العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-04-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كورورنا في عالم سوري

ياسين الحاج صالح

القدس العربي

الخميس 2/4/2020

حظيت قبل أيام بموعد مع عيادة في برلين، من أجل فحوص طبية عامة. في غرفة الانتظار أعطيتُ كمامة من مساعدة كانت تضع كمامة على فمها وأنفها، قبل إدخالي إلى الطبيبة، التي كانت تضع كمامة بدورها. أخذ الأمر ثانية أو ثانيتين قبل أن أنتبه إلى أنني وضعت الكمامة على عيني، وليس على أنفي وفمي. كأنما «تذكّرت» يداي شيئاً قمت به كل ليلة في عامي السادس عشر، وكان في سجن تدمر في سوريا.

خلال عام 1996 ذاك كان يفرض علينا، نحن المعتقلين السياسيين من خلفيات سياسية وأيديولوجية مختلفة، أن ننام مُطمّشين، وعلى جنوبنا حصراً، وألا نتحرك حتى أثناء النوم.

يفترض بالكمامة أن تحمي من شبح كورونا، الذي يجوس آفاق برلين والعالم، ناشراً فيها الذعر أكثر مما نثر شبح ماركس وإنجلس الشيوعي الذعر في أوساط البورجوازية الأوروبية في أواسط القرن التاسع عشر. السيد الجديد، ملك الملوك المتوج كوفيد التاسع عشر أقوى من ترامب وبوتين، من أوروبا والصين، أقوى حتى من سجاني تدمر وصيدنايا المتمرسين بالتعذيب والقتل.

في أوضاع اللايقين واللاتوقع الراهنة، يتساءل اللاجئ اليوم: ألم نر هذا كله من قبل؟ ألم يسبق أن خبرنا العزل والحجز في نطاقنا؟ نعيش معاً أزمة كورونا بعد أن لم نكن معاً في أزمات أخرى، عالمية بصورة مغايرة. لا أستطيع أن أعيش زمن كورونا، كأنما لم يكن لي زمن قبله، ولا أن أؤول أزمة كورونا بدون الرجوع إلى أزمة البلد المهجور هناك. بلى، كان هناك زمن، وكان استثنائياً وراضاً بقسوة. والأسوأ أنه مستمر ومتجدد اليوم.

قبل أقل من عام، بدا لي أننا على مسافة أزمة كبيرة واحدة من كارثة عالمية. كان في بالي مخاطر انزلاق سوري لبلدان أكبر من سوريا مثل، مصر أو إيران، وليس كوفيد 19. ليس محتماً أننا في الكارثة العالمية، لكن ليس مؤكداً أننا لسنا فيها. وما يظهر إلى اليوم أن التضامن الذي لم ينله السوريون طوال تسع سنوات، أقل وفرة حتى من أسرة المشافي والمنافِس. ما يقوله مسعى ترامب لامتلاك شركة ألمانية تصنع لقاحاً ضد الفيروس هو، أن الفيروس ليس أسوأ ما نجابه من مخاطر.

ليس هناك «حرب ضد الإرهاب»، لا ينبغي لأحد أن يخدع نفسه في هذا الشأن. هناك فقط تعذيب، قلما اقتصر ضحاياه على الإرهابيين المفترضين.

ما يميز أزمة عالمية مفاجئة وسريعة الانتشار، أننا على اختلاف البلدان والثقافات في مواقع متقاربة من حيث الجهل، محتاجون لمحو أميتنا معاً وتعلم القراءة معاً. يمحو الوباء الفوارق بين الدول، وأول ما يمحو الحدود، التي تعمل الدول على تمتينها، مثلما فعلت في مواجهة «أزمة اللاجئين». يقول الفيروس إنكم عالم، وتقول الحكومات إننا عوالم منفصلة. وأمام تحدي المجهري، الذي لا يُرى نبدأ كلنا من مواقع قريبة من الصفر، هذا إلا إذا كنا سالفوي جيجك الذي استطاع أن يؤلف كتاباً بينما لا يزال أكثرنا يتهجأ الحروف الأولى. الحاجة إلى التواضع وفتح العيون كي ترى هي، أول ما يلزم في مواجهة غير المسبوق، كي لا نخوض على طريقة الجنرالات واليسار الغربي الحرب السابقة إلى الأبد. ليست هذه حرباً مثلما أمكن لماكرون أن يقول ست مرات في خطابه في 16 مارس/آذار، ومثلما يستطيع جيجك أن يقول كذلك.

الأرجح أن باراديغم محاربة الإرهاب كامن وراء هذا التشخيص، وهو ليس بعيداً عن اعتبار الفيروسات إرهابيين، أو عن سلوك الطريق المعاكس: الإرهابيون فيروسات، وقد يشمل ذلك عموم اللاجئين والمهاجرين، المسلمين بخاصة. اليمين الشعبوي في ألمانيا وغيرها ليس بعيداً عن ذلك، وتفكيره السياسي يترجم بسهولة إلى لغة العدوى والمناعة. الإبادة عندئد يمكن أن تكون الإجراء الصحي الأنسب. بشار الأسد تكلم في يونيو/حزيران 2011 على مؤامرات وجراثيم، وعلى إبادة الجراثيم ومناعة الجسم. البيوسياسة الخاصة بالطبيب بشار الأسد، قتلت فوق نصف مليون خلال تسع سنوات، وهجّرت فوق ستة ملايين خارج البلد. ليست حرباً، إنها وباء، ويفترض العمل على أن نكون في صف واحد ضده، وضد من لا يستطيعون التفكير بغير منطق الحرب.

الشجاعة هي ثاني ما يلزم في هذه اللاحرب، خاصة في عالم يعرض جبناء كثيرون فيه قدراتهم الحربية ضد من هم أضعف بكثير، عالم انحطت حروبه إلى تعذيب وإبادات. ليس هناك «حرب ضد الإرهاب»، لا ينبغي لأحد أن يخدع نفسه في هذا الشأن. هناك فقط تعذيب، قلما اقتصر ضحاياه على الإرهابيين المفترضين. هذه الحرب المزعومة شرّعت التعذيب عالمياً، وأوهنت الديمقراطية عالمياً. الشجاعة هي التوقف عن هذا العبث، وهي تغيير المسار.

اليوم نحن حرفياً نتجنب التقاء غيرنا ونُنصَح طوال الوقت بذلك، وليس واضحاً أننا نفكر بغيرنا، أو أننا نفكر مع غيرنا، وهذا ثالث ما يلزم. قد لا ينحفر الانعزال وهذا «التذرذر» الجديد في أجسادنا، وقد نتخلى بعد حين عن «سلام ووهان»، السلام على بعضنا بالأقدام حين نلتقي، لكن الهلع والانعزال في عهد السيد الجديد هو، استمرار لميل إلى الهلع والانعزال سابقين له، الهلع من الإرهاب.

قد نخرج من هذا العارض الصحي العالمي بخسائر كبيرة، أو غير كبيرة في الأرواح، وبعض التقديرات تصل إلى 1٪ من سكان الكوكب، أي فوق 70 مليونا. لكن صحة العالم كعالم في خطر. كورونا هو فقط اختبار عبّاد الشمس الذي يظهر تداعي صحة العالم، افتقاره إلى الشباب والعزيمة، استسلامه للخوف واليأس، رفضه التغيير، ورفضه تقبل مخاطر اللقاء بالغير لمواجهة المخاطر. الغير هو الخطر، يقول القبليون الجدد في كل مكان.

حال الاستثناء الحقيقية هي ثورة في أوضاع عالم اليوم، الذي يخنق نفسه بنفسه، خروج من أزمة فقدان الوجهة إلى حيث تستطاع الدهشة والغضب، من أننا عشنا في حاضر مؤبد.

ما يلزم اليوم هو حالة استثناء حقيقية، مثلما كان دعا والتر بنيامين في مواجهة الاستثناء المُطبّع. لقد بدا جيورجيو أغامبن وهو يفكر في كورونا كذريعة لحالة استثناء يراها قائمة أصلاً، كمن يبحث عن المفتاح الضائع تحت الضوء (أي حيث هناك نظرية)، وليس حيث ضاع فعلاً (أي حيث المشكلة). وهذا تماماً مثلما فعل ماكرون، الذي يبحث عن الفيروس في ميادين الحرب، حرب سابقة أخرى. كسوري أعرف أن المشكلة في حالة الاستثناء المؤبدة المفروضة في بلدي منذ عام 1963، إنها حرمتنا من حالة استثناء حقيقية، مست الحاجة إليها غير مرة، خلال ما يقترب من ستة عقود. إذا كنا سلفاً في حالة استثناء، فماذا نفعل حين يقتحم طارئ استثنائي حياتنا؟ لا شيء. يورث الاستثناء المديد تراخياً مديداً وتبلداً فكرياً وأخلاقياً، وليس تأهباً وعيوناً مفتوحة.

قبل ستين عاما قالت حنه آرنت إنه لا يمكن التنبؤ بما يحدث في المستقبل، لكن نستطيع أن نَعِدَ، فننزع عن المستقبل المجهولية والخوف. قالت كذلك إن ما وقع في الماضي لا ينعكس، لكن يمكننا الغفران. في عالمنا هناك الكثير ما لا يغتفر، تحديداً معاملة الناس كفائضين، مثلما قالت مؤلفة أصول التوتاليتارية، ومثلما عرف مليون سوري من إدلب خلال الشهرين الأولين من هذا العام فقط. وفي هذا العالم القليل جداً من الوعود، أي القليل جداً من المستقبل. لذلك قد نشفى من كورونا، لكن لا الماضي يتراجع لأن نازعي الإنسانية لا يطلبون غفراناً من أحد، ولا المستقبل ينفسح لأن الفاعلين الكبار لا يعدون بشيء. نعيش حاضراً خانقاً، لا نكاد نستطيع الحركة فيه، كحال المعتقلين في أقبية التعذيب عند بشار الأسد. العالم في أزمة من فقدان الوجهة واختناق المخيلة. في سجن اللابدائل.

كان شعار المنتدى الاجتماعي في بورتو أللغري عام 2001 هو أن عالما آخر ممكن. لكن أرى أن الإمكان يصنع إذا قمنا بما يتعين علينا القيام به في أوضاع الأزمة، إذا غضبنا وغيرنا عاداتنا وتصرفنا بعدل، وإذا توققنا عن مقاومة المعرفة عن غيرنا وعن العالم، أي باختصار إذا أحدثنا استثناء، فرقاً حقيقياً عما ألفنا. الحدث، يقول روكو رونشي، ينتج تحولات لم تكن في الإمكان قبله، ويولد ممكنات حقيقية. هذه هي «فضيلة» كوفيد 19، حسب الفيلسوف الإيطالي. الأزمة اليوم قد تكون مُسرِّعاً في اتجاه تولد ممكنات جديدة، مغايرة. إن ضاعت الطاقة التوليدية للحدث، فيحتمل أن نتخبط لسنوات، ربما لجيل أو أكثر، في أوحال أزمة فقدان الوجهة، وهي أزمة مناسبة لمن يفضلون حاضراً مؤبداً، أي للأقوياء والأغنياء. ستكون سوريا مستقبل العالم إن ضاعت فرصة صنع الممكنات المغايرة هذه.

حال الاستثناء الحقيقية هي ثورة في أوضاع عالم اليوم، الذي يخنق نفسه بنفسه، خروج من أزمة فقدان الوجهة إلى حيث تستطاع الدهشة والغضب، من أننا عشنا في حاضر مؤبد. ينبغي أن لا نعود إلى سجن عالم اللابديل، «أن نقاتل ضد من يدعوننا إلى أن نعود كما كنا من قبل»، مثلما قالت سنثيا فلوري قبل أيام.

وأن لا نضع كمامة الإخفاء على أعيننا.

===========================

موقفنا : صور من الرخاء التعددي في المجتمع النبوي أهديها لأصحاب اليمين .. ولنظرائهم..من أصحاب الشمال !!

زهير سالم

مركز الشرق العربي

3/ 4/ 2020

وهي صور للتدريب وليست للتثريب ، فليعلم هذا من يخال ومن يظن ، فليس من طبعي التثريب على الناس ..

وكثير من المعاني الإيجابية التي حولها الزمان إلى عناوين وشعارات كان موجودة بصيغها ومعانيها أفضل مما هي عند الكثير من أبناء هذا الزمان ..

ومن ذلك فيما أعتقد القبول بالمخالف شخصا وموقفا ورأيا ، وما أكثر المدعين وأقل الصادقين في كل زمان ..

ولو أردنا أن نتلمس هذا في ثنايا عصور أهل الإسلام لاتسعت علينا دائرة الكلام . وفي أصول الدين كما في فروعه، كان لأهل الإسلام فيهما مراح للخلاف والاختلاف . مراح قل فيه النبذ والتكفير ، وكثر فيه الحرص على الاستمساك بالميثاق . وربما يكون لنا مع هذا التعددية الدينية والمذهبية والفكرية والسلوكية ، في حمى الإسلام جولات قادمات إن يسر رب كريم ..

وإنما سأعود في هذه الوقفة إلى محطات من حياة الرسول الكريم، يوم كان يجد الخلاف في الفهم أو في السلوك بين أصحابه، فيعززه بتسديد هذا وذاك !! بينما كانت كلمة من طرف لسانه الشريف كافية لحسم كل خلاف.

كل الذي أريد أن أسقط من عقول أبناء الأمة ، ومن قلوبهم دعوى : ( مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى ) وفرية من قال : لا يقول الحق إلا أنا . وقال الإمام مالك لأبي جعفر المنصور ، عندما عرض عليه أن يحمل الناس على كتابه الموطأ : إن علم رسول الله قد انتشر مع أصحابه في الأقطار . والحق تقولون ويقولون ونقول ، ولكل علم ثقاته العدول ..

 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على تربية أصحابه على فسحة من الرخاء والسعة والقبول ..

حتى عندما يبول الأعرابي في المسجد فيهمون به ليأخذوه .. يدفعهم رسول الله في الاتجاه الآخر : لاَ تُزْرِمُوهُ .. لا تقطعوا عليه بوله . فرأسمالها دلوان من ماء!!

 ما كان يريد تعليمه صلى الله عليه وسلم هو أكبر من واقعة، ما كان يريد تعليمه هو منهج وطريقة وأسلوب في السعة وفي الاختيار..وفي القبول ، وفي ترك التشنج والنبذ والرفض ..

واختلف الصحابة الكرام رضي الله عنهم على مستوى فهم مراده من قوله صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة "

فقوم فهموا القول على ظاهره فأخروا الصلاة ولم يصلوا حتى وصلوا بني قريظة ...وقوم فهموا أن المقصود المبادرة والإسراع وأخذ الأمر بجد وتشمير فصلوا عصرهم حيث هم ، وانطلقوا مسرعين حيث أمر نبيهم حتى صاروا إلى بني قريظة ؛ وانتتظر هؤلاء أو هؤلاء أن يشد أزرهم بكلمة فلم يفعل ، وإنما سدد الجميع وآوى إليه الجميع فالأمر أيسر ، وفي الخلاف في مثل هذا سعة .. وبعض الناس ما يزالون يمارون !!

