العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-08-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إعادة توزيع الحصص في سورية .. غازي دحمان

الحياة

الخميس 3/8/2017

الزخم الدائر حول سورية والذي تتم ترجمته على شكل تفاهمات واتفاقات بين الأطراف الدولية والإقليمية، يثير شعوراً بوجود عملية سلمية حقيقية في سورية، بخاصة أن تلك الاتفاقات تترافق مع تهدئة على الجبهات، الأمر الذي يمكن اعتباره مؤشراً قوياً على وجود عملية سلام حقيقية.

حسناً، أين المشكلة في ذلك؟ لا يعتبر هدوء الجبهات في الصراع السوري، مؤشراً على دخول الأطراف في عملية سياسية بمقدار ما يعني أن الأطراف السورية باتت خارج القدرة على تقرير مسارات الحرب والسلم وأصبحت خيوطها ممسوكة بالكامل بيد الخارج الذي يقرّر متى يجب ان تشتعل الجبهات وكيف ومتى يجب ان تهدأ، فالأطراف السورية، نظاماً ومعارضة، تلبست رتبة الوكلاء المنفذين لمدير خارجي، بدليل ان جبهة جنوب سورية صمتت أكثر من سنة ونصف السنة قبل ان تنفجر ثم تدخل بعد ذلك في هدنة، بمعنى ان اشتعال الجبهات في سورية ليس تلبية لحاجة أحد أطرافها ولا انعكاساً لتوترات داخلية.

من جهة ثانية، لا يعني توافق الخارج على هدنة، او هدنات تكتيكية، أن ثمة عملية سلام جارية وفق مسار تصاعدي وستصل في مرحلة قريبة إلى نقطة الذروة التي توقع الأطراف عندها اتفاق سلام نهائياً، بمقدار ما يؤشر الى وجود صفقات تخص اللاعبين الخارجين على ساحة اللعب ومؤامرات على حساب أطراف أخرى، وبالتأكيد ليس اللاعبون السوريون هم أحد تلك الأطراف.

جميع الاتفاقات والتفاهمات التي حصلت في سورية كانت تستهدف طرفاً خارجياً معيناً. اتفاق آستانة بين روسيا وتركيا وإيران كان الهدف منه تهميش اللاعب الأميركي وإخراجه من اللعبة، أو على الأقل الضغط عليه للمشاركة تحت سقف تلك الأطراف، واتفاق جنوب سورية الهدف منه إخراج إيران من مساحة تأثير لإدخال أميركا فيها، وفي كل الحالات كان الخطاب الدولي والإقليمي المبرّر لهذا التعامل بالقطعة مع الأزمة السورية يركّز على مقولة ان الأزمة معقّدة لدرجة ان الطرح الواقعي للحل يجب ان يمر عبر محطات كثيرة ومراحل متعدّدة.

والملاحظ هنا ان القول بتعقيد الازمة وإن كان المقصود به أن العداء بين الاطراف الداخلية في سورية أصبح معقّداً الى درجة ان تفكيكه بات يتطلب وقتا وجهداً استثنائيين، إلا ان ظاهرة تهميش السوريين الواضحة تثبت ان التعقيد في مكان آخر، فما دامت الأطراف الدولية والإقليمية تتفاوض من دون حتى استشارة الأطراف السورية ومن دون اخذ مواقفها بعين الاعتبار فإن الصراع والتفاوض في سورية انتهيا إلى شأن خارجي صرف.

لا شك في أن هناك تغيراً واضحاً في سياق الأزمة السورية يتمثل بانتهاء الجزئية الخاصة بالصراع الداخلي، وباستثناء جبهة غوطة دمشق وبعض مناطق البادية سكتت المدافع على بقية الجبهات، بانتظار ما ستؤول إليه عمليات التفاوض، ليس تلك التي بين السوريين في جنيف وآستانة، وإنما ما يدور في عواصم القرار الكبرى، وخصوصاً في واشنطن وموسكو.

والحاصل الآن، وكما هو واضح من هذا الحراك أن المرحلة الحالية هي مرحلة خلق توازنات جديدة تسبق جلوس الأطراف من اجل الحل النهائي، وتقوم هذه التوازنات التي يجري رسمها بمسطرة دقيقة ووزنها بميزان حساس للغاية على إعادة تقويم سورية من ناحية جغرافيتها السياسية وتأثيراتها الإقليمية وحساب قيمتها النهائية مقسومة على أطراف محدّدة وإعادة توصيف الأطراف وتحديد حصصها بناء على حجمها في المعادلة الدولية وحقيقة قدراتها.

ولا شك في أن هذه العملية ستتطلب إعادة توزيع الحصص، وهذا ما هو حاصل بوضوح ومن دون مواربة في هذه المرحلة، حيث يتكشَف أن الدخول الأميركي، وقبله الروسي، يقضم من حسابات أطراف أخرى وحصصها، نظراً إلى حاجته إلى أصول إستراتيجية أكبر تغطّي تدخله وتجعله يليق بدول كبرى، والأطراف التي يجري قضم حصصها هي:

حصة إيران، التي ظهر انها أخذت أكبر من حجمها بكثير وبما لا يتفق مع قوتها، إقليميا ودولياً، وبخاصة لجهة تمدّدها على خطوط حساسة، مثل الحدود مع الأردن واسرائيل والعراق، وهي قضايا أكبر من طاقة دولة إقليمية وصلاحياتها مهما علا شأنها، كون تداعيات قضية كهذه ستكون لها تأثيرات دولية كبيرة، وبالتالي فإن الحصة الإيرانية يجري حصرها حتى اللحظة في البادية السورية بعيداً من الحدود إلى حين.

الحصَة العربية، بعد تراجع التأثير العربي الذي شكلته دول الخليج في شمال سورية وجنوبها. والذي تسبب بخروج التأثير العربي، إثر الارتباك في إدارة النفوذ والخلاف بين الأطراف، بوجود مساحات فراغ بعضها ملأته تركيا في شمال حلب والقسم الآخر سيطرت عليه الميليشيات الإيرانية قبل دخول أميركا وإجبار إيران على التراجع.

على وقع هذه التطورات، يجري الحديث عن توافق أميركي– روسي على الاتفاق على منطقة جديدة سيتم إدماجها ضمن تسوياتهما، أو إعادة محاصصتها، بما يعني ان المحاصصة تتحول إلى دينامية تشتغل على كامل مساحة سورية.

اذاً التكتيك المعمول به حالياً في سورية هو إدارة الصراع لا حله، وفي إطاره يجري التفاهم على الحصص وترسيمها، وبعد اكتمال هذه المرحلة سيتم الاتقاق على شكل الدولة ونظام الحكم، وفي الغالب ستكون بين خيارين لا ثالث لهما: إما فيدرالية فضفاضة وشكلية إلى حد بعيد، أو دولة مقسمة بشكل صريح. أما الدولة المركزية فقد باتت ممنوعة من الصرف لأن سورية كلها لم يعد ممكناً اصطفافها ضمن تحالف أو احتسابها حصة لطرف واحد.

ربما هذا ما يفسر سبب تعديل مواقف الدول من عملية الانتقال السياسي في سورية وتأجيل هذه المسألة إلى حين الانتهاء من ترتيبات المحاصصة.

========================

بين «دمعة» نصرالله و «فرح» أم القتيل .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 3/8/2017

دمعت عينا الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصرالله على قتلاه في معركة جرود عرسال. لكن تلفزيون «المنار» التابع للحزب سرعان ما عوّض هذا البكاء العرَضي كي لا تتغبش صورة الحزب في أذهان جمهوره ومريديه، أو حتى أعدائه، أو يشك أحد في «صلابته» وقدرته على تقديم رجاله. فظهرت والدة أحد قتلى المعركة وهي توزع البقلاوة «فرحاً» بموت ابنها، وترفض أن يتوجه إليها أحد بالتعزية، مصرّة على تقبل التهاني. ثم ظهر أهالي قتلى آخرين وهم «مسرورون» بنيل أبنائهم «الشهادة على طريق الحسين».

ليس سحق المشاعر الإنسانية وتدجينها وتحويرها وتبجيل الموت، طقساً غريباً عن الحزب «الإلهي»، بل هو جزء أساس من عدته الإعلامية والتعبوية والسياسية، يستخدمه في تجييش طائفته وترويضها وكسر إنسانية المتأففين من جسامة الخسارة البشرية، مُطلقاً ما يشبه مباراة زجلية في المزايدة بين أهالي عناصره، الأموات منهم والأحياء، ورابطاً دوماً بين أي معركة يخوضها، مهما صغرت أو طاولت الشبهة دوافعها، وبين مصير الشيعة منذ كربلاء إلى اليوم. وكأن رجاله الذين ذهبوا لقتل السوريين في بلادهم وعلى أرضهم يواصلون «المعركة ذاتها»، بما فيها من إضافات مُتخيلة للتلاعب بالنفوس والعقول.

لكن في هذه المقاربة تناقضاً فادحاً وفاضحاً، إذ كيف يرعى الحزب في ذكرى «عاشوراء» من كل سنة، مختلف أنواع الندب والنوح والبكاء على الحسين ومن قضوا معه، ويجبر العاصمة بيروت ومناطق أخرى على الاتشاح بالسواد والمشاركة في الحداد، ثم يطلب من آباء وأمهات من «يكملون المسيرة» أن لا يبكوا قتلاهم؟

هو، إذاً، يستخدم البكاء متى كان يخدمه، ويرفضه متى كان يخدمه أيضاً، كأنه يحوّل «عاشوراء» متنفساً للذين اضطروا إلى كبت حزنهم ودموعهم أمام كاميراته ومسؤوليه الذين يقدمون التهاني والتبريكات، قبل أن يدرجوا المفجوعين المتنكرين لمشاعرهم في لائحة المستفيدين من تقديمات «مؤسسة الشهيد» المجزية.

وحده الأمين العام يحق له أن يذرف دمعة بالنيابة عن كل أهالي القتلى، لأن بكاءه يعزز صورته «قائداً استثنائياً» لا تنطبق عليه معايير «الرعية». أما بكاؤهم فقد يلحق ضرراً بصورة «النصر الكبير» الذي تحقق في جرود عرسال، ويفتح باباً للتساؤل عن جدوى الحرب الدائمة التي يدعوهم الحزب إلى خوضها، كل الوقت وضد الجميع.

وإذا كان الحزب يُلقن بيئته بأن موت أبنائها أمر عادي، بل مرغوب ومطلوب ومفرح، فماذا يفعل مع سائر اللبنانيين الذين يسومهم قهراً يومياً في أصغر الشؤون وأكبرها، من العراضات المسلحة والقتل بالرصاص العشوائي، لمناسبة أو من دونها، إلى التسيب في الإدارات والمرافق، إلى الفساد المحمي بالنفوذ والمحاصصة، إلى التنكيل بالمعترضين والمحتجين، وحتى قبول فكرة السماح لقاتل جنودهم (أبو مالك التلي) المطلق السراح من سجون الأسد، بانتقال آمن، طالما أن ذلك يخدم خطة إلغاء الحدود.

ذرف نصرالله دمعة، لكنه منذ سنوات طويلة يُبكي معظم اللبنانيين الذين فتك حزبه بمقومات ما تبقى من دولتهم، بعدما وضعت التسويات التلفيقية للحروب الطائفية التي أجريت برعاية دمشق، البلد وأمنه وسياسته وتحالفاته بين يديه، وسلمته قرار الحرب والسلم والتدخل الخارجي من النهر الكبير شمالاً إلى الناقورة جنوباً، وصولاً إلى إلغاء عملي للحدود الشرقية مع «سورية الأسد»، ليضيف إبكاء السوريين إلى «إنجازاته».

========================

إدلب.. قبل أن يصبح الحليم حيران .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاربعاء 2/8/2017

لا يختلف اثنان في المخاطر المحدقة بإدلب التي وصفها الموفد الخاص لدول التحالف الدولي برت ماكغورك أخيراً بأنها أكثر ملاذ آمن للقاعدة منذ الحادي عشر من سبتمبر، لكن يتجاهل هذا المندوب، ومن خلفه البشرية كلها، مسؤوليتها المباشرة عن تهجير وتفريغ معظم البلدات في سوريا وشحنها إلى إدلب على مدار سنوات دون أن ينبسوا ببنت شفه، بل كانت الأمم المتحدة في كثير من الاتفاقيات ضامنة وشاحنة للمهجرين المساكين إلى إدلب، وقد سبقه إلى هذا الوصف أيضاً ديميستورا وكيري، والآن مندوب التحالف الدولي، بأنها أكبر ملاذ آمن للقاعدة.

لا يختلف عاقل على أن ما جرى في إدلب من سفك الدم المسلم بين هيئة تحرير الشام وأحرار الشام ذنب عظيم، وعاقبته وخيمة، ولكن لسنا الآن أمام الوقوف على الأطلال، ولا جلد الذات، وجلد بعضنا بعضاً، ولا الاصطفاف مع بشرية مجرمة أرادت للشام أن تختصرها بإدلب، وكأن ما فعلته العصابة الطائفية المجرمة، ومعها الاحتلالان الروسي والإيراني، على مدى سنوات من القتل والإجرام والتهجير، محمودٌ ومطلوب بحق الأغلبية السنية المضطهدة على مدى عقود في الشام.

لكن ماذا يمكن فعله اليوم في ظل هذه المعمعة الخطيرة؟ هل المطلوب هو تشجيع الإجرام الدولي على فعله بإبادة إدلب، كما حصل بالموصل والرقة؟ وهل المطلوب هو شحذ الأسلحة والأقلام والألسنة بحق إدلب، على أن كل من فيها واجب القتل، لأنه ينتمي إلى هيئة تحرير الشام التي فكت ارتباطها بتنظيم القاعدة؟ ما يمكن فعله باعتقادي هو دفع العقلاء من كل الاتجاهات نحو مبادرة وطنية شاملة وجامعة لا تقصي أحداً، تعكس احتياجات الداخل والواقع الإقليمي والدولي، وتكون بدايته بتأسيس إدارة مدنية من أهل الاختصاص بعيدة كل البعد عن العسكر والتسليح، مع دفع كل من له علاقة بالسلاح إلى الثغور والجبهات، وأول اشتراطات هذه الإدارة الذاتية المدنية أن تكون مقبولة تركياً وفقط، كون قبول اشتراطات دول العالم كله غير منطقي لتعدد الأجندات والمشاريع، أما المشروع التركي فلقربه من الثورة أولاً، وثانياً لأن الاعتراف التركي بالإدارة المدنية يعني تحقيقها اشتراطات دولية عامة، تقدر من خلالها تركيا على تسويقها عالمياً، وهو ما يكفينا مؤونة اللهث وراء العالم واشتراطاته، وهو ما فعلته حركة طالبان أفغانستان يوم كسبت الاعتراف الباكستاني فسوقتها باكستان للآخر.

