العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-02-2017


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

دستور من بوتين ومناطق آمنة من ترامب! .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 2/2/2017

أخيراً نجح حزب الله الإيراني وبشار الكيماوي في تهجير أهالي وادي بردى، في إنجاز جديد لمشروع التغيير الديموغرافي لبعض المناطق في سوريا، في الوقت الذي اقتربت فيه القوات الحليفة للنظام من مدينة الباب المستهدفة من «درع الفرات» التركي، ويستمر الصراع على السلطة بين الفصائل الإسلامية في محافظة إدلب وبعض ريف حلب.

في هذا الإطار من التطورات الميدانية، تلقى السوريون عدداً من الهدايا المسمومة، كمسودة الدستور التي قدمتها روسيا للطرفين المتفاوضين في اجتماع آستانة، ومشروع «المناطق الآمنة» الذي توعد به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبدأ يبحث عن ممولين لها كالمملكة السعودية، و«نجاح» وفد المعارضة المسلحة في حذف كلمة العلمانية من البيان الختامي لاجتماع آستانة.

جاءت ردود الفعل الأولى على مسودة الدستور الروسي برفض دستور مفروض من الخارج، الأمر الذي من المستبعد أن تكون موسكو أرادته فعلاً. بل أرادت بالضبط ردود فعل غاضبة تكشف عمق الانقسامات بين السوريين للقول إنهم غير جديرين بمفاوضة النظام على مصير سوريا. وهو ما ينطبق أيضاً على دس كلمة العلمانية في البيان الختامي، بعدما خلا قرار مجلس الأمن المرجعي منها، فخاً لوفد المعارضة المسلحة وقعت فيه بكل جدارة.

لا يتطلب الأمر، على أي حال، كل هذا الخبث من ديبلوماسيي بوتين، فالانقسامات السورية معروفة للقاصي والداني بين إسلاميين وعلمانيين، وعروبيين وقوميين كرد، ووطنيين وسلفيين، وريفيين ومدينيين.. إلخ. يكفي طرح هذه المسائل الجدلية حتى ينسى الجميع أصل المشكلة السورية المتمثلة في عصابة إجرامية سطت على الدولة لأكثر من نصف قرن وترفض التخلي عن ملكيتها الحصرية لها حتى لو امحت سوريا من الخرائط.

والحال أن نصف المليون من السوريين قد قتلوا، وأضعاف هذا الرقم أصيبوا بخسائر جسدية دائمة، ونصف السكان شردوا من موطنهم داخل سوريا وخارجها، ومئات الآلاف يموتون ببطء في أقبية الأجهزة المتوحشة، ونصف العمران تم تدميره، وتقسمت البلاد بين دويلات أمر واقع ومناطق احتلال وقواعد عسكرية لقوات أجنبية. أي أن سوريا انتهت أو تكاد، والعصابة باقية.

في ظل هذه المعطيات هناك، بعدُ، من تغضبهم إزالة صفة «العربية» من اسم الدولة السورية، مع أنها كانت خالية منها قبل المرحلة البعثية المديدة. وهناك، بالمقابل، من أبهجتهم هذه الإزالة لأنهم طالما طالبوا بها. كذلك هي حال إلغاء «الدستور الروسي لسوريا» للمرجعية الإسلامية، سواء في الإشارة إلى دين رئيس الجمهورية، أو في نص القسم الدستوري، أو في مرجعيات التشريع. فقد أثارت هذه التغييرات «العلمانية» أيضاً غضب قسم من السوريين، مقابل قبول قسم آخر، الأمر الذي يتقاطع مع رفض وفد المعارضة لكلمة العلمانية في البيان الختامي لاجتماع آستانة.

لا إلغاء صفة العروبة من اسم الدولة يغير من واقع أن أكثرية السوريين هم من العرب، ولا إلغاء المرجعية الإسلامية يغير من واقع أن أكثريتهم مسلمون. وبصرف النظر عمن يحكم سوريا، وعن نصوص دستورها، ستبقى سوريا جزءاً من المنظومة العربية ومؤسساتها، كما ستبقى جزءاً من العالم الإسلامي. وعلى سبيل المثال نرى أن لبنان دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي على رغم رئاستها المسيحية حصراً، وكان جلال الطالباني (الكردي) يحضر مؤتمرات القمة العربية بصفته رئيساً للعراق الدولة العضو في الجامعة العربية. ليس هناك، إذن، ما يمنع انتماء سوريا التعددية إلى الفضاءين العربي والإسلامي.

ونظراً لتنوع الاجتماع السوري أصلاً، الذي تحول، أثناء الصراع، إلى تفكك في البنية الاجتماعية والجغرافية والاقتصادية، تبدو حيادية الدولة السورية إزاء الأديان والثقافات شرطاً شارطاً لقيام وطن لجميع أبنائه. وذلك بصرف النظر عن «روسية» الدستور أو سوريته. ومن المحتمل أن يكون الاحتكام إلى رأي الأكثرية، في شأن مرجعيات الدولة أو صفاتها، هو أسوأ الخيارات، وخاصة في ظل ظروف الصراع الدموي الدائر والاستقطابات الحادة القائمة اليوم. فلا شيء يضمن الحكمة في قرار الأكثرية، في وقت يملأ فيه الدم والخراب الفضاء العام. فما يجعل الدولة دولة هي صفتها العمومية وحيادها، ومن شأن أي أوصاف أو مرجعيات مضافة إليها أن تنتقص من كونها دولة. أما شكل النظام السياسي والإداري، برلماني أو رئاسي، مركزي أو لا مركزي، فهي أمور خاضعة للنقاش من حيث أيها أجدى وأكثر استيعاباً وتمثيلاً وفعالية. وهو نقاش سابق لأوانه، مع ذلك، إلا إذا سلمنا بالمنظور الروسي للتسوية السياسية القائم على فكرة «حكومة وحدة وطنية» برئاسة عميلها في دمشق، تضع دستوراً يتناسب وموازين القوى القائمة الآن. في حين أن الدستور المرتجى هو عقد اجتماعي جديد ينشئ هوية وطنية سورية لما بعد التخلص من العصابة.

أما «هدية» ترامب ـ مالئ الدنيا وشاغل الناس هذه الأيام ـ المتمثلة بالمناطق الآمنة، فقد جاءت خارج كل السياق السابق، وتشبه شخصيته وتوجهاته. فالمناطق الآمنة، أو مناطق حظر الطيران، التي طالما كانت مطلباً لتركيا والمعارضة السورية الرئيسية، وطالما رفضتها إدارة باراك أوباما بدعوى تجنب الانخراط في الصراع السوري، جاء طرحها اليوم، ومن قبل رجل الأعمال الفاشي الذي تحول إلى رئيس لأعظم دولة في العالم، كنكتة سمجة، فضلاً عن تعارضها مع مناخات التسوية على الطريقة الروسية. فالمناطق الآمنة تعني اليوم استمرار الصراع الدموي إلى أجل غير مسمى، وتسليماً بمنطق التقسيم القائم كأمر واقع. وغاية ترامب منها هي التخلص من اللاجئين السوريين، ووقف تدفق المزيد منهم، «تصحيحاً للخطأ الذي اقترفه الأوروبيون» على حد تعبيره، بقبولهم لجوء بعض اللاجئين السوريين. وكحال السور العازل الذي أمر ببنائه على طول حدود الولايات المتحدة مع المكسيك، يريد ترامب تحميل الكلفة المادية لمشروعه بشأن المناطق الآمنة لدول أخرى. ومن المحتمل أن يشكل اختيار مكان المنطقة الآمنة ووسائل تأمينها سبباً لمزيد من التجاذبات الإقليمية والدولية حول سوريا.

٭ كاتب سوري

========================

موقفنا : مناطق آمنة أو معسكرات اعتقال نازية !؟ السيادة أسدية ... والنفقة عربية !! .. زهير سالم

31 / 1 / 2017

مركز الشرق العربي

آن لمعارضة ( السبع تنعام ) أن تقول : لا ، ولو لمرة واحدة ، لمقررات أولياء القوة أو أولياء النعمة .

إن كل من توقف عند طرح الرئيس الأمريكي ترامب لعنوان ( المناطق الآمنة ) يدرك أن ترامب لم يتحدث عن مناطق آمنة بالمفهوم الدلالي لأي لغة قط . ترامب الذي بدأ حديثه عن سورية برفضه أصلا لفكرة المناطق الآمنة ، ثم استدار ليتعلق بها ، حسب ما زين له بعض مستشاريه ، لم يقصد أي مفهوم دلالي لغوي لمصطلح ( المنطقة الآمنة ) ؛ وإنما قصد بها مناطق ( حجر) أو حجز ، تحجر الهجرة – التي هي حق من حقوق الإنسان على السوريين ، وتحاصرهم  فيما يشبه معسكرات الاعتقال ، وهذا ما عبر عنه الرئيس ترامب صريحا ، وفي أكثر من مرة ، ولاسيما حين عاب على الأوربيين ، وعلى ميركل بالذات ، استسلامهم أمام ضغط موجات اللاجئين .

ثم بعد مكالمة ترامب – بوتين  ، وتركيز ترامب على طرحه للمنطقة الآمنة ، سبقت الخارجية الروسية بدورها إلى التشكيك في المطلب ، ثم بدا للدبلوماسية الروسية التقاط حبل التعاون مع ترامب السياسي المغرور، فعدلت إلى إعلان الاستعداد لقبول طرح الرئيس ترامب ، في إطار محدد للفكرة ؛ فيما يبدو أن التعديل الروسي لن يزعج ترامب كثيرا ، حين تحقق قصده الأول ، من تخليص عالمه النظيف من السوريين الإرهابين والقذريين معا .

يؤكد الطرح الروسي الخبيث أن الروس ما زالوا هم العدو المحتل القاتل المدمر، وهذه حقيقة أخرى بدأ يراوغ فيها المراوغون. فقد استعادت الدبلوماسية الروسية المبادرة ، التي تسيطر عليها في سورية فأعلنت استعدادها لقبول مناطق آمنة في سورية ، ولكن تحت سيادة بشار الأسد وفي دائرة نفوذه . وكأن هؤلاء السوريين المشردين لم يهربوا من ظلم هذا المجرم ومن عسفه ومن أدوات قتله.

فماذا تعني مناطق آمنة تحت سيادة الأسد ، وشبيحته ، وكل المنظمات الإنسانية الأممية تشهد أن بشار الأسد كان يحاصر ويسلب ويسرق أموال المساعدات بما فيها حليب الأطفال لمنع وصولها المحاصرين الجائعين والعراة والمرضى ؟!

وماذا تعني مناطق آمنة تحت سيادة الأسد ؟! وكيف سيكون شكل العيش في هذه المناطق؟! حين سيتاح لمخابرات وشبيحة بشار الأسد أ، تسرح وتمرح فيها ، وتخوف الناس ، وتمارس عليهم كل الأساليب التي كانت تعف عن بعضها وهم في أماكن إقامتهم الأصلية ..؟!

وماذا ستعني مناطق آمنة تحت سيادة الأسد وأعوانه حين سيترك الناس فيها يبغي بعضهم على بعضهم ، وينال بعضهم من بعض ، ليجمع عليهم مع ذل التشرد والاغتراب ذل البغي والإفساد والاحتراب ...؟!

مناطق آمنة تحت سيادة الأسد ، وتجد بعض دول الإقليم فرصتها للتخلص من العبء ، الذي طالما اشتكى منه ميشيل عون لينفض كلٌ ما في عدله تخففا منه ، على الوعاء ( الأمريكي – الروسي – الأسدي ) ، ليُحاصر السوريون بين خيارين لا ندري أيهما اسوأ أو أبشع أو أشنع : البقاء في معسكرات الاعتقال التي ستكون أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية ، بكل قسوتها ، وبكل ما كان فيها من قسوة وذلة وظلم وعسف وعدوان وتصفيات أو العودة إلى حضن الأسد الدافئ ، حضن الذلة والخضوع والاستسلام ؛ خياران أقلهما مرارة يزيد على الصاب والحنظل والعلقم ..

إن الذي لا يجوز أن نغفل عنه في هذا المقام أن معسكرات الاعتقال النازية التي يريد ترامب وبوتين تأسيسها للسوريين المهجرين والمشردين سيكون تمويلها عربيا ، والمنفقون عليها من الأشقاء العرب كما تحدث ترامب مع الملك سلمان ، وستكون السيادة فيها والسلطة فيها لبشار الأسد ولسوطه وللإيراني ولصوته !!

اليوم ، وفقاعات المشروع المهين، مشروع المنطقة الآمنة تحت سيادة الأسد  ، أو مشروع معسكر الاعتقال النازي المعد للسوريين ، تتراقص أمام أعيننا ، وهو مشروع لتصفية الثورة ، حتى على المستوى الإنساني ؛ لم يعد يسع أحد الاسترسال في الصمت أمام حبكة إضافية لجريمة تتربص بمستقبل سورية والسوريين .

إن الصمت الذي مارسته قيادات المعارضة في مستوياتها المختلفة على مدى ست سنوات كان دائما مشجعا لأعداء الثورة للمضي في مخططاتهم. كل الجرائم السياسية ، والمؤامرات السياسية ، والصفقات السياسية تسبقها إرهاصات ومقدمات ، يتقدم بها العاملون عليها على سبيل جس النبض ، والتأكد من سلاسة تمرير الطعنة الغادرة حين يغرز الخنجر في صدر أو في ظهر  . وفي كل مرة يسكت الأغرار أو اللامبالون على الإرهاصات والمقدمات ، ينغرز الخنجر وتمضي الجريمة إلى غايتها  .