لم يقل الرسول الكريم لفريق أصبتم ولأخر أخطأتم .. لأن صورة هذا الاختلاف ستعرض كثيرا ما دار الزمان ..فعلمهم أن عليهم أن يتعايشوا مع مثل هذا الاختلاف . وتعلموا رضي الله عنهم حقيقة أن تفهم وأفهم ولا تثرب عليّ ولا أثرب عليك ، ونبقى عباد الله إخوانا كما أحبنا وأرادنا الله ..

فهل في أفق واقعنا اليوم من يرتقي إلى أفق الرسول المعلم أو إلى أفق التلاميذ العظام ؟!

للجد وليس للهزل كنت مرة في حوار مع مواطن سوري ، وأصغيت إليه لمدة ساعة ، وهو يعرض قضية يؤمن بها فعندما انتهى ، قلت له : يا أخي أنا متفق معك في 90% مما تقول ، وإنما هناك جملة من الملاحظات فما أكملت الدقائق الثلاث من كلامي ، إلا واكتشف أنني خائن وعميل وشيفوني أيضا .. واقعة من كلام جد وليس بالهزل . والصديق من حزب في عنوانه وصف الديموقراطي !!!!

في محطة أخرى ورسول الله صلى عليه وسلم يدرب أصحابه على التعايش مع الاختلاف ..

في الروايات عن أنس وعن أبي سعيد الخدري في الصحاح كما في السنن قول الصحابة الكرام : كنا نسافر مع رسول الله صلى وسلم عليه ، أو كنا نغزو مع رسول الله ، ومنا الصائم ومنا المفطر ، فلا الصائم يعيب على المفطر ، ولا المفطر يعيب على الصائم ، وفي رواية فلا الصائم يجد ، أي يحمل ، على المفطر تثريبا وانتقادا ، ولا المفطر يحمل على الصائم تثريبا أو انتقادا .

فقد علمهم معلمهم قبول الاختلاف ، وترك الشخص واختياراته الشخصية ، وفق قدراته الذاتية . وكم ترتفع الأصوات بين الناس اليوم في خلافات على أمور لا تستحق ...

لم يربِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمور الفرعية على أن الحق واحد لا يتعدد. وأنه يمكن أن يكون قميصا يتقمصه فرد وينبذ على أساسه من خالفه من الآخرين ..!! وهذا ما يعيش على خلافه اليوم كثير من المسلمين : الرئيس يقول : أنا الدولة . والمفتي المعنعن يقول : أنا الدين . والطائفة والحزب والمجموعة كل واحد يقول : أنا الحق .. وكل واحد من هؤلاء يقول: وليس ورائي من الدولة .. ومن الدين .. ومن الحقيقة ، شروى نقير ونزعم أننا في عصر التعددية ، وزمان الرأي والرأي الآخر !!

ثمة تذييل مهم ومفيدة يشتق من هذا الدرس لا بد من التنبيه عليه : ففي بعض هذه الخرجات ، وفي المسلمين صائم ومفطر وكان الحر شديدا ، وبلغ المسلمون محطتهم الأخيرة في وقت الهاجرة ، وفي موقع لا ظل فيه حتى كانوا يتكفؤون الشمس بأيديهم .. وبادر المفطرون من الصحابة يومها إلى نصب الخيام وتجهيزها وسقي الركاب والقيام على أمرها ، ليكافئهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومها بقوله : ذهب المفطرون اليوم بالأجر ..فأي فقه لطلاب الأجر في مثل هذا ؟! تصوم أو تصلي أو تبني الخيام وتسقي الركاب ..ومثلي لا يجيب !!

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قادرا أن يصدر أمرا بالإفطار فيفطر الناس . أو بالصوم فيصوم الناس ولكنها التربية على قبول الاختيارات ، ما دام الناس في إطار فروع من التطوعات ..

وفي تذييل آخر ، وقد خرج رسول الله لفتح مكة في رمضان ، فصام كثير من الناس بصيامه يوما ويوما ويوما ، حتى قيل له إن بعض الناس قد وقعوا في حرج شديد .. والوقت وقت عصر ، فركب راحلته ، وأطل على الناس ، فأخذ بشربة ماء فشرب أمامهم .. حتى رأوه أجمعون .. درس في القيادة بالقدوة وليس بالأوامر العرفية ..كما يفعلون بنا في عصر " حقوق الإنسان " يفتي المفتي ويقضي القاضي من خرج من بيته فاقتلوه ..

والمحطة الثالثة درس يوم الحديبية ..

يوم استغلق فهم وجه الحكمة من الاتفاقية ، على كثير من المسلمين ، بمن فيهم الفاروق عمر رضي الله عنه . ويظل عمر من صحابي لآخر : ألسنا المسلمين ..أليسوا المشركين .. فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟! وأبو بكر في صديقيته يقول له : الزم غرزه يا عمر ..!!

ورسول الله صلى عليه وسلم يقول لأصحابه ، الذين أمرهم بالحلق فلم يحلقوا...وأمرهم بذبح الهدي فلم يذبحوا ..

أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني. حتى دخل على أمنا أم سلمة فأشارت عليه بأن يسبق فكان الذي أحب ..

حين نتابع حياة المسلمين في ظل رسول الله نجدها حياة يسودها الرخاء الروحي والعقلي والنفسي ، وتغيب عنها هذه الشدة ، وهذا الحصر ، وهذا التجهم الذي ألقي على وجه الإسلام ، ووجه مجتمعاته باسم الدين . الإسلام الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا الذي ما زالوا يحاصرون المجتمعات المسلمة به منذ أكثر من نصف القرن في معادلة " السواك وعود الآراك "

حالة المسلم وتحدي المشي على الحبل المشدود ، كيفما مال قالوا : كفرت أو أشركت أو فسقت أو ابتدعت ..

 أو حال أولئك الذين صدعوا رؤوسنا بحرية الاعتقاد والرأي والتعبير ، وأن من حقهم أن تكونوا ولائمهم على مثل أعشاب البحر ..حتى إذا تولوا ، صاروا أصحاب ولاية ، ولو على ورق أصدروا الُحُرم بحق كل من يحضر مأتما ، لفرح أو لعزاء ، دون ترخيص من " بَدهم الأعظم " وإلا فأنت الذي تعلم ..

____________

*مدير مركز الشرق العربي

==============================

الثورة السورية في عالم ما بعد «كورونا» (1-2)

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 1/4/2020

لا سرّ وراء بقاء سلالة «آل الأسد» على مدى نصف قرن في السلطة، كسرّ ولغز احتكارها وتغييبها المعلومة، فلا شيء أخطر على ماضي وحاضر ومستقبل الأنظمة الشمولية الديكتاتورية من المعلومة الحقيقية والواقعية. ومن هنا نستطيع فهم غياب المعلومات الرسمية عن جائحة «كورونا» بمناطق خاضعة للعصابة الطائفية جرياً على تغييب العالم عن حقيقة ما يجري هناك، وكأنها أحجية، بينما الكل يؤكد تفشّيها في المناطق الخاضعة للعصابة.

كانت الإشارة الواضحة الأولى أتت من باكستان، حين أُعلن رسمياً في مطلع مارس الحالي عن وصول 6 حالات مصابة

بـ «كورونا» لباكستانيين من فيلق «زينبيون» الذين كانوا يقاتلون إلى جانب قوات الأسد، ويرقد الآن مئات الحالات في منطقة تفتنان الباكستانية على الحدود مع إيران بعد أن تم ترحيلهم من الأخيرة لإصابتهم بـ «كورونا»، ويعتقد أن كثيراً منهم عبارة عن عناصر في فيلق «زينبيون» قدموا من مناطق العصابة.

بعد هذا، بدأت تتحدّث صفحات الموالين للنظام عن وجود وفيات في صفوف القوات الإيرانية، وكذلك صفوف قوات النظام، وتحدّث ناشطون عن وجود حالات في البوكمال ودير الزور وحلب وسط الميليشيات الطائفية التي تقاتل إلى جانب قوات الأسد، ويأتي تنقّلها الحرّ غير المنضبط وغير المقنّن عبر المعابر الرسمية ليزيد من صعوبة الحصول على المعلومة الدقيقة عن عدد الحالات وطبيعتها؛ الأمر الذي يهدّد بانفجار وبائي خطير في حال خرجت الأمور عن السيطرة. ولعلّ الأخطر من هذا كله هو افتقار مناطق النظام إلى وحدة بالقيادة للسيطرة في ظل التعارض والتناقض بين قوى الجيش والميليشيات، وبين المشروع الإيراني والروسي والتضارب اليومي بينهما في المصالح.

لم يعترف النظام السوري بوجود حالات «كورونا» إلّا في الثالث والعشرين من مارس الحالي، حين أعلن اكتشافه حالة واحدة -بحسب قوله- بينما كان الموجودون في داخل مناطق النظام يتحدّثون عن حالات عديدة في مشافيه، وهي التي تفتقر إلى أبسط المعدات والتجهيزات الصحية. ولعلّ من الأخطار التي تهدّد بتصاعد التفشي هو عجز النظام عن ضبط حدوده بسبب سياسة ميليشياوية مدعومة من خارجه، بالإضافة إلى استمرار الرحلات الجوية القادمة من دول داعمة له وغدت موبوءة.

وقد أتت الصور التي سرّبها النظام عن تعقيم المدارس والشوارع لتزيد من السخرية عليه، وعلى تعاطيه مع وباء شلّ دولاً كبرى ويهدّد بتغيّر وتحوّل العالم كله، بالإضافة إلى آلياته وأنماط حكمه السياسية والاقتصادية، وحتى طبيعته الجيواستراتيجية، فكيف بدول فاشلة منهارة !

يتحدّث الخبراء اليوم عن عالم ما بعد «كورونا»، وأن ما بعده لن يكون كما قبله، ويضع العلماء تاريخياً عاملين أساسيين في التحولات العالمية التاريخية، وهي إما تغيير جيولوجي أو بيولوجي. وقد أثبت التاريخ أن الإمبراطورية الرومانية حين تفشّى فيها وباء «الكوليرا» أتى على نصف عدد سكانها، ومن بينهم عسكريوها؛ الأمر الذي أدى إلى انهيارها وسقوطها. ومن قبل انتهت مملكة أثينا عام 430 قبل الميلاد في مواجهة أسبرطة بعد أن فتكت الأوبئة بها وبشعبها وعسكرييها ونخبها. وبينما كانت فينسيا الإيطالية مضرب مثل في الرقي والتقدّم بالقرن السابع عشر، تحوّلت في غضون عامين فقط (1629-1630) إلى يباب وخراب، لتنتهي حكايتها إلى الأبد لصالح قوى كبرى دخلت على مسرح الجغراستراتيجي، وهي بريطانيا وهولندا.

ويُعتقد أن أحد الأسباب المهمة لنهاية العصر الإقطاعي تفشّي وباء «الكوليرا» مجدداً، بالإضافة إلى ظهور الثورة الصناعية، وهو ما أحدث انقلاباً جذرياً في العالم كله.

===========================

كورونا.. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 1/4/2020

صادفت جارا لي في مدخل البناء الذي أسكن فيه، طالب سنة رابعة في كلية الشريعة، مدّ يده للسلام، فقلت له لا سلام بالأيدي للوقاية من فيروس كورونا، فأجابني: أنا أسلّم لأن الرسول قال لا يُعدي، وأضاف بعد هنيهة، إلا بإذن الله.. لا أعرف إن كانت إضافة بإذن الله منه أم من الرسول. قلت: بإذن الله نعم، لكنه يعدي؛ وقد انتشر في أكثر من مئة وخمسين دولة.. لم يتقبل كلامي ودخل بيته من دون تعقيب.

لم تكن هذه ردة الفعل الوحيدة المتداولة عن فيروس كورونا بين الناس، فقد وظفه مسلمون بالرد على بعض ما يواجهونه من ظلم وضعف وذل، بإخراج ما في داخلهم من ألم ومرارة وحقد على دول وقوى ورؤساء اضطهدوهم أو افتأتوا على حقوقهم وحرياتهم ومصالحهم، فاعتبره بعضهم، قبل أن يجتاح العالم بما في ذلك بلاد المسلمين، عقوبة إلهية للصين على ما فعلته بالمسلمين الإيغور، فـ "لله جنود لا ترونها". واعتبره بعضهم ضربة للقوى الكبرى، وتحطيما لهيبتها لما تفعله بالدول والشعوب الضعيفة. وعندما اجتاح دولا إسلامية واجهوه بالصلوات والابتهالات والأدعية ومسيرات الرجاء تطلب الرحمة بالمسلمين برفع البلاء عنهم، وتخليصهم من هذا الوباء الخطير. وهناك من رفضوا قرارات الحكومات وقف صلوات الجماعة والجمع، في تصرف مرتبط بسيادة قناعات شعبية ومفاهيم اجتماعية عن الظواهر الطبيعية، الزلازل والبراكين والأوبئة، تعتبرها قدرا محتوما وغضبا إلهيا وعقوبة للبشر على ما فرطوا في جنب الله؛ واعتبار هذا الفهم من صُلب الدين، الإسلام في حالتنا.

وقد قاد انتشار فيروس كورونا إلى عودة النقاشات عن مغزى حصول المرض في ضوء إطلاق 

"وظف مسلمون كورونا بالرد على بعض ما يواجهونه من ظلم وضعف وذل، بإخراج ما في داخلهم من ألم ومرارة"تفسيرات ومواقف بشأن تشكل الفيروس، وانتشاره وطرق علاجه؛ تربطه بقرار إلهي، ردا على انتشار الفسق والفجور والمثلية؛ وأخرى ترفض اعتماد الطب الحديث في علاجه، مطلقة حلولا وخيارات غاية في الغرابة مثل "عطر الرسول" الذي يستخدمه رجل الدين الإيراني، عباس تبريزيان؛ ولعق حديد أضرحة آل البيت الذي تعتمده الطريقة الشيرازية في إيران، وحمل الأحجبة وزيارة الأضرحة، كما هو شائع بين عوام المسلمين، علما أن رجال دين مسيحيين ويهودا وهندوسا تبنّوا مواقف مشابهة، أساسها ربط الإصابة بالمرض بالعقاب الإلهي، ومعالجتها بالصلوات والأدعية ووصفات تنسب إلى الأنبياء والقديسين، وشرب الهندوس في الهند بول البقر.

