العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-08-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

إدلب ومعركة المصير

د. أحمد موفق زيدان

العرب

الخميس 2/8/2018

تحولت إدلب خلال السنوات الماضية إلى قلعة من قلاع الثورة والحرية السورية، فلجأ إليها الأحرار ممن ألجأتهم الميليشيات الطائفية لترك أهلهم ووطنهم هاربين بالحرية التي بين جنبيهم لممارسة حقهم في العيش بالكرامة والعزة التي افتقروها في ظل الاحتلال الداخلي والخارجي.

اليوم وبعد المعركة غير المتوقعة على الغوطة ثم على الجنوب السوري تشرئب الأنظار باتجاه إدلب ومصيرها. المنطق قد يكون بالنسبة لي هو الميل إلى أن معركة إدلب لن تقع وإن كان ما عوّدتنا عليه أرض المفاجآت الكبرى الشام أن غير المنطق هو الذي يحكم ويسري، ولكن ما يهمني هنا هو سرد بعض الأدلة التي تدفعني للإيمان بأن معركة إدلب لا يمكن لها أن تقع ربما باستثناء محاولات العصابات الطائفية مناوشة ريف الساحل السوري لقربه من خزان العصابة الطائفية.

جاء انتخاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لدورة جديدة بعد اختيار تركيا النظام الرئاسي، وبالتالي غدا أردوغان مسؤولاً مباشراً عن كل ما يُتخذ من قرارات متحللاً من العقد البيروقراطية التي كبلت النظام التركي، وبهذا فإن أي معركة على إدلب سيتحمل مسؤوليتها النظام الرئاسي وتأخذ من رصيده داخلياً وخارجياً.

أما على الأرض فتواصل تركيا تعزيز حضورها وانتشارها العسكري في نقاط المراقبة التي بلغت العشرات بمتاخمة العصابة الطائفية وسدنتها المحتلين، ودعّمت تركيا هذا الانتشار بدعم مجتمعي إن كان على مستوى فروع الجامعات التركية في الريف الحلبي أو بأبراج الهاتف التركي في إدلب وريفها وكذلك أرياف حلب وإدلب وحماة والساحل، فضلاً عن بدء تشييد جدار إسمنتي من تل الطوقان شرقي حلب، وهو ما يعني أن الأتراك باقون في سوريا، ولا يمكن لهم أن يتخلوا عنها.

استحقاق 30/9 القادم وهو الذي ينقضي بموجبه اتفاق خفض التوتر في إدلب يدفع الأتراك إلى سباق مع الزمن من أجل ترتيب الأوراق في المحافظة، ويبدو أن الاتفاق قد بدأ يتبلور من أجل تشكيل كيان سياسي عسكري في المحافظة يقيها شرّ التصنيف الدولي الظالم، بالإضافة إلى أنه سيقدم أنموذجاً يحتذى في إدارة المناطق المحررة، ويأتي هذا في ظل التسريبات التركية التي تتحدث عن منطقة بوصاية تركية لخمس سنوات.

على المستوى العسكري الميداني، وعلى الرغم من كل ما يتردد عن نية العصابات الطائفية وسدنتهم المحتلين شنّ هجمات على إدلب وريف الساحل فإن الخبراء العسكريين يرون أن الحشود الموجودة لا ترقى إلى شنّ هجوم كبير على المنطقة، وإنما قد يكون من قبيل الابتزاز والمساومة على الطائرات المسيرة بشكل يومي على قاعدة حميميم الروسية، وهو ما شكل صفعة عسكرية وسياسية للروس، بغض النظر عن الخسائر التي تتعرض لها.

ثمة بُعد دولي في المعركة على إدلب ملخصها أن وجود ثلاثة ملايين لاجئ سوري في تركيا ومليون لاجئ في أوروبا، بالإضافة إلى أربعة ملايين سوري بالمحافظة مهددون بالهجرة واللجوء إلى تركيا، ثم التسلل إلى أوروبا، كل هذا يشكل قنبلة موقوتة حقيقية ليس لتركيا وأوروبا فقط، وإنما للعالم، وسبباً لإحراجه في حال بدء العمليات العسكرية، يأتي هذا مع استطلاع أجراه معهد «كارنيجي» في دول الشتات والهجرة للسوريين، ليتبين أن 90% منهم لن يعودوا إلى البلد في ظل حكم بشار الأسد، ولعل هذا ما يفسر طوفان وزير خارجية روسيا لافروف على دول أوروبا لإقناعها بسياسة روسية جديدة لعودة اللاجئين، والمشاركة في إعادة إعمار سوريا.;

==========================

موقفنا : بطاقة عزاء إلى كل مكلومة ومكلوم .. لم ينتصر ذو نواس ولكن أصحاب الأخدود انتصروا

زهير سالم

28/7/2018م

مركز الشرق العربي

ثماني سنوات مضت من عمر الثورة السورية ومعراج الشهادة مبسوط بين الأرض والسماء ترقى عليه أرواح الذين أكرمهم مولاهم بقوله " وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ".

وفِي هذه الأيام وبعد أن أحكمت غدرة أشرار العالم طوقها على ثورة الشعب السوري ؛ وبعد أن اطمئن القاتل المجرم الأثيم على تجديد أوراق اعتماده من قبل ثلاثي الشر العالمي الصهيوني - الروسي - الأمريكي بدأ المجرم بكشف المزيد من أوراق إجرامه بإبلاغ السوريات والسوريين بمصير الآلاف من الأبناء والآباء والأزواج والأخوة والأخوات ...

أرواح عذبة جميلة ، وحيوات مترعة بالأمل وحب الله وحب رسوله وكتابه وحب الحق والخير وحب الحرية والكرامة أزهقتها يد المجرم الأثيم تحت سمع أشرار العالم وبصرهم وبرضاهم ومباركتهم.

فإلى كل أم وزوجة ويتيم ويتيمة وإلى كل أب وأخ وأخت ...يصلهم اليوم نبأ الفاجعة الأليمة بفقد الحبيب ، وخبو الرجاء، وانقطاع الأمل.... أتقدم باسمي وباسم إخواني في جماعة الإخوان المسلمين بأجمل وأرفع وسام عزاء " وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء "...

تقبل الله فقيدكم شهيدا ، ورفعه سعيدا ، وحشره شفيعا، وعظم الله أجركم ، وجبر كسر قلوبكم ، وألهمكم الصبر ، وجميل الاحتساب وعوضكم وعوض سورية الحبيبة في أبنائها خيرا ...

أبها الأخوات والأخوة

أيها الأبناء والبنات

 ظنوا بالله خيرا فإن تفقدوا ...فقد فقد رسول الله على طريق نصرة هذا الدين عمه حمزة وابن عمه جعفر ومولاه زيد....

أيها المكلومات والمكلومون ولا تحسبن أن الطاغية السفّاح قد انتصر كما يقول المثبطون والمتخاذلون وإذا كان ذو نواس الطاغية قد انتصر على شهداء الأخدود فإن بشار الأسد قد انتصر على شهدائنا الأبرار ؛ لقد قتل شهداءنا قتلة ارتقوا بها إلى حناجر طير خضر على أغصان الجنة يتساءلون، وقتلوه في التاريخ ، فباء باللعنة وبسوء الدار .

أيتها المكلومات ... أيها المكلومون ...

وإنا على العهد على المضي في طريق من صدق وقضى باقون حتى يفتح ربنا بالحق وهو خير الفاتحين ... ولن تذهب دماء الشهداء هدرا بل ستزهر في حياة السوريين نورا وحبا وحرية وكرامة ...

تيقنوا أن الله معكم ولن يتركم أعمالكم ..

الله مولانا ولا مولى لهم ...

ولا سواء ... كما علمنا سيدنا رسول الله فشهداؤنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر .... وقتلى المجرمين في النار.

" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ".

والله أكبر ولله الحمد

*مدير مركز الشرق العربي

================================

مجزرة في السجن

سلامة كيلة

العربي الجديد

الخميس 2/8/2018

ارتكب النظام  السوري جرائم ضد الإنسانية، سواء بالقصف على المدن وتدميرها، أو بترحيل السكان، أو باستخدام الأسلحة الكيماوية، أو حصار المناطق وتجويع سكانها. وشاركت روسيا في الجرائم ضد الإنسانية هذه، كما إيران أيضا. وهي جرائم لم يلتفت إليها "المجتمع الدولي"، حيث ليست روسيا وحدها التي حمت النظام باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، بل أيضا عملت أميركا وأوروبا على إعاقة كل محاولة لمعاقبة النظام، وهذا ما أعلن عنه أكثر من عضو في اللجان التي تتابعت، للبحث في استخدام الأسلحة الكيميائية.

وعلى الرغم من أن "قيصر" سرَّب آلاف الصور لأحد عشر ألف معتقل قتلوا في السجون، إلا أن ردود الفعل كانت باهتة. والآن يبلغ النظام عن آلاف المعتقلين الذين "ماتوا نتيجة أزمة قلبية"، بجرأةٍ لا مثيل لها وكذب مفضوح. وبذلك يؤكّد الجريمة التي اقترفها بلا تردّد، وهي جريمة إبادة جماعية لعشرات آلاف المعتقلين، وربما مئات الآلاف. وقد ذكّرتني صور قيصر بما شاهدت، حين نُقلت من فرع المخابرات الجوية إلى مشفى 601، حيث لفت انتباهي، وأنا أنظر من شقّ في الغطاء الذي يُحكم إغلاق عيوني، شابان ذكّراني بأشكال جوعى أفريقيا، حيث "جلد وعظم"، حتى القلب كان يبدو ظاهراً. ظننت حينها أن هذا هو وضعهم قبل الاعتقال. مات واحد منهما وأنا هناك، وكان يتم نقل الآخر إلى الانعاش بين الفينة والأخرى، وأظنه توفي فيما بعد. حين شاهدت صور "قيصر" فهمت الحالة، حيث إنه عدا الضرب المستمر (كنا نتعرَّض للضرب بالكابلات، وبعصي كهربائية، والضرب أقسى في الفروع الأمنية)، كان الأكل محدوداً، حيث الكمية قليلة جداً، وهي في الغالب برغل أو أرز ومرق. بالتالي، لم تكن تفي لعيش، بعد زمن من الاعتقال. كان التجويع من آليات القتل في السجون، وكانت هذه ذات فاعلية، على الرغم من وجود حالات كثيرة من القتل تحت التعذيب، أو بأحكام قاسية. وواضح أن النظام كان يتقصّد ذلك، لأنه يريد التخلص من شبابٍ كثيرين شاركوا في الثورة.

ما يعلنه النظام من أسماء هو لشبابٍ جرى اعتقالهم في الفترة الأولى من الثورة، أي قبل التسلّح، ومن شباب شاركوا في النشاط السلمي (مثال داريا واضح هنا، حيث كانت الأكثر سلمية، والشباب الذين أُعلن عن وفاتهم كانوا من الداعين إلى السلمية). ويبدو واضحاً أن هؤلاء الشباب كانوا أكثر خطراً على النظام ممن حملوا السلاح فيما بعد، لأن النظام اعتبر نفسه قادرا على هزيمة المسلحين، والتحريض عليهم، وتلويث نشاطهم، لكنه عاجز عن مواجهة شبابٍ يتظاهرون سلمياً ومصممين على التظاهر السلمي خيارا للثورة السورية. ما يُنشر اليوم من أسماء هو لهؤلاء الشباب الذين كانت حيويتهم وجرأتهم وتصميمهم تثير الخوف لدى النظام، ولهذا قرَّر أن ينتهي منهم، معتقلين ثم موتى. كان أشدّ قسوة ووحشية تجاه هؤلاء، وها هو يُعلن قوائم موتهم.

ومن يدقق في القوائم لن يجد بين هؤلاء "إرهابيا"، لا من "داعش"، ولا من جبهة النصرة، ولا حتى من جيش الإسلام وأحرار الشام، وكل هذه المجموعات التي لبست طربوش الدين، وأرادت إقامة "دولة إسلامية". لم يكن النظام يريد هؤلاء، ولم يكن معنياً لا باعتقالهم أو قتلهم، بل كان ينقلهم بالباصات الخضراء من منطقةٍ يريد تدميرها الى أخرى، يريد أيضاً تدميرها، فقد أراد قتل الشعب الذي تظاهر يريد الحرية، وهو مَنْ وسمه بالإرهاب، لكنه دعم وجود الإرهابيين الحقيقيين، وكل الأصوليين الذين كانوا يخدمون ما يريد، مبرّرا للقتل، وقوة تخريب ضد الثورة.

سيتّضح قريبا أن مجزرةً جرى ارتكابها في السجن، طاولت عشرات آلاف الشباب، الشباب الذي ناضل سلمياً من أجل الحرية، وإسقاط النظام. كان هؤلاء الخطر على النظام، وليس "داعش" ولا جبهة النصرة، أو غيرهما.

==========================

سورية.. إسرائيل شريكا في الحل الروسي

برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 2/8/2018

تصريح السفير الروسي  في إسرائيل، أناتولي فيكتوروف، في 30 يوليو/ تموز، مثير للاهتمام، في الوقت الذي تقود روسيا في سوتشي محادثات السوريين من أجل التسوية، وتطرح نفسها في سورية صانعة سلام. قال السفير على القناة الإسرائيلية العاشرة، مطمئنا الإسرائيليين إن أمن إسرائيل أولوية روسيا في سورية. وهذا ما لم يشكّ فيه أحد، منذ بداية الثورة السورية والتدخل الروسي فيها، سواء من خلال تعطيل مجلس الأمن وقراراته التي شاركت موسكو نفسها فيها، أو من خلال تدخلها العسكري المباشر منذ العام 2015، بعد أن أيقنت أن النظام السوري على طريق الانهيار، ومعه حشود المليشيات الإيرانية.

منذ ذلك الوقت، لم تكفّ علاقات الطرفين، الروسي والإسرائيلي، عن التحسّن على حساب جميع الأطراف الأخرى. وقد تجاوز التفاهم اليوم بين رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أي تفاهم مع أي طرفٍ من هذه الأطراف، بما فيها النظام السوري الذي من المفترض أن روسيا جاءت لدعمه بالدرجة الأولى. وتحول التنسيق بين الروس والإسرائيليين، لتجنب الصدام بين سلاحي جو البلدين في سماء سورية، إلى شراكة إقليمية وتخطيط مشترك لمستقبل سورية. في هذه المعادلة مكاسب بوتين أساسية. فهو لا يضمن، بتحالفه مع الدولة الأكثر دلالا في العالم، والمعفاة من احترام أي قانون أو التزام 

"اكتشف السوريون بعد ثورتهم المغدورة أن أمن إسرائيل أولوية أكثر في سياسة موسكو البوتينية" دوليين، التغطية السياسية الكاملة لتفرّده بتقرير مصير البلد المحتل فحسب، لكنه يكسب إلى جانبه حليفا مهما على الأرض، وفي الميدان العسكري تجاه جميع الأطراف الأخرى، بما فيها طهران التي اعتقدت وقتا أن لديها ما يكفي من النفوذ والقوة متعددة الأشكال، الناعمة والخشنة على الأرض، لمنافسة موسكو على الأسبقية في تقرير مصير سورية. هكذا يستطيع السفير الروسي، ورئيسه، من دون الشعور بأي حرج، أن يقول إن من غير الواقعي إخراج إيران من سورية كليا، فالروس بحاجة لمليشياتها قواتٍ بريةً على الأرض، لكنه لن يمنع إسرائيل من الهجوم على مواقعها وتدميرها.