الأمر الثاني وهو تعهد الفصائل الثورية السورية بوقف أي تدخل للضيوف الذين وفدوا إلى الشام، فلا يحق لغير الشامي أن يتكلم في شأن الثورة الشامية، لا سيما إن كان ذلك تحريضاً على فصيل ضد آخر، ولنتعلم على الأقل من عدونا، فالفصائل المجرمة المقاتلة في صف العصابة الطائفية لا كلمة إعلامياً لها في الغالب.

المصلحة والعقل يقولان أن نحدد أولوياتنا، ونعمل على تعظيم الجوامع وتقزيم الفوارق، ونهش لحوم بعضنا بعضاً لا مصلحة لأحد فيه إلا عدونا، وهذا لا يتأتى إلا بتصدّر العقلاء المشهد، والدفع بأدوار يومية لوجهاء البلدات والقرى، من أجل تكوين رأي عام واحد تجاه القضايا المهمة والحساسة، مع عودة زخم التظاهرات المؤيدة للثورة التي كانت ولا تزال هي المعبرة عن ضمير الشعب أولاً، وثانياً المشكلة لحمض نووي ثوري واحد، وهو أكثر ما يخيف العصابة الطائفية وسدنتها.;

========================

هيئة تحرير الشام تكشف أوراقها .. علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 2/8/2017

لم تكتفِ هيئة تحرير الشام، وعمودها الفقري جبهة فتح الشام النصرة سابقاً، بما حازته من مكاسب ميدانية، بل طوّرت هجومها العسكري إلى تحرّك سياسي بالدعوة إلى تشكيل "إدارة ذاتية للمناطق المحررة"، وحصر قرار الحرب والسلم بهذه الإدارة، وأعلنت عن استعدادها للموافقة على أي "مشروع سني" يوحّد المناطق المحرّرة، بقيادة سياسية عسكرية خدمية موحدة.

حققت "الهيئة" في قتالها مع حركة أحرار الشام الإسلامية مكاسب ميدانية كبيرة: السيطرة على معظم محافظة إدلب، مركز المحافظة وأكثر من ثلاثين بلدة وقرية فيها، مع الاستيلاء على الأسلحة والذخائر، ووضع اليد على ثلاثة معابر على الحدود السورية التركية (باب الهوى، خربة الجوز، أطمة)، والتحاق كتائب وألوية من "الحركة" بها (قاطع البادية، لواء كفرنبل، كتائب إمام المجاهدين ابن تيمية في ريف حلب الغربي ...إلخ)، وقد مكنّها ذلك من التوسّع في أرياف حلب الجنوبية والغربية والشمالية، بإدماج مواقع ومكاتب وأسلحة تلك الكتائب والألوية ضمن قواتها، فقد عزّزت حضورها العسكري قرب بلدة دار عزة، وفي جبل الشيخ بركات الذي يتمتع بأهمية استراتيجية في ضوء ارتفاعه، الأكثر ارتفاعاً في المنطقة، وإشرافه على مناطق واسعة تسيطر عليها "وحدات حماية الشعب الكردية" في منطقة عفرين، ووعورته، ووجود شبكةٍ من أبراج الاتصالات المدنية والعسكرية فيه، تخدم مناطق المعارضة في الشمال. وهذا، بالإضافة إلى وجودها السابق في الأرياف الشمالية: عندان وكفر حمرة وحريتان، منحها القدرة على المبادرة والمناورة.

جاء موقف "الهيئة" السياسي، في بيان لها أصدرته يوم 23/7/2017، علقت فيه على

"الثورة التي تتحدّث عنها الهيئة في بيانها غير ثورة السوريين التي لم تنفجر لأهداف مذهبية وطائفية" مبادرة المشايخ والدعاة، عبد الرزاق المهدي وأبو محمد الصادق وأبو حمزة المصري، لوقف القتال بينها وبين "الحركة"، بعد يومين على انطلاقته، حيث أكدت أنها "كانت وما زالت جزءاً من الثورة السورية"، ودعت إلى "مبادرةٍ تنهي حالة التشرذم والفرقة، وتطرح مشروعاً واقعياً للإدارة الذاتية للمناطق المحرّرة، إدارة تملك قرار السلم والحرب، وتتخذ القرارات المصيرية للثورة السورية على مستوى الساحة، بعيداً عن مراهنات المؤتمرات والتغلب السياسي والاحتراب والاقتتال الذي لا يصبّ إلا في مصلحة النظام المجرم وأعوانه"، وشدّدت على أن "المناطق المحرّرة ملكٌ لأهلها، ولا يمكن بحالٍ أن تستفرد بها جهة دون أخرى"، لافتةً إلى "ضرورة تسليمها إلى إدارة مدنية، تقوم على تنظيم حياة الناس، بحيث توضع القوى الأمنية للفصائل في خدمة تلك الإدارة". وأكّدت "على ضرورة تأسيس مشروع سنّي ثوري جامع، يحفظ الثوابت، ويحقق الأهداف المرجوّة بمشاركة جميع أطياف الثورة وأبنائها"، وطالبت بجعل الكوادر المدنية والنخب السياسية في الداخل والخارج، إلى جانب الكتل العسكرية لجميع الفصائل، "من نواة هذا المشروع". وأعلنت عن استعدادها لـ "الموافقة على أي مشروع سُنّي، يوحد المناطق المحرّرة، بقيادة سياسية عسكرية خدمية موحدة". ودعت جميع الفصائل إلى اجتماع فوري للخروج بـ "مشروع يحفظ الثورة وأهلها".

غير أن سلوك "الهيئة" الميداني، قبل القتال أخيراً مع "الحركة" وبعده، ناقض فحوى هذا البيان التصالحي، حيث اتهمت "الحركة" بالعمل على نشر اليأس والفكر الانهزامي، والاستسلام للعبة الحلول السياسية، والسعي إلى الدخول من البوابة التركية إلى نادي المجتمع الدولي، واستغلال مأساة الحاضنة الشعبية للثورة، ومعاناة الشعب السوري من أجل التحالف مع تركيا، وهو، برأيها، "تقويضٌ لتضحيات هذا الشعب ولمشروع الثورة الذي يجب أن يكون قائماً على استقلال القرار، وعدم الخضوع لأي من القوى". واعتبارها الانتماء إلى الجيش الحر جريمةً على خلفية تمويل "الغرب الكافر" أو "تركيا المرتدّة" لفصائله، ونشرها ملصقاتٍ في مناطق سيطرتها في إدلب موجهة إلى "أردوغان وكلابه"، تحمل عبارات تهديدٍ لـ "المرتدّين"، أي فصائل الجيش السوري الحر المدعومة من تركيا، وإيعازها لأئمة المساجد الذين وضعتهم في مساجد المناطق التي تسيطر عليها للحديث في خطبة الجمعة عن تدخل تركيا "الكافرة" في سورية، ودورها (الهيئة) في حماية الثورة السورية ومعارضتها تقسيم سورية، والمؤامرات التي تحاك ضد أهل الشام، وتحذير المقاتلين من المهاجرين من خطر التدخل التركي الذي يهدف إلى القضاء عليهم، وعلى الجهاد في أرض الشام، وتحريض أبي اليقظان المصري، شرعي "الهيئة"، في كلمةٍ له أمام مجموعة من مقاتليها ضمها فيديو مسرّب، المقاتلين على عدم التردّد في استهداف كل من يرفض الاستسلام من مقاتلي "الحركة"، بطلقةٍ في الرأس.

أوضح أبو اليقظان في كلمته أهداف "الهيئة" من قتالها مع "الحركة"، حيث حدّد ثلاثة منها أساسية: الأول، إنهاء "الحركة"، بسبب ما قامت به، في الفترة الأخيرة، من خطوات، وما

"سلوك "الهيئة" الميداني، قبل القتال أخيراً مع "الحركة" وبعده، ناقض فحوى هذا البيان التصالحي" تعمل عليه من مشاريع مدنية (إدارة المناطق المحرّرة بالتعاون مع الفعاليات والقوى الثورية، اعتمادها علم الثورة والقانون العربي الموحد ...إلخ). والثاني، السيطرة على المنطقة الحدودية مع تركيا، وطرد "الحركة" منها، في حال لم يتم القضاء عليها بشكل كامل، أولوية مطلقة. أما الثالث فبسط هيمنة "الهيئة" بشكل كامل على كل المساحة الخاضعة لسيطرة الفصائل في الشمال، لاحقاً، وتحجيم قوة هذه الفصائل، وإبقائها تحت السيطرة. وحدّد آلية تنفيذ الهدف الثالث بقوله: "إنه، وبعد الانتهاء من "الحركة"، فإن "الهيئة" ستفرض على بقية الفصائل حجم قوتها، وعدد عناصرها، بما لا يسمح لها بتشكيل أي تهديدٍ لها، ويشمل ذلك فيلق الشام، وما تبقى من تشكيلات الجيش السوري الحر في ريفي إدلب وحماة بطبيعة الحال"، هذا بالإضافة إلى منع "الهيئة" من تشكيل فصائل جديدة، حيث قالت، في بيان وقعه المسؤول العام هاشم الشيخ (أبو جابر): "إن أي فرد أو مجموعة تنشق عن أي فصيل في الساحة، بما فيها هيئة تحرير الشام، تخرج من دون سلاح".

عكس بيان "الهيئة"، وخطاب أبي اليقظان المصري الدموي الذي تبرأت منه لاحقاً، طبيعة توجهها وأهدافها المباشرة من هجومها على "الحركة"، تمثلت في فرض نفسها قوة مسيطرة ومقرّرة، وتنفيذ مشروعها السياسي والإداري في المناطق المحرّرة، وقطع الطريق على تدخل تركي محتمل في إدلب، في ضوء مخرجات مسار أستانة.

لم ينجح حديث "الهيئة" في بيانها عن التزامها بالثورة، ودعوتها إلى وحدة الصف تحقيقاً لوحدة الهدف، في امتصاص الغضب الشعبي، بسبب حجم الخسائر البشرية والمادية التي انجلت عنها المعركة، من جهة. وبسبب تاريخ جبهة النصرة، القيادة الفعلية لها، الغارق بدماء الثوار، من جهة ثانية. فالثورة التي تتحدّث عنها في بيانها غير ثورة السوريين التي لم تنفجر لأهداف مذهبية وطائفية، ولم تخرج لاستبدال استبدادٍ باستبداد، والتي دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها، ومن مقدّراتهم ومصادر عيشهم، نتيجة انخراط دول وقوى خارجية في صراعها ضد نظام الاستبداد والفساد، وفرض برامجها وتصوّراتها على الصراع في سورية، وتغيير طبيعته وتحويله إلى صراع على سورية، وما ترتب عليه من قتل ودمار وتمزيق للدولة والمجتمع. يذكّرنا حديث "الهيئة" عن أنها "كانت وما زالت جزءاً من الثورة السورية" بحديثٍ خاطف الثوار، زهران علوش، حين قال:"إنه لا يعرف أحداً في سورية يرفض إقامة دولة إسلامية".

========================

لافروف: أمريكا غيرت قناعتها تجاه تنظيم الأسد .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 2/8/2017

تمخض الجبل فولد فأرا، باختصار مكثف هذا ما يمكنني التعليق به على الاتفاق الروسي الأمريكي حول وقف اطلاق النار جنوب غرب سوريا، بعنوانه العريض الذي أراد ترامب الترويج له على أنه ثمرة لقائه بالرئيس بوتين على هامش قمة مجموعة الدول الـ 20 في مدينة هامبورغ الألمانية، واراد له ان يكون فاتحة للتعاون الروسي الأمريكي في قابل الايام, قائلاً «أجرينا اجتماعاً مثمراً للغاية».

واعتبرت روسيا اعتبرت الاتفاق إنجازا مهما وانتصارا لسياستها وعملت على استغلال الفرصة السانحة، فخرج علينا وزير خارجيتها قائلا لقد غيرت أمريكا قناعتها.

البعض وبعد ان استمع لتصريح الوزير لافروف، ظن أن مياها دافئة ستجري في شرايين علاقات موسكو واشنطن وجبل الجليد الذي كرسته إدارة أوباما السابق إلى البيت الأبيض في طريقه للذوبان. حيث شهدت العلاقات الروسية الأمريكية تدهورا كبيرا خلال فترة رئاسة باراك أوباما، بعدما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في العام 2014، بالإضافة إلى التدخل العسكري الروسي في سوريا لدعم تنظيم بشار الأسد.

هل حقاً غيرت أمريكا قناعتها، وباتت تمتلك مقاربة أكثر مرونة مع موسكو على خلفية ما تم التوافق عليه بين إدارة بوتين وترامب في هامبورغ الألمانية.

يبدو أن مجلس الشيوخ, كان له رأي مختلف، قبل أن يجف حبر التوافق الترامبي البوتيني أفسد عليه فقاعته الإعلامية حيث أقر بأغلبية ساحقة عقوبات على إيران وروسيا، ومن جهتهم أعضاء مجلس النواب أيدوا بأغلبية ساحقة فرض العقوبات على روسيا وإيران وكوريا الشمالية. يمنع القرار، دونالد ترامب، من تخفيف العقوبات ضد روسيا بشكل أحادي.

وفي موضوع ذي صلة، عنف السيناتورالجمهوري البارز ليندسي غراهام بشدة وزير الخارجية ريكس تيلرسون بعد تصريحاته التي أشار فيها إلى أن روسيا ربما تملك المقاربة الصحيحة للوضع في سوريا.

الأمرالذي وقع كالصاعقة على كرملين موسكو وإدارة بوتين المنتشية بتوافقاتها مع واشنطن حول سوريا كخطوة اولية في الطريق نحو توافقات كبرى ربما تتخطى سوريا إلى أوكرانيا. مشروع القرار» الأمريكي بدد أوهامه الوزير لافروف الذي حاول تدارك الموضوع بالتصعيد والرد عليه بلسان المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بقولها: «إن عدد موظفي السفارة الأمريكية في موسكو يتجاوز بشكل كبير عدد موظفي سفارتنا في واشنطن»، وتابعت: «أحد السيناريوهات التي تطرح نفسها، إلى جانب ترحيل (دبلوماسيين) أمريكيين بشكل مماثل، هو تحقيق التعادل في عدد الموظفين (في سفارتي البلدين. في معرض تفنيد مزاعم موسكو عن تغيير قناعات واشنطن في الملف «السوري»، لابد لنا التعريج على أمور:

سبق وأعلنت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي، أمام مجلس الأمن الدولي أن العقوبات ستبقى مفروضة على روسيا «حتى تعيد روسيا سيطرة أوكرانيا على شبه جزيرة القرم وقالت السفيرة, إنها «تأسف» أن تكون أول تصريحاتها أمام مجلس الأمن «لإدانة الأعمال العدائية لروسيا». ما دفع السفير الروسي لدى الأمم المتحدة حينها للتصريح بأن النبرة الأمريكية قد «تغيّرت».

