العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-11-2018


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

 

هل هو الحل في سورية؟

ميشيل كيلو

العربي الجديد

الخميس 1/11/2018

من دون أي حكم مسبق، أو تفكير تآمري، صار من الضروري طرح سؤال، يتّسم بأقصى قدر من الصراحة والشجاعة عن هوية الوضع الراهن الذي آلت الثورة وسورية إليه، وهل هو وضع انتقالي أم نهائي؟ وإذا كان انتقاليا، ما الفترة التي قد يستغرقها، وما النتائج التي ستترتب عليه، إن كان نهائيا؟

بداية لا بد من التذكير بما سبق أن قلته عشية اتفاقيات خفض التوتر والتصعيد، ولم يهتم به أحد، وهو أنه توجد في سورية حقيقتان سياسيتان ثابتتان، وتحظيان بدعم دولي: الكيان الأسدي المدعوم روسيّا، واللاكيان شرق الفرات، المدعوم أميركيا، وقد يتحوّل إلى كيانٍ في أي وقت تختاره واشنطن، وأنه يوجد بينهما فراغٌ يفتقر إلى الكيانية والهيكلة، ويعجّ بالفوضى والانقسامات، تحتله المعارضة. بعد عقد الاتفاقيات، أكدت أنه يمكن الإفادة من إيجابياتها، وتكريس نظم إدارة محلية ديمقراطية ونزيهة فيها، وتوحيد قدراتها العسكرية وتعزيزها عبر عملية تجنيد وتدريب واسعة لشبان مناطقها، سيما أن أمد الاتفاقيات كان ستة أشهر فقط، وأن الروس يمكن أن يتخلوا عنها، ويغدروا بالمناطق وأهلها في أي وقت، وهو ما حدث بالفعل بعد انقضاء فترة الأشهر الستة التي أمضاها ممثلوها، كعادتهم، في مناكفاتٍ وخلافاتٍ حزبية 

"مصير الشعب في آخر منطقة خرج النظام، أو أُخرج، منها، صار رهناً بإرادة تركيا" وشخصية ونزاعات على النفوذ. بالنتيجة، أعادت روسيا ثلاثا من المناطق الأربع إلى الأسدية، ولم يبق غير المنطقة الرابعة حول إدلب في الشمال، تفاهمت روسيا مع تركيا على بقائها على وضعها منطقة خفض تصعيد، شريطة مبادرتها إلى القضاء على إرهاب جبهة النصرة واثني عشر تنظيما آخر، تقول تركيا، وتقرّ رسميا بأنها منتشرة في المنطقة. من الجدير بالملاحظة أن الاتفاقية الأولى عقدت بين روسيا وتركيا والمعارضة، وأن تجديدها الحالي حدث مع تركيا. وفي غياب المعارضة التي لم يعد معترفا بتبعيتها لها، وبأنها طرف في اتفاق دولي، عقدت الاتفاقية في إطاره، وعليها، للسببين السابقين، أن تأخذ في حسبانها تحوّل المنطقة إلى كيانٍ ثالث، يخضع لإشراف تركيا ووجودها العسكري، إلى جانب الكيانين، الروسي والأميركي، وأن صفتها الجديدة تسهم إسهاما خطيرا في إخراج القضية السورية دوليا من يد المعارضة، بعد أن كانت قد أخرجتها واقعيا منها.

بقول آخر: إذا كانت المعارضة تمثل الثورة، فهذا الذي جرى يعني أننا أصبحنا في وضع تخطى هذا التمثيل، ويُخشى أن يكون قد تجاوز الثورة نفسها، وأي ممثلٍ لها، بما في ذلك هيئة التفاوض. كما يعني أن مصير الشعب في آخر منطقة خرج النظام، أو أخرج، منها، صار رهنا بإرادة الدولة التركية الشقيقة ومصالحها، وأن المعارضة لن تتمكّن، من الآن فصاعدا، من بلوغ أي هدف، إن كان يتعارض مع إرادتها ومصالحها. هذا أولا. ثانيا: صار تطبيق وثيقة جنيف والقرارات الدولية بشأن الحل الدولي في سورية هو الآخر وراءنا، وضربا من الاستحالة، لأن روسيا التي عطلتها تاريخيا لم تقبل تفعيلها الآن، بما أنه سيهدّد وجودها في سورية، إن طبقت بصورة منصفة، وكذلك واشنطن التي تحتل منطقةً هي بديل العراق الاستراتيجي، من دون أن يزعجها أحد، علما أنها تستطيع الانطلاق منها ضد أي بلد مجاور، تقرّر مستقبلا تطويعه أو 

"قضيتنا اليوم موزّعة بين ثلاثة كيانات تدعمها ثلاث دول" مواجهته، بينما تفتقر أنقرة إلى القدرة على دفعهما إلى تطبيقها، وتكيّف نفسها بدورها مع حلٍّ تنتجه تفاهماتٌ من خارج هذه القرارات، على عكس ما يعتقده مراهقون سياسيون، يتوهمون أن الثورة ما زالت تدق أبواب دمشق، ولا يلاحظون أو يتجاهلون أنها تلاشت إلى درجةٍ شديدة الخطورة، وأن استمرارها يتوقف على تكيّفها مع أهداف تركيا، وما يمكن لدبلوماسيتها تحقيقه لها، وإلا فتجديدها انطلاقا مما طالب الوطنيون الديمقراطيون به طوال سنواتها السبع: التمسّك ببرنامج الحرية للشعب السوري الواحد تحت جميع الظروف والأحوال، ومواصلة الحراك السلمي المدني وتوسيعه، وتوحيد القاع الشعبي حول أهداف وطنية جامعة، وتوحيد القطاعين، السياسي والعسكري، على أسس برنامجية وخططية ثورية وملزمة، والإصرار على إطاحة الأسدية وتفكيك نظامها، واستبداله بنظام مواطنة ديمقراطي، يكون لجميع السوريين، من دون تمييز أو استثناء.

إذا كانت قضيتنا اليوم موزّعة بين ثلاثة كيانات تدعمها ثلاث دول، وكان تطبيق القرارات حول حل دولي مستبعد، والوضع في الشمال وإدلب غير خاضع لما تقرّره أي مؤسّسة وطنية، مهما كان اسمها، هل يكون من المبالغة القول إن هذا الوضع قد يصبح هو الحل الذي يمكن، في إطاره، تسوية مشكلات الأطراف الثلاثة القابضة على المصير السوري، وضمان مصالحها، وإنه سيستمر فترة غير قصيرة، قد تتخللها صراعاتٌ إقليمية ومنازعات دولية، وتحولات سياسية في منطقتنا العربية وجوارها، وربما حال من الفوضى الشاملة التي ستلزم الكيانات الأجنبية القائمة اليوم في وطننا بالمحافظة على الحال الراهنة؟

هل من الخطأ التفكير بهذه الاحتمال، والعمل بهدوء وجدّية لمواجهته، كي لا تموت الثورة بالتقادم، بقوة إرادة دولية/ إقليمية مشتركة، يفتح تفاهمها على استمراره الباب لحل ما تواجهه كل منها من مشكلاتٍ ترتبت على الصراع السوري/ السوري، وخصوصا منها مشكلة اللاجئين، وتاليا إعادة الإعمار، كمهمة تستمر سنوات، يسودها هدوء ما بعد الثورة؟

==========================

لله ثم للتاريخ ... للحق والحقيقة

زهير سالم

30 / 10 / 2018

مركز الشرق العربي

ما يعيشه السوريون اليوم هو مخرج للأخطاء المتراكمة من المجلس الوطني إلى الائتلاف الوطني إلى هيئة التفاوض ..كل من مر على كرسي المسئولية يحمل نصيبه من متراكمة ومتراكبة الأخطاء . ويكون سهمه من المسئولية بحجم سهمه من الصلاحيات التي استمتع بها .

والرجال والنساء الذين قصروا يوم كان مرجل الثورة يغلي ، وسورية تضج بالخيل والرجال هم أكبر سهما من الغرم من الذين تحملوا المسئولية في الزمن الأخير ..

هذا ليس اتهاما أشخاص ، وهذا ليس دفاعا عن أشخاص ، هذا إحقاق لحق لا يماري فيه إلا مكابر أو جاحد .

الواقع البائس الذي يعيشه السوريون هو مخرج مباشر للمدخلات الخاطئة المتراكبة والمتراكمة والتي قامت على قاعدة اسنرضاء الآخرين طمعا بما عندهم ، والذي لم يكن أكثر من جزرة يوسف الممدودة دائما أمام ناظري الحمار وكل هذه الخطايا والأخطاء ا موثقة مؤرخة تمت الإشارة إليها والتحذير منها  قبل أن تقع وبعد أن وقعت ولكن الجلوس على كرسي المسئولية يعمي ويصم .

إن الذين قبلوا أن يجلسوا على أول طاولة مفاوضات وأختام الدولة السورية في يد بشار الأسد هم بأقل التسميات صراحة سذج أو مغفلون

إن الذين قبلوا أن يجلسوا على أول طاولة مفاوضات وفي سجون الأسد معتقل واحد هم مضيعون ومفرطون ولا مبالون ..

إن الذين استدرجوا إلى عمليات الخلط والمزج  المخطط والمبرمج حتى صار لماء الثورة النقي لون وريح  كانوا لا يرون أبعد من أنوفهم ولا  ينظرون إلى  موضع أقدامهم . 

كانت الأعوام من 2011 - 2016 من اللحظات التاريخية الحاسمة التي  ربما لا تتكرر ، والذين خدعوا باللحمسة من يد وزير أو سفير أو مدير كانوا يدفعون ثمن انخداعهم من دماء السوريين ومن حاضرها ومستقبلها الموعود .

لم يحن موعد التلاوم والتراشق وأدعو الله ألا يأتي هذا اليوم علينا أبدا ..وأن يبقى أهل الرشد من هذا الشعب إخوة متحابين . وفي هذا الذي نحن فيه يصدق علينا قول سيدنا المسيح : من كان بلا خطيئة فليرجمها بحجر .

هناك الكثير ليقال في أداء هيئة التفاوض ولكن الكلام الذي يقال في أداء من  سبق وسبق وسبق وسبق  أكثر وأكثر وأكثر ..وأصدق الكلام أن نقول " يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ".

_________

*مواطن سوري

==========================

قمة إسطنبول الرباعية وتربيع الدائرة

بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 1/11/2018

كان الغياب الأمريكي عن القمة الرباعية التي استضافها الرئيس التركي رجب أردوغان، في إسطنبول، هو العلامة الأبرز في الحدث. ليس فقط لأنها القوة العظمى الوحيدة في العالم، ولا يمكن اتخاذ قرارات كبرى، كمصير سوريا مثلاً، بدون مشاركتها وموافقتها، بل كذلك لأنها تحتل، عملياً، أكثر من 20٪ من مساحة الأراضي السورية، ولديها عشرات القواعد والمطارات العسكرية، إضافة إلى وجود قوات برية حليفة لها، قوات سوريا الديموقراطية.

والحال أن القمة هذه ما كان لها أن تعقد في إسطنبول، أصلاً، لو أرادت واشنطن المشاركة، في ظل تضارب الأجندات المعلن بينها وبين أنقرة. من جهة أخرى، أراد القادة الأربعة المشاركون في قمة إسطنبول أن يقنعوا العالم، كل بدوافعه الخاصة به، أن اجتماعاً للبحث في مصير سوريا هو أمر ممكن بدون مشاركة أو تشويش أمريكيين، نظراً لما يعانونه جميعاً في التأقلم مع شخص متقلب المزاج كدونالد ترامب متربعاً في البيت الأبيض. هل نجحوا في هذا الإقناع؟ قراءة البيان الختامي وتصريحات القادة في المؤتمر الصحافي المشترك تجيب بالنفي. ولكن الصورة بذاتها مهمة. صورة اجتماع كبير، يجمع معاً ممثلين من مسار آستانة الثلاثي والمجموعة المصغرة السداسية، الجهتان المعنيتان بالموضوع السوري، في غياب واشنطن. كأن القادة الأربعة، والجهات التي يمثلونها، قد رددوا شعار باراك أوباما الانتخابي: (نعم، نستطيع!).

ولكن هذا كل شيء! تضارب أجندات الدول الأربعة الممثلة في القمة، أو تباينها، كان واضحاً في البيان الختامي الذي يشبه، إلى حد كبير، بيانات القمم العربية التي اشتهرت بإرضاء كل المشاركين، بحذف جملة في مسودة البيان هنا، أو إضافة جملتين هناك، أو تعديل عبارة هنالك. بحيث يحصل الجميع على ما يريدون على مستوى الكلام المكتوب، كتسجيل موقف، ثم ينفض الاجتماع ليتابع كل نظام سياسته المعتادة كأن شيئاً لم يحدث.

ففي الأمور الأساسية ظل بوتين متمسكاً بمواقفه، فلم يمنح شركاءه في القمة وعداً قاطعاً بعدم الهجوم على إدلب، متوعداً بالرد على ما وصفه بـ«استفزازات المتشددين» في الوقت الذي لم يشهد الميدان فيه غير استفزازات كبيرة من النظام الكيماوي الذي ارتفعت وتيرة هجماته، في الأسابيع الماضية، على المنطقة منزوعة السلاح وجوارها. إضافة إلى مطالبته تركيا بالإسراع في نزع السلاح الثقيل من الفصائل في إدلب، في حين أن ذلك قد تم إلى حد كبير. أما بالنسبة لموضوع اللجنة الدستورية الذي رحَّله البيان الختامي من نهاية تشرين الثاني إلى نهاية العام، فقد «صارح» بوتين شركاءه في القمة بصعوبة إقناع «الحكومة السورية» في موضوع «يمس سيادتها» مكرراً بذلك كلام وليد المعلم بخصوص اللجنة الدستورية، أي مطالبة النظام بثلثي اللجنة ورئاستها، الأمر الذي كان موضوع شكوى المبعوث الأممي ديمستورا.

تضارب أجندات الدول الأربعة الممثلة في القمة، أو تباينها، كان واضحاً في البيان الختامي الذي يشبه، إلى حد كبير، بيانات القمم العربية التي اشتهرت بإرضاء كل المشاركين

وهكذا جاءت مواضيع كالتشديد على المضي في الحل السياسي، أو المحافظة على وقف إطلاق النار، أو تهيئة الشروط الميدانية لعودة اللاجئين إلى ديارهم وغيرها، من موجبات الكلام الإنشائي الذي لا بد من حشو البيانات الختامية به. وفي حين تم إرضاء تركيا بالتأكيد على وحدة الأراضي السورية، وإضافة عبارة «كل التنظيمات الإرهابية» إلى محاربة داعش والنصرة والمنظمات المرتبطة بالقاعدة، مما شملتها قائمة مجلس الأمن للمنظمات الإرهابية، كان نصيب ألمانيا وفرنسا ذكر البيان لمرجعية القرار 2254 للحل السياسي، وإن كان ذلك بصورة ملتبسة، جنباً إلى جنب الحديث عن أهمية مسار آستانة ـ سوتشي، والتنويه بالإنجاز الروسي ـ التركي للهدنة في إدلب.

من مفارقات هذه القمة الرباعية أن ممثلَيْ الاتحاد الأوروبي فيها، ألمانيا وفرنسا، كانا الطرف الأضعف أمام بوتين وأردوغان اللذين يحتفظان بوجود عسكري مباشر على الأراضي السورية، مقابل وجود رمزي للدولتين الأوروبيتين. وفي حين كانت أنجيلا ميركل «أم الصبي» في موضوع اللاجئين، كما في التنكب المحتمل للقسم الأكبر من أعباء إعادة الإعمار التي تطالب بها روسيا بإلحاح، كان الحضور الفرنسي أقل طموحاً، وهو المقتصر على وجود عسكري رمزي في منبج، وضجيج إعلامي حول دور سياسي لا يستند إلى أساس متين سوى رغبة ماكرون في الظهور بمظهر من يفعل شيئاً.

أما الرئيس التركي أردوغان فقد نجح في تقديم نفسه إلى الرأي العام الداخلي بوصفه عقدة الربط بين «آستانة» و«المجموعة المصغرة» كما بين أوروبا وروسيا، عشية احتفال تركيا بالذكرى السنوية الخامسة والتسعين لتأسيس الجمهورية التركية، موعد افتتاح «مطار إسطنبول» الأكبر في العالم. ففي الحسابات السياسية الداخلية، لهذه القمة قيمة معنوية كبيرة في وقت تستعد فيه الأحزاب السياسية لخوض الانتخابات البلدية في آذار 2019. غير أن المواجع التركية ليست مع أوروبا أساساً، بل مع الولايات المتحدة، الغائبة ـ الحاضرة في قمة إسطنبول. وإذا كان غيابها مريحاً لبوتين وأردوغان، فإن حضورها كهاجس يكاد يفرغ إنجاز إسطنبول من مضمونه، وبخاصة في وقت تنشط فيه الدبلوماسية الأمريكية في الملف السوري بسياسة «جديدة» وأكثر تدخلية على ما أعلن الممثل الخاص جيفري. صحيح أن إطلاق سراح القس برونسون، قد أذاب بعض الجليد المتراكم بين واشنطن وأنقرة، لكن ما تحت الجليد يبقى أهم بالنسبة لتركيا: تحالف الأمريكيين مع وحدات حماية الشعب الكردية، وبقائهم شرقي نهر الفرات حتى إشعار آخر.

أما الغياب الإيراني عن قمة إسطنبول، فلم يكن بأهمية الغياب الأمريكي، على رغم تدخلها المكثف في الصراع السوري، عبر الميليشيات الشيعية التابعة لها. فلم يكن لحضورها أن يقدم لها شيئاً في محنتها، بل كان من شأنه أن يلغم القمة من حيث استثارة غضب ترامب، وهو ما لا يريده المجتمعون الأربعة.

القمة التي قد تناسب متطلبات طهران وطموحاتها هي تلك التي يمكن أن تعقد في مكان آخر، وبمشاركة مختلفة، مثلاً: إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا. وربما كانت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى سلطنة عمان، في جانب منها، تعويضاً لإيران عن غيابها عن قمة إسطنبول.

==========================

أين جثة الشعب السوري؟!

د. أحمد موفق زيدان

العرب القطرية

الاربعاء 31/10/2018

على مدى ثماني سنوات تحولت سوريا بمن فيها إلى مقبرة لجثث السوريين، فثمة مئات الآلاف من الجثث المجهولة قضت تحت قصف الاحتلالات الداخلية والخارجية، ولا يزال القاتل طليقاً معروفاً لدى العالم كله، بل والعجيب لا يزال هذا العالم يتعامل معه صباح مساء، ويتعامل مع مشروعه اليومي المختزل بأنه مشروع جثث للماضي والحاضر والمستقبل، وغدا شعار السوريين إنما جثة الغد تودّع جثة اليوم.

وبعد كل هذا لا يزال العالم المنافق يتساءل عن حق السوريين بتقرير مصير بشار الأسد، ولا أدري إن كان من قضوا بقصف الطائفيين يحقّ لهم أن يصوّتوا ضد الطاغية، ألم يكفِ العالم كله تصويتهم بدمائهم وجثثهم على مدى ثماني سنوات ومن قبلها ضد أبيه؟! ألم يكفِ العالم تصويت اثني عشر مليون مشرد بأرجلهم يوم رفضوا اللبث بين ظهراني سفاح استجلب كل حثالات الأرض لقتل الشعب السوري واحتلال أرضه وتغيير ديمغرافيته ؟! ألم يكفِ العالم تصويت أكثر من نصف مليون معتقل ومعذّب ممن قضى بعضهم في سجون الديكتاتور حيث صوّتوا بصرخاتهم وعذاباتهم، والصور التي سرّبها العميل سيزر «قيصر» شاهدة على جرائم العصر؛ لكنها للأسف فشلت في تحريك ضمير عالمي ميت؟!