أما مكاسب نتنياهو فهي لا تحدّ، فبعد أن ضمنت لنفسها إطلاق يدها تماما في فلسطين من قبل الإدارة الأميركية الجديدة بما سميت صفقة القرن، تتقدّم مع روسيا إلى موقع القوة الإقليمية التي لا يمكن تجنب رأيها ومصالحها في أي قرارٍ يخص المنطقة بأكملها. تحلم إسرائيل، من خلال الوضع الاستراتيجي الاستثنائي الذي حصلت عليه بعد تدمير سورية، ومن قبلها العراق، وانسحاب مصر، ومرض الخليج، وقبل ذلك بعد الانحسار الإجباري في نفوذ إيران، أنها تستطيع، بالتفاهم مع روسيا والتعاون معها، أن تنهي حقبة الحرب العربية الإسرائيلية الطويلة لصالحها، وتحقق جميع المشاريع الاستيطانية في فلسطين بأكملها والجولان، وتخترق أي حصاراتٍ أخرى، سياسية أو اقتصادية. التفاهم الاستراتيجي الروسي الإسرائيلي في سورية والمنطقة صفقة قرن ثانية، تضاف إلى صفقة القرن الأميركية التي حصدت تل أبيب أول ثمارها بضم القدس برعاية أميركية.

عندما يكون أمن إسرائيل أولوية روسية في سورية فهذا يعني أنه أولوية للأسد الذي يعمل تحت أوامر الروس وفي حمايتهم، ولا يستطيع أن يستمر من دونهم. لكن، بعكس ما قد يظنه بعض العرب والسوريين، أو ما يخطر في بالهم، لا ينبغي أن يعتقدوا أن الأسد مستاءٌ من هذا الأمر، أو أنه يشعر إزاءه بأي حرجٍ أو إهانة. إنه يرى فيه استكمالا للوعد الذي قطعه على نفسه بحرق سورية والمنطقة، إذا قرّر السوريون "التآمر" ضده. العمل العلني اليوم مع إسرائيل من خلال الغطاء الروسي مناسبة أخرى لمعاقبة السوريين الذين عارضوه وتجرأوا على مواجهته، ودليل إضافي على قدرته تجاوز جميع الصعاب، واستعداده الدائم لتحدي أعدائه في الداخل والخارج، خصوصا العرب، والتشفّي منهم وإذلالهم. وبالإضافة إلى ذلك، سوف يوفر عليه هذا الوضع الجديد الحاجة إلى خطابات المقاومة والممانعة الكاذبة وبهلوانيات القومية والاشتراكية والتطوير والتحديث التي كان تثقل على كاهله. وسوف يعزّز موقفه أمام المنظمات الدولية، والدول المتردّدة في إعادة تأهيله، ويحرّره من الخوف من احتمال الاضطرار إلى الرد على تقارير المنظمات الدولية، والتعرّض، في يوم ما، إلى المساءلة والمحاسبة عما ارتكبه من الجرائم التي وصفتها منظمات حقوق الإنسان الدولية جرائم ضد الإنسانية.

عندما تكون معك روسيا وإسرائيل في الشرق فأنت تملك العالم، وليس عليك أن تخشى أحدا. هذا ما أثبته مثال الأسد خلال السنوات الثماني الماضية، والذي أبقاه حاكما، بصرف النظر عن مضمون الحكم وشكله وظروفه. وهذا كل ما يطلبه.

هل يجيب هذا كله أو يقدم بعض عناصر الإجابة عن السؤال الكبير والدائم الذي لا يكفّ

"عندما يكون أمن إسرائيل أولوية روسية في سورية فهذا يعني أنه أولوية للأسد الذي يعمل تحت أوامر الروس وفي حمايتهم" السوريون، على مختلف أطيافهم واعتقاداتهم، عن طرحه: ما الذي يفسّر هذا التواطؤ الشامل على ما يجري في سورية من استهتارٍ لا يقارن بالمواثيق والشرائع والقرارات الدولية، وتحدٍّ سافر لأبسط معايير الإنسانية، والتلاعب بحياة البشر والمتاجرة بأرواحهم وأعضائهم، وزجّهم في معارك وحروب إبادة جماعية، والصمت المطبق على المجازر التي كانت آخرها قبل أيام المجزرة التي راح ضحيتها 246 شهيدا بسبب رفض وجهائها وشيوخها إرسال شبابهم للقتال ضد مواطنيهم في مناطق أخرى، وما ينشرُه النظام، من دون أي تفسير أو حرج، من قوائم الموت التي تعني الآلاف من المخطوفين الذين قضوا تحت التعذيب، بتعليلٍ واحد، هو الجلطة القلبية أو العوارض الصحية، من دون تهم ولا محاكمات ولا أي أثر للضحايا، ومن دون أن يثير ذلك أي رد فعل سياسي، لا من الدول، ولا الأحزاب الديمقراطية، ولا الرأي العام، ولا حتى المنظمة الدولية؟

كان السوريون يعتقدون أن أمن إسرائيل أولوية في سياسة واشنطن المشرقية، واكتشفوا، بعد ثورتهم المغدورة، أنه أولوية أكثر في سياسة موسكو البوتينية. والآن بعد التصريح الروسي، وبجهود محور الممانعة والمقاومة في طهران وضاحية بيروت والقرداحة. صارت، بحكم الواقع، أولوية في السياسة السورية ذاتها، وربما تتحول قريبا إلى أولويةٍ في السياسات الدولية تفوق أولويات حفظ السلام العالمي، وتحقيق التنمية ومكافحة الفقر والحدّ من الجريمة والاتجار بالمخدرات والمخاطر البيئية وانتشار الأوبئة، ومختلف التهديدات القائمة والمحتملة. يشعر السوريون في محنتهم العظيمة أن بشار الأسد لم يكن وحده الكارثة، لكنه كان الأداة المنفذة لجريمةٍ خطط لها وشارك فيها، بوعي أو من دون وعي، عالمٌ كاملٌ فقد روحه، وقبل الاستسلام لمبدأ القوة المتفوقة، وتحالف الجريمة مع انعدام المسؤولية.

لم يعد الاستمرار في المقاومة، ورفض تمرير الجريمة والتسليم بها، شرطا لاستعادة سورية إلى الحياة فقط، وإنما أكثر من ذلك لإعادة أحياء الضمير العالمي المطعون في الصميم.

==========================

معنى المفاوضات بين مجلس سوريا الديمقراطية والنظام

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 2/8/2018

لم يتسرب شيء عن فحوى المباحثات التي جرت في دمشق، بين وفد يمثل «مجلس سوريا الديمقراطية» ووفد استخباري لنظام الأسد، بقيادة علي مملوك، ومن المرجح ألا يتسرب في وقت قريب. «اتفق الجانبان على تشكيل لجان تخصصية للتباحث حول مختلف الجوانب» هذا كل ما لدينا إلى الآن.

بعيداً عما قد يكون دار في ذلك الاجتماع، يمكن الحديث عن معناه أو معانيه، في سياق سيالة الأحداث السورية بأبعادها المحلية والإقليمية والدولية، كما عن مفاعيله في الرأي العام المحلي بانقساماته وانحيازاته.

يمكن القول، قبل كل شيء، إن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يشكل لب مجلس سوريا الديمقراطية، هو بصدد إعادة تموضع استراتيجية، على ضوء الانسحاب الأمريكي المحتمل من سوريا الذي يضغط الرئيس ترامب على وزارة الدفاع بشأن تنفيذه. واضح أن الأمر أصبح مسألة وقت ربما يقاس بالأشهر لا بالسنوات. ويقال إن تفاهمات قمة هلسنكي بين ترامب وبوتين بشأن سوريا، هي التي سرعت من وتيرة إعادة التموضع المذكورة، فكان اجتماع دمشق تتويجاً لسلسلة اجتماعات سرية سبقته. يقال أيضاً إن الأمريكيين دفعوا باتجاه هذا التقارب من خلال مصارحة حليفهم الكردي بأن «المهمة انتهت» بالنسبة لواشنطن بالقضاء على دولة داعش، ولا مفر من عودة الحزب الكردي إلى علاقته السابقة مع النظام، ربما مع مظلة حماية روسية.

قد تعني إعادة التموضع، بهذا المعنى، تحالفاً روسياً ـ كردياً، لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، لا بد أن ينطوي على أكثر من مجرد إعادة مناطق سيطرة «قسد» إلى سيطرة النظام، أو التوافق مع النظام على شكل من أشكال الإدارة الذاتية لحزب الاتحاد الديمقراطي مع شركائه في مجلس سوريا الديمقراطية أو بدونهم. ذلك أن الروس سبق وعبروا، في مناسبات عدة، عن رؤية لمستقبل سوريا تلاحظ وضعاً خاصاً للمناطق الكردية، يتراوح بين الإدارة الذاتية والكيان الفيدرالي المرتبط بالمركز على مثال ما هو قائم في شمال العراق.

من المحتمل أن روسيا التي حصلت على موافقة ترامب على استفرادها برسم مصير سوريا، قد تعمل على ملء الفراغ الذي يمكن أن يتركه انسحاب ـ جزئي على الأرجح ـ للميليشيات الموالية لإيران، تنفيذاً للرغبة الأمريكية، بقوات «قسد» وعمودها الفقري وحدات حماية الشعب (الكردية). فتكسب روسيا، بهذا الاستبدال، مرتين: تتخلص، من جهة أولى، من عبء الحليف الإيراني ومنَّته كحليف ميداني للطيران الحربي الروسي، وتكسب، من جهة ثانية، حليفاً ميدانياً مجرباً وأكثر طواعية، لا يتبع إيران ولا النظام الكيماوي، وإن كان لا يصطدم مع الأخير. وهذا ما من شأنه أن يمنح السياسة الروسية في سوريا هامش حركة واستقلالية أكبر عن كل من إيران والنظام الذي لا يبدي الخضوع الكامل في جميع الأمور، ولا تملك موسكو أدوات ضغط كافية لإخضاعه، وخاصةً فيما يتعلق بمسائل «الحل السياسي» الذي تريد موسكو فرضه على الأطراف.

هناك تكهنات، نابعة من الهواجس التركية الكلاسيكية، بشأن اتفاق مفترض بين النظام الكيماوي و«الوحدات» لاستخدام قوات الأخيرة في معركة السيطرة على إدلب. مع استبعادي لسيناريو من هذا النوع، بالنظر إلى ما سيخلفه تعاون من هذا القبيل من آثار مدمرة على العلاقات العربية ـ الكردية، تتجاوز كل ما سبق من أحداث مماثلة في الرقة وريفها وريفي الحسكة وحلب، لكن مجرد الابتزاز بهذا الاحتمال من شأنه دفع تركيا إلى ارتكاب حماقات قد تكلفها طرداً روسياً لقواتها من الأراضي التي تسيطر عليها في منطقتي «درع الفرات» وعفرين، إضافة إلى نقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب، أي عملياً إخراجها من الصراع السوري والتسوية السورية.

إن «تفعيل» هذا الابتزاز روسياً، يتوقف على مدى استمرار توافق «ثلاثي آستانة»، روسيا وتركيا وإيران، أو تفجره المحتمل من الداخل، بالارتباط مع قدرة روسيا على التخفف من عبء هذين الشريكين بموازاة التفاهم مع واشنطن. ولكن من وجهة نظر حزب الاتحاد الديمقراطي، يستبعد أن يوافق على المشاركة في القتال في معركة إدلب، المؤجلة حالياً حتى إشعار آخر، كما فهمنا من المخرجات المعلنة لاجتماع «آستانة 10» الذي انعقد مؤخراً في سوتشي. فلا بد أن الحزب المذكور قد اتعظ من تجربة تحالفه مع الأمريكيين في الحرب على داعش، وتخلي الأمريكيين عنهم في معركة عفرين، فلا يكرر الخطأ نفسه مرة ثانية مع روسيا والنظام الكيماوي.

لعل أكبر المتوجسين من مباحثات دمشق بين النظام ووفد «مجلس سوريا الديمقراطية» هو تركيا التي بذلت الكثير من الجهود الدبلوماسية لإقناع واشنطن بفك تحالفها مع القوات الكردية، وكانت الثمرة الهزيلة لتلك الجهود، بعد سنوات، هي الدوريات التركية ـ الأمريكية المشتركة حول منبج (العربية!). وها هو كابوس جديد يقض مضجع أنقرة مفاده أن مظلة الحماية التي تتمتع بها القوات الكردية ستنتقل من الأمريكي المنسحب إلى الروسي الباقي الذي يريد، فوق ذلك، إشراك حزب الاتحاد الديموقراطي في مباحثات التسوية السياسية في سوريا.

أما كارهو «الاتحاد الديمقراطي» من البيئة العربية المعارضة في سوريا، ومع وجود أسباب وجيهة كثيرة لتلك الكراهية، فهم ينتقلون بطريقة عجيبة من اتهام الحزب الكردي (وأحياناً الكرد بعامة) بالنزعة الانفصالية، إلى اتهامه بالعمالة للنظام، ولا يرون التناقض بين الاتهامين.

 

٭ كاتب سوري

==========================

شيء في سورية اسمه «العار الجماعي»

رضوان زيادة

الحياة

الخميس 2/8/2018

غالباً ما ترتبط كلمة العار بالفردية، إذ لا وجود لعار يصيب المجتمع بأكمله، إذ يصبح عندها العار مقبولاً ويحمل اسماً مختلفاً من مثل المشاركة الجماعية في الخطيئة أو الجريمة، لكن المعتقلات السورية وبخاصة سجن صيدنايا هي مسرح مفتوح للعار الجماعي ليس للسوريين فحسب وإنما للعالم أجمع. نظام الأسد يقتل تحت التعذيب آلاف المعتقلين ويخفي جثثهم وبعد سنوات يعلن وفاتهم، إنها جريمة مستمرة متعددة الأوصاف، وليس لها وجه واحد وإنما عدة وجوه. فالاعتقال السياسي جريمة والإخفاء القسري جريمة ثم التعذيب جريمة ضد الإنسانية ومن ثم القتل خارج نطاق القضاء والقانون جريمة ضد الإنسانية، فما لك إذا كانت الجريمة منتشرة على واسع نطاق وتشمل الآلاف.

تبدو الكلمات في الحقيقة لا معنى لها أمام عذابات الضحايا وعذابات الأهل الذين ينتظرون أحباءهم كي يعرفوا بعد سنوات من الألم والانتظار أنهم قضوا تحت تعذيب سادي جهنمي لا يمكن وصفه ولا يمكن اعتبار من قام به بشراً فضلاً أنه يمكن أن ينتمي إلى عصرنا اليوم.