على رغم من التوافق الأمريكي الروسي جنوب غرب سوريا، مازالت أمريكا منخرطة بقوة في بناء وتشييد قواعد عسكرية لها في سوريا، وتم الحديث بشكل واضح عن قاعدة عسكرية ضخمة في مطار الطبقة العسكري الذي سيستوعب طائرات شحن عسكرية عملاقة وطائرات ركاب مدنية، حيث وصلت القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا إلى ثماني قواعد على حد زعم ناشطين سوريين.

لم تزل أمريكا ماضية في خططها تجاه السيطرة على مدينة الرقة بعيدا عن روسيا ولم تزل على الاستراتيجية نفسها دعم الكرد الحليف الذي يلبي ما تريد أمريكا، دعونا نتذكر في هذا السياق أن روسيا سحبت وحدات لها من مناطق عفرين بالتوافق مع تركيا التي تصنف جماعة سوريا الديمقراطية حليفة أمريكا على قوائم الإرهاب.

أمريكا لم تزل تعزز قوات حلف الناتو في دول البلطيق. رغم ان ريكس تيلرسون، قال إن ترامب طلب منه تجاهل المشاكل في واشنطن والتواصل مع موسكو لإعادة بناء العلاقات معها في موضوع ذي صلة أقر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، عقوبات جديدة بحق سوريين موالين لنظام الأسد، متهمين بالتورط في الهجوم الكيميائي على خان شيخون أقرت واشنطن في نهاية أبريل/نيسان الماضي، قائمة عقوبات بحق 271 سوريّاً من موظفي مركز للأبحاث العلمية بتهمة تطوير أسلحة كيميائية بطريقة تحاكي ما فعله وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي.

بالعودة للموقف الأمريكي وتغيير قناعاته، هل ما زلتم تتذكرون ما قاله الوزير الأمريكي «ريكس» الذي قال للصحافيين على هامش قمة العشرين الأخيرة: «نحن لا نرى أي فترة سياسية طويلة للأسد وعائلته، وقد أوضحنا ذلك للجميع، أوضحنا ذلك خلال المباحثات مع روسيا، لا نعتقد أن سوريا ستحظى باعتراف دولي، حتى ولو عملت بشكل ناجح في إطار العمليات السياسية على الصعيد الدولي» وشدد قائلا: «المجتمع الدولي لن يوافق على سوريا تحت حكم نظام الأسد». عوْدًا على بَدْءٍ، هل حقاً غيرت أمريكا قناعتها، في سياق ما تم ذكره.

وفي آخر ما حرر عن ترامب، وخلال مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض، مع رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، قال: «لست معجباً بالأسد، وما فعله بسوريا والإنسانية فظيع، أنا لست الشخص الذي يقف ويتركه لا يعاقب».

وحذر من أن الحزب الذي يقوده حسن نصر الله «يحاول تصوير نفسه على أنه مدافع عن المصالح اللبنانية، لكن من الواضح أن مصالحه الحقيقية (هي) مصالح راعيته إيران».

وفي السياق نفسه حذرّت مندوبة واشنطن الدائمة لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، خلال إفادة أمام مجلس الأمن، من مخاطر التهديد الذي يُشكله «حزب الله» للشعب اللبناني.

بعد التوافق الروسي الأمريكي على انشاء منطقة وقف اطلاق النار في جنوب غرب درعا، بدأت روسيا تطلق سيلا من التصريحات حول امكانية التوافق الأمريكي الروسي للعمل بشكل افضل في سوريا. وان أمريكا بدأت الآن تتصرف بشكل مسؤوال.

في سياق الحديث عن روسيا ومخططاتها علينا أن نعلم أن استراتيجية موسكو واضحة المعالم «تثبيت تنظيم الأسد إلى الابد» والقضاء على الثورة السورية.

بناء عليه باتت روسيا رأس الحربة وتخوض المعارك نيابة عن الأسد وهناك العديد من التقارير التي أشارت إلى أن الغارات الروسية كانت تستهدف المعارضة السورية ولم تستهدف تنظيم الدولة. وتدمير حلب وتهجير اهالي حي الوعر في حمص خير شاهد على ذلك.

في هذه الأثناء قامت موسكو في استنبات «أستانة» من أجل تفريغ جنيف من مضمونه وخاصة بند «هيئة الحكم الانتقالي» وكانت تعمل بالتوازي على ضرب الفصائل في ما بعضها وتمنح البعض الآخر ملاذات آمنة، على سبيل المثال عدم المطالبة بوضعها على قائمة الإرهاب الأممية. كما انها قامت بوضع مسودة لدستور سوريا المقبل ألغت فيه هوية سوريا العربية والإسلامية. وآخر ما صدر عن موسكو مذ أيام يقول وزير الخارجية الروسي» على المعارضة السورية أن تتخلى عن مطلب اسقاط تنظيم الأسد».من هنا يمكننا القول أن المطلب الروسي الأخير بتشكيل جيش موحد يضم المعارضة المسلحة وتنظيم بشار الأسد، هدفه القضاء على جيوب الثورة تحت عنوان محاربة الإرهاب الذي رفعته موسكو شعاراً لم تلتزم به يوماً.

حقيقة هذا طرح وقح لأن العالم كله يعلم انه ما كان لتنظيم الدولة أن يوجد لولا التسهيلات الكبيرة التي قدمها له تنظيم بشار الأسد حين أخرج معظم قيادات التنظيمات الإسلامية من سجونه بمرسوم عفو اصدره في عام 2011 ومن ثم تم الحديث عن هروب جماعي من سجن ابو غريب العراقي برعاية ميليشيا المالكي.

كاتب وباحث سوري

========================

أدب الوقت !! .. يحيى حاج يحيى

لاتنتظر في كل بلد دخلته لاجئاً أو ضيفاً أن تجد الترحيب بك من جميع القطاعات ، وفي كل الأوقات !

ولذا فإن أدب الوقت يقتضيك أشياء كثيرة ، منها :

- لاتتدخل في شؤون البلد المضيف !؟

- لاتُشعر أهله أنك جئت تنافسهم !

- تعاملْ معهم بأخلاق حسنة ، وليس بحاجتك إليهم !

- عوّدْ لسانك كلمة الشكر لمن أحسن إليك ، والعتاب الرقيق لمن أساء !؟

وإذا كان لكل حال مقال ، فإن لكل وقت أدباً ! فاسأل ربك أن يلهمك رشدك فيما تفعل ، أو تدع !

===========================

تنظيف مناطق النفوذ في سورية .. حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الثلاثاء 1/8/2017

منذ إعلان اتفاق خفض مناطق التوتر في 4 مايو/ أيار الماضي، والانخراط الأميركي التدريجي فيه، بدا واضحاً أن مرحلة تنظيف مناطق النفوذ في سورية قد بدأت.

وعملية التنظيف هذه ليست مرتبطة فقط بتقاسم النفوذ بين الدول الإقليمية والدولية فحسب، بقدر ما هي مرتبطة بترسيم حدود الصراع، وترسيم حدود التسوية السياسية، فمن دون أفق التسوية لن تكون هناك أهمية تذكر لعملية وقف إطلاق النار، ولا أهمية للمناطق المستقطعة من هنا وهناك.

لذلك، يعتبر تقاسم مناطق النفوذ الجغرافي في سورية ضرورةً ملحة لمنع الفوضى العسكرية، ولوضع سقف عسكري للفرقاء المحليين والإقليميين، بما يناسب التفاهمات الأميركية/ الروسية، لكن هذا التقاسم في المقابل يتطلب محاصصاتٍ جغرافية، بحيث يتم استبعاد أطرافٍ معينة عن مناطق معينة، خصوصا التي لها أجندات تتجاوز الجغرافيا السورية.

هكذا جاء اتفاق الجنوب السوري كثمرة للتفاهم الأميركي – الروسي، فلأول مرة يتم توافق أميركي روسي، مباشرة على أرض الميدان، ولأول مرة أيضا يتم احتواء إيران عمليا في سورية، وإن اقتصر الأمر على بقع جغرافية معينة.

صحيح أن القوى المحسوبة على إيران لم تبتعد إلى الخط المتفق عليه بين موسكو وواشنطن حتى الآن في درعا، إلا أن منطقة الجنوب أصبحت، بالمعنى الاستراتيجي، خالية من إيران وحلفائها لأسباب متعلقة بالأردن وإسرائيل.

إنه اتفاق يتعدّى البعد العسكري، فالحديث يجري عن إجراء انتخابات محلية، وإدخال للمساعدات الإنسانية، ووصل الأمر إلى بحث مصير معبر نصيب الحدودي، من أجل عودة الشريان الاقتصادي بين الأردن وسورية إلى العمل، وكل هذه الأمور تتطلب عمليات تنظيفٍ للنفوذ، بما يتناسب مع المرحلة المقبلة.

وما جرى في الجنوب يتم تكراره بشروطه الجغرافية في الغوطة الشرقية، فالمطلوب وقف الصراع بين النظام والمعارضة، لصالح محاربة القوى الإرهابية، وهذه ستكون وظيفة فصائل المعارضة.

وكما الحال في الجنوب، يتعدّى اتفاق الغوطة الشرقية البعد العسكري، فالاتفاق يتناول إعادة الحياة الاقتصادية إلى المنطقة، وتسهيل التبادل التجاري مع مناطق النظام، فضلا عن إجراء انتخاباتٍ لمجالس محلية من سكان المنطقة.

"لحركة أحرار الشام عديد بشري كبير، على الرغم من الانشقاقات في صفوفها، ولديها تحالفات مع فصائل الجيش الحر"

أهم مسألتين في اتفاقيتي الجنوب والغوطة أنهما أدخلا دولا إقليمية في التوافقات المحلية، كحال الأردن في الجنوب، ومصر في الغوطة، وإذا كان اتفاق مناطق خفض التوتر والاتفاقات التالية له تتم وفق الأجندة الأميركية - الروسية لضبط النفوذ الإقليمي في سورية، إلا أن هذه الاتفاقات كشفت ضرورة توسعة مروحة المشاركة الإقليمية، وهذا مؤشر على أن هذه الاتفاقات تتجاوز البعد العسكري، لتشمل البعد السياسي الذي يقترب أوانه.

وما يجري في القلمون الغربي مع إطلاق معركة عرسال والجرود الممتد إلى فليطة/ المشرفة دليل على ذلك، فلا تحمل هذه المعركة أبعادا عسكرية تذكر، فالمنطقة خاضعةٌ لهيمنة حزب الله وهيمنة النظام السوري، وهي منطقة ساقطة بالمعنى العسكري منذ عام 2014. ولذلك، لم يقدم الحزب على فتح هذه المعركة سابقا حين كان يملك مقاتلين أكثر على هذه الجبهة، قبل أن ينقلهم إلى الشرق السوري.

أهمية المعركة تكمن في رسائلها السياسية، خصوصاً بعد استثناء إيران من اتفاق الجنوب، إنها معركة لتثبيت الوجود السياسي لإيران وحلفائها ضمن أية ترتيبات مستقبلية في سورية، فمعركة عرسال تؤكد أن طهران قادرةٌ بمفردها على إقامة مناطق نفوذها الخاصة، من دون الاستعانة بأي طرفٍ محلي أو خارجي، كما هو حال موسكو وواشنطن.

وللمعركة بعد آخر مرتبط بالضغط على اللاجئين السوريين، للعودة إلى ديارهم، لأسباب لبنانية وسورية، وما يهمنا هنا البعد السوري، حيث تعمل دمشق، منذ فترة، على تسهيل عودة السوريين بمن فيهم المطلوبون، لتحقيق هدفين: حاجة النظام لقوى بشرية سورية في المرحلة المقبلة التي ستشهد ضبط وتقليص للوجود الأجنبي، خصوصا الحركات الشيعية من العراق وإيران وباكستان وأفغانستان. وحاجة دمشق إلى تدوير عجلة الاقتصاد في مناطق سيطرتها، فمعظم اللاجئين في لبنان ينتمون إلى القلمون الغربي، والمعروف أن لدى معظم بلدات القلمون الغربي عمالة كبيرة في الخليج، ما سيسمح بعودة التدفقات المالية بالعملة الصعبة.

ولا تنفصل محافظة إدلب عن عمليات تنظيف مناطق النفوذ، فالتقهقر المفاجئ لحركة أحرار الشام ليس مرتبطا بميزان القوة العسكرية فحسب، فللحركة عديد بشري كبير، على الرغم من الانشقاقات في صفوفها، ولديها تحالفات مع فصائل الجيش الحر في المحافظة ومحيطها.

التراجع العسكري للحركة مرتبط بتفاهمات إقليمية ودولية، خصوصا مع تركيا التي تعتبر الداعم الرئيسي للحركة وعرّابها على الساحة الدولية. وللتذكير، سمح للمتحدث الإعلامي للحركة، لبيب النحاس، قبل عامين، بكتابة مقالين في صحيفة ديلي تلغراف البريطانية وواشنطن بوست الأميركية، لتوضيح موقف الحركة.

وأغلب الظن أن محافظة إدلب قد حسم مصيرها، بحيث لن تكون تابعة للعباءة التركية، كما كان متوقعاً، وإن مرحلة تنظيف النفوذ تتطلب إبعاد "أحرار الشام" عن جبهة فتح الشام.

========================

على المعارضة السورية الرحيل .. سلامة كيلة

العربي الجديد

الثلاثاء 1/8/2017

مرّت ست سنوات ونصف السنة على انطلاق الثورة السورية. لا يبدو أننا وصلنا إلى لحظة اكتشاف نهاية لها. اعتبر كثيرون ممن شاركوا فيها أنها انتهت، وأن ما يجري صراعٌ مسلحٌ دموي، وظهر أن المجموعات السلفية هي التي تسيطر على المشهد "المضاد للنظام"، كما أن القتل والتدمير والتهجير الذي حدث أظهر ضخامة الكلفة التي ألمّت بسورية.

عوامل عديدة أفضت إلى هذه الوضعية. لا شك في ذلك، لكن بعد ست سنوات ونصف السنة لا بد من أن نتناول بـ "الجلد" المعارضة التي اعتبرت أنها ممثل الثورة، من دون أن يختارها أحد، حيث كانت عبئاً على الثورة، وأضرت بها كثيراً، بحيث يمكن أن نقول إنها أسهمت في إيصال الوضع إلى ما نحن فيه، سواء من ناحية تضخّم دور "السلفية الجهادية" والأصولية، أو بالوصول إلى تحكّم دول إقليمية وكبرى بالوضع، فقد كانت أزمة الثورة الأولى تتمثل في غياب القيادة الفعلية لها، وبالتالي تحكّم العفوية بها، ومن ثم قدرة النظام وحلفائه على التأثير في مساراتها، بما يخدم سياساته هو.

