العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-05-2019


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

العمّال والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في سورية

 نزار السهلي

جيرون

الخميس 2/5/2019

رصد الآثار الاقتصادية والاجتماعية، للمجتمع السوري في ظل الاحتلالات المتعددة، وعبر فترة زمنية قصيرة ضخمة، بالنتائج والأرقام، يبدو عملية بالغة الصعوبة والتعقيد؛ نظرًا إلى تشابك العوامل المؤثرة وصعوبة تحديد أبعادها من جهة، وحجب الحقائق والتضليل المتعمد من قبل النظام السوري وحلفائه المحتلين من جهة ثانية، وما يجعلها صعبة أيضًا أن النظام عمد -منذ بداية الثورة- إلى زج فئة من العمال في أتون الصراع القائم؛ فحوّل قطاعات واسعة منهم إلى بلطجية وشبيحة، جرى توزيعهم بين أزقة المدن والقرى والحواري، لقمع التظاهرات.

والقسم المتبقي منهم نال نصيبه، كما بقية المجتمع، من دمار وتهجير وقتل واعتقال، إضافة إلى اختفاء ومسح منشآت تجارية وصناعية وزراعية من على وجه الأرض، كانت تشكل ملاذًا للعمال والكسبة والفلاحين في عموم الجغرافية السورية. وقبل الخوض في التحولات الاقتصادية والاجتماعية، أو لنقل أبرز هذه التحولات والمتغيرات، لا بد من التنويه بإيجاز عن أهم التطورات والتأثيرات التي أوجدها النظام وقوى الاحتلال في القطاعات الثلاث: الزراعة والصناعة والتجارة، التي أصبحت تابعة كليًا إما لنفوذ الإيراني والروسي، أو لزيادة تغول النظام فيها بعد أن دمّر كليًا هذه القطاعات التي تعتبر الأساس الذي قامت عليه هذه التحولات:

على صعيد الزراعة، نجح النظام في تدمير معظم الأرياف السورية التي تشكل خزان الغذاء للمجتمع السوري، والرديف الاقتصادي للمجتمع القائم على تلبية حاجاته بنفسه من هذا القطاع، وتدمير قطاع العمال المشتغل به وتجريفه وتغييره ديموغرافيًا، فقد تحولت مساحة الأراضي الزراعية، منذ اليوم الأول للثورة، إلى ساحات ثأر من قبل دبابات الأسد التي تباهت بجرف الأراضي الزراعية وحرقها، في درعا وريفها.

ثم كانت السنوات التالية أكثر ما تكون بعدًا ووضوحًا، على إثر التقلص الكبير للمساحات الزراعية التي دمرتها طائرات وصواريخ الأسد، وبالجرائم والمجازر التي طالت اليد العاملة والثائرة، حيث اضطر قطاع واسع من العمال إلى النزوح القسري، بعد تعرّض عشرات الآلاف منهم للقتل، عن طريق مجازر نفذها النظام وعصاباته بحقهم، في بلداتهم وقراهم وداخل منازلهم. ومن بقي داخل حدود القرى أو الأحياء المتمردة تعرّض لأبشع عمليات الحصار والموت جوعًا، ومن الآثار السلبية أو المدمرة لهذه السياسة تدني أو تقلص اليد العاملة الزراعية في بعض المناطق، وانعدامها في مناطق واسعة للأسباب نفسها.

وعلى صعيد الصناعة، لا يختلف نهج النظام الثأري المتبع مع بقية القطاعات، إذ استهدف التخطيط الاقتصادي للنظام على إحياء دائرته الضيقة، من خلال تشريع وتسهيل السطو على قطاع الصناعة، وتوفير الدعم المالي لخزينته من الإمارات وإيران، لتمويل عمليات القتل والقصف الروسي، أو تدمير وتعفيش ما لم يستطع إخضاعه، فقد تعرضت الصناعة لاستنزاف كبير، من خلال تدمير واستهداف المنشآت الصناعية، وممارسة التشبيح والابتزاز على الصناعيين والعمال، وممارسة أعمال الخطف وطلب الفدية، اي السطو على رأس مال الصناعيين بطرق عديدة (هذا الأسلوب اتّبع مع عدد من الصناعيين قبل اندلاع الثورة) ومن ثم تدمير منشآتهم وممتلكاتهم، وبالتالي أدت سلسلة الاجراءات التدميرية التي مارسها الأسد إلى تدمير قطاع الصناعة، في وقت مبكر من عمر الثورة، من خلال القصف المباشر بالقنابل والصواريخ للمنشآت الصحية والغذائية والصناعية تحت ذرائع واهية، ومن بين الآثار الكارثية في هذا القطاع، احتكار النظام وعصاباته المحلية والمستوردة لسوق السوريين، لإذلالهم يوميًا.

أما على صعيد التجارة، فتعتبر السوق السورية وإجراءات النظام الهادفة إلى حماية كرسي الحكم، مكملة للخدمات التي يقدمها لقوى الاحتلال على الأرض: العقود الضخمة للفوسفات والطاقة للإيرانيين، وتأجير ميناء طرطوس، وتقديم قاعدة حميميم، والسماح للمحتل الإيراني بالسطو على ممتلكات العمال السوريين، وعلى بيوتهم واحتلال تاريخهم وحواضرهم، مقابل تأمين كرسي الأسد ويده القاتلة.

بعد هذا، يمكننا أن ننتقل إلى رصد أبرز التحولات الاجتماعية- الاقتصادية، التي يمكن أن تعتبر، بصورة مباشرة وغير مباشرة، نتيجة السياسة الاقتصادية والأمنية التي انتهجها النظام السوري، حيال المجتمع السوري.

البنية الاجتماعية

لعل من بين التحولات والتطورات الواضحة، التي طرأت على بنية المجتمع السوري خلال الأعوام الثمانية، اضمحلال وسقوط هيبة صنم الأسد الأب والابن، فبعد أن سعى الابن الوريث للتعامل مع المجتمع السوري، من خلال المجازر والدمار الواسع للطبقة العاملة التي كان يرى فيها لبّ الخطر، والتي كانت تشكل الشريحة الأولى والأكبر في المجتمع؛ جرى إحداث شرخ عمودي داخل المجتمع السوري، بعد أن باتت قواعد السيطرة الاجتماعية في المجتمع ترتكز بين أيدي النظام وأعوانه.

أخيرًا، معظم القرى والبلدات والمدن السورية يندرج سكانها تحت بند العمال، إن كانوا طلبة أو فلاحين أو مزارعين، مهندسين ومحامين وموظفين، ولا تكمن الإشكالية في تسميتهم أو انتمائهم، بل في وجودهم فوق الأرض، وتجمعاتهم الكبيرة أو الصغيرة، حيث تحتدم عوامل القهر والألم والثورة المستمرة، وبالتالي فقد أراد النظام، مع بقية أعوانه المحتلين، تصفية وجود السوريين فوق أرضهم، لكن هيهات.

========================
موقفنا : اجتياح إدلب وأخواتها بين المكذبين والمصدقين !! .. أيها السوريون جددوا الثورة على أنفسكم

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3 / 5 / 2019

اجتياح مدينة إدلب وأخواتها ليس مفاجأة ، ولا تقبل دعوى المتفاجئين .. اجتياح الشمال السوري الذي يشهد منذ أيام المزيد من القصف والقتل والتدمير والتهجير تحت سمع العالم وبصره ، جزء من استراتيجية روسية - أمريكية تمضي على خطوات تصفية ما سمي ادعاء مناطق خفض التصعيد .

كل الحسابات الاستراتيجية كانت تؤكد أن مخطط تصفية المناطق المحررة ماض إلى غايته . كل التصريحات الروسية والإيرانية والأسدية كانت تهدد بالعدوان وتنذر به . وكل الأطراف كانت تعيه ، حتى جاء تصريح ترامب الأخير : اقصفوا ولا تتوسعوا..!! فكان الضوء الأخضر لعملاء أمريكا وها هم عملاء أمريكا اليوم يقصفون ويتوسعون .

الطرف الوحيد الذي لم يكن يريد أن يصدق أن اجتياح إدلب وقطاع الشمال قادم هو قيادات المعارضة السورية . قيادات العجز والاسترسال مثل ألواح الخشب الطافية على سطح الماء !!.

قيادات المعارضة العتيدة الناعمة المسترخية المتثائبة التي تفكر في كل شيء إلا في البحث عن بدائل جادة لسوتشي وأستانة وجنيف وبقية حلقات الارتهان الذليل .. قبل أن تسقط حلب ، ومنذ أن سقطت حلب ، وبعد أن سقطت حلب ، ثم القلمون والغوطة وحوران ...كان على قيادات المعارضة وفصائلها أن تبحث قبل كل فاجعة وبعد كل فاجعة عن بديل ..

اليوم ونحن بين يدي فاجعة جديدة تحل بنا في إدلب وقطاع الشمال على السواء ، إن أقل أقل ما تقدر قيادات المعارضة عليه حتى لا يقال لنا اقترحوا البديل ، ألا توقع على صك استسلامها . ألا تفرط بدماء مئات الألوف من الشهداء ، ولا بعذابات ملايين المشردين ..

أقل ما تقدر قيادات المعارضة عليه ، وأشملها جميعا ولا أستثني ، أن تصدر بيانا تعلن فيه أنه إذا استمر القصف على إدلب وأخواتها فلسنا من سوتشي ولا من أستانا ولا من جنيف ولا من دستور الورق المبلول !!

تقدر المعارضة السورية أن تعلن أنه إذا استمر القصف على إدلب فإن على بيدرسن أن يسعى إلى حل حقيقي بين بشار الأسد ونمر الحسن إذا شاء .

لقد آن الأوان لكل قيادات المعارضة السورية أن تثور على ضعفها وعلى ترددها وعلى استرسالها وعلى استسلامها ..

ومن لم يكن له بالثورة طاقة فأقله أن يخلي طريق الأحرار من السوريين .

على قيادات المعارضة وعلى أحرار سورية أجمع أن يتوقفوا عن التأميل والتطلع والترقب والانتظار ففي هذا العالم المضطرب المعقد لكل امرئ منهم شأن يغنيه ..

لن ينفع المشهد لا الإدانة ولا الاستنكار ولا البكاء ولا العويل ... ينفعه التوقف عن الاسترسال في طريق الباطل والتوجه إلى الدفع في طريق الحق ولو بقدر ما يحمي من أرض سورية مفحص قطاة ..

ـــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

========================

الصراع القادم في سوريا المفيدة

أحمد عيشة

سوريا تي في

الخميس 2/5/2019

بعد ثماني سنوات من انطلاقة الثورة التي حوّلها طغاة العالم -صغاراً وكباراً- إلى صراع على تقاسم النفوذ من جهة، وإلى حرب على الإرهاب من جهة أخرى؛ صار علينا أن نتحدث عن أكثر من سوريا بحكم الأمر الواقع، أو عن "سوريات"، كمناطق نفوذ وأنظمة تعليم وشرطة، وشبه حدود تفصل بينها معابر وأنظمة جمركية وغيرها من أشكال بناء الإمارات أو الكيانات، وإحدى هذه الكتل ما يُعرف باسم "سوريا المفيدة" -وعملياً هي سوريا اللامفيدة- وهي المنطقة التي تقع تحت سيطرة النظام شكلياً، وتحت النفوذين الروسي والإيراني عملياً.

بشكل أو بآخر، انتهت الحرب على "الإرهاب" في المناطق التي يسيطر عليها النظام منذ عام 2018 كما يدّعي القائمون على الأمور فيها، بعد استعادة الغوطة ومناطق درعا وريف حمص وتهجير أهلها، أو من رفض منهم البقاء وإجراء التسوية مع النظام والروس، إلى مناطق شمال سوريا، وعلى ذلك؛ يترتب على النظام وداعميه الاهتمام بترتيب تلك المناطق وإعادة توزيع السيطرة عليها، أي تقاسم النفوذ فيما بينهم، وهو الأمر الطبيعي بالنسبة لقوى احتلال مباشر ولكن بالوكالة من خلال الميليشيات التابعة لكل طرف.

كان انخراط القوى المهيمنة (روسيا وإيران) في تلك المنطقة، منذ بداية الثورة، يصبّ في مصلحة النظام، بشكل مباشر، عبر الميليشيات التي أسسوها، فكانت القضية بالنسبة إلى إيران معركة تحدد مصير المنطقة، وبالتالي مصير إيران ووكيلها حزب الله اللبناني، الذي كان أول المتدخلين عسكرياً في معركة القصير في نيسان 2013، ومن ثم تبعها تأسيس الميليشيات المتعددة الشيعية من بلدان عدة (أفغانستان والعراق وباكستان ولبنان) إضافة إلى الميليشيات المحلية، التي وصل عددها في بعض التقديرات إلى قرابة مئة ألف مقاتل، وكلها تحت توجيه وإشراف الحرس الثوري الإيراني، وقد لعبت تلك الميليشيات دوراً مهماً في استعادة المناطق التي كانت تحت سيطرة قوات المعارضة.

تتألف غالبية القوات على الأرض من الميليشيات الإيرانية، في الوقت الذي شهد فيه جيش النظام تناقصاً كبيراً في تعداده لأسباب عدة، منها تزايد أعداد القتلى في صفوفه، وهروب كثير من الشبان من أداء التجنيد الإجباري

ورغم أن التدخل الروسي المباشر في أيلول 2015 وفّر سيطرة جوية، وألحق دماراً هائلاً بالبلاد والعباد، فإنه لم يكن كافياً لجعل الهيمنة الروسية مطلقة، حيث تتألف غالبية القوات على الأرض من الميليشيات الإيرانية، في الوقت الذي شهد فيه جيش النظام تناقصاً كبيراً في تعداده لأسباب عدة، منها تزايد أعداد القتلى في صفوفه، وهروب كثير من الشبان من أداء التجنيد الإجباري، ناهيك عن المناطق التي خرجت عن سيطرته، حيث تجاوز تعداد الميليشيات عدد قوات النظام، وهو ما يعطيها أرجحية على الأرض.

دفعت هذه الحالة الروسَ إلى استجلاب قوات برية لتعزيز هيمنتها الجوية بسيطرة على الأرض، فاستجلبت الشرطة العسكرية التي صار لها الدور المهيمن في كثير من المدن المستعادة من خلال التدمير، إضافة إلى قوات كبيرة من المتعاقدين الروس (المرتزقة) التابعين لشركة فاغنر لتجنيد المرتزقة، ومؤخراً في نهاية عام 2016، عملت على تأسيس الفيلق الخامس تحت هيكيلة الجيش كغيره لكن تحت قيادة وتدريب روسيين، مستغلة حالة الشباب الذين بقوا في مناطق التهجير والمصالحات التي فرضتها روسيا بحيث كان هذا الفيلق بمثابة المنقذ، ولو مؤقتاً، ناهيك عن أنه مصدر للرزق.

يُغذي هذا الصراع رؤى سياسية مختلفة، حيث تقوم رؤية روسيا على أنها لاعب مهم في المعركة ضد "الإرهاب" ويحق لها أن تكون شريكاً في تقرير مصير النظام الدولي، وبالتالي صانعة للسلام من خلال مسارات آستانا وسوتشي الموازية لمحادثات جنيف، والتي تطمح في أن تكون بديلة لها في النهاية كأمر واقع، مما يجعلها أحد المقررين لنهاية التصارع على سوريا، ناهيك عن خلق امتيازات وقواعد طويلة الأجل في مياه المتوسط.

مع خمود المعارك في تلك المنطقة من أواسط عام 2018، دخلت سوريا "المفيدة" مرحلة جديدة، مرحلة من الصراع بين تلك الميليشيات ومن خلفها القوى الراعية، وهو الميدان الذي من خلاله سيتقرر مصير سوريا المفيدة.

تشارك روسيا مع إسرائيل في صراعها مع إيران، وما تظهره من غض طرف (إن لم يكن اتفاقًا) عن الضربات الإسرائيلية لمواقع إيران والميليشيات التابعة لها في سوريا يظهر تماماً عدم ممانعتها بهذا الدور لإضعاف النفوذ الإيراني، ومن خلال هذا الموقف تطلب الود الأميركي كشريك غير مباشر في محاربة النفوذ الإيراني، وهو الموقف الذي يفتح أمامها الباب، لبناء علاقات تجارية وسياسية مع دول الخليج المتخوفة دائماً من إيران وطموحاتها.

أمام تلك التصورات الروسية، تبرز رؤية إيران التي تتمثل في المحافظة على نفوذها في سوريا، وضمان إمداد عميلها حزب الله في لبنان، من خلال سعيها الحثيث لتأمين الطريق البري الواصل بين طهران ودمشق مروراً ببغداد، تحت غطاء زائف من التبريرات في محور "المقاومة".

تدرك إيران جيداً أن تجربتها في لبنان أولاً ومن ثم في العراق غيرُ قابلة للتطبيق، لسبب بسيط هو أن نسبة الشيعة -وهم القاعدة التي اعتمدت عليها في البلدين- غير متوفرة في سوريا (نسبة الشيعة حوالي 1 في المئة) مما يجعلها تدافع بشراسة عن الميليشيات المحلية والأجنبية التي استجلبتها لسوريا، ومحاولة إدماجها في هياكل ما تبقى من تشكيلات جيش النظام، وبخاصة الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، فضلاً عن توغلها في الأجهزة الأمنية، بحيث يحفظ لها ذلك وجوداً مباشراً وسط المطالبات الدولية بإخراج الميليشيات الأجنبية من سوريا.

يتضح صراع القوتين (روسيا وإيران) من خلال تعاملهما مع الأسد كشخصية ظرفية مؤقتة، ومن خلال جلبه لكلا البلدين بشكل مذل ومهين، وذلك لإضفاء "شرعية"، على عملية تقاسم النفوذ والجغرافيا والثروة، بدءاً من مناجم الفوسفات ومعامل الأسمدة، وصولاً إلى المطارات والمرافئ البحرية، فضلاً عن القواعد العسكرية المباشرة. وتستغل روسيا في ذلك أنها وقواتها المرتزقة أتت بطلب رسمي من سلطة الأسد "الشرعية"، بينما لا تتمتع الميليشيات التي أسستها إيران بمثل هذه الشرعية التي تسعى إيران لإضفاء الطابع الشرعي عليها، من خلال محاولة دمجها في تشكيلات جيش النظام.

والأمر الذي يعطي أفضلية لروسيا في هذا الصراع الذي تلوح علاماته في الأفق هو التوافق إلى حد بعيد مع التوجه الإسرائيلي في الحد من النفوذ الإيراني، وصولاً إلى إخراجها من سوريا، كما يلاقي موقفها تقاطعاً وترحيباً من الإدارة الأميركية التي صنفت الحرس الثوري منظمة إرهابية، وفرضت حظراً على صادرات النفط الإيراني -المورد الأساسي لإيران- مما يضعف إمكانية إيران في الصمود أمام كل هذه الضغوطات. فهل ستشهد المرحلة المقبلة سقوط المشروع الإيراني وأدواته الإجرامية: الميليشيات الطائفية، نتيجة للصراع مع شريكه في الاحتلال من جهة، والمواقف الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى؟

===========================

تحوّلات وتغيرات ضخمة تنتظر الشام

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الخميس 2/5/2019

إصرار الربيع العربي على بلوغ هدفه مع اشتداد وطأة الثورة المضادة وداعميها الإقليميين والدوليين، يؤكد للمرة الألف أن المعركة مصيرية، وهي معركة على روح الشرق وعقله، ولذا فإن الاستبداد الداخلي والخارجي يبذل كل ما بوسعه، ويضع كل مخزونه المالي ورصيده المعنوي من أجل هذه المعركة المصيرية التي ستطيح به كون الاستبداد بعضه أولياء بعض، ولكن ما يجري اليوم من تحولات وتغيرات دولية إن كان على مستوى الصراع الروسي- الأميركي فيما يتعلق بأدواتهما على الأرض السورية، أو ما يجري من صراع روسي- إيراني تمثل في صراعات دموية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق وبلدات سورية عدة، وفوق هذا الصراع بين أجنحة النظام السوري الموالي بعضها لموسكو والآخر الموالي لطهران، فضلاً عما قيل عن تحضيرات إسرائيلية على جنوب لبنان كل هذا يؤشر إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة، الرابح فيها من يحسن التقاط الفرصة التاريخية من أجل تعظيم منافعه وجوامعه، وتقليص خسائره.