لقد تطور العالم في ما يتعلق بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، لكن، التعذيب في شكل خاص أفردت له المنظومة الدولية مكانة خاصة، ففضلاً عن الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وللمفارقة، سورية هي إحدى الدول الموقعة عليها، وهي تنص على تحريم التعذيب، وقد اعتمدتها الجمعية العامة وفتحت باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام إليها في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1984.

ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 26 حزيران (يونيو) 1987، وصادقت عليها سورية في 19 آب (أغسطس) 2004 أي في عهد بشار الأسد، وقدمت تقاريرها إلى لجنة مناهضة التعذيب المعنية بمراقبة الدول الموقعة على الاتفاقية.

تنص الاتفاقية في بنودها على أنه «يقصد بالتعذيب أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية، ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها».

وتضيف في مادتها الثانية: «لا يجوز التذرع بأي ظروف استثنائية أياً كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديداً بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أي حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب». وتحدد الاتفاقية «تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأي محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤاً ومشاركة في التعذيب».

نظرت لجنة مناهضة التعذيب في تنفيذ الاتفاقية في سورية في ظل عدم تقديم تقرير خاص طلبته اللجنة في جلستها 1072 المعقودة في 16 أيار 2012 واعتمدت عدة ملاحظات في جلستها المعقودة في 30 أيار 2012 كالتالي: إن هناك انتهاكات لأحكام الاتفاقية ارتكبتها السلطات السورية على نطاق واسع بما فيها ما يلي: تعذيب المحتجزين بمن فيهم الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب والتشويه أثناء الاحتجاز وسوء معاملتهم؛ شن هجمات واسعة النطاق أو منهجية على السكان المدنيين بما في ذلك قتل المتظاهرين المسالمين والاستخدام المفرط للقوة ضدهم؛ الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً؛ الاحتجاز التعسفي على أيدي قوات الشرطة والجيش؛الاختفاء القسري أو غير الطوعي؛ اضطهاد المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين في مجال حقوق الإنسان.

ولاحظت اللجنة أن انتهاكات حقوق الإنسان تلك الواسعة النطاق تحدث في سياق الإفلات التام والمطلق من العقاب نظراً إلى عدم إجراء تحقيقات فورية وشاملة ونزيهة في تلك الحالات من جانب السلطات السورية. ولاحظت أيضاً أنه يدعى أن تلك الانتهاكات المنتشرة ترتكب بأمر مباشر من السلطات العامة أو بتحريض منها أو بموافقتها أو برضاها.

وحددت مواضع انتهاكات الاتفاقية وحدوثها من قبل النظام السوري وفق ما هو موثق في التقارير كانتشار اللجوء إلى ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية التي يتعرض لها المحتجزون والأفراد المشتبه بمشاركتهم في المظاهرات والصحافيون والمدونون على الإنترنت والمنشقون عن قوات الأمن والجرحى أو المصابون والنساء والأطفال (بما يخالف المواد 2 و11 و13 و16)؛ اللجوء الاعتيادي إلى ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية كأداة تبدو متعمدة وجزءاً من سياسة الدولة لغرس الخوف وتخويف السكان المدنيين وترويعهم (المادتان 2 و16) وتجاهل سلطات الدولة التام لطلبات الهيئات الدولية الرسمية والخبراء الدوليين بوقف تلك الانتهاكات (المادة 2)؛ التقارير الواسعة النطاق عن العنف الجنسي الذي يرتكبه موظفون حكوميون ولا سيما ضد المحتجزين الذكور والأطفال (المادتان 2 و16)؛ الانتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل التي ترتكبها السلطات السورية على نطاق واسع، بما فيها تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم وقتلهم أثناء المظاهرات واحتجازهم في شكل تعسفي؛ وجود أماكن احتجاز سرية وعن عدم تمكن جهات الرصد الدولية والوطنية من الأشخاص والمنظمات في الوصول إلى أماكن الاحتجاز. ومراكز الاحتجاز السرية تشكل في حد ذاتها خرقاً لأحكام الاتفاقية وتؤدي لا محالة إلى حالات تعذيب وسوء معاملة مخالفة للاتفاقية (المواد 2 و11 و12 و13 و16)؛ شن هجمات واسعة النطاق من جانب قوات الأمن على السكان المدنيين في جميع أنحاء البلد ما أسفر عن الكثير من حالات الإعدام بإجراءات موجزة، بما فيها حالات قتل المسنين والنساء والأطفال الذين يحاولون الفرار من الهجمات على المدن والقرى (المادة 2)؛ الاستخدام المفرط للقوة، وبخاصة استخدام الأسلحة الفتاكة الثقيلة ضد المتظاهرين المشاركين في مظاهرات سلمية والاستخدام المتواصل للقصف المدفعي للمناطق السكنية من جانب وحدات تابعة للقوات المسلحة السورية وقوات الأمن المختلفة والطابع المنسق لهذه الاعتداءات بما في ذلك هدم المنازل وتدميرها عمداً كوسيلة للانتقام أو المعاقبة (المادتان 2 و16)؛ شن حملات مداهمة منتظمة من جانب قوات الأمن داخل المستشفيات للبحث عن المتظاهرين الجرحى وقتلهم وحرمان المحتجين الجرحى المعتاد من المساعدة الطبية ما تسبب أحياناً في وفاة أشخاص (المواد 2 و11 و12 و13 و16)؛ قتل الصحافيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين في مجال حقوق الإنسان (المواد 2 و13 و16)؛ انتشار محاولات إخفاء أعمال القتل التي ترتكبها قوات الأمن بما في ذلك استخدام القبور الجماعية (المادتان 12 و13)؛ انتشار التوقيف التعسفي وغير المشروع وما يعقبه من احتجاز غير مشروع للسكان المدنيين بمن فيهم المسنون والأطفال والنساء (المادتان 2 و16

كل هذه التوصيفات وردت عام 2012 فماذا نقول اليوم بعد كشف كل هذه الصور والتقارير الموثقة عن وفاة آلاف في سجون نظام الأسد، هذا ما يدفعنا إلى التكرار دوماً أن الأسد لم يعد نظاماً سياسياً وإنما ميليشيات طائفية منفلتة العقال تزداد شراسة ووحشية وكلما استمرت في حكم سورية وتبديد مواردها، زادت عذابات السوريين وآلامهم.

==========================

خطة إعادة اللاجئين الروسية... فارغة

رندة تقي الدين

الحياة

الاربعاء 1/8/2018

شهد لبنان مغادرة عدد قليل من النازحين السوريين الى أماكن في سورية، في إطار تعهّد فلاديمير بوتين لنظيره الأميركي دونالد ترامب في قمة هلسنكي. وقد هلّل بعض اللبنانيين لهذه المبادرة الروسية التي هي من دون أي خطة وأي ضمانات. فروسيا التي ساهمت في قتل الشعب السوري وتهجيره لحماية بشار الأسد، تدّعي أنها الآن تخطط لعودة من هجرتهم من المدنيين. ووزير خارجية لبنان الذي يسيء معاملة أعضاء اللجنة العليا للاجئين في لبنان، مستعجل لإعادتهم كيفما كان لأنهم يمثلون قضية شعبوية يستفيد منها، فيتباهى بأنه وراء إعادتهم مهما كان شكل عودتهم .

في صفوف هؤلاء النازحين، هناك عدد من المعارضين للنظام، وهم قد يعودون ويُقتلون ويُعذبون. والبعض الآخر يتم إجباره على التجنيد في الجيش النظامي للاستمرار في قتل إخوانه.

الخطة الروسية التي قررها بوتين بضوء أخضر من رئيس أميركي لا يبالي بمصير اللاجئين ولا بمستقبل سورية، في مثابة كذبة سياسية لا ترتكز على خطوات منظمة لا بالنسبة الى عدد النازحين العائدين ولا بالنسبة الى سلامتهم ولا بالنسبة الى ضمان الأماكن التي يعودون إليها. فطالما تتصرف روسيا من دون اللجنة العليا للاجئين التي تعاني من تصرفات السيد باسيل، الصهر الحاكم، تبقى عودتهم مجازفة. فهم يعودون بإشراف روسي كما القاتل الذي قتل القتيل ومشى في جنازته، بدلاً من أن يعودوا تحت إشراف اللجنة العليا للاجئين وضماناتها. وكيف تكون الثقة بروسيا المتواطئة مع نظام مجرم لإعادة نساء وأطفال ورجال شرّدتهم ودمرت بيوتهم بالطائرات والبراميل؟ والمبادرة الروسية في إعادة اللاجئين غير معروف فحواها. كيف ومن وأي عدد ستعيد... والى أي مناطق؟! أما اللبنانيون الموالون للنظام السوري، فأصبحوا مستعجلين للهرولة لزيارة الأسد وجماعته لأنهم في شوق ليده الملطخة بدماء أبناء بلده وبلدهم لبنان. فها هو الآن يحاول مجدداً عبر وكلائه في لبنان، النيل من زعيم دروز لبنان وليد جنبلاط، ومحاولة تهميشه لأنه زعيم حقيقي للدروز في لبنان، وقد أظهرت الانتخابات، على رغم قانون فصّله «حزب الله» مع حليفه الماروني، أن جنبلاط هو فعلاً قائدهم شاء أو أبى الأسد وجماعته. وما جرى من مجزرة في السويداء تحت مجهر الروس والإسرائيليين، ليس إلا جريمة نظامية سورية لدفع اهلها الى التجنيد، لأن الأسد محتاج الى التجنيد حتى ولو أنه أصبح دمية في يد روسيا وإيران. والآن وبعد قمة هلسنكي حيث حصلت روسيا على توقيع أميركي بأنها المسوؤلة عن مستقبل سورية، طالما تضمن أمن إسرائيل في غياب الولايات المتحدة من المنطقة، من يثق في إعادة إعمار سورية تحت المظلة الروسية - الإيرانية؟ ورفاق بشار الأسد اللبنانيون وشركاؤه في الفساد سيهرولون من أجل ذلك، في حين أن بعض الدول الأخرى ستضع شروطاً بإصلاحات سياسية، وإلا كيف يعاد إعمار بلد في ظل سلطة من دمره؟

التحرك الروسي لإعادة عدد من النازحين السوريين قد يثير ارتياح عدد كبير من اللبنانيين الذين يعانون من عبء اللاجئين، لكنه غير مطمئن، لأنه لم ينظّم وفق خطة مقنعة وآمنة.

مشكلة اللاجئين السوريين في لبنان تستخدم أينما كان وكيفما كان. حتى أن نقص الكهرباء هو وفق المسوؤلين عن الملف، بسبب اللاجئين وليس بسبب فشلهم خلال سبع أو ثماني سنوات شغلوا وزارة الطاقة وأهدروا الوقت والأموال ولم ينجحوا في تأمين الحاجات الأساسية من الكهرباء للمواطن اللبناني. لا أحد يشك في أن الوجود السوري في لبنان مشكلة اجتماعية لها تداعيات كبرى وخطيرة، لكن المبادرة الروسية لإعادتهم تبدو كأنها ارتجال من بوتين الذي يريد القول لترامب أنه يقدم على شيء ما، لا يبشر بأي حل فعلي وحقيقي للمحنة السورية.

==========================

"مجتمع يقرأ ليبني".. في سورية

سوسن جميل حسن

العربي الجديد

الاربعاء 1/8/2018

"مجتمع يقرأ مجتمع يبني". هذه ليست حكمة اليوم التي كنا نروّس بها واجباتنا المدرسية، عندما كنا صغارًا نتلقى العلم "بالتلقين"، بل هي عنوان معرض دمشق للكتاب في دورته الثلاثين، والذي تم افتتاحه في 31/7/2018، وتشارك فيه أكثر من مئتي دار نشر، كما صرح رئيس اتحاد الناشرين، هيثم حافظ، ومدير مكتبة الأسد الوطنية، صالح الصالح، في حلقة تلفزيونية عن المعرض، وراهن رئيس اتحاد الناشرين على أن زوار المعرض سيبلغون المائة ألف زائر يوميًا.

تدفع هذه الفعالية المتابع إلى خضم الأسئلة التي ما فتئت تتراكم في البال، منذ انطلاقة الحراك الشعبي وتطوراته ومآلاته الكارثية التي خلفت بلدًا مدمرًا وشعبًا منقسمًا وأرضًا مقسّمة وراياتٍ ما زالت ترفرف فوق بعض أقسامها التي لا يمكن لأي مراقب التكهن بما يمكن أن تصبح حالها في المستقبل. فهل انتصرت سورية؟

البلدان التي تنتصر ينصرها شعبها، وليست أنظمتها، فالأنظمة التي ينتفض الشعب ضدها لا يمكن أن تصنع انتصارات، إذا ما تكلمنا بمنطق الثورات. ولكن في سورية، انتهى الحراك إلى حرب، بدلاً من أن يكون ثورةً حقيقيةً تحقق طموحات الشعب وأحلامه، بالانقلاب على واقعه وصناعة حياة جديدة في دولة حديثة، قادرة على العيش والنمو، كما تجارب التاريخ التي استطاعت فيها بعض الشعوب النهوض من تحت ركامها، وأن تصنع مستقبلها، وتنجز دولتها الحضارية.

لا أحد يستطيع أن ينكر دور القراءة في صنع وعي جمعي، وفي اكتساب المعرفة وإنتاج الثقافة التي هي رافعة المجتمعات، لكن هذا العنوان وهذا المعرض الذي يقام في ظروف كالتي تمرّ 

"من يستطيع أن يقرأ؟ من يستطيع أن يحتسب ثمن الكتاب من ثمن رغيفه ورغيف أطفاله؟" بها سورية، يدفع إلى أسئلة كثيرة مشروعة، أولها سؤال النخبة الثقافية السورية، أو الأنتلجنسيا السورية التي كانت في حالة هشاشة بنيوية قبل الحراك، وأصبح الوضع بعده أعقد بكثير.

لا يمكن استثناء هذه النخبة من تأثير الزلزال السوري، وهزّاته الارتدادية، فالمثقفون هم من أبناء هذه الأرض، طاولهم ما طاول كل شرائح ساكنيها، ودفعتهم الحرب إلى الغرق في مستنقعات القلق اليومي والاستهلاك في التفاصيل الصغيرة، لحياة معلقة في الفراغ بدون أرض مستقرّة، ولا مستقبل منظور. انشطر السوريون ونخبهم ليس إلى فريقين، بل انشطروا بطريقة فوضوية، كما هو واقع المجتمع السوري. انشطروا بصدوع عديدة، ليس فقط في موقفهم من الحراك بين مؤيد ومناهض، أو بين موالٍ للنظام ومعارض له، انقسموا بين الخارج والداخل، بين المنفى القسري والداخل القسري، دخلت النخب، في غالبيتها، في الصراع بين الولاءات والانتماءات، بين الانصياع لحالةٍ عاطفيةٍ يستغلها ما تراكم في اللاوعي من انتماءات وولاءات ضيقة، فيعزّز الشعور العارم بالقبيلة أو الطائفة أو الحزب أو الإيديولوجيا أو العقيدة، مغيّبة الوعي، وفاسحة الطريق أمام النوازع لتصنع الخطاب والمواقف.

