العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 05-01-2020


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

كيف ندافع عن إدلب؟

رضوان زيادة

سوريا تي في

الاربعاء 1/1/2020

ريمي حسون مواطن سوري يبلغ من العمر 25 عاماً حصل على حق اللجوء إلى الولايات المتحدة عام 2015 قبل وصول الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض ووقف استقبال اللاجئين السوريين. وعندما بدأ القصف الروسي بالتعاون مع نظام الأسد على إدلب فكر ريمي في طرق مختلفة للاحتجاج ضد هذا القصف الهمجي والوحشي والذي ارتكب جرائم حرب بشكل يومي في قتل الأطفال في معرة النعمان وغيرها من مدن الريف الإدلبي.

ولم تعجز ريمي الحيلة وإنما وجدها في الاحتجاج عبر الإضراب عن الطعام أمام منزل السفير الروسي في واشنطن، حيث تحميه القوانين وتسمح له الشرطة بالتعبير عن رأيه عبر الامتناع عن الطعام بسبب ما يتعرض له المدنيون في إدلب ومخيماتها حيث لا أساسيات للحياة هناك لا وجود للكهرباء أو ماء الشرب، فضلاً عن نقص الطعام في مخيمات للاجئين لا تحترم الحد الأدنى من حق الإنسانية.

طريقة احتجاج ريمي وصلت إلى المجتمع الأميركي عبر وسائل الإعلام ومنها الواشنطن بوست التي كتبت مقالاً عن ريمي وإدلب التي أوصل من خلالها الرسالة إلى الإدارة الأميركية بأن عليها أن تقوم بشيء ما لأجل حماية المدنيين في إدلب.

 

الطريقة المؤثرة التي قام بها ريمي تذكرنا بمسؤولية كل واحد منا في الخارج بأن عليه أن يقوم بشيء ما كل يوم للدفاع عن إدلب بطرق مختلفة. لسوريا اليوم أبناء في كل مختلف بقاع العالم بسبب سياسة نظام البراميل في التشريد والتهجير، وكل واحد منهم يحمل اليوم رسالة في الدفاع عن إدلب، عليه أن يفكر بطرق جديدة ومبتكرة وفق قوانين البلد الذي هو فيه، ما الذي يمكنني عمله للدفاع عن أهلي السوريين في إدلب من نظام الهمجية في الأسد؟، كيف أفضح المشاركة الروسية في ارتكاب جرائم الحرب اليومية ضد السوريين؟ إنها مسؤولية وأمانة بنفس الوقت على كل واحد منا أن يحملها وأن يقوم كل ما بوسعه من أجل الدفاع عن إدلب وما تبقى من الأراضي المحررة، فالمشاركة في الحياة السياسية العامة يجب أن تزداد وأن لا تنقص مع اللجوء فهناك مساحات أوسع للتعبير وهناك ظروف أفضل للنشاط السياسي العام، على السوريين في كل بقاع الأرض أن يقوموا ما بوسعهم للاحتجاج والتظاهر أو التعبير بكل الوسائل الممكنة من أجل تحريك الرأي العام الدولي من أجل قضيتهم والدفاع عن أهلهم.

فإدلب اليوم هي وجه سوريا كلها، فبداخلها كل السوريين من كل مدنهم وقراهم ففيها النازحون من درعا وريف دمشق وحمص وحلب وغيرها من المدن التي تعرضت للتهجير على يد الآلة الهمجية التي يملكها الأسد وحلفاؤه

إن مجموع هذه النشاطات الفردية ستخلق بالتأكيد رأياً عاماً يمكن له أن يؤثر بشكل ما والأهم يمكن البناء عليه في المستقبل، لابد للسوريين في الخارج من التنظيم والمتابعة والاشتغال بالرأي العام الأوروبي والأمريكي حتى يستطيعوا التأثير وحتى يتمكنوا من حماية الثورة السورية التي لابد لها من الوصول إلى خط النهائة في إزالة نظام البراميل والتعذيب والإهانة للسوريين، بكل تأكيد لكل منا حياته الخاصة وظروفه الصعبة، والاحتياجات اليومية التي لا تنتهي لكنها يجب أن لا توقفنا عن التفكير في إدلب ومساءلة أنفسنا كيف لنا أن نحميها في وجه هذه الهمجية التي تستهدفها، فإدلب اليوم هي وجه سوريا كلها، فبداخلها كل السوريين من كل مدنهم وقراهم ففيها النازحون من درعا وريف دمشق وحمص وحلب وغيرها من المدن التي تعرضت للتهجير على يد الآلة الهمجية التي يملكها الأسد وحلفاؤه من الروس والإيرانيين ولذلك فبدفاعنا عن إدلب اليوم إنما ندافع كل سوريا وكل السوريين الذين ما زالوا يؤمنون بسوريا حرة كريمة وما زالوا يأملون بأن ثورتهم من أجل التخلص من نظام الدكتاتورية ستستمر حتى النهاية.

إدلب اليوم مسؤوليتنا جميعاً ولا إنقاذ لها إلا بمبادراتنا الفردية تماما كما فعل ريمي التي يمكن لها اليوم أن تنقذ وطنا بأكمله.

===========================

موقفنا: اغتيال سليماني : أزمة الموقف ، وخيارات الرد الإيراني

زهير سالم

مركز الشرق العربي

5/ 1/ 2020

يواجه العقل السياسي للنظام الإيراني تحديا خطيرا وأزمة خانقة على صعيد استحقاقات الموقف السياسي في الداخل والخارج . ويتأرجح هذا العقل بين معطيين كلاهما خطير على مستقبل النظام والدولة في إيران المعطى الأول هو : الاسترسال مع خطاب " العنجهية " والتحدي الذي دأبت عليه الثورة الإيرانية منذ انطلاقها ، والذي ما يزال رغم تعفنه ، خبزا صالحا يقتات عليه أنصار الولي في الداخل والخارج ..

والخيار الثاني التصرف بمقتضى الظرف ، وعلى قدر الفراش ، وفي إطار من الحسابات الواقعية والعملية ، مع اتكاء أكبر على دين التقية ، الذي ما زال معينا لنظام الملالي على مدى عقود .

يقدر ملالي قم أنهم إذا استرسلوا في خطاب التصعيد وعملوا بمقتضياته فإنهم سيدخلون في حرب شاملة ومباشرة مع قوة لا قبل لهم بها ، رغم الادعاء . وسيقعون مباشرة في الفخ الذي نصبوه لغيرهم .

ومن هنا فما أسرع ما اختفت مثل تلك النداءات التي أطلقها المتحدثون الكثر باسم الولي الفقيه بعد الساعات الأولى للحدث .. ومنها ما نادى به حسن نصر الله : على قوى المقاومة أن تضرب في كل العالم . وقد تردد مثل هذا النداء على أكثر من لسان وفي أكثر من عاصمة وليس فقط في بغداد وطهران.

ثم تم اختصار هذا التصريح المدوي إلى مثل هذه الصورة كما جاءت على لسان قآني خليفة قاسم سليماني : إن أشلاء الأمريكيين سوف تملأ الأرجاء في الشرق الأوسط . وهذا التصريح على حماقته وشدته يخالف التصريح الأول في نقطتين : الأول في تحديد المستهدفين والثاني في تحديد ساحة المعركة . ومع ذلك يبقى هذا التصريح أحمر قانيا خاليا من الكياسة والدبلوماسية ، ولذا سرعان ما طوي ولم تتوقف عنده حاملات الأخبار.

خلال الساعات الماضية التي تفصلنا عن عملية الاغتيال بدأت حدة التصريحات تخف وتتراخى وتلتقط أنفاسها ، وتختلط تصريحات الثوريين منها بتصريحات الدبلوماسيين . الذين ظلوا يؤكدون أن الرد لن يكون آنيا ولا سريعا وأنه سيتصف بالحكمة وأنه لن يترك الثأر ولكن .. ويكون وراء ولكن كلام كثير ..

وفي هذا تكمن في الحقيقة أزمة الموقف الإيراني الرسمي . أزمة المصداقية التي أعطبت مفعول الخطاب الإيراني وفضحت تخاذله وتواطؤه وطائفيته منذ عقود .

وأمام خياري الانبطاح أو الانفضاح ، يعيش القادة الإيرانيون أزمتهم الحقيقية . هل يسترسلون مع خطاب العنجهية الكاذبة فيذهبون إلى مصارعهم ويكون انفضاحهم ، أو ينكفئون إلى الشعارات كما تعودوا أن يتهددوا بوعود الموت وينثروها نحو اليمين والشمال ، ثم يلوذون بالتسويف كما جرت العادة بعد بلعهم لكل سكين .

وإزاء الأزمة التي تعيشها إيران اليوم بين الذهاب في معركة التحدي إلى نهايتها بالوفاء بوعود الثأر والانتقام وبين العودة إلى خيارات التقية يبدو أن خيار " التبريد " هو الخيار الذي يلجأ إليه الساسة الإيرانيون منذ الأمس . ويقوم هذا الخيار على أكثر من معطى :

الأول هو توزع الأدوار ..

بحيث يحافظ رجال الدبلوماسة "الرئاسة والخارجية "بشيء من وقارهم الدبلوماسي ؛ بينما يتولى القادة الآخرون ولاسيما من الساحات العراقية واللبنانية واليمنية عملية التصعيد . حيث لا رباط على البلاط.

الثاني - لتأكيد على خيار الثأر والانتقام بلغة أكثر انضباطا وأكثر توازنا وذلك بالحديث عن الخيارات الأخرى على التوازي ، وتحميل الأمريكي مسئولية ما جرى أو ما سيجري . والتلفع بالقانون الدولي وحقوق الإنسان .

والثالث – التمسك بمكانة إيران ومكاسبها واستعدادها للدفاع عن مصالحها . وذلك كمحاولة لإثبات الذات ومحاولة التعويض عن الخسارة.

ثم يتساءل المراقبون والمتابعون : ما هي خيارات إيران الاستراتيجية العملية إذا ما قررت الذهاب إلى أي نوع من المواجهة ولو المحدودة؟ تملك إيران عمليا ثلاثة أسلحة استراتيجية يمكن أن ترد من خلالها على الضربة الأمريكية ولكن لكل سلاح من هذه الأسلحة مقيداته ومعوقاته: السلاح الأول : هو منظومة الصواريخ الباليستية التي تملكها طهران . وهي منظومة أكثر تطورا وأبعد مدى ولكن الإيرانيين يعلمون أن استخدام هذه الصواريخ ضد الأهداف الأمريكية المباشرة حول العالم قد ينعكس عليهم بما لا يحبون . فهل ستستخدم إيران هذه الصواريخ ضد بعض المصالح الأمريكية ، وضد بعض من تعتبرهم حلفاء الولايات المتحدة ..ربما هذا الاحتمال الأقرب والأقل كلفة كما يقولون ، ناقلة نفط تحمل نفطا للأمريكيين مثلا !!..

ثم السلاح الاستراتيجي الثاني الذي تمتلكه إيران ..

هو التحكم في المضائق ومعابر النفط ومنها مضيق هرمز حيث يمر خُمس نفط العالم . ومضيق باب المندب حيث تصل ذراع الحوثي الذي يعمل بأمر طهران ..

وتعلم القيادة الإيرانية أن كل ما يمكن أن تقوم به في هذا الميدان قد يشكل مجرد إعاقات وقتية يعمل عليها الإعلام الإيراني وحلفاؤه طويلا كنوع من امتصاص النقمة عند الجماهير ..ولكنها لن تصل في العرف السياسي إلى حجم من اُلإثارة قد تدفع الولايات المتحدة إلى ردة فعل !!

السلاح الثالث الذي يمكن أن تلجأ إليه طهران هو : الأذرع الميليشاوية الطائفية الضاربة في المنطقة ..

هذه الأذرع التي تم تأسيسها على عين الولايات المتحدة ، وبموافقتها ولخدمتها في مشروع قتل المسلمين وإذلالهم وكسر إرادتهم وتهجيرهم ..والتي كان خطأ قاسم سليماني الأكبر محاولة توظيف بعضها في مواجهة الولايات المتحدة في عملية عدوان حزب الله العراقي على السفارة الأمريكية في بغداد ..فهل ستعيد إيران الوقوع في الخطأ القاتل نفسه ، وهل ستخسر كل عصيها بدفع الولايات المتحدة إلى تصنيفها كميليشيات إرهابية ؟!

المتأمل لكل ما يقال عنه دولة إيرانية يعلم أنها دولة في قفص الولايات المتحدة . وأن الولايات المتحدة لن تسمح لأي دولة في العالم أن تمتلك سلاحا ترد عليها به .