كل هذه التحولات والتغيرات الإقليمية والدولية التي تعتمل اليوم بعد فرض العقوبات الأميركية على الحرس الثوري الإيراني، انعكست بشكل مباشر وسريع على النظام السوري، فقد بدأت أجنحة النظام السوري بالابتعاد أكثر عن الحليف الإيراني والاقتراب أكثر من الحليف الروسي، بينما آثر البعض، وفقاً لمصادر المعارضة السورية، الاقتراب من الغرب، حيث تواصل عدد من الضباط الكبار العلويين مع الغرب من أجل تأمين انشقاقهم، ولكن يبدو أن الغربي آثر إبقاءهم في مواقعهم من أجل ساعة صفر ربما يعد ويحضر لها، وقد ترجمت مثل هذه الصدامات على الأرض بأزمة معيشية قاتلة للحاضنة، التي ترى إيران وروسيا منشغلين بإرغام النظام على دفع ما بقي من سوريا، ثمناً لوقوفهم إلى جانبه ضد الثورة السورية، فكان تسليم الروسي والإيراني مطار دمشق وميناء طرطوس واللاذقية، بالإضافة إلى مناجم الفوسفات والغاز في تدمر، أما الحاضنة الاجتماعية للنظام فتئن تحت وطأة الافتقار إلى مادتي الوقود والغاز وغيرهما.

لم يعد هناك نظام سوري، ولم نعد نسمع تصريحات لوزير الخارجية السوري وليد المعلم، تماماً كما اختفى وزراء الداخلية والدفاع وغيرهما، وإنما ما نسمعه اليوم هو تصريحات لوزير الخارجية والدفاع الروسيين وحتى الرئيس بوتن أدلى بتصريح يعلن فيه أن المعارضة السورية أعلنت أن النظام السوري انتصر في معركته الأخيرة، وهو ما يناقض تماماً ما أعلنه وزير دفاعه قبل يومين بأنه لولا التدخل الروسي لكان سقط النظام السوري، الذي لم يكن يسيطر سوى على 10 % من الأرض السورية عشية تدخلهم، لكن اللافت أن بوتن اليوم لم يعد يقدم نفسه محامياً عن النظام فقط وناقلاً لأخباره، وإنما يريد أن يلعب الدور نفسه عن المعارضة التي ردت عليه ورفضت كلامه وتصريحاته.

هنا تبرز اجتماعات الأستانة الأخيرة، والتي تم تسريب معلومات عن دوريات روسية ـ تركية مشتركة في الشمال المحرر، وذلك بحجة وقف قصف النظام السوري والميليشيات الطائفية على المدنيين، ومثل هذه التسريبات خطيرة بحق الحليف التركي، أكثر مما هي خطيرة بحق الثورة والثوار، فحتى إن توقف القصف على المحرر فسينظر أهالي الشمال أن من أوقف القصف هو الدوريات الروسية، وليس التركية التي لم تُوقف القصف لعام كامل من وجودها في الشمال، هذا إن سلمنا جدلاً بأن الشعب سيقبل بتسيير الدوريات المشتركة، والتي توحي المؤشرات الأولية بأن هذا سيدفع إلى تفجير الموقف من جديد، إذ إن الشعب الذي قدم عشرات الآلاف من الشهداء بسبب القصف الروسي والعصابات الطائفية لن يستقبلهم بالورود والرياحين، وهنا قد يتم دق إسفين لا سمح الله في حال حصوله مع الحليف التركي، لكن بالمقابل التغيرات والتحولات الدولية الضخمة ستدفع بالقوى هذه

إلى الانشغال ببعضها، ومن المفترض أن تدفع الفصائل إلى التحضير لمرحلة قد تكون فرصة لا تتكرر للثورة والشام.

===========================

حلب.. قصة مدينتين ..

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 1/5/2019

ما شهدته مدينة حلب من انقسام إلى شطرين خلال سنوات الحصار لم تعشه مدينة سوريا أخرى خلال الثورة، لقد انقسمت المدينة إلى شرق وغرب أشبه ببرلين خلال سنوات الحرب الباردة أو نيقوسيا في قبرص، حلب كانت عاصمة الشمال وأصبحت رمزاً للحرب السورية ولوحشية نظام الأسد وهمجيته.

لقد شهدت مدينة حلب في الفترة بين عامي 2012 و2016 ً قتالا ً كثيفا على مدى أربع سنوات بين الحكومة السورية وجماعات المعارضة المسلحة، انقسمت المدينة خلاله إلى شطرين: الشطر الشرقي وكانت تسيطر عليه جماعات المعارضة المسلحة، والشطر الغربي وكان تحت سيطرة الحكومة. وفي 7 يوليو/تموز 2016، بدأت الحكومة السورية محاصرة الشطر الشرقي من مدينة حلب، بما فيه من مدنيين ُقِّدَر عددهم بما بين 250000 و275000 شخص، غالبيتهم العظمى مدنيون، وتقييد حصولهم على الغذاء، والدواء، وغيرهما من الإمدادات الضرورية. قدر ما فرضت القوى المعارضة حصارًا اقتصاديًا محكمًا على القسم الغربي في مدينة حلب للحيلولة دون تسرب المواد الغذائية والطبية المتوفرة لديها إليها.

وقد دفع تدهور الظروف الإنسانية والقصف الشديد جماعات المعارضة المسلحة إلى الخضوع في نهاية الأمر والتفاوض مع النظام، وبدأت المفاوضات، في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2016ِ وأجرَيت عن بعد بين حركة أحرار الشام الإسلامية وممثل عن روسيا. وفي 13 ديسمبر/كانون الأول، جرى التوصل إلى اتفاق بين الجانبين يتضمن إخلاء جميع مقاتلي الجماعات المسلحة إلى شمال محافظة حلب. ولم تتطلب شروط الاتفاق خروج المدنيين، لكن الغالبية العظمى من السكان الذين كانوا في المنطقة في ذلك الوقت ُوقِّدَر عددهم بقرابة 37000 شخص، اختاروا النزوح بسبب الأهوال التي تعرضوا لها في الأشهر السابقة، فضلا عن التشكيك في وعود الحكومة بضمان سلامتهم. وهو ما ركز الأنظار على استراتيجية الأسد في عمليات التهجير القسري بوصفها جرائم حرب لأنها تتم ضد رغبة السكان المدنيين وإرادتهم.

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن تجنب استخدام تعبير "التهجير القسري " forced displacement وفضل استخدام مصطلح الإخلاء أو الإجلاء “Evacuation” وذلك تحت تأثير ضغوط روسية، حيث أشار القرار 2382 إلى المطالبة بالرفع الفوري عن الحصار عن المناطق المأهولة بالسكان وعبر عن جزعه من " استمرار تدهور الحالة الإنسانية المؤلمة في حلب ومن أن عددا كبيراً من سكان حلب قد أصبحوا

التعريف القانوني لما حدث في حلب هو التهجير القسري فهذه الجريمة تعدُّ راسخة بموجب القانون الدولي

حاليا بحاجة إلى عمليات الإجلاء وتقديم المساعدة الإنسانية على وجه الاستعجال"، ، وطالب بأن تتوقف الأطراف عن حرمان المدنيين من الأغذية والأدوية الأساسية، وتمكين منظمات الإغاثة من "الإجلاء السريع والآمن ومن دون عوائق لجميع المدنيين الذين يرغبون في المغادرة"، لكن التعريف القانوني لما حدث في حلب هو التهجير القسري فهذه الجريمة تعدُّ راسخة بموجب القانون الدولي. "إذا تم إخبار المدنيين بأنهم يجب أن يغادروا أو أنهم يخاطرون بتعرضهم للاستهداف من قبل القوات العسكرية، فإن ذلك يعد بمثابة تهجير قسري"، كما أن "القوة" في النقل القسري لا تقتصر على القوة البدنية. إذ إنه يشمل تهديدات بالقوة أو الإكراه، أو الخوف من العنف أو الإكراه".

تميزت حملة الأسد في شرق حلب بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفي النهاية أجبر النظام بدعم من روسيا الفصائل المسلحة على "إخلاء" شرق حلب. بما حولها إلى حالة خراب بالمعنى الحقيقي للكلمة. فقد جرى تطهير حلب الشرقية من غالبية من تبقى من سكانها، حيث قامت القوات الموالية للنظام بقصف حلب الشرقية لمدة أربع سنوات، وبادلتها القوات المعارضة باستهداف قصف الأحياء الطرفية في المدينة وبلغت ذروتها في الحصار الوحشي. وإثر حصار قاس استمر نحو سنة كاملة أجبرت الجماعات المسلحة المتبقية على توقيع اتفاق "إجلاء" كما اعتادت القوات الحكومية والروسية وصفه بل جرى استخدامه في قرار مجلس الأمن 2328 المخصص عن حلب، نتج عنه تهجير كل السكان لقد جرى تطهير شرق حلب بشكل كامل من سكانها في عملية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

ففي 5 ديسمبر / كانون الأول 2016، قُدم قرار من مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف إطلاق النار لمدة سبعة أيام في شرق حلب من قبل نيوزيلندا وإسبانيا ومصر، لكن روسيا والصين عارضته. وكمقترح مضاد، في 6 ديسمبر / كانون الأول 2016، عرضت جماعات المعارضة المسلحة في شرق حلب صفقة من ثلاث نقاط

كانت قوات الحكومة السورية المشكلة بشكل رئيسي من ميليشيات لبنانية كحزب الله وميليشيات عراقية وقوات الحرس الثوري الإيراني

تدعو إلى هدنة إنسانية لمدة خمسة أيام، والإخلاء الطبي لخمسمئة شخص، وإجلاء المدنيين إلى ريف حلب الشمالي، وكذلك "إطلاق مفاوضات بين الفاعلين المعنيين بشأن مستقبل حلب". لكن الحكومة السورية رفضت أي عرض تحت ضغوط روسية وبحلول السابع من كانون الأول (ديسمبر)، كانت قوات الحكومة السورية المشكلة بشكل رئيسي من ميليشيات لبنانية كحزب الله وميليشيات عراقية وقوات الحرس الثوري الإيراني تسيطر على حوالي 75 في المئة من المنطقة التي كانت تحت سيطرة المعارضة. في اليوم التالي، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري برحلة محفوفة بالمخاطر إلى مستشفى دار الصفاء، في البلدة القديمة، لإنقاذ 150 شخصًا عالقين في القتال. كانوا يحتمون فيما كان في الأصل منزلاً لكبار السن، ولكنه توسع لرعاية المرضى الذين يعانون من احتياجات الصحة العقلية أو الإعاقات الجسدية كذلك. كما كان هناك عشرات من المدنيين يحتمون هناك.

بلغت التقديرات النهائية للجنة الدولية للصليب الأحمر في 23 ديسمبر/ كانون الأول أن حوالي 34،000 شخص قد غادروا شرق حلب. اكتمل "الإخلاء". وذكرت منظمة الصحة العالمية أنه "في المجموع، تم تحويل 811 مريضا إلى مستشفيات في غرب حلب وإدلب، بما في ذلك 100 امرأة و150 طفلا تقريبا. ومن بين هؤلاء، تم نقل ما يقرب من 100 مريض يحتاجون إلى رعاية متخصصة إلى مستشفيات في تركيا. تم إحالة المرضى الآخرين إلى 8 مستشفيات في ريف حلب الغربي وإدلب. وذكر الدكتور ديفيد نوت، الذي عالج بعض الأشخاص الذين تم إجلاؤهم في إدلب: "بدا كأنهم يخرجون من معسكر اعتقال. ليسوا مصابين فقط ولكنهم يعانون من الجفاف وسوء التغذية والصدمات النفسية". وقد تم تقسيم أولئك الذين تم إجلاؤهم بين ريف حلب الغربي، جبرين، غرب مدينة حلب الذي ما زالت الحكومة السورية تسيطر عليه.

===========================

أنا السوري.. حبيب الله المختار

حسان الأسود

سوريا تي في

الاربعاء 1/5/2019

يطرحُ سؤالُ الأنا نفسه على كلّ إنسان بلا شك، وتحدّدُ الإجابةَ عليه ظروفُ الشخص ذاته ومجملُ ما يتمتّع به من خصائص ومعارف ومؤهلات وقدرات من جهة، وظروفٌ أخرى موضوعيّة لا علاقة له بها من جهة ثانية، تندرجُ ضمنها ظروفُ محيطهِ الأسروي وبيئته الاجتماعيّة وظروفُ الحياة العامّة التي يعيشها بتعقيداتها السياسية والاقتصادية، كما تشكّلُ خلفيّةً بعيدة لها ظروفُ الثقافة التاريخيّة التي نشأ مجتمعُه بها والسياقُ العام لتطوّره.

كذلك يطرحُ سؤالُ الأنا نفسه على الشعوب والجماعات البشريّة، فقد كان سؤالُ الهويّة موجوداً منذ القدم قبل ظهور ونشوء فكرة القوميّة بكثير، لكنّ بلورة الإجابة عليه لم تأخذ شكلها شبه المكتمل إلّا مع بدايات نشوء وتشكّل الدول على أسس قومية ووطنية.

أثّرت حالة الاستبداد التي رزح تحتها السوريّون بشكل متزايد منذ انقلاب العسكر في 8 آذار 1963 واحتكارهم للسلطة بشكل نهائي على الهويّة الوطنيّة لهذا الشعب

الحقيقة أنّ كل جماعة أو شعب له خصائص تختلف عن غيره من باقي الشعوب، تتقارب من غيرها كلّما كان هناك عوامل مشتركة أكثر مثل الحيّز الجغرافي والدين والعلاقات الاجتماعية واللغة والعرق إضافة إلىغيرها من العوامل المختلفة، وتتباعدُ عن غيرها كلّما قلّت هذه المشتركات بينها. ويوجد غالباً مميزات خاصّة لمجموعات مختلفة من أبناء الشعب الواحد تزيد أو تنقص، تقرّبها من غير مجموعات أو تبعدها عنها بالقدر الذي تتأثّر به بتلك الظروف والمعطيات.

لا تشذّ الحالة السوريّة عن غيرها من الحالات، ومن الواضح جدّاً أن للشعب السوري خصوصيّة تعدّدية كبيرة من حيث الأديان والمذاهب والطوائف والقوميات والأعراق التي تشكّله، بما في ذلك من تواريخ وأحداث سياسية وسمت العلاقة بين مكوناته خلال مراحل كثيرة حديثة وأخرى موغلة في القدم، ويمكن مقارنة الواقع السوري بالواقعين اللبناني والعراقي من حيث هذه التعدّدية.

لم يتمكّن السوريّون من بناء دولة مواطنة بالمعنى الحديث للكلمة ابداً، فقد كانت سوريا منذ نهايات العصر العثماني وحتى الاستقلال الأول عن الانتداب الفرنسي في حالة اضطراب وعدم استقرار سياسي، وهو الشرط الأساس لبناء أسس الدولة وأسس المواطنة، وكانت فترة الاستقلال الأولى التي سبقت انقلاب البعث متقطّعة غير مكتملة التشكيل، وتخللتها عدّة انقلابات عسكرية أيضاً. أثّر هذا كلّه على بناء المجتمع وعلى تكوين الإنسان ذاته. لم يخرج السوريّون من عصور العبوديّة للحاكم الفرد أو للسلطّة الاستبداديّة سوى شذرات من الزمن لا يمكن البناء عليها ولا أخذها في الحسبان والاعتبار أبداً.

أثّرت حالة الاستبداد التي رزح تحتها السوريّون بشكل متزايد منذ انقلاب العسكر في 8 آذار 1963 واحتكارهم للسلطة بشكل نهائي على الهويّة الوطنيّة لهذا الشعب، لقد بات من غير الممكن – مع تزايد حدّة احتكار السلطة وتدخّل النظام المخابراتي في حياة الناس وحلوله محل الدولة وأجهزتها – تعريف الهويّة الوطنيّة السوريّة بشكل واضح ودقيق وجليّ لأسباب كثيرة ومتعدّدة، لكنّ الأهم والأخطر بينها كان حالة الجهل المعمّم التي طبعت علاقة مكونات الشعب بعضها بالبعض الآخر.

لقد كان من ضرورات إحكام سيطرة العسكر ابتداءً، ومن ضرورات منع أي شكل من أشكال المقاومة لسيطرة العائلة الأسديّة واستئثارها بالسلطة لاحقاً، أن يتمّ تهشيم المجتمع السوري وتفتيته على أسس قوميّة ودينيّة وطائفية ومذهبيّة ومناطقيّة.

تحت شعار القوميّة العربيّة تمّ تهميش بقيّة القوميّات من كرديّة وتركمانيّة وشركسية وآشوريّة وسريانيّة وأرمنيّة وشيشانيّة على المستوى الداخلي، بينما تمّ تسميم علاقات العرب السوريين مع أشقائهم في الدول العربيّة المجاورة واستبدالها بعلاقات مميّزة ومواقف سياسيّة منحازة لإيران الملالي، وتمّ تحطيم ما تبقّى من فكرة الأمّة العربيّة ذاتها.

 وتحت شعار الوطنيّة تمّ تسليم الجولان لإسرائيل، وتمّ التنازل عن لواء اسكندرون وغيره من أراضي سوريا التاريخيّة لتركيا، كما تمّ أخيراً استجلاب الاحتلالات المتعدّة لجيوش الدول والميليشيات والجماعات الإرهابيّة الأخرى بشكل أخرق حطّم ما تبقّى من هذا الوطن والكيان السوري.

تحت شعار الاشتراكيّة تمّ نهب الاقتصاد الوطني واحتكار عائدات النفط بيد حافظ الأسد وأبنائه من بعده، كما تمّ الاستيلاء على القطاع العام وعلى ملكية الدولة من خلال عمليّات الفساد المنظّم التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث إلّا في العراق ولبنان أيضاً، وتمّ بعد ذلك الاستيلاء على القطّاع الخاص من خلال مشاركة الصناعيين والتجّار أولاً ثم من خلال ابتلاع جميع قطاعات الاقتصاد السوري بما فيها القطّاعات الخدميّة والوظائف العامّة.

من خلال شعار الحريّة تمّ الزجّ بالسوريات والسوريّين في قبور ومسالخ اسمها معتقلات، وتم الإجهاز على كل أشكال الحراك المجتمعي المدني والأهلي، ولم يُسمح بأي نشاط كان إلا من خلال قنوات أمنيّة مضبوطة مسبقاً. لقد ضاق فضاء الحريّة في سوريا وتقلّص ليصبح فقط على مقاس المزايدين في مديح الديكتاتور وتعظيم سلطانه وتأبيد حكمه.

لإحكام سيطرة حافظ الأسد على السلطة كان لا بدّ من منع السوريين من معرفة بعضهم، فكان أن تمّ إقصاء ثقافة الانفتاح المجتمعي وإحلال ثقافة إنكار الآخر والخوف منه. فتحت عنوان عدم إثارة النعرات الطائفيّة كان يتمّ تغذية الحقد الطائفي بين السوريين من خلال سياسة ممنهجة تبدّت أشكالها الواضحة والجليّة بتطييف أو -علونة – الدولة والمجتمع. لقد عاش السوريّون بشكل فاقع تحت إرهاب الدولة المخابراتيّة المنظّم خاصّة منذ أحداث ثمانينيات القرن الماضي ومنذ أن استطاع حافظ الأسد قمع المجتمع بأكمله تحت ستار قمع تنظيم الإخوان المسلمين.

تحت شعار القوميّة العربيّة تمّ تهميش بقيّة القوميّات من كرديّة وتركمانيّة وشركسية وآشوريّة وسريانيّة وأرمنيّة وشيشانيّة على المستوى الداخلي

تجلّت مظاهر – تطييف / علونة - الدولة والمجتمع بحشر الطائفة العلويّة في خيار شبه وحيد تمثّل في الانخراط في صفوف الجيش وأجهزة المخابرات ووظائف الدولة حصراً، بحيث باتت الدولة بالنسبة لهم هي النظام الأسدي وبات الخروج على النظام خروجاً على الدولة وبالتالي خروجاً على الطائفة، وبالتالي هو تهديد وجوديّ حقيقي لهم.

