العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-09-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ليل سوريا الطويل

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 3/9/2020

الواقع أنه ليل طويل في الإقليم كله، وما تخصيص سوريا إلا لأنها بلدي. لا شيء يدعو للتفاؤل بالنسبة لجميع دول هذا الإقليم الذي وصف في أدبيات الإدارة الأمريكية في مطلع القرن بـ«الشرق الأوسط الموسع» الذي كان موعوداً وفقاً للمحافظين الجدد بمستقبل مشرق من الديمقراطية والازدهار وإذ به، بعد عقدين من السنوات، في ليل حالك عنوانه الموت والدمار وفقدان أي أفق مستقبلي.

يستسهل تيار عريض يضم اليسار واليمين، إسلاميين وعلمانيين، قوميين واشتراكيين، يستسهلون الأمر بإلقاء اللوم على «الشيطان الأمريكي» على رغم تغير الإدارات هناك، وعلى رغم الفرص الكبيرة التي أضاعتها دول المنطقة للخروج من مأزقها، وعلى رغم بروز «شياطين» أخرى، روسيا والصين بصورة رئيسية.

واقع الحال أن أنظمة الحكم الفاسدة والدموية المتمسكة بالسلطة إلى الأبد هي شيطاننا الأبرز الذي يتحمل كامل المسؤولية عما نحن فيه، بما في ذلك فتح الباب للشياطين الأخرى بالتدخل لتحديد مصائرنا، وإن لم يكن شيطاننا الوحيد. لنتخيل، فرضاً، أن تلك الطغم المتسلطة قد فكرت لحظة واحدة بمسؤولية وطنية في مواجهة ثورات الشعوب التي طالبت بإسقاطها. فالمسؤولية الوطنية تقتضي التخلي عن الحكم أمام موجة شعبية عارمة تطالب بذلك بعدما يئست تلك الشعوب من إمكانية إصلاحها. مؤكد أنه لا شيء يضمن أن تمشي الأمور نحو الأفضل ببساطة، فالواقع أكثر تعقيداً من توقعات مفرطة في التفاؤل. لكن التغيير السياسي كان من شأنه فتح الباب أمام مجتمعات بلداننا لتقوم بتحديد مصائرها، وقد يتطلب الأمر فترة قلقة غير قصيرة من البحث عن الخيارات الأفضل. وفي غضون ذلك كانت ستتغير حكومات ومعها سياسات، ويكتسب المجتمع خبرات سياسية كان محروماً منها طوال عقود.

لكن المؤكد، على أي حال، أن دماء مئات آلاف البشر كان سيتم توفيرها، وتجنيب البلاد خسائر اقتصادية تعد بمليارات الدولارات تكفي بذاتها لإجراء إصلاحات كبيرة تضع بلداننا على سكة التقدم والرفاه الاقتصادي، وكذا تجنب تدخلات الدول الأخرى التي لا تهمها آلامنا ولا تطلعاتنا، وكذا فيما يتعلق بالمنظمات الجهادية التي لها برنامجها الخاص وحساباتها الخاصة، فهي غير معنية بما تريده مجتمعات البلدان التي نشطت فيها.

واقع الحال أن أنظمة الحكم الفاسدة والدموية المتمسكة بالسلطة إلى الأبد هي شيطاننا الأبرز الذي يتحمل كامل المسؤولية عما نحن فيه، بما في ذلك فتح الباب للشياطين الأخرى بالتدخل لتحديد مصائرنا، وإن لم يكن شيطاننا الوحيد

هذه مجرد فرضيات لا علاقة لها بالواقع الذي نعرف مفرداته: هناك بلدان كسوريا وليبيا واليمن يمكن القول إنها لم تعد موجودة كدول، هي فلسطينيات جديدة تضاف إلى فلسطين التي نعرفها. وبلدان أخرى لا تقل ظلاماً عنها لكنها لم تبلغ درجة التفكك ذاتها، كالعراق ولبنان والسودان. وهذا لا يعني أن البلدان العربية الأخرى بخير. ولا البلدان غير العربية المجاورة بخير، بدءاً من الكرد في الدول الأربع التي يتوزعون عليها، ومروراً بتركيا وإيران وروسيا. قد يبدو غريباً إدراج روسيا في هذه القائمة، لكن هذه الدولة «العظمى» ربما تتفكك وتنهار انهيارها الثاني إذا واصلت السير على النهج ذاته تحت الظل الثقيل لدكتاتورها الذي يتوهم أنه يعيد لروسيا أمجادها الإمبراطورية بواسطة القوة العسكرية الفظة وحدها.

أما إيران وتركيا المبتليتان بدورهما بلوثة استعادة الأمجاد الإمبراطورية الغابرة بواسطة القوة العسكرية أيضاً، فحالهما أكثر انكشافاً بعد من شريكتهما روسيا. من زاوية نظر معينة يبدو كأن الولايات المتحدة هي المتحكمة بصراعات الإقليم من غير تورط عسكري مباشر كبير. باحتفاظها ببضع مئات فقط من الجنود على الأرض تستطيع تعطيل أي حل سياسي (روسي) في سوريا لا يأخذ مصالحها بعين الاعتبار. أي أن الولايات المتحدة هي التي ترسم حدود الفعل للقوى المتصارعة على الأراضي السورية. وبأعداد أكثر قليلاً من الجنود تفعل ما يشبه ذلك في العراق. هي لا تتدخل في ليبيا لكنها تراقب الصراع الدائر فيها بين تركيا والإمارات، وبين الأولى من جهة وفرنسا من جهة ثانية بشأن التوتر في بحري إيجة والمتوسط بسبب الصراع على الثروات الباطنية.

قد تغري هذه القراءة للدور الأمريكي بذلك الاستسهال المذكور فوق بشأن التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الشيطان الأمريكي. الواقع أن الولايات المتحدة هي دولة عظمى لا يمكن تجاهلها أو توقع سياسات منها تراعي مصالح الدول الأخرى. القوة العظمى الأمريكية، وعلى رغم كل ما ينتابها من حالات ضعف ظاهرة، هي جزء من واقع موضوعي لا يمكن بناء أي سياسات وطنية بتجاهلها أو بافتراضات قائمة على الرغبات والتمنيات والأوهام أو بمواجهتها بالضجيج اللفظي كحال محور «الممانعة» سيئ الصيت. ولا يعني هذا الكلام أي دعوة للتبعية لهذه القوة العظمى أو غيرها، بل هي دعوة للكف عن استخدامها غطاءً لفساد طغمنا الحاكمة أو عجز معارضاتنا وضيق أفقها، وذريعة للتهرب من مسؤولياتنا.

=========================

موقفنا : إلى الراكعين الساجدين على الأعتاب الروسية وجلُّ مطلبهم : لحمة وخضرة ...!!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3/ 9 / 2020

يروي بعض الناس على سبيل التمدح والإعجاب موقف عبد المطلب عندما واجه أبرهة ، وسأله عن إبله التي اجتاحها له . ويزيدون تنغما بقول عبد المطلب : أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه . ويزينون للمسلمين اليوم أن يهتدوا بهدي ذلك ...ومن قبل برئ سيدنا إبراهيم من قومه ومن أبيه !!

وللحقيقة فلا ذلك الموقف ولا هذا القول ، مما يسنجم مع شريعة الإسلام في شيء . وذهاب البعض إلى أن عبد المطلب الذي كان يعيش في فضاء الجاهلية كان لديه كشف صوفي بأن الله سيتدخل كفاحا للدفاع عن بيته يزيد طيننا بلة ، وضغثنا إبالة ..!!

ويبدو أن بعض الناس ما يزالون يعيشون العقلية نفسها حتى اليوم ، يمجدونها ، ويدعون الناس إلى السير على نهجها ، بل ويقطعون على المسلمين طريق خلاصهم بالافتئات عليهم ، ومصادرة حقوقهم ، والادعاء أنهم وأنهم وأنهم ...

قوم يدّعون الإسلام ويراوغون في الاحتماء بالروسي ، والالتفاف برايته ، والاتكاء على عصاه ؛ في قتل المسلمين ، أو تجريدهم من دينهم .. أو مزاحمتهم على آخر أثفية يمكن أن يخبزوا عليها رغيفهم !!

والحقائق الصارخة الناطقة تصفعهم ولكن أي حيلة فيمن قلّ ...

وعندما أعلن الرئيس الروسي بوتين ووزير خارجيته لافروف ووزير دفاعه شيغو وبطرك الكنيسة المشرقية الأرثوذكسية الروسية ، حربَهم على المسلمين في سورية ، لم يكونوا دبلوماسيين أبدا ..بل كان إعلانهم في غاية الصراحة والوضوح وإذا شئت قلت في غاية الوقاحة والابتذال فقد أعلنوها حربا صليبية مباشرة مفتوحة صريحة بعنوانين جريئين : حرب ضد المسلمين وضد السنة ومن أجل حماية الأقليات وحماية المسيحيين والأرثوذكس منهم بشكل خاص . ومن لا يعجبه هذا الكلام فليعترض على قائليه ، وليس على شخصي المستضعف الضعيف ...

لم يعلن بوتين أو أحد من شركاه المذكورين أعلاه : حربا ضد الإرهاب ، بل قالوها بصراحة : ضد المسلمين ..، ولم يقولوا ضد المسلمين فقط بل ضد المسلمين السنة لمنعهم من الوصول إلى الحكم كررها مرارا بدون حياء لافروف . ومرة أخرى على الذي لا يعجبه كلامي عليه أن يعترض على قائليه فهو موثق في تصريحات رسمية سمع فيها في هذا العالم القاصي والداني ..

لم يزعموا أنهم في سورية لحماية المدنيين ، كما جرت عادة الكذابين والمدلسين والمنافقين ، بل قالوها صريحة واضحة قبيحة مباشرة : نحن في سورية لحماية الأقليات ...لحماية المسيحيين ...لحماية الأرثوذكس ..وكل ذلك موثق بحروفه وكلماته في فضاء المذكورين أعلاه ..حتى لا يقول لي مراوغ كلام صحفي من الدرجة الثالثة لا يعتد به ..

وعلى كل السوريين اليوم أن يواجهوا حقائق مصيرهم عارية مجردة بلا رتوش ولا خداع ولا تزيين ولا أباطيل ...

لأول مرة في تاريخ الدولة الروسية منذ ثورة 1917 البلشفية تبدأ روسية حربا دولية على شعب مستضعف أعزل باسم الكنيسة ، وبإذن الكنسية ، وببركة الكنيسة ..وذلك لذبح " أبناء المسلمين ، وأطفال المسلمين ، وانتهاك نساء المسلمين " يتحالف الأرثوذكسي مع الطائفي القذر للثأر من أطفال سورية ومن نسائها ، وتجند في تلك الحرب أقسى الأسلحة وأقذر الأدوات . وأقذر الأدوات ميليشيات من خمس دول معلنة : إيران وباكستان وأفغانستان والعراق ولبنان ، والأمر فيما خفي من غير المعلن أعظم ..

وأدوات قذرة من مرتزقة الفاغنر الروس ، وما خفي من أمر المرتزقة أدهي وأمر .

واللعب في المسرح السوري كله على المكشوف ، وتسقط من معطيات اللغة كل الكنايات والاستعارات وتصوروا لو أن شابا جاء إلى أب يطلب الزواج من ابنته بغير كناية ولا استعارة ولا مجاز ..وهذا الذي كان وما يزال ، ومايزال وكيل سورية بشار الأسد الذي صمت عنه الوالغون في الدم وهم يظنون أنهم يحسنون ...

بوتين وكيرل وشويغو ولافروف ..

وخمس سنوات قتل ..رجال ونساء وأطفال بلا توقف عند كم ولا كيف !!

بوتين وكيرل وشويغو ولافروف ..

وخمس سنوات تدمير.... ودمروا في سورية البيت والخيمة والمسجد والمستشفى والمدرسة والمخبز والسوق ..كل ذلك عن خطة واستراتيجية وعمد وسبق إصرار وقرار ..

بوتين وكيرل وشويغو ولافروف ..

وخمس سنوات وسورية وأجساد بنيها حقل تجارب لأقذر أنواع السلاح ..البعيد والقريب والفراغي والارتجاجي والعنقودي والمتشظي والخارق والحارق والكيماوي وما لم نسمع باسمه أعظم ..

بوتين وكيرل وشويغو ولافروف .

و.خمس سنوات وستة عشر فيتو روسي كانت هي الأخرى مظلة وغطاء للكثير من غطرسة المتغطرسين وإجرام المجرمين وتسلط المتسلطين ..!!

بوتين وكيرل وشويغو ولافروف ..

وخمس سنوات ويستمر مسلسل التصفية والتعذيب ..وكل ما جرى ويجري في سجون بشار الأسد من انتهاك لآدمية الإنسان إنما يتم بالإرادة الروسية - الأمريكية - الإيرانية الشيعية الطائفية القذرة ..ومن جادل في ذلك فمن حق أن نقول له ،لكم دينكم ولنا دين ، عشر سنوات وعالم المعتقلات عالم الانتهاك والشبح والذبح والتذويب والتمويت مرة من جوع ومرة من عطش ..وننسى وتنسون ثم تقفون بباب الروسي ترجون !!

بوتين وكيرل وشويغو ولافروف ..

وخمس سنوات ومسلسل التهجير مستمر ، وإفك خفض التصعيد متمادٍ ، ومن حلب كانت البداية ، وإلى إدلب يعود اليوم المخطط أدراجه ..وثلثا المسلمين في سورية اليوم مهجرون ، ليطيب لبشار الأسد ولبوتين ولكيرل المجتمع المتجانس ..!!

بوتين وكيرل وشويغو ولافروف ..

وخمس سنوات ...من إملاء المعاهدات المذلة المجحفة ، التي تصادر سورية الأرض ، الجغرافيا ، والاستراتيجيا ، والديموغرافيا وتحول أبناء سورية الكرام الأعزة من نسل الفاتحين إلى أقنان مستقبليين ، في عصر يزعمون أن مواثيق حقوق الإنسان قد ألغت عهود القنانة والعبيد ..وعن كل المعاهدات التي وقعها أبو رغال سورية مع الروس أتحدث ..!!

خمس سنوات ... خمس سنوات ... خمس سنوات ..

ثم تجد من يزعم ويدعي متعلقا بأذيال الثوب الكنسي لكيرل الأول يستجديه ، ليس أن يفرج عن طفل ، ولا أن يتوقف عن انتهاك بُنية أو أخت لم تجد في سورية رجالا يفتكون فتكة البراض .. تكأكؤوا على مقاعد القرار ، وظنوا أنهم...

