العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-11-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

العيش في عالم من دون عهد وعقد وضمير .. برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 3-11-2016

لا تكاد عمليات القصف الوحشي بالطائرات والصواريخ البعيدة والقريبة للمدن والقرى في سورية، وقتل المدنيين نساءً وأطفالاً، من دون تمييز، منذ ما يقرب من ست سنوات على التوالي، ولا الاستخدامات المتكرّرة للغازات الكيميائية والقنابل العنقودية والحارقة المحرّمة، وصور آلاف القتلى تحت التعذيب في معتقلات الموت، ولا محاصرة المدن والبلدات وتجويع سكانها، ولا القصف المتعمد للمشافي والمدارس وتفريغ حافلات الإغاثة الإنسانية من الأدوية وحليب الأطفال، بغرض إرسال رسالة الحكم بالموت على الأهالي وإجبارهم على الرحيل أو الاستسلام، أقول لا تكاد هذه الأعمال اللاإنسانية تثير أي حركة تضامنٍ فعلية مع الشعب السوري المنكوب، لا على مستوى الشارع العربي، ولا من باب أولى على مستوى العالم. ولم تنظم مظاهرة واحدة ذات معنى لنصرة الشعب السوري، كما كان يحصل في الماضي في الحرب الفيتنامية، وفي زمن أقرب إلينا، إزاء مأساة البوسنة والهرسك، بل يمكن القول إن ما يسم الموقف العربي والعالمي، الشعبي والرسمي، هو بالأحرى التراجع عما كان عليه التضامن في السنة الأولى للثورة، من حيث التأييد الشعبي والتعبير عنه معا.

 

في سبب انعدام التضامن

ما من شك في أن قصور السوريين وتقصيرهم، وانقسامات معارضاتهم، وتضارب خياراتهم، أضعف تعاطف العالم معهم. وما من شك أيضا في أن دخول التنظيمات الجهادية على الخط زاد في تشويش صورة كفاحهم البطولي والعادل من أجل الحرية، وضد نظام القهر والطغيان، وأن الطابع الإسلامي الذي آلت إليه قوى الثورة المسلحة السورية نفّر جزءاً كبيراً من العالم أو أخافه. ومع ذلك، لا يفسر هذان العاملان السقوط الأخلاقي والسياسي للرأي العام العالمي أمام محنة السوريين ومعاناتهم، فلا يمنع ضعف المعارضة الرأي العام من معرفة حقيقة ما يجري والظلم الواقع على السوريين بالفعل. ولم يصبح الطابع الإسلامي غالباً على قوى الثورة، إلا بسبب تنكر العالم لها، وترك شبابها لأشهر طويلة، يواجهون العنف المتوحش بصدروهم العارية، من دون دعم ولا اعتراف ولا عون، فمن اليأس من العالم وفقدان الأمل بتضامنه ولد شعار "ما لنا غيرك يا الله"، ولا يزال الشعار الأكثر تجسيداً لواقع الحال. كان الأولى أن يزيد ضعف المعارضة وقصورها، والخوف من سعي الأيديولوجيات الجهادية إلى ملء الفراغ الذي أنتجه تقاعس المجتمع الدولي، من تأييد الرأي العام العالمي لثورة السوريين الديمقراطيين، والتعاطف مع تضحياتهم ومد يد المساعدة لهم، وهذا ما كنا ننتظره، وندعو إليه باستمرار خلال أشهر طويلة قبل فوات الأوان، بل لم يكن لدخول الجهاديين والسلفيين على الخط أن يدفع إلى خلط الأوراق والتنكر للقضية السورية التحررية، إلا لوجود رغبة مسبقة في التهرّب من المسؤوليات الأخلاقية والسياسية واستخدام هذا الدخول ذريعةً لتبرير التنكر لواجب التضامن الإنساني، وهذا ما حصل بالضبط.

وعلى جميع الأحوال، لا يمكن لهذه العوامل نفسها أن تفسّر انعدام التضامن الملحوظ، حتى في بلدان العالم العربي والإسلامي الذي لا تشغله مخاوف الغرب ولا حساسياته، فلم يشهد هذا

"قصور السوريين وتقصيرهم، وانقسامات معارضاتهم، وتضارب خياراتهم، أضعف تعاطف العالم معهم" الفضاء الفسيح، حتى داخل الدول التي تدعم المعارضة، أي تعبيرات شعبيةٍ واضحةٍ تعكس التفاعل مع المعاناة السورية. لا يلغي هذا الواقع الدعم الذي تلقته بعض قوى الثورة المسلحة من بعض الحكومات ضمن إطار تقاطع المصالح الاستراتيجية، ولا ينفي التعاطف القلبي من قطاعات واسعة من الرأي العام، كما تجسّده جهود الجمعيات الخيرية. لكن، في ما وراء ذلك التعاطف الإنساني والديني، لم تنظم أي مسيرة أو تظاهرة أو اعتصام يعبّر عن موقف سياسي ويتسلح بمطالب محدّدة للحكومات والقوى الاجتماعية والسياسية. التعاطف مشاركة وجدانية لا تعني تبني القضية، ولا التعاطف مع قيمها، ولا الاستعداد لتحمل ثمن المساهمة في نصرتها، أما التظاهرات العلنية فهي فعل تضامن سياسي بامتياز.

قد يكون السبب هنا أيضاً غياب الثقافة التضامنية، بعد عقود طويلة من شل المجتمعات، والقضاء على استقلالها الفكري والعملي تجاه السلطة، وتعقيمها سياسياً وأخلاقياً، لتحييدها حتى في ما يتعلق بتضامن أبنائها في ما بينهم. هذا صحيح في بعض الحالات فقط، لكنه لا يكفي لتفسير حالة انعدام الحركة، في مواقع ومناطق إسلامية لا يحمل التعبير فيها عن التضامن أي مخاطر أو أثمان صعبة الاحتمال.

من الواضح أن الأمر لا يتعلق فقط بمحنة السوريين، وإنما بحالةٍ عامةٍ تنطبق على جميع القضايا المشابهة. ونحن أنفسنا لم نقم بأي تظاهرة للتعبير عن غضبنا أو تضامننا مع مجازر رواندا أو البوسنة من قبل. المآل الذي آلت إليه أوضاعنا، نحن السوريين، جزء من المآل الذي آلت إليه الإنسانية التي ننتمي إليها في هذا القرن الواحد والعشرين، الحامل لانقلابات أعمق بكثير مما شهدته أجيال القرن الماضي، بمقدار ما هو عصر التحولات الكبرى والطويلة المدى.

 

عولمة الأسواق والإغلاق على الثقافات

حتى نلتقط بعض العناصر التي تساعد على فهم غياب التضامن بين الناس داخل المجتمعات وبين الشعوب، وما إذا كان لا يزال من الممكن إحياء الضمير العالمي، من المفيد العودة إلى العقود الثلاثة، وربما الأربعة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية. سنلاحظ عندئذ، بالعكس، أن التضامن كان الظاهرة الأبرز، وشكل عاملاً أساسياً في الدفع نحو تحولات سياسية واجتماعية وثقافية عميقة، على مستوى المعمورة. ولعل أفضل مثال على ذلك التضامن العالمي في قضية التحرر من الاستعمار التي تجلى فيها تضامن الشعوب المستعمَرة، بالفتح، على أوسع نطاق في ما بينها، لكن أيضا حصول تظاهرات تضامنٍ لا تقل أهميةً مع القضية ذاتها داخل الدول الاستعمارية، شارك فيها مثقفون وسياسيون وجمهور واسع من الناس العاديين. وحصل ما يشبه ذلك في فترة انتشار العقيدة اليسارية والثورة الاجتماعية والاشتراكية، حتى اتخذت سمة الأممية واسمها. وهناك مثال آخر أقرب إلينا هو ما شهدته البلدان العربية في ما أطلقنا عليه اسم الحقبة القومية، والناصرية بشكل خاص، حيث كان التفاعل على درجة كبيرة بين القوى السياسية والشعبية على امتداد الدائرة العربية. وفي السياق ذاته، يمكننا الإشارة إلى قوة التضامن الذي لا نزال نشاهده اليوم بين الحركات النسوية، أو بين حركات البيئة التي تتخذ بعداً عالمياً حقيقياً.

نلاحظ في كل تلك الأمثلة أمرين: وجود قضية مشتركة، وأمل كبير بعدالتها وانتصارها.

"ليس للعهد النيوليبرالي القائم اليوم مضمون آخر سوى تقديس المصالح الخاصة، وتعظيم المنافع، من دون مراعاةٍ لأي قواعد ومعايير سوى معايير المنفعة" وتعني القضية المشتركة الشعور بوجود قيم ومصالح مشتركة عند القوى المتضامنة، ينجم عنه شعور مواز بوحدة المصير وإيمان مشترك لدى نخب وقطاعات واسعة من الرأي العام، بما يشبه الهوية الواحدة، أو ما يمكن أن نسميه جماعة معيارية واحدة، تقرّب في ما بين أعضائها وحدة القيم والأهداف والتطلعات، وتدفعها إلى تحديد مماثل للصديق والعدو، لكن مشروع التحرّر من الاستعمار لم يكن سوى جزء من مشروع أشمل وأكبر، قاد الإنسانية في تلك العقود، وألهب حماسها، ووحّد خطى القوى الحية من شعوبها، هو مشروع تصفية إرث النظام الاستعماري القديم، وبناء عالم تتساوى فيه الشعوب، على أساس الاعتراف بحقها المتساوي في تقرير مصيرها، وهو مشروع إعادة بناء العالم على نموذج الدولة الأمة، بدل الإمبرطوريات والسلطنات، وهو النموذج المؤسس على مثال الدولة السيدة التي تشكل الإطار القانوني والسياسي للأمة الحرة التي تضمن السيادة والحرية والعدالة لكل فرد فيها. وقد شاركت جميع التيارات العقائدية لتلك الحقبة، الاشتراكية والديمقراطية والشيوعية، وجميعها من النوع الكوني أو الشامل للإنسانية، في نشر عقيدة التحرّر والمساواة والعدالة والانعتاق هذه، ومهّدت لحقبة جديدة من التفاهم والتعاون بين الشعوب. وهي التي طبعت، بعد مرحلة الحروب والنزاعات الاستعمارية، ثقافة تلك الحقبة وسلوك أجيالها. وفي هذا السياق الفكري والسياسي، تطورت أيضا ديناميكيات انصهار المجتمعات في بوتقة وطنية واحدة، وفي موازاتها خمود التمايزات الطائفية والأقوامية التقليدية. هكذا صار بناء الأمة أو الدولة الأمة دليلا على مشروع التحرر من الماضي العبودي والتمييزي، وأداة تحقيقه في الوقت نفسه، كما صارت قواعد عملها، وتنظيم الحياة السياسية والقانونية بين أفرادها، على أساس المواطنة الحرة والمتساوية، مصدر الشرعية للحكومات الديمقراطية، والأساس الفلسفي الذي قامت عليه فكرة تنظيم العالم في إطار منظمة أو منظومة واحدة، هي الأمم المتحدة، التي ساوت بين جميعها.

لكن، منذ الثمانينيات، وبموازاة إطلاق سياسات العولمة، ومتطلباتها الاستراتيجية والاقتصادية، دخلت البشرية في سياسةٍ عالميةٍ جديدةٍ قامت بالأساس على إلغاء الانتظامات والالتزامات والعقود أو العهود والمواثيق الوطنية والدولية القديمة، وأحلت محلها تدريجياً عهداً أو ميثاقاً جديداً يستند إلى إطلاق ديناميكيات السوق وتنشيط التجارة العالمية، وإضعاف سلطة الرقابة على قوى الرأسمالية ورفع الحماية التقليدية عن الأسواق وعن قوة العمل معاً، وإقامة سوق عالمية واحدة، بهدف توسيع دائرة التفاعل بين الاقتصادات الوطنية وإعطاء زخم أكبر للاستثمار الرأسمالي، وهذا ما فجر ثورة الاتصالات والمعلومات التي أصبحت أداتها ومحركها.

لكن العولمة التي وحّدت مصائر المجتمعات بالفعل بمقدار ما أدرجتها جميعاً في حركة سوق عالمية واحدة، وأعادت هيكلة اقتصاداتها وتبعيتها المتبادلة، افتقرت كلياً لعهد أو ميثاق إنساني جديد، يحدد معايير سلوك القوى الكبرى الناشئة في الاقتصاد، وفي الميدان الجيوستراتيجي والثقافي، والقيم الأساسية التي تحدّد حقوق الأفراد الأساسية عبر حدود الدول والأسواق، وتوجههم وتضمن تعاونهم. ولذلك، بدل أن تعزّز العولمة الشعور بوحدة المصير العالمي الذي دفعت إليه في الواقع، عملت، بالعكس، في غياب هذا العهد، على زعزعة استقرار الدول وتعميق الهوة بين شعوبها، ودفعت إلى تفكيك المجتمعات، وتشجيع الجماعات المحلية والعرقية والمذهبية على الانفصال والانشقاق وإعادة موضعة نفسها، من وراء الحدود السياسية والأوطان، في محيط العولمة وتفاعلاتها المتزايدة والمتنافرة. وبمقدار ما دمرت ديناميكيات العولمة النيوليبرالية الوطنيات القائمة، وأضعفت المشاعر التضامنية المرتبطة بها، ألغت أو كادت الشعور بوجود مصير وطني وإنساني مشترك، وولّدت نزوعاً قلقاً وشاملاً عند الأفراد والجماعات إلى البحث عن المصير الخاص بها في فضاء لا يزال لم يستقر بعد..

تتجاوز المشكلة، إذن، الحدود القومية والهويات الدينية والمذهبية، وتتلخص، ببساطة، في أن

"افتقرت العولمة كلياً لعهد أو ميثاق إنساني جديد، يحدد معايير سلوك القوى الكبرى الناشئة في الاقتصاد، وفي الميدان الجيوستراتيجي والثقافي" العولمة، في وقتٍ وحدت فيه المصائر العالمية، لم تطور في مواكبتها ثقافة عالمية، أي معايير وقيم وغايات تجعل الأفراد في العالم الموحد يشعرون بوحدة المصير الفعلية، ويدركون أن أي كارثة طبيعية أو بشرية، تحصل في أي مكان، تؤثر على مصير الإنسانية، وتعني كل أفرادها. وفي غياب هذه الثقافة، فتحت العولمة العالم على الفوضى بمقدار ما حطمت في سيرها العهود الوطنية، أو أفرغتها من محتواها، وكانت الحصيلة عالماً يزخر بالتوترات والتناقضات وعدم الاستقرار والأمن، وجرى الجميع وراء سراب التطلعات والأحلام المتنافرة والمتضاربة.

لا يرجع هذا الضياع الكبير الذي نعيش إلى العولمة بحد ذاتها، وإنما إلى أصحاب المصالح الكبرى الذين كانوا وراءها والمستفيدين الوحيدين منها، فلم يكن في مصلحة هؤلاء تأطيرها أخلاقياً وسياسياً، حتى يضمنوا لأنفسهم السيطرة الكاملة على ديناميكياتها، ويتحرّروا من ضغط الشعوب المتضرّرة التي استبيحت فضاءاتها، وووضعت في خدمة السوق الجديدة مواردها البشرية والمادية. أرادوا بالعكس أن تكون العولمة سياسةً وقسمة ضيزى، يستفيد منها الأقوياء ويخسر فيها الضعفاء، وهذا ما يفسر ما يرافق تقدمها من نمو ثقافة العنصرية والخوف من الآخر وكره الأجنبي في المجتمعات المتقدمة، وفي المقابل، العداء للغرب والاحتجاج عليه وعدم الثقة به، في العوالم المتأخرة والمتخلفة.

 

إحياء التضامن الإنساني العالمي

قتلت العولمة النيوليبرالية أي شعور بوجود قضية مشتركة بين البشر، وسعّرت، في المقابل، الشعور بالتنافس والتزاحم والعداء، وقضت على إمكانية ظهور حركات تضامن في المركز مع شعوب المحيط الملحق والمفكّك، كما قتلت إمكانية تضامن شعوب المحيط في ما بينها، بمقدار ما قضت على مشروعاتها الوطنية التي كانت توحد برامج عملها وتطلعات شعوبها، وقدّمت النزاع في ما بين جماعاتها الأهلية ونخبها، المذهبية والطائفية والسياسية والثقافية، على الالتحاق بالمركز، على التعاون والتضامن لبناء دول وطنية متضامنة ومتكافلة. وفي النهاية، بتقويضها وجود الدولة الوطنية، قوضت العولمة أيضا عهداً قائماً للتعارف والتعايش والتواصل والتضامن بين النخب والشعوب والمجتمعات، وتركت الإنسانية من دون معايير ولا قيم، ولا مشروع إنساني مشترك، وبالتالي من دون أي إمكانية للتواصل في ما بينها، على الرغم من توحيد مصائرها وتماثل شروط وجودها. ما نعيشه اليوم على مستوى العالم، وداخل الدول، الغنية والفقيرة، المركزية والمحيطية، هو ضياع كامل، وغياب لأي قضية مشتركة، فليس للعهد النيوليبرالي القائم اليوم مضمون آخر سوى تقديس المصالح الخاصة، وتعظيم المنافع، من دون مراعاةٍ لأي قواعد ومعايير سوى معايير المنفعة وقيم الأنانية وأخلاقها. هذا التفكيك لكل ما هو مشترك في العالم، من قيم ومبادئ وتطلعات، هو أيضاً قتل للضمير العالمي وإلغاء لمعنى الإنسانية.

لا يعني هذا أنه لم يبق لنا ما نفعله اليوم. بالعكس، لم تكن الحاجة للتضامن بين الشعوب

"نحن نعيش على مستوى المعمورة مرحلة مخاض" والجماعات ملحةً كما هي عليه اليوم، تماماً كما لم تكن المصائر العالمية مترابطةً مثل ما هي اليوم، ولا القضايا المطروحة على الشعوب والمجتمعات عالمية بامتياز كما أصبحت اليوم، سواء ما تعلق منها بقضية الأمن، وبالتالي الحرب والسلام، أو قضية الفقر، أو قضية البيئة، أو قضية الهجرة واللجوء وتنقل الأفراد عبر الحدود، أو قضية الإنسان كإنسان، وما تعنيه من ضمان الكرامة والحرية والعدل للجميع. لكن، كما هو الحال في أي مخاض، ونحن نعيش على مستوى المعمورة مرحلة مخاض، تقود الأزمة الفكرية والسلوكية، أي ما يتعلق بالفعل والممارسة، وما يرافقها من حيرة وتردّد وتخبط نعيشه اليوم بشكل واضح في كل ما يتعلق بالعلاقات داخل الدول وبين المجتمعات، إلى إعادة صياغة للقضية المشتركة واكتشاف آليات ووسائل جديدة للفعل.

لن يكون هناك أمل في إحياء التضامن بين الشعوب والمجتمعات، من دون إحياء ديناميكيات الكفاح المشترك ضد القهر والظلم والإجحاف والغدر الذي ينتجه ويعيش عليه نظام العصر الهمجي الجديد. وإذا لم يكن في مقدرتنا عبور المسافة التي تفصلنا عن ولادة عالم جديد، وعهد عالمي جديد، بمفردنا، وحسب رغبتنا، فنحن نستطيع، منذ الآن، بتضامننا مع من يسعى مثلنا إلى مقاومة مخاطر الانجراف والفوضى وموت الضمير والإنسان، أن نجعل من إحياء قيم التضامن الإنسانية العالمية قضيتنا الإنسانية المشتركة، وفي صلبها تحويل محنة السوريين التي، بمقدار ما تعبّر عن موت الإنسان والضمير، تشكل أحد أهم روافع العمل من أجل إعادة بناء أخلاقيات العصر القادم الذي نريد

========================

الثورة السورية:من معركة الاستنزاف إلى معركة الحسم..لا معنى لتحرير الشهباء إن لم يقترن بتحرير الفيحاء .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

1 / 11 / 2016

وتستمر الثورة السورية ، بعد ما يقرب ست سنوات من انطلاقها ، عفوية تلقائية مباشرة . يقود واقعها حراك يفرض نفسه ،عبر شخصيات مجاهدة متحمسة متناثرة على الخارطة السورية ترسم خطواتها الحماسة والعنفوان ، والرغبة المخلصة في التصدي للتحديات ، في أطرها الدولية والإقليمية ، بالقدرات المحلية المحدودة .

 يتم كل ذلك بعيدا عن معطيات عصر ، يعرف بأنه عصر التخطيط المبني على استراتيجيات ، تقع فيها كل خطوة من أي مشروع ، على مسار الهدف العام ، مقترنا بمعطيات اللحظة الزمانية والمكانية وتحدياتها.

تقع المسئولية المباشرة ، في تلقائية الثورة السورية ، فيما كان عليه وآل إليه أمرها ، على القيادات السياسية السورية أولا ، التي حشّت نار الثورة ، ثم جلست تتدفأ على أوارها ، دون مشاركة جادة في حمل العبء ، وتصويب المسار . وإذا أردنا أن نكون أكثر تحديدا ، فسنبدأ بتحميل المسئولية للمجلس الوطني ، ثم للإئتلاف المنبثق عنه ، ثم لهيئة التفاوض العليا المتولدة منه ؛ دون أن يعفي ذلك بقية القيادات السياسية للنخب والأحزاب السورية المختلفة من مسئولية تاريخية ، شخصية وعامة ، أمام الله والناس ..

