغةٍ من القضم والإلحاق، كما فعلت إسرائيل مع الجولان، وذلك تحت ذريعة الموجبات الأمنية، في ظل حالة الفوضى الشاملة في البلد.

وماذا عن سوريي المخيمات والمهاجر في الجوار الإقليمي والدول الأوروبية وبقية أنحاء العالم؟ هل ستتحول إرادة العودة السورية والحق المشروع إلى مجرد حلم شبيهٍ بذاك الذي يلوذ به فلسطينيو الشتات؟ ما يستشف من نتائج الجهود الإقليمية والدولية التي كانت، حتى الآن، على مختلف المستويات، وعبر المسارات المتعدّدة، هو عدم الوصول إلى حل يطمئن السوريين، بل لا توجد هناك بوادر مشجعة تبشّر بإمكانية الوصول إلى حل من هذا القبيل، سواء عبر اللجنة الدستورية، أو من خلال تلك التي من المفروض أن تبحث في موضوع الانتخابات، والقواعد التي ستنظمها.

السوريون في حاجة ماسّةٍ إلى تواصل بيْني داخلي، يتجاوز التصنيفات المتعارف عليها حالياً: موالاة ومعارضة. حوار لا يضع شروطاً، ولا سقفاً، لأي حل يتوافق عليه السوريون. مع استعداد الجميع لتقديم التنازلات، واتخاذ القرارات الصعبة التي تعطي الاعتبار الأساس لترميم النسيج المجتمعي، وبناء الوحدة الوطنية على أسس سليمة، تطمئن الجميع عبر احترام خصوصياتهم، والإقرار بحقوقهم، وتضمن مشاركتهم في الإدارة على مختلف المستويات. ومثل هذا الحوار يمكن أن يكون على مراحل مختلفة، ضمن خطةٍ شاملةٍ متكاملة، تمهّد كل مرحلة للتي تليها.

المرحلة الأولى، تبدأ بحوار وطني معمق بين النخب السورية من المفكرين والباحثين ورجال الدين ورجال الأعمال والفنانين والزعامات المجتمعية... إلخ من سائر المحافظات، ممن يمثلون جميع المكونات المجتمعية، ويحظون بدور مؤثر من خلال التجربة والمصداقية في وسطهم الاجتماعي، ولديهم وجهات نظر متباينة حول المستقبل السوري، إلا أن ما يجمعهم هو 

"السوريون في حاجة ماسّةٍ إلى تواصل بيْني داخلي، يتجاوز التصنيفات المتعارف عليها حالياً: موالاة ومعارضة" الاعتدال، والإحساس بالمسؤولية، والقدرة على إيجاد الحلول بناء على التوافقات المستخلصة من المواقف المتعارضة. ولعل من المناسب أن يشار هنا إلى أمر من هذا القبيل، سيساعد كثيراً في موضوع المصالحة الوطنية، والعدالة الانتقالية، وذلك من ناحية حدودها وصيغتها، التي لا بد أن تأخذ مجراها، حتى يتمكن السوريون من استعادة قواهم، وترميم نسيجهم المجتمعي، وبناء وطنهم. وفي هذا المجال نماذج كثيرة في العالم، يمكن الاستفادة منها.

أما عن كيفية اختيار هؤلاء، فما نراه أن التجربة القاسية التي مررنا بها ساعدت كثيراً على معرفة السوريين ببعضهم، ومكّنتهم من معرفة طبيعة معادن الأشخاص عبر الممارسات، فأسماء كثيرة أخفق أصحابها في الامتحان الوطني. وهناك أسماء كثيرة أثبتت وجودها (خصوصا من الشباب) بفضل ممارساتها الوطنية المتوازنة التي لم تتأثر بالنزعات المتشدّدة دينياً أو قومياً أو أيديولوجياً.

ويمكن الاستفادة، في هذا المجال، من إسهامات المشاركين في مختلف الورشات واللقاءات التي نظمتها مراكز الأبحاث، لاعتبارات متباينة، كما يمكن الاستفادة من النتائج والاستخلاصات التي توصلت إليها. أما مكان هذا اللقاء، فمن الأفضل أن يكون خارج المنطقة، وبعيداً من الدول التي لها أجندات في سورية، منعاً للقيل والقال، وعدم إحراج أي فريق. وربما تكون إحدى الدول الإسكندنافية المكان الأنسب، فلديها خبرة في تنظيم لقاءاتٍ كهذه، والمساعدة في حل العقد بطريقة مهنية.

وبعد التوافق العام بين هذه النخب على مشروع عقد وطني سوري، تأتي المرحلة الثانية ليجتمع السياسيون من مختلف الأحزاب والمنظمات التي لها وجود فعلي، ويكون معهم شخصياتٌ سياسيةٌ مستقلةُ ممن يمتلكون مصداقية شعبية وطنية، ليتم استكمال النقاش، حول مشروع العقد الوطني المقترح، وإقراره بعد أخذ الملاحظات بالاعتبار، وإضافة المقترحات المقدمة، ويتم التوافق على خريطة الطريق للخروج من الأزمة. أما المرحلة الثالثة، فهي التي تجمع بين المهنيين والإداريين ممن ما زالوا مع النظام، وأولئك الذين انشقوا عنه، وذلك للتباحث بما تم التوصل إليه، وتوافقت عليه النخب والسياسيون، والعمل على صياغة المحدّدات الخاصة بكيفية إخراجه وتطبيقه. وتتوج المرحلة الأخيرة بمؤتمر سوري جامع شامل، يناقش وثيقة العهد الوطني ويقرّرها، ويشكل لجنة دستورية بإرادة سورية خالصة من الكفاءات المؤهلة. وبعد  

"ربما تكون إحدى الدول الإسكندنافية المكان الأنسب للقاء السوريين، فلديها خبرة في تنظيم لقاءاتٍ كهذه، والمساعدة في حل العقد" كتابة الدستور، الذي سيعتمد المشرع وثيقة العهد الوطني أرضية له، يعرض للنقاش الوطني، عبر آلياتٍ يتم الاتفاق حولها. ومن ثم يكون هناك استفتاء عام لإبداء الرأي فيه. ولن يكون ذلك ممكناً بطبيعة الحال، من دون توفير البيئة الآمنة والمحايدة التي تستوجب جملة من الإجراءات المبنية على النيات الصادقة.

ومن هذه الإجراءات: إطلاق سراح جميع المعتقلين الساسيين، أو على الأقل إحالة قضاياهم إلى المحاكم الجزائية العادية، بعد إلغاء المحاكم الاستثنائية، كمحاكم الميدان العسكرية ومحكمة الإرهاب، وتوفير البيئة المقبولة لتأمين العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، وأهمها إلغاء مذكرات الاعتقال الصادرة بحقهم، ورد المساكن والممتلكات التي صودرت منهم بدون وجه حق، ورفع الحصانة الممنوحة لعناصر وضباط الأمن من الملاحقة القضائية، لأن البحث عن البيئة الآمنة والمحايدة، مع وجود هذه الحصانة، يكون عبثيا، بالإضافة إلى ضرورة إلغاء وتعديل قوانين ومراسيم كثيرة تنتهك حقوق الإنسان الأساسية، كقانون مكافحة الإرهاب وقوانين الإعلام والأحزاب والقوانين العقارية، ونترك البحث في تفاصيل هذا الأمر لأهل الاختصاص والخبرة في هذه القضايا. وبعد ذلك، تجرى الانتخابات العامة الحرّة النزيهة، بإشراف الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، على أساس الدستور الجديد، انتخابات لا تستبعد أي سوريٍّ، سواء في الداخل أو في الخارج.

بقي أن نقول: من الواضح جداً أن السوريين، في ظروفهم الحالية، لا يستطيعون، بإمكاناتهم الذاتية على مختلف المستويات، القيام بأعباء هذه الخطة. لذلك ينبغي تقديم المساعدة لهم بمختلف الأشكال، من خلال الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وبدعم أميركي وروسي، وموقف إيجابي من جانب الدول الإقليمية، حتى يتمكن السوريون من الالتقاء في أجواء حرة، من دون أي ضغط إعلامي مع الحصول على الوقت الكافي للمناقشات 

"البداية إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتوفير بيئة مقبولة لتأمين عودة طوعية للنازحين واللاجئين" واللقاءات الجانبية التي تساعد عادة في حلحلة عقد كثيرة، ومن دون أي تهديد أو ترغيب.

ما تقدم لا يخرج عن نطاق وجهة نظر شخصية، مبنية على مختلف التجارب والمحاولات التي شهدناها، وتابعناها، وسجلنا حولها الملاحظات. ومن الطبيعي أن يكون للسوريين، من المهتمين والمتابعين والحريصين على مستقبل أجيالنا المقبلة، وجهات نظرهم الخاصة أيضاً المتباينة، وربما المخالفة حول الموضوع، وما نأمله أن تتفاعل وتتكامل مع ما هو مطروح، حتى نخرج بخطة نعتقد معاً بإمكانية تطبيقها. أما ما نشهده راهناً من تحكّم دولي إقليمي بتوحيد "المعارضات" وتشكيل اللجان، وتحديد السلال، وإملاء الدساتير، وتبادل الخدمات في ميدان توزيع مناطق النفوذ، فذلك كله لا يحمل لشعبنا وبلدنا أي وعدٍ بأي أمل

===========================


هل يعود «داعش» مجدداً؟

فايز سارة

الشرق الاوسط

الثلاثاء 2/4/2019

أكد الفصل الأخير من الحرب على «داعش» في الباغوز انتهاء الوجود العلني للتنظيم، وهو أمر استجر تأكيدات متعددة، بأن تنظيم «داعش» في سوريا انتهى. غير أن حدثين رافقا ما حصل في الباغوز، يؤشران في اتجاه آخر خلاصته أن «داعش» باقٍ، وينتظر الفرصة لظهوره العلني مجدداً، وقد يتمدد بعدها على نحو ما حدث في عام 2014، عندما استولى على مدينة الرقة، وجعلها عاصمة لدولة الخلافة، التي يدعو إليها، وأخذ يتمدد في أنحاء سوريا لتصل سيطرته على نحو ستين في المائة من مساحة البلاد، حسب أغلب التقديرات.

الحدث الأول الذي ظهر في معركة الباغوز، تسلل عناصر من «داعش» خارج المنطقة المحاصرة، وهو ما أكدته تقارير كثيرة كتبتها الصحافة من هناك، والحدث الثاني ترحيل القوات الأميركية عناصر من «داعش» كانوا محاصرين في الباغوز، ونقلتهم إلى منطقة، لم يتم الكشف عنها، وإذا أضفنا إلى الحدثين حقيقة أن البيئة العامة للصراع السوري أثبتت على مدار السنوات الماضية قدرة عالية على إطلاق جماعات إرهابية متطرفة، فإنه يمكن تصور احتمالات تجديد انطلاق «داعش»، وربما إطلاق تنظيمات قد تكون أكثر تشدداً منه.

إن الأهم في معالم البيئة السورية الراهنة، يمثله استمرار الصراع السياسي - العسكري في سوريا وحولها، تقوده وتؤثر فيه قوى دولية وإقليمية كبرى، تقاسمت الجغرافيا السورية من جهة، وفرضت سيطرتها على التنظيمات والكتل السياسية - الاجتماعية والمسلحة، ووظفتها في إطار أجنداتهم من جهة ثانية، وكلها تطورات تتواصل وسط مزيد من الانقسامات والصراعات المعقدة الممتدة داخل التحالفات الخارجية - الداخلية في آن معاً، وسط غياب حل سياسي، وعدم قدرة أي فريق على فرض حل عسكري، واستمرار عمليات القتل والاعتقال والتهجير بالتزامن مع تصاعد الترديات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، التي تدفع غالبية السوريين إلى الخيارات الأسوأ، وسط هامشية دور النخبة السورية، سواء لارتباطها بقوى السيطرة الخارجية، أو لعجزها عن القيام بدور حاسم ومؤثر.

وسط هذه البيئة، فإن خروج «دواعش» من الباغوز، يمكن أن يكون عاملاً أساسياً في استعادة وجود التنظيم وإعادة انتشاره، لا سيما أن من استطاع الخروج من حصار الباغوز، لا يمكن أن يكون عنصراً عادياً في التنظيم، لأنه يعرف كيف يخرج من الحصار، أو لأن له علاقات، تجعله يفلت من حصار محكم. وأياً كان الخارجون من حصار الباغوز، فإنهم الأقدر على إعادة التواصل مع المتحولين إلى خلايا نائمة من «دواعش» المناطق الأخرى، التي نشط فيها التنظيم سابقاً، قبل أن يصير في دائرة الحرب الواسعة عليه.

وطبقاً لتجارب سابقة، فإن من قام الأميركيون بترحيلهم الملتبس من دواعش حصار الباغوز، إضافة إلى أسرى «داعش» لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إذا لم يتم الكشف عنهم بالأعداد والأسماء وتقديمهم لمحاكمة علنية، سيشكلون قوة إضافية محتملة إلى «داعش» المنتظر في حال كانت للولايات المتحدة مصلحة في عودة «داعش»، وقد دللت الأحداث والتطورات، على أن الولايات المتحدة والروس ونظام الأسد وإيران، قد فعلوا أشياء مشابهة في السنوات الماضية، أدت إلى بقاء «داعش» وتمدده، بل أنقذته من تصفية محتملة أكثر من مرة.

وإذا كانت عودة «داعش» للظهور مجدداً، أمراً يجد ما يدعمه من عوامل متعددة، يتصل بعضها بالبيئة العامة في سوريا، ويتصل غيرها بما يمكن لكادرات وقيادات «داعشية» نائمة أو أفلتت من الحرب أن تقوم به، فإن هناك عوامل أخرى بينها ما يمكن أن تقوم به جماعات إرهابية متطرفة مثل هيئة تحرير الشام («النصرة» سابقاً) وجماعة «حراس الدين» الخارجة بقوة من خاصرة «النصرة»، وفي كل الحالات، يمكن أن تستقطب الجماعات أعضاء سابقين في «داعش»، ومتعاطفين معه، مما يمهد لنشوء بؤر داعشية داخل تلك الجماعات، لا تختلف إلا في تفاصيل عن «داعش»، وسوف تتحين تلك البؤر الفرصة لإعلان نفسها وسط ظروف مناسبة.