يا هؤلاء وإنما زعموا أن شر الأربعة رجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ، فلو كففتم شركم عن الناس ..

وزعموا أن كل الذي يرجونه من الروس قليلا من لحمة وخضرة !!

تأكلونه زقوما وتشربونه صابا وغسلينا إن شاء الله

اللهم اعزم لأهل الشام على الرشد وجنبهم الفتنة والمفتونين ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

الأدوار والسياسات في سوريا

فايز سارة

الشرق الاوسط

الخميس 3/9/2020

تبين لوحة الصراع في سوريا وحولها، أن بعض قوى الصراع، تتقاسم التأثير الأكبر، وتتشارك بنسب مختلفة في رسم صورة البلاد، ما سيؤول إليه وضعها، ليس وصولاً إلى الاتفاق على حل القضية السورية فقط، بل أيضاً في تحديد الدور الذي سيقوم به كل طرف في فترة ما بعد الحل.

ومن البديهي، أن يكون نظام الأسد أول الأطراف، رغم أنه أضعفها على الإطلاق؛ إذ ما زال قائماً، ويحتفظ بـ«شرعية» دولية، تجعله ممثلاً حصرياً للبلاد التي دمرها، وقتل وهجّر أكثر من نصف سكانها، وما زال مستمراً في تمسكه بأهدافه المرسومة للصراع، وبالحل العسكري - الأمني طريقاً لاستمرار النظام وبقاء رأسه في السلطة، وعودة السوريين إلى حظيرته، أياً ما يكون الثمن، بما فيه التفريط في استقلال البلاد، ومنح ثرواتها لحلفائه من الإيرانيين والروس وغيرهم، وقتل السوريين وتشريدهم وجعل نصفهم لاجئين، حتى صارت غالبيتهم غير قادرة على تأمين الغذاء والدواء والسكن بمن فيهم الجزء الأكبر من بطانته، وهو يراهن على عامل الوقت لاستعادة سيطرته، والعودة إلى المجتمع الدولي، وقد امتحن جدواها طوال سنوات، ووافق عليها باقي الأطراف، أو سكتوا عنها تأييداً ضمنياً أو عجزاً غير معلن عن فعل شيء آخر.

ثاني أطراف الصراع، حلفاء الأسد من الإيرانيين الذين يطبقون سياسة القبضة الناعمة لتأمين سيطرة عميقة على سوريا مع الأسد وبعده بمشاركتهم في الحرب على كل الجبهات لتأمين النظام واستعادة سيطرته على الأرض، مستخدمين أذرعهم من ميليشيات «حزب الله» اللبناني، وبعض الحشد الشيعي العراقي، وقوات من «الحرس الثوري»، وغيرهم من قوى تساهم في تعزيز وجود الإيرانيين داخل النظام والمجتمع، عبر التسلل إلى صفوف النخبة الحاكمة والمقربين منها، وتعزيز مواقع أنصارهم في المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، وتقوية حضورهم في الأنشطة الاقتصادية، وكله يتم بالتوازي مع اختراق المجتمع السوري عبر تنظيم ميليشيات سورية بمرجعية إيرانية، وتدعيم بنية سكانية شيعية عبر تشييع سوريين، أو جلب مجموعات شيعية من بلدان منها إيران وأفغانستان والعراق بهدف إحداث تغيير ديموغرافي، حيث أمكن من البلاد، وسط تركيز على مفاصل خط السير الدولي الذي يصل البوكمال على حدود العراق مع الساحل السوري، وخط يصل إلى العاصمة دمشق، التي يتمركز ضمنها وفي محيطها وجود إيران الأهم في سوريا.

وتمد إيران سياسة قبضتها الناعمة إلى علاقاتها مع القوى الأخرى، وهو أمر ينطبق بصورة متقاربة على حلفائها وخصومها في آنٍ معاً. ففي العلاقة مع الروس، ورغم أنها علاقة تنافسية بوجه عام، فإن إيران تتجنب الصدام مع السياسة الروسية، وهي نادراً ما أبدت اعتراضات أو دخلت في مواجهات سياسية وعسكرية مع الروس، وتخلت أحياناً عن مكاسب أو استثمارات حصلت عليها، ورغب الروسي في وضع يده عليها، كما حصل في موضوع الفوسفات... وفي علاقتها مع الأتراك، تقوم بعزل علاقاتها الثنائية عن خلافاتها معهم في الملف السوري، ويمتد التساهل الإيراني في سوريا، ليشمل إسرائيل والولايات المتحدة، حيث تتجنب إيران، الرد على عمليات إسرائيل ضد قواتها وضد «حزب الله»، وقد جاهرت طوال العقود الماضية بشعارات معاداة إسرائيل والشيطان الأميركي الأكبر.

والطرف الثالث في الصراع السوري، تجسده روسيا حليف النظام وإيران، وشريك إيران وتركيا في إعلان موسكو 2016 واتفاق آستانة 2017، الذين أقاموا تقاربات في سياسات الثلاثة لجهة تعاملهم مع التنظيمات المسلحة في مناطق شمال غربي سوريا، بما يعكس التحول في مكانة روسيا بين قوى الصراع السوري بعد تدخلها العسكري أواخر 2015، فصارت في مرتبة الفاعل الملك، بما تمثله من مكانة دولية وقدرات، يدعمها وجود عسكري متعدد المهام في سوريا، هدفه خدمة الاستراتيجية الروسية في شرق المتوسط، والسيطرة على سوريا ومواردها، وتحويلها إلى قاعدة لوجودها، وورقة ضغط ومساومة في علاقاتها الدولية، وكلها أمور دفعت روسيا إلى تقوية سيطرتها في سوريا على كل المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وخلقت بنيات وعلاقات داخل السلطة والمجتمع، تساعدها في تثبيت وجودها في عهد بشار وبعده.

ومنذ تدخلها العسكري 2015، تبنت روسيا سياسات نظام الأسد أو سكتت راضية عنه، وخاضت معارك استعادة السيطرة على مناطق المعارضة، وهزيمة الجماعات المسلحة فيها، واتخذت سياسات مزدوجة مع الأطراف الأخرى، غلبت عليها المسايرة، كما هو الحال مع إسرائيل والولايات المتحدة، والنوسان بين المسايرة وتوجيه الضغوط والرسائل إلى الحليفين الإيراني والتركي للبقاء قريباً من خط سياسة موسكو في سوريا. وكان لهذه السياسة أكبر الأثر في معادلة معقدة رسمتها روسيا حول علاقاتها مع إيران، جوهرها قبول متبادل بدور كل طرف للآخر، بما فيه قبول صمت روسيا على قيام حليفها الإسرائيلي بهجمات، تقترب من حرب على إيران وأدواتها في سوريا.

وإذا كانت تركيا تمثل الطرف الرابع في الصراع السوري، فإن همها الرئيسي لم يعد مجرد تثبيت وجودها في بلد هو أكثر جيرانها حساسية، فهذا تجاوزته من خلال ثلاث عمليات شنتها في السنوات الأربع الماضية، عززت بها وجودها العسكري والسياسي، ونقلت هدفها نحو توسعه في حاضر ومستقبل سوريا، وهي في ذلك لا تحاكي الإيرانيين الذين يحالفون نظاماً مصيره الرحيل، بل تقارب هموم أكثرية السوريين، وتغازل أهدافهم في رحيل النظام، من دون أن يتعارض الأمر مع مصالحها الأساسية، وخصوصاً عداءها مع أكراد سوريين، لا ترى فيهم إلا امتداداً لأكراد تركيا وحزبهم حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تصفه بالإرهاب، وهي تركز في سياق هذا الهدف على إحياء ما تعتقد أنه امتداد لها من تركمان سوريا.

تتجنب تركيا في سياساتها السورية اتباع سياسات صدامية مع حاضرين مختلفين في الصراع السوري، كإيران حليفة النظام والحاضرة بقوة إلى جانبه مع روسيا، وإسرائيل التي تسجل حضوراً غير مباشر، إلا فيما يتعلق بموضوع إيران ووجودها وحلفائها بالقرب من خط وقف إطلاق النار على الجبهة مع سوريا، لكنها في السياسة مع روسيا تبدي حرصاً مستمراً على التقارب والتفاهم رغم ما بين الطرفين من تباعد في الموقف من القضية السورية وملفاتها، وهي حريصة كل الحرص، رغم ما يظهر من تشنجات في العلاقة مع الولايات المتحدة حول الموقف من سوريا، على أن تحصل على موافقة أميركية على الخطوات التركية هناك، والأخيرة لا تتأخر في ذلك، وقد حظيت عمليات تركيا الثلاث في سوريا بموافقة أميركية.

ولا يحتاج إلى تأكيد قول، بأن أهم الأطراف الفاعلة في تقاسم الأدوار والسياسات، هي الولايات المتحدة، التي تمارس دوراً مزدوجاً؛ فهي من حيث المبدأ مثل بقية الأطراف لها وجود عسكري رمزي يمثله جنود وقواعد في عدة مناطق مدعوم بقواعد نشطة في بلدان الجوار وقريباً منها، يضاف لما سبق، وجود حلفاء هم قوات سوريا الديمقراطية، التي تشكل ميليشيا الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري (PYD) نواتها الصلبة، والموصوفة بأنها الأقوى بين الميليشيات السورية، والمستعدة إلى أن تسير مع واشنطن حتى النهاية.

الأهم فيما تقوم به واشنطن، أنها تضع نفسها في مكانة عراب، يشرف على كل المتدخلين، يدقق في استراتيجياتهم وسياساتهم، فيعلن الرضا أو الغضب حيالها علناً أو بطريقة مواربة، وإذا تطلب الأمر منه مبادرة إزاء طرف من الأطراف، فإنه يبادر، كما تم في هجماته على أهداف لنظام الأسد، أو في هجومه الصاعق على مجموعة المرتزقة الروسية «فاغنر» قرب دير الزور، غير أن اعتراضاته واحتجاجاته على سياسات ومواقف بعض الأطراف، لا تجعله يذهب إلى الحسم ضدهم، الأمر الذي ساهم في بقاء واستمرار سياساتهم في سوريا، التي تعارض واشنطن بعضها، لكن بصورة غير جدية..

وهذه إشارة خاصة إلى إيران، التي تدخلت واستمر تدخلها طوال أكثر من 9 سنوات مضت، من دون أن تقوم واشنطن بأي عمل جدي سوى التصريحات، والعقوبات، التي صارت إيران تتعيش عليها.

خلاصة أدوار وسياسات الأطراف المتدخلة في سوريا، أنها تتواصل بمستويات معينة من التوافق والرضا والسكوت لتنفيذ استراتيجياتها، وتطبق سياسات تتوافق معها بالقوة الفجة وبالقوة الناعمة أحياناً، وتذهب إلى تفاهمات واتفاقات، وتمارس سياسة الصبر وتقطيع الوقت في أحيان أخرى.

ولأن واشنطن كانت أحد هذه الأطراف، فإنها تزيد إلى ذلك رعايتها للحالة العامة والقيام بضبطها.

ويتحمل السوريون نتائج كل ما يترتب على ما تقدم، ويدفعون فواتيره، من دون أن تتحقق لهم مصلحة حتى لو كانت رؤية ثقب في نهاية النفق، يوحي بأن حلاً لقضيتهم يمكن أن يتم في وقت قريب.

=========================

سوريا.. كواليس جنيف

بشير البكر

سوريا تي في

الاربعاء 2/9/2020

لم تسفر اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة  في جنيف عن نتائج ملموسة، وانتهت الجولة الثالثة مساء السبت الفائت كسابقتيها من دون أي اتفاق أو بيان رسمي، بما في ذلك تحديد موعد انعقاد الجولة المقبلة. واكتفت الأمم المتحدة بمؤتمر صحفي تحدث فيه ممثلها غير بيدرسون، والذي صرح بأن الانجاز الوحيد الذي تحقق هو"اعتراف الرئيسين المشتركين (هادي البحرة عن المعارضة، وأحمد الكزبري ممثل النظام السوري) بوجود نقاط مشتركة". وأوضح بيدرسون، أنّ الأطراف التزمت بجدول أعمال المحادثات، وإذا تم الاجتماع مرة أخرى فسيتم البناء على النقاط المشتركة، مشيراً إلى أنه "سعيد باحترام الرئيسين لبعضهما إذ كانت الأطراف تستمع بعضها للبعض الآخر".

هناك عدة مؤشرات إلى أن هذه الجولة اختلفت عن الجولتين السابقتين. وأول هذه المؤشرات حضور وفدين أميركي وروسي إلى جنيف.

وحدد بيدرسون التقدم الذي حصل في هذه الجولة بأربع نقاط أساسية. الأولى هي، أنه حصل على رسالة من الطرفين تؤكد استعدادهما للاجتماع مرة أخرى. والثانية هي، مناقشة قضية تحديد موعد نهائي للمحادثات. والنقطة الثالثة تأكيده على أنه تمكن من بناء الثقة بين الأطراف. أما النقطة الرابعة فتتلخص في أن المحادثات في جنيف غير متعلقة بالوضع الأمني في سورية، الأمر الذي يحتم العمل على حصول تطور سياسي يوازي التطور الأمني على الأرض.

ومن دون تضخيم، فإن هناك عدة مؤشرات إلى أن هذه الجولة اختلفت عن الجولتين السابقتين. وأول هذه المؤشرات حضور وفدين أميركي وروسي إلى جنيف، الأول قاده المندوب الأميركي للملف السوري جيمس جيفري، والثاني برئاسة مندوب الرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف. ومن غير المعروف ما إذا حصل لقاء بين الوفدين أم لا، ولكن مجرد وجودهما معاً قبل انطلاق اجتماعات اللجنة وأثناءها، هو إشارة سياسية مهمة.

أما المؤشر الثاني فهو يتمثل في اجتماع الوفدين الأميركي والروسي مع وفد المعارضة كل على حدة، وتسربت عن اللقاءين (حسب مصادر صحفية) تفاصيل على درجة كبيرة من الأهمية، وخصوصاً من اللقاء بين المعارضة والمسؤول الروسي الذي طلب من المعارضة عدم الرد على استفزازات وفد النظام الذي يريد تخريب الجولة، وأن هذا الوفد ما كان يمكن أن يحضر إلى جنيف لولا الضغط الروسي. ويشار هنا إلى أن لافرنتيف زار دمشق قبل نحو شهر من انعقاد الجولة.