لا يزال هذا العالم المنافق يتساءل عن مصير بشار، بعد أن اختصر أعظم ثورة بشرية ربما دستور يكتبها له غيره وهو الذي علّم العالم أبجدية الياسمين، ولا يزال العالم أيضاً يستجدي بأن يفكّ الحصار، لكن ليس على المدن وإنما يفكّ حصاره الظالم على مخيم الركبان وسط انهيار قيم العالم كله فيه، بحيث عجز عن إيصال لقمة غذاء أو شربة ماء أو دواء إلى عشرات الآلاف من المحاصَرين الذين يقضون موتاً بسبب الجوع والعطش والمرض في ظل مداهمة فصل الشتاء لهم.

ولا يزال يتراكض من يفترض تمثيله للمعارضة السورية إلى موسكو، بينما كان عليه أن يهرع إلى إنقاذ أهلنا وشعبنا في مخيم الركبان، ولكن للأسف آثر أن يلتقي مع قادة روسيا عوضاً على أن يلتقي أهلنا المحاصَرين في مخيم الركبان، وعوضاً أن يطرق أبواب العالم كله ويضعه أمام مسؤولياته من أجل فكّ الحصار عن «مخيم الموت» (الذي هو مخيم الركبان) والذي يحاصر القتلة فيه عشرات الآلاف من المشردين نساءً وأطفالاً!

كلنا يطالب بجثة الشهيد جمال خاشقجي، وهذه أبسط حقوق البشر، فإكرام الميت دفنه، وهي مطالبة حقة؛ ولكن ما ميّز جثة الشهيد جمال خاشقجي عن غيره من الجثث التي قضت حرقاً وقتلاً واغتيالاً على أيدي الطائفيين في لبنان منذ أيام سليم اللوزي وكمال جنبلاط ورفيق الحريري وسمير قصير وغيرهم كثير، إلى المعارض السوري صلاح الدين البيطار في فرنسا وبنان الطنطاوي في ألمانيا وغيرهم كثير، هو أن جمال خاشقجي اغتيل في تركيا حيث وجد من وقف إلى جانبه وطالب بجثته وبالقصاص من قتلته، بينما من قضوا في تلك العواصم لم يجدوا من يطالب بالقصاص لهم، ولا من يلاحق قتلتهم؛ ولذلك غابوا وسرحوا ومرحوا في طول العالم وعرضه، وواصلوا هوايتهم بالقتل والإجرام. والقصاص من القاتل بشار الأسد اليوم هو لمنع تكرار الجريمة من جديد بحق شعب أو أرض، فكما عرفنا أن الجريمة تلد جريمة، وإلا فإن البشرية وقيمها في مهب الريح.. فهل نحن في العصر الرقمي أم في عصر المنشار والكيماوي والبراميل المتفجرة والمجازر الجماعية؟! تلك مسؤولية أممية أخلاقية.. وعلى العالم أن يقرر فيما إذا كان يستطيع أن يتعامل مع من دفن مليون جثة، وتشريد 12 مليون آخرين وتشريد نصف سوريا أم لا. أما الشعب السوري فقد طلّق الطائفية بالثلاث ولن يعود إلى حكمها إلا إذا عاد اللبن إلى الضرع.;

==========================

مسار جديد في إسطنبول؟

مروان قبلان

العربي الجديد

الاربعاء 31/10/2018

باستثناء بيان مشترك عام، أكّد حتمية الحل السياسي للأزمة السورية، فشلت قمة إسطنبول الرباعية في تحقيق أيّ من أهدافها. وخلا التزامٌ "مضطربٌ" قدّمته روسيا باحترام اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، والتي وصفها الرئيس بوتين بأنها "مؤقتة"، لم تحصل أيٌّ من الأطراف المشاركة على مبتغاها من القمة، فتركيا كانت تأمل في اتفاقٍ على خريطة طريقٍ واضحةٍ لحل الأزمة، تمهيدا لعودة اللاجئين السوريين. وكانت روسيا تأمل بدعم أوروبي لخطتها الرامية إلى إعادة الإعمار وعودة اللاجئين بغض النظر عن نتائج العملية السياسية. أما ألمانيا فقد فشلت في الحصول على تعهد روسي قاطع بعدم الهجوم على إدلب مستقبلا، خوفا من إطلاق موجة لجوءٍ جديدةٍ إليها، فيما فشل الجميع في إقناع الأتراك بالموافقة على ضم الأكراد لمسار الحل في سورية.

مع ذلك، وعلى الرغم من تواضع نتائج القمة، بدا الجميع مهتمين باستمرار المسار الذي بدأ في قمة إسطنبول، وضم للمرة الأولى دولاً من مجموعة أستانة التي تشمل أيضا إيران، ومن مجموعة العمل المصغرة التي تشمل أيضا الولايات المتحدة وبريطانيا والأردن والسعودية ومصر. ترى تركيا، صاحبة الدعوة، أن المسار الجديد يمكن أن يسهم في التوصل إلى أرضية مشتركة للحل، عوضا عن استمرار التنافس والصراع بين المجموعتين، وهي، أي تركيا، الوحيدة المؤهلة، وصاحبة المصلحة الأكبر في أداء هذا الدور، باعتبارها أكبر مستقبلة للاجئين السوريين، وصاحبة أطول حدود مع سورية، وكونها عضوا في مجموعة أستانة، لكنها أقرب في رؤيتها إلى الحل إلى مجموعة العمل المصغرة التي تدعو إلى العودة إلى مسار جنيف. لبقية أطراف القمة أيضا مصلحة في نشوء مسار جديد في إسطنبول، فالرئيس بوتين يدرك أن مسار أستانة استنفد أغراضه تقريبا، فبعد انتهاء المعارك الكبرى في سورية، سوف يتركّز الصراع على تحديد شكل الحل السياسي ومرتكزاته، وفي هذا يبدو الدور الأميركي والأوروبي أكثر أهمية، سواء في قضايا الإعمار واللاجئين أو بشأن التسوية السياسية، ما يتطلب مقاربة روسية مختلفة في التعامل مع المسرح السوري وأطراف الصراع فيه.

يحصل هذا في وقتٍ يتزايد فيه التوتر الروسي، نتيجة تبنّي واشنطن استراتيجيةً أكثر تشدّدا في سورية، قوامها عدم السماح للروس والإيرانيين بتقرير نتيجة الحل السياسي، بعد أن حسموا الصراع عسكريا. وقد وضعت واشنطن ثلاثة أهداف رئيسة، لتبرير احتفاظها بوجود عسكري وسيطرة في مناطق شرق الفرات، هي إلى جانب منع انبعاث "داعش"، احتواء إيران، ومقايضة وجودها العسكري في سورية بحلٍّ سياسيٍّ يأخذ مصالحها بالاعتبار. وكان ملفتًا أن تركيا حصلت، للمرة الأولى منذ بداية الأزمة، على دعم أميركي واضح، للدفع بقواتها إلى إدلب، وهي تريد منها الاحتفاظ بوجود عسكري كبير فيها. وقد لعبت واشنطن دورًا، ربما كان الأهم، في منع هجوم روسي على منطقة خفض التصعيد في إدلب، مهدّدة بالتدخل عسكريًا.

من هنا، يوفر مسار إسطنبول لروسيا إمكانية انتزاع موقف أوروبي أكثر تفهمًا لسياساتها، في مقابل حصول الأوروبيين على منصةٍ للعب دورٍ أكبر في سورية، في ضوء زيادة اهتمامهم بها، وتلاشي أوهامهم بإمكانية إبقاء شرر الحرب فيها بعيدةً عنهم، سواء في ما يخصّ تدفق لاجئينا إليهم، أو تدفّق جهادييهم إلينا. روسيا التي تحتاج دعما أوروبيا وتركيا لتمرير رؤيتها للحل السياسي تحتاج أيضا تمويلا أوروبيا لإعادة الإعمار، وبدونه تكون روسيا ربحت الحرب، لكنها خسرت في السياسة.

ويبدي الألمان اهتماما بمسار إسطنبول، إذ باتوا من خلاله طرفا في اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، بما يفيد في منع موجة لجوءٍ جديدة، تعزّز مواقع اليمين الصاعد الذي بات يهدّد مستقبل الاتحاد الأوروبي، مشروع ألمانيا السياسي والاقتصادي الأكبر. أما فرنسا التي عزّزت وجودها العسكري أخيرا في مناطق شرق الفرات لدعم "قوات سورية الديموقراطية" في مواجهة "داعش"، فقد وجدت أخيرا ضالّتها في منصةٍ تسمح لها بهامشٍ مهما كان محدودا لحماية مصالحها، ودورها التاريخي المتضائل في الشرق، لكن أي نتائج محتملة للمسار الجديد تبقى مرهونةً بموقف واشنطن التي يبدو أنها حسمت أمرها لجهة التمسّك بحصتها من "الغنيمة" السورية.

==========================

قمة إسطنبول: بالون اختبار

علي العبدالله

العربي الجديد

الاربعاء 31/10/2018

جاء عقد القمة الرباعية في إسطنبول يوم السبت الماضي (27 أكتوبر/ تشرين الأول 2018)، على خلفية الاستعصاء السياسي الناجم عن وجود تصوّرين سياسيين للحل في سورية؛ وعجز أيٍّ منهما في المرور إلى مرحلة التنفيذ، بسبب الربط بين الملفات، من جهة، ولحسابات استراتيجية وجيوسياسية دقيقة ومركّبة، من جهة ثانية، فالدولتان الرئيستان في الصراع على سورية، الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية، حدّدت كل منهما وجهة نظرها في مواقف معلنة؛ وصاغت تحالفاتٍ إقليميةٍ ودولية، المجموعة المصغرة (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والسعودية ومصر، والأردن) ودول مسار أستانة (روسيا وتركيا وإيران)، لتثقيل موقفها وتعزيز فرصها في دفع الطرف الآخر إلى القبول بعقد صفقةٍ سياسيةٍ بشأن سورية، تشتمل على تفاهماتٍ على ملفات عالقة بينهما؛ مستثمرة ما في يديها من عوامل قوة وأوراق ضغط.

عكست رؤيتا الدولتين للحلّ السياسي في سورية تباينا كبيرا وجوهريا. تدعو الأولى التي تعمل روسيا على تسويقها إلى إعادة النظام إلى كامل الأراضي السورية، وخروج كل القوات الأجنبية باستثناء قواتها، إذ تزعم أنها جاءت إلى سورية بناءً على طلب رسمي من حكومة النظام، كما تدعو إلى إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، والبدء بإعادة الإعمار، ووضع دستورٍ جديد، غير بعيد عن دستور عام 2012 الذي وضعه النظام، عن طريق تشكيل لجنة دستورية تخضع لشروط النظام. أمّا الرؤية الثانية التي تتبنّاها الولايات المتحدة الأميركية، فتدعو إلى تحقيق انتقالٍ سياسيٍّ وفق قرارات الشرعية الدولية، ودستور جديد يمهّد الطريق أمام خروج 

"لم تحقق قمة إسطنبول الرباعية اختراقاً سياسياً ولم تنجح في جسر الهوّة بين مواقف أطرافها" بشار الأسد من السلطة لتقليص النفوذ الروسي في سورية، وخروج المليشيات التابعة لإيران من الأراضي السورية، وتربط عودة اللاجئين بتوفير ضماناتٍ صلبةٍ من الأمن والاستقرار وتوفير الخدمات؛ والمساهمة في إعادة الإعمار بحلٍّ سياسيٍّ يستجيب لتطلعات الشعب السوري.

تجلى الضغط المتبادل بين الدولتين في مواقف ومطالب ميدانية وسياسية مباشرة، حيث ركّزت روسيا على عدم شرعية الوجود الأميركي على الأرض السورية، خصوصا في منطقة التنف، واتهمتها بالعمل على إقامة دويلةٍ شرق الفرات؛ وبحماية الإرهابيين في منطقة التنف، أصرّت على ضرورة رحيل القوات الأميركية من هذه المنطقة، وبنقل القوات الأميركية في سورية مسلحي "داعش" من الأراضي السورية إلى العراق وأفغانستان، "داعش" الذي "يسعى إلى الانتشار في شمال أفغانستان بالقرب من حلفائنا وشركائنا الاستراتيجيين في آسيا الوسطى"، وفق قول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، واتهامها بالوقوف خلف هجوم الطائرات المسيّرة على قاعدة حميميم مطلع العام الحالي، وفق إعلان نائب وزير الدفاع الروسي، الفريق أول ألكسندر فومين، واعتبرت ربط الولايات المتحدة عودة اللاجئين، وإعادة الإعمار بالحل السياسي، موقفا تخريبيا هدفه "عرقلة عمل الدول الضامنة وجهود مفاوضات أستانة وسوتشي"، حسب قول نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف. كما عرقلت تشكيل اللجنة الدستورية، حيث لم تكتف برفض قائمة المجتمع المدني التي تقدم بها المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، بل طالبت بإعطاء النظام السوري أغلبيةً في اللجنة بالإضافة إلى رئاستها، ودعت إلى التريث في تشكيلها، "موسكو ليست متعجلة.. موقفنا يتمثل في ضرورة وضع آلية فعالة، لا نريد ولادة كيان ميت، لذلك لا مبرّر للدعوة إلى وضع مواعيد محدّدة"، وفق المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرينتييف. وذلك ردا على موقف أميركي طالب المبعوث الأممي بتسريع عملية تشكيل اللجنة، وتقديم صورة عما أنجزه بهذا الشأن يوم 31 الجاري.

عكس السجال بشأن اللجنة الدستورية، تركيبتها ودورها، خلافا جوهريا بصدد الدستور المستهدف، فروسيا تصرّ على أن يكون للنظام حصة في اللجنة الدستورية كافٍ لتمرير دستور يعيد تأهيل النظام، ويسمح لرئيسه بالترشّح مرة أخرى في أي انتخاباتٍ مقبلة، ويرسّخ الوجود الروسي شرقي المتوسط. فيما تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى دستور جديد، يكون بوابة حل ينهي نظام بشار الأسد، ويحجّم الوجود الروسي المتعاظم في سورية.

تنوعت الردود الأميركية وتصلبت، حيث ربطت بقاءها على الأرض السورية بتحقيق هدفين: إحراز تقدم في المسار السياسي، واحتواء الوجود الإيراني. وردّت على الدعوة إلى انسحابها من منطقة التنف بإجراء مناورةٍ ضخمةٍ بالذخيرة الحية، مع تأكيد جنرالاتها على الرد على أي هجوم على قواتها أو قوات حلفائها في المنطقة، وتحرّكت في الأمم المتحدة من أجل تكريس موقفٍ أمميٍّ يربط بين إعادة الإعمار والحل السياسي، حيث وجهت، مع بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبولندا والسويد وبريطانيا، رسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تحظى بدعم دول الاتحاد الأوروبي، بموجب إستراتيجيته المعلنة في أبريل/ نيسان الماضي، تعقيبا على تحرّكات وزير الخارجية الروسي بهذا الخصوص، أعربوا فيها عن قلقهم من الضغوط المتزايدة للدفع في مسار بدء جهود التنمية وإعادة الإعمار في سورية، بصرف النظر تماماً عن موقف العملية السياسية الراهنة، قالوا فيها: "طالما أن سورية لم تتّخذ بعد أولى خطواتها على مسار الاستقرار المستدام، فإن جهود تمويل التنمية والبرامج وإعادة الإعمار لن تكون ذات معنى مجدٍ، بل وربما قد تسفر عن نتائج عكسية مزرية، تتشكل في صورة قميئة من انتشار وتفشّي الفساد وترسيخ هياكل الحكم المعيبة بشكل عميق، فضلاً عن تعزيز أركان اقتصاد الحرب". وختموا "بضرورة صوغ دستور جديد، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرة ومنصفة ومستقلة وخاضعة لإشراف الأمم المتحدة وهيئاتها ضمن بيئة آمنة ومحايدة". ويُلحظ عكوف الإدارة الأميركية على وضع إستراتيجيةٍ جديدةٍ للعمل في سورية، تتضمن فرض عقوباتٍ على الشركات الروسية والإيرانية المشاركة في إعادة الإعمار، وفق ما نقلته قناة أن بي سي الأميركية عن مصادر في الإدارة. وحذّر الممثل الأميركي الخاص بسورية، جيمس جيفري، النظام السوري، إذا لم يتعاون مع إعادة كتابة الدستور من أنه "سيصبح شغلهم الشاغل، جعل حياته أسوأ ما يمكن لهذا النظام المتداعي، وسنجعل الروس والإيرانيين الذين أحدثوا هذه الفوضى يهربون منها". وقال نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية في المجلس الفيدرالي الروسي فلاديمير غاباروف: "في حال حصل وفُرضت إجراءات (عقوبات أميركية)، سترد روسيا بشكلٍ مماثل". هذا بالإضافة إلى إعلانها نيّتها الانسحاب من الاتفاق بشأن الأسلحة النووية المتوسطة الذي اتفق عليه مع الاتحاد السوفياتي عام 1987، ودفعها إلى استقلال الكنيسة الأوكرانية عن الكنيسة الروسية، وتسليح أوكرانيا؛ وإجراء

"جاءت صياغة البيان الختامي عامة، وطلباته مفتوحة بحيث ترضي الجميع" مناوراتٍ ضخمة على أراضيها، وتفعيل القانون الفيدرالي المسمّى "مواجهة أعداء أميركا من خلال قانون العقوبات"، بفرض عقوباتٍ على كل دولةٍ تشتري أسلحة من روسيا.

على هذه الخلفية المتباينة والخطيرة، عقدت القمة الرباعية، قمّة جمعت فرنسا وألمانيا من المجموعة المصغرة التي تتبنّى الرؤية الأميركية، وروسيا وتركيا، من تجمع أستانة التي تتبنى الرؤية الروسية. مع ملاحظة أن تركيا تُخالف روسيا في بعض النقاط، مثل مصير رأس النظام، من جهة، وتريد التقرّب من الغرب، من واشنطن خصوصا، لتقوية موقفها بمواجهة روسيا في إدلب، من جهة ثانية، عقدت من دون توقع تحقيق نتائج إيجابية واضحة ومحدّدة، في ضوء التباين الكبير في المواقف والتمسّك بها، فروسيا تدعو الدول الغربية إلى الانخراط في عملية إعادة الإعمار، في وقتٍ تريد أن تحتفظ لنفسها مع حلفائها المحليين والإقليميين بالسيطرة الكاملة على مسار المفاوضات، وعلى مستقبل سورية ذاتها. وتريد جذب المعارضة السورية إلى موقفها، وإقناعها بالاصطفاف وراء خططها للحل السياسي، في الوقت الذي لا تخفي فيه لحظةً تمسّكها بحكم الأسد، وتأكيدها شرعيته، أي نفيها شرعية الانتفاضة الشعبية ذاتها، وفق محللين. الولايات المتحدة، والدول الغربية الأخرى معها، تسعى إلى الوقوف في وجه محاولات روسيا فرض تصورها ورؤيتها للحل في سورية وترسيخ وجودها وتكريس مصالحها شرقي المتوسط، ما يمنحها أوراق قوةٍ في ملفات إقليمية ودولية عديدة أخرى. وهذه (المحاولات) ما أراد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الاعتراض عليها بحديثه عن "الحرب بين النظام والمعارضة"؛ محاولا إعادة الاعتبار لجذر الصراع.