يبدو معرض للكتب تحت شعار "مجتمع يقرأ، مجتمع يبني" أمرًا ليس في مكانه ولا زمنه، خصوصا في ظل هذا الواقع المرير المخزي، سورية "المنتصرة" مقسمة في الواقع، ومتهالكة، وشعبها فاقد للأمان، ويرزح تحت ضغط الفقر والجوع، وتحت ضغط الضغينة التي تراكمت في الصدور، مجتمع بحاجةٍ، قبل كل شيء، إلى وقف المدافع والقتل والتدمير والتهجير، بحاجة إلى الخبز، إلى المأوى، إلى الماء، إلى الكهرباء، إلى التعليم، إلى الرعاية الصحية، إلى أقل تكاليف الحياة، حتى يستطيع ذهنه أن يصفو، ويتأمل واقعه، ويُسائل نفسه إن كان قادرًا على التّطهر من كل أنواع الضغينة والثأرية التي راكمتها سنو القهر، حتى يستطيع أن يقرأ ويعرف معنى أن يكون هناك منتجٌ ثقافيٌّ يساهم أبناؤه فيه، من يستطيع أن يقرأ؟ من يستطيع أن يحتسب ثمن الكتاب من ثمن رغيفه ورغيف أطفاله؟ كيف لوعيٍ تشكّل، خلال عقود الاستبداد، على ثقافة الاستبداد وخطابات الوطنية والقومية وعبادة الزعيم ورجل الدين، وانتهى مثقفوه الذين كتبوا بقليل من الحرية، فانتقدوا الجور بكل أشكاله، إلى المعتقلات أو المنافي أو الموت، كيف له أن يعرف قيمة القراءة في زمنٍ ليس للحياة فيها قيمة؟

مجتمع يبني؟ أين هي خامات الشباب بناة المستقبل؟ وأين هي الأيدي الماهرة والمواهب الخلاقة؟ تلك التي هامت في بقاع الأرض، حتى لا تحمل السلاح؟ وتلك التي رمتها الحرب في سراديب التيه، وأولئك الذين خسروا مدارسهم وجامعاتهم، وخسروا ثماني سنين من العمر، عمر الإنسان الذي يكاد لا يكفي لتحقيق الطموحات؟ ولمن سيتوجه معرض "إعادة الإعمار" الذي يصادف بعد معرض الكتاب في أوائل أكتوبر/ تشرين الأول في مدينة المعارض في دمشق؟ إعادة الإعمار في زمن الدمار الذي ما زال يهدّد الأرض والإنسان؟

والسؤال الأكثر إلحاحًا: ما هي معايير الكتب المعروضة؟ أو بطريقةٍ أكثر دقة: ما هي معايير القبول؟ هل سيتنحّى الرقيب، ويفسح المجال للإبداع الحر، كي يتربع على الرفوف، أم إن 

"المثقفون هم من أبناء هذه الأرض، طاولهم ما طاول كل شرائح ساكنيها، ودفعتهم الحرب إلى الغرق في مستنقعات القلق اليومي" المسموح به هو الكتب التي تعزّز خطاب القومية والإيديولوجيا والتصدّي للمؤامرة ودحر الإرهاب، مع الخطاب الديني، وتعزيز الهوية الإسلامية كهوية سورية، كما جرى مع الكتب المدرسية؟ هل هو معرض للسوريين حقًا؟ ومن هم السوريون؟ هل هم فقط الذين اصطفوا وردّدوا شعارات الوطنية ومحاربة الإرهاب والتصدي للمؤامرة الكونية على سورية. وبالتالي، المبدعون الذين ستفتح قاعات المعرض ورفوف أجنحته لمنتجهم الثقافي هم أولئك المبدعون الذين رموا من خالفهم الرأي بتهمة الخيانة والارتزاق والعمالة، كما فعل بعض النخب في المقلب الآخر؟ هل سيُحاكم المنتج الإبداعي من خلال رأي صاحبه وموقفه وتقييمه ما جرى ويجري في سورية، فينسف إنتاجه، وكل ما راكم من أفكار وبحوث وكتب وأعمال إبداعية خلال سنوات عمره، كما جرى مع أدونيس وصادق جلال العظم؟

إذا لم يتفق المثقفون، وتجتمع أهدافهم وجهودهم على المشتركات التي تصبّ في خدمة الوعي العام، والمساهمة في تبرئته مما أصابه في سنوات الحرب والتضليل، وأدى إلى دق أسافين الفرقة والعصبوية، وترسيخ القيم الشوفينية التي تمكّنت، على مرّ العقود والقرون، من هذا الوعي بتحالفٍ من سلاطين القمع والتخلف والجهل والتبعية وكمّ الأفواه ومحاصرة العقول، من أنظمة سياسية ودينية وثقافية، فإن العلل ستترسخ أكثر، ولن يكون هناك مجتمع يقرأ أو يبني.

==========================

عودة اللاجئين السوريين مناورة روسية جديدة

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 1/8/2018

أثارت روسيا، بشكل مفاجئ، فتح ملف عودة اللاجئين السوريين، بإعلان وزارة الدفاع الروسية يوم 18 الشهر الماضي (يوليو/ تموز) عن خطة لإعادة 1.7 مليون لاجئ: 890 ألفاً من لبنان، 300 ألف من تركيا، 200 ألف من أوروبا، 150 ألفاً من الأردن 100 ألف من العراق، و100 ألف من مصر. وقولها "إنه يمكن استقبال حوالى 336 ألف لاجئ في مراكز لجوء داخل سورية، 134.500 منهم في حلب و73.600 في ريف دمشق، و64 ألفاً في حمص، و45 ألفاً في دير الزور. وتقدمت موسكو بطلبات إلى 45 دولة، للحصول على بيانات وأرقام دقيقة عن اللاجئين السوريين المقيمين فيها، وأرسلت وفدا كبيرا رفيع المستوى، من 13 مسؤولاً، شمل نائب وزير الخارجية، سيرغي فيرشينين، ومسؤولين في وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية برئاسة مبعوث الرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف، إلى الأردن ولبنان، لتسويق الخطة، وأخذ موافقة البلدين عليها، والإعلان عن افتتاح مراكز لتسجيل أسماء اللاجئين الراغبين بالعودة، وتحديد معابر رسمية لعودتهم. كل هذا بالتنسيق مع وزارة الخارجية، حيث زار وزير الخارجية، سيرغي لافروف، يرافقه رئيس هيئة الأركان العامة، فاليري غيراسيموف، ألمانيا وفرنسا لمناقشة الخطة. وكان لافتا فرض الملف الإنساني ببند رئيس، عودة اللاجئين، على جدول أعمال اجتماع أستانة 10 الذي عقد يومي 30 و31 يوليو/ تموز في مدينة سوتشي الروسية، فقد صرح نائب مدير قسم الإعلام والصحافة في الخارجية الروسية، أرتيوم كوجين، "إن اجتماع سوتشي سيولي اهتماماً خاصاً للأوضاع الإنسانية في سورية وعودة اللاجئين السوريين". وقد أثار (التوجه) استغراب مراقبين ومحللين سياسيين، في ضوء تصدّر ملف الإصلاح الدستوري جدول أولويات روسيا، طوال الأشهر الأخيرة، وتحرّكها المحموم لتشكيل اللجنة الدستورية، على طريق إحلالها بديلاً عن مسار التسوية السياسية.

عكست تصريحات المسؤولين الروس، وقراءات المحللين والمعلقين، الغاية من المناورة الروسية الجديدة، بإعطائها أولوية قصوى لإعادة اللاجئين التي تمثلت في هدف مزدوج: تعويم النظام السوري إقليميا ودوليا. وبرز ذلك في ربط المبعوث الرئاسي الروسي بين مسار عودة 

"عقبات واقعية يمكن أن تعيق المسعى الروسي إلى إعادة اللاجئين واستثمار عودتهم" اللاجئين ومسارات عدة سياسية وأمنية وعسكرية، ما يعني ضرورة تطبيع العلاقات مع النظام السوري، لضمان تنفيذ كامل وسريع لخطة إعادة اللاجئين. وهذا ما حقّقه المبعوث الرئاسي في محادثاته في الأردن ولبنان، وفق قراءة مراقبين روس، وما منعه من زيارة أنقرة، حيث أكبر عدد من اللاجئين (3.5 ملايين)، أن تركيا غير مستعدة بعد للتطبيع مع النظام. واستدراج دول إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على النظام، والمساهمة في عملية إعادة الإعمار، عبر ربطها بعودة اللاجئين إلى مواطنهم الأصلية، وتوفير شروط حياة مستقرة لهم. وهذا دفعها إلى الضغط على النظام، لإعلان موقف ايجابي من عودة اللاجئين، تجلى بدعوة رئيسه إلى عودة اللاجئين، وترحيبه بالخطة الروسية، دعوة تتناقض مع حديثه السابق عن المجتمع المتجانس الذي نشأ في سورية، بعد هجرة 5.6 ملايين من أبنائها، لتسهيل المناورة الروسية، وإنجاح عملية تعويم النظام، ورفع العقوبات الدولية، والمساهمة في إعادة الإعمار.

جاءت النقلة الروسية في سياق إدراك موسكو أن طريق التسوية الروسية للصراع في سورية وعليها غير سالكة، لاعتبارات ثلاثة، أولها عدم ثبات الموقف الأميركي وتردّده في تنفيذ تفاهمات قمة هلسنكي، خصوصا بعد العاصفة التي أثارها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إنْ في الداخل الأميركي أو في الدول الأوروبية الحليفة، بتصريحاته في المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم 16/7/2018، عن تقويم المخابرات الأميركية للتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، ما دفعه إلى تغيير هذه التصريحات، وتأجيل القمة الأميركية الروسية إلى العام المقبل، خوفا من انعكاسات أدائه فيها على فرص نجاح المرشحين الجمهوريين في انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني، وخسارتهم الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وإلى التشدّد في الملف السوري، حيث رفض المشاركة في اجتماع أستانة 10، وأعلن تمسّكه بمسار جنيف، باعتبار المسارات الأخرى ليست أكثر من "عامل صرف أنظار عن تنفيذ القرار الدولي 2254"، وفق تصريح ناطق باسم الخارجية الأميركية، نقلته وكالة تاس الروسية، جدد التأكيد على تمسك واشنطن بمسار جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة طريقا للوصول إلى حل سياسي، وردّها المتحفظ على الدعوات الروسية بخصوص عودة اللاجئين "نحن ندعم عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، على أن تكون آمنةً وطوعيةً وكريمة (…) لا أعتقد أن الوضع يسمح بذلك حاليًا، وفقًا لما تقوله المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، وفق تصريح المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الأميركية، هيذر نويرت.

ثاني تلك الاعتبارات تمسّك دول الاتحاد الأوروبي بموقفها الذي يربط بين المساهمة في إعادة الإعمار وتحقق انتقال سياسي حقيقي وحل سياسي يرضي جميع الأطراف في سورية، وقد تبنت الموقف نفسه مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (الولايات المتحدة وكندا واليابان وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا) في قمتها في مقاطعة كيبك جنوب كندا يوم 8 يونيو/ حزيران الماضي، فمساهمة الاتحاد الأوروبي، والدول الغنية الأخرى، مثل كندا واليابان ودول الخليج، ضرورية وحيوية في ضوء تكلفة عملية إعادة الإعمار الكبيرة (قدرت ما بين 200 و 400 مليار دولار من عشر سنوات إلى 15)، ناهيك عن الاحتياجات الفنية والتقنية التي 

"لن يعود اللاجئون إلى حكم النظام، من دون ضمانات حقيقية تقيهم بطشه وتحميهم من مخاطر التصفية والملاحقة على أيدي مليشياته" يمكن أن توفرها الدول الغربية المتقدمة، وعجز روسيا وحلفائها عن توفير المال اللازم للعملية.

ثالث الاعتبارات، الشروط الإسرائيلية التي لم تكتف بالعرض الروسي إبعاد القوات الإيرانية ومليشياتها الشيعية مسافة مائة كيلومتر عن حدود الجولان السوري المحتل، بل أصرت على سحب الصواريخ طويلة المدى، والدفاعات الجوية المرافقة، وتفكيك مصانع الصواريخ الدقيقة في سورية ولبنان، وإغلاق المعابر على الحدود السورية العراقية والسورية اللبنانية في وجه حركة الإيرانيين، لمنع نقل الأسلحة إلى حزب الله، ومنع إقامة جبهة مستقلة ضد إسرائيل مع المليشيات الموالية لها، ومع حزب الله في الأراضي السورية، باعتبارها خطواتٍ على طريق إخراج القوات الإيرانية من سورية بالكامل، وهذا ما لا تريد روسيا الانخراط فيه، الآن على الأقل، نظرا إلى حاجتها للدور الإيراني في بسط سيطرة النظام على الأراضي، واستخدام الورقة الإيرانية في المقايضة مع الولايات المتحدة بشأن القضايا العالقة بينهما.

رابعها، التعارض العميق في المصالح بينها وبين تركيا، وحاجتها، في الوقت نفسه، للإبقاء على العلاقة المستجدة معها، لضبط تحركاتها في سورية، حيث في وسعها إجهاض العملية السياسية التي تقودها، عبر تسليح فصائل المعارضة في الشمال، واستدراجها إلى التخلي عن تبني مشروع المعارضة ضد النظام، ما يضطرّها هي للإقرار بمصالحها في سورية، وغض النظر عن خططها ضد كرد سورية، وتوظيف تحرّكها ضدهم ودفعهم إلى التفاهم مع النظام، ولدق إسفين بينها وبين حلف شمال الأطلسي (الناتو).

بقي أن ثمّة عقبات واقعية، يمكن أن تعيق المسعى الروسي إلى إعادة اللاجئين، واستثمار عودتهم سياسيا، أولها غياب مصداقية روسيا، في ضوء الضمانات التي قدمتها لمناطق خفض التصعيد، وعمليات المصالحة مع الفصائل المسلحة التي لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ؛ بل بالعكس اخترقت وتلاشت بمشاركة روسية فاعلة. وثانيها عدم توفر المعايير الدولية لعودة اللاجئين، من العودة الطوعية من دون إكراه، إلى توفير الحد الأدنى من معايير الحياة الكريمة في مجالات الصحة والتعليم والسكن اللائق، مرورا بشروطٍ تتعلق بتأمين الاحتياجات الأمنية والمعيشية للسكان العائدين، كانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد صاغتها في عشرين شرطاً، لا بد من تحققها قبل أن توافق على التعاون مع الدول المعنية بتنظيم عودة اللاجئين. ثالثها وأهمها موقف اللاجئين أنفسهم من العودة إلى سورية تحت حكم النظام، من دون ضمانات حقيقية تقيهم بطشه وتحميهم من مخاطر التصفية والملاحقة على أيدي مليشياته.