بات استعمال اللهجة العلويّة أحد أسلحة تحطيم المجتمع، وبات نشر ثقافة التشبيح والقفز فوق القانون أحد سمات الحياة الأساسية في سوريا الأسد. كان من الطبيعي أن يتمّ إلغاء مهرجانات بصرى الشام ومعرض دمشق الدولي مثلاً لإحياء مهرجان المحبّة والسلام في الساحل الذي تحوّل اسمه إلى مهرجان الباسل بعد استشهاد الأخير في عملّية نوعيّة ضدّ الصهاينة على طريق مطار دمشق الدولي. كان من الضروري أن يتمّ إغراق السوق بالفنّ والغناء الجبلي - خاصّة الجزء الهابط منه -على حساب فلكلور وتراث بقيّة المناطق السوريّة من تراث الجزيرة وحوران وجبل العرب إلى أكثرها غنى وعمقاً التراث الشامي والحلبي.

لم يكن هذا النهج والسلوك لمحبّة بالعلويين، ففقراؤهم كانوا وما زالوا وقوداً في محرقة الأسدين وبطانتهما من كبار الضبّاط واللصوص. لقد كان الشريك الاقتصادي الأكبر لهذه العصابة الحاكمة من طبقة التجّار والصناعيين المنحدرين أساساً من الأكثريّة العدديّة السنيّة ومن باقي الأديان والطوائف بنسب متفاوتة. كذلك كان الغطاء الأكثر نجاعة لهذا الاستيلاء على السلطة، غطاء الدين الإسلامي الذي تمثّل بمشايخ السلطان وغطاء الدين المسيحي الذي تمثّل برجال الكنيسة بتقسيماتها المعروفة في سوريا.

في ظلّ هذه الأجواء الموبوءة، استمرّ المجتمعُ السوري وأفراده بالتدرّج هبوطاً في سلّم القيم حتى الدرك الأسفل الذي وصلناه الآن.

لم يعد بشّار الأسد ظاهرة فرديّة، ولم يعد نظام القمع والفساد حالة استثنائيّة طارئة على المجتمع والأفراد، بل باتت الأسديّة فكراً ونهجاً وممارسة، باتت حالة واقعيّة وسائدة في كلّ مناحي حياتنا. من أصغر فرد في أصغر موقع في أيّة بقعة في سوريا أو العالم، إلى أكبر كيان سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي حتى. لم يعد بمقدورنا أن نفصل ال (أنا) عن ال (نحن)، بل بات كلّ منّا يرى أنّه هو نفسه الوطن والدولة والسلطة والنظام والمعارضة والثورة والفكر والمعرفة .... وكلّ شيء على الإطلاق.

 لم يعد للتواضع من مكان بيننا، وهذا أحد أسباب ذهابنا إلى أقصى درجات نفي الآخر. لقد كان فجورنا على بعضنا في الحرب أكثر قساوة من فجور الغرباء علينا. يجب ألّا نعلّق أخطاءنا وجرائمنا بحقّ أنفسنا وبحق وطننا وبحق بعضنا البعض على مشجب الآخرين. لقد كان فينا من الجهل وعدم معرفة أنفسنا ما يكفي لأن نقتل بعضنا البعض والابتسامة لا تغادرُ محيّانا.

لم يترك النظام – بشقيّه الأسدي والمعارض له – أية فرصّة للبديل الصحيّ الجميل والأنيق والنابع من ذخيرة عميقة من القيم الإنسانيّة والتقاليد المجتمعيّة العريقة بالتطوّر والنمو. لقد أطلق الأسد من سجونه عُتلاء المجرمين والمتطرّفين، وقتل واعتقل وشرّد بذرة التغيير التي تمثّلت بصبايا وشباب الحراك الثوري المدني السلمي، ومن لم يقدر عليهم الأسد ومخابراته، تولّتهم سياط أمراء الحرب وإرهابيّو التنظيمات المتطرّفة من داعش والنصرة وغيرها ممن تلطّى تحت مسمّيات وشعارات دينية. من لم تقدر على تخريبه وتفتيته البدلة المموّهة والياقات البيض وربطات العنق والملابس المكويّة، تولّته اللحى والعباءات والشراويل الأفغانيّة والأقنعة.

هكذا بات كلّ سوريّ أنا متضخّمة لا تحملها أرضٌ ولا تتسع لها سماء، بات كلّ واحد منّا حبيب الله المختار ومخلّص البشرية وفادي آلام الإنسانيّة في طريق الجلجلة وعلى الصراط المستقيم.

لقد آن لنا أن نتواضع قليلاً، وأن نبدأ رحلة البحث عن الذات خارج إطار الأساطير والخرافات والتعصّب والعنصريّة، آن لنا أن نتحرر من كل الهواجس وأن نبدأ بمعرفة أنفسنا وذواتنا لنعرف بعضنا البعض ثم الآخر المختلف عنّا، آن لنا أن نترك القاع وأن نعتلي القمم.

===========================


من سيبني سوريا؟

سوسن جميل حسن

سوريا تي في

الاربعاء 1/5/2019

الشعوب غير الأفراد، لكل فرد عمر معين يعيشه يبدأ صغيرًا يكبر ينمو ينجز يشيخ ثم يموت فيما لو عاش بشكل طبيعي بحسب قوانين الطبيعة وقوانينه البيولوجية والفيزيولوجية، بينما الشعوب بطبيعتها إذا ما بقيت حية، أن تمشي دائمًا إلى الأمام، وأن تكون دائمًا قادرة على تطوير نفسها، والشعوب التي لا تسعى في هذا المجال، ولا تستطيع أن تنتج المعرفة وأن تبني نفسها بخبرات أفرادها فإنها تنتهي.

 في مقالين نشرهما ماركس عام 1844 بعنوان "في نقد فلسفة الحقوق عند هيغل" منح دوراً حاسماً للبروليتاريا في إقامة الثورة الاجتماعية، قبل إصداره مع أنجلز البيان الشيوعي في العام 1848 الذي وردت فيه العبارة التي صارت بحد ذاتها شعارًا عالميًا: "أيها البروليتاريون في جميع البلدان اتحدوا" لكننا رددناها على مرّ أجيال في بلداننا العربية كتعويذة تقول: "يا عمال العالم اتحدوا".

طريق النضال كان طويلاً أمام الطبقات الكادحة التي كانت واقعة تحت استغلال أرباب العمل

في أثناء إضراب قام به العمال في شيكاغو في عام 1886 فتحت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عددًا منهم، وإذ ألقيت قنبلة على الشرطة قتلت عددًا منهم وجرحت آخرين اعتقلت السلطات عددًا من قادة المظاهرات ونفذت الإعدام بأربعة منهم، كتب أوجست سبايز أحد العمال المحكوم عليهم بالإعدام خطابا لابنه الصغير جيم قبل أن يُعدم قرأته زوجته: "ولدي الصغير، عندما تكبر وتصبح شابًا وتحقق أمنية عمري ستعرف لماذا أموت. ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أنني بريء. وأموت من أجل قضية شريفة ولهذا لا أخاف الموت وعندما تكبر ستفخر بأبيك وتحكي قصته لأصدقائك" لتُظهر الحقيقة لاحقًا بأن من رمى القنبلة كان أحد عناصر الشرطة أنفسهم. إذًا طريق النضال كان طويلاً أمام الطبقات الكادحة التي كانت واقعة تحت استغلال أرباب العمل ودفعت أثمانه باهظة، لكن في النهاية أثمرت النضالات في شتى أنحاء العالم لتنتج قوانين تنظم العلاقات وتضمن الحقوق، وهذا لا يعني أن الوضع صار مثاليًا، لكنه أنجز خطوات متقدمة في هذا الطريق.

يعتبر الأول من مايو/ أيار احتفالاً دولياً للإنجازات الاجتماعية والاقتصادية للحركة العمالية التي انطلقت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى أن حصل العمال على مطالبهم التي كانت تتلخص حينها بجعل يوم العمل ثماني ساعات بشكل أساسي، ثم مع استمرار النضال وتبلور مفاهيم ووضع أسس حقوق الإنسان صارت هناك قوانين ونواظم تضبط العلاقة بين العمال والجهات التي تستخدمهم.

وكانت سوريا، وما زالت، تحتفل بهذا العيد، إنما على طريقة القيادة "الحكيمة"، وعلى وجه الخصوص كون الشعار الذي يقول إن "اليد العليا هي المنتجة في دولة البعث" يجب أن يُترجم عمليًا، فكان العمل الطوعي لازمة لا بد منها كل عام في عيد العمال الذي يعتبر في كل أنحاء العالم عطلة رسمية مرصودة للاحتفال الحقيقي، كل على طريقته فهو يوم إجازة يقضيه الفرد بالشكل الذي يحلو له، أو للقيام بنشاطات معينة كالمظاهرات يعبر فيها المتظاهرون عن موقفهم تجاه قضية ما، أما في سوريا فلقد كان يومًا للإنتاج وتنازلاً عن حق العمال في العطلة "طوعًا" كي يهدوا هذه التضحية النبيلة للحزب المجيد والقائد الخالد، في الوقت الذي كانت أوضاع الطبقة العاملة، بل أوضاع غالبية السوريين تنحدر نحو مستويات معيشية أدنى ويخسرون حقوقهم بالتدريج في ظل الفساد الإداري والحكومي المتنامي باضطراد، وفي ظل القمع وكم الأفواه وكتم النفس. وكانت تقام المهرجانات الخطابية التي يحضرها الرفاق الحزبيون بمناصبهم القيادية ومسؤولو الاتحادات والنقابات وغالبية رموز النظام وتُنقل هذه الأعراس الوطنية على الشاشات لتدخل البهجة إلى نفوس الشعب المكافح.

لم تكن مشاكل الطبقة العاملة ناجمة عن تخلف القوانين والأنظمة المتعلقة بها مباشرة أو بالمجال العام وإدارة الدولة بالدرجة الأولى، فلقد ضمنت القوانين نظريًا حدًا لا بأس به من الحقوق وكانت تستبطن هدفًا نظريًا أيضًا هو توجيه التنمية بما يخدم الدولة والمجتمع، لكن المشكلة الأساسية وأم المشاكل تتلخص بعنوانين كبيرين متلازمين تندرج تحتهما كل العناوين الأخرى التي ترسم صورة المشهد السوري خلال العقود الخمسة الماضية، الاستبداد والفساد.

السؤال الجوهري هو: من سيبني سوريا؟

وعندما انتفض الشعب مطالبًا بحقوقه المهدورة وكرامته المنتهكة قوبل بالعنف المتصاعد حتى ولّد عنفًا مقابله ودمرت البلاد وقتل العباد، وعلى طول هذه السنوات الدامية فرغت سوريا من طاقاتها الكامنة خاصة الشبابية منها، الخامات التي تدخرها الأمم لمستقبلها دائمًا فتعدّها الإعداد الصحيح. من كان عمرهم عند انطلاق الحراك عشر سنوات صاروا اليوم بعمر الإبداع والابتكار والإنتاج، أين هم اليوم؟ إما قضوا في ساحات الحرب أو هجروا أو ماتوا تحت التعذيب أو ينتظرون مستقبلاً يتربص بهم لا مفر منه، حمل السلاح. من ولد مع بداية الحرب أو كان في طفولته الأولى عاش في زمن الحرمان من أبسط حقوقه، حتى فرص التعليم والتأهيل لأي مهنة مستقلة حرم منها، جيل ينمو ويكبر على وقع الحرب في الشوارع وينام كثير منه في الحدائق، تتلقفه أيدي الجريمة المنظمة التي تستهدف ما بقي من أركان المجتمع لم يتداعَ بعد. ومن سلم من هذه الاحتمالات وكان عليه أن يجد عملاً يأكل منه أو يطعم أطفاله فيما لو كان بعمر الزواج فليس أمامه إلا العمل أجيرًا عند أرباب تجارة الحرب، التجارة التي راكمت أموالاً تستثمر في العقارات والسلع والاستهلاك، أو تجارة الممنوعات والتهريب والحشيش والمخدرات والسلاح، أو تجارة السوق السوداء. معظم معامل سوريا دمرت أو هُجرت إلى أماكن أكثر أمانًا، معظم الحرف في سوريا غابت عن الساحة ورجع الناس إلى أدوات الاقتصاد البديل بأشكاله البدائية ليدعموا الحياة كي لا تنهار، لم يعد في سوريا أيدٍ ماهرة، ولا حرفيون بارعون، ولا مبتكرون ولا عمال مؤهلون للبناء، لذلك في هذه المناسبة لا بد من طرح أسئلة جدية عن سوريا المستقبل، بأي شكل جاءت، موحدة أم فيدرالية أم مقسمة لا فرق، لأن القرار لم يعد بأيدي أبنائها، السؤال الجوهري هو: من سيبني سوريا؟

من سيبني سوريا وقد خسرت عمالها؟ كل الدول المساهمة في دمارها تنتظر مرحلة إعادة الإعمار، رؤوس الأموال النهمة تتربص لحظة الانقضاض على هذه الفريسة الدسمة لتتغول فيها من جديد، رؤوس الأموال جاهزة، لكن بأيدي من وبخبرات من وبخيال من سيُعاد بناء سوريا؟ وأين الفرد السوري من معادلة الإعمار، وهل سيكون هو الغاية في هذا المشروع "الأممي" الكبير؟ أم سيتحول السوريون إلى عمال عاديين يؤدون الأعمال البسيطة أو الخدمية في هذا المخطط الضخم الجبار، ثم يتحولون بعد انتهاء البناء إلى غرباء عن الحياة الجديدة في بلادهم، فقراء من جديد لأن ثمن إعادة الإعمار سيدفعه الشعب في المحصلة، فالأموال التي ستستثمر في هذا البازار الضخم لن تقبل بجدوى اقتصادية وهامش ربح لا يحققان طموحها ويشبعان نهمها.

أسئلة كثيرة لا بد أن تُطرح حتى لو قيل إن أوانها لم يحن بعد فالأولوية الآن هي لوضع حل والدخول في عملية سياسية تعيد للسوريين استقرارهم وتؤمن الظروف التي تساعدهم على التخطيط لحياتهم، لكن من منطلق مواجهة المشكلة بفهمها ووضع تصورات باكرة عن حلول ممكنة تصبح الأسئلة أمرًا ضروريًا لا يمكن تأجيله. 

===========================


تحوّلات وتغيرات ضخمة تنتظر الشام

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 1/5/2019

إصرار الربيع العربي على بلوغ هدفه مع اشتداد وطأة الثورة المضادة وداعميها الإقليميين والدوليين، يؤكد للمرة الألف أن المعركة مصيرية، وهي معركة على روح الشرق وعقله، ولذا فإن الاستبداد الداخلي والخارجي يبذل كل ما بوسعه، ويضع كل مخزونه المالي ورصيده المعنوي من أجل هذه المعركة المصيرية التي ستطيح به كون الاستبداد بعضه أولياء بعض، ولكن ما يجري اليوم من تحولات وتغيرات دولية إن كان على مستوى الصراع الروسي- الأميركي فيما يتعلق بأدواتهما على الأرض السورية، أو ما يجري من صراع روسي- إيراني تمثل في صراعات دموية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في مناطق وبلدات سورية عدة، وفوق هذا الصراع بين أجنحة النظام السوري الموالي بعضها لموسكو والآخر الموالي لطهران، فضلاً عما قيل عن تحضيرات إسرائيلية على جنوب لبنان كل هذا يؤشر إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة، الرابح فيها من يحسن التقاط الفرصة التاريخية من أجل تعظيم منافعه وجوامعه، وتقليص خسائره.

كل هذه التحولات والتغيرات الإقليمية والدولية التي تعتمل اليوم بعد فرض العقوبات الأميركية على الحرس الثوري الإيراني، انعكست بشكل مباشر وسريع على النظام السوري، فقد بدأت أجنحة النظام السوري بالابتعاد أكثر عن الحليف الإيراني والاقتراب أكثر من الحليف الروسي، بينما آثر البعض، وفقاً لمصادر المعارضة السورية، الاقتراب من الغرب، حيث تواصل عدد من الضباط الكبار العلويين مع الغرب من أجل تأمين انشقاقهم، ولكن يبدو أن الغربي آثر إبقاءهم في مواقعهم من أجل ساعة صفر ربما يعد ويحضر لها، وقد ترجمت مثل هذه الصدامات على الأرض بأزمة معيشية قاتلة للحاضنة، التي ترى إيران وروسيا منشغلين بإرغام النظام على دفع ما بقي من سوريا، ثمناً لوقوفهم إلى جانبه ضد الثورة السورية، فكان تسليم الروسي والإيراني مطار دمشق وميناء طرطوس واللاذقية، بالإضافة إلى مناجم الفوسفات والغاز في تدمر، أما الحاضنة الاجتماعية للنظام فتئن تحت وطأة الافتقار إلى مادتي الوقود والغاز وغيرهما.

لم يعد هناك نظام سوري، ولم نعد نسمع تصريحات لوزير الخارجية السوري وليد المعلم، تماماً كما اختفى وزراء الداخلية والدفاع وغيرهما، وإنما ما نسمعه اليوم هو تصريحات لوزير الخارجية والدفاع الروسيين وحتى الرئيس بوتن أدلى بتصريح يعلن فيه أن المعارضة السورية أعلنت أن النظام السوري انتصر في معركته الأخيرة، وهو ما يناقض تماماً ما أعلنه وزير دفاعه قبل يومين بأنه لولا التدخل الروسي لكان سقط النظام السوري، الذي لم يكن يسيطر سوى على 10 % من الأرض السورية عشية تدخلهم، لكن اللافت أن بوتن اليوم لم يعد يقدم نفسه محامياً عن النظام فقط وناقلاً لأخباره، وإنما يريد أن يلعب الدور نفسه عن المعارضة التي ردت عليه ورفضت كلامه وتصريحاته.

هنا تبرز اجتماعات الأستانة الأخيرة، والتي تم تسريب معلومات عن دوريات روسية ـ تركية مشتركة في الشمال المحرر، وذلك بحجة وقف قصف النظام السوري والميليشيات الطائفية على المدنيين، ومثل هذه التسريبات خطيرة بحق الحليف التركي، أكثر مما هي خطيرة بحق الثورة والثوار، فحتى إن توقف القصف على المحرر فسينظر أهالي الشمال أن من أوقف القصف هو الدوريات الروسية، وليس التركية التي لم تُوقف القصف لعام كامل من وجودها في الشمال، هذا إن سلمنا جدلاً بأن الشعب سيقبل بتسيير الدوريات المشتركة، والتي توحي المؤشرات الأولية بأن هذا سيدفع إلى تفجير الموقف من جديد، إذ إن الشعب الذي قدم عشرات الآلاف من الشهداء بسبب القصف الروسي والعصابات الطائفية لن يستقبلهم بالورود والرياحين، وهنا قد يتم دق إسفين لا سمح الله في حال حصوله مع الحليف التركي، لكن بالمقابل التغيرات والتحولات الدولية الضخمة ستدفع بالقوى هذه

إلى الانشغال ببعضها، ومن المفترض أن تدفع الفصائل إلى التحضير لمرحلة قد تكون فرصة لا تتكرر للثورة والشام.

===========================

روسيا – إيران.. عض أصابع في سورية

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 1/5/2019

كثر الحديث، في تقارير الصحافيين وتقديرات المحللين السياسيين، عن توجه روسي لإخراج إيران من سورية في ضوء تباينات سياسية وميدانية صريحة برزت في الأشهر الأخيرة، وتصريحات روسية مباشرة عن ضرورة خروج كل القوات الأجنبية من سورية وموافقة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على مناقشة خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، للتسوية النهائية في سورية، والتي تتضمن خروج القوات الإيرانية منها.