لم تحقق قمة إسطنبول الرباعية (تركيا، روسيا، فرنسا، ألمانيا) اختراقا سياسيا؛ ولم تنجح في جسر الهوّة بين مواقف أطرافها، لذا جاءت صياغة البيان الختامي عامة، وطلباته مفتوحة بحيث ترضي الجميع، تعبيرا عن بقاء الخلافات والتباينات في المواقف والتصورات بشأن الحل النهائي قائمةً وراسخة.

==========================

لماذا تخلى العرب عن الثورة السورية

د.رضوان زيادة

سوريا تي في

الثلاثاء 30/10/2018

مع بداية ثورات الربيع العربي نشأ نوع من التضامن بين الحركات الاحتجاجية التي نشأت في الثورات العربية، وانعكس هذا بشكل كبير في تضامن المنظمات الحقوقية العربية في بياناتها تجاه انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت تجري في دول ثورات الربيع العربي، وقد تجلى هذا التضامن في نوع من البيانات التي كانت تراقب الأوضاع الحقوقية العربية عن كثب وتصدر بيانات ومواقف حقوقية تعلن من خلالها تعبيرا عن احتجاج حقوقي أو تضامن معنوي لعب دوراً في بلورة ما يمكن أن نسميه جبهة حقوقية عربية، فكل الثورات العربية بدأت بشكل متشابه تقريبا بوصفها ثورات شعبية لا قيادة سياسية أو أيديولوجية لها، كما أن مواقفها المبدئية تجاه احترام قيم حقوق الإنسان بدت أنها مركزية وغير قابلة للتفاوض، وهذا الإجماع النادر على الأقل ما بين أعوام 2011 وحتى 2013 ربما كان ثمرة نجاح الحركة الحقوقية العربية في نضالها منذ الثمانينات من أجل وضع احترام حقوق الإنسان في بؤرة السياسات العربية الداخلية والإقليمية والدولية.

بيد أن هذا الموقف الموحد تبدد رويداً بفعل عوامل عدة، أولها انقلاب السيسي العسكري في مصر، وما تبعه من انقسام للنخب المصرية ومعها الحقوقية بشأن الموقف من الانقلاب سيما أن رئيس مصر في تلك الفترة محمد مرسي كان ينتمي لـ جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة سياسية إسلامية غالبا ما كان عليها الكثير من التحفظات بشأن مواقفها الحقوقية وممارساتها خلال العقود الماضية في مصر ومن خلال نماذجها الشبيهة لها في عدد من الدول العربية مثل سوريا وليبيا وتونس وغيرها.

الموقف من حركة 30 حزيران/يونيو 2013 كان يتطلب موقفا أيضا من حركة الإخوان المسلمين، ولما كانت الحركة الحقوقية العربية ممثلة في نشطائها وخبرتها وتاريخ ناشطيها سواء أكانوا ينتمون إلى القومية العربية أو الأيديولوجيا اليسارية أو الأيديولوجيا الإسلامية كل ذلك انعكس في مواقفهم الحقوقية من انقلاب السيسي بين داعم له وبين متحفظ ومنتظر للسياسات التي يمكن أن تنتج عن هذا الانقلاب.

الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات المعروفة بمواقفها النقدية القوية ضد الإسلاميين

ثاني هذه العوامل هو عدم تخلص النشطاء الحقوقيين العرب من تأثير خلفياتهم الأيديولوجية في حكمهم على المواقف أو الأحداث السياسية أو الانتهاكات الحقوقية، ولذلك فهم حملوا مواقف أيديولوجياتهم التي أصبحت ترتبط بشكل أو بآخر بالتعبير عن موقف داخلي بحكم صعود تأثير الأحزاب السياسية بعد أحداث الربيع العربي فالمنظمة الحقوقية التي ستدعم السيسي في انقلابه العسكري تؤيد موقفا مماثلاً أو ربما بلهجة أخفت انقلابا مماثلاً في بلدها من أجل التخلص من وجود الحركة السياسية الإسلامية الشبيهة الموجود في بلدها، فعلى سبيل المثال دعمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات المعروفة بمواقفها النقدية القوية ضد الإسلاميين طيلة العشرين عاما التي سبقت سقوط نظام بن علي دعمت أي حركة تقوم باستئصال الإسلاميين "، ففي صيف ٢٠١٦، أكدت يسرى فراوس، عضو الهيئة المديرة للجمعية، أن المنظمة لم تدافع يوما عن زوجات المساجين السياسيين الإسلاميين أو عن عائلاتهم لأنّ نساء حركة النهضة لم يتوجهن إلى الجمعية لطلب المساعدة في الدفاع عن أزواجهنّ وعنهنّ لما يتعرضن إليه من قمع من قبل نظام بن علي، وكانت الجمعية من الأطراف المتوجسة حيال وثائق هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات محذرة مما كانت ترى فيه ثنائية للخطاب الإسلامي بين المعلن والمبطن" .

الثورة السورية شهدت أكثر الانتهاكات فظاعة في التاريخ السوري

لذلك ومع دخول الثورة السورية للمرحلة الثالثة وهي بالمناسبة شهدت أكثر الانتهاكات فظاعة في التاريخ السوري لدرجة استخدام البراميل المتفجرة بشكل منهجي وواسع النطاق ضد المدنيين، واستخدام السلاح الكيماوي بكثافة ضد المدنيين أيضاً لكنها شهدت صعوداً للفصائل ذوي التوجه الإسلامي كما أنها شهدت بروز تنظيمات إرهابية من مثل القاعدة وداعش الذين استغلا الفوضى المطلقة في سورية لـ تأسيس نفوذهما وإجبار السوريين على الخضوع لأيديولوجياتهم المتطرفة، وهو ما دفع بعض المنظمات الحقوقية العربي للتركيز على الشق الثاني ودعم بشار الأسد بدل أن تركز على الشق الأول في إدانة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي كان يرتكبها نظام الأسد بحق المدنيين السوريين بشكل مستمر.

لقد ذهبت المنظمات الحقوقية العربية ضحية الخلاف السياسي الأيديولوجي الذي تصاعد بعد عام 2013 بين التيارين الإسلامي والعلماني اللذين لم يستطيعا الاتفاق على الحد الأدنى من القيم الكونية العليا لحقوق الإنسان التي يجب الدفاع عنها بغض النظر عن الجاني وبغض النظر عن الضحية.

إن كل ذلك يظهر أنه ما زال أمامنا طريق طويل حتى تتبوأ قيم حقوق الإنسان مكانتها الحقيقية في مركز الخطاب السياسي العربي.

==============================

كواليس قمة إسطنبول

سلام الكواكبي

سوريا تي في

الثلاثاء 30/10/2018

من المتعارف عليه دولياً ألا يجتمع رؤساء دول، مهما كانت أهميتهم وأهمية دولهم، في قمة ما ليقوموا بإجراء مباحثات من نقطة الصفر في الشؤون الحساسة التي تعصف بمصالحهم، أو ليناقشوا ألف باء الملفات الساخنة التي يجدونها أمامهم على الطاولة أو التي يحملونها معهم في حقائبهم الجلدية النظيفة. فالحقيقة والتجربة والملاحظة التاريخية تُشير إلى أن ملفات القمم تكون قد أُعِدّت من قبل الموظفين المختصين بعد نقاشات طويلة ليأتي القادة في قمتهم للاتفاق على اللمسات الأخيرة وإعلام النتائج مهما هزلت أو كبرت.

كذا قمة إسطنبول التي جمعت الأسبوع الماضي رؤساء روسيا وفرنسا وتركيا ومستشارة ألمانيا، للبحث في الملف السوري ومحاولة الخروج بنتيجة تضعه أمام بدء السير في اتجاه الحل السياسي بعد مقتلة دامت سبع سنوات ونيف. فمن شبه المؤكد بأن ما تم الإعلان عنه قد جرى الاتفاق عليه قبل وصول القادة الثلاث إلى قصر مضيفهم التركي. وبقيت بعض النقاط الخلافية التي كانت لا تبحث عن حل بقدر ما هي تبحث عن إخراجٍ مناسب للإعلان أمام الصحافة والرأي العام العالمي.

لم يكن أحد ينتظر أكثر مما تم الإعلان عنه من نتائج تقارب العدم. من تمديد للهدنة في إدلب ومن دعم لمسار الأمم المتحدة المتعثّر منذ بدايته، وخصوصاً تحت إدارة الموظف

انهماك القادة الأربع في تعظيم مسألة اللجنة الدستورية هو وقوعٌ بائن في فخٍ روسي مُحكم وغليظ لثني من ظل يعتقد بأن الحل هو في عملية تحول سياسي حقيقي، وليس في كتابة دستور

الطموح ستيفان دي مستورا، ومن سعي لإقناع "الحليف" الروسي بإقناع حليفه السوري لقبول تشكيل اللجنة الدستورية سالفة الذكر مراراً وتكراراً لإلهاء من لم يلته بعد بجزئيات لا تُغني ولا تُسمن ما فتئ مبعوث الأمم المتحدة، هو وفريقه، يتسلون برميها أمام المتصارعين حاصلين منهم على بعض اللعاب المتطاير أو بعض الخنوع المتعاظم أو بعض الانتظار المتفاقم.

فعن أي دستور يُشغل السيد الأممي ندماءَه وسُمّاره؟ وما نفع دستور في بلد لم يطبق فيه أيٌ من دساتيرها منذ عقود؟ وهل العلّة في الدستور القائم أو السابق أو أسوأ دستور عرفته الجمهولكية السورية حتى اليوم؟

انهماك القادة الأربع في تعظيم مسألة اللجنة الدستورية هو وقوعٌ بائن في فخٍ روسي مُحكم وغليظ لثني من ظل يعتقد بأن الحل هو في عملية تحول سياسي حقيقي، وليس في كتابة دستور، مهما كان هذا الدستور عظيم المحتوى، ادماجي للمكونات، ليبرالي النفحة، علماني التنصيص، يحمل في جعبته مساواة جندرية مثالية. وكل هذه الفقرات، تُشغل دي مستورا ومن يعتقد بملهاته الأممية عبر أشهر من النقاش ومن الورشات ومن التدريبات. ولتتوج كل عملية ذر الرماد في العيون وفي الثغور المفتوحة اندهاشاً، برفض ظاهري لحكومة دمشق لأي تدخل للأمم المتحدة في شأنٍ تعتبره سيادياً. وحيث يبدو أن لسوريا "سيادة" ملموسة للغاية منذ 2011 (...) بحيث صارت الجمهورية كالمساحة المفتوحة في المكاتب الجماعية يجتمع بين جدرانها وفي تلالها ووديانها من هبّ ودبّ من ميليشيات وجيوش وعصابات وأجهزة أمن سرية وعلنية لكل الدول المحيطة والصديقة والشقيقة والعدوة نظرياً أو عملياً.

وعلى الرغم من الموافقة الروسية النظرية على ضرورة تفعيل اللجنة الديمستورية إلا أن توزيع الأدوار يقتضي أن يتم رفضها ممن لا قدرة لهم على رفض إملاءات موسكو مهما هزلت إلا حينما يتعلق ذلك بإضاعة الوقت وإقناع "الزملاء" الأوروبيين بأن موسكو تلاقي "صعوبة" تُذكر في "إقناع" دمشق بقبول "التنازل" والانضمام إلى هذه اللجنة التي صار الحديث عنها مثل نغمة الشيطان التي تتكرر دون أن تُطرب، بل على العكس.

قمة إستنبول ليست جبلاً تمخّض عن فأر، بل هي مجموعة من الأوهام المتراكمة منذ سنوات نجح الدب الروسي في وضعها أمام المتحاورين

بوتين المحنّك استخباراتياً، يستفيد من انعزالية راسخة في السياسة الخارجية لحليفه الموضوعي دونالد ترامب والتي أشد اهتماماتها توسيع الأسواق وزيادة الأرباح

لكي يُقرّر هو فيها ولكي يدعوهم للمتابعة والتنفيذ. ليس بالتأكيد سيد الكرملين القابع على اقتصادٍ متهاوٍ قادرٌ تماماً على هذا الفرض النظري، ولكنه يُجرّب مستغلاً هامش العجز البنيوي للسياسة الخارجية الأوروبية المؤلفة من 27 سياسة خارجية منفصلة بعدد دول الاتحاد، وبفضل سعي السيد ماكرون، الذي يرأس فرنسا التي تلعب دوراً قيادياً تقليدياً إلى جانب ألمانيا في الاتحاد، إلى لعب دور لاعب السيرك الذي يرمي الحلقات المعدنية في الهواء محاولاً التقاطها أثناء السقوط وإذ بها تسقط على الأرض الواحدة تلو الأخرى، في سياسته الداخلية كما الخارجية. ومع هذا الفشل الموصوف، فهو يستدير نحو الجمهور طالباً التحية والتصفيق. كما أن بوتين المحنّك استخباراتياً، يستفيد من انعزالية راسخة في السياسة الخارجية لحليفه الموضوعي دونالد ترامب والتي أشد اهتماماتها توسيع الأسواق وزيادة الأرباح. وفي النهاية، الجميع مستفيدون من خواء العمل الجماعي العربي ممثلاً بجامعة عربية لم يعد يسمع بها إلا الحجّاب الذين ينظفون ممراتها من أعقاب سجائر الشاعرين بالملل من موظفيها.

ما أُعلن عنه في قمة إسطنبول ليس هو ما تم الاتفاق عليه فيما سبق انعقادها لإقراره. ولكن الإعلان عما جرى الاتفاق عليه ليس بالأمر المتاح في هذه المرحلة بالذات. وعلى من يرغب، أن يتسلى بالحديث عن اللجنة الديمستورية إياها ويُناقش تركيبتها ومدى تمثيلها لهذا المكون أو ذاك حتى ينكشف المستور.

==============================

نظام الأسد من التعويم إلى التظهير

عماد غليون

حرية برس

الثلاثاء 30/10/2018

تلف الغرابة مشاهد إعادة تماثيل الأسد وسط ساحات المدن السورية المدمرة؛ وتبدو تماثيل الأسد الجديدة المحاطة بالرخام والأضواء الباهرة وسط أكوام الخرائب والأنقاض مشهداً سوريالياً مثيراً للدهشة.

يتم ذلك بشكل مدروس يريد النظام من خلاله إظهار قوته وسطوته وإعلان انتصاره النهائي من خلال إعادة زرع التماثيل قسراً وتحديداً في المدن الثائرة التي استعاد السيطرة عليها مؤخراً.

لم يكن مصادفة توجه المتظاهرين في بدايات الثورة نحو تحطيم صور وتماثيل الأسد الذي كانت تعتبر أيقونات ورموز لجمهورية الخوف والرعب خلال عقود دامية.

احتار الباحثون في تفسير نمط حكم الأسد وتصنيفه ضمن الأنماط السياسية المعروفة؛ ويبدو أنه أقرب لتصنيفه كنظام هجين غير معروف ولّفه الأسد من أنظمة ديكتاتورية شمولية.

تخلص حافظ الأسد بداية من رفاقه في اللجنة العسكرية وهيمن على الجيش؛ ثم أبعد قيادات حزب البعث التاريخية  وبسط سيطرته على القيادتين القومية والقطرية للحزب؛ وانتقل لتحويل سورية إلى مملكة أسدية خاصة أطلق عليها اسم سورية الأسد وأورث ابنه بشار حكمها بعد وفاته.

جرى تحويل حافظ الأسد إلى رمز مقدس خلال عمليات متتالية؛ تولى وزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد المهمة الأساسية في نشر ثقافة الإفراط في الثناء على القائد وصفاته الفريدة؛ وأدى ذلك لابتداع طرق مبتكرة في الرياء  والمبالغات اللغوية في التزلف؛ وبات الأسد يحظى بألقاب تقديسية خاصة به تطورت مع مراحل سيطرته وهيمنته على البلاد من ابن الشعب البار إلى الأب القائد وصولاً للقائد الخالد بعد وفاته.

فرادة نظام الأسد وإبداعه تجلّت في قدرته على فرض الديكتاتور الأسد وتحويله إلى زعيم مقدس؛ وبدى الشعب السوري أمام الخارج مقدساً لقائده الأسد ومولهاً بزعامته؛ وشارك في ذلك لفيف من القوميين واليساريين العرب من خلال خطاب المقاومة والصمود.

قام النظام بفرض ممارسات تعبيرية على المواطنين في مختلف مراحل حياتهم اليومية لتأكيد الطاعة والولاء للنظام؛ وذلك من خلال ترديد الشعارات في البرامج والمهرجانات السياسية والثقافية والفنية والمسيرات الإلزامية التي تقيمها المنظمات الشعبية والمهنية المختلفة؛ من طلائع البعث وشبيبة الثورة واتحادات الطلبة والعمال والفلاحين والحرفيين والكتاب والفنانين وغيرها.

نشر النظام بشكل ممنهج صور وتماثيل الأسد بكثافة غريبة وفرض تقديسها على الجميع وعمد إلى إشعارهم بالرهبة من تواجد الأسد وملاحقته لهم في جميع الأماكن العامة والخاصة؛ وبات القائد الأسد موجوداً باستمرار في كافة مراحل المناهج المدرسية وصدارة دائمة لكافة الوسائل الإعلامية؛ دون الاكتراث بهشاشة أو حتى تفاهة ذلك الخطاب في كثير من الأحيان ودون الدخول في أي نقاش حوله. كان النظام يرمي لتحقيق السيطرة الشاملة على كافة مفاصل المجتمع من خلال الإمساك بحزم وتسلط على كافة تفاصيله؛ وقد بذلت الكاتبة ليزا والين جهوداً كبيرة لفهم الطبيعة الغريبة  لنظام الأسد ونشرت ذلك في كتابها المبدع بعنوان “السيطرة الغامضة”؛ عاش السوريون ما كتبت عنه والين وكان توصيفها وشرحها لواقع نظام الأسد مهماً ودرساً مفيداً للمستقبل السوري.

انتقم النظام بشدة من المدن الثائرة التي حطمت صورة الأسد الرمز وقام بتدميرها بشكل وحشي؛ ومع شعوره بالانتصار بدأ يسعى لاستعادة طقوس السيطرة التي فرضها على السوريين خلال عقود؛ إضافة للتحكم من خلال الرموز ومنها التماثيل باشر بإصدار قوانين وتشريعات تخدم تلك التوجهات ومنها القانون التنظيمي رقم 10 وقانون الأوقاف.

من خلال إعادة زرع تماثيل الأسد يريد النظام الظهور بشكل قوي أمام مؤيديه ويرد اعتباره ضد الإهانات التي لحقت برمزية الأسد خلال سنوات الثورة؛ ويسعى بشار الأسد لتقديم نفسه للخارج كاستمرار لنظام والده القوي الذي قدم خدمات إقليمية مهمة خاصة في استقرار جبهة الجولان وحماية أمن اسرائيل.

ما يثير القلق بروز مظاهر الرياء من جديد خاصة في مناطق المصالحات وهو ما يعني خطر عودة نظام السيطرة الغامضة  واستمرار الدولة العميقة؛ وبعد أن كان النظام متجهاً للسقوط تمت حمايته دولياً ثم جرت عملية  تعويمه من خلال مسار تفاوضي سياسي تم الالتفاف عليه كلياً.

يجري الآن محاولة تظهير نهائي لصورة نظام الأسد الأخيرة بعد إعادة تلميعها؛ وسيرى السوريون تلك الصورة قبيحة  وستفشل محاولات التجميل لنظام قاتل دمر بلاده.

