العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-07-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بين إغراء السوريين وإغوائهم بهوية وطنية سورية

 بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 2/7/2020

على وقع «أزمة الانتصار» التي يعيشها نظام بشار الكيماوي ويعاني من أعراضها، في ظل سريان قانون قيصر، نشط مبعوثون روس على خطوط «المكونات» السورية، فالتقوا الشيخ معاذ الخطيب في الدوحة، وهو رئيس سابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ووفداً من «علويين مؤثرين» معارضين كما وصفوا أنفسهم ويمثلهم عيسى إبراهيم الذي يعود بنسبه إلى الشيخ صالح العلي، أحد رموز الاستقلال السوري. لا نعرف ما إذا كانت هناك لقاءات روسية أخرى مع شخصيات معارضة من مكونات أخرى، سرية تمت أو أنها على جدول أعمال الدبلوماسيين الروس. لكن اختيار هذين المحاورين يعطينا ما يكفي لاعتبار المنظور الروسي للحل في سوريا هو منظور توافق المكونات الأهلية إذا صح التعبير. وهو ما لم يخفه الروس، على أي حال، فقد وضعوا، قبل سنوات، مسودة دستور لسوريا فيدرالية، كما كان الاسم الروسي لمؤتمر سوتشي هو «مؤتمر الشعوب السورية» قبل أن يغيروه تحت ضغط المدعوين من كلا الطرفين، نظاماً ومعارضة.

من جهة أخرى، أطلقت مجموعة من المعارضين السوريين ما أسموه بـ«إعلان الوطنية السورية» مفتوحاً للتوقيع عليه كأفراد أو مجموعات. وينطلق منشئو «الإعلان» من واقع التفكك الجغرافي والأهلي في سوريا في ظل احتلالات أجنبية عدة، فيدعون السوريين إلى «الإيمان بالإعلان والالتزام به والعمل من أجله وفي ضوئه، ثقافياً وسياسياً وإعلامياً ومدنياً وحياتياً» وفق نص الإعلان الذي يعتبر التوقيع أمراً في غاية الجدية يجب لصاحبه أن يحترمه ولا يخل بموجباته.

لدينا، إذن، بحث متعدد المصادر والمستويات عن حل سياسي للصراع الدائر في سوريا وعليها منذ تسع سنوات ونصف، ذكرنا منها نموذجين، الروسي و«الإعلاني». هذا البحث الدؤوب يعبر عن حاجة موضوعية للحل ناتجة عن أزمة النظام المصمم على البقاء في ظل حرب دائمة، ولا قدرة لديه لخوض السياسة القائمة بداهةً على التعدد والتفاوض وابتكار المخارج والحلول. وهو ما أسميه بأزمة الانتصار لأن النظام يتوهم أنه انتصر، في حين أن النصر العسكري يستوجب تتويجاً سياسياً يجهل النظام قاموسه.

من المحتمل أن روسيا بوتين تعاني من أزمة مشابهة، وإن كانت بطريقة مختلفة عن أزمة النظام. يتبين من مسالك الروس، في الفترة الأخيرة، تجاه النظام الكيماوي أنهم ربما يرغبون في التخلص من رأس النظام الذي بات يشكل صداعاً دائماً لهم، لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك قبل ضمان استقرار مصالحهم في سوريا ما بعد الأسد، ومنها معاهدات طويلة المدى في مجال السيطرة على قواعد عسكرية واتفاقات اقتصادية مع شركات روسية وغيرها. لعلهم طرحوا هذه الأمور، أو لمحوا إليها، في لقاءاتهم مع الخطيب والمجموعة العلوية، جساً للنبض.

سواء لاقى الروس استعداداً عند بعض الجهات المعارضة لمقايضة رأس النظام بضمان المصالح الروسية أو لا، فالمنظور الروسي للحل هو منظور هوياتي قائم على ما يشبه المحاصصة في السلطة و/أو النظام الفيدرالي

سواء لاقى الروس استعداداً عند بعض الجهات المعارضة لمقايضة رأس النظام بضمان المصالح الروسية أو لا، فالمنظور الروسي للحل هو منظور هوياتي قائم على ما يشبه المحاصصة في السلطة و/أو النظام الفيدرالي. الأمر الذي يلاقي ممانعة كبيرة من الفاعلين السياسيين، النظام ومعارضوه على السواء، ومن المحتمل أن يلاقي استحسان القوى السياسية الكردية فقط، باعتبار أنها تطالب أصلاً بنظام فيدرالي.

ويأتي «إعلان الوطنية السورية» (اختصاراً: الإعلان) على الضد من هذا التصور الروسي للحل، معبراً في ذلك، ليس فقط عن الموقعين عليه، بل كذلك عن رأي عام واسع، لكنه غير موحد، يرفض أي طرح من هذا النوع. هو غير موحد لأنه، أولاً، منقسم بين الموالين للنظام والمعارضين له، وثانياً، فيما بين هؤلاء الأخيرين بمختلف ألوانهم وتوجهاتهم الأيديولوجية. واقع الانقسام هذا هو ما يسمح لنا بوصف «الإعلان» بأنه نوع من المائدة المفتوحة التي تطمح لتلبية أذواق كل الناس. ولكن، وفي الوقت نفسه، يطمح الإعلان إلى سحب البساط من تحت جميع القوى السياسية والعسكرية التي سبق له وصفها، في المتن، بأنها قوى تفتيتية ومرتهنة للخارج وفي أحسن الأحوال فاشلة.

إنها مفارقة أن ينطلق الإعلان من هذا الوصف (الصحيح عموماً) للقوى الفاعلة، ليدعو إلى وضع معياري متخيل، قد يكون جميلاً وبلا عيوب على الورق، لكنه يحمل في داخله كل تناقضات الواقع السوري القائم. إذ لا سبب يدعونا إلى افتراض أن كل مظاهر الانقسامات الاجتماعية الحادة ومناخ

الكراهية بين الجماعات ستزول بالنوايا الطيبة أو بمخطط معياري قائم فقط على «الإيمان» وفق نص الإعلان، أو باحترام التوقيع الشخصي وكأنه «إمساك بالشوارب» على دُرجةٍ تقليدية لأهل الشام.

لا يفيد كثيراً مناقشة نص «الإعلان» بالتفصيل، مع أنه يحتمل ذلك، فالأهم من ذلك هو روح الإعلان الذي يتكرر في كل بيان تأسيسي لتيارات جديدة تنشأ كل يوم، وكأن الأمر يتعلق بـ«حفظ الدرس جيداً» لأن التلميذ مقبل على امتحان. بهذا المعنى يبدو المنظور الروسي أكثر واقعية من منظور «الإعلان»، ولا أقصد المفاضلة الأخلاقية بينهما، فروسيا هي دولة احتلال لبلدي سوريا، إضافة إلى سجل جرائمها المشين في استهداف المدنيين والمنشآت الطبية، ودعمها للنظام الكيماوي وخططها بشأن «مناطق خفض التصعيد» و«المصالحات»، وصولاً إلى مسار آستانة وسوتشي اللذين استهدفا إفراغ قرار مجلس الأمن الخاص بإنهاء الحرب والانتقال السياسي من أي محتوى. لكن المقارنة السياسية تشير إلى واقعية روسية في التعامل مع الوضع القائم كما هو، مع انحياز لا جدال فيه للنظام، مقابل نص قائم على فرض وطنية سورية متخيلة بلا أي حوافز حقيقية غير «الإيمان» والالتزام بالوقيع.

لم توجد قط هوية وطنية للسوريين، بل هوية أسدية لسوريا، وقد شكلت ثورة آذار 2011 فرصة كبيرة لصناعتها، فرصة ضاعت بسبب مواجهة النظام الإجرامية الإبادية للثورة وفقاً لشعار «الأسد أو نحرق البلد» قبل أن تضاف جهود أخرى إلى جهود النظام لتقويض أي احتمال لسوريا أخرى. من أجل الحصول على فرصة جديدة لابتكار هوية وطنية سورية، يحتاج الأمر إلى حوافز مصلحية خلا منها نص الإعلان خلواً تاماً.

===========================

موقفنا : في سورية:الوقت من دم .. والسوريون عالقون بين المعارضين الخليين .. وحكايا الضامنين .. ووعود المانحين

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3/ 7/ 2020

وثقت اللجنة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الشهري مقتل 174 سوريا في شهر حزيران / 2020 .. أي بمعدل ستة أشخاص كل يوم . وإنسان كل أربع ساعات . وعندما نقول يقتل إنسان في كل أربع ساعات علينا أن نضع الأمر في نصابه الحقيقي لنخرج من إطار الرقم المجرد الميت إلى إطار التصور الإنساني الحقيقي ، فنتصور هذا القتيل "الواحد" إنسانا باسمه ورسمه وأمه وأبيه وزوجه وبنيه ، وأن هذا الواحد قد يكون لكل واحد منا أخا أو ابن أخ أو قريبا أو صديقا أو جارا . وأنه هو محمد أو أحمد أو عمر أو عثمان وهي عائشة أو حفصة أو فاطمة أو زينب ..!!

حسب تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان أن تسعين إنسانا من هؤلاء قد قُتلوا تحت التعذيب في سجون بشار . والقتل تحت التعذيب هو القتل الأشد ، والجريمة العمد ، والفعل الإرهابي الحقيقي الذي يقره ويشترك فيه كل المجتمع الدولي ، الذي يدعي إعلان الحرب على الإرهاب !!

وتتابع اللجنة أن خمسة عشر من هؤلاء القتلى كانوا من الأطفال . وأربع كنّ من النساء ..

والذي أريد أن أضيفه هنا أن نصف شهر حزيران الذي نحكي عنه قد مضى في ظل ما سمي للضحك على العقول وليس على الذقون " قانون قيصر "

واستنادا على هذا نقول : إن الوقت في سورية من دم . وأنه لا وقت لدى أهل الرشد من السوريين – إن وجدوا - يضيعونه ؛ نقول هذا بينما ما تزال هيئات المعارضة السورية التي فرضت كما بشار الأسد على ثورة الشعب السوري ؛ ما تزال منهمكة في عمليات الفك والتركيب والجمع والتفريق ، ما يزالون هناك منذ عشر سنين وما يزال شلال الدم السوري على الأرض السورية يتصبب !!

في هذا المشهد الراعف والأليم يبحث السوري العالق في سياقات العتمة والقسوة واللامبالاة عن كلمة يظنها جذوة توقد أملا ليبني عليها ، ويعلل نفسها بالأماني يكذبها . فلا يجني إلا ما تعيشون وتعايشون .

يستمع السوري العالق إلى ما سمي بقمة الضامنين لأستانة ، وهو عنوان جديد ، غير ما تعودنا سماعه عن " قمة أستانا " ويتابع إجماع الرؤساء الثلاثة : بوتين وأردوغان وروحاني ، على ما يسمى " وحدة الأراضي السورية " فيعلم أنهم يجمعون على مشترك لفظي ، لا جدوى من الحديث عنه ، بعضهم يتحدث عن وحدة الأراضي السورية تحت سلطة الظالم المستبد مثلا ، وبعضهم يمتلك تصورا أخرى تجعله يتمسك بسورية موحدة لا يهدد جواره فيها دولة مارقة ، تكون قاعدة للشر يضرب ذات اليمين وذات الشمال . تسمع الرؤساء الثلاثة يتحدثون عن الحل السياسي مثلا !! ويعجب السوري العالق : هل المقصود بالحل السياسي هذا الذي ما زالوا يمهدون له منذ عشر سنين : روسا وأمريكيين وإيرانيين ، والذي كلف التمهيد له حتى الآن نحوا من مليون شهيد ، وأربعة عشر مليون مهجر!! يسمع عن عودة النازحين والمهجرين ، وأي عودة والسجون الأسدية ما تزال تحتفظ بمئات الألوف من المواطنات والمواطنين تحت عنوان : " قوائم برسم التمويت " كالتي كان يوقع عليها مصطفى طلاس أسبوعيا من قبل وعلى مدى عشر سنين!!

