العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 06-01-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

حين يُطلق المعارض السوري الرصاص على نفسه

شعبان عبود

العربي الجديد

الخميس 3/1/2018

تتحمّل المعارضة السورية، بمؤسساتها السياسية وبنخبها ومثقفيها، جزءاً كبيراً مما آلت إليه الأمور على الصعيدين، الميداني والسياسي، السوريين. لا تتحمل مسؤولية كاملة، لأن ما حصل منذ العام 2011 أكبر من أن يتحمّل مسؤوليته طرفٌ وحيد، ولأن القضية السورية تصبح أكثر تعقيدا، حين البحث في أسباب ما آلت وانتهت إليه الثورة السورية. أيضا لا بد من التنويه إلى أن المسألة تتعدّى تحميل طرفٍ دون غيره المسؤولية. وليست هي عملية جلدٍ للذات، بقدر أن ما حصل يستدعي من كل الأطراف السورية المنخرطة في الصراع إجراء عملية مراجعةٍ وقراءةٍ ضروريةٍ، وبأساليب علميةٍ رصينة، حتى تتم الاستفادة، وأخذ العبر، وحتى لا تتكرّر المآسي والويلات، وتذهب التضحيات سدىً، وتصير نسياً منسيا. يبدو النظام السوري أنه انتصر على خصومه، وينتصر ميدانيا وسياسيا اليوم. هذا صحيح، لكن يجب أن نتذكّر أنه ليس انتصارا نهائيا، وهو انتصار ما كان ليتم إلا بعد تدمير البلاد، ومقتل مئات من الآلاف من السوريين، وما كان ليتم لولا تدخل قوى خارجية. وكان ثمن هذا الانتصار شبه الناقص والمشكوك فيه مكلفا على النظام ومؤيديه، إلى درجة أنه كاد أن يتهاوى في أواخر العام 2015، لولا التدخل العسكري الروسي. هذا يعني أن النظام مطالبٌ أيضا بإجراء مراجعة ضرورية، والتعلم مما حصل، فيما لو أراد عدم تكرار انتفاضة شعبية ثانية، تهدد وجوده، لكن ثمّة شكوكاً في أن يقوم أو يستطيع القيام بذلك، وهو المنتشي اليوم بلذّة الانتصار.

"انتصار النظام ليس نهائياً، وما كان ليتم إلا بعد تدمير البلاد، ومقتل مئات من الآلاف من السوريين"

ما يهم هنا هو المعارضة السورية، والظواهر السلبية التي رافقت أداءها ووسمته على مدار الأعوام المنصرمة من عمر الثورة، والأخطاء القاتلة التي وقعت فيها.

يحتاج البحث في ذلك استفاضة وزمنا، ويحتاج جهودا كبيرة من النخب السورية المعنية بما حصل. وليست وظيفة هذه المقالة التصدي لمسيرة المعارضة وأدائها، ورصد كل الأخطاء التي وقعت فيها وأسباب ذلك. نحن هنا نبحث في ظاهرةٍ لافتةٍ مستمرة، وما زالت تطبع آليات عمل (وتفكير) كثيرين محسوبين على المعارضة. نظرة سريعة اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر لنا حدة الاستقطاب والتشرذم والشللية بين مكونات المعارضة السورية وأجسامها. وقبل ذلك كله، تُظهر حجم مناخات التطرّف والطفولية والانتهازية في خطاب معارضين وناشطين كثيرين، وأدائهم وسلوكهم، على منصات "السوشيال ميديا".

للخروج من إطار العموميات، تُستعاد هنا بعض الأمثلة لما شهدته هذه المنصّات من صراعاتٍ وخلافاتٍ وحملات تخوينٍ بالأسماء الصريحة ضد أشخاصٍ هم معارضون آخرون. بمعنى أن معارضين سوريين، ولأسبابٍ ما، قرّروا أن يهاجموا شخصا معارضا آخر محسوبا على المعارضة، لمجرّد أنه كان موظفا في الحكومة السورية أو عسكريا في الجيش السوري أو صحافيا في وسائل الإعلام الحكومية. وكلنا يعرف أمثلةً عديدة عن حملاتٍ استهدفت وزيراً سابقاً أو إعلامياً ما، وأفرزت هذه الحملات حالة من الاستقطاب بين جمهور المعارضة، وصل إلى درجة تناول الحياة الشخصية والقدح والذم والتخوين والتهديد بالقتل.

لقد استوقف هذا المناخ كثيرين منا، وربما شعر آخرون بحزنٍ لما آلت إليه أحوال المعارضة. لا أعرف لماذا كنت، ومنذ البداية، أشعر بالقلق إزاء ما يحصل، وأتحسّس مخاطره العميقة على الجميع، وخصوصا على العمل المعارض والمنخرطين فيه. كنت ولا أزال على ثقةٍ بأن النظام السوري ينظر الى كل معارضيه، وبكل أطيافهم نظرة واحدة. وأدرك في أعماقي أن الجميع مطلوبون ليكونوا تحت سكينه، وما هم إلا "خونة" و"عملاء" بنظره، فلماذا كل هذا التشرذم، وما هي ضرورات هذا الاقتتال والشخصنة ودوافعهما، وما جدوى افتعال هذه المعارك، حيث الجميع فيها خاسرون؟

كان لافتا أنه، على سبيل المثال، وبدلا من أن يتم تشجيع وحماية واحتضان من كانوا يعملون في مؤسسات حكومية، أو يشغلون مواقع في النظام، قبل أن يقرّروا الابتعاد عنه، والانتماء للثورة السورية. كان لافتا حجم التشكيك بهم وبخياراتهم الأخلاقية والسياسية الجديدة، ليس التشكيك فحسب، بل نظرة من هم محسوبون على المعارضة اليسارية التقليدية (وغيرها) بفوقية إليهم.

مفهوم ومقدّر أن يقف يساري وسجين سابقا مع الثورة السورية، فهذا هو الخيار المتوقع والمرتقب منه، ولن يكون جديدا أو مفاجئا. ولكن ما كان مهما أكثر، وما هو موضع تقدير وفرح أكثر هو الموقف الذي يتخذه مثلا زميل صحافي يعمل في مؤسسة إعلامية حكومية، حين يقرر حسم خياراته، ويقرر الوقوف مع الثورة، ومع شعبه الذي كان يتظاهر ويهتف للحرية والشوارع ويُقتل فيها ثمناً لذلك. هذا ما هو مفرح، وما كان منتظرا، وهذا ما كانت الثورة والمعارضة بحاجته. فمع هذا الخيار، المُكلف جدا لصاحبه على المستويين، الشخصي والعائلي، تكسب المعارضة خبرة وموقعا وإضافة، ويخسر النظام أكثر وأكثر.

للأسف، ما حصل، وما صار ملحوظا من حملات تشويه وتشكيك ضد هؤلاء كان مخزيا. حملات لا مبرّر لها أبدا، ولا تفسير إلا قِصر النظر، وانعدام الخبرة لدى المعارضة السورية ورموزها التقليديين، إضافة إلى أسباب ربما سيكولوجية، تتعلق بتشوّهاتٍ نفسيةٍ أصابت معارضين كثيرين ممن قضوا سنواتٍ طويلةٍ في السجون، وحين خرجوا باتوا يحقدون على كل من لم يدفع الثمن الذي ذاقوه. وحين قامت الثورة اعتقدوا أنها ثورتهم، وهم من صنعوها، ووحدهم من كانوا يعارض هذا النظام. ولذلك وحدهم، حسب تفسيرهم، من لديه حقوق ملكيتها الحصرية، بحيث يقرّرون من ينضم إليها!

كلنا سمع بالأقاويل عن ذلك الوزير وانتهازيته، لأنه "استفاد من النظام، ويريد اليوم أن يجني من الثورة"، وعن الضابط الذي كان "أداةً يبطش بها النظام طول عمره، وجاء ليقود العمل العسكري، ويصبح قائدا عسكريا في المعارضة". وكذلك سمعنا بالصحافي الذي "كان مغمورا طول عمره في تلك الصحيفة، ويريد أن يبقى في الواجهة مع المعارضة"..

"قدّمت المعارضة غير الناضجة أثناء ربيع دمشق المبرّرات للنظام لخنق التجربة ووأدها في مهدها"

لم يتوفر لدى المعارضة السورية، مع الأسف، ذلك الحسّ البراغماتي، والنظرة الاستشرافية المستقبلية، في التعامل مع الخصوم التي علّمنا إياها التاريخ من درس فتح الرسول محمد الباب واسعا لأبي سفيان للدخول في الإسلام، بقوله "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". ومعلومٌ ماذا قدمت هذه الإضافة للإسلام - الدولة على يد معاوية بن أبي سفيان. كان الرسول، بحسّه الاستراتيجي، وكونه صاحب قضية، "سياسيا"، يعرف أهمية الإضافة الذي سيحدثها أبو سفيان لصالح الإسلام، ويدرك حجم الخسارة الكبيرة لدى معسكر الخصوم.

بين عامي 2000 و2001، خلال تغطيتي الصحافية فترة ربيع دمشق ومنتديات الحوار الوطني، لفتت نظري كثيرا حدّة الخطاب المعارض وتطرّفه، ومستوى السقف الذي رفعه في وجه نظام قويٍّ ومستبدٍّ ومتجذر. وقتها كان النظام، عبر عناصره الأمنية، يراقب ما يجري، وينتظر الفرصة السانحة للانقضاض على التجربة وإجهاضها. ولقد قدّمت له المعارضة غير الناضجة، عبر خطابها المتطرّف، ومطالبها غير الواقعية، وانتقاداتها اللاذعة كل المبرّرات لخنق التجربة ووأدها، وهي في مهدها.

واليوم، يبدو أن معارضتنا، أو معارضاتنا الكثيرة، لم تتعلم أي شيء، ولا تريد أن تتعلم من شيء، حتى لو كان الثمن دمار وطن، وضحايا بمئات الآلاف. ما زالت المعارضة لا تنتج إلا خطابا إقصائيا ضد الجميع، متجاهلة حجمها وموقعها وإمكاناتها، باحثة عن كل ما يفرّق بينها، وليس ما يجمعها مع بعضها بعضا.

==========================

التطبيع العربي مع نظام الاسد... ما له وما عليه

عبدالوهاب بدرخان     

الحياة

الخميس 3/1/2018

في الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 توصل وزراء الخارجية العرب الى قرار يعلّق مشاركة وفود سورية في اجتماعات مجلس الجامعة العربية «الى حين قيامها بالتنفيذ الكامل لتعهداتها وتوفير الحماية للمدنيين السوريين»، ودعا القرار الجيش السوري الى «عدم التورّط في أعمال العنف ضد المدنيين». أرفق ذلك بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية ودعوة الى اغلاق السفارات وسحب السفراء. كانت تلك نهاية مبكرة للمبادرة العربية التي لم تعمّر عملياً أكثر من ثلاثة شهور، ونهاية للدور العربي في معالجة الأزمة. كان قراراً عربياً «منطقيّاً» ومبرّراً في سياق الأخذ بدروس عاصفة «الربيع العربي»، بل كان نتيجة إفشال النظام السوري وساطة الجامعة لـ «وقف العنف» والتوجّه الى «حل سياسي» بحوار سوري - سوري. لكنه كان أيضاً قراراً اميركياً، بمعزلٍ عمّن قاد الحملة لتنفيذه. في الشهور التي سبقت تجميد العضوية كان كلّ عواصم العالم دعا النظام الى أن يكفّ عن قتل مواطنيه ويقود مبادرة داخلية لإنهاء الأزمة، واستغلّت أنقرة علاقتها الجيّدة مع بشار الاسد آنذاك لدعم تلك المبادرة فانتهت الى قطيعة مع دمشق، عندئذ تقدّم «تعريب» الأزمة لحلّها، ومن ثمّ عُقدت الآمال على «التدويل» الذي فتح الأبواب لكل التدخّلات في سورية، من دون حلول.

كانت تلك المرّة الثالثة التي تتخذ فيها الجامعة العربية خطوةً كهذه، تحت وطأة الأحداث، وليس بالضرورة إنفاذاً لمبادئ ينصّ عليها ميثاقها. في الأولى، عام 1990، لم يكن الأمر يتطلب ضغوطاً دولية، بالأحرى أميركية، لأن دولة عربية (العراق) غزت دولة عربية أخرى (الكويت) واحتلّتها، ما لم يكن مقبولاً بأي اعتبار أو مقياس، فالحدث فرض نفسه كما فرض وسائل مواجهته، ومع أن عضوية العراق لم تجمّد إلا أن المشاركة العربية في حرب تحرير الكويت كانت نبذاً واضحاً لنظامه. في الثانية، عام 2011، لم يكن هناك بحث في تجميد عضوية ليبيا، إذ أن التدويل السريع لأزمتها لم يترك للجامعة خياراً آخر غير توفير «مشروعية» عربية لقرار مجلس الأمن الذي يجيز لحلف الأطلسي منع نظام معمر القذافي من استخدام سلاحه الجوي لسحق الحراك الشعبي في شرقي ليبيا، ما لم يمنع الجامعة بعدئذٍ من التحفّظ والاعتراض على التدمير الغربي المنهجي الذي قضى على كلّ المقوّمات الدفاعية لأي دولة يُفترض أن تنهض من ركام «دولة القذافي». في الثالثة، عام 2011 أيضاً وبناءً على الدرس الليبي، حاول العرب في سورية استباق التدويل معتقدين بأن النظام السوري مختلف، أي أنه أكثر براغماتية ومسؤولية. لم يكونوا يعرفونه على حقيقته. وبعد كل ما حصل لا يزالون لا يعرفونه.

لم يكن مطلوباً في أي وقت اعتناق شعارات «الربيع العربي» كما هي، فهي شعارات غلبت عليها التلقائية وكانت معبّرة عن طموحات وحقوق لا تزال منشودة ومشروعة. ولا كان مطلوباُ الانسياق مع وجهة التحوّلات التي اندفع تيار الإسلام السياسي الى مصادرتها بكل تسرّع وجهل وفوضوية، وبـ «اخوانه» و»سلفه» و»قاعدته» و»داعشه» وغيرهم، ما أظهر أنهم في أحسن الأحوال لا يعرفون مجتمعاتهم وفي أسوأها لا يحجمون عن تفضيل سيناريوات الخراب علّها تفضي الى تمكينهم واعادتهم الى الواجهة. كان المطلوب أن يكون هناك تأسيس لسلوكات عربية تغلّب روح الدولة وحسّ المسؤولية في إدارة شؤون الناس، وترجّح التوافق الوطني وليس سفك الدماء لتحصين أنظمة الحكم. وعلى رغم فشل ما كان مؤملاً به لا يمكن بأي حال اعتبار أن سلوكات الأنظمة كانت صائبة مئة في المئة ولا أن الحراكات الشعبية كانت خاطئة مئة في المئة أو أنها فقط ثمرة تآمر وتدخلات خارجية. حتى الحالات العابرة من الترحّم على القذافي وصدّام حسين، والقبول بالاسد ضمناً أو علناً، لا تعدّ «حنيناً» الى نهج صالح بل تعبيراً عن خيبة أمل وألم ويأس وتخبّط بين استبدادات دموية أدّت عملياً الى اجتذاب الاحتلالات الأجنبية وتعميق التدخّلات الخارجية، وبالتالي الى تفكيك الدولة وتشريع الإجرام «الرسمي» وتدمير العمران وتمزيق نسيج المجتمعات.