فلترتفع الأصوات بالنكير ضد جريمة بوتين – ترامب القادمة . ضد أي محاولة خبيثة ماكرة لحشر المشردين السوريين تحت رحمة المجرم القاتل بشار الأسد من جديد ، تحت مسمى للجريمة خادع ، يسمونه ( مناطق آمنة ) ونراه معسكر اعتقال نازي أو فاشي أو ستاليني  في القرن الحادي والعشرين...

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

========================

الاحتلال الروسي والدستور السوري .. عمار ديوب

العربي الجديد

الاربعاء 1/2/2017

قراءة التطورات السورية بعيداً عن الاحتلال الروسي لسورية خاطئة بالتأكيد؛ فسورية الآن دولة فيها احتلالات متعددة مع هيمنة روسية فرضت شروطها على "الاحتلال" التركي لبعض البلدات السورية، وهناك مشاوراتٌ وصداماتٌ مع الائتلاف الدولي لمحاربة "داعش" والمدار من الولايات المتحدة الأميركية. الدولة التي تحاول رفض الهيمنة الروسية هي إيران بالتحديد. ولهذا، هناك ملامح تباعدٍ بين الدولتين؛ فقد كانت العلاقات قوية وتاريخية بين روسيا وإيران، والآن هناك صداماتٌ على الأرض السورية، عدا أن المتغيرات الأميركية تدفع بتقاربٍ مع الروس. وبالتالي، هناك احتمال كبير لتحجيم إيران، ولا سيما أن الخطر الحقيقي أمام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وأميركا هي الصين، ولا بد من استقطاب روسيا التي احتلت سورية، وبقواعد عسكرية برية وبحرية، وبحرب طاحنة ضد المدن وضد الفصائل المسلحة، وباتفاقيةٍ طويلة الأمد، وبحماية كاملة لجنودها على الأرض السورية. أقول روسيا هذه حاربت ضد الثورة، وتحالفت مع إيران، حينما كان هناك اختلاف مصالح مع تركيا، والآن وقد تفتّتت الفصائل، وحصل تقاسم نفوذ بين الدولتين في سورية، فإن الخطوة التالية هي الحل السياسي، وتحجيم إيران وإخراج مليشياتها، وإعادة تشكيل الدولة السورية، ومنها مسألة الدستور.

بعد اجتماع أستانة، والذي كان لتثبيت إيقاف النار وإيجاد آلية لمراقبته، طرح الروس دستوراً للسوريين، ومواعيدَ متغيرةً لاجتماع جنيف، لإكمال النقاش بخصوص الحل السياسي. طرح مسألة الدستور مسألة أساسية، فليس من حلٍ ممكنٍ، من دون أن يرتكن لدستورٍ محددٍ، أو إعلانٍ دستوريٍّ، وبالتالي، يأتي الدستور في سياق صحيح، أي سياق الاحتلال الروسي والحل السياسي وتدجين المعارضة، ولإقرار العالم لروسيا باحتلال سورية.

لا يمكن لسوريٍّ لم يفقد عقله بعد، أن يقبلَ الاحتلال، وكذلك كل ما يأتي منه، ومنه الدستور. ولكن أيضاً لا يمكن لسوريٍّ أن يتجاهل الوقائع على الأرض، والتعاطي معها؛ فروسيا دولة

"يجب ألا يخضع الحديث عن الدستور لموازين القوى أو الطوائف" محتلة الآن، ولولا تدخلها لسقط النظام، إذاً لا بد من التحاور معها، والتدقيق في أهداف احتلالها، والعمل على انتقال سورية من حالة حربٍ عبثيةٍ، إلى حالةٍ سياسيّة، وبالتأكيد رفض الاحتلال الروسي وكل الاتفاقيات التي عقدها مع النظام، كون الاحتلال جاء لمنع سقوط النظام وإفشال الثورة.

رفض تشكيل الدستور هو تأكيدٌ على الهوية الوطنية، ولنقل تأكيد على دور السوريين في صياغة هويتهم، وهذا متعذّر من أية دولة احتلالية أو جماعة فئوية أو منظمات غير وطنية. الدستور الذي وُزِعَ على المعارضة والنظام وتناقله السوريون مرفوضٌ للاعتبار السابق أولاً، ولاعتبار آخر، وهو تسييس الهويّات الدينيّة وجعلها طائفيّةً عبر الدستور، أي عبر المواد القانونيّة الناظمة للدولة حاضراً ومستقبلاً. لا يمكن مقارنة الدستور الروسي بدستور 2012، ولا بأيِّ دستورٍ سوريٍّ سابقٍ، فهو مرفوضٌ لأن السوريين لم يصيغوه هم بأنفسهم، ومرفوضٌ لأنّه، ولأوّل مرّة، يُؤسس سورية طائفيّاً وعرقيّاً.

الدستور الممكن للسوريين يقوم على المواطنة بالتحديد، ويُعرّفُ السوريين أفراداً، ويُلغي كل مادة تشير إلى الطائفة أو الدين أو العائلة؛ فهذه قضايا اجتماعيّة ودينيّة، ولا علاقة لها بالحقوق والقوانين الحديثة، والحياة كلها تقوم على أفكار وسياساتٍ وعلوم وبرامج وضعيّة بامتياز. وكل ما هو أدنى من المواطنة يُميّز بين الأفراد وفقاً للعائلة أو الطائفة أو القبيلة، وبالتالي، وكي ينتهي الجدل التاريخي والقديم، حول الحقوق، أوَضعيّةً أم إلهيّةً، فالحقوق وضعيّة بامتياز، وكونيّة بالضرورة. وبالتالي، لا محيدَ عن المواطنة وحقوق الإنسان والمطالبة بتوسيع الحقوق، للوصول إلى التساوي الفعلي بين المواطنين، وليس التساوي الصوري. وهذا غير ممكن، إلا عبر مفهوم المواطنة بالتحديد.

سيكون هناك جدلٌ كبيرٌ بين السوريين، ويخص مسألة الدستور، وإذ نتجاوز رفض النظام الدستور الروسي، نظراً إلى ما فيه من تقييد لسلطات الرئيس الشمولية، ويرفضه الأكراد نظراً لتحجيم طموحاتهم، ويرفضه الإسلاميّون لأنّه لم يشر إلى أن الدين مرجعية للقوانين بشكل واضح ومحدّد، ويرفضه آخرون لاعتباراتٍ أخرى، فإن مسألة الدستور ستكون مسألة إشكاليّة وتتطلب حسماً ورفض أيّة تنازلاتِ تُلغم الهوية الوطنيّة بالهويات ما قبل الوطنيّة.

يجب ألا يخضع الحديث عن الدستور لموازين القوى أو الطوائف، وألّا يكون مجالاً للتقاذف

"الدول المحيطة بسورية، بما فيها إسرائيل، كُلُّها تُريد لسورية أن تُحكم بنظامٍ طائفيٍّ واستبداديٍّ من جديد" السياسي والطائفي، وأن يُطرح بعد نقاشاتٍ مجتمعيّةٍ واسعة، نظراً للمخاطر من فرض دستورٍ غير وطنيٍّ، وتوضيح تلك المسائل، ولا سيما ما جرى في لبنان والعراق، وكارثية أي دستور طائفي على الحياة؛ المشكلة أن الوعي السوري ما زال تقليدياً، وليس طائفياً بأي حال، ولكنه قد يتم تطييفه بسهولة، ولفترات صغيرة. وحينها، يمكن تمرير مشاريعٍ طائفيٍّة تُسهل السيطرة على السوريين، وتوصلهم إلى طلب الاحتلال ذاته، للتخلص من سوريين آخرين. جرى الأمر في العراق وفي لبنان، وهكذا.

فشل المعارضة في التوافق على وثائق واحدةٍ ومشتركة، ولا سيما بعد إفشال وثائق 2012 في القاهرة، وحدّة الانقسامات المجتمعيّة والحرب بين النظام والشعب، والتدخل الدوليّ والإقليمي، كلها عناصر تقول بتعقيد كبير للشأن السوري. الدستور من هذه المسائل وكذلك بقية القضايا. الروس، كما الأميركان، كما الدول المحيطة بسورية، بما فيها إسرائيل، كُلُّها تُريد لسورية أن تُحكم بنظامٍ طائفيٍّ واستبداديٍّ من جديد. ولهذا، حولوا الثورة إلى مجزرة، وأنقذوا النظام من السقوط تباعاً، وصمتوا عن التدخل الإيراني، على الرغم من أن كل هذه الدول متضرّرة من إيران؟

سورية الآن محتلة، وربما يكون إعلان دستوري مقتضب، يُنظم العملية السياسية والحياة بعامةٍ هو الضروري حالياً، ولاحقاً وحينما تعود الحياة إلى السوريين، ويبدأ الاستقرار السياسي، أقول ربما، حينها يمكن طرح دستورٍ يناسب السوريين، ويُستفتون عليه، ويشاركون بصياغته بعيداً عن الاستقطاب الطائفي والإقليمي والدولي.

========================

دستور صنع في موسكو… تعزيز الشرخ المجتمعي .. ميسرة بكور

القدس العربي

الاربعاء 1/2/2017

إن مقترح روسيا بإعداد مشروع دستور سوري، يعد «وقاحة سياسية»، وتقزيما للسوريين واعتداء على حقوقهم السياسية والسيادية والفكرية. واعتداء على تاريخهم الحافل بإدارة الدول مذ آلاف السنين وقبل ان يكون للروس اسم مذكور، وتشكل هذه الخطة سابقة جديدة وخطيرة في العلاقات الدولية، تعيد للأذهان ما فعله الجنرال الأمريكي الذي وضع للعراقيين دستورهم الذي مازالوا مختلفين عليه حتى اليوم ولم ينتج عنه الا مزيد من الشقاق العرقي والطائفي والجغرافي.

وعلى الرغم من الظروف المأساوية التي تعيشها سوريا إلا أن ذلك ليس مسوغا لأي دولة مهما كان شأنها أن تضع دستور لدولة أخرى والتصرف بأمور هي من اعمال السيادة ومن حق الشعب وحده.

من حيث المبدأ والموضوع القضية مرفوضة تماما على الأقل من قبل الثوار السوريين، ولست اعرف على وجه الحقيقة إن كان لدى تنظيم دمشق رفاهية أن يقبل أو يرفض أو له حق أبداء الرأي بعد أن اسلم زمام أمره كله للروسي والإيراني أما نحن لا نقبل الاملاءات الروسية، قولاً وثقافةً وممارسة.

وتستمر روسيا في منهجها السقيم المفرط بالخبث السياسي، بهدف تجريد سوريا من «هويتها» التاريخية والإسلامية والحضارية، وتهدف من وراء ستار أن توجد شرخا بين مكونات المجتمع السوري التي تعايشت مع بعضها عبر القرون، وتحول سوريا من بلد موحد اجتماعيا وثقافياً إلى مجموعة من العرقيات والقوميات والإثنيات المختلفة المتناحرة المتربص بعضها بالآخر ينتظر الفرصة حتى ينقض عليه، بذلك تبتعد دمشق عن دورها الحضاري والريادي في عالمها العربي ومحيطها الإسلامي وتتفرغ كياناتها المصطنعة لمعالجة قضاياها وصراعاتها الداخلية وهذا لا يقبله عاقل.

حيث تكرس مسودة الدستور الذي صنع في روسيا ، للمحاصصات الطائفية بالنص على التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية لسكان سوريا في التعيينات الحكومية، مع حجز بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية.

قد يقول قائل هذا يخدم السنة والعرب كونهم في كلا الحالتين هم الأساس في سوريا، ليست المشكلة هنا ، المصيبة تكمن في تعزيز الشرخ المجتمعي وبناء الوطن لا يمكن بناء وطن على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية ومصير هذا التوافق غير المتوافق إلى الهاوية طال الزمن او قصر وما مثل العراق عنا ببعيد.

وأن من أخبث الخبث في دستور صنع في موسكو، تجريد سوريا من هويتها العربية الإسلامية وجعلها دون هوية، ولا نعتقد ان هناك سوريا يؤمن بوطنيته وتاريخه وانتمائه لهذه الأرض قد يوافق على هذا الطرح النتن.

ومن الصفاقة والإسفاف أن تصر موسكو في دستورها الموجه للشعب السوري على تأكيد ما أراده بعض الشعوبيين الانفصاليين «الفدرالية» وليتهم ارادوها فدرالية بالمفهوم السياسي المتعارف عليه في العلوم السياسية ،بل الفدرالية التي ارادها الروسي هي انتزاع اعتراف دستوري بإقليم كردي لم تسعف حائق التاريخ والجغرافية ادعياءه في اثبات وجوده وارتباطه جغرافيا وتاريخياً بهذه الأرض.

وزيادة في الوقاحة والهرطقة يضعون في الدستور مادة تتيح بتغيير الحدود، بعبارة أخرى واكثر وضوحاً السماح للكُرد الاستقلال والانسلاخ عن سوريا بعد ان ثبتوا لهم في نفس الدستور بمادة أخرى حقوقهم التاريخية المزعومة التي لم يستطيعوا ان يأتوا «بحصوة» تدلل عليها. وهذه نقطة في غاية الخطورة لا يمكنني ان اتخيل انها ستكون يوماً موضعاً للنقاش ولست اعتقد أنها تمرر مهما كانت التضحيات.

واستمراراً في نهجها السقيم في الغاء أي ارتباط او تواصل للجغرافية السورية والانسان السوري مع تاريخه ومسحاً لهويته الثقافية والإسلامية ، قرار معدي دستور صنع في موسكو إلغاء دين الدولة يعني سلخ سوريا من هويتها العربية والإسلامية.

إذا ما هو انتماء سوريا وما هي هوية الشعب والجغرافية السورية فهي حسب دستور موسكو ،لا شرقية ولا غربية لا عربية ولا إسلامية.