 عندما كنا أطفالا كانوا يعلموننا : أن الوقت من ذهب . ولكننا عندما كبرنا علمتنا السياسة العالمية في وطننا سورية : أن الوقت من دم. ومنذ عشر سنوات يرتفع عدد الشهداء ، وعدد المعتقلين ، وعدد الجرحى ، وعدد المهجرين ، وعدد الفقراء والمفقرين ، وعدد الجائعين والمجوعين ، وعدد المرضى والزمنى والمعاقين !!

ثم نولي وجوهنا صوب مؤتمر المانحين في بروكسل، وفي نسخته الرابعة ، ونستمع إلى الحكايات والأقاويل والوعود المموهة ، والمساعدات الممنوحة والحديث عن المليارات الممزوجة بالمن والأذى والتي ظلت طوال عشر سنوات تصرف على تغذية الجريمة والمجرمين .. وحسب تقاريرهم الأمريكية 92% منها إلى خزانة بشار . وحسب التقارير البريطانية 83% في نفس السبيل ..

أيها السوريون العالقون ..

إن المطلوب منا – كما يرسمون - أن نرضى بأي حل ، يفرضونه على أصحاب المنصات ، فنرضى بما يرضون. وهذا الذي لا ينبغي أن يكون. أن أي حل لا يبنى على قاعدة العدل لا يدوم . وإن أي حياة لا تضفي علينا بروحها عدلا وكرامة واختيارا ... لا تستحق .. وإن لم نأبَ نحن فإن دماء الشهداء تأبى ,صيحات الحرائر المكبوتة تضج ..

وإذا كان لم يبق من سورية الذبيحة اليوم غير جلدها : فإن الشاة لا يؤلمها السلخ بعد الذبح . كذا قالت ذات النطاقين سيدتنا ...

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

هل يفتح "قيصر" الباب لصفقة أميركية روسية؟

رضوان زيادة

العربي الجديد

الثلاثاء 30/6/2020

عبر قانون قيصر (أو سيزر)، حتى تمريره في الكونغرس الأميركي، بمراحل عدة، منذ ظهور المسوّدة الأولى عام 2015، حيث عارضت إدارة الرئيس السابق، أوباما، مشروع القانون بشدة، لأنه يتضارب مع أولوياتها في الحوار مع إيران بشأن برنامجها النووي، بغية الوصول إلى الاتفاق الخاص بتجميد نشاطها النووي. وفي الوقت نفسه، كانت إدارة أوباما تتحجج بأن من شأن قانون سيزر أيضا أن يعقد مفاوضاتها السياسية مع روسيا، بغية الوصول إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في سورية.

مع وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض في بداية عام 2017، كانت هناك رغبة عارمة للرئيس ترامب في إعادة ترتيب العلاقات مع روسيا، بهدف تخفيف التوتر المتصاعد داخليا مع اتهام حملته الانتخابية بالتنسيق مع روسيا، وخارجيا مع فرض مزيد من العقوبات على روسيا، بسبب تدخلها في أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، كان مشروع القانون يحظى بدعم كبير من كلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي. وكانت باستمرار تظهر أصواتٌ تطالب بتمرير القانون نوعا من الضغوط على نظام بشار الأسد وعلى روسيا، للوصول إلى حل سياسي في سورية.

لكن وبسبب الانقسامات الحزبية داخل الكونغرس، تأخر القانون أكثر من عامين، قبل أن يقرّر زعيم الأغلبية الجمهورية، وبدعم ديمقراطي، إلحاقه بقانون ميزانية وزارة الدفاع، ليكون ملحقا في نهاية العام الماضي. وفعلا مر القانون بأغلبية كبيرة، ووقعه الرئيس الأميركي ترامب، نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كي يصبح نافذاً.

كان ردة فعل الأسد على قانون قيصر كالعادة خروج مسيرات تأييد إجبارية في مدن سورية،

السيناريو الرغائبي يقول إن قانون قيصر يفتح الباب لتطبيق قرار مجلس الأمن 2254منها طرطوس والسويداء. وفي الوقت نفسه، حاول الأسد حرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية، وتحميل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها سورية على قانون قيصر، بوصفها "عقوبات على الشعب السوري"، مبرّرا انهيار الاقتصاد السوري وغلاء الأسعار وارتفاع التضخم وانهيار القدرة الشرائية للمواطن السوري نتيجة قانون قيصر، من دون أن يدرك أن هذا الانهيار هو نتيجة سياسات مالية واقتصادية وسياسية أدّت إلى العجز الحالي، فبعضها يعود إلى أسباب اقتصادية ومالية، من قبيل عدم وجود مخزون احتياطي من العملة الصعبة لدى المصرف المركزي السوري لدعم الليرة، وتحوّل سورية إلى مستورد صافٍ للنفط، وانعدام الدورة الإنتاجية.

وفيما تتصدّر سورية قائمة الدول الأكثر فقراً في العالم، إذ يقبع 83% من سكانها تحت خط الفقر، بحسب أرقام صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في مارس/ آذار 2019، فالعقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق محصورةٌ بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وليست ملزمةً بقرار أممي، فقد اعتمدت روسيا وإيران على التجارة والاستفادة من نظام الأسد، باعتباره ليس خاضعاً لعقوبات أممية. ولذلك جاء قانون قيصر ليسدّ هذه الثغرة، ويضع الشركات التي تتعامل مع الأسد، بما في ذلك الروسية والإيرانية، ضمن العقوبات الأميركية.

لذلك، من شأن هذه العقوبات زيادة عزلة النظام السوري الاقتصادية، خصوصاً أنها تقلل 

"83% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب أرقام يونيسيف في مارس 2019"حظوظه في الاستفادة من حلفائه الروس والإيرانيين، أو التحايل على القانون الجديد. وهو ما من شأنه أن يزيد من انهيار العملة السورية، وبالتالي إيجاد مزيد من الضغط على النظام من حاضنته الشعبية لتغيير السلوك السياسي للنظام، وإجباره على القبول بحل سياسي، بعد الاستجابة للنقاط الست التي تسمح بتعليق العقوبات أو إلغائها، مثل توقف الطائرات السورية والروسية عن قصف المدنيين، وتوقف القوات الحكومية وحلفائها عن تقييد وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتوقف قصف المنشآت الطبية والسكنية والمدارس، وتحقق إمكانية العودة الآمنة للاجئين والنازحين، وتحقق العدالة لضحايا جرائم الحرب، ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم. وهو ما يفتح الباب لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 2254 المتعلق بإيجاد حل سياسي في سورية.

ولكن، يبدو هذا السيناريو أشبه بالرغائبي، بالنظر إلى ردة الفعل الأولية لنظام الأسد على

"عدم وجود شركات روسية في لائحة العقوبات يرسل رسالة لفتح باب المفاوضات السياسية مجدّداً مع روسيا"القانون، وتبرير إعلامه بأن الرد على " قيصر" والأزمة الاقتصادية إنما يكون بإغلاق الحدود، عبر تجريم التعامل بغير الليرة، والاعتماد على الذات. بلغةٍ أخرى، عودة إلى سنوات الثمانينيات القاسية التي مرّت بها سورية، بعد إدراجها على لائحة الدول الداعمة للإرهاب، وعانت وقتها سورية من عزلة دولية، كان ثمنها سنوات من الفقر المعمم وتدمير القطاعات الصحية والتربوية والتعليمية، بسبب ضعف الإنفاق الحكومي.

ولكن، واضح من لائحة العقوبات المعلنة أنه ليس هناك أية شركة روسية أو إيرانية (هناك لواء فاطميون الممول من إيران)، وهو الهدف الأساسي للقانون. وهذا يعني نافذة للمفاوضات حتى المرحلة الثانية، حيث يمكن ضم هذه الشركات الروسية والإيرانية، فكل العقوبات تفرض تدريجيا لدراسة أثرها وتقدير الخطوة الثانية من المفاوضات، لكن هذا يرسل رسالة لفتح باب المفاوضات السياسية مجدّداً مع روسيا بشأن سورية قبل تطبيق القانون للشركات الروسية، وخصوصا النفطية التي تسيطر على كل الحقول السورية من النفط والغاز.

===========================

واقع منطقتنا ومستقبلها في ضوء تنبؤات أورويل

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد

الثلاثاء 30/6/2020

انتهيت قبل أيام من قراءة رواية جورج أورويل "1984" (ترجمة حازم حامد سلامة، الدار الأهلية للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، عمّان 2019)، وهي من الروايات التي كنت سجلتها ضمن قائمة كتبٍ ألزمت نفسي بقراءتها، إلا أن الظروف كانت تحول دون ذلك. وفي مناخات جائحة كورونا، وحالة التباعد الفيزيائي التي نعيشها، إلى جانب التحرّر من أعباء السفر؛ وجدت أن أفضل وسيلةٍ للتغلب على ضغط الفراغ الإلزامي الذي فرضته علينا صاحبة التاج، كورونا، هي المطالعة.

كتب الكثير عن هذه الرواية الاستشرافية التي تجسّد حصيلة خبرات وقراءات واسعة، إلى جانب قدرة إبداعية متميزة، تمكن بفضلها صاحبها من حبك الأحداث بطريقة أخّاذة غير مألوفة؛ واستطاع التركيز على ما هو أساسي محوري، على الرغم من التفصيلات الكثيرة. وما يسجل للكاتب قدرته غيرالعادية على تلمّس ملامح الآتي على الصعيد الدولي، في ضوء المتغيرات التي شهدها العالم في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة؛ ومن أبرز تلك المتغيرات تراجع أهمية دور كل من فرنسا وبريطانيا، وأوروبا عموماً، على مستوى السياسة العالمية، مقابل تعاظم الدورين، الأميركي والروسي. كما أنه يلاحظ تبلور معالم دور لافت لكل من الصين واليابان، ولو بصورةٍ أقل. هذا في حين أنه وجد أن الأجزاء الأخرى من العالم، سواء الواقعة في آسيا أو في أميركا اللاتينية أو في أفريقيا، ستتحوّل إلى مناطق نزاع من أجل السيطرة عليها، خصوصا بين أوقيانيا التي تشير إلى كل من أميركا وبريطانيا، وأوراسيا التي يقصد بها روسيا والمناطق المتاخمة لها.