هناك قناعة روسية بأن الوجود العسكري الإيراني في سورية مصدر تهديد كبير لمصالحها، وأن هذا الوجود ينعكس سلبا على عملية إعادة الإعمار، إذ لن تسمح الدول العربية والأوروبية، بضغط من الإدارة الأميركية، بانطلاق العملية من دون حل سياسي يخرج إيران من سورية، سيُفقدها الفوز بعوائد اقتصادية كبيرة من العملية. كذلك هناك تنافس محتدم بين روسيا وإيران للفوز بعقود تجارية أو صناعية أو استثمارية كبيرة، خصوصا الفوسفات وميناءي طرطوس واللاذقية، وتأهيل البنى التحتية، وهناك سعي لكل منهما إلى فرض أمر واقع، لتعزيز مواقعه في أي تسويةٍ سياسيةٍ مقبلة، وقلق روسي من ميل رئيس النظام السوري إلى الارتماء في أحضان إيران أكثر فأكثر، وتحفظ روسي صريح على التوجهات السياسية الإيرانية إزاء الحل 

"لا تنوي روسيا العمل على إخراج إيران من سورية، قبل جني المنافع التي تتيحها ورقة "الرجل الشرير"" السياسي، وعلى الانتشار الإيراني الواسع، الحرس الثوري والمليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية، وقوات من جيش النظام، الفرقة الرابعة، موالية لها، على الأرض السورية الذي عكسته مواقف روسية سياسية وميدانية: نقل ملف تشكيل اللجنة الدستورية إلى جنيف؛ ما يعني تدويله وإضعاف الدور الإيراني في صياغة الدستور السوري، والمراهنة على العقوبات الأميركية في إضعاف دور إيران ودفعها للتسليم بالرؤية الروسية للحل، محاصرة الانتشار الإيراني والتضييق عليه، والعمل على إخراج مليشيات شيعية، وقوات سورية موالية من بعض المواقع في محافظات ريف دمشق وحلب وحماة وإدلب ودير الزور (تم إخراجها من مواقع بعد احتكاكات واشتباكات محدودة)؛ رفض شن عملية عسكرية على محافظة إدلب، وعلى مواقع فصائل المعارضة في ريفي حماة وحلب، صمتها على الغارات الإسرائيلية ضد مواقع الحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية في طول الأرض السورية وعرضها، ناهيك عن تحرّك روسيا الدؤوب للحد من نفوذ إيران، وتأثيرها على جيش النظام وأجهزة مخابراته؛ وسعيها المحموم إلى حرمان إيران من تحقيق مكاسب اقتصادية، والاستحواذ على جزء من الكعكة السورية؛ واستثمار قرار واشنطن "تصفير" مبيعات إيران من النفط بزيادة حصتها في سوق النفط، (قدّر خبراء روس تحقيق روسيا عائدا إضافيا من بيع النفط مقداره ستة مليارات دولار في حال نجحت الإدارة الأميركية في "تصفير" مبيعات النفط الإيراني)، والعمل على منع وصولها إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بإقامة ميناء خاص على السواحل السورية، أو التعاقد على إدارة ميناء اللاذقية. لكن، على الرغم من ذلك كله الذي

"روسيا ستحقق عائداً إضافياً من النفط قدره ستة مليارات دولار في حال نجحت الإدارة الأميركية في "تصفير" مبيعات النفط الإيراني" ذكرناه أعلاه، فإن ما يدور لا يهدف إلى إخراج إيران من سورية في المدى المنظور.

صحيحٌ أن روسيا، بعد نجاحها في تدمير القسم الرئيس من قوات المعارضة المسلحة، ودفع المتبقي منها إلى الانضواء تحت جناح تركيا، ما يعني أنها أصبحت تحت السيطرة، لم تعد بحاجةٍ إلى القوات البرية الإيرانية، إلا أنها ما تزال بحاجة للحضور والدور الإيرانيين على الأرض السورية، وفي الملفات الإقليمية الأخرى، لتوظيفهما في مساوماتٍ ومقايضاتٍ مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية وإسرائيل وتركيا والدول الخليجية. كذلك، صحيح أن ما يجري هو محاولة لضبط التوازنات السياسية والميدانية للسيطرة على مفاصل الملف السوري، والإبقاء على قرار الحل النهائي بيدها، فروسيا، وفي مواجهة تعدّد القوى المنخرطة في الملف السوري، وتعارض توجهاتها وخياراتها تحتاج إلى ورقة "الرجل الشرير"، للضغط على حلفائها وخصومها وابتزازهم. إنها بحاجةٍ لإيران، للضغط على الولايات المتحدة، ومقايضة إخراج إيران من سورية بخروج القوات الأميركية من شرق سورية وجنوبها؛ ولدفعها للجلوس إلى طاولة المفاوضات، للاتفاق على حل للملفات العالقة بينهما، العقوبات الاقتصادية وأوكرانيا وضم جزيرة القرم، والاعتراف بدور دولي وازن لها، يجعلها شريكة في حل الملفات الدولية الساخنة.

روسيا بحاجة للدور الإيراني في سورية، لابتزاز الدول الأوروبية بملف اللجوء، في حال وافقت على سعي إيران والنظام السوري إلى مهاجمة محافظة إدلب التي يقطن فيها قرابة الأربعة ملايين نسمة بين مواطن ونازح، ودفعها إلى إعادة العلاقات مع النظام السوري، وتأهيله دوليا، والمساهمة في إعادة الإعمار. هي بحاجة للدور الإيراني في سورية في المقايضة مع إسرائيل: لجم إيران مقابل تحرّك إسرائيلي لصالح الأجندة الروسية مع الولايات المتحدة. إسرائيل سلّفت موسكو موقفا بالاستثمار المكثف في جزيرة القرم؛ مع أن في ذلك مخالفة صريحة لموقف واشنطن، لكنه جاء على خلفية قناعة إسرائيلية أن وجود روسيا في سورية يخدم مصالحها الاستراتيجية (بقاء النظام السوري واحتواء الخطر الإيراني) الذي جسّده تغاضيها عن استهدافها إيران على الأرض السورية، ووعدها بالاستمرار على هذا الموقف. روسيا بحاجة إلى الحضور والدور الإيرانيين للضغط على تركيا في شمال وشرق سورية، من أجل تنفيذ كل بنود اتفاق سوتشي حول إدلب (محاصرة القوى المتشدّدة وإخراج الأجانب وفتح الطريقين، حلب دمشق وحلب اللاذقية، والاتفاق على مستقبل شرق الفرات بالانفتاح على 

"روسيا بحاجة إلى الحضور والدور الإيرانيين للضغط على تركيا في شمال وشرق سورية" النظام، والعودة إلى اتفاق أضنة الموقع بينهما عام 1998، وتسليمه الأراضي التي تسيطر عليها)، وإلا واجهت طوفانا من اللاجئين، عبر السماح بعمليةٍ واسعةٍ في محافظة إدلب؛ لوّح الرئيس الروسي بهذه الإمكانية، في مؤتمره الصحافي في بكين يوم 27/4/2019، حين قال: "إنه لا يستبعد عملية عسكرية في إدلب، لكن الوقت غير ملائم الآن، إذ يجب الأخذ بالاعتبار الأوضاع الإنسانية وحياة المدنيين"، ولإبقائها بعيدةً عن التفاهم مع الولايات المتحدة حول شرق الفرات، وصفقة الـ إس 400. وروسيا بحاجة إلى الحضور والدور الإيرانيين، لمقايضتهما مع دول الخليج العربية، بالتطبيع مع النظام السوري، وإعادة تأهيله عربيا، والمشاركة في إعادة الإعمار، وفي السياسة النفطية، للاتفاق على سقف الإنتاج من أجل المحافظة على سعرٍ للنفط، يتوافق مع احتياجات الموازنة الروسية.

لا تنوي روسيا العمل على إخراج إيران من سورية، قبل جني المنافع التي تتيحها ورقة "الرجل الشرير"، وتوسيع دائرة مصالحها في ملفاتٍ عدة مع حلفائها وخصومها؛ واستثمار الضغوط الشديدة التي تتعرّض لها إيران في استنزافها وإضعافها، كي تكون عملية إخراجها يسيرة وقليلة التكلفة، في حال نجحت في عقد صفقةٍ بهذا الخصوص مع الولايات المتحدة، تحقق طموحات الرئيس الروسي الدولية. وهذا يفسّر الموقف الرخو الذي اتخذته من العقوبات الأميركية على إيران، ما دفع موقع "تابناك" الإيراني إلى القول: "لم تظهر موسكو التصميم الجاد للوقوف مع طهران"، وتعزيز علاقاتها وتنسيقها مع إسرائيل.

===========================


ليس هناك فروسية عند جاسوس

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 29/4/2019

لا يمكن لجاسوس أو مخبر أن يكون فارساً؛ لأن الجاسوسية تستلزم السترة، والفروسية تستلزم العلنية. ليس هناك فروسية عند جاسوس أو مخبر، حتى ولو أصبح رئيس دولة تمتلك سلاحاً نووياً وأساطيل. طبيعة عمله تفرض عليه أن يخفي هويته وعمله. يضطر للكذب، وحتى للقتل أحياناً. وشرط ذلك ألاّ يكون مكشوفا. ولكن أن يكذب علناً، ويقتل علناً، فلا بد أن يكون قد حَدَث خللٌ في العالم، الذي يعيش فيه، جعل ذلك ممكناً، وربما مباحاً؛ أو جزءاً من تحقيق الذات؛ ربما لنيل نكهة الفروسية. من هنا تجد شعبية السيد فلاديمير بوتين مرتفعة في روسيا كـ "قيصر" جديد ... "فارس" يريد أن يعيد لروسيا أمجاد القيصرية، أو على الأقل أمجاد الاتحاد السوفييتي. المفارقة في هذه المسألة أن السرية - التي استلزمت أحياناً الكذب والقتل، وكانت مصدر قوة- تصبح علامة ضعف وهزيمة؛ عند تحوّلها إلى حالة علنية.

ما فعله السيد بوتين في "غروزني" و "القرم" و "جورجيا" و "سوريا" أوهَمَه أن شعبيته أصبحت في العلالي عند الروس. ربما يكون ذلك عند المغلوبين

في القضية السورية، ندرك أن السيد بوتين مأزوم، حيث يجد نفسه مضطراً إلى شراكة مع تركيا مستغلاً ارتباك علاقتها مع الغرب

على أمرهم فقط بسبب حالة إعلامية طاغية في تأليهه يسيطر عليها بالمطلق كنظام دكتاتوري متخلف. القوي لا يقدّم أوراق اعتماده لأوروبا أو أمريكا أو لإسرائيل؛ ولا هو مضطر أن يكذب ليغطي فشله بالتصرف كدولة قوية لها وجودها في الساحة العالمية قادرة على حل مشكلات العالم.

في القضية السورية، ندرك أن السيد بوتين مأزوم، حيث يجد نفسه مضطراً إلى شراكة مع تركيا مستغلاً ارتباك علاقتها مع الغرب، ومعتقداً أن بإمكانه أن يسحبها إلى حلف معه؛ وفي الوقت ذاته إلى شراكة مع إيران مستغلاً عزلتها نظراً لمسلكها التخريبي في محيطها، وكي يتقاسم معها جرائم يرتكبانها في سوريا. كما ندرك أن الجزء الأكبر من أزمته يكمن بعدم قبول الغرب أوراق اعتماده، حتى ولو نبش رفات كوهين، وأعاده إلى الربيبة إسرائيل، أو ترامى عند أقدامها، وعبّر عن صداقته معها.

في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها روسيا "بقيادته الأمنية الحكيمة"، وبعد تباهيه باستخدام أكثر من ثلاثمئة صنف من الأسلحة المميّزة بتأثيرها وفاعليتها في سوريا، وبعد المحاولات الفاشلة لتسويق تلك الأسلحة، وبعد أن فشل مبعوثوه في إعادة منظومة الاستبداد الأسدية إلى الجامعة العربية، وفشله في إقناع دول العالم بإعادة إعمار ما دمّرته تلك المنظومة، أو بإعادة مّن شردتهم من السوريين، وعدم قدرته على الفوز بأي جنى مادي أو سياسي.... بعد كل ذلك تراه يعود إلى عقلية ومسلك الجاسوس أو المخبر الذي ليس أمامه إلا الكذب والتجني وإخفاء الحقائق والبحث عن الذرائع للتغطية على مهمته أو على الفشل بإنجازها.

آخر ابداعات السيد بوتين أتت في مؤتمره الصحفي في بكين أول أمس، حيث قال إنه لا يستبعد إجراء عملية عسكرية في إدلب، ولكن "يخشى على حياة المدنيين والوضع الإنساني هناك". يبدو أن الانفصام عن الواقع أو مجانبة الحقيقة مسألة معدية أيضاً. فكما هو نظام بشار الأسد لم يرَ للآن أن نصف السوريين تشردوا، ونصف البلد قد دُمِر؛ وأن ما يقارب المليون سوري قضوا بسببه؛ كذلك السيد بوتين لا يرى أن القصف على المنطقة التي يهددها لا يتوقف، وأن طائراته ذاتها لا تغادر سماء تلك المنطقة. أما بخصوص خشيته على المدنيين و"حرقة قلبه" على الوضع الإنساني هناك؛ فمَن فعل بغروزني وسوريا ما فعل، عندما كانت طائراته تستهدف الأسواق والمشافي والمدارس، لا يمكن أن يعبأ لحياة إنسان.

الأطرف في حديث السيد بوتين في مؤتمره الصحفي كان إشارته إلى "انتصار الأسد"، وأن المعارضة هي التي تعرقل إعلان اللجنة الدستورية، ونظام الأسد لا يعرقلها. بداية لو أن بوتين ذاته انتصر، لما كان مأزوماً بهذا الشكل؛ من جانب آخر، كيف يكون الأسد انتصر، وهو لا يذهب لـ "قضاء حاجة" إلا بإذن إيراني أو روسي؟! كيف يمكن لمن انتصر أن يُشحَن خلسةً مرة إلى روسيا وأخرى إلى طهران؟ كيف لمن انتصر أن يكون شغله الشاغل بيع البلد أو تأجيره ليبقى على كرسيّه؟! أي انتصار هذا وسوريا مستباحة بالمطلق وبإشراف روسي؟! ولكن، إذا كان السيد بوتين يعتبر أن آلة حربه مكنته من احتلال سوريا، فعليه أن يقر بأنه محتل انتصر

هذه ليست المرة الأولى التي يتهم فيها السيد بوتين المعارضة بعرقلة اللجنة الدستورية أو غيرها من الإجراءات التي يعتبرها أدوات في احتلاله لسوريا

على شعب أعزل بأداته الحربية وبمعاونة و"قوادة" أداته في دمشق؛ وهنا لا بد أن يتوقف عن اعتبار نفسه وسيطاً في حل سياسي لسوريا.

الواضح أن السيد بوتين من خلال اتهامه المعارضة بعرقلة اللجنة الدستورية أنه يعتبر حتى تشكيل اللجنة الدستورية وأي بند آخر في القرارات الدولية أداة من عملياته العسكرية وجزءاً من "انتصاره وانتصار" من يحميه في دمشق؛ ومن هنا فهو يرى أن تلك اللجنة لا بد أن تكون مفصلة على قياس المحمي في دمشق، وحسب مصالح "المنتصر" في موسكو. هذه ليست المرة الأولى التي يتهم فيها السيد بوتين المعارضة بعرقلة اللجنة الدستورية أو غيرها من الإجراءات التي يعتبرها أدوات في احتلاله لسوريا. قبل أشهر صرّح السيد بوتين أن المعارضة "لم تسلم قائمة أعضائها في اللجنة الدستورية؛ أما النظام فقد قام بذلك". وكانت الحقيقة أن المعارضة قد سلّمت قائمتها قبل أسابيع من حديثه؛ والنظام كان فعلاً قد سلمها لموسكو، ولكن ليس للأمم المتحدة، كما هو مفروض.

يوماً بعد يوم يثبت السيد بوتين أن الطبع يغلب التطبع؛ فمهما حاول أن يخرج من عقل وسلوك العامل في الـ "كي جي بي" في ألمانيا؛ وأن يتمثّل دور رئيس دولة كانت يوماً قوة عظمى- وتطمح أن تعيد ذلك الحلم ـ إلا أن الوقائع والأحداث والسلوك والظروف لا تسعفه في الخروج من ذلك الثوب. المصيبة أن المهمة أصبحت مكشوفة وعلنية؛ ولم يعد الكذب والقتل مستورا.

===========================

12 جولة من مسار أستانة.. وماذا بعد؟

ماجد كيالي

العرب اللندنية

الاثنين 29/4/2019

لم تلق الجولة الـ12 من مفاوضات أستانة السورية، التي انعقدت يومي 25 و26 أفريل الجاري، نفس القدر من الاهتمام الإقليمي والدولي، السياسي والإعلامي، الذي لقيته الجولات السابقة، لأسباب عديدة، ضمنها أولاً انحسار مستوى الصراع المسلح بين النظام والفصائل العسكرية المعارضة، لاسيما بعد أفول هذه الفصائل واستعادة النظام السيطرة على معظم المناطق التي كانت تخضع لها، خلال العامين الماضيين.

ثانياً وصول الأطراف الثلاثة المنخرطة في هذا المسار، أي روسيا وإيران وتركيا، إلى نوع من التفاهم على وجودها في الأرض السورية، رغم التباينات، في ما يشبه التوافق على توزيع “الكعكة” على الأقل في المرحلة الحالية.

 ثالثاً، رفض الولايات المتحدة، ومعها الدول الأوروبية، منح أي تغطية أو دعم لمسار أستانة، بل إنها مانعت ذلك برفضها تطبيع العلاقات مع النظام، أو الانخراط في عملية إعادة الإعمار، أو إعادة اللاجئين، معتبرة أن كل ذلك يجب أن يحصل في خضم عملية الانتقال السياسي وفقا لمنطوق القرار الدولي 2254، أي ليس قبل ذلك، وليس وفقاً لمعايير مختلفة عن ذلك.

وربما يفسّر ذلك حقيقة أن البيان الختامي الذي صدر بعد انتهاء تلك الجولة، كان مجرد تكرار للإنشاءات البديهية، التي لا خلاف عليها بين النظام والمعارضة، والتي ظلت بمثابة لازمة لكل البيانات التي صدرت سابقا، مثل الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وعدم وجود حل عسكري للصراع السوري، وضرورة الإفراج عن المعتقلين، وحل القضايا الإنسانية، وضمنها عودة المهجرين.

مع ذلك فإن البيان لم يخلُ من إيحاءات جديدة لعل أهمها يكمن في جانبين، أولهما، أن الأطراف التي تتقاسم الجغرافيا والنفوذ في سوريا (روسيا وإيران وتركيا)، أدانت الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، باعتباره انتهاكا للقانون الدولي، وتهديدا للسلام والأمن في الشرق الأوسط.

 وثانيهما أن تلك الأطراف بالذات، التي تحاول خلق وقائع سياسية وأمنية وديمغرافية جديدة في سوريا، عبرت عن رفضها كل “المحاولات لخلق حقائق جديدة على أرض الواقع بذریعة مكافحة الإرهاب… والوقوف ضد المخططات الانفصالیة التي تهدف إلى تقويض سیادة سوریا وسلامة أراضيها وكذلك الأمن القومي للدول المجاورة” في إشارة واضحة إلى التواجد الأميركي في شرقي الفرات، والذي يدعم قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الوطني الكردي.

طبعا، تبقت نقطتان أساسيتان شكلتا محور الاجتماع. تتعلق الأولى بالوضع في شمالي غرب سوريا، أو في منطقة إدلب وريفي حلب وحماه، لاسيما مع وجود جبهة النصرة في تلك المناطق، وبالنتيجة فقد تم التوافق على تعويم هذه المسألة، بعبارة تتعلق بسيادة سوريا وسلامة أراضيها، واستعادة الاستقرار، و”تسییر الدوریات المنسقة والأداء الفعال لمركز التنسیق الإيراني الروسي التركي المشترك”، وهذا أمر جديد، إذ كان الحديث في السابق عن دوريات مشتركة روسية – تركية فقط.

وطبعا فإن البيان لم ينس تأكيد التعاون من أجل القضاء على الكيانات المرتبطة بالقاعدة وداعش والقصد جبهة النصرة، لكن من دون تصريح بكيفية القيام بذلك؛ أي أن هذه النقطة ما زالت مثار خلاف بين الأطراف المذكورة، لاسيما مع استئناف القصف على هذه المناطق عشية انتهاء اجتماع أستانة من قبل النظام والطيران الروسي.