وفي حديث مع عجوز مسلم، شديد التدين، عن الفيروس والوقاية، وضرورة أخذ احتياطات جدية، رد عليّ قائلا: "قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا" (التوبة، الآية 51). توقفت مليا عند هذه الآية الكريمة، فهي متداولة بين عامّة المسلمين، يكررونها في مواجهة ما يحدث لهم، باعتباره من الله وقدره الذي لا يرد، ما يقود إلى إهدار قيمة إسلامية عظيمة، السببية، كما عبّرت عنها قرابة عشرة آلاف آية من الذكر الحكيم، مفادها بأن لكل شيء سببا مباشرا، يفيد أو يضر، ولكل حالة تصرّفا مناسبا لجلب المنافع ودرء المفاسد، ما يجعل تجاهل الأسباب المباشرة يتعارض مع الخط العام لروحية الإسلام، كما وردت في القرآن الكريم، فالمسلمون، عامتهم وكثيرون من خاصتهم، يتعاملون مع هذه الآية بدلالتها الظاهرة، من دون اعتداد بخلفيتها والهدف الحقيقي من ورودها: الدلالة على قدرة الخالق جل شأنه الذي سعى إلى تقريب كنهه للناس، عبر أسمائه الحسنى، كي يدركوا حقيقته وكينونته، فالآية تشير إلى قدرته على معرفة الغيب، وتسجيل ما سيحصل لنا لا التسبب به؛ لذا هي لا تلغي ضرورة الأخذ بالأسباب، ولا المساحة الكبيرة التي تركها الإسلام لوعي الإنسان وإرادته واختياراته ومسؤوليته، ضمن نسق كوني محكوم بقوانين عامة، تضبط حركته الكلية، وقوانين خاصة تضبط حركة كل نوع من مخلوقات الله وتميزه عن غيره، فالتصور الإسلامي لحركة الكون والإنسان قائم على وجود سببٍ لكل ما يحصل في الكون، الطبيعة والحيوان والإنسان، والتصرّف الصحيح يفترض من الإنسان، باعتباره الكائن الحر والواعي وصاحب الإرادة، الأخذ بالأسباب لدى التعاطي مع الطبيعة والآخر، لتحقيق أهدافه في حياة مستقرّة وآمنة، ما يجعل كل إنكار للسببية يتعارض مع روحية الإسلام، من جهة، ويقود، من جهة أخرى، إلى الفشل والخسران المبين، ولنا في قوله تعالى "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران الآية 159) خير دليل وهاد حيث جاءت العزيمة، التفكير والأخذ بالأسباب للقيام بالعمل المطلوب وتحقيق المراد منه، أولًا والتوكل على الله تاليا. وهو ما أكده الرسول الكريم في توجيهاته لأصحابه؛ فعندما سأله بدوي جاء إلى المسجد للصلاة ومعه ناقة: أيهما أنسب ربطها مع الاتكال على الله أم تركها دون وثاقٍ مع الاتكال على الله؟ فكانت إجابته: اعقلها وتوكل، وتوجيهه أصحابه "إذا سمعتم به، الحديث عن وباء الطاعون في ذلك الوقت، بأرض فلا تُقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه".

اختلف المسلمون الأوائل في فهم روح الإسلام ومنهجه، وانقسموا إلى "جبرية" و"قدرية"، في 

"اختلف المسلمون الأوائل في فهم روح الإسلام ومنهجه، وانقسموا إلى "جبرية" و"قدرية""ضوء وجود آياتٍ تجزم بأن لا يد للإنسان بما يحصل له وحوله "وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات الآية 96) و"وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ" (التكوير الآية 29) و"خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ" (البقرة الآية 7)، وأخرى تجزم بحريته ومسؤوليته "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الإنسان الآية 2 و3) و"أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" (البقرة الآية 7 و8) و"الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ" (غافر الآية 17) و"كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ" (الطور الآية 21) و"وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" (يس الآية 54).

ولمّا كانت الآيات جميعها ملزمة للمسلمين، ما يفرض الأخذ بها وإعمال العقل وتقليب النظر لفهم محتواها وإدراك العلاقة بين الحكمين، وتشكيل صورة دقيقة بالكشف عن تداخلها وترابطها وتحديد التخوم والأدوار والمسؤوليات، وتقنين الممارسة والتصرف، وتوجب على المسلمين البحث والتفكر في الأمر. وقد دفع التفكير الموضوعي علماء من المسلمين إلى قراءة الآيات التي تجزم بدور الله بربطها بخلق الكون وما فيه وضبطه بقوانين، يسميها القرآن الكريم سننا أو نواميس، لتحكم كل شيء من دون أن تتبدل، ما يجعل الله خالق كل ما يحدث في الكون، بما في ذلك فعل الإنسان في ضوء انضباط فعله بالقوانين الكلية والنوعية التي خلقها الله، وقراءة الآيات التي تجزم بدور الإنسان ومسؤوليته بالقيام بذلك استنادا إلى قانون الإنسان الخاص في إطار القوانين الكلية وحكمها، ما يجعله خالق أفعاله، ومسؤولا عن نتائجها وتبعاتها. وقد اتضح هذا التصور أكثر فأكثر، بفعل التطور العلمي، وتنامي المعارف وتنوع مناهج البحث فاستقر تحديد روحية الإسلام على: قوانين كلية تحكُم الأشياء والظواهر، وقوانين خاصة لكل نوع، وفعل الإنسان مشروط بالقوانين الكلية، وحريته مرتبطة فيها، وقدرته على الفعل مرهونة بإدراكها وتوظيفها واستخدام قانونه النوعي. فنظرة الإسلام إلى فعل الإنسان قائمةٌ على الترابط مع الكون والقوانين الناظمة، من سنن أو نواميس، وفعله ودوره محكوم بالقوانين الكلية التي تحكم الكون بكل تفاصيله، وممارسة حريته مشروطة بالانضباط بالقوانين الكلية، وحتميتها الراسخة التي يدل عليها انضباط نظام الكون بقوانين حاكمة وثابتة؛ كما ورد في آياتٍ كثيرةٍ قررت وجود نظام للكون وقوانين حاكمة، "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً" (الأحزاب 62) وثبات هذه القوانين "سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا" (الإسراء، الآية 77) و"وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا" (فاطر الآية 43)، ما يعني وجود حتمية كونية، يعيش الإنسان تحت سقفها، ويمارس حريته في إطارها، وأن كل سلوكٍ لا يلتزم بها يتعارض مع تعاليم الإسلام ومع إرشاد الرسول، "اعقلها وتوكل"، ما يستدعي عدم الركون إلى هذه الممارسات الساذجة، وعدم إراحة النفس بالتسليم بأنها قدر، فالله أعطانا العقل، وأرشدنا عبر أنبيائه وكتبه ورسله إلى الأخذ بالأسباب في مواجهة الظروف؛ ولتحقيق أهدافنا في الحياة؛ وحذّرنا من تبعات عدم القيام بالتصرف الصحيح، ناهيك عن عدم التصرّف مطلقا، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" (النساء الآية 97). فالذي لا يقوم باللازم لمواجهة المشكلات التي تعترضه في حياته، خصوصا مقاومة الظلم والظالمين، يخسر مرتين: ذل في الحياة وعذاب في الآخرة.

===========================

«كورونا» سوريا... المخاوف الأبعد

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاربعاء 1/4/2020

لست وحدي الذي يتمنى، أن فيروس «كورونا»، لم يظهر في العالم أصلاً، وأنه لم يسجل إصابات في سوريا، كما كررت المصادر الرسمية هناك في الشق الثاني، قبل أن تعترف لاحقاً بوجود حالة إصابة وافدة من الخارج. غير أني، وكما كل الذين يعرفون سياسة نظام الأسد، فإنه لا يمكن الوثوق بما يقولون في دمشق، أو كما قال الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان ذات يوم في وصفهم: إنهم يكذبون حتى في نشرة الأنباء الجوية.

السلطات السورية في مواجهة احتمالات الفيروس، قامت بإجراءات، وصفها الخبراء والعارفون، بأنها غير ذات معنى، وأنها أقل مما ينفع في مواجهة احتمالات الفيروس، والغالب فيها إجراءات إدارية دنيا، لا تخلو من نفعية لمنتسبي نادي السلطة، أكثر مما تتصل بالإجراءات التقنية والفنية المطلوبة، والتي في مقدمتها تخصيص محاجر للمرضى، وتوفير أجهزة كشف عن الفيروس، تتجاوز أجهزة قياس الحرارة، وتأسيس مخابر متخصصة بالتحاليل الخاصة بالفيروس، والتي يقوم بها القطاع الطبي الخاص بأجهزة أغلبها قديم ومستهلك بأجر يصل إلى مائة دولار، تعادل بالليرة السورية ضعفي الراتب الشهري لكبار الموظفين في الدولة.

واقع الأمر كما يظهر في العاصمة سيئ، والوضع في بقية المناطق الخاضعة لسيطرة النظام أسوأ، والحال في المناطق السورية الأخرى سواء الخاضعة لـ«هيئة تحرير الشام» المتطرفة في إدلب وللتشكيلات المسلحة الدائرة في الفلك التركي في الشمال السوري سيئ هو الآخر، ومثله الحال في مناطق شرق الفرات، التي تسيطر فيها «قوات سوريا الديمقراطية»، ونواتها الصلبة «قوات حماية الشعب» الكردية. ففي هذه المناطق، اتسمت إجراءات مواجهة «كورونا» بأنها غير ذات أهمية ولا مؤثرة، إضافة إلى وجود واسع لضعف إداري نتيجة تعدد المرجعيات واختلافها وتناقضها، وهناك ضعف في القدرات المادية والصحية بشكل خاص بعد أن دمرت هجمات قوات الأسد وحلفائها الروس والإيرانيين أغلب المشافي والمراكز الصحية، وقتلت ودفعت للهجرة أغلب الكوادر الطبية وخاصة الأطباء، وهو ما تزامن مع وقف المساعدات الأممية والدولية للشمال السوري منذ أشهر بسبب الهجمات الجوية والبرية على الشمال الغربي.

وإذا كانت الإجراءات والإمكانيات السورية في مواجهة احتمالات الفيروس ضعيفة في كل المناطق السورية، فإن وقائع الحياة في سوريا، تزيد الضعف ضعفاً. وفي الوقائع ما يجعل البلاد كلها مرشحة لكارثة إنسانية فوق التصور، إذا تسلل إليها الفيروس، ولعلها تبرز في ثلاث نقاط؛ أولها أوضاع سكن السوريين والنازحين والمشردين منهم خاصة. وبفعل عمليات تدمير المناطق السكنية، فقد كثير من السوريين مساكنهم، قسم ذهب إلى المخيمات، التي تعد بالمئات وأكثرها موجود في مناطق الشمال قرب الحدود مع تركيا، وقسم جرى إسكانه في مراكز إيواء، كما في دمشق وبعض أريافها، وفي الحالتين ثمة اكتظاظ غير طبيعي، وغياب أو سوء شديد في الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصرف صحي وطرق، والأسوأ من الحالتين واقع عيش سوريين في الحدائق والأماكن العامة، وهي ظاهرة يعيش مأساتها آلاف في دمشق، وهم مجرد مثال للمعاناة، ولاحتمال الوقوع السهل في مصيدة «كورونا».

والوجه الآخر في مأساة السكن السوري، كامن في قلة المساكن، مما يجعل أسعارها وأجورها فوق طاقة ذوي الحاجة من المهجرين والنازحين والذين اضطروا لتغيير أماكن سكنهم، مما أجبرهم على قبول السكن بمساكن رديئة المواصفات وبينها أقبية ومستودعات ودكاكين، أو في بيوت تحت الإكساء، وخرائب كانت مهجورة، والأسوأ من ذلك، ارتفاع عدد الأفراد في السكن، كما في سكن عائلة في خيمة أو في غرفة واحدة، أو عدة عائلات في بيت واحد. وفي كل الأحوال، فإن واقع سكن أغلبية السوريين اليوم، لا يوفر الحد الأدنى للقيام بعزل مصاب أو مشتبه به بصورة ذاتية، مما يعني تحول أي مصاب إلى قنبلة متنقلة.

النقطة الثانية في الوقائع الكارثية المحيطة بالسوريين اليوم، هو واقع الفقر الشديد، وقد أصاب الفئات العليا من الطبقة الوسطى بعد أن دمر الفئات الأدنى لأسباب من بينها قلة فرص العمل، وضعف الأجور والرواتب، وغلاء أسعار السلع والخدمات، وانهيار قيمة العملة، ومحدودية الإنتاج المحلي، وتردي نوعيته، وغياب الجهات الرقابية، وتواطؤها في أغلب الأحيان، وكله يجعل توفير الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ولباس وسكن للأشخاص والعائلات أمراً صعباً، إن لم نقل مستحيلاً، خاصة في ظل جائحات عامة محتملة، سيكون في خلالها تدافع وتنافس حاد على احتياجات محدودة وفرص قليلة.

النقطة الثالثة في الوقائع المحيطة بالسوريين في ظل احتمالات «كورونا»، موضوع السجناء والمعتقلين. وقد أدت ظروف الصراع وظروف الحياة وتطوراتها في السنوات التسع الماضية إلى اعتقال وسجن وخطف مئات آلاف الأشخاص، وتشير التقديرات إلى وجود نحو مائة وثلاثين ألفاً في معتقلات النظام على خلفيات سياسية وأمنية، إضافة إلى السجناء القضائيين، وفي مناطق الشمال تضم معتقلات «هيئة تحرير الشام» المتطرفة والتشكيلات المسلحة الأخرى آلاف المعتقلين والسجناء، وهناك ما يقاربهم في معتقلات «قوات سوريا الديمقراطية» في شرق الفرات، وتجعل ظروف اعتقال وسجن هؤلاء عند الأطراف جميعاً قوة تدمير ليس لأنفسهم فقط، بل لسجانيهم أيضاً إذا وصلهم الفيروس، وسيكون من الصعب السيطرة على الوضع في السجون والمعتقلات أياً تكن الجهة، التي تديرها، خاصة أن تسريبات أمنية، أكدت وجود أكثر من ألف إصابة في سجن عدرا بدمشق.

إن التكلفة البشرية التي يمكن أن تصيب سوريا في ظل الوضع الراهن في احتمالات «كورونا»، أكبر من كل التصورات، وسوف تكون لها فواتير إضافية في جوانب أخرى، ولا سيما من الناحية الاقتصادية، بحيث تصير الكارثة شاملة ومتعددة المجالات، وتصيب الجميع، وتتعداهم إلى المحيط الإقليمي، لأن أحداً لن يستطيع الإبقاء على الكارثة في حدود الجغرافيا السورية، وأول من سوف يتأثر دول الجوار والدول التي يتبعها جنود وميليشيات موجودة على الأراضي السورية، الأمر الذي يعني ضرورة القيام بمبادرة تدخل إقليمي ودولي عاجل في سوريا في ضوء حقيقة يعرفها الجميع، أنه ليس من طرف سوري قادر على فعل شيء، وقد يكون لهذه المبادرة، إذا تمت لمواجهة «كورونا» في سوريا، أن تهزمه، وقد تلحق به نظام الأسد أيضاً!

===========================

قيصر أم كورونا.. أيهما يجهز على اقتصاد النظام؟

بلدي نيوز - (خاص)

الثلاثاء 31/3/2020

بعد سيطرة النظام السوري على معظم الأراضي التي كانت تخضع لسيطرة المعارضة السورية، لاسيما دمشق وحلب التي تعد العاصمة الاقتصادية للبلاد، لا يزال اقتصاد النظام يعاني من الانهيار ولم يسترد عافيته، وبات يواجه تحديات جديدة أبرزها الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية، وقانون قيصر الذي فعلته الإدارة الأمريكية، وانتشار جائحة فيروس "كورونا المستجد" (كوفيد -19).

ومع اعتراف النظام بوجود إصابات ووفيات بفيروس "كورونا" في مناطق سيطرته، أتخذ النظام السوري سلسلة إجراءات للحد من انتشار الوباء وعمل على إغلاق كافة المعابر الحدودية سواء مع فصائل المعارضة أودول الجوار، فضلا عن فرض حظر تجوال شامل في البلاد، الأمر الذي انعكس سلبا وزاد من حدة الكارثة الاقتصادية للنظام.