قد يقول قائل ولكن في مشروع الدستور أشياء قد تبدو للبعض مهمة يجب ان توضع على بساط النقاش على سبيل المثال «تحديد صلاحيات الرئيس ومهام مجلس الشعب واشياء…، نقول في مثل هذه الحالة أن القضية بالأساس قضية مبدأ أن تقوم دولة بوضع دستور لدولتك انت. السؤال هنا كم هي تلك الدولة تستحقرك وكم انت صغير قاصر بعينها.

وعموما لا غضاضة في ان نقبل نصح الناصحين الحقيقيين ومن ليس لهم مآرب أخرى من خلف نصحهم واقتراحاتهم فحري بنا أن نستعين بخبرات الآخرين من اجل انتاج افضل دستور لبلادنا، هناك أمور عامة يمكن مناقشتها بين السوريين أنفسهم من خلال جمعية تأسيسية ينتخبها أو يتوافق عليها السوريون.

بالنسبة لي ومن خلال متابعاتي أفضل نظام الحكم المختلط بين الرئاسي والبرلماني حتى لا ينفرد أحد بالسلطة. وتكون السلطة مقيدة ومراقبة من قبل البرلمان المنتخب من قبل الشعب، وبالحديث عن انتخاب مجلس الشعب علينا أن نتوقف هنا لنقول كيف لنا ان ننتخب مجلس شعب وكيف للأحزاب ان تنظم نفسها على فرض انتهت الحرب ،أي مراقب عارف بالأمور يقول علينا أولا ان نضع قانون تنظيم الأحزاب ومن ثم ترك مساحة واسعة للأحزاب كي تعرف بنفسها وتطرح برامجها على الناس وهذا يحتاج على الأقل سنة، كي نتجنب ان تنفرد بعض المنظمات العميقة والقديمة بالانتخابات دون ترك فرصة لبقية الأحزاب لتعرف بنفسها.

وقبل هذا كله هل وضع دستور هو الأساس اليوم ام الانتقال السياسي اولاً وهل ننتخب الرئيس اولاً ام مجلس الشعب؟

ويمنح دستور موسكو صلاحية عزل الرئيس، للبرلمان. هل هذا امر جيد أم انها ستصبح مدعاة للتعسف. لو كان الامر بيدي لفضلت انتخاب الرئيس من قبل الشعب بشكل مباشر ولمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وإن كانت ولاية الرئيس سبعة سنين فهي برأي كافية لا يجب ان تمدد.

وبالعودة لما جاء في مسودة موسكو، مساواة اللغة العربية بالكًردية نتساءل، هل هناك بالأصل لغة كردية موحدة وبأي حروف ستكتب؟

وبرغم هذا نحن مع امتلاك الاخوة الكًرد حقوقهم الكاملة في «المواطنة» وحقوقهم الثقافية. لكن موضوع إقليم كردستان مرفوض رفضا قاطعاً وغير مطروح للنقاش، بكل شفافية الكون لا كردستان، في سوريا ولا بيشمركة، لا لسيطرة على الحدود ولا للتحكم في منابع النفط. قد تعلمنا جيدا الدرس العراقي.

مسودة موسكو، تشكل انقلابا على بيان استانة وقرارات مجلس الامن ذات الصلة والتي جميعها دعت إلى «وحدة وسلامة الأراضي السورية واستقلالها «وما أقرته موسكو في بيان «استانة» التأكيد على وحدة وسلامة وسيادة أراضي سوريا. نشير لبند مسودة الدستور الروسي «الذي يتيح إجراء استفتاء على التنازل عن اراض سورية. وهذا لم تعرفه دساتير العالم اجمع مذ ان صيغ اول دستور في الدنيا.

ولا يفوتنا أن نلفت عنايتكم على الظلم الكبير الذي وقع على اللغة العربية في مسودة دستور موسكو بمساواتها باللغة الكردية التي لا يعرف اصلها ولا يستطع بعض الكًرد من دول أخرى ان يتواصلوا عبرها ولا يعرف لها حروف بالمقابل اصالة وعراقة اللغة العربية.

والظلم الأكبر يقع ايضاً على العرب حيث اعتبروا مجرد مكون في سوريا بما يجافي واقع الحال، فالعرب بمختلف مشاربهم ومرجعياتهم يشكلون على اقل تقدير 87% من الشعب السوري فمن الوقاحة بمكان اعتبارهم مجرد مكون.

وفي الحديث عن اللامركزية الإدارية ابشركم.أن دساتير تنظيم الأسد، الحالية والسابقة نظام الحكم فيها غير مركزي. وتمارس السلطة التي لا «يمتلكها الا الأسد» من خلال مجالس الإدارات المحلية «البلديات « ومجالس المدن والمحافظات واعطيت مزيدا من الصلاحيات لهم وللمدراء العامين وفض الوزراء صلاحياتهم لمعاونيهم ومدراء المؤسسات.

بلسان عربي مبين، نحن نرفض وبشكل نهائي فدرالية الدولة «التقسيم المقنع « ونرفض اعتبار سوريا مجموعة من العرقيات والإثنيات. ونرفض إنشاء أي أقاليم، ونصر على أن سوريا عربية الهوى سنية المذهب، رغم انوفهم. ونشدد على أن عدم تحديد دين رئيس الدولة سيقودنا إلى مشاكل في المستقبل واحداث عام سبعين من القرن الماضي يوضح قولي.

========================

الخروج من جحيم "داعش" .. د.خالص جلبي

الاتحاد

الاربعاء 1/2/2017

اتصلت بي من بغداد بعد هربهم من الموصل. كان صوتها مرتعباً وحزيناً وبين كلماتها تتساقط العبرات. كان حظهم أن يعاصروا قيام دولة «داعش» وبداية انهيارها. قالت، وكانت شاهدة على ما جرى، إن مصدرهم الفقهي هو ابن تيمية ولباسهم سترات أفغانية سوداء يجب أن تكون حاسرة عن الكعبين. أما النساء فعليهن الحجاب المكثف. والسائق الذي تركب معه امرأة مصيره مائة جلدة على ظهره لعدم وجود المحرم، ثم قالت: نجوتُ حين نهرني أحدهم بلبس الجورب، وقال مشدداً النبرة: والقواعد من النساء! ومن يدخن سيجارة عقابه إطباق باب السيارة على أصابعه وخمسين جلدة، وربما إجباره على العمل في المقابر، إذ عليه أن يسويها بالأرض ويزيل أي حجرة تدل على صاحب القبر.

وأضافت: أحضروا ثلاث نساء متهمات بالزنا، فألبسوهن عباءات سوداء، وحددوا مكاناً خاصاً للرجم، ثم ملؤوا أيدي القوم بالحجارة، واشتغل الضرب بحماس حتى الموت، ثم سلمت الجثث لأهلها!

وفي الرقة، رأيتُ على «اليوتيوب» حفلة جنون من ذلك النوع، حين استعطفت الفتاة أبوها بالغفران، فأبى واشترك مع القوم في ضرب ابنته بالحجارة حتى الموت.

أما المثلي المشتبه في أمره، فذكرت المتصلة من بغداد أن ثمة بناية خاصة اسمها أوزداراك في الطابوق (الموصل) خصصوها لرمي المشبوهين من ارتفاع شاهق. قالت: هي خمسة طوابق، حيث يلقى بالمتهم من سطحها الأعلى إلى الأرض. وهناك طبيب من مجرميهم يأتي فيفحص المشوه من الارتطام، ليفيد أن به بقية روح، فيأتي الداعشي المجرم فيجهز عليه بطلقة «رحمة» في الرأس!

قالت: هناك من تم اتهامه بالكفر، فأحضر للإعدام، وطلبوا منه ترديد الشهادة قبل الإعدام، فكررها وظل يصرخ بأنه مؤمن، لكنهم ما زالوا به حتى أطاحوا رأسه بضربة.

قالت: لقد كان فيهم جنسيات مختلفة من كل الأرض، يرطنون بعشرات اللغات، ويبدو عليهم أنهم مثقفون وليسوا غفلاً أميين، وأكدت أن من يقودهم هم بقايا مخابرات صدام حسين، فهم العقل المخطط البارد المدبر. أما الشباب المتحمسون والمغفلون، فمن بقاع الأرض الأخرى.

الكل مسلح، وبمن في ذلك فرقة الخنساء النسائية، لذلك لم يكون بمقدورنا الهرب. صهري عبد الوهاب أوقفوه في المسجد، وقالوا له إن سروالك طويل مخالف للسنة، ويجب أن يكون فوق الكعبين؟ ارتعب وتحجج لهم بنحافته، وبأن سرواله هوى للأسفل، ولو شد الحزام لارتفع إلى ما يطلبون. همهموا: ربما.. وأطلقوا سراحه، لكنهم التفتوا إلى لحيته: أيها الفاسق، إنها أقل من قبضة؟ حاول أن يحلف بكل مقدس أن لحيته هكذا لا تطول. فكر في طريقة يمطط بها لحيته ويقصر عقله، كما قصر ثوبه!

خسر الجيش العراقي الكثير وهو يتقدم بين الألغام والأنفاق، فالقوم حفروا الأرض، وعرفوا كيف يكمنون للوحدات العراقية، ويفجرون كل بيت هرب منه أهله بعد تلغيمه، واستخدام السكان دروعاً بشرية.

قالت: القسم الأيسر من نهر دجلة في الموصل تم تنظيفه من الدواعش، لكن أيمن النهر فيه نحو مليون إنسان، والدواعش مختبئون هناك بين السكان، فكيف سيخرجون؟

قلت لها: وماذا يفعل البغدادي؟ قالت: لقد هرب. ولو قضي عليهم في الموصل، فهناك خلايا نائمة لهم في أماكن كثيرة، ولسوف ينبت من رمادهم دواعش، طالما دبت الحياة في فتاوى القدماء وخرجوا من مقابر التاريخ.

هذه شهادة من عائلتي، وهي شهادة حية للتاريخ، مفادها أن تجربة «داعش» أظهرت سخف النموذج الذي يدعون إليه، وفشله في إنتاج مجتمع عادل، مما يقود للتبرؤ من هذا النموذج، وهو الأمر الذي جعل ترامب يعد بمحوه من وجه الأرض، ولو لم يمحه ترامب فسيمحوه التاريخ غير مأسوف عليه.

========================

نداء الواجب يقرع آذان السوريين .. برهان غليون

العربي الجديد

الثلاثاء 31/1/2017

لم يدم التفاؤل الذي دفع إليه التفاهم الروسي التركي، وما أعقبه من افتتاح مفاوضات الحل السياسي السوري في اجتماعات أستانة طويلا. ولم تنفع كثيراً المواقف الصلبة التي تمسك بها وفد الفصائل العسكرية في تجنيب المعارضة الانخراط في مفاوضاتٍ سياسيةٍ من موقف الضعف. وليس من المبالغة القول إن المعارضة السورية تجد نفسها اليوم في أسوأ حالاتها منذ بداية ثورة آذار/مارس 2011، فقد نجح الروس، من خلال مناورة أستانة التي لم يقدموا فيها شيئاً للفصائل، في شق صفوف الأخيرة، ودفع كثير منها إلى التطرّف والاندماج في ما سمي هيئة تحرير الشام التي ضمت، إلى جانب فتح الشام، حركة نور الدين الزنكي ولواء الحق وجبهة أنصار الدين وجيش السنة. ما يعني أن الأوضاع تتجه في الاتجاه الذي راهن عليه الروس وحلفاؤهم منذ البداية، وهو أنه لا ينبغي أن يكون هناك أمام السوريين والمجتمع الدولي خيار سوى بين الأسد، أو نظامه الدموي، و"داعش" أو جبهة النصرة وأشباهها.

وبينما يستمر الاقتتال بين الفصائل في ريف حلب وإدلب، مهدّداً بتحييد قوى المعارضة الوطنية، ووضعها تحت رحمة جبهة النصرة وحلفائها، أو قوات النظام، تستمر الحملة المنسقة لحزب الله ومليشيات إيران الطائفية في التقدم على جبهة وادي بردى، وفي أعقابها عمليات التهجير الجماعي للأهالي والمقاتلين، تاركةً المنطقة الاستراتيجية حول دمشق مفتوحةً أمام عمليات التهجير والتغيير الديمغرافي القادمة في شرق العاصمة وجنوبها.

أما المعارضة السياسية فهي ليست أقل تفكّكا من فصائل المعارضة المسلحة، فقبل شهر من تجديد قياداته، وفي وقتٍ لا يكف قادته عن الإعلان المكرور عن إصلاحه، يعيش الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة حالةً شديدة من الضعف والانسحابات المتواصلة، في حين تخرج هيئة التنسيق الوطنية عن قرار الهيئة العليا للمفاوضات، وتشارك وحدها في مؤتمر أستانة، وفي اجتماعات موسكو التي أعقبتها، ولم تضم سوى المجموعات والشخصيات الموالية لروسيا. أما الكتلة الواسعة من آلاف الناشطين السابقين والجدد فتعيش في حالة ضياع كامل، لا قيادة معروفة، ولا رؤية مشتركة، ولا خطة عمل واضحة.