إذا كان تطبيع الحكومات العربية مع نظام الأسد بات قطاراً متأهباً للانطلاق فلن يستطيع أحد إيقافه بالمهاترات والردح أو بالشتائم والبذاءات، خصوصاً أن الحكومات تقول أنها تقدم على هذه الخطوة مدفوعة بمصالحها، التي يُفترض أن تكون أيضاً مصالح عربية عامة، وبهذا المعنى تشمل كذلك شعب سورية المكلوم. إذاً فلا شيء يمنع المصارحة حول مغزى هذا التطبيع، لأن هناك تعارضاً صارخاً بين ما يقوله إعلام النظام و»محور الممانعة» وما يقوله المدافعون عن العودة العربية الى دمشق. هل أن الانسحاب الأميركي من سورية هو الذي أكمل تسخين قطار العودة، وإذا كان الأمر كذلك فهل أن الانسحاب هيّأ للعرب فعلاً ظروفاً مؤاتية لملء الفراغ وإقامة توازن مع تركيا وايران؟ في المقابل، هل أن تطوّر العلاقات مع روسيا بلغ درجة من الطمأنات والضمانات بإمكان ضبط الدورين الإيراني والتركي، أم أن موسكو تبحث فقط عن دور عربي يرفد دورها سواء بإعادة تأهيل نظام عصيّ على التأهيل أو بالمساهمة في تمويل إعادة الإعمار؟

في أي حال، ثمّة مصلحة في أن لا يكون التطبيع العربي مع الاسد مجانيّاً وبلا مقابل، وأن لا يكون مجرّد تزكية للنظام وممارساته، بل أن يكون معطىً مؤثّراً وقادراً على تحقيق الإنصاف في إنهاء المحنة السورية. لا مصلحة في أن يرسّخ هذا التطبيع، كما يبدو حالياً، وكما يبدو التطبيع العلني والسرّي مع إسرائيل، انطباعاً بأنه يتمّ على حساب السوريين والفلسطينيين ولا يأخذ قضاياهم ومعاناتهم وتضحياتهم في الاعتبار، بل «يشرعن» النظام السوري بعنفه وطائفيته كما يفعل مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي وجرائمها. هذا النوع من التطبيع يؤسس لاحتقانات وصراعات جديدة ولا يفضي الى أي ثبات أو استقرار، أما «المصالح» التي تبرّره فقد ينجح أصحابها في التوصّل اليها وقد يفشلون لكنه في السياق يحقق فقط مصلحة الطرف الآخر ويخدم خياراته ولا يستطيع إقناعه بأي تنازلات إحقاقاً للحق. فكل يوم يقدم النظام السوري على خطوات لتأكيد أنه لن يتغيّر، ولا يرغب ولا يريد ولا يستطيع أن يتغيّر، فهو ممتلئ بالاقتناع بأن نهجه الدموي ولا شيء آخر هو ما أبقاه في السلطة وهو ما يضمن مستقبله. ومع أنه يشاطر حليفه الروسي في أولوية «إعادة الاعمار» فإن سلسلة المراسيم و»لائحة داعمي الإرهاب» التي أصدرها تشير الى أن أولويته الخاصة هي الثأر المبيّت من سوريين عارضوه وحتى من عرب أبدوا مواقف ضدّه.

يتردّد أن النظام تعهّد في اتصالاته العربية بأنه قادر على «اخراج ايران» من سورية، وما على العرب سوى أن يجرّبوه ليجدوه.

ليس معلوماً اذا كان هذا التعهّد أُرفق بشرح لأسباب تجنيس الآلاف من الايرانيين والأفغان والباكستانيين والعراقيين وغيرهم لتمكينهم من السكن الاحتلالي لبلدات وقرى أُفرغت من سكانها السوريين، أو بعرض لمسوّغات التغيير الديموغرافي الذي يتّبعه النظام نفسه في المدن الكبرى، أو أخيراً بإبداء تصوّر واضح لحل سياسي حقيقي يمكن أن يعيد اللاجئين ويوحي بالثقة للمجتمع الدولي كي يشارك في إعادة الاعمار... الواقع أن العودة العربية الى سورية تبقى محفوفة بالشكوك في إمكان تحقيق أهدافها السياسية أو «العروبية» المعلنة، خصوصاً أنها تتمّ استنسابياً وفي أجواء انقسامية ومن دون تنسيق واضح وأهداف مشتركة معلنة.

المقارنة مع العودة العربية الى العراق ونتائجها قد تكون موحية، إذ أن حاجة القوى الدولية الى العرب لإقامة توازن داخلي لا تكفي، بل ينبغي أن يكون هناك توجّه استراتيجي موحّد تقوده الدول العربية الأساسية، ولا مؤشّرات بعد الى وجوده.

==========================


الدرس السوري والدرس المضاد

  بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 3/1/2018

لم يمض وقت طويل على تحول الثورة الشعبية في سوريا إلى حرب مدمرة خاضها النظام على سوريا والسوريين، حتى بدأ طغاة من العالم العربي، وإعلامهم، يستثمرون الحالة السورية بوصفها «درساً» لشعوبهم ليعتبروا به، ويتخلوا عن كل أمل في التغيير، بدعوى أن التمرد الشعبي هو المسؤول عن دمار سوريا وقتل مئات آلاف السوريين وتشريد ملايينهم.

مضمر هذا التلفيق هو أن الأنظمة الدكتاتورية المزمنة هي قدر لا مفر منه، وأنها من الوحشية ما يجعلها تدمر البلدان التي تحكمها ولا تسلمها لشعوبها. هذه «طبيعتها» المجبولة عليها، كحال الذئب الذي لا يمكن أن نتوقع منه أن يمتنع عن افتراس الشاة.

والحال أن هذا الوصف المضمر وحده سبب كافٍ لكي تحسم الشعوب المقهورة أمرها، فلا تستكين حتى إسقاط تلك الأنظمة الذئبية والتخلص منها إلى الأبد، حتى لو كان ثمن ذلك الفناء التام. أي أنه في مقابل شعار «الأسد أو نحرق البلد» لا يمكن أن يقوم إلا شعار «يسقط الأسد حتى لو دمر البلد». ذلك لأن الاستكانة والخضوع، أمام خطر الفناء، وبخاصة إذا كان بعد تمرد فاشل، يعني العبودية المطلقة التي لا يمكن لإنسان أن يتحملها.

ربما في فترة أولى فعل «الدرس السوري» فعله، فتوقفت التمردات الشعبية في عدد من البلدان، واستكانت مصر التي شهدت، في العام 2011، واحدة من أجمل ثورات الربيع العربي وأكثرها وعداً، لحكم عبد الفتاح السيسي، فبدا أن موجة تلك الثورات قد انحسرت بعد ارتطامها بالجدار السوري القاسي. لكن عودة الربيع من الباب السوداني تكاد تعيد إشعال شرارة أمل جديدة تخبرنا بأن ما بدأ في العام 2011، ثم انتكس بسبب وحشية قطيع الذئاب الذي انقض على الربيع العربي، لن يدفن بسهولة كما أملت تلك الذئاب. وهذه لا تقتصر على نظام بشار الكيماوي أو ذئاب الجهادية العالمية الذين انخرطوا في الصراع على وأد الثورة السورية، بل تشمل أيضاً تلك الأنظمة المرعوبة من يقظة شعوبها التي استبقت أي تمرد في بلدانها بالعمل على ضرب الثورات القائمة في البلدان الأخرى، سواء بمساندة نظام الأسد أو أشباهه، أو بإغراق الثورة الشعبية بوحشية الجهاديين. وبعض من تلك الأنظمة يتلهف اليوم لتطبيع علاقاته مع نظام الأسد، بعد عداء ظاهري استمر لسنوات. فهذا، في نظرها، أوان قطاف الحصاد، بعدما أوشكت الحرب على النهاية، كما يذهب بها الظن.

عودة الربيع من الباب السوداني تكاد تعيد إشعال شرارة أمل جديدة تخبرنا بأن ما بدأ في العام 2011، ثم انتكس بسبب وحشية قطيع الذئاب الذي انقض على الربيع العربي، لن يدفن بسهولة كما أملت تلك الذئاب

سفاح السودان عمر البشير الذي انتقل من الدعوة إلى قتل الأسد إلى فاتح باب التطبيع معه، عاد من دمشق إلى الخرطوم ليستقبله الشعب السوداني بتمرد عفوي لا يبدو أنه قابل للاحتواء بسهولة. لقد طفح الكيل وانتهت فترة السماح، بعد عدد من المحاولات السابقة المحبطة. من شأن النجاح المأمول للثورة السودانية القائمة الآن أن يعيد الأمل إلى حركة التاريخ بعد الانتكاسة السورية ـ الليبية ـ اليمنية.

والحال أن فقدان القدرة على تحمل ما لا يطاق لا يقتصر على السودانيين أو العرب، وإن كانت ظروفهم هي الأشد قسوة. فحركة السترات الصفراء في فرنسا، على رغم انتمائها إلى مجال حضاري مختلف، كانت أيضاً، بمعنى من المعاني، رداً على التردي السياسي الذي بات يطبع العصر بطابعه. تردٍ من علاماته المشؤومة صعود اليمين الشعبوي وخطاب الكراهية والعداء للاجئين والأجانب في أكثر من بلد في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية.

كذلك هي الحال مع الإيرانيين الذين لم تتوقف احتجاجاتهم منذ ما قبل بداية العام الماضي. تخبو حيناً ثم تعود من جديد. فأربعين سنة من حكم الملالي وفسادهم وقبضتهم الحديدية ومغامراتهم الحربية المكلفة والحصار الخانق الذي تسببوا به، قد جعلت الحياة في ظل تغولهم لا تطاق.

ربما هذا هو الدرس المضاد الذي سيعمل في الاتجاه المعاكس للدرس السوري. بل حتى في سوريا نفسها، وفي لحظة سياسية يبدو فيها النظام وكأنه «انتصر»، وحليفه الروسي متفرداً في تقرير مصير البلد، ولم يبق في الميدان «المعارض» غير بقايا منظمات جهادية معادية للثورة أو مجموعات مرتزقة فالتة ملحقة بالأجندة التركية أو مقاتلو «قسد» الذين يستعدون للعودة إلى حضن النظام… في هذه اللحظة القاتمة، إذن، تظهر شعارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدن وبلدات استعاد السيطرة عليها خلال العام الماضي، ويتم تنفيذ عمليات نوعية متفرقة ضد تجمعات ميليشياته.

ربما من المبكر تحميل هذه التطورات الأولية أكثر مما تحتمل. لكنها تحمل رسائل لا تحتمل الجدال فحواها أن هناك حدوداً لطاقة البشر على التحمل. فإذا تجاوز الطغاة الذين ظنوا أنهم آلهة مؤبدون تلك الحدود، فلا شيء يمكن أن يقف أمام السيل الجارف.

إذا كانت الأنظمة ـ الذئاب حيوانات مفترسة بطبيعتها، فالبشر ليسوا خرافاً دائماً.

==========================


السوريون وأميركا وأزمة الثقة

رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 1/1/2019

قرار ترامب بسحب القوات الأميركية كاملة من سوريا يعكس رؤية أميركية ضيقة للنظر في مصالحها في سوريا وكل السياسات التي تم رفعها من مواجهة إيران في سوريا أو منع وجود حزب الله في الأراضي السورية أو ضمان الانتقال السياسي للتخلص من الأسد، كل هذه السياسات التي كان يتحدث بها وزير الخارجية الأميركية ووزير الدفاع ومبعوث الولايات المتحدة إلى سوريا جيمس جيفري كلهم تم وضعهم الآن في موقف محرج بعد قرار ترامب الأخير، وهو ما يضع سياسة الولايات المتحدة كلها في المنطقة موضع تساؤل بسبب غياب الثقة الكلية في الاعتماد على الولايات المتحدة التي يمكن أن تغير استراتيجياتها بين يوم وليلة وأن تضع حلفاءها موضع الخطر وهو ما أشار إليه الرئيس الفرنسي ماكرون الذي أشار إلى الولايات المتحدة لم تتشاور مع فرنسا خلال سحب قواتها من سوريا لا سيما أن فرنسا ما زالت تحتفظ بقواتها في سوريا ولو كان العدد محدوداً للغاية.

أزمة الثقة في الولايات المتحدة هي تشكل اليوم عماد تعامل الحلفاء والأصدقاء مع الولايات المتحدة بسبب سياسات

منطقة الشرق الأوسط مقبلة على مستقبل في غاية الحلكة والظلام حيث انهيار كامل لقيم الحرية والتعددية وانحسار من كان يدافع عنها، مقابل صعود لقيم القوة العسكرية المجردة

ترامب غير المتوقعة وغير الموثوقة، التي تتغير بين تغريدة وأخرى على التويتر وهو ما يضع كل السياسة الأميركية في موضع المتقلب الخطر بعد أن كانت مصدر للثقة والاطمئنان بسبب اعتمادها على أكبر قوة عسكرية في العالم التي تستطيع دوما تغيير الوقائع وفقا للمصالح التي تدافع عنها.

إن انعكاسات ذلك على سوريا وعلى مستقبل منطقة الشرق الأوسط ككل خطير للغاية، حيث تملأ روسيا التسلطية فراغ الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وروسيا المتهمة بارتكاب جرائم الحرب في سوريا لا يهمها سوى تثبيت دعائم التسلطيات القائمة ممثلة في الدكتاتور الأسد، حيث لا اعتبار لقيم المحاسبة أو حقوق الإنسان أو العدالة، وهو ما يعنيه أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على مستقبل في غاية الحلكة والظلام حيث انهيار كامل لقيم الحرية والتعددية وانحسار من كان يدافع عنها، مقابل صعود لقيم القوة العسكرية المجردة بهدف تحقيق المصالح الشخصية على حساب قيم الديمقراطية والتعددية التي كانت تملأ السماء على مدى السنوات الثمانية الماضية مع بدء ثورات الربيع العربي التي ما زال شعارها في إسقاط النظام يتردد اليوم في السودان.فما هي الرسالة التي يمكن أن يفهمها السوريون ومن خلفهم العرب اليوم، أن نضالهم من أجل الديمقراطية في المنطقة يجب أن يكون نضالاً ذاتياً وأن الاعتماد على الولايات المتحدة في ظل ترامب اليوم يقود إلى تحطيم هذه الأحلام، فالرئيس الاستثنائي في البيت الأبيض اليوم كل ما يفكر فيه هو ما يدخل الخزينة الأميركية، إنها إدارة الدولة والقيم الأميركية بعقلية رجل الأعمال في معنى المصالح والربح والخسارة، سوريا

في خطاب استقالته، ذكرَ وزير الدفاع جيم ماتيس أن ترامب لا يؤمن بقيم السياسة الخارجية الأميركية التقليدية، ولذلكَ اقترحَ أن يحيط نفسه بمستشارين يشاطرونه هذا الرأي

بالنسبة له قضية خاسرة ماليا فالانسحاب منها أفضل من الدفاع عن قيم لا تعني بالنسبة له شيئاً.