بوابة سوريا الاقتصادية

في 17 أكتوبر الماضي، تظاهر آلاف اللبنانيين للتعبير عن غضبهم من الفساد والمحسوبية والطائفية السياسية والوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد، وفي أعقاب ذلك أغلقت البنوك اللبنانية أبوابها لمدة أسبوعين تقريبا.

وعلى الرغم من أن الليرة اللبنانية مرتبطة بالدولار الأميركي منذ العام 1997، بسعر صرف يبلغ 1507.5 ليرة للدولار، فقد ارتفع سعر الصرف في السوق السوداء إلى أكثر 2000 ليرة للدولار، وفي الوقت الذي يبدو فيه أن لبنان يقترب من الانهيار المالي، بدأت حينها تظهر في سوريا آثار هذه الأزمة نتيجة الرابط الوثيق بين الاقتصادين السوري واللبناني.

وانعكست الأزمة المالية اللبنانية على الاقتصادية في سوريا، ووصل سعر صرف الليرة السورية حينها 900 ليرة للدولار الواحد مطلع ديسمبر الفائت، ما أظهر حقيقة اعتماد اقتصاد النظام على لبنان.

ومع انتشار وباء "كورونا" العالمي واتخاذ الدول إجراءات احترازية للحد من انتشار الفيروس، أغلق منفذ النظام الاقتصادي الأمر الذي ضاعف الكارثة وهدد ماتبقى من شركات قائمة في مناطق سيطرته، والتي عانت مؤخرا دراء قانون وزارة الداخلية الذي يقضي التزامهم بسعر صرف الدولار المتدني في البلاد.

ويرى المحلل الاقتصادي "محمد علاوي" في حديثه لبلدي نيوز، أن ما يشهده العالم بأسره جراء جائحة "كورونا"، هو انهيار اقتصاد العالم لاسيما الدول التي أنهكتها الحروب خلال السنوات الماضية، وأبرزها "اليمن وسوريا والعراق"، مشيرا إلى أن أكثر المتضررين من الجائحة هي سوريا، لاسيما أن الحرب كلفت خلال السنوات الماضية انهيار شبه تام لليرة السورية والتي تجاوز سعر صرفها 1000 ليرة مقابل الدولار الواحد، وانعكست سلبا على اقتصاد نظام الأسد "الراعي الراسمي للأزمة السورية".

واعتبر علاوي أن استمر الوباء بالانتشار خلال الأيام القادمة وانهيار اقتصاد العالم ستضطر جميع دول العالم لإنهاء حروبها والالتفات نحو محاربة الوباء الجديد "كوفيد-19"، والذي سيكلف الدول مبالغ مالية كبيرة على حساب مخزونها المالي في البنوك، الأمر الذي سينعكس سلبا وبشكل تام على نظام الأسد والذي اعتمد خلال حربه على روسيا وإيران، حيث تواجهات الفيروس الجديد بما يشبه الحرب.

شبح "قيصر" على الأبواب

نجح نشطاء حقوق وسوريون وأعضاء الكونجرس في تمرير قانون "قيصر لحماية المدنيين في سوريا"، والذي سُمي على اسم منشق سوري قام بتهريب آلاف الصور خارج البلاد في عام 2013، يكشف خلالها عمليات القتل الجماعي والتعذيب والجرائم الأخرى التي وقعت في سجون النظام في سوريا. 

يقول المحلل السياسي "فهد باكير" لبلدي نيوز: "مع اقتراب تنفيذ قانون قيصر على نظام الأسد والذي سيسبب المزيد من الاختناق للنظام السوري وعزله عن النظام العالمي، لاسيما أن جائحة كورونا لازالت في بدايتها في سوريا، فإن اقتصاد الأسد سينهار بشكل خطير ومفاجئ، ماقد يسفر عن أزمة غير مسبوقة في مناطق النظام".

وأضاف: "إن مجمل هذه العوامل وغيرها سوف يسهل على المعارضة اتخاذ الإجراءات اللازمة حين يطبق القانون لمنع النظام من الإفادة من المناطق المحررة لجهة توفير السيولة من العملة الصعبة، أو تحصيل المشتقات النفطية والمواد الغذائية، والعمل على إحكام الطوق عليه وصولا إلى إضعافه وتفتيته بشكل كامل".

"كورونا" وشركاء القتل

يعيش شركاء النظام أزمة "كورونا" على المستوى اﻻقتصادي، لاسيما أن مقر عمليات مكافحة فيروس "كورونا" المستجد (كوفيد-19) في روسيا، وسجل اليوم الاثنين 302 إصابة جديدة بالفيروس في 35 إقليما من بينها 212 إصابة في العاصمة موسكو، ليبلغ عدد الإصابات الإجمالي 1836 إصابة، في وقت أعلنت السلطات الإيرانية اليوم تسجيل 117 حالة وفاة جديدة بفيروس "كورونا" المستجد ليرتفع إجمالي الوفيات إلى 2757.

وتؤكد المعلومات أنّ فيروس "كورونا" يكبد روسيا مليار روبل يوميا، نظرا لطبيعة العلاقات الاقتصادية مع الصين "بؤرة المرض"، وحجم التبادل التجاري بينهما، إضافةً لعوامل أخرى.

يشار إلى أن الاقتصاد السوري بدء مرحلة الانهيار التام بعد تفشي (كوفيد-19)، وخاصة أن هذا الاقتصاد يعاني من ويلات الحرب التي أنهكته، وسط توقعات بأن يترك الوباء أكثر من مئتي ألف شخص عاطلين عن العمل في سوريا.

===========================

منظومات الاستبداد الكورونية

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 30/3/2020

عام ألفين وخمسة، كنتُ في موسكو، وكانت قيمة الروبل الروسي أربعة سنتيمات؛ أي أن الدولار الواحد يساوي خمسة وعشرون روبلاً. الآن، قيمة الروبل أقل من سنتيم (الدولار يساوي الآن 112روبل) بقدر نسبة زيادة سعر الدولار ازداد عدد " المليارديرية" في روسيا. شكّل هؤلاء حاشية بوتين. وضعوا أيديهم على مقدرات روسيا التي ورثت مقدرات الاتحاد السوفييتي. ما كان ملكاً مركزياً للدولة السوفيتية أصبح بتلك الأيادي باسم روسيا الاتحادية: الغاز، النفط، السلاح، الفضاء، إضافة إلى مقعدٍ في مجلس الأمن، وسياسة خارجية يقودها حاقد ينفذ ما تريده الحاشية العصابة برئاسة رجل استخبارات أوجد إمبراطورية إعلامية على طريقة "غوبلز" هتلر، لتجعل منه قيصراً جديدا.

مناسبة هذا الكلام تلك الإطلالة البهية لبوتين خلال زيارة إلى نقطة حجر طبية فيها مرضى بفيروس "كورونا" بلباس "رائد فضاء". تلك الصورة الإعلامية تلخص عقل العصابة السائد في حكم موسكو؛ والمتمثل بنجاة العصابة حصراً، وعدم الاكتراث بملايين روسيا. وفي هذا السياق انتشرت الصورة ذاتها لبوتين يدخل اجتماعاً لمجلس وزرائه. إضافة لذلك، الجالسون في ذلك الاجتماع وملايين روسيا يعرفون أن السيد بوتين نقل مكان إقامته كلياً خارج موسكو. وغير خفي على أحد تكتم إدارة بوتين على الإصابات بالفيروس في روسيا؛ وما لم ترصده محطات بوتين الإعلامية، وتسعى لإخفائه هو التململ الشعبي والغليان غير المسبوق في روسيا بسبب التجاهل والإغفال لهذه الجائحة الكارثية.

 تعتقد إدارة بوتين أنها استطاعت التعامل مع هذه الجائحة؛ ولكنها تعاملت معها فقط سياسياً عبر التعمية والتضليل

صحيح أن السيد بوتين نجح في برمجة مجلس دماه ومحاكمه بتصفير عداد رئاساته عبر تعديلات دستورية، فهل يضطر إلى إلغاء الاستفتاء الشعبي على التعديلات المقرر بعد أيام في ظل هذه الجائحة والتململ الشعبي الذي تولده بهلوانياته المافياوية؟! وهل يؤجل حدثاً استعراضياً آخر في التاسع من أيار للاحتفال بذكرى الانتصار على ألمانيا، حيث ينوي عرض مئات الأصناف من الأسلحة؛ وخاصة تلك التي جرّبها "بنجاح" في سوريا؟!

 شريكة بوتين في احتلال سوريا "إيران" تعاني الأمر ذاته، لكن بفجائعية أكثر. فهي تستغيث بالبنك الدولي وبصندوق النقد الدولي كي يؤمنا لها خمسة مليارات دولار لمواجهة جائحة الكورونا؛ وما من مجيب. فالجماعة يعرفون أن تلك الأموال ستذهب إلى "المجهود الحربي العسكري للحرس الثوري" كما ذهبت المليارات التي قدمها "أوباما" أيام الاتفاق النووي، ولن يرى الإيراني منها "توماناً" واحداً لانقاذه من مصيبة الكورونا التي أخفاها الملالي لأشهر تاركين الإيرانيين يواجهون حتفهم بكتمان مريب.

وهل الحديث عن مواجهة جائحة كورونا يشمل منظومة الاستبداد التي يحميانها في دمشق؟! ولا ندري إن كان السيد بوتين قد سمع تصريح وزير صحة نظام الأسد بأن "الجيش العربي السوري" قد قضى على كل الجراثيم والفيروسات في سوريا؛ وأن البلد خال من فيروس كورونا؟! وهل يؤنب السيد "شويغو" وزير دفاع بوتين السيد وزير صحة الأسد على إغفاله شكر القوات الروسية بمساهمتها بالقضاء على الفيروسات والجراثيم في سوريا؟!

ربما الجميع الآن منشغلون بتغريدة ولي عهد الإمارات ينتظرون الترياق الإماراتي. لقد قال كًثيرون أن حملة بوتين العسكرية في سوريا تمولها الإمارات، والمليارات التي نهبتها عصابة النظام لعقود. وهنا لا بد أن يسأل المرء عمّا إذا كان ذلك الدعم الموعود قد كان خفياً في السنوات السابقة، والآن فرصة "الكورونا" تجعله علنياً. فتحت يافطة الوقوف مع سوريا في وجه جائحة الكورونا يأتي الدعم الآن علناً، ويتحوّل إلى أدوات قتل للشعب السوري، الذي لم تعبأ به يوماً منظومة الاستبداد.

في هذا السياق نستذكر أيضاً الجهود الروسية - الصينية في الأمم المتحدة لرفع العقوبات عن دول بينها سوريا لمحاربة فيروس كورونا. تلك الجهود تأتي رداً على دعوة الأمين العام للأمم المتحدة لوقف شامل لإطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، وإرسال لجان تفتيش لمعتقلات النظام. وهنا تُغفل روسيا أن تلك العقوبات وُضعت، كي تتوقف الأعمال الإجرامية؛ التي سعت روسيا للتغطية عليها وحمايتها باستخدام الفيتو.

ظواهر منظومة الاستبداد في دمشق، وابن زايد في الإمارات، وخامنئي في إيران، وبوتين في موسكو زوائد خبيثة على كوكبنا تراها بالعين المجردة وترى أفعالها الدموية وجعاً ومراراً لا بد من أن يشهد العالم خلاصاً منها وبآفات تشبهها. أي مخاليق هذه التي تسلطت على منطقتنا وعالمنا؟! وأي عهر هذا الذي أصاب كوكبنا؟! وهل يكفيه جائحة واحدة ليعود طبيعياً؟!. قد لا تكون كورونا إلا مزحة بسيطة لتخلص عالمنا من آفات كهذه.

===========================

عن سورية الثورة والشعب العنيد

حسام الحميد

العربي الجديد

الاثنين 30/3/2020

يجدر، في ذكرى انطلاقة ثورة الحرية والكرامة في سورية، التفكير في السنوات التسع التي مرّت على الشعب السوري بكل ثقلها الأسود، محمّلة، مع كل يوم من أيامها، بكل أشكال العنف الدموي الذي مارسه النظام الأسدي ضد شعب أعزل، خرج يحلم بالحرية والكرامة، ومطالباً بأبسط حقوقه، العيش الكريم. خرج منادياً "الشعب السوري ما بينذل". وكانت هذه العبارة الركلة الأولى التي أسقطت جدار الخوف من هذا النظام الطائفي المقيت، الذي دمّر النسيج الاجتماعي في سورية خمسين سنة، قبل أن يدمر اليوم البشر والحجر. ولم تكن السنوات التسع، بقضها وقضيضها، كافية لكي يدرك المجتمع الدولي مدى حقد النظام المجرم ودمويته، ولم تكن هذه السنوات كافيةً للعالم، ولا حتى العرب، للعمل على منع النظام من ارتكاب مزيد من جرائم الإبادة الجماعية في سورية، بل تجرأ بعضهم على المطالبة بعودة النظام إلى جامعة الدول العربية.

ولكن منذ الأيام الأولى لثورة الحرية والكرامة، أدرك الشباب الثائر أن ثورته ضرورة حتمية للخلاص من حكم عصابة العائلة الأسدية التي استولت على السلطة، فحولت سورية مزرعة تمتلكها، وعانى الشعب، تحت حكم نظام الاستبداد والشمولية خمسة عقود، من الفقر والبطالة وفساد كبير في كل قطاعات الدولة، وعانى من قبضة أمنية شديدة، أدت إلى موجات من القمع والاعتقالات الواسعة لفئات كثيرة من الشعب. وبالتالي، صار الإيمان لدى هذا الشباب الثائر بأنه مهما كان الثمن غالياً، فالثورة من أجل إسقاط النظام أكثر من ضرورة، للخلاص من 

"أدرك الشباب أن ثورته ضرورة حتمية للخلاص من حكم عصابة العائلة الأسدية التي حولت سورية إلى مزرعة"العصابة المجرمة، وبقاؤها حتماً سيكلف الشعب السوري كل ما يملك.

ولم يدرِ الشباب السوري الذي خرج يطالب بحريته أن هذا المطلب لن يغير النظام فحسب، بل سيكون خطراً قد يغير العالم، فلم يشهد العالم، منذ نهاية الحرب الباردة، صراعاً عالمياً كالذي يحدث في سورية، يبدو في ظاهره محلياً، لكنه أكثر تعقيداً بين الإقليمي والعالمي، فقد أصبحت الأرض السورية المستباحة اليوم من عدد لا متناهٍ من الدول مسرحاً للصراع العسكري والسياسي بين هذه القوى، العالمية منها والإقليمية، وتُرك الشعب السوري يواجه قوى عسكرية كبرى وحده، من دون أي دعم أو مساندة.