هذه ليست دعوة للحرب ولا تسعيرا لها ، وإنما محاولة لندرك أن الانتقام الوحيد الذي قد تسمح به الولايات المتحدة هو قتل وتهجير المزيد من السوريين والعراقيين واليمنيين . وهي المهمة الأولى التي تأسس المشروع الصفوي عليها .. فماذا نحن فاعلون؟

_____________

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

الخناق الاقتصادي يضيق على النظام السوري

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 1/1/2020

على الرغم من التقدم الذي يستفيد منه النظام السوري على الأرض بفضل الطيران الروسي والميليشيات الطائفية التي تقاتل عنه، فإن الخناق الاقتصادي الذي يأخذ به يضيق أكثر فأكثر، ضاعفه تداعي خناقات دولية عليه صديقة ومعادية على السواء، بالإضافة إلى خناقات داخلية استهدفت عصبه الحسّاس أخيراً بقصف طائرات مسيّرة تابعة للثوار مصفاة نفطه في حمص، وكذلك أنابيب الغاز في المنطقة، مما تسبب في حرائق لم تتمكن مطافئ حمص من إطفائها، لتُستدعى على عجل مطافئ المدن والبلدات المجاورة.

وقد سبق هذا وتبعه استهداف الثوار بطائرات مسيّرة معاقل النظام في قاعدة حميميم وجبلة ومطاري حماة وأبوالضهور، ولكن وصول الثوار بطائراتهم المسيّرة إلى العصب الاقتصادي للنظام يعكس تصعيداً وتحولاً على صعيد الأهداف المستهدفة، إذ إنها المرة الأولى التي يُستهدف فيها العصب الاقتصادي، وتأتي أهمية توقيته أيضاً مع صدور قانون قيصر الأميركي الذي دخل حيز التنفيذ، وهو ما سيمنع كل شركة أو فرد في العالم من التعاطي والتعامل مع النظام السوري، مما سيمنع الشركات العالمية والعربية والإسلامية وحتى الدول والأفراد من التعامل معه، وهو ما جعل سعر الليرة السورية بالتراب، لتصل ربما إلى مستوى أن طباعة بعض فئاتها ستكون أغلى من ثمن الفئة ذاتها.

ومع الاحتجاجات التي تضرب لبنان والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البنوك اللبنانية، فقد انعكس ذلك بشكل سلبي كبير على الوضع الاقتصادي للنظام، فلبنان كانت ولا تزال الرئة الاقتصادية والميليشياوية الأساسية التي يتنفس منها النظام السوري، ومع تواصل الاحتجاجات والتي وصلت إلى صعوبة أن يسحب المودع اللبناني نفسه أمواله منها، فإن هذا سيزيد من الخناق على النظام السوري وحلفائه، ضاعف ذلك كله مطالبة الفيلَيْن الكبيرين وهما الفيل الروسي والفيل الإيراني، بدفع تعويضات وتكاليف الحرب التي يخوضانها إلى جانب النظام، والذي لم يعُد له ما يسدّ به رمق الفيلين، بعد أن رهن أرصدة وثوابت الدولة السورية من مطارات وموانئ وبترول وغاز لهما.

كان النظام السوري يعلّق آمالاً عريضة على استعادة آبار النفط في الشرق السوري، ولكن الإصرار الأميركي على بقاء النفط والغاز هناك بيديه بدّد كل آمال النظام في إمكانية انتعاشه اقتصادياً، وسدّ أفواه الفيلين اللذين لم يعد بمقدورها الانتظار أكثر، وأحدهما تهدده ضائقة اقتصادية فرفع أسعار البنزين عنده، وقد وصل الأمر بالنظام السوري إلى الانقلاب على حلفائه الأقربين، فكان من بينهم ابن خالته رامي مخلوف الذي وصفته «الإندبندنت» البريطانية يوماً ما بأنه يتحكم في 60% من الاقتصاد السوري، فنرى اليوم كيف تتم مصادرة أملاكه وإذلاله على رؤوس الأشهاد، كل هذا يفسر حجم الضائقة الاقتصادية الرهيبة التي تهدد النظام وأعوانه.

هنا لم نتحدث بعد عن معاناة المدنيين المقيمين في المناطق التي يسيطر عليها، فالأسعار خيالية حتى مقارنة بالمناطق المحررة، إن كان على مستوى توفر المواد الأساسية من نفط وغاز ومواد غذائية، أو من حيث الأسعار التي لا تقارن بين المنطقتين، وقد انعكس ذلك باحتجاجات شعبية على الصفحات الموالية للنظام، والتي أبدت تبرمها من المعاناة اليومية التي تعانيها مناطقه، وزاد الطين بلة عودة الثورة من جديد إلى المناطق التي وقّعت اتفاقيات المصالحة خلال السنتين الماضيتين.

«إنه الاقتصاد يا غبي»، شعار رفعه بيل كلينتون بوجه الرئيس الأميركي جورج بوش الأب قبل عقود، والذي كان مديراً لمخابرات «السي آي أيه» ونائباً للرئيس ومندوباً دائماً لأميركا في الأمم المتحدة، ولكنه فشل في الفوز بالدورة الرئاسية الثانية، بعد أن هزمه شعار «إنه الاقتصاد يا غبي».

===========================

حصيلة عام 2019 في سوريا وجوارها

بكر صدقي

سوريا تي في

الاثنين 30/12/2019

لم ينته العام الدموي هذا في سوريا إلا مع حملة عسكرية جديدة على محافظة إدلب، من قبل الطيران الأسدي – الروسي، أوقعت مئات الضحايا المدنيين، وخلفت المزيد من دمار العمران والمرافق الحيوية، وأدت إلى موجة نزوح جديدة لمئات آلاف الفارين من جحيم الحرب، في برد الشتاء.

وكأن هذا لا يكفي، استدعت السعودية بضع عشرات من السوريين إلى اجتماع في الرياض لاستبدال 8 مستقلين في هيئة التفاوض، لكسر هيمنة المحور التركي – القطري عليها، فيما يستعد مقاتلو لواء السلطان مراد وفيلق الشام للسفر إلى ليبيا، بقرار تركي، للمشاركة في القتال هناك لمصلحة حكومة السراج ضد قوات الجنرال حفتر.

يبدو هذا المشهد سوريالياً حقاً، إذا نظرنا إليه من منظور بواكير الثورة السورية التي كانت واعدة بإسقاط نظام الأسد ليقرر السوريون مصيرهم بحرية، بعد نصف قرن من العبودية. فهل من عبودية أشد من هذا الاستتباع المخزي، سياسياً وعسكرياً، لدول إقليمية بأجندات متضاربة لكنها متفقة على شيء واحد هو القبول ببقاء النظام الكيماوي؟

لا يعني استهجاننا لاجتماع "الرياض 3" دفاعاً عن هيئة التفاوض التي أعلن بعض أركانها رفضهم للاجتماع المذكور. فالهيئة المستتبعة، كما الاختراق السعودي لها، يمثلان وجهين للتفسخ نفسه الذي ضرب عرض الحائط بثورة السوريين ودماء شهدائها، واندرج تحت الظل الثقيل للاحتلال الروسي باسم سراب تسوية سياسية لن تأتي.

أما المرتزقة فيما يسمى بـ"الجيش الوطني" الذين تستعد أنقرة لإرسالهم للقتال في ليبيا، فقد سبق وباعوا أنفسهم للشيطان حين تخلوا عن قتال قوات الأسد وارتضوا بتلقي أوامرهم من الضباط الأتراك فشاركوا في معارك لا علاقة لها بالثورة على نظام الأسد، بل في خدمة المصلحة الوطنية التركية. تتألم عظام أبي فرات وعبد القادر الصالح وأمثالهم من الثوار في قبورهم أمام هذا الانحطاط الذي بلغه ما كان يسمى يوماً "الجيش السوري الحر".

شملت الموجة الجديدة الجارة إيران أيضاً التي أوغل نظامها الثيوقراطي في دماء السوريين والعراقيين

هذه التطورات المشؤومة ليست، لحسن الحظ، قدراً لا مفر منه لشعب أراد الحياة فتكالبت عليه كل قوى الشر بهدف تدمير بذرة التمرد وروح الحرية ودفنهما إلى الأبد. فمقابل هذا المسار المنحدر، شهد العام 2019 بداية موجة ثانية لثورات الشعوب، استوعبت هزيمة الموجة الأولى وتعلمت من دروسها، وشكلت رداً قوياً على الثورة المضادة. فقد حققت ثورتا الجزائر والسودان، إلى الآن، إنجازات مهمة، كإسقاط البشير ومحاكمته وإلغاء ترشيح جثة بوتفليقة لمنصب الرئاسة للمرة الخامسة، وإن كان أمام الثورتين الكثير من التحديات بعد. ثم جاءت ثورتا لبنان والعراق المجاورين لسوريا الجريحة من شرق ومن غرب، لتعيدا الاعتبار إلى الثورة السورية المهزومة وتمنحاها الأمل من جديد، على رغم كل الانحطاط السياسي والعسكري المذكور فوق. ولم يقتصر الأمر على البلدان العربية الأربعة، بل شملت الموجة الجديدة الجارة إيران أيضاً التي أوغل نظامها الثيوقراطي في دماء السوريين والعراقيين وهيمن تابعه اللبناني، حزب الله، على سلطة طبقة اللصوص في لبنان. ثورتا لبنان والعراق، بهذا المعنى، لا تقتصران على أفق تغيير سياسي عميق يطال نظام المحاصصة الطائفية وطبقة اللصوص الحاكمة في البلدين، بل تستهدفان أيضاً تقويض النزوع الامبراطوري لنظام الملالي في إيران الذي بلغ ذروة صعوده ودخل طور الانحدار، بدلالة ثورة الشعب الإيراني نفسه. هذه الثورة التي يضربها نظام الخامنئي بيد من حديد، لكنها تعود إلى الاندلاع من جديد بعد كل حملة قمع دموية، بإصرار لا بد أن يؤتي ثماره ولو بكثير من التضحيات.

هذا الوصف الموجز لأهم أحداث العام المنتهي، يعطينا أيضاً إشارات إلى منحى التطورات المتوقعة في العام القادم. سيكون اللبنانيون والعراقيون والإيرانيون في واجهة التحولات الكبرى في الإقليم، تحولات عنوانها العريض هو تقويض الحلم الإمبراطوري للنظام الإيراني، وربما سقوطه هو نفسه بنتيجة انتفاضات الشعوب الثلاثة. من شأن ذلك إخراج الإيرانيين من معادلات الصراع في سوريا أيضاً، بما يجعل روسيا بوتين تنفرد في الهيمنة على "سورية النظام"، من غير أن يمنحها ذلك القدرة المطلقة على تقرير مصير سوريا.

لا أحد يمكنه التكهن بشأن مآلات الثورات المذكورة، لكن ما رأيناه منها، إلى اليوم، يدعو للتفاؤل.

لا تكتمل اللوحة بدون الحديث عن الكرد الذين شهدت مناطقهم تطورات كبيرة في العام 2019. فقد تمكنت أنقرة من إقناع الأميركيين والروس بهواجسها الأمنية، فغزت قواتها مع الفصائل السورية التابعة لها منطقة ثالثة، بعد "درع الفرات" وعفرين، هي المنطقة الفاصلة بين تل أبيض ورأس العين بعمق 30 كلم، فيما أطلقت عليه اسم "عملية نبع السلام". وهو ما أدى إلى تقويض "الإدارة الذاتية" للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، بعدما انسحبت القوات الأميركية من المناطق المحاذية للحدود التركية.

وقد أعلن الرئيس التركي أن الهدف من العملية العسكرية الجديدة هو توطين نحو مليون من اللاجئين السوريين الموجودين على الأراضي التركية، إضافة إلى الهدف الرئيسي المتمثل بطرد "وحدات حماية الشعب" من المنطقة الحدودية.

وقد شهد صيف العام 2019 تضييقاً على اللاجئين السوريين في تركيا، وخصوصاً في مدينة إسطنبول، بعد سنوات من سياسة إيجابية من الحكومة تجاههم، تمهيداً لتبرير التوغل التركي الجديد.