يتناول الكاتب، في روايته، موضوع تعاظم مخاطر المراقبة التي تفرضها الدول المعنية على 

"تتناول رواية أورويل تعاظم مخاطر المراقبة التي تفرضها الدول المعنية على شعوبها من خلال الأحزاب الشمولية التي تراقب كل شاردة وواردة"شعوبها من خلال الأحزاب الشمولية التي تراقب كل شاردة وواردة تخص حياة أعضائها، تراقب تفكيرهم، وتفرض عليهم اللغة الجديدة، والتفكير المزدوج، وتُلزمهم بالطاعة العمياء للحزب. ومن أهم الاستشرافات التي تنبأ بها الكاتب قبل سبعين عاماً أن المرحلة المقبلة ستشهد سباقاً للتسلح غير مسبوق في مختلف أنواع الأسلحة؛ بل ستقتصر الأبحاث العلمية على تلك الجارية في المجالات العسكرية، وستتوزع بين مختلف أنواع الأسلحة، بما فيها البيولوجية الجرثومية. ومن الموضوعات التي تستوقف في الرواية تزوير الماضي، ليكون موائماً لتطلعات الحاضر، ومؤكّداً توقعات الحزب بشأن المستقبل. هذا إلى جانب استراتيجية إيجاد الأعداء من أجل شدّ العصب، وفرض حالة الطوارئ الدائمة على الأعضاء والتابعين.

لن تسهب هذه المقالة كثيرا في ذكر التفاصيل الخاصة بالرواية، وهي ليست بصدد تقديم دراسة نقدية عنها، وإنما ما لفت نظري في موضوعها إمكانية اعتماده مادة معرفية إبداعية يمكن الاستفادة من بعض أفكارها في تحليل واقعنا الحالي ودراسته، مع الأخذ بالاعتبار جملة المتغيرات والتطورات منذ تاريخ كتابة الرواية، هذا إلى جانب ضرورة الفصل بين المتخيل الممكن، الشبيه بالواقعي، والمتخيل الإبداعي في الرواية. ومن أهم الأفكار في هذا المجال أن والصراع الحاد عادة ما يكون بين الطبقتين، العليا والوسطى، لوجود تناقض بين نزوع الأولى إلى الاستمرار ونزوع الثانية إلى الصعود، فالطبقة العليا ترى في الوسطى منافستها الجدّية. ولذلك تعمل على تفتيتها، والحد من عناصر قوتها؛ في حين أن الوسطى تتحين الفرص، وتجمع أساب القوة، وتراقب مواطن الضعف لدى غريمتها. هذا في حين أن طبقة العامة تظل تعيش حياتها، وتكون عادة مادةً لمشاريع أهل الحكم ومخططاتهم، مع انعكاساتٍ إيجابيةٍ على أوضاعها نتيجة التقدم التكنولوجي، وزيادة الإنتاج الذي غالباً ما يُوظّف في مشاريع الحروب المستمرة التي قد تكون، في أحيانٍ كثيرة، حروباً وهمية مفتعلة، تستنزف الطاقات والإمكانات، وتُلزم العامة في البقاء في موقع المحتاج، الحريص على تأمين أساسيات العيش.

الفكرة الأخرى التي يمكن الاستفادة منها، لفهم ما تتعرّض له منطقتنا في الوقت الحاضر، هي فكرة الحرب المستمرة، واعتبارها الوجه الآخر للسلام، فالقوى الأساسية قد وصلت إلى مرحلة نهاية الحروب في ما بينها، ولم تعد عواصمها ومدنها الأساسية مستهدفة، وإنما بلداننا مع بلدان أخرى في أفريقيا وآسيا هي المرشحة أن تكون ساحة معارك، وذلك نتيجة إدراك الأطراف الثلاثة، خصوصا أوقيانيا وأوراسيا، بأن حرباً مستقبلية مباشرة بينها ستكون تدميراً شاملاً بالنسبة إليها، وهي لن تحقق أي مكاسب لها، لذلك باتت الحروب في المناطق المتنازع عليها، في بلادٍ تمتلك العنصر البشري والمواد الأولية. وهي بلاد تعيش، وفق وجهة الدول الثلاث المعنية هنا، خارج التاريخ، بل هي لا تعترف بها بوصفها مجتمعاتٍ من حقها أن تنمّي نفسها، وتضمن مستقبلاً أفضل لشعوبها؛ لذلك ستكون الحروب في هذه المناطق، وستستخدم فيها كل أنواع الأسلحة التي ستلتهم نفقاتها الفائض الاقتصادي الذي كان من شأنه تأمين المقدمات والشروط اللازمة لتنميةٍ شاملة، يستفيد منها الجميع.

وهناك إشارات لافتة من الكاتب تخص موضوع التوافق بين أوقيانيا وأوراسيا، على الرغم من

"القوى الأساسية وصلت إلى مرحلة نهاية الحروب في ما بينها، ولم تعد عواصمها ومدنها الأساسية مستهدفة، وإنما بلداننا مع بلدان أخرى في أفريقيا وآسيا" حالة الحرب المعلنة بينهما. وهذا ما نلمسه واقعاً على الأرض في سورية اليوم. هذا على الرغم من اختلاف المواقف العلنية لكل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في بداية الثورة السورية؛ إذ تصدرت الأولى مشهد مجموعة أصدقاء الشعب السوري؛ في حين التزمت روسيا سياسة دعم النظام، ومدّه بالأسلحة، وتغطيته سياسياً في مجلس الأمن. ومع متغيرات الوضعية السورية، تبيّنت معالم التوافق بين الطرفين بصورة أوضح؛ إذ تم توزيع مناطق النفوذ بينهما، كما أن التنسيق المشترك بخصوص العمليات الجوية، والتعامل مع القوى الميدانية على الأرض، وإخراج النظام من دائرة الاستهداف، وتنسيق الجهود تحت شعار محاربة الإرهاب.

وما يحدث في منطقة الجزيرة السورية اليوم يعكس جانباً ملموساً واقعياً من هذا التنسيق، فالمنطقة تعج بالقوات الأميركية والروسية، إلى جانب قوات النظام، والقوات التركية والقوى العسكرية المحلية التي تستخدم لصالح هذا الطرف أو ذاك. وهناك اتصالاتٌ مستمرةٌ على أعلى المستويات بين الجانبين، الروسي والأميركي، وبينهما وبين الجانب الإسرائيلي من حين إلى آخر، لتنسيق المواقف بخصوص ما يحدث، أو لتنفيذ المتفق عليه. ويبدو أن التوافق على توزيع الأدوار لا يقتصر على سورية، بل يشمل العراق وليبيا ودول أخرى.

ويتمثل الطابع الذي يميز الأوضاع الدولية الراهنة في حروب إقليمية بالوكالة، تشرف عليها القوى الدولية، وهي تستنزف طاقات المناطق الفقيرة أصلاً بفعل شراء الأسلحة، والتدمير الشمولي الذي تتعرض لها بنيتها التحتية. ومنطقتنا اليوم هي ميدان الحرب التي يمكن أن تنتقل مستقبلاً إلى مناطق أخرى، سواء في أفريقيا أم آسيا وحتى أميركا اللاتينية، طالما أن المقدرات والشروط متوفرة، ولا توجد إرادة دولية جادّة لمعالجة أسباب النزاعات والحروب قبل استفحالها. ولكن تبقى منطقة شرق آسيا هي المرشحة أكثر من غيرها لمستجدات دراماتيكية، خصوصا في ظل التنامي المتصاعد للقوة الصينية التي باتت تمتلك إمكانات اقتصادية وتكنولوجية هائلة، إلى جانب الفائض الكبير في الموارد البشرية، كما تمتلك الصين اليوم كل أساليب القوة الناعمة التي تؤهلها للتغلغل في مختلف أنحاء العالم، بما فيها الولايات المتحدة نفسها.

هل سنشهد مرحلة جديدة على صعيد تبدل هوية الدولة العظمى، كما حدث بعد الحرب العالمية الأولى؟ هل ستتقدم الصين على حساب الروس، وتكون هناك اتفاقيات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، تتجاوز التي ساهم في هندستها وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، عام 1972؟ وماذا عن أوروبا التي تعيش مرحلة صعبة من تاريخها، فمشروعها الاتحادي يترنح تحت وطأة الانسحاب البريطاني، وتصاعد نفوذ القوى القومية اليمينية؟ يبدو أن ما أظهره العالم من تضامن دولي خجول مع بدايات انتشار جائحة كورونا لن يستمر طويلاً، بل سنشهد مزيدا من المنافسات بين القوى الدولية الأساسية، من أجل امتلاك مزيد من أسباب القوة، والاستفادة من نقاط ضعف الخصم، والبناء عليها.

إنها مرحلة جديدة قد لا تغطيها استشرافات جورج أورويل؛ ولكنها تظل في طابعها العام هي نفسها. تنافس بين قوى مجتمعية أساسية داخل كل دولة، وتنافس دولي من أجل تقاسم العوالم الفقيرة التي تعيش مرحلة حروبٍ مستمرة، تستنزف الموارد البشرية والمادية، وهذا فحواه قطع الطريق على أي شكل من التراكم المنتج.

===========================

بماذا تواجه "قانون قيصر"؟

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 29/6/2020

في لندن، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية و"الكومنولث" البريطاني "جاك سترو"، وصف وزير خارجية الأسد القرار الدولي 1559 بـ"القرار التافه"؛ وعلى إثره خرجت قوات الأسد ذليلة من لبنان. وحدها إسرائيل تستطيع أن تضرب عرض الحائط بالقرارات الدولية، وما من أحد يعكر صفوها، حيث أطفأت مثلاً القرار 242 دون اكتراث. حدث ذلك في وقت كانت سوريا والعرب يتمسكون به بأظافرهم؛ ليتبيّن أن ذلك التمسك كان خلّبياً؛ وليتّضح أن عودة الجولان لسوريا تُسقط مبرر "المقاومة والممانعة"، الذي عاش عليه نظام الاستبداد. والآن، كما القرار 1559 (الذي كان دولياً، لكن أمريكا تحديداً وراءه)، كذلك قانون قيصر، الذي يأتي بزخم وثقل يتجاوز بقوته ما واجه المنظومة الأسدية تاريخياً؛ فبأي أدوات سيواجه هذا القانون، وهل يراه تافهاً أيضاً؟

هل يواجه النظام قانون قيصر بمزيد من الانفصام عن الواقع، كأن يعتبر كلام "جيمز جفري" الذي دعا فيه النظام لتغيير أو تحسين سلوكه، عرضاً أمريكياً لبقاء النظام؟! فهل من جديد في تصريح جفري، عندما يعرف القاصي والداني أن النظام وسلوكه شيء واحد. هل ستكون المواجهة ببيع المزيد من مقدرات سوريا إلى المحتل من أجل البقاء. وهل يفكر النظام بمواجهته بمجتمع نهب ثرواته، وأفقره، ودمّر نسيجه، وشرّده، وأذلّه؟!

بعد توقيعه من الجهة التي سنّته، أعطى القانون هذه العصابة نصف عام لرفع مفاعيله؛ ولكنها ضربت بهذا الوقت الطويل عرض الحائط. لقد قال القانون برفع الحصار ووقف التجويع؛ فزادت العصابة الحصار، وتفاقم العوز. قال بإطلاق سراح المعتقلين؛ فزاد الاعتقال، ووصل المزيد من بيانات الوفاة في السجون إلى أهالي المعتقلين. قال بزيارة المعتقلين؛ فزادت الرشاوى لسماسرته. قال بالدخول الجدي في العملية السياسية، فزاد التلاعب والتهرب والعرقلات.