تسع سنوات من سياسة تحويط الأزمة لم تعط أكلها، فلم يسبق أن شهد أيٌّ من صراعات العالم هذا الكمّ الهائل من التصريحات والتصريحات المتناقضة والمضطربة لقادة الدول اللاعبة في الملف السوري ومئات من الاجتماعات الأممية والقرارات الدولية واللجان، واللجان المختصة والقرارات الصادرة عنها. ولم يعرف أي صراع في العالم هذا العدد الهائل من قرارات الفيتو ضد قضية شعب أعزل، خرج مطالباً بحريته، فلماذا كل هذا التناقض، ولماذا يرغب المجتمع الدولي في بقاء الأزمة السورية بلا حل إلى أجل غير مسمى؟ للإجابة، يجب أن نعرف أن المعادلة الوحيدة التي يتفق عليها كل الأطراف المتصارعة اليوم أنه لا مصلحة لأحد في الجوار الإقليمي بأن تنجح الثورة السورية، وتبني بلداً ديمقراطياً، فتغيير النظام الأسدي كان سيؤدي حتماً إلى قلب كل توازنات المنطقة التي اشتغل الغرب والشرق على بنائها عقوداً طويلة. وتغيير النظام في سورية، وهو الحليف الوثيق لإيران في المنطقة، كان سيؤدي مباشرة إلى 

"تغيير النظام الأسدي كان سيؤدي حتماً إلى قلب كل توازنات المنطقة التي اشتغل الغرب والشرق على بنائها عقوداً طويلة"تغيير النظامين في لبنان والعراق التابعين للوصاية الإيرانية. وقد تصل شعلة التغيير إلى دول الخليج، الخزان النفطي الاستراتيجي، وحتى إلى تركيا التي لن تكون بعيدة عن هذا التأثير. لذلك وقف الجميع يتأمل مصيره في حال نجاح الثورة، وحصول المواطن السوري على حريته من نظام استبدادي، جعل من البلد جسراً ليلعب دوره في خدمة العالم ثمناً لبقائه في السلطة. ولهذا كان الموقف العالمي كله معادياً لهذه الثورة العظيمة التي تهدد فعلاً بتغير المنطقة، وهذا ما يعرفه اللاعبون الإقليميون، فقد فعل الجميع، (نعم الجميع) أقصى ما في وسعهم وقوتهم لوأد هذه الثورة العظيمة وإفشالها، منذ بدا لهم أن النصر حليف الثورة، وأن سقوط النظام بات قاب قوسين.

ولندرك قوة هذه الثورة، وصلابة الشعب السوري الثائر، ولنعرف ماهية الصراع الذي يخوضه اليوم ضد دول وقوى خارجية وداخلية، علينا العودة إلى بداية الثورة السورية، والانتصارات التي حققتها، واتساع رقعتها وسيطرتها على مدن وقرى كثيرة، لنعرف لماذا بات على الشعب السوري، بعد أن واجه النظام بكل قوته ووحشيته، أن يواجه إيران التي زجّت عشرات آلاف "المجاهدين" من حزب الله، ثم المليشيات الطائفية العراقية، ثم الحرس الثوري الإيراني وتوابعه. وبعد أن اقتربت قوى المعارضة من إسقاطه، دفعت إيران لذلك مليارات الدولارات، وقدمت كل احتياجات السلاح، ودفعت الأسد إلى استخدام طيرانه وصواريخه الباليستية ضد المدنيين، ولكن ذلك كله لم يكن ليكسر عزيمة الثوار على الأرض، وفشلت إيران، كما فشل النظام في إخماد هذه الثورة، ما دفعها إلى طلب تدخل الجيش الروسي، بكل ترسانته من 

"على الرغم من دخول الثورة في متاهة صراع المصالح الدولية، ستعيد سيرتها الأولى وستنتصر حتماً"الأسلحة الثقيلة والطيران، الذي لم يترك سلاحاً لديه، قديماً أو جديداً، إلا جرّبه في قتل المدنيين السوريين، وتدمير المدن باستخدامه سياسة الأرض المحروقة، ولا يزال، بعد مرور نحو خمس سنوات على التدخل الروسي في سورية، غير قادر على إنهاء الثورة عسكرياً.

ولأن التدخل الخارجي، الإيراني والروسي، حقق مكاسب كبيرة عسكرياً على الأرض، كان لزاماً على كل من تركيا والمملكة المتحدة وفرنسا وأميركا أن تعمل على تدخل مضاد، ولكن ليس لمصلحة الشعب السوري، بل لمصالح خاصة بها، وهو تدخل جاء بعدما أيقن الجميع انتهاء سورية الأسد وسقوطها تماماً، فبدأ الجميع يبحثون عن محاولة للإمساك بما يمكنهم من التأثير في رسم خريطة المصالح في صياغة مستقبل سورية، وعمد كل طرف إلى تغطية أهدافه الحقيقية بأهداف وهمية، فكان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وكان التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب جسراً لأن تتدخل هذه الدول في الصراع عسكرياً، من خلال دعم وحدات حماية الشعب الكردية تحت مسمى قوات سوريا الديمقراطية، للسيطرة على المنطقة الشرقية في سورية كاملة بعد هزيمة "داعش"، وهذا ما شكل خطراً حقيقياً على حدود تركيا التي تعتبر هذه الوحدات منظمة إرهابية، غرضها زعزعة الأمن القومي التركي. ولذلك، لم يكن لدى الأتراك خيار سوى التدخل عسكرياً في الأراضي السورية من خلال عملية درع الفرات في 2016، ثم أتبعوها بعملية غصن الزيتون في 2018، لاحتواء التمدّد الكردي على الشريط الحدودي المتاخم لتركيا، ثم كانت عملية نبع السلام في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وتالياً، عملية درع الربيع في فبراير/ شباط 2020.

وبهذا يمكن القول إنه ليس لأيٍّ من الجيوش الخمسة المتحاربة على الأرض السورية مصلحة في انتصار الثورة السورية، وهي لم تفعل أي شيء لتحقيق مطالب الشعب السوري، بل عملت جاهدة على سلب القرار من يده، وتحطيم عزيمة الثورة وتفتيت قواها، من خلال مسرحيات جنيف وأستانة وسوتشي. ولكن على الرغم من مرور السنوات التسع، ووجود كل هذه الجيوش والمليشيات والعصابات والمنظمات الإرهابية على الأرض السورية، فإن ثورة الشعب السوري التي يقف كل العالم بوجهها عظيمة، وسيذكرها التاريخ بأنها الثورة الأكبر والأكثر تميزاً والأكثر تأثيراً في العالم. لقد حققت انتصارها المحلي منذ اللحظة الأولى لانطلاقها، فقد أسقطت جدار الخوف، وكسرت مملكة الصمت، وأسقطت شرعية النظام المجرم. وعلى الرغم من صعوبة الظروف المحيطة بها الآن، وعلى الرغم من دخولها في متاهة صراع المصالح الدولية والتغيير الإقليمي، ستعيد سيرتها الأولى وستنتصر، حتماً ستنتصر.

===========================

هل تركت أميركا سورية لروسيا؟

حسين عبد العزيز

العربي الجديد

الاحد 29/3/2020

باستثناء قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب من شمالي مدينة الرقة لصالح تركيا، وقراره المفاجئ الانسحاب من سورية قبل أن يتراجع عنه، تبدو الولايات المتحدة غائبة تماماً عن المشهد السوري، لا سيما السياسي منه. والتراجع الأميركي من الساحة السورية بدأ نهاية عام 2015، وتحديداً في أواخر سبتمبر/ أيلول، حين دخل الروس عسكرياً إلى سورية، الأمر الذي لا يمكن أن يحصل لولا وجود موافقة أميركية ضمنية، لإعادة ترتيب الجغرافيا العسكرية المبعثرة.

وقد ترافق الحياد العسكري الأميركي، إن صحت العبارة، بتراجع آخر على المستوى السياسي في الفترة نفسه، كان عنوانه اجتماع فيينا الأول في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2015 الذي جمع 17 دولة، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. تم في ذلك الاجتماع اعتماد صيغة بيان جنيف الأول لعام 2012 "هيئة حكم ذات صلاحيات تنفيذية كاملة"، غير أن روسيا وبعض الدول استطاعت إقناع الولايات المتحدة بتغيير هذه الصيغة، فاجتمع الفرقاء مرة أخرى في فيينا في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، وخرجوا بصيغة "حكومة وحدة وطنية". لم تقبل الدول الإقليمية والأوروبية المعارضة للنظام السوري بهذه الصيغة، فتم اللجوء إلى مقاربة عامة اعتمدت لاحقاً في قرار مجلس الأمن 2254، الصادر في 18 ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، "حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع، ولا يقوم على الطائفية، وتحدّد جدولاً زمنياً وعملية لصياغة دستور جديد، ويعرب كذلك عن دعمه انتخابات حرّة ونزيهة تجري عملاً بالدستور الجديد". وبعد هذا القرار، استمرت اجتماعات جنيف نحو سنتين، من دون أن تخرج بأي شيء، في ما كانت الآلة العسكرية الروسية توجه ضرباتها للمعارضة التي اضطرت إلى الانسحاب من مدينة حلب في 13 ديسمبر/ كانون الأول عام 2016.

اتجهت روسيا إلى تركيا للمساعدة في ترتيب الوضع العسكري، في مقابل تقديم تنازلات كبيرة لها في الشمال السوري، ونتج عن ذلك مسار أستانة الذي رأى النور في يناير/ كانون الثاني 

"بدون الضوء الأخضر الأميركي، لن تستطيع موسكو استثمار كل نجاحاتها العسكرية"2017. وقد اهتمت الجولات الثلاث بمسألة وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة، فيما خرجت الجلسة الرابعة في الرابع من مايو/ أيار 2017 باتفاق "مناطق خفض التصعيد الأربع" (محافظات إدلب واللاذقية وحلب وأجزاء من محافظات حماة، حمص، درعا والقنيطرة، منطقة الغوطة الشرقية). ولكن تبين، بعد نحو عامين من انطلاق مسار أستانة، أنه كان مقدمة للقضاء على المعارضة العسكرية وإخراجها من كل هذه المناطق، بما فيه الجنوب الذي كان تحت الرعاية الأردنية ـ الأميركية، ولم يستثن من ذلك سوى إدلب لاعتبارات تركية. وفي خضم هذه التحولات العسكرية، خلص مؤتمر الحوار السوري ـ السوري الذي عُقد في سوتشي الروسية إلى الموافقة على تشكيل لجنة دستورية، غير أن الأمر احتاج نحو عامين، لكي تجد اللجنة طريقها إلى أرض الواقع. وخلال هذه الفترة، كان السجال محصوراً بين الروس والأتراك والأمم المتحدة، مع حضور نسبي ضعيف للأميركيين. وجاء الانسحاب الأميركي من منطقتي تل أبيض ورأس العين في الشمال السوري تتويجاً لمسار التراجع الأميركي، وفتح الباب واسعاً لتركيا وللنظام السوري للسيطرة على مناطق كانت ممنوعة عليهما.

هل يعني ذلك كله أن الولايات المتحدة تسير على مسار بطيء للانسحاب نهائياً من المشهد السوري برمته، وتركه لقادة الكرملين؟ تبدو الإجابة عن هذا السؤال صعبة، لأسباب كثيرة، منها المفاجآت المتعددة التي عرفها الملف السوري سياسياً وعسكرياً، والغموض البناء الذي يكتنف السياسة الأميركية تجاه سورية.

لكن الإصرار الأميركي على البقاء في المثلث السوري التركي العراقي، وعلى البقاء عند الحدود السورية العراقية في التنف أولاً، وعلى ربط إعادة الإعمار بالتسوية السياسية ثانياً، وعلى فرض عقوبات اقتصادية متصاعدة على النظام السوري وحلفائه ثالثاً، وعلى منع الدول من الانفتاح على دمشق سياسياً رابعاً، ذلك كله يشير إلى أن الاستراتيجية الأميركية تقوم على معادلة الانسحاب وعدم الانسحاب في الوقت ذاته.

وباعتبارها دولة عظمى، تمتلك الولايات المتحدة القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية على التعطيل. ومن هنا ليس ضرورياً أن يربط حضورها الاستراتيجي الواسع بالجغرافيا الضيقة. وتقوم المقاربة الأميركية على عدم التدخل المباشر، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي، (باستثناء السيطرة على عدد من حقول النفط)، أي أن واشنطن لا تتدخل في تفاصيل العمليات العسكرية، ولا في تفاصيل العمليات السياسية الحاصلة، وقد تركت هذه المسائل للعواصم المعنية. وتقوم الاستراتيجية الأميركية على التعطيل، وهذا ما تدركه موسكو جيداً، فبدون الضوء الأخضر الأميركي، لن تستطيع موسكو استثمار كل نجاحاتها العسكرية على الأصعدة السياسية والاقتصادية والإنسانية.

وقد بينت السنوات السابقة الفشل الذريع للجهود الروسية في الملفات السياسية والاقتصادية 

"فشل ذريع للجهود الروسية في الملفات السياسية والاقتصادية والإنسانية"والإنسانية. وعليه، يمكن القول إن الولايات المتحدة تركت سورية للروس، شرط أن يلبي الأخيرون المطالب الأميركية. يدرك الروس ذلك، ويدركون حجم قدراتهم المحدودة، لكنهم يلعبون على الوقت، على أمل أن تأتي إدارة أميركية متساهلة، أو إلى حين وصول الأزمة الإنسانية في سورية إلى حد يدفع المجتمع الدولي إلى غضّ النظر عن التغيير السياسي في مقابل منع حصول كوارث إنسانية، أو حدوث تغير مفاجئ مثل انتشار فيروس كورونا للمطالبة بالانفتاح على دمشق، تحت عنوان الضرورات الإنسانية.

وإذا لم يحدث ذلك، ليس أمام الروس سوى ترك الأزمة السورية مفتوحةً مع ما يعنيه ذلك من تكلفة مالية باهظة على دمشق وطهران وموسكو، أو الضغط على النظام السوري، لإجراء التغيير السياسي. وعند ذلك، سيصطدم الروس مع دمشق وطهران. وفي الحالتين، لا يوجد أفق روسي للحل من دون الأميركيين. وقد بينت التجربة أن الروس قادرون على ممارسة ضغوط على النظام السوري في القضايا التكتيكية المرحلية، مثل اتفاق سوتشي حول إدلب أو اتفاق موسكو الأخير حول إدلب أيضا، لكنهم عاجزون تماماً عن ممارسة الضغوط، حين يتعلق الأمر بالتحول السياسي.

===========================

آفاق المستقبل السوري في زمن الكورونا

 عبد الباسط سيدا

القدس العربي

الاحد 29/3/2020

لا توجد إرادة دولية في الوقت الحاضر لمعالجة المسألة السورية، وذلك بعد أن تمكّن كل طرف من السيطرة، كما كان متوقعاً على المنطقة التي كان قد خصّ نفسه بها، بناء على الاتفاقيات غير المعلنة، واستناداً إلى المؤشرات العيانية الملموسة التي تبرز ملامحها تباعاً واقعاً مرئياً على الأرض.

فالروس قد تمكنوا من السيطرة على القسم الغربي من سوريا، خاصة المنطقة الساحلية. والإيرانيون سيطروا بالاشتراك مع ميليشيات حزب الله على أجزاء كبيرة من دمشق وضواحيها، ومنطقة قلمون ومناطق أخرى في الشمال السوري. هذا مع الأخذ في الحسبان الهواجس الإسرائيلية في منطقة جبل الشيخ والجنوب السوري عموماً؛ وتفهّم احتياجات الأردن الأمنية في منطقة درعا.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ركزت على المنطقة الواقعة شرقي الفرات، ومنبج ضمناً، وصولاً إلى الحدود العراقية، مع الأخذ بعين الاعتبار المطالب والهواجس التركية التي تمحورت حول المنطقة الممتدة ما بين تل أبيض غرباً وراس العين شرقاً؛ هذا إلى جانب القبول بتواجد أمني – إداري للنظام في مراكز المدن، سواء في دير الزور أم في الحسكة وقامشلي. وكل ذلك بالتفاهم والاتفاق مع الروس بطبيعة الحال، بالإضافة إلى وجود للحرس الثوري الإيراني وميليشيات الحشد الشعبي العراقي في منطقة البوكمال والمناطق القريبة منها، المحاذية للحدود العراقية – السورية.

