العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 07-02-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

سوريا: الدستور و«طبخة الحصى» الدستورية

فراس علاوي

القدس العربي

الخميس 4/2/2021

تختلف الروايات حول المرأة التي كانت تطبخ الحصى لأولادها حتى تُسكت جوعهم، لكنها جميعها تتفق على أن المرأة كانت تعلم أنها تطبخ الحصى وأن حلها مؤقت لا يسد رمق أطفالها.

تشبه قصة طبخة الحصى إلى حد بعيد ما يقوم به أعضاء اللجنة الدستورية السورية والذين يتفاوضون منذ أعوام ويطبخون الحصى للسوريين، الفرق بينهم وبين المرأة أن قلبها كان على أولادها، فيما يدرك هؤلاء أن مفاوضاتهم العبثية على حساب السوريين ووقتهم الذي يمضي من دم.

عملية قيصرية

احتاجت اللجنة الدستورية لمايقرب العامين لتظهر للوجود بعملية قيصرية أنتجت ثلاثة توائم تكاد تشبه بعضها البعض من حيث التركيبة التي اعتمدت على رؤية الدول الراعية وليس الكفـاءة.

ومنذ يومها الأول أعلن وفد النظام السوري أنه جاء لإضاعة الوقت من خلال البحث في التفاصيل والحديث في إجراءات تعطيلية لا تمت للدستور بصلة، ومع ذلك تمسك وفد المعارضة بهذه المباحثات رغم إنكشاف عدميتها وعبثيتها وتصريح وفد النظام لأكثر من مرة أنه غير معني بالوقت ولا جدول الأعمال، وعلى الرغم من ذلك يتابع أعضاء وفد المعارضة تمسكهم غير المبرر لكثير من السوريين، بالرغم من حديث النظام المستمر عن عدم جدية العملية الدستورية من جانبه وتعطيله لجلساتها ومن ثم فرض إيقاعه عليها.

يبدو أنه لاسبيل لإقناع وفد المعارضة أن بشار الأسد كان جدياً عندما قال أن الوفد المشارك من قبله لا يمثل /الحكومة/ وبالتالي هو يفترض أن العملية الدستورية ليست مفاوضات وإنما عملية داخلية لإنتاج تعديل دستوري كما ذكر بعض أعضاء وفد النظام.

الجولة الخامسة انتهت إلى لا شيء ودون تحديد موعد، مما يعني أن النظام ذاهب في اتجاه الانتخابات دون أن يعطي أهمية لمباحثات اللجنة والتي إن استمرت على حالتها الراهنة ستأخذ وقتاً أطول مما توقعه أكثر المتشائمين بعملها.

هنا يبرز السؤال الأهم: كيف تستطيع المعارضة فرض إيقاعها من جديد ووضع المجتمع الدولي أمام استحقاقاته السياسية والأخلاقية دون انتظار ما ستسفر عنه اجتماعات آستانا المقبلة؟

جولة عبثية

لعل أفضل ما يمكن ان تقوم به المعارضة هو الانسحاب من العملية الدستورية، واشتراط تحريك ملف هيئة الحكم والبيئة الآمنة وقطع شوط كبير فيها قبل العودة للحديث عن دستور، فالتبريرات التي تسوقها المعارضة حول عدم ترك الساحة فارغة أمام النظام فقدت مصداقيتها، سواء بإفشال النظام الجولة الخامسة أو عدم تحديد موعد جديد لجلسة مقبلة، وبالتالي فقد ظهر جليا للعيان أن نظام الأسد بطريقته التي يعتمدها هو من يُسيّر عمل اللجنة دون أي ضغوط حقيقية من راعيه الروس، على عكس وفد المعارضة الذي قدم الكثير من التنازلات دون الحصول على أي مكسب، وبالتالي ربما سننتظر انتهاء انتخابات /الرئاسة / التي سيجريها نظام الأسد حتى نرى جولة جديدة للجنة الدستورية أو أننا سنرى جولة عبثية جديدة تنتهي إلى لا شيء.

=========================

وجهة نظر : حافظ وبشار الأسد .. في البدء كانت الخيانة وكانت المجزرة ...

زهير سالم

مركز الشرق العربي

2/ شباط / 2021

كل العقود الخيانية التي وقعها " حافظ وبشار " الأسد مع قوى الشر العالمي كان الدفع فيها مقدما . وفي كل ما نكتب عندما نقول " الأسد " نقصد " حافظ وبشار " ولا حاجة للتكرار ...

في السابعة والستين دفع الأسد أرض الجولان دفعة مقدمة على الحساب فترقى من وزير دفاع إلى رئيس جمهورية، في كل دول العالم وزراء الدفاع المنهزمون ينتحرون أو يحاكمون أو يقالون ... إلا في سورية المنكوبة فقد تمت الترقية في زمن قياسي وبطريقة منقطعة النظير .

عندما نذكر قضية الجولان نذكرها من بعدها الوطني والسياسي ، وكثيرا ما نغفل عن معاناة عشرات الآلاف من السوريين الذين منحهم الأسد لقب "النازحون " عشرات الآلاف من الأسر السورية ، ألقي بهم في العراء ، لينضم إليهم بعد ست سنوات جيل آخر من " الوافدين " أخرجوا من ديارهم لمصلحة المشروع الصهيوني ، للسبب نفسه الذي يشرّد من أجله اليوم كل السوريين !!

ثم في بضع سنين ، ضمت متصرفية جبل لبنان كمكافأة إلى حكم الأسد، ودشن ذلك بافتعال الحرب الأهلية اللبنانية . ويومها فوّض " الغباء العربي " قوات الردع الأسدية بدخول لبنان ، وتساءل اسحق رابين : ولماذا نعارض دخول الأسد إلى لبنان ما دام يؤدي الدور الذي نريد ؟؟

أبو عمار - الزعيم الفلسطيني الأبعد نظرا - لقب حافظ الأسد من قبل " شارون العرب" أهديها للمتباكين على الأسد ، الذين لا يقرؤون ولا يحفظون ..

ومع دخول الأسد إلى لبنان استحقت الدفعة الثانية من قيمة عقود التفويض فكانت حرب المخيمات ...

وكانت تل الزعتر المجزرة الأولى .. لعلكم تتفكرون !!

وانتهت الجولة بكسر العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية ، وإخراجها من لبنان ، وتشريدها في الآفاق ووصل أبو جهاد وياسر عرفات إلى تونس وكان الذي تعلمون .. فلمصلحة من كان هذا التدبير ، ألمصلحة سورية ؟؟ أو لمصلحة لبنان ؟؟ أو لمصلحة فلسطين ؟؟ أو لمصلحة مشروع المقاومة الحقيقية ؟؟ ألا أفّ ثم أفّ ثم أفّ لقوم لا يعقلون ..

كانت تل الزعتر المجزرة الأولى آلاف ضحايا من لحمنا الحي أطفال ونساء وشيوخ ورجال مقاومين ..حصدتهم في يوم وليلة خمسة وخمسون ألف قذيفة على ما أحصى العادون .. خمسة وخمسون ألف قذيفة على مخيم من طين ولحم ...لم يسأل جزارها إلى اليوم كيف ؟ ولا لم ، ولا حتى من أولياء الدم الأقربين !!

 وتتبعتها في بضع سنين مجزرة حماة المجزرة التي كنا نسميها الكبرى 2/ شباط / 1982 .. وسبقها مجازر حماة وحلب وجسر الشغور وحمص وسرمدا ..

مجزرة حماة الكبرى ، حيث واجهت المدينة الأبية الغافية على ضفاف العاصي أقسى آلات الإبادة في القرن العشرين ..

وحدثني فقال : وأخذ الرضيع من يدي أمه وألقاه على الأرض ، وداس رأسه الغض ببسطاره الهمجي ففتته كما تتفتت التفاحة ...

وزاد آخر : وأخذ الرضيع من يد أمه ، وأمسك برجله ، ووقف على الشرفة ، وطوح به على قدر ما في جسده من طاقة وفي قلبه من قسوة وحقد ..

مجزرة بل مجازر رهيبة بوأت الأسد عند مشغليه مكانة عظمى ، ولم يسأل الجاني أحد كيف ؟ ولماذا ؟ بل ما تزال زمرة القسس على محور كارتر تنشد المجرم الجزار المزيد والمزيد ..

منذ يومين كنت في تلاوتي في سورة المائدة ووقفت عند قوله تعالى ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) .. فاستعذت بالله ، وسألته الثبات على الأمر ، وعدت فتساءلت أليس كل ما فعله الذين فعلوا بالمصلوب كان بإذن بيلاطس الروماني ، الذي تعود أن يستمتع بالمبارزة بين الأسد الجائع ، والعبد المستضعف المغلول اليد حتى عن الدفاع عن النفس ... لعلكم تعقلون .. كانت مجزرة حماة مجزرة في أيام ، جرى فيها على المدينة الصابرة ما لم يتصور أن يكون في بضع سنين .. حتى صرنا إلى 2011 فكان بعدها ما كان ..

ولو كان لنا في هذا العالم قوة ، ولو كنا نأوي فيه إلى ركن شديد لعلمت موسوعة غينيس أن " الأسد " بممثليَه هو الأول منذ نصف قرن في قتل الناس .. الأول في قتل السوريين ، وأن شارون العرب وابنه من بعده ، الأول في قتل الفلسطينيين , وهو الأول أيضا في قتل اللبنانيين ..

هو الأول في تاريخ الخيانة والغدر وارتكاب المجازر ..

ولقد كانت مجزرة تل الزعتر سابقة خطيرة أدمت العقل والقلب والضمير ، وظنها الناس فلتة ولن تتكرر ، ثم كانت مجزرة حماة الكبرى ، وظن الناس أن أفظع مما كان فيها لن يكون .. وها نحن نعيش منذ عشر سنين المجزرة السورية الكبرى امتداد في الزمان والمكان والإنسان .. قتل واعتقال وتعذيب وتشريد وإفساد وتجويع وإهلاك للحرث والنسل .. سارين وكلور وبراميل وستمائة سلاح استراتيجي روسي وعشرات الأنواع من ميليشيات الحقد الطائفي الصفوي وتتقدمهم مرتزقة الفاغنر الروسي ، ويساندهم تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة ، وينتعل على أرضنا السورية أقدام من الحقد والهمجية ...

يقولون بالنسبة لبداية الخلق : في البدء كانت الكلمة ..

ونقول بالنسبة لزمرة الأسد في البدء كانت الخيانة وكان التهجير وكانت المجزرة ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

ماذا بعد فشل الجولة الخامسة للجنة الدستورية السورية؟

عمر كوش

العربي الجديد

الثلاثاء 2/2/2021

لم تفترق اجتماعات اللجنة الدستورية (السورية) في جولتها الخامسة عن سابقاتها، إذ انتهت من دون إحراز أي تقدّم في تناول أي من المضامين والمواضيع الدستورية، في ظل استمرار وفد النظام الأسدي في طرح قضايا خارجة عن القضايا الدستورية، واقتراح مضامين استفزازية، وبالتالي لم تتمكن اللجنة في دخول صلب المهمة التي شُكلت من أجلها، بالرغم من مضي أكثر من 13 شهراً على تشكيلها، ومن سريان أحاديث عن أنها ستكون "جولة مفصلية وحاسمة"، وعن وجود اتفاق مسبق بين مختلف أطرافها على جدول أعمالها قبل أن تُعقد، وأن تركز اجتماعاتها على إقرار مبادئ الدستور وموادّه الأساسية.

ولم يجد المبعوث الأممي الخاص إلى سورية، غير بيدرسون، سوى الإعلان أن اجتماعات الجولة الخامسة كانت مخيبة للآمال، وأنه أبلغ أعضاء هيئة صياغة الدستور المصغرة بعدم "إمكانية الاستمرار على هذا النحو، من دون وجود منهجية وآلية عمل للجنة". لكن، وعلى الرغم من إشارته الواضحة إلى رفض وفد نظام الأسد المقترح الذي تقدّم به في بداية الجولة، إلا أنه تهرّب من تحميل وفد النظام مسؤولية الفشل والتعطيل، وطالب وفدي النظام والمعارضة بتغيير النهج والاتفاق على آلية جديدة، كي تستمر أعمال اللجنة، ووعد بأنه سيلتقي مسؤولين روسا وإيرانيين للمضي في المفاوضات، وسيزور دمشق لمناقشة هذا الأمر، وأيضاً لمتابعة تطبيق بنود قرار مجلس الامن الدولي 2245.

خوفاً من التبعات، ولحسابات خاصة، تهرّب بيدرسون من وضع النقاط على الحروف، وتحميل نظام الأسد مسؤولية التعطيل والفشل

ويبدو أن بيدرسون لا يملك خيارات كثيرة حيال خيبة أمله، لأنه ما يزال يعلّق الآمال على زياراته المقبلة إلى دمشق، وعلى لقاءاته بمسؤولين روس وأميركيين وإيرانيين وأتراك وسواهم، للبحث عن سبل الاستمرار في عمل اللجنة الدستورية، مع العلم أنه سبق أن زار مختلف العواصم المتدخلة بالقضية السورية قبل انعقاد كل جولة، والتقى مسؤوليها الذين أعلنوا لفظياً دعمهم مهمته، ووعدوه بحثّ مختلف الأطراف من أجل الدفع لتسيير عمل اللجنة، من دون أن يتجسّد ذلك خلال جولاتها. ومع ذلك، وخوفاً من التبعات، ولحسابات خاصة، تهرّب بيدرسون من وضع النقاط على الحروف، وتحميل نظام الأسد مسؤولية التعطيل والفشل، فيما هو يعرف تماماً أن هذا النظام أثبت، خلال جميع اجتماعات اللجنة الدستورية، أنه يتعمد التعطيل والمماطلة والتسويف، ولم ينخرط في أي مسعى حقيقي، أو أي عملية قد تفضي إلى كتابة دستور جديد، كونه لا يريد الدخول في أي عملية إصلاح دستوري في سورية، والأهم أنه غير ملتزم بالقرارات الدولية والأممية، وخصوصا القرار 2254، ويشارك في اجتماعات اللجنة الدستورية كونها مخرجا روسيا، فيما يعتبر أن الرعاية الأممية لها شكلانية، ولا يرتاح لها، بل ويستهزئ بها.

يضاف إلى ذلك أن بيدرسون يعلم أن القرار الأممي 2254 الصادر في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2015، ينصّ على البدء في مسار سياسي سوري تحت إشراف الأمم المتحدة، من أجل تشكيل هيئة حكم ذات مصداقية، تشمل جميع المكونات، وغير طائفية، واعتماد مسار صياغة دستور جديد لسورية في غضون ستة أشهر، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة على أساس الدستور الجديد في غضون 18 شهراً تحت إشراف الأمم المتحدة، لكن ذلك كله جرى القفز عليه، مقابل اعتماد اللجنة الدستورية بوصفها مخرجاً روسياً، يدّعي ساسة الكرملين أنهم اجترحوها من أجل تنفيذ القرار 2254، بينما كانوا يهدفون إلى نسف هذا القرار، وخصوصا نسف تشكيل هيئة الحكم الانتقالي.

هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومعها الائتلاف وسواه، بلا أوراق قوة على الأرض

يجيد ساسة الكرملين اللعب على الوقت، وعلى أشياء كثيرة أخرى، وهم حين يتحدّثون عن حلّ سياسي، فهو الحل الذي يبقي ربيبهم الأسد في السلطة إلى أطول فترة ممكنة، وبالتالي، لا يريد الساسة الروس، ومعهم الإيرانيون، أن تنتج اللجنة الدستورية ما لا يريده نظام الأسد. لذلك استبق وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الجولة الخامسة للجنة الدستورية بالإشادة بالمناقشات "المفيدة حول المبادئ الأساسية في الجولة الرابعة"، والتعويل على "أن الجولة الخامسة سوف تنتقل إلى العمل المباشر على وضع مقدّمة الدستور"، بينما ما حصل أن الجولة الرابعة لم تشهد تلك النقاشات المفيدة التي تحدّث عنها، وانتهت مثل سائر الجولات إلى محصلة صفرية.

وأمام الفشل الذي أصاب اللجنة الدستورية، فإن الأسئلة تطرح بشأن خيارات الأمم المتحدة ووفد الهيئة العليا للتفاوض الممكنة، وعن ماهية الخطوة المقبلة، حيث لم يجد بيدرسون سوى التعويل مجدّداً على الدول المتدخلة في الشأن السوري، كما أن وفد هيئة التفاوض لا يملك من الخيارات سوى التعويل على الأمم المتحدة وعلى الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية من أجل القيام بتحرّك من غير المرجّح أنها يمكن أن تقوم به وفق المعطيات الراهنة. كما أن هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومعها الائتلاف وسواه، بلا أوراق قوة على الأرض، لذلك لم يملك رئيس وفد هيئة التفاوض سوى الشكوى من "إطالة عمل اللجنة الدستورية"، وأنه وصل "إلى مرحلةٍ لم تعد جهودنا كافية لإبقاء اللجنة على قيد الحياة". وطالب مجلس الأمن بضرورة تنفيذ القرار 2254 وتحديد جدول زمني، مع التطلع بأن تقدم مجموعة دول أستانة الداعمة للعملية الدستورية في اجتماعها المقبل "اقتراحات أو معطيات تمكّن المبعوث الخاص من إنجاز مهمته، وتمكّن اللجنة من إنجاز مهمتها في أقرب وقت ممكن". وهكذا، لا تخرج خيارات وفد هيئة التفاوض عن نطاق التعويل على الدول المتدخلة في القضية السورية، وهو أمرٌ يكشف مدى العجز الذي وصلت إليه المعارضة، بعد أن قبلت بأولوية المسار الدستوري الذي اجترحه ساسة موسكو، بوصفه المسار الوحيد المتاح والحصري للحل السياسي في سورية، وانخرطت في جولات تفاوض عبثية، بوصفها خيارها الواقعي الوحيد، واتبعت استراتيجية تسجيل النقاط على نظام مجرم لا يقيم أي وزن أو اعتبار للعمليات السياسية والتفاوضية.

=========================

هل ينام السوريون أربع سنوات؟

عمر قدور

المدن

الثلاثاء 2/2/2021

كأنما هناك جبهة من الساسة والخبراء الأمريكيين تتطوع "على الأقل" بإسداء النصائح لبايدن في الشأن السوري، العنوان العريض هو فشل إدارتي أوباما وترامب في إدارته، وهذا يلاقي آراء كثر من المتابعين في العالم، لكنه يُفترض أن يلاقي أولاً توجهات سيد البيت الأبيض. أصحاب البضاعة الجديدة، من أمثال روبرت فورد وهراير باليان وجيفري فيلتمان، لا يقدّمون ضمانة لنجاح طروحاتهم، هم ينطلقون من حوالى عقد ضائع في سياسة أمريكية فاشلة، وبناء عليه لا خسارة في القول: لنجرّبْ ونرَ.

الشأن السوري كما نعلم غير موجود في أولويات إدارة بايدن، ولم تعين "وقد لا تعين في المدى المنظور" مبعوثاً خاصاً بسوريا، في دلالة على عدم إبداء اهتمام خاص وأيضاً على عدم وجود سياسة خاصة ناضجة. في المقابل، يظهر الملف الإيراني مستعجلاً مع تكثيف طهران خطواتها التي تقرّبها من امتلاك سلاح نووي، أما العلاقة مع موسكو فهي بطبيعة الحال ضمن مشاغل أية إدارة؛ سلباً أو إيجاباً أو الاثنين معاً.

ينطلق ناصحو بايدن في الشأن السوري من واقع عدم امتلاك واشنطن سلاحاً مؤثراً سوى العقوبات، وهي مستخدمة الآن بمثابة عصا، بينما يجب استخدامها على نحو إيجابي كجزرة. أي أن على الإدارة الأمريكية التوجه إلى بشار ومقايضته، وكل "تنازل" من قبله "كوقف إطلاق النار وإطلاق سراح معتقلين وبعض الإصلاحات السياسية" يُقابل بإزالة عقوبات. لا حديث عن محاسبة الأسد على جرائمه، إذ مرة أخرى باسم الواقعية السياسية لا تملك واشنطن أمر محاسبته بينما لا تملك نفوذاً عليه أسوة بموسكو وطهران.

كما نرى، تبني الواقعية السياسية المذكورة على الأخطاء السابقة لإدارتي أوباما وترامب، لسان حالها "ما حدث قد حدث" ولا تستطيع إدارة بايدن استدراك تلك الأخطاء. تالياً، أي نهج تجربه الإدارة الحالية، مع التشديد مع قبل الناصحين به "ومن قبلنا أيضاً" على أنه غير مضمون النتائج، بل من المستبعد تجاوب بشار معه، ستأتي إدارة مقبلة لتبني عليه أيضاً. إننا نتجاوز النظر إلى السوريين كفأر تجارب، لنصل إلى فهم غريب للواقعية السياسية بوصفها تراكماً لأخطاء التجريب الأمريكية، تحديداً في الجزء من السياسات الخارجية الذي لا يعتبر مؤثراً في الأمن القومي.

التنبؤ بفشل الطروحات الحالية لا يحتاج نباهة خاصة، ويُفترض بمن تولوا مناصب لصيقة بشؤون المنطقة مثل فورد وفيلتمان، أو مثل هراير باليان الذي يملك خبرة من عمله في برنامج تسوية النزاعات في مركز كارتر، أن يروا احتمالات الفشل قبل النجاح. لدينا أولاً نماذج عن عدم تأثير العقوبات الاقتصادية فيما خص تغيير سلوك الأنظمة، إيران وروسيا وكوريا الجنوبية وإلى وقت قريب كوبا والعراق، هذه كلها تدلل على سطحية التعويل على العقوبات كسلاح وحيد. بشار، الذي رفض تقديم أدنى تنازل عندما شارف على السقوط عسكرياً، لن يقدم التنازلات نفسها وقد نجا، إذا كان يملك حقاً اتخاذ قرار على هذا المستوى.

لن يكون بايدن استئنافاً لأوباما حتى إذا رغب في ذلك، ففي مفاوضات النووي لن تكون سوريا جائزة لطهران فوق الطاولة أو تحتها. لقد أعطاها أوباما الجائزة أثناء المفاوضات الأولى، وانتشرت الميليشيات الشيعية في عرض البلاد وطولها من دون نجاح نهائي، لتاتي موسكو بقواتها وتتقاسم معها النجاح في استعادة السيطرة على ثلثي البلاد. ليست واشنطن اليوم في موقع من يوزع حصص النفوذ بين موسكو وطهران في سوريا، وتراجعها عن مطلب ترامب بانسحاب إيران من سوريا لن يحدث فرقاً في الواقع.

الجائزة قد تُعطى لطهران في لبنان، بإنقاذه من الأزمات الحالية مع الاعتراف بهيمنة حزب الله وهيمنتها من خلفه، ومن خلالها يسترجع الأسد نافذته للالتفاف على العقوبات، ما يعزز عدم تجاوبه مع عروض أمريكية بتخفيف العقوبات عنه لقاء تنازلات غير أساسية. إلا أن التحايل على العقوبات لن يحل الأزمة الاقتصادية لبشار، لأنها أزمة بنيوية لاقتصاد منهار ومدمر، والأهم أنه محروم من جزء كبير من المصادر الطبيعية مثل النفط والمزروعات والمياه، إذا بقيت خريطة السيطرة الحالية التي يحظى فيها بثلثي الأراضي مقابل ثلث الثروات تقريباً.

لا يبدو مطروحاً للنقاش حتى الآن الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وما يستتبعه من بقاء القوات التركية، وهنا ورقة الضغط التي تمسك بها واشنطن في انتظار تسوية نهائية للقضية السورية. الانسحاب لم يكن مطروحاً على أجندة الجمهوريين، باستثناء ترامب، وكتلة كبيرة من الديموقراطيين لا تؤيده، بل هناك كتلة منهم ترغب في تقديم دعم أقوى لقسد. حتى السماح لقسد بالتجارة مع الأسد قد يخفف من الخناق على مناطق سيطرته، بتوفير النفط والحبوب مثلاً، إلا أن العائد المالي سيكون لمصلحة قسد وتعزيز سيطرتها على المنطقة، ما يرسخ القسمة القائمة.

كان وزير خارجية بايدن قد أثار بعض الآمال بحديثه عن خطأ أوباما عندما لم يعاقب الأسد على استخدامه السلاح الكيماوي، لكن تلك الإشارة العابرة لا تنطوي حتماً على توجه الوزير شخصياً تجاه الشأن السوري بقدر ما يراه إساءة إلى بلاده كقوة عظمى تضع خطاً أحمر ثم تتجاهل الدوس عليه. مع إضافة نواب وموظفين كبار إلى جانب الوزير، مثل ويندي شيرمان وروبرت مالي وبريت ماكغورك، تتبدد شبهة الأمل بالوزير نفسه، خاصة إذا كان الرئيس أقرب إلى تصورات أولئك الموظفين.

وجود هذا الطاقم هو ما يشجع فورد وفيلتمان وغيرهما على طرح مقاربات غير جذرية أصلاً، ومع رؤية حظوظها الهزيلة من النجاح تكون جدواها في مكان آخر تماماً؛ هي في تنحية مبدأ المحاسبة نهائياً وتمهيد الطريق للتطبيع مع الجريمة الأسدية. أفضل تحقق لما يريده هؤلاء لا يعني سوى السير في عملية بطيئة جداً، عملية لا تكفي ولاية بايدن للانتهاء من صعوبتها ومماطلة الطرف الآخر فيها. ربما، على السوريين النوم لأربع سنوات مقبلة، قبل التساؤل عن جديد أمريكي.

=========================

الأسد واللجنة الدستورية.. والفكرة الإسرائيلية

نزار السهلي

عربي 21

الثلاثاء 2/2/2021

ستبقى استراتيجية رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إسحاق شامير، التي وضع أسسها حول المفاوضات مع الجانب الفلسطيني في "مؤتمر مدريد" للسلام 1991، موضع تذكير مستمر عن "جرجرة" و"شحشطة" الفلسطينيين عشرات ومئات السنين، بمفاوضات لن ينالوا منها شيئا. أثبت ربع قرن من المفاوضات صحة النظرية الإسرائيلية، وبقيت استراتيجية نظام الأسد المستنسخة لنظرية شامير حول مفاوضة السوريين على حقوقهم حاضرة في كل جولة. ومنذ الجولة الأولى لمفاوضات جنيف 2012، أفصح وزير خارجية النظام وليد المعلم آنذاك، عن قدرة النظام إغراق العرب والسوريين والعالم بالتفاصيل والذرائع.

بعد تسعة أعوام من فشل معظم الموفدين الدوليين إلى سوريا في إرغام الأسد على وقف عمليات القتل والإبادة للسوريين، والإقرار بمسار تفاوضي على أساس قرار مجلس الأمن 2254 لعام 2015، والقرارات التي سبقته، وصفَ المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، الجمعة (29 كانون الثاني/ يناير)، الاجتماع الخامس للجنة الدستورية السورية في جنيف بأنه "مخيب للآمال"، وبعدم قدرة المجتمع الدولي المضي بهذا الشكل.

ليست المرة الأولى التي يخلص فيها موفد دولي وأي مراقب لهذه النتيجة المعروفة بخواتيمها وذرائعها المعقدة والمتشعبة، الخرق الوحيد فيها المسمى "نجاح المسعى" أنجزته قوى الاحتلال الروسي على الأرض، وفي مسرح السياسة الذي تُلاعب به أطياف المعارضة السورية بمسمياتها ومنصاتها.

منذ ابتكار المحتل الروسي لأفكار أستانا وسوتشي كقاعدة انطلاق لحوار "سوري- سوري" بدعم إيراني وتركي، كان المبعوث السابق للأمم المتحدة "ستافان ديمستورا" يعول على نسخها المتكررة بحدوث اختراق ما، فكان اختراق أجساد وجغرافيا السوريين عنوانا واضحا للعبة يديرها المجتمع الدولي، بمنح النظام الوقت الكافي للسيطرة بالقوة على الجغرافيا السورية، وبتعطيل الجوهر الأساسي من عملية المفاوضات، من توفير الحماية للضحايا إلى توفير الحماية لقاتل الشعب السوري.

فالآلية السياسية التي مضت بها عملية المفاوضات من رأسها إلى قاعها، من خلال شل وتعطيل قدرة المجتمع الدولي وممارسة دوره الحقيقي في حماية السلم الدولي، تعني تشابه كل جولات المفاوضات، بما يذكرنا بلعبة الصهيوني شامير ونظريته بجرجرة الفلسطينيين عشرات الأعوام خلف المفاوضات، وهو ما تم حتى اليوم.

استعار النظام السوري وحليفه الروسي نظرية شامير وعتاة الصهيونية بـ"شحشطة" المفاوضين، وبتأدية سلوك المحتل الإسرائيلي بكل التفاصيل المتعلقة بإدارة حصار السوريين وتشتيتهم، بتفوق ملحوظ بعمليات الإبادة الجماعية بالمجازر وعمليات الاعتقال لعشرات آلاف السوريين وجرائم الحرب الموثقة، وضرب النسيج الاجتماعي بالتطهير العرقي لمئات القرى والبلدات.

وعليه يصبح السؤال عن الغرض من المفاوضات اليوم ومآل اللجنة الدستورية التي يشكل الأسد الجزء الأساسي منها بدعم روسي إيراني وبنفاق دولي عن جرائمه، والسماح له بأخذ الوقت الكافي لتدمير المجتمع السوري، وإعادة ترشحه مجددا للتحكم برقاب السوريين، والإفلات من العقاب عن جرائمه، مثلما منحت محطات التفاوض عدو الشعب الفلسطيني الوقت لتكثيف الاستيطان والسطو على الأرض وتهويدها.. أعطت محطات التفاوض الجنيفية والأستانية عدو السوريين الوقت الكافي لإزهاق أرواح مئات الآلاف، وتدمير مدن وأرياف السوريين، وتحويل الملايين لمهجرين ونازحين.

عدم معالجة القضايا الجوهرية في جلسات التفاوض، وعلى رأسها رحيل النظام ومحاكمته عن جرائم لا حصر لها، يعني إقرارا بقبول فعل الإبادة الجماعية والمجازر وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المتهم بها نظام الأسد وحلفاؤه المحتلون. وما لم يكن مبدأ المفاوضين بإجماع على هذه النقاط، فإن تراخي المواقف الدولية مستمر دون حصول السوريين على الحرية والمواطنة والعدالة.