==========================

عصر الحروب التفكيكية

د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاربعاء 1/8/2018

اتضح أن التراكم الذي تحقق نسبياً مرات عدة في العالم العربي، منذ القرن التاسع والعشرين، لم يُأخذ بمداه التاريخي للتأسيس لأي مشروع يكون «خاتمة الأحزان» و«بداية للتأسيس» لمشروع وطني هنا وهناك بصيغة «التأسيس لمشروع قومي» يضم الأقطار العربية أو المحتمل منها. لقد حدث ذلك مرات متعددة وفي أكثر من حالتين اثنتين على الأقل، فمعظم الحالات التي حدثت على هذا الصعيد تم إحداثها، دون رؤية تاريخية ناضجة وعلى نحو تم تفكيكها وإسقاطها بفعل مجموعة من العوامل داخل الأقطار العربية نفسها من طرف، وبفعل الأحداث التي جاءت كردود أفعال من الخارج والداخل العربي نفسه من طرف آخر.

لقد حدث ذلك في كل المحاولات الاندماجية والتقربية التي حدثت بين أقطار عربية، والأمر وصل إلى درجة التدخل في محاولات التوحيد والتقريب بين بلدان عربية عملت قياداتها على هذا الاتجاه. لقد كانت التجربة النموذجية هي التي غرقت في أوحال الصراعات السياسية والاقتصادية والثقافية، والطائفية أحياناً. في هذا الحقل: حدّث ولا حرج! ففي التجربة التوحيدية بين سوريا ومصر الناصرية، مثلاً، كان أحد الشروط التي تمسكت بها مصر الناصرية حيال دعوة السوريين للوحدة مع «الشقيقة الكبرى» أن تُنجز عملية حاسمة في سوريا كأحد الشروط الحاسمة لمشروع التوحيد، هو أن تُحل الأحزاب السياسية في «البلد الشقيق» مع سوريا. وكان ذلك: لقد ألغيت أو مُنعت في هذا البلد الأخير، خطوة بخطوة «مع أحزاب مصر». لقد مُنعت الأحزاب السورية رسمياً، دون أن يستجيب إلى ذلك مسؤولو مصر في حينه، وعلى رأسهم الرئيس عبدالناصر، وبهذه الخطوة الافتراضية تم لجم المجتمع السياسي ومنعه في سوريا، لكن في مصر ظل الاتحاد الاشتراكي، حزب السلطة هناك، قائماً من الناحية العملية، وقُضي على التعبير السياسي في مصر، دون تماثل الوضع السوري معه تماماً.

وبذلك، مُنعت الأحزاب في مصر ثم في سوريا، دون أن ينتهي ذلك إلى «صنع» المجتمع المدني والآخر السياسي رسمياً، ولكن ضُيق عليها. ذلك كان مثالاً قاسياً وفظاً في العالم العربي. وجاءت مرحلة التضييق على من تابع سيره في البلدين، حتى حدث انفصال بين سوريا ومصر. لقد كانت المرحلة التالية قاسية على البلدين، ما سهّل عمليات تضييق على كل من انتقد ضمن الحالتين في البلدين في سوريا ومصر. وكان ذلك مناسبة ذهبية للتدخل الأجنبي في البلدين الذين انفتحت أبواب التدخل الأجنبي فيهما، وبالطبع، فإن ذلك انعكس عموماً في بقية البلدان العربية، فقاد إلى عملية مفتوحة من الانقلابات العسكرية، يداً بيد مع عمليات النكوص والاضطراب في بلدان عربية، حتى وصلنا إلى المرحلة التالية، وهي تلك التي نعيشها راهناً في البدايات النسبية زمانياً: في مصر ولبنان وسوريا واليمن وليبيا والعراق إلخ، ونعني من ذلك الحروب الأهلية بين بلدان عربية، وبين أخرى بحمايات أجنبية، كانت مناسبة لتدخلها في هذا القطر العربي أو ذاك، مع ديمومة الحروب الداخلية، التي قامت بعمق وعلى امتداد سنوات طويلة بإنتاج أسئلة نارية مشتعلة وبكيفية راحت تفرض أسئلتها على الأمة كلها. ها هنا، تذكّر العرب أنهم ينتمون إلى قومية واحدة، هي العربية.

لقد أخذنا نسجل كثيراً من الملاحظات على ما بدأ قبل عقد ونيف من السنين. أول هذه الملاحظات لها خطورة فظيعة في مستقبل (الوطن العربي)، حيث نشأ نمط من الحروب في المنطقة العربية: إنها الحروب الأهلية التدميرية والتي تتسم برؤية تفكيكية وتدميرية، مشوبة بفيض من الرغبة في الخراب والتأسيس لوطن عربي حُطام، رحنا نواجهه على شاشات التلفزة. فكأن عدو الوطن والشعب العربي قد أصبح ديدنه تفكيك العالم العربي إلى طوائف وأعراق وأجناس وأديان مختلفة متصارعة. وراح الجميع أو معظمهم يعلنون استقواءهم بانتمائهم الطائفي الذي أظهر أن القتال بين الجميع ضد الجميع كأنما هو المرحلة الأخيرة من التاريخ.

==========================

مفاوضات سورية من دون أفق

ماجد كيالي

العرب اللندنية

الاثنين 30/7/2018

لا يوجد أفق لحل الصراع السوري، فمازال ذلك بعيد المنال، رغم انحسار رقعة الصراع العسكري، واستعادة النظام هيمنته على معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل المعارضة العسكرية، وأيضا رغم ثماني جولات تفاوضية في جنيف، وعشر مثلها في أستانة، إذ لا هذه ولا تلك شهدت عمليات تفاوضية بالمعنى الحقيقي، أي أن المحصلة لكل هذه الجولات هي صفر، وما نتج عنها هو فقط مجرد الخروج أو الانزياح، عما قررته الشرعية الدولية لحل الصراع السوري، سواء تمثل ذلك في بيان جنيف 1 عام 2012 أو القرار الأممي رقم 2254 أواخر العام 2015.

لا حل للصراع السوري إذاً، لسبب بسيط مفاده أن النظام لم ينتصر رغم أن المعارضة العسكرية هزمت، إذ أن النظام بات فاقدا للسيادة على الأرض وعلى القرار، دون أن نتحدث عن افتقاده للشرعية، صحيح أنه استعاد سيطرته على حوالي 60 بالمئة من الأرض السورية، بمساعدة روسية وإيرانية أساسا، إلا أنه مازال يفتقد للسيطرة في الشمال السوري على الحدود مع تركيا، كما يفتقد للسيطرة على المنطقة من شرقي الفرات إلى الحدود مع العراق، حيث مواطن ثرواته الباطنية الاستراتيجية، وحيث تسيطر الولايات المتحدة في تلك المنطقة، التي تدعم فيها سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.

أما عن افتقاده للسيادة فهذا بسبب تحكم طرفين مباشرين بقراره السيادي أو بخياراته السياسية، هما روسيا التي تعتقد أن لها الكلمة العليا في تقرير شأن النظام ومآلات الصراع السوري، لأنها هي التي أنقذته من الانهيار، وإيران التي تعتقد أنها هي الأوْلى بالورقة السورية باعتبارها لذاتها أنها هي، وليست روسيا، التي تقف وراء بقاء النظام، بمعنى أنه ثمة نوع من التنافس أو التنازع بين هذين الطرفين، رغم التوافقات بينهما.

طبعاً، وبخصوص افتقاد النظام للسيطرة وللسيادة، لا يمكن حصر الأمر بروسيا وإيران، فثمة الأطراف الأخرى، أي الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، فالأولى أضحت تسيطر على حوالي ثلث سوريا (شرق الفرات)، وتعتبرها خطا أحمر لا يجوز لأحد الاقتراب منه، وأن مهمتها لن تنتهي إلا بانتهاء داعش، أي إنها لن تنتهي قريبا. والثانية تسيطر في الشمال على حوالي 10 بالمئة من مساحة سوريا مع فصائل عسكرية قوية، وهذا يشمل مدينة إدلب وريفها. أما الثالثة، أي إسرائيل، فقد أضحت تبسط نفوذها علنا في الصراع السوري، بعد أن كانت تخفي ذلك، إن من خلال توجيهها ضربات متكررة لمواقع النظام ومواقع الحرس الثوري الإيراني والميليشيات المسلحة التي تعمل كأذرع إقليمية له، أو من خلال علاقاتها مع الأطراف المعنية، أي الولايات المتحدة وروسيا، ووضع أجندتها في قلب أجندتهم، أو فرض مكانة عليا لأجندتها في أجندتهم، على نحو ما شهدنا مؤخرا.

وكنا شهدنا منذ شهر فبراير الماضي تصعيدا كبيرا من جهة إسرائيل تمثّل في الضربات القوية التي وجهتها إلى مواقع إيرانية في سوريا، لا سيما في شهري أبريل ومايو الماضيين، وصولا إلى إسقاط الطائرة العسكرية السورية مؤخرا بالتزامن مع وجود وزير الخارجية الروسي ورئيس أركان الجيش الروسي فيها، وهي رسالة لا يمكن تجاهلها، مفادها أن إسرائيل باتت لاعبا مهما بل ومقررا ينبغي احتسابه في الصراع السوري.

لا حل للصراع السوري لأن النظام لم ينتصر رغم أن المعارضة العسكرية هزمت، إذ أن النظام بات فاقدا للسيادة على الأرض وعلى القرار، دون أن نتحدث عن افتقاده للشرعية

من هذا العرض يمكن الاستنتاج أنه مازال لدينا عدة ملفات ساخنة في الصراع السوري، مرشحة للتصعيد، أو أنه بناء على التوافق بخصوصها يمكن الحديث عن استعادة الاستقرار أو ولوج الحل السياسي.

الملف الأول يتعلق بمصير منطقة شرقي الفرات، إذ ليس من الواضح ما تريده الولايات المتحدة، فهل هي بصدد الانسحاب منها وتسليمها للنظام، على نحو ما جرى في الجنوب، حيث استنكفت عن التزاماتها بخصوص منطقة خفض التصعيد هناك، أو على نحو ما جرى في عفرين، باستنكافها عن دعم قوات “قسد” والتسليم بالنفوذ التركي فيها. وفي كل الأحوال فإن حدود السياسة الأميركية في سوريا مازالت تتمحور عند الحفاظ على أمن إسرائيل، وحل مشكلة اللاجئين، وتحجيم نفوذ إيران، وليس إنهاؤه، والحفاظ على حالة من ديمومة الصراع، بهذه الدرجة أو تلك، للضغط على الأطراف المعنية للقبول بإملاءاتها؛ بمعنى أن الولايات المتحدة لم تبد يوما بأنها معنية بسوريا أو باستقرارها، لذا فإن تلك المعطيات مازالت هي الاستراتيجية الأميركية المتبعة في العلاقة مع الأطراف الآخرين الدوليين والإقليميين، ومع سوريا.

الملف الثاني هو ملف الشمال وإدلب، أو ما يتعلق بالنفوذ التركي في سوريا، ولعل مسائل كثيرة في هذا الملف، أو في تحديد مآلات الدور التركي، تعود إلى طبيعة الخيارات أو السياسات التركية إزاء العلاقة مع الدولتين الكبريين أي روسيا والولايات المتحدة، إذ لا يمكن الحديث عن سياسة تركية من دون ذلك، كما لا يمكن التعاطي مع هذا الملف بدون التوافق بين الولايات المتحدة وروسيا، ورؤية كل منهما لدور تركيا في الترتيبات السورية المستقبلية. وإذا كان الأمر بالنسبة لروسيا محسوما، وفقا للتوافق الثلاثي (الروسي الإيراني التركي)، كما جرى التعبير عنه في توافقات “خفض التصعيد”، وفي مفاوضات أستانة ومؤتمر سوتشي (أوائل هذا العام)، فإن الولايات المتحدة مازال لديها ما تقوله، ناهيك أن التوافق الثلاثي المذكور تعتريه العديد من المشكلات ضمنها التنافس الروسي ـ الإيراني، واختلاف أجندات تركيا وإيران.

الملف الثالث يتعلق بالوجود الإيراني، وهذا ملف إشكالي ومعقد بقدر حجم التدخل الإيراني العسكري والمدني والخدمي والسياسي والطائفي في سوريا. ومشكلة إيران أنها لا تحظى بثقة أحد، وضمنهم روسيا التي تنازعها على مكانتها ونفوذها، باعتبارها سوريا منطقة نفوذ لها، وليس لإيران. وطبعا يأتي هنا كل من الموقفين الأميركي والإسرائيلي بخصوص إنهاء نفوذ إيران في سوريا أو تحجيمه. لذا فبناء على تطور هذه المواقف وردة الفعل الإيرانية يتوقف الكثير بشأن مآلات الصراع في سوريا.

الملفان الرابع والخامس، هما ملفا إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار، حيث تحاول روسيا تفعيل هذين الملفين، للظهور كمنقذ لسوريا، والتغطية على دورها في دعم النظام بطريقة وحشية، وأيضا للتخفيف من النفوذ الإيراني، بإعادة لخبطة مسارات التغيير الديموغرافي، وأيضا للالتفاف على مسألة التغيير السياسي وتاليا تعويم نظام الأسد. وعلى كل فإن هذين الملفين يحتاجان إلى تعاون دولي وإقليمي كبير، سيما أنه يتعذر الحديث عمليا عن عودة حقيقية للاجئين من دون الاستقرار السياسي وعودة الأمان، وخاصة من دون توافق دولي وإقليمي على إعادة الإعمار، في حين أن معظم الدول الغنية والقوية المعنية بالإعمار تشترط التغيير السياسي، من أي درجة كانت، واستعادة الاستقرار قبل أي شيء.

========================

سوريا: الكشف عن مصير المعتقلين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاثنين 30/7/2018

يتفق متابعو الوضع السوري في الأعوام الماضية على قول إن الوحشية التي يمارسها النظام السوري في تعامله من السوريين غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، بالإضافة إلى ما قام به الإيرانيون وميليشياتهم.

ويستند التوافق السابق على أساس معرفي واسع وكثيف، تتضمنه مئات آلاف التقارير الإخبارية ومثلها تقارير صدرت عن منظمات وهيئات وجماعات حقوقية دولية، وأخرى إقليمية ومحلية، وشهادات لشخصيات عامة مختلفة سورية وأجنبية، تابعت ووثّقت في فترات مختلفة، ما قامت به أجهزة ومؤسسات النظام السوري من أعمال قتل وتعذيب ضد السوريين طوال نحو ثمانية أعوام.

وتواصلت الأعمال الوحشية ضد السوريين عبر مسارين، أولهما مسار العمليات العسكرية بما فيها الهجمات بالأسلحة المحرمة دولياً، التي شارك فيها حلفاء النظام في أغلب المناطق السورية، وأنتجت قتلاً واعتقالاً واسعين في صفوف المدنيين بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ، ومثالها الأخير ما جرى في الجنوب السوري، وشمل أجزاء واسعة من محافظتي درعا والقنيطرة، وقبلها ما جرى في غوطة دمشق الشرقية في أبريل (نيسان) الماضي، وقد حوّل مدنها وقراها إلى ركام وغالبية سكانها إلى قتلى ومعتقلين.