يعرف أن أركان الحرب -برضاه- منشغلون بالتعفيش وتهريب أولادهم وأموالهم خارج سوريا

لم يجمع رئيس النظام أركان حربه، ولا جبهته الوطنية التقدمية، ولا أركان حزبه، ولا وزارته، ولا عقول مراكز البحوث وإدارة الأزمات لمواجهة هذا القانون؛ بل اكتفى باجتماع مع بعض القطيع من الماعز والأغنام في الطريق إلى غداء عائلي. يعرف أن أركان الحرب -برضاه- منشغلون بالتعفيش وتهريب أولادهم وأموالهم خارج سوريا، بعد أن أخرسوا ما تبقى من "الشعب الإرهابي"؛ ويدرك أن جبهته الوطنية وحزبه البعثي يسهرون على اختيار مرشحين لـ“مجلس الشعب" أفضلهم راشٍ ومرتش، أو من أقرباء ومحاسيب المكلفين بمهمة الاختيار. أما وزارته فغير معروف مَن رئيسها؛ أهو "الخميس" الذي ساهم بتوجيهاته بالسرقة والخراب، والمودع في السجن الآن، أم "العرنوس" السمسار الآخر المُحرج بالتعرف على قريبه بين صور "قيصر". ربما يعتمد في المواجهة على مراكز البحوث وإدارة الأزمات، والتي تأتي على رأسها الدكتورة البروفيسورة المستشارة السياسية والإعلامية بثينة شعبان التي ترى أن كل مسألة قيصر مفبركة، وما على السوريين إلا "الصمود".

أراهن أن تلك المخاليق الإجرامية وجدت في قانون قيصر أداة وفسحة جديدة لشد الحبل على عنق الإنسان السوري، لجعله بلا صوت على الإطلاق. وإذا كان هذا النظام أساساً يأخذ الشعب السوري رهينة، فإنه سيجد في هذا القانون أداةً إضافية لمزيد من الابتزاز والخنق والمساومة. لقد كانت ردة فعله الرسمية الأولى بأنه اعتبر القانون جزءاً لا يتجزأ من "المؤامرة الكونية" التي- كما يعتقدون ويشيعون- لم تتمكن من نظام "الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة"، فتلجأ للحرب الاقتصادية. هكذا بالضبط أتحفنا وزير خارجية العصابة، الذي قرر يوماً إزالة أوربا عن الخريطة. باختصار، ربما يرون فيه المشجب الذي تعلق عليه العصابة الفتك بكل مناحي الحياة السورية. وكما داعش والنصرة كانت الحجج التي ساقتها العصابة لوصم السوريين بالإرهاب، كذلك هذا القانون الذي ستعلق عليه جوع السوريين، وتشردهم، ودمار بلادهم. وهو الذي ستبرر من خلاله ارتماءها بأحضان الاحتلال الإيراني والروسي كـ “حلفاء".

إن الطريق الأقصر والأنجع لمواجهة قانون قيصر تكون بتطبيق القرار الدولي 2254؛ وهذا يعني ويستلزم الدخول في مفاوضات العملية السياسية؛ ومعروف أن النظام مستعدٌ لفعل أي شيء إلا الدخول في العملية السياسية، لأن تفاوضه سيكون على رحيله. ولذلك سيجدد طرقه في التحايل على المفاوضات وعرقلتها ونسفها إن استطاع لذلك سبيلاً. ومن هنا على السوريين دفع المجتمع الدولي وخاصة صناع القرار إياه لدعوة مَن لم يشاركوا النظام إجرامه للقيام بعملية التفاوض؛ وعلى "المعارضة" أن تجعل ذلك شرطاً للتفاوض.

لا يرفع مفاعيل هذا القانون (غير التافه) إلا زوال المتسبب بكل هذا الدمار لسوريا وأهلها. وها نحن أمام سباق مع الزمن بين شعب يريد أن يعود إلى الحياة، ومنظومة لا تعيش إلا بسحق هذا الشعب. منظومة تعرف أن بقاءها هو الموت النهائي لسوريا. ومن هنا، على السوريين أن يدركوا درجة اللامسؤولية والأنانية واللاوطنية بموقف هذه الطغمة. ومن هنا، فإن آخر من يحق له التحدث عن الوطنية والفداء والصمود والمقاومة هو هذه المنظومة. قانون قيصر سيرتفع؛ ولكن ذلك لن يحدث إلا بزوال الاستبداد. وعلى السوريين أن يختاروا بين استمرار مأساة نصف قرن، أو الطلوع إلى الحرية.

===========================

رسائل قانون قيصر

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاثنين 29/6/2020

يمكن القول إن القانون يستهدف الأشخاص والشركات الروسية والإيرانية بشكل رئيسي وكل شركة أو شخصية تحاول أن تقدم الدعم لنظام الأسد بشكل عام، وهو ينص على مجموعة عقوبات في قطاعات النفط والطيران والمالية وإعادة الإعمار بشكل رئيسي، إذ ينص القانون أنه يجب على وزارة الخزانة الأميركية في موعد لا يتجاوز ١٨٠ يوماً أن تقرر فيما إذا كان البنك المركزي السوري مؤسسة تعنى بغسل الأموال وبالتالي يجب فرض العقوبات عليها، فإذا ما قرر وزير الخزانة مينوتشين في تقريره أن البنك المركزي مؤسسة لغسل الأموال فسيتم وضع البنك على لائحة العقوبات وبالتالي تحظر أية مؤسسة مالية من التعامل معه وخاصة المصرف المركزي اللبناني والمصارف الخاصة وهو ما يعني نهاية كل رصيد من العملة الأجنبية ومن الدولار في البنك المركزي السوري وهو ما من شأنه أن يهوي بالليرة السورية إلى القاع، والتي هي أصلا في حالة سقوط حر حيث وصل سعر صرف الدولار لليرة إلى أكثر من 3000 ليرة سورية بعد أن كان لا يتجاوز 45 ليرة قبل عام 2011.

كما تشمل العقوبات المنصوص عليها في قانون قيصر كل شخص أجنبي دعم مالياً أو مادياً أو بشكل تقني حكومة الأسد أو أيَّ كيان تملكه أو تسيطر عليه أية شخصية سياسية رفيعة في الحكومة وكل شخص أجنبي عمل كمقاول أو كمرتزق أو شكل مليشيا داخل سوريا لصالح الأسد أو لصالح روسيا أو إيران، كما تشمل العقوبات كل من يقدم سلعاً أو خدمات أو معلومات أو تكنولوجيا أو أي شكل من أشكال الدعم يساهم في صيانة أو توسيع إنتاج الحكومة من الغاز الطبيعي أو النفط أو المشتقات النفطية، كما تشمل العقوبات أيضاً من يبيع أو يقدم قطع غيار للطائرات التي تستخدم لأغراض عسكرية لصالح نظام الأسد أو لصالح روسيا وإيران وأيضا كل من يقدم مساعدة هندسية أو في البناء لإعادة الإعمار لصالح الأسد وبالتالي فهو يقطع الطريق نهائيا على إعادة تأهيل نظام الأسد.

أما نوع العقوبات المفروضة في قانون قيصر ستشمل حظر كل المعاملات والممتلكات كما تشمل منع التأشيرات لدخول أميركا وإبطال التأشيرات في حال وجودها وتجميد كل الأصول المالية للأشخاص والمؤسسات والكيانات المشمولة بالعقوبات ويتم استثناء المساعدات الإنسانية والمواد الطبية التي لا تشملها وهي هنا شبيهة تماما بالعقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية على حكومة الأسد منذ عام 2011 رداً على العنف المفرط الذي واجه به المظاهرات السلمية بدء من آذار/مارس 2011.

إذاً: يبقى السؤال ما الفارق بين العقوبات المتضمنة في قانون قيصر وتلك العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية منذ عام 2011، في الحقيقية لا يوجد فرق كبير في طرق ووسائل آليات التأثير لجهة تجميد الممتلكات والأرصدة ومنع منح تأشيرات السفر وغيرها لكن هناك فرق في اللائحة بين الطرفين، الأهم برأيي أن قانون قيصر قد دخل حيز التنفيذ بفضل دعم كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي فقد وقع قادة كلا الحزبين رسالة إلى الرئيس ترامب تحثه فيها على التطبيق الأقصى للقانون لأن الشعب السوري يستحق حكومة وحياة أفضل من تسع سنوات من الحرب والبراميل المتفجرة.

فالعقوبات المنصوص عليها في قانون قيصر هي عقوبات مشرعة من قبل الكونغرس الأميركي ولا ترتبط بالرئيس سواء أكان ديمقراطياً أو جمهورياً وبالتالي رفع هذه العقوبات يكون بقرار جديد من الكونغرس بلجانه المختلفة الشؤون الخارجية والمالية وتلك الخاصة بالقضاء والموازنة.

في النهاية يتضمن قانون قيصر مواد تنص على ما يسمى تعليق العقوبات أو رفعها تمثل خارطة طريق فيما إذا رغبت الحكومة برفع العقوبات عنها، وذلك إذا توقف نظام الأسد وروسيا عن استخدام المجال الجوي لاستهداف السكان المدنيين بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية والتقليدية بما في ذلك الصواريخ والقنابل المتفجرة، كما يجب لتعليق العقوبات أيضاً رفع الحصار من قبل النظام وروسيا وإيران على المناطق السكنية والمدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بانتظام وضمان حرية السفر والرعاية الطبية للمدنيين في مناطق الحصار كما أن على النظام إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين الذي احتجزهم قسراً في السجون والسماح للمنظمات الإنسانية الدولية بالدخول إلى هذه السجون والكشف عليها.

يضاف إلى هذه الشروط وقف استهداف المشافي والمرافق الطبية والحيوية والمدارس والمناطق السكنية والأسواق وغيرها من المناطق المدنية كما على النظام اتخاذ خطوات للوفاء بالتزاماته فيما يتعلق باتفاقية حظر استخدام وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدميرها وأن تصبح من الدول الموقعة على اتفاقية حظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية والسامة وتدمير هذه الأسلحة، كما على النظام أن يسمح بالعودة الآمنة والطوعية والكريمة للسوريين الذين شردهم النزاع كي يتم التعليق بالعمل بقانون قيصر، أما الشرط الأخير فينص على ضرورة أن يتخذ النظام خطوات جادة وحقيقة لتحقيق المساءلة والمحاسبة لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وضمان تحقيق العدالة للضحايا بما يفتح الباب لعملية حقيقية لضمان معرفة الحقيقة والمصالحة.

كما لابد أن نذكر أن القانون نص على مجموعة من الإعفاءات والاستثناءات الخاصة بالحاجات الإنسانية والدوائية وفقاً لطلب من الرئيس إلى الكونغرس وفق لجانه المختلفة.

لقد نص قانون قيصر أن على الرئيس أن يصدر في موعد لا يتجاوز ١٨٠ يوماً (هو تحديداً تاريخ ١٧ حزيران) من تاريخ سن القانون اللوائح اللازمة لتنفيذه، وكما كان متوقعاً فمن صباح يوم 17 حزيران وفي الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت واشنطن أي قبل بدء الدوام الرسمي أعلن وزير الخارجية الأمريكي بومبيو عن أول مجموعة من الأسماء التي طالها قانون قيصر بالعقوبات، والتي شملت للمرة الأولى أسماء الأسد زوجة بشار ألأسد وزوجة أخيه أيضاً منال الجدعان زوجة ماهر الأسد وبشرى الأسد أخته المقيمة في الإمارات.