إن فكرة عودة «داعش»، تدفعنا إلى استذكار مراحل ظهوره في الرقة عام 2014، التي استولت عليها ميليشيات «أحفاد الرسول» بالتعاون مع تشكيلات من «الجيش الحر»، وطردت منها قوات النظام، ثم من تلك المجموعات توالدت على التوالي حركة أحرار الشام، و«جبهة النصرة»، ثم «داعش»، وهو سيناريو يمكن أن يتكرر ولو بتعديلات معينة، تتصل بما يمكن أن تكون عليه الظروف في تلك اللحظة.

وقد يكون من المفيد أخيراً التوقف عند ما ظهر لدى أفراد في التنظيم من إشارات تتعلق بمستقبل «داعش»، فقد وصفت امرأة من الشيشان الحياة في ظل خلافة «داعش» بالقول: «كان كل شيء على ما يرام. كان هناك إخوة يؤمنون بتطبيق الشريعة، وبقيام الخلافة الإسلامية». وأضافت: «نحن وإخواننا في كل مكان... نؤمن أن (داعش) سوف يعود»، وحملت صورة من داخل الباغوز ما كتبه أحد أعضاء «داعش» على حائط نصف مهدم: «إن الدولة باقية وتتمدد»، وهذه مؤشرات للإصرار على عودة «داعش».

===========================

لا هانوي في الجولان ولا هونغ كونغ في دمشق

نديم قطيش

الشرق الاوسط

الثلاثاء 2/4/2019

لا يخفى البعد الانتقامي لعبارة «الأسد باع الجولان»، التي راجت على ألسن كثيرين من خصومه، في الوسط الجماهيري تحديداً، بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبار الجولان جزءاً من إسرائيل. هي في مكان ما رد على عبارة الممانعين الشهيرة، أن «العرب باعوا فلسطين».

مثل هذه العبارات جزء من تاريخ النكد السياسي المتبادل، بين المتخاصمين العرب، وإن كانت لا ترقى إلى حدود النقد السياسي المفيد، ولو على سبيل المحاجَّة وتسجيل النقاط.

لا شك أن الجولان قصة مليئة بالرموز. فسوريا خسرتها خلال حرب عام 1967، وكان يومها حافظ الأسد وزيراً للدفاع، ونائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة. ما أفرزته هذه الخسارة كان له النصيب الأكبر في تشكيل تاريخ سوريا الحديث. كانت الجولان في صلب الخلافات التي اندلعت بين صلاح جديد، الرئيس الفعلي لسوريا في تلك الحقبة، وبين حافظ الأسد. وما لبثت أن تفاقمت في ضوء تطورات «أيلول الأسود» عام 1970، في الأردن، وتلكؤ حافظ الأسد عن الإسناد الجوي للقوات البرية السورية، التي أمرها جديد بمناصرة الفلسطينيين ضد قوات الملك حسين، ما دفع جديد لمحاولة عزل الأسد ورجالاته، قبل أن ينقلب الأخير عليه وعلى الرئيس نور الدين الأتاسي، في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1970، عبر ما سمي «الحركة التصحيحية»، ممهداً لتسلم الحكم بشكل رسمي في 12 مارس (آذار) 1971.

حمَّل جديد الأسد مسؤولية خسارة الجولان، وعاب عليه لاحقاً انعدام حميته تجاه الفلسطينيين، الذين قرر الأردن طردهم، بعد أن حاول أبو عمار جعل الأردن قاعدة انطلاق للعمليات العسكرية ضد إسرائيل، كتعويض عن خسارة الضفة الغربية، وهي مسؤوليات لا شك أن للأسد نصيباً فيها، من دون أن يكون المسؤول الوحيد.

يتشارك كل من جديد والأسد التأسيس لمذهبة النظام السياسي السوري، وهما الوافدان من الوعي الأقلوي العلوي؛ لكن جديد افتقر إلى البراغماتية السياسية الذي ظلت الميزة الأبرز للأسد، وجعلته يعمل في السياسة، مع السُّنة، بعقل حسابي دقيق، وبفائض دموية، سيأخذها نجله بشار لاحقاً إلى مرتفعات جديدة في التجربة الأسدية.

لا تؤخذ على حافظ الأسد براغماتيته، أو قعوده عن الحرب، وهو من لمس هذا الاختلال يوم خسر الجولان. ولا يُعتد بفتوة صلاح جديد المتهورة وهي الصادرة عن شخصية عسكرية، متواضعة في إمكاناتها، كما ظهر في قراره محاربة الأردن، من دون إدراك الحماية الدولية للنظام الملكي الهاشمي، ومن دون الأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي السوري المتردي آنذاك.

ما يؤخذ على الأسد، في مسألة الجولان تحديداً، هو أن الرجل أدار ظهره للتحرير كما أدار ظهره للتنمية. لم يبنِ على الواقعية السياسية في مسألة الصراع مع إسرائيل، ما يتيح له ابتكار مشروعية أخرى في الداخل السوري، تقوم على النماء والبناء، ونقل سوريا بإمكاناتها وعلاقاتها العربية إلى مصاف مختلفة.

انتهى المواطن السوري إلى معادلة قاتلة:

لا هانوي في الجولان، ولا هونغ كونغ في دمشق.

صدَّر نظام الأسد مهمة الصراع مع إسرائيل إلى «حزب الله» في لبنان، ووزع جزءاً كبيراً من أزمة سوريا الاقتصادية بين مافيا سورية تمسك بمفاصل الاقتصاد السوري وتعيد توزيع الثروة، عبر آلية زبائنية تضمن ثبات قاعدة النظام، وبين تصدير الجزء الأكبر من البطالة السورية للعمل في الورشة الإعمارية في لبنان، البادئة بعد اتفاق الطائف.

عاش النظام السوري على تصدير أزماته واستحقاقاته، وعلى الإمساك الحديدي بالمجتمع في الداخل، من دون أن يستفيد من يوم واحد من عقود تجميد الصراع مع إسرائيل، لصالح بناء أي شيء مستدام. لطالما أراد حافظ الأسد من المقاوم صورته من دون أثمانه، ومن رجل السلام سمعته من دون شجاعة قراراته، ومن باني سوريا الحديثة لافتات تمتدحه بلغة فارغة، من دون أي إنجاز حقيقي يسند اللغة والرطانة.

كانت للراحل رفيق الحريري نظرية غير معلنة، تحكم كل رؤيته السياسية. يقول: «لقد حاربنا إسرائيل لخمسين سنة من دون أن نبني في الداخل، والنتيجة هي الفشل، فلماذا لا نقلب المعادلة ونستثمر في الداخل، كي نبني قاعدة أصلب، إما لمواجهة إسرائيل وإما للاتفاق معها، على قاعدتي القوة والحقوق المشروعة؟».

وللإمارات العربية المتحدة تجربة رائدة في إدارة الأولويات ذات الحساسية القومية. تخيلوا لو أن شرعية النظام الإماراتي قامت على تحرير الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران، وأن الدولة خصصت لهذا الغرض جل إمكاناتها وعلاقاتها وخطابها، وصنعت موقعها بين الدول بناء على لغة المقاومة والتحرير، ولم تنصرف إلى إنتاج النهضة الاقتصادية والتنموية والعمرانية والثقافية التي تميزها اليوم بين معظم دول العالم. تخيلوا فقط، وانظروا إلى إمارات اليوم!

أضاع النظام الأسدي الجولان، وأضاع بعدها دمشق، وفي الطريق دمر بيروت وبغداد والموصل وحمص وحلب.

كل عاقل سيُستفز من قرار ترمب بشأن الجولان؛ لكن أي عاقل سيحاجُّ بصدق، بأن عودتها واجبة إلى نظام الأسد؟

كيف يؤتمن على الجولان من أضاع سوريا كلها؟ هذا سؤال في الأخلاق قبل أن يكون في السياسة.

===========================


أحلاف الإجرام وعصابة الاستبداد

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 1/4/2019

في ظل شبه الإجماع الدولي على اقتلاعها من سوريا، استنفرت إيران أشد استنفار؛ حيث قامت بشحن رئيس نظام الاستبداد الذي حمته لسنوات إلى طهران كرهينة/ حيث أخذُ الرهائن عادة تتقنها/؛ وهناك أدى فروض الطاعة لولي الفقيه "خامينائي" بذلٍ واستكانة.

لم يكتفِ استنفار إيران بذلك، بل هاج مجلس الشورى فيها مطالباً بتوثيق ديون إيران على سوريا قانونياً؛ ثم أتت ثالثة الأثافي- وكانت الأثقل والأوضح والأكثر بجاحة؛ وتمثلت بتصريحات رئيس الأركان الإيراني من دمشق حول ضرورة جلاء القوات الأجنبية من سوريا؛ وكأن ميليشيات إيران الدموية على الأرض السورية دمشقيون أوحماصنة أو من حلب الشهباء السورية. ذلك التصريح الوقح أتى إثر اجتماع رؤساء أركان جيوش المحور الإيراني والعراقي والحزبلاتي ونظام الاستبداد في دمشق وميليشيا حزب الله الذي قرر تشكيل جيش جديد بمئتي ألف مقاتل في العراق وسوريا كبديل عن تنظيم داعش الذي انتهى دوره الوظيفي.

الرسالة: (محور إيران انتصر على المحور الروسي). مؤشرات هكذا رسالة تتمثل بداية بجلب رأس النظام إلى إيران دون علم موسكو. هناك مؤشر

ازداد تهويش حلف إيران حول الكورد وتكثف القصف على إدلب ومحيطها في تحدٍ صارخ لاتفاقات خفض التصعيد واتفاق سوتشي

آخر يتمثل بكثافة الوجود الإيراني في الجنوب السوري بتحدٍ تمثيلي صارخ لما تريده أميركا وإسرائيل من إيران. زِد على ذلك حصار السويداء الخفي ومنح جنسيات للميليشيات الإيرانية وتسجيلها على قيود درعا. وما دمنا في الجنوب، لابد من ذكر نصب تمثال لحافظ الأسد في قلب درعا بتحدٍ صارخ أيضاً لمشاعر الأهالي.

في الشمال، من الجانب الآخر، ازداد تهويش حلف إيران حول الكورد وتكثف القصف على إدلب ومحيطها في تحدٍ صارخ لاتفاقات خفض التصعيد واتفاق سوتشي.

كل ذلك التبلور في حلف إيران بدأ يقابله تبلور موقف روسي يقول: "نحن هنا"، ولولانا لما بقيتم أو استمريتم. حتى استهداف إدلب وجدت موسكو لنفسها المكانة الأعلى عبر طائراتها ونماذج جديدة من أسلحتها. ولن يلطّف ذلك تصريحات السيد لافروف حول التوافقات...

كل هذه المؤشرات وغيرها على المستوى الإقليمي تشي بأن النظام اختار إيران لضمان استمرار الحرب، كونه السبيل الوحيد لبقائه من خلال افتعال صراع إقليمي/ حقيقي في الظاهر وهمي في الجوهر/ مع الكيان الصهيوني.

هذا التمحور يضع المنطقة أمام مرحلة خطيرة لها الصفة الانتحارية، وتنسجم مع المبدأ الإجرامي (أحكم أو أدمر)

ذلك يأتي في مرحلة أكثر ما تحتاجه موسكو هو حصاد سياسي بعد أن فرغت من استخدام كل صنوف عسكريتها وقتلها وتدميرها. وها هي لابد تصطدم مع محور الحرب بالمطلق.

هذا يفسر زيارة وزير الدفاع الروسي شويغو المستعجلة إلى دمشق. فرحلة بشار الأسد إلى طهران لم تكن في الحسبان الروسية؛ وتأتي في مفصل تكاد تطبق العزلة على إيران؛ وكأن بشار الأسد يأتيها منقذا خارج الإرادة الروسية..

وهنا يأتي الفعل الأميركي /الترمبي/ "الصادم للجميع"؛ فليس هناك من تفسير محدد لموقع أو تموضع هذا الفعل الترمبي ضمن خريطة التحالفات الأجد؛ وأين سيصب ذلك الفعل وفِي صالح أي منهما؟

هل سنرى حلف إيران يقول لبوتين: "ها هم أصدقاؤك الإسرائيليون يستحصلون من أعدائك الأميركيين قراراً يبطل كل الحجج التي نسوقها لتبرير

هل خلا أي تصريح روسي حول سوريا من الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها؟ ما الذي سيقوله الآن السيد بوتين لصديقه نتنياهو ورفيقه الخفي ترمب؟

شعارنا في المقاومة والممانعة؟!" أم أنهم سيقولون: "أليس تحالفنا في وجه حركات ترمب وحركات إسرائيل في ضم الجولان مدعاة لتقوية حلفنا لنقاوم ونمانع هكذا إجراءات؟!"

أي موقف روسي ينتظر في ظل التصرف الأميركي- الإسرائيلي؟ هل خلا أي تصريح روسي حول سوريا من الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها؟ ما الذي سيقوله الآن السيد بوتين لصديقه نتنياهو ورفيقه الخفي ترمب؟

بالتأكيد عدو كل السوريين هو هذا النظام الاستبدادي الذي أوصل سوريا إلى هنا؛ لكن التحالف الإيراني الحزبلاتي الأسدي ونظيره الروسي ليس أقل استباحة وعداوة لسوريا وشعبها. هم حصراً من مهّد لترمب ونتنياهو هذه الاستباحة. تلك التمثيليات الإسرائيلية على مواقع إيرانية على الأرض السورية- حتى عمقها- لم تعد تنطلي على أحد. لو كان هناك خشية إسرائيلية من إيران لتم الاستهداف في العمق الإيراني؛ من يصل إلى حلب، وقبلها إلى بغداد لن يصعب عليه الوصول إلى طهران. مطلب السوريين من كل تلك العصابات التي ذُكِرَت أعلاه خروجهم جميعاً أحلافاً وقوى احتلال، واصطحاب عناصر منظومة الاستبداد معهم؛ لأن سوريا لن تعود باستمرار هذه المنظومة، وبوجودهم في سوريا.