==============================

كل هذا الزخم لا بد أن يأتي بحل

يحيى العريضي

سوريا تي في

الاثنين 29/10/2018

بداية 2018، كانت اللقاءات ماراثونية بعددها في العاصمة النمساوية "فيينا" ليلة التجهيز لانعقاد مؤتمر "سوتشي" الذي دعا إليه الرئيس الروسي بوتين. كان الهاجس الرئيسي للمسؤولين الروس حضور الأمم المتحدة؛ وإن كان بالإمكان أيضاً حضور الهيئة السورية للتفاوض.

كان المسؤولون الروس يعرفون أن نظام الأسد حشّد أنصاره ليكون مؤتمر سوتشي "الوطني السوري" مهرجاناً لتأييد النظام بامتياز. وتيقّن الروس أنه إن لم تكن الأمم المتحدة موجودة، وشيئاً من معارضة حقيقية، فسيكون المؤتمر مجرد احتفالية تأييديه لنظام الأسد؛ ولن يكون له أي قيمة قانونية. اجتماعات فيينا عشية انعقاد سوتشي وفرت الغطاء الأممي- عندما قررت الحضور بشخص مبعوثها ديمستورا - وكان ذلك مقابل مسؤولية الأمم المتحدة ورعايتها وإشرافها على أحد مخرجات المؤتمر: اللجنة الدستورية.

خلال أربع وعشرين ساعة، ذهبت السكرة، وعادت الفكرة؛ وانتهت كرنفالية المؤتمر التأييدية وخرج المؤتمر ببيان يعطي للأمم المتحدة صلاحيات بخصوص اللجنة. وهنا سارعت خارجية وليد المعلم إلى استصدار بيان ختامي آخر للمؤتمر مدّعية أنه "بيان سوتشي الختامي". تم فضح تزوير خارجية المعلم. رفض نظام الأسد التجاوب مع تشكيل اللجنة الدستورية؛ ثم أعلن الرئيس بوتين أن النظام وافق على اللجنة وسيرسل قائمته؛ وفعلاً أرسلت خارجية النظام قائمة إلى إيران وروسيا؛ وبدورهم أوصلوها إلى المبعوث الدولي.

كانت المعارضة حقيقة الأمر قد أرسلت قائمتها قبل ثلاثة أسابيع من انتقاد السيد بوتين؛ ولكن خارجيته لم تحطه علماً بذلك

أشاد السيد بوتين بتجاوب النظام حول اللجنة الدستورية أحد مخرجات منجزه "مؤتمر سوتشي الوطني السوري"؛ وفي الوقت ذاته وفي التصريح ذاته، انتقد السيد بوتين المعارضة على عدم تجاوبها وعدم إرسالها قائمتها. وكانت المعارضة حقيقة الأمر قد أرسلت قائمتها قبل ثلاثة أسابيع من انتقاد السيد بوتين؛ ولكن خارجيته لم تحطه علماً بذلك.

قبل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت حتى القائمة الثالثة الحاملة للثلث الثالث المكلف بانتقائه المبعوث الدولي قد اكتملت. وبعد أخذ ورد وتعديلات شملت عمليات حذف وإضافة، يلتقي وزير خارجية النظام والأمين العام للأمم المتحدة، ويعبّر له المعلم عن رفضه لقائمة المبعوث الدولي "ديمستورا"، ويزيد على ذلك شروطاً تتعلق برئاسة اللجنة، ووجوب أن يكون ثلثيها للنظام، وبآلية التصويت فيها بالإجماع، وبألا يكون هناك وصاية أو إشراف أو أي دور للأمم المتحدة؛ بمعنى الرفض لكل الفكرة والمشروع.

يقدّم المبعوث الدولي إحاطته الأولى بعد تكشف موقف النظام، ويمهرها بنيّته بالاستقالة؛ ويقدم الثانية بعدها بعشرة أيام، وبعد زيارة إلى دمشق عاد منها بخفي حنين؛ وحتى اللحظة لم يقل بملء فيه أن نظام الأسد هو الذي يعرقل مهمته، وينسف أي توجه نحو حل سياسي للقضية السورية. حتى اللحظة لم يسمِ الرجل الأمور بمسمياتها؛ إنه يعرف من يفشل مهمته ومع ذلك يقبل على نفسه وكرامته وسيرة نصف قرن في السياسة والدبلوماسية؛ وكأنه ما يزال لديه أمل بأن يوفر له نظامٌ قتلً شعبه فرصةً للنجاح. فكما يُقال بالعامية: "الله لا يقلع عن قلبه".

المسألة السورية على نار حامية تضعها وتضع روسيا تحديداً أمام خيارات ربما تكون حاسمة

بعد اتفاق إدلب وإغلاق مسار التوتر والدم والدمار والعسكرة الذي خيّب آمال منظومة الأسد وإيران؛ وبعد ارتفاع درجة حرارة الحرج الروسي بدخول أمريكي ثقيل الطيف باستراتيجية جديدة تغمز وتلمز من جانب الروسي بأنه فشل بإيجاد حل سياسي للقضية السورية؛ وبعد قمة رباعية جمعت عضوين من /مسار أستانة/ (روسيا وتركيا) وعضوين من /مسار مجموعة الـ 5الاثنين 29/10/20182/ وخروجها ببيان توافقي يرى الحل السياسي للقضية السورية الخيار الأوحد، واللجنة الدستورية- التي يرفضها المعلم ومعلمه والمشغل الإيراني- ضرورة مفتاحية لحل يستند إلى تطبيق القرار الدولي 2254؛ وبعد قمة لندن للـ 5الاثنين 29/10/20182 وفي عضويتها أمريكا وبعداً عربياً قوامه ثلاث دول عربية مؤثرة في القضية السورية وبحضور للهيئة السورية للتفاوض... بعد كل ذلك، لا بد من القول أن المسألة السورية على نار حامية تضعها وتضع روسيا تحديداً أمام خيارات ربما تكون حاسمة:

-    الشروع بعمل اللجنة الدستورية كبوابة للولوج في تطبيق عملي وفعلي للقرارات ذات الصلة بالشأن السوري/بيان جنيف، 2118، و2254/ والعمل بشكل مواز على المحاور(السلل) الأخرى المتضمَنة في تلك القرارات: "هيئة حكم انتقالي" تؤسس لدستور وانتخابات في بيئة آمنة محايدة سليمة خالية من الاستبداد والإرهاب تضع البلد على سكة الحياة وتفسح في المجال إلى عودة لاجئين وإعادة إعمار.

-    الخضوع لابتزازية نظام الاستبداد الذي قرر مواجهة المجتمع الدولي وأممه المتحدة بدعم خفي وظاهر إيراني الأمر الذي يحرج الروس ويضعهم أنفسهم في مواجهة مع الأمم المتحدة ويثبت للعالم بالدليل القاطع بأنهم لا يجيدون إلا فعل الحرب ولا يمكن لهم أن ينجزوا اتفاقاً سياسياً. أضف إلى ذلك أنهم الآن أمام إرادة دولية تيقنت من أن كل الحجج التي كانت تساق لشن الحروب (داعش وغيره من حجج الإرهاب) قد انتفت، وما بقي إلا ارتكاب مجازر بحق ما يقارب أربعة ملايين في منطقة إدلب. وهذا أمر سيكون في مواجهة العالم لهؤلاء الملايين فقط. وهنا ستخرج روسيا بخسارة سياسية مضمونة وأخرى عسكرية ما تعودتها.

ليس من باب التفاؤل بل من باب الواقعية السياسية والعقلية، لن يذهب الروس -حماة منظومة الأسد- إلا مع الخيار الأول ببعض التعديل الناتج عن مناورات وابتزازات؛ وقد ينطلق قطار حل لا بد أن يزيح من طريقه من كان يسعى إلى تدمير القطار والسكة والركاب إن لم تسر الأمور كما يشاء. لننتظر ونعتبر؛ ونعمل أيضاً.

==========================

حيثيات الصراع على الدستور السوري

ماجد كيالي

العرب اللندنية

الاثنين 29/10/2018

لم يستطع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، لدى زيارته مؤخرا إلى دمشق، إقناع النظام السوري بتشكيل اللجنة الدستورية، ولم يستطع تبديد مخاوفه المتعلقة بمضامين الدستور الجديد. هذا الإخفاق سيضاف إلى سلسلة إخفاقاته منذ أن حاول الالتفاف على بيان جنيف1 (2012)، بتجاوز نقطته الأساسية المتعلقة بإقامة سلطة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، مرورا بمحاولته تفكيك المسألة السورية، بطرح ما يسمى “السلال الأربع” (الدستور، الانتخابات، الحوكمة، مكافحة الإرهاب)، وصولا إلى تساوقه مع مسار أستانة.

ثمة في هذه المسألة المتعلقة بالدستور، عدة قضايا، منها ما يتعلق بتشكيل اللجنة التي يفترض أن تضم ممثلين عن النظام وعن المعارضة وعن المجتمع المدني، في مثالثة متساوية، وهو الأمر الذي رفضه النظام. ثانياً ثمة ما يتعلق بالتغطية السياسية لهذه اللجنة، وهذا يتطلب حسما أميركيا ورضوخا روسيا، وهما أمران غير واضحين حتى هذه اللحظة. وثالثا ثمة القضايا الأكثر إشكالية في الصراع السياسي السوري، التي تهم استعادة الاستقرار في سوريا وشكل النظام المستقبلي، والتي يفترض أن تشكّل الإجماع الوطني للسوريين وتسهم في صياغة مفهومهم لذواتهم كمواطنين، ولعلاقات المواطنة فيما بينهم كمجتمع، ولشكل علاقتهم بالدولة وشكل الدولة ذاتها.

واضح أن الإدراكات السياسية السورية السائدة، عند النظام كما عند أغلب أطياف المعارضة، ما زالت تفتقد إلى مفهوم المواطنة، أو إلى تحديد المكانة الحقوقية والقانونية للمواطن في الدستور.

ثانيا ما زالت الإدراكات السياسية للنظام الديمقراطي مشوشة عند الطبقة السياسية، إذ أن الحديث عن الديمقراطية وحدها في الدستور لا يكفي؛ إذ يفترض أن يتضمن ذلك ركائز أخرى، وإلا كنا أمام ديمقراطية ناقصة أو ديمقراطية انتخابات، أو ديمقراطية توافقية بين طوائف وجماعات إثنية أو دينية، ما يلغي فكرة المواطنة، ويهمش المواطن ويسلبه حريته واستقلاليته. والقصد أن للديمقراطية شروطها أو مقدماتها؛ وهي أولا دولة مؤسسات وقانون. ثانيا دولة مواطنين أحرار ومتساوين، إذ لا توجد ديمقراطية بدون حرية للمواطنين، وبدون مساواة لهم في الحقوق. ثالثا الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية. رابعا القبول بمبدأ التداول السلمي للسلطة.

ثالثاً، ثمة فكرة ظلت محملة بالالتباس وهي المتعلقة بالحديث عن سوريا كدولة لامركزية، على ما درج في بيانات المعارضة السائدة، إذ لا شيء اسمه دولة لامركزية، بل إن اللامركزية تتضمن المركزية أساسا، والقائلون بها يوحون بالخشية على سوريا من التقسيم. وفي الحقيقة فإن ما يمنع التقسيم ليس نصا معينا، سواء كان يتضمن اللامركزية أو المركزية، لأن ثمة دولا كبرى قسّمت من دون أن تكون فيدرالية، وثمة دول ذات نظام فيدرالي هي من أقوى وأغنى دول العالم، من دون أن تخشى شبحَ التقسيم.

على ذلك فإن النظام الفيدرالي ليس هو مصدر التقسيم أو الذي يفتح الأبواب على التقسيم، وإنما نظام الاستبداد واستلاب الحقوق. ثم إن النظام الفيدرالي هو الذي يحولُ دون إعادة إنتاج الاستبداد في حين أن النظام المركزي يسهل ذلك، كما أن النظام الفيدرالي يتيح توزيعا عادلا للموارد، عكس النظام المركزي الذي يجعل العاصمة تستأثر بالموارد. وأخيراً فإن الدولة الفيدرالية لا تتأسس لاعتبارات إثنية أو طائفية وإنما تتأسس وفقا لاعتبارات جغرافية، وهذا ما يفترض التركيز عليه للتخفف من الخشية من فكرة الفيدرالية، ولوضع حد للمداورة عليها بفكرة اللامركزية التي لا تعني شيئا.

رابعا الفكرة الأخيرة التي يجدر طرحها هنا، هي أن الحديث عن المواطنة والنظام الديمقراطي والدولة الفيدرالية يتطلب أيضا الحديث عن نظام سياسي برلماني للقطع مع النظام الرئاسي، الذي قد يعيد إنتاج نظام الاستبداد، وربما يمكن أخذ التجربة الفرنسية هنا حيث ثمة نظام مزدوج رئاسي وبرلماني، مع توزيع الصلاحيات بين الجهتين. لذا من المهم الخروج من دوام الصراع السياسي والتفاوضي على مكانة الرئيس، على نحو ما شهدنا في تجربة المفاوضات، نحو التنصيص في أي دستور جديد على نظام برلماني، أو نظام مزدوج، لتجاوز هذه العقبة نهائياً.

هذه هي القضايا الأكثر حساسية للدستور السوري المقبل، إذ ثمة أهمية كبيرة لتفاهم السوريين حول قضايا بناء الدولة والنظام السياسي وبناء المجتمع في سوريا المستقبل، لأن ذلك هو الذي يضمن التعايش والتعددية وتقبّل الآخر، والاحتكام إلى قيم المواطنة والحرية والمساواة والكرامة والديمقراطية.

==========================

الكاتب السوري : فاضل السباعي في ( حزن حتى  الموت ) - عرض : يحيى حاج يحيى

حزن حتى الموت !؟

لماذا يحاولون طمس إبداعه في  دمشق ، فيمنعون نشر إنتاجه ، ولو على  حسابه !؟

خمس عشرة قصة كأنها فصول في رواية، تدور حوادثها حول الإنسان الذي حرم من أعز ما يملك (الحرية).

ففي (يقظة بعد سبات طويل) يعتاده الخوف من كل شيء، أما في (الحلم واليقظة) فهو مهدد بتسريحه من العمل، وبالجوع الذي سيحل بأسرته، فتأتي أحلامه صورة عما يحدث نفسه به في يقظته.

وفي (الصورة والاسم) استطاع أن يختفي طويلاً مع أنه لم يرتكب ذنباً، وحين قبضوا عليه خطأً أعطاهم اسماً مخترعاً، فإذا صاحب هذا الاسم مطارد، فتساءل وهم يجرونه: هل الأسماء كلها مطلوبة للسلطة؟!

وفي (قاطف الزهرات اليابسات) لم يجد مجالاً لينشر فكره في بلده، وحين أراد الخروج لطبع كتاب خارج الحدود، اتُّهم بمخالفة الأنظمة، وأوصدت الأبواب في وجهه.

وأما في (العينان في الأفق الشرقي) فيمتزج الواقع والخيال لتعرض صورة عن حياة المثقف في ظل أنظمة تنسيه رسالته وتفقده إنسانيته.. ولا يبعد الخيال عن الحقيقة إلا في تصور الوسائل التي تستعمل لمراقبة ما يفكر به الناس، ومحاسبتهم عليه، فهم متهمون ولو ثبتت براءتهم، والبراءة من أعمال لم يرتكبوها أصلاً مكرمة يجود بها السجان الجاهل!

وفي (رسالة حب صغيرة) يصل الأمر في التضييق على حرية الناس إلى حد التدخل في شؤونهم العاطفية من خلال رسائلهم إلى من يحبون!

وأما (الجمهور يضحك بصخب) فتصور النتائج التي يؤدي إليها انتحال صفة رجل الأمن بين الناس في محاولة للتخلص من الرعب بإرعاب الآخرين؟!

وفي (الوثيقة) تتحول التقارير التي يرفعها المرتبطون بالسلطة على تفاهتها إلى وثائق مهمة، يخشى من تضييعها وإتلافها.

وفي (الآخرون) يصبح الهرب أفضل وسيلة عند مواجهة رجال الأمن ولو كان الإنسان غير مطلوب، لأنه محتاج لإثبات براءته من عمل لم يقترفه.

وفي (الامتناع) يصل الأمر إلى التعرض للموت بأي طريقة، لأن المواطن أصبح لا يثق وهو في وطنه ومع مواطنيه بوعود أمن النظام.

وفي (حتى موسم الزيتون) مع عظم المحنة في فقدان الحرية يتمنى الإنسان المعاصر أن يغط في سبات عميق إلى أن تنجلي الغمة.

وفي (مواطن في المسيرة) على الذين يمشون في ركاب الجائرين أن يتحملوا تبعات ظلمهم، طالما أنهم يكثرون سوادهم.

وفي (انتظار تحت الشمس) الطغيان لا يقف عند حد، فإذا تنازل له الإنسان عن شيء يطالبه بشيء آخر، فتكون النتيجة مصادرة الحرية والحياة، وحجر الفكر والتعبير!.

وفي (هل يعود الطائر إلى الأرض؟) يكرهون الطغيان، ولكنهم يخشونه، فإذا سقط بيد غيرهم أصابتهم الدهشة والحيرة، أيفرحون لسقوطه؟ أم يتحركون للدفاع عنه خوفاً منه بعد أن تطبعت حياتهم بطاعته، فهم لطول عبوديتهم غير قادرين على اتخاذ أي موقف.

وأما (لا ضير، فليغرق العالم) فترمز إلى الحقد الذي يعمي أبصار بعض الناس حين يصلون إلى مركز قوة، فيتذكرون ما أصابهم فيعممون ظلمهم ولا يجد الصفح إلى نفوسهم سبيلاً، فيحل الخراب، لأن الخطأ لا يصحح بخطأ مثله.

وفي (الأيدي الكرتونية) يتحول الطغيان بعد التمرد عليه إلى قزم من ورق، لو جرب مسلوبو الحرية مرة أن ينقذوا حريتهم من أنيابه.

يعمد فاضل السباعي في هذه المجموعة إلى الإيحاء بالرعب الذي يكتنف شخصياتها فيرمز في أكثرها إلى أسمائهم بحروف خوفاً عليهم لا خوفاً منهم؟

وتأتي الصياغة لتزيد في هذا الإيحاء، فقد صاغ المؤلف عشر قصص بضمير الغائب، وخمساً بضمير المتكلم، فأظهر أن ثلثي المظلومين يخشون من الكلام على مأساتهم، وأن الثلث والثلث قليل هم الذين يبثون أحزانهم بعد أن يطفح الكيل، ولكن على تخوف من الإرهاب وأهله.

وقد فضحت هذه المجموعة الأنظمة الشمولية والجبرية التي تأخذ الناس بالشبهة والمشابهة بأسلوب السرد والحوار، وكان السرد أشبه بالتقديم، بينما جاء الحوار لاهباً نتلمس فيه أنفاس الشخصيات حارة، وقد بلغ بها الحزن حداً يقترب بها من الموت الحقيقي بعد أن أمات الطغاة إنسانيتها وكرامتها.

=============================

ترامب في قمة إسطنبول السورية

سميرة المسالمة

العربي الجديد

الاثنين 29/10/2018

يشكّل مشهد الرؤساء الأربعة في إسطنبول واقع ما آلت إليه النزاعات الدولية على سورية، فحيث يختصر عدد المجتمعين على بوتين روسيا وميركل ألمانيا وكاميرون فرنسا جمعاً إلى أردوغان تركيا، فإن المشهد يمثل، في الوقت نفسه، جهات الأزمة السورية الأربعة: أولاً، الميدانية "القتالية" المعني بها مباشرة كل من روسيا (حليف النظام) وتركيا (حليف المعارضة). وثانياً، قضية اللاجئين المحتملين التي تخشاها ألمانيا وفرنسا، إضافة إلى تركيا. وثالثاً، قضية عقود الإعمار التي تحتاجها روسيا في مناطق سيطرتها، وتزاحم النظام على إطباق يده عليها، وهي قضية تعني تركيا من جهة الشمال والشرق، حيث تريد إعادة تدوير الحياة في مناطق نفوذها لتسهيل عملية توطين السكان، وإعادة توزيع اللاجئين في تركيا على مناطق إدلب وشرق النهر وعفرين، وما تسمى مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات.