كتب والتر راسل ميد في الواشنطن بوست أن ترامب يختار سياسة خارجية جيفرسون (راند بول) مقابل سياسة خارجية جاكسون (توم كتن). لكن الصحيح أن قرار ترامب احتوى على عناصر من الانعزالية والأممية، وقد أظهر أنه قادر على القيام بكليهما.

في خطاب استقالته، ذكرَ وزير الدفاع جيم ماتيس أن ترامب لا يؤمن بقيم السياسة الخارجية الأميركية التقليدية، ولذلكَ اقترحَ أن يحيط نفسه بمستشارين يشاطرونه هذا الرأي. وهذا هو تلخيص قرار انسحابه من سوريا فإذا كان مستشاروه لا يثقون بقراراته فكيف للسوريين الذين دفعوا ثمنا غاليا لتردد سياسة أوباما والآن جاء ترامب ليقوم بالشيء ذاته.

يجب أن يتعلم السوريون أن يثقوا بأنفسهم فقط، بقدرتهم على تحقيق مصالحهم وإنجازها بأنفسهم، اتكالهم في ثورتهم على غيرهم كلفهم الكثير وما زال، لكن إمساكهم زمام أمورهم بأيديهم هو لب نجاحهم وقدرتهم على تحويل ما كان حلما يوما ما إلى حقيقة. فالحلم قد يبقى جزءا من الخيال لكنه يصبح واقعاً عندما تعززه قدرة الثقة بالنفس على صنع المستحيل وهو ما على السوريين اليوم أن يؤمنوا ويعملوا من أجله.

==========================

الإرهاب فنّ صناعة الطاغية

محمد المولدي الداودي (تونس)

العربي الجديد

الثلاثاء 1/1/2019

صناعة "الجهاد والجهاديين" فن من فنون الأنظمة العربية المستبدّة بشعوبها، ومن أشكال الاستجابة لخيارات القوى الكبرى المتحكّمة استراتيجياً في مسارات السياسة العالمية وتوجهاتها السياسية والاقتصاديّة. في الحرب الأفغانية السوفييتية، كان "الجهاد الأفغاني" خيارا لممالك الخليج، عبر الدعاية والتمويل والمساهمة في القتال المباشر من خلال إرسال المتطوعين. وفي هذه الحرب، امتزج الفعل القتالي بالفعل المخابراتي، عبر آليات الاختراق والتوجيه، وتحديد المكاسب الاستراتيجيّة، ووضع خطط التخلّص من المقاتلين، بعد استكمال المهمات الظاهرة والخفية، وكثيرا ما تتعلق خطط التخلّص من "الخطر الجهادي" عبر الحروب الأهلية بين الجماعات المختلفة في الرؤى والمصالح. وهذا ما حدث فعلا بعيد انسحاب السوفييت من بلاد الأفغان.

في الحرب الإيرانية العراقية، ذات الثماني سنوات، تطوّع عربٌ كثيرون، وانخرطوا في مجريات هذه الحرب، وفق رؤية قوميّة مذهبية، وقاتل بعضهم مع العراقيين، دفعا للخطر الفارسي، ودرءا لتصدير "الثورة الإسلامية". وقاتل بعضهم

مع الإيرانيين، استجابة لفتوى المرجعيات، وانتصارا للطائفة والمذهب. ولا ننسى تحالف نظام حافظ الأسد مع الإيرانيين في مواجهة النظام البعثي في العراق.

بعيد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، كانت تلك المجموعات من المتطوعين العرب عناصر بنائية، لتشكيلات مسلّحة مرتبطة بالنظامين الإيراني والعراقي، أو عناصر مخابراتية دعائية في بلدانها للنظامين البعثي أو الخميني.

بعيد غزو الكويت، ومع بداية الحرب، توجهت جحافل من المقاتلين العرب نصرة للنظام العراقي. وتوجهت كذلك جحافل من العرب الشيعة المشرّدين في إيران ولبنان، لمقاتلة النظام العراقي، وإنهاكه وإسقاطه. وكانت هذه المجموعات المنتصرة للنظام في مواجهة العدوان "الثلاثيني" قوميّة سنيّة، جمعت بين التوجّه القومي والحماسة الدينيّة. أما العرب الشيعة فاختاروا إنهاك النظام والمساهمة في إسقاطه ( الثورة الشعبانية سنة 1991).

بعيد سقوط بغداد، وتفكّك الجيش النظامي، وتحلّل المكوّن السني، بدأت موجة ثانية من "الجهاديين العرب" في القتال في العراق في المناطق السنية، وجمعت هذه المجموعات الجهادية المتطوعين الجهاديين، وبقايا الجيش النظامي السنّي.

كانت الحالة "الجهاديّة العراقيّة" في مواجهة الوجود الأميركي "الصليبي"، أو مواجهة "الحكومة العراقيّة" الصفويّة، مزيجا من التوافق الإقليمي الداعم. وإن بشكل خفي، خصوصا النظام السوري الذي عمل على تسهيل دخول المقاتلين العرب. ووجد كثيرون منهم في سورية بشّار الأسد منطقة آمنة للتدريب والاختفاء والتسليح والتمويل. وكانت مخابرات الأسد جزءا مهما في تشكيل هذه المجموعات وتوجيهها، والاستفادة من عملياتها في إطار الصراع مع الوجود الأميركي في العراق.

لا ننسى قبيل موجة الثورات الشعبية العربية حجم الخلاف بين الحكومة العراقية والنظام السوري بشان مسألة دعم "الإرهابيين "في العراق، وقد اتهم رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، نظام بشّار الأسد بدعم" الإرهابيين".

كان اختراق المخابرات السوريّة والتعامل مع قيادات العمل "الجهادي" في العراق معلوما للكل، وحجم استفادة النظام السوري مع هده الجماعات "الجهادية" كان بيّنا في الصراع السياسي مع الأميركان، إذ أنّ إنهاك الوجود الأميركي

في العراق وإرباكه هو عنصر تعديل للسلوك الأمريكي في علاقته بالنظام السوري.

كانت القوى الكبرى المتناقضة في المصالح مستفيدة إلى حدّ ما من الحالة "الجهاديّة العراقيّة"، فروسيا تعمل على تخفيف الجبهة الشيشانية، وجعل العراق وجهة جذب جهاديّة، وكذلك السعوديّة. أما إيران فكانت تعمل على ترسيخ

النفوذ السياسي والعسكري في العراق، وتحويل مسألة مواجهة الجماعات الجهاديّة إلى ملف تفاوضي، يماثل ملف إيران النووي.

بعيد موجة الثورات الشعبية العربية التي انطلقت من تونس، ثم انتشرت في ليبيا ومصر وسورية واليمن، كان ملفّ الإرهاب أيسر المسالك لوأد هذه الثورات وإخمادها. ولذلك كان المخزون المخابراتي الدولي جاهزا للعمل والتنفيذ، وفق آليات تسويغ العمل "الجهادي" عبر تشكيلاتٍ دينيةٍ مذهبية وشعارات جهاديّة.

في تونس، كما في ليبيا ومصر، وخصوصا سورية، كان "الإرهاب " معبرا للأنظمة الاستبدادية القمعيّة، للعودة والانقلاب على المسار الثوري السلمي. وتمكنت الدولة العميقة والثورة المضادة المخترقة للجماعات "الجهادية" من إعادة توظيف هذه الجماعات، للانقلاب على كل إرادة تحرّر أوكل عمليّة بناء ديمقراطي، تماما كما فعل النظام الجزائري المنقلب على الانتخابات سنة 1991.

أعاد النظام السوري تجربة الجزائر بعيد الانقلاب على نتائج الانتخابات، وكانت التشكيلات "الجهاديّة" جزءا من خبرته الطويلة في صناعة الإرهاب والإرهابيين مخابراتيا وعسكريا ودعائيا.

كانت الصورة الدعائيّة "الجهاديّة" للزرقاوي الذي كان على صلة بالنظام السوري بالملامح الدعائيّة والجهاديّة نفسها لأبي بكر البغدادي.

وهكذا يتفق "الإرهابيون" المصنّعون في مختبرات المخابرات الدوليّة مع خيارات الأنظمة القمعيّة المستبدّة في وأد حركات التحرّر العربي.

==========================

ين الفراغ والسفارة /ما عاد كثير بتفرق/

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 31/12/2018

بعد مد وجزر وتكابش إرادات بين القوى المنخرطة في القضية السورية، كادت 2018 أن تُقفل أبوابها على وعدٍ ببزوغ أمل بـ "حل سياسي" بوابته انطلاق عمل لجنة دستورية سورية تضع سوريا على مسار العودة إلى الحياة. فجأة يطلق "ترامب" تغريدة تبعثر حسابات الجميع.

يشهد ختام 2018 تطورات محمومة متسارعة تفوح منها روائح دم ونذالة: دم يتوعد من يفكٍر بملء فراغ في الشمال الشرقي السوري، ونذالة في السباق لمن يصل أولاَ، ويأخذ دوراً أبكر في العودة إلى أحضان منظومة الاستبداد الأسدية. الأحداث تتسارع، وكثيرون يتزاحمون على تسجيل أسماء مزارعهم ورعاياهم في سجلات العائدين، عبر غرفة عمليات يرأسها طاقم بوتيني أهم ما يتقن التزوير والإشاعة، وآخر طبعاتها تصريح لـ "بوغدانوف" بأن إيران

منذ يومين، خرجت إلى العلن علاقة الإمارات بمنظومة الاستبداد. قيل إنها لم تنقطع؛ وقيل إن أموال آل الاسد كانت بعهدة الإمارات. التبرير المعطى هو إبعاد دمشق ونظامها عن مخالب طهران

ستخرج من سوريا؛ ويأتي ذلك في إطار الحملة التي تبث /انتصار الأسد/. ولكن، ويبقى السؤال البسيط: على من انتصر؟ وكم احتلالاً جلب؟ والى متى رَهَنَ سوريا؟

والإجابة عن هذه الأسئلة واضحة كالسيول التي تجرف خيم من اقتلعهم نظام الإجرام من بيوتهم إلى العراء؛ واضحة كمعاملة بوتين لرأس النظام في حميميم؛ واضحة كالحبر الدموي الذي وقَع به الأسد وبوتين اتفاقات بيع سوريا للمافيا الروسية لعقود من الزمن. مع كل ذلك وبعد اللقاء البرميلي البحريني- الأسدي، ومنذ يومين، خرجت إلى العلن علاقة الإمارات بمنظومة الاستبداد. قيل إنها لم تنقطع؛ وقيل إن أموال آل الاسد كانت بعهدة الإمارات. التبرير المعطى هو إبعاد دمشق ونظامها عن مخالب طهران.  بالمناسبة لم يجبر سوريٌ هؤلاء على قطع علاقاتهم مع نظام الأسد، ولا طلب منهم الدعم إلا مَن يشبههم.

يتواكب - ربما سبق هذه الحالة المحمومة من العودة لأحضان الاستبداد، بناءً على توجيهات الأسياد- حدث ملتهب آخر يتمثل بإدارة واشنطن ظهرها ثانية للقضية السورية. الملفت إيجابياً بقرار المغادرة هذا أمر يتعلق بوحدة سوريا أو بعثرتها؛ فأميركا كانت متهمة قبل قرارها بالانسحاب من سوريا بأنها تسعى لتقسيم سوريا؛ وهذه التهمة روسية بامتياز. وتتبعها تهمة أخرى تقول بأن واشنطن وراء صناعة داعش، وثالث تصريح للروس يقول بأن وجودها في الشمال الشرقي السوري غير شرعي. تلك التصريحات والتهم الروسية غاية في الأهمية بالنسبة للسوريين؛ فبإمكانهم القول الآن إنه برحيل أميركا (الطوعي أو الإجباري) سيضمنون بأن بلدهم لن يُقسًم؛ وأن معمل تصنيع داعش قد تم إغلاقه؛ وأن الوجود غير الشرعي لقوى أجنبية انتهى في سوريا. الطبيعي إذن أن يعتبر السوريون هذا الفعل الأميركي لصالح بلدهم، وإذا كان الأمر غير ذلك، فالروس يتحملون مسؤولية وتبعات كل مجانبة للحقيقة.

في الشمال الشرقي السوري، لا يخفى على أحد أن نظام الملالي ونظام الأسد ينسقان مع آلـ "بي كي كي"؛ ومعروف أيضاً أن الداعم الأساس للبي كي كي   في الشمال السوري هو أميركا؛ وهنا يبرز سؤال حساس: إذا خسر صديقهما أو حليفهما آلبي كي كي داعمه الأساس الأميركي بانسحاب الأخير؛ فهل يكون انسحاب أميركا لصالح حلف الممانعة أم ضده؟ على " الممانعة والمقاومة" أن تقرر؛ ولكن غرامها بالمكابرة والتزوير يحول دون الاعتراف بالواقع.

من جانب آخر، ودولي في هذه الحالة؛ إذا كانت موسكو تسعى عبر الساحة السورية إلى تفاهم مع واشنطن

لم يعد لدى السوري الكثير الذي يمكن أن يخسره؛ وتبدو عودة بعض العربان لعناق نظام الطغيان بالنسبة له مسألة بلا قيمة، ولكن مفاعيلها ستكون كبيرة لا على السوريين بل على مواطني تلك البلدان

حول ملفات عالمية عالقة تعنيها؛ فهل قرار ترامب بالمغادرة يصيب السيد بوتين بعدم الاكتراث الأميركي به وبملفاته وما يعنيه؟ روسيا ذاتها لا تستطيع الإجابة عن هذا السؤال. إنها مربكة؛ فلا بوجود أميركا ترتاح، ولا بخروجها تستريح؛ وسبب ذلك أن لا سياسة واضحة لديها؛ بإمكانها أن تقصف تدمر تشرد؛ بإمكانها أن تلف وتدور وتتهم؛ ولكن أن تنهج سياسة متوازنة تركز على جوهر القضية السورية، فلا أمل بذلك.                                                                 

أخيرا، لم يعد لدى السوري الكثير الذي يمكن أن يخسره؛ وتبدو عودة بعض العربان لعناق نظام الطغيان بالنسبة له مسألة بلا قيمة، ولكن مفاعيلها ستكون كبيرة لا على السوريين بل على مواطني تلك البلدان، وفقدانهم أية ثقة بمصداقية تلك القيادات البائسة بتلوناتها. ومن جانب آخر تاهت أو أصابت مقاربات موسكو بخصوص القضية السورية، فلم يعد هذا السوري يكترث لاحتلال بين الاحتلالات، أو لمحتل من المحتلين؛ فهو يدرك أن بلده غير قابل للشحن أو الترحيل؛ وستخرج كل هذه الاحتلالات، بما فيهم نظام الاستبداد. من جانب آخر- ومع انسداد الآفاق أمام السوري، وأمام خذلان العالم له- فلا أحد يستطيع أن يلومه اليوم إن هو فعل أي شيء؛ وخاصة أن هناك جهات عالمية متخصصة باستغلال واستخدام هكذا حالة لخلق المزيد من العبث والفوضى وربما الدمار في هكذا عالم يمشي على رأسه، وفقد أي بوصلة أخلاقية أو حقوقية. يبدو أن الكل بدأ يعمل بمبدأ /ما عاد كثير بتفرق/؛ ولكن هذا المبدأ قد يكون الأيسر على الأفراد، ولكن إذا عملت به الدول، فمعناه الانهيار وتعميم الدمار.