والمسار الثاني، تمثله عمليات الاعتقال الواسعة، التي تتواصل بصورة رئيسة من قبل أجهزة النظام وميليشياته، وتتبعها عمليات تعذيب في معتقلات المخابرات، والوحدات العسكرية والميليشيات التابعة للنظام، وبصورة أقل لدى قوات وميليشيات حلفائه، ويقدّر عدد السوريين الذين كانوا ضحايا المسار الثاني بأكثر من مائتين وخمسين ألف شخص بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال والشيوخ.

ورغم أن ما يتم في المسارين من أعمال إجرامية، استهدف سوريّي المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والتي تمت إعادة السيطرة عليها، فإن بين ضحايا المسارين أعداداً كبيرة من غير المعارضين والثائرين على النظام، بعضهم من «الرماديين» الذين يصنفون أنفسهم خارج المعارضة والثورة، وآخرون من مؤيدي النظام، حيث إن أعمال القتل والاعتقال لا تندرج في سياق الأعمال العاقلة، وتقوم بها أجهزة وأشخاص أعماهم الحقد والضغينة والمصالح الضيقة والأنانية المنتمية إلى نهج الفساد والرشوة والسرقة السائدين في أجهزة النظام ولدى غالبية المتنفذين فيها.

لقد حوّلت الأعمال الإجرامية للنظام وأجهزته وحلفائه، سوريا إلى ميدان قتل معمم، ظاهره العام مذابح وحملات اعتقال واسعة ناتجة عن العمليات العسكرية، والخفيّ منه اعتقالات واختفاءات قسرية، وفي الحالتين تتبع الاعتقالات عمليات تعذيب وإهمالات صحية وتجويع للمعتقلين، تؤدي إلى مقتل عشرات الآلاف منهم في سجون المخابرات وسجون الوحدات العسكرية ومقرات الشبيحة والميليشيات الحليفة، بل إن المشافي التابعة للنظام السوري، أخذت حصتها المباشرة وغير المباشرة في عمليات تعذيب المعتقلين وقتلهم، خصوصاً المشافي العسكرية، ومنها المشفيان 600 و601 في دمشق، والتي أثبتت شهادات عشرات الخارجين منها مشاركة كوادرها الطبية والإدارية في عمليات تعذيب المعتقلين حتى الموت، والقيام بإصدار شهادات وفاة مزوَّرة لبعضهم عن أسباب الوفاة.

وتكثف شهادات «قيصر» العسكري المنشق عن النظام، والمكلف تصوير وتوثيق جثث مقتولين تحت التعذيب، تفاصيل عن ميدان القتل المعمم في فروع المخابرات ومشافي النظام، وسرَّب «قيصر» 55 ألف صورة لجثث «تُركت في العراء عرضةً للقوارض والحشرات»، قبل أن يتم «جمعها وأخذها إلى أماكن مجهولة»، وأكد أن «آثار التعذيب بالكهرباء والضرب المبرح، وتكسير العظام، والأمراض المختلفة وبينها الجرب، إلى جانب الغرغرينا والخنق» تظهر بوضوح على جثث القتلى، وفيها جثث «أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 12 و14 عاماً، وشيوخ يتجاوز عمر بعضهم 70 عاماً»، وبيّن صاحب الشهادات أن «مصير الجثث الدفن في مقابر جماعية»، أو أنه يتم إحراقها في أفران خاصة وفق مصادر أخرى، ذكرت أن النظام يملك ستة منها.

ويضيف تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية، ونشرته عام 2017 تحت عنوان «المسلخ البشري»، توثيقاً لعمليات إعدام جماعية نفّذها مسؤولون في سجن صيدنايا قرب دمشق، شملت قتل ثلاثة عشر ألف معتقل بين عامي 2011 و2015 أغلبيتهم من المدنيين المعارضين، ولاحظ التقرير الذي اعتمد على شهادات لحراس سابقين في السجن، ومسؤولين ومعتقلين وقضاة ومحامين، إضافة إلى خبراء محليين ودوليين، أن الإعدامات كانت «سرّية»، وأنها «جرت أسبوعياً أو ربما مرتين في الأسبوع»، حيث يتم سحب مجموعات يصل عدد أفرادها إلى خمسين معتقلاً إلى خارج زنازينهم، ويُشنقون حتى الموت في قاعة للإعدام في سجن صيدنايا.

وسط كمٍّ هائل من عمليات قتل معتقلين سوريين، تجنب النظام السوري طوال السنوات الماضية الكشف عن مصير المعتقلين، كما رفض بحث ملفهم، وتجاوز السلوكين السابقين إلى إنكار وجود كمٍّ كبير من المعتقلين لديه، واكتفى بتسريبات محدودة لأسماء معتقلين «تُوفُّوا» في السجون، ولجأ في بعض الأحيان إلى إجبار ذوي المعتقلين على التوقيع على أوراق تفيد بأن أبناءهم قتلتهم «جماعات إرهابية»، قبل أن يهتدي مؤخراً إلى طريقة جديدة يتم فيها تسريب أسماء المعتقلين المقتولين عبر سجلات القيد المدني في بعض المناطق هرباً من تحمل مسؤولية مقتلهم وكشف أعدادهم، غير أن هذا النهج أعجز من أن يغطي كارثة سورية بحجم قضية معتقلين جرى قتلهم بدم بارد دون إعلان أو تسليم جثثهم لأهاليهم وسط ظروف غامضة وخاصة لجهة ادعاء النظام أن أغلب من كشف النقاب عن موته إنما مات بسكتة قلبية.

إن قضية المعتقلين في سجون النظام، وموت عشرات آلاف منهم تحت التعذيب أو بفعل الإهمال الصحي والتجويع والشروط البيئية المتردية بين الأبرز في ملفات القضية السورية، والأكثر أثراً في أي حل سوري ممكن أن يتحقق الآن أو في المستقبل بما تحمله القضية من معانٍ سياسية واجتماعية وأخلاقية، ولن يتم تجاوزها دون الكشف عن مصير المعتقلين جميعاً خصوصاً المتوفين منهم، وإطلاق سراح الأحياء منهم بصورة فورية وتعويضهم، وتعويض أهالي المقتولين، وتقديم المسؤولين عن قتلهم للقضاء لينالوا عقاباً يتناسب مع حجم جرائمهم.

=====================

حرية التخوين والسباب

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 28/7/2018

تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تأسيس مجتمع من نمط جديد، ترتكز وحدته على حرية أفراده واحترام خصوصياتهم. ولا يعني هذا أن هذه الوسائل تقوّض المجتمع القائم، أو تطلق معاول الهدم والتخريب فيه، وكيف لها ذلك إن كانت تعمل لترقيته، بما تتيحه لأفرداه من انفتاح تواصلي، وتبادل حر للمعلومات والمعرفة، ومن تفكير ببدائل لما يواجهونه من أوضاع ومشكلات، من دون خوف من عقابٍ تنزله بهم دولة طغيانية عميقة الأجهزة، تكره الحرية والمعرفة والمواطن العارف.

تخشى النظم المغلقة وسائل التواصل، وما تمد مجتمعاتها به من مواد إعلامية تخفيها أجهزته عنها. وتخشى ما تحققه من استقلاليةٍ في فضاء معلوماتي لا يخضع لها، ولا يروّج ذلك النمط من الوعي الذي تعمل لتكريسه في عقول مواطنيها، ويشوّه ما يجري في المجتمع والعالم من وقائع، وصولا إلى تجميل ما في حياة الخاضعين لها من بؤس وتهافت، أو إنكاره.

بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، تخلق مجتمعا مفتوحا وحرا في مواجهة المجتمع المغلق أو المتخلف القائم، وتعاظم تأثيرها بقدر ما أنجزت وظيفتها في مجتمعاتٍ تتحكم بها نظم طغيانية، ومكّنت المواطن من المشاركة في فضائه المفتوح، كذات حرة لا قيد على حقها في التعبير عن نفسها، وفي التفاعل مع آخرين لم يعرف هويتهم مسبقا، لكن علاقاته التفاعلية معهم تدعم حريته وحريتهم بالتبادل وتوسعهما، بدعم وتوسعة قدرتهم على وعي أنفسهم وعوالمهم بالتطابق مع مكنوناتها وحقائقها، وبما يتاح له من معلوماتٍ تضع المعارف التي يحتاجها في متناول يديه، وتمنحه حق استخدامها بالطريقة التي تروقه.

لم يتوفر كثير من هذه الوظيفة لوسائل التواصل الاجتماعي السورية التي تنتمي إلى "الثورة"، ومال معظم مؤسسيها إلى تنصيب أنفسهم قضاة على خلق الله عامة، والثوريين منهم خصوصا، وشرعوا يوزّعون تهم الخيانة والعمالة بسخاءٍ لا حدود له، وأدلة تنتمي إلى وساوس تصبب عادة مرضى نفسيين، يتوهمون أنهم يخوضون حربا ضد خونةٍ نجحوا في السيطرة على مواقع وتنظيماتٍ عليهم فضحهم وطردهم منها، على الرغم من أنهم يتقنون جميع أنواع التخفي والتقية، ويستولون، عبر خطط لا يتقنها أحد مثلهم، على مواقع قياديةٍ، في ثورة لم يبقوا منها غير اسمها الذي صادروه بدوره.

من كل عشرةٍ أسسوا مواقع تواصل اجتماعي، اعتمد ثمانية هذا النهج الذي قدم من المعلومات للنظام عن الثورة ما كان سينفق ملايين الدولارات، كي يحصل عليه، ولعب دورا خطيرا في جر مجتمع الثورة إلى الهاوية، وزرع جسمها الضعيف بكل ما هو فتاكٌ من شائعاتٍ وأنصاف حقائق، أثارت قدرا من الانقسام فاقم انقساماته بدل أن يخلصه منها، وحال، بنصيب وافر، دون ما كان السوريون بحاجة إليه: قيادة ثورية موحدة، تمتلك الوعي الكفيل بإيصال الشعب إلى حريته، بانتزاع المبادرة السياسية والعسكرية من النظام.

بدل القيادة الموحدة، برزت عشرات القيادات، وبدل تجفيف مصادر الخلافات الكثيرة، نشبت حربٌ ضروس، طاولت كل شخص وقضية، وانقسمت الثورة الغائبة إلى ثوراتٍ حاضرة بقوة، كل واحدةٍ منها هي الصحيحة، وما عداها خائنة كولي أمرها: بشار الأسد.

ثمّة فائض فوضى في وسائل التواصل "الثورية" أنتج حرية هلوسة وانحطاط لا يحترم أصحابها أنفسهم أو أحدا، ويرفضون أي لغةٍ في التعامل مع الآخرين غير لغة الشتم والتخوين التي يبرزها إعلام الأسدية لإثبات خيانة كل معارض. واليوم، يكفي أن تفتح أي موقع إلكتروني، لترى أن التخوين يغطي كل من أسهم في ثورة السوريين، ويكتم أنفاسه، ويرهق روحه المعنوية وشجاعته الأدبية، ويقوّض كرامته الوطنية والإنسانية.

==========================

الصادم بين الصورة والواقع !؟

يحبى حاج يحيى

ينشر بعض الأفاضل صوراً محزنة مؤسية عن مجازر سلطة الاحتلال الداخلي في سورية لأطفال ونساء تم قصفهم وتمزيق أجسامهم وتهشيم رؤوسهم بطيرانه وراجماته التي عجزت أن تتوجه إلى الجولان المباع والمسلم للأعداء؟

ويكتب معتذراً بأنها صور صادمة محذراً من مشاهدتها ، وهو يدرك أنها تتكرر في كل يوم ، وكل بقعة من بلدنا الحزين والمصابر!؟

بينما الصادم في هذا الوقت بالذات هو صور الذين يتحولون من ثوار إلى شبيحة وسماسرة ، ومن مقاتلين إلى ضفادع وأجراء ، ومن معارضة وطنية إلى مقايضة مصلحية    ومن  ... إلى ...، ومن .....إلى ....!!!؟؟؟

{ومن ينقلبْ على عقبيه فلن يضر اللهَ شيئاً وسيجزي الله الشاكرين }

==========================

الأصل السياسي لمجزرة السويداء

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 28/7/2018

تعيد الجريمة البشعة التي ضربت السويداء في 25 من شهر يوليو/ تموز الجاري، وراح ضحيتها ما يزيد عن 250 ضحية، إلى الذهن، الجريمة التي ضربت قرى ريف اللاذقية الشمالي في أغسطس/ آب 2013، والجريمة التي ضربت طرطوس وجبلة في مايو/ أيار 2016. في كل هذه الجرائم إشارة استفهام بشأن الدور الغائب لقوات نظام الأسد في التصدي لهذه الاختراقات السهلة والبدائية: كيف يتمكّن الانتحاريون من تجاوز الحواجز الكثيرة وصولاً إلى الهدف؟ أو كيف تغيب القوى المكلفة حماية القرى، فيفاجأ الأهالي بالمجرمين فوق رؤوسهم ويُقتلون في بيوتهم، ثم تأتي النجدات الأهلية قبل ساعات من نجدة قوات النظام التي يفترض أنها ترابض في المناطق التي تشكل خطوط تماس؟

وفي حين تذهب تفسيراتٌ كثيرة إلى أن المجزرة الرهيبة في السويداء هي نتيجة نوع من تواطؤ غير معلن لنظام الأسد مع "داعش"، لكي تدفع السويداء ثمن موقفها برفضها الخروج إلى الحرب مع هذا النظام، وحمايتها أكثر من 40 ألفا من أبنائها الرافضين الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وبروز ظاهرة مشايخ الكرامة غير الموالية للنظام؛ فإن تفسيراتٍ مواليةً لنظام الأسد تذهب إلى القول إن ما جرى هو ثمن "الانتصارات" في الجنوب، كما جاء في صحيفة الأخبار في تناولها خبر مجزرة السويداء: "كان لا بد لأحد ما أن يدفع فاتورة الانتصار الذي حققته سورية في جنوبها"، من دون أن ندري لماذا يكون هذا "الأحد ما" أهالي السويداء بالتحديد.

هناك تفاصيل مريبة تحيط بهذه المجزرة، مثل نقل دواعش مخيم اليرموك إلى منطقة الأشرفية 

"بقاء النظام الذي يستمد شرعيته من القوة هو بيئة مجازر لا تنتهي" والعورة في شمال شرق السويداء في مايو/ أيار الماضي، وسحب القوات النظامية من محيط القرى من حوالي الشهر، ثم سحب الأسلحة من الناس قبل أيام من المجزرة، وصولاً إلى إطفاء الكهرباء في ليلة الجريمة، .. إلخ، فضلاً عن حرية تنقل عناصر "داعش" بالمئات وبسيارات دفع رباعي في منطقة مكشوفة، ويفترض أنها منطقة عمليات عسكرية خاضعة للمراقبة، وكيف انسحب من نجا من هذه العناصر بعد المجزرة بالسيارات، في الوقت الذي يمكن لحوامة واحدة أن تدمرها بسهولة ..إلخ.