بينما تمكنت تركيا، بفعل تفاهماتها مع الروس والأمريكان في الوقت ذاته، من السيطرة على مناطق واسعة على امتداد حدودها مع سوريا، وهي تشمل المنطقة الممتدة بين رأس العين وتل أبيض التي أشرنا إليها، وتلك الممتدة بين جرابلس واعزاز مرورا بالراعي وضمناً الباب، إلى جانب منطقة عفرين، والقسم الشمالي من محافظة إدلب، بما فيها مدينة إدلب نفسها.

ورغم التصريحات المتعارضة التصعيدية أثناء الجولة الأخيرة من الأعمال القتالية في إدلب، تبين في النهاية أن الأمور لم تخرج بصورة عامة عن نطاق بعض الخلافات حول التفاصيل التي لم، ولن، تغير من صورة اللوحة العامة التي تشكلت بناء على الاتفاقات والتوافقات التي حصلت، ومنها الاتفاق العام بين الروس والأمريكان حول تنسيق المهام، وبيان ميادين وقواعد العمل، وتحديد آلية حل الخلافات. وكذلك تلك الاتفاقيات أو التوافقات، المعلنة منها والسرية، التي كانت بين أطرف اجتماعات استانا وسوتشي (روسيا، تركيا، إيران) وتوافقها على وضع حد لنفوذ الفصائل المسلحة التي خضعت كثيراً لعمليات التفكيك والتركيب، والقص واللصق، وذلك بناء على المهام المنوطة بها؛ وهي المهام التي لم تتجاوز نطاق الواجهة، والتحرك بناء على التعليمات والأوامر الآتية من جهة الداعم على صعيد التمويل والتذخير. وهناك من يفسر زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الأخيرة إلى دمشق بأنها كانت رسالة روسية للنظام والإيرانيين في الوقت ذاته، بضرورة احترام التوافقات الروسية التركية الأخيرة الخاصة بمنطقة إدلب، نظراً لحساسية الموقف، وحيوية التفاهم مع الجانب التركي بالنسبة إلى الروس.

ومن المرجح أن تستمر مناطق النفوذ على وضعيتها الحالية إلى أجل غير مسمى، وذلك في انتظار الوصول إلى حل ما للموضوع السوري عبر التوافق بين القوى الدولية، لا سيما بين الأمريكان والروس على وجه التحديد. فالورقة السورية قد باتت بناء على المتغيرات التي كانت في المنطقة، جزءاً من الاستراتيجية الإقليمية للدولتين. كما أنها باتت ورقة ضغط يستخدمها كل طرف في مواجهة الآخر لتحصيل نقاط أو تنازلات في أمكنة أخرى من العالم.

وما يستشف من التحركات والتصريحات، هو وجود رغبة لدى اللاعبين الأساسيين في الحلبة السورية في تهدئة الأمور انتظاراً للاستحقاقات المقبلة.

فعلى الصعيد الأمريكي، هناك الانتخابات الرئاسية في نهاية العام الجاري؛ ومن الصعب منذ الآن التكهن بهوية الرئيس القادم، فضلاً عن معرفة خططه وبرامجه للمرحلة المقبلة. فحتى لو فاز ترامب في الانتخابات، ليس بالضرورة أن تكون سياساته امتداداً لما كانت عليه إبان فترة رئاسته الأولى. أما في حال فوز المرشح الديمقراطي، فعلى الأغلب ستكون هناك تحولات في المواقف والرؤى، ومن ثم في الاستراتيجيات. هذا مع ضرورة أخذ واقع انتشار كورونا (كوفيد-19) السريع حالياً في الولايات المتحدة في الحسبان، وانعكاسات ذلك على الاقتصاد والدور الأمريكي القيادي المستقبلي على مستوى العالم.

وروسياً، يسعى بوتين لتثبيت وضعه أكثر فأكثر، هذا رغم تمكنه من تعديل الدستور بما يتيح له الحكم لأطول فترة ممكنة؛ وبصورة أسهل مما كان يتوقعه هو شخصياً، أو بما توقعه الجميع. فقد جاء هذا التمديد في ظروف انشغال العالم بأسره بقضية كورونا، وتحولها إلى جائحة عالمية، وإقدام معظم الدول على اتخاذ إجراءات استثنائية، شملت إغلاق دول بكاملها؛ الأمر الذي ساعد بوتين في تمرير التعديلات من دون أي جهد أو أية احتجاجات، أو حتى انتقادات مؤثرة على المستويين الداخلي والخارجي.

وقد جاءت أزمة كورونا بصورة عامة لتحجب الأضواء عن الموضوع السوري، والوضع في إدلب على وجه التحديد. وقد استغلت الدول المعنية بالملف السوري هذه الظروف، واستطاعت ترتيب الأمور في ما بينها بصورة تراعي حساباتها ومصالحها.

والجدير بالذكر هنا هو أن الموقف التركي كان قد تغير بصورة لافتة عموماً بعد زيارة اردوغان إلى موسكو؛ وتوصله إلى توافقات مع بوتين حول ترتيب الأمور في منطقة إدلب، والتفاهم حول العقد المستعصية. ولكن أزمة كورونا قد أسهمت من جهتها في إخراج الموضوع برمته من دائرة الضوء والمراقبة والمتابعة، الأمر الذي سيساعد من دون شك في عملية إنضاج الطبخة على نار هادئة كما يقال، بعيداً عن الإعلام والرأي العام. وما التصريح الأخير الذي أدلى به المبعوث الدولي الخاص بسوريا غير بيدرسون حول ضرورة وأهمية وقف إطلاق النار، وتركيز كل الجهود لمواجهة كورونا، سوى مؤشر يدل على وجود رغبة دولية، أمريكية روسية في المقام الأول في تثبيت حدود مناطق النفوذ، بعد أن تمكنت مختلف الأطراف من الوصول إلى توافقات تضمن دورها في المعادلات المستحدثة المرتقبة التي ستعاد بموجبها هيكلة المنطقة من جديد، لتتناسب المجريات والوقائع مع توجهات المنافسات بين القوتين الأكبر في المقام الأول، مع الأخذ بعين الاعتبار أدوار الدول الإقليمية الأساسية.

ومن الواضح أن موضوع تقسيم سوريا غير مطروح في الوقت الحالي، وإنما هناك تركيز مستمر من جانب مختلف الأطراف على ضرورة احترام وحدة سوريا. إلا أن هذه الوحدة إذا ما استمرت فعلاً، ستكون هشة، فضفاضة، شكلية ضمن الظروف الحالية.

ومن المتوقع أن تستمر الوضعية الراهنة لفترة لا بأس بها من الوقت، قد تكون كافية لتهيئة الناس للقبول بأوضاع جديدة، خاصة إذا ما ترافقت جهود التهيئة تلك بعملية خلق الحوافز الاقتصادية التي تمكن الناس من الارتباط المعيشي، وحتى النفسي، بالدول التي تتقاسم سوريا في واقع الأمر راهناً.

وما يعزز هذا الاحتمال هو خروج السوريين من المعادلات الخاصة بتحديد مستقبل بلادهم بصورة شبه كاملة. وعجز النخب السورية سواء السياسية منها أم الفكرية أم الاقتصادية والمجتمعية بصورة عامة، عن تقريب وجهات النظر من خلال الإلحاف على القواسم المشتركة، والتوافق على آلية مقبولة للبحث عن الحلول بالنسبة إلى النقاط الخلافية، وتدوير الزوايا. فهذه النخب قد فقدت في ظل واقع سيطرة القوى الدولية والإقليمية على مفاصل الدولة السورية على مختلف المستويات وفي جميع الميادين أي دور بنّاء كان يمكنها القيام به في وقت ما.

ولكن مع ذلك يبقى الأمل معقوداً على الآلاف المؤلفة، إن لم نقل الملايين من الشباب السوري الذين اكتسبوا العلم والتقنية والخبرة واللغات الأجنبية على مدى نحو تسعة أعوام من عمر الثورة، رغم المحنة القاسية. وهناك اليوم الآلاف من الشباب السوري الذين يتابعون دراساتهم الجامعية في أرقى الجامعات العالمية وفي مختلف الاختصاصات، وسيكون هؤلاء قوة إبداعية مؤثرة، سيزداد ثقلها ودورها في المستقبل.

ومن جهة أخرى، نرى أن امتعاض السوريين من المشاريع العابرة للحدود بأسمائها المتعددة يفتح الآفاق مستقبلاً أمام التفاهم والاتفاق على مشروع وطني يكون بالجميع وللجميع، على أساس احترام الخصوصيات والحقوق، ومن دون أي تمييز، مع الأخذ بعين الاعتبار واقع كل ما حدث حتى الآن في مختلف المناطق السورية.

*كاتب وأكاديمي سوري

===========================

الثورة السورية الاستثنائية في ذكراها العاشرة

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

السبت 28/3/2020

كان النظام السوري على مدى تاريخ السلالة الأسدية استثناء في كل شيء، طريقة تعامله الدموية الرهيبة مع من يُفترض أن يكون شعبه، وطريقة تعاطيه مع خصومه وأعدائه، والتحول مائة وثمانين درجة بين ليلة وضحاها، كما حصل في وقوفه مع الأميركيين بحرب العراق الأولى، إضافة إلى سياسته بقتل المعارضين في الخارج، فضلاً عن استدعاء ميليشيات طائفية واحتلالات أجنبية للبقاء في السلطة، ولو كان ذلك على حساب مليون شهيد، وتهجير 12 مليون شخص، وتدمير أكثر من 70% من البلاد.

في هذا المقال، وفي الذكرى العاشرة للثورة السورية التي دخلتها في مارس، نودّ رصد الاستثناءات المهمة للثورة السورية، والتي يقف على رأسها صمود الثورة والثوار على الرغم من استخدام النظام ومشغليه الروس والإيرانيين لسلاح الدمار الشامل، وسط صمت العالم ومراقبته لأول مرة ربما، في حين كل العلوم العسكرية والخبرات القتالية السابقة، تتحدث عن أن أي جيش أو شعب يتعرض لسلاح دمار شامل يرفع الراية البيضاء ويعلن استسلامه، وقد حصل هذا في غير مكان وغير موطن، وبالتالي فإن سلاح التدمير الشامل هو سلاح آخر الدواء الكيّ، وسلاح لفرض الاستسلام بالقوة، ولكن بالرغم من استخدام النظام للسلاح الكيماوي عشرات المرات، فإن الشعب السوري واصل قتاله وتحديه للنظام ولمشغليه المحتلين، ولا يزال يصرّ على الحرية.

أما الاستثناء الثاني المهم فقد انهارت الجغرافيا في القرن الماضي أمام سلاح التدمير الجوي، فكان انتصار قوى التحالف الدولي في حرب العراق الأولى عام 1990، وإعلان هزيمة نظام صدام حسين بفعل الغارات الجوية الرهيبة، والأمر نفسه حصل بعدها بسنوات في البوسنة والهرسك عام 1998، ليعلن لاحقاً عن هزيمة ميلوسوفيتش، وتكرر هذا في حرب العراق الثانية من عام 2003، حين تم استخدام التكتيك الجوي نفسه، وسبق هذا حرب التحالف الدولي على أفغانستان عام 2001، حين انهارت حكومة «طالبان» الضعيفة عسكرياً أمام طائرات البي 52 العملاقة، وإن كانت «طالبان» قد سعت لاحقاً إلى اللجوء لحرب عصابات طويلة الأمد، ففرضت بعض شروطها بعد مرور 18 عاماً على تلك الحرب، لكن هذه الحرب الجوية التي أفلحت ضد كل من استخدمت بحقه فإنها لم تفلح في القضاء على الثورة السورية، رغم استخدامها لتسع سنوات من قبل النظام السوري ومشغليه الروس والإيرانيين، ومع هذا فشل الجميع في تركيع الثورة السورية.

الاستثناء الثالث طريقة التعاطي الشعبية والثورية مع تهديد «داعش»، حيث شنّت الفصائل الثورية بأطيافها وألوانها كافة حرباً شعواء على هذا التنظيم، الذي دفعت الثورة أثماناً باهظة لظهوره، وبدعم مجتمعي قلّ نظيره، وهو ما ساعد على القضاء عليه والتخلص منه، وتحديداً في الشمال السوري المحرر و المجاور لتركيا، فكان قضاء مبرماً لم يكلف الشعب هناك كثيراً كما كلف الشعب الأكثر في المناطق الشرقية، حين أعلن التحالف الدولي الحرب على التنظيم، فدفع مئات الآلاف من الأهالي وربما أكثر، ثمناً باهظاً بتدمير بيوتهم وإخلاء قراهم، وهو ما لم يحصل مع الشمال السوري المحرر.

ويأتي الاستثناء الرابع وهو الأهم، بقدرة الفصائل الثورية السورية حتى ممن كان محسوباً على تنظيم القاعدة، على الانفكاك منه والابتعاد عنه، مما قطع الطريق على المتذرعين بقتال الشعب السوري تحت هذه الذريعة، وهو ما استقبله الغرب إيجابياً بإرسال وفوده إلى الشمال المحرر الذي كان متهماً قبل أيام بالسواد، وقد حقق هذا ربما لأول مرة نقلة نوعية في الحرب على ما يوصف بالإرهاب، بنقل معركة الغرب من الحرب على الإرهاب السني المسلح إلى الحرب على جماعات طائفية كما حصل بالاستهدافات الأميركية والإسرائيلية من قبل بحق هذه الجماعات في سوريا والعراق، ساعد في ذلك النجاح القطري الأخير في الوساطة الأميركية-الطالبانية بالدوحة، ووقف الحرب التي كانت أسّ وجوهر الحرب على ما يوصف بالإرهاب السنّي.

===========================

السياسة الروسية تتصدّع في سورية

غازي دحمان

العربي الجديد

السبت 28/3/2020

تواجه السياسة الروسية في سورية تحدّيات مستجدّة، من شأنها التأثيرعلى فعاليتها، بالشكل الذي ظهرت به منذ التدخل الروسي. وتأتي هذه التحديات نتيجة جملة من التحولات، تراكمت على مدار السنوات الماضية، ولكنها بدأت تظهر في المشهد السوري بوضوح، الأمر الذي بات يتطلب صياغة قواعد جديدة للعبة، بعد أن أصبحت قواعد اللعبة القديمة، والتي تم وضعها بداية التدخل الروسي، غير صالحةٍ بحكم المتغيرات والوقائع وظروف اللاعبين. وأيضاً بسبب سياسات روسيا تجاه اللاعبين الآخرين.