"المعارضة السياسية فهي ليست أقل تفكّكا من فصائل المعارضة المسلحة"

وفي موازاة ذلك، تحاول روسيا إعادة تركيب وفد المعارضة إلى المفاوضات المرتقبة، بما يسمح بإقصاء قوى المعارضة الرئيسية، وسحب الشرعية عن هيئة المفاوضات العليا، وتشكيل وفد متعدّد الأطراف، تشارك فيه الفصائل، كما تشارك فيه المجموعات الأخرى، بشكل مستقل ومنفصل، يمنع المعارضة من توحيد مواقفها، ويسمح لموسكو باللعب على خلافاتها، وتكون الغلبة فيه للمجموعات الموالية لها. كما تعمل من أجل تغيير مرجعية المفاوضات المقبلة، والاستعاضة عن تطبيق القرارات الأممية الواضحة، والمُتفق عليها، بمناقشة الأفكار والخطط الروسية. ولهذا الهدف، حرصت على تقديم مسودة الدستور السوري المقترح، والذي تريد له أن يكون ورقة المفاوضات الرئيسية، إن لم تكن الوحيدة، ومن ثم الالتفاف على مسألة الانتقال السياسي، وعلى تشكيل هيئة حاكمة انتقالية بصلاحياتٍ كاملةٍ، كانت تعتبر، حتى الآن، جوهر المفاوضات المنتظرة منذ خمس سنوات تحت رعاية دولية.

كتبت، في السابق، أن معركة حلب أنهت الفصل العسكري من الحرب، وإنْ لم تنه الصراع المسلح في الجبهات التي لا تزال مفتوحة، وإننا ندخل في مرحلةٍ جديدةٍ سوف تكون الحرب السياسية والدبلوماسية السائدة فيها. وأن هذه الحرب سوف تتخذ شكل البحث عن التسوية، يربحها من يجعل التسوية تصبّ في تحقيق أهدافه. كما ذكرت أنه، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، مع تفاقم تخبط المعارضة السياسية والعسكرية وانقسامهما، لن تحصل التسوية لصالح السوريين، حتى في ما يتعلق بوقف النار، وإنما على حسابهم. وهذا ما ترتسم ملامحه اليوم، بشكل أكثر وضوحا. حتى أصبحت الصحافة تتداول، كأمر واقع، وتقارن خرائط تقسيم مناطق النفوذ بين الدول المتنازعة.

"لم تعد سورية للسوريين، ولم تعد المفاوضات المطروحة بين السوريين للوصول إلى تسويةٍ سوريةٍ سورية"

لم تعد سورية للسوريين، ولم تعد المفاوضات المطروحة بين السوريين للوصول إلى تسويةٍ سوريةٍ سورية، وإنما أصبح المطلوب موافقة السوريين، حسب تابعيتهم وأهوائهم وخلافاتهم، على خريطة تقاسم النفوذ في وطنهم التي تحدّد مكان كل طرفٍ منهم في بلده، من خلال ولائه لسيده الجديد. لم تعد هناك سورية واحدة ولا موحدة، لا كواقع ولا كمشروع، ولا عادت سورية إلى السوريين، وإنما أصبحت سورية لغيرهم وأعدائهم، يتقاسم النفوذ والسيطرة عليها وفيها جميع الآخرين، من دون السوريين، بينما يتسوّل السوريون فرصةً لزيارتها أو المشاركة في مؤتمر، أو اجتماع يتحدّث عنها.

لم يتحقق بعد للقوى الطامعة في اقتسام سورية، وسلخها عن شعبها وتحويلها إلى منطقة قواعد عسكرية، ومستوطنات ومعابر وممرات استراتيجية وفضاءات مفتوحة لجميع حروب تصفية الحسابات الإقليمية والدولية ومواطن للتطرف والحروب العالمية ضد الإرهاب، ما تريده، ولن يكون من السهل لها تحقيق ذلك. لكن أيضاً لم يعد من الممكن للسوريين الطامحين إلى استعادة وطنهم، والتمسك بهويتهم وحقوقهم، المراهنة على الأوراق ذاتها التي فقدت وزنها وصدقيتها، أقصد لا على الفصائل المسلحة، ولا المؤسسات السياسية القائمة للمعارضة، ولا التحالفات والحلفاء الدوليين الذي أطلقوا على أنفسهم اسم مجموعة أصدقاء الشعب السوري، وانتهوا إلى أن يتركوا لروسيا الحرية الكاملة في تقرير مصير سورية، ولم يعد أغلبهم يقبل بالشعب السوري، حتى في مخيمات اللجوء.

هذا الفراغ السياسي الذي يحيط بقضية السوريين، بسبب غيابهم عن ساحة الصراع، وتخلي حلفائهم أو من يدعون ذلك عنهم، ويهدّد بقطعهم نهائياً عن بلادهم، وتشريدهم السياسي والإنساني معاً، أصبح فراغاً مفزعاً، وينبغي أن يزول ويملأ بأسرع وقت. وليس هناك من يستطيع ملأه سوى السوريين أنفسهم، هؤلاء الذين لا يزالون يعيشون في سورية، وأولئك الذين أصبحوا جزءا من مهاجريها ومغتربيها الكثيرين. حان الوقت كي يصحو السوريون من غفلتهم، ويستعيدوا وعيهم وإرادتهم، وينتزعوا قضيتهم بأيديهم، قبل أن يضطروا إلى الجلاء عن وطنهم. والمبادرة في يدهم، وهذه بداية الطريق.

========================

تحولات دراماتيكية في المشهد السوري .. ماجد كيالي

الحياة

الثلاثاء 31/1/2017

ثمة العديد من المؤشّرات التي تفيد باحتمال حصول تغيّرات نوعية، مفاجئة وكبيرة، في المشهد السوري، على الصعيدين السياسي والميداني، كما في تجاذبات أو صراعات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في هذا المشهد.

على الصعيد الداخلي، يمكن رصد أهم هذه التحولات بعاملين، أولهما تحوّل معظم فصائل المعارضة المسلحة نحو القبول بخيار المفاوضات، أو خيار الحل السياسي، بعد أن كانت تمتنع عن ذلك، بدعوى أن لا حل سوى بإسقاط النظام عسكرياً، أو لأن لا ثقة لها بالحلول السياسية، تبعاً للأطراف الراعية للمفاوضات، والمقصود هنا تحديداً الطرف الروسي.

يلفت الانتباه أن تلك الفصائل ذهبت إلى خيار المفاوضات، في العاصمة الكازاخية آستانة، متناسية كل الادعاءات التي كانت تطرحها، ومتجاهلة أنها اتجهت نحو هذا الخيار بعد الانهيار العسكري الحاصل في حلب، وبعد اتضاح انسداد أفق الحل العسكري، وأن هذا الأمر تم بناء على رأي الحليفة تركيا. وطبعاً لا يدور النقاش هنا حول صحة هذا الخيار من عدم ذلك، مع التأكيد أنه الأنسب، وإنما النقاش يدور حول المواقف السابقة لهذه الفصائل، التي كانت تكابر في شأن قواها وقدراتها، وتترفّع عن دراسة المعطيات السياسية (كما العسكرية)، والتي ظلت تشتغل بعقلية قدرية، ومزاجية، إلى جانب استمرائها الارتهان للقوى الخارجية. وهذا الموقف ينطلق أيضاً، من الاعتقاد بأن الموقف الأصوب، ربما كان يتمثل بالتأكيد على وحدانية تمثيل المعارضة، وإحالة الأمر الى «الهيئة العليا للمفاوضات»، التي تتمثل فيها هذه الفصائل، إذ كان من شأن ذلك أن يضفي نوعاً من الصدقية على المعارضة إزاء نفسها، وإزاء شعبها، وإزاء العالم.

طبعاً، يلفت الانتباه في هذا الأمر أن لا «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة»، وهو الكيان الرئيس للمعارضة السياسية، ولا «الهيئة العليا للمفاوضات»، التي تتمثل فيها أوسع تشكيلة من الكيانات السياسية والعسكرية، أبديا أي تبرَم مما حصل، أو من هذا الانتقاص من مكانتهما في تمثيل المعارضة، إذا استثنينا بعض المواقف الفردية، التي أبدت استنكارها ومخاوفها من تلاعب روسيا بتمثيل المعارضة، ومن النيل من مكانة وشرعية الإطارين المذكورين.

العامل الثاني، يتمثّل في انقلاب معظم كيانات المعارضة، السياسية والعسكرية، على جبهة «فتح الشام» (جبهة «النصرة» سابقاً)، وهو موقف مفاجئ، وقد ماطلت معظم فصائل المعارضة في الإفصاح عنه لأسباب عقائدية، حيث ثمة فصائل لا تبتعد في طروحاتها عن هذه الجبهة، وميدانية، بحكم قوة هذه الجبهة، وإقليمية بواقع علاقات الجبهة الخارجية. ومعلوم أن تلك الجبهة، التي لم تحسب نفسها يوماً على الثورة السورية، وناهضت مقاصدها المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، ظلت تشكل خطراً على فصائل المعارضة العسكرية في كافة أماكن تواجدها، وهي أصلاً كانت عملت على إزاحة جماعات «الجيش الحر» من المشهد، فضلاً عن أنها حاولت فرض أنماط متعصّبة ومتطرّفة من الإسلام على السوريين، بواسطة القوة، في المناطق التي خضعت لسيطرتها، ناهيك عن تبعيتها لتنظيم «القاعدة»، وهو ما أضر بإجماعات السوريين، وبصدقية ثورتهم في العالم.

في هذا الجانب أيضاً، لم يأتِ هذا التغيّر نتاج تطور في القناعات السياسية، أو نتاج مراجعة للتجربة، بما لها وما عليها، من قبل المعارضة، وإنما أتى نتيجة ضغوط خارجية، وضمن ذلك التحوّل في الموقف التركي.

هكذا نحن في الحالتين المذكورتين آنفاً إزاء معارضة (سياسية وعسكرية) مترددة، ولا تأخذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، ولا تصدر مواقفها بناء على ادراكاتها لمصلحة شعبها، أو متطلبات ثورتها، ولا بناء على مراجعة نقدية للمسارات والخطابات التي انتهجتها، الأمر الذي يضعف صدقيتها، ويثير الشبهات حول حقيقة أو صلابة الخيارات التي اشتغلت على أساسها.

على أية حال يمكن الجزم بأن التحولين المذكورين لن يمرا بسهولة، إذ إن التحول الأول قد يفضي، على الأرجح، إلى إعادة ترسيم خريطة الكيانات السياسية والعسكرية للمعارضة السورية، وضمنها للوفد المفاوض، مع كل ما يستتبع ذلك من تغير في المرجعيات والأولويات والمواضيع. في حين أن التحول الثاني قد يفضي إلى إعادة هيكلة الفصائل العسكرية، والعمل على تحجيم «جبهة النصرة»، وربما تصفيتها، إضافة إلى حصول تغيرات ميدانية، تبعاً لذلك، في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة، وفي شكل إدارة المناطق «المحررة».

أيضاً، على الصعيد الخارجي ثمة تحولات نوعية مهمة، وكبيرة، قد يتوقف بناء عليها مصير النظام والثورة السوريَين، أو مصير الصراع السوري برمته، وهو ما يتمثل، أولاً، في ظهور التباين بين الأجندتين الروسية والإيرانية، معطوفاً على تضاؤل نفوذ إيران في الصراع السوري لمصلحة روسيا. وثانياً، بتزايد التوافق والتنسيق الروسي - التركي، على حساب إيران، أيضاً، مع ما يعنيه ذلك من وضع حد للتدخل العسكري الروسي لمصلحة النظام، أو على الأقل التخفيف منه. وثالثاً، دخول الولايات المتحدة الأميركية في عهد الإدارة الجديدة على خط الصراع السوري، على خلاف عهد الإدارة المنصرفة، سواء بتهديدها إيران، وتصريحها عن اعتزامها تحجيم نفوذ طهران في المنطقة، وفي شأن تصريحاتها العلنية بخصوص عدم التوافق أو عدم الرضا عن سياسة روسيا في سورية، كما بتلويحها بإمكان تنظيم مناطق آمنة في سورية (وفق تصريحات الرئيس الجديد دونالد ترامب)، ما يعني عودة التقارب بينها وبين تركيا.

في كل الأحوال، فإن هذه التحولات تفيد بإمكان تغير المعادلات الدولية والإقليمية المتعلقة بالصراع السوري، أو بالصراع على سورية، ولعل هذا ما يمكن ملاحظته من تغير الأجندة الروسية بتخفيف ضغطها العسكري (الجوي) على فصائل المعارضة العسكرية، ووضع ثقلها وراء الحل السياسي التفاوضي، وطرحها مشروع دستور، واستعجالها توليف تشكيلة جديدة للوفد المفاوض، وهي المحاولة التي لم تنجح، على ما تبين من فشل اجتماع موسكو، الذي عقد بعد مؤتمر آستانة.

كما يتجلى ذلك بقبول معظم فصائل المعارضة الدور الروسي الجديد توخياً منها للاستثمار في التغير الحاصل لمصلحتها، ولمصلحة تركيا، وأيضاً من أجل تحجيم نفوذ إيران في سورية.

بيد أن كل التحولات المذكورة ستظل رهناً بعوامل أخرى لم يجر بعد تبين مداها، أو مفاعيلها، وهذه تتمثل أولاً في مدى حسم الإدارة الأميركية الجديدة مواقفها إن في شأن مناطق آمنة، أو بخصوص علاقتها بالمعارضة السورية، كما في شأن التدخل بالطريقة المناسبة، بوسائل الضغط السياسي أو العسكري، لإنهاء الصراع السوري. ثانياً، هذا سيتعلق بطبيعة رد الفعل الإيراني على التحولات في الموقفين الأميركي والروسي، لا سيما أن لهذه الدولة وجوداً ميدانياً، أي عسكرياً، في سورية، كما في العراق ولبنان. ثالثاً، يبقى السؤال هنا مشرعاً في شأن حقيقة توجهات روسيا، وما إذا كانت تعتزم حقاً طرح استراتيجية خروج من الصراع السوري قبل التورط في مواجهات غير محسوبة مع الإدارة الأميركية الجديدة، أو إنها لا تبالي بذلك، سعياً منها لإجراء مساومات مع هذه الإدارة في ملفات أخرى عالقة (أوكرانيا، الدرع الصاروخي، الحظر التكنولوجي، أسعار النفط). ورابعها، يتعلق بالمعارضة السورية، بكياناتها السياسية والعسكرية، إذ من غير المعقول بقاؤها على النحو الذي هي عليه، ببناها وخطاباتها وأشكال عملها، وبتشتتها، وارتهان ارادتها، وبالفجوة بينها وبين مجتمعات السوريين في الداخل والخارج.