‏ونص بيان وزير الخارجية على أن كل "شخص في أي مكان في العالم" يتعامل مع الأسد سيكون عرضة للعقوبات وفقاً لقانون قيصر، وقد ضمت اللائحة الأولية ٣٩ اسماً وكياناً بعضهم يخضع للعقوبات الأميركية للمرة الأولى.

في البداية يجب أن نتوقف عند الرمزية التي حملتها العقوبات المنصوص عليها في القانون، إذ ليس تفصيلاً صغيراً أبداً أن تفرض عقوبات على رئيس الدولة وزوجته وأخته وأخوه وزوجة أخيه (كل أفراد العائلة دون استثناء) وهو ما يظهر للعالم أجمع بنية هذا النظام الفاسد العائلية ومدى مشاركتهم في قتل وتجويع أبناء وطنهم.

وقد شملت القائمة أيضاً بالإضافة إلى بشار الأسد وعائلته مجموعة من رجال الأعمال الذين يعدون الداعمين الرئيسيين والممولين الرئيسيين للأسد في حربه ضد الشعب السوري من مثل محمد حمشو وزوجته وكل أفراد عائلته زوجته رانية رسلان الدباس وأخوته سمية صابر حمشو وأحمد صابر حمشو وأولاده علي محمد حمشو وعمرو حمشو، لأن كل الشركات التي اعتاد حمشو على تأسيسها للالتفاف على العقوبات كانت مسجلة بأسماء إخوته وأبنائه.

كما شملت القائمة غسان علي بلال والذي يعتبر الذراع اليمنى لماهر الأسد ومدير مكتبه وقد كان تحت طائلة العقوبات الأميركية والأوروبية منذ عام 2012 لكن بشار الأسد عينه الشهر الماضي كمحافظ للحسكة في تحد لهذه العقوبات.

وشملت اللائحة أيضاً مجموعة من الشركات التي حاولت الالتفاف على العقوبات السابقة والقيام بما يسمى مشاريع إعادة الإعمار على حساب أملاك اللاجئين والنازحين السوريين وعلى أرضهم وممتلكاتهم كشركة بنيان دمشق المساهمة وغيرها من شركات رامي مخلوف التي تهتم بالفساد وغسيل الأموال مثل شركة دمشق الشام للإدارة وشركة دمشق الشام القابضة وراماك للمشاريع التنموية والإنسانية.

===========================

اختبارات الأسد

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 29/6/2020

تروّج روسيا، في لقاءاتها فعالياتٍ سوريةً محسوبة على المعارضة، فكرة أنها تنتصر لسورية الدولة وليس لسورية الأسد، وهو ما يفتح لها بعض أبواب المعارضة على مصراعيها تحت الفكرة نفسها أن "الشمس تشرق من موسكو". وفي المقابل، يمكن أن يُفهم من ذلك أنه إعادة فرز للمعارضة وتصنيفها، قد يزيد من خلط الأوراق، ويوسّع دائرة الخلافات بين أطياف المعارضة، ويُحرج الجهة المعنية بالتفاوض في جنيف تحت مسمّى هيئة التفاوض (مقرّها الرياض)، فلا تعود الجهة الوحيدة على طاولة المفاوضات، خصوصاً في ظل النزاعات الداخلية فيها، بعد انتخاباتها أخيراً على منصب الرئاسة، وحول تبعياتها الدولية والإقليمية وانقساماتها.

عملت موسكو على تعطيل كل القرارات الدولية الملزمة للنظام السوري على وقف القتال والبدء بالمفاوضات، من خلال استخدامها أكثر من 17 مرة حق النقض في مجلس الأمن، وبرّرت كل أعمال النظام لعرقلة مفاوضات الجولات التسع في جنيف من عام 2013 حتى 2019، ثم منحته شهادة البراءة من تعطيل اللجنة الدستورية وحرفها عن غاية تشكيلها التي أعلن عنها في 23 أيلول/ سبتمبر 2019. وهي تعود اليوم، من خلال هذه الحوارات النوعية، إلى نقطة البداية التي كان يجب أن تنطلق منها منذ بداية تدخلها المعلن في سورية قبل نحو خمس سنوات، باعتبارها من الدول الكبرى المعنية بإحلال الأمن والسلام الدوليين من جهة، وبحكم طول يدها داخل سورية قبل الثورة وبعدها، على أنها الضامن لوقف إطلاق النار بين الجانبين السوري والإسرائيلي من جهة ثانية، ما مكّنها من التدخل المباشر والعسكري في سورية، وأطلق يدها في التصرّف في الملف السوري، والتفاوض عليه مقابل ملفاتها الدولية العالقة.

ولكن التعاطي مع هذه اللقاءات، على أهمية الرسالة التي توجهها موسكو إلى أطراف عديدة في 

"استخدمت روسيا حق النقض

17 مرة في مجلس الأمن، وبرّرت كل أعمال النظام لعرقلة مفاوضات الجولات التسع في جنيف من عام 2013 حتى 2019"آن، النظام والمعارضة (هيئة التفاوض) والمجتمع الدولي، والأهم إلى السوريين في الداخل، فإنه في الضرورة لا يعني التخلي الكامل عن النظام الحالي، على الرغم من أن بين ثنايا اللقاءات ما يؤكّد إعادة محاولات روسيا تمرير مشروعها السابق في إقرار دستور سوري جديد، يغير شكل سورية الحالي، بنية ونظاماً، بما يتقاطع، في عمومياته، مع الرغبة الأميركية والغربية التي تم ترويجها سابقاً من خلال ما سميت "اللاورقة"، في اعتماد نظام لامركزي يسمح للمناطق بتنمية محلية ومتوازنة، ويحقق نوعاً من الاستقلالية الإدارية.

ربما تكون هذه الحوارات المتأخرة درساً أو ردّاً على بعض الرسائل "الغبية" التي مرّرها النظام عبر أزلامه، فهي تعني أنه لم يعد اللاعب الوحيد في ملعبها، وأن خيارات الحل لم تعد محصورةً بإعادة تأهيله دولياً ومحلياً، وأن سورية الجديدة لن تصيغها مراسيم تغيير الوزراء والمحافظين وبعض القرارات الترقيعية التي يهلل لها النظام السوري، حيث تضع روسيا أمام ناظريها ما يعنيه قانون قيصر الأميركي، وحجم الإرباكات التي قد تصل حتى الاقتصاد 

"التفويض الأميركي لروسيا بالملف السوري يمنحها مساحة الحركة لإعادة صياغة توافقاتٍ دولية حول الحل السياسي في سورية"الروسي، ما يُلزمها بتسريع متطلبات إبطاله، والتي هي ليست إلا ترجمةً تنفيذيةً لإجراءات الثقة بقرار مجلس الأمن 2254 من فك الحصار على المدن والمناطق السورية، وإطلاق سراح المعتقلين، وإنهاء القصف على المدن، وتأمين عودة اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم، وحماية المنشآت الصحية والخدمية، والالتزام باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ومجمل هذه الشروط يعني ضرورة التزام رئيس النظام، بشار الأسد، بالعملية السياسية وفق القرار الدولي الذي لم يأخذ صفة الإلزام في التطبيق بسبب الحماية الروسية للنظام السوري.

من جهة ثانية، تعتقد روسيا أن من شأن هيمنة تركيا على وفد المعارضة أن يربك خططها في عملية التفاوض مع تركيا، ويرجّح كفة المطالب التركية في الإبقاء على هيمنتها في إدلب والشمال السوري، لذلك فإن تعدّد منصّات المعارضة الخارجة عن هيمنة القرار التركي، ومحاورتها حول الحل السياسي بهذه الجدّية، يهدد مصالح تركيا وما يتبعها من منصات معارضة. ولهذا فإن الحديث عن تجمعات سورية برعاية روسية على نمط "سوتشي 2018" ربما يتم التحضير له بإشراك أطياف معارضة أكثر قبولاً من المشاركين في الحوار السوري السابق في سوتشي.

وفي المقابل، فإن التفويض الأميركي لروسيا بالملف السوري يمنحها مساحة الحركة لإعادة صياغة توافقاتٍ دولية حول الحل السياسي في سورية، بما يضمن لها علاقات أفضل غربياً، وتمكّن أكبر في ملف الإعمار الذي تسعى إلى أن يكون قيد التنفيذ مع النصف الثاني من عام 2021. ولهذا، يعود الحديث عن دولة لا مركزية برلمانية إلى الواجهة، وهو مقترح أوروبي يقارب ما بين متطلبات الكرد السوريين من جهة، ويرعى مصالح تركيا ويخفف من وطأة مخاوفها بإبقاء مناطق سيطرتها تحت حكم مناطقي الغالبية فيه لمريديها من جهة مقابلة، ما يجعلها تبتعد عن التنسيق مع الجانب الإيراني، لضمان وحدة الصف الروسي التركي، لتنفيذ 

"تعتقد روسيا أن من شأن هيمنة تركيا على وفد المعارضة أن يربك خططها في عملية التفاوض مع تركيا"المطلب الأميركي، إخراج إيران من سورية.

ويمنح الانقلاب الروسي في خطة العمل الحالية (تحول من اعتماد القوة العسكرية إلى اللجوء إلى المفاوضات) المعارضة المحسوبة على "التسويات" (درعا مثلاً) فرصاً بالتساوي في إدارة مناطق سيطرتها، وتشكيل قوتها العسكرية الموازية لقوة النظام في شقّها الإيراني. وفي طبيعة الحال، للأسد من ذلك كله، تحت الغطاء المذهبي، نصيبه، بما لا يبقيه خارج معادلة الحل، على الرغم من أن اللقاء الذي جرى في جنيف مع شخصيات من الطائفة العلوية هو تلويح بالعصا للأسد بأنه قد لا يكون هو الخيار الأخير.

تمثل اللقاءات الروسية مع مكونات مختلفة من المعارضة السورية نوعاً من اختبارات قوة التحمّل للأسد، وهي تمرين عملي على معنى تغيير سلوك النظام الذي طالبت به الإدارة الأميركية، فإن نجح في تجاوزه منحته فرصة المشاركة في مستقبل سورية، وإن استمر في اجترار حلوله المكرّرة، فإن تفاصيل الفساد الذي ارتكبه ونظامه ستكون إحدى أهم أدوات انتزاع مؤيديه منه، وهي الرسالة التي أرادها الرئيس الروسي، بوتين، عبر إعلامه أن تكون موجّهة إلى سوريي الداخل من المؤيدين الأكثر تضرّراً من سياسة "الأسد أو نحرق البلد".

