العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04-09-2016


نشرنا لأي مقال أو بحث أو بيان لا يعني بالضرورة موافقتنا على ما فيه

الموقع مختص بخدمة قضايا الحرية وحقوق الانسان في سورية فقط

 

أميركا تحدّد شريكيها في سورية والعراق .. حسان حيدر

الحياة

الخميس 1-9-2016

يشكل حديث نائب الرئيس الأميركي جو بايدن عن رؤيته إلى الاستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة في مواجهة تحديات السياسة الخارجية، أفضل تفسير حتى الآن لمحدودية دور بلاده في سورية، وأوضح شرح للأسباب الكامنة وراء ما يراه كثيرون تخلياً من جانبها عن «الخطوط الحمر»، ونكوصاً عن دعم التغيير، و»تفويضاً» لروسيا وقوى أخرى بترتيب «البيت السوري»، مع الحفاظ على الحد المقبول من المصالح الأميركية.

لخص بايدن «عقيدته» في حديث نشرته مجلة «أتلانتيك» قبل أيام على النحو التالي: استخدام القوة العسكرية يجب أن يستند أولاً إلى ما هو مصلحة قومية استراتيجية، وأن نستطيع الحفاظ على زخم هذا الجهد والتأكد من أنه سيأتي بنتائج، وأن نعرف ثانياً ما هي الخطوات التالية بعد التدخل.

وكان أوباما تحدث إلى المجلة نفسها قبل أشهر عن أهم إنجاز له في ولايتيه الرئاسيتين، وكيف أنه لم يلتزم «كتاب التعليمات» للسياسة الخارجية الأميركية الذي يحدد متى وكيف ترد واشنطن على التحديات الخارجية، مبرراً امتناعه عن ضرب نظام بشار الأسد بعد استخدامه السلاح الكيماوي.

وكرر بايدن ما بات معروفاً من أن سورية لا تشكل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة، لأنها دولة لا تمتلك موارد مغرية، ولم تعد طرفاً في المحور الضامن للاستقرار في الشرق الأوسط، والذي كان يضم أيضاً السعودية ومصر، بعدما دخلت المنطقة في حرب محاور وانضوت سورية في المحور الإيراني.

ويضيف نائب الرئيس الأميركي: «لو أرسلنا 200 ألف جندي أميركي إلى سورية، وربما ندخل حينها في حرب مع روسيا، سيكون باستطاعتنا السيطرة على الوضع وتهدئته. لكن ما أن نغادر حتى تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه»، مشيراً إلى مثال أفغانستان المهددة بعودة حكم «طالبان» في حال أنهت القوات الأميركية والأطلسية وجودها.

وتعتبر إدارة أوباما أن الإرهاب لا يشكل تهديداً وجودياً للولايات المتحدة، على رغم قدرته على إلحاق الأذى من قتل وتدمير، مع تأكيد أن مساهمتها في الحرب على «داعش» وباقي التنظيمات الإرهابية تستهدف استباق الاعتداءات الإرهابية في أوروبا وأميركا نفسها. وقال بايدن إن التهديد الوجودي الفعلي هو التهديد النووي، كأن يندلع نزاع نووي غير مخطط له، مع روسيا أو الصين وكوريا الشمالية أو مع باكستان.

ولأن المعطيات السورية لا تلبي شروط التدخل الأميركي الواسع، تحدث بايدن عن «إعادة التوازن» مع روسيا، وتعديل الوضع الذي ورثته الإدارة الديموقراطية من جورج بوش وكانت فيه الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم بلا منازع، وإلى الانخراط مع قوى دولية أخرى، لأن الموقف الأميركي من مشكلات العالم تغير، وبات من الحيوي تعزيز التحالفات وبناء ترتيبات جديدة تقوم على تشارك المسؤوليات والمعلومات.

وهذا تماماً ما فعله الأميركيون عندما فاتحوا الروس بضرورة تعزيز دورهم في سورية والانتقال من مجرد مدافع عن نظام الأسد ومزود له بالسلاح، إلى لاعب أساسي في المفاوضات ورسم مستقبل سورية ومحاربة الإرهاب. أي أنهم عرضوا عليهم مشاركتهم في تحمل مسؤولية حل الأزمة السورية، بغض النظر عن كيفية تفسير موسكو لهذه الدعوة، وكيف تصرفت لاحقاً بناء على هذا التفسير.

وهكذا صار للأميركيين شريك رئيسي في سورية، بعدما تقاسموا مع إيران النفوذ في العراق وأشركوها في وضع أسس التسوية السياسية في هذا البلد تمهيداً لانسحابهم العسكري منه. وجاءت دعوتهم إلى دور روسي أكبر في سورية بهدف القضم من الدور الإيراني هناك وإقناع الإيرانيين بالاكتفاء بالملعب العراقي، علماً أنهم حالوا حتى الآن دون أي دور روسي في العراق على رغم إلحاح موسكو.

أما باقي الشركاء في البلدين، مثل الأكراد والعرب والأتراك، فلا يؤدون بالنسبة إلى الأميركيين سوى أدوار ثانوية، والعلاقة بهم تتوقف على مدى خدمتهم التقاسم الذي تحدده واشنطن، ورهن التطورات على الأرض، لكن من دون مسار ثابت.

========================

واشنطن والاحتواء المزدوج لتركيا والكرد في سوريا .. بكر صدقي

القدس العربي

الخميس 1-9-2016

دخلت تركيا جرابلس وهي في أضعف حالاتها، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً. فهي قد خرجت للتو من المحاولة الانقلابية الفاشلة، 15 تموز 2016، التي ما زالت تداعياتها متواصلة؛ وما زالت الحرب مستمرة بين الجيش التركي وقوات حزب العمال الكردستاني، في جنوب شرق الأناضول، منذ أكثر من عام؛ وتستمر حرب التصفيات ضد جماعة فتح الله غولن في جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية (اضطرت هذه المؤسسة إلى التعاقد مع طيارين مدنيين لقيادة الطائرات العسكرية، بسبب شمول التصفيات لعدد كبير من الطيارين الحربيين)؛ والاستقطاب الاجتماعي في أسوأ حالاته بين مؤيدي الحكم ومعارضيه، مع نبذ صريح للكرد من الاجتماع الوطني، من خلال تشكيل ما يمكن أن يسمى بـ»جبهة قومية» تضم الإسلاميين والعلمانيين والقوميين المتشددين، في مواجهة الممثل السياسي للكرد، حزب الشعوب الديمقراطي. أضف إلى ذلك الإرهاب الأعمى الذي تحول، مؤخراً، إلى تهديد يومي في المدن التركية.

وليست حال تركيا، في علاقاتها الخارجية، بأحسن من حال وضعها الداخلي المتوتر. صحيح أنها بدأت تخرج من عزلتها من خلال مبادرات دبلوماسية تجاه روسيا وإسرائيل وإيران ومصر، لكنها جميعاً مبادرات من موقع الضعف، تكثفت معانيها في عملية جرابلس.

في الظاهر أن هذه العملية أعادت إدخال اللاعب التركي إلى الصراع السوري، وما قد يعنيه ذلك من أن تصبح أنقرة صاحبة كلمة في مصير سوريا، لكن الأصح من ذلك هو أن العملية ما كانت ممكنة لولا التأييد الأمريكي والموافقة الروسية (والإيرانية). حتى نظام بشار الكيماوي أخذ علماً بالعملية من خلال الروس والإيرانيين، على ما أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم. وما جعجعة النظام بشأن «السيادة الوطنية» المزعومة أو «قلق» موسكو مما يحدث في الشمال، إلا من لوازم النصب المكشوف.

عملية عسكرية محددة بضوابط دقيقة و»موافقات أمنية» كاملة من جميع القوى الفاعلة في الصراع السوري، لا يمكن مقارنتها أبداً بفرض أمر واقع جديد على الأطراف الأخرى، على ما كانت تركيا نفسها تفعل طوال السنوات الماضية، قبل التدخل العسكري الروسي. والمثال الأقرب على عمليات فرض أمر واقع جديد أو تغيير مهم في موازين القوى، هو مثال معركة فك الحصار عن حلب، التي نسب الفضل في نجاحها إلى دعم تركي مفترض، لكن ذلك لم يتأكد إلى الآن. بل إنه من المنطق استبعاد هذه الفرضية، بالنظر إلى أن تركيا كانت غارقة إلى أذنيها في ذيول الانقلاب العسكري الفاشل، لحظة بدء معركة فك الحصار عن حلب، خاصة وأن التصفيات طالت بعضاً من المسؤولين عن الملف السوري.

من يراقب الحماسة الأمريكية في دعم التوغل العسكري التركي عبر الحدود السورية، بعد فتور العلاقات بين البلدين طوال سنوات مضت، لا بد أن يتساءل عما إذا كانت واشنطن مبتهجة لعودة الدفء إلى العلاقات الروسية ـ التركية؟ وكأن إدارة أوباما كانت بانتظار هذه «النهاية السعيدة» لأزمة السوخوي لتستعيد الرضى بحليفها التركي. الواقع أن رضى واشنطن المستجد على أنقرة يتعلق، أساساً، بالانعطافة التركية في سياستها السورية، وهي انعطافة قرَّبتها إلى المنظور الروسي لهذه المسألة، ولا نعرف بعد إلى أي مدى سيكون هذا التقارب. أضف إلى ذلك تطبيع العلاقات التركية ـ الإسرائيلية الذي لا يمكن إنكار أثره على الرضى الأمريكي المستجد على تركيا. وقد تجلى ذلك الرضى في زيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى أنقرة، في اليوم نفسه الذي بدأت فيه عملية درع الفرات وتكللت بانسحاب قوات داعش من بلدة جرابلس، بعد ساعات على التدخل التركي. فمن أنقرة طلب جو بايدن من «قوات حماية الشعب» الكردية أن تنسحب إلى شرقي نهر الفرات، كما عبر عن «أسفه» لوجود الداعية الإسلامي فتح الله غولن على الأراضي الأمريكية. هذه لفتات دبلوماسية رقيقة من النوع الذي يتقنه الأمريكيون في ملاطفة «شركائهم».

السؤال الذي أخذ يتردد، بعد عملية درع الفرات، هو: هل باعت واشنطن الكرد؟

فبعد تضحيات جسيمة قدمتها القوات الكردية، في إطار «قوات سوريا الديمقراطية» في عملية منبج، ها هو الحليف الأمريكي يطالبهم بالانسحاب إلى شرقي الفرات، وكأنها أدت المهمة لمصلحة تركيا أو النظام الكيماوي (حسبما سترسو عليه الأمور وفقاً للتطورات اللاحقة) بلا حتى كلمة شكر.

الحقيقة أن الأمريكي لم يبع حليفه الكردي، بقدر ما أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو الذي أوهم نفسه بمكافآت لم تعده واشنطن بها، كإنشاء ممر بري، على طول الحدود التركية، يربط بين كوباني وعفرين، أو إقامة كيان فيدرالي يحكمه حزب الاتحاد الديمقراطي على كل الأراضي التي يستولي عليها في حربه ضد داعش. على العكس تماماً، كان الوعد الأمريكي للأتراك صريحاً ومعلناً قبل بدء معركة منبج، بأن القوات الكردية ستنسحب من منبج بعد تحريرها من داعش. وهذا ما جعل الحكومة التركية تلتزم الصمت إزاء تجاوز القوات الكردية إلى الضفة الغربية لنهر الفرات من أجل تحرير منبج. أما وقد تم الأمر، فقد وفى الأمريكي بوعده وأمر القوات الكردية بالانسحاب تحت تهديد قطع الدعم.

لكن الأمريكي، بالمقابل، طلب من تركيا عدم اجتياز خط النهر شرقاً، ووقف ضرباتها للقوات الكردية جنوباً. وهكذا استعادت واشنطن موقعها الممتاز في الإمساك بجميع الخيوط بين يديها، ليتراكض حلفاؤها الصغار ويتنافسوا فيما بينهم لإرضائها.

لفتت صحيفة نيويورك تايمز إلى المفارقة التالية: إن قوات الجيش الحر المدعومة من المخابرات المركزية الأمريكية، وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من وزارة الدفاع، تتواجهان في شمال سوريا بمناسبة معركة جرابلس.

يمكن سحب الكلام نفسه على حليفي واشنطن المتصارعين على الأرض السورية: تركيا أردوغان وكرد صالح مسلم.

٭ كاتب سوري

========================

رؤية : أين الخلل ..؟؟؟ أفي تحليلات المختبر أم في صورة ترسمها المرآة !؟ .. زهير سالم

مركز الشرق العربي

4/9/2016

أتذكر هذا العنوان الذي حاولت مجلة (الأمة) أن تعالج تحته خللا عاما في حياة الأمة ، وفي مسيرة دعاتها بشكل خاص ، منذ عقود . كان عمر المجلة مثل عمر الورد ، ومهما يكن من سبب ، فلم يكن من المقبول ، أن تتوقف المحاولة بتوقف المجلة أو بإيقافها وتوقيفها . وأبسط ما في هذه الذاكرة أن "الخلل " في مسيرة أصحاب المسيرة قديم . وأن الذين يمسكون الدفة في غالبهم : لا يحبون الناصحين .

وأعود إلى طرح السؤال : أين الخلل؟

 ويجيبني الذي يؤمن أنه ليس بالإمكان أفضل أو أبدع مما كان : أنت تفترض مسبقا وجزافا ، أن هناك خللا . و( نحن ) قد استفرغنا واستوفينا وأدينا . وإن كان من خلل فليس منا ولا علينا . ثم يهوّم الصاحب في ذكر الاستعمار والامبريالية والصفوية والدولي والإقليمي والآخرين ، ويعدد الانتصارات الصغيرة ، والإفحامات والاقتحامات المبهرة ، وكيف قالوا وكيف قلنا ، وكيف جاؤوا وكيف رحنا ، في مرصوفات الادعاء الزاهية التي تعودنا عليها وهادنها منذ عقود ؛ ولا أظننا نستطيع أن نفعل بعد أن بلغت الدماء الزبى ، وتجاوز سيلها الطبيين ..

أين الخلل ؟!

 ليكون الحكمُ ، فيما بين الناس بملايين شهدائهم وأشلائهم وأيتامهم وثواكلهم وأراملهم ومهجريهم والمدمر من عمرانهم ، والشتات من أمرهم وبين أصحاب هذه اللجاجات ، حكمَ واقع شاهد كل ما فيه ، على أن الخلل يتخللنا ماديا ومعنويا ، عقليا وسلوكيا ، ويجتاحنا عموديا ( من الراس إلى الساس ) ، وأفقيا على كل مربع من مربعات رقعة وجودنا ووجود محاربينا الأربعة والستين ..

إن الأول في معادلة البحث عن الخلل الإقرار بوجود الخلل . وما زالوا يجاحدون ..