ومنذ سنة 2015، صمّمت روسيا حملة متطوّرة من الجهود العسكرية والدبلوماسية بهدف تشكيل مسار الحرب وفقًا لمصالحها الخاصة. (هل وصلت دبلوماسية روسيا في سورية إلى طريق مسدود؟ باحثون، معهد دراسات الحرب الأميركي، نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، ترجمة: مركز إدراك للدراسات والاستشارات). وفي سبيل إنجاز مهمتها، عملت روسيا على تعزيز مكانة بشار الأسد العسكرية، عبر جعله الفاعل الأقوى من بين الفاعلين المحليين، ومن ثم عملت على تشكيل مفاوضات دولية، من منطلق دورها وسيطا وليس طرفاً في الصراع، وحصلت على اعتراف إقليمي ودولي بهذا الدور، لكن السلوك الروسي اللاحق، وإصرارها على فرض حقائق تخدم سياساتها وأهدافها الجيوسياسية البعيدة المدى في سورية، أضعفا مصداقيتها، وانعكس ذلك واضحا على مسارات حل الأزمة التي صمّمتها (مسارا أستانة وسوتشي)، والتي أصبحت هشّة، وغير صالحة للسير بالأزمة السورية إلى بر الحل السياسي.

أهداف استراتيجية

تكشف خريطة الأهداف الاستراتيجية الروسية في سورية التناقض الكبير بين مصالحها والغايات التي جعلتها ستارة لتمرير تدخلها، وتسهيل اللاعبين المختلفين له، ويمكن حصر هذه الأهداف في هدفين كبيرين:

الأول: إسناذ الصعود الروسي بأوراق قوّة جيواستراتيجية عن طريق النفوذ في منطقة ذات 

"تكشف خريطة الأهداف الاستراتيجية الروسية في سورية التناقض الكبير بين مصالحها والغايات التي جعلتها ستارة لتمرير تدخلها"حساسية عالية في السياسات الدولية، وشكّل هذا الهدف قاطرة لمجموعة من الأهداف الاستراتيجية الروسية التي تشكّل إعادة هيكلة ضرورية لمكانة روسيا وقوتها العالمية مثل: إعادة بناء القدرة العسكرية وتطويرها، عبر استخدام الفضاء السوري مختبرا لأنواع الأسلحة الروسية، في بيئة سهلة ولا تنطوي على مغامرات كبرى، انطلاقأ من حقيقة أن التدخل الروسي تم بضوء أخضر من اللاعبين الدوليين الكبار (الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا). استخدام سورية والشرق الأوسط ساحات لتوسيع النفوذ الروسي على الصعد العسكرية والدبلوماسية، ويوضح ذلك هوية التدخل الروسي المتعدّدة المواصفات (وساطة، ومحاربة الإرهاب، وصنع السلام، وحل أزمة إقليمية متشعبة). وقف الثورات الملونة في ظل ديناميكية ثورية صاعدة، رأت فيها روسيا خطراً لمحاصرتها، خصوصا أن هذه الثورات تستهدف الأنظمة التي ترى روسيا أنها تقع في غلافها الاستراتيجي والسياسي، بمعنى الأنظمة ذات الطبيعة والتركيبة والهيكلية القريبة من النمط الروسي.

الثاني: التحكّم بخريطة نقل الغاز والنفط من المنطقة إلى أوروبا بعد الاكتشافات الكبيرة في البحر الأبيض المتوسط، إذ تعتبر روسيا أن أمن الطاقة "جزء من أمن روسيا القومي ودعامته الأساسية، وأداة مهمة في التأثير في سياستها الخارجية"، حسب المحلل الاستراتيجي الروسي، ألكسندر دوغين، وتكمن أهمية سورية في المنظار الروسي من عدة عناصر:

- يسمح موقع سورية بأن يكون نقطة عبور لنفط المنطقة وغازها صوب أوروبا، ومن شأن وصول مسوّقين جدد للطاقة إلى أوروبا إيجاد منافسة للغاز والنفط الروسيين، أو حتى بدائل عنهما، في ظل تحويل روسيا سلعها الطاقوية إلى أداة سياسية للتأثير على الحكومات الأوروبية.

- تقع سيطرة روسيا على الجغرافيا السورية (والتحكّم بها) في إطار استراتيجيتها صياغة عمليات إنتاج الغاز وبيعه تحت سيطرتها، بحيث تشرف شركاتها الأساسية على كل تفاصيل هذه العمليات، من خلال السيطرة على موانئ الشحن السورية وأنابيب نقل النفط والغاز عبر الأراضي السورية. (روسيا والطاقة في الشرق الأوسط تعزيز الأمن القومي، عبد الرحيم عاصي، موقع 180، 21 فبراير/ شباط 2020).

إدارة الأزمة

اتبعت روسيا، لتحقيق أهداف استراتيجيتها في سورية، توليفة من التكتيكات العسكرية والدبلوماسية.

- الاعتماد بشكل مكثف على تكتيكات قصيرة المدى، تمت ترجمتها عبر سعي روسيا إلى حلول قصيرة المدى للمشكلات الميدانية داخل سورية، والعلاقات مع الفاعلين الإقليميين والدوليين، وكانت هذه الحلول (التكتيكات) مصمّمة لإنتاج عوائد سريعة تجنب روسيا الخسائر في الميدان، أو تمنع تشكيل تحالف من الفاعلين المقابلين، وكانت روسيا تتنصل من التزاماتها، وتبحث عن تكتيكات جديدة تدير بها الأوضاع المستجدة، وهذا ما حصل في اتفاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والأردن، والأمر نفسه مع المعارضة السورية. وقد تعاطت روسيا مع الوضع السوري باعتباره فوضوياً متداخلاً بشكل معقد، ويحتاج إلى عملية تفكيك وإعادة تركيب. وبالتالي، كان تكتيك التفاهمات الآنية والقصيرة المدى الخيار الأفضل لتستطيع تطويع المشهد لصالحها. ولكن هذه التكتيكات وضعت روسيا في مأزق، في ظل حاجة روسيا إلى الحصول على تعاون من هذه الأطراف، حتى تستطيع مواصلة تموضعها في سورية، وتحقيق أهداف استراتيجيتها الكبرى.

- اتبعت روسيا سياسة إسقاط الأوراق المهمة من يد الخصوم، بما فيها المعارضة، لذا ركزت مواردها (المحدودة) لتحقيق هذا الهدف، حيث بدأت الحملة الروسية بالسيطرة على حلب وإخراجها من يد المعارضة، خوفاً من إمكانية تشكيل عاصمة للمعارضة وبديل لنظام الأسد، في وقت كان من المنطقي أن تدافع عن دمشق المهدّدة بالخطر في حينه. ولكنها بذلك دفعت تركيا، والتي كانت في تلك المرحلة أهم بوابات الدعم اللوجستي للمعارضة عن طريق الأطراف الخليجية العربية، إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض، وحيّدت العرب عن التأثير في مجريات الأحداث، فيما كانت مطمئنةً لجهة اللاعبين الأميركي والإسرائيلي المؤثرين في الأحداث في جنوب سورية، بإعتبار أن إسقاط نظام الأسد لم يكن ضمن حساباتهما.

- اتبعت روسيا، مع الدول الإقليمية، سياسات الإغراء والتهديد، فقد طرحت نفسها مخلّصاً لدول الجوار الإقليمي من فوضى ستصل إليهم لا محالة، وإخراجهم من المأزق السوري الذي بات يشكل مصدر تهديد للأمن والاستقرار الإقليميين، بعد أن وصلت الأزمة إلى طريق مسدود، وبات النشاط الإيراني في المنطقة يهدّد دول الجوار الإقليمي. وفي الوقت نفسه، تركت روسيا مليشيات إيران والمليشيات التابعة لنظام الأسد (غير منضبطة)، تسرح على حدود الدول الإقليمية، بهدف دفع هذه الدول إلى الإنكفاء والانشغال بأمنها القومي، بدل تقوية مواقفها التفاوضية في الترتيبات المستقبلية في الشأن السوري.

- صمّمت روسيا اتفاق أستانة ومناطق خفض التصعيد، والذي ساعد النظام السوري، بدرجة كبيرة، على قضم مناطق سيطرة المعارضة، عبر تركيز موارد النظام المحدودة على كل منطقةٍ على حدة، بدل استمرار تشتّت قواته على عدّة جبهات في الوقت نفسه.

وحقّقت روسيا نتائج ميدانية مهمة، حيث استطاعت تثبيت الأسد في الحكم، وإبعاد شبح إسقاطه، كما أضعفت المعارضة المسلحة من خلال تدمير هياكلها باستخدام سياسة الأرض المحروقة، 

"حقّقت روسيا نتائج ميدانية مهمة، حيث استطاعت تثبيت الأسد في الحكم، وإبعاد شبح إسقاطه"وأضعفت، بدرجة كبيرة، المجتمعات المحلية التي شكّلت بيئة للثورة على النظام، والأهم من ذلك، استعاد النظام السوري، بدعم روسي كثيف، السيطرة على أجزاء كبيرة من سورية.

ولكن هذه مجرّد خطوّة في طريق حل أزمةٍ شارفت على السنة العاشرة، وما يعنيه ذلك من تعقيدات خطيرة تولدت عنها وارتبطت بها، الأمر الذي يُنتج بيئة معقدة بالنسبة للخطوات الروسية القادمة، والتي بدونها يصعب على روسيا تحقيق أهدافها الاستراتيجية التي رسمتها عند بداية تدخلها في سورية.

تحديات مستقبلية

فقدان المصداقية: تراجعت مصداقية روسيا نتيجة التكتيكات المتضاربة التي استخدمتها لتثبيت وجودها في سورية. وعلى الرغم من التسهيلات التي حصلت عليها من جميع اللاعبين والفاعلين، تعاطت روسيا مع الأمر وكأنه انتصار لها على هذه الأطراف، وإرغامهم على قبول الواقع الذي صنعته، ربما يتناقض هذا المنطق مع حقيقة أن روسيا هي الطرف الوحيد الذي لديه اتصالات مع جميع اللاعبين المنخرطين في الصراع السوري، لكنه تواصل الضرورة، كما أنه أصبح شكلياً بعد أن فقد فعاليته، وخصوصا على مستوى تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الذي ينص على بدء عملية سياسية تشمل جميع الأطراف السوريين، وهو ما ثبت أن روسيا تحاول إفراغه من مضامينه، لصالح بقاء الأسد.

ونتيجة ذلك، وصلت السياسات الروسية إلى طريق مسدود، حيث انكشفت جملة الألعاب التي أدارتها في سورية، واتضح أن الهدف من دبلوماسية روسيا المعقدة محاولة كسب الوقت، واحتواء المطالب الدولية بإجراء تغيير سلمي في سورية، وذلك إلى حين تغير الظروف، فقد راهنت روسيا على ملل اللاعبين الآخرين من القضية السورية. وحاولت، عبر وسائل إعلامها ودبلوماسيتها قلب الحقائق، وإجبار اللاعبين على القبول بنظام الأسد، عبر التوصل إلى تسوية سياسية سطحية، تضفي الشرعية على نظامه، وتساعد على تحييد القوى المعارضة له.

وأكثر ما تجلى عقم السياسات الروسية من خلال رفض الغرب الاستسلام بقبول نصر الأسد في سورية، وكذلك المطالبة القوية التي ظهرت أخيرا في التصريحات الغربية، بفقدان إطار أستانة أي قيمة له بعد التطورات، والمطالبة بالعودة إلى بيان جنيف (2012)، إطارا وحيدا ومقبولا لحل الأزمة السورية.

عدم القدرة على تصريف الانتصار العسكري إلى نتائج سياسية: فشلت روسيا في إعادة تأهيل 

"وصلت السياسات الروسية إلى طريق مسدود، حيث انكشفت جملة الألعاب التي أدارتها في سورية"نظام الأسد، وفي إلغاء المعارضة وتدجينها، وفي إقناع الدول بمبادراتها الخاصة بإعادة النازحين، والمساهمة في إعادة إعمار سورية، فقد اشترطت الأطراف ذات العلاقة قيام عملية سياسية حقيقية، وكتابة دستور جديد، وهو الأمر الذي عمل الأسد، ومن خلفه روسيا، على عرقلته أخيرا.

ووصل فشل روسيا إلى حد التشكيك بدورها وبشرعية هذا الدور، فقد كشفت الأحداث في إدلب، أخيرا، أن روسيا باتت تقف على خط صدامي مع الغرب الذي أعلن صراحة ان أفعالها تمثل تهديداً مباشراً لمصالحه، فقد أعلن المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، أن الهجوم على إدلب مقصود منه تهديد المصالح المباشرة للولايات المتحدة في شمال سورية. وكذلك تنظر أوروبا إلى السلوك الروسي من زاوية تهديد أمنها القومي، عبر دفعها مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى الحدود التركية.

تهافت الدولة السورية: أصبحت هذه دولة مليشيات متصدّعة تعمها الفوضى من أقصى الجنوب إلى الشمال، دولة طاردة لشعبها بسبب السياسات الأمنية التسلطية التي يتبعها نظام الأسد في سبيل الاحتفاظ بالسلطة، وتشهد سورية انفلاتا أمنياً في عديد من محافظاتها، حيث تدار محافظات الجنوب (السويداء ودرعا والقنيطرة)، بخليط من سياسات القمع الأمني والتعامل المليشياوي، وكذلك الأمر في الغوطة الشرقية والرستن، وفي محافظتي الساحل (اللاذقية وطرطوس)، وفي حلب. وتشهد هذه المناطق صراعات بين المليشيات التابعة لروسيا وإيران، وكذلك صراعات بين أجهزة الأسد الأمنية.

يساهم هذا الانفلات الأمني، وعدم قدرة الأسد على ضبط الأمور في التخفيض من المكاسب الروسية إلى مدى بعيد، حيث تعجز روسيا عن السيطرة على مليشيات إيران التي تسيطر على أجزاء مهمة من دمشق، وتكاد تخضع حلب لسيطرتها، وهي مليشيات غير منضبطة بقوانين النظام السوري، وليس لها مرجعية أو سلطة عليا باستثناء قادة الحرس الثوري الإيراني. ومن شأن هذا الأمر التأثير على إمكانية استعادة الاستقرار في سورية، وهذا ما يدفع الأسد وروسيا إلى الإصرار على خوض الحروب ضد المعارضة في الشمال، بذريعة أن من شأن استعادة المناطق التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة، وهي لا تساوي 4% من مساحة سورية الإجمالية، تثبيت الاستقرار في سورية، مع العلم أن فصائل المعارضة في وضعية دفاعية نتيجة استنزافها سنوات طويلة.

عودة أميركا بقوّة إلى الساحة السورية: شهدت الشهور القليلة الماضية عودة الاهتمام الأميركي 

"تعجز روسيا عن السيطرة على مليشيات إيران التي تسيطر على أجزاء مهمة من دمشق، وتكاد تخضع حلب لسيطرتها"بسورية، بعد أن كانت القوات الأميركية على وشك الانسحاب والخروج من المنافسة، ما يعود إلى معارضة الدولة العميقة، ومؤسسات الجيش والأمن الأميركية، منح روسيا انتصارات سهلة. وقد خضع الأمر لتقييمات جديدة من لجان أميركية، وأهمها لجنة دراسة سورية التي شكلها الكونغرس، والتي بدأت ترى سورية ضمن صورة أوسع للتنافس مع روسيا والصين، وتأثير ذلك على مكانة الولايات المتحدة في المنطقة والعالم.