===========================

2019 في سوريا.. عام التحولات السياسية وتقاسم النفوذ

بلدي نيوز-

تركي المصطفى

الاثنين 30/12/2019

مخلص

يناقش هذا الملف الحصاد السياسي للعام 2019 م في إطار التطورات السياسية والعسكرية ونتائجها على صعيد الثورة السورية، ونمهد لهذا النقاش باستعراض تحليلي موجز لأهم الأحداث السياسية التي شهدتها القضية السورية دوليا، وفي لقاءات "نور سلطان/آستانا" المتتابعة، ولقاء "القدس" وما تمخض عن هذه التطورات من اتفاقات، تدلل على فشل المجتمع الدولي سياسيا لحلّ القضية السورية، ونتوقف عند انتفاضات الدول العربية المحيطة بسوريا بما تحمل من تداعيات ومآلات، وبالأخص انهيار العملة السورية لما لها من ارتباط بما يجري في لبنان، ونتناول قانون "سيزر/ قيصر" كسيف ذو حدين يمكن استخدامه لقطع رقبة الأسد أو تمكينه من السلطة، وأخيرا نسلط الضوء على اجتماع "الرياض3" وما سينتج عنه من تحولات في المسارين المحلي والإقليمي.

مقدمة

مع أفول العام 2019 بات المشهد في سوريا يخضع للهيمنة الأميركية والروسية على القرار السياسي، نتيجة تواطؤ وعجز المجتمع الدولي الذي أصبحت أولوياته تقاسم الغنائم السورية، إثر القضاء على تنظيم "داعش" والتراجع الدولي والإقليمي عن المطالبة بإسقاط الأسد ونظامه، والعمل على تعويمه رغم كل المحرمات التي ارتكبها ضد الشعب السوري، وفي مقدمتها استمراره في استخدام كافة الأسلحة المحرمة دوليا ضد المدنيين، وتجسدت هيمنة الروس على القضية السورية بعد العبث بالملف السوري وإخراجه من أدراج الأمم المتحدة إلى العاصمة الكازخية "نور سلطان/ آستانا"، ويمكن تلخيص أهم الأحداث السياسية بما يلي:

ــ موسكو- واشنطن وتقاسم النفوذ شرق الفرات: بعد انهيار تنظيم "داعش" اتضح بما لا يترك مجالا للشك سعي موسكو وواشنطن إلى تقاسم النفوذ والمكاسب، كل بحسب ما يملك من قوة على الأرض، فروسيا التي تعمل على تعزيز طموحها السياسي والاقتصادي والعسكري كقوة كبيرة ذات تطلع دولي، تدخل في سباق مع الولايات المتحدة التي تعاني أزمة سياسية داخلية خانقة، ولكن الظاهر يشير إلى تفاهم وتنسيق بينهما فيما المستقبل يشي بخلافات عميقة قابلة للانفجار في كل لحظة، أما الاتفاق الأكيد بينهما فهو التفاهم المشترك منذ البداية على أهداف استراتيجية باتت تتبلور وفق تعزيز نفوذهما المطلق في منطقة (وادي الفرات)، بما يحقق الاحتلال العسكري المباشر للمنطقة الغنية بثرواتها، والتي تشهد تنافسا بين إيران و"قوات سوريا الديمقراطية"، وتقوية روسيا لمركزها السياسي دوليا، في مواجهة الولايات المتحدة للضغط عليها لتسوية قضايا خلافية كبرى، مما أدى إلى تقسيم منطقة (الفرات) إلى كيانين منفصلين؛ الأول "الجزيرة العليا" ويمتد من أعالي وادي الفرات وحتى الباغوز على الحدود السورية العراقية، تكون السلطة فيها لميليشيات قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بحماية أميركية، والثاني: يشمل المنطقة الواقعة بين تل تمر ومنبج والسلطة فيها لنظام "الأسد" والإيرانيين بحماية روسيا، فيما وقعت السيطرة الفعلية الروسية الأميركية على آبار النفط المحاذية لضفتي النهر في دير الزور، تزامنا مع ايجاد صيغ معينة لامتيازات التنقيب والاستثمار مستقبلا.

وبدا لافتاً أن اللقاءات الثنائية بين موسكو وواشنطن قد تجسدت على شكل تفاهمات تقضي بإعادة تشغيل حقول النفط ونقاط التوزيع والنقل بإشراف فنيّ روسيّ، وحماية أمنية توفرها الولايات المتحدة على شاكلة اتفاق نفط (رميلان) في محافظة (الحسكة)، وينساق هذا على مجمل آبار النفط في (وادي الفرات).

ــ "القدس" مسار جديد يخلط الأوراق

مثلما كان "سوتشي" لوصد الأبواب أمام أيّ مسعىً حقيقي إلى السلام ونسف "قرارات جنيف" التي أقرها ممثلو الدول الكبرى، فإن اجتماع "القدس" سجل شهادةً أخرى على أنّ تجربة الحسم العسكري في تثبيت المصالح هي المألوف في الاستراتيجية المشتركة الأميركية والروسية وبالاتفاق مع "إسرائيل"، وأنّ ما سوى ذلك هو لعب بالوقت ومحاولات ابتزاز سياسية، حيث تنتهج روسيا والولايات المتحدة بوصفهما قطبي الصراع في سوريا ويتحكمان فعليًّا في إدارة الحرب السورية، استراتيجية جديدة لإدارة الصراع تتفرع إلى خطط عملية للحفاظ على أمن "إسرائيل" الذي هو بالنتيجة الضامن الحقيقي لمصالحهما في سوريا والمنطقة.

ــ "أستانا 12" دون نتائج: عقد في العاصمة الكازخية أواخر شهر نيسان/ أبريل 2019م ولم تسفر هذه الجولة عن أي تقدم يذكر باتجاه حل النزاع، وأعلنت الدول الثلاث الراعية (روسيا وتركيا وإيران) في بيان ختامي مشترك أهمية الالتزام بالسيادة الوطنية لسوريا والوقوف في وجه جميع المخططات الانفصالية في سوريا، والتشديد على أن الحل في سوريا لن يكون إلا سياسيا، والعمل على الإسراع في العمل على تشكيل اللجنة الدستورية، داعمين عمل المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون، ولم يأت الاجتماع بأي جديد عبر بيانه الختامي الذي تضمن 14 بندا.

 

ــ "آستانا 13" وفرض الرؤية الروسية في عدوانها على إدلب: جرت هذه الجولة في العاصمة "نور سلطان" بداية شهر أب/ أغسطس 2019م جاء في البيان الختامي وكالعادة؛ أكدت الدول الضامنة التزامها الثابت بسيادة الجمهورية العربية السورية ووحدة أراضيها، ورفض احتلال الجولان، واحترام القرارات الدولية بما فيها القرار 497، الصادر عن مجلس الأمن الدولي. وبحسب البيان، فقد عبرت الدول الضامنة عن القلق البالغ بسبب تزايد حضور تنظيم "هيئة تحرير الشام" على الأرض، مؤكدة "الاتفاق على تعزيز التعاون من أجل القضاء الكامل على جبهة النصرة و داعش".

ــ أستانا 14 وضبابية البيان الختامي: أكدت جولة أستانا الأخيرة التي انتهت منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، في العاصمة الكازاخية نور سلطان، بمشاركة وفود الدول الضامنة (تركيا، روسيا، إيران) والنظام والمعارضة، والأمم المتحدة في بيانها الختامي على تنفيذ كل التفاهمات المتعلقة بإدلب من أجل تحقيق التهدئة، وكذلك على إرساء الاستقرار في شرقي الفرات ورفض التطلعات الانفصالية، وتركت الأمور ضبابية بما يخص مستقبل التصعيد في إدلب مع ايجاد الحجج لمواصلة الهجوم عليها.

"اللجنة الدستورية" انقلاب روسي على القرارات الدولية

تحاول روسيا كسب الحرب السورية والقضاء على مطالب الشعب السوري على مستويات مختلفة، عسكرية وسياسية وقانونية، لتبدو "اللجنة الدستورية" أخطر منعطف في المشهد السوري برمته، بحيث برز الدور الروسي جليا في استقطاب جزء من المحسوبين على المعارضة لتمرير هذه اللجنة من خلال القفز على القرارات الأممية.

ــ "نبع السلام" ووأد المشروع الانفصالي

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الأربعاء9 تشرين الأول 2019 عن بدء معركة شرق الفرات والتي أطلق عليها اسم "نبع السلام"، بالتعاون مع فصائل من "الجيش الوطني" ضد "الوحدات الكردية" التي تقود قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، بدأت في مدينة رأس العين بريف الحسكة وتل أبيض بريف الرقة الشمالي، وجاءت تلك التطورات بعد أن بدأت الولايات المتحدة تنفيذ ما وعد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نظيره التركي رجب طيب أردوغان، بسحب القوات الأميركية تدريجيا من بعض مناطق انتشارها في شمال شرقي سوريا، وحاولت "الوحدات الكردية" فرض أوهامها على قرار أكراد سوريا وملاحقتهم واضطهادهم، والتخلص من أحرارهم بالاغتيالات، كما حدث للسياسي الكردي (مشعل تمو) وغيره، أو تسليمهم أعضاء المجلس العسكري الكردي لسلطة نظام الأسد، وكذلك دغدغة وتر نزعات قومجية ممزوجة بنكهات مذهبية ظنا منهم أن ارتهانهم لإرادة اللاعبين الدوليين يعطيهم الحق في تقرير مصير المنطقة، ليصبح واقعا يحمل السكان بالقوة على القبول به، ثم يتجاوزونه إلى خلق واقع جديد وتسويقه دوليا، والتسبب بمأساة جديدة للسوريين من أكراد وعرب في منطقة شرق الفرات وجر تركيا للتدخل العسكري في المنطقة.

ثورات الربيع العربي وتداعياتها السياسية على سوريا

تشهد دول الجوار الثائرة (لبنان والعراق) حالة استقطاب سياسي لقوى مختلفة ضد أنظمة استبدادية أقصت شرائح اجتماعية عريضة عن المشاركة في الحياة السياسية التي يشترط فيها الولاء للولي الفقيه والديكتاتور أو حكم الطوائف، وجميعها تنتهج سياسة القمع والتضييق والتمييز.

من هنا يمكن القول إن الشعار السياسي المشترك للمحتجين يصطدم بـ "مطامع مشروع نظام الملالي" التوسعي وبالعملاء العرب من أحزاب وميليشيات طائفية تقتات على المال الإيراني، ويمكن تصور آفاق هذه المظاهرات وانعكاسها على الحرب الدائرة في سورية في إطار تزايد رقعة الاحتجاجات انطلاقا من توحد مطالب "اللبنانيين والعراقيين" حول أهداف اقتصادية وسياسية في مواجهة نظام الملالي، فعلى المدى القريب يتضح أن الأنظمة المستبدة في العراق ولبنان غير قادرة على حسم الأمور وتهدئة الشارع إلا بالقوة العسكرية، وهذا يؤدي إلى هوة كبيرة وتصدع داخل مراكز الأنظمة الرئيسية وإطالة أمد الاحتجاجات في ظل تصلب مواقف المحتجين المطالبة بالخروج من سورية، والتوقف عن دعم الميليشيات متعددة الجنسيات، وبالتالي فإن استمرارية الانتفاضات في دول الجوار السوري تشكل انفراجا على المشهد السوري سياسيا وعسكريا في حال نجح الضغط الشعبي في تحقيق أهدافه، وعلى رأس ذلك فض الشراكة بين الإيرانيين ونظام الأسد والميليشيات الأخرى.

انهيار العملة السورية.. مقدمات ونتائج

 

التطور الخطير في العام 2019 يتمثل في انهيار الليرة السورية أمام ارتفاع غير مسبوق للدولار الأميركي، حيث باتت العملة السورية محور الأحداث الاقتصادية، وواصلت الليرة انخفاضها المتسارع تاركة سوريا في حالة انهيار اقتصادي، وانعكس هذا التهاوي لليرة على ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية بمعدلات قياسية، مما ينذر بكارثة اقتصادية ومفاقمة معاناة السوريين المتزامنة مع جرائم الأسد الجارية في إدلب، فقد قتلت طائراته عشرات السوريين في محافظة ادلب، وغدت كل الأخبار السياسية وحتى العسكرية جانبية بالمقارنة مع دخول عنصر جديد إلى المسرح السوري، الأمر الذي يشير لحصول مستجدات كثيرة تجعل من القادم أكثر ألما ومعاناة وصخبا.