كما تقع مسئولية غياب الاستراتيجية العامة الموحدة عن أجندة الثورة السورية ، على القوى الداعمة للثوار السوريين ، القوى المتشرذمة أصلا في مواقفها وسياساتها، والتي عكست تشرذمها بطريقة مباشرة على الفصائل السياسية والثورية معا . فكان لها أسوأ الارتدادات . وبدلا من أن تبادر القوى الداعمة ، وفيها دول توصف بالشقيقة والصديقة ، إلى تشكيل قيادات خبرة استراتيجية ، وغرفة عمليات ميدانية مركزية ، تواجه مخططات الخبراء الروس والإيرانيين والأسديين وتكتيكاتهم ، زادت هذه الدول من حدة التشرذم والخلاف في المكونات السياسية والثورية . ثم حمّل هؤلاء وأولئك المدنيين السوريين المسئولية الأليمة ، عن قراراتهم العجلى ، والفاقدة للناظم الاستراتيجي المتواقت مع كلي الحركة . فكان القتل والاعتقال والتدمير والتهجير من العدو . ثم الحوقلة والحسبلة ، ثم نفض اليد ، وإدارة الظهر من الصديق ، وكأن القوم كانوا يلعبون برتية ( شيش بيش ) .

سبقت مناطق سورية إلى الثورة ، وانخرطت فيها بقوة وعنفوان ، فتم احتواء بعضها ، وتم تدمير أخرى ، وما تزال مناطق تقاوم وتعالج وتدافع . بينما ظلت مدن ومناطق هاجعة قابعة متفرجة ، وكأن ما يجري حولها لا يعنيها . وأعطى هذا بشارَ الأسد وحلفاءه الفرصة تلو الفرصة ، ليصفي المناطق الثائرة بالدور ، بل وأعطاه الفرصة ليجعل من المدن السورية الهاجعة مراكز للقيادة والسيطرة ، وقواعد لانطلاق العدوان والقتل والتدمير .

إن أبسط مستويات التفكير الاستراتيجي تقرر أن رأس الأفعى في سورية يقبع في دمشق . وأن مفاصل الدولة السورية ومرتكزاتها ، تستقر في دمشق . وأن تحريك كل أدوات القتل وآلياته يتم من دمشق . وكذا من غيرها من المدن التي ارتضت أن تكون منطلقا للعدوان ، ومستودعا للرجال والعتاد ، يزج به في المعارك حسب مقتضيات التسهيلات اللوجستية . فمنها قاعدة انطلاق في الجنوب ، ومنها قاعدة انطلاق في الشمال .

 وإن اعتراف المجتمع الدولي المتمادي بتمثيل بشار الأسد للدولة السورية ، بكل خطورته وتداعياته سيستمر ما دامت العاصمة دمشق وادعة هانئة ساكنة متفرجة ، ومادام السفراء يمدون أيديهم وأرجلهم فيها . هذه حقائق لا يمكن القفز عليها ، ولا تجاهلها في معطيات العلوم الاستراتيجية والسياسية .

ومن هنا ، وبعيدا عن ثورة في دمشق ، يمكن أن نصف كل جهد وجهاد على الأرض السورية بأنه جهد تكميلي ، وداعم . لقد تعودنا دائما أن نقول : إن دمشق قلب العروبة النابض ، فكيف لا تكون في سياق هذه الثورة عقل الثورة وقلبها ونبضها ، ونقطة حسمها الحقيقية . أي مقرر استراتيجي يظن أن بشار الأسد يمكن أن يسقط ، إذا نزعنا منه الرقة أو دير الزور أو حلب أو حمص أو عفرين ، حسب مقولة الشقيق الكردي المسطورة في أذهاننا منذ عقود . أو حتى حي جوبر ، دون أن تصل الثورة إلى قصر المهاجرين .

وبعيدا عن تحديد الأهداف الاستراتيجية الأساسية للثورة السورية ، ورسم أولياتها ، ستهدر الجهود على أهداف مهما بدت أهميتها ستظل ثانوية!! .أهداف قد تكون قيمتها الإعلامية أكبر من قيمتها الاستراتيجية .

 آن للثورة السورية أن تنتقل إلى العمل الاستراتيجي المخطط . وآن للقائمين عليها أن يضعوا خططهم العملية لحسم هذه المحنة المتمادية ، وآن للسوريين أن يكونوا على قلب رجل واحد في مسعاهم إلى العزة والكرامة والتحرر .

 إن معارك الاستنزاف التي طال أمدها ، قد استنزفت كثيرا من قدرات الشعب السوري . ومع دخول محاربين جدد إلى ساحة الصراع منهم دولة عظمى مثل روسية وأخرى مثل إيران مع تفوقهم بالقوة النارية . فإن الحقيقة الناطقة تؤكد أن صراع الاستنزاف ، لا أفق له ، بل إن نهايته لن تكون في مصلحة شعب مستضعف محدود القدرات . تتحكم في معادلاته دول متعددة . هذا الكلام ليس تيئيسا بل تأكيدا على ضرورة الانتقال من معركة الاستنزاف التي فرضت على الشعب السوري ، على غير إرادة منه . إلى معركة الحسم الأيسر سبيلا والأقرب نتاجا .

وحسم معركة هذه الثورة سيكون في دمشق . وفي تحديد الأهداف المفصلية التي تتمثل في مواقع الإدارة والسيطرة ، وشرايين الإمداد والتمويل . وهي مفاصل ومراكز وشرايين يعرفها الخبراء الاستراتيجيون المختصون جيدا . يعرفون كيف يحددونها ، وكيف يتم الوصول إليها ، وما هو أثرها العملي في حسم المعركة . لنبعث الأمل ونقترب بالشعب السوري إلى مظلة الأمان والاستقرار . إن السيطرة على الكثير من هذه المفاصل والمراكز وقطع هذه الشرايين أقلّ كلفة ، من كثير من المعارك والأهداف التي يخوضها الثوار ، ويضحون في سبيل الانتصار فيها .

 وبصراحة أكثر فإن أعداء الشعب السوري ، الذين ساقوه في مساقات ( الاستنزاف المتبادل ) ما زالوا يعتبرون استهداف هذه المفاصل والمراكز ، خطوطا حمراء ، ومازالوا يحولون بين الثوار وبين الطرق التي تحسم المعركة ، ليتسببوا للسوريين بالمزيد من القتل والدمار ؛ حتى أصبح السكوت على هذه المؤامرة ، والاندياح مع السياق المتاح نوعا من الخيانة ، لسورية الإنسان والحاضر والمستقبل .

كلنا اليوم مع أن نرى حلب الحبيبة مدينة محررة ، موحدة ، تدار من قبل إدارة مدنية من أبنائها ؛ ولكننا لسنا ، مع توسيع ساحة القصف والقتل والتدمير للعدوان الروسي والإيراني والأسدي ، ثم لا نملك غير أن نستنكر ونشجب وندين . إن أول أبجديات التكتيك العسكري ، قبل إحراز النصر ضمان حماية النصر والاحتفاظ به .

يجب أن ترتفع الأصوات للمطالبة باستراتيجية ثورية منتجة ومنجزة. لسنا مع توسيع دائرة المعاناة الإنسانية للمستضعفين من أبناء سورية ، ولسنا مع إطالة أمد هذه المعاناة . إن أول مقتضيات استراتيجية الحسم أن تكون هناك قيادة قادرة على استنفار السوريين ليثوروا ثورة رجل واحد ، على قلب رجل واحد . حتى لا نعطي عدونا الفرصة للانفراد بالبلدات والمدن والمناطق واحدة بعد أخرى ..

الإنسان والعمران في حوران وفي دمشق وفي حمص وفي حماة وفي الساحل وفي حلب وفي إدلب وفي دير الزور والحسكة في فقهنا الإنساني والشرعي والسياسي واحد ، وهذا فقه له حقيقة ومقتضيات ، ليس منها أن يذبح أخ في مدينة ويتفرج أخ في مدينة أخرى عليه. أو يعيش في بلهنية وكأن الأمر لا يخصه ولا يعنيه . وكلنا مسئولون أمام الله ، وأمام التاريخ ، ولكن مسئولية الذين توسمو مقاعد القرار أكبر .

إن استدامة المعركة ، والانخراط في حروب استنزاف متطاولة ليست من مصلحة الثورة ، وليست من مصلحة الشعب السوري ، الذي أنهكه القصف والحصار واللجوء والتشرد . ولذلك لا بد من وضع الخطط لحسم المعركة لمصلحة ثوارها . وليس استدامتها لمصلحة عدوهم . إن حسم الثورة يكمن في استهداف رأس الشر ومؤسساته في وكره الأول. وتوفير كل الجهد للعمل على هذا المحور . فحين يسقط بشار الأسد في دمشق ستسقط جميع الأفرع والتوابع له تلقائيا .

 إن قيمة الطلقة الواحدة على مؤسسة من مؤسسات الشر في دمشق ، يعدل مائة قذيفة في سواها . وقد آن الأوان للإفصاح عن هذه الحقيقة ، التي يراوغ عنها الكثيرون .

ويكفي لندلل على هذه الحقيقة أن نذكر ، كيف يقوم بشار الأسد وحلفاؤه ، بإخراج فرسان الغوطة الأماجد من بلداتهم إلى الشمال السوري ، إدلب وما حولها في دلالة ، مهمة على أن دمشق هي الثغرة التي ، يجب أن يوفر لها الأمان .

أليس الرد التلقائي على عملية تفريغ حزام دمشق من رجاله ، أن يجدد المقاومون طرقهم لاختراق الهدف الذي يبذل العدو كل جهوده لحمايته ؟!

آن الأوان للثورة السورية للخروج من دوامة العفوية والتلقائية والآنية . آن الأوان للتوقف عن الاستهانة بالتضحيات . آن الأوان لوضع حد لسياسات الأثرة والاستئثار ..

كان الله في عون سورية ونصر ثورتها ، وحمى إنسانها وعمرانها ..

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

==========================

الموصل وحلب وهواجس التفكّك الداخلي .. سيّار الجميل

العربي الجديد

الخميس 3-11-2016

إنها قصة مدينتين تسمّيان الموصل وحلب، وهما من أقدم مدن الشرق في التاريخ، وقد اشتركتا على امتداده معاً في كيانات سياسيّة، وارتباطات اقتصاديّة، وامتزاجات اجتماعيّة منذ عهود الأمويين والعباسيين، مروراً بالحمدانيين والعقيليين والأتابكة الزنكيين، وصولاً إلى الأيوبيين وانتهاء بالعثمانيين، كما بقيت كلّ منهما تشكّل حصناً منيعاً أمام الغزاة، سواء الفرس الساسانيين أم الروم البيزنطيين.. ولعلّ أشهر شراكة تاريخية لهذا التوأم وقوف حلب، بقيادة واليها الوزير، حسين باشا القازوقجي، إلى جانب الموصل في دفاعها الأسطوري ضدّ حملة نادرشاه على الموصل وحصاره لها 1743 ميلادي، وكانت بقيادة واليها الوزير، حسين باشا الجليلي، وقد انتصرت على ذاك التنين الأحمر انتصاراً تاريخياً.

لعلّ أولى الإشارات التاريخية لتعرّض المدينتين لكلّ ما يصادفهما اليوم، إنما يدّل دلالات واضحة على أهميّتهما الاستراتيجية، كونهما تمثلان عمقاً تاريخياً لكلّ من العراق وسورية، ناهيكم عن موقعيهما الاستراتيجيين لكلّ من العرب والأتراك والإيرانيين.. وكان العالم قد رصدهما طويلاً، إبّان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجرى التركيز عليهما، إذ عاش بين ظهرانيهما قناصل عديدون، وزارهما عشرات الرحالة والآثاريين، وتأسسّت فيهما عدّة بعثات تبشيرية، وهما تؤأمان حقيقيان، عاشتا تشابه إحداهما الأخرى، خصوصاً في الثقافة والطبائع والخصوصيات الاجتماعية. وتتميز الاثنتان بنسيجهما السكاني المتنوّع، فقد استوطنهما العرب منذ القدم، وكانتا موطناً للسريان الآراميين، وغدتا مركزي جذب لكلّ من الكرد والترك وعناصر سكانيّة أخرى، وخصوصاً من بلاد الجزيرة الفراتية ومن الأناضول.

تتفاقم الهجمة اليوم، منذ أكثر من سنتين على المدينتين، بشكل يستدعي القلق على مستقبليهما، وتفكّكهما الداخلي بنزوح أهاليهما، بعد أن فشلت كلّ من حكومتي سورية والعراق في حمايتهما ووقايتهما من التحدّيات التي عصفت بهما، وإذا كانت حلب قد تمزّقت جرّاء حربٍ قذرة، وتلقّت الحمم والقنابل من سمائها، وأفرغت من سكانها بعد أن سحقت مآثرها، ودمرت أحياؤها، وهجرها 80% من سكانها، وغدت أجزاء منها أشلاء وخراباً، فإن الموصل تعرّضت، منذ

"منطقتنا مقبلة، بعد الموصل وحلب، على صراعات متنوّعة لها مسببّات عدّة في أماكن معينة، وستحترق مناطق أخرى" عشر سنوات، لأهوالٍ من نوع آخر، جرّاء الإهمال والتهميش والإقصاء، إذ تمثّل ذلك بولادة خلايا إرهابية نائمة كانت مدّعمة، في البداية، من النظام السوري الحاكم الذي كانَ يرسل مجاميع الإرهابيين وبالمئات، وهم يفجرّون ويفخّخون ويقتلون ويدمّرون ويبتزون ويبطشون، ومروراً بمشروع اغتيال العراق، وانتهاء بهمجية قطع الرؤوس وتفخيخ السيّارات في المدن العراقية. وكان أهل حلب ودمشق يستقبلون الآلاف من الفارين، وخصوصاً من الموصليين الشاردين من قسوة الإرهاب وبطشه، ويشهد كلّ الذين احتموا بمدينة حلب على حسن استقبال السوريين الطيبين عموماً أولئك النازحين والفارين العراقيين منذ العام 2005 وحتى 2010.. ولم يكن أحد يدري أنّ الدمار سيلحق حلب ومدناً سورية أخرى لاحقاً.

ثمّة حقائق لابدّ أن ندركها قبل التأمّل في مستقبل هاتين المدينتين المنكوبتين، ذلك أنّ كلتا المدينتين تمتلك نسيجاً اجتماعياً تتنوّع فيها الأديان والأعراق، لا المذاهب والطوائف، واستوعبت كلّ منهما سكاناً من الأكراد والتركمان الذين اختلطوا مع سكان المدينتين في دواخلهما. ولكن بقيت أطيافهم واضحة المعالم في الأطراف. جغرافياً، المدينتان هما أقرب المدن العربية إلى الحدود التركية، وإذا كانت الموصل هي المركز الطبيعي للدخول إلى جبال كردستان، ومنها إلى قفقاسيا وإيران، فإن حلب هي الأقرب إلى البحر المتوسط والأناضول. وعليه، تعد استراتيجية المدينتين الأساس الحقيقي لقوة الشرق الأوسط في العصر الحديث، كونهما المعبر الجاذب بين الشرق والغرب معاً في جغرافية العالم الاقتصادية والحضارية. ومن البديهي أن تعيش المنطقة دوماً تناقضات الماضي وصدامات الحاضر ومواجهات المستقبل. وستبقى تواجه تحدّيات صارمة وتدّخلات خارجية سافرة، ينتج عنها مزيد من الاضطرابات والكوارث.

من سخرية القدر أن تعيش كلٌّ من الموصل وحلب في قفص سلطة كلّ من بغداد ودمشق بعد اضمحلال الدولة في العراق 2003، وفي سورية 2011، وانسحاق النزعة الوطنية والأخلاقية في كليهما، بحيث أصبحت الأحزاب والمليشيات والعصابات الإرهابية تعبث بمصيرها من جانب، كما وغدا كلّ من البلدين مسرحاً لتدخلات الدول الإقليمية والخارجية. ما يثير القرف أن تنتقد الحكومة العراقية سياسات بشّار الأسد في السنوات الخمس الأولى بعد 2003، وفجأة تغيّر موجتها، كي نجد اليوم أكثر من عشرين مليشيا عراقيّة تقاتل على الأرض السورية من أجل إبقاء سورية في الفلك الإيراني. ويعترف الطرفان في بغداد ودمشق بقوّة علاقتهما بإيران وأجندتها في كلّ المنطقة. إنّ التدّخلات الإيرانية السافرة في سياسات العراق وسورية جعلتهما يطوفان في بحرٍ من الدماء، وغدت المنطقة تنتقل من موديل إلى آخر، نتيجة التحوّلات الصعبة من الصراعات الطائفيّة، وتفاقم ذلك بالتدّخل السافر لكي تتحوّل الثورة السورية السلمية إلى حربٍ قذرة ضدّ الناس، وتتحكمّ بها اليوم عصابات طائفيّة وإرهابية، تنجز فجائع تاريخية برفقة الطائرات، وتحل فيها كلّ القسوة والآلام ليس من أجل إبقاء الأسد في السلطة فقط، بل من أجل أن يبقى نظامه حليفاً إيرانياً، وظهيراً قوياً لسياسات إيران في المنطقة العربية برمتّها. مررنا بصفحاتٍ لا تعدّ ولا تحصى من الصراعات، والتي يتفاقم حجمها يوماً بعد آخر، بل باتت اللعبة تجري على المكشوف، ولا نستثني حتى وجود "داعش" الذي قدم من سورية إلى العراق، وتفاقمت مخاطره، بإعلان خلافته الإسلامية من الجامع النوري الكبير في الموصل.

أصبح الخطاب الطائفي اليوم مشاعاً، وتبلورت احتقانات لا أوّل لها ولا آخر، ما يعجّل بصنع

"أصبح الخطاب الطائفي اليوم مشاعاً، وتبلورت احتقانات لا أوّل لها ولا آخر، ما يعجّل بصنع شحنات مضادة متفجرّة" شحنات مضادة متفجرّة، غضباً على أجيالٍ قادمة، فما هي الصورة التي تمنحنا إيّاها الرؤية المستقبلية في ظلّ التفاعلات السريعة؟ أقول إنّ المنطقة كانت، وستبقى، تعيش سلسلة صراعات عنيفة، بسبب الأجندة التي تطمح إيران إلى تحقيقها بأيّ ثمن في ظلّ تدويل قضيتهما، فغدت حلب بأيدي الروس واستراتيجيتهم ومصالحهم، في حين غدت الموصل ومحيطها من نصيب الأميركيين واستراتيجيتهم ومصالحهم.. ولا ننسى التصريحات المهمّة التي يطلقها كلّ من البريطانيين والفرنسيين من حين إلى آخر. تسعى إيران، اليوم، من الحرب ضد داعش العمل للسيطرة على بلدة تلعفر غرب الموصل، لتكون نقطة اتصال نحو سورية، وقد حشدت آلاف المقاتلين المنضوين في مليشيات تابعة لإيران، في حين هددّت تركيا مباشرةً بتدّخلها لحماية تركمان تلعفر .. وقد أعلن أكثر من مسؤول عراقي، ومنهم نوري المالكي نفسه، أنّ مليشيات عراقية ستساهم في تحرير الرقّة السورية. وما يروّج إعلامياً يقابله صمت مطبق من الحكومة العراقية. السؤال: لماذا؟

ما يهمّنا أصلاً البنية الديموغرافية لسكان المدينتين المنكوبتين، والتي يسكت عنها العالم سكوتاً مطبقاً، وخصوصاً في تشرّد آلاف العوائل ونزوحها وهجرتها، وإفراغهما من سكانهما. ثم ما مصير الجيل الجديد في كلّ من هاتين المدينتين، مع انعدام الدراسة وانسحاق الجامعات والمدارس وكلّ البنية التحتية للمدينتين؟ ما يهمّنا أيضاً، مصير جيل كامل وصراعات الحقوق المستلبة والممتلكات المسحوقة على تراب أوطاننا كجزء من صراعات إقليمية، وإعلان شعارات طائفيّة مقيتة، والتوعّد بالانتقامات وأخذ الثارات من أجيال تتهم بخطايا لم تقترفها أبداً، ولكن بحجة أنهم أحفاد للأجداد الأوّلين من الأمويين الذين قتلوا الإمام الحسين (!). إنها مانشيتات تاريخية موروثة، تعلن في ظروف صعبة جداً، ليس لتحقيق مآرب مذهبيّة باسمها، لكنها وسيلة ديماغوجية من أجل بناء استراتيجية امتدادات إيران نحو المتوسط، إذ لا يمكن لعاقل أن يؤمن أنّ للموصل وحلب علاقة بالتشيّع أبداً. ومن المعيب جدّاً على العرب أنهّم لم يواجهوا التحديّات الإيرانية بذكاء وخطط وأساليب غاية في الدهاء، بل تعاملوا مع المأساة تعاملاً غبيّاً. منطقتنا مقبلة، بعد الموصل وحلب، على صراعات متنوّعة لها مسببات عدّة في أماكن معينة، وستحترق مناطق أخرى لم تكن مشتعلة في الماضي. جوهر معضلة منطقتنا العربية اليوم امتلاكها المجال الحيوي الحقيقي في العالم.

========================

السوريون ونتائج الانتخابات الأميركيّة .. أكرم البني

الحياة

الخميس 3-11-2016

تتباين مشاعر السوريين ومواقفهم من النتائج المرتقبة للانتخابات الرئاسية الأميركية، تبعاً لتباين رهاناتهم واصطفافاتهم السياسية ومرجعياتهم الفكرية.

والبداية من أوساط النظام السوري، التي لا تخفي عموماً رغبتها في نجاح دونالد ترامب وسقوط هيلاري كلينتون، إما لأن بعضهم يعتبر الأخيرة أخطر على الصراع الدموي المستعر في البلاد مستحضراً تصريحاتها عن تحميل النظام مسؤولية ما جرى وتكرار مطالبتها برحليه، وحماستها لدعم المعارضة وتمكينها، بينما تشي مواقف ترامب بتأييد السلطة القائمة والمساندة الروسية لها في التصدي لتنظيم «داعش» والإرهاب الجهادي، لتصل إلى اعتبار الرئيس بوتين صديقاً وفياً ومثالاً يحتذى! وإما لأن ثمة من يجد في ترامب، بتصريحاته العنصرية والاستفزازية وبعض مسلكياته غير القانونية وغير الأخلاقية، الشخص الذي يجب أن يفوز كي يظهر الوجه الحقيقي لأميركا البشع والأناني والجشع... (كذا)، والذي طالما أخفته، كما يعتقدون، تحت عناوين نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان! في حين يعول طرف ثالث على نجاح ترامب لما قد يسببه من احتقانات وتوترات في صفوف الأقليات الأميركية، تشغل واشنطن عن السياسة الخارجية، وتعزز اهتمامها بالبيت الداخلي، ما يعمق عزلتها وسلبيتها ويترك ساحات الصراع العالمية مفتوحة كي يستفردون بها، من دون رقيب أو حسيب!