ويمكن تسمية البند "الرابع" من جهات أزمة الحل في سورية، واعتباره النقطة المحورية في قمة إسطنبول، حيث يشكل بداية التوافق الدولي المعلن بين الدول الفاعلة في الصراع على سورية، وهو تغييب إيران عن المشهد العسكري الميداني، والديمغرافي السكاني "اللاجئين" والاقتصادي العمراني، وكل من الحاضرين يملك أسباباً خاصة به، قد تفترق عن شركائه، إلا أنهم يتقاطعون مع بعضهم في تنفيذ أجندة الولايات المتحدة الأميركية بإبعاد إيران طرفا شريكا في سورية، ومستقبلها المزعوم من خلال تشكيل اللجنة الدستورية، على الرغم من إعلان أردوغان أنهم سيبلغون إيران بالنتائج، وستكون في المرحلة المقبلة، أي أننا إزاء خطةٍ مشتركةٍ، هدفها المضي في استنباط ثغرات الولوج إلى حل سياسي (ينفذ الشرط الأميركي) بعد استهلاك كامل أدوات الحلول العسكرية.

"إزاحة ما تبقى من غطاء السيادة عن النظام، والتعاطي معه وفق مبدأ الوصاية والهيمنة والشراكة في تقرير مصيره"

تعاطي الدول الأربع مع ملف الصراع في سورية وفق رؤية جديدة، تتقاطع بين الحلول الروسية المعتمدة على مسودة الدستور التي روّجتها موسكو في اجتماع أستانة 24/1/ 2017، والتي ادّعت الفصائل آنذاك أنها رفضت استلامها، وبيان سوتشي 1 نهاية يناير/ كانون الثاني 2018، وبين مقترح باريس 23 من الشهر نفسه "اللاورقة" الذي ضم الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ولندن والأردن والسعودية، ثم التحقت بهم ألمانيا، بغاية الدفع إلى تشكيل بذرة الحل السياسي المتوافق عليه، من خلال تشكيل اللجنة الدستورية لصياغة مشروع الدولة الجديدة المنشودة، بعيداً عن واقع هيمنة النظام على محدّداتها، ومساحة التغيير المطلوبة في شكل السلطة الحاكمة ومضمونها، ما يعني إيجاد سياق حلٍّ يبدأ من خلاله تبرير تدفق مشاريع إعادة الإعمار، في صورة الحل الإنساني، لتمكين سكان المناطق المستهدفة في العملية الاقتصادية من أسباب العيش والقدرة على استقبال الوافدين من اللاجئين المؤقتين في تركيا وأوروبا.

ويمكن البناء على تجاهل المجتمعين (بمن فيهم بوتين) تصريحات وزير خارجية سورية، وليد المعلم، الذي اعتبر "أن عملية صياغة الدستور يجب أن تكون بقيادة وملكية سورية، وذلك باعتبار أن الدستور وكل ما يتصل به شأن سيادي بحت، يقرّره الشعب السوري بنفسه، دون أي تدخل خارجي"، أي أن كل ما يجري لم يخلّ بعد بسيادة دولته التي تتقاسمها جيوش المجتمعين، بشكل مباشر وغير مباشر، وعبر شركائهم من الولايات المتحدة إلى إيران، ما ينفي صفة الاستقلال والسيطرة، وبالتالي القرار السيادي، سواء لجهة إنشاء اللجنة أو غيرها، أي أن ما دار داخل أروقة الاجتماع يمثل شرعنة روسيا، وكيل النظام السوري، حالة تدويل الحل، بدءاً من تشكيل اللجنة الدستورية، إلى الحديث عن الخدمات اللازمة والضرورية للسوريين من المياه إلى الكهرباء، أي مهمات الحكومة التنفيذية في أي دولةٍ ذات سيادة.

"تهيئة المناخات الآمنة المستدامة، والظروف المناسبة عبر أرجاء سورية لعودة اللاجئين الطوعية، المرهونة بعملية سياسية حقيقية، تنتهي بانتخابات حرة لا تستثني أحداً"، وفق بيانات الرؤساء الأربعة، لا يعني أن كل ما يتعلق بالعملية السياسية قد تم التوافق عليه، لكنه يمثل إعلان دول شريكةٍ في مشهد الصراع في سورية. وعلى جانبيه، بإزاحة ما تبقى من غطاء السيادة عن النظام، والتعاطي معه وفق مبدأ الوصاية والهيمنة والشراكة في تقرير مصيره، واستناداً إلى قراراتٍ أممية، واتفاقات دولية بينية ثنائية (روسية - تركية) وثلاثية (روسيا - إيران - تركيا) ورباعية (قمة إسطنبول) وسداسية (اجتماع باريس) في غياب كامل لكل أطراف الصراع المحلية من نظام "سيادي" ومعارضة "متعدّدة الوجوه والمسارات".

ويبقى الحديث عن غياب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن القمة، موضع شك، في وجود الظل الغربي الناطق باسم المجموعة المصغرة للعمل في الملف السوري، أي أنه غياب "جسماني" وحضور قوي "رغبوي" و"قراراتي"، تمثّل في شكل إعلان الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية اللذيْن أكدا أن مبادئ الحل ضمنياً بدأت بتغييب إيران وغيابها، وانتهت

"ما تزال روسيا تراهن على لعب دور "السمسار" الذي يراهن على عمولة تركيا والنظام" بتصريح أن بدء العملية السياسية المتمثلة بتشكيل اللجنة الدستورية (يعرقلها النظام وفق أجندة روسية ترويجية لمصلحة سوتشي 2)، بينما تمثل بالنسبة للأميركيين، وإلى جانبهم، ممثلو أوروبا في إسطنبول: الشرط اللازم والوحيد لتمرير ما تريده موسكو للقبول بالوضع الراهن وعودة اللاجئين وانتخابات رئاسية وبرلمانية.

يمكن اعتبار أن هذه المجموعة تمثل فريق العمل القادم خلال مرحلة ما بعد ستيفان دي ميستورا (مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية المستقيل)، ومن خلالها سيتم تسطير عناوينها تحت قيادة أميركية متقاربة مع تركيا من جهة، ومساندة لها في وجه التغوّل الروسي في اتفاقه معها في إدلب، ومتخالفة معها في جانب ما يتعلق بالقضية الكردية التي لا تزال بوادر حلها غائبةً في ظل تقاطع المصلحة التركية مع مصلحة النظام في تهميش دورهم، وبالتوافق مع أطياف من المعارضة التي تميل إلى رأي الطرفين السابقين (النظام وتركيا)، بينما ما تزال روسيا تراهن على لعب دور "السمسار" الذي يراهن على عمولة الطرفين، في غياب موقف واضح، بدا تارة مسانداً للأكراد في تغييب "العربية" من اسم الجمهورية في الدستور (الروسي لسورية) المقترح منهم، بينما غاب في تصريحاته المعارضة للوجود الأميركي في سورية، والذي يوفر لهم أسباب شراكتهم معه في حربه على الإرهاب التي أصبحت مجرد شعار مرفوع، لتبرير الوجود العسكري المتعدّد الهويات في سورية.

==========================

استحالة تبييض المجرمين

غازي دحمان

العربي الجديد

الاثنين 29/10/2018

بلا أدنى إحساس بالمسؤولية الأخلاقية، تطالب أنظمة عربية بإعادة تأهيل منظومة الأسد، بإعادتها إلى جامعة الدول العربية. يطلب بعضهم ذلك علنا، ويسلط الآخرون إعلامهم للقيام بالمهمة القذرة، من أجل تشكيل ضغط رأي عام لهذه المسألة. وفي سبيل ذلك، يقوم إعلام هذه الأنظمة بمناورة، أقل ما يقال عنها إنها قذرة، حيث تجري عمليات تنظيف منظومة الأسد من جرائمها، بشكل علني ومكشوف، وبتكتيكاتٍ خبيثة، من نوع إعادة قراءة تاريخ الحدث السوري والتشكيك بالثورة ضد الأسد، مع التشكيك بالربيع العربي الذي حصلت الثورة السورية في إطاره، والإيحاء بأنهما حماقة ارتكبتها الشعوب من دون وعي.

وثمة تكتيكٌ آخر يمتطيه هؤلاء، بالتأشير إلى النتائج التي آلت إليها الثورة السورية، من مذابح وخراب وتهجير، من دون أي ذكر للجهة التي خطّطت لإيصال الأمور إلى هذه المرحلة، وهي نظام الأسد وحلفاؤه الإقليميون، بمن فيهم بعض الأنظمة العربية. وعند هؤلاء، ليست الأحداث والتطورات التالية مهمة، المهم من بدأ هذه المأساة، فالذين ثاروا على الأسد هم السبب في ذلك. وما دام من حق أي نظام الدفاع عن نفسه لماذا يُستنكر هذا الحق على نظام الأسد، بالطبع من دون الأخذ بالاعتبار أن آليات عديدة أقرّتها القوانين والأنظمة والدساتير لمعالجة هذه الأوضاع، بما فيها إجراء انتخاباتٍ مبكرة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم وسواها.

أحدث تكتيك لإعادة تسييل الأسد سياسياً ما صرّح به وزير خارجية لبنان، جبران باسيل، والذي أكد أخيرا "ضرورة استعادة سورية إلى الحضن العربي، والنظر بموضوعية إلى الوضع السوري بعد فشل السياسات السابقة تجاه دمشق". والمقصود أنه طالما أن نظام الأسد قد انتصر لم تعد هناك خياراتٌ أخرى للتعامل معه سوى القبول به، ودمجه في المنظومة العربية؟

وبالطبع، لن يأتي بالنفع تذكير هؤلاء بأن سورية بلد محتل، وأن الأسد هذا ليس سوى واجهة لمشاريع إيران وروسيا الجيوسياسية في المنطقة. وأكثر من ذلك، لم يعد مفاجئاً استعداد الأطراف التي تؤيد نظام الأسد بقبول أي شيءٍ يفعله أو يقوم به، حتى بعد إعلان إسرائيل الصريح أنها لا تحبذ أي نظامٍ غيره يحكم سورية، مهما كان شكل هذا النظام وتوجهاته السياسية.

وكان على معارضي الأسد والثائرين ضده أن يفهموا هذه المعادلة باكرا، ولا داعي لمراكمة الوقائع، حتى يدركوا أن المسألة أكبرُ من الأسد نفسه، وهو ليس أكثر من واجهة، وكذا ما يقال عن مناصرة الدولة ضد الفوضى أو التقدّم في مواجهة الظلام والداعشية، أو العلمانية في مواجهة تدخّل الدين في الدولة. المسألة بوضوح صراع طرفين لا ثالث معهما، أنصار الحرية والديمقراطية، في مواجهة أنصار الاستبداد وأعداء حق الشعوب بالكرامة. وليست مهمةً هنا الانتماءات السياسية ما بين يساري أو قومي أو إسلامي أو ملحد. هذه ليست سوى لافتات وخرق بالية لا تعني شيئا في عالمنا العربي، حيث كل شيء قابل للتجيير والتوظيف، حسب رغبات أصحابه وميولهم.

"هل في إعادة العلاقات مع نظام الأسد ودمجه في جامعة الدول العربية ما يغير حقيقة أن هذا النظام قتل مئات آلاف من الشعب السوري؟"

وبالعودة إلى منطق الموضوعية، والذي سيتم الإرتكاز عليه في هذه المرحلة لإعادة تبييض نظام الأسد، بدأ سيلٌ من الكتابات التي محتواها أن في التعامل مع الأسد مصلحة للشعوب العربية، أولاً لأن من شأن عزل سورية الإبقاء على حالة عدم الاستقرار فيها، وهذا سيرتدّ غداً أو بعد غد على أمن الدول العربية كافة. وثانياً لأنه ليس ذنب الشعوب العربية أن تستمر في دفع ثمن فشل معارضة الأسد في إسقاطه، يكفي ما دفع الجميع من فواتير باهظة، وإلى متى سننتظر هذه المعارضة حتى تسقط الأسد؟

ظاهرياً، ربما تبدو هذه الحجج منطقيةً، لكن شريطة إغفال صورة المشهد بكامله، والنظر إليه من زوايا محدّدة، ذلك أنه دائماً كانت هناك أنظمة معزولة لسياساتها التوحشية تجاه شعبها أو سلوكها الإقليمي السيئ، من دون أن تتأثر شعوب المنطقة التي استطاعت توفير خياراتٍ أخرى بدل التعامل مع النظام المعزول، إسرائيل مثلاً، وكوريا الشمالية، وكوبا، وإيران في مراحل كثيرة، وجنوب أفريقيا العنصرية، كما أن العلاقات بين سورية والعراق ظلت مقطوعة أكثر من عشرين عاما، والعلاقات بين سورية والأردن كانت تنقطع أكثر مما تتواصل. ومع تركيا، لم يكن هناك علاقات سوى في العقد الأخير. ومع ذلك، لم يجع شعبٌ من هذه الشعوب بسبب المقاطعة والعزلة.

من جهة أخرى، هل في إعادة العلاقات مع نظام الأسد ودمجه في جامعة الدول العربية ما سيغير من حقيقة أن هذا النظام قتل مئات آلاف من الشعب السوري؟ عندما أعادت أوروبا دمج ألمانيا، كانت الأخيرة قد تطهّرت من النازية، وبدأت بداية مختلفة، بقيادة ودستور وفكر جديد. وكيف يمكن التعامل مع نظام مجرم؟ هل على أساس مكافأته، أم اعترافاً بأن المنظومة القيمية التي يصدر عنها هي الصح وما عداها خاطئ؟

السياسة، وعلى الرغم من كل ما يقال عن لاأخلاقيتها، لم يصل فيها الأمر إلى حد تبييض المجرم نهاراً جهاراً. تتمثل اللاأخلاقية المقصودة والمقبولة في السياسة بالبروباغندا الزائدة، وبتغيير التحالفات من أجل المصلحة. ولكن لم يستطع أحد، ومهما كانت قوته الإعلامية والدبلوماسية، اعتبار مجرم بطلاً، لم تستطع أميركا، في عز قوتها، ترويج إسرائيل، ولا تلميع ديكتاتوريي أميركا اللاتينية، فلماذا تريدون تبييض الأسد مجاناً، اتركوه قليلاً ستلفظه روسيا قريبا، بعد أن بات عبئاَ ثقيلاً عليها.

==========================

ما وراء انهيار دخل السوريين

فايز سارة

الشرق الاوسط

الاحد 28/10/2018

قال تقرير للأمم المتحدة، صدر مؤخراً، إن معدل الدخل الفردي للعام 2018 في سوريا بلغ 479 دولاراً، ووضع التقرير سوريا في الترتيب 188 بين دول العالم. ويعكس الرقمان مستوى التردي في دخل الفرد السوري السنوي في الأعوام الثمانية الأخيرة، التي عاشت فيها سوريا، أشكالا من الصراعات الدموية ومن تدمير قدرات السوريين الفردية والاجتماعية، وللمقارنة فإن مستوى دخل الفرد السنوي في سوريا للعام 2005 بلغ 3300 دولار، وارتفع في العام 2010 ليصل إلى 5043 دولاراً، قبل أن يبدأ بالتراجع إلى أقل من واحد بالعشرة في عام 2018 عما كان عليه قبل 8 سنوات.

السبب الظاهر لتراجع مستوى دخل الفرد في سوريا في الأعوام الماضية، يعود بصورة أساسية إلى الأحداث التي شهدتها البلاد بعد انطلاق الثورة ضد النظام الحاكم أوائل العام 2011، حيث أطلق النظام أجهزته العسكرية والاستخباراتية في مختلف أنحاء البلاد، فقتلت نحو مليون سوري، وجرحت واعتقلت أضعافهم، وشردت نحو نصف السكان من بيوتهم، وتحول أكثر من 6 ملايين منهم إلى لاجئين في بلدان الجوار والأبعد منها، وكانت المحصلة الأهم لما أصاب السوريين في هذا الجانب، تعطيل قدراتهم على العمل والإنتاج وتلبية احتياجاتهم، ما حولهم إلى فقراء ومحدودي دخل، لا يستطيعون تأمين احتياجات الحد الأدنى للحياة من غذاء ودواء وسكن وتعليم.

وأدى إطلاق يد القوة المسلحة للنظام، وانضمام حلفائه من الإيرانيين وميليشياتهم، ودخول جماعات التطرف والإرهاب على الخط نفسه، إلى تعميم الدمار في الممتلكات الخاصة والعامة دون أن تسلم منها مؤسسات الدولة، ولعل مدينة حلب ثانية كبريات المدن واحدة من الأمثلة، إذ تجاوز حجم التدمير فيها 60 في المائة، فيما سويت مدن مثل القصير وبابا عمر في ريف حمص والزبداني ومضايا في ريف دمشق الغربي بالأرض، ونتيجة لكل الحالات، انخفض الدخل القومي، وانخفضت مستويات دخل الفرد في سوريا.

غير أن الصراع السوري بما تركه من نتائج على الوضع العام، وتدهور مستويات دخل السوريين، لم يكن سوى سبب ظاهر، لسبب أعمق وهو طبيعة وسياسات النظام الاستبدادي الديكتاتوري الذي أحكم سيطرته على البلاد منذ العام 1963 باستيلاء الطغمة العسكرية على السلطة، ما أتاح للأسد الأب ركوبها في العام 1970 وبناء نظام تتركز إدارته بيد فرد واحد، تعاونه في إدارة السلطة مجموعة من الموظفين المقربين موزعين على تخصصات متعددة، يساعدونه، ليس في إحكام قبضته على البلاد والسكان فحسب، بل يعملون معه باعتبارهم أدوات في تنفيذ منظومة من خطط سياسية واقتصادية واجتماعية، تستند إلى قبضة أمنية متشددة، ممسوكة من الرأس وممتدة في أنحاء الهرم الاجتماعي وصولا إلى قاعدته.

ففي المجال السياسي، اتخذ النظام شكل حكم الحزب الواحد، وجعل من حزب البعث واجهة لسلطته، التي لم تكن في جوهرها سوى عصبة من العسكريين والأمنيين المضموني الولاء، وعندما وسّع القاعدة السياسية للنظام بإقامة الجبهة الوطنية التقدمية، ضم إليها جماعات قبلت بالعمل تحت قيادته، وهيمنة حزبه المحكوم بالجهاز الأمني الذي واصل حرباً مفتوحة على المعارضة السياسية، ولاحق رجال السياسة والفكر وهمّشهم، وعمل على تدمير فكرة السياسة بما هي من علم وفن في إدارة المجتمع، وحوّل الاشتغال بالسياسة أو الاهتمام بها إلى «جريمة» تؤدي بصاحبها إلى الملاحقة والسجن والموت في بعض الحالات.

