العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-06-2021


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

ماذا بعد «انتخابات» الأسد «الديمقراطية» جدا

رياض معسعس

القدس العربي

الخميس 3/6/2021

لم تكن النتيجة المحسومة منذ زمن الاستفتاءات الصورية، التي تحولت إلى انتخابات أكثر صورية، على شخص رئيس النظام السوري مفاجئة لأحد، فباتت ومنذ نصف قرن دورة سرمدية كأي دورة من دورات الأجرام السماوية تهل علينا مع نهاية كل سبع سنوات عجاف، ولا يتغير شيء في نظام، وصف نفسه بالأبدي، سوى أنها مع كل سبع عجاف جديدة تبدو أكثر عجفا من سابقاتها. لكن المفاجأة جاءت من النتائج التي وضعت ليس على أساس عدد الأصوات لأن أحدا لم يكلف نفسه لحسابها، وأعلن عنها سريعا فالرئيس “المحبوب” ذو الشعبية التي لا تضاهى حصد 95.1 من الأصوات. والغريب في أمر هذه النتيجة أنها جاءت أفضل من سابقتها في العام 2013، حيث حصد الرئيس المحبوب، ذو الشعبية التي لا تضاهى، 92.2 من الأصوات، أي أنه وعلى عكس الديمقراطيات الغربية التي تنخفض فيها شعبية الرئيس أو ترتفع حسب إنجازاته وإخفاقاته، فإن “ديمقراطية ” النظام في سوريا ترتفع فيها شعبية الرئيس كلما أمعن في قتل شعبه، وتدمير بلده، وخرب اقتصاده، وجلب كل زناة الأرض لاغتصاب أرضه.

دوما المكلومة

من دوما المكلومة رفع الرئيس المنتصر على شعبه راية النصر، دوما إحدى المدن التي أصابها كيميائي النظام بمقتل أطفالها ونسائها، هي مدينة المشمش، والعنب، والزيتون، ومدينة رزان زيتونة ورفاقها الذين انخرطوا في الثورة بدفاعهم عن حقوق الإنسان المفقودين منذ بدايات الثورة.

هذه المدينة التي تم ترحيل أهاليها بالحافلات الخضر إلى إدلب بعد انسحاب الفصائل المسلحة المعارضة منها وتسليم أسلحتهم للنظام بترتيب من روسيا التي حضرت على عجل في العام 2015 لإنقاذ النظام من السقوط.

وجاء الرئيس المنتصر إلى المدينة العصية ليدلي بصوته على مقابر الأطفال الجماعية إمعانا في الإخضاع والإذلال والدوس على الكرامات.

المعارضة: إدانات لفظية

المعارضة في المناطق المحررة (إدلب وبعض مناطق ريف حلب وحماة) نظمت مظاهرات رافضة لهذه الانتخابات منذ بداية الحملة، ومعارضة الداخل عارضت المشاركة في التصويت (هيئة التنسيق)، أما معارضة الخارج والمتمثلة بشكل أساسي بالائتلاف الوطني والتي تخلت عنها الدول الغربية منذ بدايات تشكيل المجلس الوطني، ثم الدول العربية التي كانت تدعمها بعد أن غيرت في مواقفها من النظام، فإن خطابها لم يرق إلى مستوى الحدث، واقتصر على لغة الأرقام في أعداد الناخبين، مقارنة بأعداد السوريين المتبقين تحت سيطرة النظام الذين يبلغ عددهم أقل من عدد الناخبين، وكأن النظام استدعى الأموات قبل الأحياء للإدلاء بأصواتهم.

الأنظمة العربية: مواقف متضاربة

منذ قبيل الانتخابات بدأت بعض الأنظمة العربية تحركا باتجاه عودة تأهيل النظام السوري بالتنسيق مع الوصي المنتدب الروسي الذي يبحث عن عودة النظام إلى الجامعة العربية تمهيدا لتأهيله دوليا وبدء عملية إعادة الإعمار.

البعض الآخر التزم الصمت كل لسبب في نفسه، من يخشى من هبة شعبة ضده، ومن ضغوط عربية، وأجنبية وخاصة إيرانية، وروسية وكأن دماء أكثر من نصف مليون شهيد سوري، وتدمير بلد وتهجير شعبه لا تعنيها أبدا.

وحدها فقط قطر التي أعلنت على لسان وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني:

“إن بلاده لا تعتزم تطبيع العلاقات مع سوريا”، وذلك بعد فوز الرئيس السوري بشار الأسد بفترة رئاسية رابعة الأسبوع الماضي في انتخابات وصفتها المعارضة والغرب أنها مهزلة.

وقال وزير الخارجية “لم نر أي أفق لحل سياسي يرتضيه الشعب السوري حتى الآن.. لم نر أي تقدم في ذلك. هناك استمرار في النهج والسلوك نفسه” لا يوجد لدينا أي دافع لعودة العلاقات في الوقت الحالي مع النظام السوري الذي يرتكب جرائم بحق شعبه”.

الدول الغربية والعقوبات

الدول الغربية بشكل عام وعلى رأسها أمريكا دانت هذه الانتخابات واعتبرتها غير شرعية، وغير نزيهة وتقوض العملية السياسية، وضد قرارات الأمم المتحدة وخاصة قرار 2254 الذي ينص على بدء عملية سياسية ومفاوضات بين النظام والمعارضة تفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة.

هذا الموقف اعتبره رأس النظام السوري في تصريح له من دوما المكلومة أنه “يساوي صفر” إمعانا في تجاهل موقف هذه الدول، وقرارات الأمم المتحدة.

وماذا بعد؟

لم يقم النظام بإجراء هذه الانتخابات عبثا، لأنها من ناحية استحقاق انتخابي لا يمكن تجاوزه وتحمل الانتقادات جراءه، ثم يريد أن يسبغ على نفسه شرعية سياسية تؤهله أمام داعميه لتعويم نظامه من ناحية، وعودة الهجوم على مناطق المعارضة المحررة بشكل أشرس، وبدعم من جيش وسلاح الطيران الروسي، والميليشيات الإيرانية وحزب الله. وهذا سيعيد سوريا إلى أتون المعارك الدامية مع فصائل المعارضة المدعومة من تركيا التي بدورها ستصاعد من وجودها وتسليح مواليها. كما أن النظام يريد أن يوجه رسالة للداخل ولكل السوريين المعارضين الصامتين أن لا بديل غيره، فما عليهم سوى الانصياع والتأييد بالإرغام، وهذا ما شهدناه من مباركات من رجال دين، وموظفين، ومجموعات لا مجال لها أمام تهديد “الشبيحة” سوى أن تساق إلى الرقص في “العرس الديمقراطي” تحت القمع وفوق الدم.

=========================

وجهة نظر : الخامس من حزيران / 1967 .. هوامش على ذكريات النكسة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

5/ حزيران/ 2021

في ذلك الزمان ..

كان رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور نور الدين الأتاسي.

وكان رئيس الوزراء الدكتور يوسف زعين

وكان وزير الخارجية الدكتور إبراهيم ماخوس

وكان وزير الدفاع حافظ الأسد

وكان المحرك الخفي للمشهد السوري يومها ، صلاح جديد وبقية أعضاء اللجنة العسكرية. وكان القائد العملي للمشهد العربي جمال عبد الناصر، الرئيس الأكثر شعبية في تاريخ العرب الحديث.

وأقترح على القارئ الكريم أن يراجع حديث اللجنة العسكرية التي تشكلت في سورية على يد المثلث : جديد - عمران - الأسد ، وانضم إليها آخرون . أذكر دائما أن "العلم بوابة للفهم "

ورجعنا يمن امتحان الثانوية العامة في يومه الثاني/ الأحد 5 حزيران / 1967

وإذا الحرب قد نشبت ..وإذا المذيعون والمعلقون على الأخبار في الإذاعات العربية يزأرون .. وإذا المغنون يغنون واختفى صوت صاحبة " من قاسيون أطل يا وطني .. وأرى دمشق تناطح الشهبا ، فلم نعد نسمع غير : ميراج طيارك هرب .. والميغ طقطق واعتلى في الجو يتحدى القدر!!

و أيضا " بفيتنام ضاعت نصف أمريكا وحنا حنكمل على الباقي "

وكذلك " بكلفني نصف فرنك الليبقرب صوب حدودي" !!!

وكان الترنزيستور يومها زينة العصر ، وكان الوحيد في بيتنا ، تتخاطفه الأيدي، إلى جانب صندوق الراديو الهرم المستقيل. وكان أكبر خلاف بين الأشقاء إلى أي المحطات سنسمع ..

يصيح أحدنا: لا تستمعوا إلى إذاعة لندن ..كذابون نصابون محتالون

دعونا مع إذاعة دمشق أو مع صوت العرب ..

صوت العرب الجميل كان يحدثنا عن إسقاط أربعين طائرة للعدو ، ثم أربعين ..ثم أربعين ، وكم هو جميل للمرء أن يسمع ما يعجبه، وأن يصفق له ..كانت إذاعة لندن تحدثنا وبكل برود أعصاب عن انكسار مريع ...

سأفضح لكم من سرنا أمرا ، فلم نكن في تلك اللحظات نشعر أننا في تناقض مع عبد الناصر أو مع حزب البعث ، كنا نشعر أننا في خندق واحد .. ويا ويلنا من ذلك الشعور!!

انتهت المعركة وفهمنا كل شيء، وتعلمنا ماذا يعني الانسحاب إلى خط الدفاع الثاني،!!! كان صعبا فهمه عندما سمعناه من عبد الناصر . خط الدفاع الثاني الذي ترسمه قناة السويس . فهمنا من ثم ماذا يعني اللجوء إلى الأمم المتحدة، وماذا كان يحمل المبعوث الدولي السيد " يانغ " ، وتفهمنا معنى 242 وأن حاله مثل حال 2254 اليوم .. فككنا شفرة " غسل آثار العدوان " تعلمنا من ذلك الدرس الكثير. وعندما وصلت فلول العسكر المغدور ، الذي خذلته أو باعته قياداته إلى دمشق اخترع السويون لهم لقب " جيش أبو شحاطة " وعندما وصل قائد الجبهة السورية إلى دمشق هاربا على حمار، فهم الشعب السوري ما هو المقصود بعمليات التمويه. وتبع فلول الهاربين ، أفواج النازحين، ووقفت الشرطة العسكرية على مداخل دمشق تمنع النازحين أن يحملوا معهم ما خف من متاع بيوتهم ، فحسب النكتة السورية المنتشرة أن حافظ الأسد "باع الجولان " مفروشة "، والوفاء للمحتلين في عقيدته دين.

ثم بعد أيام خرج علينا عباقرة البعث بنظرية النصر المكعب فقالوا كما يقول بشار المنتصر اليوم : كان هدف العدو إسقاط النظام الثوري فلم ينجح وهكذا انتصرنا و نظامنا الثوري لم يسقط !! بشار الأسد اليوم يعتقد بعد أن دمر في سورية كل شيء أنه من المنتصرين!! حال بحال وقيل بقيل .

في مصر استقال عبد الناصر - تقولون أو يقولون مسرحية - ولكنه استقال، وانتحر عبد الحكيم عامر ..قتل أو انتحر ولكنه أقصي ومات ..

في سورية احفظوا هذا جيدا

 لم يستقل بسبب الهزيمة الكارثة أحد ، ولم ينتحر أحد، ولم يحاسب أحد ..وخسرنا جولاننا وشرف جنودنا ، وثقتنا بأنفسنا . وعلى مستوى الأمة أجمع كان جيل ما بعد السابعة والستين ليس كالذي قبله ...

حتى اللغة نعاها أصحابها فقالوا ..

"أنعي لكم يا أصدقائي لغتنا القديمة

كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة .."

استقبلنا في دمشق وما حولها عشرات الآلاف من النازحين، ثم أردفناهم بعد ست سنين بآلاف من الوافدين ..تلك هي معاركهم للنصر وللتحرير !!

كنت أمشي أيام السابعة والستين وأنا شاب في العشرين من عمري في شوارع حلب فأرى شبابا وكهولا يبكون على الجولان...يقول شيخ كبير الذين يخسرون بسهولة لا ينتصرون أبدا ...احفظوها لتعوها فهي جميلة جدا.

 يوم ضاع الجولان بأيدي الرضاع لم يحسنوا المصاع!! أذن يومها صباح فخري "أذان الجهاد" على وقع طبل الحرب: حي على الجهاد ..حي على الجهاد ، كان أذانه يزلزل الأرض، أذيع ذاك الأذان مرة أو مرتين ، ثم جاءت الأوامر العليا بوقفه، فلم أسمعه بعدُ أبدا ولا في مسلسل تلفزيوني ..

أكتب لكم وأظنكم تعرفون بقية الحكاية، أصبح الوزير الذي خان وهان رئيسا، واللواء فريقا، أو عمادا ...وما زال للصفقة على الأرض السورية تبعات، وها أنتم اليوم ما زلتم تدفعون وفاء لشروطها منذ نصف قرن ..

وسلام على أرض الجولان في العالمين ..

والجولان هضبة استراتيجية في الجنوب السوري ، تبلغ مساحتها ، 1860 كم مربع . مساحة كبيرة بالنسبة لقطر مساحته 184 ألف كم ..

يحد الجولان من الجنوب نهر اليرموك ومن الشمال جبل الشيخ ومن الغرب بحيرة طبرية..عدد سكان الجولان يوم تم احتلاله 138 ألف نسمة.

التركيبة السكانية السورية : مسلمون سنة - ودروز - وعلويون - ونسبة كبيرة من المسلمين السنة من أصول جركسية استوطنوا هذه المنطقة بعد هجرتين جركسيتين متتاليتين ..

أهم مدن الجولان : القنيطرة - البطيحة - العال - فيق - مجدل شمس - مسعدة وفي أقصى الجنوب تقع ينابع حمامات الحمة المعدنية ..

المساحة التي استردها حافظ الأسد بعد اتفاقية فصل القوات هي 60 كم مربع فقط لكي يعلم الذي لا يعلم .

من العقوق أن لا تكون قد قرأت كتاب " سقوط الجولان " وألف رحمة لروح مؤلفه الضابط السوري الجركسي " مصطفى خليل بريز " لا تكسل، لو قرأته، وقد ألف منذ نصف قرن ، فستفهم ما يدور حولك بجلاء. وهو منشور على الشبكة في متناول كل يد ..

أوصيك ثم أوصيك ثم أوصيك بقراءة كتاب " سقوط الجولان " ومؤلفه ضابط الاستخبارات العسكرية في الجبهة السورية ، ولا ينبئك مثل خبير،

انتصار بشار الأسد اليوم يشتق من انتصار أبيه وزمرته في السابعة والستين.

نذكر الجولان اليوم ليذكر جيلٌ جيلا ، ولنجدد العزم إنا إلى دمشق وحمص وحماة وحلب ودير الزور وجولاننا الحبيب لعائدون ...

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سوريا اليوم بالأرقام

رضوان زيادة

سوريا تي في

الخميس 3/6/2021

لا أدري إذا استخدم بشار الاسد خلال حملته الانتخابية "الخفية" التي لم يسمع عنها أحد سوى شعاره السخيف "الأمل بالعمل" حيث لا علاقة له بالوضع الحالي في سوريا سوى من زاوية انعدام الأمل وشيوع اليأس بين السوريين في مناطق النظام التي يحكمها الأسد.

 إذ غالبا ما تكون الحملات الانتخابية بناء على قصص النجاح التي حققها المسؤول كي يبقى في المنصب ذاته، وكي يبرهن قصصه تلك عليه أن يعززها ببعض الأرقام التي يمكن أن نذكر بعضها هنا كي نذكر الأسد بإنجازاته العظيمة خلال عشرين عاما من حكمه.

تم تهجير ونزوح أكثر من 11 مليون شخص رسميًا بما في ذلك 6.6 ملايين نازح داخليًا و5.6 ملايين لاجئ. يمثل هذا المجموع الكلي نصف سكان سوريا عام 2010 فيما قد يكون أكبر أزمة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية. وقد استقبلت الدول المجاورة مثل لبنان وتركيا والأردن غالبية اللاجئين. بحلول عام 2016، كان ربع سكان لبنان البالغ عددهم 5 ملايين من اللاجئين السوريين.

 ويقدر معهد الاقتصاد والسلام (IEP) أنه كان هناك ما قيمته 117.7 مليار دولار من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الصراع السوري. هذا الرقم يصل إلى ضعف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا قبل الصراع. تم تدمير نحو 17.5٪ من مساكن الدولة وأثرت الأضرار الواسعة النطاق التي لحقت بالبنية التحتية الصحية والتعليمية على العديد من مناطق البلاد.

كما بلغت خسائر سوريا المتراكمة من الصراع 324.5 مليار دولار أميركي، عندما أجرى IEP تحليل سيناريو قارن بين الناتج المحلي الإجمالي الذي كانت سوريا ستحققه في غياب الحرب. يقف الناتج المحلي الإجمالي في سوريا عند 19.5 مليار دولار أميركي - أقل من 50٪ من مستواه في عام 2010. تشير التوقعات التي قدمها البنك الدولي إلى أن الأمر قد يستغرق عشر سنوات أخرى على الأقل قبل أن يصل الناتج المحلي الإجمالي لسوريا إلى مستويات ما قبل الصراع.

وتمثل الكلفة الاقتصادية للعنف 59٪ من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا. هذا الرقم هو أكثر من أي دولة أخرى في العالم، حيث تحتل أفغانستان المرتبة الثانية بنسبة 50٪ من إجمالي الناتج المحلي.

ما يقرب من 60٪ من السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي. أدى التضخم الحاد في الليرة السورية إلى ارتفاع أسعار الضروريات الأساسية. يواجه أكثر من 12.5 مليون سوري انعدام الأمن الغذائي ويعتمد أكثر من نصف السكان على المساعدات الإنسانية.