في المقابل، تميل أوساط المعارضة السورية على اختلاف أطيافها إلى كلينتون في رهان ضمني أو معلن بأن يحمل نجاحها تغييراً في الموقف السلبي والمتردد لواشنطن من المأساة السورية نحو دور فاعل يمكنه تغيير موازين القوى على الأرض، والضغط على النظام السوري وحلفائه لوقف العنف والالتفات إلى المعالجة السياسية التي بات السوريون في أمسّ الحاجة إليها، وإذ ينضم الى هؤلاء معارضون إسلاميون يحبذون نجاح كلينتون رداً ورفضاً للتصريحات المسيئة للإسلام والمسلمين التي كررها ترامب في غير مناسبة، فإن بعضهم ينطلق من حسابات الحليف الإسلامي التركي ليميل بمشاعره نحو ترامب في رهان على أن يفضي نجاحه إلى إضعاف الولايات المتحدة وما تسببه من منغصات لحكومة أنقرة، ومثلهم من ينظر إلى الأمر من القناة الفلسطينية ويعتبر مجيء كلينتون أكثر ضرراً ما دام الحزب الديموقراطي هو الأقرب تاريخياً الى دولة إسرائيل من الحزب الجمهوري، حتى لو كان ترامب هو من يمثله اليوم! بينما يذهب معارضون آخرون إلى تأييد نجاح كلينتون حتى وإن لم تتخذ موقفاً جديداً من المحنة السورية، والدافع هو قطع الطريق على شخصية عبثية كترامب من قيادة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية في العالم، ما يطلق العنان لمزيد من الانفلات المجنون نحو التطرف والتعصب والعنف.

من جهة أخرى، يظهر الشارع السوري المنكوب عدم اكتراثه بالانتخابات الأميركية، ويبدو الأمر سيان عنده، سواء نجح ترامب أم كلينتون، ربما بسبب تلمّس غالبية السوريين عدم وجود فوارق جوهرية بين موقفي المرشحين من محنتنا، إن لجهة تشاركهما في منح الأولوية لأوضاعهما الداخلية، وإن لجهة سوق حجج وذرائع متشابهة في تبرير إهمال الوضع السوري وترك جرحه النازف مفتوحاً، وربما بسبب شيوع إحساس بأن البيت الأبيض الذي استمر في استرخائه المخزي وإحجامه لأكثر من خمسة أعوام ونصف العام عن حماية المدنيين السوريين، واستهتر بما يحلّ بهم من فظائع ودمار وخراب، لن يكون محرجاً سياسياً وأخلاقياً إن استمر في الإحجام عن اتخاذ أي موقف أو تدبير يساهم في تخفيف حدة مأساتنا الإنسانية.

لكن الغريب أن تحضر هذه المرة أسباب أخرى غير سياسية شجعت فئات من المجتمع السوري على متابعة العملية الانتخابية الأميركية، مرة أولى، بدافع الفضول لمتابعة جديد الفضائح التي تثار حول الحياة الشخصية لكل مرشح، ولمعرفة كيف سيتعاطيان في لحظة إعلان النصر أو الاعتراف بالهزيمة، بخاصة بعد أن جاهر ترامب بأنه لن يقبل النتيجة في حال لم يفز، وهل تترتب على ذلك ردود أفعال حادة من أنصاره في الشارع، وتشهد بعض المدن الأميركية تظاهرات وفوضى، أم يبقى تهديده مجرد كلمات دعائية يتم تناسيها بعد انتهاء العملية الانتخابية؟! ومرة ثانية، لحسابات تفرضها معاناة المهجرين واللاجئين السوريين، إن في مخيمات الشتات حيث يعولون على نجاح كلينتون في تخفيف حدة ما يكابدونه ربطاً بما أظهرته من تعاطف إنساني مع معاناتهم، ضد ترامب غير المهتم بأوضاع الضعفاء والمظلومين في بلاده، فكيف بأوضاعهم؟! وإن لدى طالبي اللجوء في البلدان الغربية نتيجة تحسبهم من أن يفضي نجاح ترامب إلى تشجيع قوى اليمين المتطرف في أوروبا وتمكينها من التقدم انتخابياً، وانعكاس ذلك تشدداً على شروط حياتهم وفرص قبولهم واستقرارهم.

وعلى رغم إدراك السوريين، أياً كانت مواقعهم، أن مواقف واشنطن تحددها مصالحها الخاصة وليس رغباتنا وحاجاتنا، وأن لا تعويل يذكر على الرئيس الجديد تجاه مأساتنا، لم تخدعهم اندفاعات روسيا ونجاحها في ملء الفراغ الذي خلفه انحسار سياسة واشنطن للتقليل من دور الأخيرة ووزنها، بل إن غالبيتهم تدرك حقيقة الدور الريادي للولايات المتحدة عالمياً، وخبرت كيف يهدأ التصعيد الروسي ويتراجع عندما تعترضه جدية المواجهة الأميركية، وتدرك أيضاً أن موقف واشنطن السلبي من محنتنا كان له تأثير كبير في ما وصلنا إليه، وأن ليس من تغيير نوعي في توازنات القوى القائمة ومسار الصراع الدموي إن لم تحدوه سياسة حاسمة للبيت الأبيض في إطفاء هذه البؤرة من التوتر، والأمر لا يرتبط فقط بما تحوزه الولايات المتحدة اليوم من قوة سياسية وعسكرية واقتصادية وعلمية، لا تضاهيها أية قوة، أو بدورها التاريخي الراهن بصفتها القاطرة التي لا تزال تجر الإنسانية وراءها، ثقافياً وحضارياً، وإنما أيضاً بنجاحها الملموس والموثق، في تقرير مصير الكثير من الصراعات الوطنية والأزمات الإقليمية، بما يعني أن موقف واشنطن ودورها لا يزالان شرطين لازمين، يتعززان في الخصوصية السورية مع غلبة التدخلات الخارجية، لتحديد مسار الصراع القائم ورصد احتمالات تطوره.

* كاتب سوري

========================

الانشغال بالموصل والرقة لتبرير التخلي عن حلب .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 3-11-2016

ساقت الولايات المتحدة وحلفاؤها من «أصدقاء سورية» الغربيين خلال السنتين المنقضيتين على ظهور تنظيم «داعش»، مجموعة من الشعارات شكلت غطاء لتحركاتهم العسكرية والسياسية. وكان تعبير «ترتيب الأولويات» وتلويناته، الأكثر استخداماً من جانبهم كلما ارتفعت المطالبات لهم بالتحرك لتخفيف الضغط عن المعارضة السورية، أو دُعوا إلى اتخاذ موقف يردع الهجمات المستشرية عليها.

وهكذا ظهر شعار «أولوية الحرب على الإرهاب» ليغطي قراراً بغض الطرف عن التدخل العسكري والسياسي الإيراني في شؤون العراق وسورية، ثم قراراً آخر بإشراك موسكو في إدارة الملف السوري إلى جانب طهران وميليشياتها، قبل أن تنجح روسيا في التحول إلى طرف مقررٍ في هذا النزاع وتبدأ تدريجاً في رفع سقف شروطها ومطالبها.

واليوم، يترافق بدء معركة الموصل والانخراط الأميركي بقوة فيها، مع حملة تصريحات تدّعي أن الخطر الذي يمثله التنظيم الإرهابي على الغرب سيتقلص إلى حدود كبيرة في حال استعادة المدينة منه، علماً أن معظم الاعتداءات التي شنت في مدن أوروبية وأعلن «داعش» مسؤوليته عنها، نفذتها في الغالب خلايا محلية، ولو بتعليمات من قيادة التنظيم في سورية والعراق. والقضاء على هذه المجموعات المتطرفة المزروعة في أوروبا أو المتسللة إليها يتطلب جهوداً متشعبة من نوع آخر، بينها إنهاء أزمة اللاجئين بإزالة أسباب نزوحهم ووقف الحرب في بلادهم.

أما الحقيقة الأخطر، فهي عِلم الأميركيين المسبق بأن معركة الموصل ستكون صعبة وطويلة جداً، بسبب رفض «داعش» الانسحاب منها، وتحضيراته المكثفة لمواجهة شرسة عبر زرع الألغام وتفخيخ المباني، وحيازته ترسانة ضخمة من الأسلحة الحديثة التي تركها له الجيش العراقي بعد انسحابه، وقدرته على شن هجمات في مناطق عراقية أخرى لتخفيف الضغط عن مقاتليه. ويؤكد أكثر من مسؤول عسكري أميركي في تصريحات موثقة أن المدينة قد تشهد أطول حرب شوارع في التاريخ إذا ما نجح الجيش العراقي وميليشيات «الحشد الشعبي» وقوات «البيشمركة» الكردية في اختراقها، فضلاً عن التعقيدات التي ستولدها مشاركة الميليشيات الشيعية الممولة والمسلحة من إيران في المشهد الديموغرافي والسياسي اللاحق.

ومع ذلك، فإن واشنطن أخذت في حسابها كل الاعتبارات، لذا اقترح عسكريوها مباشرة معركة الرقة، عاصمة «الخلافة»، قبل الانتهاء من استعادة الموصل، في حال اختار «داعش» سحب قواته إليها عبر المنفذ الذي تُرك في غربها عمداً لهذا الغرض. لكن معركة الرقة في حال تقررت لن تشهد أي مشاركة للقوات النظامية السورية أو الروسية المشغولة بتعزيز مواقعها في «سورية المفيدة»، بل سيكون الجهد الأساس المبذول فيها من جانب المعارضة السورية والأكراد، وسيخرج هؤلاء منها منهكين.

واشنطن إذن مصرة على الاستغلال الأقصى لشعار «أولوية القضاء على داعش»، واعتبار كل ما عدا هذه المهمة التي رسمتها لنفسها، محاولة لتشتيت اهتمامها وتعديل حساباتها بما لا يتناسب مع مصالحها واستراتيجيتها، بما في ذلك التطورات السورية، خصوصاً في حلب التي تبدو كأنها غير معنية بوقف تدميرها وإنقاذ مدنييها.

أي أن الأميركيين، بكلام آخر، يمنحون روسيا وبشار الأسد الفرصة الزمنية اللازمة للاستيلاء على حلب بكاملها، بعد استقدام الروس تعزيزات بحرية وجوية وصاروخية ضخمة لهذا الغرض، تحت أنظار واشنطن وسائر الغربيين، وتأكيدهم أن المحاولات الديبلوماسية توقفت جميعها. ويبقى الأمل في أن تتمكن المعارضة السورية من الصمود مدة تكفي لكسر إرادة آلة القتل الروسية، ولو أنه أمل فيه الكثير من التفاؤل.

========================

أولى ضحايا بوتين .. ميشيل كيلو

البيان

الاربعاء 2-11-2016

يستخدم بوتين في سوريا لغة السلاح وحدها سبيلاً إلى تحقيق أهدافه. وهو لا يستثني من ذلك أميركا، شريكته في البحث عن حل سوري، تريده واشنطن سياسياً ويراه هو عسكرياً. ولئن كان عليه المرور في دهاليز السياسة وتناقضاتها وصراعاتها، فإنه لا يجوز أن ينفصل عن الهدف الاستراتيجي: الحل العسكري الذي يقضي على ثورة سوريا، ويمهد، في الوقت نفسه، الطريق إلى نظام أمن إقليمي ركيزته علاقة استراتيجية روسية/إيرانية، على أن يواجه واشنطن بطرق تعتمد المغالبة والردع، ترفض الحلول الوسط، وتخوض معارك حافة هاوية، مثلما يحدث في سوريا.

دخلت روسيا إلى سوريا من ثغرة أميركية جسدها التزامها بالنظام الأسدي، بحجة عدم توافر بديل له يستطيع القيام بمهامه السياسية والأمنية، سواء في ما يتعلق بإسرائيل أو بأمن المنطقة ونفوذ أميركا عليها. بما أن روسيا تقاسمها وجهة نظرها، فقد استغلت رغبتها في حل وسط لتنتزع منها تنازلين: واحد يتعلق ببشار الأسد، وآخر بحفظ توازن القوى بينه وبين الثورة، ريثما تتفق الدولتان على مداخل إلى حل سياسي يلبي مصالحهما.

وبما أن التوازن لا ينتج الحل السياسي المنشود، وأن النظام يريد حلاً عسكرياً يستحيل إفشاله دون غلبة ميدانية للثورة، تقنع الأسد باستحالة حله العسكري، فقد ركزت روسيا سياساتها على كسر التوازن الميداني لصالح النظام، واستغلت مفاوضاتها مع كيري لجعل الحل السياسي الذي سعى إليه مستحيلاً، والحل العسكري خياراً وحيداً.

بينما كانت واشنطن ترى في توازن القوى بوابة الحل السياسي، كانت موسكو تنشد حلاً عسكرياً حجته أن الطرف الثائر ليس غير تجمع إرهابيين، إن لم يسحق استباقياً هدد أمن روسيا الداخلي وهاجمها. لذلك، لا مجال لأي حل سياسي معه، لأنه سيشجعه على الانفراد لاحقاً بالسيطرة على سوريا: مركز نظام الأمن العتيد، المنشود روسياً للمنطقة.

ومن غير الجائز أن ترتكب روسيا خطأ قاتلاً كهذا، يعني تقويض قدرتها على بناء نظام دولي تشارك أميركا فيه، من موقع الندية العسكرية النسبية، وإن لم يكن من موقع ندية شاملة تضم مجموع عناصر القوة كالاقتصاد والتقدم العلمي/التقني، وحجم الإنتاج الاجتماعي والإسهام في التجارة الدولية.. الخ، علماً أن بناء نظام الأمن الإقليمي في المنطقة المتنازع عليها مع واشنطن في شروط تبدو ملائمة نسبياً، بسبب علاقات إيران السيئة معها، واستعادة درب من الانتشار الدولي قريب مما كان للسوفييت، سيحسن موقع روسيا العسكري، وأوضاعها الاقتصادية ودورها في التجارة الدولية ومكانتها من التقدم العلمي/التقني.. الخ.

تضع روسيا دورها السوري في سياق تنافس صراعي مع أميركا، وليس في سياق توافق على قضية منفصلة عن قضايا الخلاف الدولية بينهما، وتعتقد موسكو أن ضغطها عبر الورقة السورية سيقدم لها مدخلاً إلى فتح باب التفاوض حول هذه القضايا. بما أن واشنطن لم تربط بين وجود روسيا في سوريا وبين خلافاتها الاستراتيجية معها، فإن الأخيرة اعتمدت سياسات تستند إلى تصعيد عسكري متزايد، وتصلب موقفها أكثر فأكثر، رغم ما قدمته واشنطن لها من تنازلات في مسائل جوهرية منها الإبقاء على الأسد ومؤسسات نظامه.

بمرور الوقت، تراجع نزوع موسكو إلى حل وسط، وتحول اهتمامها إلى وضع عقبات في طريقه بحجة محاربة الإرهاب، التي اقترحت لها تنظيماً موازياً لتحالف أميركا الدولي الذي سارع إلى دعوتها للانضمام إليه، لكنها تجاهلت الدعوة وشنت حرباً ضارية على الجيش الحر، لم تستبعد منها أطرافه المدعومة أميركياً، والتي يضعف ضربها موقع واشنطن السوري، ويخرج أنصار الحل السياسي من المجال العسكري، ويخل بالتوازن الذي بنت حساباتها عليه، ويرغمها بالنتيجة على التخلي عن حل سياسي يطبق القرارات الدولية، والاستعاضة عنه بصفقات مع الكرملين تضمن مصالحها بقدر ما تتنازل في قضايا الخلاف الكبرى بينهما، والتي لا علاقة لها بالقضية السورية.

تجاوزت مواقف موسكو أي تفاهمات جرت مع أميركا، فدخلت علاقات البلدين إلى حقبة ركود سياسي وتجاذب يعتمد على القوة، جعل جنرالات الكرملين يلوحون بصواريخ تستطيع إسقاط طائرات أميركا، تغطي جيش الأسد بخط أحمر، يحول أي ضربة أميركية تستهدفه إلى ضربة سيرد الجيش الروسي عليها.

بإصرار روسيا على إفشال اتفاق وقف إطلاق النار الأخير دخلت علاقاتها مع واشنطن، ومع القضية السورية أيضاً، إلى مرحلة ستضيق فيها هوامش العمل السياسي بين الطرفين، وستفتح صفحة تجاذبات سلبية مفعمة بالتوتر بينهما، سيكون علينا أخذها من الآن فصاعداً في الحسبان، ومتابعة مساراتها ونتائجها بكل ما تحمله من معان ودلالات خطيرة تتصل بأوضاعنا وتتخطاها في آن معاً، ستأخذنا إلى متاهات دولية دفعنا طوال أعوام الثورة ثمناً فادحاً من دمائنا نتيجة لفرضها علينا، إن لم نواجهها بما تستحقه من جدية واعتماد على قدراتنا الذاتية وقرارنا الوطني المستقل، وحدة قرار وعمل، كانت فيها نهاية قضيتنا، وهلاك شعبنا.

========================

صدام الطائفيات… الوجه السائد لصدام الهمجيات في المشرق العربي الراهن .. جلبير الأشقر

القدس العربي

الاربعاء 2-11-2016

لفت نظري التقرير المقتضب المتعلّق بمعركة الموصل الذي صدر عن وكالة رويترز يوم الأحد الماضي وحرّره مراسل الوكالة، باباك دهقان بيشه، من قرية عين نصير في العراق. فعنوان التقرير ملفتٌ بحدّ ذاته: «فصائل مدعومة من إيران تنضم لحملة تقودها أمريكا لتحرير الموصل رافعة رايات الشيعة». وكأن المراسل أراد أن يتهكّم بسخرية التاريخ القصوى التي تجعل إيران، منذ سنوات عدة بل عقود، في تحالف موضوعي مع «الشيطان الأكبر» حسب التسمية الخمينيّة. ويشير المراسل إلى أنه «على الرغم من أن هذه الجماعات تأتمر رسمياً بأوامر رئيس الوزراء حيدر العبادي غير أن الحشد الشعبي يتألف في معظمه من جماعات درّبتها إيران وولاؤها هو للزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي. كما ترتبط هذه المجموعات بصلات مقرّبة بالجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس ذراع العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني. وشوهد سليماني يجول في الخطوط الأمامية حول الموصل في الأسبوع الماضي».

وبعد التذكير بأن منظمة العفو الدولية سبق أن أدانت «انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان» بينها «جرائم حرب» ارتكبتها الجماعات الشيعية المسلّحة ضد المدنيين الفارين من المناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش، وبعد الإشارة إلى قلق المسؤولين المحليين «من رفع الجماعات الشيعية المسلحة وعدد من وحدات الجيش والشرطة رايات شيعية في المناطق التي تسكنها غالبية سنية حول الموصل»، ناهيكم برفعها «صور الزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي»، نقل مراسل الوكالة عن مقاتلين في منظمة بدر (فيلق بدر سابقاً)، أبرز التنظيمات العسكرية الشيعية الطائفية الموالية لإيران في العراق وأبرز مكوّنات الحشد الشعبي، نقل عنهم نفيهم لصفة الميليشيا الطائفية التي توصف منظمتهم بها عادة.

والحال أن التنظيمات المذكورة كيانات طائفية بامتياز موالية لدولة تختلف عنها قومياً وتشدّها إليها وشائج طائفية بالمقام الأول، تستخدمها إيران في مشروعها التوسّعي في المشرق العربي الذي يستغل الفروقات الطائفية مثلما استغلتها قبله كافة مشاريع الهيمنة الإقليمية السابقة، منذ الزمن العثماني حتى الزمنين السعودي والبعثي (العراقي والسوري في توجّهين طائفيين مختلفين) مروراً بالزمن الاستعماري الأوروبي. وفي انسجام كامل مع هويتها كأدوات طائفية لسياسة هيمنة إقليمية، لا يقتصر نشاط هذه التنظيمات على بلدانها، بل يتعدّى الحدود إلى البلدان المجاورة حيث تقتضي المصلحة العليا الإيرانية. فيواصل تقرير مراسل رويترز مبشّراً بأن التنظيمات الطائفية الشيعية العراقية تستعدّ للتركيز على سوريا بعد القضاء على تنظيم داعش في بلدها، يقول:

«وعبَر عشرات آلاف المقاتلين من الجماعات الشيعية المسلحة الحدود للقتال إلى جانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد بدعم من إيران لكن الحشد الشعبي ليس مشاركاً في المعارك هناك رسمياً. لكن هذا الأمر قد يتغير بعد معركة الموصل إذ قال الائتلاف الشيعي المسلح إنه يعتزم القتال إلى جانب قوات الأسد. ووصف أحمد الأسدي المتحدث باسم الحشد الشعبي خلال مؤتمر صحافي في بغداد يوم السبت سوريا بأنها «الساحة» الرئيسية للقتال معبراً عن استعداد قواته «الذهاب إلى أي مكان يكون فيه تهديد للأمن القومي العراقي». وحمل حائط مكتب منظمة بدر في القيارة يوم الأحد عبارة «من بغداد إلى بوابات دمشق»». (المصدر ذاته)

وقد يخبرنا بعض الناس، سواء كان الأمر عن سذاجة أو سوء نية، أن إيران تخوض معركة ضد الإمبريالية والصهيونية وأن رأس حربة تلك المعركة تنظيم حزب الله اللبناني الذي تصدّى ببطولة للعدوان الإسرائيلي على لبنان قبل أن يقاتل إلى جانب النظام السوري «الممانع». فهل نسي هؤلاء أن نظام آل الأسد شارك في الحرب الأمريكية على العراق سنة 1991 مع الائتلاف الذي قادته الولايات المتحدة، وأن التنظيمات العراقية الموالية لإيران (وفي صدارتها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي انبثقت عنه منظمة بدر) تعاونت مع الاحتلال الأمريكي لبلدها، ودخلت بغداد خلف مدرّعاته سنة 2003 لتشارك في سلطة الائتلاف المؤقتة ومن ثم في مجلس الحكم العراقي، الهيئتين اللتين شكّلهما بول بريمر، المفوّض السامي للإمبريالية الأمريكية، هل نسوا هذه الحقائق الفاقعة؟

وألا يرون الخطورة القصوى للمشروع الذي تزجّ إيران فيه فصائل عربية شيعية، أكانت لبنانية أم عراقية؟ فإن التنظيمات الطائفية الشيعية العربية المسلّحة التي تقف إيران وراءها والمقبولة دولياً باتت تقابلها تنظيمات طائفية سنّية عربية مسلّحة تدعمها جملة من الدول الإقليمية وهي مقبولة دولياً على غرار السابقة. وبالطبع، ليس المقصود هنا المجانين الإرهابيين المنضوين إلى تنظيمي القاعدة وداعش، بل منظمات منضوية في إطار المعارضة السورية المسلّحة تتفق واشنطن وموسكو على أنها ليست من الصنف الإرهابي. فإن سلوك التنظيمات الطائفية الشيعية العراقية واللبنانية من شأنه أن يحثّ التنظيمات الطائفية السنّية السورية على اجتياز الحدود بدورها لتواصل القتال على أرض العراق «من بوابات دمشق إلى بغداد»، إن لم يكن إلى بيروت أيضاً.