وتوافقت مسارات النظام في المجال السياسي مع مساراته في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. فأقام هيكلية اقتصادية اجتماعية وظيفية، هدفها الأساسي إحكام سيطرته على السلطة والمجتمع أكثر مما كان هدفها تنمية الاقتصاد وتطوير المجتمع والدولة. إذ دفع بالقوة المنتجة من عمال وفلاحين في واحد من مسارين، أولهما جهاز السلطة العسكري الأمني والبيروقراطي، والثاني تعزيز القطاعات الهامشية، ولا سيما في مجال الخدمات والوساطة لتصبح السمة الأبرز في الأنشطة الاقتصادية، الموكولة في أهم فعالياتها إلى أشخاص أكثرهم من بطانة النظام أو من أبناء وأقارب المسؤولين فيه، ما جعل الاقتصاد يتحول من الاقتصاد السوري إلى اقتصاد للطغمة الحاكمة، التي فرضت قيمها وأنماط سلوكها وعلاقاتها على المجتمع السوري.

وإذا كان النمط الاقتصادي الذي ولده نظام الأسد، وعممه في سوريا، قد خلق طبقة الطغمة الحاكمة لتدير المجتمع السوري، فقد بدا من الطبيعي، خلق آليات وأطر لربط فئات المجتمع الأخرى بنظام الطغمة من خلال تنظيمات مسيطر عليه عبر الجهاز الأمني مثل النقابات العمالية واتحادات الكتاب والفلاحين والحرفيين ومنظمات الشبيبة والطلبة، ونقابات المحامين والأطباء والمهندسين والفنانين وغيرهم.

وسط هذه التركيبة السياسية الاقتصادية الاجتماعية، التي ولدها نظام الأسد في عهد الأب والابن، ونتيجة لاختلال طبيعة النظام وسيطرته على البلاد مع اندلاع ثورة العام 2011، كان من الطبيعي أن ينهار الناتج المحلي، وتنهار معه معدلات الدخل السنوي للفرد، ثم جاءت نتائج السياسة الأمنية العسكرية في القتل والتهجير والتدمير لتفاقم هذا الانهيار إلى الحد الكارثي الذي وصل إليه في السنوات السبع الماضية.

خلاصة القول، إن انهيار دخول السوريين، لن يتوقف مع وقف السياسات الأمنية العسكرية التي يتابعها النظام، بل إن توقفه، ووضع سوريا على قاعدة تنمية حقيقية، وتحسن في مستويات دخل السوريين، يتطلب إجراء تغييرات جوهرية في طبيعة النظام القائم، وفي سياساته، وهذا ما عبرت عنه مطالب السوريين عندما انطلقت ثورتهم قبل دخولها نفق العسكرة والتسلح، وقبل أن تخطفها التشكيلات المسلحة، وتتنامى في ظلها جماعات التطرف والإرهاب، وسط ظروف محلية وإقليمية ودولية معقدة.

==========================

عن حق السوريين في مناظرة سياسية وقانونية 

سهير الأتاسي

سوريا تي في

الاحد 28/10/2018

يحقّ للسوريين كافةً، وللسوريين الفاعلين في الشأن العام وللمتابعين للمشهد السياسي والمعنيين بالجدل القائم حول اللجنة الدستورية السورية التي تمّ إقرارها في مؤتمر سوتشي على قاعدة المقاربة الروسية للحل السياسي في سوريا، معرفة الحقيقة وامتلاك الأدوات المتاحة القادرة على التوصّل إليها واستنتاجها دون تصوّرات مسبقة أو توجيهات استباقية. خصوصاً بعد انقسام قوى الثورة والمعارضة ما بين رافضٍ لها على اعتبارها تنازلاً خطيراً عن حقّ الشعب السوري في انتقال سياسي جذري وجوهري وشامل، والتفافاً على إرادته في الخلاص من نظام ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وانسياقاً للتفسيرات الروسية لقرارات مجلس الأمن والقرارات الدولية، وبين مؤيّد أو متفرّج صامت على اعتبار أنه "ليس بالإمكان أفضل مما كان"، وأنه لا بدّ من "إدارة الهزيمة" ويقصدون بها "هزيمة الثورة"، بل وفي أحسن المبررات أن المشاركة في هذه اللجنة ما هو إلا إجراء تكتيكي لتوريط نظام الأسد وحلفائه بالعملية السياسية التي لطالما رفضوا الانخراط بها.

تساؤلات وأسئلة مهمة ومصيرية ومحقّة طُرحت في الآونة الأخيرة، من شأن الإجابات المنهجية الصريحة والواضحة عليها أن تساهم في بلورة موقف حاسم وضروري من مشاركة المعارضة الرسمية ممثَّلة بهيئة التفاوض السورية في أعمال اللجنة الدستورية. حيث لم تُسعف المداخلات الطيّارة من حيث مدّتها وعموميّتها، ولا البيانات بآرائها ومواقفها المتباينة في إعطاء تلك الإجابات. الأمر الذي جعل الهوة تتزايد بين الفريقين (بين المؤيد والمشارك وبين الرافض والمقاطع)، حيث أصبحت لغة التخاطب بينهما أقرب إلى تراشق اتهامات لا يمكن أن تفيد عموم السوريين في تنظيم موقفهم ليصبح ضاغطاً وموجّهاً لمن يدّعي تمثيلهم،

كيف يمكن لعموم السوريين في هذا الجو المحموم التأسيس لموقف موضوعي في قضية جوهرية لا تمسّ فقط مصير الثورة السورية بعد كل التضحيات التي قدّمها أبناؤها وبناتها، بل تمسّ أيضاً مصير الصامتين؟

وحيث المشهد الماثل أمامهم لا يعدو في غالب الأحيان المناكفات بين الفريق الرسمي المشارك والمتّهم بكونه يقدّم التنازلات تلو الأخرى إرضاءً للتوجّه الجديد للمجتمع الدولي، وبين الفريق الرافض المتّهم هو الآخر من قبل الفريق الأول وداعمي مساره من شخصيات ودول، بالجهل والشعبوية وانعدام النضج السياسي أو بالانسياق لمجموعة تتّسم بالكيدية والتنافسية بسبب فقدان دورها في العملية السياسية. الاتهام الأخير للرافضين لهذا المسار هي استراتيجية يتبعها الفريق الأول بالتلميحات والتصريحات في كل المداخلات التي يتواجه فيها مع من يجادله في صوابية وخطأ انسياقه إلى مسارٍ خطّه حلفاء نظام الأسد.

كيف يمكن لعموم السوريين في هذا الجو المحموم التأسيس لموقف موضوعي في قضية جوهرية لا تمسّ فقط مصير الثورة السورية بعد كل التضحيات التي قدّمها أبناؤها وبناتها، بل تمسّ أيضاً مصير الصامتين وحتى من جعل منهم نظام الأسد حطباً لحفاظه على منصبه..؟؟

من جهة تجتهد المعارضة الرسمية عبر إصدار البيانات وحشد المداخلات والمقالات، في دفاعها عن خوضها غمار "الالتزام بالعملية الدستورية من خلال اللجنة الدستورية المزمع تشكيلها بإشراف الأمم المتحدة" على اعتبار أن ذلك "الالتزام يأتي في إطار الانتقال السياسي الذي نصّ عليه بيان جنيف 30/6/2012"، وأن تلك اللجنة، وبحسب رأيهم، هي المدخل الوحيد المتاح اليوم لتفعيل العملية السياسية في جنيف وهدفها التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 2254..!! لا تخلو تلك البيانات من تناقضات جلية، فتارةً تطالب بالتنفيذ الدقيق لتراتبية القرار 2254، حيث يكون "البدء بتنفيذ البنود الفوق – تفاوضية، والسعي على الفور لتشكيل هيئة حكم انتقالي تشرف على تهيئة بيئة آمنة، وتشكّل جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد، وتعيد هيكلة الجيش وأجهزة الأمن، وتبدأ مرحلة العدالة الانتقالية وتدعو لانتخابات برلمانية ثم رئاسية"، (وذلك في بيانها الصادر بتاريخ 18/9/2018، وبعكس سلوكها اليوم وانخراطها في المسار الدستوري وحده)؛ وطوراً تعتبر أن "دستور البلاد الجديد هو بوابة العبور نحو الانتقال السياسي في سوريا من نظام الاستبداد إلى دولة العدالة والحرية واللاطائفية والمواطنة المتساوية والمساءلة أمام القانون والفصل بين السلطات واستقلالها"، بل وتكتفي بالإشارة للحوار مع الأمم المتحدة في سبيل "العمل على مسار ملازم لمسار صياغة الدستور للبحث في إيجاد البيئة الآمنة والمحايدة بوصفها شرطاً أساسياً لتطبيق الدستور وتفعيله" في بيانها الصادر بتاريخ 1/8/2018. وتتهم هيئة التفاوض في متن نفس البيان بعض الجهات بالقيام بحملات تشويه مشبوهة تهدف إلى تقويض مصداقيتها.

يسارع وفد المعارضة الحالي ويتبنى تفسير المبعوث الأممي نفسه، فيتراجع بذلك عن قضايا محسومة في القرارات الدولية ويتنازل عن حقّ مكتسب واضح في متنها، هو حقّ تضحيات الثورة في انتقال سياسي يستبعد مجرمي الحرب.

ومن الجهة الأخرى تصدر البيانات من فعاليات وهيئات ثورية تعلن عن ثباتها على مطالب الثورة السورية وتحتفي بعودة الحراك الثوري والمظاهرات السلمية تحت الراية الخضراء، وتعتبر "أن الخطوة السياسية الأولى تحقيق الانتقال السياسي دون نظام الإجرام"، وأن "كتابة الدستور شأنٌ وطني سوري لا علاقة لأية دولة أو جهة أو منظمة بتحريره ولا بلجانه"، وأن "أي إجراء بهذا الصدد قبل الانتقال السياسي هو باطل وغير شرعي ولا يترتب عليه أية آثار قانونية"، وتعتبر "أية مشاركة في إنجاز ذلك الدستور أو دعمه خيانة للشعب السوري ولدماء شهداء ثورة الحرية والكرامة ومعتقليها". كما تعتبر المظاهرات الشعبية أن الهيئة التي من المفترض أن تمثّل قوى الثورة والمعارضة، إنما هي "تُسقط حقوق السوريين بالتقادم".

 وتبرز بعض الآراء لخبراء قانونيين سياسيين شاركوا في المسارات التفاوضية منذ مفاوضات جنيف 2 عام 2014، عندما كان الوسيط الدولي الأخضر الإبراهيمي موفداً خاصاً للأمم المتحدة والجامعة العربية في سوريا وكان الائتلاف الوطني ممثلاً رسمياً لوفد المعارضة السورية، إلى المفاوضات التي يسّرها ستافان ديمستورا بوصفه المبعوث الخاص ومثّلت الهيئة العليا للمفاوضات السابقة وفد المعارضة فيها في أواخر العام 2015  حتى أواخر العام 2017.

يتحدث الأستاذ محمد صبرا كبير المفاوضين سابقاً عن "خطورة إلغاء التعاقب الزمني للقرار 2254 وعدم شرعية الخروج عنه، وعن الاختلاف في التفسيرات اللاحقة لقرار مجلس الأمن بين وفد المعارضة وبين ديمستورا"، ليسارع وفد المعارضة الحالي ويتبنى تفسير المبعوث الأممي نفسه، فيتراجع بذلك عن قضايا محسومة في القرارات الدولية ويتنازل عن حقّ مكتسب واضح في متنها، هو حقّ تضحيات الثورة في انتقال سياسي يستبعد مجرمي الحرب. كما يؤكد الدكتور حسام الحافظ أستاذ القانون الدولي ورئيس المكتب القانوني للهيئة العليا للمفاوضات سابقاً، كون "اللجنة الدستورية مجرّد لجنة صياغة مشتركة من المفترض أن يأتي عملها نتيجة لاتفاق سياسي واضح يهتدي بمبادئه"، وكون الموافقة على المشاركة فيها يُعدّ تنازلاً عن الموقع التفاوضي لقوى الثورة والمعارضة، بل و"تجاوزاً لقضية المفاوضات برمّتها والقفز عليها وعلى إجراءات بناء الثقة، ليصبح وفد المعارضة جزءاً من لجنة مشتركة مع نظام الأسد وبظلّ وجوده في الحكم وبدون أي تفاهمات واضحة تحدّد القواعد الإجرائية وضوابط عمل هذه اللجنة". يأتي هذا كله بعد التسليم بالتفسير والمقاربة الروسية لقرارات مجلس الأمن، ذلك التفسير الذي لا يصبّ بصالح الثورة، وصالح كل السوريين. وتبعاً لتلك الآراء فإن وفد المعارضة يتبع التوجّه الروسي في تقزيم وربما إلغاء العملية التفاوضية، هو نفسه الذي ينافح عن كونه يعتمد كل التكتيكات الممكنة للحفاظ عليها حيّة.

وعلى الرغم من كوني منحازة إلى الفريق الرافض للمسار الدستوري والمشاركة فيه، ولكنني أجد من الضروري استيضاح المشهد بأكمله عبر الدعوة إلى مناظرة سياسية وقانونية بين الطرفين، وفسح المجال لنقاش علمي حضاري يسعى وراء الحقيقة بموضوعية وتفاعلية، يترافع فيها كل طرف بحجّته ومنطقه بعيداً عن السجالات العقيمة والعمومية، وبعيداً عن الشخصنة، ليكون المحور الأساسي للنقاش: المواقف والأفكار والمسارات. من شأن تلك المناظرة أن تقدّم الإجابات عن تساؤلات بقيت تراوح مكانها، وأن تضيء حقائق مازالت خافية رغم الحاجة الماسة إليها في بناء موقف جذري من قضية مفصلية (اللجنة الدستورية) على أسس أكثر عمقاً وتفصيلاً ودقة. ليس الهدف من تلك المناظرة قياس الرأي العام تجاه أحد الفريقين، بل العمل على بلورته تجاه الموقفَين والمسارَين، وربما تجاه الحاجة إلى موقف ثالث لم يتبلور بعد، يتعدّى خندق القبول أو الرفض.

لم يعد كافياً اليوم تنظيم المظاهرات وإصدار البيانات وعقد الاجتماعات والندوات والمؤتمرات الرافضة لمسار بوتينيّ بلبوس جنيف وغطاء الأمم المتحدة للحل في سوريا.

فلم يعد كافياً اليوم تنظيم المظاهرات وإصدار البيانات وعقد الاجتماعات والندوات والمؤتمرات الرافضة لمسار بوتينيّ بلبوس جنيف وغطاء الأمم المتحدة للحل في سوريا، خصوصاً بعد أن أثبتت وقائع رفض المؤسسات الرسمية لقوى الثورة والمعارضة المشاركة في مؤتمر سوتشي سعياً لإظهار التناغم مع إرادة السوريين، أنها قادرة على ضرب كل ما سبق عرض الحائط ثم المشاركة في مخرجات سوتشي. بإمكان تلك المؤسسات المستندة إلى دعم دولي أن تتملّص ببساطة من موقف شعبي ثوري، ولو كان جذرياً ولكنه مازال يحمل صفة الآنية في التعبير عن نفسه، الأمر الذي لا بدّ أن يدفعنا إلى جعل جنوح تلك المؤسسات إلى الانفلات من الالتزام بذلك الموقف انفلاتاً مستحيلاً، وذلك عبر العمل على تنظيمه وتأطيره والحفاظ على استمراريته وتراكميته. تصبح تلك المهمّة أكثر يسراً عندما تكون أساسات هذا الموقف الشعبي الثوري أكثر متانةً مستندةً إلى الحقائق التي يمكن أن تتجلّى بوضوح أكبر من خلال تلك المناظرة السياسية والقانونية.

==========================

المفاوضات السورية في طريق مسدود

برهان غليون

العربي الجديد

الاحد 28/10/2018

كان من المؤمل أن يقود انتهاء المعارك الحربية الذي سعت إليه الدول المعنية بالقضية السورية، والتي قبلت من أجله تقديم تنازلاتٍ سياسيةٍ كبيرة لروسيا وإيران والأسد، إلى تعبيد طريق المفاوضات السياسية لوضع حد للكارثة السورية المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات. لكن من الواضح الآن أن مسار المفاوضات والحل السياسي المزعوم في طريقٍ مسدودة تماماً. وإذا استمرت الأمور على ما هي عليه، لن يكون هناك أي أملٍ في التقدّم خطوة واحدة على طريق الدخول في الحل، وسوف ينتهي الأمر بتكريس الوضع الراهن الذي يقسم سورية إلى مناطق نفوذ متعدّدة، ويجعل منه وضعاً طويل المدى.

والواقع أن عوامل تعطيل الحل السياسي لم تولد اليوم، لكنها رافقت العمل الدبلوماسي الدولي على المسألة السورية منذ بدايتها. وكانت جرثومة هذا التعطيل كامنةً في قرارات مجلس الأمن الذي خضع لإملاءات موسكو وإرادتها في النهاية، وأراد أن يربط أي مخرجٍ للصراع الدائر في سورية بتفاهمٍ بين نظامٍ رمى بنفسه في حربٍ شاملة، لم يوفر فيها سلاحاً، لا عسكرياً ولا سياسياً ولا نفسياً وإعلامياً، ولم ير لها أفقاً أو ضوابط غير سحق الانتفاضة الشعبية، وإغراقها بالدماء، من دون أي حسابٍ للربح والخسارة، ومعارضةٍ مرتبطةٍ بجمهورٍ كان على ثقةٍ مطلقةٍ بحقه في التغيير، كما حصل في البلدان القريبة الأخرى، وبقدرته على صناعته، واستعداده غير المسبوق للتضحية بكل ما يملكه للوصول إلى غاياته. وما كان من الممكن لمثل هذا التصوّر الذي يأخذ، بالدرجة الأولى، مراعاة النظام ومصالحه، ويراهن على إغرائه لتقديم بعض التنازلات للشعب والمعارضة، أن يفضي إلى شيء آخر، سوى تشجيع الجاني على الاستمرار 

"تريد موسكو أن تحتفظ لنفسها وحلفائها، بالسيطرة الكاملة على مسار المفاوضات" في جنايته، ودفع المجني عليه إلى مزيدٍ من المغالاة في مطالبه، ليس تجاه النظام فحسب، وإنما تجاه المجتمع الدولي الذي وضع نفسه وصياً على المساءلة، وحامياً للعدالة في الوقت نفسه.

بين أسيادٍ وأحرارٍ، يعترف كل منهما بالآخر، اتفاق الحل الوسط، على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، ليس ممكناً فحسب، ولكنه المخرج الوحيد لأي نزاع. لكنه مستحيلٌ أن يتحقّق بين أطرافٍ لا تعترف ببعضها، ولا ترى في خصمها ندّاً ولا طرفاً لديه حق، أي حق. كما هو واضح، بعد سنواتٍ طويلةٍ من القتل والدمار والعذاب، كان ثمن الرهان على إمكانية مصالحة الذئب مع الحمل والجلاد مع الضحية، أن الذئب ازداد ذئبيةً، وزادت شهوته لافتراس الحمل، ولن يتوقف من دون إرواء غليله.