تم تصنيف سوريا حاليًا في المرتبة 162 من أصل 163 دولة على مؤشر السلام العالمي لعام 2020. منذ عام 2019، لم تعد الدولة تعتبر الأقل سلمًا في العالم، مع اتخاذ أفغانستان هذا الموقف. ومع ذلك، لا تزال سوريا تحتل المرتبة الأسوأ في العالم في المجال القياسي للصراع المستمر والكلفة الاقتصادية للعنف.

بشكل مأساوي، من الصعب تحديد عدد القتلى بسبب الصراع السوري. هناك تقديرات واسعة النطاق بأن ما بين 600،000 وأكثر من 800000 شخص لقوا حتفهم نتيجة للصراع المستمر. بعد عقد من الزمان، أخذ عدد القتلى السنوي ينخفض باستمرار ووصل إلى أدنى مستوى له منذ عام 2012.

في تقرير لصندوق النقد الدولي الذي يصدر بشكل دوري ويضع فيه تصنيفاً للدول حسب وضعها وإمكانياتها الاقتصادية ووفق ترتيبات مختلفة منها الناتج الإجمالي العام ومعدل دخل الفرد الوسطي وفق الناتج الإجمالي العام، وترتيب الدول وفق القوة الشرائية للفرد وترتيب الدول وفق تقرير التنمية الإنسانية.

ما يبعث على الصدمة هو الترتيب الذي حصلت عليه سوريا وفقا لكل هذه التقارير، فليست سوريا في وضع متأخر كما هي عادتها على مدى السنوات الأربعين الماضية خلال حكم الأسد، فهي تصنف وفق الدول الدنيا من ذوي الدخل المتوسط، لكنها اليوم تعتبر من أفقر الدول وفق هذه المؤشرات الدولية فمعدل دخل الفرد الوسطي فيها لا يتجاوز سنويا 479 دولار وهو ما يعتبر الأدنى في العالم.

وقبل أشهر أصدر البنك الدولي تقريره الموسع عن كلفة  الحرب في سوريا وقد عمل على قياس تأثير الحرب على سوريا على المستوى الاقتصادي وما هو تأثير استمرار الصراع في سوريا على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في الحياة اليومية للسوريين. وما هو تقييمه لخطط إعادة الإعمار في حال التوصل لحل ينهي الصراع في سوريا اليوم.

لقد أجرى البنك الدولي تقديرا مبدئيا للأضرار والاحتياجات في سوريا في ست مدن سورية- حلب ودرعا وحماة وحمص وإدلب واللاذقية، وتضمن سبعة قطاعات: الإسكان والصحة والتعليم والطاقة والمياه والصرف الصحي والنقل والزراعة. وخلص التقرير إلى أن إجمالي الأضرار التي حاقت بست مدن سورية بما يتراوح بين 3.6 مليارات إلى 4.5 مليارات دولار. ونال قطاع الإسكان نحو 65 % من إجمالي هذه الأضرار.

وكانت حلب هي المدينة الأكثر تضررا بين هذه المدن الست في سوريا إذ نالها 40 % من الدمار. أما اللاذقية فهي الأقل تضررا من بين المدن التي شملها المسح، بيد أن بنيتها التحتية وخدماتها تردت تحت وطأة الضغوط التي يشكلها النازحون.

وقدر تقرير البنك الدولي إجمالي كلفة الأضرار التي أصابت البنية التحتية لقطاع الصحة في المدن الست بما يتراوح بين 203 ملايين إلى 248 مليون دولار بنهاية عام 2014. ومنذ ذلك الحين، تفاقم الوضع.

أما حجم الدمار الذي أصاب المدارس السورية الابتدائية والثانوية في أنحاء سوريا فقد أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن 18 % من المدارس السورية قد باتت غير صالحة للعمل وتحولت إلى ملاجئ للمشردين داخليا.

 هذه الأرقام تشكل حقيقة سوريا اليوم وتكشف كيف يعيش السوريون حياتهم اليومية، كيف يكسبون قوتهم وكيف ينتجون ويسعون لتحقيق حلم أطفالهم وحلمهم، وكيف أن مستقبلهم أصبح في مهب الريح فسوريا التي مرتبتها اليوم 188 وهي الموقع الأخير في تقرير التنمية الإنسانية العالمي يعني أن تقدمها كل درجة إذا ما بقي نظام الأسد هو درجة الصفر بعينها، فالأسد استخدم كل أموال سوريا ومخزونها الاحتياطي في تمويل حربه ضد السوريين وقتلهم، ولذلك فلن يعنيه أن يصرف أي موارد التي لم يعد يملكها لتنمية سوريا وتحسين حاجات السوريين، لقد تركهم للفقر والبؤس، بعد أن قتلهم وعذبهم وشردهم،  مستقبل سوريا إذا ما بقي نظام الأسد هو دولة فاشلة بالمطلق لن يكون لها القدر على إطعام مواطنيها ولن يكون لها القدرة على حمايتهم، ولن يكون لها القدرة على تأمين مستقبل أطفالهم.

=========================

وقاحة التهنئة بـ"فوز" الأسد!!

نزار السهلي

عربي 21

الاربعاء 2/6/2021

أن يتلقى ديكتاتور سوريا بشار الأسد؛ برقيات تهنئة بنجاح إعادة تنصيب نفسه من ديكتاتوريي المنطقة ومن الكوري كيم جونغ إيل، ومن قوتي الاحتلال الروسي والإيراني، فأمر متوقع في سياق مديح الطغاة لبعضهم للحفاظ على نسق التعاون القائم وتعميم "الفائدة" بينهم، تهنئة تشيد بقدرة الديكتاتور على إنجاز انتخابات كانت بالأساس لن تجرى لولا عضلات المحتلين..

انتخابات لا يصدقها عاقل وشاهد وضحية، بعد ملايين الشواهد التي تفيد بعدم شرعية هذه الانتخابات القائمة على تحطيم وتدمير وتهجير نصف سكان سوريا، كما عرف العالم أجمع جرائم لا حصر لها ضد الإنسانية بأيدي الأسد وعصاباته.

القرائن والشهادات والصور والوثائق التي تدين نظام الأسد جوبهت بنفاق لم يشهد له التاريخ إلا مع المحتل الصهيوني، لكن التهنئة الفجة بوقاحتها تأتي من بين ظهرانينا، بتهافت فصائل فلسطينية رسمية، في مقدمتها زعيم السلطة "أبو مازن"، على تقديم تهنئة للأسد بمناسبة "فوزه" بالانتخابات، وتهنئة أخرى من الجبهة الشعبية وأمينها العام "أحمد سعادات"، المعتقل في زنزانة صهيونية، وباسم "اللجنة المركزية والمكتب السياسي والكوادر والمقاتلين على الأرض وفي كل مواقع اللجوء إلى سوريا قيادة وجيشاً وشعباً بمُناسبة إنجاز الاستحقاق الدستوري".

لن نناقش تهنئة أبي مازن للأسد، لأنها قد خلت من عبارات مثل أنه في عهد الأسد سيتحقق النصر أو المقاومة أو تحرير فلسطين، ولم يذكر كل ما لا يؤمن به، بقدر ما حملت التهنئة الأمل "بتطوير العلاقة بين البلدين"، لكن مدرسة التحليل الطبقي والبناء الثوري والديالكتيك والمادية التاريخية؛ مدهشة في الرغاء والتزوير وهي تبحث عن انتصارات في زمن انكسارات كثيرة، والإصرار في السقوط المريع عند أقدام طاغية مجرم بحق أبناء سوريا وفلسطين.

وفي المجمل معظم المواقف الرسمية الممجدة "فوز" الأسد حتى في كلمات الوفد الفصائلي الذي زار الأسد في 20 أيار/ مايو (قبل الانتخابات) و"توقع" النصر المؤزر له في معركته، غير بعيدة عما يجتمع عليه البعض في المنطقة لتنظيف يدي الأسد من دماء السوريين والفلسطينيين. فرئيس اتحاد كتاب وأدباء فلسطين في رام الله "مراد السوادني" لم يترك المناسبة تفوته وجاء لدمشق مهنئاً باسم الاتحاد، ومتفائلاً بولاية الأسد الرابعة لتحرير فلسطين.

وتشديد مدرسة اليسار الفلسطيني على "إنجاز الأسد الاستحقاق الدستوري" هو تأكيد على مسح جرائم السنوات العشر الماضية، وإعفاء الأسد من مسؤولية قصف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بالطائرات والصواريخ والمدفعية، وبتبرئته من قتل أكثر من أربعة آلاف فلسطيني تحت القصف وتحت التعذيب في "فرع فلسطين" الذي ينكرون ويعيبون على ألسنتهم وألسنة غيرهم وعقولهم ذكره بالاسم.

وبالمناسبة، هناك كوادر وأعضاء لجنة مركزية ومكتب سياسي من كل الفصائل، بمن فيهم وزراء وأمناء عامون سابقون ومن كل أماكن اللجوء، كانوا قد حلوا على هذا الفرع وعلى "الضابطة الفدائية" كمعتقلين، وتعرضوا لشتائم عن فلسطين والقدس ما أنزل الله بها من سلطان. والتجربة الفلسطينية هنا مع الأسدين مريرة ومؤلمة، يعرفها أصحاب مدرسة التزوير في رام الله وعمان وبيروت ودمشق.

لن نعود لحقبة ثمانينات القرن الماضي وسبعينياته، وهي غنية بتخاذل وتآمر النظام السوري على الفلسطينيين، وموقف الراحل جورج حبش شاهد جلي على هذه الحقبة، وموثق بشريط مصور في قاعة جمال عبد الناصر في بيروت بعد مجازر تل الزعتر عام 1976. قال حينها: "النظام السوري قتل في العامين الماضيين من الفلسطينيين أكثر مما قتل العدو الصهيوني.. خسئ النظام السوري العميل خسئ".

صفق الجميع بمن فيهم ياسر عرفات وإبراهيم قليلات وجورج حاوي وكمال جنبلاط لكلام حبش وموقفه المبدئي؛ الذي يتهرب منه "المحافظون الجدد" لليسار المنعطف نحو فاشية الأسد والمبتهج بجيش تعفيشه. وقد حقق نصراً على حطام اللاجئين وهو يسطو على كواشين البيوت في فلسطين ويحرقها مع مفاتيح الديار التي حفظها أصحابها أكثر من ستة عقود.

مهين ومفجع الابتهاج الرسمي الفلسطيني بديكتاتور حطم حياة أشقائهم وعمقهم العربي والقومي الذي تغنوا به في أدبيات التنظير الثوري، عار ومخجل تمجيد الأسد وعصابات جيشه التي نبشت قبور الشهداء في مخيم اليرموك لإرضاء محتل صهيوني بالبحث عن رفات صهيوني بمساعدة محتل روسي. من يعطي حق تهنئة مجرم بإنجاز مذابحه باسم الشعب الفلسطيني، من الرئيس حتى الفصيل العاجز والمتقزم عن الوقوف بجانب أبناء جلدته من الضحايا، ويصر على ممارسة الوقاحة بالظهور المتجابن والذليل أمام سفاح السوريين والفلسطينيين والدفاع عن جرائمه وتقديمها على انها انتصارات مبهجة لأجل فلسطين البريئة من السفاحين والقتلة والطغاة؟

بالله عليكم عن أي فلسطين تتحدثون؟ عن تلك المؤمن بها عصابة وسلالة الأسد في فرع فلسطين، أم عن فلسطين المحطمة في مخيم اليرموك بطائرات الميغ؟ أم فلسطين التي جاءت بالمؤامرة الكونية وقتل الأسد لأجلها وشرد الملايين، والمحاصرة بالعفيشة ونابشي قبور الشهداء في اليرموك؟

لن نطيل، فقط للتذكير بالقدرة على استخراج بيان تهنئة بفوز الأسد، بتوقيع أمين عام فصيل معتقل في زنزانة صهيونية، وفيما أخوه المعتقل بفرع فلسطين لا يستطيع أحد إرسال خبر منه ولا الحصول على خبر عنه، أميت هو أم حي، ولا تستطيع السلطة وفصائل فرع فلسطين في رام الله وكتابها وأدباؤها التحري عن جثث الآلاف من أبناء فلسطين في فرعها الأسدي، إن كانت دُفنت أو حُرقت بالفرن الروسي الذي تفحمت به جثث آلاف السوريين، وإن استطاعت فهي تظهر كل الوقاحة أمام شعبها لإنكار الجريمة ووجود الضحية.

لا وقت لديهم، فمعركة الأسد بلغت منتهاها، وقد حقق انتصارا، وجيش تعفيشه الباسل بحاجة لجوقة نصرٍ فلسطيني تشدو لحن الابتهاج بفوزه على فرع فلسطين وبقية المسالخ البشرية، ولممارسة التزوير باسم أبناء فلسطين، ونحن نعزي أنفسنا بالرث والانحطاط والغباء الذي انتهت إليه أخلاق نخب ومواقف حركة تحرر وطني وهي تنسف فكرتها وتاريخها بشكل فضائحي جداً يصعب ترميمها.

=========================

معضلة بناء الدولة في المشرق العربي (2/2)

برهان غليون

العربي الجديد

الاربعاء 2/6/2021

في سعيهم إلى تفسير إخفاق بناء الدولة في المشرق العربي، يركز باحثون عديدون، كما في كل ميادين التأخر في الواقع، على عناصر الإرث القديم من الثقافة السلطانية والدينية التقليدية والتعدّدية الإثنية أو البنية العشائرية الطائفية والقبلية. تسعى هذه المقالة، في المقابل، إلى التركيز على العوامل الجيوسياسية والاستراتيجية التي لعبت الدور الحاسم في المنطقة، من دون تجاهل دور العوامل الأخرى. وما من شك أن الوضع قد تجاوز الفشل في ضمان حق شعوبها في تقرير المصير إلى تقويض شروط وجود الدولة ذاتها، بوصفها تجسيدا لإرادةٍ سيّدةٍ عمومية، ومركز سلطة جامعة سياسية وقانونية وأخلاقية، وتقدّم حكم المليشيات وأمراء الحرب على أقطار عديدة. وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على ولادتها، لا تزال القضية الفلسطينية تشكل لبّ المسألة الشرقية الجديدة، تماما كما تشكل الكارثة السورية امتدادا دراماتيكيا للنكبة الفلسطينية.

الدولة في بيئة إقليمية بركانية

لا تطرح مشكلة السيادة هذه على الأقطار العربية، أو المشرقية، ولكنها مشكلة عالمية تتعلق بنظام العلاقات الدولية والبلدان المستعمرة سابقا. لكنها سوف تتخذ شكلا دراماتيكيا في المشرق العربي بشكل خاص، بعد إعلان إسرائيل عام 1948 دولة يهودية، وتبنّيها سياساتٍ عنصرية تقضي بتهجير السكان الأصليين، وإحلال مهاجرين يهود مكانهم، وبسبب تبنّي الدول المركزية خيار الدعم غير المشروط للطعم الاستيطاني، ومدّه بوسائل التقدم العسكري والتقني وضمان تفوق إسرائيل الاستراتيجي الدائم على جميع الدول العربية، مجتمعةً ومنفردة. لقد شكل عمل توطين إسرائيل في الشروط التي فرضتها القوى الغربية بمثابة معول جيوسياسي، لتقويض البناء القائم للعلاقات الدولية في المنطقة، وفتحها على الفوضى والخراب، وذلك بزجّ المنطقة بأكملها في قلب الصراعات الجيواستراتيجية الدولية، والقضاء على أي أمل باستعادة السيادة، أو ترميمها في مجموعة الدول المشرقية. ونجم عن ذلك توطين الحرب في المشرق، بطريقةٍ لا أمل في الخروج منها، وتلغيم العلاقات العربية الغربية التي لم تكن الإسلاموفوبيا إلا أثرا حديثا من آثارها. وهي لا حافز لها سوى تكريس التمييز ضد العرب، وتبرير نظم التبعية والديكتاتورية في أقطارهم، وحرمان قضاياهم من تعاطف المجتمع الغربي والدولي أيضا.

النخب السياسية التي تستمدّ قوتها من دعم الدول الأجنبية وحمايتها لا تملك أي مصلحةٍ في إقامة سلطةٍ شرعيةٍ مستمدةٍ من تأييد مواطنيها

وبالمثل، أجهز إصرار إسرائيل على رفض أي نوعٍ من التسوية للقضية الفلسطينية على أي أمل في حفظ ماء وجه الحكومات العربية، وقضى على آخر ما تبقّى من رصيد سياسي ومعنوي وأخلاقي لمشروع التحرّر العربي، وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء، حتى بدا وكأن التوسع الاستيطاني ليس سوى عودة مظفرة، في شكل أكثر عنفا وإذلالا، للاستعمار الغليظ، وانتقاما من حلم النهضة العربية. ولكن سياسة الحرب الدائمة التي زجت مشروع الدولة اليهودية المرتبطة عضويا بالغرب، والممدّدة للحقبة الاستعمارية الفظة، لم تعطّل مسيرة التطور السياسي للدولة فقط، ولكنها قوّضت أيضا منظومة العلاقات الإقليمية.