وهنا يأتي المؤشر الثالث، والذي يتمثل بالتصريحات الأميركية التي رافقت الجولة، والتي صدرت عن جيمس جيفري الذي تحدث عن تطورات مثيرة سوف يشهدها الملف السوري. وكان تصريحه في أنقرة لافتاً أيضاً، عندما أكد أن "بقاء الأسد  في السلطة حتى الآن كان بسبب الدعم الروسي"، متوقعاً أن تقوم موسكو بتسليم الأسد "لكن على طاولة المفاوضات".، وقد ربط بعض المعارضين تصريح جيفري بإعلان لافرنتييف، في جنيف، عن استعداد بلاده للحوار مع الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى توافق بشأن سوريا، ومناقشة مختلف الموضوعات واتخاذ القرارات والتوافق حولها. ويجدر كذلك التوقف عند الموقف الذي صدر عن وكيل وزارة الخارجية الأميركي جويل ريبورن الذي حث المعارضة خلال اللقاء معها في إسطنبول، على ضرورة التركيز على الأسد.

إذا صحت التسريبات عن الوفد الروسي حيال الأسد، فإن هناك بداية تطورات مثيرة فعلاً على حد وصف جيمس جيفري.

ويبدو أن ما دار في كواليس جنيف أكثر أهمية من مناقشات اللجنة الدستورية، ذلك أن الجميع يدرك بأن التعطيل الذي حصل قرابة عام من عمر اللجنة يتحمل مسؤوليته النظام وروسيا وإيران. ومن الواضح أن النظام يشتغل وفق استراتيجية تمضية الوقت بلا أي التزام حتى الوصول إلى الانتخابات الرئاسية في منتصف العام المقبل، ويراهن على التجديد لبشار الأسد في ولاية رئاسية، وهذا ما تعارضه واشنطن وتحاول أن تقنع روسيا بعدم حصوله. وإذا صحت التسريبات عن الوفد الروسي حيال الأسد، فإن هناك بداية تطورات مثيرة فعلاً على حد وصف جيمس جيفري. وسيكون عنوان المرحلة المقبلة تخلي موسكو عن الأسد على طاولة المفاوضات. 

=========================

عن ترامب وبايدن في عين سوريا مرة أخرى

موفق نيربية

القدس العربي

الاربعاء 2/9/2020

ما زال من اللافت رؤية العالم كله يتوقف في انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية، وكيف لا يكتفي المرء بالتوقف عندها مرة واحدة. فالكثير من المشاكل واتجاه حلّها أو استفحالها، أو على الأقلّ طريقة متابعتها اللاحقة، كلّه يتعلق بتلك النتائج وما تسفر عنه. ومن سوء الحظ أن تكون تلك الانتخابات صعبة التوقّع، خصوصاً بعد أن ضرب فوز دونالد ترامب في فترته الرئاسية الأولى، كلّ توقعات الخبراء واستطلاعات الرأي.

لا يقلّل من تلك المفاجأة ما قيل فيما بعد عن تركّز قسم من ناخبيه بين فئات تكون عادة في منطقة الظلّ في الاستطلاعات والدراسات. ومنذ عدة أحقابٍ مرت على منطقتنا، كان لدى العرب – معظمهم- ميلٌ شديدٌ للمرشحين الجمهوريين في الانتخابات الأمريكية، لاعتبارات على علاقة بإسرائيل والنفط ويهود الولايات المتحدة، الأكثر ميلاً إلى الحزب الديمقراطي عموماً، وعلى علاقة خصوصاً بطريقة ترجمتنا لقضيتنا العربية أو الفلسطينية. ولكن الكثير من المياه قد مرّت منذ ذلك الزمن الراكد، وأصبحت لدينا قضايا كبيرة متركزة على الاستبداد والتغيير، استهلكت بلاداً ودماء وربما شعوباً، وغيّرت المعايير أيضاً. لذلك، ننتظر أيضاً ولو ببعض الملل والتململ، نتائج الانتخابات تلك.. على الأقل من خلال متابعة السياسات الخارجية في برامج ومفاهيم الطرفين، إضافة إلى حوليات المواقف وتحولاتها حتى الآن، واحتمالاتها فيما بعد. وبسبب تعقيد مسائلنا حين تجتمع، لا بدّ من الإشارة إلى أن النظرة فيما يلي ستنطلق من الحالة السورية، والحالات التي تشتبك معها بأواصر وروابط شتّى.

السياسة الخارجية هي آخر ما يهم الناخبين الأمريكيين، إلا حين يتعلق الأمر بحرب أو ما يعادلها، وفي ذلك يتفوق ترامب على بايدن بصوته العالي، وبدرجة تحقيقه لتوسيع فرص العمل، بغض النظر عن طريقة ذلك؛ في حين يتفوق بايدن بين الأقليات والمهمشين والمثقفين، وحقل جائحة كورونا التي فشل ترامب في مواجهتها كما ينبغي، مثلاً. رغم ذلك، ينبغي مراجعة الفوارق المهمة في السياسة الخارجية بين الطرفين.

أول تلك الفوارق وأهمها غالباً، في السياسة الصينية، حيث يكمن تحدي المستقبل الأكبر، فقد قبل ترامب التحدي الصيني الصامت، وأوصل تلك العلاقة إلى حافةٍ قريبة من الحرب التجارية المعلنة، التي لا تخفي بعض عناصرها أزمات هنا وهناك، قد تكون مناطق تماسٍّ عنيفة بالتدريج، كما هو الأمر في بحر الصين.

لا يستطيع الصينيون المفاضلة بسهولة بين احتمال نجاح ترامب أو بايدن، رغم تذمّرهم الواضح من سياسة الأول المليئة بالمفاجآت، التي تفضح للعلن سياسات بكين التجارية والصناعية غير التقليدية. ولدى بعض المراقبين شكّ بأن ارتياح الصينيين لعقلانية سياسات بايدن، يخالطه ارتياح آخر لشعبوية ترامب، لما يتيحه من فرص لفرض منافسات في مستوى المقاولات ذاته، تمتلك الصين الكثير من عوامل نجاحها فيها. ويبقى من حيث المبدأ، أن منطق الديمقراطيين أقرب إلى الهدوء والتكتّم، الذي طالما حقق الصينيون نجاحاتهم في ظلّه.

يخشى العديد من السوريين أن تأخذ قضاياهم وقتاً أطول مع سياسات الديمقراطيين التقليدية، في حين يرى غيرهم الأمان مع التأنّي والخطى المدروسة

ولا مكان هنا لمعالجة السياسات الخارجية وتبايناتها بين الطرفين في مسائل ككوريا الجنوبية أو أمريكا اللاتينية أو الهجرة، أو حتى كورونا التي استخدمها ترامب في معاركه الخاصة، مع الصينيين خصوصاً أيضاً مع غيرهم. وللمفارقة الحزينة، فإن تجارة الرجل نفسها بالقضية الفلسطينية- الإسرائيلية عن طريق خطته – أو خطة صهره- المرتجلة المسماة إعلاماً ودعايةً بصفقة القرن، لا يمكن أن تُرى خارج سياسته الانتخابية، لمحاولة الالتفاف على عجزه مع الليبراليين اليهود في أمريكا، بإعطاء أقصى ما يستطيع لليمين الإسرائيلي المتطرف، منذ قراراته المتعلقة بالقدس مثلاً.

يهمنا جزء كبير من السياسات الخارجية الأمريكية ومتغيراتها اللاحقة، فيما يخصّ روسيا وإيران وتركيا مثلاً، قبل النظر مباشرة إلى القضية السورية.

ليس هنالك من شكّ إلّا أدناه بأن روسيا بوتين تفضّل نجاح دونالد ترامب لفترة رئاسية ثانية. وطرق استنتاج تلك الحقيقة قد تتباين في افتراضاتها، ولكنها تصل إلى النتيجة ذاتها، فقد كان هنالك تدخّل روسي مثبت في الانتخابات السابقة، قالت دوائر أمن الولايات المتحدة إن هنالك ما يماِثله في هذه الدورة أيضاً. لا يتعلق الأمر هنا بالمسائل الواضحة التي يختلف حولها البلدان، مثل التسلح والصواريخ على الحدود وغير ذلك، بل مسائل مهمة مثل عملية ضمّ جزيرة القرم، التي يميل ترامب إلى تمريرها على عكس بايدن، بل بالقدرة على التفاوض من تحت الطاولة على الطريقة الشعبوية الفظة نفسها، التي تميّز الشخصين المعنيين قبل غيرهما. وعلى العموم، ما زال الديمقراطيون على التقاليد التي ترى في روسيا خصماً رئيساً ينبغي تقليم أظافره.

ربّما يكون هنا بعض المصلحة للسوريين في علاقة ترامب وبوتين، للمساعدة على تخلّي الأخير عن الأسد- كبضاعة إيرانية في خاتمة الأمر- والقبول بمكاسب أخرى تعوض عن ذلك.. هذا إذا اعتبرنا أن رحيل الأسد بؤرة فعلية لمطالب السوريين ومدخلهم إلى التغيير واستعادة بلادهم، بينما قد يختلف الأمر قليلاً إذا رأينا أن أي تسوية قسرية وسوقية- بالمعنيين- قد تسلم تلك البلاد إلى منزلق لا عودة منه. كما يخشى العديد من السوريين أيضاً أن تأخذ قضاياهم وقتاً أطول مع سياسات الديمقراطيين التقليدية، في حين يرى غيرهم الأمان مع التأنّي والخطى المدروسة. وترى الأطراف المذكورة كلّها ما يخدم استنتاجاتها في تنفيذ قانون قيصر ونتائجه ومفاعيله، بخيرها وشرها.

إن تناول الناحية الروسية من السياسة الخارجية الأمريكية بعد الانتخابات، تنجرّ حكماً إلى الناحية الإيرانية، وهذه بالغة الأهمية في انعكاسها على القضية السورية، إضافةً بالطبع إلى انعكاساتها على مسائل في العراق ولبنان واليمن، والخليج، حيث توجد أيادي إيران وأسلحتها وسياساتها الخطرة. وبالنسبة للنظام الإيراني، ليس من شكٍّ أبداً في موقفه المتحفّز جداً ضد إعادة انتخاب ترامب، وربما كان هذا الأمر- للمفارقة- واحداً من أسباب تشجيع العديد من السوريين- والعراقيين واللبنانيين- على انتخاب ترامب. فهو سيمضي قُدماً في تمزيق الاتفاق النووي، وبناء تحالف يواجه إيران بأي وسيلة، يضم إسرائيل مع بعض دول الخليج بشكل مباشر أو غير مباشر. في حين يقول بايدن إنه سيعود إلى الاتفاق النووي بعد مراجعة مدى التزام إيران بواجباتها المحددة فيه، والتأكّد من نواياها وإجراءاتها. يمكن القول هنا إن بايدن أقرب إلى المزاج الأوروبي و»الأطلسي» الذي عانى الكثير مع ترامب وسياساته، بل وإهاناته أحياناً. في طرفٍ آخر بالغ الأهمية للقضية السورية، هنالك ما سينتج عن نتائج الانتخابات من انعكاسات على تركيا وسياساتها الحالية والمستقبلية، حيث يبدو واضحاً غزل ترامب الشخصي وتفاهمه مع إردوغان، على عكس بايدن الأقرب أيضاً هنا إلى الأوروبيين، في ميله إلى كلّ ما ومَن يعارض حكومة إردوغان وسياساته، الأمر الذي جعل المعارضة التركية نفسها تستنكر تصريحاته.. ولا يمكن الحكم بسهولة على الطريقة التي يمكن أن تؤثّر بها نتائج الانتخابات على سياسات الحكومة التركية، فيما يخص المسألة السورية.

تبدو علاقة ترامب هنا أشبه ما يكون إلى علاقته مع بوتين، في حين تبدو عودة الانسجام للعلاقات الأمريكية – الأوروبية مصلحة استراتيجية للعرب وللسوريين لا يمكن تعويضها بسياسات عابرة أو غير مضمونة.. ولعل ذلك يسهم كذلك في مساعدة السياسة التركية على تقليص طيف خياراتها. في سوريا نفسها، تتدهور الأوضاع بتسارع كبير، وخصوصاً تلك الاقتصادية والمعيشية منها، وما يتبع ذلك في المستوى الاجتماعي فالسياسي، وينبغي هنا ملاحظة أن العقوبات الأمريكية على النظام قد صدرت بالإجماع بين الحزبين، وهي لن تتغيّر من ثمّ مع نتائج الانتخابات، الأمر الذي قد يضيف بعض الاطمئنان إلى احتمال نجاح بايدن عند المتشائمين من ذلك، ولا يبدو أن طريق طهران مفتوحٌ بالمقدار السابق نفسه، لا بالسلاح ولا بالمال، وربّما سيكون ذلك أكثر حسماً في تقرير السوريين لمصيرهم، ولو بحصة بسيطة بالمقارنة مع الأدوار الخارجية، التي ابتدأ بعضها بالتأثير إيجابياً مؤخراً، وسيزيد، كما هو الأمر مع تطورات الوضع اللبناني والعراقي.. وأيضاً مع تساؤل ضروري: هل سيمرّ ذلك الطريق بالمزيد من الخراب، والتفتت بغياب من يمثّل السوريين وهيمنة المستهينين بهم، أم يتلمّس هؤلاء مخرجاً أقلّ آلاماً؟

وفيما يخصني شخصياً: كنت منذ زمن طويل وما زلت مع الرأي بأنه لن ينفعنا ما يضر غيرنا، مباشرةً أو بشكل غير مباشر.. والباقي على الله، الذي قال ترامب إن بايدن ضده.

كاتب سوري

=========================

السجن ساحةَ حربٍ دائمة

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 1/9/2020

حفلت المكتبة العربية برواياتٍ عديدة حرّرتها أقلام ضحايا سابقين في السجون السورية عن أشكال مرعبة من التعذيب التي تعرّضوا لها، والتي لم يعد لها مثيل في أي دولة متحضرّة أو شبه متحضرّة. وهنا محاولة للتفكير في دور السجون بوصفها من ساحات الحرب الطويلة المدى التي بنى عليها الأسد حكمه، ومكانة التعذيب فيها لتطويع الأفراد وتوحيد الأنصار وتأكيد منطق التفوق والسيطرة. وهي من وحي رواية جديدة تسرد وقائع امتحان الموت الدائم لأحد رواد هذا المعتقل السابقين، محمد برّو، والتي تصدر في شهر سبتمبر/ أيلول الجاري عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

(1)

لم يكن المكان الذي دمّره تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2015، بعد نقل "النظام" ساكنيه إلى معاقله الأخرى، سجنا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، أي مكانا لتنفيد حكم جنائي يقضي بحرمانٍ مؤقتٍ لأفراد ارتبكوا جرائم أو جنحا مخالفة للقانون من الحرية. كما لم يكن معتقلا سياسيا شبيها بالمعتقلات التي احتفظ لنا التاريخ الحديث بذكرياتٍ عنها لا يكاد يصدّقها العقل، كمعتقل الغولاغ الذي خلد فيه سولنجنتسون تقاليد الرعب الذي طبع بعض مراحل العهد السوفييتي البائد، أو معتقلات غوانتانامو الأميركية، أو أبو غريب العراقية او تزمامارت المغربية، وأخرى كثيرة لم تخل منها أي من أنظمة الاستبداد الشمولية أو الدموية. 