===========================


صناعة الفوضى والحرب في الشرق الأوسط

برهان غليون

العربي الجديد

الاثنين 1/4/2019

لم تكن إسرائيل بحاجة إلى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أجل إحكام سيطرتها على الجولان السوري المحتل، وتوسيع رقعة الاستيطان فيه، بعدما أعلنت ضمّه لأراضيها عام 1981، ضاربة عرض الحائط جميع قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، بداية بقرار 242 لعام 1967، وانتهاءً بقرار 497 الذي جسّد الإجماع الدولي ضد ضم إسرائيل من طرف واحد الهضبة السورية. وبعد ثمانية أعوام من الحرب التي دمر فيها النظام الدولة والمجتمع السوريين، بالمعنى المادي والسياسي والنفسي للكلمة، لم يعد لدى الإسرائيليين أي شك في أن سورية فقدت القدرة، حتى لو أسعفها الزمن بعد فترة بحكومة وطنية ما، على استعادة الجولان، بل التفكير في استعادته إلى عقود طويلة مقبلة. باختصار، ما كان ترامب ولا رئيس حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحاجة لإعلان سيادة إسرائيل على الجولان، لتأكيد سيطرة تل أبيب على مقدراته، وربما الاحتفاظ به تحت السيطرة الإسرائيلية زمناً غير محدود.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة المشؤومة تعزّز الاستراتيجيات السياسية لكل من دونالد ترامب ونتنياهو، إلا أنها لا يمكن أن تفسّر وحدها هذا القرار الذي ستكون له أبعاد أعمق بكثير من أغراضه الانتخابية المباشرة، فإعلان السيادة الإسرائيلية من واشنطن على أرضٍ لا تخصها لحسابٍ لم يحترم يوماً القرارات الدولية، يعني إسدال الستار على معنى القانون الدولي في هذه المنطقة المعذّبة، وإحلال قانون الغاب مكانه، وإطلاق آخر رصاصةٍ في نعش حلم السلام، ليس بين العرب والإسرائيليين فحسب، وإنما بين جميع دول الإقليم وشعوبه. إنه يعني التأسيس لحالة الحرب الدائمة والشاملة، بمقدار ما يلغي أي معنى وأفقٍ للحلول التفاوضية، ويكرّس منطق القوة ومعيارها أساساً لتنظيم العلاقات بين الدول والشعوب، والوسيلة الوحيدة لحسم النزاعات فيه عقوداً طويلة مقبلة. وهذا يعني الإعدام الحتمي للأمن، ودعوة جميع حكومات المنطقة ونظمها إلى مراكمة القوة والرهان على العنف سبيلاً لحل نزاعاتها، وللاحتفاظ بالسيطرة والسلطة، بعيداً عن أي مفهوم للشرعية الدولية أو الوطنية.

المستفيد الأول من هذا الإعدام لأمل السلام الشرق أوسطي هو بالتأكيد إسرائيل، التي لا ترى المنطقة إلا حقل صيد، ولا تنظر إليها إلا من زاوية ما يضمن لها زيادة مكاسبها وانتصاراتها الخاصة، أو بالأحرى مصالح حكوماتها التي أصبحت تستمد شرعية وجودها، في نظر الرأي العام، من مدى قدرتها على خرق القانون، وتكبيد الشعوب الأخرى المجاورة "العدوّة" أكبر ما يمكن من الهزائم والخسائر والعذابات، سواء جاء ذلك باسم الأمن أو تأكيد حقوق تاريخية أو دينية، يؤجّجها تحول إسرائيل نفسها إلى أحد أهم رهانات السياسة الداخلية لأعظم قوة عالمية، حتى صار التماهي مع إسرائيل، ودعمها غير المشروط، موضوع تنافس بين النخب السياسية

"المستفيد الأول من إعدام أمل السلام الشرق أوسطي إسرائيل التي لا ترى المنطقة إلا حقل صيد" الأميركية، بمقدار ما حوّل إسرائيل ذاتها إلى ما يشبه قاعدة متقدمة لحرب صليبية متجدّدة على المشرق، وأعاد المشرق، بالمناسبة ذاتها، إلى منطق الحروب الصليبية القروسطوية.

لكن المستفيد الثاني من تقويض حلم السلام، وتقديم الحسم العسكري على أي فكرة تفاوض إقليمي، وتكريس قاعدة فرض الأمر الواقع هو حكومة طهران القومية/ المذهبية التي جعلت من إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية، بعباءة دينية، غايةَ سياستها ومهمتها التاريخية، والتي لا تتردّد، على سبيل تأكيد تصميمها الذي لا يتزعزع على توسيع رقعة سيطرتها ونفوذها، في النفخ في نار خطاب الحرب الطائفية، وتكريس جلّ ما تملكه من موارد لبناء ترسانتها العسكرية وامتلاك أسلحة الدمار الشامل، والعبث بمصير الدول القائمة لصالح تعميم انتشار المليشيات المذهبية على امتداد جغرافيا المنطقة.

إعلان سيادة إسرائيل على الجولان هو دعوة إيران إلى العمل بالمثل، والاستمرار في الحرب على سبيل تقاسم المنطقة، لحساب مشروعين إمبراطوريين متنافسين على أشلاء عالم عربي فقد توازناته وانهار بنيانه، ولا تزال أطرافه تتخبط في كل الاتجاهات، ويوشك أن يتحول في الصراعات الإقليمية والدولية إلى فرق حساب. ولسان حال طهران يقول: لماذا يحق لتل أبيب أن تضم الجولان بالقوة، وفي تحدّ سافر للقرارات الدولية، ولا يحق لطهران أن تزيل الحدود السياسية الفاصلة بين إيران والعراق وسورية ولبنان، وتجعل من إقامة ما تسميه الهلال الشيعي على أنقاض دول الهلال الخصيب هدفاً مشروعاً، بمقدار ما هو ضروري لضمان المصالح الأمنية والاستراتيجية الإيرانية؟

(2)

ومع ذلك، لا جديد في هذه السياسة وذاك المنطق الذي دفع الدولة الأعظم إلى الاستهتار بالقانون وحقوق مئات الألوف من سكان الجولان من المواطنين السوريين. لقد قام نظام المنطقة، منذ ولادتها على أنقاض السلطنة العثمانية، في بدايات القرن العشرين، على الضرب عرض الحائط بإرادة الشعوب، وفرض الأمر الواقع عليها، وتقسيمها حسب مصالح الأطراف الدولية المعنية، وبما يسمح بإقامة دولة إسرائيل المنبثقة كلياً من نفي حقوق الفلسطينيين، وتغييب دولتهم، وابتلاع أرضهم الوطنية، والسطو على أملاكهم وأرزاقهم، فليس هناك أي فرق بين استثناء إسرائيل من حكم القاعدة القانونية، ورفع مسألة تأسيسها وضمان توسعها وأمنها

"المستفيد الثاني من تقويض حلم السلام وتكريس قاعدة فرض الأمر الواقع حكومة طهران القومية المذهبية" فوق أي قانون أو مفهوم للعدالة، حتى تضمن إخلاء الأرض من سكانها، وإقامة دولةٍ جديدةٍ عليها من العدم من جهة، وإعلان الجولان إسرائيلية وإعدادها لحركة الاستيطان والتغيير الديمغرافي الذي عرفته الأراضي الفلسطينية، ولا يزال يعرفه ما تبقى منها في القدس والضفة الغربية منذ عقود من جهة أخرى. إنه تجديد لعهد الاغتصاب وفرض الأمر الواقع الاستعماري بالقوة، وانتهاك القانون الذي من دونه ما كان يمكن لإسرائيل أن تقوم، ولا أن تستمر وتلعب الدور الذي رسم لها لتفجير المنطقة الشرق أوسطية، وإخضاعها وتذرير شعوبها وتقويض مستقبلها.

ما كان يمكن لإسرائيل، التي أراد لها الغرب أن تكون تعويضاً لليهود عن جرائم حكوماته العنصرية، وإسفيناً في صدر "الأمة" العربية، أن تقوم من دون انتهاك حقوق الفلسطينيين، ونزع سيادتهم عن أرضهم، في وقتٍ ظهر فيه، من الولايات المتحدة نفسها، مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، واحترام إرادتها وحقها في دول مستقلة سيّدة، وبحدود مستقرة وآمنة. وعلى الاستثناء الذي جسدته إسرائيل في قيامها وبقائه، وإعفائها من حكم القانون والعرف الدوليين، والسماح لها بتمديد عهد الاستعمار الاستيطاني والعنصرية المرتبطة به لا محالة، سوف يقوم استثناء منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وعلاقات دولها في ما بينها، من حكم القانون والعرف الدوليين أيضاً، بحيث لا يمكن لأي شعبٍ من شعوبها أن يفرض إرادته داخل حدوده، وفي تعيين ممثليه، ولا تستطيع أي دولةٍ أن تحظى بالسيادة والاحترام الكامل لحقوقها ومصالحها وأمن مواطنيها.

هكذا ولد الاستثناء الإسرائيلي إقليمياً، جعل العلاقات بين دول المنطقة قائمة جميعها على القوة والحرب، وأحلّ مبدأ فرض الأمر الواقع مكان التفاوض والحوار، لتسوية النزاعات وتقاسم المصالح، فصار التسابق على بناء القوة، ومراكمة وسائل الحرب والعنف الاستثمار الأول لجميع الدول والنظم والشعوب على قلة مواردها. وما تقوم به إيران اليوم هو ما سعت إليه من دول عربية عديدة خلال نصف القرن الماضي، وأدى إلى خسارتها معركتها الحضارية، وتفجير مجتمعاتها من الداخل، لأنها ما كان بإمكانها، في حدود قدراتها التقنية والإدارية ومواردها القليلة، أن تربح سباق التسلح، والرهان على القوة مع دولة إسرائيلية استخدمها الغرب الأوروبي، ثم الأميركي، قاعدة متقدمة لقهر الشعوب العربية، وإخضاعها، والتحكّم بمصيرها. كان الاستثناء من حكم القانون الذي ولدت منه إسرائيل، دولة غربية وغريبة عن 

"المستفيد الثالث من تعليق حكم القانون، داخل الدول وفي ما بينها، هو الإرهاب، أي النزعات المتطرفة" محيطها، ومعادية له، الفعل المؤسس الأول لنظام الخروج على القانون في المنطقة المشرقية، داخل حدود الدول بين نخبها وشعوبها، وفي العلاقات الشاذّة والمتوترة والعدوانية المتجدّدة في ما بين الدول نفسها.

لا تعمل واشنطن، بانتهاكها الجديد الصارخ مبدأ حق تقرير المصير، واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب الذي أسس للنظام الدولي القائم، منذ بداية القرن الماضي، سوى تجديد عهد الاستثناء الذي قام عليه نظام الشرق الأوسط الحديث، وتأكيد مبدأ القوة ناظماً للتوازنات والعلاقات الإقليمية، ومن ثم إغلاق باب السلام الموعود، وتمديد أجل الحرب والنزاعات التي أوصلت المنطقة إلى ما هي عليه من دمار أخلاقي وسياسي وحضاري.

(3)

أما المستفيد الثالث من تجديد عهد الاستثناء، وتعليق حكم القانون، داخل الدول وفي ما بينها، فهو الإرهاب، أي النزعات المتطرفة التي ولدت في حضن المجتمعات العربية التي انهارت توازناتها، وفقدت بوصلتها الدينية والسياسية معاً، وكانت ولا تزال تمثل التعبير المباشر عن تخبط فكرها ونخبها أيضاً أمام جائحة القوة الإسرائيلية والغربية، واليوم الإيرانية، المسلطة عليها، فإعدام القانون بوصفه ناظماً للعلاقات بين الدول والشعوب، وتعميم الإكراه وفرض الأمر الواقع بالقوة المجردة، وإلغاء أي أمل في السلام والتفاهم والحياة الإنسانية السياسية والمدنية الطبيعية، هي أكبر مصدر لتوليد العنف، وتعميم استخدامه وسيلةً لتحقيق أهدافٍ تبدو في البداية مشروعة، لكن سرعان ما تتحول هي نفسها وسائل لتبرير العنف ذاته، وانبثاق عبادته وتقديسه على يد أفرادٍ فقدوا بوصلتهم الإنسانية، ولم يعد لهم أي أمل في المستقبل، أو في حياة آمنة وصالحة ومرضية.

ما تحتاج إليه المنطقة لمقاومة الانحدار نحو الجحيم الذي تعيشه اليوم، كما لم يحصل في أي حقبةٍ سابقة، هو بعكس ما تقوم به الأطراف جميعاً، وفي مقدمها القوة الأميركية العظمى، تعظيم فرص السلام وإحياء الأمل فيه، من خلال تعزيز روح التفاوض والتشجيع على الحوارات الوطنية والإقليمية والدولية، وإقناع الجماعات والشعوب بوجود مستقبل آمن أفضل. أما الانتصارات والمكاسب التي يحققها هذا الطرف أو ذاك عن طريق القوة والتهديد بالموت والدمار، فلن تكون سوى الطعم الذي يقود من يتلقفه إلى فخٍّ لن يستطيع الخروج منه. وهو يقود، منذ الآن، المنطقة برمتها، وغداً محيطها القريب ثم البعيد، إلى الخراب، تماماً كما قاد رفض نظام الأسد التفاوض، وتصميمه على هزيمة الشعب وفرض إرادته عليه بالقوة، إلى خراب الوطن السوري، وتقديمه لقمة سائغة لإسرائيل وللدول الأخرى المتنازعة على تقاسم أشلائه. ككثير من الانتصارات السهلة، سوف يتحول إعلان سيادة إسرائيل على الجولان إلى شركٍ لقتل آمال السلام، سيدفع المستفيدون منها ثمناً مضاعفاً له في المستقبل.