أمام إرادة سحق الانتفاضة، ورفض أي حل سياسيٍّ، أو مساومةٍ على السيطرة على دولةٍ اعتبرها الأسد، منذ بداية حكمه، ملكيته العائلية الخاصة، والدعم الاستثنائي الذي لقيه على يدي طهران وموسكو، الطامعتين في إدراج شهوة السلطة لدى الطغمة الحاكمة ضمن أجندتيهما الإقليمية والدولية، حاولت الدول العربية والغربية، كما حاولت المنظمة الدولية، أن ترأب الصدع، بتقديم مزيدٍ من التنازلات لإغراء الأسد وحلفائه بالقبول بحل سياسي أو بتسوية. هكذا تمّ التراجع عن بيان جنيف الأول الذي يتحدّث عن هيئة حكمٍ انتقاليٍّ كاملة الصلاحيات، وسمح للروس أن يفسروا قرار مجلس الأمن الدولي 2218، ثم 2254، على حسب مزاجهم، لتثبيت نقطة بقاء الأسد أو استبعاده من النقاش. وهكذا قبل المجتمع الدولي، بعد فشل "جنيف 1"، بالتخلي عن مبادئ المبادرة العربية والدولية التي كان أول مبعوث أممي إلى سورية، كوفي أنان، قد صاغها، بادئاً بضرورة وقف القتال، وسحب الجيش وآلياته من المدن، وإطلاق سراح المعتقلين والسماح للشعب بالتعبير عن رأيه بحرية، بتبنّي مواقف ملتبسةٍ أو ضعيفةٍ أمام التصعيد الروسي، وصرف النظر عن تحميل النظام المسؤولية عن إفشال مفاوضات جنيف 2، والتي رفض فيها ممثل النظام، بشار الجعفري، جميع محاولات المبعوث الأممي، الأخضر الإبراهيمي، فتح ملف الانتقال السياسي. كما قبل المجتمع الدولي، فيما بعد، ومن سمّوا أنفسهم أصدقاء الشعب السوري، تركيز جميع الجهود نحو الحرب على الإرهاب، وقطعوا المساعدات عن المعارضة المسلحة، مستسلمين أمام الروس، وآملين بالحصول على تعاونهم في الضغط على النظام للتوصل إلى تسوية. ولكن الروس الذين لم يخفوا يوماً دعمهم بقاء الأسد استغلوا تخاذل الغرب، أو تردّد قادته وضياع بوصلتهم في المسألة السورية، وعملوا، بعكس ما كان الغرب ينتظره منهم، على تشجيع الأسد على تبنّي الحل العسكري وحسم الصراع بالقوة، وقدّموا كل ما يلزم من أجل تحقيق هدفهم هذا.

وبالمثل، وبمساعدة تواطؤ المبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، وبالاستعانة بقوة سلاح الجو الروسي التدميرية، والتهجير القسري للسكان المدنيين، وتخريب الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، قبل الغرب تهميش الروس مسار جنيف بشكل سافر، ولم يعترض على سعيهم إلى الالتفاف عليه، وعلى قرارات مجلس الأمن التي تؤطره وتشكّل مرجعيته، وإيجاد مساراتٍ موازية لا تخضع لأي مرجعةٍ قانونيةٍ وسياسيةٍ سوى إرادة الدول المشاركة فيها. هكذا ابتدع الروس مسار أستانة ليضموا إيران إلى دائرة الدول المشاركة في التفاوض على مصير سورية وشعبها، وليقسموا المعارضة، ويدخلوا عناصر التنافس والنزاع ما بين قياداتٍ عسكريةٍ وقيادات سياسية. ثم أكملوا ذلك بفتح مسار آخر في سوتشي، بهدف سحب البساط من تحت أقدام الأمم المتحدة، والعمل على إعادة تركيب المعارضة لصالح المنصّات الأقرب إلى وجهة نظر موسكو والنظام السوري. وفي النهاية، قبلت الدول المعنية بالملف السوري خطة موسكو في تعليق مفاوضات جنيف، واستبدالها باتفاقات خفض التصعيد التي سمحت للأسد وحلفائه بتجزئة جبهات المعارضة، وانتزاع استسلامها واحدةً بعد الأخرى.

وقد مكّن نجاح موسكو في تجنب مسار جنيف الدولي، واستبداله بمحادثاتٍ جانبيةٍ متعدّدة

"ما الذي سيدفع الغرب إلى تمويل الإعمار في سورية لصالح روسيا وحدها؟"  الأطراف، وإيجاد مساراتٍ موازيةٍ في أستانة وسوتشي وموسكو، وتحييد الأمم المتحدة، من الاحتفاظ بالمبادرة والعمل على الدفع نحو مفاوضاتٍ وحلولٍ تكون وحدها القادرة على التحكّم بنتائجها. وهذا هو الهدف أيضاً من عقد مؤتمر إسطنبول أمس السبت (27/10/2018)، على أمل شقّ الصف الأوروبي، والالتفاف على رفض الغرب، والمجتمع الدولي عموماً، تمويل إعادة إعمار سورية في ظل النظام ذاته الذي عمل كل ما يستطيعه لتدميرها.

تجد موسكو التي ربحت الحرب من دون شك أمام فصائل المعارضة المسلحة التي فشلت في توحيد صفوفها، والعمل حسب خطة وطنية وبعيدة المدى، تجد نفسها اليوم عاجزةً عن تحقيق السلام الذي يتوقف عليه ما تأمل روسيا أن تقطفه من ثمارٍ سياسيةٍ، تتجاوز في آثارها الوضع السوري، ودور موسكو في سورية المستقبل، إلى دور روسيا المقبل على الصعيدين، الإقليمي والدولي. لا ينجم هذا العجز عن "الصحوة" الأميركية أخيراً، واكتشاف واشنطن خطر السماح بالتمدّد الإيراني في دول الإقليم، ورغبتها في إعادة تعزيز وجودها العسكري والسياسي في المنطقة، وفي سورية والعراق خصوصاً الآن، وإنما أكثر من ذلك، من افتقارها للتفكير الواقعي، واعتقادها بأنها تستطيع أن تخدع الجميع، فهي تدعو الدول الغربية إلى الانخراط في عملية إعادة الإعمار، في الوقت الذي تريد أن تحتفظ لنفسها وحلفائها المحليين والإقليميين، بالسيطرة الكاملة على مسار المفاوضات ومستقبل سورية ذاتها. وهي تريد أن تجذب المعارضة السورية إلى موقفها، وتقنعها بالاصطفاف وراء خططها "للحل السياسي" في وقتٍ لا تخفي فيه لحظةً تمسّكها بحكم الأسد، وتأكيدها على شرعيته، أي نفيها شرعية الانتفاضة الشعبية ذاتها.

ما الذي سيدفع الغرب إلى تمويل الإعمار في سورية لصالح روسيا وحدها، ولماذا ستقبل المعارضة السورية التضحية بنفسها على مذبح إعادة تأهيل الأسد ونظامه، وكيف يمكن للأمم المتحدة أن تقود مفاوضاتٍ يشترط فيها، على لسان وزير خارجيته، نظامٌ امتهن القتل واستباحة حقوق الأفراد والجماعات، أن تكون له أغلبية "لجنتها الدستورية"، وأن يضمن رئاستها، وأن تجري تحت قبة برلمانه، من دون أن تثير هذه المفاوضات استهزاء العالم وسخريته؟

==========================

الدستور السوري بين وفدَيْ الأسد والمعارضة

سميرة المسالمة 

الحياة

الاحد 28/10/2018

تتوالى الأخبار حول تشكيل الثلث الثالث من اللجنة الدستورية والخلافات التي تحيط بها، وما يزال السوريون كشعب خارج العملية السياسية، باتجاهين: أولهما، السماح له بالمشاركة الحقيقية في اختيار أعضاء اللجنة، وثانيهما، معرفة ما هي مهمة هذه اللجنة الدستورية بشكل عملي وفعلي، حيث لم تحدد أي جهة من المشاركين من الطرفين إذا كانت تستعد فعلياً لكتابة دستور دائم للبلاد، أم أنها تعمل على ضبط وثيقة دستورية موقتة، تضبط مرحلة إنهاء الصراع المسلح، وتؤسس لبيئة مستقرة، توفر لكل السوريين فرصة المشاركة التفاعلية مع أطراف التفاوض -على جانبي الصراع- باختيار اللجنة الدستورية المؤهلة سياسياً وأكاديمياً، لصناعة دستور جديد لتأسيس جمهورية سورية بعد الحرب الدامية التي استمرت داخلياً 8 سنوات، وتمددت خارجياً حتى حدود ما بعد أوروبا والأميركيتين.

أي أننا أمام مشكلة تشكيل اللجنة، من حيث التمثيل والشرعية والأهلية، وفي الوقت ذاته، هناك مشكلة الخلاف حول مضمون عمل هذه اللجنة، في حال تم التوافق عليها، سواء بالتراضي بين الطرفين المحليين، أو بالتسويات الدولية التي تتم عبر مسارين، الأول ثنائي ثنائي: روسي- أميركي، والآخر رباعي: روسي- تركي- ألماني- فرنسي، حيث يتعذر التوافق المحلي من دون ربطه بالتسويات الدولية، بمساريها الثنائي والرباعي، ومن ثم ادراجها في المسار الأممي، فحيث يخشى النظام من أن يواجه دستوراً جديداً يصاغ بعيداً من عين رقابته المباشرة، فإن وفد المعارضة من جهته، والممثل للكيانات التي انبثقت عنها اللجنة، يخشى من هيمنة وفد النظام على مجريات عملية صناعة الدستور، ما يفقده ما تبقى له من شرعية التمثيل للمعارضة، وبالتالي القدرة على التأثير داخل الوفد وخارجه.

ولهذا فإن ما يمكن الحديث عنه اليوم من محفزات لتسريع إنجاز اللجنة، على المستويات المحلية والدولية، يتمثل بمشروعين حيويين، أحدهما سياسي، يتعلق بشكل المنطقة الـ «خالية من التدخل الإيراني»، وهو الأمر الذي يعني المعارضة بشكل أساسي حيث تعتبر إيران العامل الحاسم في تأخير الحل السياسي، كما أنه الشرط اللازم لكثير من الدول الفاعلة في الصراع على سورية، والمشروع الآخر اقتصادي، يتمثل بمشاريع إعادة الإعمار وعوائدها محلياً وإقليمياً ودولياً، وبينما تفتح روسيا شهية الدول للشراكة في إعادة الإعمار بالوعود، تربط الولايات المتحدة رغبة المتأهبين لهذه الشراكة بشرطين أساسيين هما إنهاء إيران من المشهد السوري، وبدء أعمال اللجنة الدستورية وفق محددات التغيير الأساسية التي نوهت لها بالشراكة مع دول مجموعة العمل من أجل سورية.

ولعل المهم اليوم أن نعرف مضمون مهمة اللجنة، فهل هي لإعداد دستور ما بعد الصراع؟ أي أننا إزاء مصادرة مباشرة لحق السوريين في اختيار مصيرهم من قبل لجنة يتم تعيينها وفق التسويات الدولية، وبما يضمن مصالح الدول، أم أننا في مرحلة إعداد مقدمات دستورية أو توافقات على مبادئ دستورية؟ فإذا كان الخيار هو وضع دستور دائم للبلاد (وهو تجاوز على حق السوريين) فإن ذلك يتطلب توافقات سياسية بين كل قوى الصراع الداخلي، بما يضمن إنتاج دستور يرسخ عملية التوافقات، وينزع فتيل الصراع القائم، ويعالج أسبابه البعيدة منعاً من إعادة إنتاجه بأشكال جديدة، وبين مجموعات قائمة أو تمهد الظروف لتكوينها، ما يجعل الدستور يوظف في غير مهمته الأساسية بترسيخ السلام بين كل السوريين أفراداً وجماعات. ولكن مع ما تقدم فإنه من الجرأة أن نسأل: إذا لم يفرض الدستور الجديد بصياغته الجديدة، وبأساليب تنفيذه على المكونات السورية من (النظام والمعارضة)، فهل يمكن أن يحدث ذلك بالتراضي بعد 8 أعوام، من حرب أسست لتحويل مجموع الأسر السورية إلى ضحايا، أو عوائل لضحايا، سواء على الجبهات المتقابلة في الصراع (النظام والمعارضة)، أو على الجبهة الواحدة ذاتها، كحال الفصائل المحسوبة على المعارضة، والتي أزهقت الكثير من أرواح مقاتليها في حروبها البينية المعارضاتية؟ وبما أننا جميعاً نعرف باستحالة أن يخضع النظام لعملية التغيير بالتراضي، فإن الحل المرحلي -على الأقل- يكون بوجوب فرض التغيير وفق قرارات أممية، تؤسس لمرحلة ما بعد نظام الأسد، وما قبل مرحلة سورية الجديدة التي يعول عليها السوريون، وفقاً لتطلعاتهم الوطنية وقدراتهم الذاتية. أي أننا إزاء خيار إما القبول بالتغيير أياً كان شكله ومحتواه، لإنهاء مرحلة الركود في العملية السياسية، (والتي خرج منها العامل السوري ببعديه المؤيد والمعارض للثورة)، والانتقال إلى مرحلة العمل ما بعد النزاع المـــسلح، باستعادة أدوات الضــــغط الــــسلمية، لإنتاج حراك سياسي فاعل لتحقيق الغاية الأساسية للثورة بإقامة دولة المواطنة والمساواة، أو تمديد فترة الصراع بانتظار هزيمة تلحق بأحد طرفي الصراع دولياً، حيث لا طرف محلي قابل للنصر ضمن المعطيات الحالية؟ وعلى ذلك فإن الاستفادة التي يمكن التعويل عليها من دفع عملية التسوية في تشكيل اللجنة الدستورية، على الصعيدين المحلي والدولي، تكون ببدء مرحلة إعادة الإعمار في المناطق الأكثر تضرراً (حلب وإدلب ودرعا والرقة) لفسح مجال لعودة النازحين إليها، والتمهيد لبناء قدرات تنموية محلية خارج سيطرة المركز (دمشق)، وهو ما تتضمنه عناوين «اللاورقة» الصادرة في كانون الثاني (يناير) 2018، والتي تحدثت عن عملية التغيير في شكل نظام الحكم في سورية ومضمونه، للضغط باتجاه انفراجات سياسية لتمرير كامل مشروع إعادة الإعمار في كل سورية، وهو ما تعمل عليه روسيا الآن مع شركاء المجموعة الرباعية في تركيا، أي أن دوائر الضغط على دمشق للتخلي عن إيران كشرط لعملية التسوية السياسية، لم تعد فقط من جهة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وإنما أصبحت روسيا تشكل مركزاً محورياً فيها، من خلال شراكاتها المأمولة مع فرنسا وألمانيا بدءاً من الشمال وصولاً إلى دمشق.

إن ضبط إيقاع التغيير الدستوري مع بدء انفراجات تمويل إعادة الإعمار في سورية، على رغم أنه يقلص طموحات السوريين، ويجعلها تمر من قناة ضيقة ومحدودة، إلا أنه يؤكد أن كل الأطراف المتنازعة في سورية بدأت ترفع راية التسليم بضرورة التغيير في الأدوات والأسلوب لحصد النتائج على قلة أرباحها، وتقنين الخسائر التي طاولت الجميع على اتساع رقعة المتدخلين في حرب السنوات الطويلة.

==========================

دي ميستورا يذكّرنا بالكونت برنادوت

مأمون كيوان

الحياة

الاحد 28/10/2018

تعاني المنطقة العربية من طائفة من الأزمات والصراعات الداخلية والبينية، ما جعلها تستحوذ على ما تقدر نسبته بـ24 في المئة من الصراعات في العالم. بالتالي استدعت تدخلات خارجية ووساطات دولية تزعمتها الأمم المتحدة عبر ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة.

ومن بين حوالى 115 مبعوثاً أممياً خاصاً موزعين على مختلف القارات والمناطق الجغرافية الساخنة في العالم، وفي ثلاث أزمات عربية فقط شارك 16 مبعوثاً أممياً حمل بعضهم جنسيات عربية.

فقد تعاقب ممثلون خاصون عدة للأمين العام للأمم المتحدة على رئاسة بعثة المنظمة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) منهم: الديبلوماسي السويسري جوهانس مانس، والديبلوماسي الباكستاني صاحب زاده يعقوب خان، وجيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق.

ومع بداية الأزمة اليمنية عام 2011، أرسلت الأمم المتحدة المبعوث الأممي جمال بن عمر الذي خلفه في مطلع عام 2015، إسماعيل ولد الشيخ أحمد وأخيراً البريطاني مارتن غريفيث.

وفي ليبيا تعاقب خمسة مبعوثين منذ بداية أزمتها في 2011 ، وهم عبد الإله الخطيب، إيان مارتن، طارق متري، وبرناردينو ليون وغسان سلامة.

ويعد ستيفان دي ميستورا، المبعوث الدولي الثالث إلى سورية، فقد سبقه مبعوثان هما: الأخضر الإبراهيمي وكوفي أنان، حملا صفة المبعوث الدولي - العربي المشترك إلى سورية، والذي أعلن استقالته من مهمته في 2 آب (أغسطس) 2012، وألقى مسؤولية فشله على العسكرة المتزايدة على الأرض وانعدام الإجماع في مجلس الأمن حول موقف واحد من الأزمة.

وتمحورت مهمة الإبراهيمي السورية حول التحضير لانعقاد مؤتمر جنيف «الثاني» واستيضاح طبيعة «الأدوار الإيجابية التي يمكن الدول الإقليمية الفاعلة القيام بها، وحدود «التنازلات الممكنة» من جانب السوريين حكومة ومعارضة. فضلاً عن تداول واقعية فكرة الهدنة الشاملة أو الجزئية، وفكرة «الهيئة الانتقالية وصلاحيتها»، والتي وردت في وثيقة جنيف «الأول» في حزيران (يونيو) 2012.

ويُعد دي ميستورا، الذي سيترك منصبه في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، لأسباب شخصية»، إذ تزوّج حديثاً ويريد التفرغ لأسرته! ويحمل الجنسيتين السويدية والإيطالية، شخصية مثيرة للجدل رغم خبرته الديبلوماسية الكبيرة. فخلال عمله مبعوثاً إلى سورية، طيلة السنوات الأربع الماضية، لم يحظ برضا النظام ولا المعارضة في سورية، فضلاً عن تعرضه لانتقادات عدة من جانب روسيا. فقد دعا المعارضة السورية في أحد تصريحاته إلى الإقرار بهزيمتها في الحرب، والتوجه إلى بناء السلام على هذا الأساس.

كما اقترح خريطة طريق لتنفيذ «بيان جنيف» تدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، إضافة إلى تشكيل مجلس عسكري مشترك من النظام والمعارضة واتفاق الطرفين على «قائمة من 120 مسؤولاً لن يستلموا أي منصب رسمي خلال المرحلة الانتقالية، إضافة إلى إلغاء بعض الأجهزة الأمنية وصولاً إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في رعاية الأمم المتحدة. وحاول دي ميستورا تسوية النزاع السوري استناداً إلى تجربته في البوسنة والهرسك، أي محاكاة تجربة «الجيوب الآمنة» التي رعتها الأمم المتحدة هناك خلال الفترة من 1993 إلى 1995 مع فارق بسيط، أنه بالنسبة إلى المناطق التي اقترح دي ميستورا إيجادها في سوريا، فلا تديرها الأمم المتحدة بل السكان المحليون أنفسهم.

ويبدو مفيداً مقارنة حصاد مهمة دي ميستورا في سورية بمهمة سلفه ومواطنه السويدي الكونت فولك برنادوت في فلسطين الذي عينته الأمم المتحدة وسيطاً لها لحل قضية فلسطين في 20 أيار (مايو) عام 1948، حيث استطاع تحقيق الهدنة الأولى في فلسطين في 11-6-1948 ثم بدأ ينفذ المهمة التي أوكلتها إليه الأمم المتحدة.‏ وتمكن من الدعوة إلى مفاوضات أجريت في جزيرة (رودس) في نهاية عام 1948 وتوصل إلى مجموعة من المقترحات حول مستقبل الوضع في فلسطين. وأعد مشروعاً جوهره «أن تتخذ الأمم المتحدة كل ما من شأنه إيقاف الأعمال العدوانية في فلسطين. والتعهد بضمانات فعالة لإزالة مخاوف العرب واليهود كل من الآخر بخاصة في ما يتعلق بالحرية والحقوق الإنسانية».‏

وقد رفض مشروع برنادوت من جميع الأطراف الفلسطينية والعربية والصهيونية, غير أن الرفض الصهيوني كان أعنف فقد قامت عصابة (شتيرن) باغتيال برنادوت في وضح النهار يوم 17/9/1948.‏

ويبدو من طريقة عمل مبعوثي الأمم المتحدة والنتائج التي توصلوا إليها في مناطق النزاع العربية، أنهم لا يعملون على حل الصراعات، وإنما على إدارتها، وأحياناً زيادتها ســــخونة وتوتراً، من خلال الانحياز إلى أحد طرفي النزاع بدلًا من وضع حــــلول عملية تساعد في الخروج من تلك الأزمات.