عقلية شامير التي يحملها نظام الأسد ويقرأ تفاصيلها وكلاؤه على الطاولة "نجحت" في محطات جنيف وأستانا وسوتشي. ومثلما تسلح المحتل بدعم أمريكي لعقلية السيطرة والإبادة والتهويد والسطو، تسلح نظام الأسد بموسكو من خلال اللجنة الدستورية لإنجاح عقلية السيطرة والتعفيش والسطو لتربع الطاغية على جماجم السوريين وحطام مدنهم.

النتائج المحتومة بالأسى ذاقها الفلسطينيون، ويتجرعها السوريون بكل خطوة مبتهجة بوهج الاحتفاء بانطلاق مفاوضات بعيدة عن آمال الشارع وتضحياته. لا يضرب في غيب الأحداث من يشير إلى فشل عناصر جولات تفاوض قادمة توهم السوريين، ولا يسجل "نجاح" هنا في مفهوم التفاوض إلا لموسكو ودمشق وطهران، من قبل في أستانا إلى جنيف وجلساتها المتعددة.

تفرض موسكو وبعض النظام العربي تحجيم مكتسبات السوريين في التفاوض بعد فرض هزيمة عسكرية في الميدان لصالح الأسد. لا شيء يؤطر الصورة هنا بشكلها الصحيح، سوى خوف المعارضة وتذبذبها مما تَدّعي وتدعو له موسكو، لذلك يمكن اعتبار خيبة آمال المبعوث الدولي غير بيدرسون تتويجا لتخاذل ونفاق المجتمع الدولي، بعدما أسفر عدوان موسكو وطهران على إحداث آثار بعيدة المدى عززت من فشل المفاوضات ونزع جوهرها القاضي برحيل الأسد.

التعامل مع الملف السوري بعد إفراغ مبدأ التفاوض من جوهره، وبعد جرجرة المفاوضين إلى كمائن موسكو والنظام السوري، هو ما انتهت إليه حال المعارضة السورية منذ تسعة أعوام، يستكشفون فيها أفق حلحلة موقف النظام من قضايا عديدة، صغيرة وكبيرة، بينما واقع حال النظام وتحالفاته ووظيفته كشفت عن وجهٍ بشع معادٍ لتطلعات السوريين، وبهما تتطابق صورة الطاغية والمحتل في الميدان وعلى فكرة المفاوضات.

=========================

ماكغورك ومالي لإدارة الأمن القومي الأميركي في ملفي الشرق الأوسط وإيران

مرح البقاعي

العرب اللندنية

الثلاثاء 2/2/2021

بدأت ملامح إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تتضح شيئا فشيئا إثر توالي تثبيت الأسماء التي يرشحها الرئيس لتولّي مناصب حكومية رفيعة. وقد أقر مجلس الشيوخ بالأغلبية تعيين فريق بايدن الذي سيتبوأ أعضاؤه ملف الشرق الأوسط بعامة وإيران بشكل خاص، في البيت الأبيض وفي وزارة الخارجية الأميركية.

ومن اللافت أن معظم الوجوه القيادية التي ستتصدر المشهد السياسي الأميركي في الفترة الرئاسية الحالية لبايدن ونائبته كاميلا هاريس، هي شخصيات عملت في مناصب موازية في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، ويستعيدها اليوم بايدن في تشكيلته الحكومية وضمن الوكالات الأمنية والقومية، ما يشير إلى أن الاستراتيجيات التي سار عليها الرئيس أوباما يمكن إعادة تدويرها مع الإدارة الحالية، مع مراعاة التغيّر الطفيف المطلوب لجعلها تتماشى مع الظرف الدولي الجديد الذي سيعيد قولبتها سياسيا بالقدر الذي ينفي عن إدارة بايدن ما يشاع عنها على سبيل التندّر أنها حكومة “أوباما 3”.

أما أبرز المناصب التي تمّ تثبيت مرشحيها حتى الآن فهي:

في مجلس الأمن القومي تم تعيين بريت ماكغورك منسقا لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث ستتركّز مهامه الجديدة على إبداء المشورة بصورة مباشرة للرئيس بايدن في القضايا التي تتعلّق بالأمن القومي والسياسة الأميركية الخارجية، وكذلك تنسيق السياسات التي سيعتمدها البيت الأبيض مع الوكالات الحكومية.

فمن هو بريت ماكغورك، وما هي أبرز المحطات في تاريخ خدمته العامة في الولايات المتحدة؟

بريت ماكغورك محام ودبلوماسي أميركي أسبق، آخر مناصبه الرسمية كان ضمن إدارة أوباما في فترته الرئاسية الثانية، حيث عيّنه في العام 2015 في منصب المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، واستمر في هذا المنصب مع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى أن استقال من العمل الحكومي في الشهر الأول من العام 2018، على خلفية قرار سحب القوات الأميركية من سوريا. وعلّق ترامب على استقالة ماكغورك في تغريدة على حسابه على تويتر “تم تعيين بريت ماكغورك، الذي لا أعرفه شخصيا، من قبل الرئيس أوباما في العام 2015، وكان من المفترض أن يغادر في شهر فبراير، لكنه قرر الاستقالة مسبقا. إعلام الأخبار الملفّقة يحاول تضخيم الموضوع، على الرغم من أن القصة لا تستحق”.

ماكغورك، وقبيل خروجه من عباءة إدارة ترامب، كان قد شغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون العراق وإيران، وأدار حينها مفاوضات سرية مع إيران ابتداء من شهر أكتوبر 2014 أسفرت عن الإفراج عن أربعة سجناء أميركيين من سجن “إيفين” في طهران، كان من بينهم مراسل صحيفة “واشنطن بوست”، جيسن رضائيان.

ما ميّز ماكغورك أنه كان باستمرار مرشحا مقبولا لمناصب حساسة في الحكم من قبل الرؤساء الجمهوريين والديمقراطيين في آن؛ فقد عمل تحت إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، في موقع المساعد الخاص للرئيس ومدير شؤون العراق وأفغانستان في العام 2005، وكان أول من دعا إلى تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه العراق، وروّج لفكرة زيادة العديد من القوات هناك والتي بدأت تُنفّذ ابتداء من شهر يناير للعام 2007.

واتسمت سياساته بالذكاء السياسي اللازم لخوض المفاوضات الصعبة، ولاسيما تلك التي خاضها مع إيران للإفراج عن الرهائن. ومعرفته للغات المنطقة من العربية والفارسية أتاحت له الاندماج المباشر والفهم العميق لثقافات وذهنية أهل المنطقة، الأمر الذي يسّر له التواصل مع السكان المحليين وإقامة الحوارات بشكل تلقائي، وإنجاز الصفقات السياسية عبر الأطراف المعنية دونما وسيط.

ويرتبط ماكغورك بعلاقة قوية مع الكرد في شمال سوريا والعراق، وكان من أشد المعارضين للانسحاب الأميركي من شرق الفرات كما أراده ترامب، وكارها شديدا لفكرة ترك الحلفاء الكرد للمجهول بعد أن قاتلوا إلى جانب القوات الأميركية والتحالف للقضاء على تنظيم داعش. وجاهر برفضه لتخلّي بلاده عن الكرد، ما دفع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إلى أن يتهمه في تصريح علني بالعداء لتركيا، حيث صرّح “ماكغورك يدعم بوضوح حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية في سوريا! إنه يعمل ضدنا”.

ويبدو أن التشدّد الأميركي تجاه الأعمال العسكرية المتنقلة لتركيا خارج حدودها، والذي بدأ يظهر منذ الأسابيع الأولى لوصول بايدن إلى البيت الأبيض، كان له الدور الأكبر في اختيار ماكغورك لهذا المنصب الحساس والمؤثّر في آن.

التشدد الأميركي تجاه الأعمال العسكرية المتنقلة لتركيا خارج حدودها، والذي بدأ يظهر منذ الأسابيع الأولى لوصول بايدن إلى البيت الأبيض، كان له الدور الأكبر في اختيار ماكغورك لهذا المنصب الحساس والمؤثر في آنروبرت مالي:

المبعوث الرئاسي الخاص للملف الإيراني كان من نصيب روبرت مالي، الذي تمت المصادقة على تعيينه ليتسلّم الملف الأكثر تعقيدا وخطورة، ليس فقط بالنسبة إلى البيت الأبيض، بل لحكومات وشعوب العالم التي تتأثر سلبا بطموحات إيران في العسكرة النووية، وبتحركات ميليشياتها المسلحة العابرة للحدود والمصنفة أميركيا على أنها منظمات إرهابية.

روبرت مالي محام أميركي، وخبير وباحث سياسي متخصّص في حل النزاعات الدولية. ولد في العام 1963 لأب صحافي يهودي من أصل سوري ومصري المولد والنشأة، سايمون مالي، وقد كان شيوعي الهوى ومؤمنا بحركات التحرر التي نشأت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بما فيها الحركات الفلسطينية. أما والدته، باربرا سيلفرشتاين، فهي من سكان نيويورك، عملت مع وفد الأمم المتحدة لجبهة التحرير الوطني الجزائرية. في العام 1969، نقل مولي الأب عائلته، بمن في ذلك ابنه روبرت، إلى فرنسا، حيث أسس المجلة اليسارية “أفريكاسيا” التي عُرفت في ما بعد باسم أفريقيا – آسيا. عاشت عائلة مالي في فرنسا حتى العام 1980، عندما أمر الرئيس الفرنسي آنذاك، فاليري جيسكار ديستان، بإبعادها من فرنسا إلى الولايات المتحدة بسبب العداء الذي يكنّه سايمون مالي للفكر الرأسمالي الغربي ولإسرائيل.

أما الابن، روبرت مالي، الذي شبّ في الولايات المتحدة، فقد تدرّج في العمل السياسي إلى أن تبوأ منصب مساعد خاص للرئيس بيل كلينتون، للشؤون العربية الإسرائيلية، كما كان عضوا في فريق السلام الأميركي وساهم في تنظيم قمة كامب ديفيد في العام 2000. وعند وصول الرئيس جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض في العام 2001، غادر العمل الحكومي ليتفرّغ للعمل الأكاديمي البحثي، وأصبح مديرا لبرنامج شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “مجموعة الأزمات الدولية” للدراسات. إلا أنه عاد للعمل ضمن الإدارات الأميركية الرسمية بدعوة من أوباما، ليتسلّم منصبا رفيعا في مجلس الأمن القومي مستشارا للرئيس في ملف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، ثم بصفة المسؤول عن ملف داعش في المجلس في الفترة 2014 – 2017، وفي العام 2015 حيث كان يشغل منصب المفاوض الرئيس ضمن المجموعة الدولية 5الثلاثاء 2/2/20211 التي أنجزت الاتفاق النووي مع إيران، والذي حمل اسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”.

موقف مالي من إيران واضح، فهو المدافع القوي عن التقارب مع الجمهورية الإسلامية، ناهيك عن كونه من أشد معارضي إستراتيجية الضغوط القصوى التي اتبعتها الإدارة الأميركية في عهد ترامب ضد إيران. وكان مالي قد وقف بشدة ضد عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، وعارض الشروط الـ12 التي أقرها وزير الخارجية الأسبق، مايك بومبيو، لرفع العقوبات عن طهران.

ونظرا لهذا التوجّه الذي عُرف به مالي، تتردد الكثير من الأسئلة عن مستقبل السياسة الأميركية في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، والعقوبات الأميركية على طهران، وكذلك الموقف من التخصيب النووي ذي الأهداف التسلحية، ومن الدعم المتواصل للميليشيات المنظمة التي يموّلها ويديرها الحرس الثوري الإيراني.

أما طهران، فقد سارعت في الترحيب بتولّي مالي لهذا المنصب كونه يحمل العديد من الدلالات الإيجابية منذ وصول الرئيس بايدن إلى الحكم، بينما اعتبر المستشار الإعلامي للرئيس الإيراني، حسام الدين أشنا، في تغريدة له على حسابه على تويتر أن تعيين مالي “هو خطوة تحمل رسالة واضحة حول توفّر توجّه فاعل لحل سريع ومؤثّر للنزاع”.

وفي الطرف المقابل من المعادلة، يواجه بايدن تحديات كبيرة قد تعيق عودته إلى اتفاق العام 2015 دونما شروط إضافية. أهم هذه المعوقات تأتي من معارضة قوية للحزب الجمهوري الأميركي لعودة غير مشروطة إلى اتفاق غير متكامل كانت واشنطن قد انسحبت منه في العام 2018، إلى جانب معارضة بعض أطراف الحزب الديمقراطي، وكذلك عدد من الدول الأوروبية، والخليجية، والإقليمية، وفي المقدمة إسرائيل. إلا أن إدارة بايدن قد تستغل الشروط الصعبة التي وضعها ترامب من أجل الحصول على تنازلات جوهرية وعميقة من طهران، خاصة في ما يتعلق ببرنامجها للصواريخ البالستية وسياساتها الإقليمية الرامية إلى تقويض الاستقرار في دول الجوار، وفي الشرق الأوسط عموما.

ومن اللافت أن موقف مالي من نظام الولي الفقيه، والباب الذي تركه مواربا من سياسات طهران الخارجية، يتناقض مع ما سجّله عن مشاهداته للوضع في اليمن حين زاره في العام 2019 على رأس وفد من الباحثين الأميركيين ضمن “مجموعة الأزمات الدولية” غير الحكومية. وقد صرّح حينها قائلا “إن الميليشيات الحوثية تبني شيئا مشابها لدولة بوليسية ظهرت ملامحها من خلال قبضتها المحكمة على صنعاء”، منوها إلى أن “المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون تشهد حالة من البؤس يمتد إلى ما هو أبعد من تصنيف الأمم المتحدة للأزمة الإنسانية في اليمن كأسوأ أزمة إنسانية عرفها العالم”.

=========================

كعب أخيل" واستطالة المأساة السورية

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 1/2/2021

يحتاج الغوص في غياهب وتعقيدات القضية السورية، وما حملته من مواجع للشعب السوري، وانكشاف هشاشة القوانين الدولية الناظمة والضامنة لحقوق الإنسان على كوكبنا إلى مراكز بحوث متخصصة بمختلف ميادين المعرفة السياسية والعسكرية والاجتماعية والنفسية، للوقوف على عشرات وربما مئات الأسباب الذاتية والموضوعية، التي أدت إلى استطالة تلك القضية، وتأخُر وصولها إلى نهاياتها مظفرة كانت أم غير ذلك.

لم يعد كافياً أن نقول إن التدخل الإيراني- الروسي، ودعمه للنظام المجرم قد ساهم باستطالة القضية السورية ومواجعها ومآسيها؛ وهو وراء تأخر انتصار ثورة سوريا. ولا سياسة "التحكم عن بعد" الأميركية، وتهديداتها الخلبية جعلت الأسد يتفرعن دون قلق حقيقي. ولا بحث إسرائيل عن البديل المناسب لها، وحماية تلك المنظومة المزايدة زادت في صلفها. ولا تقصير الشعوب العربية وخديعتها بالنظام أو بؤسها على يد حكامها، جعلت النظام يتغوّل أكثر بدماء السوريين.