وهكذا تخطو أوضاعنا خطىً سريعة نحو تحقّق المشروع القديم الرامي إلى تفتيت المشرق العربي إلى كيانات طائفية متناحرة. وكم كان على حق ذلك المؤرخ الفرنسي الذي قال لي قبل خمس سنوات: «أنتم العرب كنتم تعزون ذلك المشروع تقليدياً إلى الصهيونية، أفلا ترون أن إيران باتت هي أداته الرئيسية؟». وقد تعددت الأسباب والكارثة واحدة: بات صدام الطائفيات الوجه السائد لصدام الهمجيات في المشرق العربي الراهن. وليت جيل «الربيع العربي» يستلهم كلمات إبراهيم اليازجي في قصيدته الشهيرة «تَنَبَّهُوا وَاسْتَفِيقُوا أيُّهَا العَرَبُ» مثلما استلهم كلمات أبو القاسم الشابّي في قصيدة «إرادة الحياة» عندما قام بانتفاضته الرائعة قبل ستّ سنوات:

«خَلُّوا التَّعَصُّبَ عَنْكُمْ وَاسْتَوُوا عُصَبَاً… عَلَى الوِئَامِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ تَعْتَصِبُ»

========================

هدنة حلب… روسيا ترمي الكرة في ملعب المجتمع الدولي .. ميسرة بكور

القدس العربي

الثلاثاء 1/11/2016

روسيا ترمي الكرة في ملعب المجتمع الدولي وتعلن عن تمديد هدنة حلب التي اعلنتها من طرف واحد دون تحديد سقف زمني لها.

بينما يبحث جنرالات امريكيون عن تواجد محدود لهم في سوريا حسب قول الجنرال ستيفن تاونسند، أن الولايات المتحدة تحاول إيجاد موطئ قدم بسيط لها في سوريا. ورجح أن تستغرق استعادة السيطرة على مدينة الرقة السورية بصورة نهائية من تنظيم الدولة وقتا أطول مما تقتضيه معركة الموصل.

في الأثناء صوت مجلس حقوق الإنسان في جنيف، على بدء تحقيق مستقل حول حلب لتحديد كل المسؤولين عن الانتهاكات. بالتزامن مع تشكيل الأمم المتحدة لجنة تحقيق في الهجوم على قافلة إغاثة قرب حلب في 19 سبتمبر/أيلول الماضي.

وقد سبق هذا كله مجلس الأمن الدولي بأن اعتمد تقريرا لآلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشأن استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، وفقا لقرار المجلس رقم 2235 الصادر عام 2015.

لجان جديدة تضاف إلى سلسلة سبقتها من لجان التحقيق الخاصة بالشأن السوري، منها لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية التي أنشأها نفس المجلس في 22 آب/أغسطس 2011 وقدمت العديد من التقارير حول الاوضاع المأساوية في سوريا دون أن تلقى هذه التقارير تحرك دولي عاجل بعيداً عن قلق بان كي مون المزمن الذي رافقه طول فترة وجوده على رأس منصبه الاممي.

كما اعتمد مجلس حقوق الإنسان في جنيف قرارا بشأن «تدهور حالة حقوق الإنسان في سوريا، وطالب القرار جميع الأطراف في النزاع السوري، ولا سيما السلطات السورية وحلفاءها.

ويظل السؤال حائراً ماهي الخطوة التالية التي سيقدم عليها المجتمع الدولي عبر مجلس أمنه أو خارجه. هل هناك بالفعل ما يمكن للمجتمع الدولي القيام به بعيدا عن الفيتو الروسي وسجالات مجلس الأمن والانتقاد والانتقاد المضاد والرد على الانتقاد.

ويغرق الجميع في بحر من السجال العقيم، الذي لا يفيد منه الشعب السوري المحاصر في ريف دمشق والمقتول في حلب وما بينهما من مناطق على خريطة الحمى السوري المستباح من قبل تحالفات دولية وأخرى مسكوت عنها دولياً «ميليشيات ايران».

روسيا تعلن موعد بدء الهدن في سوريا وتمددها ساعات ثم تعلن انقضاء اجلها ثم تعلن أنبعاثها من جديد دون تحديد موعد لنهايتها، برغم أنها ولدت ميتة وعاشت في سرير الإنعاش الأمريكي الذي مازال يستجدي أي بارقة أمل يتمسك بها تنقذ إدارته العرجاء من أي احتمال لو كان ضعيفا جداً، يجبرها على اتخاذ تدابير في سوريا من شأنها قلب الطاولة على الروس وحلفائهم في سوريا أو من شأنها أن تدفع الروس لإعادة النظر لو جزئياً في خياراتهم الدموية في سوريا وترحيل الملف برمته للإدارة الامريكية المقبلة.

نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في تصريحات نقلتها وكالاتُ الأنباء الروسية قال فيها أن الهدنة َالتي انتهت السبت فشلت في تحقيق غايتها من اجلاء الجرحى و المدنيين من أحياءِ حلب الشرقية و المحاصرة بسبب عدم ِالتزام أطرافِ النزاع بها.

عندما تقول روسيا أن الهدنة الإنسانية المزعومة التي اعلنتها فشلت بتحقيق مقاصدها، بسبب عدم التزام أطراف النزاع السوري، علينا هنا أن نتوقف ملياً ونتساءل أين تضع روسيا نفسها في الخريطة السورية هل هي تتموضع بجانب نظام دمشق أم أنها تلتزم الحياد ؟.

أما الحياد الروسي فهذا غير مقبول نصاً وعقلاً، فلا تكاد تخلو نشرة أخبار دولية أو محلية ولا صفحات الجرائد اليومية من خبر يتحدث عن مجازر الطائرات الروسية بشكل يومي واعتيادي.

وإذا أقرت روسيا بعدم التزام اطراف النزاع السوري فهي تدين نفسها فهي على وجه الحقيقة من يقود العمليات الحربية ضد الشعب السوري لصالح نظام دمشق ولمصالحها الخاصة بل هي رأس حربة في قهر وذبح وتهجير ملايين السوريين ومتهمة بارتكاب جرائم حرب ومازالت الانتقادات تترى على روسيا وتستهجن همجيتها في سوريا وسياسة الأرض المحروقة التي تتبعها.

ما الذي رنت إليه روسيا من خلال إعلانها عن هدنة حلب. بكل وضوح روسيا لا يعنيها بحال من الاحوال التدهور الشديد في ملف حقوق الانسان في حلب وغيرها من المدن والبلدان السورية وأنها متهمة بشكل مباشر بارتكاب جرائم حرب واستهداف المستشفيات والمدارس في حلب وعموم سوريا.

الحقيقة الواضحة للعيان أن روسيا حاولت امتصاص تصاعد لهجة الخطاب الموجه لها على خلفية جرائمها في حلب، بإعلان هدنة من طرف واحد مددتها ثم اعلنت انقضاءها.

في غمار انشغال المجتمع الدولي في كيل التهم للروس وعقد المؤتمرات واللقاءات الثنائية والرباعية من جنيف إلى برلين مروراً ببروكسل ولوزان فلندن.

لا يخفى على مراقب النوايا من وراء الهدنة الروسية المزعومة في حلب، رمي الكرة في ملعب المجتمع الدولي بالقول أننا دعونا إلى هدنة إنسانية من جانبنا لكن الاطراف الأخرى المدعومة من قبل الجانب الأمريكي والأطراف المحلية والأوروبية لم تلتزم بما عليها وأن أمريكا وحلفاءها المحليين والدوليين لم يفلحوا بالقيام بما يجب عليهم، اجبار المعارضة بالقبول بالشروط الروسية على رأسها فصل قوات المعارضة المعتدلة عن الأخرى المتطرفة بحسب التصنيف الروسي.

أرادت روسيا من خلف هذا كله إحراج امريكا، وإحداث شرخ بين الفصائل العارضة وقاعدتها الشعبية التي تتطلع لتوحيد كل الفصائل المسلحة والاندفاع نحو دمشق ولا ترغب في متابعة مزيد من التقاتل بين تلك الفصائل.

وعملت روسيا على استغلال الوقت المتاح لها في حشد مزيد من قواتها على كل المستويات البحرية والجوية والبرية.

كثيرة هي التقارير التي اشارات إلى أن روسيا ارسلت مزيدا من مدمراتها وبوارجها البحرية في مقدمتها حاملة الطائرات الروسية الوحيدة الأميرال كوزنتسوف، التي تحمل طائرات مقاتلة والسفينة الحربية بيوتر فيليكي، التي تعمل بالطاقة النووية وتعود للحقبة السوفيتية. ومن هذه التقارير ما نقلته وكالة رويترز عن دبلوماسي كبير في حلف شمال الأطلسي، الذي اشترط عدم الكشف عن اسمه «ينشرون كلاً من أسطول الشمال وجزءاً كبيراً من أسطول البلطيق، في أكبر انتشار بحري على السطح منذ نهاية الحرب الباردة».

التقارير المذكورة تشير إلى شيء واحد مفاده أن الروس يستعدون لحملة ابادة شاملة لا تبقي ولا تذر على حلب ومحيطها حتى ادلب. تقضي بشكل نهائي على تواجد الفصائل السورية المعارضة لنظام دمشق وتثبت وجوده، وفرض أمر واقع على أي خيارات آخرى سواءً في جنيف وغيرها من المؤتمرات الدولية الهادفة لإنهاء الوضع القائم في سوريا، هذه المرة حسب المزاج الروسي الذي وقع رئيسه فلاديمير بوتين، القانون الخاص بالمصادقة على اتفاقية نشر قوات جوية حربية روسية في الأراضي السورية بشكل دائم.

لا يبدو أن روسيا في وارد تقديم أي تنازلات في الملف السوري بل هي تستغله في البازار السياسي الدولي من بحر الصين مروراً بصنعاء وصولاً للبلطيق.

بينما تنشغل امريكا في انتخاباتها الرئاسية وفضائح مرشحيها، والتخطيط لأستغلال كل الظروف في حربها الكونية على تنظيم الدولة في الموصل تمهيداً لمعركة الرقة. ولا تريد أن تفكر بأي شيء أخر يعكر مزاج مخططيها لحملة الاطاحة بآخر معقل للتنظيم في الرقة السورية.

تجد أوروبا نفسها مضطرة لإتخاذ إجراءات وقائية لمواجهة التغول الروسي وعدم المبالاة الامريكية في كبح جماحه.

ومن خلفها حلف شمال الأطلسي، الذي دعا، أعضاءه للمساهمة في أكبر حشد عسكري على الحدود الروسية منذ الحرب الباردة، تعبيراً عن مدى الرعب الأوروبي من التوحش الروسي واستغلال الظروف الدولية الناتجة عن سياسة اوباما من الانسحاب من السياسة الخارجية الدولية والانكفاء على الداخل الأمريكي وبعض الشيء في منطقة بحر الصين.

بينما اكتفى الأمين العام لحلف شمال الاطلسي، روسيا «لوقف عدوانها على سوريا»، والسماح بالعمليات الإنسانية.

في دعوة تثير الشفقة على الحال الذي وصل اليه الحلف الأكبر في العالم أمام الأطماع الروسية.

كاتب وباحث سوري

========================

الملحمة الكبرى وتحرير المدينة .. عمار ديوب

العربي الجديد

الثلاثاء 1/11/2016

شكّل الاتفاق على إخراج عناصر "فتح الشام" موضوعَ إجماعٍ تركي سعودي أميركي روسي، مقابل ذلك يتم إيقاف الدمار عن حلب، والاعتراف بوجود المعارضة، والبدء بإيصال المساعدات، وهو ما عادت روسيا عنه، وكان سبباً في إيقاف أميركا التنسيق معها؛ لكن النظام وإيران يريدان استعادة سورية بأكملها، وهذا ما ساهم بتعطيل الاتفاق المذكور. روسيا التي تعلم ضعف النظام وإيران وعدم قدرتهما، بل وهي ذاتها، على استعادة حلب وكل سورية، ما زالت وعلى الرغم من اقتراب منطقها من منطق النظام في أن كل الخارجين عنه إرهابيون، ما زالت تُعطي للحل السياسي دوراً أساسياً؛ فهي تعلم حجم التدخل الدولي والإقليمي في الحرب ضد الثورة السورية، وتخشى من تصاعد الخلافات الدولية مع أوروبا والتورّط المستنقعي في سورية. وبالتالي، لا بد أن تُؤخذ مصالح الدول المتدخلة في سورية بالاعتبار، عدا أن روسيا نفسها ليس من مصلحتها أن تعود سورية إلى ما قبل 2011، حيث كان دورها محدوداً قياساً بإيران، وكانت توجهات النظام نفسه نحو تعزيز العلاقات مع أميركا. في هذا نرفض رأياً شائعاً وكأنه مسلمة: إن علاقات روسيا بسورية كانت قويةً، وتضاعفت بعد 2011. وهذا خطأ! فسورية كانت منفتحة نحو تركيا، وتطلب من الأخيرة بناء علاقات لها مع إسرائيل وأميركا، ولا سيما بعد إخراج جيشها من لبنان 2005.

لم يكن أمام الفصائل في أحياء حلب الشرقية، وقد شعرت بأن إيران والنظام يُجهِّزان لمعركةٍ كبرى، إلا البدء بمعركة كبرى أيضاً سُميت "ملحمة حلب الكبرى"، وهم يحرزون انتصارات قوية على قوات النظام وإيران. روسيا تتمهل في الرد الجوي، ويبدو أنها تريد تلقين النظام وإيران الدرس نفسه مجدّداً، ألا وهو أنها هي بالذات من تضع خطط الحرب والسلم في سورية، وحالما تخسر قواتهما أكثر فأكثر سيذعنان مجدّداً ويطلبان النجدة، وسيكون هناك دمار كبير وخطير، ليس في أحياء حلب الشرقية، بل وكذلك الغربية. نقول الغربية هنا، لأن الفصائل

"معارك لتدوير الزوايا والضغط السياسي بين الدول نفسها، لإيصال الوضع السوري نحو حلٍّ، تتحكم فيه روسيا بالتوافق مع أميركا وإسرائيل" المقاتلة هناك أصبحت بوضعية خطيرة، إما أن تفك الحصار عبر التقدّم نحو الغربية، وشلّ حركة الطيران الروسي خصوصاً، وإحداث أكبر ضرر فيها. وبالتالي، إجبار النظام وإيران وروسيا على البحث عن هدنةٍ حقيقية، وربما اعتراف جدي بوجود المعارضة، والإقلاع عن رؤية النظام بتحرير المدينة، كما قال وزير خارجيته، وليد المعلم، في الاجتماع الوزاري في روسيا قبل أيام، أي أن الفصائل تعي جيداً أن سحقاً قادماً سينالها لو بقيت صامتة.

لا شك أن معركة حلب الكبرى ليست من عمل الفصائل نفسها؛ هي مدعومة من تركيا والسعودية وربما أميركا، والقصد إنهاء أحلام النظام وإيران بالتحديد بتحرير المدينة، كما قال المعلم. إذاً هناك إجماع دولي وإقليمي أن حلب ستظل كما هي مع تغيّر طفيفٍ في الأماكن التي يسيطر عليها كل طرف. ولكن، لن يُسمح بانتصار أي طرف على الآخر. وبالتالي، سيكون هناك تصعيد كبير من الجانبين، وسيُفك الحصار جزيئاً، ولكن ستتوقف المعارك لاحقاً، وسيكون هناك اعتراف بالفصائل في الشرقية وبمجلسها المحلي، وربما هذا ما سيهيئ لهدنةٍ دائمة، وبداية مفاوضات جدية للحل السياسي. وما قاله الوزراء المجتمعون في روسيا، أي وزراء الخارجية، الروسي والإيراني والسوري، بخصوص الذهاب نحو المفاوضات، يأتي بهذا السياق.

ليس في التوازنات الدولية السابقة في سورية تغييرٌ كبير؛ فسيستمر التنسيق التركي الروسي بمحيط حلب خصوصاً، وسيكون للأتراك دورٌ أساسيٌ في معركة الرقة لاحقاً، وسيشعر زعيم الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، صالح مسلم، بالخذلان أكثر فأكثر، فقواته ستخرج من منبج، وسيحاول التمسك ببعض مما أحرزته قواته شرقي الفرات، وربما حتى هذه لن تظلّ تحت سيطرته، وغالباً لن يُسمح له بالمشاركة في معركة الرقة. وأما أميركا فسيظل تركيزها على داعش، وستتوضح سياساتها أكثر، بعد نتائج الانتخابات، وقد تدفع إلى حل سياسي جديّ حينها في سورية والعراق. وستشكل المعارك ضد داعش في الرقة مرحلة جديدة في التنسيق بين الأميركان والأتراك والروس، وهذا سيتطلب قوات عربية سورية، وتشير الاحتمالات إلى أن تكون قوات من الفصائل المقاتلة، وليست من قوات النظام. الجديد هذا، والذي يُعلن عنه تباعاً، أي معركة تحرير الرقة مع تحرير الموصل وبعده، وتطور الأوضاع في حلب، وشعور الروس بأنه يستحيل استعادة هذه المدينة، ونضيف هناك إرسال الأسطول البحري الروسي إلى سورية، كلها عناصر تدفع بالبحث عن حل سياسي. وستكون معادلة هذا الأمر ثلاث مسائل: إنهاء داعش، وتهميش حركة فتح الشام، وتحديد مصير الشخصيات الأساسية في النظام السوري.

وإذا كانت مسألة داعش لا نقاش فيها، ولا يلغي تأخر الحسم ضدها أنها قضية موضوعة على

"لا يوجد خيار روسي متفرد في سورية، وهناك خيار أميركي داعم للروس فيها" طاولة البحث في الأشهر المقبلة، فإن مسألة جبهة فتح الشام، جبهة النصرة سابقاً، هي الأعقد من دون شك، وعلى الرغم من توفر معطيات أولية تقول إن شقاقاً سيتصاعد بينها وبين "أحرار الشام"، حيث تشارك الأخيرة في درع الفرات التي رفضتها جبهة الفتح، فإن تصاعد الضرب ضدها في إدلب في مرحلة لاحقة، سيضعها في "خانة اليك"، أي عليها أن تحل نفسها أو تسلم السيطرة إلى "أحرار الشام" وتنزوي، وهناك أيضاً السحق. يضاف إلى هذه القضية موضوع الشخصيات الأساسية، وأيضاً تشكل معركة حلب ضد النظام نقلةً نوعيةً في حسم قضية إقصائهم عن السلطة في إطار الحل السياسي.

تضخيم دور روسيا، وأنها تبتزُّ أميركا وتريد فرض هيمنتها دولياً عبر الصراع على سورية، كلام صحيح، لكنه يصبح خاطئاً، حينما يتم تصوير روسيا كأنها تفرض خياراتها على أميركا، أو أنها فعلاً قادرة على إملاء الفراغ الأميركي في منطقتنا. وبالتالي، لا يوجد خيار روسي متفرد في سورية، وهناك خيار أميركي داعم للروس فيها، وهو ما سيعيد الصلات بين روسيا وأميركا في مرحلة لاحقةٍ بخصوص سورية، وكذلك بخصوص كل المسائل الدولية، فالدولتان تحتاجان بعضهما في مواجهة الصين.

إذاً ليست معارك التحرير الكثيرة، وكذلك الملاحم، سورية، ويُمنع أن تكون مستقلة. هي معارك لتدوير الزوايا والضغط السياسي بين الدول نفسها، لإيصال الوضع السوري نحو حلٍّ، تتحكم فيه روسيا بالتوافق مع أميركا وإسرائيل. ولكن، تتهمش فيه كل الدول المُوغلة في سورية، بدايةً من إيران، وليس نهايةً بالمملكة العربية السعودية.

