العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-12-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

بؤس العالم وبؤس قادته .. نحو الأبارتهايد - برهان غليون

العربي الجديد

الخميس 1/12/2016

كشفت الحرب، بل الحروب السورية، المستمرة منذ ست سنوات، عن الأزمة العميقة التي تهز نظام العالم الذي ولد من حربين أوروبيتين، أو بالأحرى غربيتين، وعالميتين، أنهتا عصر الحروب القارية، وكرّستا، في الوقت نفسه، السيطرة الغربية على العالم. فخلال العقود الستة أو السبعة الماضية، تبدل وجه العالم، ونمت قوى كثيرة في القارات الثلاث الكبرى، وتطوّرت اقتصاداتها وقواها العسكرية ومشاركتها الدولية ونفوذها، بعد أن لم يكن يحسب لها حساب، كما غيّرت ثورة المعرفة والمعلوماتية نمط تفكير الأجيال وتطلعاتها، بينما حافظ نظام نهاية الحرب العالمية الثانية على نفسه، كما كان. وبمقدار ما عجز، كما هو متوقع، عن التعبير عن التغير الكبير والحثيث الجاري في توزيع القوة وتطور المصالح والمساعدة على كشف التناقضات الوليدة وإيجاد الحلول الملائمة لها، عمل تجميده على طمسها، والتغطية على حقيقتها، مع السعي إلى تفريغ بعضها في حروبٍ جانبية، أو موازية، يمكن السيطرة عليها والاستفادة منها لتخفيف الضغوط على النظام وتثبيته ودعمه. ومن بين هذه الحروب حروب الشرق الأوسط الكثيرة، وآخرها الحرب السورية التي تكاد تقتفي أثر الحرب العراقية، وتتحول إلى فوهة بركان دائم الاشتعال. لكن الحرب السورية التي تكثفت فيها وتقاطعت حروب عديدة، إقليمية ودينية وقومية ومذهبية وعالمية، لم تكشف اختلالات النظام فحسب، ولكنها لعبت، ولا تزال، دورا كبيرا في تعميقها وتفجير تناقضاته. يتجلى ذلك في الانقلاب الزاحف على نموذج العالم المنظم والمتضامن والعادل الذي وعدت به الدول المنتصرة البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، وحاولت أن تكرّس قواعده في مواثيق الأمم المتحدة الكونية والشاملة، وفي مدونة حقوق الإنسان، ومن العودة إلى تأكيد منطق القوة على حساب القانون، والتمييز العنصري على حساب المساواة والسيطرة بدل الحرية، وبالتالي، المخاطرة بالاستثمار في مزيدٍ من الفوضى، بدل السعي إلى وضع مزيدٍ من الاتساق داخل النظام. كيف حصل ذلك؟

 

قران القومية والرأسمالية

كانت القومية والراسمالية اللتان ازدهرتا في القرن التاسع عشر والعشرين، أكبر قوتين وحركتين وعقيدتين ونظامين، ساهما، بعد النزعة الإنسانية للقرن السادس عشر، في توليد العالم الجديد، الحي والديناميكي، على أنقاض الماضي التقليدي، البطيء والجامد. وكان لهما الفضل في تحديثه، والوصول إلى ما نسميه اليوم بالحداثة أو العالم الحديث. ومن دونهما لا نعرف كيف كان سيصير مصير العالم.

وبهذا المعنى، كانت القومية والرأسمالية تمثلان قوةً تقدميةً بالمعنى التاريخي الحديث التي يمكن تلخيصه في توسيع دائرة سيطرة البشر على مصيرهم، وتحقيق أوسع هامش مبادرةٍ لهم في مواجهة قوانين الطبعية الجائرة، أو نظامها الخارج عن إرادة البشر، وكذلك في توسيع دائرة سيطرة الفرد وهامش مبادرته أيضا داخل نظم اجتماعية، بقيت هي نفسها جامدةً، حبيسة التقاليد والقيم الثابتة والمقدسة العصية على التجديد قروناً طويلة.

أما اليوم فهما تمثل القوتين الأكثر محافظةً ورجعيةً في تاريخ البشرية الحديثة، ويشكلان 

"خسرت الدول الصناعية والمتقدمة معركتها، لأنها نظرت إلى العالم وتعاملت معه كأنه غابة وحقل صيد" المصدر الأكبر للبربرية الزاحفة وإعادة العالم إلى عصور عبودية من طرازٍ جديد، تختلط فيها قيم الاحتقار والعنصرية والكراهية والتمييز بين البشر مع خطابٍ يتم تجويفه باستمرار، حتى يكاد يتحول إلى ورقة توت، عن الحقوق الإنسانية، الفردية والجماعية، كما ينتجان شروخاً وتصدعاتٍ يكاد من الصعب تصور إمكانية تجاوزها ووقف آلية تحطيم الإنسان في داخل النظم الاجتماعية الخاصة، وعلى مستوى النظام الدولي المتحكّم بها، والقضاء على مستقبل المدنية الحديثة التي نشأت في حجرهما. وتكاد الحالة السورية تمثل ذروة هذه البربرية التي أصبحت العدو الأول لهذا النظام الدولي والضامن له في الوقت نفسه.

والسبب أن القومية التي ولدت مفهوم الأمة، وما تضمنته من ثورةٍ سياسيةٍ، ومفاهيم في السيادة والحرية والمواطنة والمشاركة الديمقراطية، من خلال فرضها نموذج الدولة السيدة، وفصلها السلطة الزمنية عن السلطة الروحية، وتحديدها حقوق الدول والمجتمعات، ووضعها قواعد التعامل في ما بينها، بصرف النظر عن عقيدة الجماعات والأفراد التي تقطن تحت سقفها، وكان هذا أكثر تنظيمات المجتمعات الإنسانية تقدماً بالمقارنة مع ما سبق من نظم إقطاعية أو ملكية أو سلطانية أو إمبراطورية، تحولت، وبشكل أشد فأشد، إلى إطارٍ لتقسيم العالم الذي وحدت تطلعاته وطموح شعوبه، بين قطبين، الأول مسيطر ومتحكّم بالقوة العسكرية والعلمية والتقنية والمالية، حرّ وقانوني، وقطب ثان يمثل معظم المجتمعات البشرية أو أكثريتها، يعيش تابعاً فقيراً مستلب الإرادة تجاه الخارج والداخل معاً، لا أمل له ولا مستقبل. وهي تدفع به بشكل أكبر اليوم نحو تجاوز الاستقطاب الثنائي إلى التشظي والتبعثر والانفلات. والسبب أن القومية التي بنت الدولة الأمة التي أوجدت شروط تحرير الفرد، وتحويله من رعيةٍ إلى مواطنٍ مشاركٍ في تقرير مصيره الفردي والجماعي، هي نفسها التي رسخت سياسات الأنانية القومية والاستهتار بمصير الدول والأمم الأخرى ومستقبلها.

فبمقدار ما عمقت الشعور بالمسؤولية لدى القادة تجاه أمتهم وشعوبهم، حرمتهم من أي تعاطفٍ أو تفهم لمصالح الشعوب الأخرى، بل جرّدتهم من أي إحساسٍ بالمصائب التي تواجهها، أو المساعدة على حلها، وبرّرت لنفسها جميع المخططات والاستراتيجيات والحيل السياسية والقانونية والأخلاقية التي تشرعن نهب موارد الدول الأخرى، والتحكم بمصيرها واستتباعها لها ووضعها في خدمتها ومنع المجتمعات المنافسة من الدخول في دائرة الحداثة الفعلية والفعالة، من أجل احتفاظها بتفوقها وهيمنتها من دون منافس. ولم تخرق قاعدة الهيمنة هذه إلا المجتمعات والشعوب الكبيرة التي كانت من القوة والانتشار، بحيث تربح امتحان القوة الذي أخذ، كما في الصين، حرب تحرير طويلة، دامت عقوداً، أو بعض الشعوب التي وافتها ظروف خاصة استثنائية ونجحت، بعد قرن من المناورات والحروب والنزاعات الداخلية والخارجية في وضع أسس النهضة الحديثة، قبل أن تتحوّل هي نفسها أيضا إلى دول قومية إمبريالية. باختصار، الدولة الأمة التي حرّرت المجتمعات في جزء كبير من المعمورة، ومكّنتها من تقرير مصيرها، والتعبير عن إرادتها، هي نفسها التي حلّت عرى أكثر المجتمعات وفكّكتها، وحكمت عليها بالدخول في أزمةٍ فكريةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ دائمة، ودانتها بالبقاء في قفص الديكتاتورية والاستبداد والطغيان.

أما الرأسمالية التي فجرت طاقات الاقتصاد السياسي، من خلال تطوير روح المبادرة والاستثمار المنتج، وفجرت في إثرها وأخصبت في حضنها ثورةً تقنيةً وعلميةً ومعلوماتيةً عالمية، فقد تحوّلت إلى أكبر عامل في اجتياح الاقتصادات الأخرى، وإغلاق أفق التحول لدى الشعوب والمجتمعات التابعة، واستخدام ثرواتها البشرية والمادية من أجل خدمة مآربها. وقد تحولت، بشكل مضطرد، إلى قوة أمبريالية تتغذّى من المضاربات المالية والسياسية، فتضعف فرص الشعوب على بناء اقتصادات منتجة، وتحرم أغلب سكان المعمورة من حقهم في التحرّر والسيادة والتنمية الطبيعية.

الزواج المثير بين القومية أو الدولة الأمة والرأسمالية ولد منذ ثلاثة قرون إمبريالية، أو نظام

"الترامبية سوف تقود الغرب، بمعناه الجيوسياسي والاقتصادي، الخائف على موقعه ومكانه وازدهار مجتمعاته واقتصاداته، نحو التطرّف والتشدّد والانغلاق" سيطرة عالمية متداخلة، لم يسبقه، في أي حقبةٍ، عالم على المستوى نفسه من الانقسام والتناقض والتبعثر والاستقطاب على كل المستويات، وفي كل الميادين، ولا وجد قبله عالم عرف مستوىً من الثراء والتقدم التقني والعلمي، وتجمع القوة وتمركزها، وفي الوقت نفسه، اتساع دائرة الفقر والبؤس وهشاشة شروط الحياة وفقدانها أي معنى عند مليارات البشر، كما يعرف ذلك عالمنا اليوم. وهو عالم يسير حتما إلى الجنون والانفجار. فالدينامية التي دفعت الأمم من منطلق المصلحة القومية والأنانية إلى التنافس، ومراكمة الموارد والأرباح، وتعزيز السيطرة على رأس المال، هي نفسها التي وقفت منذ قرنين، ولا تزال تقف ضد أي مشروع إنساني جماعي، يهدف إلى مساعدة الدول الفقيرة والشعوب التي زعزع استقرارها، وحطم توازناتها ودمر اقتصاداتها، وقوّض مسار تقدمها الاستعمار، قبل أن تحول دون بنائها القومي والرأسمالي الهيمنة الدولية أو تحول القومية والرأسمالية إلى امبريالية عالمية. وتكاد هذه الدول الفقيرة، مع تصميم القوى الأكبر على تركها تتخبط في أزماتها ونزاعاتها وحروبها الداخلية والبينية نتيجة بؤسها، تفقد أي أملٍ للخروج من مأزقها، وتأمين الموارد والخبرات والكفاءات لتأهيل نفسها للحياة ضمن مجتمع الحداثة والتقدم التقني والعلمي.

 

الحرب بدل التنمية

والآن، مع تخلف الجزء الأكبر من البشرية عن اللحاق بركب المدنية، وتفاقم الأزمات الداخلية لها وصعود التوترات والنزوع للحرب والقتال، تحولت الدول الغنية المتقدمة إلى واحة رخاءٍ في صحراء قاحلة، وسوف تصبح "الهجرة" نحو هذه الواحة هي المشكلة الرئيسية لهذه الدول خلال العقود المقبلة، وسوف ترد عليها برفع جدران عالية، نفسية ومادية، لردع القادمين البرابرة، ودحر موجات المهاجرين. لكنها لن تستطيع، مهما فعلت وحصّنت نفسها، أن تقف أمام تسرّب موجاتٍ وجيوشٍ من المرشحين لركوب كل مخاطر الموت للخلاص بأنفسهم، والتغلب على الموت المعنوي والجسدي الذي صار مصيرهم الوحيد ومستقبلهم، نتيجة استبعادهم من الحضارة. لن يتوقف الضغط على هذه الواحات الصغيرة. ولن تفلح، مهما أقامت من أسوار وتحصيناتٍ في رد المهاجمين الذين لن يأتوا هذه المرة محاربين، ولكن عاشقين، ولن يزيد رفع جدران العنصرية والعزل، إلا في تعزيز إرادة الوصول إلى بر الأمان والتوغل إلى جنة الخلد الموعودة.

خسرت الدول الصناعية والمتقدمة معركتها، لأنها نظرت إلى العالم وتعاملت معه كأنه غابة وحقل صيد، تنهب منه ما تشاء وتقتل ما تشاء وتدمر البيئة وشروط حياة الشعوب والأجناس، من دون تفكير في المستقبل، ولا تأمل في النتائج. في وقتٍ كانت تملك فيها من الموارد والخبرات والقيم الإنسانية التي مكّنتها من بناء نفسها، دولاً وأمماً متمدنة، لو استخدمت جزءاً يسيراً منه، لفتحت أمامها وأمام الإنسانية طريقاً آخر للأمن والسلام والازدهار الجماعي. كل ما كان عليها أن تفعله هو التخلي عن الأنانية القومية، والحد من شره السلطة والنفوذ والحرص على موارد الشعوب التي هي جزء من موارد الإنسانية بأكملها، بدل هدرها على مذبح المنافسة الربحية، ومراكمة الثروة ورؤوس الأموال. ولو تم ضبط آلية ومنطق الربح السريع والمفتوح لصالح التفكير في المستقبل، مستقبل الدول المتقدمة ومجتمعاتها وشعوب العالم ككل، لكان من الممكن صياغة سياساتٍ اقتصادية للكوكب بأكمله، تؤمن الحياة لجميع أبنائه، وفي الوقت نفسه، تحافظ على الطبيعة والبيئة، وتغير من أنماط الهدر والإدارة الوحشية للموارد البشرية والطبيعية التي اتبعتها رأسمالية منفلتة.

ما كانت الدول الصناعية بحاجةٍ إلى أن تصرف من جيبها قرشاً واحداً كما فعلت، عندما أعلنت مشروع مارشال لإنقاذ أوروبا التي اجتاحتها الحرب ودمّرتها. بالعكس، لو أنها وفرت 10%

"لم ينجح ترامب في أن يكون الممثل الشرعي لجمهورٍ متزايد من الجماهير الضائعة، إلا بمقدار ما برهن في سلوكه وفكره على أنه الوريث الشرعي للحضارة القومية والرأسمالية الرّثة" من الموارد التي كرّست للحروب الاستعمارية التي شنتها الدول المتقدمة على بعضها منذ القرن التاسع عشر، لتوسيع دائرة نفوذها والسيطرة على الموارد الطبيعية للشعوب التابعة، ولو عملت على توجيه جزءٍ من نفقات التسلح التي تنفقها البلاد التابعة نفسها، حماية للطغم الحاكمة من شعوبها ومن منازعاتها في ما بينها، ووجهت ريوع المناجم النفطية وغير النفطية في الدول المنتجة لأهداف غير شراء الأسلحة، وتعزيز موقف صناعات السلاح، لكان وجه الأرض قد تغيّر تماماً، وعمت الخضرة الكرة الأرضية والسعادة البشرية بأكملها. كل ما كان يحتاجه الأمر هو مشروع مارشال على مستوى القارات، ورؤية شاملة لعموم الإنسانية، أي خروج من أفق القومية الأنانية والربحية الرأسمالية البليدة والميكانيكية. نظرت الولايات المتحدة إلى أوروبا حليفاً، بينما نظر الغرب بأكمله للعالم النامي، أي لثلاثة أرباع البشرية، حقل صيد وقنص ونهب مفتوح لجميع الرأسماليين والمغامرين. هذه هي الحقيقة.