أما النقطة الثانية، المتعلقة باللجنة الدستورية، فقد تم تأجيل البتّ فيها إلى اجتماع يعقد في جنيف لاحقا، بسبب الخلاف حول تركيبتها، ومحاولات النظام الدؤوبة للتملص من هذا الاستحقاق، وأيضاً بسبب عدم نضوج الظرف لتشكيل هكذا لجنة، لاسيما بسبب عدم وجود غطاء أميركي لها، في الظروف الراهنة.

معلوم أن مفاوضات أستانة المستمرة منذ عامين، والتي أريد لها أن تكون بديلا لمفاوضات جنيف، ومحاولة التفافية على القرارات الدولية المتعلقة بالشأن السوري، كانت في حقيقتها تجري بين ممثلين عن الدول الثلاث، بمعنى أن حضور الطرفين السوريين، أي النظام والمعارضة، كان شكليا، ولأغراض البروتوكول أو الصورة، وأن 12 جولة من المفاوضات لم ينتج عنها أي شيء، ولا على صعيد أي ملف مثل وقف القتال، أو تشكيل لجنة دستورية، أو حل القضايا الإنسانية. أما الملف المتعلق بمكافحة الإرهاب، فإن القوات الأميركية، مع قوات “قسد”، في شرقي الفرات، هي التي لعبت الدور الأساسي في ذلك، في حين بقيت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)على انتشارها في منطقة إدلب.

وربما يفيد التذكير، أيضاً، بأنه في العام 2017 تم عقد ثماني جولات، وفي العام 2018 تم عقد ثلاث جولات (في أشهر مايو ويوليو ونوفمبر)، وأنه خلال ذلك تم التوافق على أربع مناطق “خفض تصعيد”، في الجنوب والوسط وفي حلب وإدلب (في الجولة الرابعة مايو 2017)، كما تم عقد مؤتمر سوتشي للحوار السوري بغرض تشكيل لجنة دستورية (يناير 2018).

لذا، فبالنسبة لمناطق “خفض التصعيد “فهي لم تكن كذلك حقاً، لأن النظام وحليفيه الروسي والإيراني اشتغلوا على الضغط بكل الوسائل وضمنها القصف، لإنهاء فصائل المعارضة المسلحة، وهو ما حصل. أما في شأن تشكيل اللجنة الدستورية فهذا لم يحصل، بسبب عدم توافق الأطراف الثلاثة، وبسبب رفض النظام، وأيضا لأن هذا التشكيل لم يحظ بقوة الدفع الدولية اللازمة لإنضاجه. إذن إلى الجولة الـ13 لمسار أستانة التفاوضي في العاصمة الكازاخية، التي بات اسمها “نور سلطان”، في يوليو القادم.

===========================

كذبة صدّقها النظام السوري

خيرالله خيرالله

العرب اللندنية

الاثنين 29/4/2019

يشير ما تفعله روسيا حاليا إلى رغبة في التوصل إلى صفقة بين النظام السوري وإسرائيل في حال توفر شروط معيّنة. استدعى عثور القوات الروسية على رفات عسكري إسرائيلي، مفقود منذ معركة السلطان يعقوب في لبنان في العام 1982 مع رفاق له وتسليمه إلى إسرائيل، قيام موسكو بمبادرة من أجل إنقاذ ماء الوجه لبشّار الأسد.

أدت المبادرة إلى إطلاق إسرائيل سراح معتقلين سوريين كانا في سجونها. لم يعد أمام روسيا سوى مثل هذه المبادرة من أجل القول إن النظام السوري ما زال حيّا يرزق، وأنّه كان له دور في العثور على رفات العسكري السوري في مخيّم اليرموك الفلسطيني قرب دمشق.

بكلام أوضح، أرادت موسكو تأكيد أن النظام السوري جزء من صفقة محتملة مع إسرائيل تتجاوز مسألة الرفات، ويمكن أن تصل إلى إعادة إسرائيل الحياة إلى سياستها القديمة المستمرّة منذ العام 1967. تقوم هذه السياسة في الأساس على وجود نظام أقلّوي في دمشق مهمته الأولى والأخيرة حماية أمنها في الجولان الذي ضمته إلى أراضيها منذ فترة طويلة.

ماذا يعني ذلك كلّه، خصوصا أن كلاما من نوع آخر صدر عن مسؤول روسي عن احترام إيران للاتفاق الذي يقضي بابتعاد قواتها الموجودة في سوريا عن خط فك الاشتباك في الجولان مسافة تراوح بين 75 و80 كيلومترا؟ هل يعني أنّ إيران طرف أيضا في الصفقة التي يسعى الروسي إلى تمريرها بما يؤدي إلى تحويل نفسه محورا لأي حلّ يمكن الوصول إليه في سوريا؟

كلّ ما يمكن قوله إنّ روسيا تعمل حاليا، من أجل إثبات أنّها تمسك بكلّ خيوط اللعبة في سوريا، وأن هناك فائدة من تدخلها المباشر في الحرب على الشعب السوري ابتداء من أواخر أيلول – سبتمبر 2015. من الواضح أن الرئيس فلاديمير بوتين في حاجة إلى إظهار أنّه كان على حق في التدخّل في سوريا عسكريا، وأنّ الأمر لا يقتصر على إيجاد حقل تجارب للسلاح الروسي بغية إثبات فعاليته ومستواه. هناك ما هو أهمّ من ذلك، خصوصا لجهة تأكيد أن روسيا صارت اللاعب الأساسي في سوريا، وأنّها استعادت موقعا مهمّا في الشرق الأوسط انطلاقا من سوريا وساحلها.

يصعب القول إن الرهان الروسي في سوريا هو رهان في محلّه في غياب اتفاق واضح بين موسكو وواشنطن على الدور الروسي في سوريا بمباركة إسرائيلية. صحيح أن إسرائيل على تفاهم عميق مع روسيا، وأن كلّ ما تفعله ناتج عن هذا التفاهم بين الجانبين، لكن الصحيح أيضا أن روسيا لا يمكن أن تحقق نجاحا حقيقيا في سوريا من دون أن تأخذ في الاعتبار شرطين في غاية الأهمية. هذان الشرطان المهمّان مرتبطان بمستقبل النظام السوري، والوجود الإيراني في سوريا المرتبط بالوجود الإيراني في لبنان أيضا.

بالنسبة إلى الشرط الأوّل، ثمّة حاجة إلى استعادة مجموعة من البديهيات. في مقدّم هذه البديهيات أن الثورة السورية ثورة شعبية حقيقية بغض النظر عن القيادات التي نبتت على هامش هذه الثورة… وبغض النظر عن دور النظام السوري وإيران في إيجاد “داعش” من أجل تبرير اللجوء إلى كلّ أنواع الإرهاب في التعاطي مع ثورة الشعب السوري على الظلم.

عانى السوريون طويلا من نظام لم يكن لديه همّ، في يوم من الأيّام، سوى البقاء في السلطة مستخدما شعارا واحدا هو إلغاء الآخر. سئم الشعب السوري من نظام لا يؤمن سوى بهذا الشعار الذي يعني قمع المواطن وتحويله إلى مجرّد عبد لدى العائلة الحاكمة. هل في استطاعة روسيا أن تفهم ذلك وأن تتصرف من منطلق أن لا مجال لإعادة الحياة إلى النظام السوري، لا لشيء سوى لأن النظام انتهى قبل اندلاع الثورة في آذار – مارس من العام 2011؟ هذا النظام انتهى عندما لم يجد ما يردّ به على القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الثاني من أيلول – سبتمبر 2004 سوى التمديد للرئيس اللبناني وقتذاك إميل لحود، ثم المشاركة في اغتيال رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط – فبراير 2005 أو تغطية الجريمة في حال كان مطلوبا إيجاد أسباب تخفيفية، أو ما شابه ذلك، لبشّار الأسد.

بالنسبة إلى الشرط الثاني، المتعلّق بالوجود الإيراني في سوريا، لم تستطع موسكو إلى الآن تصديق أنّ ليس في الإمكان الفصل بين بشّار الأسد وإيران. كلّ من حاول القيام بعملية الفصل هذه فشل فشلا ذريعا في ذلك. ليس سرّا أن رئيس النظام السوري ربط مصير نظامه منذ اليوم الأوّل الذي خلف فيه والده، وربّما قبل ذلك، بإيران وبـ”حزب الله” في لبنان. ليس صدفة أن يكون الحزب، الذي هو لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، دفع كلّ ما يمتلك من قوى وإمكانات من أجل الحؤول دون سقوط النظام وذلك منذ اليوم الأوّل لاندلاع الثورة في 2011.

لا مجال أمام روسيا، من أجل تحقيق تقدّم في سوريا، سوى تحقيق هذين الشرطين المرتبطين في نهاية المطاف بشخص بشّار الأسد وإيران التي تعرف قبل غيرها أن انسحابها من سوريا سيعني نهاية النظام في طهران. إضافة إلى ذلك، تعرف إيران أن وجودها في سوريا مرتبط بشخص رئيس النظام ولا شيء آخر غير ذلك.

لا يستطيع بشّار الأسد أن يكون روسيا، على الرغم من معرفته التامة بأن سلاح الجوّ الروسي كان وراء بقائه في دمشق كرئيس لا يتحكّم سوى ببعض الميليشيات التابعة للنظام. صارت هذه الميليشيات تختزل النظام لا أكثر. من الصعب على موسكو استيعاب هذه المعادلة، على الرغم من معرفتها بأنّ كلّ الوعود التي حصلت عليها من النظام كانت مجرّد وعود زائفة.

تبقى حقيقة ثابتة وحيدة في سوريا. تتمثّل هذه الحقيقة في أن الإدارة الأميركية جدّية في ممارسة ضغوط على إيران من أجل تغيير سلوكها. شملت هذه الضغوط الوجود الإيراني في الأراضي السورية من جهة، ومحاصرة النظام السوري اقتصاديا من جهة أخرى. ليست أميركا وحدها التي لا يمكن أن تقبل بالوجود الإيراني في سوريا. هناك إسرائيل أيضا التي يبدو أنّها قررت إعطاء موسكو كلّ ما تحتاجه من وقت لإقناع النظام باتخاذ قرار مستحيل هو فكّ الارتباط بإيران.

في انتظار تأكد روسيا من أنّ لا مجال لأيّ ابتعاد للنظام السوري عن إيران، ليس ما يمنع استمرار البحث عن رفات لجنود إسرائيليين آخرين، أو عن رفات الجاسوس إيلي كوهين، ما دام المطلوب تحقيقه يتحقّق. المطلوب تفتيت سوريا التي عرفناها وتكريس الوجود الإسرائيلي في الجولان المحتل. ثمّة حاجة إلى إقناع النظام السوري بكذبة كبيرة صدّقها في الماضي وما زال يصدّقها. تقول هذه الكذبة إنّه لا يزال لديه أمل بإنقاذ نفسه وأن تسليم الجولان لإسرائيل في العام 1967 لا يزال ورقة صالحة للاستخدام!

===========================

سورية.. وفد أستانة في ثوب الملك العاري

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 29/4/2019

توافق "المعارضة" السورية، ممثلة بوجوهٍ عيّنتها الأنظمة التي تستثمر وجودها في أستانة وسوتشي وحتى في جنيف، على خطط التصعيد ضد سكان مناطق سوريةٍ، لا تزال الخلافات حول تبعيتها قائمة بين الدول الثلاث الضامنة لاستمرار الصراع في سورية وعليها، وهي وفود المعارضة إلى أستانة بحضورها المتكرر، أو حتى تكليف من ينوب عنها في المشاركات الدبلوماسية أو العسكرية، توقِّع على قرار إعدامات كل ضحايا الحرب السوريين، ليس فقط ضحايا خلافات الدول الضامنة (روسيا، إيران، تركيا) حول طاولة مفاوضات أستانة، وحواراتها المسلحة خارجها، بل منذ تأسيس تلك الفصائل، ذات الأجندات والطموحات غير السورية، وتصدير قادتها، أو ممثلين عنهم، إلى الجلوس مفاوضين عن الشعب السوري، وحتى آخر ضحية لاقت المصير نفسه، بعد قصف استمد شرعيته من اجتماعات "أستانة 12" الذي اختتم الأسبوع الماضي ببيان "ترفيهي" على صوت قرع طبول الحرب "المؤجّلة" في حلب ومناطق في إدلب.

منذ بدء العملية السياسية، مارست الوجوه نفسها (يجلس معظمها اليوم مقابل وفد النظام والداعمين له في أستانة) عملية تعطيل ممنهجة لأي مسار تفاوضي منذ عام 2013. وكانت هذه الأسماء الرائجة اليوم، والتي تحتل شاشات معظم الفضائيات للحديث عن نجاحات التفاوض "الوهمية" التي تجري في أستانة، قد عملت سابقاً على تجريم كل الراغبين بفتح أبواب الحل السياسي آنذاك، وأصدرت بحقهم بيانات التخوين، وفتاوى قتل من يحضر المفاوضات أو يروّجها، على الرغم من أن العملية السياسية بدأت معالمها في التبلور اعتماداً على نجاحات الجيش الحر (2012-2013) في صد هجوم قوات النظام عن مناطق كثيرة، وإبعاد خطر أن تداهمها القوات الأمنية، ما وضع الأمم المتحدة ودولا كثيرة أمام استحقاقات وجوب السعي إلى الحل السياسي، إما لتجنب سخط شعوب العالم المتعاطفة مع ثورة السوريين آنذاك، أو لإنقاذ دور النظام في المنطقة. وفي الحالتين، كان للشعب السوري مصلحة في الذهاب بطريق الحل السياسي الضامن لحقوقه، في وقت انكسرت فيه، بعد ما يزيد عن أربعين عاماً، صورة هيبة النظام داخل مخيلة السوريين، وضمن مسار وقائع الأحداث. ففي البيان المشترك للفصائل 

"منذ بدء العملية السياسية، مارست الوجوه المعارضة نفسها عملية تعطيل ممنهجة لأي مسار تفاوضي منذ عام 2013" المنضوية تحت الجبهة الإسلامية (تم حلها لاحقاً)، والتي تشكلت بهدف إطاحة النظام السوري، وإقامة دولة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية، وينضوي كل من جيش الإسلام وأحرار الشام تحتها كأكبر فصيلين إسلاميين، والمشاركين في اجتماعات أستانة الآن، إلى جانب فصائل وشخصيات وظيفية من أشباههم في الأيديولوجيا والهدف، إذ اعتبرت الفصائل الموقعة على البيان في (27 أكتوبر/ تشرين الأول 2013): "مؤتمر جنيف 2 حلقة في سلسلة مؤامرات الالتفاف على ثورة الشعب في سورية وإجهاضها". وأكدت الجبهة أن اندماج فصائلها هدفه "التأثير في القرار السياسي للثورة، وامتلاك موقع متميز يمكنها من التحكّم بمسارات التسوية المحتملة". أي أن الهدف الأساسي كان هو ذاته ما وصلت إليه اليوم في أنها، كحركات إيديولوجية متحكمة بمسار التسوية، سواء عبر ممثلين لها في المفاوضات العسكرية التي تجري في أستانة، أو المشاركين في وفود التفاوض السياسي بعد أن استولت على قرار الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة أيضاً، في نسخته الحالية غير السورية، والذي لم ينتج سوى بيانات خطابية أكثر رداءةً من بيانات النظام الشعاراتية لمؤيديه حول أن الحرب "خلصت"، بينما خلصت قدرتهم على تأمين فرصة العيش بأبسط ظروف الحياة.

ومن هنا، يكمن حجم الدهشة في أن تكون الجهات التي ترى في "جنيف 2" مؤامرة هي نفسها من تتولى عملية التفاوض مع الجهات المتآمرة على السوريين في ثورتهم السلمية (إيران وروسيا)، للوصول إلى ما طرحته مباحثات جنيف 2 في حدّها الأدنى الذي تحاول مداولات أستانة وسوتشي إلغاء مفاعيل ايجابياته لمصلحة تسوياتٍ شكليةٍ، يحظى فيها الجالسون على مقاعد المفاوضات "بجوائز ترضية رخيصة".

ولعل هذا ما يسوّغ السؤال عن هذه التسوية التي تعمل عليها إيران وروسيا، وإلى جانبهما تركيا؛ فهل هي التسوية التي لا تلتف على ثورة السوريين وتُجهضها، حسب معتقدات من طرح بيانات التخوين سابقاً لكل من يقبل التفاوض مع النظام، وهم من يتولى تقديم التنازلات اليوم؟ أم أنها التسوية التي زرعت من أجلها كل تلك التنظيمات المسلحة، بمرجعياتها غير السورية، في قلب الثورة السلمية، فكانت أن أنجزت اتفاقات التسويات المجحفة والمدن الأربع وتهجير سكانها، ومناطق خفض التصعيد التي انتهت بتسليم المناطق إلى النظام، وأبرزها و"أبشعها" تسليم الغوطة، بعد معركةٍ وهميةٍ هدفت إلى خروج قادة الفصائل، بما يحملون من تجارة الحرب وأنفاقها من غنائم؟

التوغل في العمل المسلح من النظام السوري أتى أكله معه، على الرغم من حجم الدمار

"أنجزت الفصائل المسلحة اتفاقات التسويات المجحفة والمدن الأربع وتهجير سكانها، ومناطق خفض التصعيد، وتسليم الغوطة" وفظاعة الجرائم التي ارتكبها بحق مواطنيه، إلا أنه حقق الغاية التي ابتغاها منه، وهو إبعاد مخاطر الحل السياسي العادل الذي كان يهدّد استبداديته وفردانيته ثمانية أعوام متتالية، وبالتالي غيّر هذا الخيار الأمني العسكري للنظام مواقع بعض الدول من المواجهة إلى التقارب، والتفاوض، وحتى التفاهم، بطريقة مباشرة، أو عبر شريكيه في قتل السوريين روسيا وإيران. إلا أن العمل المسلح نفسه تحت عنوان "المعارضة" أوصلنا إلى ما عبر عنه بيان الفصائل الإسلامية (2013) برغبتها الهيمنة على القرار السياسي، وأخذوا بذلك سورية إلى سوريات كثيرة بعدد الفصائل. وأنتجت فصلنة الثورة طبقةً من أمراء الحرب، استطاعت انتزاع أحلام السوريين في دولة ديمقراطية مدنية، تتساوى فيها حقوق المواطنة على اختلاف القوميات والديانات، وهو ما سهل عملية تمزيق سوريات الفصائل "المشتتة" أمام سورية النظام المدعوم من شركائه، وفق خطة واحدة ممنهجة، أنتجت في النهاية مؤتمرات أستانة من 1 حتى 12، والمزيد قادم بانتظار بياناتٍ ترفيهيةٍ، تبرّر سياحة الوفود المشاركة فيها بمضامين لا طعم لها ولا لون، كحال ما ورد في البيان الذي صدر أخيرا، المكرر بعباراته وقلة حيلته، لإنجاز أي خطوة باتجاه الحل الضامن لسلامة السوريين، وضمان وحدة أراضيهم، على الرغم من تكرار التأكيد على ذلك، من بداية انطلاقة البيانات حتى رقمها 12 في أستانة ومعها سوتشي، هي على الأكثر لتبرّر للضامنين خطواتهم العسكرية على دروب الدم السوري، بينما يهلل وفد المعارضة لمنجزات وهمية ومتخيلة، يسيرون بها في فضائياتٍ تمنحهم من وقتنا ودمنا فرصة السير بيننا، كالملك العاري الموهوم بثوبٍ لم يره ولن يراه غير المزاودين والمنافقين.

===========================

لماذا تتنافس إيران وروسيا على نزع المكاسب من نظام الأسد؟

 يمان دابقي

جيرون

السبت 27/4/2019

قبل نحو ستة أشهر، طالب مسؤولون إيرانيون نظام الأسد بدفع كامل المستحقات المترتبة عليه إلى إيران، لدعمها له منذ 2011، أدى ذلك إلى تقديم الأسد سلسلة من التنازلات لإيران، تمثلت في توقيعه مجموعة اتفاقيات، مطلع العام 2019، في مجالات الطاقة والصناعة والزراعة والاتصالات، لكن إيران لم تكتفِ بهذه العقود، نظرًا لزيادة تداعيات أثر العقوبات الأميركية المفروضة عليها، إضافةً إلى ارتفاع حدة التنافس مع روسيا على توسيع مساحة السيطرة والنفوذ، تكلّلت مؤخرًا بسلسلة من الاشتباكات، في مناطق متفرقة في سورية، بلغت ذروتها في مدينة حلب.