لدى أهل السويداء شعور راسخ بتعرّضهم لخيانة ما، وهو الشعور الذي دفعهم إلى طرد دوريات الأمن التي جاءت إلى القرى بعد المجزرة، ولطرد وفد النظام (المحافظ وقائد شرطة المحافظة وأمين فرع الحزب) من تشييع ضحايا المجزرة. غير أن وراء هذه الواجهة "العسكرية" أصلا سياسيا منتجا للمجازر، يجب رؤيته والتوقف عنده من دون الضياع في تفاصيل المجزرة. التقدم العسكري الذي يحققه النظام اليوم سبقه نشاط سياسي وإعلامي حثيث، عزز العزل السياسي للجماعات المسلحة التي تواجه نظام طغمة الأسد، بوصفها جماعات متمرّدة بلا مشروع سياسي أو جماعات إسلامية متطرّفة.

غير أن التقدّم العسكري للنظام، رافقه، وعلى طول الخط، تراجع حاد في شرعيته السياسية الداخلية: أولاً، حين عرض أبشع أنواع الممارسات العنفية ضد الأهالي، والتي تضعه في خانة الغزاة والمحتلين، ولا سيما استخدام السلاح الكيميائي والتهجير القسري والنهب والعبث في التركيب الديموغرافي للبلد. وثانياً، حين عرض تبعية سياسية وعسكرية مهينة، فبات الروس والإيرانيون يفاوضون الأهالي والجهات السورية المعارضة بدلاً من النظام، ما أظهره قوة أجنبية تجاه الأهالي. وثالثاً، حين عرض عجزاً عسكرياً تاماً إزاء الاستباحة الاسرائيلية لسورية.

لم يعد في رصيد النظام إذن أي قيمة سياسية داخلية (نؤكد على القيمة الداخلية لأنها مستقلة عن القيمة الخارجية كما تبدو في عيون الدول الكبرى التي لا تكترث كثيراً في القيمة السياسية للنظام، وترى أن قيمة نظام الأسد هي في مجرد قدرته على الاستمرار، مع قابليته الدائمة للانخراط في المنظومة العالمية بالطبع). لم يعد لطغمة الأسد من رصيد سوى القوة (وهي قوة مستعارة فوق ذلك)، والقوة تعتاش على الخوف، إذن يجب أن تحدث، بين وقت وآخر، مجزرة مروعة تدفع الناس إلى إهمال أي قيمة سياسية أمام قيمة الأمان التي يمكن أن يوفرها الطرف القوي.

بدلاً من التنافس السياسي، كرّس نظام طغمة الأسد التنافس على القوة، وهذا هو الأصل المنتج 

"لدى أهل السويداء شعور راسخ بتعرّضهم لخيانة ما، وهو الشعور الذي دفعهم إلى طرد دوريات الأمن التي جاءت إلى القرى بعد المجزرة" للمجازر. يزداد الطلب على القوة مع تزايد الخوف بين الأهالي، وهل هناك ما يخيف الأهالي أكثر من مجزرة مفاجئة تستهدف مدنيين عزّلا من دون تمييز؟ هذه المجازر رسالة إلى الجميع ولكل فرد إنه مستهدف، ويحتاج إلى حماية قبل أي شيء آخر، حتى لو جاءت هذه الحماية من جهة مرفوضة، ولا تمتلك مشروعية. أليس هذا الحال هو حال بعض أهالي درعا الذين فرّوا خوفاً من تقدم قوات نظام الأسد، وكانوا جاهزين لقبول الحماية، ولو من إسرائيل؟

حين تأتي هذه المجازر على يد تنظيم مهووس بالقتل، مثل تنظيم داعش، فإن النظام يستثمرها لصالح منطق القوة الذي لم يعد يمتلك سواه، وهذا ما يضع "التغاضي والتسهيلات" المفضية إلى هذه الجرائم المروّعة موضع التصديق. هذا يشكل إدانةً كافيةً لنظام الأسد، حتى لو كانت المعلومات المتعلقة بهذا الجانب خاطئة. يكفي أن يكون الوعي السوري العام، أو الجزء الأكبر منه، مستعدّاً لقبول فكرة تواطؤ النظام مع "داعش"، حتى يكون ذلك إدانة كافية للنظام. يكفي أن يجد الأهالي في إسرائيل ملاذاً من النظام، ليكون ذلك إدانة له، وليس للأهالي الذين يبحثون عن أمانهم، ويفرّون بحياتهم وأطفالهم، أينما كان.

حسناً فعل أهالي السويداء في طرد ممثلي النظام من عزاء أولادهم وأحبتهم، وحسناً فعلوا حين تصدوا ببطولة، وبوسائلهم البسيطة لمجرمي "الدولة" في غياب الدولة، لكن الراجح، في ظل سيادة منطق القوة، أن حصيلة المجزرة سوف تميل، مع ذلك، إلى زيادة طلب الأهالي على قوة النظام الذي سوف يزداد طلبه بالمقابل على المجازر.

بقاء النظام الذي يستمد شرعيته من القوة هو بيئة مجازر لا تنتهي، ولا مخرج منها إلا بالتحول إلى نظام ذي شرعية سياسية. أو، بلغة ابن خلدون، لا خروج لنا من بيئة المجازر المتنقلة والمتكرّرة، إلا في التحول من "المُلك الطبيعي" إلى "المُلك السياسي".

==========================

سورية بعد قمّة هلسنكي

عمار ديوب

العربي الجديد

السبت 28/7/2018

تلاشت أحلام كثيرة بعد قمة هلسنكي بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب، فقد توافقا على تعويم النظام السوري، وأن يتم ذلك بإعادة تفعيل اتفاقية وقف الاشتباك بين سورية وإسرائيل، وفق ما كان قبل 2011 ومنذ 1974، وسحق ما تبقى من فصائل معارضة في المنطقة الواقعة تحت السيطرة الروسية، وتأكيد أن تلك الحماية تتطلب إخراج إيران من سورية. لم يتم طرح المسألة علانيةً بخصوص إيران في القمة، ولكن حجّ كل من مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، ورئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى بوتين، أفضى إلى تثبيت هذه القضية، والتي يتشكل حولها إجماع روسي أميركي إسرائيلي وتركي، وكذلك سوري. إذن، تعيد هلسنكي تعويم الأسد، وتتحدث عن إخراج إيران من كل سورية، وليس من جنوبها فقط!

تزداد إيران ضعفاً، فهي تتعرّض لحصار دولي وإقليمي، وتهدّدها داخلياً تظاهرات شعبية ما تنفكّ تتجدد، وكلما أخمد النظام مدينةً ثارت أخرى، وبشكل متصاعد منذ بداية 2017. إيران التي دفعت المليارات والقتلى، وشكّلت المليشيات، لم تستطع، كما يبدو، شن معركة ضد إدلب، فإدلب برأيها فيها مركز إرهابي كبير، وعكس ذلك، فقد اتفقت كل من روسيا وتركيا على نزع حجته بوجود بلدات "شيعية"، حيث تم تهجير أهاليها لسد الذريعة تلك، ولكن كذلك ليتم فرض سيطرة تركية كاملة على إدلب، بينما يسيطر النظام على بقية سورية، بما فيه المناطق الواقعة تحت سيطرة الأكراد. إذاً هناك مناطق نفوذ تُرسم على وقع التحالف التركي الروسي بشكل خاص؛ تكرّر أميركا مراراً أنها ستخرج من سورية، وهذا يبدو أنه متفق عليه بصفقة مع روسيا، وتتضمن دعم الأخيرة أميركا في العراق، وإخراج إيران من كل المنطقة العربية، وترك أميركا لروسيا حرية التصرف في سورية. أكذوبة دعم الثورة، ثم الحرب على الإرهاب ثم مناطق خفض التوتر وقضمها، كلها ساعدت على إنهاء الثورة والفصائل، وتمكين روسيا وإعادة تعويم النظام، وبالتالي هناك اتفاقيات ستظهر تباعا بين الدولتين، وستُطبق ما ذكرت أعلاه.

إذا روسيا هي المتحكّمة في سورية؛ تركيا المتضرّرة من أوروبا وأميركا، كما حال روسيا،

"تعيد "هلسنكي" تعويم الأسد، وتتحدث عن إخراج إيران من كل سورية، وليس من جنوبها فقط"  وبالتالي لديهما جملة مصالح، تستدعي تثبيت سيطرة كلتيهما في سورية، مع دور أكبر للروس. تجد إيران التي استدعت روسيا إلى سورية، نفسها بوضعية حرجة كما قلنا، وبالتالي، ستناور لتعويض خسائرها باستثماراتٍ اقتصادية، والحماية لمناطق دينية تخصها، قبالة إخلائها مليشياتها من سورية، وهذا سيكون اضطرارياً؛ فإسرائيل لم تتوقف عن قصفها وقصف مراكز عسكرية لها، ويشكل الدور الروسي المتزايد في الإشراف على معارك الغوطة ودرعا، ومحاولة نشر جنودها في مدينة القصير، وسوى ذلك عناصر واضحة لتقليص كبير للوجود الإيراني. يضاف هنا أن النظام يعلم أن من حَماهُ من السقوط 2015 هي روسيا تحديدا؛ روسيا التي جاءت بمعاهدات واتفاقيات مع النظام، بينما تغطي وجود إيران اتفاقية عامة للتعاون العسكري، وهي اتفاقية أقرب إلى الدبلوماسية.

يتزايد التقارب بين النظام وقوات حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، حيث هناك تسريبات تؤكد إعادة النظام إلى مراكزه الأمنية في كل مناطق سيطرة هذا الحزب، وكذلك استعداد هذا الحزب لفتح مراكز له في كل المدن التي يسيطر عليها النظام. ويتعزز هذا التقارب على خلفية الإعلان المتكرّر عن الانسحاب الأميركي، والتخوف من استغلال تركيا الفراغ في حال قرّرت أميركا فعلياً ذلك الانسحاب؛ هذا يعني أن لا معركة ستحصل مع الأكراد. تضاف إلى هذه الفكرة العلاقات التركية الروسية القوية، والتي تشكلت لأكثر من سبب، وبما يخص سورية، فهي بدأت منذ الانقلاب في تركيا 2016، وتعمقت مع إسقاط حلب، وسحب الفصائل منها، للمشاركة في معركة درع الفرات وغصن الزيتون وتشكيل مناطق نفوذ في أكثر من منطقة، وقبالة ذلك تأخذ روسيا الغوطة ودرعا والقلمون ومناطق كثيرة من دون حروب حقيقية؛ وتقول هذه الوقائع إن إدلب لن تتعرّض لحملة عسكرية.

أصبحت عقدة إدلب بيد كل من روسيا وتركيا، وحجة إيران بوجود بلدات شيعية سُحبت، كما ذكرنا، إذًا ما العمل مع هذه المدينة، وقد اكتظت بالسلاح والجهاديين، وتشملها اتفاقية خفض التوتر. نقول: ما العمل، لأن شرق سورية أصبح محسوماً، وبالتالي لا بد من الانتهاء من إدلب، وإعادة تشكيل النظام بعد تعويمه؛ ستتعرّض إدلب هذه، لضغوط كبيرة من الروس والأتراك، وستُجبر على إخراج الجهاديين الأجانب والعرب والآسيويين منها، وهذا سيستدعي بالضرورة تصفياتٍ تشمل القيادات المتشدّدة في كل التنظيمات، ولا سيما في هيئة تحرير الشام؛ المجبرة على حل نفسها، فهي تصنف لدى روسيا وأميركا وتركيا هيئة إرهابية. ولكن، كيف سيتحقق ذلك؟

حاولت هذه الهيئة تسيير اتفاقية خفض التوتر؛ فلم تشارك فعلياً في المعارك التي شنها النظام، ووصلت قواته إلى مطار أبو الضهور، وكذلك استعاد النظام مناطق واسعة من أرياف حماة 

"أصبحت عقدة إدلب بيد كل من روسيا وتركيا، وحجة إيران بوجود بلدات شيعية سُحبت" واللاذقية، وأيضاً حمت طلائع القوات التركية التي نصبت نقاط مراقبة وفقًا لتفاهمات أستانة، أي حاولت أن تقدم نفسها أداة للنفوذ التركي. ليس كل ما فعلته الهيئة كافياً لبقائها وشرعنتها؛ فالممكن الوحيد كما تمّ في مناطق درع الفرات وعفرين، أي تشكيل قيادة موحدة من الفصائل، وربما جيش يجمع الجميع، وتصفية الجهاديين من إدلب، أي أن روسيا وأميركا لن تقبلا بأقل من فرض تركيا نفوذها كاملًا على إدلب. وبالتالي، على هيئة تحرير الشام الرحيل؛ وهذا سيكون مدعوماً ومرغوباً من أهالي إدلب والفصائل، وفي هذا سيتم إلغاء أو إعادة تشكيل كل من حكومتي الإنقاذ والمؤقتة. ستكون المناطق تحت سيطرة تركيا مناطق لوجود المعارضة مستقبلاً.

قلت إن شرق سورية سيتم إيجاد صيغة له، والآن هناك تقارب بين قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادي) والنظام. وبالتالي، تبقى منطقة إدلب، فكيف ستعاد إلى النظام مجدّداً؟ هناك تسريبات تؤكد أن جيش النمر وجيش أحمد العودة وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، بالإضافة إلى اللواء الخامس الخاص بالروس، ستشكل جيشاً تحت القيادة الروسية، وربما تتشكل أيضاً قوات عسكرية من الفصائل، تحت السيطرة التركية وتكون جزءاً من هذا الجيش.

ما يجري ذكره هنا تكثر حوله التسريبات؛ ويضاف إليه تفكيك روسيا المليشيات التي شكلها النظام منذ 2011، وهو ما حدث أخيرا في كل من اللاذقية وحماة، وسيحدث في دمشق، وبأغلبيتها تابعة لإيران. والسؤال: بعد كل هذه المعطيات، هل سيبقى النظام المُعوّم على حاله؟ تفترض هذه النقطة إعادة تشكيل النظام المعوّم ذاته، فروسيا الآن تحتل سورية، وأمامها إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين وتأمين بيئة مستقرة، وهناك إلحاح أميركا وأوروبا بضرورة الاستقرار، أقول إن كل هذه النقاط تستدعي تغييراتٍ كبرى في الجيش والأمن ورجالات النظام الأوائل.

==========================

هل انتهى الإعلام الرسمي في العالم؟

د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 28/7/2018

لا شك أن وسائل الإعلام منذ أن عرفها الإنسان لأول مرة كانت وما زالت أداة تحكم وسيطرة ونفوذ بيد من يمتلكها، سواء كان ذلك في الديكتاتوريات أو الديمقراطيات، فمن المعلوم أن كل وسائل الإعلام في الدول الشمولية كانت وما زالت خاضعة لسلطة الدولة، فهي البوق الذي تستخدمه السلطات لتوجيه الشعوب والتأثير عليها.