فأولاً، كان واضحاً الانفصال بين المعارضة والشعب، حيث كانت المعارضة غارقةً في همومها، وأزمتها بعد أن فرض استبداد السلطة وشموليتها تهميشها، نتيجة حملات اعتقال، طاولت كثيرين من كوادرها. لكن ما فرض الانفصال حتى حينما أصبحت هناك نافذة تركيزُها على هدفٍ وحيدٍ، هو الديمقراطية، بدا ردَّ فعلٍ على ما تعرّضت له من قمع، أو الصراع الغريزي مع النظام. وهو الأساس الذي شكّل كل سياساتها، وخصوصاً بعد الثورة. حيث محورت كل خطابها عن الحرية والكرامة، أو إسقاط النظام بالتدخل "الخارجي". وبهذا، لم تلتفت إلى الشارع، حيث كان يحتاج قيادة فعلية، وبلورة خطابٍ يعبّر عن مطالب الطبقات الشعبية كلها، ويضمن توحيدها كلها في وضعٍ كان يجري اللعب لتحقيق شرخ عميق بينها عبر استخدام التخويف الطائفي.

وثانياً، كان واضحاً رهانها على الخارج. لهذا عمل جزء مهم منها على نقل نشاط المعارضة 

"كان الشغل "الخارجي" على الأسلمة والتسليح يسمح باللعب بالفصائل المسلحة التي باتت تحتاج المال والسلاح" الذي يدّعي تمثيل الثورة إلى الخارج، وتشابك مع دول إقليمية وكبرى، على أمل أن تسقط هذه الدول النظام وتفرضها بديلاً عنه. وبهذا، سمحت بأن تخضع الثورة لمصالح تلك الدول وسياساتها وصراعاتها. وأن تكون أداة لهذا الخارج. راهنت وظلت تراهن على أن هذه الدول هي التي ستساعدها على إسقاط النظام واستلام السلطة. وبهذا، كان واضحاً أنها لا تفهم الواقع العالمي وتحولاته، ولا مصالح الدول التي تعتمد عليها، فقد اعتقدت أن أميركا تنتظر لحظة إسقاط النظام، ما جعلها تعتقد أنها سوف تتدخل مستغلة الثورة، وأنها ستأتي بها إلى السلطة. وإذا كانت مصالح دول، مثل قطر وتركيا وفرنسا، تتمثل في أن يكون بديل النظام خاضعاً لها، ولهذا شكّلت معارضة الخارج، فقد أفضى الفيتو الأميركي إلى فشل هذا الخيار، ومن ثم الى تغيّر مصالح هذه الدول. ومن ثم إلى بحث هذه المعارضة عن دعم دول، فيما هذه الدول متنافرة أصلاً.

وثالثاً، كانت تستعجل التسلح بلا حساب، ودفعت إلى سياسة عسكرية مضرّة من خلال ما أُطلق عليه سياسة التحرير في وضع مختلّ كثيراً لمصلحة النظام، وما كان يوازن ميزان القوى ويغيره هو القوة الشعبية، وليس القوة العسكرية، وهي التي أدت سياسة التحرير إلى تفكيكها، عبر الرد الوحشي الذي قام به النظام، بتدمير كل المناطق التي ثارت، ما أفضى إلى تهجير هائل، ومن ثم حصار المقاتلين في مناطق منعزلة، أفضت إلى استسلام كثير منها. كانت خطة النظام واضحة، وتقوم على محاصرة المناطق المتمردة مقدمة لإخضاعها، وكان يبدو أن بساطة المقاتلين، أو غباء أطراف المعارضة، يوصل إلى ما يريد النظام.

ورابعاً، عملت بعض أطرافها، وخصوصاً هنا جماعة الإخوان المسلمين، على أسلمة الثورة، على الرغم من شعارات الشباب الذي كان يخوضها التي أعلنت "لا سلفية ولا إخوان، الثورة ثورة شبان"، حيث كانت تعتقد أنه لا دور لها من دون أن تتحوّل الثورة إلى حراك "إسلامي"، يجعلها هي قيادته. ولقد ساعدها على ذلك علاقاتها الإقليمية التي سمحت لها بأن تمتلك قنواتٍ فضائية، وميل النظام من طرف والدول الإقليمية من طرف آخر إلى أسلمة الثورة. وربما كان هذا أخطر ما حدث منذ بدء الثورة، وجرت رعايته من أطراف متعدّدة، بالضبط لأنها تريد إجهاض الثورة، وتحويلها إلى صراع طائفي.

إذن، يمكن القول إن كل طرف في المعارضة كان ينطلق من منظور ذاتي، ويحاول استغلال الثورة لتحقيق مصالح ذاتية، بعيداً عما أراده الشعب الذي ثار يريد إسقاط النظام، فقد عمل بعضها على استغلال الثورة من أجل تحقيق "الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية"، وكان بعضها ينطلق من صراع غريزي، يريد الاقتصاص من النظام الذي سحقه أو ظلمه، حتى وإنْ تحقق ذلك بالتدخل الخارجي، أو تدمير البلد. وكثيرون ممن ادّعوا المعارضة كانوا يعتقدون أن النظام آيل إلى السقوط السريع، وعليه أن يحجز مقعداً في السلطة الجديدة، وهو أصلاً لا يعرف مشكلات الشعب، ولا يفكّر بها. وأيضاً كان هناك من يمتلك أوهاماً كثيرة عن التغيير والعالم والبديل.

الآن، لم يكن ذلك كله بعيداً عن التأثير في مسار الثورة، بل أنه أثّر بشكل مباشر فيها، وأوجد تعقيدات، وأضراراً، أسهمت في وصول الوضع إلى ما نحن فيه. وإذا كانت الثورة قد تُركت للعفوية، خصوصاً بعد أن عمل النظام على تصفية التنسيقيات التي ضمت فئاتٍ شبابيةً وناشطين لديهم قدر من الفهم السياسي، وحاول استثارة غرائز الفئات الشعبية، عبر أشكال مختلفة من الاستفزاز والوحشية، فقد شكّلت المعارضة عبئاً ثقيلاً على الثورة، وأضرّت بها في مختلف مراحلها. ويمكن توضيح ذلك في ثلاثة مستويات:

أولاً، إذا كانت الثورة قد توسعت ببطء، وأخذت سنة لكي تشمل كل سورية، حيث ظهر أن 

"ظهرت شخصيات معروفة بتكفير العلويين والأقليات، وبالدعوة الأصولية المغرقة" هناك فئة كبيرة متردّدة، سنلمس كيف أن النظام كان يلعب على هذا التردّد، حيث أصرّ على أن ما يجري هو من فعل مجموعات أصولية سلفية إخوانية إرهابية. هذا هو خطاب النظام الذي وجد ما يقابله فيما تسمى المعارضة، حيث ظهرت شخصيات معروفة بتكفير العلويين والأقليات، وبالدعوة الأصولية المغرقة، ادّعت أنها المعبّر عن الثورة، وكانت تلقى تجاوباً من أطراف معارضة، وحتى من شباب يتظاهر. كذلك كانت تسميات أيام الجمعة تصبّ في المحور ذاته، وأيضاً التغطية الإعلامية لبعض القنوات التي كانت تعبّر عن جماعة الإخوان المسلمين وعدنان العرعور. كما كانت الدعوات من أطراف معارضة إلى التدخل الأميركي تثير الخوف الشعبي، بعد أن كان الشعب السوري قد لمس نتائج التدخل الأميركي في العراق.

كل هذا التأخير في توسّع الثورة نتيجة ذلك كان يعطي النظام الفرصة للتماسك، والتخطيط لمواجهة الثورة، والتحكّم في مسار الصراع. لهذا ظل متماسكاً سنة وتسعة أشهر، فظل قادراً على ضبط تمرّد الجيش، ومنع تفكك السلطة، بينما كان هذا الزمن مهماً في سياق إسقاط النظام، وكان التأخر مضرّاً بالثورة، كونها بلا قيادة فعلية ولا إستراتيجية. وهذا ما ظهر في المرحلة التالية.

ثانياً، كان الشغل "الخارجي" على الأسلمة والتسليح يسمح باللعب بالفصائل المسلحة التي باتت تحتاج المال والسلاح. وقد ظهر خطر الأسلمة جلياً، بعد أن بدأ النظام خطته، لتشكيل مجموعات سلفية إرهابية، حيث أطلق سراح "جهاديين" معتقلين، وأخذ ينفّذ خطة تشكيل فرع لتنظيم القاعدة، ثم "داعش". فقد أسهمت الأسلمة في إيجاد بيئة قابلة بهذا الوجود، ومهيئة لتقبّل مجموعاتٍ تأتي من الخارج. خصوصاً أن أطرافاً متعدّدة في المعارضة الخارجية رحبت بـهذا الوجود وأيدته ودعمته. وبهذا، أصبحت المجموعات الأصولية القوة الأكبر، سواء تعلق الأمر بـ "داعش" وجبهة النصرة أو حتى المجموعات الأخرى التي لا تختلف عنها كثيراً. لقد وُجدت هذه المجموعات ونمت تحت غطاء معارضة عاجزة تنتظر من يوصلها الى السلطة.

وأخيراً، أفضى ذلك الى أن تتحكم "الدول الداعمة" بالقرار، وأن تحدّد أدوار القوى، وتكتيكاتها، وأن تستخدمها في سياساتها، بما يخدم مصالحها هي ضداً على الثورة. وكما يبدو، سيكون الحل في مصلحة روسيا بتوافق كل هذه الدول "الداعمة"، فهي كلها تركض للتفاهم معها.

أخفقت المعارضة السورية، وأضرّت، وعليها الرحيل.

========================

وداعاً للمعارضة المسلحة في سورية .. سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاحد 30/7/2017

تنتزع روسيا سلاح فصائل المعارضة السورية بهدوء، ووفق برنامج توثيقي، تعيد من خلاله خريطة توزّع نفوذها داخل الأراضي السورية. وفي المناطق منزوعة السلاح المعادية لها، وذلك عبر وسيلتين أساسيتين: اتفاقات الهدن المحلية التي طوّرتها على شكل مناطق خفض التصعيد، وقرارات الإدارة الأميركية بوقف التسليح التي أعلنتها وكالة الاستخبارات "سي آي إيه".

وباتفاق الغوطة الشرقية الذي وقع في 22 يوليو/ تموز الجاري تكون موسكو التي أعلنت تفاصيل الاتفاق، أنهت ما تعتبره تأمين حزام جناح دمشق الجنوبي، لتلتفت إلى منطقة وسط سورية، وذلك قبل الانتقال إلى شمالها، لتعطي مزيدا من الوقت للقوات المدعومة من الإدارة الأميركية، لمتابعة خط سيرها باتجاه إنهاء وجود "داعش" من الرّقة، حيث تشهد المعركة حالة جمود واضحة، بينما يستقر القرار الأميركي، ربما، حول هوية من سيحرّر دير الزور من "داعش"! وفي السياق نفسه، تمارس الفصائل دورها في تنفيذ الرغبة الروسية تلك، عبر الانخراط في معارك بينية طاحنة، تستخدم فيها كامل عتادها من السلاح والبشر، حيث شهدنا أعنف المعارك خلال الأشهر السابقة في الغوطة بين الفصائل، وكان عدد الضحايا فيها من مقاتلي هذه الفصائل، المحسوبة على المعارضة، يتجاوز 400 ضحية، كل طرف منهم اعتبر من لقي حتفه من جهته شهداء لأسباب خاصة به، بعيداً عن المتعارف عليه في ما يتعلق بهذا المفهوم "المقدّس".

كذلك شهدت إدلب معارك طاحنة، أوقعت عشرات الصحايا بين "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) من جهة، و "أحرار الشام" وفصائل مؤيدة لها من جهة أخرى، لتكون النتيجة نهاية عملية إسباغ اللون الأسود على كامل إدلب، ما يفتح الباب على مصراعيه للتدخل الدولي، لاسيما التركي، من خلال التحالف الذي سيخوض معركته هناك تحت بند محاربة الإرهاب، وبالتالي التخلص من كل سلاح المعارضة، سواء التي تقف بوجه "النصرة" أو المساندة لها، والانتقال إلى المرحلة اللاحقة من صناعة مناطق النفوذ الدولية، تحت مسمّى مناطق منخفضة التوتر. وعليه، ترسم روسيا مسارات عديدة تؤدي إلى حقيقة واحدة، هي على الأغلب إجبار المعارضة، وخصوصا المسلحة، على رفع راية الاستسلام، في مقابل جزء من سلطةٍ في تلك المناطق، بحماية الشرطة الروسية، كما الحال في جنوب غرب سورية والغوطة الشرقية، وفي إدلب، وإن بالشراكة مع الشرطة التركية، أو تلك التي صنعت في تركيا. إذاً، يتمثل ما تسعى إليه روسيا ببسط سيطرتها على كامل مناطق سورية مع مراعاة المصالح الأميركية والإسرائيلية من جهة ومصالح النظام الذي يوفر لها شرعية احتلالها القرار السوري من جهة أخرى. وفي الوقت نفسه، تسعى روسيا إلى تحويل الكتلة البشرية للمعارضة من عدوٍّ يواجهها إلى أدوات شرطية، تعمل بمبدأ الحماية مقابل السلطة، وهو المبدأ نفسه الذي سلم به النظام مفاتيح سورية لكل من إيران وروسيا، وكل قوى الظلام الطائفية التي تقاتل باسم زينب وفاطمة والحسين. على ذلك، تستنفد قوى المعارضة آخر ما تبقى لها من ذخيرة حية، لتخوض معاركها ضد بعضها، وفي مواجهة من كانت تتحالف معهم ضد النظام، لتعيد انتشارها من جديد، وتصطفّ مع النظام ضد كل من لا يرى الشمس تشرق ما بين موسكو والقاهرة.

وعليه، فإن هكذا مسار سيكشف إلى العلن، بين فترة وأخرى ربما، ما تبقى من قصص انقلابات في العلاقات بين شخوص المعارضة التي كانت على طرفي نقيض، وأصبحت اليوم في معركة واحدة ضد حلفاء سابقين، ومنهم "جبهة النصرة" وما تسمى "أخوة المنهج" جميعاً. بعد "أستانة 6"، وخلال الرتوشات الأخيرة لاتفاقات ما فوق "أستانة" و"جنيف" (الجنوب السوري والغوطة الشرقية ولاحقاً المنطقة الوسطى)، لم يعد هناك تقريبا، كما تتوقع موسكو وكما عملت بجد عليه، ما تسمى معارضة مسلحة، وإنما شرطة معارضة لا تختلف كثيراً عن فروع الأمن التي كانت سبباً مباشراً لثورة 18 مارس/ آذار 2011.