هكذا بعكس ما كان متوقعا، بدل أن تتجه المنطقة المشرقية نحو الاستقرار وتطوير علاقات التعاون في ما بينها، والانكباب على مشكلات التنمية الحضارية، دخلت في مواجهاتٍ وجوديةٍ بالمعنى الحقيقي للكلمة. وتقهقرت نوعية العلاقات بين دول الإقليم باطّراد، بدل أن تتحسّن، مع تزايد التحدّيات والاختلال في موازين القوى، والفشل في حسم الحروب المتكرّرة. وانقلبت مسيرة الوحدة العربية الموعودة لإرساء قاعدة التنمية والاستقلال السياسي والحدّ من النفوذ والتدخلات الأجنبية إلى حروبٍ وعداواتٍ متبادلة، شقّت النخب والجماهير بين قوميين وقُطريين ومعادين للغرب ومتحالفين معه وأعداء لإسرائيل ومتواطئين معها. ولأول مرّة، تتحوّل وحدة الثقافة والانتماء القومي إلى مصدر للانقسام والشقاق. وبدل أن تكون عامل تحفيز للتفاهم والتعاون بين الشعوب، أصبحت مع الصراع على الزعامة العربية بين القادة والرؤساء المفتقرين للشرعية سببا في تعميق الانقسام والشقاق. حتى صار شعار العروبة موضع سخريةٍ واستهزاء من النخب الاجتماعية ذاتها التي استخدمت شعارها للاستيلاء على السلطة، وتبرير القمع والنظم الفاشية. بينما أظهرت الدولة في الأقطار التي كانت أكثر بعدا عن بؤرة المواجهات المتعلقة بالمسألة الإسرائيلية، وانعكاساتها على علاقاتها مع الدول الغربية، قدرة أكبر على السيطرة على مصيرها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، وتطوّر ممارستها السياسية ومؤسساتها.

توطين إسرائيل في الشروط التي فرضتها القوى الغربية بمثابة معول جيوسياسي

لقد دلت التجربة على أن النخب السياسية التي تستمدّ قوتها من دعم الدول الأجنبية وحمايتها لا تملك أي مصلحةٍ في إقامة سلطةٍ شرعيةٍ مستمدةٍ من تأييد مواطنيها، واحترام حقوقهم وحرياتهم ومصالحهم الأساسية. كما أن النخب التي لا يهمها مستقبل مجتمعاتها ومصيرها لا تملك أي حافزٍ يحثها على القبول بالتخلي عن بعض صلاحياتها لبناء إطار للتعاون مع أقرانها. إنها تنزع بالعكس إلى الاستثمار في النزاعات الإقليمية والمشاحنات البينية للتغطية على افتقار نظمها للشرعية وتبرير السلطة الأمنية/ القمعية وإلغاء الحياة السياسية. وهذا ما يفسّر سيطرة منطق التناحر وسياسة المحاور والمزايدات والمؤامرات الذي حكم منذ عقود طويلة العلاقات بين الأقطار المشرقية، ومنعها من أي تعاون مثمر بوحدة سياسية أو من دونها. فإلى هذه البيئة الجيوسياسية غير المستقرّة، والمحكومة بالنزاعات والتدخلات المتقاطعة الإقليمية والدولية، يرجع السبب الأول في عقم الدولة المشرقية، وتدهور شروط إنتاجها، سواء في بنيتها المؤسسية أو في نوعية علاقاتها وتفاعلها مع شعوبها. وبالتالي، في إمكانية الارتقاء بشروط حياتهم المادية والقانونية والسياسية والثقافية، فلا وجود لشعبٍ حرٍّ من دون دولة سيدة ولا سيادة لدولةٍ لا تحترم حرية شعبها وإرادته. ولا أمل لدولةٍ في انتزاع حدّ أدنى من هامش السيادة هذه، ما دامت خاضعةً لإرادة أخرى غير إرادة شعبها أو ما دام قرارها مقيدا بشروطٍ خارجية. واستمرار هذه البيئة وتفاقم حالة النزاع والحرب المتعدّدة الأقطاب والمجالات، ربما تفسر أكثر بكثير من تقاليد الشعوب وتاريخها البقاء المديد لنظم الحكم الاستثنائية في هذه المنطقة المشتعلة منذ أكثر من قرن. وفيما وراء ذلك إخفاق دولها في التوصل إلى أي آليةٍ لتشكيل جماعةٍ مشرقيةٍ متعاونة ومتضامنة، كما حصل في أوروبا وغيرها، سواء أكان ذلك في إطار الفكرة العربية أم الفكرة الإقليمية المتجاوزة لها، من جهة أخرى.

وهذا ما يبرزه غياب أي اتفاقاتٍ أو معاهداتٍ جماعية إقليمية تضمن لدولها الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، وتزيل، ولو جزئيا، الآثار السلبية للاتفاقات الاستعمارية القديمة، والفراغ القانوني الكبير السائد فيها. وكذلك الافتقار إلى اليوم لأي إطار للتشاور والحوار بين دول الإقليم، على الرغم من الإرث الحضاري المشترك، ومواجهتها جميعا تحدّي الضغوط الاستعمارية والهيمنة الأجنبية. وهذا ينطبق على جامعة الدول العربية التي تكاد تفقد سبب وجودها، لفقدانها أي أجندة للعمل بعد أكثر من سبعين عاما على نشوئها، وشللها الدائم نتيجة تحييد الأعضاء بعضهم بعضا فيها.

صار الشرق الأوسط من أكبر أسواق استيراد السلاح والاستثمار في الجيوش والمليشيات وقوى الأمن وأجهزة المخابرات

كما تبرزه حدّة الخلافات والنزاعات التي تعصف بأمن المنطقة واستقرارها، وميل الدول القوية إلى التوسّع على حساب جيرانها، والسعي إلى ضمها أو السيطرة على قرارها. ومن هنا التنافس المحموم على التسلح والتركيز الهوسي على المسائل الأمنية بكل فروعها، حتى صار الشرق الأوسط من أكبر أسواق استيراد السلاح والاستثمار في الجيوش والمليشيات وقوى الأمن وأجهزة المخابرات، وكل ما يمتّ بصلة للمواجهات العسكرية والأمنية على حد سواء. ومع ذلك، وهنا المفارقة، بدل أن تضمن هذه السياسات الأمن والاستقرار المنشودين، تدفع بالعكس إلى تزايد التهديدات والمخاطر، سواء ما تعلق منها بحركات التمرّد والاحتجاج والتطرّف الداخلية أو الحروب الإقليمية. وهي اليوم نزاعاتٌ متداخلة، لا ينفصل فيها النزاع الأهلي عن النزاع الإقليمي أو الدولي الخارجي.

في هذه البيئة، نمت وترعرعت الدولة المجهضة والنخب السياسية المستهترة بمصالح شعوبها. وإليها يرجع أيضا كثير من الخيارات الاستراتيجية السيئة والإخفاقات والمشكلات المعلقة التي لا تملك النظم الراهنة أي إجابات عنها، وفي مقدمها عواقب فشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتأخر الكبير في استيعاب التجديدات التقنية والعلمية، والارتفاع الخطير في معدّلات الفقر والبطالة، والنزوح والهجرة، والتدهور الخطير في المناخ الاجتماعي، وفي ثقة الأجيال الشابة بالمستقبل. وإليها يرجع أيضا الانفجار الكبير الذي شهدته المنطقة في العقد الثاني من هذا القرن، والذي لم تخمد نيران بركانه، ولن تخمد إلى زمن طويل، فلم تكن ثورات الربيع العربي الرد الشعبي على تفاقم الضغوط الداخلية والخارجية وتقاطع نتائجها ومفاعيلها بشكل غير مسبوق فحسب، وإنما كانت أكبر هجوم قامت به هذه الشعوب منذ زمن طويل لإسقاط جدار الفصل العنصري الخفي الذي أقامته النخب والأوليغارشيات الحاكمة، لعزل الجمهور وحماية نفسها من ثوراته وانتقامه المنتظر.

ما لم تُبذل جهود دولية جدية لتغيير البيئة الإقليمية، ووضع حد للحروب الداخلية، سيكون من الصعب استعادة الدولة

لا يعني ذلك أن البيئة الجيوسياسية هي التي تتحكم في تحديد مصير الدولة والسياسة عامة، ففي حالاتٍ كثيرة، قد يكون العامل الحاسم دعوة دينية أو سياسية قوية، تنجح في بناء قوى استراتيجية، تقوم هي نفسها بتغيير الخريطة الجيوسياسية الإقليمية. وأبرز مثال على ذلك الفتوحات الإسلامية التي لا تختلف كثيرا عن الفتوحات الإمبراطورية عموما، ومنها الإمبراطورية السوفييتية البائدة. كما لا يعني أن الدولة ليست مشاركةً في تشكيل هذه البيئة، وليست مسؤولة عنها أو عن جزء كبير من خرابها. ينبغي النظر إلى العلاقة بين الدولة العقيمة والبيئة الإقليمية النزاعية وغير المستقرّة، بصرف النظر عن الأسباب، بوصفها علاقةً جدليةً ومتبادلة، ففشل الدولة، في تفاعلها مع شعبها وفي تحمل مسؤولياتها، في رعاية مصالحه وحقوقه، والارتقاء بشروط حياته، يعزّز فرص تدهور البيئة الإقليمية والعلاقات الدولية، بمثل ما يدفع هذا التدهور النخب الحاكمة إلى مصادرة الدولة حسابها، واجتياح المجال السياسي والقطيعة مع شعبها. لكن هذا لا يمنع أنه في ما يتعلق بحالة المشرق، خصوصا، تلعب الجغرافيا السياسية التي احتفظت، إلى حد كبير، ببنية العلاقات الاستعمارية، والتي لا يزال إنجاح مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين يمثل محور السياسة الغربية، من دون أي أفق لتسوية ممكنة، دورا حاسما في تقويض سيادة دول المنطقة وإفراغها من مضمونها، أي من قدرتها على بناء جماعةٍ وطنيةٍ مستقرةٍ ومتضامنة، وعلاقات سلام إيجابية في ما بينها.

لذلك، ما لم تُبذل جهود دولية جدية لتغيير البيئة الإقليمية، ووضع حد للحروب الداخلية والإقليمية المتفجرة التي تدفع، بشكل متزايد، إلى انهيار الدول وتفكيكها إلى إمارات حربٍ تتحكّم بها مليشيات أهلية، وأحيانا تتحوّل فيها السلطة المركزية ذاتها إلى ما يشبه الإمارة الحربية، سيكون من الصعب استعادة الدولة، بما تعنيه من سلطةٍ سيدةٍ ومرجعيةٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ وإحياء السياسة كمشاركة في الحياة العمومية، كما هي مطروحة في معايير العصر وقيمه المدنية والأخلاقية. لكن لن تكون لهذه الجهود نتيجة واضحة، ما لم تدرك النخب الاجتماعية المحلية دورها في وضع هذا المشروع الضخم على مساره الصحيح، ومسؤولياتها في الأخذ بيد الشعوب، والاهتمام بمصيرها ومساعدتها في تنظيم قواها والارتقاء بوعيها، لتتمكّن هي نفسها من استعادة ملكيتها الدولة، وبناء سلطةٍ تستجيب لمطالبها وتطلعاتها. من دون ذلك، ستبقى الدولة غنيمةً تنتظر الأعنف والأشرس والأخبث من بين القوى المتصارعة والمتنافسة في الداخل والخارج على انتزاعها وجعلها ملكيته الخاصة ومزرعته، كما هو الحال اليوم في معظم إمارات المشرق الجديدة والقديمة. عندئذ، لا يبقى للإنسان إلا الخيار بين الموت في العبودية أو الشهادة في ثورات الحرية التي لا تكاد تنتهي، حتى تبدأ من جديد.

=========================

وقاحة الأسد أم وقاحة المجتمع الدولي

أحمد موفق زيدان 

عربي 21

الثلاثاء 1/6/2021

من كان يُصدق أن رئيساً نفّذ 300 هجومٍ كيماوي - بحسب دراسة ألمانية حديثة - ضد من يفترض أنهم شعبه، وقتل مليون شخص ببراميل متفجرة وبقصف جوي على مدار عقد ولا يزال، وفعل كل ما تفتقت عنه وحشية الاحتلالين الإيراني والروسي، وهجّر 14 مليون إنسان، ودمّر أكثر من نصف البلاد، وارتكب فظاعات وُثقت من خلال المصور قيصر وشاهدها العالم كله، واعترف مسؤولون أمريكيون ودوليون بأن ما لديهم من وثائق ضده يفوق ما حوكم عليه قادة النازية.. من كان يصدق أن رئيساً ارتكب كل هذا، ثم تعلن بكل وقاحة وبجاحة منظمة الصحة العالمية التي تعد الذراع الصحية لمنظمة الأمم المتحدة، عن انتخاب مندوبه في مجلسها التنفيذي، في اليوم نفسه الذي أعلن فيه طاغية العصر بشار الأسد انتصاره على ما تبقى من الشعب السوري، وسوريا التي دمرها وجعلها أرضاً سائبة لكل الاحتلالات المتعددة؟!

إنَّ مثل هذه الخطوة المشينة التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية، دفعت مغردين وناشطين سوريين إلى القول: إن كل المنشآت الطبية السورية التي قُصفت على يد المحتلين الروسي والإيراني والعصابة الأسدية، كانت بتورط من المنظمة نفسها التي سلمت للمحتلين وللعصابة الأسدية إحداثيات هذه النقاط الطبية التي تملكها، بحجة تجنيبها القصف والدمار، وقد كانت النتيجة تسهيل عملية القصف!

اللافت أنه في اليوم الذي ضمت فيه المنظمة الصحية مندوب العصابة الأسدية إلى مجلسها التنفيذي، نُشِرَ تقرير صاعق على وسائل الإعلام، يفضح المنظمة الصحية، ويكشف عن طمسها منذ عام 2019 لحالات اغتصاب وإجهاض مشينة، قام بها موظفوها في الكونغو، مستغلين حاجة الناس هناك، ومن ثم لجأت السيدات المغتصبات لعمليات الإجهاض، مما تسبب في وفاتهن. مثل هذه المنظمات، التي تسمى زوراً وبهتاناً بالدولية، هي من تتشدق بالشفافية والانفتاح، والأعجب من هذا أن تتستر قيادات المنظمة طوال تلك الفترة عن هذه الحالات، مما دعا أخيراً تحالفاً من 53 دولة لإدانتها وطلب توضيح بشأنها من المنظمة، واتخاذ موقف حاسم حيال تلك التقارير!

وبينما كانت العصابة الأسدية تعقد انتخاباتها الهزلية التي اعتاد عليها السوريون منذ نصف قرن من الزمن، وعرفوا البدايات والنهايات، كان رئيس الاحتلال الروسي فلاديمير بوتين يفاخر بتجريبه مئات الأنواع من الأسلحة الروسية على الشعب السوري، وسط خرس عالمي! ويكشف عن وجود عشرات المهندسين العسكريين الروس في قاعدة حميميم، لتحسين تصميم الأسلحة التي ثبت فشلها وتقصيرها في ذبح ما تبقى من السوريين، ولم ينس أن يشفع حديثه وفعله بأن يدفع بما تبقى لديه من أسلحة. فقد هبطت ثلاث قاذفات روسية قادرة على حمل رؤوس نووية في قاعدة حميميم، بما يُبدد أمام السوريين كل الكذب والدجل المتعلق بالحرب الباردة، التي استأثرت باهتمام العالم كله خلال العقود الماضية، بينما يرى السوريون اليوم صمت الغرب وأمريكا على وجود روسي نووي على الضفة الثانية من المتوسط، بل يتشارك مع الأمريكي والغربي عموماً؛ مدناً وقرىً في الجزيرة وغيرها دون أي معركة!

من السخف أن نتحدث عن وقاحة الأسد في هذه الانتخابات، وغيرها من وقاحاته، ونغمض العين عن وقاحة مجتمع دولي بأذرعه المختلفة؛ إذ لولاه لما تجرأ هو ولا غيره على أن يخطو خطوة واحدة منذ انتفاضة درعا ودمشق وما بعدهم

لقد أسلم من يوصف بالمجتمع الدولي السوريين إلى ذئاب وضباع دولية، فكان عليهم أن يدفعوا ثمن كل من ينشق عن عصابة المجتمع الدولي، ولذا فمن السخف أن نتحدث عن وقاحة الأسد في هذه الانتخابات، وغيرها من وقاحاته، ونغمض العين عن وقاحة مجتمع دولي بأذرعه المختلفة؛ إذ لولاه لما تجرأ هو ولا غيره على أن يخطو خطوة واحدة منذ انتفاضة درعا ودمشق وما بعدهما. وأمامنا مثال أفغانستان أواخر 1989 حين زوّدت أمريكا المجاهدين بصواريخ مضادة للطيران، فكان هذا إيذاناً برحيل السوفييت وخروجهم وانتهاء اللعبة.

أما السوريون فوحدهم اليوم في الميدان، وما يجري عالمياً وإقليمياً بحقهم، إنما هو ضمن سياسة التعهدات الدولية والإقليمية، تماماً كتعهدات الشركات في عالم الإعمار أو الدمار، فكل شركة تأخذ تعهداتها من دول، ونحن - السوريين - أخَذَتْ تعهدَ دمارنا وسلب حريتنا دولٌ تعبث بأرضنا بموافقةِ مجتمعٍ دولي وقح وضمانته وتعهده.