هل ضاعت الفرصة لمراجعة سياسات الدول المتقدمة الصناعية؟ للأسف نعم، ليس لأن هذه السياسات لا يمكن التراجع عنها أو تغييرها بعد الآن، فمن الممكن، في كل لحظة، العودة نحو سياسةٍ دوليةٍ أكثر شمولية ورؤية مستقبلية، إنما لأن الطغم والنخب الحاكمة في هذه الدول أصبحت حبيسة حسابات انتخابية، وأجندات شخصية وسياسية ضيقة الأفق وقصيرة المدى، لا تسمح لها بالتفكير في المستقبل البعيد، بل ربما القريب، ولأنها فقدت الروح النقدية التي تمكّنها من إعادة النظر بسياساتها وإدراك أن ما كان صالحاً من هذه السياسات منذ قرن لم يعد يمكن المراهنة عليه اليوم، مع تزايد مشكلات الفقر والتهميش الجماعية والحروب وتدمير البيئة الطبيعية، والأهم النفسية والاجتماعية عند الإنسان، ولأنها أصبحت رهينة محبسيها: الأنانية القومية والحسابات الضيقة التي تتحكّم بالسياسة في كل دولة، وحاكمية الريح والتراكم الرأسمالي، وأولويتهما في تحديد سياسة إدارة الموارد البشرية والنزاع الوحشي عليها، فهي لا ترى أمامها أكثر فأكثر إلا الظلام والسواد والخطر. ولا تجد طريقاً للخلاص، إلا بالعودة إلى ردود فعل الخائف والمرتعب والخاسر سلفاً، أو الذي يشعر بأن القدر ينقلب عليه، وهو ينقلب بالفعل، وهو ما يفسّر نزوع السياسيين الطموحين، والفاقدين، أكثر فأكثر، لثقتهم بالسير الطبيعي والناجع للآليات القومية والرأسمالية معا، إلى تبني أيديولوجيات غصب التاريخ والنكوص على مبادئهم نفسها، واستبدالها بقيم العصر البربري الجديد، عصر الكراهية والعنصرية والعداء للأجنبي، أي أجنبة المختلف، والانكفاء بشكل أكبر على الأجندات القومية التي تشكل هي نفسها اليوم السبب الرئيسي لتدهور البيئة الدولية الفكرية والسياسية والاقتصادية.

 

مكر التاريخ

بمقدار ما كانت سياسات هؤلاء وراء إنتاج ما يعيشه العالم من تفجّر النماذج والأشكال الجديدة للبربرية، فهم يشعرون اليوم بأنهم ربما اقتربوا من أن يدفعوا ثمنها، ويتحوّلوا إلى ضحيةٍ لسياساتهم الأنانية ذاتها. وربما كان بركان الشرق الأوسط الذي شهد أفظع نموذجٍ للاستهتار بمصير الشعوب وهدر أرواح أبنائها ومواردها، ومن تهميشها واحتقار نخبها ومستقبل أجيالها هو الذي يمثل اليوم، بما يقذفه من حمم على نفسه، وعلى العالم المحيط به، النموذج الأول لما سيتحول إلى محرقة عالمية خلال القرن المقبل، ما لم تحدث بالفعل ثورة فكرية عند النخب الحاكمة والطبقات السياسية السائدة في الدول المتقدمة، وجزءاً كبيراً من النخب الفاسدة والجانحة في البلدان الفقيرة والتابعة.

ترامب وعقيدته الرثة التي مكّنته من الفوز، ليس ولن يكون الوحيد بين أبناء جلدته من

"ألمانيا ميركل وحدها هي التي لا تزال تقاوم سحر نموذج جديد من سياسات الأبارتهايد" السياسيين الطامحين إلى قيادة مرحلة الردة الجديدة على قيم ومثل وآمال وأوهام العصر الذهبي الآفل للدولة القومية وللرأسمالية المنتجة والخلاقة. إنه يجسّد، في ثورته الرثة ذاتها وجمهوره من الضائعين والمتذمرين من دون وجهةٍ ولا يقين، خيار الهرب نحو الهاوية الذي لم يعد لدى نظام العالم القائم بديل له، إن لم تراجع النخب والطبقات السياسية الحاكمة خياراتها البالية والبائدة والفاسدة، وتتخلّ عن معاييرها القومية المغلقة ورأسماليتها الريعية والطفيلية المتفاقمة.

ومن الواضح أن الترامبية سوف تقود الغرب، بمعناه الجيوسياسي والاقتصادي، الخائف على موقعه ومكانه وازدهار مجتمعاته واقتصاداته، نحو التطرّف والتشدّد والانغلاق، تماماً كما كان عليه الحال عندما قادت التاتشرية، وما مثلته من سياساتٍ نيوليبرالية، الدول الصناعية بعد عقود من النمو المتسارع الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي أوروبا، هناك مرشحون كثيرون ينتظرون دورهم، ويمتشقون سيف ترامب الفكري والسياسي، لكسب انتخابات الرئاسات المقبلة، تماماً كما يعزّز هذا المسار من تيارات الشمولية الراسخة في دول المحيط والأطراف، في آسيا وإيران وأفريقيا والعالم العربي. ألمانيا ميركل وحدها هي التي لا تزال تقاوم سحر نموذج جديد من سياسات الأبارتهايد الذي اتبعته في الماضي النخبة البيضاء في جنوب أفريقيا، لكن هذه المرة على عموم المعمورة. ومقاومة ألمانيا نابعة من تجربتها المريرة مع أشرس نسخةٍ للعنصرية المريضة ولدت في التاريخ الحديث، وراحت ضحيتها شعوبٌ كثيرة، وأولهم الجماعات اليهودية، لكن أيضا أجيال كاملة من الشبيبة الألمانية التي ضحي بها على أعتاب وهم سيطرة قارية مجنونة.

لكن، بموازاة تحول العالم بأكمله إلى أبارتهايد من دون ضفافٍ ولا حدود، تتحكّم فيه نخبة بيضاء، وأشباهها ومريدوها في الأمصار، بمصير المجتمعات وتحكم عليها بالموت والفقر والتهميش والحروب والنزاعات الدائمة، تولد أيضا في كل دولةٍ ومجتمع، وأولها دولة الهجرة بامتياز، الولايات المتحدة، "أبارتايدات" داخلية تخلق بين النخب الحاكمة والشعوب شرخاً لا يمكن ترميمه، وتهم بأن تطلق هي أيضا حركة تطويق الشعوب، كما فعلت إسرائيل في الضفة الغربية وغزة، بالجدران العازلة، إن لم يكن بفرض حياة الغيتو وشروطه على النخب الحاكمة والمالكة، في ما تسمى اليوم المربعات الخضراء، وتحويل الدولة إلى قلعة محاصرة ومحاصرة في الوقت نفسه.

لا يبشر القضاء على الطبقة الوسطى، الحاضنة التاريخية لقيم التفتح والتسامح والتحرّر، بمستقبل زاهر للديمقراطية وقيم التضامن الإنسانية واحترام حقوق الإنسان. بالعكس، يشكل ذوبانها المادي والثقافي معا تربةً خصبة لنشوء الفاشية التي تتغذّى من اليأس، والتي لا تستمد شعبيتها مما تعد به جماهير المهمشين بالتحرّر والازدهار، وإنما من تهديدها من هو خارج عنها بإدخالها في دائرة البؤس والاحتقار.

لم ينجح ترامب في أن يكون الممثل الشرعي لجمهورٍ متزايد من الجماهير الضائعة، إلا بمقدار ما برهن في سلوكه وفكره على أنه الوريث الشرعي للحضارة القومية والرأسمالية الرّثة التي فقدت روحها، ووصلت في آخر عهودها إلى طريقٍ مسدودةٍ، أفقدتها ثقتها بالعالم وبالمستقبل. إنه رمز لحقبة شعاراتها السياسية الرئيسية الكراهية والعنصرية، ورائد جيل من القادة والنخب السياسية التي تحضر نفسها للحكم في أكثر من دولة ومنطقة في العقود القليلة المقبلة.

========================

دماء السوريين تنتصر - سهيل كيوان

القدس العربي

الخميس 1/12/2016

لم يحتج نظام الأسد الأب في العام 1982 إلى قوات أجنبية لتثبيت حكمه وقمع أهل حماة، ولم يحتج لطيران الاتحاد السوفييتي، ولا لفيلق القدس الفارسي، أو لرايات ميليشيات الحسين وآل البيت، وآيات الله بأشكالها وألوانها ومسمياتها المختلفة لقمع الشعب السوري الذي انتفض في حماة.

تمكن جيش النظام من قمع انتفاضة أهل حماة عام 1982 فاحتل المدينة وقسّمها إلى مربعات، ثم نكل بالناس ونهب بيوتهم وأهان كبارهم واعتدى على حرمات بيوتهم وقتل وزج بالآلاف في السجون، دون أن يسمع العالم بما يجري سوى القليل! حتى أن معظم وسائل الإعلام العربية تجاهلت تلك المجازر، باعتبارها شأنا داخليا كما يبدو، وإن ذكَرتها فبشكل عابر، أو بشكل كيدي، وتصفية حسابات بين الأنظمة وليس مبدئيا، تنتهي بمكالمة هاتفية أو مصافحة في لقاء قادم.

واعتُبر من يثير قضية تلك المجازر بأنه عميل للصهيونية والاستعمار والإمبريالية، ووجهت التهمة لحركة الإخوان المسلمين ووُصفوا بأنهم إخوان الشياطين، وبأنهم مدسوسون، رغم سقوط ضحايا من المسيحيين والبعثيين من أهل حماة، لمجرد تضامنهم مع عائلاتهم وأبناء مدينتهم وذلك لتلقين الناس درسا قاسيا لا ينسى.

كانت المسافة الزمنية قصيرة بين حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973 ومجزرة حماة عام 1982، وكان النظام ما زال قادرا على استخدام ورقة حرب تشرين العربية ضد إسرائيل، فقد كانت بريق أمل، رغم ما تمخّض عنها من اتفاق فض اشتباك مذل مع الاحتلال المستمر حتى يومنا هذا.

إلا أن ورقة تشرين بدأت تذوي، عندما ترك النظام الجولان محتلا وأشغل نفسه وقواه في لبنان لقمع كل من يعارض خطه ومصالحه كنظام وبالذات القوى التقدمية، متقلبا حسب مصالحه تارة لليمين وتارة لليسار! ثم دعمه لإيران في حربها طويلة الأمد ضد العراق، العراق الذي دعمه في حرب تشرين وأوقف الهجوم الإسرائيلي المضاد في حرب أكتوبر وأنقذ الجبهة السورية من الانهيار الكامل في الجولان، ثم أسهم في التحالف الأمريكي الدولي في ما سُمي بحرب «تحرير الكويت» بثلاثين ألف جندي، على أمل الحصول على غنائم سواء من الكويت بعد تحريره أو من العراق بعد احتلاله، مثله مثل أي غازٍ أجنبي. هكذا صار لبنان والفلسطينيون والعراق وقمع الشعب السوري وضمان توريث السلطة شغل النظام الشاغل، والهدف الأسمى هو الحفاظ على السلطة لآل الأسد والحلقة المحيطة بهم. سقطت الأقنعة عن النظام، موقفا بعد موقف، ومجزرة بعد مجزرة، وكلما طال أمده في السلطة، ازداد التذمر وساد الفساد وتقلصت مساحات الحريات وتمركزت الصلاحيات بالدائرة القريبة حول آل الأسد وأنسبائهم والمخلصين جدا من البعثيين الممسكين بزمام الجيش والاقتصاد السوري.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على مجزرة حماة، تململ شعب سوريا، وبعد كل ما صار الجميع يعرفه من جر الثورة إلى العسكرة لذبحها ظهر جيش النظام ضئيلا هزيلا عاجزا. واضطر النظام على الاستجارة بالقوة العسكرية الثانية في العالم، فتبجّح قادتها بأنهم يجربون أسلحتهم الحديثة بنجاح في سوريا، وبتنسيق أرضي مع آيات الله الإيرانية والميليشيات الكربلائية وأجهزة المخابرات الملحدة والكافرة والعلمانية العربية والعالمية والصهيونية خاضت رايات الحسين وأبو الفضل وبوتين بدماء السوريين.

هكذا بدأ يسترجع النظام توازنه، وبعد جهود كبيرة من حلفائه راح يعيد احتلال المواقع التي طُرد منها، بعدما حُرمت المعارضة من أي سلاح مضاد للطائرات، في تآمر دولي أمريكي صهيوني روسي سوري إيراني عربي على ثورة الشعب السوري، إلا أن من يدخل مدن وقرى بلاده بقوة السلاح وبعد حصار طويل، وبإسناد من قوى أجنبية لا يمكن أن يكون رئيسا لها، بل هو مغتصب للسلطة في بلاده.

في معركة كربلاء التاريخية استشهد بضع عشرات من أصحاب الحسين وأسرته عليهم السلام، وقيل إن دماء الأبرياء انتصرت على السيف. وها قد عاد التاريخ ولكن بمجرمين يرتدون أقنعة الحسين وأبو الفضل العباس وأصحاب الحسين عليهم السلام، بينما هم يثخنون قتلا وهدما وتهجيرا بشعب سوريا المظلوم والعظيم، إن ما نراه الآن هو دماء السوريين المظلومين تنتصر على سيوف المستبدين والطائفيين والمرتزقة من الروس والفرس وأذنابهم.

السوريون هم المحاصرون وهم الذين يموتون جوعا وعطشا، ويستشهد منهم كل يوم ألف حسين وحسن وجعفر وعلي ومحمد، دماء الحلبيين تنتصر على سيوف الغزاة المتنكرين بعمامات الحسين المدعومة بطائرات بوتين.

أعجب لإعلام يسمي هذه المجازر انتصارات، وهي الهزائم في جوهرها، فمن يحكم شعبه بقوة طيران وأساطيل وفيالق الأجنبي مهزوم، وهو ليس شرعيا مهما حصل على أختام بشرعيته من دول معادية للشعوب العربية وتحررها.

تستطيع تضليل العالم كله، وتزعم أن الإرهابيين اتخذوا من أكثرية شعب سوريا دروعا بشرية، وقد يصدقك كثير من البلهاء، ولكنك تعرف الحقيقة، بأن الشعب السوري تقيأك ولن يقبل بحكمك بعد اليوم، وسوف ينتظر فرصته ليضع الأمور في نصابها الصحيح.

من يظن أن الثورة العربية المعاصرة انتهت أو ستتوقف عند هذا المفصل التاريخي فهو مخطئ، من يظن أن بقدرة روسيا وإيران وحزب الله وأمريكا واللوبي الصهيوني وترامب وغيرهم إنقاذ أنظمة عافتها شعوبها فهو واهم. الجسد العربي واحد، وأي تململ في أي قطر عربي ستكون له ارتدادات وأصداء على الجميع، ولا أحد يستطيع التنبؤ أين ستنفجر الانتفاضة المقبلة وفي أي قطر عربي ولكنها قادمة لا محالة، وهناك تململات ورائحة تحركات (التململ في السودان كمثال). ما نستطيع تأكيده، هو أن حلب بداية وليست نهاية، الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما لن يغفر للنظام ومناصريه جرائمهم، وأمتنا المذبوحة من المحيط إلى الوريد ما عادت تتحمل أكثر ولن تتراجع، وسوف تواصل ثوراتها وانفجاراتها حتى تحقق أحلامها بالحرية والكرامة مثل كثير من شعوب الأرض.