==========================

أبرز الخاسرين في عام 2018: السوريون والكرد والفلسطينيون

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 31/12/2018

يؤسس القرار الأميركي الأحادي بالانسحاب من سوريا لمرحلة جديدة عنوانها الأبرز تفرد روسيا بالسيطرة على التطورات في سوريا وجوارها الإقليمي القريب. وهو ما يعني، مباشرةً، خسارة مطلقة للسوريين الذين تراجعت فرص امتلاكهم لمصيرهم إلى الحضيض. وخسر كرد سوريا حماية الحليف الأميركي لمصلحة كل من النظام الكيماوي وتركيا. أما الفلسطينيون فقد تراجعت "مركزية" قضيتهم العربية إلى مستوى غير مسبوق، لينشغل العرب، حكاماً وشعوباً، بصراعات مختلفة يتصدرها صراع "شيعي – سني" و"الحرب على الإرهاب" وتندرج تحتهما صراعات داخلية في كل بلد لها امتدادات إقليمية.

سواء تدخل الأميركيون، في الصراعات الإقليمية، أم لم يتدخلوا، أو انسحبوا بعد تدخل، فهم يتسببون بسلسلة من المشكلات، أو يزيدون الأمور تعقيداً كما يقال. حُسِبَ على الثورة السورية، بلا وجه حق، أنها دعمت من الولايات المتحدة، وأن واشنطن عملت على الإطاحة بنظام بشار الأسد. هذه هي رواية محور الممانعة وإعلامها، وقسم مهم من بقايا اليسار الغربي. وتنتهي هذه الرواية بالنهاية السعيدة المظفرة، معلنةً "فشل" الولايات المتحدة في الإطاحة بالنظام، وانتصار هذا الأخير، مع حلفائه، عليها! في حين أن الولايات المتحدة عملت بكل ما تملك من وسائل على إحباط أي تقدم ميداني لما كان يسمى بالمعارضة المسلحة، حين كان النظام في أضعف حالاته، باعتراف الإيرانيين والروس وحزب الله جميعاً.

احتاج النظام إلى التدخل العسكري الروسي المباشر بعدما بدت إيران بكل جهودها وإمكاناتها عاجزة عن انتشاله من هاوية السقوط

وفي ذروة تدهور قوة النظام، في خريف 2013، أنقذته إدارة باراك أوباما من خلال صفقة الكيماوي المشؤومة، فمدت في عمره سنوات إضافية. ومع ذلك احتاج النظام إلى التدخل العسكري الروسي المباشر بعدما بدت إيران بكل جهودها وإمكاناتها عاجزة عن انتشاله من هاوية السقوط. هذا التدخل الذي ما كان ممكناً لولا غض النظر الأميركي عنه، إن لم نقل بتشجيع منه.

واليوم ينهي ترامب الوجود الأميركي في سوريا، تاركاً الجمل بما حمل لروسيا، على ما يمكن تأويل عبارته التي وجهها للرئيس التركي أردوغان أثناء المكالمة الهاتفية الشهيرة، حين قال له: "تريد سوريا؟ خذها. نحن عائدون إلى الوطن". ولأن "خذها" موجهة، بصورة غير مباشرة، لبوتين أكثر مما لأردوغان، فقد ارتبك هذا الأخير أمام هذا السخاء الأميركي غير المتوقع، وبات في وضع أكثر ارتهاناً للمشيئة الروسية. وهو ما يمكن تلمسه من مخرجات المباحثات الثنائية التي جرت، يوم أمس، في موسكو، وخلاصتها "التنسيق الثنائي في مكافحة الإرهاب في سوريا".

أما الكرد فقد خذلهم الحليف الأميركي مجدداً، في سوريا هذه المرة، كما خذلهم في العراق العام الماضي. ومن المحتمل أن التيار الأوجلاني الممثل في حزب الاتحاد الديموقراطي سيعود إلى حضن نظام الأسد بإشراف روسي، مقابل مزيد من ارتهان أحزاب "المجلس الوطني الكردي" لتركيا، بمعية "ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية" أو تحت مظلته. أما حزب العمال الكردستاني الأم في تركيا، فهو يعيش واحدة من أكثر فترات تاريخه انتكاساً، وواجهته السياسية "حزب الشعوب الديموقراطي" تتعرض لحملة متواصلة من القمع الحكومي بسيف مؤسسة القضاء الملحقة بالسلطة التنفيذية.

القيادة السعودية ستكون أكثر طواعية للمشيئة الأميركية، ثمناً لاستمرار حمايتها من عواقب جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي

ولم يعد لدى الفلسطينيين أي جدار يسندون ظهرهم إليه، بعدما تراجعت قضيتهم إلى مستويات متدنية من سلم اهتمامات العرب والعالم، مقابل تمتع إسرائيل بفترة ذهبية من الشعور بالمناعة والقوة والخروج من العزلة حتى في جوارها العربي. وذلك بفضل نوع من تحالف غير معلن إسرائيلي – عربي ضد النفوذ الإيراني. ومن المحتمل أن القيادة السعودية ستكون أكثر طواعية للمشيئة الأميركية، ثمناً لاستمرار حمايتها من عواقب جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي. صحيح أن الانسحاب الأميركي قد "صدم" الإسرائيليين، كما عبرت وسائل إعلامهم، لكنهم، بالمقابل، باتوا في وضع رأس الحربة في احتواء النفوذ الإيراني، وبخاصة في سوريا، الأمر الذي رأينا بدايته في الضربات الأخيرة التي وجهها سلاح الطيران إلى محيط دمشق.

وبالنسبة لإيران، لا يمكن اعتبار الانسحاب الأميركي من سوريا يصب في مصلحتهم، لأنهم ليسوا في وضع يمكنهم من استثمار نتائج هذا الانسحاب، وما دامت إسرائيل مستمرة في تنفيذ المهمة، إضافة إلى هشاشة الوضع الداخلي الإيراني الذي يتوقع أن يزداد سوءا مع ظهور نتائج العقوبات الأميركية القاسية باطراد.

تركيا التي قد تتظاهر بأنها تخلصت من عقبة أمام أحلامها في توسيع مناطق نفوذها داخل سوريا، وجدت نفسها مدفوعة إلى الالتصاق أكثر بمحور سوتشي، وبخاصة أكثر ارتهاناً لروسيا بوتين، مع وضع اقتصادي غير مستقر، ومستقبل سياسي غامض. وإذا كان رائز أنقرة الرئيسي، في سياستها السورية، منع قيام كيان كردي بإدارة ذاتية من نوع ما، فنجاحها في تحقيق هذا الهدف يرتبط بإقناع موسكو بهواجسها، في حين أن الروس أكثر ميلاً لمنح الكرد شكلاً من أشكال الإدارة الذاتية في إطار وحدة الكيان السوري، كما يمكن أن نستشف من مسودة دستور سربوه العام الماضي. وقد يكون تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، في الفترة القادمة، ثمناً لتسكين الهواجس التركية بشأن كرد سوريا. وهو ما قد يضغط الروس باتجاهه أكثر فأكثر، في الفترة القادمة، في إطار جهود تعويم نظام الأسد عربياً وإقليمياً. وكانت أبرز محطات هذا التعويم زيارة الرئيس السوداني إلى دمشق، وافتتاح السفارة الإماراتية في سوريا.

==========================


سورية وجنون ترامب وصدمته العالم

عمار ديوب

العربي الجديد

الاثنين 31/12/2018

أُصيبت وزارة الدفاع (البنتاغون) ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، وكل مكونات الإدارة الأميركية بالصدمة من قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من سورية. قدم وزير الدفاع، جيمس ماتيس، استقالته، وتضمنت استخفافاً بالرئيس، وأن عليه أن يجد وزيراً يتفق مع أهوائه. وترك المبعوث الأميركي للتحالف ضد الإرهاب، بريت ماكغورك، مهمته، عدا عن أن عشرات الموظفين الأساسيين في البيت الأبيض استقالوا من قبل. حتى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والذي لا يندهش أبداً، استغرب الأمر، أما الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فقد أجّلَ عمليته العسكرية التي كانت مقرّرة لمنطقة شرقي الفرات، ريثما تنجلي الأوضاع. وكان تصريح الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كأنّه تلقّى صفعة "الاحترامُ واجبٌ بين الحلفاء".  اهتز العالم من قرار ترامب، حيث بدت أميركا دولة تافهة بكل المقاييس: فكيف تتخلى عن مواقع عسكرية في منطقة حسّاسة، وتكلفة البقاء فيها منذ العام 2014 فقط 23 مليار دولار، ولا تُقارن بالخسارات التي تكلفتها أميركا في العراق (570 مليار دولار)، أو أفغانستان (590 مليار دولار)، عدا عن أنّ وجودها آمن، وعليه أطلقت مشاريع صفقة القرن وحصار إيران. أجمعت تحليلات كثيرة على أن الانسحاب لن يتم سريعاً، وربما خلال المائة يوم سيتم الاتفاق مع الإدارة الأميركية للتنسيق مع كل الأطراف، بما يحقق ما قاله المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، عن نصرٍ حقيقي على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتحجيم الوجود الإيراني، وإجراء تغييراتٍ كبرى في النظام السوري، هذا من جهة. ومن أخرى، قالت هذه التحليلات إن الانسحاب المفاجئ هذا قد يُدخل سورية والدول المتدخلة فيها في صراعاتٍ جديدة، وربما إلى أمد طويل؛ إيران والنظام وتركيا تحشد الآن على شمال سورية.

"بالنسبة لأميركا، سورية من حصة روسيا، بينما العراق لها؛ كل ما فعلته أميركا في سورية يؤكد هذه الفكرة، فقد كان هدفها إنهاء الثورة، وإضعاف الدولة السورية"

أولا، لا يعني قرار ترامب، ولو تمّ تنفيذه، أن أميركا لن تكون مقرّرة مع روسيا، خصوصا مستقبل الوضع السوري، وكذلك لا يعني أبداً أنها ستكون شريكة للروس في سورية، فأميركا حدّدت استراتيجيتها ضد الصين وفي المحيط الهادئ. وبالنسبة لها، سورية من حصة روسيا، بينما العراق لها؛ كل ما فعلته أميركا في سورية يؤكد هذه الفكرة، فقد كان هدفها إنهاء الثورة، وإضعاف الدولة السورية، وهو ما رفضت المعارضة رؤيته منذ العام 2011، وتأتي محاربة الإرهاب في الدرجة الثانية، ولكن بعد السماح له بالوصول إلى سورية. يعتمد منظور الرئيس الأميركي سياسة المضاربة ولغة المال والصفقات، وبالتالي ليس مهماً البقاء في سورية، ما لم تكن هناك أطراف تُمول قوات بلاده، وهذا غير ممكن، وفق موازين السياسة العالمية، قبل الاتفاق على مستقبل سورية. والمسخرة في أن الرئيس يطالب بأموال لجنوده، وفي غياب تحقق ذلك، تجب إعادتهم إلى الوطن، كما فعل وأعاد أيضاً ألاف الجنود من أفغانستان. لا قيمة لشركاء أميركا، ولا يُستشارون في أمر الانسحاب؛، حيث عَلِمَ الجميع بالخبر عبر "تويتر"؛ الفرنسيون والبريطانيون والإيطاليون وسواهم، والسؤال: هل من إهانةٍ أكثر من ذلك؟

ثانياً، جاء قرار ترامب مترافقاً مع صفقة عقدها مع أردوغان، وتخص تسليم تركيا صواريخ باتريوت وصفقة طائرات. ترامب الشعبويُّ بامتياز، نَسقَ شؤون الشمال السوري مع تركيا ولصالحها، وبما يُهمش، وربما يُنهي أي وجود عسكري كردي في سورية! وكذلك بما يدعم تركيا في أي معارك ضد المليشيات الإيرانية. ليست العلاقة مع روسيا مجال حربٍ، فأميركا "تُهدي" سورية لروسيا، وتفترض العلاقات التركية الروسية المتعددة الأوجه تنسيقاً بما يخص سورية.

ثالثاً، كان الرئيس الروسي، بوتين، قد أعلن أن 2019 عام "الحل السياسي" في سورية، وأن سابقه هو عام إنهاء الحرب والصراعات الدولية والإقليمية بخصوص سورية. ترامب يثق ببوتين، وربما تأتي خطوة الانسحاب ضمن سياق تسهيل مهمة السياسة الروسية لحسم قضية الحل السياسي هذه، والتنسيق مع الإيرانيين لتخفيف حضورهم، وكذلك مع الأتراك، لعقد تسوية سياسية تخص سورية. انتهت الثورة، فلماذا لا نتقاسم الغنائم. في هذا النقطة، تداولت الأخبار أن رئيس حكومة إسرائيل، نتنياهو، هو الوحيد الذي أًخبِرَ بقرار الانسحاب، أي أن ترامب طمأنه بأن الخطوة هذه لن تُهدد مصالح إسرائيل، وأن أميركا لم تغيّر سياساتها تجاه إسرائيل وضد إيران.

رابعاً، هناك استخلاصات يتداولها الإعلام بتسرعٍ، كالقول إن النظام وإيران وروسيا وتركيا الرابحة من قرار ترامب، وأن إسرائيل وأكراد سورية وأوروبا خاسرون. تدفع مفاجأة الانسحاب الذي كرّر قوله ترامب، في أثناء ترشحه للرئاسة مرات، إلى خلاصاتٍ كهذه. وهناك من يؤكد أن هذا الانسحاب ربما يساعد ترامب في ولاية ثانية، حيث إن الرئيس يلتزم بما يقول، وهذا مهم للدعاية الانتخابية! أما القول إن إيران والنظام سيربحان ففي هذا خطأ كبير. لن يظل النظام، حتى وفق التوافقات الروسية التركية، كما هو، وكل الكلام عن إعادته إلى جامعة الدول العربية، لن يسمح له باستعادة حضوره الإقليمي كما كان، ولا حتى سيطرته على الداخل السوري. التوافقات التركية الروسية، والآن الخلافات التي ستنشأ بينهما على إدلب، أو شمال سورية، ستدفع نحو تسويةٍ تُراعي مصالح الدول المحتلة لسورية. وأضيف أن الروس كانوا عازمين على الخلاص من الثورة منذ بدايتها، والآن انتهت، لكنهم كذلك لم يقولوا إنهم يتمسّكون بالنظام كما هو، ثم إن الأميركان ينسحبون، وأمر سورية أصبح بيدهم، والمشكلة هنا أنه ليس من أموالٍ لديهم، ورموز النظام مطلوبون للعدالة الدولية. وبالتالي، هناك ضرورة لإجراء تغيرات كبرى في النظام، حتى يتم قبوله. وفي هذه النقطة، لن تخرج أوروبا من المونة بلا حُمص.