كل تلك الأسباب مجتمعة فاقمت المأساة وأمدّت بعمرها الكارثي؛ إلا أنها جميعاً تدور حول قطب رحىً واحد. حتى حصر أسباب الاستطالة الموجعة لهذه القضية، وتأخر انتصارها أو انكسارها الصريح بأسباب وعوامل ذاتية وأخرى موضوعية، حسب المقاربات أو المنهجيات البحثية التقليدية، لا يوصل إلى سر هذه الاستطالة. هناك "كعب أخيل"؛ هناك نقطة ارتكاز لهذا البناء التراجيدي؛ ولا بد من الوصول إلى هذه الخلاصة؛ ليكون الخلاص.

لم ترتقِ المعارضة/ مؤسسات وأفراد/ إلى قضية بهذا النبل والمأساوية، وهو سبب جوهري في استطالة الأزمة

وقبل الدخول في تفصيلات "كعب أخيل"، وقبل المسارعة إلى الانضمام لموجة الهجوم الجارفة على ما يُسمى المعارضة أو أولئك الموجودين رسميًا في مؤسساتها؛ أقول، نعم، لم ترتقِ المعارضة/ مؤسسات وأفراد/ إلى قضية بهذا النبل والمأساوية، وهو سبب جوهري في استطالة الأزمة. انتفاضة سوريا تستحق أفضل من أولئك الذين تصدوا لتمثيلها؛ ولكن ذلك يبقى عاملاً ثانوياً جداً في استطالة المأساة؛ وهكذا هجوم عليها لا يسرّع نصراً، ولا يهزم استبداداً، ولا يوقظ مجتمعاً دولياً مُخدَّراً، ولا ينقذ سوريا من مأساتها.

كل شيء في سوريا الأسد يتمركز ويخص ويدور ويتمحور ويرتبط برأس المنظومة. ليس هناك مؤسسة صاحبة قرار ليتم شيء في سوريا عبرها؛ وما من مجموعة أو فئة أو حكومة أو وزارة أو شخص آخر يستطيع أن يسمح أو يوافق أو يقرر أي أمر عسكري أو سياسي أو إداري أو تشريعي أو قضائي أو اقتصادي أو حتى اجتماعي إلا "هو". إنه- كما كان أبوه من قبله- الحاكم الآمر الناهي الواهب الحارم السامح المانع الرابط الفاكك الرازق المفقر الواصل القاطع الذاكر الكاتم الفاضح الساتر. وهو "المرشّح للرئاسة، حتى ولو كان "مشرشحاً". هو سوريا الأسد؛ وكل أمر يتعلق بذلك يدور في هذا الفلك وحوله وفيه ومنه.

عبره دخلت ميليشيات إيران وروسيا إلى سوريا؛ ومن خلاله تحقق مصالحها؛ ولا تبقى أو تخرج إلا بالتنسيق معه؛ فهي حمايته وهو ضمانها. أميركا تتحدث عن تغيير سلوكه، لا تغييره. (لا أدري مدى دقة الكلام، إلا أن هناك من يقول بأنه لم يغب يوماً عن عين أميركا). حتى القرارات الدولية الخاصة بسوريا، والتي تتحدث عن انتقال سياسي، لا تتحدث عن إزاحته؛ وكأن من صمم تلك القرارات يعرف أنه لا "انتقال سياسياً" دون إزاحته؛ ومن هناك يأتي استعصاء "الحل السياسي" وعبثية التفاوض. لجولات وجولات دُعي السوريون للتفاوض، وكان خارج المعادلات. حتى وفده إلى الدستورية، لم تُطلق عليه صفة أكثر من "الوفد المنسجمة رؤيته مع رؤية الحكومة السورية"؛ أي "هو".

وبالعودة للقرارات الدولية، نلحظ أن لا ذكر لمصير بشار الأسد في قرارات صُمَمَت لتكون بلا أنياب. لم يعد كافياً أن نقول إن التدخل الروسي والإيراني بطبيعتهما الدكتاتورية التوسعية وتشابههما وانسجامهما مع المنظومة الحاكمة في سوريا كانا فقط وراء استطالة الأزمة السورية. يوجد شخص وكل شيء يدور حوله؛ إنه نقطة الارتكاز التي إذا ذهب ذهبت. حتى عندما تقدم بعض الدول وبعض المؤسسات أنفسها كجهات حريصة على إيجاد حل للقضية السورية- وعند ذكر الخلاص من رأس النظام لأنه يشكل قطب رحى المأساة- فتسمع على الفور روايات خراب العراق، عندما أُزيح صدام، واستمرار علل اليمن وليبيا. وأن المشكلة بمن حول الرئيس وليست فيه؛ وبغياب البديل.

أبشع مظاهر الظلم بحق الشعب السوري أن يُقال له من قبل الدول المنخرطة في المقتلة السورية إن حل المشكلة السورية لم يتحقق لأنه لا يوجد بديل لبشار

بغض النظر عن الدور الوظيفي الذي تقوم به منظومة الاستبداد في المنطقة، ورغم أن رأس هذه المنظومة يعاني من فقدان سيادته على أرض سوريا، ورغم أنه موضع استخفاف من قبل داعميه وأعدائه على السواء؛ ورغم ما اقترفت يداه بحق مواطنيه العزل حيث فعل اللامُتَوَقَّع تدرجاً من الرصاص للقنابل للمدافع والدبابات والصواريخ والبراميل والطائرات وصولاً للكيماوي السلاح المحرم، فإن منظومة الاستبداد مازالت تتمتع بالحصانة الدولية حتى تاريخه. فهل موقع سوريا الجغرافي في المكان الخطأ وفي هذا المفصل التاريخي الخاطئ هو الذي جرَّ على أهلها أسوأ الحكام الذين فعلوا بأبناء جلدتهم مالم يفعله أشد أعدائها؟!

ولعل أبشع مظاهر الظلم بحق الشعب السوري أن يُقال له من قبل الدول المنخرطة في المقتلة السورية أن حل المشكلة السورية لم يتحقق لأنه لا يوجد بديل لبشار! عجباً؛ هل نضبت أرحام السوريات الطيبات اللاتي أنجبن فيليبوس العربي وزنوبيا ويوسف العظمة! من المحال إعادة هذا الشعب الذي تحرر من أصفاد الخوف الدفين وانتفض بوجه أعتى منظومة استبداد، إلى قمقمه ثانية. إن الشعب السوري الذي امتهن الصبر، والذي عانى كل أنواع الظلم من منظومة استبداد سوف يُعمل العقل والإرادة والإنصاف والوحدة كي يُسرّع الخلاص من كعب أخيل هذه المنظومة. وفِي النهاية، كل مَن يعلق مصالحه على شماعة "أخيل" سيخسرها ويخسره في آن معاً؛ هذه صيرورة التاريخ وقانونه الطبيعي لا التلفيقي أو المفبرَك.

=========================

في شرعية انتخابات الأسد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 1/2/2021

يتكرّر مشهد التحضير للانتخابات الرئاسية الجديدة، للمرة الثانية على التوالي بعد بدء الثورة السورية، وظروف الحرب التي أعلنها النظام السوري على معارضيه منذ عام 2011. وعلى الرغم من تدهور واقع الحال لسوريين كثيرين، من مؤيدي الأسد ومن معارضيه، إلا أن النظام عقد العزم على متابعة سلوكه في التغاضي عمّا آلت إليه ظروف البلاد بعد الحرب التدميرية التي خاضها لاجتثاث الثورة ومطالبها وحاملها الشعبي، ومنعكسات هذه الحرب على قدرات النظام الداخلية والخارجية، وظروف احتلال البلاد من جيوش الحلفاء له روسيا وإيران، أو لمعارضيه تركيا والولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن جيش إسرائيل الذي يستقر في الجولان، أجمل بقاع سورية وأغناها بيئة وشعباً.

وحيث يستعد الأسد لانتخابات جديدة مضمونة النتائج منتصف العام الجاري، تبحث روسيا، في ملفاتها، عن مرشّح يلعب دور "الكومبارس" من بين من تقدّمهم للسوريين تحت صفة معارضين، ليس بهدف سحب البساط من تحت "المعارض الموعود"، بل لقطع الطريق على محاولات شخصيات معارضة تسعى إلى أخذ مبادرة الانتخابات في مناطق خارج سيطرة النظام، والشروع في تنظيم انتخابات متساوقة مع الأسد، ليس بهدف إنصاف السوريين، ولكن لتصبح ورقة قوة في يد تركيا لاحقاً خلال المفاوضات المقبلة لمجموعة أستانة، لتقاسم حصص ما بعد حقبة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في سورية. ففيما تتعامل روسيا مع اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف على أنها مجرد ذرّ الرماد في عيون المجتمع الدولي، فإنها لا تخفي مسعاها الحقيقي، وهو لإعادة الاعتبار لمسار أستانة، لأنها من خلاله تستطيع عقد مزيد من التفاهمات، لرسم حدود جديدة بين جيوش الحلفاء أنفسهم في أستانة، وفي الوقت نفسه، الخصوم في مواقع السيطرة على الأرض.

تمنح المعارضة وعداً أنه في حال توصلهم إلى دستور جديد ستكون مع انتخابات رئاسية جديدة "مبكرة"

في كل مرة، تقدم روسيا لزوارها من "المعارضين" شرحاً مفصلاً عن موقفها من دون مواربة، فهي تؤكد لهم أن الانتخابات الرئاسية ستجري وفق بروتوكولات سورية السابقة كما حدث في عام 2014، وأن هذا لا يعوق متابعة جلسات اللجنة الدستورية في جنيف، ذات الصلاحية المفتوحة زمنياً، كذلك تمنح المعارضة وعداً أنه في حال توصلهم إلى دستور جديد موافق عليه من أطراف اللجنة الدستورية (الأمر المستبعد تماماً)، فإنها ستكون مع انتخابات رئاسية جديدة "مبكرة"، وهو ما طرحته مع وفود منصتي القاهرة وموسكو وغيرهما.

لم يكن النجاح في تعطيل وفد النظام أعمال اللجنة الدستورية في جولتها الخامسة، هذه المرة أيضاً، جديداً على مبعوث الأمم المتحدة، غير بيدرسون، وهو إذ شعر بخيبة الأمل متأخراً، فذلك يعبّر عن مدى سطحية مباحثاته خلال زياراته لدول محور أستانة ودمشق والقاهرة، التي سبقت الجولة، ولم يمنح أي إجابة تفيد بأن اللجنة ذاهبة إلى صياغة الدستور، بالشراكة مع وفدي المعارضة والمجتمع المدني، فحيث لا تحسب دمشق وفدها أنه يمثل حكومتها، فهي لا تتعامل مع اللجنة على أنها ذات بعد قانوني، يمكنها من تعديل أي مادة دستورية، وستكتفي اليوم ومستقبلاً باعتبار الجلسات لنقاش شفهي، لا قوة تنفيذية لصياغته وتسميته دستوراً.

لن تطول غيبة اجتماعات اللجنة الدستورية كثيراً، لكنها ستتلازم مع الحملة الانتخابية لبشار الأسد دولياً

اعتمد النظام في الجولات السابقة على قوة تأثير حليفته روسيا في تبرير خداع الأمم المتحدة، وتعطيل أعمال اجتماعاتها، لكنه هذه المرة يعتمد على فراغ موقع الولايات المتحدة، وانشغال إدارته في ترتيب أولوياتها، ومقاربتها الملف السوري، في تبعيته المباشرة للملف النووي الإيراني الذي لا يزال قيد البحث والتداول، وهو الموضوع ذاته الذي أعطى فرصة لوفد المعارضة لكي يبتعد عن لغته "التهادنية" التي وصلت، في جولات سابقة، إلى حد التملق لوفد النظام، وإعلان رئيس الوفد، للمرة الأولى، أنه "لا داعي لوجودهم في اللجنة الدستورية ضمن الأجواء غير المبشرة داخل الاجتماعات"، وهو ما يمكن تفسيره أنه أيضاً قراءة واقعية للموقف الأميركي الجديد الذي لا يستعجل الانخراط في المسألة السورية، قبل البتّ بقضيته الأساسية، إيران.

لن تطول غيبة اجتماعات اللجنة الدستورية كثيراً، لكنها ستتلازم مع الحملة الانتخابية لبشار الأسد دولياً، وسيقدم خلالها النظام، وفق الرؤية الروسية، بعضاً من متطلبات تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، ومنها إطلاق سراح بعض المعتقلين، وفتح الأبواب لعودة اللاجئين، والسماح بدخول المساعدات إلى بعض المناطق ذات الاهتمام الدولي، وتعديلات في قانون الإدارة المحلية لتوسيع الصلاحيات المناطقية، وقد تبدأ عودة بعض الأسماء المعروفة إلى سورية لممارسة دور معارضة داخلية تحت عنوان الإصلاح السياسي، ما يعني أن هدف الحملة الانتخابية المجتمع الدولي لإعادة صياغة علاقته بالأسد، لا صياغة علاقة الأسد بالسوريين، من مؤيدين أو معارضين.

نجح الأسد في الحفاظ على كرسيه، وتمرير عشر سنوات بعد الثورة، وفشلت المعارضة في صناعة موقف موحد

مرّت انتخابات الرئاسة السورية، في 3 يونيو/ حزيران عام 2014، بكل سلاسة، على الرغم من التصريحات الدولية، حيث وصفها مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بأنها "غير شرعية". وانتقدها الأمين العام للأمم المتحدة السابق، بان كي مون، بأنها محاولات إجراء انتخابات في ظل ظروف الحرب الأهلية، وهي حسب تصريحه "تتناقض مع نص بيان جنيف وروحه". إلا أن بشار الأسد، مدعوماً من روسيا وإيران، مضى في "انتخاباته" من غير منافس يذكر (بغضّ النظر عن التمثيلية الباهتة للمرشح الثاني حسان النوري).

وأعلن الأسد فوزه بأصوات السوريين بنسبة تزيد على 88%، على الرغم من الحرب وتشريد الناس ومئات آلاف من الضحايا، ولم تأخذ أي جهة دولية موقفاً رسمياً من تلك النتائج، وبقي تمثيله في الأمم المتحدة معترفاً به حتى اللحظة. وما حدث سيتكرر عام 2021، على الرغم من التصريحات الدولية، أو بيانات الشخصيات المعارضة، فما لم توقفه خمسة جيوش تحتل بلده وقراره، لن توقف مسيرته معارضة مشتتة في مشاريعها وأهدافها، وحتى في أسباب ثورتها.

نجح الأسد في الحفاظ على كرسيه، وتمرير عشر سنوات بعد الثورة، وفشلت المعارضة في صناعة موقف موحد واحد من مشروع سورية المستقبل، وقبلت بتجميع مشاريع متناقضة مع بعضها في وفد تفاوضي واحد، تحت مسمى وفد المعارضة، في مقابل مشروع واحد "متماسك" للنظام، حدّده منذ اليوم الأول للثورة، الأسد أو نحرق البلد. وفعلياً بقي الأسد، لكنه أيضاً أحرق البلد وأهلها، ولم تتأخر قيادات المعارضة في اقتباس تجربته في حكم البلد إلى الأبد، على الرغم من صيحات إسقاطها كما صيحات إسقاطه.