وسط هذا التنافس، شهدت الساحة السياسية زيارة مفاجئة لبشار الأسد إلى إيران، علمت بها روسيا في اللحظات الأخيرة، وما تسرب عن فحوى الزيارة هو أن الرئيس روحاني أراد انتزاع مرفأ اللاذقية من يد الأسد، كتعويض آخر عن فواتير الدعم المترتبة عليه، ولأن الأسد لم يعد مالكًا للسيولة المالية، على وقع الأزمات التي تعصف به، فمن الطبيعي أن يكون المقابل توزيع ما يعدّه مُلكًا له ولأبيه،

في تلك الأثناء، تم ترتيب جميع الأمور القانونية لتلك الاتفاقية، التي ترغب إيران من خلالها في تحقيق أهدافٍ عدة:

وضع موطئ قدم لها في البحر المتوسط، لتحقيق نوع من التوازن مع موسكو، إضافة إلى تكريس ما بات يُعرف بـ (الهلال الشيعي).

ربط مناطق نفوذها بتحالف اقتصادي يؤمن توريد الميليشيات بالسلاح والمال، ومن شأن ذلك أن يساعدها في تخفيف وطأة العقوبات المفروضة عليها، بتوفير بديل اقتصادي، وإتاحة الفرصة لشركاتها لحجز مقعد لها في ملف إعادة الإعمار.

توفير الدعم العسكري واللوجستي للنظام السوري و”حزب الله”، عبر ممرٍ بحري بديلٍ عن الطريق البري المستهدف.

الجهود الإيرانية الأخيرة أثارت حفيظة موسكو، فأرسلت وزير دفاعها سيرغي شويغو إلى دمشق، لمعرفة حيثيات الزيارة، وقد بدا ذلك تفسيرًا عمليًا للاستيلاء الروسي على الأسد الذي استشعر، في نهاية المطاف، أن التقارب الروسي الإسرائيلي الأخير سيكون على حسابه، فما كان عليه إلا اللجوء إلى إيران سعيًا منه لرفع وتيرة التنافس بين روسيا وإيران، وهو ما حدث بالفعل.

ما حدث يوم 21 نيسان 2019، يُعدّ منعطفًا مهمًا في كامل الملف السوري، ودفعةً جديدة نحو الأمام، قد تُترجم لاحقًا إلى تجاوز حالة الاستعصاء والركود المفروضة منذ انطلاق جولة (أستانا 1)، في 2017، حيث أرسلت روسيا وفدًا دبلوماسيًا إلى كلّ من الرياض ودمشق، تماشيًا مع إرسال إيران وزير خارجيتها جواد ظريف إلى دمشق وأنقرة، وما ظهر من تسريبات حتى الآن يشير إلى أنّ الملف السوري سيشهد تطورًا ملحوظًا على صعيد الحلّ السياسي وربما العسكري.

بعد إعلان موسكو، عبر وزارة الخارجية، استحواذها على ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا؛ أرسلت مبعوثها ألكسندر لافرنتييف إلى الرياض محملًا برسائل عدة إلى محمد بن سلمان، قبل عقد جولة أستانا الأخيرة (في 2526 إبريل/ نيسان الحالي)، وعلى الرغم من عدم وجود مواقف رسمية من الطرفين، فإن توقيت الزيارة يشير إلى رغبة موسكو في لعب الرياض دورًا مهمًا في مسار (أستانا) لعدة أسباب:

رغبة موسكو في إنجاز تسوية سياسية في أسرع وقت، عبر بوابة اللجنة الدستورية، وفي أن تلعب الرياض دورًا مؤثرًا على المعارضة السورية، في كيان هيئة التفاوض، وقد أعلن رئيس الهيئة نصر الحريري عن بوادر انفراج لموضوع اللجنة الدستورية في الأيام القادمة، وذلك بعد لقائه الوفد الروسي في الرياض، وهو ما يعكس نية موسكو الدفع بمسار (أستانا) والتمسك به. وقد نشهد أداورًا أخرى لدول كالأردن ومصر والعراق، كما جاء في مخرجات قمة بوتين أردوغان الأخيرة، والهدف الكلي لروسيا هنا يكمن في توسيع دائرة الفاعلين، للتأثير في الموقف الغربي، والمثول أمام دمج مساري (سوتشي) و(أستانا) بمسار جنيف.

موسكو ترغب، من تفعيل محور الرياض، في ممارسة المزيد من الضغط على إيران المنافسة لها، في سورية، فالمملكة العربية السعودية ترحّب بأي مبادرة تعزز من خلالها تقليص الدور الإيراني في المنطقة، وقد ذكر موقع (روسيا اليوم) أن الوفد الروسي أوصل رسائل إيجابية إلى الرياض، تتعلق بإعادة العلاقات بين دمشق الرياض، وعلى الرغم من عدم صدق هذه الرواية، لا يمكن الجزم بنفيها، كون ولي العهد محمد بن سلمان قد أفصح سابقًا بوضوح عن قبوله بقاء الأسد في السلطة، مقابل فك شراكته مع إيران، ما يعني أن مصالح موسكو تتلاقى في هذه النقطة مع السعودية، لزيادة التأثير على إيران في سورية، عن طريق المملكة العربية السعودية.في المقابل، لعبت إيران مؤخرًا دور الوسيط بين تركيا ودمشق، وقد ظهرت تسريبات تشير إلى أن الوفد الإيراني بقيادة وزير الخارجية جواد ظريف، أجرى مشاورات سياسية مع كبار المسؤولين السوريين، وعلى رأسهم الأسد، بحث فيها العلاقات الثنائية والقضايا بين البلدين، وفي أنقرة، قال ظريف: “التقيتُ مطولًا مع بشار الأسد، وسأطلع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على حصيلة هذا اللقاء”، وأضاف أن بلاده تواصل مشاوراتها مع تركيا وروسيا والأمم المتحدة، بهدف تشكيل لجنة صياغة دستور قبل موعد المحادثات المقررة، وأضاف أن إيران تتفهم مخاوف تركيا الأمنية، والسبيل الوحيد لإحلال الأمن في سورية هو سيطرة جيش النظام على الحدود مع تركيا.

حقيقة تصريحات ظريف تنم عن دور إيراني دبلوماسي حثيث في تقريب وجهات النظر بين أنقرة دمشق، عبر عروض ومقايضات تريد إيران من خلالها تحقيق عدة أمور:

على الرغم من نفي متحدث الحكومة التركية إبراهيم كالن، إجراء ظريف لدور وساطة بين النظام وتركيا، وتأكيده عن أن النظام السوري لن يستعيد محافظة إدلب، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال، في وقت سابق، إن لدى بلاده تواصل مع النظام، عبر القنوات الدبلوماسية، كما أنه ذكر مرارًا احتمالية عمليات عسكرية محدودة في محيط إدلب، إذا لزم الأمر، ويبدو أن إيران، من هذا المدخل، تعول على خلق مقاربة جديدة بين دمشق وتركيا.

عروض ظريف -على الرغم من نفيها- بحسب بعض التقارير، تفضي إلى عودة النظام السوري إلى السيطرة على الحدود مع تركيا، مقابل التعهد بمنع وإزالة خطر الأكراد، وضمان أمن وسلامة المواطنين الأتراك، إضافة إلى سيطرة أخرى للنظام على مناطق شرق الفرات، مقابل دفع إيران إلى مسار الحل السياسي وإطلاق اللجنة الدستورية، عبر ممارسة ضغط على الأسد وتجاوز موضوع الخلاف المتعلق بأسماء المجتمع المدني، وبهذه النقطة تكون إيران قد تخلت عن موضوع عرقلة بدء مسار الحل السياسي، مقابل حصولها على مزايا تراها مهمة، وعلى رأسها محاولة الاستفادة من عملية التقارب التركي مع نظام الأسد، في حال كتب لها النجاح بموضوع مساندة تركيا لإيران في الالتفاف على العقوبات الأميركية، وتفعيل عجلة الاقتصاد مع النظام السوري، وبذلك ستضمن إيران توريد ميليشياتها ذاتيًا دون الاعتماد على المرجعية في طهران.إيران تسعى من خلال هذه المقاربة للاستفادة من توسعة الشرخ في العلاقات التركية الأميركية على خلفية قضية الأسلحة (S400) وملف منبج وموضوع المنطقة الآمنة، وعلى الرغم من الرفض التركي الصريح لهذه العروض، فإن إيران تركت الباب مفتوحًا ريثما تتم محادثات (أستانا)، ذلك لأن تركيا لم تحسم مواضيعها الخلافية مع واشنطن، وقد يكون أحد خياراتها ممارسةَ الضغط عليها من باب تعزيز التقارب مع إيران إلى جانب روسيا، مع العلم أن هذا الطرح مستبعد، لكن في نظر إيران هو أحد الحلول، كونها الآن في موضع لا يسمح لها بالإقدام على أي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع أميركا، لذلك رمت لتركيا العديد من الأوراق في انتظار الرد في الأيام القادمة.

إيران من خلال إرسالها ظريف، وجهت رسائل لموسكو مفادها أنها موجودة على الصعيد السياسي، ولن تترك ساحة الحل السياسي السوري لأي محاولة استفراد روسي مع تركيا، وهذا يعني أن الروسي والإيراني بالتوازي مع تنافسهما في نزع المكتسبات من الأسد، سيتنافسان أيضًا في مرحلة ما بعد الأسد وإعادة الإعمار، بهدف تثبيت مناطق النفوذ.

وفي خضم كل تلك المعطيات، يبدو أن الأسد قد وصل إلى مرحلة “فارغ امتيازات” ولا سيّما بعد انتزاع “إسرائيل” الجولان منه، عبر اعتراف ترامب، فالأزمات الاقتصادية التي تعصف به في دمشق وحلب وحمص تطرح مفارقة مشروعة، فبدلًا من أن تقوم روسيا وإيران بإنعاشه اقتصاديًا، تقومان بإغراقه أكثر، ونزع ما تبقى بين يديه من امتيازا.

ويبقى السؤال: هل سيكون مقابل كل ذلك مواصلة تعهد حلفائه بإبقائه في السلطة، أم أن سرعة نزع الامتيازات تعني بداية خروجه من السلطة؟!

===========================

سورية خارج السجادة الإيرانية

 عمار ديوب

جيرون

السبت 27/4/2019

استطاعت الثورة السورية دحر النظام في 2013، وتدخلت الميليشيات الإيرانية لإنقاذه حتى 2015، حيث اضطر النظام وإيران إلى استدعاء روسيا لإنقاذهما من الهزيمة المحققة. كانت إيران تتوهم أن السياسات الأميركية لن تتصاعد ضدها، ولا سيّما أنهما تحالفا معًا، إبّان غزو العراق 2003، وأفغانستان 2001، كما تحالفا في تشويه المقاومة العراقية بالجهاديين، على إثر الاحتلال الأميركي. مشكلة إيران تكمن في أوهامها الكبرى، فهي تنتقم من دول المنطقة كافة، ولا سيّما الدول التي وقفت مع العراق في الحرب بين البلدين 1980-1988، وتخوض صراعًا طائفيًا ضدها، حيث ليس لدى إيران صادرات يمكن أن تقارن بأي دولة أوروبية؛ صادراتها نفط وطائفية. أوهامها بعدم تغيّر التحالفات دفعتها إلى منافسة أميركا في العراق، وروسيا في سورية، والخليج في اليمن، وبالطبع “إسرائيل” في لبنان.

النفوذ الإقليمي للدول لا تحققه “المصالح” الطائفية، وهو يتطلب أشكالًا متعددة من القوة، تبدأ بالاقتصاد ولا تنتهي بالتعليم والثقافة والحريات والديمقراطية. والسؤال: ما هو النموذج الإيراني الذي يشكّل استقطابًا عربيًا نحوها؟ ليس هناك شيء من كل ذلك، ولهذا لعبت دورًا في تدمير الدول العربية، كما يحصل في العراق واليمن وسورية ولبنان. بخصوص سورية، هناك الكثير من الشائعات أنها لعبت دورًا مركزيًا في إقناع النظام السوري بالخيار العسكري والأمني؛ وبغض النظر عن صحة ذلك، فإن حجم التدخل الإيراني يوضح أن إيران فعلًا لم تترك إمكانية لدعم النظام السوري إلا تحركت من خلالها، دعمته بالميليشيات، وبخط ائتماني مستمر للشهر العاشر من 2018، وبمختلف أنواع الخبرات العسكرية والأمنية. طبعًا لم يكن قادة إيران وإعلامها ليصمتوا عن زهوهم هذا، فكانوا يعلنون دول العراق واليمن وسورية ولبنان، محافظات في الدولة الإيرانية. كل هذه الأوهام تلاشت في الأشهر الأخيرة، على وقع انتهاء الفصائل العسكرية المقاتلة للنظام، وعلى وقع التحالفات الإقليمية والدولية التي تنسجها أميركا لإعادة إيران إلى حجمها الطبيعي، وربما لتغيير نظامها ذاته. الأمر يتصاعد، ولا سيّما بعد خروج أميركا من الاتفاق النووي، ومؤخرًا رفضت أميركا التجديد للدول الثمانية المسموح لها الاستيراد من إيران، ورافق هذه التهديدات الإعلانُ الأميركي بأن أميركا ستصفّر الصادرات الإيرانية، أي ستُغلق أغلبية منافذ إيران إلى العالم.

روسيا كانت تحتاج إلى إيران في سورية، كميليشيات عسكرية، ولكن ذلك لم يعد ضروريًا، فقد أخلت الفصائل كافة أماكنها من دمشق ومحيطها ودرعا وحمص ومناطق كثيرة، وكذلك تراجع وجود (داعش)، وتعاظم التنسيق الإسرائيلي الروسي، وهذا بدوره يتطلب إخراج إيران من سورية، وأيضًا هناك الشروط الأميركية التي تكررها: “إخراج إيران، التخلص من داعش، إحداث تغييرات في النظام”، لتسليم سورية لها، وبذلك تصبح إيران مشكلة أمام روسيا، بعد أن كانت تتحالف معها. الصدامات العسكرية في شمال حماة وحلب ودير الزور ومناطق كثيرة، وكذلك الفيتو الروسي على كافة العقود والاتفاقيات الاقتصادية، وآخرها ما يخص مرفأ اللاذقية، وهناك الاختلاف حول أجهزة الأمن والجيش السوريين، حيث كل دولة تستميل أطرافًا منها لصالحها، وهناك ألوية وكتائب وفروع أمن أصبحت تابعة لكل منهما. قصدت من الإطالة في المعلومات المتداولة هذه توضيح أن روسيا أصبح من مصلحتها الابتعاد عن إيران في سورية، ووراثة كل ما تملكه ووضع يدها عليه.

في العراق، خرجت تظاهرات من مناطق كانت تُحسب لصالح إيران، وفي سورية، مع اشتداد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن التململ السابق من طائفية إيران، هناك كتلة بشرية واسعة ترفض الوجود والتشيع الإيراني في سورية، الأمر ذاته في لبنان واليمن؛ هذه التطورات تعتمد على الافتراق الأميركي عن إيران، وكذلك الافتراق الروسي عنها، ولكنها كذلك نتيجة غباء السياسات الإيرانية ومحدودية أفقها، وبالتالي هناك إمكانية كبيرة للمساومة، بين روسيا و”إسرائيل” والولايات المتحدة الأميركية، بما يطرد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من سورية، والأخبار بخصوص ذلك لا تغيب يومًا عن الإعلام.

إيران أرادت الحفاظ على علاقات قوية مع النظام. إنّ فشل النظام في إدارة أزماته وطول أمدها، والتدخل الدولي الواسع، أشعر إيران بأن كل ذلك سيذهب هباء، ولهذا أوقفت الخط الائتماني عن البنك المركزي السوري، وهذا ساعد في تدهور الوضع السوري أكثر فأكثر. أزمة النظام وزيادة محاصرة إيران تعني، في ما تعنيه، أن النظام سيتجه أكثر نحو روسيا، في الوقت الذي يمكن أن تنقذه من أزمة الوقود، مثلًا، حيث هناك احتمال أن توردها روسيا له، ولكن خطوته هذه سترهن النظام ضمن المساومات الكبرى لصالح روسيا! وذلك حينما تحين لحظة الاتفاق حول سورية.

تحليلنا أعلاه يستند إلى أن دولة عظمى كروسيا، أو أميركا، لن تسمح بوجود دولة ضعيفة منافسة لها. يُمكن السماح بدورٍ تكميلي لسياستهما، ولكن إيران حاولت منافستهما، ومن هناك خطيئتها الكبرى. في هذا لن تتراجع السياسة الإيرانية، وهو ما دفع أميركا وروسيا إلى التصعيد ضدها في أكثر من دولة في منطقتنا.

إذًا، سورية لن تظل رقعة ضمن السجادة الإيرانية، وهذا التطور يقابله السوريون “موالون ومعارضون” برضًى كبير، ولكن ذلك لن يُنجي سورية أيضًا، حيث إن خروج إيران لن يكون من دون ثمن وتعويضات من ناحية، وستصبح سورية أكثر فأكثر تحت سيطرة الاحتلال الروسي، والتركي والأميركي من ناحية أخرى، وطبعًا ستكون روسيا هي الاحتلال الأساسي في سورية، كما تشير السياسات الأميركية والتركية والإسرائيلية.

السوريون الآن، وقد شارفت إيران على تحجيم مصالحها في سورية، معنيّون بمعركة قانونية ضد إيران، واعتبارها مشاركة في الحرب ضد الشعب، وبالتالي إخراجها من دون تعويضات، ورفع قضايا دولية ضدها، لما ارتكبته من جرائم ضد الشعب السوري، ومعنيّون أيضًا، بخوضِ معركة تحرر وطني من بقية الاحتلالات، وهي مهمات كبرى، نظرًا إلى ما يكتنف الوضع السوري من تعقيدات في المشهد السياسي والإنساني والاقتصادي والاجتماعي..

===========================

السوريون بين التمهّل الأميركي والاندفاع الروسي والصراع الإقليمي

 عبد الباسط سيدا

جيرون

السبت 27/4/2019

تحليلات كثيرة، تبلغ حد التناقض أحيانًا، تقدم هنا وهناك بخصوص الوضع السوري، تستند في القسم الأكبر منها إلى التخمينات والاجتهادات، وإلى القليل من المعطيات والمعلومات. وتفسير ذلك هو عدم القدرة على التهكن بالموقف الأميركي النهائي الذي ينتظره الجميع، لضبط حساباتهم وتحديد توجهاتهم.

فروسيا، على الرغم من وجودها القوي في سورية، تعلم أن الكلام الأخير سيكون للأميركان. والأمر ذاته بالنسبة إلى كل من إيران وتركيا و”إسرائيل”. هذا رغم حالة التفاهم القائمة بين الجانبين الإسرائيلي والأميركي، حول مستلزمات الأمن الإسرائيلي وفق الرؤية الإسرائيلية من جهة، ومقومات ضبط المعادلات الإقليمية وفق الاستراتيجية الأميركية، من جهة ثانية.

أما اميركا نفسها، فهي غير مستعجلة في أمرها، وذلك لمعرفتها التامة بعدم قدرة الآخرين على تجاوز الخطوط المنصوص عليها، ولا سيّما تلك التي تم التوافق بشأنها مع الروس. وهي على ما يبدو ستنتظر أكثر، لتتأكد من طبيعة التحولات التي تشمل كلًا من السودان وليبيا والجزائر. كما أنها تتابع عن قرب تفاعلات الوضع العراقي، منذ تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي، وهي تسعى من أجل إفهام إيران والقوى المتحالفة معها بأن قواعد اللعبة قد تغيّرت، وأن العراق مستقبلًا لن يستمر في كونه ساحة لهيمنتها المطلقة، ولعل هذا الأمر يلقي بعض الضوء على تحركات السعودية نحو بغداد، وزيارة عبد المهدي للرياض قبل أيام.