=========================

عن معضلة بناء الدولة في سورية والمشرق العربي

برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 1/6/2021

في سعيهم إلى تفسير إخفاق بناء الدولة في المشرق العربي، يركز باحثون عديدون، كما في كل ميادين التأخر في الواقع، على عناصر الإرث القديم من الثقافة السلطانية والدينية التقليدية والتعدّدية الإثنية أو البنية العشائرية الطائفية والقبلية. تسعى هذه المقالة، في المقابل، إلى التركيز على العوامل الجيوسياسية والاستراتيجية التي لعبت الدور الحاسم في المنطقة، من دون تجاهل دور العوامل الأخرى. ولا يعكس الولاء الثابت الذي أظهره أهل المشرق لقضية فلسطين والتفافهم حول الانتفاضة الفلسطينية هذا الشهر (مايو/ أيار 2021) إلا شعورهم العميق بمركزية هذه القضية في رسم مصير المشرق، ومساهمة حروب توطين إسرائيل وتأمينها أيضا في صنع تاريخ هذا الإخفاق. وما من شك أن الوضع قد تجاوز الفشل في ضمان حق شعوبها في تقرير المصير إلى تقويض شروط وجود الدولة ذاتها، بوصفها تجسيدا لإرادةٍ سيّدةٍ عمومية، ومركز سلطة جامعة سياسية وقانونية وأخلاقية، وتقدّم حكم المليشيات وأمراء الحرب على أقطار عديدة. لذلك، على الرغم من مرور أكثر من قرن على ولادتها، لا تزال القضية الفلسطينية تشكل لبّ المسألة الشرقية الجديدة، تماما كما تشكل الكارثة السورية امتدادا دراماتيكيا للنكبة اشكلت سورية الطبيعية، بموقعها الجيوسياسي، كنقطة تقاطع وتواصل بين القارّات الثلاث وحضاراتها، مركز جذبٍ دائم للإمبراطوريات الكبرى، منذ تكوين الدولة في منطقة الهلال الخصيب. وباستثناء الحقبة التي أصبحت فيها مركز إمبراطورية مستقلة، على إثر الفتوح الإسلامية، كان المشرق الآسيوي، على مر التاريخ، عرضةً لغزوات واجتياحات متقاطعة من الشرق والغرب والشمال والجنوب. وقد تضاعفت أهميته الاستراتيجية منذ القرن الثامن عشر مع تشكل الامبراطوريات الاستعمارية الحديثة، والتنازع فيما بينها على السيطرة على الممرّات والمعابر والمرافئ القارّية. لكن السيطرة عليه تحولت إلى هدفٍ مركزيٍّ للدول الكبرى مع شقّ قناة السويس طريقا مائية استراتيجية، ثم اكتشاف النفط بكمياتٍ كبيرةٍ في الجزيرة العربية والعراق، وعودة الاهتمام بالإرث الديني الرمزي الذي أحيا، بشكل أو آخر، أجواء الحروب الصليبية مع تجدّد الصراع على فلسطين، بدعم كلي من الغرب، والذي زاد التهابا بعد الإعلان الأحادي الجانب عن قيام إسرائيل عام 1948، دولةً يهوديةً خالصة، لا دولة مواطنيها، وتبنّيها سياسةً عنصريةً، تهدف إلى إحلال سكان جدد محلّ السكان الأصليين المطلوب اقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم بأي وسيلة.

لم تعكس الخريطة الجيوسياسية الجديدة بعد اتفاقية سايكس بيكو تطلعات شعوب المنطقة، ولا عبّرت عن إرادة شعوبها، أو عن الديناميكيات الداخلية، أو حتى الإقليمية العميقة

ونظرا إلى حالة التخلف السياسي والاقتصادي الكبير الذي عاشته المجتمعات العربية خلال فترة الاحتضار العثماني الطويل، تحوّل عموم المشرق بسهولة، بعد هزيمة الدولة العثمانية وانهيارها، إلى منطقة تقاسم للنفوذ، حتى تطابقت خريطة تشكيل دوله الحديثة مع خريطة تقاسم السيطرة الدولية على أجزائه المقطّعة الأوصال، وربطها، بموافقة نخبها المحلية الضعيفة أحيانا للأسف، بالأحلاف الأجنبية. وهذا أهم ما عبّرت عنه اتفاقية سايكس بيكو السيئة السمعة، فلم تعكس هذه الخريطة الجيوسياسية الجديدة تطلعات شعوب المنطقة، ولا عبّرت عن إرادة شعوبها، أو عن الديناميكيات الداخلية، أو حتى الإقليمية العميقة، بمقدار ما جاءت استجابةً لمخطّطات استراتيجية، وتجسيدا لتوازنات قوى ومصالح دولية، حتى بدت وكأنها صيغت من أجل تفكيك بلاد الشام أو سورية الطبيعية، بشكل خاص، وتحطيم وحدتها، فكانت أكبر ضحاياها المملكة الفتيّة التي أعلنها الوطنيون العرب على كامل حدود سورية الطبيعية، بعد ان أخلفت بريطانيا وعودها في إنشاء المملكة العربية على كامل الأراضي الناطقة بالعربية في غرب آسيا. 

ومنذ ذلك الوقت، سوف تتحكّم هذه الجغرافيا السياسية الجديدة بالتحولات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المقبلة، وتعمل على إعادة تشكيل القوى الاجتماعية وتوزيع الموارد المادية والرمزية، وتكوين النخب السياسية وأيديولوجياتها وعلاقاتها مع شعوبها، وهامش استقلالها، وموقع كل منها في التوازنات الإقليمية والدولية، ومن ثم اتجاهات تطورها في المستقبل. ما يعني أيضا إطلاق ديناميكيات مختلفة كليا عن التي وحّدت النخب المشرقية، وعزّزت دورها في حقبة انحسار الهيمنة العثمانية، وصعود موجة الاستعمار الغربي منذ بداية القرن الماضي.

تعني السيادة، بأبسط العبارات، صفة السلطة التي لا سلطة فوقها في نطاق دائرة ممارستها على أراضي الدولة المعترف بها، بصرف النظر عما إذا كان مصدر هذه السيادة الشعب أم إرادة النخبة الحاكمة

وقد عكست هذه الخريطة جوهر الصراع الذي لم يحسم حتى اليوم بين الوطنيين السوريين والعرب من جهة والسياسة الغربية التي مثلتها في تلك الحقبة حكومتا بريطانيا وفرنسا، وتمثّلها اليوم بشكل أكبر الولايات المتحدة من جهة أخرى، فلم ينبع هذا الصراع من خلافاتٍ حول الهوية القومية أو الوطنية، ولا على رفض الاعتراف بالتمايزات الدينية والإثنية داخل مشروع المملكة العربية، ثم الدولة السورية الفيصلية، ولا على رفض العرب التحالف مع بريطانيا وفرنسا وبعدهما الولايات المتحدة، ولا على طبيعة نظام الحكم. كان الخلاف على نقطة وحيدة، لكنها حاسمة، لأنها تكمن في جوهر بناء الدولة وأساس تقدّمها، هي مسألة السيادة. 

وتعني السيادة، بأبسط العبارات، صفة السلطة التي لا سلطة فوقها في نطاق دائرة ممارستها على أراضي الدولة المعترف بها، بصرف النظر عما إذا كان مصدر هذه السيادة الشعب أم إرادة النخبة الحاكمة ذاتها، فالسلطة السيدة هي التي تضع القاعدة السياسية، وتسنّ القانون وتوزّع السلطات، وتحدّد لكل منها صلاحياتها، وتشكل مرجعيتها، بما في ذلك سلطات المجتمع المدني. وهذه الخاصية المرتبطة بسلطة الدولة، والتي تجعلها مختلفةً عن كل السلطات وفوقها جميعا، هي التي تمكّنها من أن تنظم العلاقة بين جميع السلطات الأخرى، وتبث روح الاتساق والانسجام والتعاون فيما بينها في سبيل تحقيق غايات المجتمع وتطلّعاته.

استعادة السيادة للشعب شرط تطوّر الدولة التي تعبر عن إرادته ومصالحه، وقيام نظم سياسية تستمد شرعيتها من التعبير عن هذه الإرادة وتلك الحقوق

وفي هذه النقطة يكمن الفرق بين الدولة السورية الأولى التي ولدت بقرارٍ من المؤتمر السوري الذي أعلن استقلال سورية ملكية دستورية، مع فيصل بن الحسين ملكا عليها (8 مارس/ آذار 1920)، وسورية الانتداب الفرنسي، قبل أن تنتزع استقلالها في 17 إبريل/ نيسان 1946، فقد انبثقت الأولى من إرادةٍ ذاتيةٍ مثلتها جمعية وطنية ضمت ممثلين من جميع المقاطعات السورية، ممن لعبوا دورا نشطا في الجمعيات والتنظيمات الحرّة التي خاضت الصراع ضد الاستبداد العثماني، وضد سياسة التتريك التي تبنّتها تركيا الفتاة بعد انقلاب 1908، ودستورا ديمقراطيا تمثيليا كان الأول من نوعه في العالم العربي، ينص على المساواة التامة بين المواطنين، بما في ذلك حق المرأة في الانتخاب، في وقت كانت دول أوروبية عديدة، ومنها فرنسا، لم تعترف بهذا الحق حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. أما الدولة السورية التي انبثقت من إرادة سلطات الانتداب الأجنبية فقد أتت على أسنّة الرماح، وعلى أجساد الشهداء السوريين، وفي مقدمتهم وزير الدفاع، يوسف العظمة، وأعطت لنفسها الحقّ في التصرّف بمصير الشعب والأرض والدولة معا لصالح دولة الاحتلال ومصالحه. 

وهذا هو في الحقيقة جوهر الصراع التحرّري الاستقلالي الذي خاضته الشعوب المستعمرة جميعا، فاستعادة السيادة للشعب هي شرط تطوّر الدولة التي تعبر عن إرادته ومصالحه، وقيام نظم سياسية تستمد شرعيتها من التعبير عن هذه الإرادة وتلك الحقوق. وبالعكس، من المستحيل على الدولة التي تفقد سيادتها أو تضحّي بها أن تستجيب لطموحات شعبها وآماله، فهي المادّة التي لا غنى عنها لنشوء سياسة وتكوين حقل سياسي منتج. وفي ظلها يتّحد الأفراد المختلفون والمتعدّدون، وبفضل المشاركة المتساوية في الحقوق التي تؤسّس لها يتحوّلون إلى جماعة متفاعلة ومتضامنة وواعية لذاتها وهويتها السياسية (الوطنية)، فالسيادة هي رأسمال الدولة في علاقاتها مع أعضائها ومجتمعها، ومع الخارج أيضا. وبمقدار ما تفتقر الدولة لرأس المال هذا، تخسر قدرتها على إنتاج المواطنة، بمقدار عجزها عن إنتاج الحقوق والحرّيات والمسؤوليات المرتبطة بتكوينها. والسبب ببساطة أن الدولة التي لا تملك حرية قرارها لا يمكنها أن تضمن حرية قرار أعضائها. وبمقدار ما ترتهن لإرادة القوى الأجنبية للحفاظ على بقائها، تجد نفسها منزوعة الإرادة، وتدخل بسبب ذلك أيضا في تناقضٍ مع شعوبها، ولا تملك وسيلة لفرض سيطرتها سوى بتحييد هذه الشعوب وتقسيمها وشلّ إرادتها.

غاية ما تطمح إليه طبقة سياسية عاجزة هو تبرير وجودها في السلطة في مقابل ما تقدّمه من خدمات اجتماعية. لذلك تبقى نظم حكمها غير مستقرة، ومهدّدة دائما بانقلاب الجمهور عليها

وبالمثل، لا يمكن للدولة العقيم أن تنتج طبقةً سياسيةً تحظى بالشرعية، أو بناء نظام سياسي يعتمد في استقطابه ولاء الجمهور وطاعته على استلهام القيم والمبادئ وما يبعثه من آمال. وغاية ما تطمح إليه طبقة سياسية عاجزة هو تبرير وجودها في السلطة في مقابل ما تقدّمه من خدمات اجتماعية. لذلك تبقى نظم حكمها غير مستقرة، ومهدّدة دائما بانقلاب الجمهور عليها، حالما يبدو إخفاقها في تقديم هذه الخدمات. والحالات النادرة التي حظيت فيها نخب البلدان التابعة السياسية بالشعبية، وأسّست لشرعية سياسية وإيديولوجية قوية، تجذب إليها الجمهور، وتستطيع أن تثق بولائه، حتى في زمن النكسات، ارتبطت هي بالضبط باللحظات التي قرّرت فيها أن تخوض معركة السيادة، وتقود صراعا حقيقيا ضد التبعية والتدخلات والاعتداءات الخارجية. وهذا هو مسار الزعماء السياسيين الذين حظوا بشعبية كبيرة، وأثاروا حماس الجماهير، ومن أبرزهم العربي جمال عبد الناصر. 

ولكن من يذكر المسيح يتذكّر بالضرورة المسيح الدجّال، فقد أعطت تجربة هؤلاء الزعماء، الذين كبرتهم الغيرة على السيادة والاستقلال وتحسين أحوال شعوبهم، درسا مهما لكثيرين من رجال السياسة الوصوليين والدكتاتوريين الجلفاء، مفاده بأن أقصر طريق لكسب عطف الجمهور وتأييده هو خداعه بتبنّي خطاب العداء للاستعمار والتنسيق السرّي معه في الوقت نفسه. وقد نجح كثيرون منهم في إتقان هذه السياسة الازدواجية، والحصول على قسط من الشعبية، بينما كانوا يحيكون المؤامرات على الشعب مع القوى الأجنبية، ويعقدون الاتفاقات على حساب السيادة والمصالح الوطنية. كانت تلك محاولةً في التمديد الكاذب للحظة الكفاح البطولية، من أجل السيادة التي قادها زعماء كبار، بعد نيل الاستقلال، وتجنّبا للانخراط في الحرب الباردة مع طرفي الصراع. ومن هذه المحاولة سوف تولد الوصولية التي أصبحت، في العقود القليلة الماضية، بعد استنفاد بريق الأفكار القومية والاشتراكية، عقيدة قائمة بذاتها ومدرسة في السياسة. وصار الغشّ والعمل في الظلام وإخفاء الحقائق والتلاعب بالمعلومات وحروب الجيوش الإلكترونية لتسميم الرأي العام مادة السياسة اليومية للحاكمين، ودليل عملهم لتحييد المحكومين، وإخراجهم كليا من السياسة. والنموذج الأبرز لهؤلاء حافظ الأسد الذي لم يعادل وهم عدائه الغرب إلا حرمانه شعبه من أي حقٍّ في الأمن أو الحرية أو الكرامة، وإخضاع الدولة لمصالح وسيادة سلطة عائلية. وما كان لهذا الغشّ التاريخي إلا أن يقود إلى تأليب الرأي العام على فكر السيادة والاستقلال وإحياء الحنين لنظام السيطرة الاستعمارية.

الدولة في بيئة إقليمية بركانية

لا تطرح مشكلة السيادة هذه على الأقطار العربية، أو المشرقية، ولكنها مشكلة عالمية تتعلق بنظام العلاقات الدولية والبلدان المستعمرة سابقا. لكنها سوف تتخذ شكلا دراماتيكيا في المشرق العربي بشكل خاص، بعد إعلان إسرائيل عام 1948 دولة يهودية، وتبنّيها سياساتٍ عنصرية تقضي بتهجير السكان الأصليين، وإحلال مهاجرين يهود مكانهم، وبسبب تبنّي الدول المركزية خيار الدعم غير المشروط للطعم الاستيطاني، ومدّه بوسائل التقدم العسكري والتقني وضمان تفوق إسرائيل الاستراتيجي الدائم على جميع الدول العربية، مجتمعةً ومنفردة.

 لقد شكل عمل توطين إسرائيل في الشروط التي فرضتها القوى الغربية بمثابة معول جيوسياسي، لتقويض البناء القائم للعلاقات الدولية في المنطقة، وفتحها على الفوضى والخراب، وذلك بزجّ المنطقة بأكملها في قلب الصراعات الجيوستراتيجية الدولية، والقضاء على أي أمل باستعادة السيادة، أو ترميمها في مجموعة الدول المشرقية. ونجم عن ذلك توطين الحرب في المشرق، بطريقةٍ لا أمل في الخروج منها، وتلغيم العلاقات العربية الغربية التي لم تكن الإسلاموفوبيا إلا أثرا حديثا من آثارها. وهي لا حافز لها سوى تكريس التمييز ضد العرب، وتبرير نظم التبعية والديكتاتورية في أقطارهم، وحرمان قضاياهم من تعاطف المجتمع الغربي والدولي أيضا.

 وبالمثل، أجهز إصرار إسرائيل على رفض أي نوعٍ من التسوية للقضية الفلسطينية على أي أمل في حفظ ماء وجه الحكومات العربية، وقضى على آخر ما تبقّى من رصيد سياسي ومعنوي وأخلاقي لمشروع التحرّر العربي، وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء، حتى بدا وكأن التوسع الاستيطاني ليس سوى عودة مظفرة، في شكل أكثر عنفا وإذلالا، للاستعمار الغليظ، وانتقاما من حلم النهضة العربية. ولكن سياسة الحرب الدائمة التي زجت مشروع الدولة اليهودية المرتبطة عضويا بالغرب، والممدّدة للحقبة الاستعمارية الفظة، لم تعطّل مسيرة التطور السياسي للدولة فقط، ولكنها قوّضت أيضا منظومة العلاقات الإقليمية.

صار شعار العروبة موضع سخريةٍ واستهزاء من النخب الاجتماعية ذاتها التي استخدمت شعارها للاستيلاء على السلطة، وتبرير القمع والنظم الفاشية

هكذا بعكس ما كان متوقعا، بدل أن تتجه المنطقة المشرقية نحو الاستقرار وتطوير علاقات التعاون فيما بينها، والانكباب على مشكلات التنمية الحضارية، دخلت في مواجهاتٍ وجوديةٍ بالمعنى الحقيقي للكلمة. وتقهقرت نوعية العلاقات بين دول الإقليم باضطراد، بدل أن تتحسّن، مع تزايد التحدّيات والاختلال في موازين القوى، والفشل في حسم الحروب المتكرّرة. وانقلبت مسيرة الوحدة العربية الموعودة لإرساء قاعدة التنمية والاستقلال السياسي والحدّ من النفوذ والتدخلات الأجنبية إلى حروبٍ وعداواتٍ متبادلة، شقّت النخب والجماهير بين قوميين وقُطريين ومعادين للغرب ومتحالفين معه وأعداء لإسرائيل ومتواطئين معها. ولأول مرّة، تتحوّل وحدة الثقافة والانتماء القومي إلى مصدر للانقسام والشقاق.  وبدل أن تكون عامل تحفيز للتفاهم والتعاون بين الشعوب، أصبحت مع الصراع على الزعامة العربية بين القادة والرؤساء المفتقرين للشرعية سببا في تعميق الانقسام والشقاق. حتى صار شعار العروبة موضع سخريةٍ واستهزاء من النخب الاجتماعية ذاتها التي استخدمت شعارها للاستيلاء على السلطة، وتبرير القمع والنظم الفاشية. بينما أظهرت الدولة في الأقطار التي كانت أكثر بعدا عن بؤرة المواجهات المتعلقة بالمسألة الإسرائيلية، وانعكاساتها على علاقاتها مع الدول الغربية، قدرة أكبر على السيطرة على مصيرها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، وتطوّر ممارستها السياسية ومؤسساتها.