=========================

ملهاة جنيف السورية: هل يسمّي بيدرسن المعطِّل أو يستقيل؟

أمين العاصي

العربي الجديد

الاحد 31/1/2021

فتح الفشل المتكرر للعملية السياسية السورية التي ترعاها الأمم المتحدة، نتيجة تعنّت النظام السوري ورفضه الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، الباب مجدداً أمام التساؤلات حول جدوى استمرار المسار السياسي الأممي وفق الآليات التي تحكمه، إذ لا يلوح في الأفق القريب أي أمل في تغيير النظام لنهجه. وعقب فشل الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية في جنيف السويسرية، المنوط بها وضع دستور جديد للبلاد، في الأسبوع الحالي، عبّر المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسن عن استيائه، مشيراً في كلمته الختامية أول من أمس الجمعة، في جنيف، إلى أن هذه الجولة "لم تحقق شيئاً، ولم يتم حتى الاتفاق فيها على منهجية الجلسات". وأضاف: "لن نستطيع الاستمرار بهذه الطريقة إذا استمر العمل على هذا المنوال"، مؤكداً أنه سيذهب إلى دمشق ويحاول إقناع النظام السوري، "لكن لن نستطيع الاستمرار بهذه الطريقة". وأظهرت الوقائع أن المبعوث الأممي لن يجد أمامه سوى الاعتذار عن مواصلة مهامه، كما فعل العديد من المبعوثين الأمميين الذين وجدوا أنفسهم عاجزين عن فعل شيء، أمام رفض النظام المطلق تسهيل مهام الأمم المتحدة. بالتوازي، برز أمس إعلان عضو اللجنة المصغرة للجنة الدستورية عن وفد المعارضة، العميد عوض العلي، استقالته من اللجنة، واصفاً في بيانٍ مصور أرسله إلى تلفزيون "سوريا"، العملية بالعبثية.

بيدرسن قد لا يجد أمامه سوى الاعتذار عن مواصلة مهامه

ولم يعد خافياً أن النظام اتخذ من مفاوضات اللجنة الدستورية سبيلاً لشراء الوقت، للوصول إلى منتصف العام الحالي لإجراء انتخابات رئاسية وفق الدستور الذي وضعه في عام 2012، وضمان بقاء بشار الأسد في السلطة لمدة 7 سنوات جديدة، معتمداً على الجانبين الروسي والإيراني لدفع المجتمع الدولي للقبول بنتائج هذه الانتخابات.

ولم يحقق المسار الأممي السياسي منذ بدئه منتصف عام 2012، أي نتائج تُذكر على صعيد التسوية السياسية، بسبب رفض النظام السوري التعامل مع قرارات الشرعية بدءاً من بيان جنيف 1 في عام 2012، والقرار 2218 في عام 2013، عقب المجزرة التي ارتكبها النظام في غوطة دمشق الشرقية بأسلحة كيميائية، وصولاً إلى القرار الدولي 2254 في عام 2015. أما المعارضة، فتضطر تحت ضغوط إقليمية ودولية في كل مرة، للذهاب إلى جنيف للتفاوض مع النظام الذي دأب طيلة هذه السنوات على الابتعاد عن جوهر الحل السياسي، القائم على تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات. كما اضطرت المعارضة سابقاً على التفاوض حول سلّة الدستور قبل سلّة الانتقال السياسي، لتثبت للمجتمع الدولي حرصها على حل الصراع السوري بالطرق السلمية، لكن النظام كما تدل المعطيات لا يضع في حساباته التوصل إلى حل سياسي، مستغلاً حالة "تراخ" أميركي، ومستنداً إلى دعم روسي وإيراني. وأمام حالة الاستعصاء السياسي، يطالب الشارع المعارض بالانسحاب من العملية السياسية برمتها، لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته إزاء النظام السوري.

في السياق، أشار عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني السوري المعارض عبد المجيد بركات، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "الخيارات أمام المعارضة السورية في إطار العملية السياسية محدودة للغاية"، مضيفاً أن "الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية كانت مخيبة للآمال باعتراف المبعوث الأممي". وأضاف بركات": "كنا نعرف أن النظام سيستمر بالتعطيل، من خلال الحديث عن الدستور ولكن من دون الانخراط في صياغة هذا الدستور"، لافتاً إلى أن هذا الوضع "يحتاج إلى تحرك المعارضة السورية على مستويات عدة، منها الطلب من حلفائنا، خصوصاً تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إيجاد آليات ضغط جديدة على النظام للانخراط في العملية السياسية بشكل جدي".

وأشار إلى أن "النظام استغل الخلافات بين الدول الداعمة للمعارضة". وشدّد على "ضرورة خلق المعارضة ساحات عمل جديدة، من خلال الحديث عن تطبيق بقية بنود القرار الدولي 2254، إضافة إلى ترتيب البيت الداخلي للمعارضة"، معتبراً أن "الخلافات داخل هيئة التفاوض انعكست بشكل كبير على أدائها في اللجنة الدستورية، لدرجة أنه كان هناك خلاف حول المبادئ الأساسية للدستور بين مكونات الهيئة". ورأى أن على الائتلاف الوطني باعتباره "الرافع والدافع" لمعظم مؤسسات المعارضة السورية "التفكير بالعودة إلى الحوكمة في المناطق التي تسيطر المعارضة عليها في الشمال، وإدارتها بشكل أفضل وتحقيق استقرار فيها من خلال دعم الحكومة المؤقتة". وعن خيار الانسحاب من العملية على ضوء التعطيل المستمر من قبل النظام، قال بركات إن "سلبيات الانسحاب من العملية السياسية أكثر من الإيجابيات، ومن الممكن أن ينعكس ذلك بشكل سلبي على الجانب الميداني والعسكري". ورأى "أن هذا الأمر يحتاج إلى دراسة عميقة ويجب ألا يكون قرار الانسحاب أو التعليق انفعاليا"، مستدركاً: "لكن الاستمرار في العملية السياسية على هذا الشكل يجب ألا يدوم، لذا يجب أن تكون إحاطة المبعوث الأممي إلى مجلس الأمن الدولي حيادية وموضوعية، ويثبّت أسباب الفشل، كما تتغير منهجية العمل في اللجنة الدستورية لتصبح أكثر جدوى".

من جهته، أمل المدير التنفيذي للمكتب الإعلامي في هيئة التفاوض التابعة للمعارضة السورية إبراهيم جباوي "أن يضطلع المبعوث الأممي غير بيدرسن بمسؤولياته الأخلاقية، ويعلن صراحة أمام مجلس الأمن أن النظام هو المعطل لأي جهد باتجاه حل الأزمة، ولنرَ بعد ذلك ما سيفعله المجلس وهل ستتخطى الدول العظمى الفيتو الروسي للقيام بشيء من خارج مجلس الأمن، كما فعلت في غير مكان".

الخلافات داخل هيئة التفاوض انعكست بشكل كبير على أدائها

وعن تعويل المعارضة على إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في الضغط على النظام السوري، قال جباوي لـ"العربي الجديد"، إنه "قد تكون لإدارة بايدن حركة خجولة نحو الحل، الذي ربما لا يحقق طموحات الشعب الذي ضحى بأغلى ما يملك لنيل حريته".

وسبق أن انفجرت الخلافات قبل انطلاق الجولة الخامسة من مفاوضات اللجنة الدستورية، داخل هيئة التفاوض، التي تضم منصات وتيارات سياسية غير متجانسة ومختلفة بالرؤى. ورأى المحلل السياسي رضوان زيادة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "على المعارضة أن تأخذ زمام المبادرة وتؤكد للشعب السوري أنها تملك قرارها". من جهته، دعا الباحث في مركز "الحوار السوري" محمد سالم، في حديث لـ"العربي الجديد"، المعارضة التي رأى أنها "مفككة ولا تملك هوامش استقلالية"، إلى العمل "على التنمية في مختلف المجالات السياسية والتوعوية والاقتصادية، ومحاولة اكتساب الشرعية الشعبية المحلية على الأرض في المساحات الباقية في حلب وإدلب، وفي المهجر".

=========================

لعب روسي بالمسارات السورية

عبسي سميسم

العربي الجديد

الاحد 31/1/2021

يُظهر البيان المشترك الذي صدر عن ضامني مسار أستانة السوري (روسيا، إيران وتركيا)، بشأن المشاورات التي جرت بينهم على هامش اجتماعات اللجنة الدستورية السورية الأخيرة، أن دخول روسيا بشكل خاص على خطّ هذه الاجتماعات، ولقاء المبعوث الروسي ألكسندر لافرنتييف بشكل غير رسمي مع شخصيات من وفد المعارضة، لم يكن بهدف دفع العملية السياسية نحو الأمام من خلال مسار جنيف، أو الضغط على نظام بشار الأسد من أجل الالتزام بأجندة الاجتماع، وبالأهداف التي شُكّلت من أجلها اللجنة الدستورية، كما وعد لافرنتييف الشخصيات التي اجتمع بها، ومن بينها الرئيس المشترك للجنة هادي البحرة. لكن الهدف الحقيقي لموسكو، هو إثبات عقم مسار جنيف، وإقناع المجتمع الدولي بتحويل مسار الحلّ السياسي السوري من جنيف إلى أستانة.

لم تمارس موسكو أي ضغوط على النظام لتحقيق تقدّم في عمل اللجنة الدستورية، بل على العكس، صدر بيان عن وفد النظام يعد الأسوأ خلال اجتماعات اللجنة، الأمر الذي أدى إلى فشل الجولة الخامسة من الدستورية فشلاً ذريعاً. كما أن بيان ضامني أستانة، على الرغم من تأكيده دعم اللجنة الدستورية، إلا أنه حدّد موعداً لاجتماعات أستانة بعد نحو 16 يوماً من اجتماعات "الدستورية"، معتبراً أن عمل هذه اللجنة "ينبغي أن يتسم بالمرونة والمشاركة البنّاءة من دون تدخّل خارجي وجداول زمنية مفروضة من الخارج، بهدف التوصل إلى توافق عام بين أعضائها، من شأنه أن يؤدي إلى مخرجات تحظى بدعم الشعب السوري على أوسع نطاق ممكن".

هذا الرأي يُعتبر بمثابة دعوة لتكريس حالة الاستعصاء التي يحاول النظام فرضها في عمل اللجنة الدستورية وإغراقها بالتفاصيل، بدعوى التوصل إلى تفاهم على بديهيات وثوابت يتوافق عليها كلّ السوريين والابتعاد عن المواضيع الخلافية ضمن المضامين الدستورية، وبالتالي دفع المعارضة إما إلى الانسحاب من هذا المسار أو البقاء ضمن حالة المراوحة في المكان الذي تصب في مصلحة النظام بالدرجة الأولى. كما يفسح ذلك المجال أمام روسيا لطرح أستانة كمسار للحل السياسي في سورية، على طريقتها، كونه مساراً يرعاه داعمان للنظام (روسيا وإيران) مقابل داعم للمعارضة، هي تركيا. وفي حال عدم توافر إرادة دولية، وخصوصاً لدى الإدارة الأميركية الجديدة لحل سياسي منصف وفق القرارات الأممية في سورية، فإن موسكو ستنجح بجرّ المجتمع الدولي لاعتماد أستانة كمسار للحل السياسي في سورية.

=========================

"داعش" حاضر في انتخابات الأسد

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 31/1/2021

أعلنت الولايات المتحدة، في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2019، أنها قتلت زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أبو بكر البغدادي، وأكد التنظيم الخبر بتعيين إبراهيم الهاشمي القرشي خليفة له. وكان التنظيم قد انحسر بصورة كبيرة، وتراجعت أخباره إلى الصفحات الداخلية في الصحف، بعد أن كان يحتل ثلث سورية وربع العراق، ويتحكّم في نصف مجرى نهر الفرات المارّ بسورية والعراق. ووصل انحسار التنظيم إلى درجة إعلان الرئيس دونالد ترامب، في نهاية العام 2018، عن الانتصار عليه عبر تويتر بقوله: "لقد هزمنا التنظيم في سورية، وهذا كان مبرّر وجود القوات الأميركية هناك". أراد حينها ترامب سحب قواته، ولكن الأمر لم يخرج عن نطاق "تغريدته"، فبقيت القوات الأميركية مكانها.

منذ بداية 2014، انتشر تنظيم داعش بشكل ملحوظ في المنطقة، وأصبح قوة كبيرة ومسيطرة على مناطق ارتخت فيها قوة الأنظمة، سواء في العراق أو سورية، وتحوّلت عناصره، في لحظة مناسبة، من مجموعة خلايا مترقبة ويقظة إلى جيش منظم وقوي ملأ الفراغات، مستغلا الفجوات الأمنية التي تُركت عن قصد، أو من دون قصد. وأوجد التنظيم قواعد فكرية وعسكرية له في المنطقة، ساعده في ذلك تراجع القوات النظامية عن أماكن وجودها بسرعة مريبة، فقد خسر النظام أراضيه في المنطقة الشرقية، وتكبد خلال معاركه القصيرة مع التنظيم خسائر بشرية مهولة، وتضخّمت صورة تنظيم الدولة إعلاميا، وتراجعت أخبار النظام لصالح رصد تحرّكات "داعش"، ومتابعة المقاطع المصورة لجرائمه، حتى غدت مواجهته معركةً ملحّة حشدت لأجلها الولايات المتحدة تحالفا عسكريا عريضا.

كان النظام وحلفاؤه خلال هذه المدة يبنون مواقعهم ببطء في ما يسمى سورية المفيدة، بعد أن تم تسليم غير المفيد منها لتنظيم الدولة الإسلامية، لتتحوّل إلى ساحة معارك، اشترك فيها المجتمع الدولي والكرد وتركيا ضد "الدولة الإسلامية"، حتى وصلنا إلى لحظةٍ خُيِّل للجميع فيها أن الانتصار على التنظيم قد أُنجز. التنظيم الذي قُتِلَ خليفتُه قبل أكثر من سنة، ارتفع رأسه من جديد، وعادت عملياته في الشهر الماضي (ديسمبر/كانون الأول)، لتظهر بقوة في عناوين الأخبار الأولى، فمنذ الثلاثين منه شن التنظيم ثلاث هجمات منفصلة وفي مواقع متعددة، قتل فيها 59 عنصرا من جنود النظام والمليشيات التابعة له في سورية، ثم قتل ثلاثة جنود في كمين قبل أسبوع، وسُجل خطف مسؤولين في المنطقة الكردية وقتلهم في التوقيت ذاته، كل هذه العمليات تحمل توقيع التنظيم، بما يظهر ملامح عودة "داعش".

فسَّر بعضهم الظهور الأخير النشط لتنظيم الدولة الإسلامية بأنه رسائل إلى الإدارة الأميركية الجديدة، أو تعبير عن رخاوة قبضتها على المنطقة. قد يكون هذا التفسير صحيحا جزئيا، ولكن الحدث الملحّ الآن، ويكاد أن يكون العنوان السياسي الأهم، هو معركة بشار الأسد الجديدة مع الانتخابات، فقد مرّت سبع سنوات أخرى على مدة رئاسته، وبات، بحسب الدستور، رئيسا منتهي الولاية، وعليه التجديد. ولطالما كانت هذه العملية صوريةً في تاريخ سورية الممتد خمسة عقود إلى الوراء، ولكن لا بد لرأس النظام الآن من أن يخضع إلى عمليات تجميلٍ عميقة، تجعله مقبولا في الأسواق الدولية. والتجميل يمكن أن يتم بوضع بعض الدمى في مواكبةٍ انتخابية لشخص بشار، ولكن الرجل الذي أراد طوال العشر سنين الماضية أن يترافق اسمه مع عنوان مكافحة الإرهاب، بدل قمع الثورة، يرغب في أن يستمر كذلك، فجاءت حوادث قتل الجنود المتلاحقة والمتقاربة، واقترن اسم تنظيم الدولة الإسلامية بتنفيذها، وذلك تذكيرا بالتنظيم المُفزع الذي يقول، عبر عملياته، إنه جاهز، ويمكنه العودة في أية لحظة! ليس هذا التوقيت عارضا، وربما لم يتم الاتفاق عليه، ولكنه تزامنٌ ملفت، يمكن أن يُكسبَ الرجل المتمسك بالسلطة في سورية نقاطا قد تنفعه في معركته للبقاء أطول أمد ممكن.