بخطوته المتهورة، لم يخدم دونالد ترامب إسرائيل، ولا عزّز موقع الولايات المتحدة في المنطقة، لكنه قوّض أهداف سياسته الإقليمية التي ركز فيها على مواجهة الانتشار العسكري الإيراني أولاً، وما يجرّه من تهديداتٍ لاستقرار، أو ما تبقى من استقرار في المنطقة، وعلى 

"قاد رفض نظام الأسد التفاوض، وتصميمه على هزيمة الشعب وفرض إرادته عليه بالقوة، إلى خراب الوطن السوري، وتقديمه لقمة سائغة لإسرائيل" القضاء ثانياً على الإرهاب ونزعات التطرف الانتحارية التي تغذّيه. والحال لا توجد شروط لمساعدة إيران على زعزعة دول المنطقة واحتلالها من الداخل، ولا لإعطاء دفعةٍ قويةٍ لنزعة التطرّف والرهان على العنف الانتحاري والإرهاب الدولي، أفضل من قتل فرص الحوار وقطع الأمل بالسلام وتعزيز الحلول التفاوضية في النزاعات الداخلية والإقليمية. ولن يقود استمرار مثل هذه السياسات الحمقاء التي قادت إلى خراب أحوال المنطقة، وجعلت من بلدانها قاعاً صفصفاً، ومن شعوبها لاجئين ونازحين أو مشاريع نازحين ولاجئين في العالم أجمع، إلا إلى تنامي العنف وتفاقم القتل والدمار.

ليس العنف في استخدام السلاح القاتل خارج حكم القانون، أو انتهاكاً له فحسب. إنه يكمن بشكل أكبر، في تقويض حكم القانون وحرمان المجتمعات من مرجعيةٍ قانونيةٍ، تنظم علاقتها، وتضمن تفاهم أفرادها وجماعاتها وتعاونهم، فالقضاء على حكم القانون وقاعدته لا يقتل أفراداً ملموسين، ومرئيين، ولكنه يوجِد البيئة المُثلى لتوليد العنف، وتعميم الجريمة سلوكاً حتمياً وطبيعياً، ويعرّض شعوباً كاملة للإبادة، بمقدار ما يحرمها من حقها في الأمن والسلام والاحتكام للعدالة. فكما أن بسط السلام داخل المجتمعات وبين الدول لا يتحقق إلا بسيادة حكم القانون، وخضوع الجميع إلى قاعدة واضحة ومقبولة معاً، لا يمكن لتقويض معنى القانون والاستهتار به، والحيلولة دون تطبيقه، إلا أن يكون المصدر الأول لتوليد العنف، وتعميم استخدامه. ومن هنا كانت الفتنة، أي ضياع حكم القانون ومعناه، أشدّ من القتل. كانت إقامة إسرائيل على أنقاض فلسطين فتنةً إقليمية ودولية، بمقدار ما كانت خرقاً للقانون الدولي والإنساني، وإلحاق واشنطن الجولان بإسرائيل اليوم هو تجديد لروح الفتنة ذاتها، وتمديد لزمن الفوضى والحرب.

===========================

الجولان.. من المسؤول؟

 حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاثنين 1/4/2019

ليس هدف هذا المقال الإجابة عن سؤالٍ عمّن يتحمّل المسؤولية عن الوضع الذي آل إليه الجولان؟ ذلك أن الإجابة معقدة جدا، وتخضع لاعتبارات سياسية وجغرافية واستراتيجية، وحتى أيديولوجية. ما يهم هذا المقال قراءة المسار التاريخي الذي أوصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم. ولكن يمكن تلمس أو قراءة بعض المعطيات المهمة التي تشرح الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.

تشكل هذه المرحلة التاريخية لحظة فارقة بالنسبة لسورية التي خرجت من معادلة الصراع مع إسرائيل، وربما تحتاج عقودا عدة من أجل إعادة ترميم نفسها، فقد دمرت البنية التحتية بالكامل، وتهتّك الاقتصاد الوطني والبنية الاجتماعية، وانهارت المقدّرات العسكرية.

النظام السوري غير قادر الآن، ولا في السنوات المقبلة، على فعل أي شيءٍ له وزن أو قيمة سياسية وعسكرية، فلا هو قادرٌ على توجيه ضربات لإسرائيل، حتى في الجولان التي تعتبر وفق الشرعة الدولية أرضا محتلة، ولا هو قادر على تحريك الساحة اللبنانية أو الفلسطينية كما كان الحال في السابق. وبالتالي، فإن شرعنة السيادة الإسرائيلية أمرا واقعا لن تكون له أية ردود فعل سورية/ عربية، بل على العكس، إن أية محاولةٍ للرد من "محور المقاومة" سينعكس بالسلب عليه بسبب الحالة المتردية التي وصل إليها هذا المحور، ليس على الصعيد القوتين، العسكرية والاقتصادية، فحسب، بل أيضا، وهذا هو الأهم، على صعيد الشرعية 

"النظام السوري غير قادر الآن، ولا في السنوات المقبلة، على فعل أي شيءٍ له وزن أو قيمة سياسية وعسكرية" الداخلية في عموم العالمين، العربي والإسلامي.

يحتم القرار الأميركي، الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، إعادة قراءة الاستراتيجية السورية حيال إسرائيل، فقد أثبتت العقود الخمسة الماضية أنها كانت استراتيجية خاطئة بالمطلق، فسياسة التوازن الاستراتيجي لم تنفع، بل أضرّت كثيرا بسورية، فهي لم تصل إلى مستوى تهدد فيه إسرائيل فعليا وتجبرها على إعادة التفكير بالمخاطر التي تترتب على احتفاظها بالجولان. بعبارة أخرى، كانت حالة اللاحرب واللاسلم التي اتبعتها دمشق لمصلحة إسرائيل نتيجة الواقع العربي والدولي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي.

لا يعني ذلك الدعوة إلى الاستسلام والارتماء في الأحضان الإسرائيلية، كما فعل أنور السادات، واهتم باستعادة أرض مصر على حساب الأراضي العربية الأخرى، لكنه يعني أنه كان يجب البحث عن خياراتٍ أخرى، لا تكون مغرقةً في واقعيتها (مصر)، ولا تكون راديكاليةً في مواقفها (سورية)، ففي الحالتين، ثمّة ضعفٌ في رؤية الواقع القائم، وعدم القدرة على صنع أساليب أنجع لتحقيق المكاسب. وللأسف، كلا الخيارين أضرّا بالقضية الفلسطينية، فقد خرجت مصر مع معادلة الصراع، وتحوّلت إلى وسيط بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشكلٍ لم يتحمّله الوعي العربي، وبقيت سورية، في المقابل، أسيرة أيديولوجياتٍ عفا عنها الزمن، لا تتماشى مع واقع الحال.

رفضت دمشق الحلول الأميركية الجزئية، في كل المراحل التي كان فيها كيسنجر وجيمس بيكر ووارن كريستوفر ومادلين أولبرايت وزراء للخارجية، وأصرّت على حل ذي حزمة كاملة. ومن الواضح من خلال مسار المفاوضات أن كلا الطرفين، السوري والإسرائيلي، غير جادّين بالتسوية، فبالنسبة لإسرائيل ليست مضطرّة إلى تقديم تنازلاتٍ في ظل واقع عربي منهك. وبالنسبة لسورية، هي غير قادرة على تقديم تنازلاتٍ تضرب شرعيتها التي بنتها طوال عقود على اعتبارات قومية. وقد يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، بالقول إن النظام السوري (حافظ الأسد) قد باع الجولان من أجل البقاء في السلطة.

ومع أن مثل هذه المواقف تعكس، في رأي كاتب هذه السطور، خطابا شعبويا، لا خطابا سياسيا موضوعيا، يساعد على فهم الظاهرة السياسية، إلا أنه لا يمكن إنكار أن بقاء الصراع السوري ـ الإسرائيلي مستمرا يشكل أداة مهمة للسلطة في سورية، من أجل الاستمرار في إنتاج الشرعية الوطنية والقومية، وإبعاد النظر والتفكير في مكونات الحكم. هذا أمر مفهوم، لكنه لا يعني أن 

"لا يمكن إنكار أن النظام السوري نفسه أعطى الحجة للرأي الذي يرى أن ثمّة تفاهماً مضمراً بين سورية وإسرائيل" النظام السوري لا يمتلك أيديولوجية قومية، وأن الصراع مع إسرائيل يُختزل لمتطلبات السلطة، والسلطة وحدها، فالمسألة الوطنية والقومية جزء رئيسي من مكونات الوعي العروبي السوري لدى مختلف الشرائح، وهو الذي يجعل واشنطن لا تفكر في السيطرة استراتيجيا على سورية، لأنها تعي أن هذا البلد لا يمكن أن يكون ضمن الفلك الأميركي، وهو الذي جعل المعارضة السورية ترفض طلب السفير الأميركي، روبرت فورد، الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان.

ولا يمكن إنكار أن النظام السوري هو نفسه قد أعطى الحجة للرأي الذي يرى أن ثمّة تفاهما مضمرا بين سورية وإسرائيل، حين سمحت دمشق لمتظاهرين فلسطينيين وسوريين بعبور السياج الحدودي في الجولان في 5 يونيو/ حزيران عام 2011، في خطوةٍ وصفت بالفضيحة، وطرحت تساؤلاتٍ حول أسباب هذه الخطوة، ولماذا لم تُقدم دمشق عليها منذ سنوات، واعتمدت خيار المقاومة الشعبية؟ لماذا الآن عندما حصل تهديد داخلي لسلطة النظام؟ لقد بينت تلك الحادثة لدى كثيرين أن الشعارات الوطنية والقومية هي لتحريك الشارع، وتوجيهه بالاتجاه الذي يستفيد منه النظام.

لا يهدف هذا المقال إلى تبنّى رأي وموقف ما والتمسّك به، بقدر ما يطرح إشكالاتٍ وأسئلةً تحتاج إلى أجوبةٍ، لم يستطع النظام السوري إلى الآن تقديمها.

===========================

سورية في قرارات قوة "الصفر" الدولية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 1/4/2019

تقف منطقتنا العربية، مرة أخرى، أمام مواجهةٍ علنيةٍ مع صناعة خريطة جديدة لها، جغرافياً وديمغرافياً وتبعيةً، في وقتٍ تحاول فيه الشعوب "المحلية" استعادة مكانتها التشريعية، سواء لجهة اختياراتها في تنظيم علاقاتها مع حكّامها، أو لجهة فرض رغباتها على المجتمع الدولي التي عبرت عنها في ثوراتها الشعبية ضد أنظمتها الحاكمة، فحيث واجه حكام دول "الربيع العربي" شعوبهم الثائرة بالسلاح والقتل والاعتقال والتهجير، لمنعهم من الوصول إلى غاياتهم في الحرية والمواطنة، عملت، في الوقت نفسه، الدول الكبرى "الداعمة للطرفين المتصارعين" على فرض إراداتها أيضاً على هذه الثورات ووسائل ردعها، من خلال اختيار طرق المواجهة والممثلين عن الشعوب في ثوراتهم، ما يعني أن الخريطة، بحدودها المستحدثة المفروضة، تمثل تفاهماتٍ ضمنيةً بين الدول "الأقوى" التي تقرّرها فيما بينها، بعيداً عن الأنظمة التي تلتزم بها، سواء بالصمت عنها، أو بسحب شرعية الكفاح الشعبي ضدها، من خلال ربطه بإرادة الحكام ومصالحهم النفعية، تصعيداً أو منعاً.

وكما أفسحت حالة الحرب في سورية، وكذلك واقع الدول العربية ذات ملامح التغيير، تصوير الواقع المهزوم للشعوب أمام أنظمتها الحاكمة، فهي فتحت أيضاً المجال أمام القوى الدولية، لتعيد تموضعاتها في المنطقة، وتعلن عن مصالحها الحقيقية فيها، وحجم اتفاقاتها السرية مع الأنظمة العربية، وخططها المستقبلية فيها، ما جعلها قادرةً على استخدام سورية ساحة حربٍ "مستأجرة" من كل الأطراف، وكورقة مساومة دولية، تنهي من خلالها الملفات العالقة بينها، وهو الأمر الذي أدى إلى إخراج ما خفي في الخزائن السياسية المغلقة إلى النور، من نقل 

"أفسحت حالة الحرب في سورية تصوير الواقع المهزوم للشعوب أمام أنظمتها الحاكمة" السفارة إلى القدس إلى التصريح باتفاق أضنة إلى قرار الاعتراف بسيطرة إسرائيل على الجولان، ليكون ذلك كله حجر الأساس في رسم الحدود الجديدة لسورية والمنطقة، على المستويين: الجغرافي الذي لم يعد يحتمل المواربة في طرح حقيقة المساومات التي أنتجت ذلك "الهدوء المفخخ" بين إسرائيل ومحيطها العربي، وربطه بالأنظمة العربية القائمة وعلاقاتها المتبادلة، والتي كانت أحد أهم أسباب استقرار هيمنة الأنظمة العربية على شعوبها طوال العقود الماضية. والديمغرافي الذي يمكن، من خلاله، إضعاف شعور الشعوب أكثر، كوحدة وطنية متساوية في الحقوق والواجبات، ومتشاركة في الهوية والمصير، ووضعها في مواجهة بعضها، في حرب القوميات، والطوائف، والمذاهب، والأيديولوجيات الحزبية والدينية.

وإذا كان قرار الرئيس الأميركي، الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان (25 مارس/ آذار) حظي برفض "إعلامي" كلي داخل اجتماع مجلس الأمن (28 مارس/ آذار) من شركاء واشنطن الـ 14، فإن مناقشة قوة هذا الرفض تتشابه تماما مع مناقشة قوة القرارات الدولية التي تقر بسوريّة الجولان، وببطلان قرار إسرائيل الصادر عام 1981 الذي يفرض القوانين الإسرائيلية والولاية القضائية على الجولان، كما ورد في القرار 497 الذي يطالب إسرائيل بإلغاء القرار فورا، وكذلك القرارين: 242 الصادر عام 1967 و338 الصادر عام 1973، ومبدأ الأرض مقابل السلام الذي كان أساس مرجعية عملية السلام في مدريد 1991.