========================

حلب وما بعد - بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 1/12/2016

حين غادرت مدينة حلب مضطراً، في مطلع العام 2013، كان الجيش الحر في أوج عنفوانه. فقد اكتسح لواء التوحيد بقيادة المرحوم عبد القادر الصالح، مع وحدات أخرى، شرقي حلب، في شهر تموز/يوليو 2012، خلال أيام معدودات، وبقي النظام محصوراً في غرب حلب في وضع دفاعي، مع قصف جوي وصاروخي يومي للمناطق التي فقد السيطرة عليها، قصف لا يحقق مكاسب استراتيجية، لكنه يملك قدرة هائلة على التدمير وتحويل حياة سكان المناطق المحررة إلى جحيم.

وهكذا انقسمت أكبر المدن السورية، مساحةً وسكاناً، بين ثلاث قوى: قوات النظام وميليشياته، قوات الجيش الحر، قوات وحدات حماية الشعب الكردية. تغيرت خريطة سيطرة هذه القوى، تغيرات عديدة متفاوتة الأهمية، في غضون السنوات الأربع التي تفصلنا عن بدء معركة تحرير حلب، وارتفع منسوب الدمار العمراني والخسائر البشرية، بين المدنيين بصورة خاصة، لكن التقسيم الثلاثي الأولي بقي على حاله، مع تغيرات هيكلية في أجسام قوات كل من النظام والمعارضة، في حين حافظت القوات الكردية على وضعها الأولي ومناطق سيطرتها المحدودة بالأحياء ذات الغالبية السكانية الكردية.

أما قوات النظام، فقد تغيرت تركيبتها كثيراً بحيث غلب عليها طابع الميليشيات الشيعية المستوردة من لبنان والعراق وإيران، وأصبح سلاح الطيران الغالب، منذ خريف العام 2015، هو السلاح الجوي الروسي الذي عمل بشراسة وفعالية فاقت ما كان لدى طيران النظام الكيماوي.

بالمقابل، تغيرت تركيبة قوات المعارضة من مقاتلين محليين في إطار كتائب وألوية الجيش الحر، إلى فصائل إسلامية في غالبيتها، متفاوتة المسافة عن تيار السلفية الجهادية الذي لا يعترف بالحدود الوطنية للدولة السورية، ناهيكم عن مشروع مستقبلي لسوريا ديمقراطية مدنية.

بيد أن المشكلة لم تبدأ مع التحول الإسلامي لغالبية الفصائل، بل في غياب استراتيجية وطنية لأولئك المقاتلين الشجعان الأوائل الذين أوهمتهم دول إقليمية داعمة، وكذا أطر المعارضة السياسية، بأن معركة تحرير مدينة حلب هي الخطوة الأولى على طريق تحرير سوريا من نظام الأسد، وأن ذلك أصبح في المتناول. الواقع أن أحداثاً كبيرة حدثت، في تلك الفترة، كانت مما يعزز هذا الوهم: كالتفجير الذي وقع في مبنى مكتب الأمن القومي واستهدف خلية إدارة الأزمة، وحدوث انشقاقات على مستوى عالٍ من النظام، وسيطرة الثوار على المعابر الحدودية مع تركيا، ودخول الجيش الحر لأحياء طرفية في دمشق كبرزة وجوبر.

لم يمض وقت طويل على تحرير شرقي حلب، حتى اتضح أن الوضع استقر على التقسيم الثلاثي المذكور أعلاه، في توازن قوى غير مسموح، دولياً، بكسره. أي لا يسمح لقوات المعارضة باستكمال تحرير حلب، ولا يملك النظام قوات برية كافية لإعادة سيطرته على المناطق المحررة من المدينة، في الوقت الذي كان يخوض فيه معارك يائسة على جبهات كثيرة متفرقة على الجغرافية السورية، أنهكت قواته المتنقلة من منطقة إلى أخرى.

وهكذا كان تحرير جزء من حلب قد تحول إلى عبء على المعارضة. ففضلاً عن استجلاب قصف النظام الجوي والصاروخي الذي يستهدف المدنيين أساساً، أصبحت فصائل الجيش الحر مسؤولة عن تأمين مستلزمات الحياة لمليونين من السكان، على رغم النزوح الكثيف من مناطق القصف. كما أنها باتت تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن تجاوزات بعض مقاتليها بحق السكان. في شهر تموز/يوليو بالذات سمعتُ شكاوى بعض الأهالي في المناطق المحررة من تجاوزات الجيش الحر بوصفه سلطة الأمر الواقع الجديدة.

وفي المناطق الكردية (حيي الشيخ مقصود والقسم الطرفي من الأشرفية) بنى حزب الاتحاد الديمقراطي حكمه الدكتاتوري على السكان، بصورة متدرجة ولكن ثابتة، وأنشأ كياناً سياسياً جديداً أسماه «مجلس شعب غربي كردستان» سيتطور لاحقاً إلى إدارة ذاتية قبل أن يعلن الحزب الكردي مناطق سيطرته كياناً فيدرالياً في العام 2015.

تأخرت معركة استعادة سيطرة النظام على شرقي حلب، وكان قد أعلن عنها مراراً خلال السنوات الماضية، بسبب عدم امتلاكه لقوات كافية، ثم بسبب اختلاف الأجندتين الإيرانية والروسية بشأن المدينة ومستقبلها. لكن انهيار التفاهم الروسي ـ الأمريكي الذي أعلن في شهر أيلول/سبتمبر الماضي، دفع الروس إلى حسم أمرهم بشأن السيطرة على حلب في الوقت الضيق المتبقي من عمر إدارة باراك أوباما في السلطة. كما تمكنت موسكو من إقناع تركيا بالتخلي عن مدينة حلب مقابل الجيب التركي في الريف الشمالي. ومن المحتمل أنها خدعت الأتراك بالإيحاء بأنها موافقة على خطة ديمستورا مقابل سعي تركيا لسحب مقاتلي جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) من شرق حلب. وتلقت تركيا أول الغدر الروسي قرب مدينة الباب، حين قصف طيران النظام الكيماوي موقعاً لقوات النخبة التركية هناك، في الذكرى السنوية الأولى لإسقاط تركيا طائرة السوخوي الروسية على الخط الحدودي بين تركيا وسوريا، فقتلت أربعة جنود أتراك، في رسالة ترسم الحدود المسموح بها لتركيا، وقوات المعارضة المتحالفة معها، الوصول إليها في عمق الجيب التركي. أي أن مدينة الباب المحتلة من قبل داعش لن تعطى لتركيا وحلفائها السوريين، بقرار روسي ـ أسدي.

التعاون المباشر الصريح بين ميليشيات النظام والميليشيات الكردية في السيطرة على القسم الشمالي من حلب الشرقية، ينبئ بتعاون مماثل بين الطرفين بشأن معركة الباب، بحيث تقوم قوات صالح مسلم بتحرير المدينة من داعش، بإسناد جوي روسي، لمصلحة النظام.

بالعودة إلى حلب المكلومة، من المحتمل أن يتمكن حلفاء النظام من استعادة كامل حلب قبل انتقال السلطة في واشنطن، إذا بقي ميزان القوى المختل الذي رأيناه في الأيام القليلة الماضية على حاله. وإذا كان ذلك سيشكل هزيمة مؤكدة للفصائل المسلحة في شرقي حلب، فهو لن يكون، بالمقابل، نصراً للنظام، بل لروسيا وإيران والميليشيات التابعة لهذه الأخيرة. فالنظام الذي رهن نفسه ومستقبل سوريا للقوى الأجنبية الداعمة، لا يمكنه الانتصار أبداً.

٭ كاتب سوري

========================

حلم السوريين بالحرية ، المعضلة والحل - د. وليد البني

 كلنا شركاء

الاربعاء 30/11/2016

من المؤكد أن هناك عوامل متعددة ومختلفة اوصلت سوريا والسوريين الى الوضع الكارثي الذي يعيشونه اليوم .

في آذار ٢٠١١ عندما بدأت أولى مظاهر الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالديمقراطية والتعددية وحرية التعبير ، وانهاء خمسون عاما من الاستبداد والفساد والقمع ونهب ثروات البلاد، لم يكن أكثر المراقبين والمحللين السياسيين تشاؤماً يتوقع أن تؤدي هذه الاجتجاجات السلمية بسوريا الى الكارثة التي تعيشها اليوم . لكن لماذا حصل ماحصل ومن يتحمل المسؤولية عن هذه الكارثة ؟،

طبعاً الجواب الأسهل بالنسبة لسياسيي المعارضة هو تحميل نظام مافيا الاسد والمؤامرة الدولية كامل المسؤولية ، وبالنسبة للمستفيدين من فساد نظام الاسد أو حتى السوريين المرعوبين من التغيير والبديل الاسوء ، خاصة بعد ظهور قوى التكفير الظلامية في سوريا، هو تحميل المؤامرة الكونية على نظام الأسد والمعارضة العميلة كامل المسؤولية ، دون محاولة تحليل الأحداث بشكل موضوعي وتوزيع المسؤولية على كل من ساهم في الأحداث التي جرت منذ ذلك التاريخ الى اليوم .

في البداية لا أحد يختلف في أن عائلة الاسد والمافيا المحيطة بها، هي المستبد التي ثار الناس عليها ليبعدوها عما آصبحت تعتبره مزرعة ورثتها عن حافظ الاسد، وبالتالي بالنسبة لها هي معركة حياة أو موت ستستخدم كل ما قد يتاح لها من ادوات مهما بلغت قذارتها، حتى لو وصلت الى اثارة الفتنة الطائفية أو تدمير البلاد أو رهنها للأجنبي ، حتى تتجنب السقوط والمحاكمة على جرائم تعتبر من أبشع مايمكن لمستبد أن يرتكبه، فمسؤوليتها عن هذه الكارثة لاتحتاج شرحاً ولا تفصيلاً لانها من البديهيات.

آيضاً لا يمكن اهمال الدور السلبي للقوى الدولية التي امتنعت عن مد يد العون لثلاثة وعشرين مليون سوري ارادوا تلمس طريقهم نحو الحرية والعصرنة بعد عقود من الكبت والقمع والابتعاد عن السياسة، ولا الاستغلال البشع الذي حصل من هذه القوى للأحداث السورية لخوض معاركها فيما بينها على حساب دماء السوريين ومستقبل دولتهم .

لكن اليس على من تصدى لقيادة هذه الثورة من مؤسسات معارضة مسؤولية لاتقل حجماً عن مسؤولية الأسد والمافيا التي يرأسها في الوصول الى تلك الكارثة؟؟.

لم يترك الكثير من السوريين الثورة ويفضلوا الحياد او الهجرة والبحث عن ملجأ آمن لهم ولعائلاتهم ، كرهاً بوطنهم أو حباً بنظام مافيوي فاسد خبروا فساده وإجرامه وغدره على مدى عقود، بل يأساً من قيادات معارضة سياسية وعسكرية لم تنجح في أن تكون أفضل منه.

لم تثبت مؤسسات المعارضة السياسية للسوريين انها أقل جشعاً للمال والسلطة وإمكانية الوقوع في إغراءات الفساد والتبعية لغير السوري مقابل المال والسلطة من مؤسسات التظام المافيوية التي كرهها الناس لنفس هذه الأسباب .

أما الفصائل العسكرية التي شكلت سلطة الأمر الواقع في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام فلم تختلف عنه الا في الامور التالية :

تم استبدال البدلة العسكرية المموهة أو الكورية بالبدلة الأفغانية، واستبدلت السيدارة بلفة الرأس السوداء، كما تم استبدال عبارة يارفيق البعثية بعبارة ياشيخ ، وبقي الخطف من المنازل والتعذيب والقتل لكل من يعارض رأي الخليفة أو الأمير أو الشيخ ، واستبدل الدعاء لقائد الأمة الرئيس المفدى ادامه الله ، بالدعاء للخليفة أو الأمير او الشيخ حفظه الله .

تغيرت التهم من وهن نفسية الأمة اثناء الحرب، أومعاداة النظام الاشتراكي ، أو محاولة اقتطاع جزء من سوريا وإلحاقه بدولة أجنبية ( تهمة خاصة لكرد سوريا) عند نظام عائلة الاسد ، الى الكفر الظاهر وترك الصلاة ، أو الحض على المعصية او سب الدين عند دعاة الخلافة والامارة ، والمطالبين بتطبيق الشريعة الاسلامية بالقوة، وعند من يضعون الديمقراطية تحت اقدامهم أو يعتبرونها شركاً بالله .

خسرنا السوريين غير المتدينين والسوريين من غير المسلمين السنة عندما تركنا الداعمين يُؤسلمون ثورتنا الوطنية، ونخسر الباقي تدريجياً بعدما رأى حتى المتدينون تصرفات من آلت اليهم الامور في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام .

ماالحل:

الحل قد يحتاج وقتا ، أو ربما ثورة ثانية تعود بنا الى مطالب الأشهر الأولى من الثورة، عندما كانت شعارات السوريين تدعو الى دولة سورية تعيد للسوري حريته وتحفظ كرامته وتحقق رغبته في الانتماء لسوريا خالية من الفساد والظلم والقمع والسجون السياسية ، سوريا لكل السوريين ، تحترم اديانهم وطوائفهم وقومياتهم يحكمها دستورا عصرياً لا يميز بينهم ولا يضطهد أحداً منهم .

بمطالب كهذه سيكون معظم السوريين معاً في خندق الحرية ، وبالاستفادة من التجربة المرة للسنوات الخمس الماضية سيستطيعون انتقاء أصدقاءهم بشكل أفضل وبناء علاقة أكثر ندية معهم، وسيتمكنون من مخاطبة العالم وصناع الرأي والقرار فيه بشكل مختلف حتى لا يُنظر اليهم خطأً وكأن كل ما يريدونه هو مجرد استبدال استبداداً بإستبداد من نوع آخر يخافه العالم المتحضر كثيراً ويرفضه.

========================

الواقعي والممكن والمُتَوَقَّع - د. يحيى العريضي

 كلنا شركاء

الثلاثاء 29/11/2016

يوماً بعد يوم, يثبت دونالد ترامب انه لاعب خطير في عالم السياسة. لقد بنى جزءاً من حملته الانتخابية على مهاجمة المؤسسة السياسية التقليدية الواشنطنية؛ ومع مرور الأيام نجد الشخص ذاته يستند في تكوين خطواته السياسية القادمة على تلك المؤسسة السياسية ذاتها التي قال فيها مالم يقله مالك في الخمرة وخاصة عندما نتمعن بمواصفات وشخصيات آولئك الذين يختارهم لحمل وترجمة سياساته وخاصة الخارجية منها.

تكمن براعة الرجل في جزء منها بالانسحاب البارع من بعض المواقف التي أفادته في حملته الانتخابية – والتي ستكون مؤذية في وضعيته الرئاسية. تلك الانسحابات بدأت بطي محاكمة هيلاري كلنتون وصولاً إلى الحفاظ على حلف الناتو الذي أراد أن يدير له ظهره خلال حملته الانتخابية ولأسباب مادية خلال الحملة؛ مروراً بتمزيق الاتفاق النووي مع إيران وتعديل ذلك باستخدامه ذاته أداة لاحتواء ايران.

ما يهمنا على أي حال هو جوهر سياسات هذا الرجل تجاه المسألة السورية وما يتعلق بها؛ وتحديداً روسيا و إيران اللتان تحتلان سورية بشكل أو آخر؛ وخاصة ان سوريا (جارة) لاسرائيل أحد أولويات أمريكا في الشرق الأوسط. لا يعتقد أحد بكامل قواه العقلية أن يبدأ ترامب رحلته السياسية بمواجهة عسكرية مع هاتين القوتين رغم ما يرتكبانه من جرائم حرب في سوريا. لا يخفى على ترامب ان روسيا تدخلت في سوريا تحت ذريعة محاربة داعش, بعد أن حرمها الأمريكيون المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة داعش لاحساسهم بان روسيا لن تحاربها طالما استفاد منها نظام الأسد الذي توليه أولية في مقاربة المسألة السورية. يعرف ترامب ان روسيا لا تقاتل داعش بل آولئك المعارضين للأسد. وهو أيضاً على بيّنة بأن أوباما أورث أمريكا كارثة أخلاقية وانسانية في سورية. ومن هنا لا يمكنه أن يكون نسخة من أوباما, ولا استمراراً لتلك الكارثة – لانه هو ذاته من وصفها بذلك. فهل نراه يضع بعض التزينات على تلك السياسة وينهجها أم إنه سيختط لنفسه نهجاً مختلفاً تماماً؟!