"بوتين أعلن أن العام 2019 عام "الحل السياسي" في سورية، وأن سابقه هو عام الصراعات الدولية والإقليمية"

خامساً، الانسحاب الأميركي، وفي حال تحققه، وأيضاً وقبل قرار ترامب، كانت سورية تتجه إلى إرساء وضع نهائي "تقسيمي" بين الدول. والآن، لا يمكن لروسيا تجاهل مصالح الأكراد والمعارضة والمناطق الخاضعة للأتراك. وبالتالي، نعم، خلط الانسحاب الأوراق، لكنه لم يُغير في المعادلات بشكل كامل. ولن تستمر إيران في تمدّدها، فهناك قرارات ضدّها، بغض النظر عن وجودها في سورية. وهناك ضرورة لتحجيم ترسانتها العسكرية، وبالتالي لم تسقط قضية مواجهتها. ترامب شعبوي، ويغير من سياساته باستمرار، ولكن إيران محاصرة بعقوباتٍ اقتصادية كثيرة؛ إذاً روسيا تستلم سورية بالكامل، وبالشراكة مع تركيا، والأخيرة حليفة أميركا على الرغم من خلافاتهما. سيكون الأكراد أكبر الخاسرين؛ الأنكى أن عرب سورية سينظرون إليهم "عملاء" لأميركا، وأن الأخيرة باعتهم، والآن هناك تحالف تركي مع الفصائل، وسيتحرّك النظام لمحاصرتهم أو تركيا ستحاصرهم، ولن تمانع روسيا في ذلك بالتأكيد. أصاب جنون ترامب حزبي الاتحاد الديمقراطي (الكردي) والعمال الكردستاني بمقتلٍ. ويبدو أن جبال تركيا والعراق لم تعد موئلاً لهم. والسؤال: هل نجد تقارباً عربياً كردياً في سورية من غير أهل المتعصبين وضيقي الأفق؟ ربم

==========================


هل ننتظر ساعة الصفر التركية؟

نزار السهلي

سوريا تي في

الاحد 30/12/2018

لا ينكر أحد، أن تركيا قد تبوأت مركزها في الشمال السوري عن "استحقاق " لعدة أسباب، منها ما هو متعلق بالجغرافيا السياسية التي أتاحت للأتراك لعب دور مهم ومركزي في القضية السورية ومنها ماهو متعلق بالمصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، عدا عن استضافة ملايين السوريين داخل مخيمات على الحدود التركية وداخلها، الإطلالة على المشهد السوري من العين التركية فرض هذه الاستحقاقات، التي ارتبطت مع شعارات بقيت تصدح من حنجرة الرئيس أردوغان في البداية عن حماة، حتى وصلت وحشية النظام وعصاباته إلى حمص ثم حلب والغوطتين، وها هي تقف اليوم على مشارف إدلب وريفها تحضيراً لمعركة مؤجلة إلى حين إنضاج ظروف تسمح بها.

أول هذه الظروف، ما رشح عن تفاهم تركي أمريكي يتيح للأولى خوض غمار معركة بعد الإعلان الرسمي الأمريكي عن سحب القوات الأمريكية من الشمال، وترك الأمر للأتراك بإكمال مهمة القضاء على تنظيم داعش الارهابي، وسحق المتمردين الأكراد حسب التعريف التركي للتفاهم، من ثم التريث عن البدء في المعركة ليتاح للمحتل الأمريكي المغادرة وترتيب أوراقه بالاتفاق مع قوى الاحتلال المختلفة.

لهذا كان أمرا طبيعيا، والمؤثرات والتطورات الفاعلة جرت على هذا النحو لمصالح تركيا، خصوصا ونحن نشهد إسدال ستارة على مطلب السوريين في معركتهم مع النظام، وغير بعيد عن المصالح المزدحمة لقوى الاحتلال على الأرض يبقى النموذج التركي الأهم في التناول لارتباطه مع شعارات "أيقظت" عند بعض السوريين آمالاً في ما مضى من عمر الثورة.

لم يكف السوريين الاستماع لمرافعات العدالة والإنسانية وذرف الدموع، فقد كان سهلاً على السياسة التركية استحضار كل القيم الخيرة والمبادئ الإنسانية ضد نوايا وخطط نظام الأسد، لكن اليوم تعيد اسطوانة الطلب بجاهزية آلاف السوريين للتوجه نحو شرق الفرات والمحمولة على نفس الشعارات تعيد السؤال عن معنى إخفاء الخصم الحقيقي للسوريين، وإبعاد شبحه من أقرب نقطة مراقبة تركية في الشمال في إدلب ومنبج وعفرين وغيرها، تعلم أنقرة وحليفها الأمريكي في شرق الفرات أن التسخين شمالاً من جهة النظام وموسكو منبعه تفاهمات الأطراف نفسها أي تركيا وموسكو وواشنطن.

من أين يأتي "الحق" بطلب إعداد آلاف السوريين عسكرياً لمعركة لا تخدم الهدف الأساس؟

والسؤال المطروح من أين يأتي "الحق" بطلب إعداد آلاف السوريين عسكرياً لمعركة لا تخدم الهدف الأساس؟ إنه نفس الحق الذي أباح قبل أسابيع قليلة، لمقاتلات عراقية بتنفيذ "ضربات جوية" جديدة في منطقة سوسة القريبة من مدينة البوكمال الحدودية، وقد أعلنت القوات العراقية مراراً تنفيذ هجمات مماثلة داخل الأراضي السوري، فضلاً عن إشراك ميليشيا الحشد الشعبي ولواء أبي الفضل العباس مع عدة تشكيلات عراقية مدعومة إيرانياً بالمعارك، سواء على الحدود أو في العمق السوري لإسناد النظام، وهو الذي يبيح لقوى الاحتلال المختلفة بتنفيذ عملياتها داخل العمق السوري بعد أن حولها الأسد وعصاباته لملطشة لن يتوقف تلقيها لضربات وإهانات بفضل طغيانه.

كان من السهل على الأتراك، أو أية جهة تلعب لعبة "الدعم والتمويل" ، أن تترجم مصالحها بما يخدم مصالح السوريين، واحترام تطلعاتهم وتضحياتهم، لكننا لم نجد من السهولة ذاتها في صياغة حق النفير لا لمقارعة النظام، أو التصدي لعصاباته في كل المدن التي خُذل بها السوري، حتى داخل إدلب وريفها والتجهيز لمعركة يحشد لها النظام عصاباته من كل الميليشيا المستوردة وهو يعتمد أساسا على هذه الإنجازات من التشتت التي سوقتها المعارضة السورية عن نفسها بكثير من السلبية والأسى.

ولنفي صفة السلب عن بدايات تبعثر الأهداف في أجندة الفصائل المعارضة، نعثر على رقعة أخلاقية وإنسانية، ستبقى ناصعة في جوهر ما ناضل وضحى لأجله السوريون، إن شرق الفرات من غرب سوريا وجنوبها حتى شمالها وشرقها، كل ما أصابها ويصيبها من هوان بفعل الطاغية في دمشق، الأمريكان والروس والإيرانيون مع الإسرائيليين، وكل المجتمع الدولي يعلم هذا، لكنهم اختاروا توظيف نزع حق السوريين بالحرية من قيد الطاغية، وافتعال معارك لا تؤدي لرحليه، وهذا الأمر مفترض أن يُقنع أكثر الناس تشككاً بأنه لا أمل في انتصار السوريين، وأن عليهم التعايش مع قاتلهم.

من الصعب التكهن بوجهة سير المعارك المقبلة في شرق الفرات، من دير الزور والرقة، إلى عفرين ومنبج وفي إدلب وريفها، ومن تجربة السوريين المثقلة بأعوام من دم ودموع وآلام وهم يمضون في تطبيق أحلامهم، يتضح أن كل المعارك الجانبية كانت تهدف في محاولاتها إلى إنقاذ الأسد وتوطيد وحشيته على سوريا وشعبها، من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، كل هذه المعارك استكمال لإعادة لململة النظام المبعثر والمخردق باحتلالات واعتداءات لن تنتهي في منظور سوريا القريب،  طالما بقي الأسد زعيما لعصابته، وبقي بعض الواهمين مرتبطين مع أجندات غير معنية بحرية وكرامة السوريين، فهل بتنا ننتظر ساعة صفر تركية نعرف جميعا إنها لن تحقن الدم في بوصلة مغايرة لوجهة الطاغية في دمشق.

==========================

عام التحرّر من الوهم الأميركي

برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 30/12/2018

يطرح إعلان الرئيس دونالد ترامب عن سحب القوات الأميركية من سورية مسائل عديدة على جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، بمقدار ما تمثله الولايات المتحدة من وزن في جميع الساحات، وما يفرضه انسحابها من أي واحدةٍ منها على الأطراف من حتمية إعادة النظر في حساباتها، وربما في مشاريعها الكبرى أيضا، كما هو الحال اليوم بالنسبة لمليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) ومنظماته التابعة، من إدارة محلية، وقوات حماية الشعب، وقوات سورية الديمقراطية، وغيرها. وقد تباينت الآراء في أهداف هذا الإعلان وعواقبه أيضا، وفي المقام الأول داخل الإدارة الأميركية نفسها، فاضطر أكثر من مسؤول أميركي لتقديم استقالته. أما على الصعيد الدولي، فقد انتقد الفرنسيون صراحة، باسم الاتحاد الأوروبي، هذه الخطوة التي أبرزت، في ما وراء طابعها الإقليمي، مدى استهتار صاحب القرار في القوة الأعظم في العالم بحلفائه، إلى درجةٍ لم يشعر فيها بالحاجة، ولا بالواجب، لإعلامهم، فما بالك بمشورتهم والتنسيق المسبق معهم. وعلى المستوى الإقليمي، شعرت حكومات عديدة بالإحباط ذاته. وليس مؤكّدا أن تركيا التي وجدت نفسها مدفوعةً بواشنطن إلى التقدم إلى واجهة الصراعات الإقليمية تشعر بالثقة اليوم أكثر مما لو ضمنت وجود القوة الأميركية التي، وإن اختلفت معها في التكتيكات السياسية، تبقى قاعدة ارتكاز أساسية لسياستها الإقليمية. على الرغم من كل المخاطر التي يمكن أن تنجم عن هذه الخطوة، وأهمها، كما ذكرت التحليلات السياسية، احتمال عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى لعب دور أكبر في سورية والمنطقة، وتنامي حظوظ طهران في تأمين طريقٍ سالك حتى المتوسط، من دون مصاعب تذكر، كما كانت تحلم دائما، وربما شعور نظام الإبادة الجماعية في سورية بأملٍ أكبر في استعادة جزءٍ جديد من الجغرافيا السورية تحت سيطرته، في الجزيرة السورية، إلا أنني أرى في هذا الانسحاب عنصرا تحرّريا، لما يمثله من خطوةٍ على طريق الخلاص من الوهم الكبير الذي تمثله القوة الأميركية العالمية، والرهان المدمر وغير الموثوق، الذي وضعته قوى اجتماعية وقومية كثيرة، وحكومات إقليمية وعالمية أيضا، على هذه القوة لتحقيق أهدافها، أو ما تعتقد أنه مصالحها الأساسية أو المستقبلية.

"الانسحاب الأميركي طعنة عميقة لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي حلم بدولة خاصة به في شمال سورية وشرقها"

(1)

ولو رجعنا إلى نتائج التدخلات العسكرية الأميركية في العقود الثلاثة الأخيرة في المنطقة وجوارها، لرأينا أنها انتهت جميعا بكوارث نموذجية. هذه كانت الحال بالنسبة للتدخل الواسع النطاق في أفغانستان، والذي انتهى بتدمير الدولة والمجتمع الأفغانيين، وظهور حركة طالبان وتجذّرها، وقبل ذلك ولادة منظمة القاعدة على أيدي المجاهدين العرب الذين تُركوا لمصيرهم بين أيدي نظم فاسدة، ولا وطنية، تلقفتهم، واستخدمتهم لتبرير الاحتفاظ بسياسة القبضة الحديدية، وحرمان الشعوب من حقوقها الأساسية في أي نوعٍ من المشاركة السياسية، وقيادتها كما تكرش قطعان الماشية، بالضرب وتسليط كلابها عليها.

وهذه كانت أيضا حال سياسة محاصرة إيران الخمينية واحتوائها، التي جاءت على حساب دول المنطقة واستقرارها عموما، والتي انتهت بتحويل إيران إلى قوة توسع وتمدد وانتقام من جميع دول المنطقة المحيطة بها، وتهديد لأمنها وسلامتها. وهي كذلك حال مشروع إدارة الرئيس الأسبق، جورج بوش الابن، لإعادة هيكلة الشرق الأوسط الموسع، والذي أدى إلى غزو العراق وتدمير الدولة العراقية وزرع عوامل الحرب الأهلية في مجتمعه، وتقديمه لقمةً سائغةً لولاية الفقيه الإيراني.

وليست الحال أفضل من ذلك في استفراد الولايات المتحدة بالملف الفلسطيني الإسرائيلي الذي لم يساعد على التقدم خطوة واحدة في التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، كما كان قد بشّر به الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عام 2011، ولكنه شجع تل أبيب على الاستمرار في سياسة التوسع الاستيطاني اليهودي الذي حبس الفلسطينيين ومشروعهم الوطني في سجن كبير اسمه غزة وحكومتها الذاتية، كما تقضي به صفقة القرن المشؤومة، وتكريس القدس عاصمة "أبدية" لإسرائيل.

وفي الحالة السورية، كان للأوهام التي غذّتها سياسات واشنطن دور كبير في دفع لاعبين كثر، إن لم يكن كل اللاعبين، إلى الخطأ في حساباتهم، وفي إيصال الأوضاع إلى درجةٍ من التداخل والاختلاط، أدخلت الصراع في تشابكاتٍ وعقدٍ لا يزال من الصعب تفكيكها والخروج منها. وها هي تترك "الملف السوري" الآن، بعد أن قوّضت جميع فرص التوصل إلى حل، وحولت الدولة إلى قلعةٍ تحاصر فيها، بدعم من طهران وروسيا، سلطة عاصية وطبقة/ عصابة، وشتتت المجتمع بين مناطق تسيطر عليها مليشيات أجنبية أو مدعومة من الخارج، ودفعت أبناءه إلى النزوح والبحث عن الأمن والخبز في قارات العالم الخمس.

أول الأوهام التي غذّتها الولايات المتحدة كان وهم الوقوف مع الانتفاضة الشعبية، ومعارضة بقاء رأس النظام، إن لم يكن النظام ذاته، عندما طالب الرئيس الأميركي بشار الأسد بالتنحّي. وهذا ما أعطى جمهور الانتفاضة الثقة بأن المجتمع الدولي ينظر ويشاهد ويقف إلى جانبه، ومن الممكن أن يتدخل في الوقت الذي يبالغ فيه الأسد بالإفراط في العنف، فهانت التضحيات عنده، وصارت المسألة بالنسبة له مسألة تحمّل وصبر وتصميم، حتى رمى نفسه قاتلا أو مقتولا في المعركة الدامية. لكن شيئا لم يحصل، والتصريحات الفارغة من المعنى والالتزام أعطت لنظام الأسد وحلفائه، في طهران وموسكو، الذريعة المُثلى لتشويه صورة كفاح السوريين التحرّري والبطولي، وخلطها بما أطلقت عليه المؤامرة الغربية والكونية، ثم المؤامرة الإرهابية، كما سهلت عليه شق صفوف الشارع السوري والعربي معا.