أي أن هذا الرفض الدولي اليوم يساوي، في قيمته الواقعية، الصفر في عمليات الجمع الحسابية، وهو مساوٍ لقوة الصفر الواردة في القرارات الدولية التي ترفض ممارسات إسرائيل، واحتلالها أراضي الغير بالقوة، بمعنى أنها، في مجملها، مجرد حبر على ورق، لا تحمل في مضامينها الفعلية سوى حقيقة واحدة، أن هذا العالم يُدار "بقوة البطش"، وليس بما تنظمه القوانين الدولية، وتضع له حدود القبول والرفض، وهي قراراتٌ للتداول الإعلامي، بمعنى أن ترامب يضع نهاية دراماتيكية للمنظومة القانونية للمجتمع الدولي التي يمثلها مجلس الأمن، ليحل مكانها مبدأ القوة، أساسا لرسم الحدود الجديدة للدول، وآليات التعامل بينها، في كل المجالات الأمنية والسياسية

"هذا العالم يُدار "بقوة البطش"، وليس بما تنظمه القوانين الدولية"  والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية.

ولعل ما يميز عهد ترامب هو المواجهة مع الخبايا السياسية المعتمة، وهي ميزة وضع ما يتم الاتفاق عليه في الغرف المغلقة في قراراتٍ واضحةٍ ومعلنةٍ على الملأ، منهياً بذلك مرحلة "همروجات" الممانعة، والتلطي خلف القضية المركزية في مواجهة إسرائيل، دولة محتلة للأراضي العربية، التي تختبئ خلفها الأنظمة العربية في تبرير استبدادها لشعوبها. ويمكن اعتبار مجموع المتغيرات التي حدثت في المنطقة العربية خلال السنوات القليلة الماضية بمثابة إعلان عن تفاصيل ما سميت صفقة القرن، بدءاً من تغيير ملامح جغرافية المنطقة، وصولاً إلى تغيير شكل الأنظمة وقوانينها المحلية، تحت مسميات الانفتاح والتحديث "الوهمية" وأولوياتها، ومرورا بتغيير وجهة الصراع العربي – الإسرائيلي، لتصبح الصراع العربي - الفارسي، ومحورته في صراع ما قبل الدولة المدنية بين السنة والشيعة، وهي الخدمة التي سمحت فيها الإدارات الأميركية لإيران في القيام بها منذ الانسحاب الأميركي من العراق، وحلول إيران بديلاً فيها.

وحيث لا يمكن إنكار حجم الاستثمار في الحرب السورية، بجعلها سبباً مباشراً للتغيير في المنطقة بعمومها، بعد اتخاذ الولايات المتحدة قرارها إبقاء الصراع قائماً بين الأطراف المحلية (النظام والمعارضة) على مبدأ لا غالب ولا مغلوب بينهما، وفتح الباب على مصراعيه، لتوريط هذا العدد الكبير من الدول، في الدخول أطرافا في الصراع على سورية، بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر فتح قنوات الدعم والتمويل للنظام. وفي المقابل، لفصائل مسلحة بأجنداتٍ 

"على الرغم من عدم شرعية هذه القرارات، إلا أنها على أرض الواقع تمثل قوة الحقيقة المسلحة التي ينطلق منطق إسرائيل وترامب منها" غير سورية ومليشيات إرهابية متطرفة تابعة للدول، ومن ثم عقد الصفقات منفردةً مع كل من هذه الدول المتدخلة تحت ضغط القدرة على معاقبتها، عسكرياً أو اقتصادياً، واخضاعها لشروط التغيير الداخلي المفروض عليها، بما يتناسب وشروط إفساح المجال لإسرائيل لمزاولة دور الدولة "الحقيقة التاريخية" في المنطقة، حسب التصريحات الأميركية اليمينية، وبما يضمن إحداث التغييرات الشاملة في شكل المنطقة وأولوياتها.

مجاهرة ترامب بقراراته، سواء نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أو تفريغه حق العودة للفلسطينيين من مضمونه القانوني، أو الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، على الرغم من عدم شرعية هذه القرارات في القانون الدولي، إلا أنها على أرض الواقع تمثل قوة الحقيقة المسلحة التي ينطلق منطق إسرائيل وترامب منها، وهي حتماً تعيدنا إلى أساس بناء فكرة إسرائيل التي انطلقت من وعدٍ، لتصبح اليوم الدولة التي تقرّر واقع المنطقة ومستقبلها، وتحدّد من خلال ذلك مصير حكام العرب ببقائهم، على الرغم من ثورات شعوبهم عليهم، أو تقويض حكمهم، عندما تنتهي مهامهم الموكلة لهم، وساعة رحيلهم، أو ترحيلهم. وعلى القياس، فإن أي تعويلٍ على قرارات دولية في حل قضية السوريين مع نظام الأسد يساوي تماما "قوة الصفر" التي تتمتع بها قوة القرارات الدولية ضد إسرائيل، ما لم تكن قوة الولايات المتحدة بدايةً ونهايةً عامل الترجيح فيها.

===========================


مبادرات أم بالونات؟

حذام زهور عدي

سوريا تي في

الاحد 31/3/2019

فرزت القضية السورية ظواهر بقدر تعقيداتها، ويُقصد" بالقضية السورية" كمصطلح، الثورة، وردود الفعل عليها، نظاماً، ومداخلاتٍ إقليمية ومواقف دولية، وهيئات أممية، وكان التشريد والتهجير والتبديل الديموغرافي من أهم تلك الظواهر التي استعارتها أسرة حاكمة من القرون الأولى للحياة البشرية لتثبت نفسها فوق كرسي الحكم، وتم ذلك تحت بصر قوى الديموقراطية العالمية وسمعها، مع امتلاكها لآليات ما بعد الحداثة في رصد كل صغيرة وكبيرة في الكرة الأرضية قاطبة، ومع أسبابٍ ذاتية متعددة، استطاع العالم أن يسلب الشعب – صاحب الحق - حقوقه القانونية والإنسانية في حياة الكرامة والحرية التي حلم بها وثار من أجلها واحتمل الكوارث والمآسي لتحقيقها، مستهزئاً استهزاء الموجوع حتى العظم من كل مايجري، سواء من أولئك الذين يحتفلون بالانتصار على أنهر الدماء والأحقاد التي تمتعوا بالسباحة بها، أو أولئك الذين أقبل بعضهم على بعض يتلاومون فيما جنت محدودية رؤاهم..

من تلك اللوحة السوداء بدأت ظواهر جديدة تنتشر محاولة رسم بقع بيضاء حولها، تحت شعارات: إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو ثورة حتى النصر، أو التمهيد للحلول المستقبلية أو......

بمعنى طرح عناوين مثل "مبادرات" تلحق بها صفات: وطنية، ديموقراطية...مؤتمرات...تجمعات...إعلان دستوري توافقي..، هيئات..جامعة مانعة...الخ...

وبقدر ما يلفت النظر عودة صفة الديموقراطية وتعميمها، على معظم تلك التجمعات، بعد أن خفت صوتها لصالح شعارات دينية " تعتبرها بضعة من تشكيلات سلفية بدعة غربية " بقدر ما كان القلق من التوظيف الشكلي لها وتمييع مضمونها على طريقة النظام الأسدي وجبهته التقدمية..وارداً..

تراكم من المبادرات تحمل معظمها دعوة إلى التجمع والتوحد والخروج من التشرذم الذي كان من أهم الأسباب الذاتية للخسران

فيما يُطرح اليوم، ضمن تحرك الناشطين والثوريين، تراكم من المبادرات تحمل معظمها دعوة إلى التجمع والتوحد والخروج من التشرذم الذي كان من أهم الأسباب الذاتية للخسران، وأيضاً بقدر ضرورة تلك الدعوة وراهنيتها، تتعدد التجمعات والمؤتمرات من أجلها، كلٌ يتمترس خلف تجمعه، منادياً الآخرين الالتحاق به، ويتحول التجاذب والاختلاف "الشخصي غالباً" إلى خلاف يصعبُ ردمه...ويتساءل منتظرو الإنقاذ..لماذا؟...لماذا؟..

من بين ركام تلك المحاولات والمبادرات تبرز ثلاث:

أولاها: مقترحات توافقية لإعلان دستوري أعدَ من قبل مركز الدراسات السوري وذُيل باسم المحامي المعروف "أنور البني" وقد فُصلت فيه مواد متعددة لنظام الحكم المقترح على أن يُصاغ الدستور النهائي بعد المرحلة الانتقالية...

والثانية: جاءت تحت اسم "المبادرة الوطنية السورية"في سبع صفحات، تحوي على مقدمة موسعة، ثم مقترح لنقاط انطلاق للحل السياسي،، ثم مقترح لميثاق تحت اسم الوطن والمواطن، تصدر الأسماء اسم الدكتور عارف دليلة تلاه اللواء الركن محمد الحاج علي وتبعه الدكتور هيثم مناع، ثم عدد من ناشطي الثورة ومن الذين رافقوها كقيادات سياسية أو عسكرية،

أما الثالثة: فكانت تحت عنوان الحوار السني- العلوي، مع ذكر بعض الأسماء التي وصفت بأنها تمثل السنة، بينما أغفلت الأسماء الأخرى..وقد قدَمت نفسها إعلامياً وفق مانشر الإعلامي إبراهيم حميدي في "الشرق الأوسط" بأحد عشر بنداً تنطلق من ثلاث أفكار أساسية : - محاولة إيجاد توافق طائفي كطريق لمصالحة وطنية،...- التحضير لهذه المبادرة استمر سنتين بشكل سري ولكنه لم يكن بعيداً عن المعرفة الدولية به بما فيها النظام الأسدي نفسه،..- الابتعاد عن الحديث حول النظام السوري الأسدي ورئيسه، سلباً أو إيجاباً...وقد رأى أصحابها أن الأوان قد آن للإعلان عنها من خلال مؤتمر محدود عقدوه في برلين  !

وبصرف النظر عن التفاوت في هذه المبادرات وفق المنطق الثوري أو السياسي المعارض أو الرمادي أو علاقة النظام الأسدي أو الدولي بها، فإن أية مبادرة من أجل إيجاد حلٍ سلمي حقيقي ذي مصداقية وقابل لإحلال الاستقرار يفتح طريق التنمية وإعادة الإعمار وبالتالي عودة المهجرين والإفراج التام عن المعتقلين والمخفيين قسرياً وإيجاد حلول للمظالم التي عانى السوريون منها، لايمكن بل من المستحيل نجاحها مالم ترتكز بشكل واضح لا لبس فيه على إنهاء حكم الأسرة الأسدية التي أوصلت الوطن السوري إلى الإنهيار المريع...

والأسئلة التي تطرح نفسها بالحوار مع المبادرات المعلنة، سواء ماذكر منها أو مالم يُذكر:

لمن تُوجه تلك المبادرات؟؟

هل توجه للشعب السوري ؟ أم للنظام الأسدي؟ أم لدول الاحتلال التي تتنافس على قضم سورية كلٌ وفق مصالحه ؟أم لأوروبا ذات النفوذ الأقل والثمن الأكبر من خلال المهاجرين واللجوء الذي بات عبئاً سياسياً أكثر منه اقتصادياً ؟

فإن كان التوجه للأسرة المسيطرة ونظامها فإن تلك المبادرات لاتعني لهم شيئاً بما فيها الأخيرة التي أرادوا أن تكون بديلاً عن المفاوضات المقررة تحت إشراف أممي، يلغون من خلالها القرارات الأممية السابقة جميعاً بل بما فيها أستانة وسوتشي وفيينا وجنيف ....الخ.. ولو كان النظام يريد حلاً ما ،كان بإمكانه قبل الكوارث التي جلبها للسوريين والوطن أن يقبل ما قررته الندوة أو المؤتمر الذي جرى بإشراف فاروق الشرع نائب رئيس الدولة...أو بالمقترحات الإصلاحية التي حاول من هم قريبون منه أن يُقنعوه بها، أو...على الأقل بالرغبة بمفاوضات جادة تستند إلى قرارات أممية ...الخ.. ومن يفكر أن النظام الأسدي يمكن أن يقدم حالة حتى شبيهة بما كان عليه قبل الثورة فإنه يسبح في بحور من الأوهام ...ولذا لايفكرَن أحد بأنه إذا قدَم تنازلات بشأن موضوع النظام  كبادرة حل سيتقبل الأسد الحوار حولها، فالنظام يستجلب تنازلاً إثر آخر دون أن يفتح أي باب حتى للتفاوض،

وإن كانت موجهة للدول ذات المصالح، فإنها قد تُشجعها لكسب الوقت، أو لنفاذ مصالحها من خلالها، ولو أرادت تلك الدول حلاً سلمياً حقيقياً لأجبرت من بيده الأمر عبر البند السابع أو بغيره كما فعلت بأحوال أخرى ولجنبت السوريين تلك المقتلة المريعة ...

أما إذا كانت موجهة للشعب السوري...فما صدر سابقاً سواء في وثيقة مؤتمر القاهرة الأول، أوفي الدراسة البحثية الشاملة التي صدرت عن المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية ـ واشنطن في إطار أعمال بيت الخبرة السورية ، وتحت عنوان : خطة التحول الديمقراطي في سوريا في عام 2013. وفي ذلك ما يفيد، وقد لايحتاج الأمر أكثر من بعض التفصيل والتوضيح ليتناسب مع المعطيات الواقعية المستجدة، بل في قرارات جنيف وبخاصة ما صدر عن مجلس الأمن من التنازلات ماهو أكثر من كاف لضمان حل سلمي مقبول للضرورة..

بالتأكيد نستبعد الشك بالإخوة الذين يعملون جاهدين لتقديم مقترحات نتيجة الوضع المأساوي البالغ الصعوبة الذي يعيشه الشعب السوري، لكن ذلك يتطلب عقلاً بارداً يميز بين ماهو قابل ليوصف بأنه حل ذو مصداقية، وبين حلٍ يُضمر الزغل وقد يولد انفجارات أكثر سوءاً وحالة من الفوضى المعممة كما هي اليوم!....

حتى يبتعد الناشطون عن المبادرات الملغومة والتي هي أشبه ببالونات اختبار، تستدرج الاستسلام لمنطق الحرب الطائفية وصيغة لاغالب ولامغلوب، وتتهرب من الكلام الصريح حول جرائم النظام وداعميه والموقف من استمرار النظام بوجوهه المعروفة وفلسفة الفصل بين النظام ورئيسه وبين الدولة والسلطة وعدم رؤية الوقائع السورية بدءاً من "أنا الرئيس وأنا الدولة والوطن أنا سورية بكل مافيها".