إن الإقرار بوجود الخلل شرط ، كالوضوء للصلاة ، ولكننا كلما روادناهم أو قاربناهم ليقروا أبوا وداوروا وناوروا وتهرّبوا وتراخوا وسوّفوا وعلّقوا وزعموا ثم استرسلوا في سكرتهم يعمهون ، وعلى وجوههم يكبون ...

وإن الثاني في معادلة علاج الخلل الإيمان أن البحث عنه لمعالجته فرض ....

كفرضٍ شغل رسول الله عن صلاة العصر ، الصلاة الوسطى ، يوم الأحزاب . وآه كم في هذه الرواية من فقه ، شُغل عنه الناس في سياق الزمان . لم أقرأ لشارح مع كثرة الشارحين يتساءل عن مشروعية الانشغال وحده وحكمه ..؟!

وثالث ما في المعادلة أن ينقاد من يقتنع بالخلل إلى مختبر للتحليل ، وأن يقف أمام المرآة متجردا من نرجسية المرأة الفَتون .

 " الخلل " ، ليس القشة أو الجذع ،في أعين الآخرين ، فالحديث عن هذا والإدمان عليه والإكثار منه هو المهرب من المطلب المقصود والذي تعود عليه الكثيرون .

الخلل المطلوب البحث عنه ، هو ذاك الذي تعلن عنه تحاليل مختبر ، أو يرسمه سطح مرآة .

وبعض أصحاب الخلل في هذا الزمان يقدمون في المختبر نماذج مزورة – كما رياضي بوتين – للحصول على نتائج ترضيهم ، أو ترضي غرورهم وادعاءهم ، وتحافظ على هيئاتهم في أعين السذج أو المنافقين أو المجاملين ، الذين يدعمون في لحظة : أن واحد زائد واحد يساوي أربعة ، وإن سألتهم محققا ضحك منافقهم : يتزوجون وينجبون ....

 وتشهد المرآة حين يقبلون أن يقفوا أمامها بحق وصدق ، فشهادة المرآة حسية صارخة لا تخطئها عين . ومع ذلك يراوغون ....

علّم "جلال الدين الرومي " وأرشد :( إذا لم تعجبك الصورة فلا تكسر المرآة ). وتعودوا أن يلعنوا المرآة ، بل أن يكسروها احتجاجا عليها ، لأنهم يعتقدون جازمين أنهم أجمل من الصورة التي تعرضها عليهم .

وفن إضافي في المراوغة يتهم بعضهم المرآة بالصدأ والغبش، وإن كانت أكثر لمعانا من ترائب صاحبة امرئ القيس التي كانت ( ترائبها مصقولة كالسجنجل ) .

في الجاهلية كانت المرآة ، وفي الإسلام كان الحِب ( جرة الماء ) مقدمة للخروج على الناس . وفيه كان تقرير المصطفى صلى الله وسلم عليه : " المؤمن مرآة أخيه "ا وبعض الناس اليوم يعلن حربا حتى على المرآة .

ورغم كل ما تفيده شهادات المختبر ، وتقدمه صفحة المرآة من لون حائل، وشق مائل ، ولعاب سائل ...

يصدرون له شهادة : سالم مسلح !! ويسألني أين الخلل ...

لندن : 2 ذو الحجة 1437

4 / 9 / 2016

----------------

*مدير مركز الشرق العربي

===========================

داريا دخلت التاريخ .. يمان دابقي

العربي الجديد

الخميس 1-9-2016

الوطن ما يقطُنني وليس ما أقطُنه، هي داريا بربع مليون مدني وسبعمئة مقاتل كتبت تاريخاً خاصاً بها، وتحوّلت عبر مسيرتها من المدركات الحسية إلى المدركات العقلية، لتشكل رمزاً ومفهوماً وتصوّراً خالصاً، سيعجز كلّ الطغاة عن إزالتها بداخل كل سوري.

داريا الصامدة أربع سنوات بوجه نظام الأسد اتخذت في 26 من أغسطس/ آب 2016 قراراً حاسماً، دخلت بموجبه التاريخ مقابل تسليم الأرض للنظام باتفاق أفضى إلى إجلاء قرابة خمسة آلاف مدني إلى بلدات ريف دمشق و700 مقاتل إلى الشمال السوري، وبالتحديد إلى إدلب.

مشهدٌ أعاد إلى ذاكرة كلّ سوري حيّ سيناريوهات سابقة، كتسليم حمص القديمة قبل نحو عامين والقصير والزبداني واليوم داريا، ولكن لماذا؟ لماذا تكون هكذا الخاتمة؟ في أقسى أنواع الظلم والقهر والعذاب، حيث يترك سكان الأرض مدينتهم بدموع قهر الرجال وآهات الثكالى وغصة اليتامى وصيحة الأطفال وفراق للشهيد.

علينا أن نقرّ بالحقيقة، وإلا فلن يرحمنا التاريخ. داريا منذ 2011 كانت من أوائل من انتفض بوجه النظام، وشكلت رمزية بسلمية الثورة في أول مظاهرة سلمية كانت في 25 من مارس/ آذار2011، إنّها جمعة العزة، التزمت داريا حينها بشعار السلمية، وشكّلت نموذجاً للإدارة المدنية عبر مجلسها المحلي، والذي جسّد الديمقراطية من خلال خضوع المكتب العسكري فيها للسلطة السياسية، وهذا العمل هو ما ميّز داريا في سورية.

بسبب الوعي الثوري عند شبابها، وجميعنا لن ينسى غياث مطر حامل الورد، صاحب المبادرة الوردية، إذ كان يبادر عناصر الأمن بتقديم الورد، فقوبل بالمكافأة، باعتقال تعسفي من قبل شبيحة النظام في 6 سبتمر من العام نفسه، وقضى شهيداً تحت التعذيب. حال غياث فتح شهية النظام لحال نشطاء آخرين عديدن، وما كان اللجوء إلى خيار السلاح إلا بسبب إفراط النظام باستخدام سياسة الحصار التي فرضها في بداية 2012 على داريا، وعلى معظم بلدات الغوطتين الشرقية والغربية، واستوحش حينها بالقصف الممنهج بالبراميل المتفجرة، ليصل الأمر إلى ارتكاب أكبر مجزرة في أغسطس/ آب 2012 راح ضحيتها أكثر من 700 شخص.

لم يكتف النظام بهذا، بل استمر بالإجرام واتباع سياسة الأرض المحروقة، خصوصاً مع دخول سلاح الجو الروسي في سبتمبر/ أيلول 2015 واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً من فسفور ونابالم وعنقودي، ما أدى إلى استنزاف كبير للحاضنة الشعبية، وتردّ في الوضع المعيشي، ومع ذلك، لم تتزعزع عزيمة ثوّار داريا، بل زادت إصراراً في الصمود، وتحدي الواقع، حيث استمرّت المقاومة خمس سنوات مضت، متأملين من جيرانهم ثوار الجبهة الجنوبية، وجيش الإسلام وفيلق الرحمن وجيش الفسطاط في الغوطة الشرقية النهوض، وتلبية نداء الاستجارة والاستغاثة... لكن، هل انتهت هذه الآمال بالسقوط، وشكلت خيبة أمل كبيرة، ليس فقط على مستوى الفصائل، بل على مستوى العالم والمجتمع الدولي.

بدون استثناء، جميعنا خذل داريا، وكانت نتيجة الخذلان استغلال النظام هذه النتيجة، فأطبق الحصار عليها بشكل كامل في يونيو/ حزيزان الماضي، وفصل داريا عن جارتها المعضمية، بعقد الأخيرة هدنة مع النظام، وتقدّم بعدها بإسناد روسي وسيطر على المزارع المحيطة بها، ما يعني حرمان أهلها من السلّة الغذائية، وأصبح الوضع أكثر سوءً، وخرجت المدينة عن الحياة بعد استهداف المشفى الرئيسي بأسلحة النابالم المحرّمة دولياً، في منتصف أغسطس/ آب 2016، فكانت النتيجة التي وصلنا إليها، هي خروج مشرّف وعزة لأهالي داريا وثوارها، ووصمة عار على جبين كل الفصائل في سورية.

على الرغم من ذلك، تبقى العبرة التي يجب أن نستنتجها من مشهد داريا، أنّها كانت، وستبقى، أيقونة الثورة من خلال النماذج التي قدّمتها من وحدة الصف والابتعاد عن صراع ملوك الطوائف. لذا، غدت إلى الآن المثال الأول، وقد يكون الأخير في المحافظة على روح الثورة السلمية، ولأنّها أصرّت على ذلك تركت الأرض ودخلت التاريخ.

========================

أسطورة داريا .. ماجد كيالي

العرب

الثلاثاء 30/8/2016

ما كان أحد يتوقع صمود أهالي داريا، أو من تبقى منهم (حوالي خمسة أو ستة آلاف من أصل ربع مليون)، كل هذه المدة، أي طوال أربعة أعوام بأيامها ولياليها، في مواجهة ظروف قاسية وصعبة، وتحت طائلة القصف بالطائرات والمدفعية، مع إخضاعهم للحصار المشدد، إذ أن هذه المدينة الصغيرة التي تقع في الجنوب الغربي من دمشق، والقريبة إلى أهم المعاقل العسكرية للنظام (مطار المزة العسكري)، بقيت صامدة وصابرة وشامخة، رغم عزلتها وقلة إمكانياتها، أكثر مما هو منتظر منها.

لا تتوقّف أسطورة داريا على ما حقّقته في صمودها العسكري غير المسبوق، فحسب، وتسجيلها أروع صور الصمود والتضحيـة والتحـدي، رغـم البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية وقذائف الدبابات، ورغم سلاح التجويع، إذ أنها فوق ذلك كانت المدينة التي تفرّدت، تقريباً، بميزات كثيرة، ما جعل كثيرين يعرّفونها باعتبارها درّة الثورة السورية، والمثال الذي كان ينبغي أن يحتذى به، وهي تستحق ذلك عن جدارة.

ما ينبغي معرفته أن داريا هي من أولى المدن التي خرجت المظاهرات فيها، منذ بداية الثورة السورية (مارس 2011)، وأنها تمسّكت بالفعاليات السلمية إلى أقصى حد، وبمعاملاتها مع جنود النظام باعتبارهم إخوة في الوطن، بتقديم المياه والورود لهم، وقدم الشهيد غياث مطر ثمن ذلك من حياته، علما أن هذه المدينة لم تذهب نحو خيار الدفاع العسكري إلا بعد ارتكاب النظام مذبحة كبيرة فيها ذهب ضحيتها المئات (في العام 2012). أيضا، ومنذ البداية، تمسك ثوار داريا بخطاب الثورة وبمقاصدها الأساسية المتعلقة بالحرية والكرامة والديمقراطية وإنهاء الاستبداد، العلماني والديني، وقد ترجمت ذلك برفضها دخول “جبهة النصرة” وأخواتها، و“الغرباء”، وتجار السلاح والأدعياء إليها. وإضافة إلى كل ما تقدم فقد قدمت داريا نموذجاً في الإدارة الذاتية بانتخاب هيئة محلية، تخضع كل ما يجري لقراراتها، سواء على الصعيد المدني أو العسكري، وهذا ما ميّزها عن المناطق الأخرى التي أخفقت في إيجاد بدائل مناسبة للسلطة.

لعل هذا كله يفسّر إصرار النظام وحلفائه، طوال الفترة الماضية، على قتل داريا، فهو في الحقيقة أراد قتل روح الحرية والكرامة والصمود التي تبثّها هذه المدينة في سوريا كلها، وتالياً قتل الأسطورة التي تسطّرها، وقتل نموذجها النبيل الذي يدحض كل ادعاءاته، وذلك بانتهاجه سياسة التدمير الممنهج ضدها، لإبادتها بشراً وحجراً، بل وإزالة معالمها نهائيا.

كما يفسر ذلك أن التسوية التي تم عقدها لم تقتصر على انسحاب المقاتلين (حوالي 700 مقاتل)، فقط، منها، إذ أنها شملت خروج، والأصح إخراج، كل من تبقى فيها من مدنيين، أي أننا إزاء عملية تهجير (ترانسفير) إجباري، يتم تحت علم الأمم المتحدة، بحيث أن هذا يصبّ في إطار عملية التغيير الديمغرافي التي جرت في حمص وتجري في دمشق (بعد ما حصل ذلك في الزبداني ومخيـم اليرمـوك والتقدم والتضامن والحجـر الأسود والقصير ويبـرود)، لتحصيل ما يسمى بـ“سوريا المفيدة”.

في هذا الإطار لن ننسى، بالطبع، أن داريا قتلت أيضا عندما اهتم البعض من الأمراء العسكريين في المعارضة باستعراضات الألوية والكتائب واستغلال اسم الله لحرف الثورة عن مطلب الحرية والديمقراطية، والاشتغال بإزاحة النشطاء السلميين مثل؛ رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حماد ووائل حمادي (المختطفين في الغوطة الشرقية)، ناهيك عن انسحاب هذه الفصائل العسكرية المعارضة من القصير والنبك والضمير (حوالي دمشق)، وعدم القيام بأي عمل لنجدة مخيم اليرموك أو الزبداني، أي أن ما حصل في داريا كان تحصيل حاصل لكل ذلك.

من جانب آخر، ربما من المفيـد ملاحظة أن ما جرى في داريا يأتي في إطار التموضع الجديد للقـوى الدوليـة والإقليميـة المتصـارعة على سوريا، في ضوء التفاهم الأميركي – الروسي، وبالتزامن مع تحجيم الدور الإيراني، والدخول التـركي على الشمال السوري، من بوابة جرابلس، وفق تفاهمات تركية ـ أميركية ـ روسية.

والفكرة هنا أن النظام بعد خسارته في الشمال السوري، إثر التطورات الحاصلة بنتيجة الدخول التـركي على الخـط، وانحسار الدور الإيراني، يحاول إحراز مكاسب بديلة في دمشق وما حولها لتعزيز وضعه، ووضع حليفه الإيراني، والمعنى من ذلك أن ما جرى في داريا ربما يكون بمثابة بداية للهجوم على معاقل المعارضة في محيط العاصمة، ولا أحد يعرف مدى استعداد المعارضة العسكرية لمواجهة مثل هذا التطور، وهي التي تركت داريا أمام مصيرها دون أن تفعل شيئاً.

داريا هي قصة للبطولة والمأساة، وهي تختصر حكاية السوريين، والمدن السورية، التي تم تدميرها بالبراميل المتفجرة، والتي تمت استباحتها من قبل الطيران الروسي والميليشيات المذهبية الموالية لإيران، والتي يراد تغيير خريطتها الديمغرافية. وبحسب تعبير لمراسل “فرانس برس”، سجل هذه اللحظة، ثمة “قهر كبير بين السكان…ذهبت الأمهات بالأمس إلى المقابر لوداع الشهداء، إنهن يبكين على داريا أكثر مما بكين حين سقط الشهداء”، لذلك فإن هذه القصة لم تنته بعد. داريا في القلب.