وتشكل عودة الولايات المتحدة، وفق رؤية جديدة إلى سورية، عقبة مهمة في وجه ترتيبات روسيا، ودورها إجمالاً، ذلك أن روسيا لم تعتد على مواجهة أطراف قوية في سورية، وصاغت جميع ترتيباتها على أساسين: أنها تحتكر مجال القوّة في سورية، انطلاقاً من عدم رغبة أي من القوى الكبرى، وخصوصا أميركا، التدخل في سورية، لأن قياداتها (أوباما وترامب) لم تر وجود مصالح أميركية مهمة في سورية. وأن الأطراف المواجهين لروسيا في سورية هم مجرّد قوى إقليمية، من الممكن تخويفهم وردعهم وفرض الشروط عليهم.

وتثبت التحركات الأميركية أخيرا، سواء من خلال تضامنها مع الموقف التركي في إدلب، أو عبر المناوشات الجارية بين القوات الأميركية والروسية في مناطق شرق الفرات، وإعلانها أخيراً موت إطار أستانة وضرورة استعادة الأمم المتحدة دورها في الحل السوري، أن أميركا بصدد وقف "الوكالة الأميركية" المعطاة إلى بوتين، والعودة إلى سورية بوصفها شريكةً في أي تسويات مقبلة.

ولعل ما يظهر حجم القوّة التأثيرية للولايات المتحدة الأميركية، أن العقوبات التي أصدرتها بحق النظام السوري ساهمت بشلل تام في مفاصله الاقتصادية، كما أحبطت مساعي روسيا في تأهيل النظام، أو إقناع الجهات والدول المانحة في الاستثمار بعملية إعادة الإعمار في سورية.

خلاصة

تشهد بيئة التدخل الروسي في سورية تحولاتٍ من شأنها التأثير على مشروع روسيا وترتيباتها في سورية، بسبب تأخر روسيا في حسم الصراع لصالحها، ومن جهة أخرى نتيجة سياساتها المتضاربة تجاه الفاعلين الآخرين. ومن شأن هذه التحولات تضييق خيارات روسيا في سورية، وخصوصا خياراتها في التحكّم بمخرجات الحل النهائي للأزمة التي سعت إلى توظيفها لصالح مشروعها في سورية. ويمكن تلخيص خيارات روسيا بالآتي:

- تقديم تنازلات على مستوى الحل السياسي في الفترة المقبلة، لعرقلة التحولات الحاصلة ضدها، ومنع تشكّل تكتل غربي في مواجهتها في الملف السوري. والأرجح أن هذه التنازلات ستكون في ملف اللجنة الدستورية وإنهاء العرقلة التي مارسها النظام السوري، وإجباره على إرسال وفده لحضور اجتماعات اللجنة في جنيف.

- تكثيف الدبلوماسية الروسية تجاه الدول العربية، من أجل إعادة سورية إلى جامعة الدول العربية، وذلك للالتفاف على الموقف الأميركي الذي يدعو إلى مقاطعة نظام الأسد، وتخفيف حدّة الضغوط على روسيا.

- التفاهم مع تركيا على ترتيبات جديدة في شمال سورية، كأن تتم الموافقة على الطلب التركي بإقامة منطقة آمنة بعمق 30 كلم في إدلب، وهو مطلبٌ يمكن تجييره لصالح مصالح روسيا الأمنية في سورية، على اعتبار أن هذه المنطقة ستعزل ملايين المعارضين للأسد ضمن شريط ضيق، وتريح روسيا من تكاليف الحرب مع جماعات المعارضة في الشمال السوري، وتضمن روسيا، عبر هذا التنازل، عودة الروح إلى منصة أستانة، وإجبار الغرب على التعاطي معها.

ولكن أياً تكن خيارات روسيا، فإن سياساتها في سورية باتت تواجه تحديات غير مسبوقة، ويصعب حلها بالطرق التقليدية الروسية التي تعتمد على الرهان على ملل اللاعبين الآخرين ويأسهم، أو تخويفهم وردعهم، لأن هذه الآليات فقدت تأثيرها، كما تقف روسيا عاجزة أمام انهيار الدولة السورية، أمنياً واقتصادياً، ما يرجح تراجع السياسة الروسية في سورية في المرحلة المقبلة.

===========================

موقفنا: بين معارضة المشروع ومعارضة النقمة .. أبلغ درس تعلمته من تجربة ستة عقود معارضة

زهير سالم

مركز الشرق العربي

1/ 4 / 2020

هذا حصادي الشخصي من تجربة عمرها ستة عقود عشتها معارضا ، ومعايشا لطيف واسع من المعارضين .

ويخطئ من يظن أن المعارضة تكون ضد الدولة التي ينتمي إليها الإنسان بالمعنى الاصطلاحي للدولة . ليس هناك مواطن حر شريف في العالم يعارض دولته أو يعارض وطنه. إن معارضة الحكومة أو تمثلاتها السلطوية بكل رؤوسها أو أذرعها لا يعني معارضة الدولة ، ولا معارضة الوطن ، ولا معارضة المجتمع بكل من فيه ، وهذا ما يحاول أن يسوقه الطغاة والمستبدون ، ويعينهم عليه بعض الذين لا يعلمون .

المعارضة السياسية تكون في الدولة الديمقراطية معارضة مشروعة من جهة. ومعارضة تنافسية مع الحكومة القائمة من جهة أخرى، وكثيرا ما تكتسب هذه المعارضة دورا تكميليا أو مسددا أو معينا لدور الحكومات ولاسيما حين تشتد على أي دولة حزمة التحديات.

وفي الكيانات غير الديمقراطية، غالبا ما تكون قوى المعارضة غير مشروعة، وهي مضيق عليها أو مقموعة ومكبوتة ممنوعة ، حتى من الاطلاع على المجريات الأكثر عموما في نطاق " وطن " ، ومن باب أولى أن تكون ممنوعة من التعبير عن الرأي . أو المشاركة في أي نشاط عام.

وفي مثل هذه الحالات لا يمكن وصف المعارضة بأنها معارضة للحكومة ، بما يشير إليه لفظ الحكومة من مؤسسات وآليات تنفيذية ، بل تكون المعارضة في هذه الحالة موجهة ضد السلطة ، وأذرعها الخشنة ، ويصبح الحديث عن المشروع والقرار والإيجابية والسلبية ، خارج دائرة الحسابات .

المعارضة في الأطر الديموقراطية تقوم على احتفاظ قوى المعارضة لنفسها برؤى بديلة ، أو بمشروع سياسات مغايرة ، على المستوى الكلي أو الجزئي . وأنها جاهز لطرح هذا المشروع على الناس بعد إقناعهم به لتفوز في انتخابات . ودائما يجب أن نعلم أنه لا ينفك المشروع عمليا عن النخبة من الناس التي تحمله وتتقدم به.

وغالبا ما تفتقد المعارضات في الظروف الأخرى ، ظروف الأنظمة السلطوية هذا البعد الجدير بالاعتبار . وتتحول قوى المعارضة إلى مجموعات من الأفراد تجمعهم النقمة على الوضع القائم، ربما على خلفية من الخلفيات الأكثر إغراقا في العموم . فهؤلاء من أهل اليمين ، وهؤلاء من أهل الشمال ؛ على تباعد ما قد يكون بين الأفراد من هؤلاء وهؤلاء . وحتى إذا أخذنا حكاية العميان والفيل مثلا ، فإنك ستجد الاختلاف على الحقائق التفصيلية لما يدعو إليه هؤلاء أكثر ..وغالبا ما يجتمع هؤلاء الناس على تصورات طوباوية غائمة رجراجة بينما القاسم الأعظم الجامع بينهم ؛ هو النقمة والرفض والشعور بالظلم والقهر وأنهم يحتاجون إلى مخرج ، وربما كل فرد فيهم يتصوره كما يريد ..

وهكذا نجد الناقمين – كما كان جند الإمام علي والذي كان يكثر البرم بهم والتشكي منهم – يتصدعون عند كل مفترق طريق. فهم قوم تجمعهم النقمة، ولا تجمعهم الرؤية. بل ويظل موقف بعضهم محكوم بمعادلة (فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) ويصبح الناس في دوامة القبول والرفض ولا يدرون ما يأخذون وما يدعون .

سيكون في مجتمع من المجتمعات معارضة سياسية إيجابية

عندما يتضح في أذهانهم حقائق الفروق بين معارضة " الدولة " ومعارضة " الحكومة " ومعارضة " السلطة " . والخلط بين هذا وذاك وذلك له تأثير مدمر على الدولة والمجتمع والناقمين أنفسهم ..

وعندما يكون لدى قوى المعارضة على تعدد خلفياتها مشروعات برامجية، واضحة ومحددة، وبعيدة عن العمومات الضبابية يمكن أن يكون سيرها أكثر جدية وقصدا ، ومقارابتها إلى ما تتوجه له أيسر وأجدى ..وإلا فما أكثر ما تتربص بهذه المعارضات الانشقاقات المشخصنة عند كل مفترق طويل . وكم سمعنا ورأينا من انشقاقات تتلبس بعناوين مموهة ليس فيها من الحق من شيء .

وإذا لم يجتمع الناس على مشروع واضح مسبقا ، سيجدون أنفسهم في مركب يقوده أكثر من ربان ، بأكثر من " سكان "

ولن نختم قبل أن نبين أن المعارضة لا تكون سياسية فقط كما يتبادر إلى الأذهان ، ولا تكون فقط ضد الحكومة أو السلطة ، فكثيرا ما تكون المعارضة فكرية أو ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية ؛ أوليس التصدي للخمول العقلي ، والتردي الفكري ، وللعادات البالية ، والأفكار السلبية المعجونة بماء الجهل وطينة التخلف نوعا من أنواع المعارضة التي عمل عليها المصلحون من قديم الزمان ؟!

وكان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يوم دخل مكة عام الفتح ، بعد كل التكذيب والتعذيب والتهجير أنه لم يهدر دم إلا بضعة نفر من المشركين ، كانوا ممن غدر وأثم ، قال اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بثياب الكعبة . ثم عفا عن بعضهم ..

لنتميز الفرق بين صاحب المشروع وصاحب النقمة . الذي يسد أفق رؤيته ري غليل نقمته .

وكان ممن أدركه العفو الخاص منهم سيدنا عكرمة الذي كان صاحب الدور الكبير في صنع نصر اليرموك ..

أيها الناس أنظروا إلى غدكم من يفاع نظر منه سيدنا رسول الله صلى الله على رسوله الأمين ..

___________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

هل هزمنا؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 28/3/2020

كثيرا ما طرح هذا السؤال في السنوات السابقة من عمر الثورة السورية. وقد كتبت، في وقت مبكر من عام 2014، مقالةً جعلت عنوانها: ماذا لو هزمنا؟ قبل الإجابة على السؤال، لا بد من التمييز بين مستويات ثلاثة لما درجنا على اعتباره الثورة: مستوى الفصائل، وهي على ثلاثة أصناف: بقايا الجيش الحر، الفصائل الإسلامية، وتنظيمات الإرهاب. مستوى التمثيل الرسمي من ائتلاف، وحكومة مؤقتة، وهيئتي تفاوض في جنيف وأستانة/ سوتشي. المستوى الشعبي، وقد ابتعد خلال ثورته عن المستويين، الأول والثاني، ولذلك بقي ثوريا ورقما صعبا رافضا للأسدية وروسيا وإيران.

لو كان عائد الثورة سيقاس بإنجازات الفصائل والمؤسسات، لكان علينا الاعتراف بأننا هُزمنا. ولكن استمرار المعارك التي طرفها الآخر شعب، لم تنجح الأسدية، ويرجح أنها لن تنجح في ليّ ذراعه وإركاعه، يجعلنا نؤمن أن هزيمة الفصائل والمؤسسات التمثيلية لن تكون هزيمةً له، ولن تعيده إلى الزمن السابق لثورته.

ـ بدأ تقويض الجيش السوري الحر باعتقال مؤسّسه، المقدّم حسين هرموش، وتسليمه إلى مخابرات الأسد، والسبب قراره بناء جيش وطني من المنشقين عن الأسدية، ينضم إليه الراغبون بالتطوع أو التجنيد الإجباري، كي لا يتسلح المدنيون، وتستشري ظاهرة الفصائل، المبعثرة طاقات الشعب وقدراته، والعاجزة عن كسب معركة عسكرية، طرفها الآخر جيش يدار مركزيا، وينال دعما بشريا إيرانيا وتسليحيا روسيا، بينما تغرق الفصائل في الحاراتية والأدلجة المذهبية، وتنشر الفوضي العسكرية والسياسية، وترفض الحلول السياسية، وتؤمن، كالأسد، بالسلاح أداة وحيدة لحسم الصراع الذي يقتصر الجانب الثوري فيه على "أهل السنة والجماعة". بعد تغييب مؤسسه، تلاشى الجيش الحر بقدر ما تصاعدت الفصائلية، وتبعثر مقاتلوه، بينما اغتال تنظيما داعش والقاعدة ثلاثين من قادته وضباطه خلال شهر يوليو/ تموز وحده من عام 2014.

ـ بانفراد النمط الفصائلي بالساحة العسكرية، أكدت هزائمه استحالة انتصاره على دولة عظمى هي روسيا، وأخرى إقليمية هي إيران، ومليشيات الأسد المعادة هيكلتها وتدريبها وتسليحها على أيدي الروس، وتنظيمات الإرهاب متعددة الجنسيات. وبدا تشتت تنظيماته وتناحرها كقدر لا راد له، وظيفته الرئيسة منع بناء جيش وطني، وقيادة سياسية فاعلة، وتقسيم سورية إلى نتف صغيرة يسيطر كل فصيل على أشبار منها، ويديرها بقدر من القسوة والفساد، يناظر أو يبز ما لدى سفاح دمشق ودولته العميقة .

ـ لعب نمط التنظيم الفصائلي دورا خطيرا في تراجع طابع الائتلاف التمثيلي، وتدنّي قدرته على الحركة والتأثير، وتحوله إلى كيان يرى المسألة السورية بأعين الآخرين، فلا عجب أنه احتجز تكوّن قيادة ثورية موحدة وفاعلة، ترى نفسها بدلالة الشعب، أسوة بالفصائل التي احتجزت تكوين جيش وطني موحد وفاعل.

ـ لو كان ما سيحصل السوريون عليه مرتبطا بالفصائل وائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، لخرجوا صفر اليدين من أي معركة أو حل. لكن المستوى الثالث: الشعب الذي صنع معجزة الثورة، وقدّم الغالي والرخيص على دربها، وصمد كما لم يصمد شعب قبله، لم يهزم ولن يهزم. وإذا كان لن ينال كل ما ثار من أجله، فلأنه ابتلي بالفصائلية العسكرية والسياسية التي قوضت فرص نجاح ثورته كفعل هدفه الحرية، وتعرّض لحرب إبادة أسدية زادت الفصائل تكلفتها البشرية والسياسية. مع ذلك، لم يستسلم الشعب الغارق في دمائه، وأقنع صموده الأسطوري العالم أن سورية لن تكون قابلة للتهدئة، ما بقي السفاح في السلطة، أو إن حاولت روسيا وإيران إعادتها إلى نظام استعباد وتمييز: أسديا كان أو غير أسدي.

ـ لن يهزم شعب سورية، وكيف يهزم إذا كانت الأسدية قد صارت وراءه، وبقي متمسكا برهان ثورته الذي لطالما هتف له من أعماق روحه: سورية بدها حرية، والشعب السوري واحد.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com