"خروج الأميركيين يحرّر السوريين والخليجيين والكرد من الأوهام التي أنتجها وهم الرهان على هذا الوجود"

والوهم الثاني استراتيجي، فقد اعتقدت حكومات مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، أن الانتفاضة السورية تقدّم لها فرصة تاريخية لوضع حد للتمدّد الإيراني في شمال الجزيرة من العراق إلى لبنان، وأن الولايات المتحدة هي حليفها الطبيعي والقوي لقلب الطاولة على طهران في سورية، واستعادة هذا البلد العربي من أيدي أسرة الأسد الحليفة لطهران. وهذا ما دفع هذه الدول إلى تسليم أمرها في دعم الانتفاضة السورية للأميركيين الذين استخدموا أموالها الوفيرة من أجل الحيلولة دون انتصار المعارضة، وفي سبيل البحث عن تسوية سياسية ليس للأسد أي مصلحة فيها، فتحكّموا بدرجة دعم الفصائل المعارضة ونوعه، وبالتالي بمصير الانتفاضة، إلى أن قطعوا في الوقت المناسب المعونات الضرورية عنها.

والوهم الثالث هو الوهم الكردي بدولة قومية، أو شبه دولة على حدود سورية الشمالية وتركيا الجنوبية. كان هم الكرد، في البداية، استخدام الظرف الصعب للمعارضة من أجل انتزاع اعترافها بالحقوق القومية الجماعية للكرد في سورية المقبلة. وكانوا في غالبيتهم مع الثورة، وشاركت شبيبتهم في مسيراتها السلمية، بالدرجة ذاتها. وكان من شأن التفاهم الكردي السوري أن يوحد السوريين ضد النظام، ويزيد من فرص الضغط الشعبي عليه، إلى أن توصل حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) إلى تفاهم مع الطرف الأميركي، وبدا التعاون "الاستراتيجي" واضحا بينهما، فانقلبت القاعدة الشعبية الكردية على قيادة المجلس الوطني الكردي الذي كان يمثلها في صفوف المعارضة، والتحقت بمشروع الاتحاد الديمقراطي الذي بدا وكأنه أصبح الحامل القوي لخيار الدولة الكردية الكبرى التي تبدأ بتحرير الشمال السوري حتى المتوسط.

(2)

تضخم الحلم مع تنامي الدعم العسكري في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتمكين قوات سورية الديمقراطية من السيطرة على مناطق واسعة، تشكل ثلث مساحة سورية، وهي المناطق التي تحتوي على الثروة الاستراتيجية الرئيسية للبلاد، وتقطنها أغلبية عربية. وما كان لهذا الوهم الذي غذته واشنطن، عن وعي أم لا، عند القيادات الكردية، أن لا يثير شكوك الأتراك والعرب السوريين أيضا، ويزيد من عزلة الكرد الذين وقعوا، في الحقيقة، ضحية تضخم أوهام قيادة الاتحاد الديمقراطي ومستشاريه من غير السوريين.

صحيحٌ أن الانسحاب الأميركي يوجه طعنة عميقة لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي حلم بدولة خاصة به في شمال سورية وشرقها، بقناع الدفاع عن الحقوق الكردية. ولكن لا ينبغي أن يعني ذلك القضاء على الحقوق الكردية، وليس من مصلحة السوريين التخلي عن الكرد، أو القبول بتهميشهم من جديد، ولن يكون ذلك ممكنا بعد اليوم. إنما لا شك في أن الاتحاد الديمقراطي حمّل الكرد السوريين، وهم أقلية صغيرة في سورية، وبين الكرد في باقي دول الإقليم، أكثر مما يمكن أن يحملوه، عندما فرض عليهم، متسلحا بوهم الدعم الاستراتيجي الأميركي، مواجهة تركيا وايران والدولة السورية، التي أراد أن ينتزع منها أهم منطقة استراتيجية، وأن يبني على حسابها دولة خاصة به، وبسلطة استبدادية لا تختلف عن سلطة الأسد. وما كان يمكن للسيطرة على أراضٍ واسعة، لا وجود للكرد في معظمها، ووضع اليد على مواردها الاستراتيجية، أن تفسره هذه الدول، بل جمهور الكرد ذاته، إلا تمهيدا لإقامة دولة مستقلة.

خروج الأميركيين اليوم يحرّر السوريين والخليجيين والكرد من الأوهام التي أنتجها وهم الرهان على وجود الأميركيين وعدم وجودهم في الوقت نفسه، أي أنانيتهم واستخدامهم الآخرين أدواتٍ لخدمة أهدافهم، والتخلي عنهم عندما تتحقّق هذه الأهداف أو لا تتحقق، لمصيرهم. فمن المفيد للسوريين أن يعرفوا أن أميركا ليست إلى جانبهم، ولن تتدخل لصالحهم، وعليهم أن يتعلموا أن يقلعوا شوكهم بأيديهم، وأن يستمروا في بناء قوتهم الذاتية، والضغط على جلاديهم، سدنة نظام القتل والوحشية، بجميع الوسائل للتخلص منهم. وبالمثل، سوف يُصاب الخليجيون دائما بالخيبة، إذا راهنوا على حماية الولايات المتحدة لهم. إنهم يبتزّون أموالهم، لكن عندما 

"أسقطت واشنطن ثلاثة أوهام: وهم دعم الديمقراطية العربية، ووهم حماية الخليج، ووهم تبنّي قضايا الأقليات القومية والدينية" تأتي ساعة تسديد الحساب، ليس هناك ما يمنعهم من القول: لن نضحّي بشبابنا من أجلكم. ومن المفيد لكرد سورية الذين شكلوا دائما جزءا من نسيجها الاجتماعي، ونخبها السياسية والثقافية والعسكرية والتقنية، وساهموا في بنائها دولةً ومجتمعا، منذ تـأسيسها، أن يتخلصوا من وهم الدولة، أو شبه الدولة التي كادت تحولهم غرباء في مجتمعهم وبلدهم، وأن يشاركوا على قدم المساواة مع بقية السوريين في تحقيق مشروع سورية الديمقراطية، المقبلة حتما، والحاملة أحلام جميع السوريين.

ما سقط في إعلان الانسحاب الأميركي من شرق الفرات ثلاثة أوهام كبيرة، عاش عليها المشرق، وخربت حياته السياسية والإقليمية: وهم دعم واشنطن للديمقراطية العربية، ووهم الحماية الأميركية للخليج وثروته النفطية، وأمن باقي الدول العربية، ووهم تبنّي واشنطن، بسبب ديمقراطية حكمها، قضايا الأقليات القومية والدينية. وأعتقد أن خسارتنا جميعا، عربا وكردا وتركا وإيرانيين، رهاننا على الولايات المتحدة لتحقيق آمالنا، يشكل لحظة محرّرة ومخلصة، ينبغي تلقفها، لا من أجل إدانة الولايات المتحدة، والكشف عن عوراتها. هذا لا يهمنا، وإنما من أجل إعادة بناء حساباتنا على أسسٍ واقعية وحقيقية، ومد كل واحد منا "بساطَه على طول قدميه". وتعلمنا، جميعا، مبدأ احترام حقوق الآخرين، والتفاهم معهم على كل ما يضمن تطبيقها، ويضاعف منها، ويعزّز وجودها. هذه هي الحقائق الوحيدة التي تخرجنا مما نحن فيه، عربا وعجما وتركا وكردا أجمعين. هكذا يتحول الانسحاب الأميركي من لحظة مليئة بالمخاطر إلى فرصة للتحرّر من الأوهام، مع العلم والأخذ بالاعتبار أن التحرّر من وهم الدعم الأميركي لا يعني للأسف التحرّر من أميركا. سوف تبقى أميركا أكبر مولد للوهم في العالم، لأنها لا تزال القوة الأكبر فيه، والأقدر على صنع السحر وتعليمه. إنما قوة أميركا لأميركا، وشقاؤها وخسارتها دائما من جيبنا وحسابنا. وعلينا وحدنا تقع مسؤولية التوقف عن الوقوع في حبائلها، وشراء الأوهام التي تصدرها للإيقاع بنا، والمتاجرة بأرواحنا.

==========================


ينسحب من سورية.. ليعود من العراق!

سعد كيوان

العربي الجديد

الاحد 30/12/2018

المفاجآت في سياسة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لا تنتهي، وخصوصا في الشرق الأوسط، فبعد إعلانه عن سحب القوات الأميركية من سورية، ظهر ترامب من دون مقدمات في قاعدة عسكرية أميركية، في محافظة الأنبار غرب العراق. ودافع من هناك عن قراره، قائلا بشكل مثير إن "الكثيرين سيقتنعون بطريقة تفكيري.. لقد حان الوقت لكي نبدأ في استخدام عقولنا". ويحضر هنا سؤال بديهي بشأن ما إذا كان ترامب إلى غاية اليوم لم يستعمل عقله؟ وفي الحالتين، لا يبدو ما اتخذه من قرارات وخطوات، وما ساقه من مواقف منطقية أو سهلة الاستيعاب. ويؤكّد، في المقابل، أن "ليس لدى الولايات المتحدة أي خطط لسحب قواتها من العراق"، مضيفا كلاما آخر لافتا ومفاجئا، إذ قال إن "العراق سيشكل قاعدة لنا إذا أردنا القيام بشيء ما في سورية"؟! ما هو الشيء الذي يمكن أن يقوم به ترامب في سورية، ويفترض أنه من طبيعة عسكرية؟ ولماذا قرّر، إذا، الانسحاب من سورية، طالما أنه من الممكن أن يعود إليها؟ فاجأ قرار الانسحاب من سورية الجميع، وخصوصا المعنيين مباشرة بالأزمة، والموجودين على أرض الميدان، بدءا من موسكو التي شكّكت بجدية القرار، كما عبر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مرورا بأنقرة التي غرّدت فرحا (ترامب لأردوغان: "سورية كلها لك") لأنه أصبح في وسعها الاستفراد بالأكراد، أي قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في شمال سورية التي كانت تحظى 

"ستترك أميركا عملياً ثلث مساحة سورية، في شرق نهر الفرات، وقاعدة التنف، ومدينة منبج" بدعم القوات الأميركية. ولكن أنقرة، في الوقت عينه، تعرف في قرارة نفسها أن المهمة ليست سهلة، ولن تكون وحدها في الميدان. ناهيك عن طهران و"حرسها الثوري" ومليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية التي يصرّ ترامب على إخراجها من سورية، وإذا بالساحة تخلو لها. وأخيرا إسرائيل التي قرّرت، على الفور، أخذ زمام المبادرة وملء الفراغ، عبر العودة إلى شن غاراتها على مواقع إيرانية ومخازن أسلحة لحزب الله في محيط دمشق. وقد بدا في الظاهر أن كل هؤلاء مسرورن بقرار الانسحاب، وتحديدا ما يسمّى "محور الممانعة"، معتبرين أنهم حققوا نصرا على "المستعمر الإمبريالي"، علما أنه ليس لواشنطن أكثر من ألفي جندي على الأراضي السورية، وكانت قادرة بهذا العدد القليل على ضبط معظم محاور الصراع والمواجهة. ستترك أميركا عمليا ثلث مساحة سورية، في شرق نهر الفرات، وقاعدة التنف، ومدينة منبج. وفي هذه المناطق عشرات الآلاف من المقاتلين العرب والأكراد، وفيها بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وإجراءات وترتيبات إدارية واقتصادية، بقيادة الاتحاد الديمقراطي الكردستاني، وبنية عشائرية عربية. كما أنها تلامس الحدود السورية – العراقية - التركية، والحدود السورية – العراقية -الأردنية، وتحتوي على 90% من النفط السوري الذي كان إنتاجه يبلغ 360 ألف برميل قبل 2011، وعلى نصف الغاز السوري، ومعظم القطن والحبوب، والسدود السورية الثلاثة الكبرى. وفيها أيضاً يمر الطريق البري من إيران إلى العراق نحو سورية ولبنان. ويشكّل هذا الطريق شريانا حيويا استراتيجيا لسياسة التوسع التي يسعى إليها الملالي منذ تدخلهم في سورية من أجل مد نفوذهم، وتمدد مليشياتهم عبره شرقا. إنها تختصر "سورية المفيدة" استراتيجياً وعسكريا واقتصاديا!

لماذا انسحب، إذن، ترامب، وسارع إلى زيارة العراق، ليؤكد من هناك على بقاء قواته في الأنبار، وليعلن أن العراق يشكل قاعدة للتدخل في سورية، عندما يلزم الأمر؟ وهل أراد بانسحابه أن يخلق دينامية جديدة تؤدي إلى قلب الطاولة على رؤوس الحلفاء – الخصوم، ذات الحسابات والمصالح المتضاربة؟ لقد حوّل هؤلاء سورية إلى مجموعة "سوريات"، تتنازعها وتتقاسمها جيوش أربع دول على حساب الشعب السوري المقموع والجريح والمشرّد في أصقاع الأرض. تدخل قيصر الكرملين لحظة انكفاء أميركا، لكي يحقق طموحه بإثبات أن روسيا قوة عظمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولكي يستعيد نفوذه في الشرق الأوسط، بعد إخراجه من مصر وليبيا والعراق. وما تريده طهران مشابه، مع فارق أنها قوة إقليمية، يتوسع نفوذها باضطراد، نتيجة انعدام أي مشروع حداثي للتطور والتكامل العربي. وبسبب فشل كل سياسات الدول العربية وتجاربها وأنظمتها القومية والملكية في إيجاد استراتيجية تحرير واستنهاض، وتركت فلسطين لمصيرها وللمزايدات الأيديولوجية والدينية البائسة، ولصراع المصالح والحسابات الإقليمية والدولية. ونموذجا للفشل العربي، ها هي دولة الإمارات تعيد فتح سفارتها في دمشق، وكذلك البحرين، بحجة إعادة سورية الى الحظيرة العربية، ولكنها خطوة تعيد الاعتبار لنظام بشار الأسد القاتل شعبه والمدمر للدولة السورية الموحدة، والذي وضع نفسه في خدمة المشروع الإيراني في المنطقة. وها هي طهران تسرح وتمرح في سورية، وتجهد لمنافسة موسكو التي سيطرت على الأرض، وعلى القرار السوري، بعد أن تدخلت عسكريا لإنقاذ بشار في سبتمبر/ أيلول 2015، وتمكنت من قلب موازين القوى، وتفتيت قوى المعارضة، وإعادة بعض الحياة إلى النظام. غير أن سورية اليوم تختلف عن سورية ما قبل الثورة، إذ أصبح قرارها بالكامل بيد روسيا، فهي تقرّر كل شيء. سلمتها صواريخ "إس 300" للتصدّي للغارات الإسرائيلية، وهي التي تمنعها من استعمالها، وهي التي تعطي

"سورية حجر الزاوية في استراتيجية إيران للتوسع شرقاً، وصولاً إلى ضفاف المتوسط"  "الداتا" لإسرائيل عن القواعد الإيرانية ومستودعات السلاح وذخيرة حزب الله، حتى تقصفها، فكيف لطهران أن تنافس موسكو التي باتت تستأثر بالقرار، بعد أن قرّرت واشنطن الانسحاب، وتضبط حركة إسرائيل، بعد أن ضمنت لها الأمن بإبعاد القوات الإيرانية نحو مئة كيلومتر عن حدودها الشمالية مع الجولان. وتمسك، في المقابل، بيد الرئيس التركي، أردوغان، الذي استعان الأكراد عليه بطلب الحماية من قوات النظام السوري، ودعوتها للدخول إلى منبج التي يسيطرون عليها، خوفا من مهاجمة الجيش التركي لهم.