========================

عن إنقاذ بقايا السنّة السوريين .. رؤوف بكر

الحياة

الثلاثاء 30/8/2016

حينما طُرحت المبادرة العربية الخاصة بنقل السلطة في سورية مطلع 2012، لم تكن التنظيمات الإرهابية ظهرت فعلياً بعد، حيث لم يتعدّ عمر الجيش الحر، الجهة الوحيدة المسلحة، بضعة شهور. آنذاك، بلغ إجمالي عدد اللاجئين السوريين نحو ربع قاطني مخيم الزعتري حالياً. وقتها، ثارت ثائرة غالبية أطراف المعارضة والمنصات الداعمة للحراك في الداخل، معتبرةً تلك المبادرة استسلامية كونها توفر مخرجاً آمناً لرأس النظام ورموزه. واليوم، يُطل أصحاب عقلية «كل شيء أو لا شيء» أولئك من وراء قرابة 12 مليون لاجئ ونازح، معظمهم سنّة، ووسط غبار المعارك التي تخاض في سورية على طريقة «الكرة الشاملة»، بينما تترسخ أكثر فأكثر حقيقة «فلسطنة» القضية السورية.

تبين جلياً بعد كل تلك الأحداث، أن الخاسر الأكبر مما جرى ويجري هو ما يمكن تسميته «المجتمع السني» في سورية، الذي يراد له أن يتفكك ويتحول إلى تجمعات متفرقة في الداخل ومتوطنة في الخارج.

وإن كانت عمليات التطهير والتهجير الممنهج ومسح قرىً وأحياء من الوجود وحرق سجلات النفوس والعقارات، تكتيكات معروفة لمثل هذه النوايا، فإن كل ذلك حدث ضمن استراتيجية حرب طويلة الأمد، أراد النظام أن يشارك فيها الخارج، لا يظهر أن معسكر المعارضة تحضّر لها.

ومن هنا، يمكن فهم لماذا كافح الاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاق مع الأردن لتبسيط قواعد المنشأ أمام الصادرات الأردنية مقابل أن يكون ما لا يقل عن 15 في المئة من إجمالي القوى العاملة في المصانع الراغبة في التصدير من السوريين، وما الذي يرام من التعهدات بتشغيل نحو 200 ألف لاجئ هناك على مدى ثلاثة أعوام (لاحظوا المدة) نظير مساعدات إلى المملكة. ومن هنا أيضاً، يكون تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الصادر قبل شهور، والذي تحدث عن ضرورة «إدماج» اللاجئين السوريين في لبنان، أكثر من بوحٍ غير مقصود لمكنونات صدور أولي الأمر.

وتروّج أطراف في المعارضة السورية، «تشتغل» عند الأتراك، منذ عام ونصف العام لخيار التوطين، تارةً ببحثه في دراسات مكثفة خلصت عمداً إلى أن السوريين في تركيا لا ينوون العودة إلى بلادهم حتى لو استقرت الأمور، وتارةً أخرى بطرحه للنقاش الإعلامي على رغم أنه لم يكن متداولاً.

وعليه، لم يكن مستغرباً أن يصرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أخيراً، بنيته منح حقوق المواطنة إلى النخبة السورية، وهو الذي عمل على التخلّص من غير المرغوب فيهم بشحنهم إلى أوروبا، بمساعدة مستترة من «سوريي اسطنبول». الأوروبيون بدورهم لم يألوا جهداً لسن قوانين تغري حتى من كان يملك عملاً داخل سورية أو في دول الجوار على بيع ممتلكاته وركوب البحر على أمل تخليص أولاده الذين سينشأون هناك من «وصمة» الجنسية السورية إلى الأبد.

أما لماذا كل ما سبق، فلأن اللاعبين الدوليين والإقليميين ونظام دمشق يريدون إعادة رسم سورية من الداخل مستغلين ما بدأ في 2011 وما تلاه. ولأن الهندسة السكانية فيها لا تصح إلا بإعادة دمغرفة المجتمع السنّي، فإن العناد الطفولي للكثيرين من منظّري الثورة المصرّين حتى اللحظة على إكمال الطريق بالكيفية نقسها كأن الزمن لم يتحرك، فضلاً عن الارتزاق الفجائعي للكثير من الحركات السياسية والفصائل العسكرية المعارضة، هي بالتحديد ما يفرك النظام ومريدو ذلك المشروع الكبير أيديهم له. فما فشل فيه الأسد وأحجم عنه أيام «السلم» لانتفاء الذرائع، استثمره زمن «الحرب» أيما استثمار. فاستخدم تمدد الجهاديين لشرعنة سياسة الإفراغ، في حين توهمت المعارضة ومن معها أن غض النظر عنهم كفيل بجلب التدخل الغربي مخافة استلامهم السلطة. ويكفي، على سبيل المثل، أن مشروع «حلم حمص» الذي أُطلق رسمياً في 2010 قبل أن يتوارى اضطرارياً، حققه الأسد بربع المدة (5 أعوام بدلاً من 20) بفضل دم المعارضة المسلحة الحامي التي أصرت على قتاله حتى آخر مدني حمصي.

لقد أضحت الطبقة المتوسطة السنيّة في سورية (وليس برجوازيي المدن فقط) بقايا وفتات. وبات ممثلوها إما نازحين في مناطق لا تشكل كتلة بشرية متوحدة كبيرة متصلة بمثيلتها، ومن دون وظيفة مرموقة وتعليم، وهما مدماك تلك الطبقة على مدى عقود طويلة، أو لاجئين فقدوا أمل العودة معتاشين على المعونات بعدما كانوا عماد الكفاءات الأكاديمية والاقتصادية. هؤلاء شكلوا على الدوام العمود الفقري لسورية السياسة والاقتصاد والفكر التي عرفناها وقرأنا عنها. وبالتالي، فإن غيابهم يعني أن علينا توقع سورية جديدة من دونهم، اللهم إلا إذا بقي للمنطق مكان ونظر المكابرون إلى الصورة الكبيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والكف عن عبثية خيار شمشون لأن المعبد هنا سيهدم فوق رؤوسهم فحسب.

* صحافي سوري

========================

في انتظار الجيش الصيني في سوريا .. أسامة ابراهيم

القدس العربي

الثلاثاء 30/8/2016

كما كانت الرسائل جنساً أدبياً يحمل ثقافة وفكر ورسالة، مثله مثل أي جنس أدبي آخر، فها هي الرسائل تدخل عالم السياسة وتصبح نوعاً سياسياً خاصاً، على يد رئيس النظام السوري، حيث بدأ بتوجيه رسائله إلى أحلافه الدوليين وذلك أولاً مع الإيرانيين نهاية عام 2011 حين لفت نظرهم أن المراقد والأضرحة مهددة وكذلك وجودهم ومصالحهم في سوريا و كل ما أنفقوه لعقود سيذهب دعساً تحت أقدام الثوار وهذا كان أعظم أعتراف بعظمة وحقيقة الثورة السورية العظيمة فاتحة ورأس ثورات القرن الحالي هذا وما أراه أنها أعظم ثورة في التاريخ البشري لما نزفته من دماء الأبرياء والأحرار عبر ست سنوات،

فدخلوا كما نقول يخبطون هنا وهناك وكان من الواضح بعد حسبتهم خسائرهم أنه ورَّطهم وأن العودة إلى الوراء في أتون أضرمها ثوار سوريا ليست إلى الآن أفضل حالاً ونتائج من التقدم، وقبل عام من اليوم وبالضبط قبل إعلان التدّخُّل العسكري الروسي السافر في سوريا 30 أيلول/سبتمبر الماضي، كان يوجه رسائله للروس بأن موطئ قدمهم على البحر المتوسط والأقليات التي تأتزر بإزارهم ومستقبل آخر معقل للعلمانية في المشرق العربي بل والمغرب ربما باتت بخطر كما لم تكن من قبل وأن كل مساعي وزير خارجية النظام السوري وروسيا في آنٍ معاً سيرغي لافروف لن تفعل شيئاً عن بعد دون تدخل عسكري لاحدى أعظم خمس قوى عالمية،وكان أن تدخلوا بالفعل وبعد ستة أشهر فقط من التدخل الذي أعطي زعماً عدة مبررات كان أوضحها انتهاز الروس للفرصة أثناء إنشغال الأمريكان إن لم نقل قطع أملهم من المنطقة ومصالحهم فيها ونوم الرئيس أوباما في العسل والعمى في الأشهر الأخيرة من ولايته وكان التبرير الأوقح أنه تدخل السلاح لتحريك الدبلوماسية لنرى بعده سلق عدة مؤتمرات دولية خلال شهر بشأن التوصل لحل «مقلي» للمسألة السورية حسب تعريفهم فكان أن طالعونا بورقة فيينا الشهيرة والتي لم ترق تسميتها لأكثر من ورقة ورأينا اليوم وعشنا نتائجها بعد مساعي دي مستورا من دمار وقصف يومي وانتهاك يومي لحرمة روح الأبرياء السوريين وزيادة وإمعان في تدمير البلد والكوارث التي تستتبع ذلك من ست سنوات إلى اليوم، اليوم ومنذ نحو شهر تقريباً بدأ بتوجيه رسائله للصين، بأن آخر معاقل الإشتراكية والأصدقاء الأوفياء هو بخطر كما لم يكن من قبل، وأهم سوق لبضائعهم التي سينتهي أمد العمل بقاعدة إنتاجها مواد أولية رخيصة ويد عاملة أرخص لكن يبقى السوري كبيراً بما يفتحه من احتمالات على أسواق الجوار وأن الأمريكي سيبتلع هو والروسي البيضة وقشرتها ولن يبقى لهم ما يسد رمقهم في سوريا، فعليهم المسارعة بالتدخل العسكري المباشر والعلني في سوريا. وها هم بدأوا بالإعلان عن فرق طبية تدخل لمساعدة جيش النظـام وتدريب كـوادره.

وعليه سنرى الجيش الصيني قريباً يدنّس الأرض السورية ولن يخرج منها إلا كما خرج الأيرانيون والروس قبل ذلك، لن ينتصر هؤلاء ومن وجه لهم الرسائل ليدخلوا سوريا غزاةً محتلين حتى لو اجتمع لهم جيوش الأرض كلها، الشعب السوري الأبي الحر سيعلمهم من الدروس ما يكفي ليكتب تاريخاً جديداً في الصراع بين الدول التوتاليتارية والإنسان الحر الذي يريد الحياة أن تجري مجرى يناسب البشر أصحاب الكرامة أولا.

أكاديمي من سوريا

========================

معركة حلب تُغيِّر الأفق الاستراتيجي .. شمس الدين الكيلاني

العربي الجديد

الثلاثاء 30/8/2016

حين حرّر الثوار السوريون جسر الشغور بعد إدلب، وتقدّموا في قلب سهل الغاب، والذي يصل محافظة إدلب بمحافظتي اللاذقية من الغرب وحماه من الجنوب، ثم أمعنوا في اختراق السهل، بدت معها حماه تقترب من الخلاص من كابوس النظام. ومن جهة أخرى، شرعوا، أوائل عام 2015، بقرع أبواب عين الكروم بقوة، وهي التي لا يفصلها عن الصلنفة وقمة النبي يونس سوى مئات الأمتار، يساعدهم ثوار جبال الأكراد من فوق. حينها، أدرك الجميع أن هذه إشارات على هزيمة إيران لا لبس فيها، ولا نقول هزيمة النظام، لأن الأخير كان في حكم المهزوم منذ عام 2012، عندما كان الثوار، قبل أن يبتلوا بـ "داعش" وجبهة النصرة، يقاتلون في قلب دمشق وعلى أطراف المطار. وحينها، كانت داريا، بطلة الثورة وقرّة عين السوريين، قد أجهزت على الفرقة الرابعة، مفخرة الصناعة الطائفية للنظام وجهازه الذي أعدّه ليكون مصدرًا لرعب السوريين.

لم ينقذ إيران ومليشياتها، مؤقتاً، من شناعة هزيمة سوى روسيا، بطائراتها التي بدأت منذ فبراير/ شباط 2015 حرب الإبادة للسوريين. أراد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن يضع السوريين أمام خياراتٍ قاتلة: الموت تحت الأنقاض، أو النزوح إلى خارج بلدهم، أو العودة إلى عبودية النظام، وهذا سيناريو أشد إيلامًا من السيناريوهين الأولين. فما يفعله السوريون بالروس، الآن، شرعوا في عمله مع إيران منذ سنة، بدأت علامات هزيمة الروس على أبواب حلب، ها هي الهزيمة تتكرّر مع الروس، ونظام بوتين ذي الطموح الإمبراطوي الذي يتلهف لمقايضة الشعب الروسي: الشعور بالعظمة الإمبراطورية الكاذب، لقاء تخليه عن الحرية. لم تنل طائرات بوتين من تطلع السوريين نحو تحرير بلادهم من الغزاة، وقد أبدوا الاستعداد لدفع التكاليف الباهظة من دمائهم. أثبتوا، في إصرارهم ووحدتهم، قدرتهم على اجتراح المعجزات، فكان فك الحصار عن حلب معلمة تاريخية، برهنت على إخفاق روسيا بوتين وعجز إيران، ومعها شراذمها الطائفية، عن كسر إرادة السوريين.

"أثبتت الملحمة الحلبية للروس أن القاعدة البشرية للنظام عاجزةٌ على أن تستثمر على الأرض ما يرتكبونه من تدميرٍ وقتلٍ من الجو"

ساهم أطفال حلب نسبيًا في تحييد سلاح الطيران من المعركة، وذلك في تحويلهم الإطارات المشتعلة إلى صواريخ مضادة للطائرة، وقد أيقظ نبل معركة فكّ الطوق عن أهل حلب الشعور بالتلاحم الوطني، وحفَّزت السوريين على ابتكار أساليب تُنهي فجوة القوة التي تفصل بين جيش بوتين وبندقية المقاتل السوري. ولا بد أن يُدرك النظام وحلفاؤه، ربما بعد حين، الدروس القوية لمعركة الراموسة، وهي دروس ستغير الخطوط الاستراتيجية لمعركة السوريين مع الغزاة.