===========================

الضربات الإسرائيلية التي تتكرّر

فاطمة ياسين

العربي الجديد

الاحد 28/6/2020

مرّة جديدة، يتعرّض الوجود الإيراني في سورية إلى موجة هجمات صاروخية إسرائيلية، قد تكون الأوسع، فقد شملت مواقع متعدّدة في الجنوب قرب محافظة السويداء، وفي المنطقة الوسطى في السلمية وحماة، وامتدت لتصل إلى المنطقة الشرقية على طريق السخنة دير الزور.. أصبح هذا النوع من الهجمات ممارسةً روتينيةً عند إسرائيل، تقوم بها من وقت إلى آخر، من دون أن تضطر للإعلان عنها أو تبنّيها، ولكن إعلامها لا يخفي أن مواجهة الوجود الإيراني في سورية مهمة تقوم بها إسرائيل، فهي، كما تردد، لا تسمح بهذا النوع من الوجود.. يتخذ الروس وضعية القرود "الحكيمة" الثلاثة التي تغطي بأيديها عيونها وآذانها وأفواهها، بما يوحي باتفاق مسبق على عدم التدخل. ولا تخفي الولايات المتحدة سرورها عند كل هجمة إسرائيلية من هذا النوع. بمعنى أن هناك توافقا شبه تام، لتأخذ الهجمات المتكرّرة على الأهداف المنتقاة شكل التواطؤ بين الدول الثلاث.. فيما تكتفي وكالة الأنباء السورية (سانا)، التابعة للنظام، بإذاعة التقرير عينه بعد كل ضربة، أن القوات الجوية السورية قد تصدّت للهجوم وأحبطته، من دون أن تُظهر المناطق المستهدفة، وحجم الدمار الذي لحق بها. ولا تبدي إيران أكثر من موقفها المستنكر نفسه في كل مرة.

قد يبدو خبر الضربات الإسرائيلية لأهداف إيرانية أمراً جللاً، ولكنه واقعياً أصبح متكرّراً، فقد بدأت الهجمات منذ أول محاولة إيرانية لبناء رأس جسر لها في سورية، ولا يبدو أن لها نهاية في القريب العاجل. وبخبر تجدّدها أخيراً، يزداد يقين المراقِب أن دورة انتظام الحالة السورية تكتمل، فقد هدأت الجبهة الشمالية، إلى حد ما، وتبدو إدلب قد خرجت نهائياً من دائرة اهتمام النظام، بعد أن دخلت دورة الاقتصاد التركي، فقد استعيض عن العملة السورية ذات القيمة المتهاوية بالليرة التركية، كما وجهت تركيا بعض جهودها العسكرية نحو ليبيا، وتبدو متأكدةً من أن موقفها العسكري في الشمال السوري سيبقى كما هو في المستقبل المنظور. وما زالت روسيا على تمسّكها بهيكل النظام الحالي، ورأسه المتمثل ببشار الأسد. ولا تظهر إشارات جدّية إلى إمكانية تخليها عن هذا الموقف قريبا. وتوحي تحرّكاتها الدبلوماسية في الجوار بأنها غير راغبة في تغيير موقفها المعروف. وإسرائيل، بضرباتها الأخيرة، تذكّر بأنها على مقربة، وأن أسلحتها قادرة على الوصول والاختراق والتدمير. وقد حفظت كل من سورية وإيران الدرس جيداً. والتحدّي الراهن هو بين قدرة إيران على الاختفاء في الداخل السوري وفاعلية الصواريخ الإسرائيلية الباحثة عن هدف إيراني. وفي سياقٍ كهذا، لا تخرج الهجمات الإسرائيلية عن حالتها التي أصبحت مألوفة ومتوقعة، بل وتنبئ بركود وثبات في المواقف، ومن غير المعروف متى سيطرأ عليها تبدّل.. الواقع الذي باتت الغالبية تدركه أن حرب النظام وحلفائه التي يخوضها ضد شعبه جعلت سورية، منذ سنوات، مجرد ملعبٍ لمنازلةٍ تجمع أكثر من طرف دولي. ووضعها الداخلي مرتبط بمواقف ومواجهاتٍ لا تخصّها بشكل مباشر. وارتبطت أيضاً بساحاتٍ وملاعب أخرى تتحرّك الأطراف الدولية فيها، مثل ليبيا، فتعقَّدَ وضع اللاعبين باتخاذ وضعياتٍ مختلفة في كل من ليبيا وسورية. ودخل لاعبون جدد، ما زاد الحالة استعصاء. لذلك لا يبدو أن قانون قيصر، بما له من هالة إعلامية ضخمة، سيكون له تأثير حاسم أو أنه سيشكل بالفعل منطلقاً لتغيير جوهري، ولا تكرار الضربات الإسرائيلية كذلك، فالأمر يتعلق أكثر من ذي قبل بلحظة توافقٍ دوليٍّ بمعنى ما. وحتى الحل المنتظر، حين يأتي، سيأخذ شكل التوافق الذي يراعي مصالح الجميع. وعلى الرغم من علو نبرة الأماني بقرب خروج بشار الأسد من المشهد، فذلك لم يعد بتلك الأهمية الآن، وبشار ذاته أصبح مجرّد ورقة تافهة تستخدم في أي تسويةٍ مرتقبة.

===========================

فشروا، فشروا

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 27/6/2020

كنت في سن السادسة، تلميذ مدرسة ابتدائية في بلدة صافيتا في سورية، حيث كان والدي يخدم الدولة رقيبا في الدرك. ذات يوم، قيل إن علينا الخروج في مظاهرة لاستنكار موقف العرب من فلسطين. حدث ذلك نهاية عام 1946. بعد تنظمنا حسب صفوفنا، انطلقنا إلى شارع البلدة الصغيرة الوحيد، حيث أخذ أحد الأساتذة يصرخ بصوتٍ غاضبٍ مشوبٍ باليأس: فلسطين أخذوها، وردّدنا وراءه: فشروا، فشروا.

عاد الواقع العربي إلى الأجواء التي سادت تلك المظاهرة، مع فارقٍ جوهري، أن عرب زماننا ليسوا غاضبين من إسرائيل التي لم تغير شيئا من سلوكها تجاههم، وتتصرّف كأنها مستمرة في خوض حرب استكمال كيانها، لأن ميزان القوى بينها وبين العرب بقي على ما كان عليه بينها وبين أطفال مدرسة صافيتا الابتدائية، على الرغم من أن دول من يسمون العرب تمتلك سبعة أضعاف ما لديها من سلاح، وتستعمله يوميا، ولكن ضد شعوبها، صهاينة الداخل، كما يصفهم نظام الأسدية المقاوم الذي يتعايش مع احتلال إسرائيل الجولان منذ نصف قرن ونيف، ثم، وما أن طالبه السوريون بالحرية: وعد حزبه لهم منذ سبعين عاما، حتى انقض جيشه "العقائدي" عليهم كصهاينة، ساندته إسرائيل ضدهم.

يستكمل نتنياهو المرحلة الثانية من مشروع إسرائيل الكبرى، بإذن واشنطن التي احتلت مكان مجلس الأمن، وألغت ما اتخذه من قرارات منذ عام 1947، فوهبته مدينة القدس، على الرغم من خضوعها لولاية دولية، واعتراف الأمم المتحدة بفلسطينية نصفها الشرقي، لأنها في معارف ترامب الموسوعية "عاصمتها الأبدية"، كما وهبها الجولان الذي كان حافظ الأسد قد أهداه لها في حرب حزيران التحريرية عام 1967، ثم بنى توازنات نظامه على بقائه محتلا، وها هو وزير خارجية ترامب يرحب بضم غور الأردن إلى إسرائيل، أن ضمه قرارٌ سياديٌّ لها الحق في اتخاذه، فالأغوار أرضٌ متنازع عليها وليست أرضا فلسطينية، والدليل: رفض الفلسطينيين التفاوض على مشروع "صفقة القرن" الذي بلوره مراهق صهيوني اسمه جاريد كوشنر، وظيفته زوج بنت الصهيوني الأخرق ترامب الذي كان قبول السلطة الوطنية به يعني موافقتها على التخلي طوعيا، وبكل طيبة خاطر وامتنان، عما بقي من فلسطين للمشروع الصهيوني.

تحذّر دول وبرلمانات وأحزاب وهيئات نقابية ومدنية في العالم وإسرائيل من إقدام نتنياهو على ضم الأغوار مطلع الشهر المقبل (يوليو/ تموز)، بينما يتزاحم العرب على خطب ود عدو فلسطين، ويعلنون أن التزامهم بالاتفاقيات الدولية التي عقدوها معه يعفيهم حتى من التضامن الكلامي معها، ومن تذكّر قرارات دولية هي حقوق لا تقبل التنازل لشعبها، ويرسمون خطوطا حمراء داخل الدول العربية الأخرى، أو يخوضون حروبا "قومية" ضد بعضهم فيها، كأن ضم القدس والجولان بالأمس، وغور فلسطين غدا، ليس خطّا أحمر يجب تذكير نتنياهو به، فضلا عن تذكير أنفسهم بأن لشعب فلسطين كلمة حمالة ارتدادات عليهم، بينما تثور الشعوب العربية من أجل حريتها: مقتل الاستبداد الذي ناب عنها في احتلال أوطانها، المجاورة لفلسطين والبعيدة عنها.

يتصرّف النظام العربي وكأن هناك تقسيم عمل بينه وبين تل أبيب، فتزوّده بالخبرات والمعلومات التي تساعده على إدانة طغيانه وحماية فساده ، وعدائه شعوبه، مقابل تخليه عن فلسطين وقضيتها وشعبها، وتحوّله إلى طرفٍ في علاقة يساعده "عدوه" على التحكّم بداخله، ويشفع له عند كعبة العالم الجديد: البيت الأبيض، بينما يتكفل هو بتحييد نفسه، بينما تستأنف الصهيونية مشروعها الزاحف في فلسطين الذي طاول سورية منها ما طاولها. لذلك، على ثورتها إعلان دعمها المفتوح فلسطين، والتزامها بحقوقها، ليس تضامنا معها وحسب، بل لأن الوقوف إلى جانبها هو خير دفاع عن سورية وشعبها، وتعبير عن ارتباطهما العضوي، المقابل للارتباط الإجرامي بين صهاينه تل أبيب ودمشق.

===========================

موقفنا : أربعة وثمانون مليون حبة مخدر من الأمفيتامين هدية من الساحل الأسدي إلى الساحل الإيطالي .. إن من أسرار قوة المافيا الأسدية كونها جزء من المافيا العالمية ..

زهير سالم

مركز الشرق العربي

2/ 7/ 2020

حكاية تصنيع حبوب الأمفيتامين المخدر في سورية ولبنان ، وتصديرها إلى العالم معروفة مشتهرة مطردة . يعرفها كل العالم ، وتتواطأ مؤسساته المختلفة للتستر عليها . إنها أشبه بغاز السارين الذي لم يفتش عنه في سورية أحد . واعتمد الرئيس أوباما ومؤسساته في مصادرة شحناته مصداقية الرئيس الأسد النقية !!

 بلغت لشحنة التي تم ضبطها في الموانئ الإيطالية منذ يومين . وحسب الشرطة الإيطالية : 14 طن ، و84 مليون حبة . في شحنة واحدة ، وبقيمة مليار يورو. ووُصفت بأنها الشحنة الأكبر في تاريخ تجارة المخدرات .

خرجت هذه الكمية الضخمة في " بكرات ورقية مجوفة ، في شحنة واحدة ، وفي يوم واحد ، وعلى أعين الجميع ، وحيث يقتسم الإدارة والسيطرة الروس والإيرانيون والأسديون .. ربما أزعم أن جرأة الرئيس بوتين على احتلال سورية . والضوء الأخضر الذي قدم له حول العالم جاء نتيجة التنسيق بين المافيات العالمية الكبرى ، الروسية والإيطالية منها بشكل خاص . وأرادوا من سورية التي عمدوا إلى تفريغها من سكانها مستقرا مزرعة ومصنعا ومركز إدارة وهذا الذي كان ..