وحتى يبتعدوا عن كل ذلك، يُفترض أن :

يكون الخطاب موجها للشعب السوري فقط...

- أن يستفيد من التراكم الذي قدمته مؤتمرات سابقة ولا يبدأ من الصفر، ففي ذلك ليس فرصة راحة للأعداء فقط، وإنما ضياع جهد ووقت قد يكون السوريون بأمس الحاجة له، وتكرار غير مفيد.!..

- التركيز على أهداف الثورة دون أي تنازل، وبخاصة فيما يتعلق باستمرار بقاء الأسرة الحاكمة ومن حولها.

ليس هناك أي مبرر لتقديم تنازلات مجانية في كتابات من يتصدى للعمل السياسي اليوم، ذلك لأن أي تنازل يمكن أن يقدم من خلال مفاوضات جادة، وعلى النشطاء المدنيين تصليب موقف المفاوض لا أن يفاوض عنه، ليستطيع المفاوض الاستناد إلى جدار صلب يحمي ظهره ويبعده عن اتهامه بما لايرضى!.

ولاشك أن الأبحاث ودراسة المعطيات الواقعية، اقتصاداً واجتماعاً وكل ما استجد في أوضاع الناس ومعاشهم، من الضرورة التي لا يمكن من دونها تقديم أي مشروع أو عمل ميداني سليم حتى في الإعلان الدستوري أوأعمال الإغاثة أو الأعمال الصحية....

الثورة السورية لاتحتاج إلى زبد الكلام المنمق، إنما تحتاج إلى ماينفع الناس ويمكث في الأرض، وتلك هي المعضلة التي على شباب الثورة حلها.......

===========================

لا ثورة في بلد الحواجز

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 31/3/2019

يصعب تصور قيام ثورة في بلد تنتصب فيه آلاف الحواجز، فلا يمكن اجتماع عشرة أشخاص بين حاجزين، يبعد أحدهما عن الآخر أمتارا قليلة، والتجمعات الوحيدة المسموحة في سورية اليوم هي الطوابير التي تنتظر الحصول على ربطة خبز أو جرّة غاز. تواجه الثورةَ المنشودةَ في سورية مشكلتان تقنيتان، يصعب معهما قيام ثورة سلمية، يريدها النشطاء والغيورون تصحيحاً لثورة أجهضت، ثورة سلمية تبرز أحقية السوريين بالثورة، وتسلط الضوء على مدنيتهم وانضباطهم، وتهتف بوحدة الشعب السوري "واحد واحد" مرّة أخرى.

الأولى: سقوط القانون نهائياً، على الرغم من أن كل أفعال جمهورية الأسد، منذ نشأتها، لم تكن قانونية في أي يوم، خصوصا على صعيد تعاملها مع معارضيها، إلا أنها اليوم أصبحت مافيوية بالمعنى الحرفي، وكل عنصرٍ على حاجز، مهما تكن رتبته، لديه صلاحية قتل أي شخص، حسب تقديره الخطر الذي يشكله هذا الشخص، فما بالك بمظاهرة تهتف بإسقاط النظام!

الثانية: غياب كلي للإعلام، صحيحٌ أنه طوال سنوات الثورة لم يكن في الساحة سوى إعلام النظام وأحبائه الذين كانوا يفبركون الأخبار على هواهم، إلى درجة أنهم صاروا يدّعون أن ما يصفه الإعلام "المغرض" لمظاهرات حي الميدان الدمشقي لم تكن سوى مسيرة شكر (لمن؟) على نزول المطر، لكن الفرق أن النشطاء استطاعوا، وعبر تقنية الفيديو، إيصال أخبار مظاهراتهم إلى وسائل الإعلام التي كانت سياساتها التحريرية تسمح بتسليط الضوء على الحدث السوري، وهو ما لم يعد ممكناً اليوم نتيجة متغيّرات كثيرة، أهمها غزو روسيا ولوبياتها وجماعاتها وسائل إعلام غربية كثيرة، وضغطها على الإعلام العربي الذي أخذ بعضه يصف بشار الأسد "رئيس الجمهورية العربية السورية".

وبخلاف المشكلتين المذكورتين، فإن قيام مثل هذه الثورة الآن أصبح مطلباً لنظام الأسد،

"سورية مفرغة من الشباب والناشطين الذين يشكلون أدوات الثورة وأعمدتها" ليستثمرها في تبرير فشله على صعيد إدارة مرحلة ما بعد نهاية الاضطرابات، ويشد عصب حاضنته التي بدأت تتفسّخ، بفعل الصراعات بين مكوناتها، بعد انتهاء مرحلة التعفيش والنهب وبرود الجرح، وكذلك ليلهي داعميه عن حقيقة كونه بات عبئا ثقيلا بما لا يُطاق، لعل ذلك يمنحه قبلة حياةٍ جديدة، قبل أن يتفق داعموه على التخلص من عبئه، أو عرضه للبيع بأي ثمن، بدليل إصرار رأس النظام على أن الحرب في سورية لم تنته، بل إنه يواجه خمس حروب دفعة واحدة.

إضافة إلى ذلك، أصبح البلد مفرغا من الشباب والناشطين الذين يشكلون أدوات الثورة وأعمدتها، كما أن من بقوا في سورية باتوا يواجهون تحدياتٍ من نوع الحفاظ على البقاء في مواجهة سياسات الإقتلاع الجسدي والهوياتي التي تمارسها إيران وترصد أموالا وجهودا طائلة لتحقيقها.

وعدا عن ذلك، الدافع الأهم لعدم الحاجة لقيام ثورة جديدة أن الثورة في الأصل لم تنته. ما تعيشه سورية اليوم هو تداعيات الثورة ومفرزاتها، وهذه عمليةٌ ستأخذ وقتها، ولها مفاعيل الثورة نفسها، ديناميكية مدمرة ستؤدي كل يوم إلى توسيع الشقوق في بنية النظام، وتضرب عميقا لتدمر جذوره ومرتكزاته.

وفي ظل ذلك، يبحر بشار الأسد بعيداً في انفصاله عن الواقع، إلى درجةٍ أصبح فيها لا يعي ما يدور حوله، سواء على صعيد العزلة المضروبة حوله، ولا يبدو أن هناك إمكانية لإنهائها في الوقت الراهن، أو على مستوى التحضيرات الجارية في أكثر من بلد لمحاكمته هو ورموز نظامه، في حين أن الصراع في سورية وعليها أصبح متقاطعا بحدة مع صراعات جيوسياسية كبرى، تطوي بداخلها مصير الأسد ومستقبله.

لقد بات نظام الأسد يحمل بذرة نهايته. جمع كل عناصر الانهيار وحقنها في بنيته. هو نظامٌ

"الدافع الأهم لعدم الحاجة لقيام ثورة جديدة أن الثورة في الأصل لم تنته" كانت لديه بعض الصلاحية لحكم سورية الأمس، لكنه ليس صالحا لخطط ومشاريع باتت سورية بحاجة لها للنهوض من الوحل. مات يوم قرّر تدمير البلد ثم بيعه لروسيا وإيران اللتين سيؤدي صراعهما على التركة السورية إلى تفكيك أجزاء من النظام، وتركيب أجزاء أخرى، سيؤدي ذلك إلى انهيار هيكليته، وتصنيع هيكليات جديدة.

لا بد من إدراك حقيقة أن مرحلة الصراع الدولي على سورية سينتج عنها واقع سياسي جديد حكما في سورية. هناك طرفان في الصراع، روسيا وإيران ولديهما ورقة بشار الأسد، والغرب (والعالم خلفه) لديه ورقة الإعمار والاستقرار في سورية. وزن بشار الأسد أقل بكثير من ترجيح الكفة لصالحه، حتى بمعايير روسيا ومقاييسها. وليست المسألة سوى إعطاء بعض الوقت لمتشددي الكرملين، حتى يعلنوا استسلامهم.

مؤكّدٌ أن سورية في حالة عطالة، طالما بشار الأسد موجود في السلطة، وكل يوم عطالة يكلف روسيا كثيرا، لن يتقدّم البلد قيد أنملة في ظل هذه الأوضاع، ولن يطول الوقت حتى يطالب العالم روسيا بإيجاد حلولٍ للأزمات السورية، كما أن روسيا تملك عرضاً من الصعب توفره دائما: التخلص من إيران وبشار الأسد مقابل الحصول على المكاسب الاقتصادية والجيوسياسية في سورية، وهذا العرض هو اختبار للنخبة الروسية الحاكمة التي يصعب عليها التضحية به، من دون حصول خلافات داخلها، ويبدو أنها بدأت بالفعل من خلال احتجاج رجال الأعمال الروس على سياسة بوتين في سورية.

يا أبناء سورية في الداخل، لملموا أنفسكم وجراحكم الآن، اقعدوا وتفرجوا على موالي نظام الأسد كيف سيهدمونه، وعلى داعميه كيف سيحطمون هيكليته، ناوروه ولاعبوه مثل ثورٍ ينهار، انهكوه بالمقاومة الشعبية، عبر الضرب من بعيد على الرأس، ولكن لا تقعوا في قبضته، فهو مثل وحش يحتضر، يريد أن يضرب الضربة الأخيرة... سيقع.

===========================


الجولان: قطرة ترامب التي أفاضت إناء التفريط

القدس العربي

صبحي حديدي

السبت 30/3/2019

في إعلان لا يتجاوز 135 كلمة، حسب النصّ الأصلي الإنكليزي، اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنّ مرتفعات الجولان، الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967، لم تعد محتلة؛ وذلك استناداً إلى السلطة التي يخوّلها له الدستور الأمريكي كما عبّر.

ولقد تفادى لغة الحيثيات المملّة، التي تبدأ بعبارة الحشو المعتادة «حيث أنّ..».، بحكم ما يُعرف عنه من عنجهية واستهانة وركاكة وسوقية في إعلانات مماثلة، بادئ ذي بدء؛ فضلاً عن دغدغة أصدقاء دولة الاحتلال، ورئيس وزرائها، والإسرائيليين؛ ثمّ تشديد المهانة على السوريين عموماً، وأهل الجولان المحتل بصفة خاصة، وسائر العرب من «أصدقاء أمريكا» تحديداً.

كلّ ما في الأمر، من وجهة نظر ترامب، ومن دون حاجة إلى أية حيثية، أنّ دولة الاحتلال لا تحتلّ الهضبة إلا لحماية ذاتها من التهديدات الخارجية، التي (وهذا أمر فات الكثيرين الانتباه إليه أغلب الظنّ) لا تأتي من نظام «الحركة التصحيحية»، أي حافظ الأسد ووريثه بشار؛ بل من «إيران والجماعات الإرهابية».

من الإنصاف التذكير، هنا، بأنّ تسعة أعشار قرارات ترامب وإعلاناته التي تخصّ دولة الاحتلال، وبينها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، لا تضيف جديداً إلى سياسات وإعلانات اعتمدتها إدارات سابقة، أو دورات للكونغرس؛ واستهوى ترامب وضعها موضع التنفيذ الفعلي، عبر أوامر إدارية، لأسباب شتى متباينة ذات صلة بالداخل الأمريكي وجمهور ناخبيه من الصهاينة المسيحيين تحديداً، أو تعود صلتها إلى دولة الاحتلال ذاتها وبعض ساستها من حلفاء ترامب ومناصريه. هو فارق جسيم مع ذلك، قد يقول قائل؛ ولكن أيّ تغيير فعلي أدخله الرئيس الأمريكي على سياسة بصدد الجولان بدأها سلفه جيرالد فورد سنة 1975، حين شدد على ضرورة بقاء دولة الاحتلال في مرتفعات الجولان حتى في حال توقيع اتفاقية سلام؟

ليس أقلّ إنصافاً لوقائع التاريخ التذكير بأنّ مشروع القرار حول إبقاء الجولان تحت السيادة الإسرائيلية، والذي اقترحه على الكونغرس ثلاثة جمهوريين (تيد كروز، توم كوتن، ومايك غالاغر)؛ يبدو أكثر «صقورية» من إعلان ترامب نفسه؛ إذْ يعتبر المشروع أنه «في مصلحة أمن الولايات المتحدة القومي أن تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على مرتفعات الجولان»، وأنه «من غير الواقعي أن تتضمن اتفاقية سلام بين إسرائيل وسوريا انسحاباً إسرائيلياً من مرتفعات الجولان». في قراءة أخرى لروحية مشروع القرار في مجمله، تبدو أفكار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، ومقترحات الرئيس الأمريكي بيل كلنتون خلال لقائه مع الأسد الأب في جنيف أواخر آذار (مارس) 2000، ومثلها ما عرضه إيهود باراك، أو حتى بنيامين نتنياهو في أطوار لاحقة… تبدو «حمائمية» بالمقارنة مع اشتراطات الكونغرس!

هنا قد تكون استعادة جرعة من وقائع التاريخ مفيدة لترسيم طرائق تعاطي النظام السوري، ايام الأسد الأب تحديداً مع ملفّ الجولان المحتل:

ـ منذ عام 1973، وافق الأسد على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، الذي يعترف بأنّ دولة الاحتلال جزء لا يتجزأ من منطقة الشرق الأوسط ونظامها السياسي وخارطتها الجغرافية.

ـ وفي عام 1974، بعد توقيع «اتفاقية سعسع» وإقرار نظام الفصل بين القوات ونشر مراقبي الأمم المتحدة في الهضبة، سكتت المدافع تماماً وضمن النظام سلاماً تعاقدياً غير مبرم، لعله أفضل حتى من اتفاق موقّع.

ـ في عام 1976 اعتمد النظام قراراً أممياً يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، مقابل «ضمانات حول سيادة، ووحدة أراضي، واستقلال جميع الدول في المنطقة»، و«الإعتراف بحقّ هذه الدول في العيش بسلام داخل حدود آمنة معترف بها».

ـ في 1982 وافق النظام على ما سًمّي «مبادرة الملك فهد»، التي نصّت عملياً على الاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود.