لا نرجم بالغيب بل نستند إلى بعض ملامح خطواته خلال حملته الانتخابية وبعض اجراءات تشكيل طاقمه في السياسة الخارجية. واضح على السطح حتى الآن طرحه شراكة مع روسيا في محاربة داعش ( وهي أولوية بالنسبة له – كما جاء في تصريحاته ). ذلك يتضمن افتراضياً شراكة مع إيران أيضاً. إن حدث ذلك, فالقراءة الوحيدة هي انه سيكون شريكاً في جرائم الحرب التي ارتكبها و يرتكبها هؤلاء. وسيكون شريكاً بما سمّاه الغرب “الحرب الأهلية” في سوريا إن هو اقترب من الأسد. إضافة إلى ذلك, سيكون مشرعناً للميليشيات الإيرانية المستأجرة للقتل في سورية. أما الأخطر فسيكون هكذا موقف عدوانياً تجاه حلف الناتو و آخرين اعتبروا ما تفعله روسيا و إيران أعمالاً عدوانية إجرامية تجاه سوريا و أهلها … وعملاً يلغي مبدأ المحاسبة على ارتكاب جرائم الحرب وتخلياً عن المسؤولية الأخلاقية التي حملتها أمريكا على أكتافها تاريخياً.

السؤال: هل يتمكن ترامب أن يخوض في هكذا جحيم عندما يكون المستفيد الأساس من هكذا سياسات – ليس أعداء سوريا والسوريين بل – أعداء أمريكا وحلفائها. ألن يكون ذلك الأداة القاتلة لذلك المبدأ (عودة عظمة أمريكا ) الذي بنى ترامب حملته الرئاسية عليها وحولها؟! ألن يكون ذلك الوصفة الأنجح لفشل ترامب وسيرته؟!

والوضع هكذا؛ أي مخرج أمام ترامب؟ ليس من قبيل التفكير الأمنياتي, ولا المصلحة الذاتية, وانما بحكم الواقعية السياسية والحقائق العنيدة التي تفقأ العيون, ما من مخرج أمام ترامب إلا عملاً عسكرياً محسوباً مسبوقاً بتحذيرات صريحة للجهات المعنية المنخرطة في المأساة السورية؛ فترامب سيصل إلى حالة اليقين عاجلاً أم آجلاً بان القضاء على داعش هو الاستراتيجية الصح. سرعان ما ستتضح مسألتان إثر تنفيذ هكذا استراتيجياً: إنهاء داعش سيكون إضعافاً ملحوضاً وربما شللاً لاولئك الذين اعتاشوا على جعلها ذريعة لاجرامهم – وعلى رأس هؤلاء نظام الأسد. والثاني إفقاد المصداقية لكل من بوتين والخامينيئي وفضحهما عالمياً كمحتلين وتوسعيين؛ والثالث بان ذلك يعفي ترامب من أي مواجه معهما – وهو لا يتطلبها أساساً؛ فهما بهذه الحالة سيخسران شريكاً غير معلن لتبرير اجرامهما. أما الخاسر الأساس فسيكون نظام الأسد.

إضافة إلى ذلك، لا بد وأن فرق ترامب، بوضعه إيرات تحت المجهر،يدرك تماماً تضارب المصالح الروسية-الإيرلنية في سوريا حيث يراها الروس ورقة ثمينة للمصافقة على ملفاتهم الثقيلة المفتوحة في أوكرانيا وغيرها. رغم ان الايرانيين قد يكونوا أقل ميلاً للمصافقة بهذا الاتجاه إلا أن لحظة افتراقهما لا بد آتية حال قدوم أي استحقاق سياسي جاد لسوريا. هنا سيكون الطرفان/الايراني والروسي/ في حالة تزاحم؛ وستجد إيران نفسها أقل قدرة على دفع الثمن المطلوب، والأوراق بيدها –باستثناء العراق أقل ، والعين الدولية حمراء تجاهها. رغم ان الأمر ذاته ينطبق على بوتين إلا أن أمريكا إذا وُضعت امام خيار التفضيل، ستقرب بوتين وتختاره أولاً. ومن هنا لا بد لذلك الفراق الروسي الإيراني ان يحدث؛ وخاصة إن أضفنا إليه العامل التركي المحبذ للروسي بناء على الحميمية النامية وعلى التناقض الشرس بين تركيا وإيران. كل ذلك بشكل أو آخر يصب في مصلحة ترامب وفريقه

أخيراً على السوريين ومن يدعمهم من قوى عربية و أجنبية أن يقابلوا ترامب في متنصف الطريق أو ما بعده حتى. زد على ذلك انه عليهم الترحيب بالقادم الجديد إلى الأمم المتحدة كأمين عام السيد”غوميروس” الذي يعرف عن البلاء السوري أكثر من أي مسؤول دولي, والذي قال في مجلس خاص ان وراء سعيه لهذا المنصب أكثر من أي شيء آخر لم يكن إلا المأساة السورية.

صحيح أن الحقائق مخاليق عنيدة, لكن الواقعية السياسية سر ومفتاح النجاح فإذا ما أراد السوريون عودتهم وبلدهم إلى الحياة لا بد من تشجيع ترامب واقعياً وينتظروا الشرخ الروسي الإيراني، والوقوف إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة؛ وبالطبع لابد لصبرهم وارادتهم وعملهم أن يكونوا فوق كل اعتبار

========================

مجازفة أسدية محسوبة - فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 29/11/2016

مرّ أكثر من سنتين على بدء انحسار تنظيم الدولة الإسلامية في سورية. جرى التقلص ببطء، بدءاً من أرياف إدلب وحلب، وصولاً إلى تمركز عناصر التنظيم في ثلاث نقاط أساسية، جرابلس ومنبج ودابق في ريف حلب الشمالي، وهي مناطق ذات أهمية استرتيجية، تؤكد السيطرة عليها أن عيون التنظيم ما زالت مفتوحة وأنيابه مشرعة.

وبعد انعطافة المصالحة في العلاقات التركية الروسية، جرت تحركاتٌ عسكرية في المنطقة التي تعدُّها تركيا بعداً استراتيجياً يقيها تهديد الكرد. وبسرعةٍ فائقةٍ، نُظفت جرابلس ودابق والقرى المحيطة بهما من الوجود الداعشي الذي ركّز دفاعاته في مدينة الباب، تَرَافَقَ ذلك مع تقدم جيش الأسد، وفتحه ممراً للولوج إلى حلب الشرقية.

لم تكن ردود فعل النظام الإعلامية من الشدة، بحيث تعكس رفضاً للتقدم التركي المصاحب لفصائل الجيش الحر، والذي جرى، على الأغلب، بتوافق مبدئي مع روسيا، لكن نبأ الهجوم السوري أخيراً على موقع يوجد فيه الجيش التركي قرب "الباب" تسبب بمقتل جنودٍ أتراك، وجرح آخرين، له دلالات يؤكدها موعد الغارة الذي يتطابق بشكلٍ مريبٍ مع الذكرى السنوية لإسقاط تركيا الطائرة الروسية، ويمكن اعتبار الغارة رداً لدينٍ قديم، أوعزت روسيا للقوات السورية أن تنفذه، من دون أن توّرط نفسها بنزاعٍ جديد مع الأتراك، ما يعني أنها ترغب في استمرار التقارب، من دون أن تنسى على طريقة "أولاد الشوارع" ثأرها القديم، خصوصاً أن محادثةً هاتفية بين الرئيسين، فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، أعقبت الحادث، تبعها تأكيد الروس بأن الهجوم الجوي سوري بحت.

هدّدت تركيا بالرد، لكنها لم تقل كيف، وبماذا، ومتى سيكون. كان مكان الغارة هو تمدّد لقوات الجيش الحر المدعوم من تركيا، في لحظة تطويق منطقة الباب من جهة الغرب، وهي جهة محاذية لوجود الجيش السوري الذي يقوم بمهمةٍ عسكريةٍ لمحاولة الدخول إلى حلب الشرقية. يمكن أن تمتد تأثيرات هذه الغارة التي أرسلت القذائف والرسائل فتشعل حريقاً يأتي على ما هو أوسع بكثير من الساحة السورية، فتركيا عضوٌ في حلف شمال الأطلسي، والعلاقات الأميركية الروسية لا تعيش أجمل لحظاتها، مع ملاحظة التململ الغربي من الوجود الروسي في المتوسط، والتركيز الإعلامي الغربي على حاملة طائراته التي تجوب المياه على مقربةٍ من السواحل السورية الغربية. وقد يغير قواعد اللعبة تأكيد تركيا على تورّط روسي في الاعتداء على قواتٍ أطلسية، ولكن الإعلام التركي لم يستخدم عباراتٍ قويةً في التنديد، ولم يصف لا سورية ولا روسيا بصفاتٍ تتجاوز ما هو معمول به، على الرغم من أن رئيس الوزراء التركي أكّد أن هذا الاعتداء لن يمر، لكن تركيا ترغب باستبقاء الحالة الراهنة وعدم التشويش على حملتها التي بدأت على "الباب"، وعينها الأخرى على منبج في الناحية الأخرى. وقد ظن الكرد أنهم سيقطعون الطريق على تركيا، بإعلانهم بداية الحملة على الرقة. حملة لم يظهر منها إلا صراخٌ إعلامي لا ينبئ بأن معركةً من هذا النوع يمكن أن تبدأ، ويعلم الكرد أن أي هجوم على الرقة، بدون موافقة وحضور تركي، لن يكتب له النجاح، خصوصاً مع توقع موجات نزوحٍ كبيرة سترافق بداية مثل هذا الهجوم.

ربما تتجاوز أهدافُ الغارة السورية ما سبق، فتقدُّم الجيش الحر إلى "الباب" سيزيح وجوداً داعشياً، لطالما شكل جداراً يفصل النظام عن القوات المعارضة في الشمال، وزحزحة هذا الوجود والحلول محله يُظهر تعقد القضية، فالثابت الوحيد على الأرض السورية هو العداء بين جيشي النظام والمعارضة المعتدلة، وكل ما عدا ذلك تفاصيل، يمكن التفاوض حولها أو عليها، ووصولهما إلى حالة تماسّ مباشر في حال اغتنام أحدهما مدينة الباب سيجعل الاستنزاف والمعارك تسير بشكل شبه يومي، حيث لا تحالف وارداً ولا تواطؤَ ممكناً بين القوتين، ولا سيما أن كليهما يمتلكان طرق إمداد شاسعة، تؤمن لهما وصول دعمٍ غير محدود.

========================

أين نحن من ثورتنا السورية؟ - ميشيل كيلو

العربي الجديد

الثلاثاء 29/11/2016

مرّت الثورة السورية بطورين، وهي تقترب، منذ بعض الوقت، من طورها الثالث الذي تبدو ملامحه المقلقة من وراء دخان القصف الذي يكاد يغطي اليوم كل شبر من أرض وطننا.

في الطور الأول: كانت ثورتنا للحرية، وكان حاملها مجتمعياً وسلمياً بكل معاني الكلمة، وقادها طرفٌ غلب عليه الطابع المدني. في الطور الثاني الذي بدأ مع تشكل تنظيمات مسلحة إسلامية الخطاب والمطالب، مباشرة بعد إخلاء النظام الأسدي سبيل مئات المساجين من معتقل صيدنايا، المحسوبين في معظمهم على القاعدة، أكلت المذهبية بالتدريج مطلب الحرية، وحولت الثورة، بتدخل وتخطيط مباشر من أجهزة القمع، إلى صراع مسلح قادته جهاتٌ مذهبيةٌ متأسلمة تبنّى معظمها نهج النظام في رفض الحرية وثورتها، ورفع شعاراتٍ تجعل سقوط الأسدية هزيمة لطائفيتها، وللديمقراطية بمسمياتها كافة. بتقدّم المذهبية على الصعيدين العسكري والسياسي، تراجع دور المجلس الوطني السوري ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وغدت السياسة ضرباً من عمل شيطاني نجس، وسيطرت فكرة الحسم العسكري الصرف، ورفض الحل السياسي والقرارات الدولية المتصلة، وصار للثورة برنامجان متناقضان، أخذ دعمهما ميدانياً شكل صدامات مسلحة وحروب صغيرة متبادلة بين الفصائل المسلحة الداعمة لكلٍّ منهما، وتشعب الصراع، خصوصاً بعد صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ونجاحها في طرد الجيش الحر من مناطق واسعة شمال سورية، واستيلائها على الرقة، وما قامت به من تصفياتٍ طاولت الآلاف من جنود الجيش الحر وضباطه، فضلا عن مئات الديمقراطيين والمثقفين الأحرار الذين قتلوا أو فرّوا للنجاة بأنفسهم وأسرهم.

في هذا الطور، تلاشت إلى درجة الاختفاء معادلة الثورة التي مثّل النظام حدّها الأول والنظام الديمقراطي البديل حدّها الثاني، وتخلقت معادلة جديدة، ظل حدّها الأول النظام، لكن حدّها الثاني صار البديل الإسلامي، الداعشي/ القاعدي أساساً، وتلاشى بصعوده التفهم الدولي للثورة التي انقلبت أكثر فأكثر إلى اقتتال طائفي/ مذهبي وعسكرة وعمليات انتقام متبادلة، وحصرت الحدث السوري بين حل عسكري/ أمني من فوق يتبناه الأسد، وحل عسكري من تحت، تتبناه

"بتقدّم المذهبية على الصعيدين العسكري والسياسي، تراجع دور المجلس الوطني السوري ثم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وغدت السياسة ضرباً من عمل شيطاني نجس، وسيطرت فكرة الحسم العسكري" بدائله المذهبية التي أقنعت العالم بأن سكاكينها لن تلبث أن تحز عنق مواطنيه هو أيضاً. وحين فاضل بين إرهاب الأسد الموجه ضد الشعب السوري، وإرهاب داعش وأضرابه الذي بدأ يوجه ضده، تخلى تماماً عن إسقاط الأسد ودعم إرهابه، ثم وبعد حين، اعتمدت واشنطن أولوية الحرب ضد الإرهاب الثاني خياراً استراتيجياً، ليكتمل بذلك تغير موقفها من النظام، بما عناه من إلغاء عملي لوثيقة جنيف بشأن حل سياسي في سورية. ومن نتائج ميدانية، عانينا الأمرّين منها، بلغت ذروتها في الغزو العسكري الروسي لوطننا، وتحول إيران من طرف داعم إلى طرفٍ محارب، واستقدام تنظيمات إرهابية مذهبية متعدّدة الجنسيات إلى بلادنا، والتكريس المتعاظم لقطبيةٍ ميدانيةٍ، جسّدت جبهة النصرة طرفا فيها، ومثل "أحرار الشام" طرفها الثاني، لازم صعودهما تراجع "داعش" تحت وطأة حرب أميركا وحلفائها الخارجيين والمحليين عليها، وما أفضى إليه الاستقطاب من اجتذاب بقية التشكيلات المسلحة، ولقضم لوجودها واحتوائها، كما حدث خلال قتال تنظيمي "نور الدين زنكي" و"إذا أمرت فاستقم" في حلب، حيث اقترب الأول من "النصرة" واندمج الثاني في "أحرار الشام"، ومثله عند معبر باب السلامة، حيث أزاح الأحرار"الجبهة الشامية" عن تفرّدهم بالمواقع المهمة، بمعونة عناصر من الجيش الحر قدموا من مدينة أعزاز. وللعلم، أسهم اقتتال "زنكي" و"فاستقم" في فشل "ملحمة حلب الكبرى". باستكمال توزع القوى بين القطبين المذكورين، ستدخل سورية في فترة جديدة إن تفاهما خلالها خسرت ثورتها ما تبقى منها بوصفها ثورة حرية، وان اقتتلا آذن ذلك بانهيار الثورة وانتصار النظام.