========================

الباب مدينة النوافذ المغلقة .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 1/11/2016

تعثرت معركة الموصل في انتظار شكل مشاركة تركيا الذي سيفرض مقابلاً مذهبياً لدخول إيران، على شكل حشد شعبي ومليشيات متنوعة، كما ستشكل تركيا معادلاً عرقياً وسياسياً للكرد المتوزعين قرب الموصل، لترسّخ نفسها أمام وجود كردي، اكتسب مقاتلوه تمرسّاً وتدريباً وخبرة مضافة في السنوات الأخيرة.

قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في خطابه يوم 22 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، إنه ينوي الذهاب عميقاً في الأراضي السورية حتى مدينة الباب الواقعة حالياً تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية. وجاء هذا التصريح في ظل تعثر معركة الموصل، لاعتباراتٍ قد تكون مشتركة مع معركة الباب، وهي مشاركة الجانبين، التركي والكردي، في هذه المعركة. كانت القوات التركية قد صنعت رأس جسر لها داخل الأراضي العراقية في منطقة بعشيقة، وحوَّل التداخل التركي المباشر بين سورية والعراق خطط أردوغان من مجرد الدعم السياسي واللوجستي لحلفائه إلى الهجوم المباشر.

تعتبر الباب عاصمة الريف الشمالي لحلب، وهي آخر معقلٍ مهم لتنظيم الدولة الإسلامية في هذا الريف، وقد تجمَّع في الباب كل مقاتلي داعش المنسحبين من منبج ودابق، ويبدو التنظيم عازماً على الدفاع عن هذه المدينة، وليس في نيته الخروج منها بسرعة، لأنها أول خطوط دفاعاته عن الرقة، ويسبب فقدانها تهديداً لوجوده غرب النهر. ول "الباب" أيضاً أهمية كبرى لدى قوات الحماية الكردية، لأنها تقع على الطريق بين منبج وعفرين، ولا تخفي هذه القوات نياتها بالوصول إلى الطرف الكردي في أقصى الشمال الغربي لسورية، لكن خطاب أردوغان المذكور رفع سقف مطالباته إلى أقصى حدٍّ بجعل معركة منبج تالية لمعركة الباب، ما يعني رفضاً تاماً لأي وجود كردي في غرب النهر، وسبيلاً للحصول على منطقة الخمسة آلاف كيلومتر مربع، المحاذية للضفة الغربية لنهر الفرات والممتدة غرباً إلى أعزاز شاملة منبج والباب وتل رفعت. يمكن لمنطقةٍ من هذا النوع، لو تحقق لها الحياة، وهناك من يعتقد بأن ثمة اتفاقاً روسياً تركياً لتحقيق ذلك، أن تكون ملجأ انسانياً مهماً يسهل عمليات إدخال المساعدات والأغذية، قد يخفف من عبء اللاجئين المتدفقين إلى الجانب التركي، ومن ثم يخفف ضغط اللاجئين على أوروبا، ويمكن أن يتشكل فيها نواة لجيش معارض ذي طبيعة مدنية، بدون أي أجنداتٍ دينيةٍ أو مذهبية، تحت الرعاية التركية، وهذا ما يخشاه النظام، وقد يعمل على تقويضه، وربما يمكن تفسير رمايات جيش النظام على قوات التحالف التركي قبل أيام، وفقاً لذلك، فالنظام المشغول حتى أذنيه بمعركة حلب سيضع عينيه على منطقة الشمال مجدّداً، وقد كان مطمئناً لوجود قوات تنظيم الدولة فيها، وكان سيزداد اطمئناناً لو دخلتها قوات كردية، لكن وجود تحالف قوات معارضة معتدلة، تدعمها تركيا، جعل موقفه حرجاً حتى في حلب نفسها.

قد تكون معركة الباب مؤجلةً إلى ما بعد انتهاء معركة الموصل، فالاتفاق العراقي والتركي والكردي، والأميركي أيضاً، مطلوب بشدة لتنسيق عملية الموصل. وإذا قيّض لكل الأطراف الوصول إلى هذه النقطة، فإن خروج تنظيم الدولة سيصبح أكثر سهولة. ولكن، ما زال مثل هذا الاتفاق مستبعداً، بالإضافة إلى أن التنظيم لن يغادر الموصل، إلا بعد أن يتأكد أن طريق مواصلاته إلى سورية سيكون آمناً، أو متاحاً، الأمر الذي أكدت الخطة الأميركية أنه لن يمر. وعلى الرغم من أن العدو في المعركة، نظرياً، هو تنظيم الدولة فقط، لكن الوصول إلى كيفية التخلص منه يتطلب تنازلاتٍ مُرة، قد لا يقبل أحد من الأطراف بتقديمها. الوجود الكردي الكثيف قرب تجمعات حضرية عربية في الموصل ومنبج شمالي حلب، برَّره وجود تنظيم الدولة وإمكانات مواجهتها المتاحة، لكنه بدأ يُستغل لصالح أهداف إثنية ذات طابع تاريخي، تجد تركيا فيها تهديداً كبيراً. لذلك، يمكن أن تكون معركة الموصل اختباراً جدياً سيشكل "بروفا" مفيدة، قبل الشروع في معركة الباب.

========================

الحروب المتواصلة.. أين المعنى؟ .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

الاثنين 31-10-2016

مضى على الحرب على حلب عامٌ ونيّف. وتنشب الآن حرب الموصل. وعلى حواشي الحربين وبجوارهما، ومنذ عام 2013، تقاطعت الحروب وتواصلت: سيطر «داعش» على مساحات ومدن في سوريا والعراق، وهبّ التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة لمصارعة «داعش»، بقوى الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية بالعراق، وبالميليشيات الكردية في سوريا. وفي الحالتين (سوريا والعراق)، ومن جانب الأكراد والميليشيات العراقية والمتأيرنة في البلدين، جرى قتل عشرات الألوف، وتهجير مئات الأُلوف الأُخرى. وقد وقعت الخسائر الأقلّ في صفوف «داعش» بالطبع. ثم رأى الروس في عام 2015 أن لهم مصالح بالتدخل الصاعق في سوريا. والهدف المعلن الحيلولة دون سقوط نظام الأسد، بعد أن عجز الإيرانيون وميليشياتهم عن بلوغ هذا الهدف. وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة دخل الأتراك على المشهد بعد مهادنة الروس، والمماحكات الكثيرة مع الأميركيين. واحتلوا بمساعدة عدة آلاف من الكتائب المسلّحة (درع الفرات) نحو 1200 كيلومتر، مُخرجين «داعش» منها، ومعلنين نيتهم إقامة منطقة آمنة على حدودهم للاجئين السوريين من جهة، وحائلين من جهة ثانية دون إقامة كيان كردي على تلك الحدود.

لقد سلّم الأميركيون على مضض بالتدخل التركي في الشمال السوري. لكنهم والروس وضعوا له حدوداً بمدينة الباب، التي تتقدم قوات «درع الفرات» نحوها. وكما يطمح الأتراك لإخراج «داعش» من الباب، فهم لا يزالون مصرّين على إكمال إخراج الأكراد من منبج، إذ بنظر تركيا لا مكان للأكراد في غرب الفرات، ولا على الحدود التركية. لكنّ الأتراك يجدون مصلحة لهم بالتدخل في العراق أيضاً، أي في شرق الموصل. فمنذ 2014 تمركزت بضع مئات من قواتهم على أطراف بعشيقة ناحية الحدود التركية مع العراق وسوريا. وهناك آوى الأتراك وجنّدوا نحو خمسة آلاف عراقي معظمهم من الموصل وقراها بقيادة أثيل النجيفي، محافظ الموصل السابق، وسمَّوهم «الحشد الوطني». ومنذ ستة أشهر، وبعد أن بدأ الأميركيون والعراقيون وأكراد البارزاني يخططون لحرب الموصل، تصاعد احتجاج حكومة العبادي ضد التدخل التركي. الأتراك يقولون إنّ لهم ثلاثة أهداف في المنطقة: أولها منع تمركز «حزب العمال الكردستاني» فيها كما فعل في سنجار. وثانيها مَنْع تهجير مئات الآلاف من سكان الموصل وقراها باتجاه تركيا كما حصل في سوريا (نحو ثلاثة ملايين). أما الهدف الثالث فهو منع ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية من الاستيلاء على تلعفر ونواحيها، وهي منطقة خليط من التركمان الشيعة والتركمان السنة والعرب، وذلك لمنع التهجير، ومنع إيران والأكراد (حزب العمال) من أن يكون لهم ممرٌّ بين إيران والعراق وسوريا في ذاك المثلث الخطِر. الأميركيون حاولوا التوسط لكي يتمكن الأتراك من المشاركة في تحرير الموصل ونواحيها، لكنّ العبادي رفض، والأميركيون أعلنوا من جانبهم أنهم لا يوافقون إلا على ما توافق عليه الحكومة العراقية ذات التوجه الإيراني!

هناك إذن، في العراق وسوريا، عدة أنواع من الحروب رمزاها الكبيران حلب والموصل. وهذه الحروب تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية. الدوليون رأسهم الولايات المتحدة وروسيا. والإقليميون رأسهم إيران وتركيا. أما المقاتلون على الأرض، إضافة إلى الجيش السوري والجيش العراقي، فهم سوريون وعراقيون يتبع بعضهم إيران وبعضهم تركيا وبعضهم الأكراد على أصنافهم. وبسبب تعقيدات المشهد المتزايد، كفّ المراقبون عن محاولة الفهم، واعتبروا الأمر كلَّه فاقداً للمعنى!

والواقع ليس كذلك؛ فعلى الأرض يجري تهجير الناس وقتلهم في سوريا والعراق. وهم جميعاً من العرب السنة. وهناك فرق بين المظلة الأميركية والمظلة الروسية. فالروس ليس بينهم وبين النظام السوري والميليشيات الإيرانية أي تمايزات. بينما نجد أنّ «التحالف» المسمَّى على الولايات المتحدة فيه تمايزات كثيرة. ففي حين تتحالف الولايات المتحدة مع الأكراد المسلحين منذ ثلاث سنوات بحجة مقاتلتهم ل«داعش» في العراق وسوريا، ما سعت حقاً لتدريب وتسليح سكان المناطق من العرب السُّنة، لا لمقاتلة «داعش»، ولا لمنع تهجيرهم. لذلك، لا يجد العرب السُّنة مظلةً إلاّ من خلال التدخل التركي المحدود، والذي يملك أهدافه الخاصة التي لا يتجاوزُها أو لا يستطيعُ تجاوُزَها. والولايات المتحدة لا تكاد تغطّيه في سوريا، وترفض تغطيته بتاتاً في العراق.

الإيرانيون وميليشياتهم متقدمون على الأرض في سوريا والعراق. والأرجح أن تقدمهم سيزداد في الشهور القليلة المقبلة، وبمساعدة روسيا وإيران، وغضّ النظر من الولايات المتحدة. ويقول المراقبون إن النزاع سيطول. وهذا ليس فيه عزاء، لأن المعاناة انصبّت وتنصبُّ على رؤوس العرب السنة في سوريا والعراق.

========================

السوريون مختلفون…. كفى! .. د. يحيى العريضي

كلنا شركاء

الاثنين 31-10-2016

السوريون مختلفون” عبارة قالها أحد كبار القلوب والعقول بعد الإنفصال في بداية الستينيات من القرن المنصرم. وقتها- رغم الألم-  لم يكن وجودهم أو بقاؤهم بالميزان، كما هو اليوم. اليوم، آخر هموم العالم حياتهم وحياة بلدهم. اليوم السوريون مختلفون قي كل شيء، وعلى كل شيء، وحول كل شيء. لن أتعمق في بحث الأسباب ؛ لأن ذلك سيعمق ويعقد ما يمكن أن يتم ترميمه من اجل عودتهم وعودة بلدهم إلى الحياة. سأنظر في أوجه الإختلاف ، في مواضيعه، في زوايا الرؤية؛ وفي البحث عن طرق للحد أو التخفيف من الفجوات بينهم.

هناك الخلاف الكلّي في مواضع والنسبي تجاه أخرى؛ وهناك قضايا لا خلاف عليها بينهم، كيفما وأينما كانت أو تموضعت زاويا رؤيتهم. أرى أنه إذا جعلنا من الصنف الثالث( أي النقاط التي لا خلاف عليها) أهدافاً لا بد من تعزيزها والبناء عليها؛ ومن النقاط التي عليها اختلاف نسبي قضايا لا بد من التركيز عليها بحثاً وتفكيراً وتمحيصاً لإجلاء غيومها وكدرها وتدرناتها المصطنعة؛ ومن تأجيل نقاط الخلاف الكلي إلى لحظة قوة السوري وتسلحه بمزيد من نقاط التفاهم ، نكون قد ساهمنا بعودتنا جميعاً وبلدنا إلى الحياة.

لا يختلف سوريان على أن لا قيمة للإنسان بلا كرامة، وأن الوطن جزء أساسي من كرامة الإنسان؛ وأن سجن السوري ليس وطناً ولا المقبرة وطناً ولا تركيا أو لبنان أو الأردن أو أوروبا وطناً للسوري. ما من سوري يريد أن يرى مَن يتحكم بقرار الموت والحياة والسيادة في سوريا سعودي أو إيراني أو قطري أو أفغاني أو أمريكي أو روسي أو لبناني أو عراقي أو أوربي. وبالتأكيد- حتى الموالون للعظم لبشار الأسد- لا يريدون أن يكون سيدهم ومن حوله مجرموا حرب يُساقون إلى المحاكم الدولية لأنهم رأوا ان بقاءهم يستلزم إلغاء الآخر. ليس هناك من سوري لا يتمنى أن يتحرك بحرية وأمان في كل بقعة من أرض سوريا.

يختلف السوريون في موقفهم تجاه الخارجي الذي تدخل في سورية؛ تتناقض سردياتهم تجاه الآخر تناقضاً مطلقاً: بعضهم يرى في تدخل “حزب الله” مهمة مقدسة كجزء من /المقاومة والممانعة/ للوقوف في وجه “المؤامرة الصهيونية التركية الأمريكية الخليجية” التي تستهدف النظام المقاوم والممانع وظهير المقاومة التي تقف في وجه إسرائيل؛ وهذا الفريق يرى في التدخل الإيراني والروسي الهدف ذاته. وفي الضفة الأخرى هناك من يرى أن كل تلك التدخلات لحزب الله وإيران وروسيا كانت من اجل الحفاظ على نظام قاتل مستبد لا يقبل أن يقول له أي مواطن سوري “لا”.

يختلف السوريون وينقسموا إلى ضفتين متناقضتين تجاه معالجة ما حدث وأسبابه وطرق معالجته. لا أحد في ضفة النظام ومع سرديته يقبل بأن النهج العنفي الذي اختطه النظام لنفسه في ردع وقمع الحراك السوري السلمي في أوله لم يكن مناسباً ولم يكن مبرمجاً لأن النظام في عقيدته الأساسية مبني على المواجهة الدموية مع أي تحدٍ داخلي يواجهه. ولا أحد من هؤلاء يقبل بأنه لم يكن هناك مؤامرة سعودية-تركية صهيونية – أمريكية على ضرب سورية. عندما كثّف النظام حال من يقاومه بمقولة “الإرهاب” وساق بها لتلتقي مع الهاجس العالمي من الإرهاب، اشترى هؤلاء المقولة وساقوا بها وكأنها منزّلة. كان ذلك بالنسبة لهم وصفة إعجازية سحرية، دفعت العالم للاختيار بين نظام سيدهم والإرهاب. تلك المواقف وتلك السرديات أضحت صخوراً متكلسة يصعب تفكيكها. إن ركز السوريون على الخوض في هذه المسائل، لن يصلوا إلى أية حلول داخلية؛ بل سيزداد الشرخ وستكون شرذمة بلدهم تتم بيدهم لا بيد أحد.

من هنا لا بد من الارتحال قليلاً نحو ضفة الآخر. هناك من هم بين الضفتين؛ احياناً يُطلق عليهم صفة الرماديين؛ لا ينجو هؤلاء من تقريع سكان الضفتين. من هنا لا بد بعد محاولة اقتراب الضفاف من بعضها البعض من أن يتم التركيز على ما لا خلاف عليه. لا يأتينا الروس محتلين، لو لم يكن هناك إرادة ما عند صاحب البقاء على كرسي الدم حتى لو زالت سوريا؛ وهذا لا مصلحة لأحد به. ولا يتراخى الأمريكيون الطامعون بإضعاف بلدنا من أجل إسرائيل مع الروس، لو لم يكونوا على ثقة بأن الروس سيقومون بما يتمنى الأمريكيون أنفسهم القيام به لو لم يتبرع الروس لأغراضهم وغاياتهم القيام به. وما إيران مغرمة بأمننا والحفاظ على أرواحنا امام مطامحها بنشر أفكار الثورة الإسلامية. ولا تركيا مغرمة تاريخياً بالسوريين لتقف هذا الموقف، فهاجسها الكردي فوق كل اعتبار لحياة أي سوري. وما الدول العربية –الخليجية تحديدا أو الأردن بذاك الإيثار تجاه حياة سوريا وأهلها لتقف هذه المواقف منّا؛ كان هاجسها إعطاء دروساً لشعوبها وجعلنا ممثلة يُتَّعضُ بها. ما معنى تلك الحنيَّة الإسرائيلية على جرحى الثوار ليأتي نتنياهو ويعودهم في مشافي إسرائيلية أُسعفوا إليها؟ هل فكرنا بكم كان فاعلاً بالنسبة لإسرائيل ذلك الشعار الوحشي الذي أطلقه النظام: ” أحكمها أو أدمرها”؟ من هو الأسد ليكون “هو” أو “سوريا”؟ هل فكر من هم على ضفته بانه من المستحيل ان يكون إنسان أغلى من ثلاثة وعشرين مليون إنسان وبلد بظهرهم؟ متى كانت ثلة لا يتجاوز عددها المئة معضمها قاصر معرفياً وحتى أخلاقياً لتنطق باسم مَن نشدوا الحرية ووقف الاستبداد والدكتاتورية؟! كما التونسي أو الليبي أو أي قاعدي أتى ليقيم مملكة الله في سوريا لا مكان له فيها؛ لا مكان لميليشيات حزب الله وإيران وطائرات بوتين التي تدمر مدارسنا ومشافينا.

لا منطقة رمادية في سوريا، ولا محايدة تجاه القتل والدمار من أي جهة كانت، وخاصة من طائرات ومدافع وصواريخ دفع السوريون دمهم ودموعهم لشرائها لاسترداد حقوقهم المغتصبة من قبل إسرائيل. لا يحق لنظام أن يوقع على صك استسلام لبوتين كي يبقى في السلطة. بوتين لن ينجي النظام ولا الموالاة، ونلاحظ أن مجرد انحسار تغطيته الجوية يكون الاندحار والهزيمة أمام الآلة الحربية الأخرى. السوري الذي تهمه كرامته ووطنه وعودتهم إلى الحياة لا يريد كل هؤلاء.

السوريون مختلفون؛ صح، ولكن لا بد لما يجمعهم ولعقولهم أن تكون أقوى مما يفرقهم. لو كان بشار الأسد ومن يختبئ في ظلاله قابلين للبقاء بعد كل ما حدث ليبقوا، ولو كانوا إلا استمراراً للنزف السوري ليبقوا، ولو كانوا إلا مصدراً لعار أبدي ليبقوا، ولو كان هاجسهم إلا البقاء حتى ولو عم الدمار (شعارهم يروي الحقيقة: “نحن او الدمار”) ليبقوا.

بقدر خلافاتهم وتباعدهم وبقدر الدم والدمار ، السوريون يمتلكون من الصفح والسماح والقدرة على التفكير بسمو أمام الهدف الأكبر {عودة سوريا وأهلها إلى الحياة الكريمة} ليقولوا كلمتهم، وليوقفوا كل قول.

========================

عودة الطوائف .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 31-10-2016

يُذكر أنه مع إرهاصات تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وتحوُّله إلى كائن صريع، بدأت تفصح عن نفسها عناصر بنيته المفتَّتة، والأسباب الكبرى التي أودت بحياته، وكان ذلك بمثابة مصادقة على ما كان يقدِّمه ناقدوه من الشرق والغرب، من أمثال الكثيرين الذين انتقدوا البيروقراطية والاستئثار بالسلطة وبالإعلام وبالمرجعية السياسية في الاتحاد السوفييتي على نحو أدى إلى نمط من الدولة والحزب الحاكم يفتقد القدرة على تغطية التمثيل الشعبي العام، وعلى إنجاز المهمات التاريخية المطروحة في حينه. لقد كان سقوط الاتحاد السوفييتي مدوياً على ما أتى به من مشكلات معلقة أو مغلقة، ومن ذلك كانت مشكلة أو مشكلات الانتماء الديني والطائفي والعرقي والمذهبي التي استعصت على الحل.

لقد اتضح أن تلك المشكلات، التي ظل الباب مغلقاً حيال حلها، لم يجر تجاوزها قسراً أو عفوياً. لقد ظلت تحفر في حياة الناس، إلى درجة أنه ما إن أُعلن عن سقوط الاتحاد السوفييتي، حتى راحت جموع الطوائف والأعراق وأصحاب المذاهب تعلن عن حضورها الحيّ الفاعل، وكأنها إذا غابت من قبل فإنها غابت لتخرج إلى الناس على نحو ثأري! هكذا عشنا أحداثاً من هذا الطراز، في أعقاب أحداث سياسية وعسكرية في العالم العربي، لتواجه حصاراً وتغييباً أولاً، ولتبدو لاحقاً وكأنها هي وحدها ذات الحضور. ها هنا نحتاج إلى دراسة هذه الظاهرة في ضوء علم النفس الجماعي وعلم الاجتماع النفسي.