أما بالنسبة للحل السياسي للأزمة، فيعلم الرئيس الروسي، بوتين، أن لا بديل عن "جنيف -1" وقرار مجلس الأمن 2254، كما أن تحقيق الحل غير ممكن، وكذلك إعادة الإعمار، بدون موافقة الإدارة الأميركية، فهل على هذه الخريطة السورية المرقطة والمعقدة يراهن ترامب بأن تغرق بانسحابه كل الأطراف في الرمال السورية، ويروح كل طرفٍ من الحلفاء المتنافسين يتحيّن الفرصة للآخر.

تشكل سورية حجر الزاوية بالنسبة لاستراتيجية النظام الايراني في التوسع شرقا، وصولا إلى ضفاف المتوسط، إلا أن هذا الهدف لن تقبل الولايات المتحدة وروسيا السماح بتحقيقه، فهل هناك تواطؤ ضمني بين موسكو وواشنطن اللتين تريدان التخلص من الوجود الإيراني؟ أما ماذا يعني قول ترامب إن العراق يشكل قاعدة للعودة إلى سورية، فربما يجسده وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، قبل استقالته: "وجود روسيا في المنطقة لا يمكن أن يحل محل الالتزام الطويل والدائم والشفاف للولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط. التزام أكرر تأكيده بلا تحفظ"!

==========================

2018... عام التحولات الميدانية الكبرى في سورية

محمد أمين

العربي الجديد

الاحد 30/12/2018

يعد عام 2018 من الأعوام الصعبة على الثورة والمعارضة السورية، حيث فقدت الأخيرة أهم معاقلها في البلاد لحساب النظام وحلفائه الذين وضعوا يدهم على جنوب سورية ووسطها، في الوقت الذي كان فيه الجيش التركي يتعامل بالنار هذه المرة مع الوحدات الكردية في شمال غربي حلب التي لم تستطع صبرا فانهزمت شرقا، فيما تراجع تنظيم "داعش" الإرهابي هو الآخر أمام ضربات متلاحقة وخاصة في البادية وشرقي سورية.

وجرت في بدايات العام أحداث عسكرية كبرى في جنوب وشمال سورية أدت إلى تغيير عميق، وربما نهائي في خريطة السيطرة الميدانية بين مختلف قوى الصراع في البلاد التي تستعد لدخول عام جديد من أزمة طالت دون حلول سياسية جدية، ولا تلوح في الأفق بوادر انفراج.

وفي بدايات عام 2018 أعلنت قوات النظام السوري السيطرة على مدن وبلدات الغوطة الشرقية بريف دمشق وحي جوبر الدمشقي بعد سنوات من الحصار والقصف والتهجير، وذلك إثر خروج الدفعة الأخيرة من المقاتلين والمدنيين باتجاه إدلب في الشمال السوري بناء على اتفاق بين المعارضة السورية وروسيا.

وجاءت سيطرة النظام بعد عملية عسكرية حاولت المعارضة الصمود أمامها، وانتهت باستخدام أسلحة محرمة دوليا في إبريل/ نيسان الفائت في مدينة دوما أدت إلى مقتل 150 مدنيا على الأقل، وإصابة المئات وهو ما دفع المعارضة إلى توقيع انسحابها من المدينة إلى الشمال السوري.

"جرت في بدايات العام أحداث عسكرية كبرى في جنوب وشمال سورية أدت إلى تغيير عميق، وربما نهائي في خريطة السيطرة الميدانية

وفي العشرين من يناير/ كانون الثاني أعلن الجيش التركي وقوات من الجيش السوري الحر، بدء عملية استعادة السيطرة على منطقة عفرين، شمالي سورية، مطلقة عليها اسم عملية "غصن الزيتون" لطرد الوحدات الكردية من شمال غربي حلب. وفي العشرين من مارس/ آذار سيطر "الجيش السوري الحر" مسنوداً بقوات من الجيش التركي، على كامل مدينة عفرين شمالي سورية، وذلك بعد ما يقرب من شهرين على بدء عملية "غصن الزيتون" في المدينة وبعد معارك عنيفة مع مليشيات "وحدات حماية الشعب" الكردية انتهت بهروب عناصر الأخيرة من المنطقة ذات الغالبية الكردية من السكان. وبذلك قطع الأتراك شوطا في طريق تقويض مسعى كردي لإقامة إقليم في شمال وشمال شرقي البلاد، تعتبره أنقرة مساسا بأمنها القومي.

وفي مارس/ آذار الفائت، خرجت الفصائل العسكرية المعارضة من منطقة القلمون الشرقي شمال شرقي دمشق إلى الشمال السوري، وفق الاتفاق الذي وقعته مع روسيا والنظام السوري والذي نص على وقف إطلاق نار وتسليم السلاح الثقيل ونشر الشرطة الروسية على مداخل المدن وعدم دخول قوات النظام إلى مدن المنطقة، إلى جانب تسوية أوضاع من يرغب بالبقاء من خلال مركز داخل المنطقة. وفي أواخر إبريل/ نيسان، توصل النظام والمعارضة برعاية روسية لاتفاق اخلى بلدات يلدا وببيلا، وبيت سحم في جنوب دمشق من المعارضة السورية المسلحة التي رحل أغلب مقاتليها إلى الشمال السوري مع أكثر من ألفي مدني وفق الاتفاق الذي جاء بعد سنوات من الحصار والجوع.

وفي مايو/ أيار خرج مسلحو تنظيم "داعش" من حيي "مخيم اليرموك" للاجئين الفلسطينيين في سورية، والحجر الأسود جنوب العاصمة السورية دمشق في صفقة مع النظام غير معلنة، إلى مناطق سيطرة التنظيم في البادية السورية، جنوب شرق محافظتي حمص ودير الزور بعد شهر من حملة عسكرية عنيفة كبدت النظام خسائر فادحة في صفوف قواته، وانتهت بتدمير الجانب الأكبر من الحيين.

 ريف حمص الشمالي

وخسرت المعارضة السورية في مايو/ أيار معاقلها في ريف حمص الشمالي وسط سورية بعد حصار دام أكثر من خمس سنوات، وفق اتفاق مع الجانب الروسي ينص على تسليم المعارضة أسلحتها الثقيلة، وخروج من يرغب من المدنيين نحو الشمال السوري، وتسلم الشرطة العسكرية الروسية إدارة المنطقة بعد خروج المعارضة المسلحة. كما خرج مسلحو "هيئة تحرير الشام" من المنطقة بعد اتفاق مع الجانب الروسي ينص على إطلاق الهيئة محتجزين لديها من الطائفة العلوية من سكان قرية "اشتبرق" في ريف إدلب الغربي التي تقع تحت سيطرة الهيئة

الجنوب السوري

طوى النظام في منتصف العام صفحة الثورة والمعارضة في جنوب سورية بعد حملة عسكرية لم تستمر طويلا، حيث توصلت المعارضة في يوليو/ تموز مع الجانب الروسي إلى اتفاق أولي يقضي بوقف فوري لإطلاق النار بين الجيش السوري الحر وقوات النظام جنوبي سورية، وتسليم المعارضة المسلحة أسلحتها الثقيلة بشكل تدريجي للجانب الروسي ومغادرة الرافضين للاتفاق إلى إدلب، شمال غربي سورية.

ويقضي الاتفاق بإدارة النظام السوري معبر "نصيب" الحدودي مع الأردن عبر موظفين مدنيين تحت إشراف الشرطة العسكرية الروسية، إضافة إلى استلام قوات النظام السوري المنطقة الحدودية مع الأردن.

خسرت المعارضة السورية في مايو/ أيار معاقلها في ريف حمص الشمالي وسط سورية بعد حصار دام أكثر من خمس سنوات"وفي مطلع أغسطس/ آب، سيطر النظام على البلدات التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم "داعش"، في حوض اليرموك بالريف الغربي لمدينة درعا، بعد عملية بدأت في 19 يوليو/ تموز، بمشاركة الطيران الحربي والمروحي، إضافة إلى القصف الصاروخي والمدفعي وبذلك سيطر النظام على كامل محافظة درعا التي كانت مهد الثورة السورية.

وفي يونيو/ حزيران من عام 2018، توصلت المعارضة السورية في محافظة القنيطرة جنوب سورية لاتفاق مع النظام وروسيا، ينص على خروج مقاتلي الفصائل الرافضين للتسوية إلى إدلب وتسوية أوضاع الراغبين بالبقاء، وعودة قوات النظام إلى النقاط التي كانت فيها قبل العام 2011، بموجب اتفاق فك الاشتباك مع إسرائيل في العام 1974.

وحسب ما تسرب من نصوص الاتفاق، فإنه يتضمن نقاطاً محددة، تشمل وقف إطلاق نار شاملا وفوريا على جميع الجبهات، وتسليم السلاح الثقيل والمتوسط على مراحل، ودخول الشرطة العسكرية الروسية إلى بلدات وقرى القنيطرة، وإعادة المهجرين إلى مناطقهم، بضمانات روسية، على أن تستثنى من ذلك المناطق غير الصالحة للسكن بسبب القصف والدمار في بنيتها التحتية، وعودة قوات النظام إلى مناطق اتفاقية 1974، المنزوعة السلاح، وفق الوضع السابق، مع عودة قوات المراقبة الدولية "أندوف" لنقاطها القديمة، وتسوية أوضاع المتخلفين والمنشقين عن الجيش ما بين تسريح وتأجيل، وفتح باب التهجير باتجاه الشمال السوري لمن لا يقبل بهذا الاتفاق، وتشكيل لجنة لمتابعة ملف المعتقلين، وعودة الموظفين المفصولين إلى وظائفهم وتسوية أوضاعهم.

وفي يوليو/ تموز، كرّست إيران الدور الطائفي الذي تؤديه في سورية منذ انطلاق الثورة السورية في عام 2011، مع إبرام اتفاق مع "هيئة تحرير الشام" التي تشكل "جبهة النصرة" ثقلها الرئيسي، ينص على إخلاء بلدتين "شيعيتين" شمال غربي سورية هما كفريا والفوعة من سكانهما، وهو ما يعدّ استمراراً سافراً لسياسة العبث بالهوية السورية. الاتفاق توصلت إليه "هيئة تحرير الشام" مع الجانب الإيراني تحت إشراف ورعاية الجانبين الروسي والتركي، ونصّ على تهجير من تبقى من سكان البلدتين في الريف الشمالي الشرقي لمدينة إدلب، والبالغ عددهم نحو 7 آلاف مدني ومسلح جلّهم منتسب لمليشيات إيرانية، نحو مدينة حلب، وجرى نقلهم بعد ذلك إلى مراكز في منطقة حسياء جنوب مدينة حمص حيث يعيشون ضمن ظروف صعبة.

هجوم دامٍ على السويداء

وفي أواخر يوليو/ تموز، نفذ تنظيم "داعش" هجوما على مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، وريفها الشرقي في جنوب البلاد أدى إلى مقتل أكثر من 200 مدني بينهم نساء وأطفال. وأخذ عناصر التنظيم بعد انسحابهم رهائن يقدر عددهم بنحو 40 من قرية الشبكي، معظمهم من النساء والأطفال باتجاه مناطق تمركز التنظيم في البادية الشرقية، كما قام مسلحو التنظيم بحرق بعض البيوت قبيل انسحابهم. وجرى إطلاق الرهائن في نوفمبر/ تشرين الثاني بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف على خطفهم في صفقة مع التنظيم لم تعرف تفاصيلها ولكن كان للجانب الروسي الجانب الأكبر في إبرامها.

وشهد عام 2018 تراجعا كبيرا لتنظيم "داعش" حيث خسر في نوفمبر/ تشرين الثاني منطقة تلول الصفا بريف السويداء الشرقي، التي أعلن النظام السيطرة عليها بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر من المعارك المتواصلة في منطقة جغرافية شديدة الوعورة، تكبد خلالها النظام أكثر من 500 قتيل بينهم 50 ضابطا، بالإضافة إلى عشرات القتلى من فصائل المصالحات، والمليشيات الأخرى.

ولا تزال "قوات سورية الديمقراطية" تواصل حملة عسكرية ضد تنظيم "داعش" في ريف دير الزور الشرقي بدأت في سبتمبر/ أيلول من عام 2018 بهدف القضاء على بقايا التنظيم في شرقي سورية.

==========================


من سيدفع الثمن؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 29/12/2018

ليس أمرا عاديا أن تنسحب واشنطن من منطقة سورية استراتيجية المزايا، غطّتها في وقت قصير بقواعد عسكرية، ينافس بعضها قاعدة حميميم الروسية. وقد دفع الانسحاب مختلف الأطراف إلى إعادة النظر في حساباتها من الصراع على سورية وفيها، بينما هرع ترامب إلى العراق، ليجعل من لقائه جنودا أميركيين مناسبةً لامتصاص ارتدادات قراره بالانسحاب الذي أغضب جنرالاته وساسة حزبه الجمهوري، والحزب الديمقراطي المعارض، في توافقٍ ندر أن عرف تاريخ أميركا مثيلا له.  كان الرئيس التركي أردوغان أول من قام بوقفة مراجعة لخططه التي كان قد أعلنها، وحدّد فيها موعد دخول جيشه إلى شرق الفرات، متجاهلا تحذير واشنطن من وقوع صدامٍ بين جيشي البلدين الحليفين. قرّر أردوغان وقف عمليته العسكرية، والتفاوض مع موسكو، على الرغم من توصله إلى تفاهم مع واشنطن التي أعادت النظر في انسحابها، فلم يعد سريعا وفوريا، وسيتم تنسيقه مع الجيش التركي، لكن أردوغان بدا كأنه سيربط موقفه النهائي بالتفاهم مع بوتين، على الرغم من أنه ليس مؤكدا، وقد يعدّل خططه، لا سيما وأنه أخرج ورقة الأسد من جرابه، وأعلن وجوب إعادته إلى المنطقة، مع أن ذلك يرجح أن لا يكون ممكنا، وقد تؤثر سلبيا على علاقات البلدين، ليس فقط لأن ممثلي الكرد فيها يضعون شروطا سياسية لعودته، وطالما رفض ما يماثلها، ما أغلق ملف المصالحة معه، ومنع جيشه من احتلال المنطقة.

هل سيساعد الجيش الروسي الأسد على استرداد منطقةٍ اتخذت أنقره قرارا ملزما بطرد القوات الكردية منها، وبالتصدي للجيش الأسدي بالضرورة، في حال تحالف معها، أو أبقى بعضها في منطقةٍ تعتبر تركيا وجوده فيها تهديدا مباشرا لأمنها القومي؟ ماذا سيكون موقف روسيا عندئذ، هل ستقاتل إلى جانب الأسد فتخسر علاقاتها الفائقة الأهمية مع إسطنبول، أم تتخلى عنه فيهزم؟ وماذا يبقى لموسكو غير تفادي السقوط في هذه الهاوية، والذي يترك لها خيار البحث عن تسوية بين أردوغان والأسد، على حساب الكرد وحسابه، ليست أنقرة بحاجة إلى تقديم تنازلاتٍ لتحقيقها، بسبب موقفها الذي تعزّز كثيرا بقرار واشنطن تسليمها المنطقة جزءا بعد آخر، وتعهدها منع وقوع قتال ضد جيشها، الأمر الذي لا يبقي أي خيار لـ"وحدات حماية الشعب" غير قبول العودة من دون شروط إلى الأسد، أو بشروط قريبة من شروطه، لكن هذا احتمال ضعيف بدوره، بما أنه يورّط موسكو في مشكلاتٍ، هي في غنىً عنها، ليس فقط مع تركيا، وإنما أيضا مع أميركا.