في ظل ما بلغته أمورنا، ومسؤولية التنظيمات المذهبية عن تقويض الثورة عبر طمس هويتها الأصلية، وتحويلها إلى اقتتال ذي سمات طائفية، وتدهور الأوضاع في معظم المناطق المحررة التي تتحول، أكثر فأكثر، إلى بؤر معزولة ومحاصرة، نجد أنفسنا على مشارف طور ثالث من الصراع، عواقبه وخيمة بالنسبة للشعب، يصير من المحتم أن تستعد مختلف القوى والتيارات والجهات والشخصيات الوطنية لما سيطرحه هذا التطور من خياراتٍ صعبة، تتصل بضرورة بذل جهودٍ موحدة وعاجلة لدرء الهزيمة، بالتركيز على موضوعين رئيسيين: إعادة إنتاج مشروع الثورة الأصلي كـ "مشروع حرية لشعب سوري واحد"، والشروع بعمل استباقي، برنامجي ومدروس ويومي، لتعبئة قدرات مجتمعنا الكبيرة وتحشيدها، داخل وطننا وخارجه، التي ابتعد قسم كبير من قطاعاتها المحايدة عن الثورة خوفاً من الإرهاب، ومثلها من الموالين لها كرهاً بالعسكرة والمذهبية، ولأن هؤلاء قاموا بثورةٍ سياسيةٍ، ولم يقوموا بتمرد مذهبي أو طائفي، بينما أبعد النظام قطاعات واسعة أخرى عن الثورة، بالقمع والتصفيات، وبإثارة الأحكام الطائفية المسبقة، ونزعاتها النافية للجامعة الوطنية، وبالتجويع والحصار والاقتلاع والسحق الأعمى، وتوسيع الحرب ضد الشعب والمواطن العادي، والاستعانة بجميع صنوف القتلة المحترفين، كالمحتلين الروس والإيرانيين والغزاة المذهبيين والمرتزقة.

تتعاظم الحاجة إلى هذا العمل الاستباقي، من ساعة إلى أخرى، كدوره في التخلص من معادلة نظام/ إرهاب، واستعادة معادلة الثورة الأصلية: نظام/ بديل ديمقراطي، يضمن الحرية لشعب سورية الواحد، تطبيقا لبرنامج عمل، عام وقطاعي، تؤسّس بمعونته أوضاع تنظيمية وسياسية

"تقف الثورة أمام منعطف حاسم يتفق وما عمل له النظام وأراده، تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية التنظيمات المذهبية ذات المشروع الطائفي المعادي للحرية ووحدة الشعب" وطنية المنطلقات والمقاصد، تحملها قطاعات شعبية واسعة، ما زالت مواليةً للثورة، يستطيع السوريات والسوريون مواصلة الثورة، إذا ما انتهى طورها الحالي بالفشل أمام تحالف الأسد/ إيران/ روسيا/ المرتزقة، أو تزايد الاقتتال المتزايد بين الفصائل، المرشح للاتساع، ولا بد من العمل لكبحه ووقفه، وفعل كل ما هو مطلوب، في الوقت نفسه، لمنع النظام من استعادة الوضع السابق لثورة الحرية، ولمواصلة النضال الثوري ضده بوسائل تبقي كتلاً مجتمعية رئيسة في ساحة الصراع من أجل حرية الشعب ووحدته.

تقف الثورة أمام منعطف حاسم يتفق وما عمل له النظام وأراده، تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية التنظيمات المذهبية ذات المشروع الطائفي المعادي للحرية ووحدة الشعب التي دخلت في تناقضٍ عدائي مع قوى الثورة، منحت المعارك التي أنتجها داخل صفوف الشعب النظام فرصة التقاط أنفاسه والنجاة من الهزيمة، ومكّنته من الإفادة إلى أقصى حد، داخلياً ودولياً، من نسبتها إلى الثورة، وإقناع الجهات الدولية أن مشروعه المذهبي الإرهابي هو مشروعها. واليوم، ما لم تبادر الجهات المتمسكة بثورة الحرية ووحدة الشعب إلى تنظيم صفوفها، وسد الثغرات والفجوات الخطيرة التي شابت عمل المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، فإنها تتخلى عن واجبها حيال شعبه، وتستسلم، كغيرها، للمصير الأسود الذي ترتب على التطرّف المذهبي، وأسلوبه التنظيمي/ الفصائلي الفاشل والمتخلف الذي أثبتت التجارب المكلفة والمريرة عجزه عن إنزال الهزيمة بالنظام أو الصمود في وجه جيوش حلفائه الإيرانيين والروس ومرتزقتهم.

لا عذر لمن لا يعمل، وإن جدّ متأخراً، لرد الروح إلى البديل الديمقراطي، جوهر ثورة من طالبوا بالحرية لشعبهم الواحد، ولإنقاذه، بعد أن أوصله المشروع المذهبي إلى حافّة الهزيمة.

========================

سياسة حافة الهاوية الأسدية مع تركيا - د. أحمد موفق زيدان

 اورينت

الاثنين 28/11/2016

تواصل العصابة الطائفية الأسدية سياستها التي أتقنتها منذ عقود وهي سياسة وديبلوماسية حافة الهاوية، فقد جاء القصف الجوي الأسدي على القوات التركية قرب مدينة الباب وقتلها وجرحها لجنود أتراك ليؤكد أن العصابة الطائفية الأسدية ماضية في استفزازها للقوات التركية، وأن ما قيل عن اتفاق روسي ـ تركي لعملياتها في درع الفرات إما غير موجودة أصلاً ، أو أن الروس قد تراجعوا عنها ويبدو أن الخيار الثاني هو المرجح، لاسيما وأن التصعيد الأميركي بالإضافة إلى التصعيد الأوربي ضد تركيا قد جاء متزامنا مع الغارة الأسدية وهو ما يشير إلى أن طاغية الشام لم يكن له أن يقدم على هذا الفعل لولا السياق الاقليمي والدولي الذي رآه مشجعاً على مثل هذه الغارة.

الحملة الحشدية الشيعية بغطاء إيراني وغربي على الموصل والتي رافقها حملة لغلاة الأكراد بدعم أميركي أيضاً على الرقة مع استبعاد تركيا في عمليات الرقة بناءاً على طلب ورغبة غلاة الكرد، يشير بشكل واضح إلى إبعاد تركيا بالكامل عن التحالف مع القوى الدولية، بل ويؤشر إلى عزم الحشد الشيعي بدعم القوى الدولية على جعل تركيا هدفاً حقيقياً له بعد الرقة وحلب، ولم يخف الحشد الشيعي ولا المالكي صراخه من أنهم قادمون يا رقة ويا حلب ويا يمن، وترافق ذلك مع صراخه أيضاً يطالب العالم بتصنيف الوهابية في خانة الإرهاب العالمي، وكأن ما يفعله هو وأمثاله في العراق وسوريا واليمن هو لعب أولاد، بينما يُحمل العالم الإسلامي مسؤولية فعل الدواعش، بينما من حاربهم وعارضهم هو العالم الإسلامي السني أكثر مما حاربهم العصابة الطائفية في دمشق أو الطائفيين في العراق.

تركيا ليس أمامها خيار أبداً إلا أن تتقدم الصفوف، وتهديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإغراق أوربا بالمهاجرين والحديث همساً على رفع التأشيرات عن السوريين،  يؤكد ذلك، وكأن وضع التأشيرات على السوريين من قبل عقوبة لهم وبناءاً على طلب ورغبة أوربا وتركيا، وبالتالي فلا خيار أمام تركيا إلا تقدم الصفوف، وكل ما تحشده من أجل الاقتصاد والتنمية لن يجدي في ظل وصول الطائفيين والمحتلين الإيرانيين والروس على أبوابها، وتحضير الحشد الشيعي للتوجه إلى سوريا بعد احتلال الموصل لن يكون إلا بداية حقيقية للتحرك صوب تركيا المتهمة من قبلهم ومن قبل أسيادهم على أنها داعمة الإرهاب والإرهابيين في العراق وسوريا، وبالتالي لا بد من معاقبتها على هذا الفعل بنظرهم، ومهما فعلت تركيا من أجل إرضائهم أو كسبهم أو تحييدهم لن ينفعها، ولن يجدي معهم  سوى حشد العالم الإسلامي في داخل العراق وسوريا واليمن وغيرهم من أجل وقف هذا الطوفان والتسونامي الطائفي الذي تقوده إيران بدعم روسي وغربي غير مسبوق.

بالمقابل على القوى الجهادية والثورية وداعميها من علماء ومشايخ ونخب أن يدركوا أن تركيا في مرمى القوى الغربية والشرقية، وأنها مهما فعلت لن تكون إلا في صف الأمة، ومناوراتها التي قد لا تروق للكثيريين ما هي إلا مرغمة عليها، واستحقاقات الدول ليست كاستحقاقات الأفراد، وهذا مدعاة لرص الصفوف بين الأفراد والجماعات والدول فالسكين على رقبة الجميع، ففوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية يهدد حقيقة وواقعاً وفعلاً الكل حيث بدا واضحاً التنسيق العملي والعلني بين الرئاسة الأميركية والروسية ضد الثورة السورية، وليس من بد أمام تركيا إلا التحرك بشكل واقعي مستنهضة كل القوى الحية في الأمة قبل أن تواصل خسارة حاضنتها الاجتماعية التي أُنهكت على مدى سنوات في العراق وسوريا.

========================

مسألة اللاجئين في ظل التجاذبات بين تركيا والاتحاد الأوروبي - محمود عثمان

ترك برس

الاثنين 28/11/2016

شهدت الأيام الأخيرة وتيرة عالية من التجاذبات السياسية بين أنقرة وبعض الدول الأوروبية، على خلفية تصعيد الخطاب السياسي التركي تجاه أوروبا، حيث اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دولا أوروبية منها، ألمانيا والنمسا، بدعم المحاولة الانقلابية بتاريخ 15 تموز/ يوليو وحماية الإرهابيين الأكراد. حيث تقول السلطات التركية إن ألمانيا تحتضن لوحدها ما يزيد على 4500 إرهابيا من حزب العمال الكردستاني، مطلوبين للعدالة التركية بسبب قيامهم بأعمال إرهابية ضد الدولة التركية. لكن ألمانيا بدل تسليمهم إلى تركيا تقوم بتوفير جميع أصناف الدعم والرعاية. الاتهامات التركية لأوروبا لا تنتهي عند هذا الحد، بل تتعداه إلى مسألة عدم التزام الطرف الأوروبي بالاتفاق الموقع بين الطرفين، في مطلع هذا العام، بخصوص إعادة اللاجئين مقابل رفع التأشيرة [الفيزا] عن المواطنين الأتراك والسماح لهم بدخول أوروبا بدونها، إضافة إلى تعهد الطرف الأوروبي بدفع ثلاثة مليار يورو تنفق على مخيمات اللاجئين في تركيا.تقول تركيا إنها نفذت جميع ما التزمت به، فانخفضت نسبة تدفق اللاجئين إلى أوروبا إلى حدها الأدنى، أي إلى مستوى ما قبل انطلاق الثورات واندلاع الحروب في منطقة الشرق الأوسط. مقابل ذلك - كعادته – لم يلتزم الطرف الأوروبي بما تعهد به، سوى أقل من ربع المبلغ الذي تعهد به.

وعندما بدأ الرئيس أردوغان بتوجيه انتقاداته اللاذعة الصريحة، بدأ الأوروبيون يتهمون الطرف التركي بالمتاجرة بقضية اللاجئين الإنسانية، باستخدامها ورقة مقايضة على طاولة المفاوضات. يرد الطرف التركي بأن تركيا هي الدولة الأولى في العالم في استقبال اللاجئين عددًا، كما أنها تحتل المرتبة الأولى في كمية المساعدات الإنسانية قياسًا بمعدل دخلها القومي، وبالتالي لا يحق للآخرين أن يعطوا دروسا في الإنسانية بينما هم مقصرون ولا يقومون بواجبهم الإنساني تجاه هؤلاء المظلومين الفارين من أتون الحروب ونوائب الدهر. ثم كيف يحق لطرف غني مترف أوصد بابه في وجه اللاجئين، ولا يريد رؤيتهم، أن يتهم طرفًا استقبل العدد الأكبر منهم رغم قلة إمكانياته!.

التجاذبات التركية الأوروبية

عام 2004 تقدمت تركيا بطلب رسمي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. الاتحاد من جانبه رحب بطلب تركيا العضو في حلف الناتو منذ خمسينات القرن الماضي، والتي كانت قد تقدمت قبلها بطلب للانضمام للسوق الأوروبية المشتركة التي انبثق عنها الاتحاد الأوروبي.

 آلية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تقتضي من الدولة المتقدمة للعضوية مواءمة جميع قوانينها ونظامها السياسي مع قوانين الاتحاد، من خلال 35 فصلا، يتم فتحها من طرف الاتحاد، وتقوم الدولة المرشحة للعضوية بالعمل على تحقيق الشروط المطلوبة. وبعد استيفاء تلك الشروط، واتفاق الطرفين يتم إغلاق هذا الفصل، والانتقال إلى فصل آخر، وتستمر هذه العملية إلى الانتهاء من إغلاق جميع الفصول، عندها يرفع الطلب إلى الاتحاد الأوروبي للموافقة عليه وإقراره، بعد ذلك تصبح الدولة المترشحة عضوا في الاتحاد تتمتع بكامل مزايا العضوية.

أما بالنسبة لتركيا فقد كان الأمر مختلفًا إلى حد كبير، كونها بلد إسلامي يترشح لعضوية ناد مسيحي، وخصوصا بعد تصاعد مستوى العداء للإسلام في أوروبا بما سمي "إسلاموفوبيا" مما اضطر كثيرا من سياسيي اليمين للتعبير صراحة عن عدم موافقتهم على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، كونها دولة شرق أوسطية، ولا تتمتع بالقيم الأوروبية!.

الرأي العام في تركيا كان متحمسًا في البداية لفكرة الانضمام لأوروبا، لسببين أساسيين، أولهما: أن أوروبا مشروع حضاري، حيث تقتضي مراحل الانضمام القيام بإصلاحات كبيرة وجذرية تصب في صالح حقوق الإنسان والحريات العامة والشفافية، وغيرها من الأمور التي ترتقي بالدولة المترشحة لتصبح في مصاف الدول الأوروبية المتطورة. وثاني الأسباب، هو المزايا الاقتصادية التي توفرها عملية الاندماج مع أوروبا، مما ينعكس إيجابيا وبشكل كبير على اقتصاد البلد العضو، وخصوصا مع وجود ما يقارب الخمسة ملايين مواطن تركي منتشرين في جميع أنحاء القارة الأوروبية. حيث تحتضن ألمانيا لوحدها ما يقارب ثلاثة ملايين منهم.

هذا التداخل في العلاقات والتشابك في المصالح جعل كل طرف بحاجة ماسة للطرف الآخر، لكن يبدو الطرف الأوروبي غير قادر، وغير مستعد، حاليًا لدفع ضريبة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وخصوصًا بعد جنوح المجتمعات الأوروبية في السنوات الأخيرة نحو اليمينية والتطرف وعدم قبول الآخر.

منذ عام 2004 وإلى يومنا هذا تم فتح 16 من أصل 35 فصلا، لكن لم يتم الاتفاق على إغلاق سوى فصل واحد، يتعلق بالعلوم والبحوث العلمية. أما بقية الفصول فقد بقيت مفتوحة، بسبب العراقيل المصطنعة التي يضعها الطرف الأوروبي، وعندما لا يجد الأوروبيون حججًا يتذرعون بها، يلجؤون إلى القضية القبرصية!.