من ناحية أخرى، لا بدّ أن نأخذ بعين الاعتبار الحملة الانتخابية الأميركية التي ربّما بدأت مع إعلان بايدن ترشحه، وهذا معناه تأجيل اتخاذ القرارات الحاسمة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية؛ الأمر الذي سيؤدي إلى استمرارية وضعية مناطق النفوذ المعتمدة حاليًا من قبل الفاعلين الأساسيين في الوضع السوري، ولا سيّما من جانب الروس والأميركان على وجه التخصيص. هذا إضافة إلى الإيرانيين والأتراك، مع الأخذ بعين الاعتبار التباينات الواضحة في أسباب وتبعات حضور كل طرف في المعادلة السورية.

فالروس قد استخدموا الورقة السورية لحسابات استراتيجية، مكنتهم من العودة إلى المنطقة في مظهر القوة العظمى، وذلك في ظل غياب الدور الأميركي الفاعل منذ أوائل عهد أوباما، واستمر لاحقًا، وإن بحدود أقل، في مرحلة ترامب. ولم تكن العودة الروسية بعيدة من التوافقات مع الجانبين الأميركي والإسرائيلي. وقد شملت تحديد مناطق الانتشار، وقواعد الاشتباك، وضبط سلوكية النظام والإيرانيين و”حزب الله”، وذلك بما يتناغم مع المصلحة الأمنية الإسرائيلية، ويأخذ التوجهات الأميركية بعين الاعتبار.

أما الأميركان، فقد اتخذوا من ورقة محاربة الإرهاب الداعشي مقدمة لتعزيز نفوذهم، بمعية الحلفاء الأوروبيين، في منطقة شرقي الفرات، وهي المنطقة التي تمتع بمكانة استراتيجية، جغرافيًا واقتصاديًا وديموغرافيًا. فالمنطقة المعنية محاذية للحدود العراقية والتركية، وليست بعيدة من الحدود الجنوبية مع الأردن و”إسرائيل”، ولا من دمشق، إذا ما لزم الأمر.

كما أنها تضم الثروات السورية الأساسية، من نفط وغاز وسهول زراعية واسعة. هذا فضلًا عن الوجود الكردي والعربي السني على وجه التحديد، وهو الوجود الذي يتفاعل ويتكامل مع ما هو عليه الوضع في الجانب العراقي المجاور. فالنفوذ الأميركي في هذا المنطقة يشكل ضغطًا على المشروع الإيراني، كما أنه لا يريح تركيا، ولا سيما في مناخات تعثر المسار السلمي لحل القضية الكردية في الداخل التركي، وتصاعد نبرة التشدد القومي الذي اعتمد أداة من أدوات تجييش الرأي العام الداخلي. ولكن الانتخابات المحلية الأخيرة أكدت ضرورة إجراء مراجعة جادة، ربما تمكّن حزب العدالة والتنمية من العودة إلى مشروع التواصل الانتفاحي الذي كان من شأنه تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية، وإتاحة الفرصة أمام تركيا لأداء دور جامع بين القوى الإقليمية، وذلك عوضًا من الاصطفاف مع كل من روسيا وإيران، في مظهر تحالف قسري لا يطمئن شعوب المنطقة عمومًا، والشعب السوري على وجه التخصيص، كما أنه يزيد من حدة وضعية التشنج بين تركيا وحليفاتها في الناتو والغرب عمومًا.

أما الوجود الإيراني في الساحة السورية، فهو الوجود الأخطر، والأكثر تهديدًا للمجتمع السوري من جميع النواحي. فالنظام الإيراني يسعى لفرض هيمنته على مفاصل القرار، ضمن ما تبقى من أشلاء الدولة السورية، عبر طرق عدة منها الاستمرار في تغذية النزعة المذهبية لغايات سياسية، وهذا ما يتجسد في حملات التشييع المنهجية المستمرة في مختلف المناطق السورية. كما أنه يسعى من خلال وكلائه المحليين ، ومن خلال النظام نفسه، للحصول على مزيد من المواقع والاستثمارات، خاصة في منطقتي الساحل ودمشق، وذلك بغية التمكّن من إحداث تغييرات ديموغرافية مذهبية، تكون، بالنسبة إليه، خطوات على طريق تنفيذ مشروعه الامتدادي التوسعي، وهذه مسائل لم تعد سرًا مجهولًا، بل باتت جزءًا من واقع يلاحظه الجميع.

أما التواجد التركي في منطقة الشمال، بدءًا من جرابلس غربي الفرات، ووصولًا إلى تخوم المنطقة الساحلية، وهي المنطقة التي تشمل الباب وإعزاز وإدلب وعفرين، فهو الآخر قد يتحول إلى شكل من أشكال التكامل الاقتصادي الأمني الطويل المدى، في ظل حالة العطالة التي تعانيها المعادلة السورية، وبفعل حالة انعدام الثقة بين سكان تلك المناطق ونظام بشار الأسد الذي ما زال يتعامل مع السوريين، بعقلية المنتقم المتشفّي الذي يوهم نفسه وأتباعه بالانتصار، ويهدّد السوريين بسيوف الآخرين. وهو يعلم علم اليقين أنه لا يستطيع الاستمرار في موقعه أيامًا، من دون سند روسي إيراني.

أما المعارضة الرسمية، فهي ما زالت في حالة التآكل المستمرة التي تعانيها منذ سنوات، لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية. وقد أصبحت -بكل أسف- مجرد واجهة للتغطية على توافقات القوى الدولية والإقليمية، وهي تنتظر دورًا يسند إليها في إطار التوافقات المعنية، إذا تمت.

هل سيستمر السوريون، في كل جهاتهم وبمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم، في انتظار ما يقرره الآخرون بشأن مصير بلدهم الذي تهدده العواصف من مختلف الأنحاء؟ أم أنهم سيسعون لاسترجاع إرادتهم أولًا، وسيعملون على إفهام الجميع بأن تحديد المصير النهائي لسورية وأجيالها المقبلة هو أمرٌ يخص السوريين قبل أي طرف آخر.

تساؤل ينتظر الإجابة التي لا يمكن أن تكون مقنعة، من دون تحرك واقعي بعيد النظر، يقطع مع الشعارات العاطفية، ويتجاوز حدود الاندماج البنيوي في مشاريع الآخرين.

===========================


برهان غليون وتبرئة الأنا في "عطب الذات"

عمر كوش

العربي الجديد

السبت 27/4/2019

عندما تبدأ قراءة كتاب الأكاديمي السوري، برهان غليون، "عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل 2011-2012" (الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019)، يشد انتباهك عنوانه الرئيس: "عطب الذات"، فتتساءل عن أي ذاتٍ يقصدها غليون، ويسمها بالعطب الذي يحيل إلى الفساد، والعطل، والخلل... هل هي ذات السوريين بشكل عام، أم ذات ناشطي الثورة السورية، أم ذات المعارضة، شخصياتها وقواها وأحزابها التي انخرطت في كيانات المعارضة السياسية وتشكيلاتها العسكرية، أم ذات المؤلف نفسه؟

مع التقدّم في قراءة الكتاب، يجد القارئ أن المقصود هو ذات المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، وخصوصا التي احتلّت المقاعد الأولى في المجلس الوطني السوري، الذي تشكل في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول 2011، وتصدرت المشهد السياسي للمعارضة السورية في ذلك الوقت. وهنا تساؤل: إذا كان غليون يريد، من الكتاب، وضع يده على العطب الذي أصاب المجلس الوطني وسواه من تشكيلات المعارضة، فإن ذلك العطب يصيبه أيضاً، بوصفه كان فاعلاً رئيسياً فيها، عندما ترأس المجلس منذ لحظة تشكيله إلى أن اضطر إلى تقديم استقالته في الرابع والعشرين من مايو/ أيار 2012، ثم واصل حضوره في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، لكننا لا نعثر في الكتاب على أي إشارةٍ إلى نقدٍ لذاته هو، ولا أي إشارة ندم أو أسف، أو مراجعةٍ نقديةٍ لموقفٍ أو قرار اتخذه، ولا حتى مجرد اعتذارٍ من طرفه، بل خطّ غليون كتابه، وفق سرديّته الصغيرة التي بنى عليها روايةً، تنبري فيها الأنا، بوصفها قائدةً ومبادِرة، وصاحبة مشروعٍ أفشله الآخرون، وكأن الغاية الأساسية لرواية الكتاب تطهير أنا الراوي، ورمي العطب على ذوات الآخرين فقط، في محاولة لتبرئتها من الأخطاء والهفوات والنواقص التي اعترت عمل المجلس الوطني وممارساته، وما تلاه من كيانات سياسية للمعارضة.

يجمع الكتاب بين أجزاء أو مقتطفات منتقاة من السيرة الذاتية للمؤلف، ورواية وقائع سياسية جرت بمشاركته، بوصفه كان فاعلاً رئيساً فيها، وبين ما يشبه التدوين أو التأريخ اليومي 

"العطب الذي يتحدث عنه غليون يصيبه أيضاً، بوصفه كان فاعلاً رئيسياً في المعارضة السورية" والوقائعي للثورة السورية، إضافة إلى محاولات تحليل مواقف وقضايا سياسية وسوى ذلك.

ويبدأ غليون روايته من بدايات احتكاكه "بنخب المعارضة السورية" التي تعود إلى "حقبة الصراع السياسي والفكري، الذي فجره انهيار الوحدة السورية المصرية عام 1961"، ومشاركته في تحرير أول مجلة فلسطينية لحركة فتح، وذهابه مع "ميشيل كيلو في جولة على مكاتب المنظمات الفلسطينية في الأردن"، واكتشافه "القدرة الفائقة لنايف حواتمة على الاستغراق في النظرية"، واندهاشه بـ"الديناميكية الجسدية التي كان يفرض من خلالها ياسر عرفات نفسه وقيادته على الجميع". وبعد أن أنهى دراسته الجامعية في دمشق، قرّر الذهاب إلى باريس لاستكمال دراسته العليا، خوفاً من أن يمضي سنوات في سجون حافظ الأسد. وحين أنجز رسالة الدكتوراة عام 1974، قرر العودة إلى سورية والعمل فيها، لكنه، وأمام تهديدات أزلام النظام، قفل عائداً إلى باريس، ومنها إلى الجزائر. وبعد غياب دام 26 عاماً عن سورية، شكلت وفاة والده مناسبة لاستعادة علاقته بسورية، فبدأ منذ عام 1996 يتردد عليها، ويقضي عطلته الصيفية فيها، لكن فترة "ربيع دمشق" شكلت فرصة عودته "إلى سورية بالفعل، وليس بالفكر فحسب"، وهي فترة دشنها بيان الـ99، الذي يقول برهان غليون إنه كاتب نصه، فيما يروي مثقفون وسياسيون سوريون أن ميشيل كيلو وعمر أميرالاي هما من كتباه، وربما أبدى غليون ملاحظات واقتراحات، والأمر نفسه ينطبق على روايته وقائع أخرى، أوردها في كتابه بما يتناسب مع سرديته الصغرى، وخصوصا ما جرى خلال فترة رئاسته المجلس الوطني السوري.

ويلجأ برهان غليون في كتابه إلى منطق الإحالة والفصل والتقابل، حيث يضع أناه في مواجهة أطراف المعارضة السورية، وقواها السياسية والعسكرية. ويمتد ذلك إلى تقابلات ثنائية تتغذّى من سرديته الخاصة بشكلٍ جعله يحيل إغلاق النظام الأسدي جميع المنتديات، والإبقاء على منتدى جمال الأتاسي، إلى مكافأة لرئيس تكتل التجمع الوطني الديمقراطي، حسن عبد العظيم، وهي إحالة مجافية للحقيقة، فيما يعلي كثيراً من أثر محاضرته في منتدى الحوار الوطني الذي كان يديره رياض سيف. والأدهى من ذلك مقارنته بين رياض الترك وحسن عبد العظيم، وفق تقابل مجحف، وبما لا يتسق مع تاريخ الترك ومكانته ومواقفه. ثم تصويره انقسام المعارضة، وكأنه نتيجة خلافٍ شخصيٍّ ما بين الرجلين، وأن ضغوطا قام به غليون نفسه، وغيره من الناشطين والسياسيين، أفضت إلى استجابة كل منهما لها، وقبلا بالعمل في تجمع "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي". ثم يبرّر رفضَه التوقيع على إعلان دمشق، باعتراضه على فقرةٍ، أصرّ عليها جورج صبرا، وتنص على أن "الإسلام دين الأكثرية وينبغي أن يحظى باهتمام خاص"، الأمر الذي حدا بجورج صبرا إلى أن يوضح في مقاله "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي.. القصة الكاملة" (العربي الجديد، 6/4/2019)، ما يخالف رواية غليون الذي أظهر علمانية لافتة حيالها، وأكثر تشدداً من العلمانية الفرنسية، في حين أن نص الفقرة: "الإسلام الذي هو دين الأكثرية وعقيدتها، بمقاصده السامية وقيمه العليا وشريعته السمحاء، يعتبر المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة والشعب. تشكلت حضارتنا العربية في إطار أفكاره وقيمه وأخلاقه، وبالتفاعل مع الثقافات التاريخية الوطنية الأخرى في مجتمعنا، ومن خلال الاعتدال والتسامح والتفاعل المشترك، بعيداً عن التعصب والعنف والإقصاء. مع الحرص الشديد على احترام عقائد الآخرين، وثقافتهم وخصوصيتهم، أياً كانت انتماءاتهم الدينية والمذهبية والفكرية، والانفتاح على الثقافات الجديدة المعاصرة".

يسرد برهان غليون بعض وقائع الثورة السورية ويومياتها بانتقائية شديدة، بينما يُسهب في ذكر تفاصيل عقد المؤتمرات والاجتماعات، الباحثة عن تشكيل كيان سياسي، يمثل الثورة السورية، والتي شارك، في معظمها، راوياً تفاصيل جلّها معروفة ومتداولة في الوسط السياسي للمعارضة السورية. وفي المقابل، لم يبذل غليون جهدا في كشف خبايا مداولاتها وكواليسها التي جرت، بينما أفاض في الحديث عن دوره وعن شروطه التي كان يضعها مسبقاً للمشاركة في أي مؤتمر أو اجتماع للمعارضة، ويرجع ذلك إلى أن كتابه يتعلق بما شاهد وسمع وعرف، وليس بحثاً أو تأريخا، إنما روايته فقط، وليس رواية الآخرين.

ويكتفي غليون بذكر المناورات التي قامت بها بعض أطراف المعارضة، لانتزاع أكبر حصة في مداولات تشكيل المجلس الوطني الذي دُعي إلى قيادته، مع شعوره، بعد التوافق على تشكيله، بأنه "لم يكن أحد من المشاركين يريد فعلاً العمل مع الآخرين، أو يشعر بمعنى إقامة جبهة عريضة للمقاومة، وأن أغلب الأطراف قبلت التوقيع على الاتفاق من باب الحسابات الخاصة"!

إذا، منذ لحظة التأسيس ولد المجلس الوطني ميتاً أو مشوهاً على الأقل، حسبما يشير غليون،

"يضع غليون أناه في مواجهة أطراف المعارضة السورية، وقواها السياسية والعسكرية" وإن كان الأمر كذلك، فلماذا قبل رئاسته؟ الجواب في مراهنته "على الثقة الكبيرة التي منحها إياه جمهور الثورة الواسع وناشطوها". ومع ذلك، يتغنّى غليون بمقولة إنه "لم يكن لأي دولة أو قوة أجنبية دور في تشكيل المجلس الوطني"، ثم بـ"نجاح تأسيسه، بوصفه حدثاً بارزاً في مسار الانتفاضة السورية بمقدار ما عبر عن انتصار المعارضة على انقسامها وتجاوز خلافاتها". وهذا يخالف ما ذهب إليه آنفاً، بالقول إن الأطراف التي اتفقت على تشكيله لم تكن تريد فعلاً العمل مع الآخرين، وأنها قبلت التوقيع لحساباتٍ خاصة!

ويتمسّك برهان غليون بشعار "المجلس الوطني يمثلني"، الذي رُفع في تظاهراتٍ بعد تشكيل المجلس، ويورده في عدة صفحاتٍ من الكتاب، لكنه يتغافل عن رفض أعضاء كثيرين في المجلس الوطني تمديد فترة رئاسته المجلس، ومن بينهما كتلة إعلان دمشق، ولجان التنسيق المحلية التي هدّدت بالانسحاب من المجلس في 17 مايو/ أيار 2012، بعد تمديد فترة رئاسة برهان غليون، وطالبته بالاستقالة. لكن غليون المثقل بشعوره أنه وقع ضحية حرب ضده منذ لحظة رئاسته، يتحدّث عن مؤامرة من أطراف في المجلس حيكت ضده، وأفضت إلى إفشال أهداف المجلس الوطني، مع أنه يرفض القول بوجود مؤامرة من القوى الدولية ضد الثورة السورية وناسها. ويرى أن المؤامرة التي حيكت، والحرب التي شُنّت ضده، وخصوصاً من "إعلان دمشق"، كانت سبباً رئيساً في إخفاقات المجلس، منطلقاً من سرديته الخاصة، سيما في كل تحليلاته للعقد الشخصية والأخلاقية لقوى المعارضة والثورة السورية، التي انشغلت بالصراع على زعاماتٍ وهمية، بدلاً من العمل الجماعي المنجز، الأمر الذي أفشل مشروعه المؤسساتي، في حين أن أعضاء في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني (هيثم المالح في بيان استقالته، ورواية آخرين مثل سمير نشار)، قدّموا شهادات عن نزعة انفراد غليون بقرارات المجلس، من دون استشارة أحد، وانصياعه وممالأته القوى الإسلامية فيه، وأنه لم يكن يحمل أي مشروع، بل كان يقود المجلس، في بعض الفترات، عبر "سكايب" من باريس، حسبما روى أكثر من عضو في المجلس.

لعل الإشكال الكبير الذي رافق المجلس الوطني السوري (الذي أراد معظم أعضائه أن يولد شبيها بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي)، يتمثل في استعجال تشكيله، ومبدأ المحاصصة الذي نهض عليه، حيث يشير غليون إلى ثلاث قوى رئيسية تقاسمت النفوذ داخل المجلس، وتنازعت على قراره: إعلان دمشق وجماعة الإخوان المسلمين ومجموعة العمل الوطني أو مجموعة الـ 74 التي انقسمت إلى مجموعتين، بعد أسابيع من ولادة المجلس. لكن الأهم أن مبدأ التوافق الذي شيّدت تركيبة المجلس بناء عليه، يجمع بين أحزاب وقوى وشخصيات غير حزبية، وسميت مستقلة، والأضعف في هذه التركيبة كانت الشخصيات المستقلة، وغليون كان أحدهم، ولذلك كانت تضطر إلى الانضواء تحت ظل هذه الكتلة أو تلك، وكان وزن الإسلاميين هو الطاغي على تركيبة المجلس. والأدهى أن المجلس لم يشكل جبهة تحالف أو توافق على خدمة الثورة وناسها، بقدر ما شكل كياناً للاستحواذ والهيمنة والاستغلال الحزبي والاستثمار الشخصي، ولذلك لم يتمكن قادة المجلس من تشكيل مؤسسة حقيقية، تنهض على مبدأ العمل الجماعي الممأسس. وبالتالي من الطبيعي أن يتحدث غليون بمرارة عن ممارسات جماعة الإخوان المسلمين ومراوغاتهم، ودور بعض شخصيات كتلة العمل الوطني، الذين يصفهم 

"منذ لحظة التأسيس ولد المجلس الوطني ميتاً أو مشوهاً على الأقل، حسبما يشير غليون" بالشخصيات "النشطة والذكية والكفؤة"، وأبرزهم أحمد رمضان الذي يكتب غليون عن عدم دفاعه "عن المجلس ورئيسه أمام الهجمات متعددة الأطراف التي تعرّض لها". والغريب أن غليون يتناسى، بشكل مقصود، البيان، الذي أصدره رمضان باسم المكتب الإعلامي للمجلس، ونعى فيه أخاه، بوصفه شهيداً للثورة، في حين أن كتيبة "أبو عمارة"، التي تنتمي إلى "الجيش الحر"، أخبرت المجلس الوطني أنها هي من قتلته، بوصفه كان مع النظام الأسدي في حلب.