=========================

أين كان بايدن من ذاكرة “الربيع العربي”؟

 صبحي حديدي

القدس العربي

الاحد 31/1/2021

في مطلع سنة 2011، قبل أن تطلق هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية الأمريكية يومذاك، تحذيرها الشهير من أنّ الحكّام العرب يخاطرون بـ”الغرق في الرمال” إذا لم يستجيبوا لمطالب شعوبهم؛ كانت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في حال من المفاجأة إزاء احتمالات ما سيُسمى بـ”الربيع العربي” شبيهة، إلى حدّ غير قليل، بحالها قبيل سقوط شاه إيران وانطلاق الثورة الإسلامية. صحيح أنّ زين العابدين وحسني مبارك ومعمر القذافي، ثمّ لاحقاً علي عبد الله صالح وبشار الأسد، وبدرجة أقلّ آل خليفة في البحرين؛ لم يكونوا في مصافّ مماثلة للشاه، فضلاً عن كونهم هم أنفسهم في درجات مختلفة لجهة المصالح الأمريكية؛ إلا أنّ حسابات مجلس الأمن القومي في إدارة أوباما، ومعها المخابرات المركزية وتقديرات خبراء الشرق الأوسط في الخارجية، لم تكن على قدر المطلوب منها في استباق الوقائع العاصفة.

ذلك بعض السبب، وليس كلّه أو أغلبه كما يتوجب القول، في أنّ طرازاً من التأتأة اللفظية طبع الفارق بين أقوال أوباما نفسه وأقوال وزيرة الخارجية كلنتون، ووزير الدفاع روبرت غيتس، ورئيس أركان القوات المسلحة الأدميرال مايكل مولن، ومساعد وزيرة الخارجية جيفري فلتمان، ومساعدها للشؤون السياسية بيل برنز… وبمعزل عن خصوصية التدخل الأمريكي/ الأطلسي في ليبيا، كان قفاز التحدّي الذي ألقاه مبارك في وجه متظاهري التحرير، والذي وُجّه أيضاً إلى البيت الأبيض، هو الذي أتاح سماع تلميحات أوباما حول انتقال منتظم في مصر يتوجب أن يكون “ذا معنى، سلمياً، ويبدأ الآن”. كذلك انتظر فريق البيت الأبيض حتى شهر أيار (مايو) من العام ذاته كي يسمع من أوباما، خلال خطبة ألقاها في وزارة الخارجية، تأكيداً صريحاً على أنّ الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب التونسي. وأمّا الشعوب صاحبة العلاقة، فلسوف تنتظر فترة أطول، خاصة في سوريا (ولكن ليس البتة في البحرين!)، كي ينطق الرئيس الأمريكي بالدرّة المكنونة، حول فقدان أمثال بشار الأسد شرعية الحكم.

استرجاع تلك السياقات يستهدف طرح أسئلة لعلها تكتسب راهنية ذات مغزى: أين كان جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، من كلّ ملابسات الربيع العربي تلك؟ وهل يصحّ الافتراض بأنه كان على تباين من نوع ما، في كثير أو قليل، مع سيد البيت الأبيض؟ وفي ضوء ما يتردد عن عزمه عقد “مؤتمر ديمقراطي” شامل، يخصّ كما للمرء أن ينتظر شعوب الشرق الأوسط أكثر من أمريكا ذاتها، هل ثمة حظوظ في تغييرات هنا وهناك؟ وإذا صحّ أن الموقف من إيران، بمعنى مراعاة طهران أو حتى استدراجها على خلفية برنامجها النووي، كان واحداً من أحجار الزاوية في سياسات أوباما؛ فهل منهجية بايدن المقبلة تجاه الملفّ ذاته ستبدّل شيئاً، طفيفاً أو جوهرياً؟

ثمة بعض المعنى، ولكن ليس كلّه هنا أيضاً، في تعليق جزء من محاولات الإجابة على دلالات استعادة بعض كوادر أوباما، أو حتى الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلنتون؛ أمثال أنتوني بلينكين في وزارة الخارجية، أو روبيرت مالي كمبعوث إلى إيران، أو وليام برنز في إدارة المخابرات المركزية، أو سوزان رايس في قيادة السياسة الداخلية… غير أنّ الأصل الأهمّ، حتى يتضح العكس بالطبع، أنّ تطابقاً شديداً كان يحكم علاقة أوباما بنائبه بايدن في مبدأ أوّل يحكم تسخير السياسة الخارجية لخدمة مصالح الولايات المتحدة: أنّ أوزان تلك المصالح أثقل بكثير مما يزن هذا المبدأ الأخلاقي أو ذاك، إلى جانب المنطق البسيط الذي يفترض صياغة المواقف تبعاً لمعطيات كلّ دولة على حدة.

وكما أنه لم يكن من عزاء للذين راهنوا على أوباما من بعض معارضات “الربيع العربي”، فالأرجح أنّ فقدان العزاء سوف يكون مصيرهم ذاته مع بايدن؛ إنْ لم يكن أسوأ، وأشدّ خيبة!

=========================

الديمقراطية ليست سلعة نشتريها بل ثقافة تراكمية

عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 31/1/2021

” دكتاتورية الطبقة العاملة”، “الديمقراطية الشعبية”، و”الطريق اللارأسمالي إلى الإشتراكية”؛ مصطلحات كانت تُعد في مرحلة السبعينات والثمانينات من المسلّمات التي توافق عليها أنصار الفكر اليساري، ودعت إليها في منطقتنا. وهي المصطلحات التي لم تكن تخضع في ذلك الحين لأي مناقشة كان من شأنها التشكيك في مصداقيتها المعرفية، وفائدتها السياسية.

وما أذكره في هذا المجال هو أننا كنا نتخذ أحياناً من عبارات لينين الدوغمائية شعاراً يرتقي إلى مصاف النصوص الدينية المقدسة في منظور المؤمنين بها. ومن بين هذه العبارات قوله: “إن مذهب ماركس كلي القدرة لأنه صحيح”. لم نكن ندقق في دلالات هذا القول اللغوية، وطبيعته العاطفية. فهو في واقع الحال جملة تعبيرية إنشائية لا تخبرنا بشيء يمكن أن نحكم عليه بالصدق أو الكذب استناداً إلى الوقائع الملموسة، وهو الأمر الذي ألقى عليه رواد الوضعية المنطقية، وفلاسفة التحليل، أضواءهم الكاشفة التي حررتنا من الأوهام الأيديولوجية، وفهمنا بفضلها وفعلها الوظائف التضليلية التي أنيطت بها، والنتائج التي أدت إليها في الوقاع العملي.

“دكتاتورية الطبقة العاملة” و”الديمقراطية الشعبية” هما مصطلحان استخدما لإيهام المنتجين والناس العاديين بأن السلطة الفعلية هي بيدهم، ولمصلحتهم؛ وأن الدولة هي دولتهم، وأنهم أحرار في اتخاذ القرارات التي تنسجم مع مصلحتهم، وتضمن مستقبلاً أفضل لأبنائهم وأحفادهم. هذا في حين أن جميع الوقائع كانت تدحض هذه المزاعم، وتؤكد أن السلطة الفعلية كانت في واقع الحال بيد زمرة تمكنت من السيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع عبر مختلف الأحابيل، واستناداً إلى قوة الأجهزة الأمنية التي تحكّمت بكل المفاصل كالأخطبوط.

وقد استهلمت الأحزاب القومية والاشتراكية في منطقتنا هي الأخرى هذه التوجهات، وسعت من أجل فرض مفاهيمها الأيديولويجة على الناس، حتى باتت من المسلمات التي ما زالت فاعلة في عقول بعض المثقفين المخضرمين الذين ينتقدون الاستبداد البعثي من جهة، ولكنهم لم يتمكنوا من التحرر من منظومته الفكرية من جهة ثانية.

أما النموذج الديمقراطي الغربي تحديداً، فقد كان مداناً باستمرار من قبل الدعاية المركزة الديماغوجية من جانب وسائل الإعلام السوفياتية، والدول الاستبدادية في المنطقة؛ وهي الدول التي كانت تلتحف بعباءة الاتحاد السوفياتي، إلى جانب الأحزاب الشيوعية التي كانت تفتح مظلاتها في دمشق وبغداد وغيرها من العواصم إذا أمطرت في موسكو.

ولم تقتصر عملية الرفض على النموذج المعني وحده، بل شملت تجربة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي اتهمت بأنها الوجه الآخر الناعم للنظام الإمبريالي العالمي. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي نتيجة التراكمات السلبية التي خلخلت كيانه ومفاصله، راجت موضة سياسية جديدة في منطقتنا، تمثلت في المطالبة بالديمقراطية، والدعوة إليها، واعتبارها الحل السحري لجميع مشكلاتنا؛ ومن دون أن يتم التدقيق في طبيعة النظام الديمقراطي ومستلزماته وآلياته، ومدى استعداد مجتمعاتنا للأخذ به.

فقد أختزلت العملية الديمقراطية بأسرها في أذهان الكثير من المثقفين والسياسيين والناس على وجه العموم، في الانتخابات التي تسفر عن فوز الطرف الحاصل على النسبة الأكبر من الأصوات. فالانتخابات في منطقتنا كانت، وما زالت، في ظل الأنظمة الاستبدادية مجرد استفتاءات أقرب إلى المبايعة للنظام القائم، يتم التخطيط لها، وتنفيذها بإشراف وتدخل مباشرين من قبل الأجهزة الأمنية التي تتحكم بأسماء المرشحين، ونسبة الفوز؛ وتملي على الفائزين بأمرها في مجالس الشعب والشورى ما ينبغي عليهم أن يقولوه، ويصوتوا عليه، أو يمرروه.

وفي هذا السياق، أتذكر تعليقاً لمدرّسة اللغة السويدية في بدايات لجوئي إلى السويد قبل نحو ربع قرن من الزمن، مفاده أن الديمقراطية ليست سلعة تُشترى من السوق، بل هي عملية تراكمية مستدامة، تشمل جميع مناحي الحياة.

لم استستغ في ذلك الحين كلام المدرّسة، بل وجدته من جانبي ينم عن نزعة استعلائية؛ ولكن مع الوقت، وبعد المزيد من الاطلاع والاستيعاب والمقارنة، فهمت الدلالات العميقة لرأيها الصائب. فالديمقراطية تتناقض مع قمع حريات التعبير والنقد والاحتجاج والاجتماع؛ وهو القمع الذي بات في مجتمعاتنا من المألوف اليومي حيث يمارس القمع ضد الأطفال والنساء على مستوى الأسرة، وبحق التلاميذ والطلاب على مستوى المدرسة والجامعة، وبحق كل من هم خارج منظومة الحكم على مستوى المجتمع. لا توجد أحزاب مستقلة يعترف القانون المفروض بها، أحزاب تستطيع ممارسة نشاطاتها بعيداً عن رقابة وموافقات الأجهزة الأمنية، ومن حقها أن تحصل على دعم حكومي يتناسب مع الأصوات التي قد حصلت عليها، فهذا الدعم هو في حقيقته من مال الشعب، ومن حقها أن تحصل عليه لتتمكن من ممارسة نشاطاتها، وتعبر عن آرائها ومواقفها عبر وسائل الإعلام العامة.

أحزاب مبنية هي الآخرى على الأسس الديمقراطية، وتعتمد سياسات وبرامج لا تتعارض مع القيم الديمقراطية التي تتمحور حول احترام إنسانية الإنسان قبل اي اعتبار آخر. إلى جانب الأحزاب، يستوجب النظام الديمقراطي وجود مجتمع مدني فاعل، أساسه حرية التعبير والتنظيم والاجتماع.

كما يستوجب النظام الديمقراطي اعتماد مناهج دراسية تركز على القيم الديمقراطية في مختلف المراحلة الدراسية، لا سيما في المراحل الأولى الأساسية. مناهج تؤكد قيمة الإنسان كإنسان بغض النظر عن دينه أو عرقه أو قوميته أو جنسه أو فكره. وتنمّي في الطلبة المَلَكَة النقدية؛ وتمكنهم من التعامل النقدي مع مصادر المعلومات، خاصة في عصرنا هذا، عصر ثورة وسائل الاتصالات والمعلومات. وتراجع نسبة القرّاء الجادين، وتعاظم نسبة أولئك الذي يستمدون معلوماتهم ومعارفهم من وسائل التواصل الاجتماعي.

لا نرمي بهذه الملاحظات تثبيت فكرة استحالة تحوّل مجتمعاتنا إلى مجتمعات ديمقراطية؛ وإنما ما نريد بيانه هو أن ذلك لن يتحقق بعصا سحرية؛ وإنما يتطلب عملاً شاقاً متواصلاً، ومراجعة فكرية شاملة لجملة المفاهيم والتصورات الأيديولوجية التي رسختها الحركات السياسية في مجتمعاتنا، وأصبحت مع الوقت جزءاً عضوياً من أدوات التفكير وبناء الرأي لدى الكثير من المثقفين. وحتى المفكرين، الذين لم يشغلوا أنفسهم كثيراً بدراسة واقعهم المشخّص، بقدر ما تحولوا إلى مبشّرين بانجازات المجتمعات التي سبقتنا في ميدان التقدم على مختلف الأصعدة، خاصة في ميدان ضبط العلاقة بين الدولة ومواطنيها عبر تأكيد حيادية الأولى، وحق المواطنين في التعبير عن آرائهم، وحقهم في الحياة الحرة الكريمة؛ ووجود آلية دستورية واضحة شفافة تحدّد الحقوق والوجبات. كما تضبط آلية وقواعد البت في الخلافات والمنازعات، سواء بين السلطات، أم بينها وبين المؤسسات الفرعية، وحتى على صعيد علاقتها مع الأفراد.

فالنظام الديمقراطي، رغم كل مثالبه وهشاشته، والمخاطر التي قد يتعرض لها من جانب الشعبويين والمتطرفين الذين يسعون لاستغلال النظام المعني لبلوغ السلطة بغية فرض تصوراتهم وسياساتهم، وضمان مصالحهم، من دون إعطاء أي اعتبار للقيم الديمقراطية، ولزوميات النظام الديمقراطي؛ يبقى النظام الديمقراطي رغم كل ما تقدم، أفضل الأنظمة السياسية التي أنتجتها البشرية. وهو نظام يمتلك القدرة على تجديد ذاته، ومعالجة أخطائه، عبر تأكيد أهمية القيم الإنسانية، وتقديم نماذج حية واقعية لقادة يثبتون بأفعالهم قبل أقوالهم أن مفاسد السلطة لا تنال الجميع.