مقابل ذلك عام 1998 بدأت المفاوضات حول انضمام عشر دول من دول أوروبا الشرقية، التي كانت تنتمي لحف وارسو، وبحلول عام 2004 تم قبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي، خلال مدة لم تتجاوز ست سنوات. بل إن كثيرا من تلك البلاد، بلغاريا مثلًا، لا ترقى لمستوى تركيا في كثير من المجالات. أما قبول الجزء اليوناني من قبرص فهو طامة بحد ذاته!.

في أسباب توتر العلاقات التركية الأوروبية

شكلت المحاولة الانقلابية في 15 تموز من العام الجاري نقطة فارقة في العلاقة بين تركيا والدول الأوروبية، التي وقفت بشكل شبه صريح إلى جانب الانقلابيين. الاتحاد الأوروبي يجد من حقه التدخل في الشؤون الداخلية لتركيا، كونها مرشحة لعضوية الاتحاد.

الأتراك من جهتهم باتوا يضيقون ذرعا من الفوقية التي تتعامل بها الدول الأوروبية معها. الأهم من ذلك، أن غالبية المواقف الأوروبية تجاه تركيا لا يمكن وصفها بالصديقة، ابتداء من ضلوع بعض الدول في دعم المحاولة الانقلابية، والدعم الفاضح المكشوف لحزب العمال الكردستاني، بالرغم من تصنيفه كمنظمة إرهابية، والموقف المتخاذل عقب إسقاط المقاتلات التركية الطائرة الحربية الروسية، وليس أخيرًا عدم التزام الاتحاد الأوروبي بتنفيذ بنود الاتفاق بخصوص اللاجئين.

لب المشكلة يكمن في أن تركيا اليوم ليست تركيا الأمس. تركيا اليوم تتطلع إلى تعامل قائم على الندية واحترام خصوصيات كل بلد، يراعي مصالح الطرفين. بينما اعتاد الطرف الأوروبي على التدخل في الشأن الداخلي التركي تحت ذريعة أن تركيا مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، كما تعود على تلقي الخدمات الاستراتيجية بشكل شبه مجاني. إذا أضفنا أسلوب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصريح، ولهجته الاتهامية القاسية التي لم يسبق للأوروبيين أن سمعوا مثلها من الساسة الأتراك، وكشفه تقلباتهم وازدواجية معاييرهم وتنصلهم من التزاماتهم، مما جعلهم يضيقون به ذرعًا.

شكلت تركيا على الدوام حاجز صد وقى أوروبا من تقلبات وقلاقل ومشاكل الشرق الأوسط، ومن قبل كانت مخفرا متقدمًا لحلف شمال الأطلسي في وجه الاتحاد السوفيتي. اليوم زادت أهميتها الاستراتيجية بسبب حروب الشرق الأوسط، وإفرازاتها من لاجئين وتسلل للإرهابيين، لكن تركيا حتى هذه الساعة لم تقبض ثمنًا استراتيجيًا مقابل تلك الخدمات الاستراتيجية.

أردوغان يدرك جيدًا حاجة الأوروبيين الماسة لتركيا، ويعلم جيدًا أن أوروبا عاجزة عن مقاطعة تركيا كليًا، كما أنها غير مستعدة لضمها كعضو كامل الصلاحية.

أردوغان لن يقدم للأوروبيين خدمات مجانية كما درجت العادة، ولن يستخدم لغة دبلوماسية مدورة مقابل نفاقهم وازدواجية معاييرهم. لذلك لا تستغربوا إذا وصفه الأوروبيون، بأردوغان السلطان، الإسلامي الإخواني المتطرف، والدكتاتور الذي يقمع مخالفيه وينكل بهم!.

========================

السيسي يعرض مصر وجيشها للإيجار - د. أحمد موفق زيدان

العرب

الاثنين 28/11/2016

كل التقييمات السياسية والاجتماعية الموالية للانقلابيين في مصر والمعادية لهم تؤكد على أن مصر على فوهة بركان حقيقي هذه المرة، شبهتها دراسة صهيونية قلقة على مصير عملائها هناك بأنها على أبواب ثورة خبز خطيرة شبيهة بثورة عام 1977، بينما كان قائد الانقلاب المصري عبدالفتاح السيسي يعرض البلد كله بما حمل للبيع؛ ولذا فلم يجد السيسي بُدّا يوم انقلب على حكومة شرعية إلا رهن البلد للرز وحين أدرك أن حسابات بيدره لم تتفق مع حسابات حقل الدول العربية المعادية للمشروع الإيراني والروسي، بدأ معها سياسة اللعب على الحبال، لكن حين أزفت الآزفة وطلب منه الخليج تحديد موقفه الواضح غير القابل للتأويل تجاه اليمن وسوريا والعراق، فكان أن هرع إلى موسكو من أجل عرض مصر للبيع مجدداً في سابقة تُذكر تماماً بما حصل للخديوي إسماعيل يوم القناة، فأرهق نفسه مالياً وسياسياً فما كان منه إلا أن رهن مصر كلها اقتصاديا للبريطانيين، اليوم تعود عقارب الساعة إلى ذلك اليوم.

كل التجارب التي خاضها الجيش المصري منذ جمال عبدالناصر مروراً بالسادات وانتهاءً بمبارك والسيسي تشير إلى أن هذه الأنظمة لم تعِ دروس التاريخ ولم تعِ الجغرافيا، فهي التي قادت بلادها إلى التمزيق حين كانت السودان جزءاً لا يتجزأ من مصر، وهي نفسها التي قادت بلادها إلى مستنقع اليمن فدمرت البلد هناك وقتلت معه الآلاف من المصريين، وحتى الآن لا نعرف حقيقة الكارثة التي ابتلعتها مصر في اليمن وربما حتى الآن لا تعرف بعض العائلات المصرية أن أبناءها الجنود قتلوا في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وواصلت جمهورية الضباط كما أطلقت عليها دراسة أجنبية رائعة أصدرها معهد بروكينغز قبل سنوات، واصلت السير إلى حتفها يوم شارك الطيران المصري بقيادة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك بقصف جزيرة أبا السودانية في تمرد إسلامي قاده الهادي المهدي عم الصادق المهدي فقتلوا المئات منهم وهم في المساجد ركعاً سجداً، اليوم يواصل السيسي سيرة أسلافه من العسكريين المستبدين بإرسال قواته وطياريه إلى بشار الأسد.

مصر التي كانت محل إشعاع وحضارة أيام الحكم الملكي فكان حضورها في إفريقيا وحضورها في المنطقة العربية وحضورها في الدائرة الإسلامية هي نفسها مصر التي وقفت اليوم مع حثالات الأرض من حوثيين وطائفيين في بغداد وطائفيين مجرمين استقووا بالاحتلالين الروسي والإيراني لتشارك في ذبح أهل السنة في كل هذه البلاد، ويسعى من خلال ذلك السيسي أن يكون الحاكم بأمر طهران والقرداحة وموسكو ويعيد بذلك جرائم الفاطميين المجرمين بحق أهل السنة، ولكن ربما جهل أو تجاهل أن أحفاد من أخضعوا أسلافه من الفاطميين لا يزالون أحياء، وللمفارقة أن الحواضر التي تقود المواجهة اليوم ضد الطائفيين في الموصل وحلب وغيرهما هي نفسها الحواضر التي انطلق منها الأجداد الزنكيون لكسر شوكة الفاطميين والقرامطة في بلاد الشام.

كل التقارير تؤكد انتشار قوات السيسي في منطقتين أساسيتين وهما القنيطرة السورية وما حولها وذلك لحماية حلفائه الطبيعيين بني صهيون بعد أن أثبت قدرته على تأمين حدودهم من الطرف المصري، واستطاع معها خنق إخواننا في غزة المُحَاصَرة، وبالتالي فإنه يريد أن يعيد سيرته بمواجهة غزة في القنيطرة وغيرها، والساحة الثانية التي انتشرت فيها قوات السيسي ساحة مطار حماة التي نشر فيها طياريه، وبكل تأكيد فإن الطيارين السيساويين لن يكونوا أكثر فاعلية من الروس والإيرانيين والأسديين، ولكنها الشرعية التي يبحث عنها الاحتلال المجرم في الشام، وتوزيع دم السوريين بين دول مجرمة لتضيع بنظرهم مسؤولية هدر الدم السوري على مدار الساعة.

ومع استماتته من أجل الحصول على قرض دولي بقيمة 12 مليار دولار، وهو رقم مع ديون مصر قد يلتهم النسبة الأعلى من ناتجها القومي، ما يهدد بثورة اجتماعية خطيرة مع استعداد السيسي لرفع الأسعار الأساسية.;

========================

ظلم ذوي القربى أشد وتعاطفهم أحب - يحيى حاج يحيى

عندما يظلمك الأقارب ، فيدعونك وحدك تتلقى النكبات والمصائب !؟ أو يكون لبعضهم مشاركة واضحة أو خفية تحس بأضعاف ألمك ، مما لو كان هذا الظلم من بعيد عنك !؟

وكذلك عندما تمتد اليد الحانية من قريب ، برفع ظلم ، ومناصرة ودعم ، يكون وقعها على النفس ارتياحاً وفرحاً أضعاف مما يأتي من بعيد !؟

إن تمور الخليج العربي ، وقمح السودان ، وزيتون المغرب أحب إلينا من الطحين الامريكي والجبن الهولندي والزبدة الفرنسية والزيت الإسباني !؟

========================
أزمة مركبة وعجز مضاعف - ميشيل كيلو

العربي الجديد

الاحد 27/11/2016

يكره معظم من يحبون سورية وصف ما يجري فيها بـ "الأزمة"، لاعتقادهم أن سورية في ثورة، والثورة لا يمكن أن تكون في أزمة. ويتجاهل هؤلاء أنه تكون هناك أزمة، حين ينشأ ويستمر "وضع ليس أو لم تتوفر بعد حلول لمشكلاته"، هو وضعٌ دخلت الثورة فيه منذ بدايتها، لكونها حملت مشكلاتٍ بقيت من دون حل إلى اليوم، ولأن المعارضة لم تقدّم لها برامج تتضمن حلولاً تبلغ بمعونتها هدفها: حرية الشعب ووحدته، ولم تعرف كيف تحول دون نجاح النظام في بلورة بديل أصولي/ إرهابي لها، صنعه من أخرجهم من سجونه وشكلوا، كما أراد وتوقع، تنظيمات مسلحة، مذهبية ومتطرفة، رفضت مثله نزعة الثورة السلمية ومطالبتها بالحرية ووحدة الشعب، ولأن العالم أدار ظهره لحل الأزمة السياسية، على الرغم من أنه رسم في وثيقة جنيف خريطة طريق واضحة إليه، قبل أن تتولى روسيا إفشاله عبر دعمها الأسدية، ثم نشر جيشها في أراضي سورية، وزرعه بمطارات وقواعد برية وبحرية، تلازمت مع ابتعاد أميركا عن ثورة السوريات والسوريين، وتبنّيها مخططاً تقسيمياً اعتمدت في تنفيذه على حزبٍ سلحته ودربته، قدم معظم مسلحيه من تركيا وإيران، لإلحاق أجزاء من أرض سورية الوطنية بمشروع إقليمي يقوده مركزه التركي. لواشنطن مقاصد بعيدة المدى في مساعدته على احتلال منطقةٍ تقطنها أغلبية عربية وكردية تعارضه، وتتعرّض لرصاصه وقمعه.

عندما تواجه ثورةٌ مشكلاتٍ تعجز قياداتها عن إيجاد حلول لها، تكون إما في أزمة أو هي الأزمة. عندئذ يجب أن يعي "قادتها" أنها تصير ثورةً، بقدر ما يضمنون لها شروط النجاح، ويتعاملون معها بصدقٍ وموضوعية كأزمة، بدل أن يتنكّروا لواقعها ويتجاهلوا نتائجها، وكذلك ضرورة أن يبادروا إلى صياغة الأفكار والبرامج ووضعها، وامتلاك الأدوات الكفيلة بإخراجها من احتجازها كأزمة، وتحويلها إلى ثورة.

بعد انطلاقتها الأولى، بدا وكأن الثورة ستنتصر في فترة قصيرة لا تتعدى الشهر. وها هي تواصل عامها السادس، وسط مصاعب موضوعية وذاتية، تغلب فرص تعثّرها على فرص نجاحها، لأسباب بينها نهج قياداتها الذي لا يغطي معظم قضاياها، أو يستجيب لحاجاتها، وحرب روسيا وإيران المفتوحة عليها، واستمتاع أميركا والعالم بجرائم الأسدية ومرتزقة موسكو وطهران ضد شعبها. ولئن كان السوريون ثاروا للتخلص من أزمة تاريخية مستعصية، مثلتها سياسات نظام الاستبداد الأسدي وممارساته، وكانت تناقضات وصراعات عربية وإقليمية ودولية قد أدخلتهم في أزمة جديدة ومركبة، أضافت مشكلات خطيرة الأبعاد إلى مشكلات الثورة المحلية التي حالت تدخلات الخارج المتنوعة ضدها دون نجاحها في إسقاط الأسدية، مثلما حال افتقارها إلى قيادة موحدة وخبيرة، وإنهاكها بانقسامات ساستها وعسكرها، وارتباط موازين القوى بينها وبين النظام بإرادات قيدت إرادتها وحسابات أبطلت حساباتها، وازدياد الضغط عليها من جيوش محتلة وغازية، تمتلك تقنيات فائقة التقدم، وأسلحة وذخائر لا مثيل لها، واحتياطيات استراتيجية تستحيل مواجهتها بتنظيماتٍ فصائلية محدودة العدد والسلاح. واليوم، وقد تخطت الثورة أوضاعها حدثاً داخلياً أساسا، حده الأول النظام والثاني الشعب، ودخلت في حالٍ خطيرةٍ يجسّدها عجزها المتزايد عن مواجهة الغزاة، وما يطرحونه عليها من تحدياتٍ تتخطى إسقاط النظام إلى إنقاذ الوطن، بابتكار حلول تعالج ما ينتجه تداخل مهامها، كثورة ديمقراطية تكابد انحرافاً مذهبياً وثورة تحرّر وطني، يتطلب اندماجهما تطوير برامجها وآليات عملها وأنماط صراعها، لتتخطى ما كانت عليه في طورها الأول، ولتتمكّن من مبارحة أزمته والارتقاء إلى مستوى ثورتين في ثورة، لا بد أن تقودهما جهة ثورية وموحدة، من "الائتلاف" والتكوينات السياسية الأخرى.

تفاقمت أزمة الثورة الديمقراطية والوطنية وتعقدت. وإذا كانت مواقف قواها السياسية والعسكرية وممارساتها لم تحقق أهدافها، حين كان طابعها الديمقراطي سمتها الغالبة، وكان مجتمعها داعما في معظمه لها، فإنها لن تستطيع الصمود من الآن فصاعداً، وتتجاوز المخاطر، إذا ما تمسّكت بأساليب عملها الراهنة، ووعيها السياسي الذي أملاها، وعلاقاتها التي غرّبتها عن الشعب، وفشلت في القيام بواجبها الوطني والثوري في الطور الجديد، بما يحتمه من جهد إنقاذي يدرس أزمتها من مختلف جوانبها، ويقدم أجوبة عملية وفاعلة عليها، بالتعاون مع الائتلاف، أو من خارجه، يعيد إنتاج المشروع الثوري واستئنافه، ويوطنه في الشعب، لكي لا يستمر في الغرق وينقلب تماماً إلى كارثةٍ وخيمة العاقبة.

========================

أي عار يريده السيسي لجيش مصر؟ - غازي دحمان

العربي الجديد

الاحد 27/11/2016

لا يهدف الخبر الذي سرّبته المخابرات السورية لصحيفة لبنانية موالية، عن وجود عسكري مصري إلى جانب قوات بشار الأسد، إلى إحراج نظام عبد الفتاح السيسي، فالرجل كان قد أعلن، بالفم الملآن، أنه يدعم "الجيش" السوري ضد من أطلق عليهم تسمية "القوى المتطرّفة"، والتي ليست سوى فصائل الثوار، بدليل أن جغرافية تحرّك المستشارين العسكريين المصريين لم تكن في الرقة حيث "داعش"، بل في درعا وحماة.