الفكرة هنا أن المعارضة معنية بإعادة تنظيم أحوالها وترشيد خطاباتها، والارتقاء بأشكال عملها لمواجهة الاستحقاقات والتحديات المقبلة، لأنه من دون ذلك لن يستطيع السوريون الاستثمار في التحولات المرتقبة، والبناء عليها، وبخاصة أن النظام يبدو كجبهة موحدة، وينتهج استراتيجية واضحة وخطابات متماسكة، في حين تبدو المعارضة على خلاف ذلك.

========================

الشام وخيارات البعض الصفرية .. د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 30/1/2017

لك الخيار في أن تتفق أو تختلف مع توحد لقوى ثورية جهادية سورية هنا وهناك، ولكن يُفترض ألا يكون الخيار هو النيل والشك والتحريض على هذا المعسكر ضد ذاك المعسكر بحجج وذرائع قد تفوق الذرائع والحجج التي أقدم ويقدم عليها أعداء الثورة الشامية بقتل أبنائها واستباحة بلدها منذ سنوات.

المناسبة هو تأسيس هيئة تحرير الشام والتي ضمت عدة فصائل كان على رأسها فتح الشام ونور الدين الزنكي وآخرون، لاسيَّما بعد الانشقاق الذي طال أحرار الشام وانضمام بعض قادتها الكبار ممن لهم وزن عسكري وتاريخي كبير في الحركة وهما هاشم الشيخ أبو جابر وأبو صالح الطحان بالإضافة إلى أبي محمد الصادق، وآخرين، وجاء تأييد ودعم بعض المشايخ السوريين وغيرهم لهذا التجمع ليزيده قوة، خصوصاً أن القوى المنضوية تحت هذا التجمع تشكل القوة العسكرية الضاربة في الشمال السوري وتحديداً في إدلب وحلب.

لا شك أن ثمة فصائل وعلى رأسها أحرار الشام وصقور الشام وفيلق الشام غيرهم ممن لا يزالون في المعسكر الآخر، وأتى انضمام الصقور وبعض الفصائل الصغيرة إلى الأحرار ليشكل حالة فرز واستقطاب كبيرة ومهمة في ساحة الشمال السوري، ورغم السلبيات التي قد يراها البعض في هذا الاستقطاب، فإنه يشكل تحولاً مهماً ونوعياً في الساحة السورية كونه يقلص عدد الفصائل ويجعلها في معسكرين مهمين ورئيسيين.

التحدي الآن يكمن في قدرة هذين المعسكرين على التعاطي مع المعطيات الجديدة، والتطورات اللاحقة، إن كان من حيث إدارة أزمة الخلاف بينهما، أو من حيث التعاون والتنسيق إن لم نقل الاندماج والتحالف، لكن أن يصر البعض على الخيار الصفري وبتحريض تويتيري وفيسبكوي غير مسبوق وذلك بالمطالبة بالقضاء على الغلاة والبغاة، بينما يطالب الطرف الآخر بالقضاء على المميعة ونحوها من الأوصاف فهذا لن يخدم إلا أعداء الثورة الشامية الداخليين والخارجيين، ويدفعنا إلى تقتيل أبنائنا وإخواننا بحجة كونهم في صف البغاة والغلاة أو في صف المميعة والانبطاحيين والمستسلمين.

التحدي اليوم أمام النخب بكافة أشكالها وأنواعها بأن تتقي الله في الشام وأهلها وأن تتقي الله في الدماء، لاسيَّما ونحن نرى بعض المغردين قد خلت حساباتهم ربما لأشهر وأكثر من الحديث عن الاحتلالين الروسي والإيراني وعميلهم بشار، وقد ملئت حساباتهم بالنيل من إخوانهم والتحريض عليهم وقتلهم وسحقهم.

الخيار الصفري الذي ارتضاه البعض حلاً وطريقاً من أجل تصفية حسابات منهجية وفكرية له على أرض الشام ليُرضي بذلك أهواءه، لن يقل خطراً وإجراماً على الخيار الذي ارتضاه الاحتلالان الروسي والإيراني في مواصلة الشرب من دماء أهل الشام، لن يكون هذا الخيار إلا عدمياً، وما على الجماعات والفصائل الشامية إلا أن تقف لحظة تأمل مع نفسها، لتعيد حساباتها وتقف مع شعبها فهو أفضل بوصلة كما أثبت اليوم، فهو الذي طالب بوقف الاقتتال يوم حرضت النخب على الاقتتال، هذا الشعب هو من يرفض الاقتتال البيني وهو من يطالب بالاندماجات وهو من يطالب بإسقاط العصابة الطائفية في الشام، فأين لكم بشعب كهذا.;

========================

مجدّداً في عهدة شبابها .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 29/1/2017

من حسنات ما ترتّب على هزيمة حلب المرعبة ما نشاهده اليوم من تجدّد لدور الشباب السوري في الثورة. وكما أخذت فاعلية الشباب، في بدايات الثورة، شكل حراكٍ سلميٍّ ومجتمعيٍّ واسع ويومي، تستعيد أنشطتهم المتجدّدة في كل مكان ذكريات ذلك الحراك، وإن كانت لم تبلغ بعد المستوى الذي كان لها في مطالع الانتفاضة الاجتماعية/ السياسية الكبرى لعام 2011، التي بلغت، في فترة قصيرة، مستوىً ندر أن عرفته ثورةٌ سبقتها

والآن، هل يمكننا القول بثقة: هزيمة التعسكر المتمذهب في حلب ستضع الثورة من جديد في عهدة حراكٍ يقوم به شبانها، إناثاً وذكورا؟ سيلاحظ متابع أنشطة المواطنين عامة، والشباب خصوصاً، عودة كتلٍ كبيرة من الشباب إلى مسرح الأحداث في مناطق سيطرة التنظيمات المسلحة، وسيلمس ارتباط الثورة المتجدّد بشبابها: الجهة التي لعبت الدور الأهم في انطلاقتها، وزوّدتها بشعاراتٍ ومطالب جعلت منها ثورة "حرية وسلمية للشعب السوري الواحد"، تنبذ الطائفية والتفرقة والتمييز والصراع والاقتتال بين السوريين، وتنشد مخرجاً سياسياً، يحرّرهم من الاستبداد، يجعل العدالة والمساواة نعمةً، ينالها كل مواطن، بعد الانعتاق من عبوديته للأسدية والتنعم بالحرية التي سيأتيه بها من ضحّوا بحياتهم في سبيلها.

لكن عودة الشباب إلى الثورة، والثورة إلى الشباب، لن تكتمل من دون استعادة مشروعها الحر الذي انطلق منهم، ويتطلب استئنافه انغماسهم فيه واستئنافه من جوانبه السياسية والميدانية والتنظيمية والفكرية كافة، وإزالة نواقصه التي حال دون نجاحهم في التخلص منها قمع نظام الأسد، وقتل عشرات الآلاف منهم، خلال حله القمعي/ العسكري الذي أزاحهم عن قيادة الحراك المجتمعي، ومنعهم من بلورة رؤيةٍ متكاملة لثورتهم. من هنا، يرتبط استئناف الثورة بتصميم الشباب على تجديدها، وتحريرها من التعسكر والتمذهب، وقيادتها في المنافي والمخيمات وداخل الوطن، واستعادة طابعها السلمي وحامله العظيم: مجتمع سورية الأهلي، ضحية التمذهب الذي قوّض دوره الوطني في معظم المناطق السورية، وتكاملت أفعاله وخططه مع أفعال نظام الأسد وخططه ضد الشباب وقطاعات المجتمع المدنية والحديثة التي دمرت الوحدة التي صنعت الثورة بين قطاعي المجتمع الحديث والأهلي، وسيرتبط تجدّدها من الآن بالشباب وقيادتهم حراك هذين القطاعين الثوري.

هل فات وقت تحقيق ذلك؟ كلا، لأسبابٍ عديدة، منها أن دوران الثورة، منذ أعوام، داخل حلقة مفرغة يرجع، في قسمه الأكبر، إلى افتقارها لقيادة شبابية ثورية، ونجاح الأسدية في تفكيك وحدة قطاعي المجتمع الثوريين، المدني والأهلي، ومذهبة الثاني منهما، وتطييفه وتعسكره، وذهاب خطاب المعارضة السياسي، الناقص واللحاقي، في اتجاه، والأعمال العسكرية، العشوائية والخارجة على أي نهج سياسي يلبي مصالح الشعب ويعزّز وحدته، في اتجاه آخر. ولم يفت الوقت، لأن السوريين لن يخرجوا من الفوضى من دون سد (وإزالة) فجواتٍ وعيوبٍ عطلت انتصارهم، أهمها افتقارهم قيادة شبابية مدنية تمارس دورها الحاسم في حراكهم السياسي ومقاومتهم العسكرية، يحتم قيامها مسارعتهم إلى تنظيم صفوفهم داخل الوطن وخارجه، وتأسيس صلاتٍ مدروسةٍ ويومية بينهم، تجدّد الثورة السلمية/ المدنية، وتبلور صيغاً متجدّدة لحراك نضالي يراعي أوضاع سورية الحالية، ويبني خططه عليه، لاستعادة الشعب إلى الشارع، وجعل عودته إلى الوطن، وبلوغ حل سياسي يطبق قرارات جنيف حول رحيل الأسد على رأس مطالبه.

هل يستطيع الشباب إنجاز هذه المهام الكبيرة؟ نعم، إنهم أهل لها، ويستطيعون تحقيقها. تشجّعني على اعتقادي هذا أدوارهم المبدعة في الثورة السلمية أمس، وعودتهم إلى الشارع اليوم، وحماستهم التي لم تخمدها سنوات القتل والحرمان والتهجير والتعذيب، وحراكهم الثوري والوطني الذي لا بد أن تكون الأيام قد أنضجته، وخطابهم السياسي المعادي للطائفية والمذهبية، العائد بالحرية إلى مكانها الأصلي رافعةً للثورة، تكون بها ثورة حقيقية، أو لا تكون أبداً.

لن يتخلى السوريون عن ثورتهم، ما بقيت أجيالهم الشبابية منتمية إليها، وعازمة على بلوغ هدفها السامي: الحرية والعدالة والمساواة لشعبها الواحد، المضحّي، الذي يرفض اليوم في كل مكان بديل الديمقراطية الإرهابي، الأسدي من جهة والمتمذهب والمتعكسر من جهة أخرى، الذي لا مفرّ من أن يسقطه عدوهما، شباب سورية إناثا وذكوراً، انتقاما ممن خانوا الثورة، ونكّلوا بشعبها.

========================

الأزمة السورية والحل الروسي .. د. رضوان السيد

الاتحاد

الاحد 29/1/2017

دعت روسيا وتركيا السوريين المسلحين وممثلي النظام إلى أستانا بجمهورية كازاخستان. وكانت مهمة الاجتماع تثبيت وقف إطلاق النار. وقد تحول الاجتماع إلى توسط الطرف الروسي بين إيران وتركيا على ذاك الوقف للنار وآلياته. إذ وقف النار في الأصل تمَّ بين الروس والأتراك وبضمانتهما. لكنّ أهل الفيتو أو القدرة عليه هم الإيرانيون وقوات النظام السوري. لذا كان لا بد لوقف القتال من الحصول على موافقة الإيرانيين وبشروطهم. ولذلك ازدادت التنازلات التركية في شمال سوريا إلى حدّ إمكان دخول قوات النظام إلى بلدة الباب، بدلاً من قوات «درع الفرات» المدعومة تركياً، أو إلى جانبها! والشائع الآن أنّ «داعش» ربما ينسحب من الباب لصالح قوات النظام، كما فعل في مواطن كثيرة، للإضرار بتركيا وقوات «الجيش الحر» المتحالفة معها. وهكذا لا يزال وقف النار رهينة لدى النظام السوري وإيران. وأتوقع استمرار القضم في وادي بردى والغوطة وجوبر وغيرها، إضافةً إلى الهجمات التي يعتزم النظام و«حزب الله» شنَّها في الجبهة الجنوبية (درعا) بعد التوافق فيما يبدو مع الحكومة الأردنية.

المهمّ أنه بعد أستانا مباشرةً دعا الروس المعارضة السياسية (دون المسلَّحة، بينما كانت السياسية غائبةً في أستانا!) إلى التشاور حول الحلّ السياسي. ويتناول ذلك أمرين: بنية المعارضة السياسية التي يريد الروس إدخال أنصارهم إليها (وكذلك الذين كانوا يلتقون بمصر، والأكراد) بحيث يصبح الحاضرون ثلثين (لصالحهم)، والثلث الباقي لـ«الهيئة العليا للمفاوضات» أو ما بقي منها. أما الأمر الثاني فهو الدستور الذي يُراد التفاوُضُ عليه ليكون مدخلاً للمرحلة الانتقالية إذا كانت تستحق هذا الاسم كما في بيان «جنيف-1». وقد وزّع الروس على المسلحين وعلى السياسيين المسوَّدة الدستورية التي يقترحونها، وفيها حكم ذاتي موسع للأكراد، ولا مركزية واسعة لسائر المحافظات والنواحي، وإسقاط للعربية من اسم «الجمهورية العربية السورية»، بحجة أنّ الأكراد ليسوا عرباً، كما أنّ الإيرانيين يريدون ذلك لأنّ العروبة عدوُّهم اللدود، وقد توافقوا مع الأميركيين على ذلك في العراق، وكانت الحجة الظاهرة أيضاً وجود الأكراد.