يخصّص غليون عدة صفحات من كتابه لوصف ممارسات شخصيات عديدة، في جماعة الإخوان المسلمين وعدنان العرعور. ويستفيض في تلمس الخلافات بين الفصائل العسكرية، وخصوصا بين مصطفى الشيخ ورياض الأسعد، اللذين يحمّلهما مسؤولية عدم توحيد فصائل الجيش الحر. كما يخوض غليون نقاشاً عن سلمية الثورة وعسكرتها، من دون أن يحسم الأمر لصالح إحداهما، وكذلك فعل حين تناول الإسلاميين والعلمانيين، ومقولة أسلمة الثورة، مع أنه حاول رصد الخيارات السياسية والأيديولوجيات المأزمة، التي كانت تكمن وراءها، والصراعات التي دارت حولها. وينسحب الأمر نفسه على تناوله المواقف والسياسات الدولية والعربية من الثورة السورية، التي أحاطها بكثير من التفهم والتبرير، من دون أن يشير إلى دور إسرائيل وتدخلات ساستها وجنرالاتها لدى الإدارة الأميركية، من أجل الإبقاء على بشار الأسد في السلطة. ولعل التركيز على تباين المواقف الدولية والإقليمية وتبدلاتها، ظهر وكأنه محاولة لتفهم مواقفها وساسياتها، المبنية على صراع المصالح والنفوذ، وجعل غليون يركز في كتابه على العوامل الذاتية، وعلى عطب الذات، دون تحميل القوى الخارجية مسؤولية في ما آلت إليه الأوضاع في سورية، وخذلان الثورة وناسها.

يتحدث برهان غليون مطولاً عن زياراتٍ قام بها، مع أعضاء في المكتب التنفيذي، إلى عواصم دولية، ويتناسى مسألة انتقال المجلس إلى الداخل السوري الذي كان مطلباً ضرورياً كي يوجد من نُصِبوا ممثلين للثورة وقادتها في الميدان، مع الثوار والحاضنة الشعبية للثورة في المناطق الخارجية عن سيطرة النظام، لكنهم رفضوا ذلك، وآثروا البقاء في الخارج، وأخذ الصور التذكارية مع شخصيات ومسؤولين أجانب. والأدهى أن نجاحات المجلس يحصرها غليون في "الإنجازات السياسية والدبلوماسية والإعلامية التي حققها في الأشهر الأربعة الأولى"، ويعتبرها "الحقبة الأنصع في تاريخ المعارضة السورية"، في حين أن رئيس المجلس وأعضاء المكتب التنفيذي لم يقوموا بأي زيارة للداخل السوري، ولا إلى مخيمات اللجوء السوري في دول الشتات. والغريب أن يحصر غليون خطأ المجلس الوطني، ويُبرئ نفسه منه، في أنه "بعد أن تأكد من انعدام إرادة التدخل الدولي، استمر يراهن على احتماله وعلق نفسه بالدعم النوعي الذي يمكن أن يحل محله". وقد يمتلك هذا القول وجاهة، لكنه لا يحصر أخطاء المجلس ورئيسه، التي من بينها، الافتقار للعمل المؤسساتي والقيادة الجماعية، وسيادة منطق الانفراد باتخاد القرارات. واللافت أن غليون يكشف عن أنه كان يتواصل مع نظام الملالي الإيراني، وبالتحديد مع صادق خرازي، مستشار الولي الفقيه، علي خامنئي، عبر وسيط فرنسي، عندما كان رئيساً للمجلس، في حين أن جميع أعضاء المكتب التنفيذي لم يكونوا على علم بهذا التواصل، ولم يضعهم رئيسه في صورته وفحواه، في حين أن غليون يقلل من أهمية ذلك، ويعزو لقاءه خرازي إلى معرفة ما يفكّر به الإيرانيون وحدود تطلعاتهم في سورية، وماذا ينتظرون من السوريين ومن المعارضة. كما أن غليون وقّع "وثيقة القاهرة" مع ممثل هيئة التنسيق في الخارج، هيثم منّاع، من دون الرجوع إلى استشارة المكتب التنفيذي للمجلس، وسرّبها منّاع إلى وسائل الإعلام، الأمر الذي جعل غليون ينكر الواقعة، لأنها استجرت خلافات حادة بينه وبين أعضاء المجلس. وكذلك حين سجّل خطاباً متلفزاً للشعب السوري، طلب منه أحد أعضاء المكتب التنفيذي، أن يطلعه على نص الخطاب المكتوب قبل بثه تلفزيونياً، فرد على غليون: ستطلع عليه بعد قليل، عندما يبث عبر شاشة التلفزيون، وحين استهجن ما سمعه من غليون، رد عليه الأخير قائلاً: "نفذ ثم اعترض" (روى الواقعة سمير نشار، أكثر من مرة، بحضور أعضاء في المكتب التنفيذي، منهم خالد خوجا وفاروق طيفور وحسين السيد وسهير أتاسي وجورج صبرا).

غير أن التحدّي الأكبر للمعارضة السورية، في مختلف تشكيلاتها السياسية، وبشخصياتها

"يستفيض الكتاب في تلمس الخلافات بين الفصائل العسكرية، وخصوصا بين مصطفى الشيخ ورياض الأسعد" السياسية التي تصدّرت المشهد، وكان غليون أحدها، يكمن في عجزها عن طرح بديل ديمقرطي حقيقي، لأنها لم تكن ديمقراطيةً بالمعنى المعروف للكلمة، في الممارسة، إذ بيّنت تجاربها عدم تمكّنها من طرح مشروع ديمقراطي بديل وجامع لكل السوريين، ولم يكن خطابها السياسي جامعاً، أو موجّهاً إلى جميع السوريين، بل أصابت معظم أفرادها أمراض نظام الاستبداد نفسها، الشخصنة والممارسات الفردية العمل السياسي، وخصوصا في اتخاذ القرار، وعدم الاستناد إلى العمل الجماعي، فضلاً عن الفساد الذي لعبه المال السياسي في أوساطها.

وعندما تشكلت الهيئات والتشكيلات السياسية السورية للمعارضة، كانت الشخصيات والقوى والحركات الإسلامية، إضافة إلى شخصياتٍ وقوى أخرى، ادعت أنها ليبرالية وديمقراطية، سبّاقة للانخراط بقوة فيها، مستفيدة من علاقاتها الإقليمية والدولية المتعدّدة، ومن الحاجة لتشكيل كيان يمثل مظلة للثورة وناسها في ذلك الوقت، بدءاً من المجلس الوطني السوري، وصولاً إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وانتهاء بالهيئة العليا للتفاوض وسواها. وتحولت هذه الكيانات إلى نواد مغلقة، ومتعالية على عموم السوريين، وتمارس الهيمنة والاستحواذ، وكانت جماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب رصيفاتها الأخريات، تسعى إلى الهيمنة على مختلف الفصائل العسكرية، مستفيدةً من مصادر دعم مالية عديدة، عربية وإقليمية ودولية.

الإطلاقية في "عطب الذات.. "، والتعميم أحياناً، وعدم امتلاك الجرأة في النقد الذاتي والمراجعة النقدية الموضوعية، أفضى ذلك كله إلى التنصّل من مراجعة الذات ونقد الأخطاء وتعلّم الدروس، مع أن الكتاب يأتي في سياق حاجة الثورة السورية لكتابة السير الذاتية النقدية، والدراسات والأبحاث والمؤلفات، لأن المتغيرات التي حملتها الثورة تمثل تحولات كبرى في تاريخ سورية، وسطّرت مرحلة جديدة، لم تهدأ رياحها بعد.

===========================

موقفنا : تصريحات بوتين في الصين .. الموقف المأزوم وعملية البحث عن شريك

زهير سالم

مركز الشرق العربي

30/ 4/ 2019

اتسمت تصريحات الرئيس الروسي في بوتين عن الملف السوري التي أدلى بها أثناء زيارته للصين بالادعاء والغرور . فالرئيس المأزوم حقيقة في سورية ، والذي ما يزال يبحث عن شركاء دوليين وإقليميين يتحملون معه مسئولية جرائم الحرب التي ارتكبها تحت عنوان الحل السياسي ضد الشعب السوري . العين الروسية ما تزال على دور صيني داعم يخفف عن بوتين عبء الانفراد بالجريمة .

نذكر بالشراكة الروسية - الصينية على عدد من قرارات الفيتو في مجلس الأمن التي حمت الزمرة الأسدية من محاسبة دولية على جرائم الحرب التي ما تزال مستمرة منذ عقد من الزمان ..

ونذكر بالدعوات الأسدية المتلاحقة التي ما يزال يطلقها وليد المعلم للصينيين لكي ينخرطوا في اللعبة الروسية في سورية . تأتي دعوات وليد المعلم إلى الصينيين للاشتراك في احتلال سورية مدهونة بعسل إعادة الإعمار ، في إطار قدرة الزمرة الأسدية على شرعنة أي احتلال تريد .

ودعوات وليد المعلم الصين إلى التدخل في الشأن السوري تأتي تلبية للرغبة الروسية الأصلية في إيجاد شركاء في تحمل مسئولية الجريمة أو الجرائم ، كما تلبي حاجة أسدية خالصة إذ كلما كثر الشركاء على الأرض توفرت قدرات أفضل على المناورة .

ولقد عبر عن الموقف الروسي المأزوم والباحث عن شركاء لتحمل جرائر السياسات الروسية ، دعوة لافرنتييف مندوب روسية إلى سورية بالأمس إلى قمة رباعية جديدة كالتي دعا إليها أردوغان من قبل والتي انعقدت في استنبول 27 / 10 / 2018 واشتركت فيها كل من روسية وتركية وفرنسة وألمانيا .

انفض سامر أستانا عن " لا شيء " ولذا فإن لافرنتييف يقرر الحاجة إلى فرقاء جدد : يطرحون أفكارا جديدة للتقدم على صعيد الحل السياسي .

وبينما يبدو الدور الإيراني مشغولا بنفسه هذه الأيام .. يتابع الدور الروسي في إمساك العصا من الوسط فطورا يشارك الزمرة الأسدية في الاعتداءات على مناطق خفض التصعيد فيقتل الأبرياء ويهدم المدارس والمستشفيات كما فعل بالأمس في ريف حماة وإدلب ويسابق إلى إطلاق التهديدات والوعيد بالاجتياح يعود إلى الحديث عن الحل السياسي والدستور والدوريات المشتركة مع الأتراك ..

تصريحات بوتين في الصين كانت محاولة لتطمين الصينيين وكل الشركاء المحتملين أن مشروع التقتيل والتهجير والتدمير في سورية قد انتهى وأن المعارضة السورية قد اعترفت بانتصار بشار الأسد وهذا التصريح إحدى تشكلات عجينة الكذب الروسي لإغراء الصينيين وغيرهم بالاقتراب ، فلم يعد في سورية غير ملف إعادة الإعمار وإعادة المهجرين التي يسيل لها لعاب الكثيرين اليوم ..

وفي السياق يأتي تصريح بوتين عن صيرورة الواقع في إدلب والشمال السوري الذي يؤكد بوتين ضرورة عودته تحت سيطرة القاتل المبير !!

وحين نصغي إلى قول بوتين : إن الوقت غير ملائم الآن ونقرنه بواقع الاعتداءات اليومية ، والحشود المستمرة على الشمال ؛ من حقنا أن نتساءل : هل تصريح بوتين هذا مجرد إنذار بأن الحل السياسي لن يكون ، أو هو تصريح تخدير وتغرير ليفاجأ السوريون بعملية اجتياح ترادف حرب إبادة جديدة كالتي شهدناها في حلب الشرقية وفي غوطة دمشق وفي مدن وبلدات حوران ؟!.

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

=========================

لماذا سمحت إسرائيل لإيران بدخول سوريا وتريد الآن طردها؟

 د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 27/4/2019

ليس سراً أبداً أن أمن إسرائيل من أهم مقدسات أمريكا وأوروبا وحتى روسيا وكل الأنظمة العربية عموماً. لقد أقسم الجميع منذ عقود وعقود على حماية أمن إسرائيل بكل السبل والوسائل، حتى لو تطلب ذلك التضحية بالمصالح الخاصة لتلك الأطراف. أمن إسرائيل لا يعلو عليه أمن في العالم، وبالتالي لا يمكن أن يسمح الغرب وعلى رأسه أمريكا للطير الطائر أن يخترق أو حتى يقترب من حدود إسرائيل المقدسة. ولا ننسى أن أهم أوراق اعتماد الطواغيت والجنرالات العرب الحاكمين في دول الطوق هي حماية أمن إسرائيل أولاً وأخيراً. ولا ننسى ما قاله ابن خال بشار الأسد رامي مخلوف في بداية الثورة حيث كشف لأول مرة دون مواربة أن أمن إسرائيل من أمن النظام، أي أن أمن إسرائيل سيتضرر كثيراً فيما لو سقط النظام لأن مهمته الأولى الحفاظ على أمن الدولة العبرية.

وغالباً ما تعمل إسرائيل بعقلية الملك حيرود عندما يتعلق الأمر بحماية أمنها، فليس هناك مجال للمجازفة مطلقاً ولو كانت نسبة الخطورة واحداً بالمليون. ومعروف أن الملك حيرود قد قام ذات يوم بقتل كل المواليد الجدد عندما قالوا له إن أحد المواليد سيصبح ملكاً وسيهدد عرشك، فاغتال كل الرضع خشية أن يصبح أحدهم فعلاً ملكاً ذات يوم يهدد ملكه. ولا ننسى كيف قامت الدولة العبرية بتدمير المفاعل النووي العراقي وهو على الهيكل خشية أن يصبح العراق صاحب قوة نووية تهدد إسرائيل. ليس مسموحاً بأي سلاح في المنطقة يمكن أن يهدد إسرائيل ولو واحداً بالمائة. وقد شاهدنا في الماضي كيف وصلت الطائرات الإسرائيلية إلى أفريقيا عندما تعرض أمن أحد مواطنيها للخطر. إسرائيل بعبارة أخرى مستعدة أن تذهب إلى أقاصي المعمورة لمواجهة أي خطر يمكن أن يهدد أمنها حتى لو بعد مائة عام. الضربات الاستباقية الإسرائيلية عمل مقدس في الاستراتيجية السياسية والعسكرية الإسرائيلية.

وبما أن إسرائيل تخشى على أمنها من مخاطر قد تكون في آخر الكون، فكيف يا ترى سمحت لعشرات الميليشيات الإيرانية الداعشية الشيعية وعلى رأسها حزب الله اللبناني الذي تزعم أنه يهددها، كيف سمحت لها بدخول سوريا بكل عتادها وعديدها وأن تصل إلى حدودها في القنيطرة ودرعا؟ كيف سمحت لقاسم سليماني أن يشرب الشاي على بعد ضربة حجر من بحيرة طبريا؟ لقد قالها سليماني أكثر من مرة إنه كان يستمتع صباحاً بمنظر بحيرة طبريا وهو يشرب الشاي على مقربة منها. هل يعقل أن الصواريخ وعشرات الألوف من المرتزقة الإيرانيين وصلوا إلى تخوم الجولان السوري المحتل ولم تشاهدهم الأقمار الصناعية الإسرائيلية والأمريكية؟ هل كانت الكهرباء مقطوعة في إسرائيل وقتها يا ترى؟ بالطبع لا.

ليس سراً أبداً أن أمن إسرائيل من أهم مقدسات أمريكا وأوروبا وحتى روسيا وكل الأنظمة العربية عموماً. لقد أقسم الجميع منذ عقود وعقود على حماية أمن إسرائيل بكل السبل والوسائل، حتى لو تطلب ذلك التضحية بالمصالح الخاصة لتلك الأطراف

لا يمكن لبندقية أو صاروخ أن يدخل سوريا من دون إذن إسرائيلي. وبالتالي فإن إيران وروسيا دخلتا بالدرجة الأولى بضوء أخضر إسرائيلي وأمريكي تحديداً لمهمة محدودة. لقد وجدت أمريكا وإسرائيل نفسيهما في مواجهة الثورة السورية في ورطة تاريخية وقد كان أمامهما خياران، الخيار الأول أن يتركا الشعب السوري يقضي على النظام الحامي لإسرائيل في دمشق، ويقيم دولة ديمقراطية حضارية حداثية صناعية تنافس إسرائيل. ومعروف عن الشعب السوري أنه إذا تحرر يمكن أن يحقق المعجزات، فلم يصل السوريون إلى أي بلد في العالم إلا وتفوقوا في كل المجلات، لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً في بلدهم لأن مهمة النظام الحاكم إجهاض أي نهضة سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو تكنولوجية في سوريا يمكن أن تهدد سلامة إسرائيل وأمنها ومستقبلها. لقد حكم آل الأسد سوريا لنصف قرن تقريباً بناء على خدماتهم التي يقدمونها للدولة العبرية في مجال دعس الشعب السوري وتكبيله بأجهزة المخابرات ومنعه من تحقيق أي نهضة أو تقدم يؤثر على إسرائيل. لقد كان نظام الأسد وما زال بمثابة كلب حراسة أو كلب صيد يعمل لصالح إسرائيل وأمنها وبقائها الدولة الأهم في المنطقة. ولو سمح بأي نهضة في سوريا لما بقي يوماً واحداً في السلطة.

ماذا تفعل إسرائيل عندما وجدت كلب حراستها على وشك السقوط وأن السوريين يمكن أن ينجزوا ثورة تصبح مضرباً للمثل في المنطقة؟ بالطبع لا يمكن مطلقاً أن تسمح بهذا، فقد نامت إسرائيل قريرة العين على مدى عقود بفضل الأنظمة العسكرية التي داست الشعوب وخنقتها وعدت أنفاسها، فكيف تسمح تل أبيب بأن تتحرر تلك الشعوب لتهددها؟ مستحيل. وجدتها وجدتها، صاحت إسرائيل، لنسمح لإيران بدخول سوريا، فنضرب عصفورين بحجر واحد، أولاً نقضي على الثورة السورية وثانياً نؤسس لصراع شيعي سني يدوم لعقود وعقود وربما قرون. تعالي يا إيران إلى سوريا كي تدمري الثورة السورية وتحمي كلبنا الوفي في الشام. أنت أهون الشرين بالنسبة لنا، ومن السهل التعامل معك فيما لو ركبت رأسك وطالبت بأثمان عالية مقابل تدمير سوريا وتهجير السوريين وتخريب ثورتها والقضاء على أحلام شعبها بأن يكون حراً أبياً محترماً في دولة ديمقراطية حرة لكل أبنائها.

باختصار فقد كانت إيران بالنسبة للإسرائيليين والأمريكيين الخيار الأفضل والأسهل. وعندما بدأت تطالب بنفوذ كبير في سوريا وترفع صوتها ضد إسرائيل التف الحبل الأمريكي حول عنقها إلى حد أن أمريكا منعتها من تصدير النفط لأي بلد في العالم مع العلم أن النفط يشكل 44% من مصدر الدخل القومي في إيران.

لقد سألوا مستشار الأمن القومي الأمريكي الشهير بريجنسكي ذات يوم: «ألستم نادمين على صناعة تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى التي انقلبت عليكم الآن وأصبحت تهددكم،» فأجاب بريجنسكي: «لقد كان أمامنا خياران: أن نترك الاتحاد السوفياتي أقوى منافس لنا في العالم يهددنا، أو نصنع جماعات إسلامية متطرفة تستطيع أن تساهم في القضاء على الاتحاد السوفياتي، فوجدنا أن الخيار الثاني أسهل وأفضل بكثير، حتى لو عادتنا فيما بعد». وهكذا تعاملت إسرائيل مع السماح لإيران بدخول سوريا. لقد وجدت أن إجهاض الثورة ومنع قيام دولة سورية حرة مستقلة على حدودها بواسطة إيران أفضل بكثير وأقل خطورة من السماح بنجاح التحول الثوري والديمقراطي في سوريا. بعبارة أخرى لقد كانت إيران مجرد أداة في المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، وكما هو معروف فإن الأدوات كمناديل الكلينكس تكون في الجيب قبل الاستخدام، وبعد الاستخدام تُرمى في سلة الزبالة.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com