نعم، ظهرت الطوائف والصراعات الطائفية والمذاهب الدينية مع الصراعات بين هذه وتلك، بحيث طفت على الصراعات الطبقية والاقتصادية، مما خلط الحابل بالنابل، ونلاحظ شيئاً من ذلك في العالم العربي بصور متصاعدة متحاربة، خصوصاً في البلدان التي رفعت راية العروبة والاشتراكية على أيدي حزب «البعث» وأحزاب قومية في سوريا والعراق، وارتبط بها في لبنان وليبيا ومصر واليمن ما يقترب من التنظيمات السياسية والأيديولوجية، فبقدر ما كان في بلدان المنظومة الاشتراكية السابقة، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، وفي العالم العربي ربما دون استثناء من هيمنة للأفكار ما بعد الطائفية والمذهبية الدينية وغيرها من هذا القبيل، فإن الأمر يتعلق بحالة من طغيان الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية والعرقية، التي نعيشها في راهننا، لقد حدث طغيان للفاشية الدينية بملحقاتها من تكفير وتدمير وإقصاء للمنظومة التنويرية وما يقترب منها. وبكلمة، أصبح الحقل الأيديولوجي الديني والعرقي سيد الموقف.

في سياق ذلك كله وعلى أعقابه المؤسسة على الخذلان واليأس والاضطراب، ظهرت الأرض وكأنها، لأول مرة، تعيش الوباء الأعظم باسم الطوائف وملحقاتها مجسداً ب«داعش» الأول الأصلي، أي التنظيم الديني العالمي، الذي حمل لواء سحق ما لا ينتمي إلى الحقيقة المطلقة الكلية كما يراها التنظيم الذي يظن أنه سيُنهي الظلم والظلامية، ويؤسس لعالم جديد يطيح بما سبق. أما من كان يدعو إلى العدل والمساواة والحرية والعروبة والاشتراكية في العالم العربي والإسلامي، فقد «اكتشف» أن ما يضارع هذا كله إن هو إلا «الأصول» في العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن، الخ، التي التصقت ب«البعيدة في التاريخ منها»، ما قبل المجتمع الوطني.

ها هنا، يبرز أمامنا «الواحد»، الذي يجسد البنية الأصلية للبشر، والذي اعتُقد أن كيانه مع كيانات الآخرين من أسرته هم الأقرب إليه، وبذلك، يبرز خط العودة إلى الأصول بمثابة اقتراباً من «الأنا»، أو اندماجاً فيها، وهذا بدوره يقرب من مجموعات بشرية راهنة، لم تتح لها عملية الاندماج الاجتماعي في مجتمع مؤسس على عائلات وفئات وطبقات وغيرهم، فهؤلاء نجدهم مجسَّدين في الميليشيات العصبوية والممثلين ب«الحوثيين اليمنيين»، والطريف في ذلك أن أقواماً أو بقايا من هذه الأقوام الموجودة في بعض زوايا عالمنا قد تمثل - في رأي آخرين - أنموذجاً للكائنات التي لم تنخرط في الحضارة الحديثة، ببحرها وبرها، ومن ثم كلما ازدادت هذه الحضارة في ولوغها بالقتل والحرق ودفن الأحياء، كما هو الحال راهناً في حلب والباب وداريا، حيث تعاظم التوجه «إلى الوراء» نجد مزيداً من إنتاج هؤلاء.

========================

الروس في سورية... احتواء وقضم .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاثنين 31-10-2016

وضع الروس خطة للتعامل مع المناطق الثائرة في سورية تقوم على ركيزتين، جهد عسكري مفتوح ولا قيد عليه، يستند إلى تفوق سلاحي ساحق، يمارس أقصى قدر ممكن من الضغط على شعب هذه المناطق ومقاتليها من جهة، ويد ممدودة بحلولٍ احتوائيةٍ هدفها المعلن إخراجها من حال الحصار والقصف والتجويع، المفروضة أسدياً عليها منذ سنوات، وعانى منها المدنيون الأمرّين، وخصوصاً منها الجهات الأكثر ضعفاً كالأطفال، أما هدفها الحقيقي فهو إجبارها، بمختلف الوسائل والضغوط، على قبول هدن يقال إنها ستجنبها ويلات استخدام السلاح: سلاح من يدافعون عنها من مواطنيها، وليس سلاح النظام.

استناداً إلى هاتين الركيزتين المتكاملتين، يتم، من جهةٍ، التلويح بما تفتقر هذه المناطق إليه من مواد غذائية وأدوية وأمن. ومن جهةٍ أخرى، العمل لإحداث أجواء ترغم سكانها على الركوع أمام شروط مجحفة جداً، تمليها عليهم القوة التي تعصف بهم ليل نهار. أما آلية بلوغ الهدن فهي تبدأ بشق صفوف المدنيين، وإحداث هوة بينهم وبين من يدافعون عنهم، باستثمار عذابات الأولين التي يفرضها النظام عليهم، وما قد يوجد داخل كل منطقة من تناقضاتٍ أو خلافاتٍ تستغلها غالباً "خلايا نائمة"، تضم موالين للنظام وممثلي فئاتٍ معادية للثورة، تحرّض الحاضنة الاجتماعية ضد المقاتلين، وتحملهم المسؤولية عن رفض هدنةٍ تنهي تجويع قراها وبلداتها ومدنها ومحاصرتها وقصفها، هي مصالحةٌ مع نظام يستطيع سحقهم واستعادة مناطقهم بالقوة، لكنه يقدّم لهم عرضاً كريماً، يضع حدا لمآسيهم، ويخرج بناتهم وأبناءهم من السجون، ويعيدهم إلى أوضاع آمنة وطبيعية، بمجرد أن يتخلصوا من مقاتليهم: العقبة التي تحول بينهم وبين

"تمثل الخطة الروسية/ الأسدية خطراً جدياً على الثورة، لا بد من مواجهته بعمل وطني شامل، تتولاه هيئة وطنية ذات تمثيل وحضور مناطقي ومحلي، تنفذ سياساتٍ يلتزم بها كل مدافع عن شعبه" بلوغها، علماً أنها تنازلاتٌ يقدمها النظام لهم للي ذراع السكان. تلازم هذه اللغة المطمئنة أعمال عسكرية مكثفة ضد المدنيين بصورة خاصة، يتصاعد معها الضغط على مفاوضي المناطق، وخصوصاً أصحاب المواقف الرخوة منهم، لإقناعهم بعدم جدوى المقاومة، في ظل تفوق الجيش الأسدي عليهم، وما هم عليه من عزلة وضعف، ولاستحالة تحقيق ما يطالبون به، وخصوصاً إسقاط النظام وترحيل رئيسه.

كرّر الروس، وتابعهم الأسدي، هذا السيناريو في كل مكان، لكي يلغوا موافقتهم على هدن دولية، تلزمهم بفك الحصار، ووقف القصف العشوائي والقصف بالأسلحة الممنوعة، كالبراميل والقنابل الفسفورية والفراغية، وبالإفراج عن المعتقلين، والسماح للمواطنين بالدخول والخروج الحر إلى مناطقهم ... إلخ، ويلغوا معها الحل السياسي الدولي الذي يستبدلونه بهدن محلية وتقطيعية، يعني تعميمها نهاية هذا الحل، والالتفاف الناجح على وثيقة جنيف والقرارات الدولية ذات الصلة بها.

لا بد من أن تجابه هذه الخطة الخطيرة بخطةٍ وطنيةٍ معاكسة، تعتمدها المقاومة العسكرية والسياسية، تحول دون تفعيل أي خلية محلية لصالح السطلة وهدنها، ومن دون تولي العناصر الرخوة أي دور تفاوضي، بالنيابة عن المقاتلين والسكان، على أن تقوم "لجان محلية"، تشكلها قطاعات الثورة العسكرية والمدنية بهذا العمل، وتمارس سياسات تحبط رهانات الروس والأسد، هي تطبيق ميداني لاستراتيجية وطنية شاملة، يجب أن تضعها "هيئة وطنية عليا"، تدير معركة فك الحصار عن المناطق المستهدفة، ودعم صمودها باعتبارها ساحة معركةٍ وطنيةٍ شاملة، ولم تعد بقعاً متناثرة ينفرد النظام بها، على أن تتوسط بين الهيئة العليا واللجان المحلية "لجان مناطقية"، تشرف مكانياً على إقامة شبكة صلات وحصانات بينها، تحميها وتوحد مواقفها ضد هدن الاستسلام، ولا تسمح بعزل أي منطقةٍ أو بلدة أو قرية، أو تترك مقاتليها وساستها وحيدين في مواجهة المخاطر المحدقة بهم، وبالقضية الوطنية والثورية السورية.

تبذل اليوم جهودٌ لبلورة هذا الرد الوطني الشامل على هدن الروس والأسد، والذي يجب أن ينجز بمعونة من رحلوهم عن ديارهم، ويقوم على نشر مقاتليهم في مناطق ذات حساسية خاصة بالنسبة للنظام، كالساحل وحماة وريف حمص الشمالي وحلب، حيث سيضعون خبرتهم ووزنهم النوعي تحت تصرف ثورة انتموا إليها، بوصفهم وطنيين سوريين يدافعون عن شعبهم، وسيشاركون مقاتلي هذه المناطق في التصدّي للعصابات الأسدية والروس، وسيجعلونها تدفع ثمن إخراجهم من مناطقهم، وتندم عليه بل وتفكر في التخلي عن نهج الهدن والترحيل، ليس لأنه يصير بلا جدوى وحسب، وإنما لأنه كذلك يلحق بها ضرراً بالغاً في مناطق مهمة من سورية، ويفوّت عليها فرصة تجميع مقاتلي هذه المناطق في إدلب، حيث ستسدد لهم ضربة ساحقة، بمجرد أن تتوفر شروطها. بالتلازم مع إعادة انتشار المقاتلين، ستمارس أسرهم أنشطة تعبر من خلالها عن حقها في المطالبة بالعودة إلى ديارها، وستنظم مظاهرات، وتعقد لقاءات مع مؤسسات إعلامية وجهات سياسية محلية ودولية، تشرح خلالها ما كابدته من عذابات خلال الحصار، وفقدته من بناتها وأبنائها، وما فات أطفالها من تعليم وصحة وحياة طبيعية، وعاناه هؤلاء من أمراض جسدية ونفسية، وتعرضت هي له من تمزيق وترحيل وقتل... إلخ.

أكرّر: تمثل الخطة الروسية/ الأسدية خطراً جدياً على الثورة، لا بد من مواجهته بعمل وطني شامل، تتولاه هيئة وطنية ذات تمثيل وحضور مناطقي ومحلي، تنفذ سياساتٍ يلتزم بها كل مدافع عن شعبه. لذلك، لا تكتفي بالإدانات اللفظية، بل تقيم جميع التشابكات والشروط الضرورية للدفاع عن المناطق المحاصرة أو المهددة بالحصار، ولتوحيد مواقفها، وحل ما بين سكانها ومقاتليها من إشكالات، وتمدّها بعون إغاثي وإعلامي وسياسي وعسكري، وتحصنها ضد محاولات اختراقها والالتفاف عليها، لتجعلها حصناً منيعاً للثورة، بدل أن تكون ما هي عليه اليوم: نقاط رخوة يتسبب سقوطها في تفكّك الثورة، وانحسارها عن أرض الوطن.

========================

من مشاهد دمشقية .. عمر الشيخ

العربي الجديد

الاثنين 31-10-2016

كان المشهد الثقافي في دمشق، مطلع العام 2013 قد انهار تماماً، من حيث إيمان المشتغلين بعدم جدوى الفعاليات الثقافية، والدم لا يغادر عناوين النظام ومؤسساته، بعد مرور أشهر قليلة على مجزرة داريا في أغسطس/ آب 2012، وتصفية "خلية الأزمة" بتفجير "الأمن القومي" وسط العاصمة. الرعب يجتاح الشوارع، الحواجز الأمنية بدأت تتناسل، وشاشة إعلام النظام تدخل في شحّ قناعة لتبرير جرائم سلطات الأسد وأحزابه الرديفة. لا ضيوف يقتربون من مبنى التلفزيون، خوفاً من ردة فعل الشارع. أوراق الاتهام مختلطة، ولا صوت سوى للترقب: ماذا سيحدث؟

هنا، ذهب مثقفون سوريون، لم يتبنوا خطاباً واضحاً بشأن الثورة السورية، سعى معظمهم إلى تلميع صورته "دفاعاً عن الحياة" حسب وصف أحد هؤلاء، ذهبوا ليبتكروا منابر ثقافية أهلية "معقمة"، حاولت أن تهرب "تاريخياً" من لعنة تحوّل العمل الثقافي إلى دائرةٍ حكوميةٍ مشروطةٍ بقوانين وأنظمة تراهن على التحشيد، بدل تنوع الفكر والمعتقد والانتماء الليبرالي. قامت منابر في مقاهٍ وسط دمشق، يعزفون فيها الموسيقى، ويقرأون الشعر ويوقعون الكتب الجديدة، من دون أن يكون هناك رعاية لأي هيئة "رسمية" للنظام. انتشر هذا التقليد أسابيع، من دون انتباه وزير الثقافة، حتى أن أحد معاونيه الذي يشغل الآن منصب رئيس اتحاد الكتاب العرب في دمشق قال لي شخصياً: "لو كان الأمر قراراً خاصاً بي لدعمت ملتقى أضواء المدينة الثقافي مالياً، ولمنحت المشاركين فيه مكافآت... واقترحتُ ذلك... ولكن.... آه آه"، ها هو اليوم في منصبٍ يمكن أن يدعم الشباب والملتقيات، ولكن على طريقة السلطة، و"محاشي" شعاراتها التي حولت المؤسسات الثقافية إلى جمعيات خيريةٍ، تجند أمناء الفرق الحزبية وسائقي سيارات الأفرع الأمنية للتناوب على حضور أمسيات الشعر الخارجة عن المألوف تلك، ونقل الصورة وتسجيل ما يقرأ لتبقى "تحت السيطرة".

مثلاً، اختارت أجهزة الرقابة الناعمة، حزباً "معارضاً" من أحزاب النظام، لتوكل له مهمة دعم أحد تلك الملتقيات، مالياً وإعلامياً، فاخترع هذا الحزب مهرجاناً وجوائز، تغيب عنها صورة بشار الأسد، ويحضر علم الجيش السوري وشعراؤه ومطربوه. ملتقى وسط دمشق يسمح فيه للشباب من قوات "الدفاع الوطني" الموالية للأسد، بالحضور مع المسدسات النارية وأحيانا الثياب العسكرية، فيتحوّل الملتقى إلى ساحة لتبادل التحيات بين "الدفاع الوطني لحي الدويلعة" مع "كتائب البعث لحي جرمانا". وعلى هواء القصائد وتصفيق الحضور الذي انقسم إلى شعراء لم يجدوا من يسمعهم في وزارة الثقافة وكتّاب لم تسدّ رمقهم صفحات جريدة "الأسبوع الأدبي" لامتلائها بترّهات "النصر".

ربما نجا ملتقى أو اثنان من سيطرة تلك الأجواء. كانت اللقاءات نصف شهرية أو غير معلنة، فوجد النظام حلاً لدحر المسؤولين عنها بملاحقتهم من أجل الالتحاق الإجباري بجيشه، أو إيصال رسائل تهديد مباشرة باعتقالهم تحت بند "تجمع سري مشبوه"، ولك أن تضع تهمة من قبيل "قراءة قصائد تدعم حراك الإرهابيين معنوياً"، أو "هذا الملتقى يقرأ لشاعر معارض أو يتذكر قصص كاتب كان سجيناً سياسياً" (!)، فيقوم المشرفون، مثلاً، بدعوة معاون مدير التلفزيون الذي يعمل "شاعراً" في أوقات الفراغ ليقيم أمسية شعرية، مزيلاً "شبهة" هذا الملتقى عن وجه الإعلام الرسمي، وذلك بعد تسجيل ساعة الملتقى وبثها على التلفزيون، ل "هضم" هذه المحاولات الأهلية التي سعى إليها بعض الشباب السوري في دمشق، فلم تكن مستقلةً عن خطاب النظام الذي أرادها خطوة "إصلاحية ثقافية"، كما يصفها أحد المشرفين على تلك الملتقيات، حيث تورّط بالظهور على شاشة التلفزيون الرسمية، وعليه أن يتحدث ثلاثين دقيقة عن نشاط الملتقيات، وفي اعتباره أن ثمة عشرات المخبرين ينتظرون إشارته غير المباشرة عن "ثقافة" جديدة، نجحت بالوصول إلى الناس، من دون فضل أجهزة السلطة الثقافية وقادتها.

تضاءلت أحلامنا قبل عامين، بالانزواء بعيداً عن خطوط التماس، نرثي خيبات الثقافة التي أنتجت صمتاً مخيفاً، وسط أدلجة الثقافة مديح "البوط العسكري" الذي يدوس على المبادرات الأهلية، لأنه على "حق"، حين يدافع عن وجود الطغاة فوق صدور المنابر الهاربة من نعوش ثقافة النظام السوري، و"منتفعاتها". هناك اغتيلت أية مبادرة لا تدبغها "الوطنية"، ولا تفوح منها رائحة "الشعب الذي يشرب دماً"، كما كان يردد الموالون للأسد في ساحة السبع بحرات في دمشق الحواجز.

========================

معركة حلب.. معركة كسر قيد الأمة .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 31-10-2016

أكاد أجزم بأنه لم تُجمع الأمة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها في الفترة الأخيرة كإجماعها على معركة حلب، ورغم أنها حملت معركة كسر الحصار عن حلب، إلا أن تفاعل الأمة مع الحدث يُظهر وكأنها معركة كسر لقيد الأمة كلها، ونفض لغبار ران عليها لعقود، ومرحلة جديدة تؤذن بالميلاد في ظل تضامن وتكاتف التركستاني مع المصري مع الخليجي والتركي يتقدمهم الشامي لكسر الحصار عن الشهباء. بالمقابل نرى جموع الاحتلال والإجرام والبلطجة من روس وصفويين وأدواتهم من ميليشيات الحثالة الطائفية في العراق وأفغانستان ولبنان وباكستان وغيرها، تقدم نفسها كأدوات في مشروع المحتلين المجرمين للإبقاء على تجويع وتركيع أهالي الشهباء..

معركة حلب هي معركة الأمة نجاحاً وفشلاً -لا سمح الله- وهي التي ستحدد خياراتها مستقبلاً وربما لمائة عام أخرى، فلا يخفى جيوبولوتيكياً التداخل والترابط والتشابك بين حلب والموصل واسطنبول ومن بعدها الخليج العربي، لاسيما وقد رأينا تصاعد منسوب الإجرام الحوثي بدعم صفوي غير مسبوق في إطلاق صواريخ بالستية معدلة وبخبرات إيرانية تستهدف مكة المكرمة، وهو ما أعاد إلى الأذهان قصص القرامطة في اقتلاع الحجر الأسود وتعطيل فريضة الحج لأربعين عاماً، كما أعاد إلى الأذهان فعل أبرهة الأشرم بهدم الكعبة ، فكان أن أطلق البعض على ميليشيات الحوثي ميليشيات أبرهة، ترافق ذلك مع تهديدات للحشد الشيعي في العراق بأن معركته بعد العراق في الشام..

تراجع الدب الروسي سريعاً عن معركة حلب حين رفض بوتن طلب الجيش الروسي تنفيذ غارات جوية على المدينة، إنقاذاً على ما يبدو لقواته المحاصرة في داخل المدينة، ولكن كعادته سريعاً ما تبين كذبه، حين أرسل طائراته لإنقاذ موقفه دون جدوى، في ظل تصميم المجاهدين على كسر الحصار، لكن العزلة الدولية التي يعاني منها بوتن تزداد يومياً، والتي بدأت برفض إسبانيا تزويد الوقود للأسطول الروسي المتجه إلى سوريا للمشاركة في القتال، بالإضافة إلى إعلان وزير خارجية مالطا أن بلاده لن تقوم بتزويد الوقود للسفن الحربية الروسية المتجهة لسوريا من أراضيها، ما يؤكد أن الوضع ربما قد اختلف، وأن روسيا تعاني من عزلة أوروبية حقيقية. تضاعف ذلك مع رفض ترشيح روسيا لمجلس حقوق الإنسان في منظمة الأمم المتحدة..

الظاهر أنه ربما أدركت روسيا أن الحسم العسكري على الأرض غير ممكن أبداً في ظل الإصرار الشامي المثير على تحقيق النصر العسكري، ولذا فجأة تحول لافروف إلى حمامة سلام تنشد الحل السياسي، وهو الذي كان يتوعد ويهدد قبل يومين بإخراج المسلحين وفتح ممرات آمنة كما وصفها كذباً وبهتاناً، وبالتالي فإن روسيا يبدو أنها أدركت أن الحسم العسكري سيستغرق وقتاً ليس بالقليل، خصوصاً أن التجربة الثورية في داريا والزبداني والمعضمية أثبتت أن الثوار يثبتون لسنوات رغم الحصار، فكيف في حلب التي تتمتع بعمق شعبي وعمق جغرافي ممتد إلى تركيا وإدلب ووجود آلاف وربما عشرات الآلاف المسلحين حولها التائقين إلى فك الحصار عنها..

و في حال نجاح الطائفيين في معركة الموصل  لا سمح الله  ، فإن كل قواهم العسكرية والمالية والتسليحية ستنتقل مباشرة إلى الرقة وحلب وتركيا، وهو ما سبق أن توعد به نوري المالكي من الانتقال إلى الرقة وحلب، ولذا فعلى الأمة أن تأخذ هذه التهديدات على محمل الجد، وعليها أن تحمل معركة حلب على أنها الخط الدفاعي الأخير للأمة، وإلا فإن المعركة القادمة في تركيا والخليج، ترافق ذلك مع اختراق روسي نوعي لاستعصاء لبناني دام سنتين، حين برز بوتن وكأنه حمامة سلام يجمع بين الحريري وأذنابه في لبنان على ترشيح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وهو حلقة ضمن سلسلة متواصلة ومترابطة في التضييق على الأمة وضرب كل مكامن قوتها وتقوية كل مكامن قوة العدو الطائفي الحقيقي..