في المحصلة، قد يفضي الواقع الناشئ اليوم إلى مسارات مختلفة في الصراع السوري، من أهم علاماتها ضمور المعارضة العسكرية، وانحسار النفوذ الإيراني، بالإضافة إلى تعزيز الجهد الدولي لإيجاد نوع من تسويةٍ، ربما تمهد لتغيير سياسي في سورية، لكن ليس إلى الحد الذي كان يطمح إليه، أو يأمله، أغلبية السوريين، حينما انطلقوا بثورتهم في 2011، وليس إلى الحد الذي يجعل النظام منتصراً، حتى ولو بفكرة سيطرته على مناطقه التي ستكون تحت الوصاية الروسية في أحسن الأحوال. أيضاً وداع ما تسمى معارضة مسلحة لا يعني أن الثورة انتهت، فهي ربما لم تبدأ بالشكل المطلوب لثورات الشعوب التي تقودها نخبة وطنية، تتشارك فيها مر التجربة، وليس مالها السياسي.

========================

لبنان.. الدولة العاجزة ودويلة حزب الله الواثقة .. سعد كيوان

العربي الجديد

الاحد 30/7/2017

بأي معنوياتٍ يستعد الجيش اللبناني للمعركة التي يقال إنه سيخوضها ضد تنظيم (داعش)، بعد الدور الهامشي الذي تُرك له في المعركة التي خاضها حزب الله، في الأيام الماضية، ضد جبهة فتح الشام (أو جبهة النصرة) المتمركزة في المناطق الجردية على الحدود اللبنانية - السورية، مثل "داعش". وقد زاد من الفضيحة غياب الحكومة اللبنانية عن أي قرار، وشكر أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، الجيش على "مساندته المقاومة" في العملية العسكرية ضد "النصرة"، في وقتٍ من المفترض أن تكون هذه المهمة منوطة فقط بالجيش اللبناني، رمز سيادة الدولة وشرعيتها. ففي عرسال، وقف الجيش على أطراف المنطقة، وقام عملياً بدور المسعف للمدنيين الهاربين من المعارك.

عسكرياً، لم تكن "معركة أم المعارك"، أو من التي يعتد بها أن عناصر "فتح الشام" كانوا عمليا محاصرين في الجرود منذ نحو ثلاث سنوات، غير أنها من الممكن أن تفي بالغرض المطلوب، لتضاف إلى "السجل الذهبي" لروائع حزب الله القتالية في سورية واليمن. وهي أكثر ملاءمة للظرف السياسي، بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الروسي-الأميركي في غرب سورية، وإبعاد إيران عن خط تحقيق حلمها بوصل طهران ببيروت، عبر بغداد ودمشق. كما بدا لافتا تزامن معركة جرود عرسال مع زيارة رئيس الحكومة، سعد الحريري، واشنطن. ففي وقت كان الأخير يلتقي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في البيت الأبيض، كان حزب الله يعلن انتهاء المعارك وتحرير المواقع التي كانت تحت سيطرة "فتح الشام".

كان المشهد سوريالياً. يطالب الحريري ترامب بدعم الجيش اللبناني، وتزويده بالأسلحة 

"أظهر حزب الله قدرة عالية على ممارسة البروباغندا والتجييش الإعلامي، وتمكّن من استمالة معظم وسائل الإعلام" المتطوّرة، ليتمكّن من مكافحة الإرهاب، ويسعى إلى إقناعه بضروة عدم شمول العقوبات الجديدة على حزب الله والمؤسسات المصرفية والمالية اللبنانية، ونصرالله في بيروت يقول "الأمر لي". يعلن النصر في معركةٍ تفرّد هو بقرار خوضها، على الرغم من أنه شريك في حكومة الحريري، ويذل الجيش بالقول إن مقاتليه سيسلمونه المواقع بعد تطهيرها بالكامل. وفيما يعلن ترامب على مسامع الحريري، في المؤتمر الصحافي المشترك، أن الحكومة اللبنانية تتصدّى للمنظمات الإرهابية مثل "داعش" وجبهة النصرة وحزب الله، يرد نصرالله باللعب على حساسية الشارع المسيحي، معلنا إهداء النصر لكل الشعب اللبناني، حاصداً تعاطفا لم يحظ بمثله من قبل، إلى درجة أن بعض سكان مدينة جبيل (بيبلوس) المسيحية العريقة جابوا في شوارعها يحملون أعلام حزب الله، احتفاء بـ"النصر".

وقد أظهر حزب الله قدرة عالية على ممارسة البروباغندا والتجييش الإعلامي، بحيث تمكّن من استمالة معظم وسائل الإعلام، فكان هو المصدر الوحيد للمعلومات، خلال أيام المعركة، يوزّع ما يريد من أخبار وصور عبر "إعلامه الحربي"، ويتحكّم بحركة الصحافيين والمراسلين الذين توجهوا إلى التغطية الميدانية المباشرة. لم يكن، بطبيعة الحال، من مجال للتدقيق في صحة الأخبار والمعلومات. أعلن هزيمة "النصرة"، ولكن وسائل الإعلام لم تنشر أي صور لمن قتل منهم، وعددهم بحسب "الإعلام الحربي" يفوق المائة، ولا عن مصابين أو أسرى. فيما يعلن حزب الله بالقطارة عن وضعه الميداني، فقد علم أن 25 عنصرا سقط من مليشياه. تفضحهم جنازات التشييع في القرى البقاعية والجنوبية، غير أن ما يريد إرساله وصل بشكل موفق، أي أن كثيرين باتوا يرون فيه الطرف الذي يقاتل عناصره ويستشهدون، لدرء خطر الإرهاب عن لبنان!

كشفت هذه المعركة عورة السلطة السياسية، وعجز الحكومة التي يمثلها عن أن تكون سيدة نفسها وصاحبة الحق الحصري في اتخاذ أي قرارٍ على أراضيها، وخصوصا قرار خوض معركة، بغض النظر عن صحة الهدف ونبله. في حين أن حزب الله يمارس دور الدويلة ضمن الدولة، يتخذ قراره ويمشي. وطبعا، يعظّم المعركة في سبيل تعظيم نفسه، فقد شبّه معركة جرود عرسال بمعارك حلب والموصل والرّقة...

كان الإرباك سيد الموقف عند الحريري الذي لم يعرف كيف ينتشل نفسه من الإحراج الذي 

"كان الإرباك سيد الموقف عند الحريري الذي لم يعرف كيف ينتشل نفسه من الإحراج الذي وضعه فيه ترامب" وضعه فيه ترامب. فكيف لرئيس حكومة بلد ذات سيادةٍ، مثل لبنان، أن يقول ما قاله في واشنطن: "ثمّة خلاف كبير مع حزب الله، وكنت أفضل أن يقوم الجيش بهذه المعركة. لكن الحكومة حيّدت نفسها عن النزاع معه من أجل الاستقرار الداخلي". أو محاولته رمي المسؤولية على الخارج، كما جاء في محاضرة ألقاها في معهد كارنيغي في واشنطن، عندما اعتبر أن "حزب الله مشكلة إقليمية، وحلها يجب أن يأتي من المجتمع الدولي، لا من لبنان". أما لماذا كل هذا الإرباك؟ علما أن قاعدة الحريري الشعبية لا تكن أي ود لحزب الله، لا بل إن قسما كبيرا منها معاد للحزب، كما أن جميع حلفائه الخارجيين من عرب وغربيين يعتبرون حزب الله تنظيماً إرهابياً.

الإرباك والميل إلى المهادنة لم يقتصرا على الحريري، وإنما طاولا أكثر معارضي حزب الله وأشدّهم، رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، الذي اعتبر أن "نتيجة معارك جرود عرسال ستكون إيجابية على لبنان، بمعنى أن مجموعة القرى الحدودية سترتاح، كما أن الجيش سيرتاح... إنما في الحسابات الاستراتيجية، الأمور تختلف". حسابات رئاسية مستقبلية؟ وعلى الرغم من أنه ليس أكثر من كلام لبق، وجعجع هو من يؤكد باستمرار على سيادة الدولة، وحصرية امتلاكها السلاح، فقد أثار كلامه ردود فعل سلبية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفعه إلى التصويب، مستعينا بقولٍ يحاكي ما قاله السيد المسيح: "ماذا ينفع لبنان، لو ربح الخلاص من جيب المسلحين في الجرود على الحدود، وخسر مفهوم الدولة... وخسر نفسه"، فيما بقي التيار الوطني الحر (العوني) ملتزما الصمت، وكان رئيسه وزير الخارجية، جبران باسيل، إلى جانب الحريري، وسمع مثله كلام ترامب عن حزب الله الإرهابي، فيما كان بعض مناصريه في بيروت يعبرون عن فرحتهم بنصر عرسال.

ولكن أخبث تعبير ربما عن المأزق الذي يحيط برئيس الحكومة محاولة وزير داخليته، وأقرب المقربين إليه، نهاد المشنوق، الذي دخل على خط "إصلاح ذات البين"، معلنا، في تصريحٍ له، إن "جزءا كبيرا من أرض المعركة في جرود عرسال مختلف عليه بين لبنان وسورية، ومن يطالب بالجيش اللبناني، لا يشتم الآخرين، ولا ينال من جهدهم". وهي رسائل في أكثر من اتجاه، من بينها أيضا تبرير للنظام السوري الذي شارك في المعركة، وهو لا يعترف بلبنانية هذه الجرود وما زال يرفض ترسيم الحدود مع لبنان.

المفارقة الأظرف أن نصرالله طلب من اللبنانيين، في نهاية خطاب النصر، "عدم الإزعاج"، لأن المعركة لم تنته بالكامل، كاشفاً عن أن التفاوض مع الإرهابيين قائم، لكي ينسحبوا من المنطقة! فلماذ عاد حزب الله إلى التفاوض؟

========================

حروب السيادة والتسوية المؤسسة للسياسة .. ياسين الحاج صالح

القدس العربي

الاحد 30/7/2017

حيث ثمة دولة متمكنة في المجال العربي أقصي الإسلاميون من السياسة. لكن هذا الواقع المستمر منذ نصف قرن وأزيد يحجب مسألة بدأت تظهر بوضوح بعد الثورات العربية، وبخاصة في المختبر السوري: هل يطلب الإسلاميون السياسة؟ هل يريدون أن يكونوا منظمات سياسية مثل غيرهم تعمل في إطار تعددي؟ ما ظهر بعد الثورات هو أن ما يطلبه الإسلاميون هو السيادة وليس السياسة، أعني الولاية العامة (بعد تعريف العام بأنه إسلامي) والتحكم بأدوات العنف. يشكو الإسلاميون بحق مما تعرضوا له من تمييز وتعذيب ومجازر، لكنهم لا يريدون أن يكونوا أحزاباً أو منظمات إلى جانب أحزاب ومنظمات أخرى في دولة تنفي التمييز والتعذيب والمجازر: يريدون أن يكونوا الدولة. وهو ما يعني ببساطة أن الإسلاميين لا يقبلون المساواة حتى وهم يعترضون على التمييز ويتطلعون إلى التغيير. قد يكونون قوة احتجاج فعالة، لكنهم سلطة سياسية خطرة، بل مميتة، مثلما شهدنا في سوريا منذ عام 2013. العنصر الاحتجاجي تحطم نسقياً في مواطن سلطة الإسلاميين، و»عوام المسلمين» عانوا من حكمهم أكثر من غيرهم.

طلب السيادة ظاهر في حالة التشكيلات السلفية الجهادية التي يتمحور تفكيرها حول مفهوم الحاكمية الإلهية، لكن الطلب ذاته يبطن تطلعات الإسلاميين السياسيين الذين يتمحور تفكيرهم السياسي حول تطبيق الشريعة. يريد الإسلاميون ولاية عامة للشريعة، أي تطبيقها على غيرهم وعلى الجميع. يريدون أيضاً لأنفسهم نفاذاً إلى وسائل الإكراه لأن تطبيق الشريعة على العموم لا يتحقق دون ذلك، ولأن طلب الشريعة طوعياً من العموم ممتنع.

من المحتمل أن الأساس في طلب السيادة (أي الدولة) هو التكوين الامبراطوري لإسلام الإسلاميين، المستبطن في الشريعة. الشريعة تشكلت في إطار امبراطوري يقوم على السيادة الإسلامية، أي على علو وسؤدد رموز الإسلام وعلاماته، دون أن يعني ذلك بحال رفاه المسلمين أو العدالة لهم وفيما بينهم. الإسلاميون ورثة الامبراطورية وليسوا ورثة تاريخ الإسلام الذي كان تاريخ التحول من دين الفاتحين إلى دين مجتمعات واسعة، في غيبة الدولة وبعيداً عنها، وضدها في أحيان كثيرة. وفي هذا التاريخ فاوض الناس إلزامات الشريعة، والتزموا بها بمقادير متفاوتة. الشريعة، كقانون ملزم تطبقه الدولة، اختراع حديث لم يسبق له وجود في تاريخ الإسلام، بما في ذلك في تاريخ الدول. كان المسلمون مسلمين، مالكين لدينهم ومراعين ما استطاعوا لآدابه وحرماته. في سوريا أظهرت الجماعات الجهادية، و»داعش» على نحو خاص، عداء عنيفاً لهذا الإسلام الشعبي الذي يمتلكه العموم، وافتتحت في مناطق سيطرتها دورات شرعية لأسلمة السكان. نزع ملكية الإسلام من المسلمين تحقق على يد الإسلاميين لا على يد غيرهم، وإن يكون استئنافاً لتملك الدولة للدين في دولنا المعاصرة.

قاد الطموح السيادي الإسلاميين إلى الاصطدام المتكرر بهذه الدول المعاصرة، وإلى مذابح وكوارث كبيرة فيما قد يمكن تسميتها حروب السيادة، أو حروب الدين والدولة. وطول جيلين كان يثبت هذا التطلع إلى امتلاك السيادة من قبل الإسلاميين كون دولنا المعاصرة مملوكة بالفعل ملكا فئوياً، لحزب أو لنخبة أو أسرة. السيد في سوريا ليس الشعب ولا الدستور ولا أية مؤسسات عامة، بل هو أسرة بعينها من ورث حافظ الأسد ابنه بشار حكم البلد (قبل ذلك كان حافظ هو السيد). الولاية العامة استأثرت بها هذه الأسرة التي تدهور العام ومقادير العموم في عقود حكمها؛ وعنف الدولة مورس لحماية الملك الخاص على نحو يسوغ كل التسويغ كسر احتكاره من قبل من يقع عليهم غرم العنف. كان كسر احتكار الدولة الأسدية لوسائل العنف بعد طور الثورة السلمي تحولاً ثورياً بكل معنى الكلمة، ولم يكن عنه بديل في مواجهة عنف الدولة الخاصة. واليوم تسير الأمور فيما يبدو باتجاه استعادة احتكار العنف لمصلحة الدولة الخاصة، وإعادة السوريين إلى العبودية السياسية بعد تحطم بلدهم.