لا تختلف حسابات إيران عن الحسابات الروسية، إلا إذا قرّرت خسارة علاقاتها مع تركيا التي تعتبر بين الأهم في علاقاتها الدولية، كي تساعد الكرد على خوض حرب عصاباتٍ ضد الوجود التركي شرقي الفرات، ليست مؤكدة النجاح.

ما العمل لمواجهة هذا الاحتجاز الشامل؟ هل يتراجع ترامب عن قراره، ويعزّز قواته شرق الفرات، بدل سحبها منه، في إطار شراكة مع الجيش التركي، وقبولٍ مشترك باستبدال حزب العمال الكردستاني بالمجلس الوطني الكردي الذي سيطمئن تركيا قبوله بحل للمسألة الكردية في الإطار السوري، وافتقاره إلى مليشيات؟ أم سيتم تفاهم روسي/ تركي/ إيراني حول وضع جديد للمنطقة، ستقبض واشنطن ثمن قبوله في العراق وسورية، لن تنجزه الدول الثلاث، من دون توجهاتٍ سياسيةٍ جديدة، تقر باستحالة إيجاد تسويةٍ تحفظ هيمنة حزب العمال الكردستاني على كرد سورية، ومساحات واسعة من أرضها، بعد أن سقط دوره في محاربة "داعش"، وتخلت واشنطن عنه، وصار الابتعاد عنه الخيار الأفضل للجميع.

هل يقرر الحزب مغادرة سورية، وترك كردها يحلون مشكلاتهم بالحوار مع داعمي حقوقهم باعتبارهم سوريين، فيقدّم خدمة تاريخية لهم؟

==========================

عن خيارات كرد سورية

خورشيد دلي

العربي الجديد

السبت 29/12/2018

أعاد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من شمال شرق سورية، الذاكرة الكردية إلى عام 1975، عندما رد وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، على مناشدات الملا مصطفى البرزاني المتكررة بالتدخل لإنقاذ كرد العراق، عقب انتكاستهم الشهيرة، بعد أن تخلى عنهم شاه إيران عقب اتفاقية الجزائر، فردّ كيسنجر "إنهم كانوا يقومون بواجبهم، وعلى الكرد أن يميزوا بين النشاط الاستخباراتي والعمل التبشيري". ولعل رد كرد سورية لم يختلف كثيراً عن رد كرد العراق وقتها، عندما اتهموا إدارة ترامب بخيانة الكرد وتطلعاتهم. نعم إنه التاريخ يتكرّر على شكل دورة الأقدار. تبدأ الدورة على شكل بدء الغرب مد يده للكرد تحت شعارات إنسانية وأخلاقية للكرد. ولكن سرعان ما يتخلى عنهم عند بلورة المصالح، وعلى مذبح العلاقات الدولية. والسؤال: هل ذاكرة الكرد مثقوبة إلى هذه الدرجة التي لا يستفيدون فيها من دروس التاريخ، أم أن لا خيارات لديهم، بعد أن تحولوا إلى أمة محاصرة على هامش أمم كبرى، تعيش على لعنة الجغرافيا التي قسمتها الاتفاقيات الدولية عقب الحرب العالمية الأولى؟ ربما، سيقول كردٌ كثيرون إن لم نقل معظمهم، إنه لم تكن لديهم خيارات سوى التحالف مع أميركا، لحماية أنفسهم من هجوم مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على كوباني (عين العرب)، وإن مصيرهم ربما كان سيكون مشابهاً لمصير الإيزيديين في سنجار – شنكال العراقية، لولا هذا التحالف، لكن أميركا كانت واضحةً عندما أعلنت مراراً أنها في عقد معهم للحرب على "داعش"، وليس في تحالف استراتيجي إلى الأبد، إذ قال ترامب مراراً إنه سيسحب قواته من هناك، فيما رأى هؤلاء الكرد أن أميركا في تحالفٍ معهم، في إطار صراعه مع المشاريع الروسية والإيرانية على الجغرافيا السورية والمنطقة، وإن ما يجعل من هذا التحالف مستمراً أنهم الحليف الوحيد على الأرض لواشنطن، لكن سفن ترامب جاءت عكس توقعاتهم، ليجدوا أنفسهم، في لحظة حسّاسة وتاريخية، أمام مصير صعب وخيارات أصعب، إذ تتحدّث أنقرة عن هجوم ضخم وشيك، للقضاء على معاقلهم، في ظل جزمها أن المشروع الكردي في شمال شرق سورية ليس سوى مشروع قنديل الذي يديره حزب العمال الكردستاني، المصنف في قائمة الإرهاب.

"أميركا أعلنت مراراً أنها في عقد مع الأكراد للحرب على "داعش"، وليس في تحالف استراتيجي إلى الأبد"

قد يرى هؤلاء الكرد أنهم كسبوا كثيراً من تحالفهم مع الإدارة الأميركية، إذ إنهم بنوا إدارة ذاتية، وجيشاً شبه نظامي، وحصلوا على أسلحةٍ كثيرة، وقوة لا يستهان بها على الأرض، قد تعينهم على تحقيق مكاسب في التسوية السياسية المنتظرة للأزمة السورية، بعد أن كانوا منسيين قبل هذه الأزمة، فيما يرى آخرون أنهم قد يخسرون كل ما سبق في ظل الأجندة الإقليمية والدولية التي هي ضد تطلعاتهم القومية. ويرى هؤلاء أيضاً أن القرار الأميركي لم يترك لهم خياراً، سوى العودة إلى حضن النظام السوري، ومن دون أي مطالب قومية، وأن العملية التركية المنتظرة كفيلةٌ بجعل هذا الأمر استحقاقاً في المرحلة المقبلة. وهو ما يوجّه الأنظار مجدّدا إلى الجانب الأميركي، في الضغط على تركيا لمنع القيام بأي عمليةٍ عسكريةٍ، تقضّ مضاجعهم من جهة. ومن جهة ثانية، في بذل مزيد من الجهود، لوضعهم على خريطة التسوية السياسية. مع التأكيد على أن ملامح المرحلة الجديدة من استراتيجية ترامب غير واضحة تجاه الأزمة السورية، إلا أن المعطيات تفيد بأنه بات يتبع استراتيجيةً تقوم على وضع تركيا في مواجهة المشروع الإيراني في سورية، انطلاقاً من أنه، من دون استقطاب الحليف الاستراتيجي التركي الذي ذهب بعيداً نحو روسيا وإيران، لا يمكن الحد من النفوذين، الروسي والإيراني، في المنطقة.

ولعله في هذا السياق ينبغي النظر إلى صفقة بيع باتريوت إلى تركيا، وحل مشكلة تسليمها طائرات إف 35. وهو ما يعني جعل تركيا اللاعب الأكثر قوةً ونفوذاً في الشمال السوري، لمواجهة المشاريع الإقليمية الأخرى. ولكن، كيف سيترجم ذلك على الساحة الكردية؟ هل بعملية عسكرية تضع المناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الكردية تحت نفوذ تركيا بشكل مباشر؟ الثابت أن المطلوب تركياً هو القضاء على رأس حزب العمال الكردستاني الذي يدير الإدارة الذاتية من جبال قنديل، والسؤال هنا، هل يستطع كرد سورية الانفصال فعلاً عن قنديل، بعد كل هذه السنوات من الارتباط العضوي؟ ربما بات التحدي الذي يجعل من خيارهم السياسي مقبولاً، وإلا فإن كل الخيارات الأخرى قد تجعل منهم ضحيةً على مذبح قرار ترامب والأجندة الإقليمية تجاههم، لا سيما أن الرهان على دور فرنسي محتمل يحل مكان الدور الأميركي لا يبدو خياراً مجدياً.

==========================


هل نجح النظام السوري في دفن الثورات العربية؟

  د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 29/12/2018

كلنا يتذكر الخطاب الأول لرئيس النظام السوري بشار الأسد في مجلس الشعب بعد اندلاع الثورة السورية بأسابيع قليلة. ولعل أبرز ما جاء فيه جملة مهمة للغاية قالها الأسد، وهي أنه سيوقف حركة دومينو الثورات في سوريا. بعبارة أخرى فهو قد تعهد لداعميه في الخارج ولكل الطواغيت العرب المهددين بالثورات أن يدفن حركة الربيع العربي، ويمنع أي شعب آخر من مجرد التفكير بالثورة على طغاته. ولا شك أن الأسد عندما قال تلك الجملة الشهيرة كان يتكلم بلسان ودعم السواد الأعظم من الحكّام العرب، إلا من رحم ربي، فغالبيتهم يواجهون شعوباً غاضبة ومقموعة وفقيرة تنتظر أي شرارة للانتفاض على جلاديها.

لقد كان تهديد الأسد إشارة البدء للدخول في المحرقة السورية، خاصة وأن ضباطه كانوا قد أخبروا بعض المثقفين السوريين بعد اندلاع الثورة في تونس ومصر بأن سوريا ليست مصر ولا تونس، وأن الأوامر قد صدرت لمواجهة أي تظاهرة شعبية فوراً بالرصاص الحي، وليس بالغازات المسيلة للدموع أو الرصاص المطاطي. وفعلاً هذا ما حصل. والمضحك في الأمر أن مخابرات النظام كانت تطلق الرصاص على المتظاهرين، وتقتلهم بالمئات ثم كانت تتهم وقتها ما يُسمّى بالجماعات المسلحة. لكن تلك الجماعات للمفارقة لم تستهدف سوى التظاهرات المعارضة للنظام، أما المسيرات المؤيدة التي كان يُخرجها النظام إلى الشوارع فلم تتعرض في ذلك الوقت لأي تهديدات، مما يؤكد أن الجماعات المسلحة التي صدّع النظام رؤوسنا وقتها بها لم تكن سوى جماعات أمنية قذرة تابعة لفروع المخابرات، وكان هدفها منع السوريين من الخروج إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط النظام.

ربما قد نجحت السعودية والإمارات في مساعدة الأسد وأمثاله في قمع الثورات بالثورات المضادة مؤقتاً، لكن هل ستسلم السعودية نفسها من الانتفاضات القادمة؟

لا شك أن الأسد سحق الثورة السورية بمباركة رفاقه من الطواغيت العرب حتى الذين كانوا يذرفون دموع التماسيح على الشعب السوري، ويزعمون تأييد الثورة. لقد كانوا جميعاً مؤيدين لما قام به الأسد من تدمير وتهجير كي يكون السوريون عبرة لمن يعتبر، وكي لا يفكر أي شعب عربي بعد أن شاهد الهولكوست السوري بمجرد الصراخ ضد حكّامه. نعم نجح الأسد في سحق سوريا وطناً وشعباً بمباركة ضباع العالم وكلابه، لكن الأسد لم يعد رئيساً لسوريا بعد هذا الانتصار المزعوم، بل أصبح كما وصفه حلفاؤه الروس أنفسهم بذيل كلب، أي أنه غدا تابعاً ذليلاً للذين أنقذوه من السقوط كالإيرانيين والروس. وقد سمعنا وزير الخارجية الروسي لافروف نفسه وهو يقول على الملأ لولانا لسقط النظام خلال أسبوعين. وقد ردد حزب الله وغيره من الميليشيات الإيرانية التصريح ذاته. بعبارة أخرى، نجح الأسد في قتل السوريين وتشريدهم، لكنه باع سوريا للغزاة والمحتلين كي يبقى على عرشه المهزوز. والأنكى من ذلك أنه لم ينجح مطلقاً في تحقيق وعوده للطواغيت العرب بوقف حركة دومينو الثورات مطلقاً، بل على العكس من ذلك فإن الشعوب رغم الأهوال التي شاهدتها في سوريا من قتل وتدمير وتهجير وتشريد لم تتعظ، بل راحت تنتفض في بلدان جديدة مستخدمة نفس الشعارات التي رفعها الشعب السوري ومن قبله الشعبان المصري والتونسي.

ليس بعيداً عن دمشق، فقد ثار الشعب الأردني قبل أشهر قليلة جداً وقد استخدم ذات الشعارات التي رفعها السوريون وأكثر. ولطالما سمعنا: الشعار الشهير: الشعب يريد إسقاط النظام. وعلى الرغم من أن القيادة الأردنية استجابت لبعض مطالب المحتجين، وقامت بطرد رئيس الحكومة واستبداله برئيس وزراء جديد، إلا أن الوضع في الأردن مازال يغلي، وهو على كف عفريت، مع العلم أن الأردنيين قد شاهدوا ما حلّ بالشعب السوري بسبب ثورته المجيدة. مع ذلك لم يترددوا في أن يفعلوا ما فعله بالضبط. والقادم في الأردن لا يبشر بخير بسبب الوضع الاقتصادي الكارثي.

ومن المضحك أنه بعد أيام فقط على زيارة طاغية السودان إلى دمشق للقاء بشار الأسد ودعمه، انتفض الشعب السوداني من أقصى السودان إلى أقصاه، وقد رفع أيضاً نفس الشعارات التي رفعها الشعب السوري. ويبدو أن البشير قد استشار بشار خلال زيارته إلى دمشق حول كيفية قمع التظاهرات فيما لو اندلعت ضده لاحقاً. وهذا ما حصل. والغريب أنه وصف المتظاهرين السودانيين بنفس الأوصاف التي وصف بها بشار المحتجين في شوارع سوريا كمندسين وعملاء وخونة. ومن الواضح أن ثورة السودان كثورة الأردن لن تهدأ، لأن كل الأسباب التي أشعلتها ما زالت موجودة، ولن تختفي لا اليوم ولا بعد سنوات، لأن الوضع الاقتصادي في البلاد من سيىء إلى أسوأ.

وقد توقعت منظمة العدل والتنمية لدراسات الشرق الاوسط وشمال افريقيا قبل أيام فقط «اندلاع انتفاضات شعبية كبيرة بعدة دول قريباً بالشرق الاوسط على رأسها العراق وتونس وليبيا والسودان ومصر بجانب لبنان والجزائر والمغرب في ظل ازمة اقتصادية عالمية وشيكة، مما سيؤدى لارتفاع أسعار المحروقات والوقود والسلع بمختلف دول العالم».

ربما قد نجحت السعودية والإمارات في مساعدة الأسد وأمثاله في قمع الثورات بالثورات المضادة مؤقتاً، لكن هل ستسلم السعودية نفسها من الانتفاضات القادمة؟ وهل يعتقد الأسد بعدما وصلت سوريا إلى هذه الحال أن يحكمها بنفس الطريقة القديمة؟ مستحيل طبعاً، حتى أن حلفاءه الروس باتوا يرون فيه عبئاً ثقيلاً على مشروعهم في سوريا. باختصار شديد، أيها الطواغيت العرب: توقعوا دومينو الثورات أن يتسارع من الآن فصاعداً، لا أن يتوقف كما وعدكم حليفكم بشار الأسد. تعيشوا وتاكلوا غيرها.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com