وكان السيسي قد طرح، في وقت سابق، ما سماها "رؤية" للحل في سورية، وهي خلطة من مصطلحات خشبية عن الدولة والمؤسسات والحل السلمي، وضعها مستشاروه الحاذقون الذين فاتهم رؤية أن في سورية أيضاً شعباً يجري ذبحه بدم بارد وبكل أنواع الأسلحة، وأحط الأساليب العسكرية، وأنها أيضاً تشهد عملية تطهير ديمغرافي لشعبها، وفق خطّة إيرانية معلنة وصريحة.

ليس موقف السيسي منفصلا أو طارئاً عن سياقاتٍ مصرية في هذا الخصوص، ثمّة حملة شرسة، تقودها مراكز أبحاث وصحف ومواقع إلكترونية، داخل مصر، أو يديرها خبراء مصريون في الخارج، على الثورة السورية والربيع العربي الذي جاءت في إطاره، وتدّعي وجود مؤامرةٍ على الجيوش "الوطنية" تحديداً، وتلمّح إلى وقوف أطراف عربية وراءها، بل وصل الأمر بها إلى القول إن الشعوب العربية لا تليق بها الديمقراطية، وإن تأييدها الإستبداد والقهر موقف عقلاني (!).

أي جيش سوري ذلك الذي يتحدّث عنه السيسي ويريد دعمه؟ لقد فكّك نظام الأسد بنى ذلك الجيش، حتى قبل الثورة، وزوّر عقيدته، وحوّله إلى مليشيا مافياوية طائفية، همّها الأساسي، وباعتراف إعلام نظام الأسد نفسه، سرقة بيوت السوريين، بعد قتلهم أو تهجيرهم، والمفترض أن خبراء مصر العسكريين الذين يفهمون معنى مؤسسة الجيش أنهم على إطلاع فعلي على الوقائع، وأكثر دراية بالحقائق الساطعة.

لم يعرف عن السيسي أنه رجل مبدئي، لديه مواقف متماسكة، ومنظومة قيمية، بدافع عنها. هذا الأمر خارج النقاش، حتى قبل تسجيلات الرز الشهيرة، وليست لديه نوازع قومية. لم يدّع

"يراد زج الجيش المصري في مقتلةٍ قذرةٍ ليصطف إلى جانب مليشيات إيران" السيسي نفسه يوماً أنه قومي، ولا تختلف سورية بالنسبة له عن الإكوادور أو نيبال. عدا عن ذلك، وعلى فرضية أن السيسي يذهب إلى سورية مدفوعاً بحسّه العربي، فلا شك أنه يصرّف نوازعه في المكان الخاطئ، ذلك أن بشار الأسد أعلن طلاقاً بائنا مع العرب والعروبة، وبات إعلامه يصفهم بالعربان الذين يشربون بول البعير! وأنه ومؤيديه ينتمون لحضارات تاريخية سالفة، اعتدى عليها الأعراب وشوهوها.

ثم ما المقصود بإبراز أن تحرّك مستشاري السيسي العسكريين يجري في إطار الجبهة الجنوبية، والمعلوم أن هذه الجبهة تحت سيطرة تحالف عربي؟ لماذا لا يهتم السيسي بدمشق، وهي رمز عربي، وهذه المدينة تكاد تتفرّس (تصبح فارسية) أو في منطقة القلمون التي تم تهجير ملايين السكان منها لتحويلها إلى جسر عبور إيراني إلى لبنان، أو حتى حلب، حيث تطبق مليشيات إيران الحصار على 300 ألف من سكانها العرب، وتهدّد بإبادتهم جهاراً نهاراً، إذا كانت خلفيات تحرّك السيسي عربية قومية؟

من جهة ثانية، لم يعرف عن السيسي أنه استراتيجي لديه حساسية عالية تجاه الجغرافيا السياسية، حتى يفكر في تحقيق أحزمة أمان لمصر، بدليل أنه لم يهتم بأصول مصر الإستراتيجية، أمن البحر الأحمر المرتبط بأمن قناة السويس، والذي تعمل إيران على انتهاكه. وكانت مفاوضاته مع إثيوبيا بشأن حصة مصر من مياه النيل قد كشفت حجم العطب في التفكير الإستراتيجي، ليس لدى السيسي وحده، بل ولدى النخبة الانقلابية المصرية بكامل عدّتها الفكرية والسياسية والعسكرية. أما اهتمامه بالملف الليبي، فيأتي خارج هذه السياقات تماماً، ولا يؤشر إلى وجود بعد إستراتيجي لديه، فهو يقارب الحالة الليبية بوصفها احتياطي "رز" لنظامه ليس إلا.

والواقع أن وجود السيسي، عنصراً عسكرياً، في سورية لا يشكّل إضافة مهمّة للأسد. وفي

"أي جيش سوري ذلك الذي يتحدّث عنه السيسي ويريد دعمه؟" الأصل، لا الروس ولا الإيرانيون ولا حزب الله يقبلون منحه دوراً مهماً، ولا حتى يثقون به، كما أن بشار الأسد يعرف أنه لا يملك الصلاحية، ولا القدرة لتوزيع أدوار الأطراف التي تقاتل في سورية. مسرح الحرب تديره إيران وروسيا، ولا أمكنة شاغرة لديهما للجيش المصري. القضية بإختصار أن السيسي يتجحّش مع الأسد للضغط على السعودية، لإعادة الارتباط به بعد الطلاق البائن، وأن الأسد يتجحّش بالسيسي، لكي يتبجّح بأن أكبر الدول العربية تقف معه، وسيبارك إعلام المجحّشين هذه العملية التي ستلد، برأيهم، السيف الذي سينقذ حاضر الأمة، مع أن السيف الوحيد الذي يحمله السيسي والأسد مصوّب على خاصرة الأمة.

من حق العرب أن يحزنوا على وقع مثل هذه الأخبار، ليس على شعب سورية الذي بالأصل تتكالب عليه قوى الشر، ولن تعمل قوات السيسي سوى إضافة بعض الألم على جرحه، بل الحزن على الجيش المصري الذي يُراد زجّه في مقتلةٍ قذرةٍ ليصطف إلى جانب مليشيات إيران في قتل أطفال سورية، أيّ شرف ذلك الذي يريد السيسي إكسابه لجيش مصر، أن يكون شاهد زور على اغتصاب سورية حتى الموت؟ هل من يخبر السيسي أن تلك فضيحة أخلاقية، نربأ نحن العرب أن يتم لصقها بجيشٍ خرج من صلبه جمال عبد الناصر.

========================

انتخاب ترامب تعبيراً عن قوة «سياسات الهوية» في العالم - وائل مرزا

المدينة

الاحد 27/11/2016

انتخاب ترامب تعبيراً عن قوة «سياسات الهوية» في العالم «في المجتمعات الأقل تديناً، أو مجتمعات (ما بعد المسيحية)، لم يعد التيار السائد (mainstream) في المسيحية قادراً على توفير هوية الجماعة الضرورية للناس. لكن هذا لا يعني أن أفكاراً أخرى لن تقوم بملء الفراغ. بعبارةٍ أخرى، احذر مما تتمناه: فأمريكا لا يلعب فيها الدين دوراً كبيراً ليست بالضرورة مكاناً أفضل، خاصةً إن حلّت محلّ الدين العصبيةُ لمصالح الإنسان الأبيض الأمريكي».

هذه فقرةٌ من مقالٍ كتبه شادي حميد، الباحث في معهد بروكينغز الأمريكي، ونُشرَ منذ أيام في مجلة السياسة الخارجية (Foreign Policy)، بعنوان «نهايةُ نهايةِ التاريخ، دونالد ترامب يُعيد السياسة الأمريكية إلى أصلها: صراعٌ على الهوية والأخلاق والدين». تساعدُ الفكرة الأساسية للمقال في فهم المشهد الأمريكي، والأوروبي، الراهن، بل إن الكاتب يسحبُها أيضاً لتحاول تفسير ما يجري في عالمنا العربي، حيث يقول: «سواء في حالة العصبية لأجل مصالح السكان البيض في أمريكا، أو حالة القومية العرقية في أوروبا، أو حالة الإسلاموية في الشرق الأوسط، فإن الخيط الذي يجمع كل هذه التجارب المختلفة واحد: السعي الشرس نحو سياساتٍ لها معنى يتجاوز فكرة المصلحة الفردية وجودة المعيشة. ربما تبدو هذه الأيديولوجيات فارغة أو غير مترابطة، ولكنها جميعاً تطمح إلى نوعٍ من التماسك الاجتماعي، وترسيخ الحياة العامة من خلال هوياتٍ محددة بدقة.. جوهر السياسة إذاً في هذه الحالة لم يعُد متعلقاً فقط بتحسين جودة حياة المواطنين، ولكنه يصبح في المقام الأول توجيه طاقات المواطنين لغاياتٍ أخلاقية أو فلسفية أو أيديولوجية».

المفارقة، ذات المعنى الكبير، التي لا يتحدث عنها الكاتب، تكمن في أن سيرة الرئيس الأمريكي المُنتخب لا توحي، من قريبٍ أو بعيد، بأنه يصدرُ في تفكيره وقراراته عن منطلقات تتعلق بالدين والأخلاق والهوية، ومن المؤكد أنه لم يفكر في أن تكون السياسة مصدراً لتوجيه طاقات المواطنين لغاياتٍ فلسفية. لكن فوزهُ، وتحديداً بتلك الصفات، يُظهر القوة الهائلة الكامنة في سياسات الهوية والمعنى، لأنه (استخدمها) فقط، وبشكلٍ أدواتي بحت، أوصله إلى البيت الأبيض بما يمكن أن نسميه «البساطة المُخيفة».

يتعلق الأمرُ بالإنسان إذاً في كل مكان. ويُعبر عن بحثهِ الأزلي عن موقفٍ (وسط)، لا تتضارب فيه المصلحة الفردية وجَودة المعيشة من جانب مع حضور المعنى والشعور بالهوية من جانبٍ آخر. لهذا، يبدو انتخاب ترامب تجلياً عملياً لنقد نظرية «نهاية التاريخ» الهنتنغتونية، حيث تنتصر الليبرالية بشكلٍ نهائي.

في هذا السياق نفهم كلام شادي حميد في المقال حين يقول: «مع ملاحظتي لانتشار التوجهات المعادية لليبرالية في كل مكانٍ تقريباً، من أوروبا إلى الشرق الأوسط إلى آسيا، إلا أنني كنت أرفض استنتاجاتي هذه حينما يتعلق الأمر بأمريكا، وكنت أقاوم فكرة أن معاداة ترامب لليبرالية تروق للشعب الأميركي... (ولكن) ربما تكون هناك طريقةً أكثر تفاؤلاً للنظر إلى فوز ترامب بالانتخابات: ففوزه من الممكن أن يكون بمثابة التوبيخ الشديد لما أصبحت عليه الديمقراطية الليبرالية، شكلاً من التكنوقراطية الإدارية اليسارية المعتدلة التي تفتقر إلى الإلهام والقوة، على خلاف ما أراد لها مؤسسوها».

لكن المبالغة في الاستهانة بعنصر «جودة المعيشة» للناس سيكون مدعاةً للفوضى، تماماً كما هي الحال عند المبالغة في النظر إليه كعنصرٍ وحيد، عندما يتعلق الأمر بصناعة السياسات. ومن يعتقد أن الشعوب ترفض رغدَ العيش، فضلاً عن الحد الأدنى من الحياة الطيبة، واهم. هذا ما يبدو درساً آخر من دروس الانتخابات الأمريكية، حين لا نقف فقط عند لحظة الانتخاب. فها هو ترامب الرئيس يبدأ في التراجع عن مواقف ترامب المرشح في عدة قضايا، مدركاً، بعد أيام من فوزه، استحالة العيش على سياسات الهوية نفسها، مصدراً لصناعة القرار.

========================

المعارضة السورية في مفترق الطرق - فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 27/11/2016

تؤشر وقائع مسرح العمليات العسكرية في حلب بين تحالف النظام والمعارضة إلى احتمال نتائج مأساوية في تلك الحرب، ومما يدعم هذا الاحتمال وقائع سياسية مرافقة في المستويات الداخلية والخارجية.

ففي الوقائع الميدانية، هناك تقدم ظاهر لقوات حلف النظام على جبهات حلب الشرقية المحكومة بالحصار المشدد بعد عدة أشهر من حصار منع دخول أي من المساعدات، بينما يستمر القصف الجوي العنيف بالبراميل المتفجرة من قبل نظام الأسد، وبأحدث الأسلحة والذخائر من البحرية والطيران الروسي، وسط عجز المعارضة المسلحة عن شن هجمات فاعلة من خارج طوق الحصار على حلب، مما يعني أن الأخيرة متروكة لمصيرها الذي يسعى المحاصرون إلى إفشاله، أو إلى تأخيره في أقل تقدير.

أما في الوقائع السياسية، فإن ثمة إصرارًا من تحالف نظام الأسد مع روسيا وإيران وميليشياتها على السيطرة على حلب، التي شدد عليها رأس النظام في تصريحات أخيرة، فيما أكدها عمليًا مع حلفائه الروس والإيرانيين عبر تحشيد قواتهم البرية والجوية، وتكثيف هجماتهم بصورة غير مسبوقة، وهو ما ترافق مع انسحاب روسي من اتفاقية محكمة الجنايات الدولية، مما يشير إلى رغبة الروس في تجنب إحالة حربهم وجرائمهم في سوريا أمام تلك المحكمة.

أهمية هذا الشق من الوقائع السياسية المحيطة بالهجوم على حلب، أنها محاطة بعطالة دولية، وكأن ما يجري في حلب من مجازر ودمار يتم في كوكب آخر، ووسط عالم لا يهتم بإعلاناته عن السلام وحقوق الإنسان ومنظماتها بما فيها مجلس الأمن الدولي الذي تتركز مهمته في حفظ السلام والأمن الدوليين، ولا يخفف من العطالة الدولية السائدة، تصريحات الموفد الأممي ستيفان دي ميستورا عن احتمالات تدمير حلب.

وسط تلك الوقائع، تبدو حالة المعارضة السورية بالشقين السياسي والعسكري في أضعف حالاتها، سواء لجهة أوضاعها الداخلية أو في علاقاتها مع القوى «الصديقة» في المستويين الإقليمي والدولي. ففي الجانب الأول، ما زالت الانقسامات قائمة من الناحيتين السياسية والتنظيمية على مستوى الكل السياسي والعسكري، الأمر الذي أدى إلى صراعات سياسية ومواجهات عسكرية في أكثر من موقف وموقع لم تمنعهما هجمات النظام في الشمال ولا في غوطة دمشق، بل الأوضاع الداخلية لقوى المعارضة، ولا سيما في التنظيمات الرئيسية، تعاني من مشكلات وارتباكات سياسية وتنظيمية، وليس من جهود قادرة على تجاوز تلك المشكلات والارتباكات.

ولا يقل الأمر سوءًا عما سبق لجهة علاقات المعارضة مع القوى «الصديقة» في المستوى الإقليمي والدولي؛ فـ«الأصدقاء الإقليميون» محكومون بظروفهم وعلاقاتهم مع الدول الكبرى، التي بات من الصعب تجاوزها في ظل تحديات قائمة داخليًا وإقليميًا، وأبرزها تحدي الإرهابيين والمتطرفين، إضافة إلى الصراعات في دول الجوار، التي يعتبر الصراع السوري أحدها، فيما القوى الدولية «الصديقة»، تعاني من ارتخاء موقف رأسهم الأميركي، وتحدي الإرهاب والتطرف.

والمشترك الرئيسي في موقف كل القوى الصديقة للمعارضة، تأكيدهم هامشية وهشاشة قوى المعارضة السورية وعجزها عن القيام بدورها، وهذا ما سمعه قادة المعارضة السياسية مرات في الأشهر الأخيرة في لقاءات مع مسؤولين كبار من الدول الصديقة.