ويُشار هنا بصورة خاصة إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي أثبتت للقاصي والداني أن الالتزام بالقيم الإنسانية تمنح القائد السياسي قوة لا تضاهى. أما نموذج ترامب البائس الشعبوي، فقد مثل خطراً جدياً على الديمقراطية الأمريكية والأنظمة الديمقراطية بصورة عامة في العالم؛ وذلك نظراً لحجم وقوة تأثير النموذج الأمريكي.

غير أن الشعب الأمريكي استطاع في نهاية المطاف بوعيه وإصراره على التمسك بانجازاته الديمقراطية، أن يتجاوز هذا الخطر، هذا مع إقرار الجميع، وفي مقدمتهم الرئيس الجديد جو بايدن نفسه، بأن حجم التحديات كبير، على المستويين الداخلي الوطني الأمريكي، والخارجي العالمي. فهناك حاجة ماسة لبذل جهود مركزة في جميع الاتجاهات والميادين لوضع حد لمعاناة الفقراء، وإعادة التوازن إلى المعالادت الدولية المختلة.

دور ريادي تاريخي ينتظر أمريكا وحلفاءها الأوربيين لانقاذ الديمقراطية في العالم من خطر الاستبداد على المستويين الدولي والإقليمي، هذا الاستبداد الذي وصل إلى درجة من العنجهية يتفاخر بموجبها بفاعليته وقوته في مواجهة إرادة الشعوب، بل يحتقر تطلعاتها، ويستهتر بحقوقها، ويرتكب الجرائم لردعها عن المطالبة بما قد بات في عالم اليوم في عداد البدهيات.

* كاتب وأكاديمي سوري

=========================

الاستفتاء الدستوري في الحالة السورية

مرح البقاعي

العرب اللندنية

السبت 30/1/2021

يعتبر الدستور العقد الاجتماعي الأسمى بين أبناء الشعب الواحد، يجتمعون حوله لبناء دولتهم والتأسيس لحكم رشيد يكون فيه القانون بمواده المنبثقة عن ثوابت الدستور هو السلطة العليا في البلاد، ولا سلطة تعلو عليها.

ويُجمع الفقهاء الدستوريون على أن عملية الاستفتاء على الدستور هي من أنجع الآليات الديمقراطيــة التي تتّبعها الدول المعاصرة في إقرار دساتيرها وقواعد نظام الحكم فيها؛ وإلى هذا تعود أصول فكـرة “الاستفتاء التأسيسي” في وضع الدساتير، وهي من أهـم مظـاهر الديمقـراطية شبه المباشرة.

يمكن تعريف الاستفتاء التأسيسي بأنه العمل الجماعي الوطني الذي ينكبّ على كتابة مشروع دستور لحكم الدولة، يتم وضع مواده من لجنة مختارة من الخبراء والمتخصّصين، ويأخذ المشروع صفته القانونية ويصدر إذا وافق عليه الشعب في الاستفتاء العام، وإذا رفضه زال ما كان له من اعتبار بصرف النظر عمَّن قام بوضعه، ولو تعلَّق الأمر بجمعية تأسيسية منتخبة من الشعب.

يمكن القول في هذا السياق إن أسلوب الاستفتاء التأسيسي يمرّ بمرحلتين: المرحلة الأولى، هي مرحلة إعداد مشروع الدستور ويتولى القيام بهذه المهمة، إما جمعية تأسيسية ينتخبها الشعب وإما لجنة خبراء يتم اصطفاء أعضائها بناء على الكفاءة، علما وأن ما تضعه الجمعية أو اللجنة من قواعد ونظم للدولة يبقى مجرد مشروع دستور يفتقر إلى صفَتَيْ النهائية والنفاذ؛ أما المرحلة الثانية فهي مرحلة نفاذ الدستور، وتبدأ هذه المرحلة بمجرد اقتران مشروع الدستور بموافقة الشعب بعد عرضه عليه في الاستفتاء الشعبي العام.

وهنا يكمن الفرق التقني بين أسلوب الجمعية التأسيسية وأسلوب الاستفتاء الدستوري التأسيسي. فإذا كان الشعب بموجب الأسلوب الأول لا يُقرّر بنفسه دستوره، وإنما يقتصر دوره على اختيار نوابه الذين سيقرّرون باسمه ونيابة عنه دستور البلاد؛ فإن الشعب بموجب الأسلوب الثاني هو الذي يقرر دستوره بنفسه من خلال الموافقة أو عدم الموافقة على مشروع الدستور المطروح للاستفتاء؛ ويترتب على ذلك نتيجة مهمّة مفادها أن الدستور الذي يوضع وفقا لأسلوب الجمعية التأسيسية إنما يستكمل وجوده قانونا ويصبح نافذا بمجرد إقراره في صيغته النهائية من قبل الهيئة المنتخبة، في حين أن الدستور الذي يوضع وفقا لأسلوب الاستفتاء التأسيسي لا يستكمل شرعيته قانونا ونفاذا إلا إذا أقرَّه الشعب في استفتاءٍ عام.

نخلص مما تقدّم إلى الحالة السورية الراهنة وماهية التشكيل الدستوري الذي أقرته الأمم المتحدة على هيئة “للجنة الدستورية” الجامعة بأعضائها المئة والخمسين لأطراف المعارضة والنظام والمجتمع المدني، ويمكن اعتبارها نموذجا مثاليا لأسلوب الاستفتاء السياسي في صياغة الدساتير نظرا إلى تعذّر انتخاب لجنة تأسيسية دستورية ضمن واقع الشتات الذي يعيشه السوريون.

لكن ماذا يريد السوريون الآن من دستورهم؟ وكيف سيحقق هذا الصك الاجتماعي الوحدة الوطنية، أرضا وشعبا، إثر حرب غير مسبوقة أسفرت عما يقارب المليون شهيد سوري منهم من قضى ورحل عن عالمنا، ومنهم شهداء أحياء في معتقلات نظام الأسد، هذا إضافة إلى تشريد الملايين من النازحين واللاجئين المنتشرين في الأرض؟

ولماذا مضى السوريون أصلا في ثورتهم وقدّموا التضحيات الجسام، هل كان هذا لمجرد خلاف دستوري مع السلطة الحاكمة أم أن الأمر جلل؟

لقد خرج الشعب السوري الحرّ في شهر مارس من العام 2011 مطالبا بحقوقه الإنسانية المشروعة التي غيّبها نظام الاستبداد الجاثم على صدر سوريا لعقود خلت؛ تلك الحقوق غدت مطالب أساس لا يمكن التنازل عن أي منها، التزمت بها قوى المعارضة والثورة التي انخرطت لاحقا في عملية الانتقال السياسي متبنية ثوابت الشعب السوري وثورته، ودافعة بها لإقرارها في المحافل الدولية؛ تلك الثوابت التي رعتها قرارات الأمم المتحدة واعتمدتها التزاما دوليا لا بد من تنفيذه.

فالشعب السوري متمسّك بوحدة سوريا أرضا وشعبا، وبسيادة الدولة على كامل أراضيها على أساس مبدأ اللامركزية الإدارية. والشعب السوري ملتزم بالتأسيس لنظام حكم ديمقراطي تعدّدي مدني يثريه تنوّع النسيج الاجتماعي السوري، وذلك ضمن دولة تحترم المواثيق الدولية وتحتفي بالحريّات العامة وتقرّ شرعية حقوق الإنسان العالمية في إطار وحدة جغرافية سياسية ذات سيادة كاملة تعتمد مبدأ المواطنة المتساوية، ونظام حكم يمثّل كافة أطياف الشعب السوري من دون تمييز أو إقصاء على أساس ديني أو طائفي أو قومي أو جنسي، بل يرتكز على مبادئ الشفافية والمساءلة والمحاسبة وسيادة القانون.

والشعب السوري يريدها دولة تنهج التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع السرّي والمباشر للشعب السوري؛ ويريدها دولة تحترم وترعى حقوق الإنسان والحريات العامة، ولاسيما في أوقات الأزمات.

والشعب السوري يرى سوريا دولة متعدّدة القوميات والثقافات، يقرّ دستورها بحقوق المكونات القومية كافة، وبامتياز ثقافاتهم ولغاتهم على أنها لغات وثقافات وطنية تمثّل خلاصة تاريخ سوريا وحضارتها؛ كما يراها دولة المواطنة واحترام كرامة المواطن ومعتقده، تتساوى فيها الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، وتضمن قوانينها التمثيل النسائي المتكافئ ومشاركتهن في المؤسسات وهياكل صنع القرار، مع وضع الآليات الهادفة إلى تحقيق مستوى تمثيل لا يقل عن 30 في المئة للنساء في الهيئات السياسية والمناصب العليا، وإقرار حق المرأة في الترشّح إلى موقع رئاسة الجمهورية.

يريد الشعب السوري الإفراج الفوري عن المعتقلات والمعتقلين السياسيين كافة، وإنهاء عهود الاعتقال السياسي المظلمة من الحياة السورية وإلى الأبد، والقطع مع النظام الأمني والمخابراتي الموجّه لقمع الإنسان السوري لا لحمايته كما يُفترض بمهمة رجال الأمن؛ كما يشدّد على وجوب محاسبة كل من تعرض للمعتقلين بالأذى الجسدي والنفسي أمام محاكم وطنية عادلة، ويطالب بتعويض المعتقلين وأسرهم عن العطل والضرر المترتب على اعتقالهم؛ كما يقرّ ضرورة العودة الطوعية للاجئين، وعودة النازحين والمهجرين قسرا إلى بيوتهم مع تعويضهم عن الأضرار في منازلهم ضمن بيئة آمنة وكريمة وصحية.

يطمح الشعب السوري إلى تأسيس جيش وطني قوي، موحّد، ومتسم بالكفاءة، يضطلع بواجباته بموجب الدستور ووفقا لأعلى المعايير. تتمثّل مهام الجيش في حماية الحدود الوطنية، وحماية الشعب من التهديدات الخارجية والإرهاب، بحيث يكون امتلاك السلاح حقا حصريا للجيش الوطني؛ ويرفض الشعب السوري قطعا كل أشكال الإرهاب والتطرّف والطائفية مع التزامه الفاعل بمكافحتها بجميع أشكالها، والتصدي للأوضاع والظروف المؤدية إلى انتشارها؛ كما يرفض بالمقابل وجود الميليشيات والقوات الأجنبية على أرضه بأي ذريعة جاءت، ويحضّ على خروج جميع القوات المقاتلة الغريبة من الأرض السورية.

يملك الشعب السوري وحده حق تقرير مستقبل بلاده بالوسائل الديمقراطية، ومن خلال انتخابات نزيهة وشفافة؛ ويملك الشعب السوري الحق الحصري في اختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الخاص به دون الخضوع إلى الضغوط أو التدخلات الخارجية، وبما يتّسق مع الحقوق والالتزامات الدولية لسوريا.

هذا مشهد حيّ من مشاهد تحرّر الإنسان والأرض دفع ثمنه السوريون غاليا من حياتهم وحياة أبنائهم ومستقبلهم، وقد حان زمن الاستجابة لهذا الخروج الكبير وغير المسبوق لشعب في التاريخ المعاصر، وقد تفرّد به الشعب السوري تضحية وإصرارا وإقداما.

وإنما الأيام دول نداولها بين الناس.

=========================

اللجنة الدستورية لعبة الشاطر بوتين

بشير البكر

سوريا تي في

السبت 30/1/2021

اجتمعت اللجنة الدستورية للمرة الأولى في تشرين الأول 2019، ومنذ ذلك الحين عقدت خمس جولات تحت إشراف الأمم المتحدة، وكان الهدف المعلن هو كتابة دستور جديد تجري على أساسه الانتخابات الرئاسية في الصيف المقبل، وفق قرار مجلس الأمن 2254 الذي نص على إقامة هيئة حكم انتقالية، إلا أن اللجنة بقيت تراوح في مكانها ولم تتوصل إلى اتفاق بين مكوناتها الثلاثة، المعارضة والنظام والمجتمع المدني. حتى إنها لم تحقق الحد الأدنى من التفاهم الذي كانت تطمح إليه الأمم المتحدة من أجل وضع أساس لكتابة الدستور الجديد.

أعلن ممثل الأمم المتحدة غير بيدرسون، صراحة، عن تعثر هذا المسار، وتحدث بلا مواربة عن عدم تعاون وفد النظام في هذه الجولة

ويتفق الجميع على أمر أساسي وهو أن التعطيل حتى الآن من فعل النظام، ويتم ذلك وفق تكتيك سياسي مدروس يخفف من عبء المسؤولية، ولذلك انتظرت المعارضة والأمم المتحدة كل هذه الفترة، على أمل أن توعز روسيا للنظام كي يتوقف عن سياسة التعطيل وإضاعة الوقت، ويقبل احترام جدول الأعمال المتفق عليه، إلا أن موسكو خيبت كل الرهانات، واستمرت في سلوك الاستهتار بالأطراف كافة.

وفي ختام الجولة الخامسة مساء أمس، التاسع والعشرين من كانون الثاني أعلن ممثل الأمم المتحدة غير بيدرسون، صراحة، عن تعثر هذا المسار، وتحدث بلا مواربة عن عدم تعاون وفد النظام في هذه الجولة، وبدلا من تعليق عمل اللجنة وجد مخرجا في تغيير النهج وإيجاد آلية جديدة كي تستمر اللجنة في عملها، وترك لوفدي المعارضة والنظام أن يتفقا على ذلك. ويبدو أن الدول الثلاث روسيا، وإيران، وتركيا الراعية للشأن السوري تدخلت كي تبقي على المسرحية، وحولت الملف إلى اجتماع أطراف أستانة في سوتشي في السادس عشر من شباط. وبذلك يتم تدوير ما شهدته الجولات الخمس من فشل وتبريد القضية من جديد، وربما البحث عن صيغة جديدة للضحك على ذقون السوريين. ولا يحتاج الأمر إلى تنجيم حتى يستنتج المرء أن الخاسر الأكبر من الدوران في الحلقة المفرغة هو الشعب السوري، والذي يتحمل عبء سداد فواتير تعطيل الوصول إلى حل سياسي. وصار واضحا أن مشاركة المعارضة في هذه المسرحية لا يتجاوز إثبات حسن النوايا وتثبيت الحضور الذي لا يقدم ولا يؤخر، في حين تتحكم موسكو بقانون هذه اللعبة من الألف إلى الياء. والتي تتلخص في إيعاز روسيا للنظام في بداية كل جلسة بممارسة التشدد وإضاعة الوقت حتى اليوم الأخير من الجولة، ومن ثم تخلط الأوراق لتضرب موعدا جديدا تعلق عليه آمالا خادعة، وهكذا حتى إشعار آخر.