لا مفر للأمة من المواجهة في حلب، ولا مفر للزعماء والقادة من دفع كل ما يملكونه في معركة حلب، وإلا فليتحضروا لليوم الذي سيُسلبونه قريباً لا بعيداً، وليتحضر تجار الأمة ومثقفوها وعلماؤها ليوم فصل ليس بالهزل، إنه يوم حلب، بل يوم الأمة..;

========================

التغيير الديموغرافي بين زمنين .. فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 30-10-2016

تصاعد الاهتمام بقضية التغيير الديموغرافي في سوريا في الفترة الأخيرة في المستويين السوري والدولي، خصوصًا في ظل عمليات التهجير القسري الذي يواصله نظام الأسد وحلفاؤه في المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق، وترحيلهم إلى مناطق أخرى، وهي سياسة تكمل عمليات التهجير الواسعة، التي دفعت ملايين السوريين للخروج من مدنهم وقراهم، والانتقال إلى مناطق أخرى، فيما غادر سوريا أكثر من خمسة ملايين نسمة إلى الخارج، الأمر الذي يعني تغييرات عميقة في البنية السكانية لسوريا، ليس لناحية عدد السكان فقط، وإنما لهوياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية، ومما يزيد الأمر خطورة، أنه في الوقت الذي يتم فيه إجبار سوريين على الخروج من سوريا، أو الانتقال من موطن مولدهم وإقامتهم، يتم استقدام آخرين إلى مناطق الإخلاء، وإسكانهم فيها في إطار عملية التغيير الديموغرافي الحالية.

وبالعودة إلى عملية التغيير الديموغرافي، يمكن القول إنها ليست جديدة. وقد بدأت مع مجيء بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، والأهم فيها قيام الإيرانيين بشراء أراضٍ وعقارات واستئجار أخرى بالقرب مما يصفونه ب«المزارات الشيعية» المعروفة، مثل مقام السيدة زينب جنوب دمشق، أو تلك التي «اكتشفوها» في مناطق متعددة من الأراضي السورية، ومنها مقام السيدة رقية بنت الحسين في دمشق القديمة، ومقام أويس القرني في الرقة، ومقام النبي هابيل في ريف دمشق الغربي على طريق دمشق/ الزبداني. وعبر بوابة المزارات، أخذت تظهر ملامح شيعية إيرانية في مناطق سورية عدة عبر ثلاثة من المظاهر؛ أولها توسيع تلك المزارات وإعطاؤها طابعًا معماريًا ومذهبيًا خاصًا، والثاني افتتاح مكاتب وحوزات دينية للشيعية الإيرانية ومن يدور في فلكها، والثالث إقامة وتطوير بنية سكانية وأنشطة اقتصادية، ترتبط بتلك المزارات والقادمين إليها، وكان المثال الأوضح في دمشق، حيث تحولت مدينة السيدة زينب بأغلبيتها السنية إلى مدينة ذات أغلبية شيعية، وصار الوجود الشيعي ظاهرًا في محيط مقام السيدة رقية في منطقة العمارة بوسط دمشق القديمة.

ورغم استمرار هذا الخط بشكله الاجتماعي - الاقتصادي والثقافي، وبالتالي السياسي من عملية التغيير الديموغرافي، فقد خلق الصراع المسلح في سوريا خطًا آخر موازيًا من طبيعة أمنية عسكرية، والإشارة تتصل غالبًا، بما قام به «حزب الله» والنظام في الخط الممتد على الحدود السورية - اللبنانية في محافظتي حمص وريف دمشق الغربي. ومنذ بداية الصراع المسلح، عمل «حزب الله» والنظام على تدمير مدن وقرى هذا الخط بالهجوم على قصير حمص، وتهجير سكانها، واستيطان «حزب الله» بمسلحيه وعائلاتهم فيها، وبناء معسكر لتدريب الأطفال على القتال، وضمهم إلى قواته، وجرى اتباع المسار نفسه تقريبًا في التعامل مع مدينة يبرود، التي تحولت إلى قاعدة عسكرية وسكنية ل«حزب الله» في القلمون الغربي، فيما كانت ميليشياته بمشاركة قوات النظام، توسع نشاطها غرب دمشق، وتحاصر مدنًا وقرى، منها الزبداني ومضايا، التي جرى في العام الماضي ترحيل أغلب سكانها قسريًا، مما مهد فعليًا لإحلال مستوطنين مكانهم باستقدام سكان من بطانة «حزب الله» ومؤيديه، وهو الأمر المنتظر في داريا، التي تم ترحيل من تبقى من سكانها أخيرًا.

ورغم أن لهذا الخط نفس هدف الخط السابق من تأمين وجود اجتماعي - اقتصادي وثقافي وبالتالي سياسي، فإنه يزيد عليه هدفًا في غاية الأهمية، وهو هدف أمني - عسكري، أساسه سيطرة شيعية مؤيدة لنظام الأسد وإيران على جانبي الحدود السورية - اللبنانية، وتأمين طريق دمشق - شتورا وصولاً إلى بيروت.

وإذا كانت عملية التغيير الديموغرافي، قد أظهرت استهداف المسلمين السنة، باعتبارهم أكثرية سكان المدن والقرى، التي كانت موضع تهجير قسري، فإن الأمر لم يقتصر على هؤلاء وحدهم، كما تدلل الوقائع. ففي القصير ويبرود، كما في الزبداني ومضايا وداريا سكان من المسيحيين السوريين، جرى ترحيلهم قسريًا أيضًا في إطار السيطرة الأمنية - العسكرية على المناطق الحساسة، وهذا ما جرى ويجري العمل عليه في قلب العاصمة دمشق، إذ تتواصل ضغوطات على المسيحيين في أحياء القيمرية وباب توما المجاورين لحي الأمين الذي تعيش فيه أغلبية شيعة دمشق لبيع بيوتهم والخروج من المنطقة، كما يجري الاستيلاء على البيوت، التي خرج منها سكانها لسبب أو لآخر، وإحلال آخرين مكانهم في إطار تشييع المنطقة كلها، وقد تعرضت مدينة السويداء، التي تسكنها أغلبية من الدروز السوريين في العامين الأخيرين إلى حملة تغيير سكاني، عبر سعي لشراء بيوت وعقارات فيها بأسعار خيالية، بهدف خلق نواة لاستيطان «شيعي» موالٍ لنظام الأسد وإيران، لكن انتباه أهالي السويداء، حد من تحقيق هذا الهدف، وتتكرر بعض تفاصيل هذه الظاهرة في كثير من المدن الخاضعة لسيطرة النظام في دمشق وطرطوس واللاذقية.

وكما يتنوع السكان الذين يستهدفهم التغيير الديموغرافي، فإن الذين يحلون مكانهم متنوعون أيضًا، فإضافة إلى عناصر الميليشيات الطائفية من «حزب الله» اللبناني إلى حركة النجباء والفاطميين وغيرها من العراقيين والميليشيات الأفغانية والإيرانية وعائلاتهم الذين يحلون مكان السكان المرحلين قسريًا، فإن السلطات السورية فتحت الأبواب لمؤيديها من الجنسيات العربية والأجنبية للحصول على الجنسية السورية، لتمكينهم من شراء الأراضي والعقارات، والانخراط في الأعمال الاستثمارية، الأمر الذي يجعلهم جزءًا من التغييرات الديموغرافية الحالية.

إن عملية التغيير الديموغرافي بما تمثله من مسارات أغلبها دموي وله طابع الإكراه، ومن أهداف أبرزها دعم نظام الأسد وحليفه الإيراني وميليشياته، تمثل واحدة من أخطر جرائم الصراع السوري، بل إنها فتحت الباب واسعًا أمام قوى التطرف، وفي مقدمتها «داعش»، لممارسة هذه السياسة وتعميمها في أنحاء مختلفة من البلاد، مما جعل سوريا ميدانًا لتغيير ديموغرافي متسارع، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، وتواصل الصراع المسلح لفترة أطول، الأمر الذي يتطلب تحركًا دوليًا لوقف عمليات التغيير الديموغرافي ومحاسبة المجرمين القائمين عليه وفق مضامين القانون الدولي والإنساني.

========================

أسئلة لم يسمعها الأسد من أصلاموفا .. وليد البني

العربي الجديد

الاحد 30-10-2016

سألت صحافية روسية بشار الأسد: آلاف الشباب في سن القتال يملأون المقاهي وصالات التدريب الرياضية والمسابح والمراقص والملاهي الليلية، لماذا لا ترسلونهم إلى الجبهة، أليست هذه حربكم المصيرية وقضيتكم الوطنية، ألا ينبغي أن يكون جميع الرجال السوريين على الجبهات؟

شخصياً، لا أتخيّل أن هذا السؤال كان مفاجئاً لبشار الأسد، فلم يعتد هذا، ولا والده، ولا جميع الحكام الشموليين إجراء لقاءاتٍ صحافية مع صحافيين انتقوهم لإجراء اللقاء (مقابل أجر) من دون أن يطلبوا الأسئلة مسبقاً، بل وقد يضع بعض مساعديهم أسئلة محدّدة، يرغبون هم بالإجابة عنها لتوجيه رسائل محددة لجهاتٍ يقصدونها (لذلك وقع الاختيار على الروسية داريا أصلاموفا بالذات).

اشتملت المقابلة مع الصحافية الروسية على أسئلة كثيرة، كان واضحاً أن بثينة شعبان أو لونا الشبل، مستشارتي بشار، أو أحد جهابذة الإعلام من جوقة حزب البعث، قد وضعها، لكي يجيب عنها بأجوبة كان مستشاروه قد صاغوها له، ليقولها لصحافيةٍ مهمتها، كما معظم صحافيي السلطان في الدول الشمولية، تأييد ما يقوله الطاغية، بل والمبالغة في استحسان وجهة نظره وتأييدها.

تسأل أصلاموفا عن سبب وجود شباب سوريين في المقاهي والساحات، في حين أن الحرب تشتعل في كل أنحاء سورية، والانفجارات تُسمع في كل مكان، ولماذا لا يتم تجنيدهم للدفاع عن دولتهم في معركتها المصيرية، فيجيب بشار أن نظامه لم يعلن التعبئة العامة، بل هي تعبئة من الدرجة الثانية. يريد أن يوحي بأن الأمر ليس خطيراً إلى درجة أن يعلن التعبئة العامة، وأن وضع نظامه ليس بهذه الخطورة، ما يتيح له أن يستثني شباباً وطلاباً وعاملين مدنيين كثيرين من عملية التعبئة والتجنيد.

لو كان المحاور غير السيدة التي اختارها مستشارو الديكتاتور، ولو كانت هذه تعمل في صحافة دولة اعتادت احترام المهنية في العمل الصحافي، لكان سؤالها: إذا كان الوضع لا يستدعي تعبئة عامة، كما يحصل في جميع الحروب المصيرية التي تخوضها الدول ذات الحكومات التي تحترم نفسها، وتصون كرامتها واستقلال أوطانها، فما هو سبب جلب عشرات آلاف المقاتلين الطائفيين الذين جندتهم إيران في مليشيات مسلحة من لبنان والعراق وأفغانستان، ويرتكبون جرائم حرب ضد السوريين بخلفية طائفية، ما يعمق الانقسام المجتمعي في سورية، ويساعد التنظيمات التكفيرية الطائفية في الطرف الآخر على استقدام متطرفين وتكفيريين من خارج سورية، وإيجاد تربة خصبة لأفكارها في المجتمع السوري المعروف باعتداله وتنوعه؟ وما هي الحاجة إلى عشرات آلاف الجنود الإيرانيين، وآلاف الجنود الروس وأساطيلهم الجوية والبحرية وقنابلهم العنقودية والارتجاجية التي أحرقت مدن سورية وقراها؟ وإذا كانت هذه الحرب التي تخوضونها دفاعا عن سورية وشعبها ضد أعداء وطنكم وشعبكم، فلماذا هرب الملايين من السوريين، وبينهم مئات آلاف من الشباب، ولم يبقوا هنا لدعمكم، وصد ما تقولون إنه عدوان على وطنهم وشعبهم، بل فضلوا الموت غرقاً واجتياز البحار هرباً من حربكم هذه.

يحاول طاغية دمشق مدعوماً من الصحافة الروسية، وجوقة إيران الإعلامية، تغطية الشمس بغربال، لكن القاصي والداني على يقين أنه أصبح بلا جيش ولا مواطنين. لا أحد لديه الرغبة في الدفاع عن فساده وفساد المافيا العائلية التي يقودها، ولولا عصا الإرهاب والتنظيمات التكفيرية التي أشهرها في وجه شريحةٍ كبيرة من الشعب السوري، تلك التنظيمات الإرهابية التي اختلقها وسهَّل نموها، بالتعاون مع كل من أراد أن يجعل من الشعب السوري مثلاً سيئاً للشعوب التي تثور على طغاتها، لتخلى عنه، حتى أقرب المقربين إليه من غير أعضاء المافيا المستفيدة مباشرةً من ريوع الفساد، أو الخائفين على رؤوسهم من أي محاسبةٍ أو محاكمةٍ، قد يتعرّضون لها بعد ما ارتكبوه من موبقاتٍ وجرائم ومجازر.

لم تعد حقيقة وضع بشار الأسد وهشاشة نظامه واعتماده الكلي على قوى ومليشيات أجنبية للحفاظ على بقائه خافية على أحد، وخصوصاً على السوريين الذين أصبح صغيرهم، قبل كبيرهم ومواليهم، يعلم أنه لم يعد أكثر من عبد مأمور لسيدين، كل منهما قادر على ضربه على قفاه متى شاء. ولا يكترث خامنئي وبوتين كثيرا لما يقول، فهما قادران على ركله خارج سورية متى أحسوا أنه لم يعد قادراً على خدمة استراتيجيتهم في المنطقة، كما تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية تقويض نظامه، متى أحسا أنهما استنفدا أغراضهما من الحرب التي يشنها على شعبه ووطنه.

========================

قضايا الشرق الأوسط بعد الانتخابات الأميركية .. حسن منيمنة

الحياة

الاحد 30-10-2016

تستطيع إسرائيل أن تطمئن إلى أن موقف الولايات المتحدة إزاءها، وهو الموقف المؤيد والداعم والمساند لأمنها واستقرارها وتقدمها، سوف يستمر، سواءً كان الفوز من نصيب هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب. أما ما عدا ذلك من المسائل الكثيرة التي تلهب الشرق الأوسط، فيبقى رهينة النتيجة المقبلة: فإما وضوح مع كلينتون يتطلّب شهوراً طويلة كي يبدأ تحقّقه، وإما غموض بل عبثية مع ترامب على مدى أعوام مقبلة.

لا تعتمد إسرائيل لتثبيت علاقتها مع الولايات المتحدة على مجرد الحسابات السياسية للحكومات المتعاقبة، بل ان ما يربط الجانبين يتعدى السياسة، فيصل إلى أعماق الثقافة والمجتمع والقيم. بالتالي، فإن التنافر الذي كان جلياً بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لم ينعكس على الالتزام الثابت للولايات المتحدة بالحفاظ على التفوق النوعي لإسرائيل في محيطها. وفي حين أن ترامب، في تفوهاته المتضاربة، أشار يوماً إلى أنه قد يتّخذ موقفاً محايداً خلال مفاوضات التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإنه في استدراكاته التعويضية، زايد حتى على صقور المؤيدين لإسرائيل في التشديد على اعتناقه مصالحها ومنطق القبضة الفولاذ في مواجهة خصومها. أما كلينتون فحافظت على موقف ثابت يضع العلاقة مع إسرائيل في إطار الديمومة والتوافق المبدئي. فموضوع إسرائيل ليس أمراً خلافياً جدياً بين المرشحَيْن.

في ما عدا ذلك، ثمة مفارقة لافتة في المقارنة بين السياسات التي يتبعها أوباما، وبين التي يتوقع أن يسير بها كل من ترامب وكلينتون. فالموقف الكلامي العلني لكلينتون التي ما فتئت تستدعي الإنجازات المفترضة لأوباما في خطابها للبناء على شعبيته، هو أنها ستتابع سياساته. وكلينتون تكيل المديح ل «حكمة» أوباما في التعامل مع ملفات المنطقة، لا سيما موضوع إيران. غير أن القراءة الدقيقة لما أفصحت للتوّ عن عزمها القيام به تكشف أنها ستتخلّى عن سياسة التنصل بأية حجة كانت، والتي يعتمدها أوباما، وستسعى إلى قدر من الإقدام بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات.

في المقابل، فإن ترامب، في شعبويته الانطوائية وتفسيراته الاعتباطية التسطيحية لما يجري في الشرق الأوسط، وعلى رغم إدانته المتكررة لأوباما واتهامه إياه بأنه المسؤول عن استفحال قضايا يبقى ترامب أعجز من أن يحددها، هو الأكثر ميلاً لأن يسير في توجهات أوباما الانكفائية والتنصّلية. فالحاصل اليوم أن كلينتون تثني على أوباما وتعتزم نقض سياساته، فيما ترامب يذمّه فيما يُنتظر أن يسير على خطاه.

وفي حين أن العامل الشخصي يدخل حكماً في تشكيل المواقف لدى جميع السياسيين، فإنه لدى ترامب يكتسب بعداً جديداً يتجاوز المتعارف عليه، بل يدخل في إطار الحالات المَرَضية. فقد اجتهد القائمون على حملة ترامب لإقناعه بأن هذه الأسابيع الأخيرة من المواجهة الانتخابية تتطلب التركيز على مواطن الضعف لدى هيلاري كلينتون، وهي عديدة وخطيرة، إلا أن الرجل يعجز عن الخروج إلى الإعلام من دون الانغماس في جدل مراهقين للرد على الاتهامات التي تعرّض لها بالتحرش والبذاءة، فيغرق الإعلام بكلام جديد فيه من الترهات والسفاهات ما يضيّع فرصة تفنيد سجل كلينتون. والأهوائية في مواقف ترامب تطاول كذلك السياسة الخارجية. وهو صرّح علناً بأنه حين يتلقى المديح يجيب عنه بمديح مقابل. وبما أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح بما يندرج في إطار الثناء عليه، فإنه يبدو مستعداً في المقابل للتسليم لبوتين وروسيا في ملفات أوكرانيا وسورية وما يتعداهما. لا مبالغة هنا. فاعتبارات ترامب في صياغته لشعبويته تُلخص في مكافأة الإطراء ومعاقبة الطعن.

ولا بد لإيران من الحذر في هذا السياق، إذ أقدم الرئيس حسن روحاني على إدانة الخطاب السياسي في الولايات المتحدة، شاملاً كلاً من كلينتون وترامب. فالسخط الترامبي قد يلحق بإيران لولا شفاعة بوتين.

وحين تصبح السياسة الدولية مرتعاً للمغامرات الصبيانية، فإن فوز ترامب بالرئاسة سيلحقه تنازل لروسيا في موضوع سورية، ولن يفيد في هذا الصدد أن يسعى بعض الخبراء في طاقمه إلى إقناعه بالعواقب السيئة لذلك، فهم لم يتمكنوا من لجمه عن الإضرار بمسعاه الانتخابي. فإذا فاز رغماً عن تحذيراتهم، فلا ضابط بعدها لسلوكه غير المقيّد، وترامب لتوّه لا يملّ التأكيد على أنه الأذكى والأدهى وما شابه.

وبما أن روسيا تتوقع الحصول على التفويض الكامل في الملف السوري في حال فاز ترامب، فإنها ستستمر في سعيها إلى إسقاط حلب، لكنها قد تعمد إلى النَّفَس الطويل والأقل كلفة في جهدها لتعويم النظام. أما في حال فازت كلينتون، وهو الأمر الراجح، فروسيا ستنشط حكماً لتعزيز مواقعها الميدانية قبل تولي كلينتون الرئاسة في كانون الثاني (يناير) المقبل، وقبل استكمالها تشكيل فريق العمل لسياستها الخارجية وشروعها في تحقيق توجه جدي في الشأن السوري.

إذاً، أيام قاتمة تنتظر سورية بصرف النظر عمن يفوز في الانتخابات الأميركية.

قضايا الشرق الأوسط لا تختزل طبعاً بموضوعي المواجهة الإسرائيلية- الفلسطينية والمأساة السورية. إيران والاتفاقية والتدخلات الخارجية، وتركيا والعلاقة المهتزة بفعل محاولة الانقلاب وما يتعداها، والعراق والحرب المستمرة على «داعش» ومسؤوليات واشنطن في تأزيم أوضاعه، والتواصل المعتل مع دول الخليج، وحرب اليمن، وتصويب العلاقة مع مصر، وضبط الأزمة في ليبيا وحلّها، والمساهمة في تمتين الاستقرار في تونس، وموازنة العلاقة مع الجزائر والمغرب، وغيرها العديد من الملفات لا بد أن تشغل حيّزاً مهماً من جهد الإدارة الأميركية العتيدة ووقتها. وسياسة الولايات المتحدة في كل هذه الملفات تتأرجح ضمن إطار معطيات ومصالح واضحة، ونطاق مواقف رئاسية قابلة للتبدل وفق الاعتبارات والقناعات الذاتية. فتوجهات كلينتون في حال فازت لن تخرج عن هذا الإطار. أما ترامب الذي يعاني إزاء هذه الملفات من الجهل المركّب، فمن العبث محاولة استشراف ما قد يقدم عليه في شأنها. وحده الغموض حينئذ سيكون واضحاً، ووحدها الفوضى ستكون مستقرة.

========================

السؤال عن «ملحمة حلب الكبرى» ورؤية المحيسني؟! .. ماجد كيالي

الحياة

الاحد 30-10-2016

سنزلزل الأرض تحت أقدامهم»، هذه هي العبارة التي اعتاد بعض قادة الفصائل الفلسطينية إطلاقها، في كل مرّة كانت تقوم إسرائيل باغتيال أحد القياديين أو ارتكاب مجزرة بحق الفلسطينيين، متوعّدين إياها برد لم يأت أبداً، في حين الأرض ظلّت لا تتزلزل إلا تحت أقدام الفلسطينيين الذين دفعوا باهظاً ثمن مثل هذه «العنتريات»، أو ثمن الانفصام عن الواقع.