لعل أهم نتيجة مباشرة لهذا النصر على العدوان الروسي والإيراني، وتابعهم في قصر المهاجرين، استرجاع الثقة بالذات وبقدرات الشعب السوري، وشبابه وصبيته، في رد العدوان بعد تشوّش الصورة إثر ضربات النظام وشركائه، وتقاعس الجميع أمام المأساة. وثانيًا، استعاد نجاح جيش الفتح اللحمة الوطنية في غمار الحماس الذي صاحبها، والمشاركة بأفراح النصر على قوة عظمى في الميدان الدولي (روسيا)، وعلى دولة عظمى في ميزان القوى الإقليمي (إيران)، وحرّك الجبهات الأخرى، وزرع الثقة بالمستقبل لدى قوى التغيير السورية. وثالثًاً، أدرك كل من له دراية بالوضع العسكري للنظام أن الثوار، في معركتهم لفك الحصار، ضربوا الجملة العصبية لقوة النظام العسكرية، واستولوا على قلعته الحصينة في جنوب حلب، في الراموسة وحولها، وهشّموا تحصيناته، وأحد أهم مصادر تسليحه، وأغلقوا طريق إمداده الرئيسي، وأن ما تبقى لديه من مصادر قوة لا يُقاس بما خسره في الميدان، وهذا يبشّر بأن تحرير حلب صار ممكناً، وباتت المسألة متوقفة على استمرار الوحدة العسكرية والشعبية التي تجلَّت في كسر الحصار، وعلى التصميم والثبات على الهدف. وفي المقابل، خسر النظام وحلفاؤه القدرة على المبادرة الاستراتيجية في شمال سورية. ورابعًا، أثبتت الملحمة الحلبية للروس أن القاعدة البشرية للنظام عاجزةٌ على أن تستثمر على الأرض ما يرتكبونه من تدميرٍ وقتلٍ من الجو، وأنه لم يعد مجديًا رهانهم على نظام غير قادرٍ سوى على القتل عن بعد، وعلى امتهان الكذب والصراخ الأجوف في محطاته الإذاعية والتلفزيونية، وأن مساعدة المليشيات التابعة لإيران له لا تأتي بغير استفزاز السوريين، وتزيدهم إصرارًا على الاستمرار في ثورتهم. لهذا، من المحتمل أن تقود نتائج المعركة الروس إلى الاستنتاج الضروري: أن نصر الشعب السوري قادم، ووحده هذا الشعب قادر على طرد إرهابيي "داعش" من البلاد، فهو لن ينسى مذبحة هؤلاء أهله في دير الزور والرقة، وأن هذا التنظيم هو مخلب الثورة المضادة، استخدمه النظام والغرب والروس للإساءة للثورة ولطابعها الشعبي الديمقراطي، وتحول إلى عدو للشعب، مارس العدوان عليه مع النظام.

وخامساً، سوف يُدرك الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في نهاية حكمه، أن أولاد الحرفيين والأساتذة والموظفين من السوريين قادرون على إنجاز ما لم يتخيله خياله السياسي. وسيُدرك، بعد فوات الأوان، أن الشعب السوري، على الرغم من الدمار والنزوح والدم، وبعد خمس سنوات من المعاناة والإهمال الدولي، ما زال متمسكّا بحقه في تقرير مصيره، وقادرًا على صنع هذا المصير بقبضته، وإن المراهنة على صالح مسلّم وحزبه الانفصالي الفاشي، بلصق لوحة (ديمقراطية = اتحاد) على حزبه، حماقةٌ ستنتهي بفضيحة ومأساة، ولن يقبض مسلّم وجماعته سوى الأوهام التي ستتطاير أمام وحدة السوريين، وتصميمهم على التحرّر والوحدة. وسيدرك أوباما أنه حوَّل أميركا إلى المقاعد الخلفية للمسرح الدولي، ويقتصر دور وزير خارجيته، كيري، على القيام بدور الشارح والسائح في أصقاع الأرض، للعمل بجد على الإقناع، بدلاً من أن يكون في مركز قيادة العالم، فصنعت سياسته من بوتين نجمًا في فضاء السياسة الدولية، بالسماح له باستعراض القوة على حساب خفوت دور أوباما، ودولته الجبارة. وسيدرك أوباما، بعد فوات الأوان، أن المعادلات الجافّة التي يرسمها مدير سياسته الخارجية حبر على ماء، وربما ستجبرُه ملحمة حلب على الإقلاع عن سياسة تأهيل بشار الأسد الذي أرجعته معركة حلب إلى الجحر الذي يستحقه.

"الدرس الكبير المفترض أن تستخلصه قوى الثورة السورية، العسكرية والسياسية، من المواجهة الكبرى في حلب، أن سلاح النصر في متناولها، عليهم أن يُحسنوا استخدامه، وهو الوحدة"

سادساً: سيكون أول الخاسرين والمحبطين والمهزومين من هذا النصر حزب الله الذي افتتح معركة حلب بخطابٍ لأمينه العام، حسن نصرالله، قال فيه إن أمامه معركة تاريخية، ستقرّر مصير سورية والعراق ولبنان. وقال إن تحرير القدس يمر بحلب، مقلدًا، خطاب الخميني عام 1982، إن تحرير القدس يمر ببغداد. سابعاً، فتح الثوار السوريون الطريق أمام الرئيس التركي، أردوغان، ليقول كلمته الواضحة إلى بوتين، ويستطيع أن يتحدّث على أساس ميزاني القوى الجديدين، العسكري والمعنوي، فالثوار غدوا أكثر وحدةً ومصداقيةً والتحاماً بالجمهور، وثقة بالمستقبل، بينما يعاني النظام من ضيق قاعدته الشعبية، وتقدم المليشيا الإيرانية ميدان الحرب والسياسة على حساب جيشه الذي لا يليق به سوى لقب العصابة الطائفية. ثامنًا، ستفرض نتائج هذه المعركة نفسها بقوة على طاولة مؤتمر جنيف، ستمنح القوة للموقف التفاوضي للمعارضة، فأصبح ممكنًا إبعاد الأسد عن المرحلة الانتقالية.

تاسعًا، على حزب الاتحاد الديمقراطي قراءة معركة حلب، وأن يعرف أن احتلاله الشيخ مقصود وعفرين وعين العرب والحسكة، وأيضًا تدمير منبج، وتهجير مئتي ألف من سكانها بذريعة الحرب على الإرهاب بالاستقواء بجيوش الولايات المتحدة، المغرمة به، لن يفيده في تقرير مستقبل سورية، فكل الصور المبهرجة التي يراها، هو وحزبه، ليست سوى وقائع أتته في غفلة من الزمن السوري الذي سيعود، ربما سيلمس ذلك قريبًا في الشيخ مقصود، وطريق الكاستلو. وليس بعيداً علينا أن يعرف صالح مسلّم أنه دخل في مغامرةٍ، لولا تكالب نصف العالم على الشعب السوري لما حدثت. عاشرًا، العرب، ولا سيما دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية وقطر، وهي التي تتصدّر الموقف السياسي العربي في مواجه التوسعية الإيرانية، ستمنحها نتائج هذه المعركة إمكانية الخروج من حلقة الخيارات الضيقة إلى رحاب أفقٍ استراتيجي أوسع، لتقوم بواجباتها تجاه إخوانها في سورية.

الدرس الكبير المفترض أن تستخلصه قوى الثورة السورية، العسكرية والسياسية، من هذه المواجهة الكبرى، أن سلاح النصر في متناولها، عليهم أن يُحسنوا استخدامه، وهو الوحدة، والإصغاء لصوت الناس المتلهفين للخلاص من الوحش الأكبر، أي نظام الاستبداد المليشياوي، نظام الطغمة الذي جلب، في أذياله، زحفاً طائفياً إيرانياً يستهدف الاحتلال والهوية العربية والثقافية للشعب السوري الذي صار على اقتناع بأن معركته من أجل الحرية تمر عبر التحرّر من الاحتلال والغزو. لكن، وإن صبر على سلوكيات بعض الفصائل العسكرية، لتجاهلها طموحاته إلى الحرية والديمقراطية من أجل القضاء على (الوحش)، فهو لن يساوم على شوقه إلى الحرية، وإلى حياة الاحترام والكرامة وحكم القانون، ويبقى تحقّق هذا الشوق واجبًا عليه، وممكنًا أيضًا.

========================

سورية.. تقاسم نفوذ جديد .. فاطمة ياسين

العربي الجديد

الثلاثاء 30/8/2016

يسبق أردوغان جولاته الدبلوماسية مع حلفاء النظام السوري بنصرٍ ميداني للمعارضة، مدعوماً بالمدفعية التركية. كان فكّ الحصار عن حلب، قبل لقاء سان بطرسبورغ الذي جمع الرئيس التركي مع قيصر روسيا، وسبق تطهير مدينة جرابلس اللقاءَ المفترض لأردوغان مع الإيرانيين.

قبل بدء عمليته البرية، أرسل أردوغان رسائل غزل لروسيا والغرب، فدخل سورية من بوابة محاربة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ما أمَّن له قبولاً أميركياً، دلل عليه نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، عندما أكد على شراكة الأتراك أميركا في محاربة داعش.

وجود التنظيم المتطرف الذي يخشاه الغرب غطى شرارة الدخول الأولى، ومن ثم انطلقت الآليات التركية لتنفيذ خطط حكومة بلادها في إنشاء منطقةٍ خاليةٍ من الأكراد على حدودهم الجنوبية. أتى الإسناد الجوي من طائرات التحالف دلالةً على أن الموقف الأميركي داعم للعملية البرية، ولا بد أن قادة قوات سورية الديمقراطية الكرد تحسّسوا موافقة حليفهم الأميركي على العملية، منذ صارت القوات الكردية تتراجع سريعاً عن قرى جنوبي جرابلس، قريةً بعد قرية، قبل العودة الإجبارية إلى ما خلف الفرات، فالتوافقات الدولية الجارية تبدو صارمةً، وهي لم تخصّص للأكراد إلا الحسكة وعفرين، مفصولتين بحاجز بشري وعسكري سميك، يشغله عرب مدعومون تركياً.

يسيطر القلق على حاكم دمشق، وهو يترّقب خطوة الأتراك التالية، وعينه على الحليف الروسي الذي لا يتوقع منه خذلاناً. والمعلوم أن القرار السوري قد عُطِّل تماماً منذ احتلت البوارج الروسية موانئ طرطوس، وسلَّم بشار الأسد مصيره لطائرات السوخوي التي حطّت على الأراضي السورية في نهاية شهر سبتمبر/ أيلول العام الماضي، فصارت روسيا صاحبة الكلمة العليا في أي حركةٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ، قد يتخذها النظام. وفي حال اتفق الروس والأتراك على تسويةٍ تقول بالحل السياسي، لن يقوى جيش الأسد الهش، حتى مع المليشيات التي تسانده، على إبداء الرفض. ولا بد أن الروس قد فرضوا، أخيراً، تفعيل تقاربٍ بين الأتراك ونظام دمشق، يدلل عليه النشاط المفاجئ الذي أعلن عنه إسماعيل حقي تكين، النائب الحالي لرئيس حزب الوطن التركي، مع دمشق، في الفترة الأخيرة، فأجرى النائب خمس زيارات التقى خلالها الأسد وكبار مسؤوليه.

تصبح الخريطة الميدانية أكثر جلاءً، ويظهر دور الوساطات الدولية التي تحاول إرضاء جميع الأطراف السورية دفعةً واحدة، حين نتخيّل أن تسليم داريا للنظام جاء مقابل هزيمة عناصره في الدفاع الوطني أمام القوات الكردية في الحسكة، هذه القوات التي تخلت سريعاً عن جرابلس ومنبج، لصالح الجيش الحر. تدعم هذه النظرية حالةُ الثبات والأريحية التي رافقت عملية تطهير جرابلس، فلم نطالع خلالها صورَ جثثٍ محترقةٍ، أو مقتولةٍ ومكدسةٍ فوق بعضها، كما جرت العادة في أثناء سيطرة قوات جديدة على منطقةٍ ما، ولم تلتقط أية كاميرا مقاطع لجنود هاربين من المدينة، وأثيرت تساؤلاتٌ عن مآلات عناصر "داعش" المهزومين، وفيما إذا كانوا قد وصلوا إلى مدينة الباب، أو أنهم اتخذوا الطريق الأطول، وتحصنوا في عاصمتهم الرقة. والسؤال هنا عن قدرة تنظيمٍ مثل داعش، ليست البراغماتية العسكرية أحد أدواته، على الانخراط في الخطط الدولية المستجدة، وتنفيذ انسحاب سريع.

ما ورد من صور لجرابلس كان يُظهر حالة الأمن والسلام للجنود المحرّرِين للمدينة الحدودية، مستلقين بلا قلق على الأرصفة وفي الشوارع. ربما يُعزى هذا المشهد الوديع إلى طريقة تركيا في خوض المعارك، وكسبها من دون تخليق مشاهد رعب، تبثها صور الجثث، أو ربما كان بالفعل اجتياحاً أبيضَ لم تلوثه الدماء.

الحمى الدبلوماسية الراهنة تقلق نظام دمشق الذي أرسل وزير خارجيته، وليد المعلم، إلى بغداد، في زيارة خاطفةٍ لم يعلن عنها سابقاً، يرجَّح أن هدفها التقصّي عن صلاحية التحالف الاستراتيجي لدول محور "الممانعة"، والاطمئنان إلى أن النظام السوري لن يكون كبش تفاوضٍ في سوق المساومات القائم.

========================

كأنَّا يوم داريّا أسود..أمجد ناصر

العربي الجديد

الاثنين 29/8/2016

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كلا. فلا شيء يتكرَّر، بالتمام والكمال، عندما يتعلق الأمر بما هو تاريخي (سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي)، برغم قول ماركس إنَّ التاريخ يعيد نفسه، مرةً كمأساة وثانيةً كمهزلة (أو ملهاة). ولكن ماركس كان يتحدَّث عن السلالة البونابرتية في فرنسا، وليس عن أمكنةٍ وأحداثٍ تاريخيةٍ يغلب عليها، للوهلة الأولى، التكرار. مع ذلك، هناك ما يني يحدث لأمكنةٍ معينةٍ بحيث يصحُّ القول، بسبب تواتر حدوثها، إنَّ التاريخ يكرّر نفسه. فكَّرت بهذا الأمر، وأنا أقرأ لائحة مختصرة بتواريخ مدينة داريا السورية المنكوبة. بدا لي فعلاً أنَّ هذه المدينة التي أرتنا تلفزات العالم خرائبها وهياكل عمائرها الفارغة من أيّ حضور إنساني طالعة من تحت عصف نووي. لا يمكن إلا للتدمير المنهجي أن يوصل إلى ما صارته داريا. لا حرب عصابات، لا مدافع ودبابات يمكن أن تمسح أحياءً برمتها، حسب ما رأينا على التلفزات التي اقتربت كاميراتها من الخراب. فقط الطيران والقصف الجوي والبراميل التي لا تستهدف موقعاً بعينه، بل مساحة، يمكنها أن تُحدث هذا التدمير الذي يخجل منه العدو قبل الصديق، فكيف بابن البلاد نفسها.