كانت وظيفة هذه المعتقلات تغييب معارضين أو مقاومين وراء الجدران والحجْر عليهم لإخراجهم كليا من عالم السياسة والمجتمع، سواء اقتضى تحييدهم السياسي والفكري كسر إرادتهم ومعنوياتهم في مرحلةٍ أولى من التعذيب و"إعادة التأهيل" أو بتركهم يهلكون في أقبية الزنزانات المظلمة، بعيدا عن أعين الجمهور الذي كانوا يحلمون بقيادته أو تحريره أو خدمة قضيته. أما معسكرات الاعتقال السورية التي تحدثت عنها روايات السوريين الذين كانوا نزلاءها سنوات طويلة، وأكثرها شهرة معتقل تدمر،  فلا يبدو لي أنها تدخل في أي من هذه التصنيفات. ربما هي أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية التي لم تصمّم لحجز المعارضين وتحييدهم، ولكنها أقيمت لإبادة جماعاتٍ قوميةٍ أو دينية تعتقد السلطة الحاكمة أن وجودها يسبّب الوهن في عزيمة الأمة ويشوّش فكرها ويضعف روحها، وأن استئصال هذه الجماعات الغريبة منها، بمقدار ما يحقق التجانس ويطهّر روحها من الشوائب الدخيلة عليها وينقّي فكرها، يضمن لها التفوّق العرقي الذي تستحقه، ويؤكد قوتها وعظمتها. وهذا هو التجانس ذاته الذي سيتذكّره بشار الأسد عندما سئل عن مصير ملايين المهجّرين السوريين بعد سنواتٍ من قصف المدن والقرى بالبراميل المتفجّرة العشوائية، وبالأسلحة الكيميائية، وضرب حصار التجويع على عديد منها، قائلا: إن سورية أصبحت برحيلهم أكثر تجانسا، وهو يعني أيضا أنه أصبح أكثر تصميما على متابعة حرب الإبادة.

معتقلات النظام السوري أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية التي أقيمت لإبادة جماعاتٍ قوميةٍ أو دينية

مع ذلك، لا ينبغي لهذا التشابه أن يغيّب عن نظرنا الفوارق الأساسية الأخرى التي تجعل من معسكر الاعتقال الأسدي نموذجا فريدا من نوعه، حتى لو تطابقت كثير من صور الجثامين المتكدّسة التي جفّت عروقها من الجوع  والمرض، وغاضت الحياة في عيونها من انتظار العدم، مع ما تركته لنا معسكرات الاعتقال النازية، والذي أصبح بمثابة بطاقة تعريف بها، فبينما تكاد الوظيفة الرئيسية لهذه الأخيرة تقتصر على التنظيم "العقلاني"، بل المكيانيكي، لهذه الإبادة الجسدية، بعيدا عن أي مشاعر أو عواطف أو اعتبارات أخرى سوى القضاء على أكبر عدد من "غير المتجانسين" بأسهل وسيلة، وفي أقصر ما يمكن من الوقت، يتركّز العمل في المعتقلات الأسدية على الإبادة النفسية أو الروحية لغير المتجانسين فردا فردا، بإطلاق كل ما تختزنه النفس الحيوانية لدى الجلادين من غرائز الفتك، وتفجير كل ما يزعزع النفس البشرية من مشاعر الخوف والألم والبؤس والمهانة، ويفاقم من هشاشتها وبؤسها لدى الضحايا والمعذّبين. ليس الموت هو ما يبحث عنه الجلاد هنا، وإنما استحالة الحياة، أو جعل الحياة مستحيلة من دون أن يكون الموت ممكنا. إنه العذاب.

لا يخضع برنامج التعذيب نفسه لقاعدة واحدة. الأمر متروكٌ لكل واحدٍ من الجلادين أن يتفنن ويبدع في وسائل العنف

لا حاجة هنا لغرف غازٍ تقضي على المدانين بالجملة، ولا لمحارق تخلي أماكنهم لوجبةٍ أخرى. الحكم بالموت، بالبراميل المتفجرة أو بالغاز، من نصيب الناس العاديين الذين ينبغي التخلص منهم. أما مع النشطاء فالأمر مختلف، وعليهم أن يدفعوا ثمن الموت/ الخلاص نفسه. يتصرّف الجلاد هنا وكأن الضحية عدوه الشخصي، ويصرّ على أن يظهر في وجه خصمه كوحش مفترس، لا تربطه أي صلة بالإنسانية، ويدخل بكل كيانه في ما يشبه الطقس الديني لإخراج روح ضحاياه من أجسادهم بكل ما يتاح له من أدوات وآلات وأحذية وسكاكين وكابلات حديدية، وما يملكه أو يريد أن يظهره من مشاعر الكراهية والحقد والتشفّي. يبدأ التعذيب منذ أن تضع الضحية قدمها على أرض المعتقل، ويحشد الضحايا بالعشرات في زنازين جماعية ضيقة، ولسنوات لا يعرف نهايتها لا السجين ولا الجلاد، هي بالضبط السنوات التي على هذا الأخير أن يستغلها ليثبت تفوقه في تحويل الكائنات البشرية التي أوكلت إليه، حرفيا، مهمة "معالجتها" إلى خرق ممزّقة تمتزج فيها عظامها مع لحمها ودماغها مع دمها، حيوات محطمة أملها الوحيد معلق في اقتراب أجلها.

كما تظهر جميع هذه الروايات/ الشهادات، لا يخضع برنامج التعذيب نفسه لقاعدة واحدة. الأمر متروكٌ لكل واحدٍ من الجلادين أن يتفنن ويبدع في وسائل العنف التي يعتقد أن بإمكانها إحداث أثر أكبر في التدمير النفسي للضحية. هكذا لا يتوقف العذاب أبدا، فهو حسابٌ مفتوحٌ لا يتوقف، ليلا ونهارا، على الدخول والخروج، بمناسبة ومن دون مناسبة، وقت الراحة المفترض ووقت "العمل"، وحتى وقت الأكل وقضاء الحاجة. لا يترك الجلاد للضحية فرصةً لالتقاط الأنفاس، ولا وسيلة لا يستخدمها لإبراز قسوته ووحشيته واستعداده للذهاب إلى أبعد ما يمكن في انتزاع صرخات الجسد المكلوم وأنينه وسماع أصوات كسر العظام المتهالكة.

(2)

هناك شيءٌ لا إنساني، لا معقول أو غير قابل للعقلنة، في هذه الفقرة المظلمة من تاريخ السوريين: في وجود هذه المعتقلات، وفي تنظيم هذا العنف المنفلت، والذي لا يتوقف إزاء ضحايا مشلولي الإرادة وفاقدي أي قوة أو قدرة على المقاومة، وفي حماس الجلادين الذين جعلوا من العنف رياضتهم الروحية اليومية بمقدار ما أرادوه سمّا زعافا لضحاياهم. ولست مقتنعا بأن السادية قادرة أو كافية لتفسير هذا الهوس المجنون، الذي يتجدّد كل يوم، بالتمثيل بالأجساد الحية والسخرية من منظر الدم النازف من أعضاء يتم تقطيعها وهرسها بجميع الأدوات والوسائل الحديدية، وحرقها في الأماكن الأكثر إيلاما كما لو كان الهدف تفجير ما فيها من نوابض الحياة والإنسانية، والتلذّذ بسماع صرخاتها المخنوقة.

كما لا أعتقد بأن لتفجّر هذا العنف علاقة مباشرة بأي إرث ديني أو قومي، ولا بأي مذهبٍ فكري أو سياسي. هو بالأحرى تعبيرٌ عن انفلات الغرائز البدائية التي صرف النوع البشري عشرات آلاف السنين وهو يصارع لتدجينها، ومن هذا الصراع ولدت المدنية والحضارة القديمة والراهنة.

العنف الذي يمارسه النظام السوري في المعتقلات تعبيرٌ عن انفلات الغرائز البدائية التي صرف النوع البشري عشرات آلاف السنين وهو يصارع لتدجينها

ليس هناك نظرية يمكن أن تفسّر مثل هذه الممارسة لعنفٍ فائضٍ بكل معنى الكلمة، عنفٍ منفلتٍ وعبثيٍّ حاول ان يحيط به ويستوعب معناه ناجون كثر في شهادات سابقة، وأبدع في وصفه محمد برّو في روايته. ولعل علينا أن نقرّ بأنه ليس كل ما يشهده التاريخ عقلانيا أو يمكن أن يستوعبه العقل. كذلك كانت النازية التي اعتقد منظرّوها، ولم يكونوا من الأغبياء، أبدا، أن التفوق مصدر الشرعية والحق، وأن الطريق إليه يمرّ بالقوة، وأن وسيلة القوة ولغتها هما العنف: العنف العاري، من دون حدود ولا ضفاف ولا مبرّرات ولا أهداف أو غايات سياسية أو أخلاقية تحكمه وتتحكم به، إلا ما يحققه، وما يمكن أن ينتجه من تفوق أو شعور بالتفوق والسيطرة. في هذه الحالة، يتحوّل العنف إلى لغة، وتصبح ممارسته، من دون حدود ولا ضوابط ولا معايير، الدليل القاطع على القدرة والعظمة، وربما المشاركة في بعض صفات الألوهية المشرقية.

مع ذلك، لا يوجد شك في أن لانفلات العنف وتقديس أفعاله وفعاليته في حالتنا السورية علاقة مباشرة بنمط استثنائي من الحكم والسيطرة، نشأ هو أيضا في غفلةٍ من الزمن، وفي ظروفٍ استثنائية، وانبنت عليه علاقة الحاكمين، بصرف النظر عن منابتهم، بالمحكومين، أي بالشعب، وتكوّنت فيها نظرتهم الدونية إليه، أي احتقارهم له، وإنكارهم أهليته، واستسهالهم امتهان كرامته وقهره والركوب عليه.

لانفلات العنف وتقديس أفعاله وفعاليته في الحالة السورية علاقة مباشرة بنمط استثنائي من الحكم والسيطرة

لذلك، لن نرى اختلافا أبدا بين سلوك جلادي المعتقلات إزاء ضحاياهم من الأبرياء، وسلوك رجال السلطة وأجهزتها إزاء الدولة والمجتمع. وقد بنى الأسد الأب سمعة أسطورية، ليس لدى بعض السوريين فحسب، وإنما لدى قطاعات واسعة من الرأي العام والدبلوماسية الدولية، وفي جميع الأنحاء، لما أظهره من جرأة على خرق جميع المحرّمات واستخدام العنف من دون قيود أو خشية من رد أو انتقام، حتى أصبح الإرهاب على يديه، المباشر أو بالوكالة، الوسيلة الرئيسية للحكم والسيطرة، وكان أول من حوله إلى سلاح دولة، حصد بسببه احتراما وتقديرا، وربما تعاطفا وتقديسا لم يسبق لأحد قبله ممن حاول استخدامه أن حظي به. وهذا ما تعلمه بشار الأسد من تجربة والده، وأراد أن يعيد إنتاجه ويفرط في استخدامه بشكل أكبر، خارج أي منطق سياسي أو قانوني أو أخلاقي، منتظرا أن يذهل بذلك العالم ويعمي بصر الجميع، حتى لا يستطيع أحد أن يلتقط أنفاسه أو يفكر في أي رد. واعتقد أن هذا العنف (المقدّس) الذي لا يعترف بحدود ولا روادع من أي نوع، هو الطريق الصحيح للوصول إلى التفوق واستعادة السيطرة وفرض الأمر الواقع وتركيع الجميع وإذلالهم. لم يقف بشار في تفجير عنفه عند حدّ قمع المظاهرات بالرصاص واعتقال نشطائها وقتلهم في المعتقلات، ولكنه أراد له أن يكون زلزالا يدمر الجميع، وكل من يقف في طريقه، من المجتمع والشعب والحلفاء والأصدقاء العرب والأجانب. ولم يترك سلاحا من اسلحة الدمار الشامل لم يستخدمه لامتحان القدرة الفتاكة لهذا العنف الفائض على أي حدود، والذي اعتقد أنه به وحده يستطيع أن يوقف التاريخ ذاته، وكل من ينكر عليه حقه وتصميمه على جعل الموت الحد الطبيعي والوحيد لطموحاته. 

(3)

لم تكن المعتقلات، ولا كان الاعتقال، نشاطا جانبيا أو ثانويا في نظام السلطة الأسدية هذه. لقد كان أحد الأركان الأساسية للحكم، إن لم يكن وسيلته الرئيسية. كانت المعتقلات خلال أربعة عقود المختبر الحقيقي لممارسة هذا العنف المنفلت أو المفرط واختباره وتطوير كوادره وأساليبه وأدواته. وعمل خلال عقود طويلة من حكم الأسد بمثابة ساحةٍ لحربٍ محدودة في المكان، وبوتيرة بطيئة، لكن شديدة الأهمية والفاعلية في تحييد المعارضين وتصفية الخصوم وردع المجتمع والنخب ككل عن أي معارضة أو مقاومة. وكان لها دور كبير في تمكين هذا الحكم من  البقاء والاستمرار. وبواسطة حرب الاستنزاف الطويلة، وشبه الخفية هذه، أمكن للنظام  تجريد الشعب من حقوقه السياسية والمدنية، والقضاء بصمتٍ على عشرات ألوف المعارضين أو المشتبه بمعارضتهم، وقطع رأس المجتمع المدني ووأده حيا. وكان لوجود المعتقلات في كل مكان، وشغلها الدائم على تفريغ المجتمع من كوادره وتحطيم إرادته، الدور الأول في ضبط توازن السلطة القائمة على قوة الإرهاب، وبناء علاقة العبد والسيد بين الحاكمين والشعب، ومن ثم ضمان الإذعان والاستسلام الكامل والانصياع لإرادة الحاكم/ الرب.