المعارضة السياسية السورية ضعيفة لأنها منقسمة. ثم إنها لا تملك مواقع مدنية أو عسكرية حقيقية على الأرض، رغم التنسيق مع «الجيش الحر». أما المعارضة المسلَّحة (المعتدلة) فوجوهُ ضعفها متعددة. فهي أولاً ما استطاعت حتى الآن تكوين قيادة مشتركة حقيقية حتى في شمال سوريا، ولديها عائقان: الأول هو «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقاً)، والتي صُنّفت إرهابية، وهي أقوى الفصائل، وهي تقاتلها جميعاً الآن لأنّ الحلَّ لا يشملها. وفي كل الأماكن التي يتقدم فيها النظام والإيرانيون يتقدمون بحجة وجود «النصرة». والعائق الآخر «داعش» وحلفاؤه، والذين يفضّلون الآن مواجهة المعارضة المسلَّحة، وليس النظام السوري أو الميليشيات الإيرانية.

كيف ستمضي المعارضة أو المعارضات السياسية قُدُماً في التفاوض على الانتقال أو التواصُل أو المستقبل، ولديها كلُّ هذه المتاعب في داخلها وفي الداخل السوري وفي الإقليم والقوى الكبرى؟!

بكل المقاييس فإن الحل الذي يُبقي على بشار الأسد بحراسة إيران وروسيا لا يمكن أن يكون حلاً دائماً لأنه غير عادل وغير عربي وغير إنساني. فبعد مقتل نصف مليون إنسان، وجرح مليون ونصف، وتهجير اثني عشر مليوناً بالداخل والخارج، وتخريب نصف العمران السوري، لا يمكن لأي نظام شارك في ذلك كلِّه أن يكون جزءاً من الحل، فضلاً عن أن يكون نظاماً مستقبلياً للحكم الصالح.

وما دام الأمر كذلك، فما الذي يمكن أن يحصل، وليتخذ الحل سمة التسوية الدائمة؟ لا بد من تدخل عربي لتعديل الموازين العسكرية والأمنية والسياسية. فإذا كان المطروح الآن الملاذات الآمنة بشمال سوريا، فلتكن هناك قوة سلام عربية وإسلامية ودولية، ولتنتشر ليس للملاذ الآمن فقط، بل وللحلول محلّ المسلحين المعتدلين. وفي ظل وقفٍ ثابتٍ للنار ترعاه قوة سلام، يمكن أن تجري مفاوضات سياسية على المرحلة الانتقالية، ويكون نص «جنيف-1» هو الدليل المرشد. فأمام حكومة السلام التوافقي مهامّ تكاد تعجز عنها أقدر الحكومات، وأولها إعادة المهجرين من جهة، والإعمار من جهةٍ ثانية.

------------------------

*أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية- بيروت

========================

حل للمشكلة السورية أم لمشكلات روسية .. مأمون كيوان 

الوطن السعودية

الاحد 29/1/2017

ثمة تكهنات أو تقديرات متباينة حيناً ومتناقضة أحياناً تتعلق بالسياسة الروسية تجاه أزمات وقضايا الشرق الأوسط الساخنة، وفي مقدمها الأزمة السورية، لجهة مكوناتها الرئيسة وأهدافها الجيوستراتيجية والتكتيكية.

وتتطلب القراءة الموضوعية للسياسة الروسية الشرق أوسطية تظهير صورة نماذج من السجالات والأفكار التي تطرحها النخب السياسية والفكرية والإعلامية والعسكرية الروسية.

مؤخرا، وحسب صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس" اقترحت مجموعة من المحللين السياسيين والناشطين الاجتماعيين الروس على الرئيس بوتين عبر رسالة رسمية لخبراء معهد التحليل السياسي للبنية التحتية برئاسة يفغيني تونيك، وجهوها إلى بوتين. إنشاء اتحاد كونفدرالي بين روسيا وسورية. وبحسب وجهة نظرهم، لن يجد الإرهابيون وقوى الشر الشجاعة الكافية للانقضاض على دمشق وضواحيها.

وذكر تونيك الرئيس بأنه "في حال احتلال سورية من قبل الإرهابيين، الذين يتخفون تحت مظهر المعارضة المعتدلة، فإنه سينفتح أمام الولايات المتحدة وحلفائها طريق جيوسياسي مباشر نحو إيران، وبعد ذلك، نحو السيادة الروسية عبر بحر قزوين. وفي مثل هذا التطور للأحداث، فإن أعداء روسيا سيتمكنون من إحكام "طوق الاحتلال" حول دولتنا، حيث تحدنا من الشمال دول بحر البلطيق، ومن الغرب - أوكرانيا، ومن الشرق -اليابان، ومن الجنوب جورجيا ودول الشرق الأوسط".

وتضمنت الرسالة اقتراحاً يقضي بـ"النظر في إمكانية إنشاء كونفدرالية تضم روسيا وسورية. أي توحيد البلدين في إطار العمل العسكري والسياسة الخارجية في إطار عمل مركز تنسيقي واحد. وفي حال إقامة هذا الاتحاد، فإن أي اجتياح للأرض السورية يعدُّ كإعلان حرب ضد الاتحاد الروسي. ويفرض على الولايات المتحدة وحلفائها التخلي عن مواصلة سياسة مفاقمة الوضع في سورية".

كما ذكَر محللو المعهد أن هناك خطوة مشابهة أقدمت عليها الحكومة الروسية في عام 2008 "واحد من أشكال إنجاز هذا التحالف، يمكن أن يصبح عقد اتفاق حول التحالف والتعاون الإستراتيجي، شبيه بالاتفاق الذي عقدته روسيا مع جمهورية أبخازيا وجمهورية أوسيتيا الجنوبية، والذي يعتمد على التنسيق في مجال السياسة الخارجية، وتشكيل قوة دفاعية - أمنية بما يضمن حماية الحدود الحكومية، ومن المؤكد أن التصديق على مثل هذا الاتفاق يمنح الفرصة للحد من تزايد تفاقم الوضع، ويسهم في استتباب الأمن والاستقرار في عموم المنطقة".

وعن التعديلات اللافتة في وثيقة العهد الجديد للسياسة الخارجية الروسية التي أقرها الرئيس بوتين في 1 ديسمبر 2016، كتب في مجلة ناشونال إنتريست آريغ غالستيان، وسيرغي ميلكونيان، رئيس مركز الدراسات الدولية في موسكو. إن الوثيقة تعد بمثابة برنامج يضم وجهات نظر ومبادئ رئيسية تلبي متطلبات إستراتيجية موسكو في السياسة الخارجية. وأول ما يلفت القارئ في تلك الوثيقة هو التركيز على المكانة السياسة الجديدة لروسيا على الساحة الدولية. وفي مقابل وثائق رسمية سابقة، يظهر المفهوم الجديد الحاجة إلى تعزيز مكانة روسيا كلاعب مركزي ذي نفوذ في العالم المعاصر. ونتيجة له، يعتقد إستراتيجيون روس أنه في المستقبل لن تسوى أية قضية سياسية دولية دون مراعاة مصالح موسكو ومشاركتها المباشرة. ورغم ذلك، يرى عدد من الخبراء الروس أنه ما زال من المبكر التوصل إلى تلك النتيجة، وخاصة أن أغلب الأزمات الدولية التي انخرطت فيها روسيا، لم تحل بعد.

ولفت غالستيان وميلكونيان إلى تركيز الوثيقة الجديدة على خطر الإرهاب الدولي، حيث تشير روسيا، ولأول مرة، إلى أن مشاكل خاصة بعملية العولمة هي التي أدت إلى انتشار إيديولوجية التطرف ونشاط المنظمات الإرهابية. وإلى استعداد موسكو لمقاومة أية محاولة لاستخدام حقوق الإنسان كذريعة لممارسة ضغط سياسي وتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة بهدف خلع حكومات شرعية.

ورأى جايمس ماغ الباحث في مركز ذا إستراتيجيست التابع للمعهد الأسترالي للسياسات الإستراتيجية، أنّ الاقتصاد الروسي واجه سنة 2014 نكستين كبيرتين: عقوبات دولية بعد ضم روسيا لأوكرانيا، وانهياراً في أسعار النفط الدولية. وفي ذلك الوقت، شكل النفط الخام أكثر من ثلث الصادرات الروسية من حيث القيمة. وأنّ الإنفاق العسكري الروسي كان محمياً من الركود الاقتصادي الأخير. لكن كل ذلك قد يكون على وشك التغيّر الآن، بحسب الباحث. فالضغوطات الاقتصادية تتزايد ويمكن للكرملين أن يكون مجبراً على اللجوء إلى واحد من خيارين: الإبقاء على العمليات الخارجية أو المضي قدماً في التحديثات العسكرية.

وكانت موسكو قد رأت في عملياتها العسكرية داخل سورية "تسويقاً فعالاً" لمعدّاتها العسكرية. في مارس الماضي، قال بوتين إن مبيعات الأسلحة الروسية سنة 2015 تخطت 14 مليار دولار، فيما تخطت الطلبات الخارجية المحتملة 56 مليار دولار أميركي. ولفت ماغ النظر إلى أنّ قيمة الروبل بالنسبة إلى الدولار انهارت سنتي 2014 و2015 حين بدأت العقوبات وأسعار النفط المنخفضة ترخي بثقلها على الاقتصاد الروسي. مبيعات الأسلحة سنة 2014 -2015 بدت متشابهة بالدولار الأميركي، لكنّ القيمة بالروبل تضاعفت خلال الفترة نفسها.

واستبعد ماغ أن يكون بيع الأسلحة وحده قادراً على تحسين الاقتصاد الروسي على المدى البعيد، غير أنه يبقى "مصدراً لا غنى عنه" لعائدات روسيا. وكل عملية بيع تتمتع بتأثيرات جيو-سياسية. فزبائن المعدات العسكرية الروسية خلال آخر عشر سنوات كانوا: الهند 40 مليار دولار سنة 2015 كما يقول معهد ستوكهولم لأبحاث السلام العالمي، الصين 20 مليار دولار، الجزائر 12 مليارا، وفيتنام 7.5 مليارات. وفي نفس الوقت، بلغت المبيعات الروسية للأسلحة 2.5 مليار دولار لسورية، و1.5 مليار دولار لإيران. وشكلت مبيعات الطيران حوالي نصف الصادرات 45.5% والصواريخ 16.6% وأنظمة الدفاع الجوي 10.1%.

أما الفيلسوف والمؤرخ الروسي ألكسندر دوغين المعروف باسم "راسبوتين بوتين" أو "عقل بوتين"، والذي يتقن 10 لغات ويدرّس علم الاجتماع في جامعة موسكو الحكومية، ووضعته واشنطن على لائحة العقوبات بسبب دفاعه عن قتل الأوكرانيين. فأطلق دوغين نظرية في مواجهة "حكومة عالمية" تقودها نخب عولمة مخادعة. ويدعو فيها إلى قيام عالم يتألف من قوى إقليمية كبيرة، حيث تقود روسيا أمة "الاتحاد الأوراسي" فيما أنشأ التيار الأوراسي الدولي ليحقق هذه الفكرة. أمّا أوراسيا، فهي عملياً أراضي الاتحاد السوفياتي التي شكّلت وحدة تاريخية من شعوب وإثنيات كانوا جزءاً من الإمبراطورية الروسية.

ويعتقد دوغين أنّ الخصم الحالي لأوراسيا ليست الولايات المتحدة فحسب، لكن الأطلسية، المحور الذي تتعاون من خلاله الولايات المتحدة وأوروبا وكندا عبر المحيط الأطلسي. فهذه الأمم الليبيرالية والساحلية تعلي من شأن الفردية وقوى السوق.

ويؤكد الباحث الروسي ديمترى ترينين، مدير مركز كارنيغي في موسكو، في كتابه "هل يجب أن نخاف من روسيا"، أن الإمبراطورية الروسية ليست بصدد العودة، ولكنها أيضا لم تختف إلى الحد الذي يمكن تجاهلها في صراع القوى العالمية. هناك تحركات يمكن أن يقوم بها بوتين لضمان مكانه على طاولة المفاوضات، وعلى الجميع أن يراقب تلك التحركات عن كثب.

ولعل الهدف النهائي للدور الروسي في سورية هو الحصول على اعتراف من الولايات المتحدة كقوة ندية. فمستقبل روسيا مرهون بأدائها الاقتصادي وبتقديمها للسياسة الخارجية كمورد للتطور الداخلي.

========================

المشهد العربي وتحولاته بعد آستانة .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 28/1/2017

فاجأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، العرب والعالم، بالعرض الذي قدّمه لإمكانيات التعاون الإيراني - السعودي في سوريا واليمن، بعد النجاح في لبنان! وما حمل أكثر المراقبين تصريح الوزير الإيراني على محمل الجدّ. وكان في طليعة الذين أنكروا حصول التعاون رئيس القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع. وحجته في ذلك ليست قوية، لأنه يريد نسبة «التسوية» على رئاسة الجمهورية إلى نفسه من جهة، وإلى الرئيس الحريري من جهةٍ ثانية. ثم إنه قال بعدم علمه بوجود تواصل بشأن الأزمة اللبنانية.