لا وجود لشعبٍ حرٍّ من دون دولة سيدة ولا سيادة لدولةٍ لا تحترم حرية شعبها وإرادته. ولا أمل لدولةٍ في انتزاع حدّ أدنى من هامش السيادة هذه، ما دامت خاضعةً لإرادة أخرى غير إرادة شعبها

لقد دلت التجربة على أن النخب السياسية التي تستمدّ قوتها من دعم الدول الأجنبية وحمايتها لا تملك أي مصلحةٍ في إقامة سلطةٍ شرعيةٍ مستمدةٍ من تأييد مواطنيها، واحترام حقوقهم وحرياتهم ومصالحهم الأساسية. كما أن النخب التي لا يهمها مستقبل مجتمعاتها ومصيرها لا تملك أي حافزٍ يحثها على القبول بالتخلي عن بعض صلاحياتها لبناء إطار للتعاون مع أقرانها. إنها تنزع بالعكس إلى الاستثمار في النزاعات الإقليمية والمشاحنات البينية للتغطية على افتقار نظمها للشرعية وتبرير السلطة الأمنية/ القمعية وإلغاء الحياة السياسية. وهذا ما يفسّر سيطرة منطق التناحر وسياسة المحاور والمزايدات والمؤامرات الذي حكم منذ عقود طويلة العلاقات بين الأقطار المشرقية، ومنعها من أي تعاون مثمر بوحدة سياسية أو من دونها. فإلى هذه البيئة الجيوسياسية غير المستقرّة، والمحكومة بالنزاعات والتدخلات المتقاطعة الإقليمية والدولية، يرجع السبب الأول في عقم الدولة المشرقية، وتدهور شروط إنتاجها، سواء في بنيتها المؤسسية أو في نوعية علاقاتها وتفاعلها مع شعوبها. وبالتالي، في إمكانية الارتقاء بشروط حياتهم المادية والقانونية والسياسية والثقافية، فلا وجود لشعبٍ حرٍّ من دون دولة سيدة ولا سيادة لدولةٍ لا تحترم حرية شعبها وإرادته. ولا أمل لدولةٍ في انتزاع حدّ أدنى من هامش السيادة هذه، ما دامت خاضعةً لإرادة أخرى غير إرادة شعبها أو ما دام قرارها مقيدا بشروطٍ خارجية. واستمرار هذه البيئة وتفاقم حالة النزاع والحرب المتعدّدة الاقطاب والمجالات ربما تفسر أكثر بكثير من تقاليد الشعوب وتاريخها البقاء المديد لنظم الحكم الاستثنائية في هذه المنطقة المشتعلة منذ أكثر من قرن. وفيما وراء ذلك إخفاق دولها في التوصل إلى آي آليةٍ لتشكيل جماعةٍ مشرقيةٍ متعاونة ومتضامنة، كما حصل في أوروبا وغيرها، سواء أكان ذلك في إطار الفكرة العربية أو الفكرة الإقليمية المتجاوزة لها، من جهة أخرى.

صار الشرق الأوسط من أكبر أسواق استيراد السلاح واستثمارا في الجيوش والمليشيات وقوى الأمن وأجهزة المخابرات، وكل ما يمتّ بصلة للمواجهات العسكرية والأمنية

وهذا ما يبرزه غياب أي اتفاقاتٍ أو معاهداتٍ جماعية إقليمية تضمن لدولها الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، وتزيل، ولو جزئيا، الآثار السلبية للاتفاقات الاستعمارية القديمة، والفراغ القانوني الكبير السائد فيها. وكذلك الافتقار إلى اليوم لأي إطار للتشاور والحوار بين دول الإقليم، على الرغم من الإرث الحضاري المشترك، ومواجهتها جميعا تحدّي الضغوط الاستعمارية والهيمنة الأجنبية. وهذا ينطبق على جامعة الدول العربية التي تكاد تفقد سبب وجودها، لفقدانها أي أجندة للعمل بعد أكثر من سبعين عاما على نشوئها، وشللها الدائم نتيجة تحييد الأعضاء بعضهم بعضا فيها.

 كما تبرزه حدّة الخلافات والنزاعات التي تعصف بأمن المنطقة واستقرارها، وميل الدول القوية إلى التوسّع على حساب جيرانها، والسعي إلى ضمها أو السيطرة على قرارها. ومن هنا التنافس المحموم على التسلح والتركيز الهوسي على المسائل الأمنية بكل فروعها، حتى صار الشرق الأوسط من أكبر أسواق استيراد السلاح واستثمارا في الجيوش والمليشيات وقوى الأمن وأجهزة المخابرات، وكل ما يمتّ بصلة للمواجهات العسكرية والأمنية على حد سواء. ومع ذلك، وهنا المفارقة، بدل أن تضمن هذه السياسات الأمن والاستقرار المنشودين، تدفع بالعكس إلى تزايد التهديدات والمخاطر، سواء ما تعلق منها بحركات التمرّد والاحتجاج والتطرّف الداخلية أو الحروب الإقليمية. وهي اليوم نزاعاتٌ متداخلة، لا ينفصل فيها النزاع الأهلي عن النزاع الإقليمي أو الدولي الخارجي.

كانت ثورات الربيع العربي أكبر هجوم قامت به الشعوب منذ زمن طويل لإسقاط جدار الفصل العنصري الخفي الذي أقامته النخب والأوليغارشيات الحاكمة

في هذه البيئة، نمت وترعرعت الدولة المجهضة والنخب السياسية المستهترة بمصالح شعوبها. وإليها ترجع أيضا كثير من الخيارات الاستراتيجية السيئة والإخفاقات والمشكلات المعلقة التي لا تملك النظم الراهنة أي إجابات عنها، وفي مقدمها عواقب فشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتأخر الكبير في استيعاب التجديدات التقنية والعلمية، والارتفاع الخطير في معدّلات الفقر والبطالة، والنزوح والهجرة، والتدهور الخطير في المناخ الاجتماعي، وفي ثقة الأجيال الشابة بالمستقبل. وإليها يرجع أيضا الانفجار الكبير الذي شهدته المنطقة في العقد الثاني من هذا القرن، والذي لم تخمد نيران بركانه، ولن تخمد إلى زمن طويل، فلم تكن ثورات الربيع العربي الرد الشعبي على تفاقم الضغوط الداخلية والخارجية وتقاطع نتائجها ومفاعيلها بشكل غير مسبوق فحسب، وإنما كانت أكبر هجوم قامت به هذه الشعوب منذ زمن طويل لإسقاط جدار الفصل العنصري الخفي الذي أقامته النخب والأوليغارشيات الحاكمة، لعزل الجمهور وحماية نفسها من ثوراته وانتقامه المنتظر.

لا يعني ذلك أن البيئة الجيوسياسية هي التي تتحكم في تحديد مصير الدولة والسياسة عامة، ففي حالاتٍ كثيرة، قد يكون العامل الحاسم دعوة دينية أو سياسية قوية، تنجح في بناء قوى استراتيجية، تقوم هي نفسها بتغيير الخريطة الجيوسياسية الإقليمية. وأبرز مثال على ذلك الفتوحات الإسلامية التي لا تختلف كثيرا عن الفتوحات الإمبراطورية عموما، ومنها الإمبراطورية السوفييتية البائدة. كما لا يعني أن الدولة ليست مشاركةً في تشكيل هذه البيئة، وليست مسؤولة عنها أو عن جزء كبير من خرابها. ينبغي النظر إلى العلاقة بين الدولة العقيم والبيئة الإقليمية النزاعية وغير المستقرّة، بصرف النظر عن الأسباب، بوصفها علاقةً جدليةً ومتبادلة، ففشل الدولة، في تفاعلها مع شعبها وفي تحمل مسؤولياتها، في رعاية مصالحه وحقوقه، والارتقاء بشروط حياته، يعزّز فرص تدهور البيئة الإقليمية والعلاقات الدولية، بمثل ما يدفع هذا التدهور النخب الحاكمة إلى مصادرة الدولة حسابها، واجتياح المجال السياسي والقطيعة مع شعبها. لكن هذا لا يمنع أنه فيما يتعلق بحالة المشرق، خصوصا، تلعب الجغرافيا السياسية التي احتفظت، إلى حد كبير، ببنية العلاقات الاستعمارية، والتي لا يزال إنجاح مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين يمثل محور السياسة الغربية، من دون أي أفق لتسوية ممكنة، دورا حاسما في تقويض سيادة دول المنطقة وإفراغها من مضمونها، أي من قدرتها على بناء جماعةٍ وطنيةٍ مستقرةٍ ومتضامنة، وعلاقات سلام إيجابية فيما بينها.

حروب داخلية وإقليمية متفجرة تدفع، بشكل متزايد، إلى انهيار الدول وتفكيكها إلى إمارات حربٍ تتحكّم بها مليشيات أهلية

لذلك، ما لم تُبذل جهود دولية جدية لتغيير البيئة الإقليمية، ووضع حد للحروب الداخلية والإقليمية المتفجرة التي تدفع، بشكل متزايد، إلى انهيار الدول وتفكيكها إلى إمارات حربٍ تتحكّم بها مليشيات أهلية، وأحيانا تتحوّل فيها السلطة المركزية ذاتها إلى ما يشبه الإمارة الحربية، سيكون من الصعب استعادة الدولة، بما تعنيه من سلطةٍ سيدةٍ ومرجعيةٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ وإحياء السياسة كمشاركة في الحياة العمومية، كما هي مطروحة في معايير العصر وقيمه المدنية والأخلاقية. لكن لن يكون لهذه الجهود نتيجة واضحة، ما لم تدرك النخب الاجتماعية المحلية دورها في وضع هذا المشروع الضخم على مساره الصحيح، ومسؤولياتها في الأخذ بيد الشعوب، والاهتمام بمصيرها ومساعدتها في تنظيم قواها والارتقاء بوعيها، لتتمكّن هي نفسها من استعادة ملكيتها الدولة، وبناء سلطةٍ تستجيب لمطالبها وتطلعاتها. من دون ذلك، ستبقى الدولة غنيمةً تنتظر الأعنف والأشرس والأخبث من بين القوى المتصارعة والمتنافسة في الداخل والخارج على انتزاعها وجعلها ملكيته الخاصة ومزرعته، كما هو الحال اليوم في معظم إمارات المشرق الجديدة والقديمة. عندئذ، لا يبقى للإنسان إلا الخيار بين الموت في العبودية أو الشهادة في ثورات الحرية التي لا تكاد تنتهي، حتى تبدأ من جديد.

=========================

التزوير والتأليب في لعبة إعادة تدوير الأسد

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 1/6/2021

لعبة إعادة التدوير التي أصر نظام بشار ورعاته على فرضها وتمريرها، بمختلف أساليب الاستفزاز والمكابرة، والاستهتار بالمشاعر والانتقادات؛ هذا فضلاً عن ارتكاب كل أشكال التزوير والتلفيق والتهديد والوعيد؛ هذه اللعبة - المهزلة إنما هي استمرار منطقي لنهج تسلطي رسّخ أسسه حافظ الأسد الذي أزاح سائر منافسيه في الحزب والجيش والدولة؛ وتمكّن من ربط أصحاب المصالح بنظامه عبر شبكةٍ من العلاقات المصلحية الأمنية التي تجذّرت مع الوقت، وباتت جزءاً من المنظومة الأمنية السلطوية التي تشكلت، لتكون من أدوات ترويج النظام داخلياً، وعلى المستويين، الإقليمي والدولي. ويُشار في هذا السياق إلى المؤسسات الدينية الرسمية بصورة خاصة، الإسلامية والمسيحية، وإلى النقابات والمنظمات الشعبية. هذا إلى جانب الجامعات، فضلاً عن التجار، سيما في كل من دمشق وحلب.

وقد استطاع النظام المعني تدجين معظم الأحزاب السياسية مقابل فتاتٍ سلطويٍّ ضمن إطار "الجبهة الوطنية التقدّمية" التي أسسها عام 1972، وضمّت الحزب الشيوعي، ومن ثم الأحزاب الشيوعية، والأحزاب القومية الاشتراكية والناصرية، لتكون واجهةً يقودها على الصعيد النظري حزب البعث؛ في حين أن جميع القرارات المفصلية كانت بيد حافظ الأسد نفسه الذي كان يستند، في عملية اتخاذ القرارات وتنفيذها، إلى شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية التي كانت تبدو، أحيانا، وكأنها متنافسة ومتصارعة، ولكن الخطوط جميعها كانت تلتقي عند الأسد.

اعتمد حافظ الأسد أسلوب تنظيم "الاستفتاءات الرئاسية" التي كانت تتمحور حول فرض تجديد البيعة للرئيس نفسه، وبالنسبة التي يحدّدها هو

أما القوى والأحزاب التي رفضت السير في المشروع الأسدي؛ أو تلك التي وجد فيها حافظ الأسد نفسه خصماً لا يمكن التعايش معه، أو وجد فيها ضرورة الخصم، ليروّج نفسه بوصفه البديل الأفضل، فقد كان مصيرها الإبعاد والاعتقال والشيطنة، وإخراجها من دائرة الفعل والتأثير. ويُشار في هذا السياق إلى الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي (جمال أتاسي) والحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) وحزب العمل الشيوعي؛ إلى جانب الإخوان المسلمين. أما الأحزاب الكردية فكانت أصلاً أحزاباً مطلبية، لا تمتلك برامج تغيير السلطة، والوصول إلى الحكم، وإنما كانت تطالب بإيقاف العمل بالمشاريع التمييزية التي كان النظام قد فرضها على الكرد، فضلاً عن المطالبة بالاعتراف بالخصوصية الكردية والحقوق القومية الديمقراطية الكردية ضمن إطار وحدة الوطن والشعب.

ومع ذلك، حرصت الأجهزة الأمنية على اختراق معظم هذه الأحزاب، وعملت باستمرار على إحداث الانشقاقات فيها، حتى باتت تحت السيطرة، ولا تمثل حالة يمكن التوجس منها مستقبلاً. فالتزمت بالهامش المتاح، وظلت حريصة على عدم تجاوز الخطوط الحمراء المحددة من جانب النظام. ولإضفاء مزيد من الشرعية الشكلية على نظامه، اعتمد حافظ الأسد أسلوب تنظيم "الاستفتاءات الرئاسية" التي كانت تتمحور حول فرض تجديد البيعة للرئيس نفسه، وبالنسبة التي يحددها هو، حتى باتت هذه الاستفتاءات مناسبةً تعبويةً دورية، يعمل من خلالها النظام على شدّ عصب أنصاره، ويستهدف فرض روحية اليأس على المعارضين، حتى يصلوا إلى قناعةٍ ضمنيةٍ بأنه لا جدوى من عملية البحث عن البديل.

تحرّك المثقفون السوريون في بداية حكم بشار الأسد، وأصدروا بيان الـ 99؛ ومن ثم البيان الألفي؛ وإعلان دمشق – بيروت؛ وسرعان ما توقفت تلك النشاطات

وبعد وفاة حافظ الأسد صيف عام 2000، توفرت لحظة حاسمة للقوى الديمقراطية السورية التي كان من المفروض أن تنسّق المواقف في ما بينها، وتتحرّك لتطالب بإصلاح حقيقي يضع نهاية سلمية للنظام الأمني الشمولي، غير أن نتائج جهود عقود من التفتيت والتشتيت مارستها الأجهزة الأمنية في مواجهة السوريين، على مستوى الأحزاب والنخب، وحتى على مستوى مؤسسات المجتمع الأهلي، بل على مستوى الأسر، والتغلغل في مختلف الأنحاء عبر جيش من المخبرين، ومن خلال منظمات حزب البعث الذي كان حافظ الأسد قد أعلنه "دستورياً" قائداً للدولة والمجتمع. كل هذه النتائج وغيرها حالت دون تمكّن النخب السورية التي كانت قد تحرّكت مطالبة بضرورة إحياء المجتمع المدني السوري، من تحقيق المطلوب المنتظر. وما أسهم في ذلك عدم وجود تجارب سياسية سورية تمحورت حول الوضع السوري الداخلي الوطني، وإنما كانت القوى السياسية، وحتى الشخصيات المثقفة ذات التوجهات السياسية مهتمة بالسياسات الخارجية، وتمارس نشاطها عبر البوابات الفلسطينية واللبنانية، والعراقية؛ وحتى من خلال البوابة السوفييتية. هذا في حين أن الهمّ السوري لم يكن يمثل أولوية أساسية بصورة عامة. ولعل كثيرين منا ما زالوا يتذكّرون، في هذا المجال، القول الذي كان يردّده الزعيم الشيوعي السوري، خالد بكداش، باستمرار، وخلاصته: إذا انطلقنا من الأوضاع الداخلية سنكون في المعارضة، ولكننا نحدد موقفنا من النظام استناداً إلى موقفه من الاتحاد السوفييتي.