الجزء المنتمي للمافيا العالمية في الرواية هو إقدام بعض المصادر الإيطالية على توجيه الاتهام في هذه العملية المذهلة إلى ما يسمى " تنظيم الدولة " التنظيم الذي يحتضر، والذي يتنازع الأمريكيون والروس والإيرانيون والأسديون فخر ادعاء القضاء عليه !!

كثيرا ما يتحدث السوريون في تحليلاتهم السياسية ، أن نظام الأسد يعقد صفقة مع الصهيونية العالمية ، وهذا ما سبق أن أعلن عنه رامي مخلوف عندما طالب الصهاينة بالوفاء لتلك الصفقة ، وهو لا يبعد كثيرا عن الواقع ، ولكن ينسى المحللون السوريون غالبا أن يشيروا إلى الحقيقة الموازية ، والتي تقوم على قاعدة أن بُنى الشر والفساد حول العالم مثل الأواني المستطرقة ، وأن الأسديين مع وضع أنفسهم في خدمة المشروع الصهيوني ، قد وضعوا أنفسهم أيضا في خدمة مشروع الجريمة المنظمة عالميا. وجعلوا من سورية وكرا لعمليات هذه المافيا ، يعاونهم على القيام باستحقاقات هذا الالتزام حزب الله في البقاع المزرعة ، والشعوبي الصفوي في طهران ..

إن حجم الكمية المضبوطة ، ومصدرها ، وطريقة شحنها ، وتوقيته ؛ كل هذا يضع مؤسسات العالم " الظاهرة غير الخفية " أمام تحد حقيقي .فبمثل هذه الواقعة مع ضخامتها ، تكون مؤسسات الجريمة الخفية قد بالغت بالتحدي والاستخفاف . و إن كان هناك نوع من توزع الأدوار . فإن من تمام الدور أمام أجهزة مكافحة الجريمة من أمن وقضاء المبادرة السريعة للكشف والإعلان عن المجرم والحقيقي ، ومحاسبته ، ووضع حد لجرائمه . وليس التخفي وراء عنوان مزور موهوم اسمه " تنظيم الدولة " عُلقت جريمة قتل مليون سوري ، وتهجير عشرة ملايين على مشجبهم .

 ندرك أننا أمام عدو يتحكم فيه المجرمون بالقضاة ، ويغتالون الشهود ، ويعينون المدعي العام .. ومع ذلك فلا بد من فعل شيء لحفظ الهيبة المدعاة ، والإبقاء على شيء من سمعة القانون العام ، الذي يضغط بركبته على عنق إنسان مثل جورج فلويد، والذي يدمر الأسقف فوق أجساد الأطفال السوريين ليمكن بشار الأسد وتنظيم " البي واي دي " من إحكام السيطرة والإدارة على وكر من أوكار الجريمة المنظمة اسمه كان اسمه من قبل " سورية وطن الحضارة والمجد "

سورية التي قررت المافيا العالمية الإيطالية منها والروسية تفريغها من سكانها لتحويلها إلى مصنع للممنوعات كبير. لا أحد يقول لي ونسيت ملالي طهران !! لا لم أنس ولكن تأكدوا أن الأسديين والحزبلاويين وكل دهاقين الفرس من الشعوبيين ما هم إلا أدوات قذرة ورخيصة في مشروع المافيا العالمية الخطير.

المهم فقط أن نتعلم فنعلم حجم الثقب الأسود الذي يواجهه العالم في مرتسماته الوجودية الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، في وطننا الذي كان موئلا للياسمين والعطر فأصبح بفعل أهل الشر مقبرة للنجوم ....بل حجم الثقب الأسود الذي نواجهه نحن أنتم وأنا العالقون في دوامات صناعة الشر . خرجنا في ثورة ، فصنعوا لنا منصاتها ، ودقوا لنا منابرها ، ووضعوا الطرابيش والأقنعة على وجوه شركائها ، حتى بتنا نتساءل : أليس في هؤلاء الناس إنسان " ذكرا أو أنثى " رشيد ؟!

لا ننس أن هذه الجريمة الكبرى تتم في ظل الحصار الاقتصادي والمجاعة وقانون قيصر والخلاف بين بشار ورامي والكورونا وكل ما يقنعوننا به أنهم على نظام الجريمة يضيقون ..

أربعة وثمانون مليون حبة مخدر تصب في إيطاليا ، بدل شحنة القمح السوري الصلب المكافئ لصناعة المعكرونة الإيطالية المميزة .. والقضاة الطليان مشغولون منذ بضع سنين بمعرفة كيف قُتل الطالب الإيطالي ريجيني في مصر .. ولا بد أن للمتسترين على القضية من الشحنة أوفى نصيب ..

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

ليرة المخابرات السورية تتحدى العالم

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 27/6/2020

هناك عنصر مخابرات، وهناك فرع مخابرات، وهناك نظام أمني، وهناك دولة أمنية، لكننا لم نسمع بالليرة الأمنية أو المخابراتية إلا في سوريا الأسد. لا عجب إذاً أن ترى أحياناً حاكم البنك المركزي السوري ينتظر في غرفة الانتظار حتى يأتي دوره لمقابلة ضابط أمن يفهم بالاقتصاد كما يفهم الحمار بالانشطار النووي. لا تتعجب أبداً، ففي سوريا ليس هناك شيء لا يقع تحت سيطرة المؤسسة الأمنية، فهي المؤسسة الفاعلة الوحيدة، وهي المؤسسة الوحيدة المسموح لها أن تعمل بدقة ساعة روليكس، بينما بقية المؤسسات كلها معطل ومشلول ولا يستطيع أن يحرك ساكناً إلا بأمر من المؤسسة المخابراتية وخدمة لها. وقد بات السوريون جميعهم يعرفون أن تسليط المخابرات على كل مناحي الحياة في سوريا هي سياسة منظمة ومعتمدة من مشغلي النظام في الخارج وعلى رأسهم إسرائيل طبعاً، وبالتالي فإن الدولة السورية الأمنية المزعومة تنفذ أوامر مشغليها، وتصادر كل القرارات وتتحكم بكل شيء في سوريا من الزبالة حتى الاقتصاد، وتمنع أي تطور في البلاد تنفيذاً لأوامر سادتها ومشغليها الخارجيين الذين سلطوها على الشعب السوري وطلبوا منها أن تمنع أي نهضة أو تطور في البلاد خدمة لمصالح أسيادها. وبما أن حتى الاقتصاد الذي يحتاج إلى عقول عظيمة قد صار من ممتلكات الدولة الأمنية في سوريا الأسد، فلا عجب أن يصبح صعود أو هبوط الليرة بقرار مخابراتي وليس بقرار اقتصادي كما هو معمول به في كل البلدان التي تحترم نفسها وتربط عملتها بالحالة الاقتصادية للبلد وبالاقتصاد.

لا شك أن كثيرين تابعوا تقلبات وتطورات وانهيارات ثم صعود الليرة السورية أو انهيارها ثانية منذ بداية الثورة عام ألفين وأحد عشر. ومن المعروف في أبسط أبجديات تذبذب أسعار العملة أنها كلها تعود إلى حالة الاقتصاد بالدرجة الأولى، فكلما كان الاقتصاد قوياً ومستقراً، استقرت معه العملة وصعدت بصعوده وتراجعت بتراجعه، لكن الليرة المخابراتية السورية تتحدى كل أقانيم المال والاقتصاد، وترتفع وتهبط بقرار مخابراتي بما يخدم حيتان ولصوص العصابة الحاكمة في البلاد وليس بما يخدم الاقتصاد والشعب والدولة. ومعلوم أيضاً أن الاقتصاد السوري لم يكن يوماً مرتبطاً بالاقتصاد الدولي كي يتأثر بتذبذباته، لهذا فهو خارج الإطار الاقتصادي والمالي الدولي عملياً، باستثناء طبعاً بعض المعاملات المالية التي تتم عبر البنك المركزي السوري مع العالم. وقد انزوى الاقتصاد السوري منذ عقود دولياً بفعل العقوبات الغربية، وبفعل السياسة البعثية الانزوائية التعيسة التي عادت العالم وصارت منبوذة ومارقة. ولهذا لا عجب أن يكون أي تطور في أسعار الليرة السورية هبوطاً أو صعوداً قراراً سياسياً وأمنياً سورياً أكثر منه اقتصادياً. وبما أن الليرة خارج المنظومة المالية والاقتصادية الدولية، فإن العصابة الأمنية الحاكمة ما لبثت تستغل هذا الوضع للتلاعب بسعر العملة بما يخدم مصلحتها ومصلحة اللصوص المتحكمين بالاقتصاد السوري وثروات البلاد ولقمة عيش السوريين.

لاحظوا مثلاً ماذا فعلت العصابة الحاكمة بالليرة السورية منذ بدء الثورة قبل حوالي تسع سنوات بعد أن أنفقت معظم مدخرات سوريا على السلاح والجيش والمرتزقة لقتل السوريين وتهجيرهم وتدمير أرزاقهم. وبعد أن أصبح الاقتصاد السوري ومدخرات الخزينة شحيحة جداً، بدأ النظام يفكر بالطريقة المثلى لمواجهة هذا الوضع الاقتصادي العويص. وجدتها وجدتها، تعالوا نتلاعب بسعر الليرة كي نستطيع دفع رواتب السوريين بطريقة شيطانية. فجأة بدأت الليرة السورية تنهار شيئاً فشيئاً بما يخدم أجندة النظام لإفقار السوريين والتلاعب بلقمة عيشهم. كيف حصل ذلك ولماذا؟ من المعروف أن متوسط الدخل في سوريا قبل الثورة كان ما يعادل ثلاثمائة دولار، يعني حوالي خمسة عشر ألف ليرة حسب السعر الرسمي في ذلك الوقت.

في سوريا ليس هناك شيء لا يقع تحت سيطرة المؤسسة الأمنية، فهي المؤسسة الفاعلة الوحيدة، وهي المؤسسة الوحيدة المسموح لها أن تعمل بدقة ساعة روليكس، بينما بقية المؤسسات كلها معطل ومشلول

لكن كلما انخفض سعر الليرة أمام الدولار أصبح ذلك في مصلحة النظام، لأن الراتب سينخفض في هذه الحالة، وبدل أن يعطي الأسد للموظف ما يعادل ثلاثمائة دولار، فيعطيه الآن راتباً أقل حسب الانخفاض الحاصل في سعر الليرة. بعبارة أخرى، بدل أن يخصص مائة مليون دولار شهريا للرواتب، يخصص سبعين مليون، لأن الليرة فقدت ثلاثين بالمائة من قيمتها. وهذا يعني أن الشعب يزداد فقراً ونظام النهب يزداد ثراء على حساب لقمة عيش الشعب. لاحظوا الآن أن راتب السوري انخفض إلى خمسة عشر دولاراً شهرياً بعد أن كان حوالي ثلاثمائة دولار، لأن الليرة انهارت، بينما مازال الراتب على حاله، وكل الزيادات الأخيرة لم تضف للراتب سوى فتات بسيط حسب سعر الدولار.

والغريب العجيب في الأمر أن مستوى المعيشة في سوريا الأسد محسوب بالدولار وليس بالليرة، مع العلم أن سوريا عملياً خارج نظام الدولار العالمي، مع ذلك فإن حتى المزارعين يبيعونك الفاكهة والخضار المنتجة محلياً حسب تذبذبات الدولار، لا عجب إذاً أن أصبح البقدونس في سوريا الأسد يباع بالدولار وليس بالليرة، ولهذا صار رأس البصل أو حبة الليمون في الآونة الأخيرة حلماً للكثير من السوريين بعد أن تضاعف سعرهما عشرات المرات بسبب انهيار الليرة أمام الدولار.