المعتقلات، والاعتقال، ليس نشاطا جانبيا أو ثانويا في نظام السلطة الأسدية. كان أحد الأركان الأساسية للحكم، إن لم يكن وسيلته الرئيسية

ولم يكن معتقل تدمر المكان الوحيد الذي اختص في سورية بتجريد الغنسان من إنسانيته والشعب من سيادته. لكنه مثل النموذج الأعلى في سياسة التعذيب، وتلقين درس العنف الجسدي والنفسي الذي لا يُنسى بين منظومة سجونٍ لا تعد ولا تحصى، غطّت المدن والأحياء والقرى، وانتشرت في كل دائرة وفرقة وكتيبة أو فرع أمن، وكل مدرسةٍ ومصنع وشارع.  لم ير النظام في السوريين، في أي لحظةٍ، شيئا آخر، سوى عبيد مستكينين لا يصلحون إلا لأعمال السخرة والخدمة المجانية أو حثالاتٍ وزوائد وقوارض خطرة، يجدر التخلص منها بأي ثمن. 

وسرعان ما تحوّلت هذه المعتقلات إلى ساحة حرب إبادة جماعية موازية، بعد اندلاع الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، فاختصّت بقتل النشطاء والمثقفين والسياسيين، وتقريبا بالوسائل نفسها، وبالحماس ذاته، مع تسريع وتيرة الموت تحت التعذيب، لكن من دون أن تتخلى عن "رسالتها" ألاساسية: اختبار أقصى درجات العنف سلاح ردع وإرهاب، بعيدا عن أي رقابة وبمعزل عن أي مبدأ أو قانون أو أخلاق، وتنويع أشكاله واستخداماته الداخلية والخارجية، وإدخاله إلى كل خليةٍ من جسم المجتمع الضحية. 

وإذا لم يمل جلاد معتقلات الأسد من تكرار أعمال العنف، لا صباحا ولا مساء، ويزداد حماسا لتعظيمه، وتنويع أدواته كلما شعر ببصيص مقاومة عند الضحية، فلأنه لا يعتقد أنه مجرّد جلاد، وإنما ينظر إلى نفسه، بالمعنى الحرفي للكلمة، صاحب قضية. وهو يؤكّد، في كل مرة يدمر فيها جزءا من مقاومة ضحيته أو صورتها الإنسانية انتماءه لمعسكر المنتصر والمتفوق، وولاءه للسيد الذي يملكه ولجماعته المرجعية. لذلك يبدو التعذيب هنا، أو بالأحرى التعنيف الدائم للضحايا عملا نضاليا، ووطنيا بامتياز، يستحق التقدير والمكافأة، أكثر مما يبدو لمرتكبه ممارسةً لأفعال مشينة أو لتحقيق متعة سادية تستوجب الندم أو الإحساس بالعار، فمن خلال هذا العنف المتحرّر من أي قيد يشعر الجلاد الصغير بالتماهي مع الجلاد الأكبر، ويشاركه مشاعر التفوّق والقوة والعظمة، ومن ثم نشوة الإنتصار المحتم على الأعداء والحاسدين. إنه لا ينفذ أوامر، ولكنه يساهم في تحقيق مأثرة سياسية وملحمة تاريخية.

الجلاد في معتقلات النظام السوري لا يعتقد أنه مجرّد جلاد، وإنما ينظر إلى نفسه، بالمعنى الحرفي للكلمة، صاحب قضية

هكذا يؤدّي التعذيب هنا وظيفة إدماجية، هي لحم عناصر السلطة وقواها المختلفة وتعميق الشعور بتفوق الجماعة الحاكمة وأتباعها في كل مكان وساحة مواجهة، واتحاد الجمهور وأدواته مع قائده. ويكاد العنف يتحوّل ليس إلى طقوس شبه دينية فحسب، تعبّر عن التفوق والقوة والعظمة والمجد، وإنما أكثر من ذلك إلى ثقافة مشتركة أو مرجعية تتعرّف من خلالها جماعة متماهية مع أجهزة العنف والقوة، على هويتها، أو بالأحرى تعيد من خلالها صنع هويتها جماعةً متفوقةً وحاكمةً وسيدة في الوقت نفسه. وهو العنف الفائض الذي يغمر النظام المجتمعي بأكمله، ويظهر بالمقدار نفسه في أروقة السلطة والإدارة، وفي العلاقة مع الجمهور في الدوائر الرسمية وفي الشارع، ومع الحضور الطاغي والدائم لعناصر الأمن والاعتقال المرعبة، مثلما يستعرض نفسه في أقبية المعتقلات على يد جلادين محترفين، أو حتى ضباط جيش نظاميين، لم يتردّد أحدهم، برتبة لواء، في عرض صور سلخ ضحيته حيا، ونشرها على صفحات وسائط التواصل الاجتماعية معلقةً على حبل. 

هنا بعض الأفكار لمقاربة أولى لعقلنة أو إيجاد تفسير عقلاني لعنف مجنون وأهوج، غزا الدولة ومعتقلاتها في سورية. لكن لا يزال لا يوجد جواب مقنع مع ذلك على الأسئلة المربكة: كيف نجح نظام حكم مستقر أن يحوّل دولة إلى آلة قتل منهجي ومنظم لشعبه، ويحوّل سورية بأكملها إلى مسلخٍ تسيل فيه الدماء في كل زاويةٍ وبيت، ويفقد فيه الإنسان روحه وعقله وإنسانيته كل يوم وكل ساعة؟ كيف تحوّل "رئيس جمهورية" يملك ويجمع بين يديه كل وسائل السلطة والقوة والإذعان إلى جزّار، وحول البلاد إلى ساحةٍ للمسالخ المفتوحة في كل مكان؟ ما هو سر المحرقة الأسدية، وكيف أصبحت الإبادة سياسةً، وصار نزع الإنسانية عقيدةً ومذهبا؟ هل فقد النظام عقله، إذا كان قد تمتّع لحظة بحدٍّ أدنى من العقلانية والعقل، أعني به السياسة، أم كان منذ بدايته نظام حربٍ وضع عقله في حذاء جنوده واطمأن؟

نظام الأسد يغرق في حطامه، ولن يعيش على مشاعر الحقد والكراهية والانتقام سوى الأيام التي تسمح له بها الدول التي استخدمت جنونه

ربما كان الجواب في هذه السلطة المطلقة، المنفلتة من أي عقال بالضبط، وجنون القوة الذي يطيش بعقل الأرعن من أصحابها، وربما لا يوجد جوابٌ شافٍ على هذا السقوط في العدمية السياسية والأخلاقية. كما لم يوجد جوابٌ شاف على سير إحدى أعظم الأمم الأوروبية في المدنية، وأحد أهم مواطن أنوارها العقلية والإنسانية، وراء شخصٍ مهووسٍ بالتفوق العرقي، اسمه أدولف هتلر، ومن ثم ذهابها طائعةً إلى الإنتحار في حرب لم تبق لمدنيتها أثر. 

لكن نخطئ أيضا إذا لم نكتشف في التاريخ سوى الجنون والعبث، فألمانيا ما بعد الحرب أعظم وأرقى مدينة واستقرارا وإبداعا مما كانت قبلها. ونظام الأسد يغرق في حطامه، ولن يعيش على مشاعر الحقد والكراهية والانتقام سوى الأيام التي تسمح له بها الدول التي استخدمت جنونه. ونحن القراء لن نفهم شيئا إن لم نحتفظ من قراءة روايات المعتقلين الناجين من الموت سوى بصور الموت وصنّاعه. ما يذهلنا وما يشكل الدرس الأهم من هذه الشهادات الناجية من الموت مثل أصحابها، وما يعطي لها القيمة والمعنى، ليس حقارة الجلاد، ولكن شجاعة الضحية الأسطورية ونبع الإنسانية الذي لا ينضب في قلوب هؤلاء وروح التضامن التي وحّدت بينهم بعيدا عن الاختلافات الدينية والفكرية والسياسية، وإرادة المقاومة للموت والإنحطاط والسقوط التي لم تغادر قلب أحد منهم، والتي يصحّ فيها وحدها وصف مقاومة العين للمخرز. هنا أيضا نجد أنفسنا أمام سرٍّ لا يقل سبر غوره صعوبةً عن سابقاته: كيف أمكن لهؤلاء الذين  قضوا سنواتٍ معلقين على حبل رفيع بين الموت والحياة، واليأس والرجاء، معزولين عن العالم، في مواجهة طوفانٍ من مشاعر الكراهية والنذالة والعنف أن يحتفظوا بإنسانيتهم؟ وأي شجاعةٍ تلك التي مكّنتهم من التغلب على ضعفهم، وتجاوز خوفهم، وأكثر من ذلك، أي قوةٍ معنويةٍ كانوا بحاجة إليها للإحتفاظ بعقلهم وبذاكرتهم، كيما يحرّروا لنا هذه الشهادات التي تشعّ بالأمل بمقدار ما تظهر عبث التاريخ وبؤس المصير؟ هو بالتأكيد الأمل الضارب جذوره في أعماق النفس البشرية، والذي مكّن هؤلاء الشهداء الأحياء أن يتغلبوا، في قمة ضعفهم وعجزهم، على العبث واليأس، وأن يصنعوا، من ألمهم ذاته ومعاناتهم، المعجزة. هذه أيضا من الأسرار التي يصعب سبر غورها.

=========================

تركيا تؤرق روسيا وموسكو تعوّض بطهران

راغدة درغام

النهار العربي

الاحد 30/8/2020

رهان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في هذا المنعطف من غطرسة سياساته الإقليمية والدولية يقع على عزم الولايات المتحدة على صيانة عضويّة تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) وتحييدها عن محاولات روسيا اختراق الحلف ببيعها منظومة S-400 المضادة للصواريخ الى تركيا. لذلك انه يختال ويتبختر كالطاووس بين ليبيا واليونان وسوريا والعراق، يتكبّر على مجموعة الدول الأوروبية، يتحدّى الدول العربية في عقر دارها، ويحكم تركيا كما يشاء.

 غطرسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مماثلة في رهانها على الدعم الأميركي القاطع لإسرائيل – بغضّ النظر إن كانت الإدارة جمهورية أو ديموقراطية – لأن الولايات المتحدة تعتبر إسرائيل حليفاً ثابتاً مدلّلاً مهما فعلت. وهذا في رأي نتنياهو يشكّل له تأشيرة مفتوحة على التمادي لمصلحته حتى وإن كان جشعه لا يخدم شعبه على المدى البعيد.

 وراء الغطرسة المميّزة لمرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي وجيشه الخاص "الحرس الثوري الإيراني" الرهان على روسيا والصين كشريكين كبيرين في العداء للولايات المتحدة جائِعَين لبسط نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك على شركاء منفّذين للاستراتيجية الإيرانية في دول عربية بوَلاء قاطع لطهران. أما في الدول العربية، فهناك قيادات عربية تبحث عن وسائل إعطاء المنطقة العربية وشعوبها مكانة في موازين القوى الإقليمية، وتوجد قيادات أخرى سخّرت شعوبها ذخيرة لتموضع الآخرين في هذه الموازين.

 بالتأكيد هناك قيادات عربية متغطرسة وأخرى فاشلة. هناك قيادات ترى أن مصالحها تقتضي تجاهل تضارب المصالح الأميركية والصينية والروسية في عقر دارها وعلى حسابها لأنها لا تثق بمصدر أحادي لحماية أمنها الإقليمي. وهناك أنظمة لا علاقة لها بمعنى القيادة وإنما هي مجرد سلطات للقمع من أجل بقائها في السلطة. كل هذا يضع الشرق الأوسط وحوض المتوسّط في مرحلة دقيقة قد تكون خطيرة إذا أدّت الغطرسة الى أخطاء الغطرسة الخطيرة.

 بحسب مصادر مطّلعة على صفقة S-400 بين روسيا وتركيا والتي سبّبت توتّراً في العلاقات الأميركية والأوروبية مع تركيا، هناك محادثات لافتة بين واشنطن وأنقرة وصَفتها المصادر بأنها تعكس البراغماتية الأميركية قوامها "أن الولايات المتحدة جاهزة لأن تشتري من تركيا الـS-400 التي اشترتها أنقرة من روسيا ونحن نعتقد أن S-400 في طريقها الى الولايات المتحدة. في المقابل تعود تركيا الى برنامج طائرات F-35 وتحصل على المنظومة المضادة للصواريخ البديلة عن المنظومة الروسية".

 المصادر نفسها تقول إن روسيا حصلت على حوالى 800 مليون دولار مقابل الـS-400، فهي ليست خاسرة مادّيّاً، لكن خسارتها الاستراتيجية كبيرة. الكرملين أراد أن يخترق صفوف حلف شمال الأطلسي عبر البوّابة التركية كما أرادت المؤسسة العسكرية الروسية الاستفادة من الشراكة العسكرية مع تركيا للتعرّف الى خفايا أسلحة حلف الناتو. هذا كان في زمن التقارب بعد العداء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأردوغان، قبل أن تنحدر العلاقة الى الحضيض أولاً، في سوريا، ثم في ليبيا.

 في هذا المنعطف، يبدو أن أردوغان ينتصر على بوتين في سوريا وليبيا معاً، كما في إطار مشاريع الثنائية التي شملت الى جانب صفقة S-400 مشروع أنابيب الغاز الممتدّة من روسيا الى تركيا، Blue Stream. المصادر الروسية أكدت أن روسيا استثمرت حوالى 5 مليارات يورو في هذه الأنابيب قبل أن "تكاد تجفّ" بسبب تعمّد تركيا تخفيض نسبة الغاز من روسيا الى أقل مستوى منذ شهر آذار (مارس). وهذا الأمر يُكلّف روسيا مادّيّاً ومعنوياً.

 الصفعة المعنويّة والسياسية والاستراتيجية الأكبر هي صفقة استعادة تركيا الى صفوف الناتو لأهمية ذلك لدى المؤسسة العسكرية الأميركية بصورة خاصة بغضّ النظر عن مستوى التوتر القائم بين تركيا ودول أعضاء في الناتو والمجموعة الأوروبية – أبرزها فرنسا. هذه الصفقة لا تعكس غراماً جديداً بين الولايات المتحدة وتركيا وإنما تعكس البراغماتية الأميركية التي تنظر الى المسألة من منظار إفشال مساعي روسيا لتمزيق حلف الناتو. والكرملين يعرف ذلك.

 ما تراقبه موسكو وكافّة الدول المجاورة لتركيا والبعيدة منها أيضاً هو احتمال تطوّر المواجهة بين تركيا واليونان الى صدام عسكري خطير سيؤدّي على الأرجح الى اقفال الباب كلياً في وجه عضوية تركيا في مجموعة الدول الأوروبية (EU). غطرسة أردوغان وثقته العارمة بنفسه قد تقودانه الى المزيد من المغامرة العسكرية في حوض المتوسط. وهذا ما يؤرق فرنسا التي تحاول أن تتصدّى للمشروع التركي في ليبيا وعلى المتوسط بالدرجة الأولى، بكل أبعاده النفطية والغازية والاستراتيجية. أما الناتو فإنه سعى الى تخفيض التوتر بين أنقرة وأثينا والجلوس الى طاولة الحوار لاحتواء التوتر في شرق المتوسط.