تحرّك المثقفون السوريون في بداية حكم بشار الأسد (وارث الجمهورية)، وأصدروا بيان الـ 99؛ ومن ثم البيان الألفي؛ وإعلان دمشق – بيروت؛ ولكن سرعان ما توقفت تلك النشاطات، وتشتت أصحابها نتيجة ضغوط النظام وتهديداته. ولم تتمكّن تلك الجهود النخوبة من التحول إلى حامل اجتماعي فاعل، قادر على اختراق الشبكات المصلحية السلطوية التي كان النظام قد بناها في مختلف المناطق السورية، وفي المدن الكبرى تحديدا.

لم تتمكّن القوى السورية السياسية، والتيارات الوطنية السورية، من التوافق على برنامج وطني يطمئن السوريين

أما اللحظة الحاسمة الثانية، فقد كانت، بعد عقد من حكم بشار الأسد المستبد الفاسد المفسد، الذي مثل استمراراً للحقبة الأسدية الأولى؛ وذلك مع انطلاقة الثورة السورية في مارس/ آذار 2011؛ وهي الثورة التي جسّدت طموحات الشباب السوري، وتطلعهم نحو مستقبل أفضل، يتجاوز واقع انسداد الآفاق الذي كان النظام قد فرضه، باستبداده وفساده وإفساده، على المجتمع السوري بصورة عامة. ولكن بكل أسف لم تتمكّن القوى السورية السياسية، والتيارات الوطنية السورية، من التوافق على برنامج وطني يطمئن السوريين أولاً؛ فكانت الانقسامات والاتهامات والتحرّكات الاعتباطية العشوائية في مختلف الأنحاء؛ الأمر الذي بدّد الإمكانات الواعدة التي كانت قد تحققت بفعل تحركات الشباب من مختلف المكونات السورية، ومن مختلف الاتجاهات وفي مختلف الجهات السورية. وقد نجح النظام في تمرير استراتيجيته التي اعتمدها، منذ البداية، لمواجهة الثورة، وهي استراتيجية فرض العسكرة وإبعاد المكونات السورية الأخرى، ما عدا المكون العربي السني عن الثورة، وإغراق الثورة بجميع الوسائل بحشد من الفصائل الإسلاموية التي شكّلت تهديداً فعلياً على الثورة نفسها؛ وأدّت إلى توجّس معظم السوريين من القادم المجهول. وقد تمكّن النظام بالتنسيق الكامل مع راعيه الروسي، والجهود الميدانية من جانب حليفه الإيراني ومليشياته من استعادة السيطرة على مناطق كثيرة، كان قد اضطر للانسحاب منها، أو فقد السيطرة عليها. وخاض راعيه الروسي معركة شرسة في مجلس الأمن، وتشخص ذلك في الاستخدام المستمر لحق النقض (الفيتو) لإيقاف أي مشروع قرارٍ كان من شأنه إدانة النظام، ودفعه نحو القبول بعملية تغييرٍ سياسيةٍ فعلية.

بلغت الأمور ضمن المعارضة ذروة الخطورة، حينما تحرّكت مجموعاتٌ بعينها في مسارات مختلفة

ونحن إذ نحمّل المجتمع الدولي، لا سيما المجموعة الكبيرة التي أعلنت عن نفسها بوصفها مجموعة أصدقاء الشعب السوري مسؤولية عدم أخذ الموقف الحاسم في الموقف المناسب، وكان في مقدورها أن تفعل ذلك، إلى جانب مطالب الشعب السوري العادلة؛ ولكننا لا بد أن نتحمّل في المعارضة السورية المسؤولية؛ إذ انشغلنا بخلافاتٍ ثانويةٍ كانت بفعل التسابق نحو أدوار ومواقع مستقبلية، في حين أن الأمور لم تكن قد حسمت بعد. وقد بلغت الأمور ضمن المعارضة ذروة الخطورة، حينما تحرّكت مجموعاتٌ بعينها في مسارات مختلفة، من دون أي تنسيق أو استراتيجية بين السوريين أنفسهم، وإنما كانت تحرّكات تتم بناء على التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية؛ أو بكلام أدقّ بناء على توجيهات (وتعليمات) القوى الإقليمية والدولية التي كان من المعروف أنها تتحرّك بناءً على حساباتها وأولوياتها ومصالحها.

وهكذا تم إفراغ مسار جنيف من مضمونه، وكان مسار أستانة الذي قزّم الموضوع السوري، وحصره ضمن "لجنة دستورية" لم ولن تصل إلى شيء، وهذا أمرٌ يعرفه جميع المشاركين. ومع ذلك يحرصون على اللجنة المعنية بطريقة تثير استغرابا واستفهاما كثيريْن.

الخطاب الذي ألقاه بشار الأسد ليسدل الستار على مسرحيته المبتذلة، أكد مجدّدا نزوعه الفاشي التابع، وحرصه على البقاء على رأس النظام وبأي ثمن

لم تفاجئ عملية تدوير النظام التي تمّت أحداً، لأنها حصيلة منطقية لسلسلةٍ من التطورات والمتغيرات والتراجعات التي كانت سواء على صعيد المواقف الدولية، أم على صعيد الانقسامات الحادّة، والممارسات المستهجنة ضمن صفوف المعارضة "الرسمية"، والقوى الميدانية المحسوبة عليها. هذه حقيقة، ما لم نعترف بها لن نتمكّن من تقديم التوصيف الدقيق لما جرى، وسيجري، مستقبلاً. كما لن نتمكّن من تحديد المطلوب، لتجاوز الوضع غير المقبول الذي تعيشه المعارضة، بكل أجنحتها، الرسمية وغير الرسمية.

لقد استغل النظام الاستفتاء الذي وضعه على مقاسه لشد عصب أتباعه ومواليه والمستفيدين منه، غير آبهٍ بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضغط على السوريين من جميع الجهات، وفي جميع المناطق؛ وغير مكترثٍ بواقع تحوّل سورية إلى مجموعة من مناطق النفوذ تتقاسمها القوى الإقليمية والدولية، فهو يصرّ على النصر الزائف الذي يتماهى مع الإبقاء على رأس النظام، وهي المعزوفة ذاتها التي تتكرّر في واقع منطقتنا، منذ رحيل الجيوش الاستعمارية وظهور وكلائها في دول المنطقة؛ وهذا ما يفسّر استمرارية أزماتنا، وانعدامية إنجازاتنا. أما الخطاب الذي ألقاه بشار الأسد ليسدل الستار على مسرحيته المبتذلة، فقد أكد مجدّدا نزوعه الفاشي التابع، وحرصه على البقاء على رأس النظام وبأي ثمن. فهو بعد أن سلّم البلاد إلى الروس والإيرانيين؛ وهجر أكثر من نصف السوريين؛ وتسبّب في قتل نحو مليون سوري، فضلاً عن مئات آلاف من المعتقلين والمغيبين؛ بالإضافة إلى تدمير البلد؛ مستعد اليوم لإشعال فتنةٍ كبرى بين السوريين، وهو يفعل ذلك بالتنسيق مع نظام ولي الفقيه الإيراني الذي يرى أن افضل وسيلة تمكّنه من التحكّم بسورية، أرضاً وشعباً، تتمثل في تمزيق ما قد تبقى من النسيج المجتمعي الوطني السوري المتهتك.

=========================

سوريا ما بعد الانتخابات

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 31/5/2021

تبدو نتائج التقديرات في الانتخابات السورية التي جرت قريبة من نتائج الانتخابات السابقة في العام 2014، ونسبتها تقارب نتائج الاستفتاء على الرئاسة الذي جرى في دورتين سابقتين؛ الأولى عام 2000، عندما نفذ النظام وصية مؤسسه حافظ الأسد بتولية ابنه مكانه، والثانية، عندما جدد الأسد الوريث رئاسته لفترة ثانية في العام 2007. وفي كل الحالات حصل الأسد الابن على الأغلبية شبه المطلقة من أصوات السوريين، رغم تباين واختلاف الظروف المحيطة بكل حالة من الحالات، الأمر الذي يعني أن إدارة العملية الانتخابية ليست لديها صلاحية تغيير النتائج، بل تأكيدها فحسب وبأي طريقة كانت، وهذا ما حصل هذه المرة وفي المرات السابقة.

الآن وبعد أن أُجريت الانتخابات، وفاز رأس النظام بفترة رئاسية رابعة، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه، يتصل بما يمكن أن تشهده المرحلة المقبلة من تطورات تحيط بالواقع السوري من جهة، والمحيط الخارجي للقضية السورية من جهة ثانية.

وإن كانت التقديرات المتعلقة بالاحتمالات السورية تؤكد أن من المستبعد حصول تطورات مهمة وقريبة في الواقع السوري، فإن الانتخابات لن يكون لها أي تأثير على السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ومن المؤكد أنه لن يكون لها تأثير إيجابي في مناطق سيطرته حتى إذ من غير المنتظر حصول تبدل في سياسات النظام، ولا في طبيعة تعامله مع السوريين أينما كانوا، ولن تغير نتائج الانتخابات قدرات النظام المنهارة على تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في مناطق سيطرته، والعكس هو المتوقع بسبب استمرار عجز النظام والأطراف السورية الأخرى عن إحداث خرق واضح أو تبدل في التوازنات القائمة، وخرائط سيطرتها الحالية مع استمرار انسدادات أفق الصراع السوري سواء لجهة عدم القدرة على حسم عسكري أو لجهة الانخراط في حل سياسي، وكلاهما مرتبط بالقوى الخارجية التي تسيطر على جميع الأطراف السورية، وتتحكم في حركاتها وقراراتها.

ويتوازى الوضع السوري مع انقسام في القوى الخارجية المتدخلة وذات العلاقة بالقضية السورية، خاصة لجهة أن حلفاء النظام أيدوا الانتخابات، وكان من المهم عندهم تجديد رئاسة الأسد. ورغم المشتركات الإيرانية - الروسية في الاستفادة منها، فإن روسيا هي الأكثر احتفاءً بتجديد رئاسة الأسد، الذي يجدد شرعية استمرار وجودها وتحكمها في سوريا، كما يجدد مراهنتها على الاستفادة من فوزه في مساعي تأمين مشاركة دولية في تمويل إعادة إعمار سوريا، الذي يشكل أحد أهم ما يشغلها في الموضوع السوري، لأنه يفتح الباب باتجاه الحصول على ديونها المتراكمة على النظام من المشاركة في إعادة الإعمار ونتائجها، ويتيح لها تشغيل ما حصلت عليه من استثمارات وعقود بطريقة أفضل مما هي عليه الآن.

غير طموحات حلفاء الأسد في تغييرات تعقب تجديد رئاسته، يقابلها صد دولي وإقليمي واسع تقوده الولايات المتحدة، التي أكدت وحلفاؤها مسبقاً أنها لن تعترف بالانتخابات، بل إن اثنين من حلفائها، هما تركيا وألمانيا وفيهما نحو 5 ملايين سوري تمثلان أكبر تجمعين للاجئين السوريين في الشرق الأوسط وأوروبا، ذهبتا عملياً إلى منع فتح مراكز انتخابات في البلدين، قبل أن تعلن الولايات المتحدة وشريكاتها الأوروبية من بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا رفض الانتخابات، التي اعتبرتها أنها غير شرعية، ولا تمثل الشعب السوري، نظراً لظروف إقامتها في ظل غياب البيئة الآمنة والمحايدة، وعدم مشاركة نحو 13 مليون سوري، ما يجعلها غير «حرة ولا نزيهة».

وكما هو واضح، فإن نتائج انتخابات الأسد، لن يكون لها أي تأثير، ولن تؤدي إلى حصول أي تغييرات في واقع القضية السورية في المستويين الداخلي والخارجي، حسب المعطيات الراهنة والمواقف المعلنة للأطراف المتدخلة في سوريا.

ومما لاشك فيه أن تأكيدات موقف الولايات المتحدة والأوروبيين الحاد حيال الانتخابات ونتائجها، وما سيتركه ذلك من أثر على مواقف بعض الدول ومنها دول عربية كانت موسكو تتوقع منها ليونة في مواقفها من نظام الأسد، واستعداداً أكبر لمشاركتها في إعادة إعمار سوريا، سيدفع موسكو للتفكير بما يمكن عمله خارج المخطط الروسي المعلن، خاصة إذا تأكد أمران؛ أولهما تأكيد الأميركيين والأوروبيين جدية موقفهما وتصعيده بصورة عملية، والثاني إعلان الولايات المتحدة بشكل واضح وصريح سياستها في الموضوع السوري، الذي قالت وكررت واشنطن أن إدارة بايدن تعيد دراسته.

=========================

سورية... رئيس مرضي عنه؟

عبسي سميسم

العربي الجديد

الاحد 30/5/2021

أنهى النظام السوري، وبمساعدة داعميه الروسي والإيراني، عملية تعيين بشار الأسد لفترة رئاسية جديدة، من خلال مسرحية الانتخابات التي حشد لها كل إمكانيات الدولة، معتمداً على إظهار الصورة، على حساب مضمون الانتخابات، وذلك من خلال إظهار الحشود، ومسيرات التأييد، وحلقات الدبكة، التي عملت الفروع الأمنية وفرق الشبيحة على جمعها.

وقد ظهر من خلال النتائج أنه حصل على نحو 14 مليون صوت، أي ما يعادل عدد سكان مناطق النظام ومناطق المعارضة مجتمعتين، إذ يبدو أنه اعتمد على أصوات كل السوريين الذين يحق لهم التصويت، بمن فيهم سكان مناطق المعارضة وشرق الفرات، وحتى الأموات الذين قتلهم النظام، الذين يبدو أنه تم إشراكهم في عملية التصويت، لينجح بشار الأسد بأكثر من 95 في المائة من أصوات السوريين.

حدث كل ذلك بينما اكتفى المجتمع الدولي بمراقبة المسرحية، وإصدار بيانات وتصريحات، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة وبعض دول الاتحاد الأوروبي، التي تؤكد فيها عدم شرعية الانتخابات في ظل مخالفة القرارات الأممية الخاصة بالحل السياسي، وتذكر الأسد بالجرائم التي ارتكبها بحق السوريين، وتؤكد أنها تمتلك الأدلة على ارتكابه جرائم بحق الإنسانية.

إن هذه الطريقة التي تعاطى فيها المجتمع الدولي مع الانتخابات السورية، تشبه إلى حد بعيد الطريقة التي يعتمدها النظام نفسه في تعيين مسؤوليه. إذ يتم تعيين معظم المسؤولين الحكوميين لدى النظام، من الفاسدين، الذين تمتلك أجهزته الأمنية كل ملفات فسادهم، والتي تبقى مسلطة على رقابهم طوال فترة وجودهم في مناصبهم، الأمر الذي يحولهم إلى مسؤولين تسهل عملية توجيههم وتحريكهم دون أية مخاوف من أن يحيدوا عن المسار المرسوم لهم، والذي في حال فكر أي منهم بالحياد عنه، فيكون جزاؤه تسريب ملفات فساده للإعلام، ومحاسبته عن جرائم كان مسكوتاً عنها.

إن إبقاء الأسد مع كل جرائمه لسبع سنوات مقبلة، دون اتخاذ موقف جدي من قبل المجتمع الدولي يجبره على الانصياع لقرار مجلس الأمن الخاص بالحل السياسي في سورية، والذي ينص صراحة على إجراء انتخابات برقابة أممية، بعد تعديل الدستور، وبعد إنشاء هيئة حكم انتقالية، يشير إلى رضى مشروط من قبل الدول المتدخلة في الشأن السوري على ما جرى، كون المرحلة تتطلب رئيساً يستطيع تقديم تنازلات، لا يستطيع تقديمها سوى بشار الأسد.

=========================

مسرحية انتخابية فاشلة

حسام كنفاني

العربي الجديد

الاحد 30/5/2021

يبدو أن رئيس النظام السوري، بشار الأسد، يصدّق فعلاً أنه نجح في انتخابات رئاسية حقيقية بنسبة 95%، ليخرج بخطاب "نصر" إلى المواطنين، أو من تبقّى منهم، ويقدّم الوعود في مواجهة التحديات، على الرغم من أنه كان من المفترض أن تُقال هذه الوعود في الحملات الانتخابية، والتي لم تحصل لا لـ"الرئيس المنتخب"، ولا لمنافسيه الصوريين اللذين كانا الكومبارس في مسرحية فاشلة بكل المقاييس. ولعل الأرقام التي أعلن عنها النظام بعد نهاية "الانتخابات" تشير إلى هذا الفشل، إذ لم يتوان الأخير عن نشر عدد المقترعين في هذه الانتخابات، والتي قال إنها كانت 14 مليوناً، أي كل المسجلين في قوائم الذين يحق لهم الاقتراع في مناطق سيطرة النظام وخارجه، على الرغم من أنه يعلم أن نحو نصف سورية خارج سيطرته، سواء في الشمال حيث مناطق المعارضة والنفوذ التركي أو في الجنوب، حيث النفوذ الروسي، والذي لم يفلح في دفع أهل درعا إلى الانتخاب، بل لم يتمكّن من منع تجدّد تظاهراتهم الرافضة لحكم الأسد.

أصرّ الأسد على المضي في فصول المسرحية، محاولاً إضفاء طابع كوميدي سمج عليها، حين تطرّق إلى الثورة في "خطاب النصر"، ووصف الثورة السورية بأنها "ثورة ثيران". وهي سماجة معتادة في خطابات الأسد أو مقابلاته، على الرغم من أن من المعروف من لعب دور "الثور في متجر الخزف" في حال الثورة السورية، ومن دمّر المدن فوق رؤوس أبنائها بالبراميل المتفجرة، ومن اعتقل مئات الآلاف وقتل مثلهم وهجّر الملايين إلى خارج البلاد.

فصول المسرحية الفاشلة أُكملت بمشاهد التصويت الإجباري في مراكز الاقتراع، واقتراع رؤساء الأقلام نيابة عن المواطنين، الحاضرين والغائبين، إضافة إلى عشرات المشاهد المصورة لابتزاز المواطنين للذهاب إلى مراكز الاقتراع أو الرقص الاحتفالي، الصوري أيضاً، بهذا "العرس الديمقراطي"، والذي لم يخجل وزير خارجية النظام، فيصل المقداد، باعتباره "أفضل من الانتخابات الأميركية".