على أن تجنب التكرار اللانهائي لحروب الدين والدولة يوجب التفكير بتسوية تاريخية، يتخلى بموجبها الإسلاميون عن السيادة مقابل السياسة، أي عن محاولة امتلاك الدولة مقابل أن يكون لهم إقامة منظماتهم السياسية المساوية لغيرها في دولة تعددية. وهو ما يوجب من وجه آخر تحول الدولة الخاصة إلى دولة عامة، لا تورث ولا تحكم إلى الأبد، ولا يستأثر بحكمها حزب أو نخبة أو أسرة. لا يستقيم أن تبقى الدولة دولة خاصة بينما يطالب الإسلاميون بالاكتفاء بالسياسة، أو حتى تنكر عليهم السياسة نفسها على ما يفضل إيديولوجيون فئويون، يتلطى بعضهم وراء العلمانية. بالمقابل، لا يستقيم أن تصير الدولة دولة عامة بينما يثابر الإسلاميون على التطلع إلى السيادة، في صيغة تطبيق الشريعة أو النص على امتيازات إسلامية في الدستور (دين الدولة، أو دين رئيس الدولة)، دع عنك في صيغة الحاكمية الإلهية. يكسب الإسلاميون من هذه التسوية الوجود كمنظمات سياسية علنية تنشط في المجال العام بأدواتها الخاصة، ونكسب كمجتمعات انتهاء الأزمة التاريخية التي تتفجر في شكل حروب على السيادة، وربما ندخل زمن السلم الذي يعم نفعه الجميع بعد طول تمزق وصراع.

من يخسر؟ يخسر الحاكميون الإلهيون حتماً، يخسر الحاكميون الدنيويون من مثل الأسرة الأسدية وأهل ولائها، وتخسر الدعوة العلمانية المزعومة إلى الفصل بين الدين والسياسة، كما يخسر تطلع أي «إسلاميين سياسيين» إلى موقع خاص لهم في الدولة العامة. تعدد الخاسرين ونفوذهم قد يحول دون ترجمة هذه التسوية التاريخية إلى مبادرة سياسية، لكن لا ينبغي لشيء أن يحول دون طرح القضية من باب تنظيم التفكير في شأن بالغ الخطر.

وعلى كل حال اليوم تفتقر سوريا إلى قيادات وازنة يمكن أن تكون سياستها هي التسوية التاريخية التي تطوي صفحة التفجر الدموي الذي دفع إليه البلد، تطويه بكرامة وبمستوى تاريخي، خلافاً لألاعيب جنيف وأستانة العقيمة.

يستجيب هذا الطرح بكيفية عادلة لمخاوف «الأقليات». هذه المخاوف مفهومة ما دام الإسلاميون يريدون السيادة، غير مكتفين بالسياسة. السيادة، إن تكلمنا بلغة فظة، تعني الحق في القتل وفي حكم الجميع، وهذا ما لا يمكن أن يكون مقبولاً من جميع مختلفين. بالمقابل، لا وجه منصفاً لمطالبة الإسلاميين بالاكتفاء بالسياسة في بلد مثل سوريا دون نزع الملكية الخاصة للدولة من الأسرة الأسدية، وتحويل سوريا إلى دولة عامة.

ليس أمر هذه التسوية تنازلاً من طرف لغيره، بل تنازلات متبادلة يمكن أن يقوم عليها «العقد الاجتماعي» السوري الجديد. يحب الإسلاميون عبارة العقد الاجتماعي، لكنهم يريدونه عقداً يعطيهم السيادة، أي عملياً الحق في ألا يكونوا مساوين لغيرهم. مما يستأنس به على كل حال أن نظريات العقد الاجتماعي أخذت بالظهور في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوضاع أزمة تاريخية تشابه أوضاعنا اليوم في غرب أوروبا، وشهد ثورات وحروباً كحالنا اليوم أيضاً، انخرط فيها كذلك الدين والدولة (ظهر مفهوم السيادة في ذلك الوقت أيضاً). أرجح فيما يخصنا أن التفجر الجاري مستمر لعقد أو أجيال، وإن تنقل بين البلدان. قد يكون مسرحه القادم هو الخليج. التفكير على مستوى تاريخي يفرض نفسه كحاجة سياسية اليوم.

يمكن لتسوية تاريخية تقوم على السياسة مقابل السيادة ونزع الملكية الخاصة للدولة، أن تكون أيضاً أساساً لتطلع دولنا إلى المساواة على الصعيد العالمي. الدولة في بلداننا تأسست على يد الامبريالية الأوروبية المتمتعة وحدها بسلطان أو سيادة حقيقية. صحيح. وهذا واقع يتمرد عليه الإسلاميون بعنف، ويريدون تغييره. لكنهم يواجهون الامبريالية بتطلعهم الامبراطوري أو الامبريالي الخاص، فيدخلون في صدام متكرر كان باهظ الكلفة على مجتمعاتنا. صراع الإسلاميين ضد الامبريالية هو في حقيقته صراع امبريالية مقهورة ضد امبريالية قاهرة، وليس صراع مقهورين ضد الامبريالية من أجل المساواة. لكننا لا نستطيع أن نقاتل من أجل المساواة على المستوى الدولي بينما نحن نقاتل من أجل الحق في القهر في بلداننا. الشرط الأنسب للسياسة دولياً هو السياسة محلياً، ويُعول على التسوية التاريخية التي تدخل الإسلاميين في السياسة وتجعل من الدولة ملكية عامة أن تؤسس للسياسة في بلداننا. هذا يقتضي الإبداع والتفكير على غير مثال سبق، سواءً كان مثال الإسلاميين، أو مثال «الدولة الحديثة» التي يميل أكثرنا إلى جعلها إطاراً ملزماً وحصرياً لكل تفكير سياسي.

دولنا اليوم في أزمة مزمنة بحكم كونها منقوصة السيادة في المجال الدولي، لكن «الدولة الحديثة» في أزمة في كل مكان، ومبدأ السيادة الجامد حامل للأزمة والصراع والنزعات المحافظة والعدوانية لأنه في الجوهر مطالبة بالحق في أن لا تكون مساوياً للآخرين (السياسة بالمقابل هي مجال المساواة). ما يتوافق مع عالم أكثر عدالة ليس الصراع على السيادة مثلما يريد الإسلاميون، محلياً وفي العالم، بل الدخول في السياسة، محلياً وعالمياً، وصولاً إلى زوال مجال السيادة نهائياً. هذا ما من شأنه أن يكون قطعاً لرأس الملك في الفكر السياسي على ما أمل ميشال فوكو يوماً.

========================

دعوة سخية .. يحيى حاج يحيى

شبعان دعا جائعاً إلى فندق ومطعم خاوٍ، مكتوب على بابه :

 لاتأكل إذا كانت معدتك فارغة ، ولا تشرب إلا بكأس من زجاج !؟

 ولا تأخذ شيئاً من رغيف إذا كان كاملاً !؟

 ولا تنس البخشيش للنادل بعد دفع الحساب ! وتستطيع أن تتمتع بالنوم بعدما تشبع بغرفة تحت الدرج ، فالغرف محجوزة لزبائن آخرين عندما يجهز المكان من جديد ، ولا تنس أن تكتب كلمة شكر لنا على دعوتنا لك !!!!؟

هل هذا ينطبق على الشعب السوري وثورته ، وعلى كثيرين ممن يدّعون صداقته !؟

===========================

عن المتضررين من هزيمة ساحقة لداعش .. أكرم البني

الحياة

الاحد 30/7/2017

بعيداً من مظاهر الاحتفال الصاخبة بطرد تنظيم داعش من الموصل والتهليل بدحره تدريجياً في مدينة الرقة، ربما يثير الاستغراب أن يكون المحتفون هم المتضررين من إنزال هزيمة ساحقة بهذا التنظيم.

بداية، وعلى رغم عدائها المعلن لداعش، ثمة مصلحة حقيقية لطهران في الإبقاء على هذا البعبع، وتوظيفه عند الحاجة، إما لتشويه وإجهاض فرص النهوض العربي، وإما لإثارة الفوبيا الغربية من الجهاد الإسلاموي المتشدد لتشجيع القبول الدولي بها وبحلفائها كأهون الشرور، ما مكّنها من تسويغ حضورها وتعزيز نفوذها في العراق وسورية ولبنان.

وإذ يندفع البعض في قراءة العلاقة بين طهران والإرهاب الجهادي إلى حد ربط عتبة تقدم النفوذ الإيراني في المنطقة، بتفجيرات أيلول (سبتمبر) 2001 التي حضت واشنطن على اجتياح العراق وتدمير دولته والعبث بمكوناته، مذكرين بتنسيق طهران الفريد مع النظام السوري، لتمكين جماعات التشدد الإسلاموي من معاودة نشاطاتها للنيل من القوات الأميركية وإجبار البيت الأبيض على اتخاذ قرار الانسحاب من العراق وتركه لقمة سائغة لنفوذ الحرس الثوري، يتساءل آخرون عن سبب عدم تعرض طهران لأية عملية نوعية من قبل هذا الإرهاب؟ وهل يعتبر سلوكاً بريئاً احتضانها لبقايا أمراء القاعدة وأُسرهم بعد خروجهم من أفغانستان؟ وأين يدرج ما يثار عن تواطؤ حليفها المالكي، قبل ثلاث سنوات، لتسهيل سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل واستيلائه على كميات وفيرة من السلاح والذخائر؟. وأية دلالة تحمل عبارة زلق بها أحد قادة الحرس الثوري، تظهر قلقه من أن تفضي جدية الأميركيين اليوم في القضاء على داعش، لحرمان بلاده من شبكات اللعب والتأثير في المنطقة؟.

منذ إطلاقه سراح مئات المتطرفين والشبهات تحوم حول النظام السوري في خلق داعش واستثماره لتشويه ثورة الحرية والكرامة وعزلها، فكيف الحال بعد اكتشاف كوادر لداعش مرتبطة بالأجهزة الأمنية تغلغلت إلى صفوف الحراك الشعبي لدفعه نحو التطرف والعنف، ولإثارة خلافات تستنزف قوى المعارضة وفصائلها المعتدلة؟ وكيف الحال مع وضوح تناغم بين النظام وداعش لتسهيل سيطرة الأخير على مدينة الرقة بداية، ثم مدينة تدمر وقطاع واسع من البادية السورية؟ وكيف الحال حين يجاهر الطرفان بتعاونهما الاقتصادي في مجال تسويق النفط والغاز وتبادل المنتجات الزراعية، والأسوأ التواطؤ في توقيت بعض المعارك والانسحابات لتشديد العنف والقصف والتدمير على مناطق التمرد المستعصية، لتغدو في غالبيتها، أثراً بعد عين؟!.

وأيضاً لولا فزاعة داعش، ما كان حزب الله قادراً على تبرير انخراطه المريع في الصراع السوري، أو خلق مناخ مقزز لاستباحة إذلال اللاجئين السوريين واستسهال قتلهم، بذريعة ارتباطهم بالإرهاب الجهادي المهدد لأمن لبنان وحيوات أبنائه، وأخيراً لتسويغ معاركه في جرود عرسال، من دون اهتمام بما أثاره من شكوك، إعلانه تحييد مواقع داعش كي ينال أولاً من جبهة النصرة!.

ومن المتضررين من تصفية داعش، مروحة واسعة درجت تسميتها بالإسلام المعتدل، حيث مكّنها وجود هذا التنظيم من تحصيل شرعية سياسية كبديل يجاهر من داخل البيت الإسلامي بمناهضة التطرف والإرهاب. وفي هذا الحقل يمكن إدراج حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وجماعات الإخوان المسلمين المنتشرة في العديد من البلدان العربية، فضلاً عن فئات إسلامية غربية ركبت الأذى الذي سببه تنظيم داعش في مجتمعاتها كي تحسن فرص حضورها العمومي، من دون أن ننسى الضرر الذي يسببه سحق داعش نهائياً لأطراف سياسية كردية، ما دامت قد اتكأت على إرهابه الوحشي، كي تشدد مطالبها القومية وحقها في تقرير مصيرها وإقامة دولة مستقلة، ربطاً بإثارة المخاوف من المستقبل الذي ينتظر الشعب الكردي في حال انتصر هذا التنظيم.

وما يثير الاستغراب الأكبر، القول إن أهم المتضررين من هزيمة داعش بالطريقة التي تتم في العراق وسورية، هم دعاة التغيير السياسي من الديموقراطيين والعلمانيين وأنصار المجتمع المدني، ليس لأنهم لا يكترثون بالوسائل الأمنية والعسكرية لمواجهة قادة الفكر الجهادي وردعهم، بل لأنهم يخشون توظيف ذلك، للتغني أكثر بخيار العنف ولتسويغ استمرار مناخات القهر والاستبداد والتدخلات الخارجية، والأهم لتعزيز الاستهتار المزمن بالعوامل السياسية والمعرفية والاقتصادية لمعالجة دوافع التطرف الإسلاموي وتجفيف منابعه.

أولا يشكل النجاح في هزيمة ساحقة لداعش ذريعة قوية لتحرير الفعل الأمني عالمياً ودفع الدور العسكري التدخلي إلى الأمام ما يضعف القدرة على الإقناع بعبثية الحرب على الإرهاب كما تدار حالياً، وطمس حقيقة أن هذه الحرب، وعلى رغم نجاحها في النيل من أهم قادة التطرف الإسلاموي، لم تنجح في إزالة الإرهاب، بل جعلته أكثر حضوراً وخطراً على الإنسانية جمعاء؟. أولن يشجع هذه النوع من الهزائم على تعويم الصراعات الدائرة بين الشعوب والسلطات المستبدة وتمييعها، وتالياً على الاستمرار في تغييب الحقل السياسي لحساب عنف مفرط وتنابذ طائفي بغيض، مجهضاً مسارات التحديث والتنمية وفرص بناء مجتمعات أكثر معرفة وأشد حرصاً على حاجاتها وحقوقها؟ أولا تفضي استباحة الفتك والتنكيل وشدة الحيف والتمييز ضد ما تسمى الحاضنة الشعبية للفكر الجهادي، إلى اتساع الفئات المهشمة والمحتقنة مذهبياً والتي كانت ولا تزال تشكل تربة خصبة تمد داعش وأشباهه بأسباب النمو والتجدد، وتالياً إلى تعميق مشاعر القهر والظلم لدى المكون العربي السني وتكريس ردود فعله في إطار من الثأرية المذهبية، ما يحرمه من حقه وفرصته الريادية في نصرة مجتمع الحرية والمواطنة وقيادة النضال لإزالة كل أسباب التميز والاضطهاد؟.