ولعل السبب الرئيسي في فشل مبعوثي الأمم المتحدة في مهماتهم يتمثل في تجاهل غالبيتهم جذور الأزمات والصراعات وأسبابها. إجمالاً، تبدو الأمم المتحدة غير فعّالة على صعيد حل النزاعات العالمية والأزمات الكبيرة كالأزمة السورية، كما أن نجاحاتها كانت قليلة ومتباعدة. ومعظم الوساطات من أجل السلام أنجزتها أطراف أخرى، كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ومما لا شك فيه أن الخطوة الأولى نحو تفعيل الدور السياسي للأمم المتحدة تتمثل في أن تكون تجسيداً لفكرة قوة الحق التي آن أوان تأكيد صدقيتها من خلال إلغاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتع به الدول الكبرى، حيث يسيء بعضها استخدامه وفقاً لمصالحه أو مناكفة للبعض الآخر الذي يرد باستخدام قوته العسكرية، ما يعمق الأزمات الدولية والإقليمية، ويحول المبعوثين الدوليين، في بعض الأحيان، من رسل سلام إلى سعاة بريد أو شهود زور في أسوأ الحالات.

* كاتب سوري.

==========================

موقفنا : في الإرهابين الكبير والأكبر

زهير سالم

٢٤/١٠/٢٠١٨

مركز الشرق العربي

لأمر ما لم تتفق المراجع والهيئات الدولية على تعريف محدد للإرهاب .

وليس السبب كما يزعم البعض غموض المفهوم أو تشابكه أو كون التعبير عنه قد استعصى على لغة آدم الذي تعلم منذ خلق تسمية الأشياء والأفكار والمفاهيم والتعبير عن المشاعر في أرقى صور التعبير .

كانت قضية الشعب السوري منذ أول يوم واضحة بسيطة مباشرة بل هي من أبسط معادلات الدرجة الأولى : شعب يريد ككل شعوب الأرض أن يمارس حقه في قراره وفِي اختيار حاكمه . المرجعيات الدولية التي حرمت ، حسب مواثيق حقوق الإنسان ، أن يغتصب الزوج زوجته في فراش الزوجية ؛ لم تجد في اغتصاب حاكم فرد متسلط لإرادة شعب جريمة ، وظلوا يرددون الوضع في سورية معقد ، ولا بد من حل سياسي ، ولا بد من تسوية بين المغتصِب والمغتَصب ليس في فراش الزوجية أقصد، فتلك الجريمة مبتوتة محسومة ؛ وإنما حيث وثق القيصر بخمسة وخمسين ألف وثيقة كيف تقع جريمة اغتصاب إرادة شعب على أجساد بشرية عاثرة لم يرق واحد منها لأن يعترف به كإنسان .

وكذا فإن تعريف الإرهاب ليس معقدا كما يزعمون ، والغرض من بقاء المفهوم العام للكلمة في الفضاء الهلامي الرجراج ان يمتلك المسيطرون ومنهم كثير من الإرهابيين الحقَ في التلاعب بالمفهوم وتفصيل التهمة بطريقة مرنة على كل من يخالفهم أو لا يسير في ركب أهوائهم ومصالحهم .

ولنبدأ الحديث بإطلاق القول في إدانة الإرهاب بكل صوره وأشكاله ومعانيه ومنطلقاته وآفاقه وتجلياته وتجسداته وأدواته وبإدانة المخططين والمبرمجين والمنفذين والداعمين والمستثمرين والمختبئين خلف أكمته التي يختبئ وراءها اليوم الذين يريدون تدمير كل خيّر وجميل ونبيل أبدعته حضارة الإنسان .

والإرهاب الذي يجب أن يرفض ويستنكر ويدان ويتعاون الجميع على الإحاطة به ، والأخذ على يد مسيسيه وداعميه هو الفتنة التي ما شرعت حضارةُ الإسلام القتالَ إلا لنفيها عن حياة الناس . وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة .

الإرهاب هو كل فعل يتكئ على القوة بأشكالها المادية والمعنوية لإكراه الناس الأفراد والجماعات والمجتمعات - خارج إطار القانون المنبثق عنهم المعبر عن إرادتهم - على اعتقاد أو سلوك أو موقف .

الإرهاب هو الإكراه في الإطار الذي نتحدث عنه والذي سبق للقرآن الكريم ان أطلق التحذير منه حتى في الدعوة إلى دين الله

 " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين "

وإنه لإرهاب كبير منكر ومستنكر أن ينشر فرد أو مجموعة أفراد أشرعة الإكراه ليفرضوا على الناس عقائد وأفكارا وأنماط سلوك ومواقف خارج إطار القانون المعبر عن إرادة هؤلاء الناس الجمعية المسبقة.

ولكن هذا الإرهاب الكبير سيكون أكبر عندما  يستخدم  من يتولى حماية إرادة الناس وصونها مهمة العدوان عليها ، ومهمة إكراه الناس وفتنتهم عن عقولهم بالقمع والتخويف وعن قلوبهم بالتضليل والتزوير . الإرهاب الأكبر من الكبير ذلك الذي تمارسه السلطة المنظمة المدعيّة المستأثرة باسم الحق وباسم الخير فتعطي بذلك الشرعية المنقوضة  لممارسي الإرهاب الكبير ، أقرت بذلك أو لم تقر . وإذا كان للإرهاب الكبير من منابع في حياة الناس وفي أفكارهم ومعتقداتهم ومشاعرهم وأدواتهم فإن هذه المنابع من تلال الإرهاب الكبير تبدأ ؛ الإرهاب الذي يملك المدرسة والجامع والجامعة، ويملك الفضاء والأفق والعطاء والمنع ويملك الزنزانة والقنصلية والسوط والساطور والمنشار .

الإرهاب الأكبر هو إرهاب السلطة التي تلقب أحيانا زورا وبهتانا بالدولة ، وإرهاب القوانين التي لا تنبثق عن إرادة من تحكمهم ، ولا تعبر عن رؤاهم وتطلعاتهم .

هو إرهاب من يظلون يقرنون بين دم إنسان مظلوم وبين صفقة يسيل لها لعابهم . أو إرهاب من يطلق على الإرهابي حيوانا في أول النهار ثم لعله يعانقه في آخره .

ــــــــــــ

*مدير مركز الشرق العربي

=============================

جريمة ستنتقم من مرتكبها

ميشيل كيلو

العربي الجديد

السبت 27/10/2018

يستحق الصحافي والكاتب، الصديق جمال خاشقجي، ما أثير بشأن جريمة قتله من ردود فعل عاصفة غطت العالم بأسره، عدا روسيا بوتين، بعد الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، وتركّزت على المطالبة بإنزال أشد العقاب بمن أمروا بتصفيته كاتبا ومثقفا وصاحب موقف، ومن سهلوا الجريمة على الصعيد الدولي، كما بالقتلة المنفذين الذين كانوا يتضاحكون وهم يرتكبون واحدةً من أفظع جرائم العصر والتاريخ الحديث، ضد كاتب وصحافي أعلن مرّات عديدة دعمه مشروع إصلاح من سمّاه دوما "سمو ولي العهد"، وانتقد مرارا جماعة الإخوان المسلمين التي يحاول بعض منافقي الإعلام السعودي اتهامه بالانتماء إليها، لمجرد أنه كان يطالب، كما نطالب ويطالب معظم مثقفي العرب، بحق الإسلام السياسي في المشاركة في الحياة العامة، ضمن ضوابط القانون وسيادة الدولة.

لا أنتقص من فظاعة قتل جمال إذا ما لفتّ الأنظار إلى سلبية العالم حيال جريمةٍ لا تقل فظاعة، هي إبادة شعب سورية، وطالبت بموقفٍ من قاتله بشار الأسد الذي تتوفر أدلة دولية موثقة على ارتكابه جريمة قتل السوريين من دون تمييز، بدعم من الصامت الأكبر عن قتل جمال، فلاديمير بوتين، على أن يوازي موقفه في وضوحه وحسمه الموقف من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان الذي يحمل مسؤولية سياسية عن قتل جمال، مع تحفّظي الشديد على من يركّزون على قتل الشعب ليقللوا من فظاعة قتل فرد، هو في حالة جمال اسم نوع للإنسان، لا تصح فيه المقارنة الكمية، لأن من يقتل إنسانا فردا بالطريقة التي قتل بها يكون قد وضع قدمه على طريق قتل شعبٍ بكامله، كما فعل الأسد الأب الذي بدأ بقتل أفراد، قبل أن ينتقل، هو وابنه، إلى قتل شعب بكامله من دون تمييز.

ليس قتل جمال ولن يبقى حدثا محليا. وتفيد التقديرات بأن نتائجه ستتخطى هذا أو ذاك من حكام السعودية ومسؤوليها إلى مسؤولي وحكام دول بعيدة، ربما كان ترامب منهم، وإنها إن لم تُزحهم عن كراسيهم أضعفتهم وهمّشت صلاحياتهم وأدوارهم، وستتحدّى نمط الحكم السلطاني الذي أثبت، وهو يعد الشعب بالإصلاح، أنه أحوج ما يكون هو نفسه إلى إصلاح "أكبر من ثورة"، كما كان يقول عن حالاتٍ كهذه أستاذ جيلنا إلياس مرقص، وأن التلاعب بمبدأ الإصلاح سيطيح من يستخدمه لتبرير بطشه بمواطنيه، وقتلهم وتقطيع جثامينهم، وقد يفجر ثورةً مثلما حدث في سورية، عندما تلاعب بشار الأسد بولدنةٍ وسخفٍ بوعد الإصلاح، وأراد به تخدير الشعب، فأيقظه من سباته، ودفعه إلى الثورة عليه، ونقل رفضه له إلى نظامه، في ظروفٍ حملت بحق اسم "الربيع العربي" الذي يظن الحكام أن زوبعته قد انتهت، على الرغم من أنها تنتقل من بلد إلى آخر، ولا يستبعد إطلاقا أن يعصف اغتيال جمال خاشقجي فصاعدا بالمملكة، في حال أساء ولي عهدها قراءة النتائج المزلزلة لما فعله رجاله، وما ترتب من ردود فعل دولية على الجريمة التي لن تطوى بمجرد إنكاره التورّط فيها.

ليس، ولن يكون اغتيال جمال خاشقجي، حدثا عاديا، بل هو حدثٌ كاشف يفضح حقيقة الواقع الذي أنتجه، والأشخاص الذين يقفون وراءه، ويمهّد عاجلا أم آجلا للزلزال الذي سيطيحهم، مثلما جرى في فتراتٍ متنوعةٍ من التاريخ الحديث والمعاصر.

قتل مجرمون سياسيون وجنائيون رجلا تليق به الحياة، لن يكون في وسعهم تجنب ردود فعل مقتله على نظامهم وأشخاصهم، بثمنها الذي سيكون أكبر من أي شيء قد يكون خطر ببالهم، وهم يقرّرون ارتكابها.

==========================

"كفّارة" دي ميستورا والبيان رقم واحد

يحيى العريضي

العربي الجديد

السبت 27/10/2018

قُل عن المبعوث الأممي إلى سورية المستقيل، ستيفان دي ميستورا، ما تشاء، إلا أنه إذا كان للقط سبع أرواح، فلدى دي ميستورا ثمان؛ استهلك منها اثنتين كل عام في سنواته الأربع مع القضية السورية. لم يبقَ سوريٌ إلا وشتمه، أكان على ضفة المعارضة أم في دهاليز الموالاة. سبق دي ميستورا مبعوثان: كوفي عنان الذي شدّه عنانه الأخلاقي، فانصرف باكراً، كي لا يشوّه سيرة عمر مستقيم؛ والأخضر الإبراهيمي الذي أراد أن يكون دربه "أخضر" كاسمه. إلا أنه لا بد من تذكّر موقف الشعب السوري الصادق مع بلد المليون شهيد، الجزائر، وكم يتعرّض هذا الشعب للظلم من الطغيان، فاعتذر للسوريين وغادر. ثالث مبعوثي الأمم المتحدة للقضية السورية ستيفان دي ميستورا الذي ربما لعب على دبلوماسية الاستتار أربعا عجافا من التاريخ السوري، فنال شتيمة الفريقين اللذين كلّف بالتوسط بينهما وبتيسير تطبيق القرارات الدولية الخاصة ببلدهم.

بقدر انقسام السوريين، انقسمت الآراء بشأن الرجل؛ رأى بعضهم فيه ألعوبة بيد الروس أو إيران أو النظام؛ وآخرون حسبوه على المكر الغربي. على الرغم من القدرات الدبلوماسية الجبارة التي يمتلكها دي ميستورا، وعلى الرغم من البهلوانيات التي يتقنها، وعلى الرغم من الخبرات النادرة لفريقه الداعم؛ فشل الرجل في تتويج سيرة نصف قرن من التألق الدبلوماسي بنجاح في مهمةٍ لا أنبل ولا أشرف: إعادة سورية إلى سكة السلام والأمان. نعم، فشل الرجل في مهمته؛ ولكن هل فشله نتيجة فعل يديه، أم بفعل (وبنية) المنظمة الدولية التي أوكلت إليه هذه المهمة، أم بسبب ندرة القضية السورية وتعقيداتها؟ تساهم الأسباب الثلاثة أعلاه، كل بنسبةٍ تتفاوت عن الأخرى، في فشل الرجل بإنجاز المهمة. إذا كانت العوامل الذاتية هي التي جعلت فترة انخراط من سبقه في القضية قصيرة؛ فإن أسباباً ذاتية تتعلق بشخص دي ميستورا ربما أطالت فترته.

أدرك الرجل بلا شك أن القضية التي دخل فيها قد تم تدويلها؛ وأن إيقاع عمله سيسير حسب

"أدرك أن القضية التي دخل فيها تم تدويلها وأن إيقاع عمله سيسير حسب التوافق أو التنافر الدولي" التوافق أو التنافر الدولي. جرّب الرجل حظه مع ذلك الإيقاع، وتماهى معه؛ ومن هنا طالت فترته، وطالت عذابات السوريين ونزفهم. وبناءً عليه، رأى فيه السوريون ألعوبة أو عميلاً أو خبيثاً.

يرث دي ميستورا بيان جنيف الصادر عام 2012، ويقرأ فيه فشل سلفه الأخضر الإبراهيمي في تيسير تطبيقه؛ فـ "هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات" تعني اقتلاع منظومة الأسد؛ والاقتلاع لا يتم عبر الدبلوماسية (التي يتقنها) في ظل تنابذ القوى؛ ولا أحد يأتي إلى مفاوضاتٍ ليوقع صكّاً يتم بموجبه اقتلاعه. حدث الاستعصاء، فجاء قرار مجلس الأمن 2254 أقل حدّية، وكأنه حليب منزوع الدسم. أتى القرار مع استشعار روسيا ثقلها إثر تدخلها العسكري في سورية. وهنا سعت إلى إفراغ القرار من مضمونه، الأمر الذي يجعل ذراع دي ميستورا تدور في فراغ جنيف مرفقة بغصّات وعثرات تجعل عمله بلا قيمة، فوقف إطلاق النار الذي ينص عليه القرار تم ترحيله إلى "أستانة". حتى إجراءات بناء الثقة المتمثلة بإطلاق سراح المعتقلين ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة وإيصال الإغاثة إليها الملحوظة في المواد 12-13-14 من القرار الدولي قد تم ترحيلها إلى "أستانة" أيضاً. وما كان من دي ميستورا إلا أن يلحقها إلى هناك، لا أن يتمترس عند تنفيذها مواد أو إجراءات فوق تفاوضية.

مساعي روسيا في إفراغ قرار مجلس الأمن الدولي 2254 من مضمونه، وإحداث العراقيل أمام مسار جنيف، حيث ملعب دي ميستورا، أمران طاولا المعارضة و"ضرورة توحيدها"؛ فانشغل الرجل بالموضوع فترة لا بأس بها، ورضي على نفسه إزاحة التركيز على الجوهر الأساس للقرار الدولي "الانتقال" أو "التغيير" السياسي في سورية. في المساعي الروسية أيضا، وفي مساعي دي ميستورا لإشغال نفسه والمعارضة في الغوص بالمهمة المكلف بها، وفي ظل رفض النظام أي انخراطٍ في أي عملية سياسية إلا إعلامياً ومظاهرياً، وفي ظل التلكؤ الروسي في الضغط على النظام للانخراط واستمرارهما بالقضم الجغرافي عبر أستانة؛ أمعن الروس في إحداث التهتك بالقرار الدولي وتفسيخه إلى سلل؛ وتماهى دي ميستورا مع هذا التوجه. تتالت جولات جنيف؛ وكانت نقطة العلام الفاضحة للنظام ولروسيا الجولة الثامنة التي سحبت ذريعة وجود معارضات وحجته، حيث جاءت المعارضة بوفد واحد. وهنا استشعر الروس الخطر؛ فقفزوا إلى سوتشي، فقفز دي ميستورا معهم. كان ثمن قفزته حيازة الأمم المتحدة على صلاحية تشكيل الثلث الثالث المحايد في اللجنة الدستورية (السلة الثانية) من القرار 2254، والإشراف على عمل اللجنة بتلقي قائمتي المعارضة والنظام.

مرت عشرة أشهر على ما اعتبره دي ميستورا بؤرة ضوء في نفق مهمته المظلم: تشكيل عمل اللجنة الدستورية وإطلاقه، خلالها كانت مليشيات إيران وطائرات روسيا قد جاءت على كل

"ورث دي ميستورا بيان جنيف الصادر عام 2012، وقرأ فيه فشل سلفه الأخضر الإبراهيمي في تيسير تطبيقه"  مناطق "خفض التصعيد" الأستانية. كانت الصدمة في إدلب: ما يزيد على ثلاثة ملايين مدني سوري؛ صرخة عالمية، تركيا صامدة، عشرات آلاف المقاتلين الجاهزين للدفاع عن آخر مناطق خفض التصعيد؛ واستعداد للتعامل مع "هيئة تحرير الشام". وفوق ذلك كله، تبلور سياسة أميركية جديدة تجاه المسألة السورية تتقدم بثقلها، وتقول للروس الذين استفردوا بالملف السوري: ها نحن هنا. حدث التفاهم التركي- الروسي؛ وعاد الالتفات إلى العملية السياسية، وتحديداً "اللجنة الدستورية"، اختصاص دي ميستورا الجديد. يقدّم الرجل قائمته، فيكون الرفض. يقدم إحاطته لمجلس الأمن في السابع عشر من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، ويمهرها بنيته بالرحيل؛ ولكن من دون تسمية الأمور بمسمياتها، ومن دون تحديد مَن وما وراء هذا الفشل؛ أي من دون اعتراف صادق يخفف من ختام عمر فاشلٍ، كان ثمنه دماً سورياً وضياع وطن. يبقى أن يفعل دي ميستورا ذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني عندما يقدم إحاطته الأخيرة. فهل ستكون "الكفارة" التي تخفف قليلاً عن روح دي ميستورا التي تهتكت بأيدٍ كثيرة، بما فيها يده؟

==========================

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com