ـ وفي عام 1991 أرسل النظام وفده إلى مؤتمر مدريد، بعد مشاركة في قوّات «حفر الباطن» وعمليات «عاصفة الصحراء».

ـ الوقائع اللاحقة لم تقتصر على اجتماعات واشنطن بين حكمت الشهابي ـ أمنون شاحاك، ثمّ وليد المعلم ــ إيتمار رابيتوفتش، وفاروق الشرع ـ إيهود باراك؛ بل، في الذروة، كان الأسد الأب قد أطلع عضو الكونغرس الأمريكي توم لانتوس على ما يعنيه بالسلام مع دولة الاحتلال: «إن مفهومي للسلام واضح، وحين أتحدث عن السلام الكامل فإنني أقصد السلام الطبيعي من النوع القائم اليوم بين 187 دولة في العالم».

وفي تلك الحقبة نقل مراسل صحيفة «وول ستريت جورنال» عن بدر الدين الشلاح، عميد رجال الأعمال السوريين وشيخ غرفة تجارة دمشق آنذاك، أنه قال بالحرف: «ليس في وسع المرء أن يقيم تجارة مع جيران له هو في حرب معهم. ولكن لك أن تتخيّل حجم المغانم حين يعقد السلام وتبدأ التجارة. نحن في عالم متبدّل انقلب فيه أعداء سابقون مثل ألمانيا وفرنسا الى أشقاء توائم في الاقتصاد على الأقل. فما الذي ينقصنا نحن والإسرائيليين لكي لا نكرر المثال ذاته وننقلب إلى أصدقاء وشركاء؟».

ومَنْ يعرف طبيعة الحدّ الأدنى للمسموح والمحظور في علاقة المواطن السوري بالصحافة الغربية تلك الأيام، سوف يدرك دون عناء أن الشلاح لم يكن ينطق عن هوى. ومثله لم يكن عضو الكنيست عبد الوهاب الدراوشة يتصرّف من دون ضوء أخضر ساطع، حين سرّب أنباء ترتيبات لعقد «قمّة روحية» في دمشق؛ تجمع مفتي سوريا آنذاك الشيخ أحمد كفتارو، ويسرائيل لاو كبير حاخامات إسرائيل، بحضور الحاخامات إلياهو بكشي، عوفاديا يوسف (الزعيم السابق لحركة «شاس») ويوسف جيجاتي (حاخام اليهود السوريين).

قواعد الأسد الأب في ملفّ السلام مع دولة الاحتلال نهضت على ثلاث ضرورات (ليس في عدادها ما يُشاع من أنه سعى إلى ردّ إهانة فقدان الجولان على يديه، وهو وزير دفاع النظام!): ضرورة إنجاز سلام ما، ضمن اشغال ترتيب التوريث وحفظ بيت السلطة؛ وضرورة تحقيق الاتساق بين مشاريع الانفتاح الاقتصادي، وغنائم السلام التي تجعل الانتقال مأموناً أكثر؛ وضرورة إخراج النظام من العزلة الإقليمية والدولية التي ظلت تربك معادلات التناغم بين الحركة الداخلية والحركة الخارجية. واستعجال النظام في التعاطي مع باراك كان قد نهض على هذه الاعتبارات أساساً، قبل أن يعرقله تباطؤ إسرائيلي هبط إلى درجاته الأدنى حين منح الأسد أولوية مطلقة لمواجهة مشكلات توريث بشار، خلال ما تبقى له من أسابيع بعد تدهور وضعه الصحي.

قواعد الأسد الابن لن تتغير جوهرياً، بين تقارير تحدثت عن لقاءات سرّية جمعت ماهر الأسد وإيتان بن تسور في العاصمة الأردنية عمّان، أواسط العام 2003؛ وتقارير أخرى أشارت إلى مباحثات بين رجل النظام إبراهيم سليمان مع ألون يائيل، برعاية سويسرية؛ وصولاً، بالطبع، إلى الرعاية التركية لمحادثات سلام غير مباشرة. هذا في مستوى التفاوض والوساطات، وأمّا عسكرياً وعلى الأرض فقد سحب الأسد الابن معظم القوّات التي كان مسموحاً للنظام أن ينشرها بموجب اتفاقية الفصل، ونقلها إلى الداخل لكي توجّه نيرانها إلى تظاهرات الشعب السوري السلمية في حوران وريف دمشق وحمص ودير الزور وحلب…

ذلك كان أوج مسلسل متعاقب من جولات تسليم الجولان، بدأ مع أوامر وزير الدفاع، الأسد الأب، بالانسحاب من قطاعات واسعة في الجبهة قبل ساعات، ونهارات في بعض الأمثلة، من وصول جيش الاحتلال إليها. وليس إعلان ترامب، اليوم، سوى قطرة أفاضت إناء تفريط واصل آل الأسد ملأه طوال نصف قرن ونيف.

===========================

موقفنا : بومبيو : يحذر تركية من نتائج مدمرة لأي عمل أحادي في سورية .. أين كان هذا التحذير يوم تدخل الولي الفقيه ويوم تدخل بوتين !؟

زهير سالم

4/ 4 / 2019

مركز الشرق العربي

في لقاء وجاهي بين وزيري الخارجية الأمريكي والتركي ، يطلق وزير الخارجية الأمريكي تصريحا بل تحذيرا إلى نظيره التركي يفتقر إلى الدبلوماسية فيقول : إن على الجانب التركي أن يحذر من النتائج المدمرة لأي عمل أحادي في الشمال السوري .

إن التحذير أو التهديد الأمريكي الفظ والمباشر والمفتوح يشمل فيما يشمل أي فعل تركي يقتضيه الموقف للدفاع عن الأرض التركية والشعب التركي وليس فقط الأمن القومي في الجوار التركي .

وبعيدا عن مداولات الصراعات الفوقية عن منظومة ( اس 400 ) الروسية ، وعن ( اف 35 ) ومنظومة ( البتريوت ) الأمريكية يجب أن نستحضر في سياق هذا التهديد الفظ والمباشر إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على تزويد ميليشياتها الإرهابية على الحدود التركية بالمزيد من الأسلحة ، لإدخال الخلل على المعادلتين المتعانقتين بحكم التاريخ والحضارة والعقيدة والجيوسياسة ؛  المعادلة القومية - الوطنية السورية والمعادلة القومية -الوطنية التركية .

ثلاث نقاط مهمة يجب أن نركز عليها في سياق هذا التصريح ( التهديد أو التحذير ):

النقطة الأولى : ليس جديدا ..

وإذا عادت بنا الذاكرة إلى 2011 و2012 ، وإلى المواقف التركية القوية المرتكزة على قواعد القانون الدولي ، ومبادئ حقوق الإنسان ، والتي كانت تحذر بشار الأسد وحلفاءه  من ارتكاب مجازر جماعية بحق الأبرياء السوريين ، وتحاول في الوقت نفسه أن توجد مخارج عملية لما صار إليه الوضع في سورية ..ثم تذكرنا إلى ما آل إليه هذا الوضع حتى شهر 12 / 2016 يوم سقطت حلب ندرك بالبديهة أن مثل هذه التصريحات (التهديدات والتحذيرات) قد وصلت منذ الأيام الأولى للقادة الأتراك ، لكي لا يقدموا على عمل يليق بدورهم وبمكانتهم وتقتضيه منهم قواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار .

على المستوى الاستراتيجي كان هناك موقف دولي مريب وواضح أن الخمسة الكبار لا يقبلون فكرة تعزيز قاعدة التناصر الإسلامي . ولا يقبلون أن يزداد قائد مثل أردوغان مزيدا من الألق على المستويين العربي والإسلامي ، بحجم الألق الذي يتمتع به على المستوى التركي !!

وعندما أقدمت الدولة تركية على إسقاط الطائرة الروسية – حسب ما تقتضيه قواعد الاشتباك في إطار القانون الدولي ؛ تخلى الجميع عنها ، لتكتشفت فجأة أنه لا حلفاء الناتو  ولا القانون الدولي ولا مبادئ حقوق الإنسان يمكن أن تكون قاعدة حقيقية تبنى عليها العلاقات..

ومقابل التهديدات والتحذيرات الخفية التي كانت تصدر إلى تركية كانت التطمينات وعملية التفويض المطلق تصدر إلى بشار الأسد  من كل الأطراف : اقتلهم بكل سلاح ما عدا الكيماوي . كل هذا بعد أن فُرضت على الشعب السوري  معركة غير متكافئة ، وطلب منه أن يخوضها مكتوف اليدين كما هو شأن عبيد روما ، وذلك بحرمانه من الصواريخ المضادة للطائرات في معركة كان الطيران هو السلاح الفاعل الأول فيها...

النقطة الثانية في تحذير أو تهديد بومبيو :

نتساءل أين كان هذا الموقف الأمريكي إزاء التدخلين الأحاديين الإيراني والتركي؟!

ومن حق أن نسأل : كيف تتلقى تركية عضو النانو الأصيل مثل هذا التهديد أو التحذير من حليفها الأمريكي المفترض ولا تتلقاه دولة – تزعم الولايات المتحدة عداوتها في الليل والنهار – مثل إيران ؟!

أين كان وزير الخارجية الأمريكي ، ووزير الدفاع الأمريكي ، ووكالة المخابرات الأمريكية ؛ وحزب الله يسبق إلى التدخل الأحادي في سورية ، وأين كان كل أولئك والحشد الشعبي العراقي والفاطميون من الأفغان والزينبيون من الباكستانيين وغيرهم وغيرهم يتم تجييشهم تحت رايات : "يالثارات الحسين " من قبل قاسم سليماني الذي يزعم الأمريكيون أنه عدوهم اللدود ثم لا نسمع منهم همسا ..!!

هل فعلا أن الأمريكيين يصغون إلى " الأذن الأسدي " وهل أعطاهم بشار الأسد الأذن حقا لترسيم اغتصاب الجولان بعد عملية الاغتصاب الفعلي منذ نصف قرن ؟!

وإذا كان الروس وزعانف الصفويين قد دخلوا إلى سورية بإذن أسدي ، والأتراك لا يتمتعون بهذا الأذن ، فهل تمتع به الأمريكيون وقيادات ميليشياتهم وقواعدها من نزلاء جبال قنديل وسنجار ؟!

ومن الصمت الأمريكي على الدور الطائفي الصفوي بأبعاده ننتقل إلى الصمت الأمريكي بل التماهي الأمريكي مع الدور الروسي في كل ما يدعم بشار الأسد ويصادر حقوق السوريين . ليس من عجب أن يعلق محلل أمريكي على لقاءات : لافروف – كيري بقوله :  كلما التقى لا فروف وكيري في الشأن السوري خلع كيري قطعة من ملابسه حتى لم يبق على جسده ما يخلعه !!

النقطة الثالثة : وماذا بعد ...

أما نحن السوريين فقد أيقنا منذ انتهاك الخط الأحمر الأول ، أن معركتنا معركة الذئب مع الحمل . وأننا محاسبون على تلويث رأس النبع حتى لو شربنا من أسفله . وأننا يجب أن نستمر في معركة وجودنا على ضوء المستجدات والمعطيات ..

فهل سيدرك جيراننا بعد كل الذي رأوا وسمعوا أن معركتهم في جوارهم هي معركة وجودهم على أرضهم ؟!  وأن دولة " البي واي دي " التي يريدها بومبيو هنا  ستكون امتدادا لمعركة " البي كة كة " التي يعد لها عندهم ؟!

الخاتمة :

جميل من السياسي أن يطاول وأن يداور وأن يناور ولكن عليه أن يعلم أنه في المعارك الصفرية الوجودية غالبا ما تضيق أو تنعدم الخيارات .

تصريح وزير الخارجية الأمريكي بومبيو عن التداعيات المدمرة والتي واجه بها نظيره التركي ، أو تحذيره أو تهديده ...هو من النوع الذي يعدم أمام الصادقين كل الخيارات ..

المحارب لا يختار الحرب دائما . بل كثيرا ما تفرض الحرب نفسها عليه ؛ هذا ما يتجاهله الكثير من أدعياء التحليل لمدخلات الثورة السورية .

لا تسمحوا للأمريكيين أن يطعموا الأسدَ الشعبَ السوري ولو كان الشعب السوري هو الثور الأبيض ..

_______

*مدير مركز الشرق العربي

============================

الباغوز.. نصر بطعم الإبادة المنظمة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 30/3/2019

ليس هناك من يذرف دمعة على تنظيم الدولة الإسلامية الذي عاث فساداً في الثورة والحاضنة السنية أكثر مما فعله بأعداء وخصوم الثورة، وحين يأتي الحديث عن تنظيم الدولة وجرائمه في المناطق الشرقية السورية يتضاعف الغضب هناك ضده، ما دام هذا التنظيم قد فعل ما فعل بقبائله وعشائره، وما مجازره بحق عشائر الشعيطات إلا دليل فاضح على ذلك، وقد وثق هذه الجرائم بطريقة مرعبة المسؤول الشرعي للتنظيم أبي محمد الهاشمي، وذلك في كتابه الخطير الذي نشر على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان «كفوا الأياي عن بيعة البغدادي»، لكن بالمقابل -وللأسف الشديد- قوبلت هذه المجازر والمذابح والإبادة التي نفذتها قوات التحالف الدولي، وبواجهتها قوات سوريا الديمقراطية، بالصمت المطبق، والتعمية الإخبارية غير المسبوقة، بحيث جعلت من المنطقة المستهدفة بمدنييها -قبل عصابات البغدادي- مناطق مغلقة تماماً، وحلالة الدم والإبادة، ساعدهم في ذلك فرح البعض بهذه العمليات، ولم يدر أن من دفع الثمن الباهظ هم أهالي المنطقة من المدنيين، بينما عصابات البغدادي سلّم بعضهم نفسه إلى أعدائه، وانشغل بالمقابل في تفجير وتفخيخ المحرر بالمفخخات.