قانون "سيزر/قيصر" سيف ذو حدين

أعاد مجلس النواب الأمريكي بالإجماع إقرار "قانون حماية المدنيين" أو ما يعرف بقانون "سيزر" أو "قيصر"، والذي ينص على فرض عقوبات على نظام الأسد والدول التي تدعمه مثل إيران وروسيا لمدة 10 سنوات أخرى، تأكيدا على عزم الإدارة الأمیرکية العودة إلى لعب دور هام في المسألة السورية وقضايا الشرق الأوسط، وكان مجلس النواب الأمريكي قد أقر قانون "سيزر" للمرة الأولى في 16 نوفمبر عام 2016، الذي صادقت عليه لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في سبتمبر 2017، ولكنه لم يُفعل حينها، حتى قرر النواب الأمريكيون أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي تفعيله وتمديد العمل به لمدة عشر سنوات.

وقد سُمي قانون سيزر أو قيصر بهذا الاسم نسبة إلى مصور عسكري سوري انشق عن نظام الأسد عام 2014، وسرّب 55 ألف صورة لـ 11 ألف سجين قتلوا تحت التعذيب، وقد اختار العسكري السوري اسم "قيصر" لإخفاء هويته الحقيقية، خشية انكشافه لدى نظام الأسد، وعُرضت تلك الصور في مجلس الشيوخ الأمريكي وأثارت ردود فعل عالمية غاضبة، وأمضى قيصر أربعة أعوام وهو يتردد على الكونغرس مرتديا معطفا بلون أزرق يغطي معالم وجهه وقفازات تخفي يديه، فهو يخشى من ظهور أي علامة قد تشير إلى هويته، لا بد أن نتوقف كثيرا قبل الحديث عن أثر قانون قيصر الموعود، كما لابد من مراجعة تجاربنا مع المجتمع الدولي، فالسنوات الثماني الماضية ألزمتنا بضرورة إعادة التفكير بتلك المرحلة المستمرة.

من هنا، ما يتضمنه قانون قيصر من إجراءات وعقوبات اقتصادية سيكون لها تأثيرها الكبير على حصار الأسد سياسيا واقتصاديا، وسيكون حجر عثرة كبيرة أمام محاولات روسيا إعادة تدويره ومن ثم تأهيله من جديد، ومما لاشك فيه أن "قانون قيصر" سيؤدي إلى انهيار اقتصادي كامل لنظام الأسد وللعملة السورية، حيث من المتوقع أن يصل سعر الدولار الواحد إلى حوالي 20 ألف ليرة سورية، إلّا أن انهيار البنية المالية للنظام لا يعني بالضرورة سقوطه أَو أنّه بات على حافة السقوط، لأنّ ذلك مرتبط بقرار دولي وهو شرط ما يزال غير متوفّر حتى مع إقرار قانون قيصر الأمريكي.

وهذا القانون لن يضر أركان الحكم في شيء، بل إنّ الضرر سيكون على الشعب السوري بمختلف أطيافه ومكوناته، حتى مناطق المعارضة في الشمال السوري لن تكون في مأمن نتيجة ارتباطات اقتصادية لا تخفى على أحد، ولنا في تجارب قريبة وبعيدة عبرة، مثل العقوبات على كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وإيران والعراق، فهي لم تؤدّ إلى سقوط أنظمة أو إيقاف مشاريع بل زادت الفقير فقراً والأنظمة بأساً وعدوانا.

اجتماع الرياض3 التحولات والمسارات:

عقد بتاريخ 27/28 كانون الأول/ديسمبر 2019م، ويبدو أن هدف اجتماع الرياض الرئيسي يتلخص في تقليص نفوذ تركيا داخل هيئة التفاوض وسحب ورقة زعامة" الهيئة" من "الائتلاف" لصالح كتل أخرى مثل منصتي "القاهرة وموسكو وكتلة المستقلين" في " الهيئة"، خصوصاً أن الائتلاف على تحالف مع ممثلي الفصائل والمستقلين في "الهيئة" وذلك يعني أن الرئيس القادم لـ"الهيئة" هو من هذا التحالف حتماً.

خلاصة

بين هذا وذاك، تقف المعارضة السورية خارج سياق الفعل المؤثر نتيجة شيوع مشاريع خارج الإطار الوطني للثورة، وغياب المرجعيات القضائية والقيادة المركزية الجامعة، مما أفضى إلى تفاقم الهوة بين التيارات المتباينة، لتعشش كيانات سياسية شتى دخيلة على المعارضة، ومع ذلك، فالثورة كشفت حجم المأساة الدولية التي انهارت فيها أخلاقيات ووجدان العالم المتحضر الذي يرفع شعارات وهمية، كالإخاء والعدالة والمساواة، وهو الوالغ في دماء السوريين حتى الرقبة.

ما يهمنا في هذا الإطار أن المؤمنين بالثورة السورية سواء الذين اختاروا البقاء داخل الوطن رغم فداحة المأساة، أو الذين أجبرتهم ظروفهم للعيش في المنافي وبلدان التشرد، يصرون على الصمود حتى إسقاط نظام الاستبداد، وهذا حق للشعب السوري لا يقتله احتلال ولا براميل الكلور ولا القنابل الكيماوية ولا الصواريخ الذكية أو الغبية، ولا تموت ثورة بالتقادم لأنها فكرة تختزنها ضمائر وعقول أصحابها، الذين يتمسكون بتحقيق أحلام ثورتهم التي رددوها معا "حرية وكرامة وعدالة لكل السوريين".

===========================

2019 عام النهايات.. هل من جديدٍ في سورية؟

عمار ديوب

العربي الجديد

الاحد 29/12/2019

أفشلت إيران وروسيا، أكثر من مرّة، إمكانية إسقاط النظام السوري. 2019 يكاد تنهي روسيا فيه كل مناطق خفض التصعيد الأربع، درعا وشمال حمص والغوطة، وإدلب تترنح. على الرغم من ذلك، ما زالت تركيا تحتل مناطق واسعة في سورية، وجدّدت أميركا بقاءها بالسيطرة على آبار النفط وحماية الأكراد، وإيران ما زالت تسيطر على مناطق واسعة، وعلى كتلة كبيرة في النظام ذاته. وروسيا هي الدولة الأكثر سيطرة على النظام وعلى المعارضة، وتضغط على كل من تركيا والخليج، ليخضعوا لرؤيتها للحل في سورية، أي إعادة إنتاج النظام القديم مع تغييراتٍ شكليّة فيه.

إذاً، روسيا سيطرت على المساحة الأكبر من سورية، وحدّدت مناطق نفوذ الدول المتدخلة، ولكن تلك السيطرة وذلك التحديد ما يزالان عصيّين على التطويع والخضوع لمشيئة الروس، فلا مناطق النظام تمدُّ الروس بالأموال، ولا الدول المتدخلة تُسلّم لها بتلك السيطرة بشكل كامل. روسيا بمعاندتها السياسة الأميركية بالتحديد تخسر كثيراً، وتضطر إلى مساوماتٍ كبيرة مع حلفائها، وهذا لن يتغير قبل أن تضطر مجدّداً إلى عقد صفقةٍ مع أميركا.

هل يكون عام 2020 عام الصفقة تلك؟ حدثان جديدان ضاغطان على روسيا: "قانون سيزر" في الولايات المتحدة، وستطاول عقوباته روسيا وإيران وغيرهما، وبالتأكيد سيُحاصر النظام 

"روسيا سيطرت على المساحة الأكبر من سورية، وحدّدت مناطق نفوذ الدول المتدخلة"ويوقف كل ألاعيبه في تفادي العقوبات، ويشطب تعويمه إقليمياً ودولياً. والحدث الثاني بروز خلافات مع تركيا تتعلق بمصالح روسيا في ليبيا وفي شرقي الفرات، ورفض تركيا تعويم النظام كذلك. ربما لن تهتم روسيا كثيراً بتعويم النظام، حيث هناك فيتو أميركي ضد ذلك، وهناك رفض أوروبي وخليجي للأمر ذاته. صحيح أن الإمارات هي والبحرين، وربما تنضم لهما السعودية نحو إعادة التطبيع مع النظام السوري، ولكن ذلك دونه "قانون سيزر" والسياسة الأميركية الرافضة؛ تضارب المصالح بين هذه الدول وتركيا لا يسمح لها بمعارضة أميركا.

وبالتالي، لم يكن عام 2019 جيداً للنظام إقليمياً وكذلك دولياً، ومحلياً، يطلق هو النار على قدميه حينما يرفض أية إصلاحات في المناطق المدمرة أو التصالح مع أهلها.

الأسوأ للنظام، أن روسيا وإيران تطالبانه بالأموال، والدولتان تضغطان بشدة عليه لجبي الأموال لهما من الفاسدين والناهبين، وهذا قد يفكّك النظام من داخله، حيث يشكل احتجاز أموال شخصيات كرامي مخلوف وأيمن الجابر والضغط على مئات التجار لدفع الإتاوات للبنك المركزي، أقول كلها عوامل قد تدفع نحو جديدٍ ما في بنية السلطة. صحيحٌ أنه لم يتبلور بعد، ولكنه سيظهر لاحقاً بالتأكيد. من هذه الناحية، سيكون 2020 عام النهايات للنظام ذاته.

لماذا عام النهايات؟ مناطق النفوذ أصبحت مرسومة، وحرب النظام وروسيا ضد إدلب متفق 

"لن تهتم روسيا كثيراً بتعويم النظام، حيث هناك فيتو أميركي ضد ذلك، وهناك رفض أوروبي وخليجي للأمر ذاته"عليها مع تركيا، وهي لفتح الطرق الدولية، وإبعاد المسلحين والسلاح عنها وتهميش الجهاديين، وربما لاستعادة إدلب نفسها، وضمن صفقةٍ مع تركيا، حيث يتم بموجبها مبادلة المناطق، كما حدث أكثر من مرة. تفرض أميركا شروطها، وإيران تنافس روسيا، وجرت بينهما معارك عديدة، وهي محاصرةٌ دولياً، ويواجه "أعوانها" ثورات كبيرة في العراق ولبنان، ولم يستقرّ ولن يستقر لها الأمر في سورية أو اليمن كذلك، وبالتالي ستستفيد روسيا من هذه الأوضاع، ولكن ذلك مؤجّل إلى حين حدوث صفقة مع الولايات المتحدة أو ضغوط كبيرة، تجبرها على إنهاء أكذوبة الدول الضامنة، ومساراتها الفاشلة.

ماذا بقي من النظام في دمشق حالياً، حتى يتوهم أنه انتصر، وهل يمكن لروسيا بالأصل تعويمه، بعد أن انتشلته من سقوطٍ أكيد في 2015؟ ذكرت أنه يحفر قبره بحربه المحدودة ضد الفاسدين، وهناك أزمته الاقتصادية والاجتماعية، والتي ما تنفكّ تتعاظم، والناس تزداد كراهيةً له، وفقراً وتعاسة. ولهذا هناك من يكتب عن ثورة جياع ممكنة في المناطق الخاضعة له؛ يتحرّك النظام بإرادة الروس، وألاعيبه مع إيران في مواجهة الروس لم تعد ممكنة، وهي، في كل الأحوال، كانت تحت العين الروسية التي كانت تسمح بها، لأسباب تتعلق بصراعات الأخيرة مع أميركا وأوروبا والضغط على الأتراك. أقصد أن الروس أمام خياراتٍ ليست بسيطة؛ فالنظام لا يمكن السماح بإعادة إنتاجه إقليمياً ودولياً، وليس من أموالٍ تتدفق إلى سورية، وارتهان كل مؤسسات الدولة السورية لهم غير كافٍ، حيث لا أموال يمكن أن تشغل المشاريع الروسية، وتعود عليها بالفائدة. أيضاً، سورية ليست أوكرانيا ولا أبخازيا لتكون في المجال الحيوي لروسيا، وتعقيد الوضع يمنع ذلك من أصله، وهناك تدخلاتٌ إقليميةٌ ودولية كبيرة، 

"الدروس الجزائرية والسودانية والعراقية واللبنانية كلها تقول بضرورة الوصول إلى تسوياتٍ مع الشعوب أو تغيير الأنظمة ذاتها"وأسوأ الجميع "قانون سيزر" الجديد، وبالتالي لا يمكن لروسيا التي ترى النظام مفلساً ومطلوباً للمحاكم الدولية أن تستمر في مغامرة التعويم إلى أجل غير مسمى.