لكنّ المراقبين العرب واللبنانيين رجّحوا عدم حصول التعاون لأسباب أخرى، أهمُّها أنّ «التسوية» لكي تكتسب هذا الاسم ينبغي أن تمثّل حلاً وسطًا، بمعنى أنّ الجنرال عون هو مرشَّح حزب الله منذ عام 2008، ولذلك كان ينبغي لكي يصحَّ زعْمُ التواصل والتعاون أن يأتي مرشحٌ ثالثٌ غير مرشّح حزب الله (عون)، وغير مرشح سعد الحريري قبل الأخير (سليمان فرنجية). وإذا كانت التسوية التي يقترحها ظريف على شاكلة ما زعم حصوله في لبنان، أي لصالح إيران، فعلى هذا القياس ينبغي أن يبقى بشار الأسد حبيب الخامنئي رئيسًا لسوريا إلى الأبد، وأن يأتي حبيب إيران الآخر باليمن عبد الملك الحوثي مثلاً، رئيسًا أو إمامًا لذلك البلد!

وعلى أي حال، وبغضّ النظر عن صحة التواصل بشأن لبنان، فإن المشهد يتركز الآن على سوريا واليمن والعراق. وقد كانت إيران تفضل ألا يجتمع أحد بأحد بشأن سوريا قبل الاستيلاء على بقية القلمون ووادي بردى وبعض نواحي الغوطة. وأن تحصل حملة على إدلب بدلاً من «داعش»، باعتبار أن «النصرة» متمركزة فيها إلى جانب الآخرين، وهي التنظيم الرئيسي هناك. لكن روسيا وعدت الأميركيين والسعوديين بهذا المسار بعد واقعة حلب الرهيبة. بيد أن المشهد غير مطمئنٍ على الإطلاق. ما حضر في آستانة طرفٌ عربي. وقد قيل صراحةً إنّ المؤهلين للحضور هم الذين لهم قواتٌ على الأرض، أي روسيا وإيران وتركيا! ولأنه ليس لتركيا اليد العليا، فإنه لا قاعَ لتنازُلاتها، لأن همها الرئيسي عدم تمركز الأكراد المسلمين على حدودها، وهو ما تضمنُهُ لها روسيا ولا تحبه إيران.

وهناك أمور أخرى غير واضحة حتى الآن، أولها تثبيت وقف إطلاق النار. والنظام السوري والإيراني لن يلتزما بالطبع، ويستطيعان القول دائمًا إنهما يقاتلان الإرهابيين. فبشار الجعفري ممثل النظام في آستانة سمَّى مفاوضيه من المعارضة المسلحة جميعًا إرهابيين! وثانية المشكلات الأطراف التي ستُدعى لجنيف، والسيناريو الإيراني التلاعُب بين تركيا والسعودية. والطموح الآن أن يتواصل المصريون والسعوديون بحقّ بشأن سوريا، بعد إعلان مصر عن استمرار مشاركتها في اليمن. وينبغي أن يكون للعرب دورٌ في تحرير الرقة من «داعش»، حتى لا يتهجر العرب السنَّة من هذه المدينة أيضًا. وما استطاعت قوات «درع الفرات» التقدم في معركة الباب، ويقال إن روسيا تريد مشاركة النظام السوري، لأن تعاوُنًا يمكن أن ينشأ بين تركيا والنظام ضد مسلَّحي الأكراد. بينما ينبغي النظر إلى المسألة من وجهٍ آخر، هو حصول منطقة مستقرة بيد المعارضة في شمال سوريا، بما في ذلك ما بين الباب ومنبج والرقة، لكي يمكن وجود توازُن يسمح بالتفاوض. فالمعارضة المسلحة والسياسية هي اليوم الطرف الأضعف، وستزداد ضعفًا في جنوب سوريا بعد متغيرات السياسة الأردنية الأخيرة. هناك حاجةٌ لعدم الاختلاف مع الأتراك، وحاجةٌ أخرى للتنسيق السعودي - المصري - الأردني.

ويبقى المتغير أو المجهول الأميركي مع الإدارة الجديدة. ولستُ أرى مجالاً كبيرًا للتغيير ما دامت روسيا تتحمل العبء الأكبر، وما دام ترمب يريد تحسين العلاقات مع روسيا. ولأنّ «داعش» سيقاوم في الرقة ودير الزور بشدة، وكذلك في غرب دجلة بالموصل، فإنّ الحرب ستكون طويلةً في العراق كما في سوريا. وإذا كان «داعش» هو المشكلة في الواجهة فإنّ «النصرة» هي مشكلةٌ أيضًا في سوريا، في نظر أميركا وروسيا وإيران على الأقلّ. أما الحقيقة فهي أنّ المشكلة الأكبر حقًا تبقى في غياب المشروع العربي أو البديل العربي في سوريا والعراق. فالسنة العرب ضعفاء جدًا بالعراق، وما عادت عندهم قيادات معتبرة. والعرب السوريون المسلحون شرذم المتطرفون صفوفهم، أما غير المسلحين فقد صاروا جميعًا في الخارج، أما المشهد الداخلي في المناطق المحررة، فإن المسلحين من شتى الأشكال هم الذين يتقاسمونه. فالتدخل العربي ضروري في سوريا والعراق، لإنهاء الحروب من جهة، ولحفظ الهوية والانتماء من جهة أخرى، ولإعادة الإعمار والاستقرار من جهةٍ ثالثة.

والوضع اليمني مختلفٌ كثيرًا. ففي العراق وسوريا ما عاد يمكن إقصاء إيران، أما في اليمن فلا يزال ذلك ممكنًا، بل هو ضروري. فقوات الشرعية تتقدم على السواحل الاستراتيجية، وينبغي أن تزيل الانقلابيين من المحافظات الوسطى. وإذا تحررت السواحل لجهة باب المندب ولجهة ميدي والطوال، فإنّ وصول السلاح إلى الانقلابيين سيكون صعبًا جدًا، وعندها قد يعود الانقلابيون إلى حجمهم الطبيعي فيمكن التفاوض معهم. وهذا يقتضي بعد ضبط السواحل والمحافظات الوسطى الاستمرار في التضييق على صنعاء وصعدة. وإلى الصبر والدعم والموارد وقوات التحالف، فإنه ينبغي أن يزول هذا الكلام عن الحساسيات بين الشمال والجنوب، ليس من أجل استمرار الوحدة، بل من أجل نجاة الشمال والجنوب، ولارتباط مصيرهما بحرًا وبرًا. إنّ التسوية بين اليمنيين تظل ممكنةً رغم ظهور جيل متأيرن. ولا حاجة لتوسيط الإيرانيين أو إدخالهم إلى بطن اليمن والجزيرة.

آستانة علامة فارقة بعدما حدث في العراق بعد عام 2003. فقد انتهت الغربة عن العالم العربي إلى حدود التفاوُض بين الأميركيين والإيرانيين على انسحاب القوات، دونما إشراكٍ حتى للأمم المتحدة. وقد تراجعت أمورنا في سوريا بين عام 2012 واليوم. ففي العام 2012 وعلى مشارف «جنيف - 1» ما كان مسموحًا بحضور إيران للاجتماعات، وكان الأميركيون والروس يتفاوضون بحضور العرب ثم تركيا. واليوم في آستانة لا يحضر عربي بينما يحضر الإيرانيون. وإذ آل الأمر إلى ذلك، فينبغي أن يكون الحرص العربي شديدًا للعودة إلى العراق، والثبات في سوريا، ولو من طريق إقناع الأتراك والروس والأميركيين، بضرورة العرب للخلاص من «داعش».

يقول الروس إنّ وظيفة لقاء آستانة تثبيت وقف إطلاق النار، وبعدها يكون الذهاب إلى جنيف من جديد. وسيحضر هناك بالطبع العرب والإيرانيون. لكنّ حضور جنيف ما عاد ضمانة. بل لا بد من التدخل العربي في سوريا بأي شكل، بحيث ينفرض الوجود على الأرض، ويلتف من حوله السوريون، لكي يصبح التغيير ممكنًا بقياداتٍ معروفة

========================

دخول أميركي مفاجئ .. حسام كنفاني

العربي الجديد

السبت 28/1/2017

لا يبدو أن مسار التحالف الجديد في سورية، أي الثلاثي الروسي التركي الإيراني، سيهنأ كثيراً في رسم مستقبل البلاد، في ظل وجود بشار الأسد أو غيابه، بعدما ظهر دخول أميركي مفاجئ على الخط، قد يعيد خلط الأوراق التي عمدت موسكو إلى ترتيبها طوال السنوات الثلاث الماضية، في ظل الانكفاء الأميركي في عهد باراك أوباما عن القيام بأي دور على الساحة السورية، ما فتح المجال أمام الروس للتفرّد بالملف، وسحب أطراف إليها، كانوا في الأساس أقرب إلى المحور الأميركي.  لم يجد التفرد الروسي في وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة تهديداً، في ظل التقارب بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومع تركيز الرئيس الأميركي الجديد على الملفات الداخلية، حتى بدا أن الولايات المتحدة مقدمةٌ على انكفاء إضافي على الساحات الدولية. وعليه، بدأت موسكو ترتيب "أوراق الحل" في سورية، بما يفيد حلفاءها وتوجهاتها، وأعدت لمؤتمر أستانة، ووزعت مسوّدة دستور سوري جديد، وحضّرت لمؤتمر سياسي جديد في جنيف، لترتيب إخراج دولي لـ "الحل السوري". إلا أن تطورات الأيام القليلة الماضية تؤشّر إلى أن هناك حاجة لإعادة النظر بكل هذه الترتيبات، بعدما أعلن دونالد ترامب نيته إقامة مناطق آمنة في سورية للاجئين الفارين من العنف. وهذا الكلام بمثابة "قلب للطاولة" التي اجتهد الروس كثيراً في إعدادها، متجاهلين أي دور أميركي محتمل، باستثناء دور المراقب المحايد، وهو ما مثله وجود السفير الأميركي في كازاخستان في مؤتمر أستانة.

ليست خطة ترامب عملياً جديدة، فهي كانت مدرجة ضمن توصيات المؤسسات الأميركية للرئيس السابق باراك أوباما، غير أن الأخير كان معارضاً بشدة لتنفيذها، وهو أمر يبدو مختلفاً مع الرئيس الجديد الذي يبدو ماضياً لإصدار قرارٍ في هذا المجال خلال تسعين يوماً، بحسب ما أعلن في مقابلته مع "إيه.بي.سي نيوز".

لا يأتي مخطط ترامب من منطلق حرص على السوريين، بقدر ما هو إبعاد اللاجئين عن الولايات المتحدة، وهو ما أقرّ به بعدما رأى أن أوروبا ارتكبت خطأ جسيما باستقبال ملايين اللاجئين من سورية، ومناطق اضطراب أخرى في الشرق الأوسط. وأضاف "لا أود أن يحدث ذلك هنا". لكن، بغض النظر عن خلفية القرار وتوجهاتها، إلا أنه يصب في خانة إعادة خلط الأوراق على الساحة السورية، وتشكيل تحالفاتٍ دولية جديدة في هذا السياق، ولا سيما بالنسبة لتركيا التي تلقفت الإعلان بترحيب كبير، وأتبعته بموقف مناقض لما كانت تعلن عنه في الأشهر الماضية، إذ شدّدت على ضرورة عدم وجود دور للأسد في مستقبل سورية.

الأمر نفسه بالنسبة إلى بريطانيا، والتي يبدو أن مواقفها السياسية الخارجية انتعشت مع التوجه الأميركي الجديد، وهو ما دفع وزير خارجيتها، بوريس جونسون، إلى إطلاق مجموعة من المواقف الخاصة بسورية واليمن وليبيا، ما يدفع إلى السؤال عن إمكان عودة الحلف الأميركي البريطاني الذي كان قائماً خلال عهدي جورج بوش الابن وتوني بلير.

خلط الأوراق هذا بالتأكيد لن يعجب موسكو، والتي يبدو أنها ستنتظر التوجهات الأميركية لإعادة تقييم سياستها، ولا سيما في سورية، بعدما لم تخف دهشتها من عودة فكرة "المناطق الآمنة" إلى التداول وفق الاستراتيجية الأميركية، وهو ما دفع الكرملين إلى التحذير من خطورة الصدام المحتمل، خصوصاً في حال تم الذهاب إلى فرض منطقة حظر جوي.

سيكون الانتظار سيد الموقف في الأيام والأشهر المقبلة، لتبيان المدى الذي سيمضي إليه ترامب في دخوله المفاجئ على الملفات الدولية عموماً، والملف السوري تحديداً، وقياس مدى جدية واشنطن الجديدة في تفعيل أدوارها الدولية، في إطار سياسة الحفاظ على المصالح المحلية التي ينتهجها ترامب.

========================

ماذا لو وقع انقلاب في سورية؟ .. ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 28/1/2017

ثمّة سيناريو في سورية أعتقد أن التطورات ذاهبة إليه، أرجو أن لا يكون في ما سأقوله حوله كلمة واحدة صحيحة. وإذا كنت أحذر منه، فلاعتقادي أن واجبي الوطني يلزمني بلفت الأنظار إليه، على الرغم من أن علاماته ليست واضحة بعد، وقد تكون نتاج أوهام وأخيلةٍ يمليها عليّ الخوف من مصير تقرّره موازين قوى، لن يحقق الشعب السوري في ظلها بعض ما كان يصبو إليه. هذا السيناريو، يضمر تحولاً انقلابياً عن ما سميناها الثورة، يرجح أن يكون تنفيذه موضوع الفترة المقبلة، بالقوى العسكرية التي تملكها الفصائل وتلك التابعة للنظام، وإليكم الأدلة التي أظنها تؤكد ذلك:

1ـ كان الروس يستطيعون سحق فصائل حلب، لكنهم لم يفعلوا. وكان من المتوقع، والمخطط له إيرانياً وأسدياً، أن تلي هزيمة الفصائل معركة نهائية ضدها في إدلب، تقصم ظهرها وتطوي صفحة الثورة، ولا تبقي منها غير بؤر متفرقة تسهل تصفيتها، سيعجل انهيارها في انهيار غوطة دمشق، لكن هذه المعركة الفاصلة لم تقع، لأن الروس اتفقوا مع الأتراك على منعها.