 امتعاض روسيا من تركيا لا يتوقف عند غضب وانزعاج المؤسسة العسكرية من توجّه أنقرة الى الولايات المتحدة أثناء المحادثات بين روسيا وتركيا، وإنما هو أيضاً على المستوى الشخصي للرئيس الروسي الذي يرى أن الرئيس التركي الصديق – العدو قد خدعه وتمكّن من تسجيل نقاط ذكاء عليه Outsmarted him. كما أن التدهور في العلاقة الروسية – التركية ضاعف استعداد موسكو لتوسيع وتوطيد رقعة التحالف مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، داخل سوريا وخارجها.

 أثناء زيارة وزير الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيراني أمير حاتمي الى موسكو هذا الأسبوع أعلن أنه "بعد انتهاء الحظر التسليحي المفروض على إيران، سنبدأ بعد 17 تشرين الأول (أكتوبر) فصلاً جديداً للتعاون الدفاعي مع روسيا". وأضاف: "لدينا منظومتا أس200 وأس300 الروسية، ويجب أن نجري محادثات بشأن منظومة أس400 للتوصّل الى اتفاق في هذا المجال". وزاد: "لقد أردنا دائماً ان تكون روسيا دولة قوية على الساحة الدولية وفي الإقليم"، مشيراً الى الدور المهم الذي "تؤدّيه كل من إيران وروسيا في المنطقة، لا سيما في سوريا".

 ما نقلته المصادر الروسية هو أن موسكو وعدت أنها ستلبّي المطالب الإيرانية عبر بيعها الأسلحة المطلوبة لتمكينها أن تكون "قوّة تهديد حقيقية لكل من لا يوافق معنا"، حسب تعبير الزائر الإيراني الى موسكو الذي نقلته المصادر.

 لماذا وعدت روسيا تلبية إيران بالسلاح الذي يهدّد أصدقاءً لها في منطقة الخليج وبالرغم من معرفتها المسبقة أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات مزدوجة عليها وعلى إيران مكبِّلة ومكلفة؟ الأسباب متعدّدة تشمل البُعد السياسي المعني بالهوس الروسي بالوقوف بعضلات منفوخة أمام الولايات المتحدة للقول: لا نخاف ولا نخشى عقوباتكم. السبب الثاني أن السوق الإيرانية تشكّل للصناعات العسكرية الروسية مصدر تعويض جيد عن السوق التركية تقدّره الأوساط المعنية بما بين 2-4 مليارات دولار سنوياً – وهذا في رأيها يعوّض بصورة ما عن الخسائر من العقوبات الأميركية. بالرغم من ذلك، موسكو غير مرتاحة مع نفسها بهذه القرارات لأنها تخاف جداً من العقوبات المالية والاقتصادية الضخمة التي ستفرضها الولايات المتحدة على الدول التي تتعامل مع إيران، عسكرياً أو غير ذلك.

 موسكو تحاول "التوازن" قالت المصادر بين مصلحتها مع إيران وبين مصالحها مع الدول العربية الخليجية الاقتصادية من جهة، ومصلحتها مع إسرائيل من جهة أخرى، علماً انها علاقات جيدة جداً. ففي مسائل سوريا ولبنان، أن التحالف الروسي – الإيراني واضح تماماً. مصر بالنسبة الى موسكو مهمة استراتيجياً، ودول الخليج العربية مهمّة اقتصادياً، إنما هذا – في رأي الكرملين – أمر، وذلك أمر آخر، بموافقة مصرية وخليجية ضمنية.

 الولايات المتحدة تريد تمزيق الموافقة الضمنية لتكون هذه الدول في فريق منع روسيا والصين من توفير إيران بالأسلحة التي هي في نهاية المطاف موجّهة ضد الدول العربية نفسها، أكثر مما هي موجّهة ضد إسرائيل. وهذا كان جزءاً مهمّاً مما حمله وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لإقناع الأصدقاء بأن هذه المرحلة الحرجة تتطلّب الاختيار وليس غضّ النظر. قيام بومبيو بجولته أثناء انعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري أبرز الأهمية التي توليها إدارة ترامب للمسألة الإيرانية بأبعادها الدولية والإقليمية أيضاً.

 ما تقوله المصادر الأميركية هو أن كل من يتصوّر أن الولايات المتحدة غائبة عن الساحة الإقليمية وأن إدارة ترامب مكبّلة بالانتخابات الرئاسية سيكون أمام صدمة توقظه قريباً، وأن كل من يعتقد أن أميركا كلام بلا أسنان، يجب أن يتوقع "العضّة" Bite بأنياب حادة.

 ما هو جليّ الآن أن كل الساحات مفتوحة على الصراعات والمواجهات، المباشرة منها وتلك بالنيابة. التطورات المخيفة في العراق أو سوريا أو في لبنان قد توحي أن انتصار "الحرس الثوري الإيراني" وأذرعته بات محسوماً بالذات لأن روسيا والصين شركاءٌ له في تحالفات ميدانية.

هكذا يبدو الأمر الآن. انما مهلاً. فالولايات المتحدة ليست في سبات كما يتهيّأ لحرّاس الثورة الإيرانية في إيران ولوكيلهم "حزب الله" في لبنان. فحتى العرّاب الروسي والصيني في غاية القلق لأنه يفهم مدى نفوذ وقوة الولايات المتحدة عندما تقرر معاقبة أعدائها بالعقوبات اللاذعة وإقناع أصدقائها بأن الثلاثي الروسي- الصيني- الإيراني بات يشكّل محور خطرٍ على منطقة الخليج والشرق الأوسط وعلى المصالح الأميركية فيها. عندئذ قد يستفيق رئيس الكرملين قليلاً وكذلك الرئيس الصيني المُثقل بالحزب الشيوعي الحاكم بالاستبداد والعازم على بسط نفوذه في الشرق الأوسط على حساب الشعوب العربية.

=========================

كيف استفادت روسيا من بقاء الائتلاف كممثل وحيد للشعب السوري؟

ديميتري بريجع

ساسة بوست

الاحد 30/8/2020

«يستمر تصدير ما يسمى الآن بالثورات الديمقراطية. يكفي أن ننظر إلى الوضع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، عبارة قالها الرئيس الروسي في عام 2015، ومع ذلك حاول بعض قادة ما يسمى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية على أنه الحل السياسي في سوريا سوف يشرق من موسكو.

كان بإمكانهم التحاور مع الأطراف السياسية، ولكن الاعتماد على روسيا كحليف للتغير السياسي في سوريا في الوقت الحالي لا يمكن، وهذا الشيء مستحيل لأن الحكومة الروسية الحالية تعتبر المعارضة السورية بأنها إسلامية ومتحالفة مع الإسلاميين، وبدون هذا الاتهام فالحرب تفيد الطرف الروسي والمقربين لبوتين، وهم قالوها مرارًا وتكرارًا، ولكن كان بالإمكان عمل تحالف للتغيير السياسي في سوريا مع المعارضة الروسية والمؤسسات الروسية التي هي لديها سياسية مختلفة تمامًا عن سياسية الكرملين.

فلاديمير جيرينوفسكي زعيم حزب الليبرالي الروسي المقرب من الكرملين في البرلمان الروسي قال: «هل ذهبنا إلى سوريا من أجل البعثة فقط؟ يجب علينا أن نفهم ذلك الأمريكيون على حق يجب علينا أن نبقى هناك خلال 20 سنة معهم، وعلينا أن نطرد كل جيشنا.. هذه ليست أفغانستان، إنهم متفقون على ذلك، قطعة صغيرة للروس، قطعة صغيرة لهم، قطعة صغيرة للناتو.. قطع صغيرة للجميع.. حصص «الحديقة» في الشرق الأوسط إذا استمر النزاع خلال فترة طويلة، قصد اللاجئين إلى أوروبا، من يعاني من ذلك؟ أوروبا وهي منافسة لنا إذا استمر النزاع العسكري ارتفعت أسعار النفط قليلًا، من يعاني من ذلك؟ الصين. وهو منافسنا إذًا لماذا نتجادل وننتقد موقف الولايات المتحدة؟ إنهم يلعبون جنبًا إلى جنب معنا، إنهم رجال الأعمال، إنهم يقولون: «الحرب مكاسب مالية» ألا تريدون المال؟ هل ستبدأون في القول من جديد: «من أجل الوطن، من أجل بشار الأسد»؟

كلام جيرينوفسكي كلام جدًا مهم حيث قال مرارًا وتكرارًا بإن التدخل الروسي في سوريا ليس سوى من أجل المال والأعمال الاقتصادية ما كرره بوتين في أحد لقاءاته عن مرتزقة شركة «فاغنير»، حيث قال بوتين: «بالنسبة لشركات الأمنية الخاصة، التي يعمل تحت إشرافها الأشخاص الذين ذكرتهم، فهي موجودة بالفعل، هذه ليست الدولة روسية. وهم ليسوا مشاركين في الأعمال الحربية، لسوء الحظ أو لحسن الحظ».

وعن سؤاله ما يفعلونه في سوريا، وعن الخطر الذي يمكن أن يهددهم، قال: «بالطبع، نحن ندرك أنه حتى أثناء حل هذه القضايا الاقتصادية الشعبية، يخاطر الناس بحياتهم، وهذا أيضًا مساهمة في مكافحة الإرهاب، كيف يتم استرداد هذه حقول النفط من «داعش»، لكن هذه ليست دولة روسية، أو جيش روسي لذلك، لا نعلق على أي شيء بخصوص هذه المعلومات».

روسيا بلقاءاتها مع الائتلاف السوري كانت تحاول أن تلعب لعبتها لكي تأخذ الحرب السورية وقتًا أكثر، بذلك يستطيعون إرسال الجيش الروسي إلى سوريا، وتجربة أسلحتهم التي كانوا يريدون أن يجربوها لكي يكون هناك مبيعات أكثر.

في الصراع السوري شاركت جميع أسلحة القوات الجوية وقوات العمليات الخاصة والشرطة العسكرية والبحرية على أساس التناوب. قدمت العملية في سوريا تجربة قتالية لا تقدر بثمن للروس، فضلًا عن فرصة لإظهار عمل الأسلحة الروسية، وقد نما الطلب عليها في السوق العالمية بشكل كبير.

خلال العملية العسكرية في سوريا، تم اختبار أكثر من 600 من الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة. وسبق بدء المهمة القتالية نقل وحدات هندسية، وجناح جوي مختلط إلى قاعدة حميميم الجوية قرب اللاذقية. أصبح الطيران القوة الضاربة الرئيسة للقوات المسلحة الروسية في سوريا.

الحل في سوريا لن يشرق من موسكو في ظل حكومة لا تحترم القانون الدولي، ولا تريد احترامه، لا في الداخل الروسي، ولا في السياسية الدولية، وهذا ليس غريبًا على نظام يحاول أن يسيطر على السلطة بطرق دكتاتورية، ويدعم أغلب الأنظمة الدكتاتورية في العالم.

=========================

5 أسماء قد ترسم السياسة الخارجية الأمريكية في عهد بايدن

ساسة بوست

الاحد 30/8/2020

تعكس أسماء وخلفيات مستشاري مرشح الرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي، جو بايدن، صورة رئيسية لسياسات وتصورات الرجل المحتملة تجاه قضايا بلاده في الداخل والخارج، مع اقتراب انعقاد الانتخابات الرئاسية المُقرر لها في فبراير (شباط) المُقبل.

ويلعب المستشارون في البيت الأبيض دورًا رئيسًا في صياغة سياسة واشنطن خارجيا، بما يجعل التعرف إليهم والمهام التي شغلوها في الماضي أولوية لفهم سياسة أمريكا في المرحلة المُقبلة، خصوصًا أن استطلاعات الرأي ترجح كفة بايدن أمام منافسه مُرشح الحزب الجمهوري، دونالد ترامب.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى أبرز أسماء مستشاري بايدن للسياسة الخارجية، وخلفياتهم السياسية تجاه أبرز القضايا التي تنتظر الحاكم الجديد للبيت الأبيض للبت فيها.

بايدن على خطى أوباما

ينحدر مستشارو المُرشح الرئاسي، جو بايدن، من خلفية تتشابه سياسيا مع الأخير؛ فغالبية الأسماء من الحزب الديمقراطي الذي رشح بايدن، كما تتقاطع مسيرتهم المهنية مع المرشح الرئاسي المُحتمل؛ إذ إن أغلبهم شغل مناصب نافذة خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، التي كان بايدن نائبًا له فيها.

وأعلن أوباما في مقطع فيديو تأييده لنائبه السابق، جو بايدن، في السباق الرئاسي ضد الرئيس ترامب، قائلًا: «أعلم أنه سيحيط نفسه بأشخاص جيدين».

ويعزز من دور مستشاري بايدن المُحتملين وأهميتهم، التقديرات التي ترجح منحهم صلاحيات أكبر لرسم السياسات العامة لواشنطن تحديدًا في الخارج، وذلك في ظل كبر عمر بايدن.

وتوسع عدد مستشاري السياسة الخارجية والأمن القومي غير الرسميين في حملة بايدن لنحو أكثر من ألفي شخص، بما في ذلك 20 مجموعة عمل تغطي قضايا، من الأمن القومي، إلى الحد من التسلح، والدفاع، والاستخبارات، والأمن الداخلي. من بين ألفي شخص، تعمل المجموعات الاستشارية «سرا» وبطريقة «غير رسمية» لتقديم المشورة لبايدن في السياسة الخارجية والأمن القومي.

وتشرف كل مجموعة من مجموعات العمل على مجموعات فرعية متعددة، تتناول قضايا مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والإغاثة الإنسانية، واللاجئين، والتي ترسل الأفكار والنصائح نتائج نقاشاتها للدائرة الأولى حول بايدن، والتي تتكون من بضعة أشخاص، والمُقرر لهم الانتقال معه إلى البيت الأبيض حال فوزه في الانتخابات.

في السطور التالية، نذكر أبرز الأسماء من مستشاري بايدن الذين ربما يشكلون فريقه الرئاسي في البيت الأبيض حال فوزه على ترامب، ونتعرف إلى خبراتهم ومسيرتهم السياسية.

1. جيك سوليفان.. مهندس الاتفاق النووي وكبير مستشاري بايدن

نال جيك سوليفان شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة ييل، ودرجة الماجيستير من جامعة أكسفورد، وكانت أولى وظائفه كاتبًا في المحكمة العليا الأمريكية، قبل أن ينتقل للعمل مستشارًا سياسيًّا للسناتور، إيمي كلوبوشار، من ولايته مينيسوتا، وباحثًا بعدد من المراكز البحثية.