يتعامل بوتين مع سوريا على أنها محمية روسية لا ينازعه فيها أحد، وسيبقى الحل السياسي معلقا حتى يتمكن من استكمال خطته التي تهدف إلى استعادة السيطرة على الجغرافيا السورية كاملة

لا يبالي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأحد في العالم حين يتعلق الأمر بسوريا. يفعل ما يحلو له وفق مصلحة بلاده، وعلى أساس حسابات خاصة. لا يخجل من الاعتراف بهذه الحقيقة. وحين تحدث مؤخرا عن التدخل الروسي في أيلول 2015 قال بصراحة أنه كان يسترشد أولاً وقبل كل شيء، "ليس بتعاطفه مع الشعب السوري وكراهيته للإرهاب، بل أيضاً بمصالح الدولة الروسية". وعندما أرسل جيشه لنجدة بشار الأسد، فإنه لم يأخذ موافقة أحد، لا الأمم المتحدة ولا الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، بل تصرف وحيدا كي يمنع سقوط دمشق بيد من وصفهم وزير الخارجية سيرغي لا فروف بـ "الإرهابيين".

ومنذ ذلك الوقت يتعامل بوتين مع سوريا على أنها محمية روسية لا ينازعه فيها أحد، وسيبقى الحل السياسي معلقا حتى يتمكن من استكمال خطته التي تهدف إلى استعادة السيطرة على الجغرافيا السورية كاملة، وإعادة تأهيل الأسد حاكما عليها بعد أن كبله الرئيس الروسي بسلسلة من الاتفاقات السياسية والاقتصادية والأمنية إلى نحو نصف قرن على الأقل. وعلى هذا الأساس يأتي كل ما يصدر عن روسيا من مواقف وردود فعل سياسية وعسكرية واقتصادية، وانطلاقا من هذه القاعدة وحدها يمكن تفسير دوران اللجنة الدستورية في حلقة مفرغة منذ كانون الثاني 2018 عندما فرضتها موسكو كمسار سياسي بديلا عن مسار جنيف الأممي.

=========================

وجهة نظر : هل يدرك أنطونيو غوتيرس الفرق بين الوضع السوري والوضع الليبي!!! .. وعندما يرحل قذافي سورية قد يتحد السوريون !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

31/ 1/ 2021

في حالة من التغابي ، والتعامي عن الواقع منقطعة النظير ، يدعو الأمين العام للأمم المتحدة السوريين لكي يتحدوا !! أن يجلسوا ويناقشوا أوضاعهم بجدية فيما يتعلق بالمصالحة وبالانتخابات وبالإطار الدستوري وكذا في ميدان حقوق الإنسان ... يقول : تماما كما فعل الليبيون !!

نحن لا نتهم غوتيرس بالغباء ، وإذا تكلم غير الغبي كلام الأغبياء ، فلا مخرج لك إلا أن تتهم محدثك بالخبث ، والمكر ، والاستهتار بالحق والعدل وآلام الناس وعذابات المعذبين ..

حين يقول السيد غوتيرس على السوريين أن يتحدوا كما اتحد الليبيون ، هل ينسى أن طاغية ليبية قد تم التخلص منه منذ الأشهر الأولى لثورة أبنائها الأحرار... وإن طاغية سورية لايزال جاثما على صدور السوريين - كل السوريين- بقرار دولي يأبى التنازل عن خدماته حتى الآن ...

وطاغية سورية هو الذي مثل ويمثل فيها الجريمة الإنسانية والجريمة السياسية والجريمة الوطنية طوعا وعن عمد وسابق اختيار ..

غوتيرس - الذي لا يمكن أن يوصف بالغباء أبدا - يقترح على السوريين أن يتصالحوا مع الخيانة ومع الاستبداد ومع الفساد ومع الطائفية ومع الجريمة ومع القتل ومع الاغتصاب ومع السرقة ... يقول كل هذا ثم يظل يلبس الثياب ويمشي بين الناس !!

غوتيرس يريد أن يخرج بالسوريين من حالة الجمود ... ولكن من زعم أن سورية تعيش في عهد الأسد حالة من الجمود ...؟!

في سورية يعيش الناس كل الناس كل يوم المزيد من الانحطاط ومزيدا من التدهور والانحدار ..

في كل صباح المزيد والمزيد والمزيد من تعداد الجرائم والانتهاكات ، المزيد من الظلم والمزيد من العنصرية والمزيد من الطائفية والمزيد من القتل والمزيد من التهجير والمزيد من المرض والمزيد من الفقر والمزيد من الجوع .... والمتسبب في كل ذلك شخص واحد يعرفه جيدا السيد غوتيرس ويعرفه أيضا كل المتمسكين به والمدافعين عنه والمختبئين خلفه والذين يقتلون بيده ، ويعذبون بسوطه ، ويستغلون بسطوته ...

 شخص واحد يقضي على آمال شعب ، يدمر وجوده ووجود دولة ولكنه في الوقت نفسه ينفذ مخططات الكثيرين ، ويحقق آمالهم ، ويرضي تطلعاتهم .. شخص واحد مهما تخفى وراءه من عناوين ومشروعات هو الذي ينصح السوريين السيد غوتيرس أن يتحدوا معهم أي أن يتحدوا حتى مع مافيات تهريب المخدرات .. ولماذا ينسى السيد غوتيرس ما ينزل في موانئ العالم من شحنات المخدرات يرسلها التي يرسلها من ينصح غوتيرس السوريين بالتوحد معه !!!!!!

سيعرف السوريون ولاسيما - الذين في الصيف ضيعوا اللبن منهم- أنهم أمام مقاربات لن يسهل عليهم قبولها ، وإن الخيارات التي تهربوا منها وهم أقوياء سيواجهونها اليوم وهم في غاية ما قد يقود توصيفه إلى المزيد من الضياع ...

كان بعضنا إذا أراد أن يضرب مثل السوء لقادة المعارضات يقول لهم : لعلكم تتطلعون إلى مكانة على مقعد للجبهة الوطنية التقدمية .. اليوم نقول لهم : لا تبالغوا كثيرا في الحلم فقد بات حلمكم وهما ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

بيعة العرش البهرزي: لا تترشح يا مشرشح!

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 30/1/2021

في المملكة الوراثية البهرزية أو ما كانت تعرف سابقا بـ«المرحومة» سوريا، والتي تحكمها، باسم البعث والعروبة والإسلام، عصابة خانقين الكاكائية الدخيلة لنصف قرن بالتمام والكمال، وبعد عقود من الاستفتاءات (البيعات) السخيفة والهزيلة والبائسة المضحكة التي كانت تنظمها أجهزة المخابرات بطريقة كوميدية رديئة، تنازل آل البهرزي (الأسد) زوراً وبهتاناً، وقبلوا بمنافسة مرشحين في الانتخابات الرئاسية بعد أن كان حافظ البهرزي، مؤسس «الخربة» ومن بعده وريثه القاصر فيلسوف عصره بشار، وعلى الدوام، هو المرشح الواحد الأوحد الذي لا شريك له ولا يتناطح فيها «تيسان». وحتى هذا القبول على مضض كان بإشراف أجهزة المخابرات، أو ما يعرفه السوريون بـ«كلاب الصيد» المسعورة. فبعد الثورة جرت أول بيعة رئاسية بمرشحين منافسين لبشار اختارهم هو بنفسه طبعاً، ولا أستبعد أن هذين المرشحين قد صوّتا لبشار في «الانتخابات»(البيعات). واليوم يحاول بشار البهرزي «الدخيل المتطفل» الذي لا ينتمي لسوريا ولا للعلويين ولا للعرب ولا للإسلام حسب أصول العائلة الكاكائية الهاربة من خانقين، يحاول أن يعيد الكرّة بإجراء نسخة مهترئة ومبتذلة من «البيعات» السابقات وسط استهجان مؤيديه قبل معارضيه، فـ»بأي عين» كما تقول الأمثال الشعبية، لطاغية «شرشوح» و«مبهدل» مثله، فعل «السبعة وذمتها» بسوريا والسوريين، أن يطرح نفسه للرئاسة، مجدداً، بعد كل ما اقترفت، وجنَت يداه من كوارث وأهوال وآثام عِظام؟ ومن هنا فقد جاء «الرد» والشعار الأول ضد حملته الانتخابية من شباب السويداء، النشامى الأبطال ورثة الملاحم والكرامة والشهامة وحملة تاريخ من العزّة والبطولات والأمجاد، حيث كتبوا مخاطبين «الشرشوح»: «لا تترشح يا مشرشح».

والسؤال الذي سيقفز لذهن كل سوري، بعدما يفرك رأسه كثيراً، ويضرب يديه كفاً بكف، وتجحظ عيناه طويلاً لهول الصدمة لسماع النبأ: ما هو البرنامج الانتخابي الذي سيخوض هذا المجرم التاريخي بموجبه الانتخابات المزعومة؟ فمن عادة المرشحين أن يتنافسوا فيما بينهم بالبيانات والوعود الانتخابية والإنجازات التي حققوها، ويتعهدوا بتحقيقها مستقبلاً لناخبيهم؟ ما هي إنجازات بشار البهرزي عدو سوريا الأول وقاتل السوريين؟ هل سيقول لهم مثلاً: انتخبوا مرشحكم الذي شرد نصف الشعب السوري وجعلكم تتسولون رغيف الخبز وشفط هو وعصابة خانقين البهرزية آخر دولار من الخزينة؟ انتخبوا مرشحكم الذي قتل وعذّب واعتقل وشوّه ملايين السوريين؟ انتخبوا مرشحكم «القاتل» الذي وعدكم في أحد خطاباته السابقة بأنه سيصنع «المجتمع المتجانس» الذي يعني حرفياً قتل وتهجير واعتقال وتعذيب وتشويه أكثر من خمسة عشر مليون سوري؟

انتخبوا مرشحكم الذي ضحى بشباب الطائفة العلوية، التي ادعى الانتساب لها، على مذبح عائلة آل البهرزي؟ ألم تصبح طائفة بلا رجال لأن بشار استخدم رجالها وشبابها كوقود في معركته الجهنمية ضد السوريين؟ هل سيقول: انتخبوا مرشحكم «الفاشل» الذي دمّر جيشاً وترسانته العسكرية التي اشتراها من قوت الشعب السوري من أجل أن يحتفظ بعرشه الذليل الذي يحرسه الغزاة الروس والإيرانيون والكوريون الشماليون وحتى وحدات حماية إسرائيلية محترفة داخل القصر الجمهوري، وحوّل الجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسات الوطنية إلى هراوات وأدوات قتل وقهر وإرهاب وإرعاب وتعذيب تفتك يومياً بالمواطنين وتطارد الشرفاء الوطنيين؟

حوّل الأسد الجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسات الوطنية إلى هراوات وأدوات قتل وقهر وإرهاب وإرعاب وتعذيب تفتك يومياً بالمواطنين وتطارد الشرفاء الوطنيين؟

انتخبوا مرشحكم الذي رفع الجهلة والحثالات والرعاع الأمّيين وأشباه المتعلمين والخونة والعملاء والجواسيس وأذلّ وسجن المبدعين والشرفاء والتكنوقراط وألغى الطبقة الوسطى وطفـّش العلماء والعباقرة المبدعين؟ انتخبوا مرشحكم الذي بات جنوده الجياع (جيش البطاطا المسلوقة) المصابون بالحرب يتسولون في الشوارع من أجل بضع ليرات سورية؟

انتخبوا مرشحكم «المرابي» الإرهابي الذي يستخدم الكهرباء كسلاح و«قانون طوارئ يومي» ومنع تجول وإقفال دائم وزرب لـ«القطيع» لترهيب وتركيع حاضنته الشعبية في الساحل السوري وبقية المدن السورية التي إما ساندته أو وقفت على الحياد، وبنفس الوقت يبيع الكهرباء للدول المجاورة ويضع ريعها «الكهرو- دولار» في جيبه وجيوب عصابة خانقين؟ هل سيرفع شعار: سنسرق البلد كما عهدتمونا من الجد للولد عبر مرشحكم اللص «الحرامي» الذي أودى بالليرة السورية إلى الهاوية وجلب لها حتفها وأصبحت لا تساوي ثمن الورق الذي طبعت عليه؟ هل سيرفع شعار: انتخبوا مرشحكم الذي جعل الفجل والبقدونس والبصل حلماً بعيد المنال لملايين السوريين من مؤيديه قبل معارضيه؟ هل سيرفع شعار: انتخبوا مرشحكم «المافيوزي» الذي يستخدم عصابات الخطف والمرتزقة المأجورين وميليشيات خارجية وشراذم القتل والمخدرات في السويداء والساحل السوري لترهيب الشعب وابتزازه وتركيعه بإدارة مخابراتية لا تخطئها عين؟ هل سيرفع شعار: انتخبوا مرشحكم «التاجر» الذي باع سوريا للغزاة والمحتلين كالروس والإيرانيين والأمريكيين؟

هل سيرفع شعار: انتخبوا مرشحكم «السمسار» الذي يعمل على تقسيم سوريا كي يبقى حاكماً على شريط منها، وأن يترك بقية المناطق للعابثين والغزاة الذين يعبثون بالأرض السورية وثرواتها؟ هل سيرفع شعار: انتخبوا مرشحكم «الذليل» المستعد أن يبيع سوريا والسوريين من أجل أن يبقى حتى لو مختاراً لحي المهاجرين؟ هل سيقول: انتخبوا مرشحكم «الوكيل» الذي رشحته ودعمته روسيا وإيران وإسرائيل ليكون ذراعها لتدمير سوريا وتهجير شعبها ونهب خيراتها؟ هل سيقول: انتخبوا مرشحكم «التابع» ذيل الكلب كما وصفته الصحافة الروسية نفسها؟ هل سيقول: انتخبوا مرشحكم الذي سمح للقوات الروسية الغازية أن تجرب كل أسلحتها الجديدة على أجساد السوريين وأرضهم؟ هل سيقول: انتخبوا مرشحكم زوج «الست السنكوحة» شبيهة ماري انطوانيت التي وضعت كل مقدرات الدولة السورية الاقتصادية في أيديها وأيدي عائلتها وأقربائها وراحت تقاسم السوريين المنتوفين حتى حبة الرز ورغيف الخبز وليتر البنزين عبر ما يسمى بـ«البطاقة الذكية» التي تستخدمها سلاحاً للنهب والسلب بعد أن كان يستخدم آل مخلوف «البونات» من قبل كوسيلة للتحكم بأكل السوريين ومشربهم وأبسط حاجياتهم اليومية؟

ما هو البيان الانتخابي لبشار البهرزي؟ نتحداه أن يكون لديه أي شيء يقوله، أو أن يقدّم أي بيان انتخابي. وما الذي سيفعله في «البيعة» القادمة، وما هو طموحه ومبتغاه سوى أنه يريد، فقط، أن يبقى رئيساً ومتزعماً وحامياً لرؤوس مافيات النهب وعصابات السلب والتشليح والتعفيش؟

نتحداه أن يتجرأ وينشر بيانه الانتخابي، فماذا الذي تبقى عنده، بعد هذا السجل الدموي الأسود الحافل الطويل ليقدمه للشعب السوري؟

وهكذا ووفقاً للمعطيات والوضع الراهن على الأرض، فإن إجراء أية «انتخابات» مزمعة طبقاً لتوافقات وموافقة وصمت إقليمي ودولي، لن تكون سوى «إعادة تعيين» و«تنصيب» مرة أخرى ومجرد تفويض آخر يُمنح له، كما مُنح لأبيه، لاستلام رقاب السوريين مجدداً للتنكيل بهم وقهرهم وإذلالهم والفتك بهم وهي إعادة تعويم له و«بيعة» جديدة كالعادة يواكبها هتاف وزفاف، ممهور ومكتوب بنجيع الدماء…

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com