الدروس الجزائرية والسودانية والعراقية واللبنانية كلها تقول بضرورة الوصول إلى تسوياتٍ مع الشعوب أو تغيير الأنظمة ذاتها. أن تبتغي روسيا والصين تعميم السلطوية عالمياً، وتهميش الليبرالية والديموقراطية لا يعني أنهما قادرتان على مواجهة أعدائهما (أميركا وأوروبا)، وعدا ذلك، الصين لن تتدخل في دولةٍ غير مستقرّة، وهناك صراع دولي كبير حولها. روسيا في عزلةٍ حقيقية بما يخص سورية، فهي لم تستطع فرض شروطها على حلفائها إلا بحروبٍ أو بمقايضاتٍ بين منطقةٍ وأخرى، وكذلك لم تستطع إيقاف تعديات إسرائيل. عوامل كثيرة توضح للدب الروسي أن الحرب التي انتصر فيها هنا وهناك انتصر بفضل الصفقات، وتتطلب تشغيل العقل، ليبادر إلى عقد التسويات، وأميركا وأوروبا هما مفتاح الحل السياسي.

تفاهة قصة اللجنة الدستورية لفظت أنفاسها، وانتخاب مستقلين جدد في هيئة التفاوض لن تكون مفيدا بأي حالٍ، وسيكون مصيره كما مصير اللجنة الدستورية، وهذا سيدفع مجدّداً الروس إلى أن يبحثوا عن طرفٍ قادر على فرض الحل، وبالتالي مسارات أستانة وسوتشي لا توصل إلى حلٍّ روسيٍّ للوضع السوري؛ أميركا وأوروبا تنتظران الصفقة.

تتجدّد الثورات في لبنان والعراق وإيران، ولن تكون هذه الدول داعمةً للنظام من جديد كما يبدو، وأميركا لن تغادر سورية قريباً، وتنقل وسائل إعلام أن تركيا بدأت ترسل مقاتلين سوريين إلى ليبيا، وهذا إذا صحّ أسوأ ما يحصل للسوريين في نهاية 2019، وإسرائيل ستظل تضرب في سورية.. ضمن كل هذه المعطيات، هل يمكن لروسيا الاستمرار في السياسات ذاتها تجاه سورية؟

روسيا التي تغرق في سورية معنيةُ بشطب المسارات التي اختطتها من قبل، والعودة إلى القرارات الدولية التي تؤكد ضرورة تغيير النظام السوري؛ إمّا أن تفعل ذلك في 2020 أو أن ذلك الغرق سيتعمق، ولن تخرج منه لاحقاً بسهولة.

===========================

البحر المتوسط.. على العالم ألا ينام مطمئناً

غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 29/12/2019

تتسارع وتيرة تطورات الأحداث في منطقة البحر المتوسط، ويُنذر ذلك بمخاطر أكبر من التي يتم تقديرها أو احتسابها، انطلاقاً من الاعتقاد بأن الأمور تحت الضبط، ولا يمكن أن تتطوّر إلى صراعات فعلية، ولن تتجاوز حدود التصريحات اللفظية بين أطرافٍ هي في الأصل تمرّ بحالة خصام. وبالتالي، فإن مناوشات البحر المتوسط هي جزء من حالة الخصام، وليست مشكلة منفصلة بذاتها.

هذا التقدير، السائد، إما أنه تعبير عن ضعف حساسية تجاه المخاطر التي ترتسم فوق أمواج المتوسط، وهي وضعيةٌ لا تخرج عن حالة سوء التقدير وعدم القدرة على التنبؤ بالأحداث الخطرة التي شهدها العقد الذي نعيش آخر أيامه، حيث عجزت دوائر صنع القرار ومراكز التفكير عن التنبؤ بمعظم أحداثه، إن لم يكن جميعها، وبعد اندلاعها لم تستطع التعامل معها بما يتناسب وحجم تأثيراتها وتداعياتها، الأمر الذي أنتج تشوّهاتٍ جيواستراتيجية خطيرة على مستوى العالم، وظهور لاعبين من الدرجتين الثانية والثالثة، تحكّموا في مسارات التطورات واتجاهاتها.

أو أنه سياسة مقصودة، الهدف منها تغيير أوضاع معينة، عبر ترك الأزمات تطوّر مساراتها، وتنضج مخاطرها، ومن ثم اتخاذ موقف تجاهها. وفي هذه الحالة، فإن مخرجات هذا الموقف 

"تركيا كانت جزءا من ترتيباتٍ غربية، وجزءا ًمن سياسة حلف شمال الأطلسي (الناتو) للبحر الأبيض المتوسط"تهدف إلى إجراء تغييرات في الترتيبات التي جرى التعامل بها في الفترة السابقة، وإعادة صياغتها، بحيث تنطوي على مصالح للأطراف الجديدة في اللعبة، أو توريط اللاعبين المباشرين في صراعاتٍ بينيةٍ، بهدف استنزافهم وإلهائهم في قضايا معينة، وإبعادهم تالياً عن الاهتمام بمسائل أخرى مهمّة للاعبين الكبار.

ثمّة متغيّران جديدان يجب أخذهما في الاعتبار لدى مناقشة تطورات الأزمة في البحر المتوسط، الأول صعود أدوار تركيا وروسيا، البلدين اللذين يملكان مصالح حيوية في البحر المتوسط، والمؤثرين راهناً في السياسات الإقليمية والدولية. وهذان متغيّران مستجدّان تماماً عن بيئة البحر المتوسط والترتيبات التي أجرتها الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية في القرن الأخير بشأن هذا الحيز المائي. ومع أن تركيا لم تكن بعيدةً عن تلك الترتيبات، لكنها كانت جزءا من ترتيباتٍ غربية، وبالأصح، جزءا من سياسة حلف شمال الأطلسي (الناتو) للبحر الأبيض المتوسط، والذي اقتصرت ترتيباته على الجانب الأمني بدرجة كبيرة، بالإضافة إلى حماية حرية التجارة. أما تركيا الراهنة فهي تخوض غمار المنافسات والمنازعات في المتوسط، انطلاقا من اهتمامات مختلفة إلى حد كبير.

المتغير الثاني مرتبط بالثروات التي ظهرت في البحر المتوسط في العقد الأخير، وبالتحديد الغاز، حيث تفيد تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بأن حوض شرق المتوسط يحتوي على غاز طبيعي بقيمة 700 مليار دولار، على الرغم من أن دراسات اقتصادية بدأت تشير 

"حوض شرق المتوسط يحتوي على غاز طبيعي بقيمة 700 مليار دولار"إلى انخفاض الجدوى الاقتصادية لغاز المتوسط، بالنظر إلى تكاليف استخراجه المرتفعة، كونه يقع على أعماق، بين 3 و5 آلاف متر تحت سطح البحر، ما يجعل قدرته على منافسة الغاز الروسي أو القطري، ذي التكاليف المنخفضة، صعبة، إن لم تكن مستحيلة، وبالتالي فإن أغلب مشاريع التنقيب عن الغاز في المتوسط ستتوقف قبل وصولها إلى مرحلة الإنتاج، بسبب هذه الإشكالية، والدليل أن إسرائيل لم تجد سوقاً لمنتجها من الغاز سوى مصر، المكتفية أصلاً من هذه المادة، وتبحث بدورها عن أسواق لتصريف منتجها!

لا يمكن فهم الاشتباك الحاصل في المتوسط من دون ربطه بالمشاريع الجيوسياسية. ويبدو أن ليبيا ستكون العقدة الجيوسياسية التي تتصادم عندها المشاريع وتتراكب على أزمتها الصراعات القادمة والتي بدأت نذرها في الظهور. فالتحرّك التركي، باتجاه عقد اتفاقية مع حكومة الوفاق الليبية، كان الهدف منه مواجهة مشاريع الحصار التي تحاول تطبيقها ضدها كل من اليونان وقبرص "اليونانية" ومصر وإسرائيل، حيث تعتقد تركيا أن لهذا المشروع أبعاداً غير اقتصادية، بل محاولة لتطويقها وزعزعة أمنها، خصوصا أن هذه التحرّكات جاءت على خلفيةٍ سياسيةٍ لم تخفِ نفسَها، نتيجة بروز نزاعات سياسية حادّة بين تركيا وأطراف الحلف المقابل.

على الجانب الروسي، تحاول موسكو تقوية أوراقها في المتوسط، من خلال تأمين وجود فاعل 

"ثمّة فرق بين أن تترك أوروبا وأميركا الصراع يتعفّن في ليبيا والسماح لروسيا بالتموضع في هذه البقعة"ومؤثر في ليبيا، أولاً لرفع رصيد قوتها الدولية، بعد سيطرتها على سورية، وثانياً لوضع أوروبا داخل كمّاشتها عبر حصارها من الشرق والجنوب، وثالثاً لإضعاف النفوذ الأميركي في المتوسط عموماً، بعد تقاربها مع نظام عبد الفتاح السيسي في مصر. وليس مستغربا أن يتحوّل الأخير إلى لعب الدور الذي قامت به إيران في سورية، من خلال تزويد روسيا بالقوات البرّية، بما يقلل أكلاف تدخّلها ويغريها بالانخراط في الصراع الليبي.

وفي الحالتين، التركية والروسية، تبدو التداعيات المحتملة بمثابة انفجاراتٍ خطرة على طريق ثوران صراع دولي، سيكون من الصعب مداراته، ذلك أن اللعبة تدور على خطوط صراع ملتهبة بالأصل، كما أن المتوسط يشكل عقدة مصالح متشابكة لأوروبا وأميركا. وثمّة فرق بين أن تترك أوروبا وأميركا الصراع يتعفّن في ليبيا والسماح لروسيا بالتموضع في هذه البقعة، لأن وجودها سيتحوّل إلى مفتاح للعبث بمصالح تلك الأطراف. بالإضافة إلى ذلك، تقلّل الإجراءات التركية اليونانية المتضادة خيارات الطرفين في البحث عن مخارج آمنة للأزمة بينهما، فاتفاق تركيا - ليبيا يضع اليونان في مأزقٍ جغرافي معقد، ويحاصرها في جزرها، كما أن تحرّكات اليونان باتجاه مصر وإسرائيل تُطبق على صدر تركيا، وتحوّلها إلى دولة هامشية بمياه إقليمية ضيقة.

ما يقلق في تطوّرات النزاع في البحر المتوسط وعليه عدم وجود بوادر لتراجع الأطراف عن مواقفها وترتيباتها، والأكثر عدم وجود مبادرةٍ من اللاعبين الآخرين لاحتواء النزاع الوشيك، بل هناك سياسة مقصودة لتسريع دحرجة الأمور على كل جبهات المتوسط، وهو وضعٌ يجب أن يقلق المهتمين بأمن المنطقة والسلام العالمي برمّته.

======================

من خط أحمر إلى آخر

ميشيل كيلو

العربي الجديد

28 ديسمبر 2019

بالأمس، كان يقال عن الذي يعارك مشكلاتٍ مستعصية إنه يمشي في حقل ألغام. أما اليوم، فيتخبّط من يزجّ نفسه في صراعاتٍ تتحدّى قدراته بين خطوط حمراء لا تقل خطرا عن الألغام.

.. وقفت تركيا طوال شهر قرب مدينة الباب في شمال سورية، تنتظر الإذن بتجاوز خطٍّ أحمر روسي، وعندما أزيل، اقتحمتها خلال ساعات. وها هي تنتظر، منذ نيف وعامين، إزالة خط أحمر أميركي حال دون طرد مسلحي حزب العمال الكردستاني من منبج، وهذه ما أن ابتعدت واشنطن عنها، حتى أعلن الرئيس التركي أردوغان عزوف جيش بلاده عن دخولها، بسبب خطٍّ أحمر روسي يشمل بلدة عين العرب إلى جانبها، لأن بوتين منحهما للأسد الذي أبقى قوات ذلك الحزب فيهما، في دليلٍ على ما بلغه تحكّم روسيا بخطط أنقرة، العسكرية والسياسية، وما تمارسه من إضرارٍ بمصالحها، بمنعها من احتلال البلدتين، اللتين تفصلان منطقة غصن الزيتون ودرع الفرات عن منطقة شرق الفرات التي أسقط خروج واشنطن من بعضها خطا أحمر، فدخلها جيشها واحتل بالتفاهم مع البيت الأبيض المنطقة بين رأس العين وتل أبيض، وحين قرّر الانتقال إلى شرقها وغربها، وجد خطا أحمر روسيا/ أسديا أمامه.

.. بإعادة نشر قوات واشنطن شرق الفرات، ورثت موسكو بعض خطوطها الحمراء، أو حدّدت خطوطا جديدة، كخط منبج/ عين العرب، والخط الذي منع جيش أنقرة من التقدّم إلى أعمق من عشرة كيلومترات فيها، على ألّا يرابط مسلحو حزب العمال الكردستاني، أو يخزنوا أسلحة ثقيلة فيهما، ويحتل جيش الأسد العشرين كيلومترا التالية للكيلومترات العشرة، رفضا لمطالبة أردوغان بـ"منطقة آمنة"، عرضُها ثلاثون كيلومترا.