محزنةٌ داريا. مبكية. لكن لا حزن على سيماء العالم، ولا دموع في مآقيه. لا شيء. كأنَّ هذا التدمير، بعد التجويع والتركيع، هو ما يجب أن يحدث. كأن ذلك من طبائع الأمور في هذه المنطقة من العالم. فلا دهشة ولا استغراب، ناهيك عن استنكار. ثم إنَّ "الزايد أخو الناقص"، كما يقول مثلنا الشعبي. بل الزائد يبكم ويشلُّ.

ترافق الخروج من داريا مع زلزال ضرب بلدةً إيطالية. إنها كارثة بالنسبة للإيطاليين، والأوروبيين عموماً، الذين لم تعرف أجيالهم الحالية ويلات الحروب. فهناك مئاتٌ قتلوا وجرحوا، وعشرات آلاف يقيمون في أمكنة إيواء مؤقت. هذه مأساة ارتكبتها الطبيعة، ولا يد لبشرٍ فيها. مثلها مثل الأعاصير والطوفانات. الطبيعة لا تفكُّر ولا تتقصَّد السوء، أما الإنسان فيفعل، حتى مع أقرب الناس إليه، فما إن تشيطن شخصاً، طائفةً، شريحةً من الناس، حتى يسهل استهدافها، بل يصبح استهدافها واجباً وطنياً وقومياً مرةً، ودينياً مرةً أخرى. كيف يتحول القتل من جريمةٍ إلى واجب؟ كيف يتم تجريد الإنسان من كل أهليةٍ وحقٍّ بالحياة؟ هذا ما تغطيه الدعاوى والأيديولوجيات، المدنية والدينية على السواء. فـ "الخائن"، في نظر القومي العقائدي، مثل "الكافر" في نظر المتشدِّد الديني. لا فرق. لأن الموت هو العقاب في الحالتين. هذا ما حصل لداريا، وغيرها من المدن والبلدات السورية، فقد حوَّلتها الدعاوى الفاشية من أمكنةٍ "سليمة"، معافاة، إلى أمكنةٍ "موبوءة". ألم يتحدّث "الدكتور" عن الفيروسات التي تغزو الجسد، وكيف يتم التخلص منها. فقط الأمكنة الموبوءة يمكن أن "تُعالج" على هذا النحو الفظيع.

لا أريد أن أخفّف على المجرم الراهن جريمته في داريا. فينبغي أن تُضاف إلى لائحة جرائمة التي لا يعادلها أيّ عقاب. فأيّ عقابٍ على جرائم مثل هذا النوع رمزي جداً. ولكن، عدّدوا معي بعض ما عرفته داريا في تاريخها الدهري من أحداث، تشي بالتكرار:

تأثرت داريا بمعظم الأحداث التي شهدها العصران، الأموي والعباسي، وما جرى خلالهما من أحداث سياسيةٍ وعسكرية. كانت تقطن داريا قبائل يمانية وأخرى قيسية. وتعرّضت للحرق نتيجة تلك المنازعات عام 26هـ وكذلك عام67 هـ في عهد هارون الرشيد، حيث ثارت الفتن، مجدّداً، بين القيسية واليمانية، أو ما تعرف بفتنة أبي الهيذام، فحرقت ونهبت. وفي عام 233هـ، تأثرت داريا بالزلازل. ومرَّت عليها المنازعات ما بين الأتابكة والسلاجقة، ولم تنج من الغزو الصليبي، والتتار الذين عاثوا فيها فساداً وتدميراً. وقبل التدمير الأسدي، شهدت، في أثناء الاحتلال الفرنسي، "معركة داريا الكبرى"، فصبَّ عليها المحتل جام غضبه.

وفي فتنة أبي الهيذام، أيام الرشيد، بين القيسية واليمانية، قال الشاعر قيس الهلالي يصف الدمار الذي حلَّ بها:

كأنَّا يوم داريا أسود/ تدافع عن مساكنها أسودا. تركنا أهل داريا رميماً/ حطاماً في منازلهم همودا. قتلنا فيهم حتى رثينا/ لهم ورأيت جمعهم شريدا.

هكذا نرى لبشار الأسد أسلافاً (أسوداً!!) في "فتننا" التي لم تخمد نارها حتى اليوم، لأننا، على الرغم من وجودنا في القرن الحادي والعشرين، لم نخرج من كتاب "الملل والنحل".

========================

من هو النبَّاش الأول؟ .. الطاهر إبراهيم

القدس العربي

الاثنين 29/8/2016

جرى مجرى الأمثال على ألْسنة العامة وحتى المثقفين، لفظ النباش الأول. ولا بأس أن نعرّف هذا الاسم لمن لا يعرفه. وإذا كان الميت له قدسية عند الناس قاطبة، فقد اعتُبِر من يسيء إلى الأموات أنه أساء إساءة لا تغتفر عند من يبادر بالقول: اذكروا محاسن موتاكم. فالنباش الأول هو حارس مقبرة كان ينبش قبر من قبر حديثا فيخرجه من قبره ويخلع عنه كفنه ويعيده عاريا إلى قبره. تقول الرواية أن هذا الحارس مات فخلفه ولده الشاب وكان مطلعا على ما كان يفعله والده، ففعل مثل ما كان يفعل، غير أنه كان يترك الميت عاريا فتأكله الوحوش.

تذكرت هذه القصة وأنا أتابع مأساة السوريين منذ أكثرمن خمس سنوات في معظم مدن سوريا التي دأبت الطائرات السورية على قصفها ببراميل عمياء لأنها تسقط سقوطا حرا من الطائرة التي تقصف المدن والقرى. بصورة أشد كانت الطائرات الروسية العملاقة تقصف مدينة حلب وغيرها من البلدات حتى لكأنها تريد أن تنتقم من البشر والحجر في سوريا.

إذا استنكرنا على من يخرج الميت من قبره ويسلبه كفنه فإننا أشد استنكارا للذي يقتل البريء، فالمثل يقول:الحي أبقى من الميت،خاصة إذا كان القتل بالجملة. فالقاتل أولى بمسمى «النباش». تعالوا نستعرض الذين أساؤوا إلى السوريين من الزعماء فاستحقوا اسم النباش الأول.

حافظ الأسد كان أول نباش قبور عندما قبر في حكمه عشرات آلاف السوريين في مقابر جماعية في صحراء تدمر وفي غيرها بموجب قانون الذبح 49 لعام 1980 الذي يحكم بالإعدام لمجرد الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. وجاء من بعده وريثه بشار الأسد فكان نباشا آخر.

في بداية عهده حاول بشار أن يلمّع صورته، خصوصا في خطاب القسم. بعد ذلك نسي ما جاء في الخطاب عندما رأى أن هناك شخصا اسمه رفيق الحريري، الزعيم السني اللبناني، يحاول أن ينتقص من الهالة التي حاول أن يرسمها لنفسه فحرض على قتله حيث تم اغتياله في شباط/فبراير عام 2005.عندما قامت الثورة السورية في آذار/مارس2011جاءت الفرصة تمشي على رجليها إلى بشار الأسد ليصبح أكبر نباش قبور في سوريا، حيث بلغ عدد القتلى الذين سجلوا باسمه أكثر من نصف مليون قتيل، عدا من دخل سجونه ولم يخرج منها.

شارك كثيرون في نبش قبور السوريين التي افتتح مقابرهم آل الأسد. لا نريد أن نثقل القائمة بقبارين صغار كحزب الله أو رؤساء ميليشيات عراقية وإيرانية مثل ميليشيا أبوالفضل العباس أو ميليشيا فاطميين أو زينبيين أو صالح مسلم قائد ميلشيا (p y d ) الكردية، فهؤلاء مقاولون صغار، ويمكن أن نضيف لقائمة الصغار تنظيم الدولة. على أننا ننبه بأن المقاولين الكبار الذين ساهموا في إهراق دماء السوريين وكانوا من النباشين الأوائل قد لايكونون باشروا القتل مباشرة،بل على الغالب كانوا متسببين، بشكل أو بآخر، بقتل السوريين، لكن يتنافس نباشان كبيران على المرتبة الأولى: فلادمير بوتين أو باراك أوباما.

فلاديمير بوتين أول النباشين القتلة. زود جيش بشار الأسد بسلاح القتل من الرصاصة إلى الدبابة إلى الصاروخ والطيارة. صوت بالـ (فيتو) في كل القرارات الأممية ليحميه من أية مساءلة قد تطاله في مسؤولية القتل الجماعي للسوريين. وعندما وجد بوتين أن بشار على وشك السقوط أرسل طائرات السوخوي لتقصف المقاتلين، بحجة أنه سيقصف تنظيم الدولة وجبهة النصرة. لكن ما قصفته طائرات بوتين غير ذلك. لم تترك مخبزا يجتمع حوله الصغار لأخذ خبز يومهم منه، ولا مستشفى هو في حكم المستوصف، ولا مدرسة يستعملها الناس بيوتا بعد أن تهدمت بيوتهم إلا قصفته طائرات السوخوي. في كل ذلك يزعم أنه أرسل طائرات لمحاربة إرهابيين. لكن هل هناك بعد قصف الأطفال والنساء في المستشفيات من إرهاب؟

أما أوباما فهو «ألعن وأدق رقبة». فقد أوهم أنه صديق، حتى ظن السوريون أنه يوشك أن يأخذ بشار الأسد بالجرم المشهود حين قتل بشار الأسد1300طفل بالكيماوي في غوطة دمشق، ثم يقبل

أوباما بالفدية بأن يسلم بشار سلاحه الكيماوي إلى الأمم المتحدة، ويبقى المجرم حرا طليقا.

كان أوباما يعرف تفاصيل التفاصيل عن قتلى القصف الروسي وعن براميل بشار الأسد في حلب وإدلب فلا يحرك ساكنا. مع أن لبوتين مشاكل أكبر مع واشنطن في أوكرانيا. لم يتصرف كما تصرف الرئيس «بيل كلينتون» عندما أمر الطائرات الأمريكية بقصف صربيا يوم أن رفض سلوبودان ميلوسيفتش وقف قصف كوسوفو. ولم يتوقف القصف حتى أذعنت صربيا.

قتل بشار الأسد أكثر من نصف مليون سوري. كانت تفاصيل قصف النساء والأطفال في حلب الشرقية تصل إلى مكتب باراك أوباما يوميا وربما بالصباح والمساء. مع ذلك فما يزال يرفض إعطاء المعارضة صواريخ مضادة للطائرات تجعل طائرات بشار توقف انهمار البراميل فوق رؤوس من لم يستطع مغادرة أحياء حلب مع أن من فيها من الأطفال هم رفاق عمران دقنيش والطفل الكردي آلان عبد الله، فلم يتحرك بأوباما شعور نبيل ولا حتى ما يشعرك أنه من طينة البشر، وأخبار سوريا تأتيه من ألفها إلى يائها.

يتردد السوري في أيهما أكثر سوءا ومن يستحق لقب النباش الأول؟ أهو أوباما أم بوتين؟ أنا أرجح أن أوباما هو النباش الأول لأنه أسوأ من بوتين، ولأن نفس بوتين تحمل نزعة بوهيمية دونية، أما أوباما فماتت عنده الأحاسيس الإنسانية.

========================

المؤامرة الكبرى على سوريا .. د. طيب تيزيني

الاتحاد

الاثنين 29/8/2016

يمر الوطن السوري الآن بمرحلة قلّما مر بها بلد آخر في القرن العشرين وامتداداً في هذا القرن الجديد الحادي والعشرين، فقد وجد الجميع تقريباً من الدول والميليشيات في أصقاع الأرض، مصالح لهم في هذا البلد، يسعون إلى تحقيقها، وهذا ما يمكن اعتباره -في نظر عدد متكاثر من الباحثين الاستراتيجيين- حالة غريبة بقدر ما هي خطيرة، وقد كان هنالك سابقاً مَن اكتشف طرفاً أو آخر من مثل هذه الحالة أو ما يقترب منها، مع الإضافة إلى أن مستوى الخطر العالمي المتولد عن ذلك يفوق ما مر سابقاً في التاريخ العربي القريب من أحداث عظمى، ونعني بذلك نشوء الصهيونية وتمترسها في فلسطين.

وثمة تصريحات وأقوال صحفية من «أطراف اللعبة السورية» تثير الدهشة والتساؤل عما إذا كان هنالك توزيع أدوار بين الأطراف المعنية، فما جرى منذ أسبوع تقريباً من مهاترات تصل إلى حد المناكفات بين «الأطراف المعنية» المذكورة، يضع القارئ أو المستمع في حالة من القلق تطرح تساؤلات حول مواقف مشبوهة، فالحوار الذي جرى على قنوات تليفزيونية بين إيران وروسيا حول استخدام قاعدة همدان الجوية الإيرانية من قبل روسيا، يلفت الانتباه: هل تم ذلك بالتوافق بين الطرفين لكن دون إفصاح روسيا عن ذلك، أم أن الأمر يحتمل فهماً آخر؟ ثم هل تدخَّل الطيران الروسي في حلب بطلب من إيران؟ وموسكو ترد على إيران: سنستخدم قاعدة همدان إذا اقتضى الأمر، والأمم المتحدة تتخوف من كارثة في حلب، وأخيراً وليس آخراً يبرز التساؤل المُرّ التالي: ماذا يعني تهجير مواطني داريا المسالمين إلى الشمال من سوريا؟

تلك حالة مثيرة، وكذلك ربما مشبوهة إلى حد يدعو إلى القلق، تستحكم في سوريا اقتصادياً وعسكرياً وإنسانياً، والملاحظ أننا نواجه في الحلبة أطرافاً متعددة تسجل مواقف ومواقف مضادة. وما يلفت النظر أن هذه الأطراف كلها أو معظمها إن هي إلا قنوات تمتد من «الخارج» إلى «الداخل»، وأكثر أدوارها يكمن في كونها تسهم في توتير الموقف وفي تركه قابلاً لإشعال الناس ناراً وتوجساً واضطراباً. أما الأطراف الدولية الأخرى فقد برعت في إطلاق تصريحات تذهب مع الريح، أو تُلهب الموقف؟ في حين أن الأطراف العربية دخلت حالة من القصور في الحضور باستثناء ما يصدر عنها أحياناً بصيغة خجولة. وفي هذا كله يبقى الموقف مفتوحاً على أخطر الاحتمالات بؤساً ورعباً وإجراماً متمثلاً في استهداف مواطنين مسالمين بأطفالهم ونسائهم.. وفي هذا كله تستمر الجامعة العربية وما يوازيها من منظمات للمجتمع المدني، في صمتها المريب.

لقد عومل الوطن العربي كبيدق على رقعة لعب يجلب البؤس والخراب، دون ظهور بارقة أمل في إعادة النظر من أجل وطن طُعن في أعماقه من قِبل مَن فرطوا في سيادة هذا الوطن، فقد فُتحت أبوابه للتدخل فيه وفرض الموقف التهشيمي، ولعلنا نستعيد ها هنا ما كتبه الفيلسوف الألماني كانط kant في القرن التاسع عشر، لقد كتب متسائلاً في رسالته حول السلام: «كيف لمجموعة من الناس أن تدخل بلداً غريباً، وتزعم أنه بلدها؟ أليس حرياً بنا أن ننظر إلى هؤلاء على أنهم آتون ربما من أدغال التوحش والهمجية»!