وأخيراً، ألن تعزز هذه النتيجة الدموية فاعلية الخطاب الجهادي السطحي الذي يختزل مشكلات الحياة في صراع خطير بين دار الإيمان ودار الكفر، وتفتح الأبواب أمام عمليات إرهابية عشوائية تبيح القتل والذبح في أي مكان وضد أي كان، ما ينعش ويغذي الشعبوية ويوسع دوائر المستهترين بعافية المجتمعات التعددية وغناها؟!.

========================

جعجع والفيدرالية النازلة من جبال عرسال! .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 30/7/2017

سيطر عليّ الهمُّ والغمُّ في الأيام الماضية، ليس بسبب حرب نصر الله في جرود عرسال فقط، بل لأنّ إعلام «المقاومة» حمل حملةً شعواء على كل الذين لا يخضعون لـ«سيد المقاومة»، ومن بينهم إلى جانب جنبلاط وفارس سعيد، الدكتور جعجع! لذا فعندما أعلنت أخبار «القوات اللبنانية» عن مؤتمرٍ صحفي للدكتور، ظننتُ أنه إنما يريد الردَّ على الحملات عليه من خلال تأكيده على «الثوابت» التي يتمسك بها منذ عقدين، بشأن السلاح غير الشرعي لـ«حزب الله» والميليشيات المشابهة، وضرورة أن ينفرد الجيش الوطني اللبناني بحمل السلاح، وحماية الحدود. بيد أنّ تصريحات قائد «القوات اللبنانية» جاءت مفاجأةً صاعقة. قال إنه لو راجع المرء تصرفات وإنجازات الحزب فيما بين مقاتلة إسرائيل ومقاتلة الإرهاب، فإنّ الحكم التقييمي على هذه الإنجازات يكون إيجابياً!

بيد أنّه ما لم يجر إلقاء ضوء كافٍ عليه من تصريحات جعجع، وخلال التقييم لما يمكن أن يجري في المستقبل القريب في سوريا، استنتاجه بأنّ سائر المخارج من الأزمة تتجه نحو الفيدرالية، وهو أمر ينبغي فهمه والتفكير فيه.

لقد ذكّرتني ملاحظة جعجع عن الفيدرالية ببرنامجه في ثمانينيات القرن الماضي وعنوانه: حالات حتماً! وحالات هذه بقعة في المنطقة المسيحية أراد الدكتور وقتها إنشاءَ مطارٍ فيها، يؤكّد على استقلالية «لبنان المسيحي» عن بيروت ومطارها الذي كان يسيطر على أمنه السوريون. لكن جعجع ومنذ أواخر الثمانينيات ناضل نضالاً عنيفاً من أجل الطائف والدستور الجديد، والذي كان يعني إيثاراً حتمياً لتجربة لبنان العيش المشترك، ومفارقةً لخياره السابق. وقد كلّفه ذلك السجن وحلّ «حزب القوات»، ليخرج بعدها من السجن بطلاً، ويصبح أحد قيادات 14 آذار حاملة راية الطائف والدستور والوحدة الوطنية والدولة الواحدة في مواجهة الهيمنة السورية، ومواجهة السلاح غير الشرعي لـ«حزب الله»، كما مواجهة السيطرة الإيرانية من خلاله على البلاد والعباد. فما الذي غيّر ذلك كلَّه لدى جعجع بعد قرابة العقدين، حتى صار الحزب وأعماله، في نظره، ميزةً للبنان، وعادت الفيدرالية (إحدى عناوين لبنان المسيحي) لتُطِلَّ برأسها، بعد أن دأبنا على اتهام التيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل بالانفراد بها في السنوات الأخيرة؟

الواقع أنّ هذا التغيير ليس جديداً، بل بدأ عام 2013 عندما توافق الدكتور جعجع مع العماد عون على اقتراح القانون الأرثوذكسي للانتخابات، والذي عنى أن ينتخب المسيحيون نوابهم بمفردهم، ليكون التمثيل صحيحاً. ووقتها فشلت المحاولة، لتعود فتُطِلَّ برأسها عام 2016-2017 في النقاشات التي لم تنته حول قانون الانتخابات العتيد فيما بين النسبي والتأهيلي والتفضيلي.

وفي السنوات بين 2013 و2017، ومن الأرثوذكسي إلى ترشيح عون (خصمه الرئيسي) للرئاسة، ومن بعد للمضي في مماحكات التأهيلي والتفضيلي.. كنا نعلِّل تحولات الدكتور جعجع بأنها صراعٌ ومزايدات بينهما على الصوت المسيحي وعلى الرئاسة. فقد تمكّن عون أخيراً من إقناع كثرةٍ مسيحيةٍ معتبرة بأنه لا خلاص للمسيحيين في لبنان إلاّ بثلاثة متلازمات: التحالف مع «حزب الله» ضمن تحالف الأقليات بالمنطقة (تحالف تحميه إيران)، وفصل المسيحيين عن المسلمين في الحياة السياسية للنجاة من طوفان الأكثرية، وانتخاب الجنرال رئيساً للجمهورية باعتباره المسيحي القوي، وباعتباره حليفاً لسيد المقاومة المنتصرة!

ولأنّ جعجع، ككل ماروني لديه داء الرئاسة، فإنه سُرعان ما يئس من إمكان الوصول إليها عبر 14 آذار، ولذا عاد إلى أصول الشعار الذي ابتزه منه عون: لبنان المسيحي. ولبنان المسيحي من ضروراته الدخول في تحالف الأقليات، كما يفرضه «سيد المقاومة». وهكذا وبعد خطواتٍ متتالية ومدروسة: من مغادرة 14 آذار، إلى الذهاب للجنرال، والأرثوذكسي والتأهيلي والتفضيلي، انتهى به المطاف عند نصر الله وانتصاراته من جهة، وعند الفيدرالية من جهةٍ أُخرى!

خصوم جعجع السابقون ما احتاروا طويلاً في تعليل تحولاته. قالوا إنها ليست خضوعاً للحقيقة الساطعة، بل هي اقترابٌ من المزاج المسيحي الأقلوي النزعة من جهة، وإرضاءً لـ«سيد المقاومة» من جهة أخرى.

اصطاد الشركاء، الأسد والذئب والثعلب، غزالاً وخروفاً وأرنباً. فقال الذئب لملك الوحوش: الغزال لك، والخروف لي والأرنب للثعلب، فأطار الأسد رأس الذئب الضال، والتفت إلى الثعلب فسارع للقول: القسمة واضحة: الأرنب لفطورك، والغزال لغدائك، والخروف لعشائك! فسأله الأسد باسماً: مَن علمك هذه القسمة العادلة؟ فأجاب: رأس الذئب الطائر! فإذا لم يكن جعجع قد اتعظ من الاغتيالات في 14 آذار، وإلى تحليق الطائرة من دون طيار فوق معراب، فهناك نموذج إيجابي للاعتبار: صيرورة عون رئيساً للجمهورية!

========================

مرة أخرى.. اتفاق الجنوب السوري .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 29/7/2017

هناك جوانب في اتفاق الجنوب السوري بين الدولتين العظميين يعتبر إغفالها خطأ قاتلاً بالنسبة لقضية الشعب السوري ومصالحه وثورته المجيدة.

أول الجوانب أن كل واحدة من الدولتين تتموضع في مناطق خاصة بها من وطننا، عدا الجنوب بمحافظاته الثلاث، حيث سترابط قواتهما معاً، وستقوم بمهام مشتركة أقرتها قياداتهما السياسية والعسكرية. وستنفذها شاء من شاء وأبى من أبى، في إيران ودمشق وبيروت. بذلك، تكون منطقة الجنوب المكان الوحيد في بلادنا الذي أنهى الجانبان صراعهما عليه فيه، وتعهدا بنقله إلى أوضاع تشبه، من بعض الجوانب الحقبة ما بعد الأسدية، سواء بإقرارهما باستقلال الجنوب عن النظام، أم بإبعاده عن حملات روسية/ إيرانية فرضت بالأمس القريب هدناً أعادت مناطق عديدة إلى "حضن الوطن"، بينما ستتدبر شؤون هذه المناطق إدارة ذاتية منتخبة تحت إشراف دولي، ستمثلهم في إطار المعارضة عموماً و"الائتلاف" خصوصاً، فإن دعمت وتوحدت أسست لأول مرة منذ اندلاع الثورة كياناً داخلياً معترفاً به دولياً. يضاف إلى كيان خارجي معترف به دولياً هو "الائتلاف". في هذا السياق، سنتذكّر دوماً أن تفاهم الدولتين كان مطلبنا الدائم، وأننا عزونا عدم تطبيق وثيقة جنيف والقرار 2118 إلى خلافاتهما التي وضع تفاهمهما في الجنوب حداً لها.

ـ أخرج التفاهم الأميركي/ الروسي على الجنوب القوتين الإقليميتين منه: إيران، على الرغم من تبجّح رئيس برلمانها بأنها غدت جزءاً من سيادة الدولة الإيرانية، والمحافظة 35 من محافظاتها. وتركيا التي لم تعد القضية السورية في حساباتها غير ورقةٍ تخدم مصالحها. أخرج العرب بدورهم من الاتفاق الذي يمكن أن يساعدنا على إخراجهم من الصراع على سورية، لما له من إيجابيات بالنسبة إلى قضيتنا، كالحد، ولو جزئياً، من حضورهم الكارثي، في ثورة ادّعوا دعمها، لكنهم أرسوا سياساتهم على التحكّم فيها، وإفشالها، بإفساد المنخرطين فيها، وتحويل كثيرين منهم إلى تجار دم وسرّاق مال سياسي. بالاتفاق، تكوّنت لدينا لأول مرة فرصة لممارسة تأثير في دور الدولتين الإقليميتين والدول العربية، يخدم مصالح شعبنا وقراره المستقل الذي يجب أن نستعيده.

ـ بما أن الاتفاق سياسي، والدور الذي يمنحه لنا سياسي، سيكون علينا أن نستعيد من جديد مكانة السياسة وغلبتها في تحديد مواقفنا وقضيتنا، بعد أن غيبتها حساباتٌ وهميةٌ ارتبطت بعمل عسكري متقطع وعشوائي، وقوّضها العجز عن الفعل، وسط بحر من مزايدات ومناقصات طمست الوطنية السورية، كحاضنة استراتيجية للعمل الثوري والمعارض، واعتمدت بدلاً منها ولاءات دنيا على قدر استثنائي من العداء لوحدة الشعب وحريته، ولقيم الحرية والعدالة والمساواة التي طالبت الثورة بتحقيقها في سورية الجديدة.

في ظل اتفاق سيفضي إلى تراجع دور العمل العسكري، سيتوقف، من الآن، تحقيق أي هدف من أهداف الشعب على تعظيم دور السياسة وترجيحه على ما عداه، وعلى ضبطه، بحيث يتفق مع حرية السوريين ووحدتهم ، ويرد الاعتبار إلى العمل السلمي والعام والعاملين في حقله، بعد سقوط حقبةٍ نشر عبدة السلاح خلالها أجواء هستيرية، جعلت السياسة خيانة موصوفة، لن تنتج ممارستها غير منع انتصارهم الموهوم الذي عطلوا باعتماده مشاركة السوريين في الثورة، وعجزوا عن وقف انهيار فصائلهم خلال المعارك التي خاضتها طوال العام الماضي، باستثناء التي خاضتها بعضها ضد البعض الآخر، وانتهت بحصيلة وافرة جداً من قتل السوريات والسوريين، وتدمير بيوتهم ومناطقهم.

يعظّم الاتفاق فرص السياسة، بدءاً باختيار السوريين الحر ممثليهم، ويفسح المجال لاستعادة دورها فاعلية حاكمة. لذلك، ستمس منذ اليوم حاجة الثورة إلى مراجعةٍ شاملةٍ للممارسات السياسية التي تمت، خلال السنوات الست المنصرمة، وإلى بلورة جوانب كانت غائبة أو مغيبة عنها، وفاعلين لديهم الرغبة في والقدرة على خوض معاركها بصراحة وجرأة، انطلاقاً من التمسّك بوثيقة جنيف والقرارات الدولية التي تخدم مصالح شعبنا، لا بد أن نخوض المعارك التي يتطلبها تطبيقها.

في الماضي، فوّتنا على أنفسنا فرصة تولي الحرب بقوانا الذاتية ضد "داعش"، فهل نفوّت على شعبنا اليوم فرصة اتفاق الدولتين العظميين على بداية حل سياسي، ستزيد إدارتنا الحكيمة له من قدرتنا على إطاحة قاتل شعبنا ونظامه الفاسد والطائفي.

========================

بلادي وإن جارت علي عزيزة أم لئيمة؟ .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 29/7/2017

ما قيمة الوطن بلا مواطن يتمتع بكل ميزات المواطنة؟ أليس الوطن هو مجموع المواطنين الذين يعيشون فيه، أم إنه قطعة أرض؟ ألا يجب أن نتعامل مع مفهوم الوطن بموضوعية وعقلانية بعيداً عن التقديس الأجوف؟ لماذا لا نسمي الأشياء بمسمياتها بدل التغني بالوطن حتى لو داسنا وشردنا وجعلنا نهيم على وجوهنا في بلاد الله الواسعة بحثاً عن وطن حقيقي؟ لماذا ؟ لماذا يتميز العرب عن بقية شعوب الأرض بتلذذهم بالظلم والألم والعذاب والجور والاستغلال الذي يعانونه على أيدي أنظمتهم وحكوماتهم وجلاديهم؟ إنه نوع غريب من المازوخية العجيبة التي تحتاج إلى معالجة نفسية فورية. ولعل شعراءنا وفقهاءنا وبعض أدبائنا ساهموا بطريقة أو بأخرى في ترسيخ هذا الاستمتاع المرضي بالبطش والاضطهاد من باب أن الإنسان يجب أن يتحمل كل أنواع التنكيل التي ينزلها الوطن بساكنيه، حتى لو داسهم ليل نهار، وسامهم سوء العذاب. فالوطن في ثقافتنا العربية المريضة يتقدم على المواطن، والأرض العربية القاحلة الجرداء أهم من الإنسانية، ومسقط الرأس غال حتى لو أطار رؤوسنا، وقدمنا طعاماً مفروماً للكلاب والقطط وأسماك البحر!