الباغوز تلك المنطقة التي كانت مجهولة للعالم كله، وربما لكثير من السوريين حتى قبل أشهر معدودة، غدت هدفاً مشروعاً للتحالف الدولي، الذي أغلقها بوجه الإعلام العالمي ومنظمات حقوق الانسان، بينما جرّب فيها كل أسلحته التدميرية الشاملة، إن كان بالفوسفور أو اليورانيوم المنضب، ولا أحد يعلم إلاّ الله ما جرّب فيها، أو ما استخدم هناك على أجساد غضة من أطفال ونساء وشيوخ، في حين صمتت منظمات حقوق الإنسان صمت القبور، ولم تقم حسب علمنا أية واحدة منها بزيارة المنطقة، والتعرف على ما جرى ويجري هناك، فضلاً عن إصدار بيان يندد بجريمة العصر، التي لم نعلم حتى الآن حجمها ومداها، وكل ما عرفناه لليوم هو أن المنطقة لم تعد صالحة للسكن وبالتالي على أهاليها أن يتدبروا أمرهم.

في مقابل هذه الحرب على تنظيم الدولة التي قيل إن الوقت الذي استغرق للقضاء عليها شكل أربعة أضعاف ما صرف في تحرير أوروبا من النازية الألمانية، بينما لو نظرنا إلى منطقة أخرى من مناطق سوريا لندرس تجربتها في قتال الدواعش لرأينا فيها تجربة رائدة وربما قد تكون ملهمة، إنها في الشمال السوري المحرر، وهي مدرسة ربما تصلح للتدريس والتعليم، مقارنة بالحرب المشنونة على داعش من قبل الاحتلال والميليشيات المتعددة الجنسيات في سوريا، ففي الشمال المحرر لم يتم تدمير منزل واحد، فضلاً عن تدمير قرى ومدن وبلدات، كما حصل في الحرب على تنظيم الدولة من قبل قوى الاحتلال والميليشيات الطائفية المتعددة، لقد استطاعت قوى الأمن في الشمال المحرر القبض على أكثر من 500 من عناصر عصابات البغدادي، وبينهم قيادات بارزة كسرت ظهر التنظيم، ليس فقط في المحرر، وإنما حتى في غيره، وقتلت قوى الأمن في الشمال المحرر المئات منهم، وفوق هذا وظفت المعلومات التي حصلت عليها من المقبوض عليهم في عمليات أمنية تمكنت من اختراق التنظيم، وتفكيك كثير من خلاياه، وصل الأمر إلى قتل واعتقال خلية كالخلية التي قتلت النائب العام في حكومة الإنقاذ الأستاذ محمد قباقجي أخيراً، وذلك في خلال ساعات من تنفيذ الجريمة، وهذا يعني في عالم الأمن قوة الأجهزة الأمنية وهشاشة التنظيم التي وصل إليها في الشمال المحرر.

الدم سيجر الدم، والإبادة ستخلق مائة عدو لمن يقوم بها، وبالتالي لا يمكن حل القضية السورية إلاّ بالعودة إلى مطالب من ضحى بزهرة عمره، ومن ضحى بمئات الآلاف من الشهداء والجرحى وملايين المشردين، وسماع ندائهم الأولي، وهو مطالبهم بإسقاط العصابة الطائفية ومحاكمتها، ودون ذلك سيدفع ثمنه كل من وضع أصبعه بالحريق السوري، ألا يرى هؤلاء مطالبة البرلمان الأوربي اليوم بالاعتذار عن احتلال إفريقيا سابقاً، والتعهد بدفع تعويضات للأهالي هناك، يوما ماً سيرغم من حرق أصابعه في الشام، وأحرق معها الشام وأهلها على فعل أسوأ مما أقدم عليه الاتحاد الأوروبي.

===========================


ليس الجولان أرضاً أسدية

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 30/3/2019

ذات تاريخ، احتلت فرنسا أرضاً ألمانية، فجمع رئيس أركان الجيش الألماني ضباطه وقال لهم: سنضع خطة لتحرير أرضنا الذي سنعمل من أجله دوماً، ولن نتحدّث عنه أبداً.

ذات تاريخ، قبل اثنتين وخمسين سنة، سلم حافظ الأسد الجولان لإسرائيل ببيان بثته إذاعة دمشق صبيحة يوم التاسع من يونيو/ حزيران، بعد أربعة أيام من نشوب حرب إسرائيلية عربية، لم يشارك "جيش البعث العقائدي" فيها بغير بضع قذائف مدفعية، أطلقها على مستعمرة شير ياشوف، وغارة جوية واحدة على شمال فلسطين، على الرغم من استغاثات جنرالات مصر وقيادة القوات العربية العليا، ومطالبة الأسد بشنّ هجمات جوية وبرية واسعة على العدوّ، الذي كان يكرّس كامل جهده الحربي لمصر، إلا أنه رفض الاستجابة لطلباتهم وأوامرهم، ورفض أيضاً تنفيذ اتفاقيتي دفاع مشترك بين مصر وسورية، عقدت أولاهما عام 1955، والثانية عام 1966، بدل أن يقاتل صف "أسد يهوذا" طيرانه على مدرّجات مطاراته، بانتظار قيام إسرائيل بتدميره عن بكرة أبيه، قبل أن يأمر جيشه بالانسحاب كيفياً من الجولان، بذريعة أن العدوّ احتل القنيطرة. ما إن سمع وزير الصحة عبد الرحمن الأكتع بيان الانسحاب، حتى اتصل بوزير الدفاع حافظ الأسد، ليبلغه أن العدوّ ليس في القنيطرة، ولا وجود له في منطقتها، فلاقاه "أسد يهوذا" بسيلٍ من الشتائم والتهديدات، وأمره "أن لا يتدخل في ما لا يعنيه"، كما كشف الرجل في ما بعد. في أعقاب هذه الفعلة الشنيعة التي يعرفها كل سوري، جمع حافظ الأسد ضباطه، وقال لهم: سنتحدّث عن الجولان دوماً، لن نعمل لتحريره أبداً.

ما إن تسلمت إسرائيل مفتاح الجولان: بوابة المشرق العربي الاستراتيجية، حتى أخذ النظام ينشر أكذوبة أن سقوط الأرض ليس هزيمة، وإنما الهزيمة هي سقوط النظام الذي سيتولى تحريرها، وما جرى في حزيران هو انتصار للنظام الذي فشل العدوّ في إسقاطه، وسيدفع ثمن فشله غالياً. وبالفعل لم يمض يوم، طوال نيف ونصف قرن، إلا ودفع العدوّ ثمن انتصاره هزائم كلامية ماحقة، من دون أن يزعج "الجيش العقائدي" مستوطنيه، أو يحول بينهم وبين الاستمتاع بشمس الأرض السورية المحتلة وهوائها وخيراتها، من دون أن يطلق رصاصة واحدة نحوهم منذ حرب تشرين 1973 التحريرية، التي لم يحرّر خلالها شبر واحد، بل خسر 660 كيلومتراً مربعاً، أضيفت إلى 1160 كيلومتراً مربعاً، هي مساحة ما سلمه حافظ الأسد في يونيو/ حزيران عام 1967. وبما أن مستوطني الجولان يتمتعون بأمن شامل، منذ اتفاقية فصل القوات عام 1974 التي أبعدت كتلة الجيش الرئيسة 15 كيلومتراً عن الحد الأمامي للجبهة، فقد كان رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحاق رابين على حق، عندما عنف المستوطنين الذين طالبوه بحماية أمنية بالقول: أنتم هنا أكثر أمناً من سكان تل أبيب.

يرزح الجولانيون تحت الاحتلال لأن الأسدية تخلت عنهم، وإلا ما معنى أن تعيش بسلام مع الاحتلال خمسة وأربعين عاماً، بينما تشن الحرب على الشعب السوري بلا توقف ثمانية أعوام، من دون أن يطلق رصاصة واحدة على الجولان أربعين عاماً، كما قال نتنياهو في لقاء صحافي في موسكو؟

جاء حافظ الأسد بالاحتلال الإسرائيلي إلى الجولان ليأخذ السلطة، وجاء ابنه بالاحتلاليْن الروسي والإيراني، ليحافظ على سلطة أبيه. لذلك، لا يحق له التباكي على الجولان، لأن الجولان أرض سورية، يهمّ مصيرها شعب سورية وحده، وليس أرضاً أسدية يحق لمن أهداها للعدوّ، ولابنه الذي سلم بقية وطننا للإيرانيين ومرتزقتهم، ادعاء تمثيل الجولان، فهذه إهانة للسوريين: أصحابه الذين سيحرّرونه بعد أن يجلو عنهم الاحتلال الأسدي.

===========================

هذا الدعم الأميركي لإسرائيل

رضوان زيادة

العربي الجديد

السبت 30/3/2019

أثارت تصريحات النائب المسلمة في مجلس النواب الأميركي، إلهان عمر، بشأن الولاء لدولة أجنبية، وتعني بها إسرائيل، وتأثير اللوبي الإسرائيلي في واشنطن عاصفة قوية جداً ضدها في الكونغرس الأميركي، وحتى داخل حزبها الديمقراطي الذي قدّم مشروع قرار، في البداية، يدين كل أشكال معاداة السامية، في ردٍ واضح على تصريحاتها التي فهمت بشكل سيئ، وقد دعم مشروع القرار كل من رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، وقادة الحزب الديمقراطي، لكن الدعم الشعبي الذي حظيت به بيلوسي داخل دائرتها، ومن ثم من التجمع التقدمي في حزبها، بشأن صيغة مشروع القرار إلى قرار يدين كل أشكال التعصب والكراهية ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا وغيرها، خفف من لهجة القرار. والأهم ألغى ذكر إلهان عمر من القرار كله، والذي انتهى به إلى تأييدها القرار.

أثارت هذه النقاشات موجة جديدة من الانتقادات للموقف الأميركي من إسرائيل، ما يشير، بشكل أو بآخر، إلى الانقسام الحزبي الكبير حول إسرائيل أولا، بسبب السياسات اليمينية المتشدّدة التي تنتهجها إدارة نتنياهو في إسرائيل، وثانيا بسبب الدعم الجمهوري الأعمى لإسرائيل، بغرض المزاودة على الحزب الديمقراطي الذي أصبحت قاعدة المعارضة التقدمية لإسرائيل داخله تتسع. وهكذا تحول الدعم الأميركي لإسرائيل من قضية لا خلاف عليها، بل هناك إجماع حزبي عليها، إلى قضية ينقسم الحزبان، الجمهوري والديمقراطي، بشأنها، وتظهر النقاشات داخل الكونغرس وخارجه ذلك بشكل يومي تقريباً، فقد قدّم مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري مشروع قرار لزيادة المساعدات الأميركية لإسرائيل (بلغت هذا العام 3.3 مليارات دولار)، بالإضافة إلى تجريم حركة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل (BDS) ولكن في مجلس النواب، حيث يتولى الديمقراطيون السلطة، ويتشاجرون مع نظرائهم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، فإنهم يرون أن مشروع القرار يمثل إدانةً لحرية التعبير. وفي الوقت نفسه، يجتوي على مزاودة في طريقة الدعم الأميركي لإسرائيل. وعلى الرغم من تزعم قياديين داخل الحزب الديمقراطي لدعم مشروع تجريم حركة المقاطعة هذه، وفي مقدمتهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، إليوت إنجل، الذي قال إنه يدعم جهود مكافحة المقاطعة، لكنه يفضل مشروع قانون يسمى "قانون مكافحة المقاطعة الإسرائيلي"، والذي ضم 292 من المشاركين في مجلس النواب و 58 من مجلس الشيوخ.

يحاول الحزب الجمهوري أن يظهر تشدّداً أكبر ومزاودة في دعم إسرائيل، وهو ما يردّده

"يحاول الحزب الجمهوري أن يظهر تشدّداً أكبر ومزاودة في دعم إسرائيل" الرئيس ترامب أيضا، حين يقول إن الحزب الديمقراطي أصبح لا يكره إسرائيل فقط، وإنما اليهود أيضا، بحسب ما كتب في حسابه على "توتير"، وهو ما قابلته عاصفة من الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي، وخصوصا اليهود منهم، فالحزب الجمهوري يراهن على كسب أصوات اليهود الأميركيين، وخصوصا أن لديهم قدرة مالية استثنائية في تمويل الحملات الانتخابية، مثل إدلسون وغيره من أكبر داعمي ترامب وممولي حملته الانتخابية، بينما الحزب الديمقراطي تصعد داخله قوة كبيرة من التقدميين الذين يشكلون كتلة كبيرة في مجلس النواب (نحو 90 نائباً)، وكلهم يبدون تحفظات خاصة على دعم إسرائيل، سيما مع توجهاتها اليمينية في ظل رئيس الوزراء نتنياهو.

ومع قرب الحملة الانتخابية الرئاسية 2020، وترشح بيرني ساندرز القادم من خلفية يهودية، ولديه تحفظات كبيرة على دعم إسرائيل، سوف يتعمق هذا النقاش ويزداد. ومؤكد الآن أن الدعم الآلي لإسرائيل في الكونغرس، بغض النظر عما تقوم به تجاه الفلسطينيين، أصبح من الماضي، وأن تحول إسرائيل إلى قضية خلافية داخل الكونغرس سوف يفيد، بالتأكيد، دعم القضية الفلسطينية التي تعاني الآن من هجومٍ غير مسبوق عليها من إدارة ترامب، تنفيذاً لأجندة إسرائيلية، يدعمها ممولو ترامب، وفي مقدمتهم المليادير شيلدون إدلسون والسفير الأميركي في إسرائيل فريدمان ومبعوث الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط غرينبلات.

سيبقى الطريق طويلا للغاية، قبل أن يصبح الرأي العام الأميركي للقضية الفلسطينية كقضية عادلة، وينظر إلى حقوق الشعب الفلسطيني التي لا وجود لها في السياق والخطاب السياسيين الأميركيين، لكن تصعيد النقاش بشأن الدعم الأميركي لإسرائيل يتطلب تنظيم الأصوات العربية في أميركا وتصعيدها، بهدف توحيد الصوت العربي تجاه القضية الفلسطينية، وهو ما يغيب تماما للأسف اليوم، بسبب الانقسامات العربية، وخصوصا الانقسامات داخل الصف الخليجي، ما يعني أن خسارة إسرائيل موقعها التقليدي داخل العاصمة الأميركية لا يقابلها كسب أو تأييد أتوماتيكي من الجانب الفلسطيني.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com