لا شك أن البعض سيقول إن التدهور الحاصل في سعر الليرة ناتج عن الحرب وانهيار المصانع والزراعة والاقتصاد الداعم للعملة. وهذا سؤال وجيه وصحيح من الناحية النظرية، لكنه لا ينطبق على النظام السوري مطلقاً، لأن النظام يتعامل مع الليرة والاقتصاد بطريقة مخابراتية سياسية نفعية وليس بطريقة اقتصادية. بعبارة أخرى، فإن النظام يلعب بسعر الليرة حسبما يريد لأغراضه الخاصة، بدليل أن الكثيرين كانوا يتوقعون أن ينهار سعر الليرة بشكل جنوني بعد تطبيق قانون قيصر، لكن الغريب العجيب أن سعر الليرة تحسن أمام الدولار مع أن الوضع الاقتصادي في سوريا تدهور بشكل رهيب حتى قبل تطبيق القانون الأمريكي. وهذا يعني باختصار أن من يحدد سعر الليرة ويتلاعب بها صعوداً وهبوطاً هو النظام الأمني وليس الاقتصاد. وللتذكير فقط، فإن رامي مخلوف مثلاً كان مطلوباً منه في الماضي أن يدفع للخزينة السورية مليارات الليرات، لكنه مع انهيار الليرة المتعمد والمضبوط مخابراتياً يجعله الآن يدفع خمسة بالمائة مما هو مطلوب منه، لأنه باختصار يستطيع الآن أن يصرف الدولار بسعر ثلاثة الاف ليرة للدولار الواحد، بينما في الماضي كان سعره خمسين ليرة أو أكثر قليلاً حسب الانهيار. وهذا يعني أنه إذا كان سعر المليون دولار في الماضي مئتي مليون ليرة سورية، فإنه الآن ثلاثون ضعفاً أو أكثر، وقس على ذلك.

لكن أخيراً، مهما حاول النظام التلاعب بالليرة خدمة لعصابة اللصوص، لكنها ستنهار قريباً شاء أم أبى، لأنها بالأصل بلا رصيد، وبلا اقتصاد قوي يدعمها، وهي أعلى من سعرها الحقيقي أصلاً أمام الدولار على أرض الواقع، ناهيك عن أن الخزينة خاوية على عروشها ولا تمتلك من العملات الصعبة إلا القليل، ولا يمكن لبشار الأسد وعائلته أن يسحب مئات مليارات الدولارات من حساباته الخاصة في الخارج ويعيدها إلى البنك المركزي لدعم الليرة. فهذا مستحيل. وفي لحظة ما ستسمعون أن الليرة السورية صارت مثل البوليفار الفنزويلي أو التومان الإيراني أو الليرة اللبنانية، أو ما يعرف اختصاراً بعملات حلف المماتعة والمقاولة التي انهارت وصارت برخص التراب.

===========================

ما تفعله إيران للبقاء في سوريا

أكرم البني

الشرق الاوسط

السبت 27/6/2020

إذا سلَّمنا بأن الهدف المعلن لقانون «قيصر» ليس إسقاط النظام السوري؛ بل الضغط عليه وإجباره على التنازل والخضوع لتسوية سياسية، وفق بيان جنيف عام 2012، وقرار مجلس الأمن رقم 2254، ما يمهد الطريق لتصفية وجود إيران العسكري، وما راكمته من نفوذ في سوريا، وإذا سلمنا أيضاً باستمرار وتواتر الغارات الإسرائيلية على مواقع «الحرس الثوري» في سوريا والميليشيا التابعة له، ربطاً بمجاهرة غير مسؤول في حكومة تل أبيب بأن قواعد الصراع مع إيران قد تغيرت، وبأن الهدف بات اليوم ليس تحجيم وجودها بل إخراجها نهائياً من سوريا، فمن البديهي أن نسلِّم بوجود مخططات تنفذها طهران، وخطوات تقوم بها لمواجهة هذين المستجدين، وتخفيف تداعياتهما بما يحافظ على وجودها ونفوذها في سوريا.

أولاً، مناورات للتخفي وتكتيكات عسكرية، اتخذت أشكالاً متنوعة لتخفيف تأثير الضربات الجوية الإسرائيلية، منها تغيير مراكز تموضع القوات الإيرانية والميليشيا الملحقة بها، كما البدء في تقليل أعدادها، مع رفع الكفاءة والفاعلية على الأرض، وجعلها أكثر نوعية ومرونة، الأمر الذي يفسر ما أثير عن توجه طهران لإعادة كثير من عناصر ميليشياتها غير النخبوية من حيث أتوا، بما في ذلك تخفيف حضورها العسكري إلى حدود الكوادر المتميزة، وتحصينهم جيداً في القواعد التي تسيطر عليها في سوريا، وأبرزها في مطار دمشق الدولي، وفي الكسوة بريف دمشق، وفي جبل عزان بريف حلب الشمالي، ومطاري السين والشعيرات العسكريين، وقاعدة اِزرع في الجنوب السوري، ومنها سحب قواتها من مناطق حدودية حساسة، تجنباً لأي استفزازات أو احتكاكات، كتوافقها مع النظام على إعادة نشر جيشه في المثلث الأردني الإسرائيلي السوري، والمناطق المطلة على الجولان المحتل، لتهدئة الإسرائيلي، وسحب ذريعة اقتراب قواتها من حدوده، وأيضاً انسحابها من بعض مواقعها في محافظة دير الزور، وتسليمها إلى ميليشيات سورية ترعاها روسيا، كـ«لواء القدس» و«صقور الصحراء»، تفادياً للاحتكاك مع الأميركيين. ومنها وهو الأهم، توسيع تغلغلها في بنية الجيش السوري، ورفد بعض مراكز القوى الموالية لها كالمخابرات الجوية والفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، بعديد من الضباط والكوادر العسكرية المدربة تحت صفة مستشارين، جنباً إلى جنب مع السعي لتوحيد الجماعات الأهلية المسلحة التي ساهمت في تشكيلها خلال الصراع السوري، وتحضيرها جدياً كي تنضوي في حزب مسلح يتمثل تجربة «حزب الله» اللبناني.

ثانياً، تشجيع «حزب الله» لإحكام السيطرة على الوضع اللبناني ومقدراته ومنافذه الحدودية وتسخير سلاحه وسطوته، مرة أولى، لتخفيف الضغط على الوضع السوري وعلى وجوه النفوذ الإيراني فيه، وللالتفاف على التداعيات الاقتصادية التي يخلقها «قانون قيصر»، ومرة ثانية، لتهديد المصالح الأميركية وأمن إسرائيل. وليست لغة الوعيد التي فاض بها خطاب حسن نصر الله الأخير، أو توقيت نشر فيديو من قبل إعلامه يتضمن أهدافاً حيوية عسكرية إسرائيلية توحي بقدرة «حزب الله» على استهدافها، سوى أحد تجليات هذا التهديد، وفي المقابل لن يضيع حكام طهران فرصتهم المعتادة في تنشيط فاعلية تنظيم «داعش» الذي تواترت عملياته مؤخراً، واستخدامه كفزاعة لترهيب الغرب وإشغاله. ولم يعد سراً التواطؤ المزمن بين الجماعات الإسلاموية المتطرفة والحكم في طهران، وقدرة الأخير على التأثير في قرارات هذه الجماعات، ودفعها لممارسات إرهابية مستفزة في مواجهة مجتمعات الغرب ومصالحه.

ثالثاً، تركيز مزيد من الجهود لتعزيز تغلغلها وترسيخ وجودها اجتماعياً واقتصادياً في سوريا، متوسلة – بداية - التشيع المذهبي، ثم التعبئة الآيديولوجية تحت عنوان مواجهة إسرائيل. وبالفعل نجحت إيران في زيادة حجم الكتلة الشيعية في دمشق والساحل السوري، كما أصبحت لها جماعات محلية تواليها، من مختلف الأديان والمذاهب، مروراً بتنشيط دور وكلائها في مستوى التعليم والخدمات الاجتماعية، والأهم لتوفير معونات للمحتاجين لاستمالتهم عبر أكثر من 40 جمعية «مدنية وإنسانية» صار حضورها يتنامى اليوم مع تفاقم العوز المعيشي والضائقة الاقتصادية، انتهاء بالتوسع في تغيير الطبيعة الديموغرافية لمزيد من المناطق التي كان يقطنها السوريون السنة، إنْ على أطراف الحدود وإنْ حول المراقد الدينية الشيعية، يحدوها دور خفي يلعبه مقاولون إيرانيون قاموا بشراء الأراضي وبناء العقارات، وتحويلها إلى مناطق تسكنها ميليشيات شيعية، بعد تسهيل حصول كثير من عناصرها على الجنسية السورية.

رابعاً، حرص طهران على تجنب أي مواجهة محتملة مع موسكو التي تتجه نحو التفرد بإدارة الملف السوري، وميلها لمعالجة وجوه الخلاف، والتنافس معها للسيطرة على مؤسسات الجيش والأمن وعلى الموارد والمرافق الاقتصادية الحيوية، بتقديم بعض التنازلات المؤقتة، مطمئنة إلى أن العلاقة بينهما لن تصل إلى مستوى القطيعة، في ظل عراقة تعاونهما، وإدراكها لحاجة موسكو لها كورقة ضغط للتقارب مع الأطراف الغربية والإسرائيلية والعربية. والأسوأ أن طهران سارعت اليوم لتسويغ تقاسم النفوذ الإقليمي مع حكومة أنقرة. وليس غريباً ما يثار عن وجود صفقة بينهما لتبادل المنافع؛ ليس في سوريا فقط؛ بل في العراق وليبيا واليمن، بدليل وحدة إيقاع الطرفين في توجيه ضربات جوية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، ثم الغطاء الذي توفره طهران للتوغل التركي في الصراع الليبي، تناغماً مع دعم أنقرة لدورها في اليمن، وأليس للطرفين جذر آيديولوجي إسلاموي مشترك، ويدركان أن فشل نموذجه وهزيمته عند أحدهما سينعكس ضرراً وتراجعاً عند الآخر؟!

صحيح أنه لا يوجد في الدوائر الإيرانية من يتحدث عن الاستجابة للضغط الذي يمارس من أجل الخروج من سوريا؛ بل على العكس ثمة إشارات وتصريحات توحي بالتشدد؛ خصوصاً أن طهران تدرك جيداً أن إخراجها من سوريا قد يضع ما راكمته من نفوذ إقليمي في مهب الريح، وصحيح أن ما تقوم به إسرائيل بضرباتها الجوية وأميركا بعقوباتها الاقتصادية قد يعطي ثماراً لمحاصرة النفوذ الإقليمي الإيراني وتحجيمه في سوريا؛ لكن الصحيح أيضاً أن هذه الثمار غير كافية، ولن تأتي أُكلها إن لم تترافق مع فرض تغيير سياسي يضمن للسوريين حقوقهم وفق قرارات الشرعية الدولية، ففي مثل ذلك المناخ لن تعود لطهران فرصة للبقاء في سوريا، وستُكره على الرحيل من غير رجعة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com