2ـ إذا كان الروس قد وضعوا خطاً أحمر منع إيران والنظام من تجاوزه حيال عسكر المعارضة، فلأن موسكو بلغت، بما صنعته في حلب، الوضع الذي يجعلها قادرةً على تحقيق ما تريده في سورية، وتحجيم أي طرف يعارضها أو يتصدى لها وإضعافه، وخصوصاً النظام وإيران. بوضعها هذا، لم تعد لروسيا مصلحة في مساعدة الملالي والأسد على تحقيق انتصار نهائي على عسكر الفصائل، بدعم من طيرانها، بما أنها غدت صاحبة قرارٍ بالنسبة لأوساط عسكرية فاعلة ومؤثرة في النظام. وقد تعاونت تركيا مع الروس في ما يتصل بقرار الفصائل التي تحولت بذلك إلى جهة لديها شرعية سياسية، تؤهلها للتفاوض على مصير الثورة، بعد أن كانت للتفاوض مؤسّسة محدّدة هي "الهيئة العليا" بأطيافها المعارضة المتنوعة التي يغلب عليها الطابع السياسي. بهذا التطور، حمت روسيا، بشروط، من كانت تستطيع تعريضهم للهزيمة، وتولت تركيا تقرير مواقفهم بمشاركتهم، وإلا فبالنيابة عنهم، لتكتمل بذلك الشروط الضرورية لنجاح اجتماع أستانة، ولقلب أوضاع الجميع وسياساتهم وأدوارهم رأساً على عقب، بما في ذلك سياسات وأدوار الفاعلين والمتصارعين الرئيسيين في سورية وعليها، روسيا وتركيا وإيران والنظام.

3ـ إذا كان قد تم إعداد المسرح بضمانة روسيةٍ تحمي عسكر الفصائل من حل عسكري، 

"كان من المتوقع، والمخطط له إيرانياً وأسدياً، أن تلي هزيمة الفصائل معركة نهائية ضدها في إدلب" وضمانة تركية تكفل قبولهم ما صارت له الأولوية في أي حل قادم، مصالح اللاعبين الدوليين والإقليميين، ما الذي ينقص لإنجاز "السلام" غير قبول عسكر النظام ما سيقبل به العسكر الفصائلي؟ وماذا سيحدث إن كان هناك مثل هذا القبول، الافتراضي تماماً على الطرف الآخر؟ أعتقد أنه سيكون هناك حل له ضحيتان، بشار الأسد الذي يتمسك به نظامه، وتطالب المعارضة برحيله، والنظام الديمقراطي الذي تطالب المعارضة به، ويرفضه نظامه.

4ـ والآن، إذا دخل عسكر الفصائل وعسكر الجيش إلى مشروع تحمله مؤسسة عسكرية/ أمنية متداخلة، ورحل بشار ترضية للشعب، وسقط الخيار الديمقراطي ترضية للنظام، ما الذي سيبقى من أخطار سورية، تخشاها وترفضها إسرائيل وبلدان عربية شقيقة؟ وعن أية ثورة سيمكن الحديث بعدئذ؟ ألا نكون قد دخلنا نحن أيضاً إلى حلقة النظم الانقلابية التي ترتبت على فشل، أو أفشلت الثورة في مصر واليمن وليبيا؟ ألا يكون الوضع الجديد خير وضعٍ يلبي مصالح روسيا، ويكفل حضورها الدائم في بلادنا، بقبول الطرفين المسلحين، الأسدي والفصائلي؟ وماذا يبقى من صعوباتٍ لإنجاز نمط من الحكم تديره روسيا، لإيران فيه حصة، وإن كانت أصغر بكثير من حصتها الحالية، ولتركيا أيضاً، مع أنها ستكون أكبر من حصتها الراهنة، ولأمراء الحرب من الجهتين السوريتين المتحاربتين حق القرار في معظم ما يتعلق بالشأن السوري، بينما سيتمكن الروس من لي ذراع وعنق كل من يرفض الوضع الجديد أو يقاومه، وسيحافظون على الحد المطلوب دولياً وإقليمياً وعربياً وداخلياً من الاستبداد الذي سمح العالم للأسدي منه بقتل وجرح وذبح حوالي ثلاثة ملايين سوري، لأنهم تمردوا عليه، وطالبوا بتغييره.

5ـ لم يسمح الروس بسقوط مهزومي حلب، لكي لا يسقط مشروعهم المتمذهب، المعادي لحرية الشعب السوري ووحدته، أي لمشروع الثورة الأصلي، والذي تبنى مواقف من الثورة تكمل

"ما الذي ينقص لإنجاز "السلام" غير قبول عسكر النظام ما سيقبل به العسكر الفصائلي؟" سياسات الأسد ومواقفه، ولم يحمل السلاح ليبلغ الشعب حريته، بل حمله لكي لا ينالها، فما ومن الذي سيمنع قيام النظام الجديد على هذه الأرضية المشتركة، وسينجح في التقاط الثورة من الهوة التي سقطت فيها، واستئنافها بقوة تيار أو تجمع سوري ينطلق من رهاناتها الأولى، بينما كان سقوط مهزومي الفصائل سيعني فتح الباب لاستعادة الحراك في نسخته الأولى التي رفضها منذ بدء التمرد المجتمعي والسياسي من سيقبلون النظام الانقلابي الجديد؟

6ـ إذا كان عسكر مصر واليمن وليبيا هم الذين احتووا الثورة، أو كلفوا باحتوائها، ما الذي يمنع عسكر النظام والفصائل من القيام بهذه المهمة؟

7ـ قلت إنني أرجو أن لا تكون هناك كلمة واحدة صحيحة في هذا الذي أقوله. ولكن، إذا كانت الأمور ستذهب حقاً في هذا المنحى، فإنه لن يبقى لنا غير المبادرة بكل جديةٍ لبناء أوضاع ذاتية تعطينا حصتنا المستحقة من وطننا، بعد كل ما قدمه شعبنا من تضحيات. بغير ذلك، لا يبقى لنا إلا أن نصرخ بصوت اليائسين: يا الله، ما لنا غيرك يا الله.

========================

هوامش حول مقترح الدستور .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 28/1/2017

بدا قيام الروس بتسليم مقترح دستور لسوريا إلى رئيس وفد المعارضة المسلحة في آستانة، وكأنه خطوة خارج السياق، والبعض رآها خطوة نافرة ومستهجَنة، وقلة اعتبروها خطوة مقبولة، فيما رحب البعض بها. وعندما تم الكشف عن مضمون المسودة ومحتوياتها، دخل البعض دائرة نقاش تلك المحتويات، فانقسموا إلى أغلبية من الناقدين وأقلية من المرحِّبين، وإن كان ترحيب بعضهم لا يخلو من اعتراضات على محتويات محددة في مشروع الدستور الروسي لسوريا. وفي كل الأحوال، فإن كل من قال رأيًا في الفكرة وفي محتوياتها، إنما استند إلى مبررات، تفسر موقفه وتدعم وجهة نظره، وكله رد فعل طبيعي في ظل الوضع الذي يعيشه السوريون، وفي ظل المسار الذي تمضي به قضيتهم على أبواب عامها السابع، وهي تزداد تعقيدًا.

وفكرة طرح مشروع دستور لسوريا في هذه المرحلة، فكرة تبدو ضرورية، وضرورتها مستمدة من موافقة السوريين، بل ورغبتهم في حل سياسي للقضية السورية، خصوصًا بعد موافقة المعارضة المسلحة على الانخراط في الحل، ومشاركتها في توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في محادثات أنقرة، أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفي ذهابها إلى آستانة أخيرًا لمفاوضات مع نظام الأسد برعاية روسيا وتركيا.

ويحتاج فتح هذا الباب من جهود الحل، إلى وضع إطار دستوري، يحدد طبيعة النظام المقبل، ويحدد العلاقات المنتظرة في علاقات الدولة والمجتمع، وموقع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في ضوء المسار الذي يمضي إليه الحل السوري، خصوصًا في ظل التغييب المتزايد في الحديث عن بيان «جنيف 1» وملحقاته الخاصة بالحل السياسي، التي تتضمن مرحلة انتقالية، سيتم في إحدى مراحلها وضع دستور جديد لسوريا المستقبل، وكله يجعل من فكرة طرح مشروع الدستور واردة، بل وتلبي حاجة مطلوبًا القيام به، وإن كان في وقت لاحق.

ولئن ظهرت اعتراضات على قيام الروس بتقديم مشروع الدستور الذي كان يُفترض أن يقدمه السوريون، فإنها تبدو اعتراضات شكلية؛ ذلك أن الأهمية ليست بمن يكتب، وإنما بما كتب وبمن يتبنى ويقرر وينفذ، والأمور الأخيرة سيقوم بها السوريون وحدهم على نحو ما هو مفروض، بل إن الروس أنفسهم أعلنوا، بعد مبادرتهم، أن الصيغة موضوعة بين أيدي السوريين للتصرف بها، وبالتأكيد فإن للسوريين جهدًا كبيرًا تم بذله منذ بداية ربيع دمشق عام 2001 وقد طالبوا فيها بتعديل دستور نظام الاستبداد في إطار تحركاتهم، وذهبوا إلى اقتراح تعديلات فيه، وبعضهم وضع صيغًا لدستور جديد، ترسم ملامح نظام ديمقراطي مستقبلي، واستمر اهتمام المعارضة وفعاليات حقوقية وقانونية بالموضوع طوال أكثر من عقد ونصف العقد بينها سنوات الثورة.

وقد فتحت المبادرة الروسية، باب النقاش السوري في محتوى الدستور، وهي نقطة ضرورية أيضًا، لم يعد بالإمكان تجاوزها، ليس لأنها قضية خلاف بين نظام الأسد والمعارضة، إنما هي أيضًا نقطة خلاف وتباين في الرؤى بين جماعات المعارضة في تلويناتها الآيديولوجية والسياسية، ومختلف عليها مع المعارضة العسكرية وداخلها، وقد صارت أكثر حضورًا في الواقع السياسي السوري في المرحلة الراهنة.

لقد أطلقت ثورة السوريين في عام 2011 شعاراتها في الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وأكدت مطلب التغيير الوطني الديمقراطي، وفيها جميعًا، تم تحديد أفق الدولة التي يرغب السوريون فيها، دولة تكون خارج ما كرسه نظام البعث خصوصًا في عهدي الأب والابن اللذين أعطاهما دستور عام 1973، صلاحيات شبه مطلقة، جعلت كل واحد منهما ديكتاتورًا مستبدًا، متحكمًا بكل شؤون سوريا والسوريين، بل إن التعديل الدستوري الذي تم في عام 2012، لم يبدل شيئًا في طبيعة النظام القائم، وكلها تفرض تغييرًا جوهريًا وعميقًا في رسم ملامح دستور سوريا المقبل، والأساس فيه أن يقوم على مبادئ الحرية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة، لا باعتبارها شعارات ثورة السوريين ومطالبهم فحسب، بل لأنها أساس الدولة الحديثة في وقت تسعى فيه جماعات التطرف والإرهاب، مثل «داعش» و«النصرة» وغيرهما، إلى إطلاق مشاريعها في «دولة الخلافة» أو ما يماثلها من مشاريع قومية أو دينية من شأنها تجديد الصراع في سوريا بنقله من صراع شعب مع نظام مستبد انتهت صلاحيته، إلى صراعات آيديولوجية قومية ودينية وطائفية، بخلاف شعارات ومطالب ثورة السوريين، التي ينبغي السير على هديها، ما دامت ادعت قوى المعارضة والشخصيات السياسية والمسلحة انتماءها للثورة والانضواء تحت علمها، وأن يكون دستور سوريا المقبل معبرًا بشكل عميق عنها دون أدنى مواربة.

خلاصة القول فيما أثارته المبادرة الروسية في مشروع الدستور السوري، إنها ضرورية في موضوعها، وضرورية في توقيتها تناسبًا مع مساعي الحل السياسي سواء من جانب مجموعة «إعلان موسكو» التي تضم روسيا وتركيا وإيران، أو في الجهود الدولية الأوسع عبر مؤتمر جنيف، الذي يوشك أن يعقد اجتماعاته مجددًا في فبراير (شباط) المقبل. كما أنه من الضروري أن يناقش السوريون فكرة الدستور، وأن يتفقوا على محتوياته ليرسموا أفق الدولة التي يتوجهون إلى بنائها بدلاً من نظام الديكتاتورية والاستبداد والقتل، الذين يرغبون في تجاوزه.

إن السوريين، والعالم كله، يعرفون سياسة روسيا في سوريا، ودورها إلى جانب إيران وميليشياتها في الحفاظ على نظام الأسد، وما قاموا به من أعمال إجرامية ضد الشعب السوري وقواه المدنية والسياسية والمسلحة، وهم يعرفون، في الوقت نفسه، أن خطوة ما أو مبادرة يمكن أن تفيد قضيتهم وسيرها باتجاه حل سياسي وسلمي، ينبغي ألا تُهمَل حتى لو جاءت من موسكو، أو من أي طرف كان، خصوصًا أن السوريين المعنيون أولاً وأخيرًا، وليس أي طرف آخر، بكل تفاصيل المبادرة في نقاش محتواها وإقرارها وتنفيذها.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com