أما آن الأوان لتلك الجوقة العربية الزاعقة التي ترفع سيف الوطنية الصدئ في وجه كل من يحاول أن ينتقد الوطن وحكامه، ويكشف عورات الأوطان وسرطاناتها المتقيحة أن تبلع ألسنتها، وتكف عن المتاجرة بالمشاعر الوطنية «عمّال على بطـّال»؟ أليس هناك من لديه الشجاعة لأن يقول لهؤلاء الغوغائيين الذين ينصرون الوطن ظالماً أو مظلوماً: إن «الوطنية هي الملاذ الأخير للسفلة والأنذال» كما صاح الأديب الإنكليزي صامويل جونسون ذات مرة؟

إلى متى نتشدق ببيت الشعر السخيف: «بلادي وإن جارت علي عزيزةٌ وأهلي وإن ضنوا علي كرامُ»؟ أليس مثل هذا الكلام الفارغ هو الذي ساهم في وجود الدولة التسلطية، ومنع تحقيق المواطنة بمفهومها الحديث في العالم العربي، وأعاق تقنين حقوق المواطن وتحديد واجبات الوطن وحكامه؟ إلى متى نردد العبارة المهترئة: «ما أجمل أن يموت الإنسان من أجل وطنه»؟ لماذا لا نقول: «ما أجمل أن يحيا الإنسان من أجل وطنه»؟ لماذا ترتكز ثقافتنا العربية المازوخية على الموت والعذاب لا الحياة والمتعة في جنبات الوطن؟ هل أخطأ أحد الساخرين عندما أعاد كتابة البيت الشهير المذكور آنفاً ليصبح: «بلادي وإن جارت علي حقيرةٌ… وأهلي وإن جنوا علي لئامُ»؟

متى نتعلم من الأمم الحية التي وضعت الوطن عند حدوده، ولم تعامله كإله يجب تقديسه حتى لو أهانك وأذلك صبح مساء؟ هناك مثل انكليزي شهير يقول: «إن الوطن حيث القلب». فإذا كنت تعيش وتحب بلداً ما حتى لو لم تولد به فهو وطنك الحقيقي، وليس مسقط رأسك الذي أخذ على عاتقه تجريدك من آدميتك منذ اللحظة التعيسة الأولى التي خرجت بها من رحم أمك. ما الفائدة أن تعيش في وطنك غريباً؟ أليست الغربة الداخلية أصعب وأقسى عشرات المرات من الغربة الخارجية؟ لماذا أدرك الغربيون هذه الحقيقة، بينما ما زال بعض مثقفينا الموتورين يؤنبون، ويتطاولون على كل من ينبس ببنت شفة ضد أوطاننا المزعومة؟ إن المواطنة والديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان الحديثة هي التي جعلت المواطن الغربي يعتبر المكان الذي يعشقه هو وطنه الأصلي غير عابئ بالعواطف الوطنية التقليدية السخيفة.

للأسف الشديد لقد استطاعت الأيديولوجيات «القومجية» العربية أن تضحك علينا بشعاراتها الكاذبة على مدى أكثر من خمسين عاماً، وأرغمتنا على التظاهر بحب الوطن رغماً عن أنوفنا، بالرغم من أن أفئدة الملايين في هذا «الوطن العربي» الجريح كانت دائماً تتوق إلى أوطان خارج «الوطن» لعلها تحقق شيئاً من آدميتها المسلوبة. ليت الشعوب العربية تنبهت إلى مقولة الإمام علي بن أبي طالب «كرّم الله وجهه» عندما قال في عبارته المأثورة الشهيرة: «ليس هناك بلد أحب بك من بلد، خير البلاد ما حملك». ليتها تمسكت بتلك النصيحة العظيمة في وجه حملات المكارثية القومية العربية التي حاولت دائماً أن تجرّم كل من يتذمر من سياطها «الوطنية» متهمة إياه بالخيانة القومية، مع العلم أن أكثر من خان الأوطان وسلمها للأعداء على أطباق من ذهب هم رافعو الشعارات الوطنية والقومجية البائسة. وكما يقولون: الأمور دائماً بخواتيمها. ألم تصبح البلدان التي تشدقت على مر الزمان بالوطنية والقومجية الساحقة الماحقة، رمزاً للانهيار سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً؟ سوريا والعراق وليبيا مثالاً؟

لم تعد العبارات الوطنية «البايخة» تنطلي على أحد. لقد غدت المشاعر الوطنية في «وطننا» العربي، وللأسف الشديد، كالمنتجات الوطنية التي تُعتبر عادة رديئة النوعية. ثم ألم يصبح عدد الذين يريدون هجرة «الوطن» العربي أكبر بعشرات المرات من الذين يريدون البقاء فيه؟ لماذا أصبحت كلمة «وطن» بالنسبة للكثيرين من العرب مفردة بالية؟

لماذا زال البعض يردد مقولة المعتمد بن عباد الشهيرة: «لأن أكون راعي جمال في صحراء أفريقية خير من أن أكون راعي خنازير في بيداء قشتالة»؟ بينما نرى آخرين يتسلحون بالقول الشعبي: «زيوان بلدك ولا قمح الغريب». والزيوان هو نوع من الحبوب السوداء التي تمتزج بحبوب القمح ولا بد من إزالتها عند الطحين. ولا أدري لماذا يُطلب من هذه الملايين العربية المضطهدة والجائعة أن تقبل بزيوان الوطن بينما تستأثر الطبقات الحاكمة والمتحكمة ومن لف لفها بقمح الأوطان وحتى زيوانه؟ أي مازوخية أسوأ من هذه المازوخية العروبية القبيحة التي تحاول تغطية عين الشمس بغربال؟

ألم ينقطع نتاج أدباء المهجر الذي كان مفعماً بحب الوطن؟ أين أمثال إيليا أبي ماضي وجبران خليل جبران وشفيق المعلوف وفوزي المعلوف وبدوي الجبل ونسيب عريضة؟ هل مات الأدب المهجري بسبب العولمة وسهولة الاتصال والسفر بين الدول فقط، أم بعدما أصبح العديد من الأوطان العربية طارداً لمواطنيه؟ لماذا أصبح شعار المغترب العربي «أنا مهاجر يا نيّالي»؟ لماذا «تغرورق» عينا الإنسان العربي بدموع الحزن والأسى عندما يريد أن يعود إلى أرض الوطن ؟ ربما لأن المنفى تحول إلى وطن حقيقي والوطن إلى منفى!

صدق من قال: بلادنا كريمة إذا أكرمتنا، ولئيمة إذا أهانتنا.

========================

في ذكرى تأسيسه : الجيش السوري أتعس جيش في العالم !؟ .. يحيى حاج يحيى

بكل الأسى والحزن ينظر الشعب السوري إلى الجيش الذي أنفق عليه طيلة ستين عاماً ، ماكان يجعل سورية في نهضة تنافس فيها أرقى وأغنى دول العالم !؟

فمنذ أن اختطف حزب البعث البلاد ، معتمداً على أبناء الطائفة الذين تغلغلوا في صفوف الجيش بناءً على تسهيلات المحتل الفرنسي ، الذي أسس جيش الشرق ، وكان عددهم فيه أكبر من غيرهم ، حتى إن المفكر النصيري القومي العلماني زكي الأرسوزي باعتراف منه في كتاب الأعمال الكاملة ( طبع وزارة الثقافة في عهد البعث ) عاتب المندوب الفرنسي ؛ لأن الفرنسيين يفرقون في تعاملهم بين المسيحيين والعلويين ، مع أن جيش الشرق أكثره من العلويين - كما يقول - !؟

وجاءأكرم الحوراني ليركب الموجة ، ويستغل هذه الكتلة في وجه منافسيه السياسيين ، فكان يحرض ويشجع ويسهل دخولهم للجيش ، ومما يرويه السوريون أنه كان ينظر إلى شبابهم ويقول : متى أرى النجوم على أكتافكم وهي تلمع ؟ ( وكان جزاؤه منهم أن جعلوه من أوائل ضحاياهم ، وقد روى عضو في التحالف الوطني لتحرير سورية الذي أنشئ عام ١٩٨٢ ، وضم مختلف جهات المعارضة السورية آنذاك ، أنٰ الحوراني اعترض على عدم وجود أحد من العلويين فيه !؟ فأُوكل إليه الاتصال بمن يعرف ، فاستدعى إلى باريس ضابطاً ذا رتبة عالية منهم وصل إلى التقاعد ولكنه على صلة قوية بالحيش والحكم ، وعاتبه الحوراني على الصبغة الطائفية التي أخرجت الحزب عن مفاهيمه ، وتوجهاته !؟ ولكنه خرج من اللقاء خائباً ، بعد أن قال الضابط له : بو رشيد ! نحنا لا ننكر فضلك ، اطلب أي شيء ،أي منصب ، أي وزارة ! أما الجيش فلا نسلمه لأحد غيرنا !؟ )

ونفذ ضباط الطائفة المخطط ذا الهدفين : وصول البعث إلى السلطة ، ووصولهم إلى الحكم على أكتاف البعث، فجمعوا في يدهم الاثنين معاً !؟ وهكذاكان ، وكان من تداعياته أن أكثر من ثمانين بالمئة من ضباط الجيش السوري ، أصبحوا من الطائفة التي تأتمر بأوامر المجلس الملي وعصابة آل أسد !؟

ففقد الجيش انضباطه ، وأخلاقياته ، وأصبحت مهمته - بعد أن أُعطي له في لبنان وسورية صلاحيات في السلب والنهب والقتل - أصبحت مهمته تمشيط المدن ، وإسكات أي صوت يعارض النظام القائم على أسس طائفية مقيتة متخلفة !؟

وبكل الحزن والأسى - مرة أخرى - أصبحت تتأذى ، وأنت ترى جيش البلاد يقتل بلا رحمة ولا إنسانية ، أبناء الشعب الذين يدفعون له رواتبه وثمن أسلحته !؟

وأصبحت ترى أبناء الشعب المقهور ، المُفترض فيهم أن يحبوا جيشهم ، ويعتزوا به ، يقاتلونه ، ويُعبّر بعضهم - بعفوية عن كرهه له ، فيضربون ويصفعون ويبصقون على الضباط والطيارين الذين يقعون في أيديهم !؟

أليس ذلك محزناً، ويجعل الإنسان السوري يحس بالكآبة والإحباط والألم !؟

أيها المخططون لهذه الطائفة ! أي جريمة ارتكبتم ، وأي شرخ في بلادنا الحبيبة اقترفتم !؟

قاتلكم الله على ما فعلتم ! ولن يحيق المكر السيء إلا بأهله !

 سيتعافى هذا الوطن ، وستلتئم جراحاته ، ولكنكم ستحتاجون إلى إعادة تأهيل إنساني ، ووطني ، واجتماعي ! كي تستطيعوا العيش مع الآخرين !؟

==========================

آذار وبحار الدم - الحلقة (19) .. كوهين والطامة الكبرى .. محمد فاروق الإمام

قبل الحديث عن كوهين والطامة الكبرى التي لحقت بسورية لابد من استعراض النتائج المباشرة للمؤتمر القومي السادس، فقد كان من أهم نتائجه سيطرة (الجناح المتطرف) مما أدى إلى انعكاسات خطيرة وعميقة داخل الحزب، فقد ظهرت نتائجها تباعاً.

أولاً: لقد وجد ميشيل عفلق نفسه - وهو المؤسس والمفكر والأمين العام للحزب - وأصدقاؤه في وضع حرج، فقد أخذ الهجوم يطاله شخصياً من قبل الجناح المتطرف مما أزال البقية الباقية من سلطة القيادة القومية.

ثانياً: لقد كان رئيس الحكومة صلاح الدين البيطار ضحية الهجمة العدائية من جانب ضباط (اللجنة العسكرية) والعناصر المتطرفة في الحزب. فقد سقط في الانتخابات التي جرت لاختيار أعضاء (القيادة القومية). كما اخفق أيضاً شبلي العيسمي وخالد يشرطي وعلي جابر وعبد المجيد الرافعي ومالك الأمين. وفي المقابل تثبتت مواقع أعضاء اللجنة العسكرية والقيادة القطرية.

وكان من نتائج هذه الانتكاسة التي عصفت بالتيار القومي داخل الحزب أنه بعد مضي أسبوعين على انعقاد المؤتمر القومي السادس، أي في 11 تشرين الثاني 1963م، رقي صلاح جديد إلى رتبة (لواء) وسمي رئيساً للأركان العامة للجيش، بقرار صادر عن المجلس الوطني لقيادة الثورة. كما كلف اللواء أمين الحافظ في 12 من الشهر نفسه، بتشكيل حكومة جديدة احتل فيها أنصار القيادة القطرية في سورية قسماً كبيراً من المقاعد.

ثالثاً: عقد تحالف بين الاتجاهين المتطرفين في كل من القيادة القطرية للحزب في سورية والعراق، ونتج عن هذا التحالف ما عرف بالجناح (اليساري) في حزب البعث. ولقد استقبل هذا التحالف بكثير من التشجيع الضمني أو الظاهري، من قبل عدد كبير من الضباط الشباب وأصحاب الغايات والتطلعات والطموحات الشخصية.

في الوقت الذي كان الصراع على أشدّه بين أطراف مراكز القوى داخل حزب البعث الذي استطاع التمكن من الحكم بعد أن أجهز على كل منافسيه وأعدائه.. سواءً على الصعيد المدني أم على الصعيد العسكري.. نقول في هذا الوقت بالذات استطاع (كوهين) الجاسوس الإسرائيلي أن يتسلل إلى عضوية حزب البعث الحاكم.. كما استطاع أن يقيم علاقات حميمية مع بعض أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة مثل: (الرائد سليم حاطوم). كما تعرف إلى (اللواء أمين الحافظ) يوم كان ملحقاً عسكرياً في الأرجنتين قبل قيام انقلاب 8 آذار 1963م.

يتبع

===========================

بين النذالة والشهامة !؟ .. يحيى حاج يحيى

الخصم يكون نذلاً ، ويكون شهماً !

 وبغض النظر عن الخصومة ؛ فإن النذل ينتظر منك لحظة ضعف ، أو يشارك في إيجادها ، وأنت مكمم الفم ، مقيد اليدين ، وجراحك نازفة ، لينفث كل مافي صدره من حقارة وحقد وافتراء !

وأما الشهم فيأتيك مواجهة ، ويربأ بنفسه أن يفعل ذلك ، متمسكاً بشرف الخصومة ! معترفاً لك بما فيك من خصال حسنة ، و تمنعه شهامته أن ينزلق في انتقاصك ، وتشويه سمعتك !

فأنت محظوظ إذا كان خصمك شهماً !

وإذا كان نذلاً تضاعفت مصيبتك !؟

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com