.. بذلك، رسمت روسيا خطوطا حمراء تحمي الأسدية شرق الفرات، وتمكّنها من إدلب، بينما أفضى التزام تركيا بالخطوط الحمراء الأميركية/ الروسية العديدة شرق الفرات، والروسية / الإيرانية في مناطق خفض التصعيد الأستانية، إلى انكشاف المعارضة والفصائل العسكرية، ونزع ما كان باقيا وقابلا للتطوير من قرارهما، وعجز تركيا عن توفير غطاءٍ يحمي دوريهما ممثلين للشعب السوري، لتنشأ بذلك، تدريجا، علاقةٌ جديدةٌ وخطيرة النتائج بين تركيا والمعارضة، وتركيا والأسدية، أعلن وزير خارجية النظام في دمشق، وليد المعلم، عن وجودها رسميا خلال زيارته قبل أيام إلى موسكو، وإنْ طالب بتغيير صيغتها غير المناسبة لنظامه.

.. وصلت العلاقة التركية مع المعارضة السورية إلى نقطةٍ صارت تتطلب مكاشفةً صريحة، بسبب تحوّل أنقرة من ضامن لدورها إلى طرفٍ يشل حركتها، ويصادر القليل الباقي من قرارها، ويسند إليها مهامّ تخالف واجباتها الوطنية، ومن غير الجائز أن تقوم بها، إن أرادت البقاء في موقعها طرفا ملتزما بمن يمثله: الشعب السوري. حدث ذلك، لأن تركيا صارت ترى المسألة السورية بدلالة أمنها القومي، وتتبعها بسياساتٍ لم تعد تأخذ بالحسبان استقلاليتها، وطابع ثورتها الوطني الذي يقوّض تلاشيه، أو القفز عنه، الثورة، وينقل السياسات التركية من التحالف معها والرهان عليها إلى استغلالها وظيفيا، والرهان على عائد التخلّي عنها، بالتفاهم مع الذين يفرضون عليها خطوطا حمراء تدفع ثمنها من رصيد "حلفائها"، كي لا تدفعه من رصيدها الخاص.

.. عند هذا الحد من علاقتها مع القضية السورية، قرّرت تركيا أن تزجّ نفسها في الصراع العسكري على ليبيا، الذي لن يلبث أن يصير بدوره مسألة أمن قومي بالنسبة لها، من المستبعد أن تديرها بطريقةٍ أفضل من إدارتها للمسألة السورية التي شهدت، خلال العامين المنصرمين، سلسلة تراجعات طاولت اللاجئين، وعلاقتها بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وهيئة التفاوض التي أخضعت لتفاهمات أستانة البديلة لمسار جنيف، وأخيرا الفصائل التي تنقطع أكثر فأكثر شعرة معاوية بينها وبين الثورة وسورية.

لندرك ثورتنا، قبل أن يُزهق ما بقي من روحها قفز تركيا من أزمة إلى أخرى، ومن خطٍّ أحمر إلى آخر، وتغرق مع الذاهبين إلى حتفهم.

===========================

إمكانية المهمة الديمقراطية في سورية

راتب شعبو

العربي الجديد

السبت 28/12/2019

بعد امتصاص الصدمة الأولى للثورة السورية، وبدء تشتت فاعلية القوة الشعبية غير المنظّمة، فإن القوى الداخلية التي أثبتت فاعلية، وفرضت نفسها في إطار الصراع الذي يقترب من إكمال عامه التاسع في سورية، هي القوى التي تتمتع بمركزية عالية في التنظيم وقدرة على الضبط والفرض والمحاسبة. بكلام آخر، هي القوى ذات اللب التنظيمي العسكري الذي يحيل كل جوانب النشاط الأخرى فيه، سياسية أو فكرية أو إغاثية.. إلخ، إلى توابع ترويجية له. هذا النوع من القوى يستطيع ضبط الأفراد، وتسخير طاقاتهم لخدمة الغرض الذي يريد. يكون ذلك، بلا شك، على حساب القيم الديمقراطية الداخلية. لا يخرج عن السياق إمكانية وجود واجهاتٍ ديمقراطيةٍ لهذه القوى التي تحتفظ دائماً بمركز قرار متحرّر إلى حد بعيد من تأثير هذه الواجهات حين توجد.

هذا النمط من القوى، والذي تجسّد في سورية، بصورة أساسية، في نظام الأسد وجبهة النصرة ووحدات حماية الشعب الكردية، يقوم على نفيٍ مزدوج للديمقراطية: الأول نفي العلاقات الديمقراطية الداخلية لصالح وجود قيادة لا تُنازع وتتمتع بسيطرة كبيرة على النشاط العسكري، الأمر الذي ينطوي على بعد "ترهيبي" مباشر أو غير مباشر، يطاول المخالفين أو المنشقين "الشواذ". والثاني نفي العلاقة الديمقراطية مع المحيط، ما يعني الصدام الحتمي مع الأفراد أو القوى النقدية أو المغايرة، وصولاً إلى إلغائها التام إذا أمكن ذلك. أو يمكن السماح بوجودٍ 

"يقوم نظام الأسد على نفيٍ مزدوج للديموقراطية لصالح وجود قيادة لا تُنازع وتتمتع بسيطرة كبيرة على النشاط العسكري"محدود ومضعف ومراقب لقوى مغايرة، وجود مضبوط تحت السيف، لمجرّد التمويه والتغذية الإعلامية.

وسط البيئة السياسية السورية المعقدة والمتحركة اليوم، تسمح البنية المركزية الصارمة للتنظيم بضبط الجسد التنظيمي وتوجيهه، ذلك أن وجود نواةٍ قياديةٍ مقرّرة، وتملك إمكانية الردع المعنوي (تبجيل القيادة الذي تغذّيه الماكينة الإعلامية للقوة) أو الردع المادي (شتى صنوف المضايقات وصولاً إلى إمكانية التصفية، حتى لو تمكّن الفرد من الفرار إلى الخارج) تحيل التنظيم إلى جسد تنفيذي، وتمنع التمايزات السياسية داخله إلى حد كبير، فيتحوّل إلى وزن فاعل ومؤثر، غير أن نشوء مثل هذا التنظيم غير ممكن، من دون وجود "قضية" تكون منبعاً للعصبية التي تشد الجمهور، وتدفعه إلى الفعل والتضحية، وإلى إخماد التفكير النقدي. كانت "قضية" نظام الأسد في الحضيض، حين ثار السوريون مطالبين بالتغيير، فاعتمد في البداية على رصيد قوته المتوفر سلفاً (قوة الدولة)، ثم راح يبني قضيّته على الجمع بين تشويه الخصم، بوصفه طرفاً عميلاً يريد تدمير الجيش والدولة السورية، واعتباره طرفاً سنياً طائفياً يضمر تأسيس "إماراتٍ"، والانتقام من العلويين والأقليات المذهبية الأخرى، وما يقود إليه هذا من تغذيةٍ طائفيةٍ "أقلياتيه" بالنتيجة. في حين توفرت لجبهة النصرة "قضية" جاهزة، هي مظلومية السنة في "الشام" (الشام توجد في كل التسميات التي اعتمدتها الجبهة) والتكليف بإقامة شرع الله، كما توفر للتنظيم الكردي المظلومية الكردية العريقة.

بالطبع، لا مساواة هنا بين القضيتين الأخيرتين، إلا من باب أنهما مصدرٌ للشد، وللعصبية التي 

"التنظيمات السورية غير العسكرية استمدّت تماسكها واستمراريتها من قوى دولتية احتضنتها في السياسة وفي التمويل"يستثمر بهما تنظيمان شديدا المركزية، غير أنه يمكن القول إن القضايا تتساوى من منظور النمط العسكري والترهيبي للتنظيم الذي ينشأ على "نصرة القضية"، فيجعلها أساساً للقمع الذي يمارسه التنظيم في الداخل (داخل التنظيم) وفي الخارج. واللافت أن هذه القوى تتّجه إلى أن تتخذ شكل "دولة" غير معلنةٍ في مناطق سيطرتها. من هذه الناحية، فقط، مضى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في المشوار إلى نهايته، فأعلن نفسها دولة منذ مرحلته العراقية الأولى.

البنية المركزية للتنظيم تساعده على حل المشكلة التمويلية، سواء من حيث قدرته على فرض إتاوات على المجتمع الذي يوجد فيه، مستنداً إلى التعاطف أو إلى القسر، أو من حيث جاذبية تنظيم كهذا للقوى الدولية المؤثرة التي تستطيع الاعتماد عليه لتنفيذ سياستها في البلد، ليس فقط لأنه تنظيم "حديدي" قادر على التنفيذ والفعل، بل أيضاً لأنه يضمن الثبات في "التحالف" نظراً إلى لا ديموقراطية آلية اتخاذ القرار فيه، ما يعني غياب فاعلية الجسد التنظيمي في نقد سياسة التنظيم أو في رسمها. وعلى هذا، تصبح قوة التنظيم شبيهةً بكرة الثلج، العناصر فيها تغذي بعضها بعضا. يزداد التنظيم قوة، فيزداد الاعتماد عليه، ويزداد قدرةً على استجلاب التمويل، وعلى المضي أبعد في التجنيد والتسلح والسيطرة، وهكذا. ثم يصبح هذا التنظيم، بفعل تأثيره وقدرته على فرض نفسه، مركز جذبٍ لأفرادٍ يتحولون إلى محيط "ديمقراطي" هامشي له، بدل أن يكونوا عناصر لتنظيم ديمقراطي.

التنظيمات السورية غير العسكرية التي صمدت وحافظت على شيء من الحضور والفاعلية 

"من غير المستبعد أن ينتهي صراع القوى في سورية، إلى تفاهم واقتسام مصالح فيها بينها بعد استهلاك شعب وموارد البلد"(المجلس الوطني، الائتلاف الوطني، هيئة التفاوض) استمدّت تماسكها واستمراريتها من قوى دولتية احتضنتها في السياسة وفي التمويل، أي استمدّت تماسكها وحضورها من مصدر خارجي عنها، ومع الوقت، لم تعد هذه التنظيمات تكترث حتى بتمويه صورة تبعيتها.

أما المساعي التي تحاول تنظيم فاعلية العناصر الديمقراطية بطريقة ديمقراطية، فإنها تواجه الفشل على نحو ثابت. التعقيد السياسي للوضع السوري ينعكس على هذه المساعي على شكل تبايناتٍ في التقدير والتصورات من جهة، وعلى شكل غرقٍ في التفاصيل والحساسيات، وتبديدٍ للطاقات، في غياب شخصياتٍ سياسيةٍ جامعة، لها وزن معنوي وفعل استقطابي. يضاف إلى ذلك انعدام جاذبية هذه المساعي، حين تبدو مجرّد لقاءات (افتراضية غالباً) للجدل اللانهائي حول كل شيء، هذا فضلاً عن المشكلة المالية التي تحدّ من الفاعلية.

الواقع الموصوف يدفع الديمقراطي السوري في ثلاثة اتجاهات: إما الإحباط والاستنكاف عن السعي، أو الالتحاق بالتنظيمات القوية من موقع التابع، حتى لو شغل موقعاً إدارياً عالياً فيها، أو الكفر بفكرة الديمقراطية (أي بالتنظيم الديمقراطي) على الأقل بوصفها وسيلة تغيير، والاقتناع فقط بجدوى التنظيمات المركزية، شارك فيها أو بقي على هامشها.

يقودنا العرض السابق إلى تلمّس إحدى العوائق الأساسية في الانتقال إلى الديمقراطية، وهي أن فاعلية الأداة، في الشروط المحلية والدولية التي نعيشها، تستدعي المركزية الصارمة في التنظيم، وتستدعي تغذيةً عصبيةً منزاحة عن العصبية الوطنية، وهذا يطرد القوى الوطنية الديمقراطية، ويبتلع أنصارها، ويجعل ساحة الصراع السياسي محتكرةً لصالح قوى تتشابه في البنية والآليات ولاوطنية العصبية، ولا يشكل فوز إحداها فوزاً للديمقراطية، ومن غير المستبعد أن ينتهي صراع مثل هذه القوى، في النهاية، إلى تفاهم واقتسام مصالح فيما بينها بعد استهلاك شعب وموارد البلد.