بعد هذه المحطات، انتقل سوليفان للعمل في منصب نائب مدير السياسة في حملة هيلاري كلينتون التمهيدية الرئاسية لعام 2008م، وعضوًا في فريق التحضير للمناظرة لحملة باراك أوباما للانتخابات العامة، والتي صعد منها لدوائر الحكم في البيت الأبيض بعدما نجح أوباما.

خدم سوليفان في إدارة أوباما مستشارًا للأمن القومي لنائب الرئيس آنذاك، جو بايدن، من عام 2013م إلى 2014م. وعمل مديرًا لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية من 2011م إلى 2013م، ولعب خلال هذه السنوات أدوارًا مؤثرة في إنجاز كثير من الاتفاقات السياسية، كان أبرزها الاتفاق النووي الإيراني.

عمل سوليفان كبير مستشاري السياسات لحملة هيلاري كلينتون الرئاسية عام 2016م، وظهر أكثر من مرة أمام وسائل الإعلام مدافعًا عنها أمام اتهامات ترامب لها، مثل دورها في تأسيس داعش، أو استخدامها لبريدها الإلكتروني الخاص عندما كانت وزيرة للخارجية.

يتبنى سوليفان سياسات التصنيع أولوية في كافة القطاعات، الصحة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، للنهوض باقتصاد بلاده، بينما يرى أن سياسة بلاده الخارجية ينبغي أن تتبع خطًّا متوازنًا في كافة الملفات، وأن تتجنب سياسة الصدام التي اتبعها ترامب، كما فعل مع إيران.

يرى المستشار السابق لأوباما، على سبيل المثال، أن سياسة «الضغط الأقصى» لن تجعل طهران تكف عن سياستها التصعيدية، وأن البديل هو إعادة الدبلوماسية النووية مع إيران، والتطلع لإنشاء شيء ما على غرار خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة بالاتفاق النووي.

على خلاف تصور إدارة ترامب، يعتقد سوليفان أن تدفق معدلات الهجرة أشبه بتدفق رأس المال، فهو يعتقد أن سياسة ترامب نحو الهجرة عائق كبير للنمو الاقتصادي الأمريكي، وله تأثير ضار في نموه. ويرى مستشار بايدن المحتمل أن قصة صعود الصين هو الحدث الجيوسياسي الأكثر أهمية في حياته؛ معتقدًا في الوقت ذاته أن التفكير في قضية الصين بوصفها حربًا وجودية مع واشنطن ينبغي أن يخرج منها واحد مهزوم وآخر منتصر، مثل حال الحرب الباردة.

بحسب سوليفان، فخلق مواقف كافية من القوة تؤهل واشنطن للتعامل بشكل فعال مع الصينيين لتحمي مصالح الأمريكيين وقيمهم، وهي الوسيلة الأكثر واقعية.

ووفقًا لرؤيته، ينبغي أن يحدث هذا عبر أكثر من محور، أبرزها رفع مستوى مشاركة واشنطن عبر كل بُعد في آسيا والمحيط الهادئ، ويجب أن يحتوي على عنصر عسكري، ومكون اقتصادي ودبلوماسي.

أيضًا، تشمل المحاور جانبًا يتعلق بتعزيز الديمقراطية والدفاع عن التجربة الأمريكية، إضافة إلى جانب يتعلق برفع درجة التنافس الاقتصادي من خلال التوسع في الاستثمارات في البنية التحتية، والابتكار، والتعليم، ورأس المال البشري، والأشياء التي ستجعل الولايات المتحدة على المدى الطويل أكثر قدرة على المنافسة بفعالية.

3. تونى بلينكن.. مستشار بايدن للسياسة الخارجية

درس توني بلينكن، مستشار بايدن للسياسة الخارجية، بجامعة هارفارد، كما تخصص في القانون بجامعة كولومبيا، ليبدأ أولى محطاته المهنية بممارسة القانون بين باريس وواشنطن.

انطلق بلينكن من هذه المحطة بعد ذلك إلى العمل الحكومي في وزارة الخارجية في عام 1993م، ليترقى سريعًا ويشغل مناصب رفيعة على مدار الثلاثة عقود الماضية، حتى عمل نائبًا لوزير خارجية بلاده خلال ولاية أوباما، ويُنسب له أدوار كبير في عدد من الملفات بين عامي 2015م إلى 2017م، مثل محاربة داعش وإعادة التوازن إلى آسيا وأزمة اللاجئين العالمية.

قبل هذا المنصب الأخير له في دوائر الحكم، شغل بلينكن منصب مساعد أوباما في البيت الأبيض، وكان نائبًا لمستشار الأمن القومي. ويتمتع مستشار أوباما السابق بنفوذ واسع داخل وزارة الخارجية، بفعل نجاحه في قيادة نقلة نوعية لبيئة العمل داخل الخارجية الأمريكية؛ إذ بنى جسورًا لمجتمع الابتكار، وخلق وجودًا لوزارة الخارجية بدوام كامل في وادي السيليكون، وأطلق منتدى وزارة الخارجية للابتكار، الذي يحشد المبتكرين والتقنيين في حل مشكلات السياسة الخارجية المعقدة.

يدعم بلينكن سياسة واشنطن في بقاء قواتها بعدد من مناطق النزاع الحالية في الشرق الأوسط، فهو يرى أن انسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا «خطأ كبير» انتهي بمحو نفوذ واشنطن في سوريا. كما يعتقد أن التخلي عن الأكراد أحد نقاط الضعف الكبرى في سياسة إدارة ترامب نحو سوريا.

يمتد الخط على استقامته بالنسبة لبلينكن في تعزيز دور بلاده بالمؤسسات والمنظمات الدولية، ورفع قيمة المساهمة المالية لها، خلافًا لما فعله ترامب من الانسحاب من منظمة الصحة العالمية.

يتبنى بلينكن هذه القناعة، بمزيد من الانخراط في القضايا أو النزاعات أو حتى في المؤسسات الدولية، لاعتقاده أن الانسحاب سيؤدي لفراغ ستملأه دول منافسة، كما فعلت الصين مع منظمة الصحة العالمية. ويشمل أحد مظاهر زيادة الانخراط الأمريكي، من وجهة نظره، الإصرار على التمسك بالقانون الدولي وحل النزاعات القائمة دبلوماسيًّا وفقًا للقانون.

ويتفق مستشار بايدن مع رؤية زميله سوليفان، في أن مواجهة الصين تتمثل في تطبيق سياسة إعادة توازن لنفوذ واشنطن في المحيط الهادي، والحال كذلك مع إيران، التي يرى أن الانسحاب من الاتفاق النووي معها «فشل كبير». ويستدل على هذا الفشل بأن سياسة ترامب أدت لنتائج عكسية من خلال ارتفاع الأعمال الاستفزازية ضد حلفاء واشنطن، وإعادة تشغيل بعض الجوانب الخطيرة في برنامجها النووي.

وفي القضية الفلسطينية، يعارض مستشار بايدن ضم إسرائيل للضفة الغربية، ويرى فيه تهديدًا لأمن تل أبيب واستقرارها، معتقدًا أن الطريقة الوحيدة لتأمين مستقبل إسرائيل لتكون دولة يهودية ديمقراطية، والتأكد من تحقيق تطلعات الفلسطينيين في إقامة دولة، هي من خلال حل الدولتين واتفاق الطرفين على أي خطوة يتخذها أحدهما.

3. فيليب جوردون.. منسق قضايا الشرق الأوسط الذي يميل إلى أوروبا

يعمل فيليب جوردن، مستشارًا خارجيًّا غير رسمي لحملة بايدن الرئاسية، وهو الحائز على درجة البكالوريوس من جامعة أوهايو، والدكتوراة في العلاقات الدولية والاقتصاد الدولي من كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز. عمل جوردن في السابق مساعدًا خاصًّا للرئيس السابق باراك أوباما، ومنسق البيت الأبيض في قضايا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الخليج من 2013م إلى 2015م.

أيضًا، كان مهندس تصميم العلاقات في قضايا البرنامج النووي الإيراني، ومفاوضات السلام في الشرق الأوسط، والصراع في سوريا، والأمن في العراق، والعلاقات الأمريكية مع دول الخليج، والتحولات الديمقراطية في شمال أفريقيا، والعلاقات الثنائية مع إسرائيل، والأردن، ومصر، والمغرب، وتونس، ولبنان.

يرى جوردون أن التعاون مع أوروبا في القضايا العالمية مسألة ملحة لواشنطن بما في ذلك الأزمات في ليبيا، سوريا، وإيران، مؤمنًا بأن الجانبين يشتركان في هوية تاريخية وثقافية واحدة تعزز من هذا التعاون في كثير من النزاعات.

ويتبنى جوردون استراتيجية لتطوير التعاون الثنائي مع روسيا وتركيا لدعم أمن أمريكا وأولوياتها الدولية. وتتأثر تصورات جوردون الأمريكية بالنظرة الأوروبية إلى مشكلات الشرق الأوسط؛ فهو يرى أن التنسيق مع أوروبا حل فاعل، كما وظف هذه السياسة خلال عمله في إدارة أوباما لحل كثير من النزاعات.

4. أفريل هاينز.. أول نائبة لمدير الاستخبارات الأمريكية

حازت أفريل هاينز على درجة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة شيكاغو، وشهادة في القانون من مركز القانون بجامعة جورج تاون، وتشغل عضوية العديد من المجالس والمراكز البحثية، والمجموعات الاستشارية، بما في ذلك المجموعة الاستشارية الحيوية التابعة لمبادرة التهديد النووي، ومجلس أمناء منظمة فودافون، والمجلس الاستشاري الدولي للاجئين.

خدمت هينز في إدارة أوباما مساعدة للرئيس، ونائبة لمستشار الأمن القومي، والمستشار القانوني لمجلس الأمن القومي، وكانت أول امرأة تشغل منصب نائب مدير وكالة المخابرات المركزية. وتكرر اسمها في مخاطباتها الدائمة للحكومات في الشرق الأوسط بالإفراج عن النشطاء السياسيين، والدفع بتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما فعلت حين طالبت السلطات المصرية بإطلاق سراح الناشطة المصرية آية حجازي.

5. جولي سميث .. مستشارة بايدن للأمن القومي السابق

نالت جولي سميث درجة البكالوريوس من جامعة إكزافير، وشهادة الماجستير من الجامعة الأمريكية في واشنطن، وتعمل مديرة لبرنامج آسيا، وبرنامج الجغرافيا السياسية في صندوق مارشال الألماني بالولايات المتحدة.

شغلت منصب نائب مستشار الأمن القومي لبايدن عندما كان نائبًا لأوباما، وقدمت له المشورة في مجموعة واسعة من قضايا السياسة الخارجية والدفاعية، فقد مثلته في الاجتماعات المشتركة بين الوكالات على مستوى مجلس الوزراء والنواب.

قبل منصبها في البيت الأبيض، عملت لمدة ثلاث سنوات مديرة رئيسة لسياسة أوروبا وحلف شمال الأطلسي، في مكتب وزير الدفاع في البنتاجون. في عام 2012م، حصلت على وسام مكتب وزير الدفاع للخدمة العامة الاستثنائية.

وتتلخص تصورات جولي سميث العامة لسياسة بلادها في ضرورة وحتمية عقد شراكة قوية مع الحلفاء الأوروبيين، والانخراط بصورة أكثر فاعلة في حلف الناتو، وترى كذلك أن هناك أولوية ملحة للإدارة المُقبلة إلى المزيد من الخريجين من ذوي الخلفيات في السياسة والتكنولوجيا، في ظل اعتماد العديد من خصوم الولايات المتحدة على التكتيكات غير المتكافئة المصممة لتقويض التفوق التكنولوجي لأمريكا.

=========================

هذا الصراع في سورية على العشائر

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاحد 30/8/2020 

لم تعد القبيلة والعشيرة في المجتمعات العربية معطى تاريخيا ثابتا، ولا وحدات متجانسة في سلوكها الاجتماعي وهوياتها السياسية، بعدما انفصلت البنى الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ السياسية فيها، إما بفعل التحديث أو بفعل التغيرات الديمغرافية، نتيجة الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدينة، والتي بدأت في سبعينيات القرن الماضي.

لم يبق من العشائر سوى زعامات وجاهية شكّلت، في مرحلة "البعث"، أدوارا وظيفية في خدمة السلطة، لا بسبب قوتها، بل لزجّها في صراعاتٍ داخليةٍ خدمة للنظام. ومع اندلاع الثورة، سرعان ما ظهر الضعف البنيوي في العشائر، من خلال انشقاقٍ جرى على مستويين: العشائر بين من آثر الوقوف إلى جانب النظام ومن قرّر الوقوف إلى جانب الثورة. العشيرة نفسها، حيث جرت فيها انشقاقات بين الجيل القديم الذي فضل بقاء الوضع على ما هو عليه والجيل الجديد الذي آمن بالثورة. وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت هشاشة العشيرة، بنية ومنظومة متماسكة، فأهملها النظام بقدر ما أهملتها المعارضتان، السياسية والعسكرية، بسبب بعدها الجغرافي، ثم بسبب هيمنة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مناطقهم وسيطرة "الوحدات الكردية" بعدها.

أخذ الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي يزداد تجاه العشائر بعد انتهاء المعارك الكبرى، وبقاء مناطق التنازع والنفوذ قائمة

يلاحظ من الاصطفافات العشائرية أنها تجري وفق الحسابات الضيقة وظروف الصراع، فمثلا في محافظة الرّقة ذات الهيمنة الكردية، تحالفت عشيرتا العفادلة والولدة مع "الإدارة الذاتية"، بعدما كانت العفادلة تحتضن الجيش الحر، أما العشائر الأخرى مثل المشهور، جيس، الحليسات، بوحميد، فتتراوح بين الميل إلى الأكراد والميل إلى النظام. وكذلك الأمر مع عشائر العكيدات والبكارة والغير التي تحالفت في ديرالزور مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بينما أبقت على قنوات اتصال مع النظام. وينطبق الأمر ذاته على الحسكة، حيث تحالفت عشائر طي، الجبور، حرب مع "الإدارة" الذاتية، في وقت لم تقطع علاقاتها مع النظام السوري. وفي المقابل، اتجهت عشائر أخرى إلى التحالف مع المعارضة وتركيا في المناطق التي تسيطر عليها الأخيرة، مثل عشائر بني خالد، النعيم وغيرها.