لقد دخل الروس والإيرانيون والأميركيون والتابعون لـ«حزب الله»، وأخذوا يمارسون أدوار أصحاب البلد (سوريا) دون احترام للرأي الوطني والسيادة السورية نفسها، ودون التوصل إلى ذلك من حوارات أو مناقشات شرعية ترى في شعب البلد سيد الموقف وصاحب القرار. لقد كان ضرورياً أخذ رأي الشعب السوري في مصائره المحتملة للآن وللغد، ولو حدث شيء من هذا القبيل لأصبح الموقف واضحاً وملزماً. إنه لشيء مؤلم أن تعاقبه الأحداث الدموية، التي قتلت ودمرت وتحاول كذلك أن تختار لمجموعة أو أخرى أن تعيش في مكان دون آخر غير الذي كانت تقيم فيه.

إن منطق العقلانية والتمسك بحقوق البشر في أوطانهم بقدر أو بآخر، كان جديراً أن يحدث في سوريا، وطن الأبجدية وتشييد القواعد والقوانين الناظمة لحياة إنسانية وطنية تكسب السلام والكرامة في وطن جدير بذلك. ولعلنا نرى أن سوريا العربية التنويرية والديمقراطية هي ما ينبغي أن يجتمع كل السوريين أو أكثرهم حوله، وفي هذه المناسبة يشرفني أن أدعو إلى مؤتمر وطني في سوريا أو في بلد عربي آخر، تجري فيه مناقشات مفتوحة حول الراهن والقادم في سوريا، وما السبل المنهجية السياسية والنظرية الصالحة لذلك، وسيرى سوريون شرفاء في مثل هذه الخطوة المفتوحة ربما فرصة تاريخية لإنقاذ أيقونة العالم من منطق الاحتكام إلى السلاح والجهالة والاحتراب.

========================

تساؤلات حول تعثر مفاوضات جنيف..أكرم البني

الحياة

الاحد 28/8/2016

أثار إخفاق دي ميستورا في تحديد موعد جديد لاستمرار مفاوضات جنيف بين النظام والمعارضة، واضطراره، بعد زيارات متكررة للعواصم الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوري، إلى إلغاء أو تأجيل المواعيد الافتراضية للإقلاع بهذه المفاوضات، حزمةً من التساؤلات حول جدوى خطة الطريق الأممية لوقف العنف في سورية وجديتها في وضع الصراع الدموي على سكة المعالجة السياسية.

هل يعود الفشل إلى تراجع التوافق الأميركي مع روسيا والذي من دونه ما كان لبيانات جنيف وفيينا وما تلاها من مؤتمرات أن ترى النور؟ أم إلى حالة الركود التي تشهدها السياسة الخارجية الأميركية وقد زادها ركوداً اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، ما سمح عملياً بتعزيز تنصل واشنطن من الملف السوري وإطلاق يد موسكو لاستثمار ذلك الوقت الضائع؟! أم إلى تريث أميركي مزمن في دعم تغيير حقيقي في سورية، ربطاً بغياب بديل قادر على إقناع العالم ونيل ثقته كطرف مؤهل لقيادة مرحلة انتقالية تحافظ على وحدة البلاد وتقيها استمرار الفوضى وتؤسس لعلاقة جديدة بين السلطة والدولة والمجتمع؟!

أم يعود الفشل، كما يذهب أصحاب العقل التآمري، إلى وجود توافق خفي أو خطة مضمرة بين واشنطن وموسكو لاستمرار الصراع السوري وليس لوأده؟! ويستدركون، كيف نفسر التنازلات الأميركية المتكرر لمصلحة الاشتراطات الروسية؟! وألا يدل تنسيق الضربات الجوية والتصريحات الأميركية المريبة تجاه ما يجرى من تصعيد عسكري في مدينتي حلب وإدلب على تعاون جدي مع روسيا للنيل من المنظمات الجهادية هناك وممن يحسب عليها؟! ولم لا يفسر ادعاء واشنطن بانشغالها في الانتخابات الرئاسية كمحاولة لاستمرار هروبها من دور إيجابي وفعال لوقف العنف السوري؟!

وفي المقابل يسأل آخرون، ألا يصح اعتبار تجميد المفاوضات السورية وقفة اضطرارية خلقها تبدل سياسات بعض الجهات الإقليمية والدولية؟ مشيرين من هذه القناة، مرة أولى، إلى تراجع موقف الحكومة التركية من الصراع السوري، بعد انفتاحها على روسيا وإيران، ليقترب من حسابات الكرملين وطهران وإن لم يتطابق معها، يعززه تحسب أنقرة من دور غربي مناهض لمشروع أردوغان الإسلامي بعد الانقلاب العسكري الفاشل، ومرة ثانية، إلى تنامي أفكار أوروبية جديدة خلقها تواتر العمليات الفردية الإرهابية لتنظيم «داعش» في غير مدينة غربية، وجوهرها الميل إلى منح الأولوية لمواجهة أخطار هذا التنظيم وتخفيف الضغوط عن الأطراف المناهضة له، بما فيها النظام السوري، يحدوها موقف نفعي يجد أن التصدي للإرهاب يتطلب مزيداً من التنسيق العسكري والأمني وليس معالجة جذوره الثقافية والسياسية والاقتصادية! ويخلص أصحاب هذا السؤال إلى توقع إقلاعة جديدة للمفاوضات بروحية بناءة ومثمرة يقودها التوافق بين روسيا وتركيا وإيران، ومستندة إلى تواطؤ إسرائيلي وسلبية أميركية وانشغال عربي بتطورات اليمن العسكرية بعد توقف مباحثات الكويت!

في حين يتساءل أحدهم، ألا يصح ربط توقف المفاوضات بعدم استعداد وصدقية الأطراف الداخلية المعنية بالعملية السياسية، إن لجهة نظام لا يزال يرفض تقديم التنازلات، ويستمر في الرهان على منطق الغلبة وعلى الخيار العسكري لكسر إرادة الآخر، ويأمل بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتحقيق انتصارات يستعيد بها السيطرة على البلاد، وإن لجهة جماعات مسلحة لا تزال أطرافها الرئيسة ترفض العملية السياسية من أساسها، وتعول على الحسم العسكري أيضاً لوضع أجندتها الأيديولوجية موضع التنفيذ؟! وألا يجوز تالياً ربط تعثر المفاوضات بالتصعيد العسكري الأخير في مدينة حلب وما أسفر عنه من تبدلات في المواقع وتوازنات القوى، والأهم بمعارضة سياسية عاجزة عن التقاط زمام المبادرة، ليس فقط لخضوع الكثير من أطرافها لضغوط وإملاءات خارجية، وإنما أيضاً لوزنها الضعيف وغير المقرر ميدانياً بعد انسحاب كتائب عسكرية من صفوفها وتقدم دور منظمات إسلاموية مسلحة، لها أجندة خاصة لا علاقة لها بالشعارات الوطنية، وترفض الالتزام بما تقرره هذه المعارضة وبأية اتفاقات تبرمها، زاد الأمر تعقيداً التقدم ضد «داعش»، الذي أحرزته قوات سورية الديموقراطية المدعومة أميركياً، وسيطرتها على مساحات واسعة من البلاد، بخاصة مع نجاحها بالتفرد وتحجيم نفوذ النظام في «الحسكة»، والتفاتها للسيطرة على «جرابلس» ما قد يجرها لمواجهة فصائل عسكرية تحسب على الاعتدال ومدعومة من أنقرة؟!

يحق للبعض أن يشكك في جدوى التفاوض السياسي وأنه لن يفضي إلى نتائج ملموسة في ظل تعارض مصالح المتصارعين ومواقفهم وسلوكهم الأخلاقي، دافعاً الملف الإنساني إلى الأمام ومتسائلاً، ألم تغدُ معالجة ما يكابده الشعب السوري حاجة ضاغطة على الجميع؟! أولا يفترض أن تتحد اليوم كل الجهود لتخفيف معاناة الناس في ما يعتبر أعظم كارثة ومأساة مرت على البشرية منذ عقود؟! أولا يعني الكثير، حين يكن السوريون المتضررون التقدير والاحترام للأطراف الأكثر حماسة لوقف العنف والأكثر حرصاً على حيواتهم وفرص عيشهم واجتماعهم الوطني، وعلى مستقبل ملايين الأطفال انهارت فرصهم التعليمية وانتشرت بينهم الأمراض والاضطرابات النفسية؟! ويضيفون، ألا يصح إرجاع فشل المفاوضات، إلى تفاقم الشروخ والاصطفافات المتخلفة في المجتمع، وتحرر القوى المتصارعة من أي ضغوط تمارسها نخب سياسية وثقافية وشعبية ترفض منطق الغلبة وتشجع خيار السلام والحل السياسي؟!

ومع الاتكاء على شدة معاناة السوريين في مختلف المواقع وحالة الإنهاك التي وصلت إليها أطراف الصراع الداخلية، ومع الاعتراف بوجود خطوط حمر للتوازنات السورية ترسمها المصالح الخارجية لا يمكن للنظام أو للمعارضة تجاوزها، وبأن إحياء مؤتمر جنيف بات مشروطاً بقوة ورسوخ التوافقات بين أهم الأطراف الإقليمية والدولية لإطفاء هذه البؤرة من التوتر، يبقى السؤال هل ثمة أمل بأن تضغط المحنة الإنسانية المريعة، والتداعيات الخطيرة لاستمرار الصراع السوري، على المجتمع الدولي لاتخاذ خطوات قادرة على تغيير المشهد الدموي القائم، أم هو حظ السوريين السيئ، أن يكتووا بنار الحرب والفتك والخراب لسنوات قادمة؟!

========================

أحجية أردوغان وداعش والأكراد في المعادلة السورية والإقليمية .. د. خطار أبو دياب

العرب

الاحد 28/8/2016

في معارك المواقع وصراع المحاور والتباس التحالفات في “اللعبة الكبرى الجديدة ” في سوريا وحولها، تتسارع الأحداث في الشمال السوري من حلب إلى منبج ومن جرابلس إلى الحسكة، وتتراوح فيها أدوار قوى داخلية وإقليمية بين الصعود والهبوط، لكنها تخفي ألغازا ضمن الأحجية السورية الكبرى عن كيفية صنع وصعود ما يسمى بداعش، إلى تضخيم دور الورقة الكردية وما واكب ذلك من عزف تركي متنوع على كل الأوتار الإقليمية، من تل أبيب إلى طهران تحت عين المايسترو الأميركي والعراب الروسي. كل ذلك بالطبع ليس من أجل بقعة أرض إضافية في شرق يتفكك، بل من أجل تجميع كل طرف لأوراقه بانتظار لحظة المساومة على إعادة تركيب الإقليم كخلاصة لحروب الإرادات والأدوار.

راهنت واشنطن على الحصان الكردي في محاربة تنظيم “داعش” من كوباني – عين العرب إلى منبج، وأغاظ ذلك أنقرة المسكونة بهاجس صعود القوة الكردية على حدودها، لكن رجب طيب أردوغان الذي تعامل مع النزاع السوري وصعود الإرهاب على طريقته، لم يسلم بعدم صنع الوقائع في جواره القريب. وهكذا بعد استدارته في السياسة الخارجية وبعد إمساكه بالوضع الداخلي، انتقل إلى الهجوم صباح 24 أغسطس الحالي وأرسل قواته الخاصة إلى داخل الأراضي السورية، قبل ساعات من وصول نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تركيا في أول زيارة رفيعة المستوى لمسؤول أميركي بعد الانقلاب الفاشل وتتماته. بالطبع أتى ذلك بعد قمة بوتين – أردوغان، وبعد اتصالات مع إيران، ولهجة مخففة حيال النظام في دمشق.

جرى تحضير الميدان لمعركة جرابلس والغريب فيها تبخر تنظيم داعش وعدم صموده لساعات قليلة (خلافا للأثمان الباهظة وأشهر القتال في كوباني ومنبج)، مما يذكرنا بتبخر القوات العراقية في معركة الموصل في يونيو 2014، ويزيد من التساؤلات حيال تنظيم وتوقيت الحروب النقالة في مسلسل الفوضى التدميرية الذي يتم على حساب دول المشرق وشعوب الهلال الخصيب في المقام الأول. ليس في الأمر غمز من قناة تركيا لوحدها، لأن ديناميكية التفكك وتحطيم الدول المركزية لن تتوقف في العراق وسوريا وليبيا واليمن، بل يمكن أن تتخطى العالم العربي نحو جواره التركي والإيراني في حال استمرار الحرب الإسلامية – الإسلامية (من مظاهرها إعلان إيران إنشاء ما أسمته “جيش التحرير الشيعي” ليقاتل في العراق وسوريا واليمن). لكن ذلك لا يعني استسهال انتهاك حقوق المكونات القومية والإثنية تحت عناوين الحدود المقدسة أو احترام وحدة الدول.

في المدى المنظور، يمكن للدخول التركي أن يخلق ميزان قوى يسمح بالتوصل إلى ترتيب يجمد النزاع السوري وخطوط القتال

إن المباركة الروسية الضمنية للتدخل التركي المحدود (زيارة الرئيس الروسي بوتين لتركيا المرتقبة في 31 أغسطس لحضور مباراة كرة قدم ودية، إشارة جديدة لتعزيز التقارب ولتلويح تركيا بذلك في مواجهة حلف شمال الأطلسي الذي تنتمي إليه) والغلبة الروسية في قيادة المحور مع إيران كما برهن على ذلك استخدام قاعدة همدان، ستعززان من فرص موسكو في إدارة أقوى للملف السوري. والملاحظ أن الجهد الروسي يطال المملكة العربية السعودية اللاعب العربي الأبرز في النزاع السوري، إذ بعد عرقلة في مجلس الأمن لقرار حول اليمن، وبعد ممالأة السفير الروسي في صنعاء لمحور علي صالح – الحوثيين، قام ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسية بزيارة طويلة لجدة أسفرت عن تفاهمات حيال اليمن وسوريا.

بيد أن هذا الاندفاع الروسي لتركيز النفوذ من المتوسط إلى الخليج، لن تكون دروبه معبدة وبالتالي سيتوقف الأمر على رهانات الإدارة الأميركية القادمة، وأيضا على مراقبة التقاطعات المنتظرة بين واشنطن وطهران من أجل إحباط الحياكة الروسية للنسيج الإقليمي في المرحلة الراهنة.