وبعيداً عن الأرقام والمشاهد المستفزّة، لعل المظهر الأبرز للفشل في هذه الانتخابات هو أن الأسد لا يزال يصدّق أنه رئيس لسورية. فمن المعلوم أنه في ظل الوجود الروسي والإيراني، وهو ما أبقى الأسد في منصبه، لم يعد رئيس النظام السوري قادراً على أخذ قرار حاسم في داخل البلاد، فالقرار في مستقبل سورية يحسمه الروس بشكل أساسي، وهو ما تظهره معطيات الحكم من قاعدة حميميم، والتي استضافت الأسد بشكل مهين خلال زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى سورية.

مع ذلك، كان الروس حريصين على المضي في هذه المسرحية، وعملوا جاهدين لإنجاحها، إذ لا يزال التعامل الروسي مع النظام السوري قائماً على اعتبار أن سورية دولة مستقلة ذات سيادة، على الرغم من أنه خسر كل هذه السيادة لصالح حليفيه، الإيراني والروسي، فلا قرار سورياً فعلياً يمكن أن يتخذه نظام الأسد من دون الرجوع إلى هذين الحليفين، وروسيا بشكل أساسي، فنظام الأسد تحوّل، خلال السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه الإدارة البلدية المعطاة صلاحيات إدارة الحياة اليومية للمواطنين السوريين الذين يعيشون ضمن مناطق سيطرتها، لا أكثر ولا أقل. ولهذا كان لقب "مختار المهاجرين" يطلق على رأس النظام، في إشارة إلى حدود الصلاحيات الممنوحة له من قبل حليفيه.

حتى قرار الانتخابات كان قراراً روسياً، لم يكن للأسد أن يجريها لو لم تقبل موسكو، فهذه تريد بهذا المشهد تأكيد أنها الحاكم الفعلي في الملف السوري، ولا أهمية لكل المسارات التفاوضية التي تعمل على حل الأزمة السورية، وأن لا لجنة صياغة دستور أو غيرها من شأنها أن تطيح الأسد من دون مراضاة روسيا.

معطيات لا شك في أن الأسد يعلمها مع المحيطين به، ومع ذلك ها هو يحتفل بـ"نصر" الاحتفاظ بقصر المهاجرين.

=========================

الأسد المتحور

بشير البكر

سوريا تي في

الاحد 30/5/2021

بشار الأسد في الرئاسة الرابعة يختلف عنه في الرئاسات الثلاث السابقة. والفارق الذي لن يطل الوقت حتى يظهر على نحو ملحوظ هو ما بين الرئاستين الثالثة والرابعة. ففي الثالثة عام 2014 كان قد تورط في الحرب على الشعب السوري، وبدأ يخسر مساحات واسعة من سوريا، وتعاظمت قوة داعش، والتي سيطرت على مساحات واسعة من سوريا والعراق، الأمر الذي خلط الأوراق. وفي الدورة الحالية الرابعة يتجه لجني ثمار الحرب، والعمل على ترجمة نتائجها، وكانت الإشارة الأولى إلى ذلك التصويت من مدينة دوما التي ارتكب فيها ثاني أهم مجازره الكيماوية في عام 2015 وسقط فيها 110 قتلى. وأراد من ذلك أن يوجه رسالة قوية للداخل والخارج يكشف فيها عن الوجه الجديد الذي سيرافقه في الولاية الرابعة، وجه مجرم الحرب الذي فرض نفسه رئيسا على جزء من السوريين رغم رفض أغلبية السوريين له، والتشكيك بشرعية انتخاباته من قبل قوى دولية مثل الولايات المتحدة، وبعض دول أوروبا المؤثرة، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا.

أي بحث يتعلق بمصير الأسد من الآن فصاعدا، سيكون على أسس جديدة ومختلفة

تفاوتت مستويات ردود الفعل على الأسد في انتخابات الدورة الرابعة، ويمكن لنا أن ندرجها في ثلاثة. الأول هو التشكيك بشرعيتها من قبل الدول الغربية الكبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، والثاني هو الصمت والترحيب الضمني، كما هو حال أغلبية الدول العربية. والثالث هو الترحيب من قبل روسيا وإيران، الراعيتين الفعليتين اللتين استثمرتا في جرائم النظام ووفرتا له التغطية السياسية والدعم المادي من موقع الشريكتين، وهو ما يرتب عليهما أعباء كبيرة في المرحلة المقبلة من أجل إعادة تأهيله وتسويقه من جديد. وهذه لن تكون مهمة سهلة في جميع الأحوال ولكنها لن تكون مستحيلة. وإلى حين إجراء الانتخابات كان الرهان ممكنا على تسوية ما يتم فيها إبعاد الأسد من خلال عملية سياسية ضمن تفاهم دولي وإقليمي، ولكن هذا الاحتمال بات بعيدا، وأصبح خلفنا، وأي بحث يتعلق بمصير الأسد من الآن فصاعدا، سيكون على أسس جديدة ومختلفة، ترتبط قبل كل شيء بموازين قوى دولية وإقليمية خاضعة للترتيبات التي يعمل من أجلها المحور الروسي الإيراني، ولا تلقى معارضة فعلية من أميركا وأوروبا.

وإذا أمعنا النظر في الوضع العربي المحيط بسوريا، فإننا لن نجد سوى استمرار العجز والاستنكاف عن لعب دور فاعل في المسألة السورية، يقود إلى إنتاج معادلة يتم فيها استعادة الملف السوري من أجل التوصل إلى تسوية سورية تحفظ وحدة سوريا، وتضع حدا لطموح الأسد في عودة قريبة إلى الجامعة العربية كخطوة أولى نحو استعادة الشرعية المفقودة، بل إن الحال العربي الراهن يلعب لصالح الأسد، فالدول العربية الأساسية مثل مصر والسعودية والمغرب والجزائر والعراق تميل إلى فتح أبواب الجامعة أمام الأسد، وهناك دول أخرى تنادي وتعمل علانية من أجل ذلك مثل الإمارات وسلطنة عمان وتونس والسودان، وبالتالي فإن الكفة تميل لصالح رفع الحظر الذي جرى فرضه على النظام عام 2012 من خلال تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية.

في حال اتفاق واشنطن وطهران، فإن وضع الأسد سوف يصبح مرتاحا مثلما كان عليه بعد اتفاق إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عام 2015

وعلى العموم هناك أربعة عوامل أساسية تتحكم بالموقف وتشكل مفاتيح وعقد تعويم الأسد. الأول يرتبط بالمفاوضات الخاصة بالملف النووي الإيراني، والتي تسارعت وتقدمت بصورة ملحوظة في الشهرين الأخيرين. وبات من المرجح التوصل إلى اتفاق نهائي في غضون الأشهر المقبلة ما لم تحصل تطورات تقلب الطاولة. وفي حال اتفاق واشنطن وطهران، فإن وضع الأسد سوف يصبح مرتاحا مثلما كان عليه بعد اتفاق إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عام 2015، حين أفرجت الولايات المتحدة عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة. وإذا بدأت مرحلة جديدة من رفع العقوبات عن إيران سيكون الأسد من بين أكبر المستفيدين من ذلك. والعامل الثاني مرهون بالتفاهمات الروسية الإسرائيلية من حول جنوب سوريا وحضور إيران القوي هناك. وهذا أمر يتوقف على قدرة موسكو للضغط على إيران من أجل القبول بترتيبات أمنية لطمأنة إسرائيل، وهو ليس بالصعب كثيرا في حال نالت طهران قسطا مجزيا من الصفقة. والعامل الثالث يتعلق بشمال غربي سوريا. وتبقى هذه المنطقة رهن التفاهمات الروسية التركية، وبعد مواجهات عسكرية مديدة في عامي 2019 و2020 هدأت الجبهات، وبقيت عدة مسائل معلقة منها وضع هيئة تحرير الشام المصنفة على لوائح الإرهاب، والتي تسيطر على مساحات واسعة من محافظة إدلب وريف حلب، ولا يمكن تسوية هذه المشكلة من دون تفاهم يرضي تركيا التي تحتفظ بقوة عسكرية كبيرة في هذه المنطقة، وهي على تحالف مع الجيش الوطني المشكل من بقايا فصائل الجيش الحر، ويتجاوز تعداده 100 ألف مقاتل.

أما العامل الرابع، فهو يتلخص بسيطرة قوات سوريا الديموقراطية على ثلث مساحة سوريا في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور بدعم أميركي عسكري وسياسي، وفي الوقت ذاته هناك دور كبير لتركيا في هذه المنطقة، وفي هذه الحالة يستدعي الأمر اتفاق النظام مع قسد، وهذا ليس بالأمر الصعب، إلا أنه يحتاج إلى ضوء أخضر أميركي، وتفاهم أميركي تركي يقدم ضمانات لأنقرة.

إن الانتخابات التي وصفتها أوساط سورية معارضة ودولية بأنها مسرحية هزلية هي أخطر من ذلك بكثير، لأنها مقدمة لإعادة إنتاج الأسد في غياب موقف دولي، ومباركة عربية، وعجز سوري.

=========================

ماذا في حقيبة بشار البهرزي؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي 

السبت 29/5/2021

في واحدة من»أفانين» و«أحابيل» المستشارة الرئاسية السورية «العبقرية» لونا الشبل، وبلقطة من أسوأ وأفشل لقطات الإخراج الدعائي الترويجي الفج والمقرف التي صاحبت آخر «بيعات» مسلسل الرئاسة البهرزية في سوريا الممتد لأكثر من نصف قرن، ومن بين كل تلك الصور السخيفة والمضحكة والمقرفة المنشورة لابن البهرزي، والتي تشي، كعادة أهل الرثاثة والابتذال، بذائقة فنية وإخراجية متدنية جداً وشبه معدومة، هناك صورة تظهر بشار البهرزي، بوجه بوتوكسي منفوخ، وصدر رياضي مشدود كأحد أبطال ونجوم هوليوود، و«طقم» رسمي داكن اللون (لزوم بهاء وفخامة وجدية ورسمية الموقف) يمتشق بيده اليمنى حقيبة جلدية سوداء وتظهره وهو يخطو بخطوات ونظرات تبدو متفائلة وواعدة وواثقة، وسط حطام ودمار وركام مرعب معبـّر جداً ولكن لا تدري إلى أين ولسان حالك يقول: «الله يستر لو كانت خطواته هذه باتجاه نفس المآل والمصير الذي أودى بها سوريا وشعبها المعثـّر المسكين، فعندها على البلد وأهله السلام».

وللعلم، هذه الصورة التي انتشرت بكثافة على حاويات الزبالة، وزيـّنت أطلال وركام وشرفات بيوت مهدّمة ومدمرة ودوائر الحكومة ومؤسساتها ومعاملها المنهوبة العاطلة والمتوقفة والمفلسة والمظلمة والمقفرة، تستوحي فكرتها «الملطوشة» ومضمونها، وتحاكي، على أساس، صوراً لزعماء وقادة غربيين كبار ديمقراطيين منتخبين أصحاب كاريزمات مؤثرين بالشأن العام، وتتشبه بهم والعياذ بالله، كرئيس وزراء كندا مثلاً، أو وزيرة خارجية المفوضية الأوروبية، وعلى الأخص وزراء الخارجية الأمريكية، ورؤساء أمريكا، أو في تلك اللقطات التي تتناقلها وسائل الإعلام لتكنوقراط ووزراء ومسؤولين غربيين في مؤتمرات بمقرات الناتو «حلف الأطلسي» وبرلمان الاتحاد الأوروبي ببروكسل، على سبيل الذكر، اشتهروا بالظهور، مثلها، كتقليد بروتوكولي وهم يحملون بجعبتهم وحقائبهم الجلدية الأنيقة ملفات تخصصية جديّة شتى بالأمن والطاقة وشؤون اللاجئين ومكافحة الإرهاب والتنمية والوحدة الأوروبية والاقتصاد والتجارة العالمية والمناخ وسواها من الملفات التي تتم مناقشتها من قبل هؤلاء في هكذا لقاءات.

وهنا، لا بد للمرء أن يتساءل من فوره ماذا في جعبه وحقيبة هذا الديكتاتور بعد ثلاث دورات في الحكم أصبحت فيه سوريا عبارة عن خرابة تنعق فيها الغربان وتصفر فيها رياح الموت الصفراء وباتت مجرد سجن كبير ومقبرة حقيقية لملايين السوريين الذين يتضورون جوعاً ويعانون الأمرّين وسوء الحال والقلة جرّاء أزمات معيشية حادة وعميقة ونقص بالغذاء والماء والدواء والطاقة والكهرباء تعصف بكيانهم وتهدد حياتهم بعدما نهب البلد هو وحاشيته وعصاباته والسلالات المتنفذة ومافيات «أسماء» وأقرباء العائلة وامتدادتها وشبكات التشليح التي تقبض على لقمة الخبز وحبة الرز وتحتكر الثروات وتهربها للخارج ولا تعطي المواطن منها إلا من الجمل إذنه كما يقال، مشفوعة بطقوس من الطوابير والانتظار والإذلال والهوان؟

هل لعاقل أن يخمـّن، بعد هذه المحرقة وحمام الدم وحفلات القتل والشواء والاختطاف الجماعي للناس وإيداعهم زنازين الأجهزة البهرزية بالملايين وبعد نوبات القصف الكيماوي الهيستيرية المجنونة الحاقدة والبراميل المتفجـّرة وتدمير البيوت الآمنة على رؤوس أطفال وشيـّب ونساء ثكالى وأرامل وقاصرات وأطفال أبرياء، أن في جعبة و«حقيبة» البهرزي أي خير وأي فائدة لهذا الشعب الذي ترك وحيداً لأقداره ولمصيره على يد هذا السفاح وأبيه الوحش الموتور مؤسس النظام البهرزي؟ ماذا يمكن للص وقاتل ورئيس عصابة خطف حقيقية يختطف ملايين المدنيين والسكان ويودعهم الزنازين والمعتقلات المظلمة يتساكنون بها مع الصراصير ويتعايشون مع الجرذان والأوساخ والفئران يبتز ذويهم ويساوم أهلهم عليهم بالقروش والفرنكات، أن يحمل في حقيبته وهو من نهب البلد وموارده وأفلس خزائنها عن بكرة أبيها ونشر فيها الفوضى وعمـّم الفساد والسرقات والمحسوبيات وحمى وأمـّن الغطاء للحرامية والسرسرية القتلة الجلادين والأشرار، ومنع مساءلتهم، واحتضنهم وجعل منهم رجال ورموز حكمه البربري الإجرامي البغيض وشرّد، بالمقابل، وأذل الأحرار والمبدعين والشرفاء ورفع فيها الجهلة والحمير والأغبياء كأسطورة الاقتصاد السوري أبو علي خضر الصوص بائع القهوة (على البسكليت) والفراريج السابق؟ هل يحمل هذا البهرزي الذليل في هذه الحقيبة أرقام حساباته وأرصدته وتريليونات السلالة البهرزية المحجوزة والمودعة في بنوك الغرب الصهيوني والرأسمالي؟ أم تراه يحتفظ بأسماء ملايين القتلى وضحايا البراميل والقصف الكيماوي والصاروخي، وملايين آخرين مثلهم من السجناء والمختطفين التي تقوم أجهزة الأمن البهرزية وجيش العبيد والمرتزقة البهرزي باختطافهم من الشوارع ومن بيوتهم ومن غرف نومهم من الوطنيين والشرفاء والأحرار وأصحاب الرأي والمفكرين والمثقفين الذين باتت تغص بهم سجون السلالة البهرزية، وللتذكير هنا بمسلسل اختطاف عشرات النساء المحصنات الكريمات الشريفات مؤخراً على الحواجز العسكرية والشوارع من الإعلاميات والحقوقيات والناشطات كالإعلامية المخضرمة هالة الجرف والمفتشة القاضية فريال جحجاح وسواهن الكثيرات وإيداعهن السجون جنباً إلى جنب مع صاحبات السوابق و… وأستغفر الله دون خجل وحياء وأي اعتبار لكرامة وشرف وأعراض الناس) لمجرد انتقادهن الفساد وسرقات البهارزة؟

هل يحمل مزيداً من الخطط العبقرية والجهنمية والشيطانية لقهر وإذلال واغتصاب واختطاف وسجن وتعذيب وإفقار وتجويع المزيد من السوريين؟ هل فيها أسماء المطلوبين لأجهزته البهرزية ودافعي البدل العسكري أم مشاريع لقوانين ضرائب جديدة لتشليح البشر وسلبهم مدخراتهم؟ أم لعله، وهنا بيت القصيد، ذاك الملف الأدسم الذي يدغدغ خيال البهارزة وهو ملف التوريث لحافظ البهرزي الصغير المشهور بجحش الرياضيات، وكيفية العمل على نقل السلطة له كما نقلت لبشار البهرزي، لاسيما أنه احتل وظيفة أمنية حساسة، وحمل رتبة عسكرية، وهي الإشراف على مركز البحوث والدراسات العلمية، ذي الطبيعة العسكرية والبحثية العلمية التكنولوجية والاستراتيجية وبات هذا «الولد» شبه الأبله والغر عديم الخبرة والمعرفة الآمر الناهي ويشرف على علماء الذرة والنووي وأساتذة الفيزياء النووية والكيمياء التطبيقية والأبحاث الذرية ومخابر المعهد الشهير الذي يعتبر اليوم أهم منشأة أمنية بحثية ذات طبيعة عسكرية تتعلق بأمن البلاد، وكله بتوصية، وبتدبير بليل، من «جاسوسة القصر» (كما بات لقب سنكوحة الجرجير أسماء البهرزي وهو الاسم الذي يتناقله السوريون همساً فيما بينهم حين يذكر اسم هذه «الأفعى الحرباء» الجشعة النهمة للثروة وجمع المال الحرام وتشرف بالوقت نفسه على عمل زوجها الطرطور(كبير الجواسيس حسب ما هو متداول) وترشده وتأمر بتنقلات وتعيينات وترقيات الضباط وتأمر بتسريح وتوقيف كبار جنرالات الأمن والجيش في «المهمة» المريبة الموكلة إليها والتي باتت حديث وهمّ الشارع السوري، مع متابعتها لملف ومسلسل تجويع وتخريب وإفقار سوريا الذي تنفذه بنجاح باهر مذ دخلت البلاط البهرزي قبل عشرين عاماً من الزمان.