وقد أخذ الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي يزداد تجاه العشائر بعد انتهاء المعارك الكبرى، وبقاء مناطق التنازع والنفوذ (ديرالزور، الحسكة، الرّقة) قائمة. ولمّا كان من الصعب على أي طرفٍ من الأطراف المتنازعة تغيير الواقع الميداني بقوة السلاح، بدأت هذه الأطراف تولي اهتمامها للعشائر، على أمل تشكيل قوة اجتماعية عسكرية قادرة على رفع تكلفة وجود الطرف الثاني.

وازداد الاهتمام بالعشائر بعد تصريحات الرئيس الأميركي، ترامب، بالانسحاب من سورية، ثم سحب الولايات المتحدة قواتها من المنطقة الواقعة بين تل أبيض ورأس العين على الحدود التركية. وعقد النظام السوري اجتماعين مع العشائر؛ الأول في يناير/كانون الثاني من العام الماضي في منطقة أثريا في ريف الرقة، والثاني في يوليو/تموز العام الماضي، داخل قاعدة حميميم العسكرية، في حين عُقد اجتماع نهاية ديسمبر/كانون الأول عام 2017 في إسطنبول سمّي "مؤتمر العشائر والقبائل السورية"، ليعقبه اجتماع آخر بعد عام تحت رعاية تركية لمجموعة كبيرة من زعماء العشائر العربية والتركمانية والكردية والسريانية في قرية سجو قرب مدينة أعزاز الحدودية في ريف حلب الشمالي، وانتهى الاجتماع بتشكيل "المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية" و"مجلس الأعيان".

واقع العشائر اليوم في سورية جزء من الواقع السوري في مجمله، حيث المصالح الضيقة تغلبت على المصالح الواسعة

وقد شكّل الاتفاق الأميركي مع "قوات سوريا الديمقراطية" بشأن النفط، ثم اغتيال مطشر الهفل، أحد أبرز شيوخ عشيرة العكيدات (الحسون، الشحيل، الهفل، الشويط، البورحمة، البوحسن، القرعان، الشعيطات، الدميم، البو الخابور، البوليل) نقطة تأسيسية، ستكون لها تبعات مستقبلية على دور العشائر في المنطقة الشمالية الشرقية من سورية. وأولى نتائج هذا الاغتيال إصدار العكيدات بيانا أعلنت فيه عن تشكيل مجلسين: سياسي، هدفه بناء حضور سياسي للعشيرة، يكون مقدمة لمجلس سياسي أوسع يضم عشائر أخرى. عسكري (جيش العكيدات) يترأسه أسد الهفل، هدفه تحقيق التحرير الشامل للأراضي السورية بالتنسيق مع "الجيش السوري" والقضاء على "الإرهاب". وليست أهمية هذا التشكيل العسكري في قوته وقدرته على إحداث تغيير في خريطة القوى العسكرية في هذه المنطقة، وإنما في أنه قد يشكل حجر أساس لتحالف عشائري أوسع مع النظام السوري، بدأت ملامحه الأولية بالظهور مع دعوة قبيلة الشرابيين أبناءها والقبائل كافة إلى "مقاطعة "قسد" والتوحد لمقاومة الأميركيين القتلة وأذنابهم في سورية"، وبيان عشيرة البوعاصي في ريف القامشلي الذي يؤكد وقوف العشيرة إلى جانب العكيدات والبكارة.

يفعل الإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي للعشائر فعله هنا، خصوصا العشائر التي حدثت فيها تغيرات ضمن بنيتها مع جهود النظام وإيران و"قسد"، كل لأهدافه في تغيير الهوية العشائرية والعلاقات الوشائجية في ما بينها من جهة، وسماح الولايات المتحدة للمكوّن الكردي بأن يعلو على العشائر العربية السنية، ورفض دمجها في مشروع "الإدارة الذاتية" الكردية.

ولكن واقع العشائر اليوم في سورية جزء من الواقع السوري في مجمله، حيث المصالح الضيقة تغلبت على المصالح الواسعة، فقد أعلن شيوخ عشائر في محافظة الرقة رفضهم القاطع سياسة النظام السوري والقوات الموالية لها، وإنشاء مجلسين، سياسي وعسكري، من عشيرة العكيدات، في ما بدا أن جدلية الريف والمدينة لعبت دورها هنا عندما هاجم رئيس "مجلس دير الزور العسكري"، أحمد أبو خولة، (من عشيرة البكيّر إحدى عشائر قبيلة العكيدات) العشائر في الريف، وقلل من قدرتها على حكم مناطقها: "الآن الشوايا تريد أن تدير دولة".

لغياب الفرص السياسية أولا، ولتردّي الوضع الاقتصادي ثانيا، ولتهديدات متغيرة ثالثا، الدور الرئيسي في تحديد مواقف العشائر

تصريحات سرعان ما استتبعت باجتماع عشائري نظمه قائد "مجلس دير الزور العسكري"، أحمد أبو خولة، بحضور أبناء من المنطقة الموجودين ضمن المجالس المحلية والأهلية، في مؤشرٍ واضحٍ على دور أميركي. وخرج الاجتماع ببيان مضاد لبيان العكيدات، يطالب فيه التحالف الدولي بإخراج القوات الإيرانية والروسية والنظام السوري من القرى التي تسيطر عليها في ريف دير الزور. وتكشف هذه المواقف المتغيرة للعشائر مدى اختلاف المصالح في ما بينها، ومدى تأثير القوى الخارجية في مواقفها.

وكان لغياب الفرص السياسية أولا، ولتردّي الوضع الاقتصادي ثانيا، ولتهديدات متغيرة ثالثا، الدور الرئيسي في تحديد مواقف العشائر، وجعلها تنقسم بين تحالفات محلية وأخرى إقليمية: عشائر تحالفت مع المعارضة وتركيا، وعشائر تحالفت مع النظام وإيران، وأخرى تحالف مع "قسد" والأميركيين.

=========================

موقفنا : عذرا سيدة ميركل بل " سننجح في المهة " إن شاء الله ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30 / 8/ 2020

في تصريح للسيدة الألمانية الطيبة ميركل عن الوضع في سورية، والتي فتحت بلادها مع سبق الإصرار للاجئين السوريين ، ومل تزال تتفضل برعايتهم قدر جهدها قالت :

 إن الوضع في سورية يشكل مأساة كبيرة . وإن الدعم الروسي لبشار الأسد كرّس تلك المأساة ودعمها .

وقالت السيدة الطيبة : ولقد أصبح نصف سكان سورية نتيجة لتلك المأساة ، وذلك الدعم فارين أو مهجّرين . لقد أراد الناس بالثورة ربيعا ولكنه انقلب إلى ضده . وأرادوا أن يتصدوا لديكتاتور ، ولكنه لا يزال في منصبه !!

 وتعليقا على وعدها قبل خمس سنوات بقولها " سننجح بالمهمة " ، تقصد مهمة الإطاحة بالدكتاتور ، قالت السيدة الطيبة لن أكرر هذه العبارة اليوم ، وفي إشارة واضحة منها إلى دور بقية الأطراف الدولية في تكريس الأزمة السورية قالت السيدة ميركل : عندما أقول نحن فأنا أقصد أطرافا كثيرة كان لهم دور في صناعة هذا الواقع . وهي إشارة مباشرة إلى دور الولايات المتحدة وفرنسة وبقية المتواطئين بمن فيهم الدول العربية ..

وتعقيبا منا على قول السيدة ميركل أنه لن تكرر عبارتها " سننجح في المهمة" نقول وباسم كل السوريين الأحرار الذين لا يقيلون ولا يستقيلون ولا يساومون ولا يتنازلون : بل سوف ننجح ، وسوف يعود الشجر في سورية أخضر ، وسوف ينجلي الليل ، وينكسر القيد ؛ كل ذلك بقدرة القدير ثم بإرادة الأبطال والثوار الأحرار ..

ثورتنا في سياق التقدم التاريخي تمضي ... والبقاء للشعوب وليس للدكتاتور ولا لداعميه ..

وشكرا للسيدة ميركل على جرأتها وعلى عواطفها معا ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

عاشت سوريا الأسد وليسقط الشعب السوري!

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 29/8/2020

كم كان الباحث والإعلامي السوري الدكتور أحمد الهواس على حقّ عندما كتب في عام ألفين وأربعة عشر، أي بعد ثلاثة أعوام فقط على الثورة أن «سوريا ليست نظاماً يسقط وآخر يأتي مكانه، سوريا حجر الزاوية في نظام أوسع حرص الغرب أن تكون تحت السيطرة، وأن الغاية تتحقق في نظام أقلوي». بعبارة أخرى، فإن ضباع العالم كانت مستعدة أن تضحي بالقسم الأكبر من السوريين بين لاجئ ومشرّد ومقتول ومعتقل، ولا يمكن أن تضحي بالنظام الذي يخدمها منذ عام ألف وتسعمائة وسبعين.

لا شك أن مثل هذا الكلام كان أشبه بالمبالغات الفانتازية قبل عقد من الزمان، لكن الأيام أثبتت أن سوريا الموقع الجغرافي ومعها النظام الوظيفي في دمشق أهم بكثير لسادة العالم من الشعب السوري.

لا شك أنكم سمعتم بما يسمى بـ«أصدقاء سوريا» في بداية الثورة حيث تنادى الشرق والغرب لتشكيل تحالف دولي بحجة دعم الشعب السوري، لكن الهدف كان مغايراً تماماً لمزاعم وشعارات أصدقاء سوريا المزعومين. صحيح أن القاصي والداني أبدى اهتماماً منقطع النظير بالقضية السورية في بداياتها، وقد ظن السوريون أن العالم يعمل جاهداً لمساعدتهم في التخلص من النظام الفاشي وتحقيق أحلام السوريين في الحرية والكرامة وإنضاج ثورتهم، لكن كل المناورات والتحالفات والمسرحيات الدولية والإقليمية كانت للضحك على الذقون وذرّ الرماد في العيون. لم يكن الهدف مطلقاً دعم الشعب السوري، بل كان الاهتمام منصباً بالدرجة الأولى على تجريد سوريا من القسم الأكبر من شعبها، والتنكيل بالقسم الآخر وتحضير الأرض السورية لترتيبات جيوسياسية وديمغرافية جديدة تخدم الأجندة الدولية، بحيث تصبح السيطرة على الجغرافيا السورية أسهل من ذي قبل بعد عملية التغيير والتعديل الديمغرافي غير المسبوق في العصر الحديث. ولو نظرنا الآن لوجدنا أن هنالك فعلاً سوريا جديدة تخدم المشاريع الكبرى أكثر بكثير حتى من سوريا الأسدية القديمة المصممة أصلاً لخدمة مشغلي النظام وداعميه.

ضباع العالم كانت مستعدة أن تضحي بالقسم الأكبر من السوريين بين لاجئ ومشرّد ومقتول ومعتقل، ولا يمكن أن تضحي بالنظام الذي يخدمها منذ عام ألف وتسعمائة وسبعين

تعالوا الآن لنلقي نظرة سريعة على شريط الأحداث السورية منذ عام ألفين وأحد عشر، سنجد أن كل ما فعله النظام بالسوريين منذ اللحظة الأولى لم يكن من بنات أفكار النظام مطلقاً، بل كان أجندة خارجية صارخة بدأ ينفذها النظام بثقة كبيرة. وقد ظنها البعض قوة وجسارة من النظام، بينما كانت في الواقع خطّة أكبر من النظام. لاحظوا مثلاً، أن سادة العالم لم يسمحوا في التاريخ الحديث لأي نظام في العالم ـ وليس في المنطقة ـ باستخدام سلاح الطيران لقصف مناطق داخلية، ولم نشهد مطلقاً على مدى القرن الماضي والحالي بأنّ نظاماً ما استطاع أن يستخدم طيرانه بكل سهولة لقصف شعبه وتدمير المدن فوق رؤوس سكانها، هاتوا لي بلداً واحداً استخدم القوة البرية والجوية بالشكل الذي استخدمه نظام الأسد ضد شعب أعزل، لا يوجد! وحتى أنظمة أمريكا اللاتينية العميلة للعم سام لم تتجرأ على قمع الانتفاضات الشعبية بالطريقة التي فعلها النظام السوري، فقد كان طغاة أمريكا الجنوبية يترددون في استخدام الطائرات لملاحقة قوى المعارضة عندما تحتمي في المناطق المدنية.

وقد لاحظنا كيف تأهب العالم أجمع عندما راجت أخبار تقول إنّ معمر القذافي على وشك استخدام طائراته لقصف بعض المناطق الليبية الثائرة، ونتذكر وقتها كيف ثارت ثائرة الشرق والغرب واستنفر الإعلام العالمي قبل أن ترمي الطائرات الليبية قنبلة واحدة على المناطق المدنية، وتبين لاحقاً أن القذافي لم يكن يفكر أصلاً باستخدام سلاح الطيران ضد شعبه، لكن وسائل الإعلام العالمية روّجت للخبر لشيطنة القذافي على اعتبار أن مثل هذا العمل محظور دولياً وخط أحمر لا يمكن أن يحدث أو أن يسمح به العالم مطلقاً، لكنه سمح به في سوريا الأسد، وتغاضى عنه وأصبح القصف اليومي للمناطق المدنية بالبراميل المتفجرة خبراً مألوفاً لا يأبه به الإعلام العالمي وكأنه أقل من عادي! بينما تاريخياً لم يقم أي نظام باستخدام الطيران إلا في المعارك والحروب الخارجية.

وقد لاحظنا لاحقاً كيف كان العالم يستقبل أخبار نزوح ملايين السوريين من ديارهم لم يكن هناك أي ضجة تذكر، لتعيد لنا صور النازحين وغرقى البحر تركيب المشهد من جديد بسؤال بات يلح على كل ذي لب:

هل كانت فكرة التغيير الديمغرافي فكرة النظام؟ ويبدو أن الجواب لا أبداً، بل كان النظام مجرد منفذ لمخطط أكبر منه منذ وصوله إلى السلطة، أمّا بعض الدول التي بدأت تفتح حدودها أمام السوريين فليس من باب العطف والمساعدة، بل تنفيذاً لمخطط يهدف إلى تجريد سوريا من قسم هائل من شعبها، لأن عملية تغيير الشعب وتشريده وقتله واعتقاله وتعذيبه على ما يبدو كانت أسهل بالنسبة لضباع العالم وكلابه من التضحية بسوريا ونظامها. وحتى لو شهدنا قريباً تغييراً في وجوه النظام بدأ ببشار نفسه، فهذا لا يعني مطلقاً أن الوجوه الجديدة ستكون في خدمة السوريين، بل ستبقى في خدمة مشغليها فقط. عاشت سوريا الأسد وسقط الشعب السوري.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com