كيفما ذهبت العلاقة المستقبلية بين واشنطن وموسكو لا يمكن إعادة تركيب المنطقة على نفس الأسس في الإقصاء والغلبة إن بالنسبة للأكراد أو غيرهم. في ظل انقسام الأكراد بين تيارين رئيسيين: تيار بارزاني وتيار أوجلان، وفي ظل تشظيهم وصراع القوى الإقليمية والدولية حول أدوارهم وأماكن تواجدهم، لا يمكن تصور إقامة دولة كردية تخترق حدود أربع دول، خاصة أن كل الأدبيات الكردية لكل الأطراف تكتفي بالمطالبة بحكم ذاتي والنموذج هو كردستان العراق. بالطبع يمكن للبعض أن يصل إلى حد المطالبة بالانفصال، لكن هذه الأصوات محدودة التأثير. وفي المقابل لا يمكن إهمال عناصر القوة عند شعب يبلغ تعداده حوالي أربعين مليون نسمة، وهو أكبر شعب في العالم من دون دولة. الفيدرالية أو الاتحادية ليست وصفات سحرية لأنظمة دول مهددة بالتفكك، لكنها أساليب حكم أثبتت جدواها من ألمانيا إلى الهند، ويمكن أن تشكل أجوبة على أوضاع دول بعينها أو يمكن أن تكون الفيدرالية المشرقية الجواب على التفتت الكياني والتجزئة الفئوية بعد فشل مشاريع الدول الوطنية العربية بعد الاستقلال.

في هذا الإطار، لا بد من التشديد على رفض تركيب أكثريات جديدة ضمن الكيانات الحالية (سوريا ولبنان) من خلال التطهير والتغيير السكاني لضمان نصر مشروع إقليمي إمبراطوري على حساب المكون العربي السني الأكثري. ولذا من دون مشروع يتم فيه التوفيق بين الحفاظ على حدود الكيانات القائمة، وإقامة منظومة حكم على أساس التعدد والديمقراطية والمواطنة (وليس الانتماء الديني أو المذهبي) لا يمكن تفادي تمزيق الخرائط عبر تسوية بين اللاعبين الخارجيين ومقصهم الأشبه بالمنشار.

لا يمكن في مطلق الأحوال خروج دنيا العرب من كبوتها من دون مشروع تجديدي نهضوي يبعد الأسطورة الدينية ويحترم كل المكونات ويعترف بها.

========================

قصة مدينة اسمها داريا .. فايز سارة

الشرق الاوسط

السبت 27/8/2016

خلاصة التسوية بين مقاتلي داريا ونظام الأسد، تقضي بتسليم المدينة للنظام مقابل خروج نحو خمسة آلاف هم من تبقى من سكان المدينة والمدافعين عنها إلى مناطق خارج سيطرة النظام. وبهذه الخلاصة، يسدل الستار على فصل مهم من قصة مدينة صغيرة قاومت قوة النظام العاتية لنحو خمس سنوات، في ظل حصار خانق، فشل العالم في فكه أو تخفيف معاناة المحاصرين على نحو ما فشل في الوصول إلى حل سياسي للقضية السورية، كانت داريا ستجد فيه إمكانية لتجاوز التسوية الأخيرة في تسليم المدينة ورحيل من بقي من سكانها والمدافعين عنها.

داريا أكبر مدن غوطة دمشق الغربية، وهي الأقرب للعاصمة دمشق؛ إذ لا تبعد عنها سوى ثمانية كيلومترات، وتجاور مطار المزة العسكري الموصوف بأنه أكبر وأخطر قواعد النظام الأمنية والقتالية في محيط دمشق، حيث توجد فيه طائرات الهليكوبتر، ومقر فرع التحقيق للمخابرات الجوية سيئ الصيت، وبلغ عدد سكان داريا أكثر من مائتين وخمسين ألفًا عشية ثورة السوريين على النظام في مارس (آذار) من عام 2011، لكن غالبية هؤلاء تم تهجيرهم من المدينة في ظل سياسة القتل والاعتقال والحصار والتجويع، التي مارسها نظام الأسد، وأدت إلى مقتل وإعطاب عشرات الآلاف من السكان، وفقد آلاف منهم، قامت الأجهزة الأمنية والعسكرية باعتقالهم أو اختطافهم.

ويمثل موقع المدينة الاستراتيجي أحد أسباب السياسة الدموية، التي اتبعها النظام في التعامل مع المدينة وسكانها، وثمة أسباب أخرى لا تقل أهمية عنه، منها أن داريا كانت بين أوائل المدن السورية التي انخرطت في الثورة، فأطلقت حراكًا مدنيًا سلميًا، ميز الثائرين من أبنائها في سلوكياتهم وشعاراتهم رغم البطش المبكر الذي مارسه النظام ضدهم مع بدء المظاهرات في أواخر 2011، وكرس أبناء داريا فكرة سلمية الثورة بصورة منظمة ومنضبطة، وعملوا على صيانة المدينة والحفاظ على وحدة المسلمين والمسيحيين من أبنائها، وحافظوا على الوافدين من سكانها، وانفردوا بين الثائرين بتوزيع الورود والمياه على جنود النظام، وحافظوا على خطاب الثورة وشعاراتها دون الذهاب إلى التطرف.

غير أن النظام رد على اعتدال داريا وسلميتها بعنف شديد، كانت مجزرة داريا في 2012 إحدى أبرز ذرواته المبكرة، التي قُتِل فيها ثلاثمائة من سكان المدينة في يوم واحد، يضافون إلى ثلاثمائة وستين آخرين قُتلوا في العام الأول من الثورة مع اختفاء واعتقال نحو ألف من أبنائها في العام الأول، وكانت المجزرة بين الأسباب التي عززت توجُّه بعض ثوار داريا إلى التسلح للدفاع عن النفس، خصوصًا بعد تزايد عدد أبناء المدينة الذين انشقوا عن جيش النظام وأجهزته الأمنية، وانضموا إلى الثورة، فتم تشكيل المجموعات الأولى من «الجيش الحر» في المدينة، وتوحدت تلك المجموعات في كتائب أبرزها كتيبة شهداء داريا، قبل أن تنتظم تلك الكتائب تحت اسم «لواء شهداء الإسلام» في أعقاب المذبحة الكبرى التي ارتكبها النظام في أغسطس (آب) عام 2012.

فرض النظام الحصار على داريا مع أواخر عام 2012، فمنع مرور الأشخاص والسلع بما فيها الغذاء والدواء إلى المدينة بهدف إخضاعها. لكن الأهالي والفعاليات الأهلية والمدنية، أعادت ترتيب الحياة في المدينة من خلال مجلس محلي مُنتَخَب بطريقة ديمقراطية، هدفه تجاوز نقاط الضعف والفوضى والتشتت، وتجميع الجهود لإدارة المدينة وحياة سكانها عبر مكاتب متخصصة، يديرها مكتب تنفيذي، كان الوحيد بين المجالس المحلية الذي يشرف على المكتب العسكري ويوجهه، وفي هذا عكس أبناء داريا وعيهم وقدرتهم على تنظيم وإدارة حياتهم بما في ذلك الدفاع عن مدينتهم ضد هجمات النظام التي ظلت متواصلة ومتصاعدة طوال السنوات التالية.

واستنزفت الحرب الطويلة مع الحصار الشديد، ومنع الغذاء والدواء قدرات أهالي داريا، وتفاقم الوضع بعد التسوية الجزئية، التي تمت بين نظام الأسد والمعضمية جارة داريا وخاصرتها في الغرب، وبعد التوقف الكلي لأية مساعدات كان يمكن أن تجد لها طريقًا إلى المدينة، ثم زاد الأمر سوءًا إغلاق أفق التسوية السياسية للقضية السورية، وتشديد النظام لهجماته البرية والجوية على المدينة وأطرافها، وكلها عوامل جعلت من إمكانية سقوط المدينة بيد نظام الأسد أمرًا ممكنًا، وكانت السبب في التوصل إلى الاتفاق الأخير الذي ما زالت بعض تفاصيله غير معلنة.

قصة داريا، قصة المدينة المثال في ثورة السوريين من حيث تجسيدها لسعي السوريين السلمي من أجل الحرية والعدالة والمساواة. وحتى عندما ذهبت الثورة إلى التسلح والعسكرة، فقد ظلت المدينة تحكم قبضتها عبر مجلسها المحلي على القوة العسكرية، وتخضعها لقرارات المجلس المحلي، الأمر الذي ساعد في صمود المدينة وأهلها في وجه القوة الطاغية للنظام.

ولئن استطاع الأخير أخذ المدينة بالقوة الطاغية، وترحيل من بقي من سكانها والمدافعين عنها، وسط ظروف سياسية وميدانية محليًا وخارجيًا، فإنه لن يستطيع إلغاء فصل عظيم من تاريخ مدينة ظلت سنوات وسط حصار تقاوم العدوان والدموية في تجربة لا تكاد تماثلها تجربة في تاريخ المدن، بل إن حصار مدينة ستالينغراد الروسية في الحرب العالمية الثانية لمدة ستة أشهر، ليس إلا فصلاً بسيطًا من تجربة داريا.

========================

عندما فشل الوكيل تدخل الكفيل: روسيا في سوريا مثالاً .. د. فيصل القاسم

القدس العربي

السبت 27/8/2016

عندما نراجع شريط ذكريات الثورة السورية على مدى أكثر من خمس سنوات، تصبح الصورة أكثر وضوحاً. ويصبح المشهد عارياً بلا رتوش. لقد سمعنا كثيراً في الماضي أن الاستعمار خرج من الباب، لكنه عاد من النافذة. ومازلنا نسمع أن الكثير من الأنظمة العربية الحاكمة ليست سوى واجهات إما للمستعمر القديم، أو للقوى الكبرى. وقد كان المفكر التونسي هشام جعيط قد وصف الكثير من الحكومات العربية بأنها ليست حكومات وطنية تمثل شعوبها أو تعمل من أجل بلادها، بل هي مجرد وكلاء لقوى خارجية في بلادها، فكما أن الشركات لها مندوبون ووكلاء عامون في كل بلدان العالم كشركات السيارات والساعات والكحول والألبسة، فإن القوى الكبرى لها وكلاء في بلادنا يسمونهم حكاماً. لقد ظللنا نسمع عن هذه الأمور، وكنا نعتقد أنها مجرد فذلكات مثقفين ويساريين، لكن الثورة السورية أثبتت ذلك بشكل صارخ.

لقد كان النظام السوري تحديداً ينعت كل الدول العربية التي تعارضه بأنها مجرد توابع لأمريكا وأنها لا تمتلك قرارها، بل هي مجرد وكالات غربية. وقد ظننا لكثرة ما سمعنا الإعلام السوري وهو يقوم بتخوين العرب الآخرين واعتبارهم مجرد عملاء للغرب، ظننا أن النظام صاحب قراره، وأن القرار الوطني المستقل الوحيد الموجود في العالم العربي هو في سوريا فقط. لكن كما هو معروف فإن حبل الكذب قصير جداً مهما طال. لقد جاءت الثورة السورية لتكشف بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام السوري مثله مثل بقية الأنظمة مجرد وكيل، وهو لا يختلف أبداً عن الوكلاء التجاريين الذين ذكرهم هشام جعيط.

بدأت تبعية النظام لروسيا تظهر في السنوات الأولى من الثورة عبر الموقف الروسي في مجلس الأمن، فكلما كانت هناك محاولة لإدانة النظام أو اتخاذ إجراءات معينة ضده عقاباً له على ما يفعله بسوريا والسوريين، كانت روسيا ومعها الصين تلجأ فوراً إلى استخدام حق النقض الفيتو ضد أي قرار دولي يستهدف النظام. طبعاً كانت روسيا دائماً تبرر استخدامها للفيتو لحماية النظام بأنها ضد التدخل الدولي في شؤون الدول، وأنها بذلك تحمي القانون الدولي بالدرجة الأولى، لكن مع مرور الأيام بدأنا نكتشف أن روسيا تحترم القانون الدولي كما تحترمه أمريكا تماماً، فعندما يكون في مصلحتها ترفع من شأنه، وتعتمده وثيقة قانونية، وعندما يقف عائقاً في طريق تحقيق مشاريعها تدوسه بأرجلها غير مأسوف عليه كما فعلت عندما غزت سوريا عسكرياً. ما الفرق بين الغزو الأمريكي للعراق والغزو الروسي لسوريا؟

لم يكن استخدام الفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي حماية للقانون الدولي أبداً، بل كان دفاعاً مفضوحاً عن محميتها السورية وعميلها في دمشق. كما تحمي أمريكا توابعها، فإن روسيا تحمي تابعها. لقد كان الفيتو الروسي المرحلة الأولى لحماية النظام، لكن عندما بدأت الأمور تفلت من يديها، وبدأ النظام يفقد قدرته على مواجهة الثوار، لم تعد تكتفي روسيا بالفيتو، بل كان لا بد من التدخل المباشر. وقد بدأت تباشير التدخل المباشر عندما لعبت روسيا دور الوسيط بين النظام وأمريكا لتجريد سوريا من سلاحها الكيماوي الاستراتيجي. لقد كانت روسيا تعلم أنه لو بدأ الناتو بقصف النظام لربما خسرت روسيا مستعمرتها السورية إلى الأبد، فكان إذاً لا بد من التوسط للحيلولة دون انهيار تابعها في دمشق.

وبعد ذلك حاولت روسيا تزويد النظام بكل أنواع السلاح والخبراء، لا بل إنها دعمت كل حلفائه كالإيرانيين وغيرهم عسكرياً وسياسياً لحماية النظام، لكن ذلك لم يحم النظام، وعندما أصبح الثوار على تخوم الساحل السوري معقل النظام، سمعنا فجأة عن زيارة مفاجئة للرئيس السوري إلى موسكو.

وقد بدأت مفاعيل تلك الزيارة تظهر بعد أسابيع عندما بدأت روسيا تغزو سوريا غزواً عسكرياً حقيقياً، من خلال إقامة القواعد العسكرية المفضوحة في حميميم واستباحة كل الأجواء والأراضي السورية من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها.

إن ما يحصل في سوريا يذكرنا بفرق المصارعة تماماً، فعندما ينهار مصارع يخرج من الحلبة، ويصعد محله مصارع جديد لمواجهة الخصم. لقد خرج النظام من الحلبة منذ زمن، وتحول جيشه إلى مجرد ميليشيا تقاتل إلى جانب الميليشيات الأجنبية التي استجلبها لحمايته، وعندما انهارت الميليشيات الإيرانية وتوابعها، جاء دور روسيا المدير الحقيقي للعبة السورية لعلها تفوز بالجولة الأخيرة وتحسم الأمر لصالحها، فتدخلت، في الحلبة كما يتدخل المصارع عندما يجد أن شريكه قد انهزم. وقد صدق المعارض السوري المحسوب على النظام لؤي حسين عندما قال لجمهور النظام: إياكم أن تظنوا أنكم انتصرتم، فأنتم مجرد توابع.