خمـنوا معي، وفكـّروا، وافتكروا، وأناشدكم، عباد الله، ما الذي يمكن أن تحويه حقيبة هذا المهرج و«الخويتة» الهبيلة بشورة البهرزي؟ بل ما الذي كان أصلاً، من قبل، في حقائب النافق المقبور أبيه القاتل المجرم حافظ الوحش البهرزي، من خير ورفاه للسوريين، اللهم سوى تلك المكائد والمؤامرات وفتح السجون والمعتقلات وحفلات التصفيات الجماعية وارتكاب المجازر والقيام بالسرقات ونهب الاقتصاد وتدمير البلاد وترويع العباد والفتك بالزرع والضرع وقتل الأبرياء وتشريد خلق الله؟

=========================

ماذا سيقدّم الأسد لمن انتخبوه؟

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 29/5/2021

الآن، وقد أعاد بشار الأسد انتخاب نفسه رئيساً على سورية، في عملية بدت مهينة لأنصاره بالدرجة الأولى، لما انطوت عليه من إذلال جرّهم مثل الماشية إلى صناديق الاقتراع، وإجبارهم على الرقص وترديد الأهازيج، تحت طائلة قطع رزق من لا يفعل ذلك من موظفين وعساكر، ماذا بعد ذلك؟

لا شيء في أفق البلاد التي حوّلها الأسد وحلفاؤه إلى خراب، لا أمل ولا عمل، ولا حتى الحصول على الكفاف وملء البطن، ولا أمان في بلادٍ تغولت فيها أجهزة الأمن وصارت مجرّد ماكينة قتل واعتقال، تحتاج دائما إلى وجود ضحايا لضمان استمرارية صلاحية مسنّناتها، حتى لو أدّى الأمر إلى اعتقال أشد المناصرين للنظام، كما فعلت الأجهزة في الأشهر الأخيرة باعتقالها عشرات المؤيدين، بحجة كتابتهم لتعليقات تنتقد أداء حكومة الأسد، وليس الأسد شخصياً، في الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلد.

لم يعد السؤال، منذ زمن بعيد، ماذا في وسع الأسد أن يقدّمه لحل الأزمة التي أدخل سورية بها، بما ينتج عن ذلك تفكيك أزمات عديدة نشأت على الهامش، مثل أزمة اللاجئين في دول الجوار، وعلى حدود تركيا، والذين يعيش أغلبهم في ظروفٍ يمكن وصفها باللاإنسانية، ولا أزمة ملايين النازحين الذين دمّرت مدنهم وأحياؤهم، وباتوا هائمين على وجوههم داخل سورية، بدون أدنى إمكانية للمساعدة في مواجهة هذه الظروف، سوى ما يقدمه ذووهم في بلاد اللجوء من مساعدات، بعد أن يقتطع الأسد جزءاً منها، في ما يشبه الخوة التي يتحصل عليها فتوّة الحارة.

سابقا كان من السهل على نظام الأسد حل مشكلة أنصاره، عبر التوظيف في مؤسسات الدولة السورية، ولكن اليوم ماذا يقدّم لهم بعد أن أفلست الدولة نفسها؟

يدرك أصحاب هذه القضايا أن الأسد عاجزٌ عن تقديم أدنى حل لأزماتهم المذكورة، بل هو يقصد عدم إيجاد حلول لهذه الأزمات لأسبابٍ لم تعد خفية، فالأسد الذي لم يخف يوماً فرحه بالتجانس الديمغرافي، لا يزال يرى في سوريين كثيرين باقين في سورية ما يعكر صفو ذلك التجانس، لذا لا وسيلة للخلاص منهم سوى تصعيب ظروف حياتهم إلى أبعد الحدود، وإقفال جميع طرق المستقبل في وجوههم، ليتسربلوا خارج البلاد، ويقول لهم بالسر والعلن: لن أقدّم لكم شيئاً، ألم يطلب وزير خارجيته فيصل المقداد من اللاجئين السوريين في لبنان القدوم إلى سورية للتصويت في انتخابات الأسد ومن ثم العودة إلى لبنان؟ ومعلوم أن هؤلاء اللاجئين، إذا لم تعتقلهم أجهزة الأسد الأمنية وتنكّل بهم، سيضطرون لدفع كامل المعونة التي يتحصّلون عليها من مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، أجرة انتقالهم من بيروت إلى دمشق ثم العودة، كما سيطالبهم النظام بصرف مائة دولار بأسعار تصريفه المنخفضة.

السؤال إذاً، ماذا سيقدّم الأسد لما تسمى "بيئته الحاضنة"، أو المتحمّسين لبقائه في السلطة سبع سنوات أخرى، وقد عانت تلك البيئة، مثل بقية البيئات السورية الأخرى، من شظف العيش نتيجة الأزمة الاقتصادية الخانقة. صحيحٌ أن أفرادا من هذه البيئة استطاعوا تدبير أنفسهم، من خلال الانخراط باقتصاد الحرب وشبكات تهريب البشر والسلع، والتعفيش أو السطو على المناطق التي يتم تهجير سكانها، لكن تلك كانت حلولاً فردية في الغالب، كما أن عوائدها الحقيقية كانت لصالح أمراء الحرب والفئات الجديدة الصاعدة في هذه المرحلة.

كل سوري، موال ومعارض، ذهب مجبراً للمشاركة في انتخابات الأسد، فسنوات الحرب المديدة لم تترك شيئاً مستوراً

سابقاً، كان من السهل على نظام الأسد حل مشكلة أنصاره، عبر التوظيف في مؤسسات الدولة السورية (القطاع العام)، إلى درجة أن هذه المؤسسات تضخمت بشكل جنوني، حيث بلغ مثلاً حجم الموظفين في المؤسسات الإعلامية (ثلاث صحف رسمية وهيئة الإذاعة والتلفزيون) آلافا من الموظفين، وقد يمضي المحرّر الصحافي عمره الوظيفي من دون أن يحرّر مادة واحدة، وكذلك الأمر في باقي المؤسسات، التعليم والري والزراعة وسواها. أما المقرّبون وأصحاب الواسطة فكان النظام يضعهم في مؤسساتٍ وأماكن تعود عليهم بمردود عالٍ بسبب فرص الفساد التي يحصلون عليها في تلك المؤسسات.

لم يعد هذا الحل متوفراً لدى النظام، بسبب انخفاض قيمة العملة، حيث أصبحت المرتبات لا تساوي أكثر من عشرين إلى ثلاثين دولاراً، مقابل أزمة غلاء حادّة في أسعار السلع والحاجيات الضرورية، بل وبات أبناء البيئة الموالية يحسدون الطرف الآخر، لأن له من يسنده في الخارج، أولئك الهاربين، أو قل الناجين من قوائم موت الأسد، الذين ركبوا البحر هرباً من موت محقق لكثيرين منهم، والذين يرسلون إلى ذويهم ما تيسر من مساعدات. وللمفارقة، هؤلاء، وليس روسيا وإيران، هم من باتوا بتحويلاتهم، التي بلغت في شهر رمضان الماضي، حسب مصادر سورية، حوالي مليار دولار، يجعلون البلد قادرا على الوقوف على أقدامه.

أصبحت سورية حكراً على الأسد والفئات التي صعدت في أثناء الحرب

كل سوري، موال ومعارض، ذهب مجبراً للمشاركة في انتخابات الأسد، فسنوات الحرب المديدة لم تترك شيئاً مستوراً. بات لدى السوريين، من كل الجهات، علم بأن البلاد أصبحت حكراً على الأسد والفئات التي صعدت في أثناء الحرب، وقد شكل هؤلاء ثروات هائلة على حساب جوع السوريين وفقرهم. أما البيئة الموالية فقد انتهى دورها مع توقف المدافع، وبعدما نزفت جيلاً كاملاً على مذبح كرسي الأسد، وما عليها اليوم سوى البحث عن مخارج لأزمتها، كأن يركب أبناؤها البحر هرباً إلى قبرص، أو أي جهة أخرى.

لو كان للسوريين أن يختاروا، فلن يختاروا من يعرفون، حقّ المعرفة، أن جوعهم سيستمر سبع سنوات أخرى في ظل سلطته، فلا الغرب سيوقف عقوباته، ولا العرب سيقدّمون لهم ما يسد رمقهم، بينما ستزداد أرصدة روسيا وإيران من أراضي سورية وثرواتها.

=========================

وجهة نظر : لأبطال منبج تحية وتجلة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

2/ 6/ 2021

كنت أكره "شيخ الكتاب" الذي ينقر على رؤوسنا ونحن صبية صغار  بالقصبة من بعيد وما زلت !!!! وما زلت أراه في صور وأشكال ، يحرك النار ويغني لأوارها ولهيبها ، ويخدع من يخدع " بصك غفران " أو عقوبة " حرم " يضرب به وجه أو قفا كل من قال له " لا "

وأوجه أول أمري التحية والتجلة لأهالي منبج الأحرار الذين ما زالوا يقارعون الظلم والظالمين أفانين ...

ثم أدعو الله أن يتقبل شهداءهم في عليين ، وأن يشفي جرحاهم، وأن ينصرهم على أعدائهم ..

ولو كان سهما واحدا لاتقيته .. ولكنه سهم وثان وثالث

اللهم انصر أهلنا في منبج، ثبت أقدامهم ، خذّل عنهم عدوهم . اربط على قلوبهم وسدد رميهم . ولي على منبر الشيخ عقيل المنبجي ذكريات وأيام.

ثم أقول لكل الذين التحفوا الحدث تنطحا وتنطعا ...

الثورات لا تقاد على طريقة " شيخ الكتاب أبوقصبة طويلة " سورية لن تتحرر بتحريك أي مربع من مربعات العيش فيها. هؤلاء الشهداء الذين ينشدون " ركضا إلى الله بغير زاد " هم أبناؤنا وإخواننا وأهلونا ، وليسوا سلة عملات احتياطية تتصرفون بها مرة يورو ومرة دولار ..

الفعل الثوري يجب أن يكون في سياق، والحدث الذي ينتظم في شبكة وسلسلة تمتد حتى تقلع المستبد الفاسد، والأحمق الباغي... إذا تحركت مدينة أو بلدة ، فزع كل السوريين لها ، وليس راحوا يصفقون ويصفرون ( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً )

وإذا غاب مشروعكم فالصمت أولى بكم ..

وكلهم يغدو يتمسح بشعر مدينة البحتري الجميلة ...

خداع يا قوم يمارسه عليكم المفلسون ..

يا أبناء منبج الأحرار ...

ادفعوا عن أنفسكم وعن أعراضكم وعن أمولكم قدر ما تستطيعون ، واصبروا إن وعد الله حق ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون..

( وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ )

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

============================

لماذا الانتخابات السورية؟

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

السبت 29/5/2021

الهدف من أية انتخابات هو حدوث تداول سلمي للسلطة، وهذا يعني أن ثمّة مأسسة للنظام السياسي قد حصلت قبيل الانتقال إلى إجراء الانتخابات، فلا يُعقل أن تحدُث الانتخابات في ظل نظام استبدادي، لأنها ستفقد الغاية منها، وتتحوّل إلى نوع من شرعنة الاستبداد.

أهمية مأسسة النظام السياسي قبل الانتخابات تكمن في أنها تنزع عملية احتكار العنف من أي مرشّح، بحيث يصبح العنف حكراً على الدولة التي تكون في موقفٍ محايدٍ من المنافسة الانتخابية. ولهذا السبب، أكّدت الأمم المتحدة وورقة مبعوثها السابق إلى سورية، دي ميستورا، ذات الـ 12 بنداً، أهمية البيئة المحايدة قبيل الانتقال إلى إجراء الانتخابات، فمن دون هذه البيئة، ومن دون أن يمتلك أحد المرشّحين العنف، لا معنى للانتخابات.

يدرك النظام السوري هذا جيداً. ومع ذلك ليس في مقدوره عدم إجراء الانتخابات، تشريعية ورئاسية، لأنه إن لم يفعل، فإنه يعترف عملياً بأن حكمه استبدادي لا شرعي، ويعترف أيضاً بشرعية العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، مساراً وحيداً وقانونياً للحل السياسي في سورية. بالنسبة للنظام، ليس هدف إجراء الانتخابات تداول السلطة بشكل سلمي (هذا مرتبط بالدول الديمقراطية التي تجاوزت مسألة تحديد طبيعة النظام السياسي وبنيته)، وإنما مرتبط بإنتاج شرعية مفقودة له. ومن هنا كان إصراره دائماً على إجراء الانتخابات في موعدها.

الأمم المتحدة تعتبر الانتخابات الرئاسية غير شرعية، لأنها عمل فردي خارج سياق العملية السياسية الأممية

وأحد مفارقات السياسة أن النظام السوري والأمم المتحدة يلتقيان في النظر إلى الانتخابات الرئاسية التي جرت أخيراً، من حيث إنها ليست جزءاً من العملية السياسية التي ينصّ عليها قرار مجلس الأمن 2254 حسب تصريح المبعوث الأممي الخاص إلى سورية، غير بيدرسون.

بمعنى أن الأمم المتحدة تعتبر الانتخابات الرئاسية غير شرعية، لأنها عمل فردي خارج سياق العملية السياسية الأممية، المناط بها الوصول إلى حكم سياسي جديد ورشيد على أساس ديمقراطي. وفي عملية الفصل هذه، يلتقي النظام والأمم المتحدة، وإن كانت الغايات مختلفة.

لا يهتم النظام السوري بمسألة إضفاء الشرعية الدولية على العملية الانتخابية التي يُجريها، فهذه مسألةٌ غير مهمة، وتخضع لاعتبارات المصالح الدولية البراغماتية. ويمكن أن تتغيّر في المستقبل مع تغيّر المعطيات الإقليمية والدولية، ما يريده الآن هو تكريس عملية سياسية موازية للعملية الأممية، وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية هو أساس هذه العملية، بغض النظر إن كانت العملية ديمقراطية أم لا، فرؤية النظام إلى الديمقراطية تختلف جذرياً عن رؤية المجتمع الدولي.

ما يهم النظام على مستوى السياسة الدولية هو القبول وليس الاعتراف، أي القبول بالأمر الواقع. وهو يعوّل على المتغيرات التي حصلت في البيئات، المحلية والإقليمية والدولية، منذ انتخابات الرئاسة السابقة عام 2014، لجهة التراجع الحاصل في المواقف الدولية بشأن طبيعة الحل السياسي والموقف من الأسد ذاته، فبعد أن كان الحديث عن هيئة حكمٍ انتقاليةٍ ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، انتقل الحديث عن حكم شامل وغير طائفي، مع ما في هذه العبارة من غموض. وبعد أن كان الحديث عن تقاسم السلطة وفق سلة الحكم، انتقل التركيز على الإصلاحات الدستورية، وبعد أن كان الأسد خارج المُفكّر فيه دولياً في أية عمليةٍ سياسيةٍ، أصبح الأسد منذ عام 2016 جزءاً من العملية السياسية، وإن احتفظ المجتمع الدولي بعبارة أن الأسد لن يكون جزءاً من مستقبل سورية، مع ما في هذه العبارة أيضاً من غموضٍ سياسي.

أيضاً، من وجهة نظر النظام، فإن تكريس العملية السياسية من طرف واحد يبعث رسائل للسوريين تحت سيطرته بأن الأمور عادت إلى طبيعتها، كما كان الأمر قبل عام 2011، وأن أية محاولة للتشكيك في شرعيته سيردّ عليها بعنف شديد، وهكذا تتحوّل غطرسة القوة إلى شرعية قانونية.

إن تكريس العملية السياسية من طرف واحد يبعث رسائل للسوريين تحت سيطرته بأن الأمور عادت إلى طبيعتها، كما كان الأمر قبل عام 2011

وهذا ما يحاول النظام تحقيقه على المستوى الإقليمي، وربما الدولي، فهو يتوقع أن تتجه بعض الدول إلى الانفتاح عليه، بعيد الانتخابات التي أعطاها أولوية كبيرة جداً، لجهة الإخراج الفني لها، خصوصاً أنه لم تصدر مواقف عربية أو من جامعة الدول العربية تندّد بالانتخابات، فضلاً عن سماح دولٍ بإجراء الانتخابات في أراضيها، سيما فرنسا التي ما يزال خطابها السياسي رافضاً العملية الانتخابية التي يجريها النظام السوري. غير أن ما يلفت الانتباه في أثناء "الانتخابات" وقبلها هو درجة العهر السياسي لجهة الاستهتار بعقول ملايين السوريين وملايين العرب والمجتمع الدولي ومشاعرهم: وزير خارجية النظام يشكّك في الديمقراطية الأميركية، ويعتبر أن لسورية ديمقراطية أعرق من الديمقراطية الأميركية، والأسد يعتبر قيمة المواقف الغربية من "الانتخابات" تساوي الصفر.

ومع أن هذا التصريح يعبّر عن ثقة وقوة زائفتين، إلا أنه يجانب الصواب، بسبب تراخي المجتمع الدولي تجاه النظام، ومنحه القوة الكافية لاستعادة زمام الأمور.

=========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com