صحيح أن الإعلام يبدو حراً في الديمقراطيات، إلا أنه في واقع الأمر ليس كذلك أبداً، فهو أيضاً خاضع لسلطة من يمتلكه، سواء كانت شركات أو أفراداً. فرغم أن الولايات المتحدة مثلاً تتفاخر بإعلامها الحر، إلا أن معظم وسائل الإعلام الأمريكية على مدى عقود كانت وما زالت تمتلكها بضع عائلات أو ربما أكثر قليلاً، ناهيك عن أن الشركات التجارية تمتلك بدورها صحفاً وتلفزيونات وإذاعات، وكلها موجهة لخدمة مصالح تلك الشركات بالدرجة الأولى رغم تبجحها بالحرية والديمقراطية والتعددية الإعلامية، وخدمة الجماهير.

ولا ننسى أن شخصاً واحداً كالتايكون العالمي الشهير روبرت ميردوك يمتلك لوحده إمبراطورية إعلامية هائلة تشمل التلفزيونات والصحف والمجلات العابرة للقارات. ومثله كثر في أمريكا وبريطانيا وأوروبا وأستراليا.

بعبارة أخرى، ظلت وسائل الإعلام في الشرق والغرب ملكية رسمية أو خاصة حتى ظهرت أخطر وسيلة إعلام عرفها الإنسان على مدى التاريخ، ألا وهي شبكة الإنترنت التي سحبت البساط من تحت وسائل الإعلام التقليدية، ووضعته تحت أرجل الشعوب.

لكن رغم أن الإنترنت حررت الإعلام، وجعلته في متناول وملكية الجميع دون استثناء، إلا أن مرحلة التحرر الإعلامي الحقيقية بدأت فعلياً مع مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت نقلة نوعية حقيقية في تاريخ الإعلام العالمي.

ولعل أبرز تلك المواقع هي «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب»، وهي مواقع جعلت الإنسان العادي لأول مرة في التاريخ صانع الإعلام بعد أن كان لعقود مجرد مستهلك ذليل للمادة الإعلامية التي تصنعها وسائل الإعلام المملوكة للدول والشركات والأفراد. لقد حوّلت مواقع التواصل الاجتماعي كل إنسان إلى ناشر، ووجهت طعنة نجلاء إلى المتحكمين بوسائل الإعلام في العالم.

فأي صفحة على «فيسبوك» مثلاً هي بمثابة صحيفة كاملة ومتكاملة تنشر فيها المقالات، ووجهات النظر، والأخبار وغيرها، لا بل إنها تتفوق على الصحف من حيث إنها يمكن أن تكون أيضاً أشبه بتلفزيون، لأنها تعرض الفيديوهات والصور. ولا يكلف إنشاء حساب على «فيسبوك» سوى بضع دقائق دون أن تدفع فلساً واحداً. والأجمل من ذلك أن وسائل الإعلام الجديدة ليست بحاجة لا لمكاتب ولا لمقرات، فهي متاحة لأصحابها في أي مكان في العالم، طالما توفر لهم الوصول إلى الشبكة العنكبوتية.

لقد تحول كل مواطن في العالم إلى صحافي ورئيس تحرير وإعلامي ووسيلة إعلام بحد ذاته. ولعل أبرز تجليات هذا الإعلام الجديد ظهور ما يسمى بالمواطن الصحافي الذي طالما امتلك جهاز موبايل يستطيع أن يصور، وينقل صوره إلى الشبكة العنكبوتية العالمية بسرعة البرق دون المرور، لا على حسيب ولا على رقيب. وحتى الأخبار بات يتابعها الملايين عبر مواقع التواصل السريعة قبل أن يتابعها على وسائل الإعلام التقليدية لسرعتها ومرونتها وتحررها من ربقة الرقابة.

وقد أظهر الربيع العربي مدى اعتماد وسائل الإعلام القديمة على الإعلام الجديد، خاصة «يوتيوب» الذي أصبح بمثابة بنك الفيديو والصور العالمي للكثير من التلفزيونات، وحتى الصحف والمجلات. بعبارة أخرى، فإن إدارة العالم تتغير لصالح الذين كانوا على مدى التاريخ مجرد متلق سلبي، أو في محل مفعول به، فأصبحوا إعلامياً في محل رفع فاعل. مع ذلك، مازال بعض الطواغيت ذوي العقول الصغيرة يعتقدون أن بإمكانهم إخراس الشعوب ومنعها من التعبير عن طريق أجهزة الأمن التي سماها الشاعر العراقي الشهير عبد لوهاب البياتي بـ«كلاب الصيد». أما آن الأوان أن يسرحوا كلابهم بعد أن أصبحت بلا حول ولا قوة في مواجهة هذا الطوفان الإعلامي الرهيب؟

متى يعلم السخفاء أن الشعوب استقلت عنهم إعلامياً تماماً، وأصبحت تمتلك إعلامها الخاص، لا بل خرج مفهوم تشكيل الرأي العام من أيدي الحكومات تماماً، وأصبح في أيدي الشعوب نفسها. في الماضي مثلاً، كانت وسائل الإعلام الرسمية هي من تشكل الرأي العام حسب توجهاتها السياسية والاجتماعية، أما الآن فقد أصبح هناك نوع من القطيعة الإعلامية بين الحكومات والشعوب، بعد أن أصبحت الشعوب قادرة بفضل مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً على تشكيل رأيها الخاص من خلال التفاعل فيما بينها، فمرتادو مواقع التواصل يستطيعون متابعة أحداث العالم من خلال تغريدات بعضهم البعض على موقع «تويتر»، أو من خلال متابعة صفحات بعضهم البعض على «فيسبوك». لم تعد وسائل الإعلام الرسمية تحتكر، لا الأخبار ولا الصور، فصاحب الموبايل يمكنه أن يلتقط الصورة، ويكتب الخبر وينشره بثوان على صفحته ليصبح في متناول الملايين بسرعة البرق.

وقد أظهرت إحصائية جديدة قبل فترة قصيرة أن غالبية الناس بدأت تستقي الأخبار من مواقع التواصل، وليس من التلفزيونات الرسمية أو حتى الخاصة. هارد لك للإعلام الرسمي، ولوكالات الأنباء واللوبيات الإعلامية، بعد أن أصبح الفرد العادي يتابع الخبر، ويحرره وينشره ويعلق عليه بنفسه. لقد أصبح الإعلام الرسمي محشوراً في زاوية ضيقة جداً.

وكل من يريد لمادته الإعلامية أن تنتشر على نطاق واسع، فلا بد من تسويقها على مواقع التواصل التي يديرها ويستهلكها الناس العاديون بالدرجة الأولى. ما قيمة وزارات الإعلام في عصر التواصل الاجتماعي؟

 

٭ كاتب واعلامي سوري

==========================

الأسد أمام دولة تحكمها روسيا وتحاصرها تركيا

سميرة المسالمة 

المستقبل

السبت 28/7/2018

تمارس روسيا أدواراً عدة في سورية، فهي من الناحية الفعلية دخلت سورية كدولة حليفة للنظام في حربه على أطياف المعارضة بشقيها: أولاً، السياسي وحاضنته الشعبية التي خرجت ضد نظام الأسد منذ عام 2011، وثانياً، بشقها المسلح المحسوب بعضه على الثورة، بسبب ظهوره العفوي وغير المنظم، وهو رد فعل شعبي لعسكريين وضباط ومدنيين على عنف النظام في مواجهة التظاهرات السلمية، (وهذا شبه غائب تقريباً منذ عام 2013)، بسبب تسلط بعضه الآخر الذي يعمل لمصالح الدول التي أنشأته، ومكنته من السيطرة على ساحات القتال، بحكم دعمه الخارجي المتعدد الوجه والهدف، ولأجندات متباينة عدة على الأرض السورية، ليس فيها ما يتقاطع مع الهدف الأساسي لثورة قامت ضد قمع الأجهزة الأمنية، ومن أجل الحريات والمواطنة وإقامة العدالة التي استولى على مفاتيحها الجهاز السلطوي بأذرعه الأمنية المتعددة الممتدة داخل سورية وخارجها.

ومع تطور أدوار موسكو من التدخل في الصراع المحلي في سورية، ومواجهتها صراعاً دولياً على سورية، نشأت أدوارها المركبة، حيث لعبت دور الوسيط في العلاقة بين النظام وتركيا التي كانت في الجهة المتحاربة معها، ومع النظام، منذ بدء الثورة 2011، مروراً بإسقاط الطائرة الروسية (في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)، حتى رسالة الاعتذار التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد سبعة أشهر على الحادثة، ومن ثم زيارته موسكو قبل معركة حلب نهاية عام 2016 التي انتهت بالسيطرة الروسية على المدينة، وخروجها من أوراق التفاوض التي أضعفت المعارضة، وأنذرت منذ ذلك الوقت بإنهاء ملف الصراع المسلح بين الفصائل والنظام، تحت وصاية تركيا وضمانتها ل»الفصائل»، والذهاب إلى تطبيع كامل للعلاقات التركية - الروسية، ما أنتج مسار آستانة الذي جمع بين تركيا وإيران الحليف القوي للنظام من جهة مقابلة، ومهد عملياً لاستعادة النظام على المناطق المتنازع عليها تحت مسمى اتفاق خفض التصعيد، والوصول إلى حوار سوتشي (مطلع هذا العام) الذي روج لحل الصراع باختصاره في لجنة دستورية، تتقاسم تمثيلها الجهات الدولية المتصارعة.

من هنا، يمكن فهم أسباب اختصار الصراع السوري - السوري بخلافات حول مفاهيم دستورية والعمل على تعديلات جوهرية يقلب مفهوم الدولة الواحدة المستقلة، ويحاكي مبدأ قيام «الكانتونات» التي يمكن في لحظة أن تنتظم داخل الدولة أو تأخذ خيارها - في لحظة تحول إقليمي - في الانفصال (استفتاء على تغيير الحدود)، وفق نصوص قيل عنها أنها مقترح روسي لمسودة دستورية، فهذه المضامين الدستورية تتناسب وأدوار موسكو العدة في سورية، ومع دول الجوار، وضمن ما تمكن تسميته التحالف الضمني مع الولايات المتحدة الأميركية لتنفيذ خطتها في سورية، وفض الصراع على أساس تسويات تعيد تشكيل الشرق الأوسط الجديد، وفق حدود قابلة لتحريك الخرائط دولياً.

لكن، ومع ذلك، فإن رؤية موسكو إلى الدستور السوري الجديد تتناسب مع مرونتها السياسية من ناحية، وتقلبات تحالفاتها الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط من ناحية ثانية، كما أنه يعبر عن حالة قلق روسي تجاه علاقاتها بالولايات المتحدة الأميركية على رغم تطمينات قمة هلسنكي التي اعتبرها كثر من الخبراء والمحللين بمثابة تسليم ورقة سورية لروسيا رسمياً، مقابل أن تلعب روسيا دور شرطي المنطقة، وعراب المصالحات والتسويات الإيرانية - الإسرائيلية، والإيرانية - الأميركية، من دون أن يخل ذلك بالمطلب الأساسي وهو تغيير وجه المنطقة، وغسلها من ملامح الهيمنة الإيرانية، وإبعاد أخطار إيران من دول الخليج العربي، ضمن معطيات تغيير أولويات هذه الدول من صراعها مع إسرائيل، إلى صراعها «المسور» داخل مذاهبها الدينية، وخلافاتها القومية والسلطوية المصلحية.

ويبدو تشكيل اللجنة الدستورية الذي أخذ في الاعتبار تحقيق الرغبة التركية في أن تكون لها اليد العليا في تسمية أعضائها، هو أحد أوجه التسويات الروسية التي اعتمدت مبدأ «المسايرة» قبل عقد أي اجتماع دولي على أراضيها، حيث تحتاج موسكو إلى شركائها في آستانة ليجلسوا خلفها في سوتشي 2، لتكون رئيسة لتحالف إقليمي في المنطقة تجمع بين متناقضين (تركيا وإيران) إلى طاولة مصالحها، مقابل ما يمثله مندوب فرنسا والغرب، والمبعوث الأممي لوجهة النظر الأميركية، في الاجتماع المزمع عقده نهاية هذا الشهر .

وهي في الوقت ذاته، سربت أساسيات ما تعمل على تغييره داخل الدستور السوري لتعطي إسرائيل ضمانات، أن وجود الأسد في السلطة سيكون لمصلحة الرغبة الإسرائيلية في إنهاء ملف الجولان لضمه إلى أراضيها، هذا في حال استطاعت تمرير المسودة المتضمنة بنداً يسمح للرئيس بذلك، حيث اقترحت المسودة المسربة إمكان تغيير الحدود عبر الاستفتاء العام وعادت لتؤكد في المادة 59: «يحق لرئيس الجمهورية إعلان الاستفتاء العام حول المواضيع المهمة والتي تخص المصالح العليا للبلد، وتعد نتائج الاستفتاء إلزامية»، وهي رسالة روسية إلى تركيا أيضاً، وحلفائها من الفصائل السورية المعارضة، بإمكان قبول ما يروجه مؤيدوها في مناطق نفوذها في إدلب وريف حلب ومناطق درع الفرات حول»استفتاء» لانتزاع هذه المناطق من الدولة السورية، وضمها إلى تركيا أسوة بالمحافظة 15 السورية (لواء اسكندرون)، وهذا ما يبرر غلبة أسماء»الإخوان المسلمين» السياسيين والعسكرين والمناصرين لهم في عضوية اللجنة الدستورية التي رشحها الائتلاف التابع سياسياً لتركيا، والتي تستخدم ورقة نحو أربعة ملايين من اللاجئين السوريين في وجه النظام من جهة وفي وجه الغرب من الجهة المقابلة.

ومن الجهة الأخرى، فقد وجهت روسيا رسائل تطمين «غير كافية» - حسب الفاعليات الكردية غير الملتزمة بالقرار التركي - لحلفاء الولايات المتحدة الأميركية من الكرد بتغيير اسم الدولة السورية، وإلغاء عروبتها، مقابل اندماجهم في مشروع التسويات مع النظام السوري، وإلغاء المطالبات باللامركزية السياسية، ما يمهد الطريق إلى قبول كل ممثلي الأطراف المتصارعة على سورية بالجلوس معاً ضمن ما سمي اللجنة الدستورية، واختصار مطالب السوريين من تغيير النظام الحاكم عبر هيئة انتقالية، إلى تغيير في دستور سورية الذي لم يكن يوماً قادراً على لجم التجاوزات عليه، أو يملك أدواته التنفيذية القادرة على مواجهة تجاوزات السلطة الحاكمة، أو الأجهزة الأمنية، والدائرة القريبة من منظومة الحكم .

وختام القول أن ما تسعى إليه روسيا اليوم ليس إعادة النظام إلى حكم سورية ما قبل 2011، فهو بين محكوم من روسيا ومحاصر من تركيا، ما يجعل دوره مجرد ورقة ضغط على المجتمع الدولي لتوسيع حجم أدوارها خارج سورية، وضمن التزامها بدورها كضامن لمصالح الجميع، من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وإيران وتقاطعاتها جميعاً مع المصالح الاقتصادية، والهواجس الأمنية مع دول أوروبا جميعها.

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com