للأسف الشديد، مثل هذا تكرّر كثيراً، أيضاً، في الصراع السوري. مثلاً، منذ دخول جماعات «الجيش الحر» إلى أجزاء من مدينة حلب (تموز - يوليو 2012) ظلّ قادة الفصائل العسكرية يعلنون أن الأسبوع المقبل سيكون موعد السيطرة على حلب كلها، وهذا لم يحصل كما نعلم حتى الآن، من دون أن يقدم أصحاب تلك الإعلانات أية تفسيرات أو اعتذارات. هذا يشمل مناطق أخرى، كإعلان «غزوات» أو حملات في الجبهة الساحلية والجنوبية، وجبهة الغوطة في دمشق، حتى أننا سمعنا مرات عن ساعة صفر تلو أخرى للهجوم على معاقل النظام في دمشق، في مبالغات أقحمت ثورة السوريين في مغامرات لا طاقة لها بها، وقبل أوانها.

يأتي في عداد مثل هذه الادعاءات المضرّة عدد من الحوادث المريبة، أهمها مثلاً اغتيال أعضاء من «خلية إدارة الأزمة» (تموز 2012)، التي ضمت بعض أبرز قادة النظام، كداود راجحة وآصف شوكت وحسن توركماني وهشام الاختيار، إذ تم تمرير تبنّيها من قبل بعض المعارضة بطريقة ساذجة متسرّعة.

وتبيّن أن هذه العملية تمت، على الأرجح، في إطار عمليات تصفية داخلية في النظام، لتأمين رأسه، وتحقيق السيطرة الإيرانية على القرار السوري، الأمر الذي فوّت على المعارضة، في حينه، توظيف العملية سياسياً في عزل النظام وتعظيم التناقضات بين صفوف الموالين له.

كما تأتي ضمن ذلك قصة سيطرة جماعات احتسبت على «الجيش الحر» على مخيم اليرموك ومحيطه، الأمر الذي أدى إلى تهجير أكثر من مليون من السوريين، ضمنهم حوالى مئتي ألف من الفلسطينيين، في منطقة كانت تعتبر حاضنة شعبية للثورة السورية، وحتى الآن لا أحد يعرف من أخذ هذا القرار، أو لمصلحة من اتخذه، علماً أن مثل ذلك حصل في مناطق أخرى، ولم يستفد من ذلك إلا النظام.

لا نشكّك بنيات أصحاب مثل هذه التصريحات أو الادعاءات أو المواقف، وإنما القصة تتعلق بافتقاد أصحابها للتفكير العقلاني السليم، وغلبة الروح الرغبوية، كما تتعلق بمدى أهليتهم لخوض صراعات عسكرية تفترض معرفتهم بأنها تخاض بوسائل معينة، وليس بالأمنيات والعواطف، كونها تعتمد على قدر مناسب من تكافؤ ولو نسبياً في السلاح والعتاد والإدارة وطول النفس والمعطيات السياسية المواتية للتوظيف، إذ ليس فقط تحولت المناطق التي تخضع لهذه الجماعات إلى مناطق محاصرة، وبمثابة حقل رماية لطائرات النظام ومدفعيته، وإنما باتت مناطق هجرها سكانها، أيضاً، ما أضعف المعارضة والبيئات الشعبية الحاضنة لها.

المشكلة أن المعارضة السورية، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، لم تقم ولا مرة بمراجعة هذه المواقف، والتبرؤ منها، ونقدها، ووضع حد لها، كما ولم تقم مرة بمساءلة أصحابها، عن ادعاءاتهم، الأمر الذي قوّض صدقيتها، أمام شعبها، وأضعف التعاطف معها لدى الرأي العام عربياً ودولياً، ما سهّل على النظام وحلفائه تحويل القضية السورية من قضية سياسية إلى قضية إنسانية او قضية طائفية او قضية صراع ضد الإرهاب.

في السياق ذاته، وقبل أكثر من أسبوع أيضاً، كان القائد العام لحركة «نور الدين زنكي» أعلن قرب إطلاق «ملحمة حلب الكبرى»، وهو ما لم يحصل، كما نعلم، بل إن هذه «الملحمة» حصلت بالطيران الروسي والسوري الذي ظل يلقي حممه على السوريين، في مناطق حلب وإدلب، حيث قضى مئات منهم، ضمنهم 27 من أطفال مدرسة في بلدة حاس مع عشرات الجرحى حيث لا أحد يستطيع شيئاً مع القصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والقنابل الارتجاجية، علماً أن القصف يطاول مستشفيات ومساجد ومدارس وأسواق.

عندما أطلق القائد زنكي تصريحه لم يفكر في أن قواته، وقوات المعارضة، لا تملك من الأسلحة والعتاد ما تملكه قوات النظام التي تدعمها دولتان (روسيا وإيران)، ولا أن من الخطأ التصارع وفق معادلة: جيش مقابل جيش، ولا أن الصراع بات عملياً ضد روسيا بوتين، بطائراتها وصواريخها بعيدة المدى وقنابلها الارتجاجية وأسطولها الحربي، والتي ترفع شعار: «الموت أو الرحيل» أو خيار غروزني، وهو ما صرح به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنغيلا مركل اثناء لقائهم في برلين (20/10). ولم يفكر ذلك القائد، وأمثاله، بأن القرار الدولي، بخاصة الأميركي، في شأن حسم الصراع السوري لم يأتِ بعد، وأن كل ما هو متاح هو مد المعارضة بأسلحة وذخيرة محدودة، تمكّنها فقط من الحفاظ على ديمومة الصراع، ولا تحمي السوريين من شيء. ليس فقط قائد زنكي لم يفكر بكل ذلك بل إن المعارضة السورية كلها سكتت عن تصريحه، وربما استقبل بعضهم التصريح بحماسة وبات يتحدث عن قرب تحرير حلب وحماة، على طريقة «سنزلزل الأرض تحت أقدامهم».

لا يتوقف الأمر عند كل ذلك، إذ طالما عانت الثورة السورية من تصريحات أو «فتاوى» بعض المشايخ أو المدّعين (لا نناقش النوايا ولا الخلفيات الدينية)، الذين برق نجمهم مع صعود الثورة، بحيث وصلنا إلى أن عبدالله المحيسني (من قادة جبهة النصرة)، يعتبر ما يتعرض له السوريون في حلب من مجازر ومآسٍ بمثابة عقاب إلهي، ما يذكّر بتصريح مماثل لأحد أبرز مشايخ دمشق قبل عقدين او ثلاثة بحق الفلسطينيين، كأن باراك أو شارون أو بوتين أو الأسد ينفذون مشيئة إلهية... وهو بدوره التصريح الذي لم يلقَ الردّ المناسب من المعارضة السورية، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، الأمر الذي يضر بصورتها وصدقيتها، وإجماعات السوريين. هذه تصريحات ومواقف ينبغي وضع حد لها.

========================

في تحويلنا نحن السوريين، كائنات بيولوجية .. عمر قدور

الحياة

الاحد 30-10-2016

كي تكتمل مأساة السوريين، بات النقاش الدولي حولها شبه مقتصر على جلسات لمجلس الأمن، يُمنح فيه مندوبا روسيا والنظام حرية التحدث ببذاءة، كمقايضة مع إدانات غربية لا تتجاوز التنصل من المسؤولية الأخلاقية. هكذا، لا يكون من شأن لجثث أطفال مدرسة حاس في المجزرة الأخيرة سوى كونها مادة لتكرار الجدل الدولي الممجوج. لكن الأخير يبقى على رغم تكراره متحلياً بقدرته على التأثير، فتكرار الإهانة الجماعية المشتركة يجعلها موغلة في الأعماق، ويُرجّح أن يجعلها غير قابلة للشفاء.

قتل الأطفال على باب مدرستهم ليس جديداً، وفي ذمة النظام وحلفائه نحو 3500 مدرسة دُمّرت وهي فارغة أو أثناء وجود التلاميذ فيها، ولكن مثلما يزيد تكرار الإهانة الدولية (المتلطية وراء العجز) حجم الحقد، فتكرار المجازر يفاقم الألم والحقد. ليست مرات الاستهداف هي الكثيرة فقط، وإنما النقاش الدولي في ما هو مسموح من طرق القتل العشوائي وما هو ممنوع، ما يجعل المسألة برمتها تتعدى موضوع الحرب بكل ضوابطها وفق القانون الدولي. نحن، على نحو أكثر تحديداً، ضحايا حرب يلتبس فيها السلوك الدولي بسلوك القاتل في شكل يندر مثيله. حتى الصمت الدولي على جرائم إسرائيل لا يقدم معياراً لحالتنا، لأن القاتل الإسرائيلي لم يخرق قوانين الحرب إلى هذه الدرجة، كماً ونوعاً.

لم يحدث في التاريخ المعاصر أن عانى ملايين من التجويع، ولم يحدث هذا الإقرار الدولي بسلاح التجويع ومن ثم التفاوض حوله، بل حول تفاصيل ما يجب إدخاله لسد رمق المدنيين المحاصرين، ولوقت قصير في الحالات القليلة التي نجح فيها التفاوض. ولم يحدث في التاريخ المعاصر أن يُضطر مجلس الأمن إلى مناقشة الحد المسموح به من جرائم الحرب، واعتبار التقليل منها إنجازاً، مع أن التقليل منها في حالات الهدنة المحدودة كان يعِد بجرائم أفظع قبل الهدنة وبعدها. ولا ننسى أن الأمم المتحدة رعت عمليات تهجير مدنيين تحت طائلة التجويع، والإدارة الأميركية ذاتها ضغطت على المعارضة للتنازل سياسياً تحت طائلة سلاح القصف والحصار والتجويع من جانب النظام وحلفائه.

كل هذه السياسات يعني تحويل السوريين كائنات بيولوجيةً محضة، هدفها البقاء على قيد الحياة وسد الرمق، لا غير. وهذه هي سياسة النظام قبل الثورة، إذ كان يعتمد تصوير بقاء السوريين على قيد الحياة، بالحد الأدنى من الخدمات التي احتكرها، إنجازاً يقايض به على حرياتهم، وفي مقدمها الحريات السياسية وحرية الرأي. سياسة التجويع، عقاباً على العصيان، امتداد للمقايضة القسرية السابقة، فعندما قرر السوريون التحول إلى كائنات فوق بيولوجية، عمد النظام إلى محاولة إعادتهم إلى الحظيرة البيولوجية السابقة، وبالتأكيد إلى ما دونها بعمليات الإبادة.

في الجوهر، لا جديد في سلوك النظام سوى التحول في مستوى العنف والقسر. الجديد عند السوريين هو الخيبة المتكررة، فعملية التحول إلى الوجود السياسي رافقها أملٌ بأن يصبحوا جزءاً من العالم، ولم يتوقعوا في أكثر الاحتمالات بؤساً أن يتواطأ على محاولة إعادتهم إلى عهدهم السابق. المنهجية المعتمدة في «تخفيض مستوى العنف»، وإيصال مساعدات غذائية محدودة جداً إلى المحاصرين، لا تعني سوى التعامل مع السوريين في حد وجودهم الأدنى. يعزز صدقية هذا الاتهام مستوى التعامل الأممي مع نازحي المخيمات في بعض دول الجوار، حيث لا تقدّم المنظمات الدولية سوى ما يقارب حد الكفاف، مع حد أقل من الخدمات التعليمية والصحية. وإذا كان بعض العالم عاجزاً بحق عن وقف المقتلة السورية، وردع مرتكبيها، يصعب تصور العجز عن تقديم الحد اللائق إنسانياً للنازحين.

الأدهى أن يُعتبر النزوح نعمة ونجاة مما هو أسوأ في الداخل، وأن يُصوّر الوصول إلى الغرب كأنه وصول إلى النعيم، بصرف النظر عن الإجراءات المشددة الأخيرة لمنع تدفق اللاجئين. فاللاجئ المحظوظ، وفق هذا المعيار، حقق شرطه البيولوجي الكامل مع المساعدات التي توفر له شروطاً معيشية تعادل التي يحصل عليها العاطل من العمل في الغرب. في هذا «النعيم»، لا أسئلة عن الفضاء الاجتماعي والمجتمعي الذي خسره اللاجئ «المحظوظ»، ولا أسئلة عن تمزق العائلات بين عديد الدول، أو التمزق بين صغار الأسرة ذاتها وكبارها الذين سيتمثل كل جيل منهم ثقافة مختلفة يفرضها التفكير بلغتين، ما دام أفق العودة شبه منعدم.

بالطبع لا أسئلة عن الكائن الذي فقد فرصته في التحول إلى كائن اجتماعي- سياسي، وفق المفهوم الأشمل لشرط الوجود. فلاجئو الجيل الأول قلما يزاولون نشاطاً عاماً يتعلق ببلدانهم الجديدة بعد حرمانهم منه في بلدانهم الأم.

المقارنة بين السيء والأسوأ لا تتوقف عند حد، فوفقها يُحرم ضحايا الدرجة الثانية والثالثة من شرطهم الإنساني. فأولاً يُعتبر محظوظاً من نجا من الموت، وثانياً يُعتبر محظوظاً من لم يفقد عزيزاً من الدرجة الأولى، ولا حساب مطلقاً لتأثيرات العيش تحت الخطر، أو الخوف على مَن هم تحته، أو تلك التأثيرات المتأتية من سوريّة أصحابها واهتمامهم بقضيتهم الذي لم ينقطع على وجه العموم. مثل هذا «الترف» لا يبدو مباحاً، على رغم تأثيراته المستدامة في غياب العدالة، تلك التأثيرات التي تدلل على بديهية أن الإنسان ليس كائناً بيولوجياً فحسب، بما يتلوها من آثار قد يدفع العالم ثمنها وهو يعاند ما هو بديهي، وينكر من خلال ذلك أحقية السوريين بالثورة.

ظاهرياً، ربما يُسجّل بعض النجاح لهذا التواطؤ على تجريد السوريين، واختزالهم في الحد الأقصى إلى قضية شفقة خاسرة. إذ من المنطقي أيضاً أن تتضاءل آمال بعضهم وفق ظروفهم، بمن فيهم الخاضعون طوعاً أو قسراً لسيطرة النظام ويتمتعون بالأمان في مقابل التضحية بأبنائهم على الجبهات، وفي مقابل إفقارهم المستمر. غير أن النجاح الظاهري لا يعني اقتناع السوريين باستحقاقهم أدنى شروط العيش، وإلا كانت سياسة النظام خلال أربعة عقود قد أثمرت ولم تحدث الثورة أساساً. ثمة تيار يتندر عليه السوريون يرفع أصحابه مقولة «كنا عايشين»، وهي مقولة تضمر لوم الثورة مع تواضع المتطلبات لدى بعضهم ووضاعتها لدى آخرين، غير أن ما فيها من تحسر على ذلك «الفردوس المفقود» يضمر استحالة عودته.

========================

هل نجحت أمريكا في العراق كي تنجح روسيا في سوريا؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 29/10/2016

هل تدخلت القوى الكبرى في بلد إلا وتفتت أو بقي في حالة صراع داخلي مرير لسنوات وربما عقود؟ لا شك أن الصراعات والحروب الأهلية تترك البلدان التي تحدث فيها في حالة خراب ودمار وفوضى لردح طويل من الزمن. لكن تلك الصراعات تصبح أسوأ بكثير عندما تتدخل فيها قوى خارجية لمصلحة هذا الطرف أو ذاك.

وعلى ضوء تجارب العراق وأفغانستان والصومال واليمن ويوغسلافيا نستطيع أن نؤكد أن التدخل الأجنبي لا يهدف بأي حال من الأحوال لحل كوارث تلك البلاد بقدر ما يكون عاملاً مساعداً على تفاقم الأزمات وإطالة أمدها أو تقسيم البلاد كما حدث في يوغسلافيا، وكلما أرى دولة عظمى تتدخل هنا وهناك بحجة إحلال السلام أو وقف القتال أضع يدي على قلبي، لأن النتيجة تكون في غالب الأحيان ليست في صالح تلك البلاد ولا شعوبها، بل تزيد الطين بلة، وتصب الزيت على نار الحروب الأهلية.

ماذا فعل التدخل الخارجي في أفغانستان؟ لقد تدخل السوفيات في بادئ الأمر لصالح الرئيس الشيوعي نجيب الله لتثبيت حكمه دون أن يدروا أنهم بذلك سيستثيرون قسماً كبيراً من الشعب على بعضه البعض وعلى الغازي الخارجي طبعاً. وكانت نتيجة الغزو السوفياتي لأفغانستان قيام ثورة داخلية على النظام الذي جاء السوفيات لدعمه.

وبسبب التنافس بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وقتها على مراكز النفوذ في العالم، راحت أمريكا تدعم المجاهدين الأفغان بالمال والسلاح لطرد السوفيات وتثبيت جماعتها هناك. وقد نجح المجاهدون في طرد الغازي السوفياتي. لكن ماذا كانت النتيجة؟ لقد حدث صراع مرير بين المجاهدين أنفسهم أدى إلى تدمير البلاد حتى تمكنت حركة طالبان من القضاء على كل منافسيها من الفصائل الأخرى، واستفردت بحكم أفغانستان. لكن الأمور لم تستتب لطالبان لفترة طويلة، فقد تعرضت أفغانستان لغزو جديد هذه المرة من القوة التي ساعدت الأفغان في طرد السوفيات.

لقد تحججت أمريكا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وغزت أفغانستان، وقضت مبدئياً على حكم حركة طالبان، ونصبت محلها نظاماً عميلاً لها لا يختلف عن نظام نجيب الله الشيوعي الذي كان عميلاً للسوفيات. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تحولت طالبان إلى حركة مقاومة ضد عملاء أمريكا وتوابعها في أفغانستان، مما أدخل البلاد في حال انقسام وحرب أهلية جديدة لم تنته حتى الآن. وسيظل الصراع قائماً بين طالبان والحكومة المدعومة أمريكياً حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

طبعاً لم يتعلم الأمريكيون من التدخل في أفغانستان، فعادوا الكرة في العراق لاحقاً وبنفس اللعبة والطريقة، فأسقطوا نظام الرئيس صدام حسين، وعينوا محله عملاءهم من شراذم المعارضة العراقية. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تحول أنصار صدام وكل المتضررين من الغزو الأمريكي للعراق إلى حركات مقاومة لم تطرد الأمريكيين من العراق فحسب، بل جعلت من العراق ساحة حرب أهلية ممتدة منذ دخول الأمريكيين إلى العراق عام 2003. ولو نظرنا إلى العراق الآن لوجدنا أنه أصبح مضرباً للمثل في الخراب والدمار والفوضى والفشل.

وكما أن الأمريكيين لم يتعلموا من خطيئة السوفيات في أفغانستان، فإن الروس لم يتعلموا بدورهم من خطيئة أمريكا في العراق.

ها هي روسيا الآن تتدخل في سوريا لصالح طرف ضد الأكثرية في سوريا، فبدل أن تساعد الأكثرية التي ثارت على نظام طائفي أقلوي حقير، راحت تدعم النظام الفاشي ضد إرادة غالبية الشعب السوري الذي عاني الويلات منذ خمس سنوات. وكما تحججت أمريكا بإزالة النظام الديكتاتوري في العراق، تحاول روسيا تغطية غزوها السافر لسوريا بحجة محاربة الإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الفصائل. ولتجميل تدخلها الفاشي في سوريا، تزعم روسيا أنها تبحث عن حل يجمع السوريين، مع العلم أنها تأخذ موقفاً صارخاً لصالح طرف ضد بقية الأطراف السورية كما فعلت من قبل في أفغانستان، وكما فعلت أمريكا في العراق. صحيح أن الوضع في سوريا مختلف عن الوضع في أفغانستان أيام الغزو السوفياتي. وصحيح ايضاً أن أمريكا وروسيا حليفتان في سوريا ضد الجماعات الجهادية. لكن ذلك لن ينجح أبداً في إيجاد حل للسوريين، لا بل سيعمق الأزمة، وسيزيد من التخندق الطائفي والمناطقي.

لا نعتقد أبداً أن القوى الكبرى تتدخل في البلدان المضطربة من أجل الحل، بل بالتأكيد من أجل مصالحها الحقيرة أولاً وأخيراً. وقد شاهدنا كيف أدى التدخل الروسي الأخير في أوكرانيا إلى تقسيمها وقبلها جورجيا. ولو صدقنا جدلاً أن روسيا تريد فعلاً أن تجد حلاً للكارثة السورية، فعليها أن تنسى الأمر، وأن تخرج من سوريا تاركة السوريين يتوافقون على حل فيما بينهم بأنفسهم دون وساطة أو تدخل خارجي مسموم كالتدخل الروسي الآن. إن التغيير الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه، ويمكن أن يحقق نتائج إيجابية مستدامة في أي مكان هو التغيير من الداخل. أما التغيير المفروض من الخارج فسيفشل، وسيؤدي إلى خراب البلدان حتى لو دعمته كل قوى الأرض. هل نجح التدخل الأمريكي في العراق في تشكيل نظام أفضل يقبله كل العراقيين؟ بالطبع لا.

لقد أدى إلى تفتيت العراق والعراقيين على أسس طائفية ومذهبية وعرقية مقيتة. لماذا؟ لأنه لم يأت بمباركة كل العراقيين، بل حاول أن يفرض الشيعة على السنة. لهذا كانت نتائجه كارثية. وإذا فشلت أمريكا سيدة العالم في فرض نظام على العراقيين بكل جبروتها العسكري والاقتصادي والسياسي، فإن روسيا الضعيفة لن تستطيع أن تفرض على السوريين نظاماً لا يقبل به كل السوريين.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com