وسط تلك اللوحة السوداء للصراع في سوريا، تبدو المعارضة على مفترق طرق، موضوعة بين خيارين لا ثالث لهما؛ أولهما الاستمرار في واقعها الراهن سيرًا إلى موت معلن أو موت سريري في الحد الأدنى عبر خسارتها لموقعها الحيوية في حلب وإدلب وغوطة دمشق وبقية المناطق المحاصرة، والثاني القيام بتحول سياسي جذري، يركز على نقاط أساسية في استراتيجيتها للصراع مع النظام وحلفائه، من أبرزها في المستوى الداخلي تبريد الخلافات البينية، ورفع الغطاء السياسي عن جماعات الإرهاب والتطرف، خصوصًا جبهة فتح الشام، والتوجه نحو توحيد القوى الرئيسية للمعارضة، وبالحد الأدنى، خلق مركز تنسيق موحد وفاعل، تكون التشكيلات المسلحة تحت إمرته، يعلن برنامجًا للحل السياسي، يقوم على مراحل، وصولاً إلى الخروج من نظام الاستبداد والقتل والدمار إلى نظام وطني ديمقراطي، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

وبطبيعة الحال، فإن الخطوات الداخلية، لما يمكن أن تقوم به المعارضة، لا تنفصل عن خطوات خارجية، ينبغي القيام بها، والجوهري فيها إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية لكسب التأييد والدعم الدوليين لقضيتها وأهدافها.

إن القيام بالتحولات المطلوبة من جانب المعارضة ليس أمرًا سهلاً، إنما هو عمل جبار يواجه صعوبات وتحديات كبرى، لكن ليس من طريق آخر للمعارضة، إذا قررتَ مواجهة تحدي الموت سواء كان معلنًا أو سريريًا، فالنتيجة واحدة وستكون مؤلمة بكل الأحوال.

========================

طهران من حضن أوباما إلى قبضة ترامب - مرح البقاعي

الحياة

السبت 26/11/2016

حكمت العلاقات الأميركية- الإيرانية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مواجهات غير معلنة وغير معروفة الملامح، بقيت ضمنية ولم يتناولها الإعلام بالإشارة أو التحليل، لكنها شرسة ومتواصلة ولم ينقطع خيطها حتى إثر توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الدول (5السبت 26/11/20161) الذي رعته إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وكان وزير خارجيته جون كيري عرّابه المُحلَّف.

إلا أن تلك الحرب الأعلى سرّية، والأبعد من الإعلام والتداول المتاح، حروب مصيرية أيضاً وعميقة المرامي كغيرها من حروب أميركا في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة ومن خلال تطبيق العقوبات الاقتصادية على إيران، وكذلك عزل طهران على مستوى العمل الديبلوماسي والحراك الدولي، والنشاط الاستخباراتي الحثيث الذي يهدف إلى متابعة ومراقبة نشاطها النووي، كانت تدفع إلى كبح جماح الطموح الإيراني في التحول قوة ضاربة مهيمنة على المنطقة. وكانت الحكومات الأميركية المتعاقبة خلال العقد الأخير ترى في محاولات إيران لتكبير حجمها النووي العسكري تهديداً عظيماً لاستقرار الشرق الأوسط والخليج، ولأمنها القومي.

وفي الوقت عينه، قامت إيران بعمليات معاكسة لإحباط مساعي الولايات المتحدة في تقويض برنامجها النووي ومحاولة ليّ ذراعها في دول الجوار، بل لتتدخل في شؤونها الداخلية محاولة زعزعة الاستقرار والسلم الأهلي في غير بلد جار. واستغلت إيران في حربها المضادة هذه حالة غياب الاستقرار في المنطقة، وحاولت توظيفها لمصلحتها محاولة زعزعة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

وسبقت تلك المواجهات محاولات أميركية جدية لاستيعاب الطرق والآليات ورصدها التي تم من خلالها تطوير البرنامج النووي الإيراني بأذرعه العسكرية من دون أن يلحظه العالم، إلى أن أصبح هذا الطموح النووي يهدد الأمن الإقليمي والعالمي. فإدارة الرئيسين، جورج دابليو بوش ثم باراك أوباما، أحيت روح التشاركية مع إيران في محاولة لحل هذه العقدة النووية على طريقة العصا والجزرة، وهي السياسة التي شابها الكثير من الأخطاء إلى أن وصل الطرفان إلى إقرار الاتفاق النووي الشهير، مع إثارة الكثير من الشك بالأجندات الإيرانية المستترة.

من نافلة القول إن الولايات المتحدة لا تزال تعاني من خلافات عميقة مع إيران على رغم البدء بتنفيذ الاتفاق، حيث تفيد مجمل التوجهات الأميركية وتصريحات المسؤولين وفي مقدمهم أوباما بعد فترة وجيزة جداً من إبرام الاتفاق، بوجود تهديدات بيّنة من إيران لجهة استقرار وأمن الشرق الأوسط، ودعمها لإرهاب المنظمات العقائدية العابرة للحدود، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان داخل أراضيها وفي الدول التي تنشط أذرعها الميلشيوية فيها، وأن الولايات المتحدة في حال جاهزية تامة لرد هذه التهديدات والاستمرار بإحكام العقوبات على إيران لجهة برنامجها الخاص بالصواريخ الباليستية البعيدة المدى. ومن أبرز الشواهد على غياب الثقة الأميركية بالطرف الإيراني، على رغم توقيع الاتفاق عزم الولايات المتحدة على الاستمرار في مراقبة الأنشطة والمنشآت النووية الإيرانية من طريق بعثات مباشرة من المفتشين الدوليين للكشف المبكّر عن أية محاولة لإخفاء نشاط نووي محظّر دولياً يقع خارج نطاق الاتفاق.

أما بوصول الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب إلى السلطة وإعلانه غير مرة خلال حملته الانتخابية عن عزمه إلغاء الاتفاق، وبالتالي تقويض مساعي إيران القائمة منذ 1980 والهادفة إلى تمكين قدرتها النووية العسكرية، وكذا كشف ترامب عن فهمه وتوجسه من استراتيجياتها الرامية إلى تصدير العنف المذهبي إلى دول الجوار لبسط سيطرتها على الشرق الأوسط عبر أذرها الطائفية، فالمرجّح أن يبدأ منحى جديد تماماً حيال إيران، وسيكشف بالنتيجة حجم وعمق اضطراب العلاقات بين واشنطن وطهران، وكذا مدى جدوى وجديّة المفاوضات التي قامت بين الدولتين بتبعاتها القانونية، بما يشكل مدخلاً لفهم النتائج القريبة والبعيدة الأمد لهذه العلاقة، وكيف أن على إدارة ترامب الجمهورية المتشددة أن تحرّك خيوطها المتشابكة ضمن دوائر سياسية محورية وصعبة، بل معقدة في أغلب الأوقات، وذلك إثر أفول نجم أوباما وليبراليته الرخوة.

========================

مآلات الصراع على السلطة في بلدان الاضطراب - رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 26/11/2016

قال أبو عزرائيل (تأملوا هذه الكنية!)، وهو أحد زعماء الميليشيات العراقية الجديدة، إنّ ثلاثة أرباع أهل الأنبار إنما هم من الدواعش، أو من أنصارهم! وقد جاءت هذه الملاحظة من جانبه بسبب تكاثر هجمات «داعش» وخلاياه النائمة بناحية الشرقاط، مما اضطر القوات العسكرية والأمنية إلى إجلاء سكان الشرقاط الذين عادوا إلى مساكنهم بعدما حرر الجيش والشرطة الاتحادية والحشد العشائري قسمًا من البلدة الكبيرة التي يخترقها نهر الفرات. لقد أرادت القوى الأمنية التحقيق مع سائر الذين عادوا لاكتشاف الدواعش في أوساطهم! وواقعة الإجلاء، وكلام الميليشياوي أبو عزرائيل أثار رُعب البعض، وسخط آخرين كثيرين.

إنّ المفروض أنّ جيش الدولة (الذي يتضمن فِرَقًا عسكرية، وقوات مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحادية) هو الذي يقاتل الدواعش. والدولة أو السلطة الشرعية هي التي تملك حقَّ الإرغام أو الإخضاع أو يسلِّم معظم الناس لها بذلك. وعلى ماذا تقوم الشرعية أو كيف تتحقق؟ يقول ماكس فيبر إنّ لها أحد ثلاثة مصادر: التقاليد والأعراف مثل السلطات الملكية الوراثية، أو الدساتير والانتخابات، أو الكاريزما الظاهرة لشخصٍ معين. والسلطة العراقية القائمة تملك الزعم أنها جاءت نتيجة انتخابات عام 2013 - 2014. ورغم أنّ الكاريزما لا تحضر في أي من قيادات الصف الأول لدى سائر الأحزاب والجهات؛ لكنّ هناك سلطات تقليدية دينية أو جهوية أو عشائرية، تستعين بها «السلطات الدستورية»، فتكون الشرعية أو ينبغي أن تكون خليطًا من هذا وذاك، وهذا لا يجوز لأن الميليشيات لا شرعية لها من جهة، ولأنها تمارس على الأرض ممارسات عنيفة، ضد المدنيين. لكنّ المالكي يستطيع الاعتذار بأنّ الجيش العراقي لا يستطيع وحده مقاتلة «داعش» وإخراجها من سائر المحافظات، ويقوم في الوقت نفسه بإجلاء السكان ثم إعادتهم وإعمار ديارهم، وما يُسمَّى بمسْك الأرض لفرض النظام وحتى لا يتمكن الدواعش من العودة. وقد تحدث النبي (صلى الله عليه وسلم) عن معرَّة الجيش، أي ما تقوم به الجيوش عادةً من تصرفات غير مسؤولة تجاه المدنيين، وتجاه المقاتلين المستسلمين. وهذا والجيش منتظم ومنضبط أو هكذا المفروض، فكيف والذين يقاتلون مع الجيش غير منضبطين، وتُسميهم الأدبيات الحديثة: قوى غير نظامية.

لقد اشتهر عن رئيس وزراء العراق السابق المالكي قوله عام 2012 إنه لا بد من حسم الصراع على السلطة في العراق إلى الأبد عن طريق الإبادة أو التهجير. بيد أنه رغم استخدام الجيش والميليشيات فإنّ ذلك لم يكن ممكنًا وإن كانت للقوى التي يتزعمها المالكي اليد العليا حتى ظهر «داعش» واستولى متحشدًا بين سوريا ومناطق العراق المجاورة. وقد روَّع ذاك الحدث الهائل الحاكمين في العراق وإيران، فكانت فتوى الاستنفار أو النفير للدفاع عن المراقد، شرعنت للميليشيات بعد أن انسحب الجيش من الأنبار وصلاح الدين وهرب زُهاء الستين ألفًا أو السبعين منهم من الموصل. وقتَها كانت المفاوضات الأميركية - الإيرانية على النووي في عزّها، وقد رأى فيها الرئيس أوباما فرصةً للضغط والإغراء في الوقت نفسه، فقال إنه يشعر بالمسؤولية الأخلاقية عن الحدث العراقي، وراح بسرعة لإمداد الأكراد، ولإعادة بناء قطعات الجيش، في الوقت الذي دخلت فيه إيران بعسكرها علنًا بحجة الدفاع عن حدودها من جهة، وتبنّي الميليشيات القديمة والجديدة وقيادتها للوقوف في وجه «داعش» الزاحف. على أنّ المحنة التي عاناها المدنيون في المناطق الشيعية لا تُقارن بما عاناه مدنيو السنة في المناطق التي استولى عليها «داعش». ولا أتحدث هنا عن مشكلات النساء والأطفال والشيوخ، بل عن المشكلات السياسية؛ إذ إن القيادات العشائرية انقسمت بين «داعش» والمالكي وأولئك الذين يريدون إنشاء أو إقامة مناطق مستقلّة بالعراق. وما اجتمع الاستقلاليون، بل حاولت كل عشيرةٍ منذ عام 2011 الاستيلاء على مدينةٍ أو منطقة. وبسبب ازدواج الصراع فيما بينها ومع عملاء المالكي وإدارييه، أمكن لـ«داعش» أن يستولي، وأن يحتذب إليه أُناسًا كثيرين كرهوا المالكي وكرهوا زعاماتهم العشائرية المتصارعة. وهذا ما يعنيه أبو عزرائيل بأنّ ثلاثة أرباع أهل الأنبار كانوا مع «داعش» أو من أنصارها. لقد ظلت الفكرة ثابتة لدى القيادات الشيعية الموالية لإيران أنّ الموضوع هو الصراع على السلطة، وأنه لا بد من حسمه لصالحهم، كما كانت القوى السنية قد حسمته لصالحها منذ استيلاء بريطانيا على العراق عام 1920. بينما ما كانت لدى القوى السياسية والعسكرية السنية هذه العزيمة وهذا الوضوح، وذلك لأمرين اثنين: قوة فكرة الدولة العراقية الواحدة في أوساطهم، واقتناعهم العميق أنّ «داعش» انشقاقٌ ديني وسياسي وأنه لا يصلح لأن يكونَ بديلاً عن الدولة العراقية. وهؤلاء الذين ما حسموا أمرهم هم الذين لجأوا إلى الأردن أو المنطقة الكردية بحسب الجوار الذي كانوا فيه بعد أن صارت سوريا الأسدية ضدّهم وكانت قد ألجأتهم من قبل عندما كانت متخاصمةً مع المالكي. وهؤلاء أنفسهم هم الذين آل أمرهم الآن لأن يكونوا في معظمهم مع تركيا. فالخصم الإيراني ونصيره العراقي بالداخل يريد إخضاع تلك المناطق واستلحاقها بحجة أنّ «شرعية الدولة» معه تعاونُهُ في ذلك الولايات المتحدة الأوبامية، أما هو فما وجد نصيرًا في جواره العربي ولا بديلاً في «داعش»، فاعتبر تركيا الجوار الأقل ضررًا والأكثر قدرةً على الحماية في الوضع الراهن. لكنّ تركيا ما كانت تطمح في العراق وسوريا لأكثر من حماية حدودها من العدو الكردي الذي يريد إقامة كياناتٍ منفصلة في العراق وسوريا وتركيا، ولذا فإنها - وبخلاف إيران - ما كان عندها وليس عندها مشروع لمساعدة العرب السنة والتركمان السنة بالداخل العراقي أو الداخل السوري، وإن أكثرت من الصراخ من أجلهم، بل العمل معهم ومن خلالهم لحماية تلك الحدود أو إخلائها من المسلحين الأكراد.

ما هي مآلاتُ الصراع على السلطة في العراق وسوريا؟ وسط الظروف الراهنة والمتمثلة في وجود سلطتين بالعراق وسوريا تساعدهما كلٌّ من الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية وترعاهما إيران بشكلٍ مباشر؛ فإنّ الجولة الحالية من الحرب ستحسم بتكاليف هائلة تفوق التصور الإنساني لصالح النظامين العراقي والسوري اللذين يقعان في قبضة إيران. إنما المشكلة في هذا السياق، كيف يمكن التقليل من خسائر خسارة هذه الجولة من الحرب؟ ذلك أنّ القيادات المعارضة لنظام الحكم في البلدين، والتي لم تستطع في صعودها تحديد أهداف واضحة للمعارضة التي حملت السلاح باستثناء الحديث عن إسقاط المالكي والأسد، غير قادرةٍ الآن، وفي العراق أكثر من سوريا، لاتخاذ قرار بالاعتراف بالخسارة والتصرف على أساس من ذلك. ولا شكّ أنّ الذي يزيد الأمر صعوبةً عليها، أنّ الطرف السلطوي الذي يستخدم أمثال أبو عزرائيل وميليشيات الحشد والأفغان وحزب الله، يعتقد أنه يملك أن يفرض «الحلّ النهائي»، شأن ما اعتقده هتلر في صراعه مع خصومه وأعدائه.

========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com