كما يخرج من العرض السابق سؤالٌ مقلقٌ ويستوجب التأمل: هل يمكن بناء تنظيم وطني وديمقراطي وازن وفعال في البيئة السياسية السورية وأشباهها؟ بكلام آخر: إلى أي حدٍّ يمكن القول إن المهمة الديمقراطية السورية ممكنة في هذه البيئات؟

===========================

موقفنا : التحية والتجلة والتقدير إلى كل قيادات النخبة السورية الذين غادروا مركب التفريط والتضييع والتزوير

زهير سالم

مركز الشرق العربي

1/ 1/ 2020

بات هم الشعب السوري الأكبر هذه الأيام في اللعبة التي تدار عليهم باسم العملية السياسية ، والحل السياسي ، والمنصات المتحدة ، والهيئات المضطربة ، والتجمعات المتشاكسة ..

كل السوريين العقلاء أو الشرفاء يعلمون أن ما يديره عليهم اتحاد بوتين وترامب والولي الفقيه ما هو إلا عملية التفاف على الثورة السورية ومطالب الشعب السوري التي هي في جملتها مطالب أساسية ، يطالب أرباب جمعيات الرفق بالحيوان بأكثر منها لحيواناتهم . ولإعادة الشعب السوري المنتهك إلى بيت الطاعة الأسدي ، وبشروط أكثر ذلة ومهانة وإجحافا مما كان عليه الأمر قبل 2011 ..

همّ السوريين الأكبر اليوم كيف يقبل بعض السوريين المحسوبين على الثورة أن يكونوا الجسر الذي يعبر عليه الحل البوتيني السليماني ؟!!! ،

كيف يقبلون أن يكونوا تلك القابلة التي تمنح الشرعية لهذا المولود الشائه في خلقه وخُلقه ؟!

ومع إطلالة العام 2020 يشعر السوريون بقتامة الأفق المسدود . وبكثافة صخور الياس الجاثمة على صدروهم أثقل من جمل امرئ القيس الذي يتمطى بصلبه وينوء بكلكله .

لتفتح في أفق السوريين المسدود المعتم نافذة أمل واقعي يمثلها في الحقيقة أولئك السوريون الذين أبوا أن يحملوا أسفار بوتين وقاسم سليماني وحطب ترامب وآخرين ..

أولئك السادة القادة الذين أعلنوا في فترات متتابعة ترفعهم عن الخوض في مسارات الخائضين ، فانسحبوا من هيئات وتشكيلات المعارضة التي ظل يعاد فكها وتركيبها على عين من أعداء الشعب السوري ، أعداء الهوية وأعداء الحضارة وأعداء الإنسان..

وفي الحقيقة وبقليل من التأمل نجد أن قائمة هؤلاء السادة المتعالين على العبث والراغبين عن المزالق ، والمتحوطين من الدنس ، والذين يعيشون اليوم ويستشرفون الغد أكبر وأطول من أن نحيط بها على استعجال . ولولا الخوف من أن أنسى كريما لا يجوز أن ينسى في هذا المقام لسردت من أسماء النخبة السورية الذين تعالوا فاعتزلوا العشرات .

تقريبا كل رجال الطبقة الأولى من النخبة الذين يحترمون أنفسهم غادروا مركب التفريط والتزوير، وانسحبوا صونا للعرض وللحياء وترفعا عن تحمل مسئولية الغد المثخن كما يريده بوتين وترامب والولي الفقيه . ودائما يجب أن نميز عندما نذكر هؤلاء بين الذين ابتعدوا ترفعا وبين الذين أبعدوا تخففا فبين هؤلاء وألئك بون بعيد .

فإلى هؤلاء الكبار الكبار من كل المشارب والتوجهات نرفع تحية إجلال وإكبار وتقدير واعتراف بالسبق وبالفضل ، وبحسن التقدير للموقف ، وبجميل التبصر بالعواقب ؛ فالسياسة كما رأها أصحاب الفضل هؤلاء ليست نُهزة ساعة . ولا امتطاء ظهر موجة ، ولا خطفة في ضوء لمعة برق ..

ومع تحية الإكبار والإعجاب والتجلة لكل من غادر مركب التفريط والتخاذل والانقياد أعيد الالتفات إلى هؤلاء الذين كانوا موضع الثقة والأمل أن الترفع ليس عزلة ، وأن الخلاص في القضايا العامة ليس فرديا ، بل هو خلاص جماعي يصنعه أصحاب الرأي والمرواءت لمجتمعهم وشعبهم .

أبسط ما ننتظره من أولئك الكبار :

طي كل ما بينهم من اختلافات وهي مقدرة ومشروعة . فما حان موعد هذه الاختلافات

ثم الاجتماع من جديد لتشكيل معقد أمل لكي السوريين يستمعون منه ، ويتوجهون إليه، وينتظرونه وينتظرون منه .

معقد أمل يقوم بعبء الكبار . ويترك لغيرهم ما ارتضوهم لأنفسهم من ..

المشهد السوري اليوم بحاجة إلى رأي الحكيم الوطني الذي يعبر عن بوصلة الغد الجميل بكلمة نعم حيث تنتظر ، أو بكلمة لا حيث تجب ؛ بحسب المقتضى الوطني المستقل الجميل .

_______

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

سوريا 2019: احتلالات تكشف سوأة النظام قبل الغزاة

 صبحي حديدي

القدس العربي

السبت 28/12/2019

بعد أن شهد العام السوري 2019 حملة عسكرية ثالثة على إدلب، أوائل أيار (مايو)؛ وحملة رابعة، أواسط تشرين الثاني (نوفمبر)؛ كان منطقياً أن يعمد النظام، مدعوماً بالطيران الحربي الروسي والميليشيات الموالية المحلية والدخيلة، إلى اختتام العام بحملة خامسة، أشدّ وحشية وشراسة، وأوسع استخداماً لأسلحة الإبادة والتدمير الأقذر، وأوضح هدفاً من حيث اقتلاع المدنيين من قراهم وبلداتهم واشجار الزيتون التي حوَلوها إلى بيوت، وتهجيرهم إلى العراء والمجهول. أهداف هذه الحملة الأخيرة لم تتغير كثيراً عن أغراض الحملات الأربع السابقة، ويمتزج فيها 1) هدف قضم المزيد من الأراضي، خاصة في مناطق جنوب غرب المحافظة؛ و2) مبدأ تفكيك الاجتماع السوري المدني (الذي تجمّع، أو أُجبر على التجمّع، في قرى وبلدات ومدن المحافظة، وافداً من حماة (22%)، وحلب (21%)، وحمص (5%)، ودير الزور (4%)، وريف دمشق (4%)، ومناطق أخرى (28%)؛ إلى جانب الـ14% من سكان المحافظة الأصليين)؛ و3) تفريغ اتفاقيات أستانة وسوشي، بصدد ما تبقى من خرافة «خفض التصعيد» والتفاهمات أوّلاً، ثمّ التذكير بأنّ التفاهمات الروسية ــ التركية حول إدلب يمكن أن تتبدل وتتحوّل أو حتى تنقلب إلى حبر على ورق.

نظام استبداد وفساد بات مجرّد خادم/ دمية، لا تكاد وظائفه تتجاوز التأتأة الإعلامية، وإدارة النهب عن طريق الإمعان أكثر في إفقار المجتمع، ومواصلة ارتكاب جرائم الحرب حيثما أتاح له الرعاة أن يثبت علامة وجود

كان منتظَراً، كذلك، ان يسكت الجيش التركي عن هذه الجولة الخامسة، كما سكت على الجولات السابقة، رغم أنّ أنقرة تتشبث بموقع الراعي الإقليمي للأمر الواقع في محافظة إدلب؛ إنْ لم يكن اتكاءً على إدارة جيشها لـ12 مركز مراقبة في الشمال السوري، فعلى الأقلّ بسبب عمليتَين عسكريتين في حالة تفعيل («درع الفرات» و»نبع السلام»)، وبسبب «الجيش الوطني»، الذي أنشأته تركيا وينتشر في شمال حلب. لا أحد، بالطبع، ينتظر من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يأمر المقاتلات التركية بالتصدي لبراميل بشار الأسد أو قاذفات فلاديمير بوتين؛ إذْ في وسع الناطقين باسمه إعلامياً (وبينهم بعض «المعارضين» السوريين، للتذكير!) أن يحيلوا الصمت التركي إلى تعاقدات ثنائية مع موسكو حول تقليم أظافر «هيئة تحرير الشام»، وهو إجراء يمكن أن يشمل توجيه ضربات عسكرية مصغرّة، كما حدث مراراً في الماضي. وفي نهاية المطاف، ماذا يمكن لرجل اجتاح مئات الكيلومترات في العمق السوري أن يقول على سبيل معارضة الأسد وبوتين في إدلب؟

وأما تهجير عشرات الآلاف من أبناء معرّة النعمان أو جرجناز أو القرى والبلدات التي دكها النظام السوري والغزاة الروس، فإنّ لدى أردوغان ذلك الخطاب الجاهز، الصالح للاستخدام في المدى المنظور والبعيد، حول عجز تركيا عن استقبال المزيد من اللاجئين السوريين، وإنذار أوروبا/ ابتزازها بأنّ العبء الثقيل لا يمكن أن يظل تركياً فقط. ثمة، هنا تحديداً، هامش مشروع للتفكير في نظرية مؤامرة من الطراز الذي يتيحه منطق المعطيات الميدانية الأبسط: إذا كانت تركيا عاجزة عن، وغير راغبة في، استقبال المزيد من موجات اللجوء، وهي بالتالي لن تمكّنهم من العبور إلى أوروبا عبر بوّابات تركية مفتوحة على مصاريعها؛ فهل التوطين الوحيد المتاح أمام هؤلاء اللاجئين هو الأرض السورية ذاتها، ولكن تلك التي احتلها الجيش التركي في سياق «نبع السلام» وينوي طرد الأكراد منها على سبيل التطهير العرقي، الذي لا تسمية أخرى تنطبق عليه في نهاية المطاف؟ في عبارة أخرى، ما الذي يضير موسكو، راعي النظام السوري، أنّ الاجتماع السوري الذي تجمّع في إدلب، يمكن أن يتبعثر تدريجياً ومنهجياً في عشرات القرى والبلدات التي احتلتها القوات أنقرة الغازية، على طول الحدود السورية ــ التركية؟

ما كان منتظَراً، ثالثاً ومنطقياً، هو ثبات «هيئة تحرير الشام»، التي تُحكم على إدلب قبضة جهادية وعسكرية وأمنية ومافيوزية منذ أكذوبة «تحرير» المحافظة في ربيع 2015، على سلوك مماثل مطابق لأدائها خلال الحملات الأربع السابقة. ولعلّ الجديد الوحيد انكشاف طبائع العلاقة بين «الهيئة» وأجهزة الاستخبارات والقيادات العسكرية التركية، ليس لجهة تنزيه هؤلاء عن إي إثمّ بحقّ «الجهاد الشامي»، أسوة بـ» الإمبراطوريتين الروسية والصفوية الإيرانية»، فحسب؛ بل كذلك التزام صمت القبور (كما فعل أبو محمد الجولاني في كلمته المصوّرة مؤخراً) عن كلّ فعل أو خيار أو موقف أو صفة… على صلة برعاة «الهيئة» الأتراك. وفي ذروة القصف الوحشي وتساقط الشهداء، من الأطفال والشيوخ والنساء أوّلاً، بقيت «الهيئة» وفية للسلوك المماثل المطابق إياه؛ تختار من «ساح الجهاد» ما تحلّ فيه يوماً، كي تغادره بعد يوم؛ ولا «شعب» تكترث له خارج تعريف زائف لـ»أمّة الإسلام»، يرتبط بالغيب أكثر من اتصاله بالبشر؛ ولا «اجتماع» عندها يتجاوز ما يُجمع عليه «أمير الجماعة»، أو ولاته؛ ولا قتال إلا ما تأذن به، حتى لجهاديين أشقاء أمثال «حرّاس الدين» و»أنصار التوحيد»!

العام السوري 2019 شهد، أيضاً، وخلال الأسبوع ذاته أواخر شباط (فبراير)، زيارة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو، وزيارة رأس النظام السوري بشار الأسد إلى طهران؛ حيث العلاقة بين الزيارتين لا تقتصر على التزامن بالمصادفة، بل التقاطع في كشف حال العلاقات الروسية ــ الإسرائيلية مقابل تلك السورية ــ الإيرانية. ففي الملفّ الأوّل ثمة إحصائية دالّة في ذاتها تقول إنّ اللقاءات بين بوتين ونتنياهو بلغت 15 اجتماعاَ منذ أن اتخذ الرئيس السوري قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا؛ وأنّ نتنياهو حظي من بوتين بهدية ثمينة هي دبابة إسرائيلية كان الجيش السوري قد غنمها في سهل البقاع اللبناني، سنة 1982، وأهداها النظام إلى متحف سوفييتي، ليعيد بوتين تسليمها إلى دولة الاحتلال. في المقابل، بصدد الملفّ الثاني، تقول المعطيات إنّ معظم القتلى في صفوف جيش النظام لم يسقطوا، خلال الأشهر الأخيرة، في القتال مع المعارضة المسلحة على اختلاف فصائلها؛ بل جراء المواجهات المسلحة الضروس بين ميليشيات إيران والنظام وكتائب الفرقة الرابعة، من جهة؛ وميليشيات سهيل الحسن وكتائبه التي تدعمها القوات الروسية، في ريف محافظة حماة ومنطقة الغاب، من جهة ثانية.