وأضاف حسين حرفياً: «من دون أدنى شك لم ينتصر النظام إطلاقا إلا ببقاء قياداته على كراسيهم. وهذا الأمر لا يحتاج لكبير جهد للتأكد منه. فالقوات العسكرية الضاربة في أغلب المناطق هي قوات غير سورية، هي «حلفاء الجيش السوري» كما يسميهم الإعلام الموالي. النظام باع نفسه وقراره وأرضه وسماءه لأي غريب مستعد أن يحفظ لقياداته كراسيهم حتى لو تحولت هذه الكراسي إلى كراس كرتونية لا يحق لها إصدار أي قرار عسكري أو سيادي، ويبقى لها قرارات أسعار البندورة والفجل».

٭ كاتب وإعلامي سوري

========================

منحبك ؟؟!! .. يحيى حاج يحيى

لست ممن يؤمنون بالحب من أول نظرة ؟! ولا من أول همسة ؟ ومع ذلك فقد فرض علي وعلى أمثالي أن نحبه ونهتف له ونجدد البيعة كلما أراد ، ولكن على مبدأ ! إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تمقتهم .

عندما دخلت إلى إحدى سفاراتنا العتيدة فوجئت بصورته وتحت كلمة (منحبك) ، كان إلى جواري أحد الإخوة العرب وقد حضر للحصول على فيزا مرور . فوجدته يتهجى الكلمة ويقرؤها (مَنْحُـبُك) ثم يزم شفتيه متعجبا ، فأدركت الإشكال الذي يدور في ذهنه . فقلت : إنه رئيس الدولة (مَنْحُـبُك ) الثاني ، فقال مستغربا : ما سمعت بهذا اللقب !

قلت : أبوه الراحل كان مَنْحُبـُك الأول ، وابنه الصغير الذي يلعب بالدراجة في ساحة القصر الجمهوري يُخٓطط له أن يكون مَنْحُبـُك الثالث ؟!

ازداد تعجب الرجل ، وبالغت في مضاعفة استغرابه فقلت : مَنْحُـبُك لقب مثل فرعون وكسرى وشاهنشاه ولهؤلاء جميعا أسماء غير هذه ؟!

أدار وجهه وكأن هذا التفسير لم يلق لديه قبولا

قلت : ولكنني قرأتها مُنْحَبَك وقد تقرأ مُنْحَبِك : اسم مفعول واسم فاعل من انحبك ينحبك ، والحبك كما في القاموس إجادة نسج الثوب

فإن كانت بفتح الباء فإن الذي حبكه أبو الراحل بعد مقتل شقيقه وآخر حبكة له كانت عندما جيء بأعضاء مجلس الشعب يسوقهم زوج أخته آصف شوكت وأستاذه الذي علمه الحكم بهجت سليمان ، ليغيروا القانون ، ويخفضوا من عمر رئيس الجمهورية إلى 34 عاما ، في أكبر موسم للتخفيضات في العالم الثالث بإدارة عبد القادر قدورة خبير التخفيض العالمي .

ثم حُبك حبكة أخرى حين طلبوا من نائب رئيس الجمهورية أن يصدر قرارا بترقيته إلى رتبة أبيه العسكرية (فريق أول ) وقرارا آخر يرفعه إلى مكانة أبيه الحزبية ( الأمين العام لحزب البؤس ) أحسست أن هذه التفريعات لم ترق لصاحبي فهي لا تهمه في قليل أو كثير فحسبه أن يحصل على تأشيرة المرور ومع ذلك قلت في نفسي : لا بد أن يعرف كيف أحببناه ولماذا ؟ وإلى متى ؟ فأوضحت له أن الكلمة هي (مِنْحِبَّك )أي أننا نحبك ؟؟؟؟!

انفرجت أساريره وقال : أ لهذه الدرجة ؟ قلت : وأشد فأنت عندما تزور قطرنا الممانع الصامد المتصدي ستجد شعبنا يتغدى ويتعشى على حبه , وينام ويستيقظ وهو يحلم به !!

أما كيف حصل هذا فإن والده الراحل الكبير بعد أن رقق مشاعر الشعب ، ونقله إلى حالة من الرومانسية نتيجة الجوع والخوف ، على اعتبار أن الجائع يصل إلى حد الهلوسة والخائف يصل إلى حد التسليم ، هذا الراحل أراد أن لا يحرم العباد والبلاد من نسله المبارك ؟؟ فأخذ عهدا على كل الذين رافقوه في سنوات نضاله الثلاثين بأن يلتزموا مصحاتهم ومساكنهم ويتركوا المجال للأمل الواعد ( ابنه ) بعد أن أكدت له دوائر المخابرات بأنواعها بان السوريين يحتاجون إلى الحب وليس للمواد التموينية ورفع الرواتب والحريات السياسية والفكرية وأنه باختيار ابنه لخلافته يكون قد حقق أمل الشعب مستشهدين بقول المطرب الشعبي : لا باكُلْ ولا بَشْرَبْ بس بطَّلَّع بعيوني ؟!

ولما كانت العيون هي أداة المعرفة الوحيدة بعد تعطيل السمع والفكر فإن شعبنا يحتاج إلى صور تعلق لنجله المُسْتَخْلَف في كل مكان من البلاد ؟ وقطعا لدابر الدعايات الخارجية المغرضة وزعت الصور على السفارات والقنصليات وتحتها كلمة (منحبك) دون تشكيل ليقرأها كل واحد كما يريد .

==========================

الاضطراب الإيراني والاستنفار التركي .. رضوان السيد

الشرق الاوسط

السبت 27/8/2016

غّصت نشرات الأخبار في الأيام الأخيرة بوقائع وتموجات الحراكين الإيراني والتركي٬ والإيراني أكثر من التركي. فقد تبَّين أَّن إيران ما تزال تسعى إلى تكوين ميليشيات جديدة في العراق تستخدمها هذه المرة للتحرش بالأكراد٬ وترسل بعضها الآخر للقتال في سوريا. وبعض تلك الميليشيات نجمت عن انشقاقات أحدثها الإيرانيون في جيش المهدي أو جيش السلام الذي شّكله مقتدى الصدر. وإيران منزعجة من الصدر وقواته٬ لأنها لا تسيطر عليها٬ ولذلك يعمد سليماني (للمرة الثالثة) إلى دفع مرتبات أكبر للمنضوين مع الصدر لكي يتبعوا (الحشد الشعبي) إنما هذه المرة بوظائف أخرى. وكان أحد قادة ميليشيا حزب الله قد صَّرح في الأيام الأخيرة أّن «سرايا المقاومة» المنتشرة في المدن والبلدات السنية بلبنان يبلغ كثيرها الخمسين ألًفا٬ وهي متخصصة للتصدي «للأعداء الداخليين»! وإلى ذلك طلب حسن نصر الله في أحد خطاباته المتكاثرة من جديد من «داعش» التوقف عنُمعاداة الحزب٬ ما دام الطرفان لهما عدٌّو مشترٌك هو الولايات المتحدة الأميركية!

وإلى هذا الُزحار الميليشياوي الإيراني للقتال في كل مكان على الأرض العربية٬ تنافر الروس والإيرانيون علًنا بشأن الاتفاق على أن يستخدم الطيران الحربي الروسي قاعدة في همدان الإيرانية لقصف سوريا. وبعد مرتين أو يومين متتاليين فاَخَر الروس بذلك٬ فانزعج نواب وعسكريون إيرانيون٬ وأخذوا على روسيا عجرفتها وإعلانها الدعائي٬ مما دفع الروس للقول إنهم لن يستخدموا القاعدة الهمدانية مؤقًتا٬ لكنهم سيعودون لاستخدامها إن رأوا ذلك ضرورًيا لأّن الاتفاق موجوٌد وحاصل! ويبدو أّن نصر الله ما كان شاعًرا باضطرار إيران لاستجلاب المساعدة من روسيا في حربها على الشعب السوري؛ لأنه زعم في خطاٍب أخير له أّن الحزب صار قوة إقليمية بعد حربه على إسرائيل عام 2006 .وسيصبح قوة عالمية عندما ينتصر في سوريا!

أّما الحرس الثوري فقد أطلعنا على تنظيٍم جديٍد لكتائب إيران الثورية بالخارج عندما قال المتحدث باسمه إّن هناك قيادة مشتركة جديدة لقوات الثورة الإيرانية الخارجية٬ تشمل العراق وسوريا واليمن!

لماذا برزت الحاجة الإيرانية الآن لتسعير القتال في الوقت نفسه بالعراق وسوريا واليمن وربما في لبنان؟ هناك تصدع الجبهات في حلب. وهناك الصراع المستجد بين إيران (وشيعة الحكومة العراقية) من جهة٬ والأكراد الإيرانيين والعراقيين والسوريين من جهة أُخرى. وهناك المحاولة الإيرانية لاجتذاب الأتراك بعد الانقلاب الفاشل٬ وسوء العلاقة مع الولايات المتحدة والأوروبيين. لكنهم عندما يذهبون إلى أنقرة (كما فعل محمد جواد ظريف)٬ ينبغي أن يكوَن عندهم ما يعطونه أو سيستخُّف التركي بهم. وقد كان عندهم حلب وما عادت كذلك. وفي اليمن تتقدم قوات الشرعية٬ وصاروا مسؤولين عن كل شيء في سوريا٬ لكنهم ما عادوا يستطيعون الرهان والاتجار هناك ولا الانتصار٬ ولذلك اضطروا لإغراء الروس بكل سبيل٬ وهم يحاولون الآن إغراء إردوغان٬ فضلاً عن غرام أوباما الذي لا ينتهي بهم. قال لي إيراني معارض: ما أضر أحد بإيران كما أضّر بها أوباما العاشق٬ فقد تركهم يندفعون بكل اتجاه مع بسمة رضا وإعجاب٬ وهم يكشرون الآن في وجهه بزعم أّن ولدهم نصر الله قد صار قوة عالمية!

أما وضع تركيا فهو أقّل صعوبة٬ رغم الانقلاب٬ وانجراح هيبة إردوغان بالداخل ومع روسيا. فالروس والإيرانيون محتاجون إليه للحل أو الحرب في سوريا٬ ومع الأكراد. والأميركان والعرب يعتقدون الآن أنهم أخطأوا كثيًرا في حقه٬ وهم يريدون التعويض عليه وشراكته بأي سبيل حتى لا يمضي بعيًدا في علاقاته مع روسيا وإيران. وقد بدأ يستفيد من الوضع الجديد٬ بالإعلان عن اتجاه الجيش الحر انطلاًقا من تركيا لطرد «داعش» من جرابلس٬ وربما تتوجه كتائب منه باتجاه الباب. ويبالغ قادة الجيش الحر في التفاؤل٬ فيعلنون أنهم لن يحرروا جرابلس وربما الرقة فقط؛ بل سيطردون القوات الكردية من المناطق التي أخذتها منهم. ويصل إلى أنقرة نائب الرئيس الأميركي بايدن ليحاول تهدئة تركيا المستثارة والساخطة٬ وليس بسبب الموقف على الحدود مع سوريا فقط (بعد ضربة «داعش» الأخيرة بغازي عينتاب واستيلاء الأكراد على منبج من «داعش»)؛ بل بسبب موقف الولايات المتحدة من الانقلاب الغولاني٬ وإعراض الأوروبيين عنها. في السنوات الأخيرة ما استفاد إردوغان شيئا من الغضب والحرد.

ماذا يريد الإيرانيون وماذا يريد الأتراك في سوريا ومن سوريا٬ بحيث نستطيع أن نحكم على تطورات علائقهم مع أميركا وروسيا؟ يريد الأتراك في الحد الأدنى أن تؤمن حدودهم من التقدم الإيراني ومن الكيانية الكردية. وما استطاعوا تأمين ذلك في السنتين الأخيرتين فغضوا النظر عن «داعش» و«النصرة»٬ وساعدوا بالسلاح والتدريب كتائب المعارضة الأخرى. وكما لم يستطيعوا التأثير على الأميركان وإيران٬ كذلك اشتبكوا مع روسيا كما هو معروف. ثم تغير الموقف بشكل راديكالي: قّووا الثوار بحلب فحققوا اختراقات معتبرة٬ والتفتوا للتصالح مع روسيا وإسرائيل٬ وتحرك الأكراد الإيرانيون فارتعب الإيرانيون وطالبوا تركيا بالتعاون من جديد. وعرف الأميركان أنهم سيكونون أكبر الخاسرين في الشرق الأوسط إن فقدوا تركيا٬ وأوباما مسرور بالشغف الإيراني والتأسيس الكردي للدويلات. ولذلك جاء بايدن إلى تركيا بعد طول تردد.

ماذا يريد الإيرانيون؟ الإيرانيون يريدون كل شيء: العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن.. إلخ. وقد اقتربوا كثيًرا من الروس دون أن يتطابقوا٬ وعندهم ضوء أخضر من الأميركان. ولأنهم متطلبون ومتخلفون٬ فإنهم لا يرضون بأقل من الاحتلال في كل الأماكن حتى في غزة. ولذلك تذمر منهم الجميع وآخرهم الروس٬ وهم من السذاجة أو الوقاحة بحيث يعتقدون أّن الجميع يصدقونهم إذا ضربوا في الأرجنتين مثلاً بحجة مصارعة السعودية أو إسرائيل! ولأّن مطامعهم بهذا الشمول وبهذا العمق٬فإنهم فضلاً عن تنفير الجميع٬ يعتمدون «الحَّل النهائي» بالقتل والتهجير والتطييف أو الحرب الدينية (!). ولذلك كلّه٬ ورغم الضيق الهائل النازل بهم بسبب ضخامة الأهداف؛ فإنهم الأقّل تقبلاً للوصول إلى تسوية٬ يبدو أّن الأميركيين والروس.. والأتراك سائرون باتجاهها في المدى المتوسط.

الأميركيون يريدون البقاء سادة للمنطقة والعالم٬ وهم يستخدمون الآخرين في ذلك٬ ولا يهمهم طول المدة. أما الروس فيريدون النفوذ والندية مع أميركا لكنهم لا يستطيعون الصبر طويلاً؛ لأنه مكلٌف مادًيا ومعنوًيا. والأتراك كانوا يريدون نفوًذا في العراق وسوريا ولو بالتوافق مع إيران٬ وهم لا يريدون الآن أكثر من حماية حدودهم من الكيانية الكردية! والعرب الذين ينبغي أن يهمهم انتماء سوريا ووحدة أراضيها وبقاء شعبها٬ ما عاد مهتم منهم حًقا بسوريا العربية غير المملكة العربية السعودية.

أما الإيرانيون فيريدون كل شيء٬ ومستعدون للتضحية بكل الشيعة العرب والأفغان والباكستانيين. ولذلك قلت إّن تركيا مستنفرة٬ أما الإيرانيون فهم في حالة اضطراٍب هائل.. ويا للعرب!

========================

 

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

thefreesyriasite@gmail.com