وقد لا يصحّ، سياسياً وأخلاقياً، إيجاز حصيلة العام السوري 2019 دون تكريم شهداء سوريا الذين سقطوا تحت القصف أو في ميادين الدفاع عن الأرض؛ واستذكار أحد هؤلاء على وجه الخصوص، عبد الباسط ممدوح الساروت (1992 ــ 2019)، ليس لأنه يمكن أن ينوب عن شهداء كثر سواه؛ بل لأنه، ، للمفارقة الرفيعة والنادرة، امتلك من أسباب الواقع والرمز ما يكفي كي يكون نسيج ذاته وصنيعة انفراده، حتى وهو يستكمل الكثير من اصفى عناصر النماذج الاستشهادية الكبرى في سوريا ما بعد انتفاضة 2011. والساروت، مجدداً، لم يكن نسخة أخرى مكمّلة أو متطابقة مع أمثال غياث مطر أو باسل شحادة في صفّ النشطاء المدنيين؛ ولم يكرّر نماذج شهداء عسكريين، أمثال «أبو فرات» وعبد القادر الصالح؛ بل كان تكثيفاً مأساوياً بليغاً لمآلات انتفاضة بدأت سلمية، وسيقت إلى السلاح بحكم وحشية النظام وصعود الجهاديين، وكذلك بسبب الحاجة في حدودها الدنيا، القصوى والأقرب إلى الضرورة وخيار الدرجة صفر.

عام عاث فيه الغزاة فساداً في سوريا، إذن، وتضافرت فيه احتلالات روسية وأمريكية وإيرانية جديدة مع احتلال إسرائيلي قديم، وميليشيات جهادية ومذهبية تقاطرت من أربع رياح الأرض، و»معارضة» زائفة كاذبة تابعة وأجيرة؛ تكشف سوأة نظام استبداد وفساد بات مجرّد خادم/ دمية، لا تكاد وظائفه تتجاوز التأتأة الإعلامية، وإدارة النهب عن طريق الإمعان أكثر في إفقار المجتمع، ومواصلة ارتكاب جرائم الحرب حيثما أتاح له الرعاة أن يثبت علامة وجود من أيّ طراز.

===========================

سوريّو 2019... أعباء لعام مقبل

فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 28/12/2019

يغلق العام 2019 أيام شهره الأخير وسط مشهد مأساوي، يحيط بالمنطقة الأخيرة من مناطق خفض التصعيد في إدلب ومحيطها؛ حيث تتواصل عمليات قوات الحلف الثلاثي للنظام مع روسيا وإيران والميليشيات التابعة لها، وتتابع الطائرات الروسية تدمير المدن والقرى والطرق العامة عبر صواريخها، بالتوازي مع عمليات طيران الأسد، وخاصة طائرات الهليكوبتر، التي أغرقت المنطقة بالبراميل المتفجرة، ما تسبب في تدميرها كلياً أو جزئياً، وعلى سبيل المثال، فإن قصف الطيران الروسي وطيران الأسد سببا تدميراً لأكثر من نصف مباني معرة النعمان، وأصيب ما تبقى منها بأضرار متنوعة، وتم تهجير أغلب سكانها، البالغ نحو 200 ألف نسمة، كما قال أحد السكان الباقين في المدينة.

وإذا كان الفصل الحالي من الحرب في إدلب، يرسم هذا الجانب من معاناة السوريين في العام 2019، فإن معاناتهم في المناطق الأخرى لها وقائع لا تقل بشاعة. ففي شمال وشمال شرقي البلاد، يرضخ السوريون تحت أعباء ما تركته عملية نبع السلام التركية في مواجهة «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يقودها أكراد BYD، وقبلها في عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون من قتل وجرح واختفاء وتهجير وتدمير ممتلكات، وما تركته جميعها من تداعيات في علاقة العرب والأكراد السوريين، وما فعله دخول متطرفي الجانبين في فضاء تلك المعارك، فجعلوها كذباً وبهتاناً حرباً بين العرب والأكراد، أشعلوا فيها الاتهامات المتبادلة، وساهموا في تصعيد خطاب الكراهية والعنصرية بين الجانبين.

ولا يبدو الوضع في مناطق سيطرة النظام أفضل من الناحية الأمنية، ومنها مناطق المصالحات، التي استعاد النظام سيطرته عليها بمساعدة روسية. ففي تلك المناطق يتواصل التصعيد الأمني من جانب أجهزة النظام وقواته، التي تشن حملات متابعة ضد الناشطين والأعضاء السابقين في تنظيمات المعارضة المسلحة، ولا تستثني الذين التحقوا منهم بقوات النظام وأجهزته، فيتم اعتقالهم والتحقيق معهم، وغالباً مصيرهم القتل تحت التعذيب، وثمة موت يصيب أقرانهم عبر عمليات اغتيال، أغلبها تبدو عليه بصمات الأجهزة الأمنية للنظام، وبفعل مسارَي القتل السابقين، سقط مئات الأشخاص في مناطق المصالحات وخاصة في محافظة درعا.

وواقع الأمر أن ترديات حالة السوريين لا تقتصر على ما تتركه التطورات الميدانية، أو الأوضاع الأمنية، بل أضيفت إليهما مع اقتراب نهاية العام، نتائج انهيار سعر صرف الليرة السورية مقارنة بأسعار العملات الدولية، ما دفع الحالة الاقتصادية والمعيشية لأغلبية السوريين المتفاقمة أصلاً إلى مزيد من الانهيار، في وقت تتزايد تخبطات السياسة الاقتصادية الاجتماعية للنظام، بما فيها الدخول على خط تحويلات السوريين في الخارج، التي تساعد أهلهم في الداخل، وتم إضعافها، وكله ساهم في ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة كبيرة، وفاقم معدلات البطالة، وزاد مستويات الفقر، ووسّع إطار المشكلات، التي تواجه سكان مناطق سيطرة النظام.

إن تدهور الوضع السوري في المجالات المختلفة، إنما يعكس حالة الانهيار السياسي، التي صارت إليه الدولة السورية في ظل نظام الأسد، والتي صار البعض يتساءل ما إذا كانت قائمة بالفعل، خاصة أن النظام فقد خواص السلطة ودورها، وأصبح أقرب إلى العصابات المسلحة، أو الميليشيات في أحسن الأحوال، والدلائل في الحالتين أكثر من أن تعد وتحصى.

ولا تسجل المعارضة حالة أفضل في الأوضاع السياسية، ولا التنظيمية، ولا في علاقاتها البينية والخارجية، ولا في إدارة الصراع مع النظام وتحالفه الإيراني الروسي، بل إن كياناتها السياسية تراجعت، وتدهور وضع تشكيلاتها العسكرية، وما عاد موجوداً من الكيانات السياسية هو أقرب إلى تشكيلات تسبح في فضاءات القوى الإقليمية والدولية المتحكمة في القضية السورية والفاعلة فيها، ومثلها غالبية الجماعات المسلحة، ومنها المشاركة في آستانة، ومعظمها لا يتعدى أنه حامل مشروعات إسلاموية سلطوية، تنافس نظام الأسد، أكثر من أن تشكل بديلاً عنه.

يخرج السوريون من بوابة العام 2019 في أسوأ أحوالهم شعباً ونظاماً وجماعات سياسية وعسكرية، ويكثرون من الحديث عن تغيير مطلوب القيام به، لكن الأمر لا يتعدى الحديث، ما يضيف سيئة أخرى، وإن لم تكن من مستجدات 2019 فإنها قد تفاقمت فيه، فحوّلت السوريين إلى ظاهرة صوتية، تُلقي بظلالها على الجميع.

وللحق، فإن حال سوريّي العام 2019 يطرح عبء علاج الواقع، والمضي بهم نحو المستقبل، وهو خط تبناه المجتمع الدولي، ورسم أساسياته في بيان جنيف لعام 2012 ثم أجرى عليه تعديلات وصولاً إلى القرار الدولي 2254 لعام 2015 الذي يمثل إطاراً متوافقاً عليه للحل السوري، وخاصة لجهة «إنهاء النزاع»، عبر «الانتقال السياسي تحت قيادة سورية، وفي ظل عملية يمتلك السوريون زمامها، على أساس مجمل ما جاء في بيان جنيف»، و«الالتزام بوحدة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، وكفالة استمرارية المؤسسات الحكومية، وحماية حقوق جميع السوريين، بغض النظر عن العرق أو المذهب الديني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية».

وإذ عطل نظام الأسد وحلفاؤه، إلى جانب التراخي الدولي، تطبيق هذا العلاج، بما يمثله من جهد لإخراج السوريين من ترديات واقعهم، فإن على السوريين ألا يستكينوا، وأن يتقدموا نحو معالجة أوضاعهم قريباً من اتجاهات الحل الدولي، الأمر الذي يمكن أن يجعلهم قريبين من محتوياته عندما يبدأ تطبيقه، ويعطيهم فرصة الاستفادة من تأييد أطراف دولية وإقليمية، تعتقد أو تقول إنها مع الحل وتدعم تطبيقاته.

إن ما يمكن أن يكون جهداً فاعلاً في علاج ترديات 2019 يتمثل في خطة، تضع قدراتهم على السكة الصحيحة نحو معالجة الأوضاع المحيطة بقضيتهم، ولعل أول مهمات الخطة وقف الجنون العربي الكردي، وما فيه من اتهامات، تقوم على معطيات غير حقيقية، أو أنها محوره، هدفها تصعيد الكره المتبادل والاتهامات بالعنصرية والانفصالية، ودفع الطرفين إلى الأعمق في إشاعة الكراهية، التي تجاوزت علاقتهما الثنائية إلى تسميم العلاقات بين مكونات الجماعة الوطنية، وداخل كل مكون منها، وكلها أمور تدعو إلى التهدئة بين العرب والأكراد، وضمن في كل منهما، ما يؤدي إلى تهدئة أوسع داخل المكونات، وتهدئة على المستوى الوطني.

والمهمة الثانية العاجلة، تسخير كل الجهود من أجل وقف الحرب على السوريين بكل أشكالها ومستوياتها دون اشتراطات من أي نوع، بحيث تتوقف عمليات القتل والجرح والاعتقال والتهجير وتدمير القدرات والموارد الاجتماعية والفردية، تمهيداً لخطوات تالية، أبرزها بذل كل الجهود لإطلاق المخطوفين والمحتجزين والمعتقلين أينما كانوا.

والمهمة الثالثة إطلاق صندوق وطني سوري بإدارة تقنية مستقلة، يتم انتخابها، تقوم بإدارة الصندوق تحت إشراف الأمم المتحدة، توضع فيه المساعدات الأممية والدولية المقدمة للسوريين، ويشارك فيه السوريون، بما فيهم رجال الأعمال، كل وفق قدراته، وله فروع في سوريا وأماكن وجود اللاجئين السوريين، تكون مهمته مساعدتهم في معاشهم وفي العودة إلى بلدهم، وتطبيع حياتهم فيه.

المهمة الرابعة، تأسيس مجلس سياسي من إدارات «المكاتب السياسية أو ما يماثلها» من الكيانات السياسية القائمة والمعترف بها في المؤسسات الأممية والدولية، ودفعه لانتخاب هيئة إدارية، عددها ثلث المجلس، ثم هيئة سياسية مصغرة، عددها ثلث الهيئة الإدارية، تدير العمل اليومي.

إن المضي في هكذا خطة بمساعدة أو إشراف الأمم المتحدة، سيُحدث تحولاً في الواقع السوري، ليس من باب معالجة بعض ترديات الواقع، وهذا أمر ملح، وإنما من خلال قدرة السوريين على إعادة صياغة علاقاتهم البينية وعلاقاتهم بالآخرين، وتنمية قدراتهم على التوافق والعمل المشترك، والأهم مغادرة أهم ما تراكم من سلبيات المرحلة الماضية.

===========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com